---
title: "تفسير سورة الحجر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/15/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/15/book/350"
surah_id: "15"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحجر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/15/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحجر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/15/book/350*.

Tafsir of Surah الحجر from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 15:1

> الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [15:1]

تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور. و  تلك  يمكن أن تكون إشارة إلى حروف المعجم - بحسب بعض الأقوال - ويمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والعبر ونحوها التي تضمنتها آيات التوراة والإنجيل، وعطف القرآن عليه. قال مجاهد وقتادة : الكتاب  في الآية، ما نزل من الكتب قبل القرآن، ويحتمل أن يريد ب  الكتاب  القرآن، ثم تعطف الصفة عليه[(١)](#foonote-١).

١ تنكير "القرآن" هنا للتفخيم، كأنه قيل: تلك آيات الكتاب الكامل، و القرآن الجامع للكمال والغرابة في الشأن..

### الآية 15:2

> ﻿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [15:2]

وقرأ نافع وعاصم **«ربَما »** بتخفيف الباء. وقرأ الباقون بشدها، إلا أن أبا عمرو قرأها على الوجهين، وهما لغتان[(١)](#foonote-١)، وروي عن عاصم **«رُبُما »** بضم الراء والباء مخففة، وقرأ طلحة بن مصرف **«ربتما »** بزيادة تاء، وهي لغة. و  ربما  للتقليل وقد تجيء شاذة للتكثير، وقال قوم : إن هذه من ذلك، ومنه :
رب رفد هرقته. 
**ومنه :**
رب كأس هرقت يا ابن لؤي. . . . 
وأنكر الزجاج أن تجيء ****«رب »**** للتكثير[(٢)](#foonote-٢). و ********«ما »******** التي تدخل عليها ****«رب »**** قد تكون اسماً نكرة بمنزلة شيء، وذلك إذا كان في الضمير عائد عليه، كقول الشاعر :\[ الخفيف \]
ربما تكره النفوس من الأم. . . ر له فرجة كحل العقال[(٣)](#foonote-٣)
التقدير : رب شيء، وقد تكون حرفاً كافاً لرب وموطئاً لها لتدخل على الفعل إذ ليس من شأنها أن تدخل إلا على الأسماء، وذلك إذا لم يكن ثم ضمير عائد كقول الشاعر :\[ جذيمة الأبرش \] \[ المديد \]
ربما أوفيت في علم. . . ترفعن ثوبي شمالات[(٤)](#foonote-٤)
قال القاضي أبو محمد : وكذلك دخلت ********«ما »******** على **«من »** كافة، في نحو قوله :**«وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه »**[(٥)](#foonote-٥). ونحو قول الشاعر :\[ الطويل \]
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة. . . على رأسه تلقي اللسان من الفم[(٦)](#foonote-٦)
قال الكسائي والفراء : الباب في **«ربما »** أن تدخل على الفعل الماضي، ودخلت هنا على المستقبل إذ هذه الأفعال المستقبلة من كلام الله تعالى لما كانت صادقة حاصلة ولا بد جرت مجرى الماضي الواقع. 
قال القاضي أبو محمد : وقد تدخل رب على الماضي الذي يراد به الاستقبال، وتدخل على العكس. والظاهر في  ربما  في هذه الآية أن ********«ما »******** حرف كاف - هكذا قال أبو علي، قال : ويحتمل أن تكون اسماً، ويكون في  يود  ضمير عائد عليه، التقدير : رب ود أو شيء يوده  الذين كفروا لو كانوا مسلمين . 
قال القاضي أبو محمد : ويكون  لو كانوا مسلمين  بدلاً من ********«ما »********. 
وقالت فرقة : تقدير الآية : ربما كان يود الذين كفروا. قال أبو علي : وهذا لا يجيزه سيبويه، لأن كان لا تضمر عنده. 
واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن لو كانوا مسلمين، فقالت فرقة : هو عند معاينة الموت في الدنيا - حكى ذلك الضحاك - وفيه نظر، لأنه لا يقين للكافر حينئذ بحسن حال المسلمين، وقالت فرقة : هو عند معاينة أهوال يوم القيامة - قاله مجاهد - وهذا بين، لأن حسن حال المسلمين ظاهر، فتود، وقال ابن عباس وأنس بن مالك : هو عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة، واحتج لهذا القول بحديث روي في هذا من طريق أبي موسى الأشعري وهو : أن الله إذا أدخل عصاة المسلمين النار نظر إليهم الكفار فقالوا : ليس هؤلاء من المسلمين فماذا أغنت عنهم لا إله إلا الله ؟ قال : فيغضب الله تعالى لقولهم، فيقول : أخرجوا من النار كل مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«فحينئذ يود الذين كفروا أن لو كانوا مسلمين »**[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : ومن العبر في هذه الآية حديث الوابصي الذي في صدر ذيل الأمالي، ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية.

١ قال ابن خالويه في كتاب "الحجة": "الحجة لمن خفف أن الأصل عنده في التشديد ياءان، أدغمت إحداهما في الأخرى، فأسقط واحدة تخفيفا، والحجة لمن شدد أنه أتى بلفظها على الأصل، وهو الاختيار، قال الشاعر:
 يا رب سار بات لن يوسدا إلا ذراع العنس أو كف اليدا
 (والعنس: الناقة الصلبة). وأحكام "رب" كثيرة، وعلى الرغم من كثرة ورودها في لسان العرب فإنها لم تقع في القرآن إلا في هذه السورة..
٢ قال الزجاج: "من قال: إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب، فإن قال قائل: فلم جازت رب في قوله تعالى: ربما يود الذين كفروا ورب للتقليل؟ فالجواب في هذا أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهديد، و الرجل يهدد الرجل فيقول له: لعلك ستندم على فعلك، و هو لا يشك في أنه يندم، ويقول: ربما ندم الإنسان من مثل ما صنعت، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيرا، ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه، والدليل على أنه على معنى التهديد قوله تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا..
٣ البيت لأمية بن أبي الصلت، والفرجة: انكشاف الهم والغم، و النحويون يستشهدون بهذا البيت على أن "رب" تدخل على مضارع في لفظه، ولكنه ماض في زمنه، بقرينة تدل على المضي الزمني، فالشاعر يقول البيت لرجل هارب من حاكم توعده بالقتل، ثم جاءه الخبر بموت ذلك الحاكم، فهو يريد: ربما جزعت، ولا يصلح زمن المضارع هنا إلا للمضي، لأن الجزع لن يقع في المستقبل بعد موت الحاكم و زوال سبب الجزع. والبيت في الكتاب، والخزانة، والعيني، والأشموني، واللسان، وابن الشجري، وابن يعيش..
٤ البيت لجذيمة بن مالك الأبرش يفتخر بأنه يصعد الجبل بنفسه ليستطلع أعداءه، ولا يعتمد في ذلك على غيره، وأوفيت: أشرفت، والعلم: الجبل، والشمالات: رياح الشمال الشديدة، و في ا لبيت الشاهد الذي ذكره ابن عطية وهو أن "ما" هيأت "رب" أن تدخل على الفعل، وهو شاهد آخر على أن "ربما" هنا للتكثير، لأن البيت مسوق للافتخار، و لا يناسبه التقليلن وفيه شاهد ثالث على إدخال نون التوكيد للضرورة، والبيت في سيبويه، وفي الخزانة، وفي مغني اللبيب..
٥ أخرجه البخاري في بدء الوحي، والتوحيد، وفضائل القرآن ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركها لك كما كان رسول الله صلى الله عليه سلم يحركهما، فحرك شفتيه، فـأنزل الله تبارك وتعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، قال: جمعه لك صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، قال: فاستمع له وأنصت، ثم إن علينا بيانه، ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأ)..
٦ البيت لأبي حية النميري، واسمه: الهيثم بن الربيع، وهو شاعر مجيد، وراجز فصيح، من أهل البصرة ومخضرمي الدولتين، والمراد بالكبش سيد القوم، والبيت في الخزانة، وفي سيبويه، والشاهد فيه أن "ما" تدخل على "من" فتجعلها صالحة لأن يليها الفعل..
٧ أخرج ابن أبي عاصم في السنة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين، ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، (الدر المنثور)..

### الآية 15:3

> ﻿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [15:3]

وقوله : ذرهم يأكلوا  الآية وعيد وتهديد، وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف. وقوله : فسوف يعلمون  وعيد ثان، وحكى الطبري عن بعض العلماء أنه قال : الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين ؟
ومعنى قوله : ويلههم  أي يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيد منها عن النظر والإيمان بالله ورسوله.

### الآية 15:4

> ﻿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [15:4]

ومعنى قوله : وما أهلكنا من قرية  الآية، أي لا تستبطئن هلاكهم فليس قرية مهلكة إلا بأجل وكتاب معلوم محدود. والواو في قوله : ولها  هو واو الحال. 
وقرأ ابن أبي عبلة **«إلا لها »** بغير واو. وقال منذر بن سعيد : هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو[(١)](#foonote-١)، ومنه قوله : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها [(٢)](#foonote-٢) \[ الزمر : ٧٣ \] وباقي الآية بين.

١ للعلماء في هذه الواو آراء كثيرة، ذكر ابن عطية رأيين، وقال الفراء: يجوز هذا التعبير بالواو وبدون الواو، فكل اسم نكرة جاء خبره بعد إلا والكلام في النكرة تام فافعل ذلك بصلتها بعد إلا، فإن كان الذي وقع على النكرة ناقصا فلا يكون إلا بطرح الواو، قال الشاعر:
 إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن سراج لنا إلا ووجهك أنور
 فلو قيل: إلا وجهك أنور جاز، وقال الآخر:
 وما مس كفي من يد طاب ريحها من الناس إلا ريح كفيك أطيب
 وقال الزمخشري: الجملة واقعة صفة لـ\[قرية\]، والقياس ألا تتوسط الواو بينهما، كما في قوله تعالى: و ما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، ووافقه على ذلك أبو البقاء. وعقب على قول كل منهما أبو حيان الأندلسي فقال: وهذا الذي قاله الزمخشري، وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحدا قاله من النحويين، قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب"إلا"..
٢ من الآية (٧٣) من سورة (الزمر)..

### الآية 15:5

> ﻿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [15:5]

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 سورة الحجر
 بسم الله الرحمن الرحيم، هذه السورة مكية.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١ الى ٥\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤)
 ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)
 تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور. وتِلْكَ يمكن أن تكون إشارة إلى حروف المعجم- بحسب بعض الأقوال- ويمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والعبر ونحوها التي تضمنتها آيات التوراة والإنجيل، وعطف القرآن عليه. قال مجاهد وقتادة: الْكِتابِ في الآية، ما نزل من الكتب قبل القرآن، ويحتمل أن يريد ب الْكِتابِ القرآن، ثم تعطف الصفة عليه.
 وقرأ نافع وعاصم ****«ربما»**** بتخفيف الباء. وقرأ الباقون بشدها، إلا أن أبا عمرو قرأها على الوجهين، وهما لغتان، وروي عن عاصم ****«ربما»**** بضم الراء والباء مخففة، وقرأ طلحة بن مصرف **«ربتما»** بزيادة تاء، وهي لغة. ورُبَما للتقليل وقد تجيء شاذة للتكثير، وقال قوم: إن هذه من ذلك، ومنه: رب رفد هرقته. ومنه:
 رب كأس هرقت يا ابن لؤي.
 وأنكر الزجاج أن تجيء ****«رب»**** للتكثير. و ****«ما»**** التي تدخل عليها ****«رب»**** قد تكون اسما نكرة بمنزلة شيء، وذلك إذا كان في الضمير عائد عليه، كقول الشاعر: \[الخفيف\]
 ربما تكره النفوس من الأم... ر له فرجة كحل العقال
 التقدير: رب شيء، وقد تكون حرفا كافا لرب وموطئا لها لتدخل على الفعل إذ ليس من شأنها أن تدخل إلا على الأسماء، وذلك إذا لم يكن ثم ضمير عائد كقول الشاعر: \[جذيمة الأبرش\] \[المديد\]
 ربما أوفيت في علم... ترفعن ثوبي شمالات
 قال القاضي أبو محمد: وكذلك دخلت ****«ما»**** على **«من»** كافة، في نحو قوله: وكان الرسول ﷺ مما يحرك شفتيه. ونحو قول الشاعر: \[الطويل\]
 وإنا لمما نضرب الكبش ضربة... على رأسه تلقي اللسان من الفم

قال الكسائي والفراء: الباب في **«ربما»** أن تدخل على الفعل الماضي، ودخلت هنا على المستقبل إذ هذه الأفعال المستقبلة من كلام الله تعالى لما كانت صادقة حاصلة ولا بد جرت مجرى الماضي الواقع.
 قال القاضي أبو محمد: وقد تدخل رب على الماضي الذي يراد به الاستقبال، وتدخل على العكس. والظاهر في رُبَما في هذه الآية أن ****«ما»**** حرف كاف- هكذا قال أبو علي، قال: ويحتمل أن تكون اسما، ويكون في يَوَدُّ ضمير عائد عليه، التقدير: رب ود أو شيء يوده الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
 قال القاضي أبو محمد: ويكون لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ بدلا من ****«ما»****.
 وقالت فرقة: تقدير الآية: ربما كان يود الذين كفروا. قال أبو علي: وهذا لا يجيزه سيبويه، لأن كان لا تضمر عنده.
 واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن لو كانوا مسلمين، فقالت فرقة: هو عند معاينة الموت في الدنيا- حكى ذلك الضحاك- وفيه نظر، لأنه لا يقين للكافر حينئذ بحسن حال المسلمين، وقالت فرقة: هو عند معاينة أهوال يوم القيامة- قاله مجاهد- وهذا بين، لأن حسن حال المسلمين ظاهر، فتود، وقال ابن عباس وأنس بن مالك: هو عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة، واحتج لهذا القول بحديث روي في هذا من طريق أبي موسى الأشعري وهو: أن الله إذا أدخل عصاة المسلمين النار نظر إليهم الكفار فقالوا: ليس هؤلاء من المسلمين فماذا أغنت عنهم لا إله إلا الله؟ قال: فيغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرجوا من النار كل مسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: **«فحينئذ يود الذين كفروا أن لو كانوا مسلمين»**.
 قال القاضي أبو محمد: ومن العبر في هذه الآية حديث الوابصي الذي في صدر ذيل الأمالي، ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية.
 وقوله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا الآية وعيد وتهديد، وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف. وقوله:
 فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعيد ثان، وحكى الطبري عن بعض العلماء أنه قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين؟
 ومعنى قوله: وَيُلْهِهِمُ أي يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيد منها عن النظر والإيمان بالله ورسوله.
 ومعنى قوله: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الآية، أي لا تستبطئن هلاكهم فليس قرية مهلكة إلا بأجل وكتاب معلوم محدود. والواو في قوله: وَلَها هي واو الحال.
 وقرأ ابن أبي عبلة **«إلا لها»** بغير واو. وقال منذر بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها \[الزمر: ٧٣\] وباقي الآية بين.

### الآية 15:6

> ﻿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [15:6]

الضمير في  قالوا  يراد به كفار قريش. ويروى أن القائلين كانوا : عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، وأشباههما. 
وقرأ الأعمش :**«يا أيها الذي ألقي إليه الذكر »**. 
وقولهم : يا أيها الذي نزل عليه الذكر  كلام على جهة الاستخفاف، أي بزعمك ودعواك، وهذه المخاطبة كما تقول لرجل جاهل أراد أن يتكلم فيما لا يحسن : يا أيها العالم لا تحسن تتوضأ.

### الآية 15:7

> ﻿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [15:7]

و  لو ما  بمعنى لو لا، فتكون تحضيضاً - كما في هذه الآية - وقد تكون دالة على امتناع الشيء لوجود غيره، كما قال ابن مقبل :\[ البسيط \]
لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما. . . ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري[(١)](#foonote-١).

### الآية 15:8

> ﻿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [15:8]

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر :**«ما تنزل الملائكة »** بفتح التاء والرفع[(١)](#foonote-١) وقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - **«ما تُنزلُ »** بضم التاء والرفع، وهي قراءة يحيى بن وثاب، وقرأ حمزة والكسائي وحفص **«ما ننزلُ بنون العظمة - »** الملائكةَ بالنصب، وهي قراءة طلحة بن مصرف. 
وقوله : إلا بالحق  قال مجاهد : المعنى : بالرسالة والعذاب. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن معناه : كما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي رآها الله لعباده، لا على اقتراح كافر، ولا باختيار معترض. 
ثم ذكر عادة الله في الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقتراحا إلا ومعها العذاب في إثرها إن لم يؤمنوا. فكأن الكلام : ما تنزل الملائكة إلا بالحق وواجب، لا باقتراحكم ؛ وأيضاً فلو نزلت لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب، أي تؤخروا، و **«النظرة »** : التأخير، المعنى : فهذا لا يكون، إذ كان في علم الله أن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن.

١ يعني رفع كلمة "الملائكة" على أنها فاعل للفعل "تنزل"..

### الآية 15:9

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [15:9]

وقوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر  رد على المستخفين في قولهم : يا أيها الذي نزل عليه الذكر . وهذا كما يقول لك رجل على جهة الاستخفاف : يا عظيم القدر، فتقول له - على جهة الرد والنجة : نعم أنا عظيم القدر. ثم تأخذ في قولك - فتأمله. 
وقوله : وإنا له لحافظون  قالت فرقة : الضمير في  له  عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، أي يحفظه من أذاكم ويحوطه من مكركم وغيره، ذكر الطبري هذا القول ولم ينسبه ؛ وفي ضمن هذه العدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله به الشرع وحان أجله. وقالت فرقة - وهي الأكثر - الضمير في  له  عائد على القرآن وقاله مجاهد وقتادة، والمعنى : لحافظون  من أن يبدل أو يغير، كما جرى في سائر الكتب المنزلة، وفي آخر ورقة من البخاري عن ابن عباس : أن التبديل فيها إنما كان في التأويل وأما في اللفظ فلا ؛ وظاهر آيات القرآن أنهم بدلوا اللفظ، ووضع اليد في آية الرجم هو في معنى تبديل الألفاظ[(١)](#foonote-١). 
وقيل : لحافظون  باختزانه في صدور الرجال. 
قال القاضي أبو محمد : والمعنى متقارب، وقال قتادة : هذه الآية نحو قوله تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [(٢)](#foonote-٢) \[ فصلت : ٤٢ \].

١ وضع اليد على آية الرجم ورد في حديث رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها و ما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يخبأ على المرأة يقيها الحجارة. (البخاري ـ باب المناقب). قال ابن الأثير في النهاية: (يخبىء) أي: يكب عليها ويميل، أخبأ يخبىء إخباء، وفي رواية أخرى: (يخابىء عليها)، مفاعلة، ويروى بالحاء المهملة..
٢ من الآية (٤٢) من سورة (فصلت)..

### الآية 15:10

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ [15:10]

قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى : ولقد أرسلنا من قبلك  الآية، تسلية للنبي عليه السلام وعرض أسوة، أي لا يضيق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم : يا أيها الذي نزل عليه الذكر  وغير ذلك، فقد تقدم منا إرسال الرسل في شيع الأولين، وكانت تلك سيرتهم في الاستهزاء بالرسل. و  شيع  جمع شيعة، وهي الفرقة التابعة لرأس ما : مذهب أو رجل أو نحوه وهي مأخوذة من قولهم : شيعت النار : إذا استدمت وقدها بحطب أو غيره، فكأن الشيعة تصل أمر رأسها وتظهره وتمده بمعونة. وقوله : أرسلنا  يقتضي رسلاً، ثم أوجز باختصار ذكرهم لدلالة الظاهر من القول على ذلك.

### الآية 15:11

> ﻿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [15:11]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠:قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى : ولقد أرسلنا من قبلك  الآية، تسلية للنبي عليه السلام وعرض أسوة، أي لا يضيق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم : يا أيها الذي نزل عليه الذكر  وغير ذلك، فقد تقدم منا إرسال الرسل في شيع الأولين، وكانت تلك سيرتهم في الاستهزاء بالرسل. و  شيع  جمع شيعة، وهي الفرقة التابعة لرأس ما : مذهب أو رجل أو نحوه وهي مأخوذة من قولهم : شيعت النار : إذا استدمت وقدها بحطب أو غيره، فكأن الشيعة تصل أمر رأسها وتظهره وتمده بمعونة. وقوله : أرسلنا  يقتضي رسلاً، ثم أوجز باختصار ذكرهم لدلالة الظاهر من القول على ذلك. ---

### الآية 15:12

> ﻿كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [15:12]

يحتمل أن يكون الضمير في  نسلكه  يعود على الاستهزاء والشرك ونحوه - وهو قول الحسن وقتادة وابن جرير وابن زيد - ويكون الضمير في  به  يعود أيضاً على ذلك بعينه، وتكون باء السبب، أي لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله : لا يؤمنون به  في موضع الحال. 
ويحتمل أن يكون الضمير في  نسلكه  عائداً على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر وهو القرآن، أي مكذباً به مردوداً مستهزأ به ندخله في قلوب المجرمين، ويكون الضمير في  به  عائداً عليه أيضاً أي لا يصدقون به. 
ويحتمل أن يكون الضمير في  نسلكه  عائداً على الاستهزاء والشرك، والضمير في  به  يعود على القرآن، فيختلف - على هذا - عود الضميرين. 
والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض. 
و  نسلكه  معناه : ندخله، يقال : سلكت الرجل في الأمر، أي أدخلته فيه، ومن هذا قول الشاعر \[ عدي بن زيد \] :\[ الوافر \]. 
وكنت لزاز خصمك لم أعرد. . . وقد سلكوك في يوم عصيب[(١)](#foonote-١)
ومنه قول الآخر \[ عبد مناف بن ربع الهذلي \] :\[ البسيط \]
حتى إذا سلكوهم في قتايدة. . . شلاكما تطرد الجمالة الشردا[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول أبي وجزة يصف حمر وحش :\[ البسيط \]
حتى سلكن الشوى منهن في مسك. . . من نسل جوابة الآفاق مهداج[(٣)](#foonote-٣)
قال الزجاج : ويقرأ :**«نُسلِكه »** بضم النون وكسر اللام، و  المجرمين  في هذه الآية يراد بهم كفار قريش ومعاصري محمد صلى الله عليه وسلم.

١ البيت لعدي بن زيد العبادي، وقد سبق أن استشهد به ابن عطية في تفسير سورة هود، عند قوله تعالى: وقال هذا يوم عصيب، وقد ذكره في اللسان شاهدا على أن السلك بالفتح هو مصدر سلكت الشيء في الشيء فانسلك، أي: أدخلته فيه فدخل. ولزاز خصم معناه: مقارنه و ملتصق به لا أفارقه مع القدرة عليه. ولم أعرد: لم أحجم و لم أفر من المعركة..
٢ البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي، وهو في (اللسان ـ جمل وسلك)، وهو هنا شاهد على أن أسلك بالهمزة في أوله مثل سلك التي في بيت عدي بن زيد، وهو أيضا في خزانة الأدب شاهدا على أن جواب إذا محذوف، و التقدير: بلغوا أملهم، وهذا هو رأي الرضي شارح كافية ابن الحاجب، وقال البغدادي أيضا: إن أسلك لغة في سلك، يقال: أسلكت الشيء في الشيء، مثل سلكته فيه، بمعنى أدخلته فيه، فهو من رأي ابن عطية، و كذلك الطبري من رأيهما، وقتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء، قال ذلك البكري، وقيل: هي ثنية، والشل: الطرد، والجمالة: أصحاب الجمال، وهي في الوزن مثل الحمارة لأصحاب الحمير، وهي فاعل للفعل تطرد، والشرد: جمع شرود، يريد: من الجمال..
٣ البيت لأبي وجزة، قال صاحب (اللسان ـ مسك) بعد أن ذكر أن المسك أسورة من ذبل أو عاج: "واستعاره أبو وجزة فجعل ما تدخل فيه الأتن أرجلها من الماء مسكا فقال: حتى سلكن..... البيت"ز وفي التهذيب: "المسك الدبل من العاج كهيئة السوار تجعله المرأة في يديها، فذلك المسلك، والذبل: القرون". والشوى: القوائم. وقيل: هي اليدان والرجلان، والمراد واحد. وجاب يجوب جوبا: قطع وخرق، ورجل جواب: معتاد لذلك إذا كان قطاعا للبلاد سيارا فيها، والمهداج: العطوف الحنون على ولدها، يقول: إن هذه الحمر أدخلت قوائمها أو أرجلها فيما يشبه المسك من الماء، ثم جعل ذلك الماء من نسل ريح تجوب البلاد، فجعل الماء للريح كالولد لأن الريح حملته..

### الآية 15:13

> ﻿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ [15:13]

وقوله : لا يؤمنون به  عموم معناه الخصوص فيمن حتم عليه. وقوله : وقد خلت سنة الأولين  أي على هذه الوتيرة. 
وتقول : سلكت الرجل في الأمر، وأسلكته، بمعنى واحد. ويروى : حتى إذا أسلكوهم في قتايدة ؛ البيت.

### الآية 15:14

> ﻿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [15:14]

وقوله : ولو فتحنا عليهم ، الضمير في  عليهم  عائد على قريش وكفرة العصر المحتوم عليهم. والضمير في قوله : فظلوا  يحتمل أن يعود عليهم - وهو أبلغ في إصرارهم - وهذا تأويل الحسن : و  يعرجون  معناه : يصعدون. 
وقرأ الأعمش وأبو حيوة **«يعرِجون »** بكسر الراء[(١)](#foonote-١)، والمعارج الأدراج، ومنه : المعراج، ومنه قول كثير :\[ الطويل \]. 
إلى حسب عود بني المر قبله. . . أبوه له فيه معارج سلم[(٢)](#foonote-٢)
ويحتمل أن يعود على  الملائكة  \[ الحجر : ٧ \] لقولهم : لو ما تأتينا بالملائكة  \[ الحجر : ٧ \]، فقال الله تعالى :**«ولو رأوا الملائكة يصعدون ويتصرفون في باب مفتوح في السماء، لما آمنوا »** : وهذا تأويل ابن عباس.

١ وهي لغة هذيل في العروج بمعنى الصعود..
٢ الحسب: الشرف الثابت في الآباء، أو ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، والعود: القديم الضخم، و المعارج: جمع معرج (بالفتح والكسر في الميم) وهو ما يصعد فيه، والعروج هو الصعود..

### الآية 15:15

> ﻿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [15:15]

وقرأ السبعة سوى ابن كثير :**«سُكّرت »** بضم السين وشد الكاف، وقرأ ابن كثير وحده بتخفيف الكاف، وهي قراءة مجاهد. وقرأ ابن الزهري بفتح السين وتخفيف الكاف، على بناء الفعل لفاعل. وقرأ أبان بن تغلب **«سحرت أبصارنا »**، ويجيء قوله : بل نحن قوم مسحورون  انتقالاً إلى درجة عظمى من سحر العقل والجملة. 
وتقول العرب : سكرت الريح تسكر سكوراً : إذا ركدت ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولاً، وتقول سكر الرجل من الشراب سكراً : إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ فيما للإنسان أن ينفذ فيه، ومن هذا المعنى : سكران لا يبت - أي لا يقطع أمراً، وتقول العرب : سكرت الفتق في مجاري الماء سكراً : إذا طمسته وصرفت الماء عنه، فلم ينفذ لوجهه. 
قال القاضي أبو محمد : فهذه اللفظة **«سكّرت »** - بشد الكاف - إذا كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح فهي فعل عدي بالتضعيف، وإن كانت من سكر مجاري الماء فتضعيفها للمبالغة، لا للتعدية، لأن المخفف من فعله متعد. ورجح أبو حاتم هذه القراءة، لأن **«الأبصار »** جمع، والتثقيل مع الجمع أمثل، كما قال : مفتحة لهم الأبواب [(١)](#foonote-١) \[ ص : ٥٠ \] ومن قرأ **«سُكرت »** - بضم السين وتخفيف الكاف، فإن كانت اللفظة من سكر الماء فهو فعل متعد ؛ وإن كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح، فيضمنا أن الفعل بني للمفعول إلى أن ننزله متعدياً، ويكون هذا الفعل من قبيل : رجح زيد ورجحه غيره، وغارت، وغارت العين وغارها الرجل : فتقول - على هذا - سكر الرجل، وسكره غيره، وسكرت الريح، وسكرها شيء غيرها. 
ومعنى هذه المقالة منهم : أي غيرت أبصارنا عما كانت عليه، فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الشياء كما كانت تفعل. 
قال القاضي أبو محمد : وعبر بعض المفسرين عن هذه اللفظة بقوله : غشي على أبصارنا وقال بعضهم عميت أبصارنا، وهذا ونحوه تفسير بالمعنى لا يرتبط باللفظ. 
ولقال أيضاً هؤلاء المبصرون عروج الملائكة، أو عروج أنفسهم، بعد قولهم : سكرت أبصارنا  بل سحرنا حتى ما نعقل الأشياء كما يجب، أي صرف فينا السحر.

١ من الآية (٥٠) من سورة (ص)..

### الآية 15:16

> ﻿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [15:16]

لما ذكر تعالى أنهم لو رأوا الآية المذكورة في السماء لعاندوا فيها - عقب ذلك بهذه الآية - فكأنه قال : وإن في السماء لعبراً منصوبة غير هذه المذكورة، وكفرهم بها، وإعراضهم عنها إصرار منهم وعتو. 
و **«البروج »** : المنازل، واحدها برج، وسمي بذلك لظهوره، ووضوحه، ومنه تبرج المرأة : ظهورها وبدوها، والعرب تقول : برج الشيء : إذا ظهر وارتفع.

### الآية 15:17

> ﻿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [15:17]

و **«حفظ السماء »** هو بالرجم بالشهب **«على ما تضمنته الأحاديث الصحاح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :»** إن الشياطين تقرب من السماء أفواجاً «، قال : فينفرد المارد منها، فيعلو فيسمع، فيرمى بالشهاب. فيقول لأصحابه - وهو يلتهب - إنه من الأمر كذا وكذا - فيزيد الشياطين في ذلك ويلقون إلى الكهنة، فيزيدون مع الكلمة مائة ونحو هذا. . . الحديث[(١)](#foonote-١). وقال ابن عباس : إن الشهب تجرح وتؤذي ولا تقتل، وقال الحسن : تقتل. 
قال القاضي أبو محمد : وفي الأحاديث ما يدل على أن الرجم كان في الجاهلية ولكنه اشتد في وقت الإسلام وحفظ السماء حفظاً تاماً. وقال الزجاج : لم يكن إلا بعد النبي عليه السلام، بدليل أن الشعراء لم يشبهوا به في السرعة إلا بعد الإسلام. وذكر الزهراوي عن أبي رجاء العطاردي أنه قال : كنا لا نرى الرجم بالنجوم قبل الإسلام. 
و  رجيم  فعيل بمعنى مفعول. فإما من رجم الشهب، وإما من الرجم الذي هو الشتم والذم.

١ روى البخاري في تفسير سورة الحجر عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان، قال علي وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا، واحد فوق آخر، ووصف سفيان بيده، وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض ـ فربما أدرك الشهاب المستمع. قبل أن يرمي إلى صاحبه فيحرقه، و ربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض، وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض ـ فتلقى على فم الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا و كذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء)، والأحاديث في ذلك كثيرة و صحيحة..

### الآية 15:18

> ﻿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [15:18]

ويقال : تبعت الرجل واتبعته بمعنى واحد[(٢)](#foonote-٢). و  إلا  بمعنى : لكن. 
 قال القاضي أبو محمد : هذا قول، والظاهر أن الاستثناء من الحفظ، وقال محمد بن يحيى عن أبيه : إلا من استرق السمع ، فإنها لم تحفظ منه - ذكره الزهراوي.

### الآية 15:19

> ﻿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [15:19]

وقوله تعالى : والأرض مددناها  روي في الحديث :» أن الأرض كانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة فثبتها الله بالجبال «يقال : رسا الشيء يرسو : إذا رسخ وثبت. 
وقوله : موزون  قال الجمهور : معناه مقدر محرر بقصد وإرادة، فالوزن - على هذا - مستعار. وقال ابن زيد : المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة والفلز كله وغير ذلك مما يوزن. 
قال القاضي أبو محمد : الأول أعم وأحسن[(١)](#foonote-١).

١ نقل القرطبي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير أنهما قالاك "إنما قال: \[موزون\] لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء"، ثم أنشد:
 قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه
 وقال قتادة: موزون يعني مقسوم، وقال مجاهد: موزون معدود..

### الآية 15:20

> ﻿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [15:20]

و  معايش  جمع معيشة. وقرأها الأعمش بالهمز وكذلك روى خارجة عن نافع. والوجه ترك الهمز لأن أصل ياء معيشة الحركة. فيردها إلى الأصل الجمع، بخلاف : مدينة ومدائن[(١)](#foonote-١). 
وقوله : ومن لستم له برازقين  يحتمل أن تكون  من  في موضع نصب وذلك على ثلاثة أوجه. 
أحدها : أن يكون عطفاً على  معايش ، كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش، وهي ما يؤكل ويلبس، ثم عدد النعم في الحيوان والعبيد والصناع وغير ذلك مما ينتفع به الناس وليس عليهم رزقهم. 
والوجه الثاني : أن تكون  من  معطوفة على موضع الضمير في  لكم  وذلك أن التقدير : وأنعشناكم وأنعشنا[(٢)](#foonote-٢) أمماً غيركم من الحيوان. فكأن الآية - على هذا - فيها اعتبار وعرض آية. 
والوجه الثالث : أن تكون  من  منصوبة بفعل مضمر يقتضيه الظاهر، تقديره : وأنعشنا من لستم له برازقين. 
ويحتمل أن تكون  من  في موضع خفض عطفاً على الضمير في  لكم  وهذا قلق في النحو لأن العطف على الضمير المجرور، وفيه قبح، فكأنه قال : ولمن لستم له برازقين، وأنتم تنتفعون به.

١ يقول النحويون: إن الهمزة إنما تكون في هذه الياء إذا كانت زائدة، مثل صحيفة وصحائف، فأما معايش فالياء أصلية لأنها من العيش، ومعيشة وزنها مفعلة، والياء أصلها متحركة فلا تنقلب في الجمع همزة، وبهذا يتصح كلام المؤلف..
٢ في بعض الأصول: "وأمعشناكم وأمعشنا أمما غيركم" بالميم، وفي بعض آخر: "وأنعشناكم..." بالنون..

### الآية 15:21

> ﻿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [15:21]

وقوله : وإن من شيء [(١)](#foonote-١) قال ابن جريج : وهو المطر خاصة. 
قال القاضي أبو محمد : وينبغي أن تكون أعم من هذا في كثير من المخلوقات. 
و **«الخزائن »** المواضع الحاوية، وظاهر هذا أن الماء والريح ونحو ذلك موجود مخلوق، وهو ظاهر في قولهم في الريح : عتت على الخزان وانفتح منها قدر حلقة الخاتم، ولو كان قدر منخر الثور لأهلك الأرض ؛ إلى غير هذا من الشواهد. وذهب قوم إلى أن كونها في القدرة هو خزنها، فإذا شاء الله أوجدها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أيضاً ظاهر في أشياء كثيرة. وهو لازم في الاعتراض إذا عممنا لفظة  شيء  وكيفما كان الأمر فالقدرة تسعه وتتقنه. 
وقوله : ننزله  ما كان من المطر ونحوه : فالإنزال فيه متمكن، وما كان من غير ذلك فإيجاده والتمكين من الانتفاع به، إنزال على تجوز. 
وقرأ الأعمش :**«وما نرسله »**[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : بقدر معلوم  روي فيه عن ابن مسعود وغيره : أنه ليس عام أكثر مطراً من عام، ولكن الله تعالى ينزله في مواضع دون مواضع.

١ \[إن\] نافية، \[من\] زائدة، وأصل الكلام: لا شيء إلا عندنا خزائنه..
٢ قال أبو حيان في البحر المحيط: "وهي قراءة تفسير معنى، لا أنها لفظ قرآن لمخالفتها سواد المصحف..

### الآية 15:22

> ﻿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [15:22]

يقال : لقحت الناقة والشجرة فهي لاقحة : إذا حملت، والرياح تلقح الشجر والسحاب، فالوجه في الريح أنها ملقحة لا لاقحة، وتتجه صفة  الرياح  ب  لواقح  على أربعة أوجه :
أولها وأولاها : أن نجعلها لاقحة حقيقية، وذلك أن الرياح منها ما فيها عذاب أو حر ونار، ومنها ما فيه رحمة ومطر أو نصر أو غير ذلك، فإذا بها تحمل ما حملتها القدرة، أو ما علقته من الهواء أو التراب أو الماء الذي مرت عليه، فهي لاقحة بهذا الوجه، وإن كانت أيضاً تلقح غيرها وتصير إليه نفعها. والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمي الشمال الحايل[(١)](#foonote-١) والعقيم ومحوة، لأنها تمحو السحاب. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«الريح الجنوب من الجنة، وهي اللواقح التي ذكر الله، وفيها منافع للناس »**[(٢)](#foonote-٢) ؛ ومن هذا قول الطرماح :
قلق لا فبان الريا. . . ح للاقح منها وحائل[(٣)](#foonote-٣)
**ومن قول أبي وجزة :**
من نسل جوابة الآفاق[(٤)](#foonote-٤). . . فجعلها حاملاً تنسل. 
قال القاضي أبو محمد : ويخرج هذا على أنها ملقحة فلا حجة فيه. 
والثاني : أن يكون وصفها ب  لواقح  من باب قولهم : ليل نائم، أي فيه نوم ومعه، ويوم عاصف ونحوه : فهذا على طريق المجاز. 
والثالث : أن توصف الرياح ب  لواقح  على جهة النسب، أي ذات لقح، كقول النابغة :
كليني لهم يا أميمة ناصب[(٥)](#foonote-٥). . . أي ذي نصب. 
والرابع : أن تكون  لواقح  جمع ملقحة على حذف زوائدة، فكأنه لقحة، فجمعها كما تجمع لاقحة، ومثله قول الشاعر \[ سيبويه \] :\[ الطويل \]
ليبك يزيد ضارع لخصومة. . . وأشعث ممن طوحته الطوائح[(٦)](#foonote-٦)
وإنما طوحته المطاوح، وعلى هذا النحو فسرها أبو عبيدة في قوله : لواقح  ملاقح، وكذلك العبارة عنها في كتاب البخاري : لواقح ملاقح ملقحة. 
وقرأ الجمهور **«الرياح »** بالجمع، وقرأ الكوفيون - حمزة وطلحة بن مصرف والأعمش ويحيى بن وثاب - **«الريح »** بالإفراد، وهي للجنس، فهي في معنى الجمع، ومثلها الطبري بقولهم :**«قميص أخلاق وأرض أغفال »**[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله من حيث هو أجزاء كثيرة تجمع صفته، فكذلك ريح لواقع لأنها متفرقة الهبوب، وكذلك : دار بلاقع، أي كل موضع منها بلقع. 
وقال الأعمش : إن في قراءة عبد الله **«وأرسلنا الرياح يلقحن »**، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«الريح من نفس الرحمن »**[(٨)](#foonote-٨)، ومعنى الإضافة هنا هي من إضافة خلق إلى خالق، كما قال : من روحي  \[ الحجر : ٢٩ \] ومعنى نفس الرحمن : أي من تنفيسه وإزالته الكرائب والشدائد. فمن التنفس بالريح النصر بالصبا[(٩)](#foonote-٩) وذرو الأرزاق بها، وما لها من الخدمة في الأرزاق وجلب الأمطار وغير ذلك مما يكثر عده. 
ولقد حدثت أن ابن أبي قحافة رحمه الله فسر هذا الحديث بنحو هذا وأنشد في تفسيره :\[ الطويل \]
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت. . . على نفس محزون تجلت همومها[(١٠)](#foonote-١٠)
وهذا من جملة التنفيس والعرب تقول : أسقى وسقى بمعنى واحد، وقال لبيد :\[ الوافر \]
سقى قومي بني مجد واسقى. . . نميراً، والقبائل من هلال[(١١)](#foonote-١١)
فجاء باللغتين، وقال أبو عبيدة : أما إذا كان من سقي الشفة خاصة فلا يقال إلا سقى، وأما إذا كان لسقي الأرض والثمار وجملة الأشياء فيقال : أسقى، وأما الداعي لأرض أو غيرها بالسقي، فإنما يقال فيه : أسقى، ومنه قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
وقفت على رسم ِلمية ناقتي. . . فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه. . . تكلمني أحجاره وملاعبه[(١٢)](#foonote-١٢)
قال القاضي أبو محمد : على أن بيت لبيد دعاء، وفيه اللغتان.

١ اي التي لا تحمل خير، يقال: حالت الناقة تحيل حيالا: لم تحل، قال الشاعر: 
 من سراة الهجان صلبها العض ض ورعي الحمى وطول الحيال.
٢ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، و ابن مردويه، و الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه، وللحديث بقية هي (والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نعمة منها فبردها هذا من ذلك (. (الدر المنثور، وفتح القدير)..
٣ اللاقح: الجنوب، والحائل: الشمال، وتسمى الشمال عقيما، كما سماها الطرماح حائلا، وقال أبو علي في الحجة: "الرياح أربع: الشمال، والجنوب، والصبا، و الدبور، فأما الشمال فمن عن يمين القبلة، والجنوب من عن شمالها، والصبا والدبور متقابلتان، فالصبا من قبل المشرق، والدبور من قبل المغرب، وإذا جاءت الريح بين الصبا والشمال فهي النكباء"..
٤ هذا جزء من البيت، وقد سبق الاستشهاد به و الحديث عنه في هذا الجزء عند تفسير قوله تعالى في الآية (١٢) من هذه السورة :كذلك نسلكه في قلوب المجرمين، والبيت بتمامه:
 حتى سلكن الشوى منهن في مسك من نسل جوابة الآفاق مهداج
 والشاهد هنا أنه جعل الريح التي تجوب الآفاق حاملا بماء تكونت منه بعد ذلك برك أدخلت فيها الحمر الوحشية قوائمها..
٥ البيت بتمامه:
 كليي لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
 وهو مطلع قصيدة للنابغة يمدح بها عمرو بن الحارث الأعرج، حين هرب من النعمان بن المنذر، وفيه يطلب إلى أميمة أن تتركه لهذا الهم الذي ينصب فيه ويتعب، ولهذا الليل الطويل الذي لا يريد أن يفارقه. والشاهد هنا أن "ناصب" بمعنى "ذي نصب" على جهة النسب، وهذا رأي من الآراء التي قيلت في البيت، وقال الأصمعي: ناصب: ذي نصب، مثل: ليل نائم، اي ذو نوم، ورجل دارع، أي ذو درع، وكذلك قال سيبويه، وقال في اللسان: هم ناصب: منصب، و حكى أبو علي نصبه ل (هم). فهل يا ترى يريد أنه اسم فاعل قياسي جار على فعله، وليس على النسب ولا على التجوز في الإسناد؟.
٦ هذا البيت لنهشل بن حري، وقد استشهد به أبو عبيدة عند تفسير هذه الآية ونسبه لنهشل، وكذلك نسبه البغدادي لنهشل، وأورده صاحب (اللسان ـ طيح) مع اختلاف في بعض الألفاظ، قال: وأنشد سيبويه ـ البيت، ثم قال ـ أي سيبويه ـ :"الطوائح" على حذف الزائد، أو على النسب..
٧ عبادة الطبري تقول: "إن الريح وإن كان لفظها واحدا فمعناها الجمع، لأنه يقال: جاءت الريح من كل جانب، فقيل: لواقح لذلك، فيكون معنى جمعهم نعتها وهي في اللفظ واحدة معنى قولهم: أرض سباسب، وأرض أغفال، وثوب أخلاق، كما قال الشاعر:
 جاء الشتاء وقميصي أخلاق شرازم يضحك منه التواق
 وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتسع". ا هـ. والسباسب: جمع سبسب، و هي المفازة أو الأرض البعيدة المستوية، وأغفال: لا علم فيها، و التواق في البيت هو ابن الراجز، قال ذلك في (اللسان ـ خلق)..
٨ النص الذي وجدناه في هذا المعنى هو ما وراه البخاري في الأدب، وأبو داود، والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة: (الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها)، قال الإمام السيوطي: حديث صحيح. (الجامع الصغير)..
٩ الصبا: ريح مهبها من مشرق الشمس إذا استوى الليل والنهار (مؤنث). (المعجم الوسيط)..
١٠ ويروى: "على قلب محزون"، وتجلت همومها: ذهبت وانكشفت عنها. والبيت غير منسوب..
١١ قال صاحب (اللسان ـ سقى): "سقا الله الغيث وأسقاه، وقد جمعها لبيد في قوله: سقى قومي... البيت" ثم قال: "ويقال: سقيته لشفته، وأسقيته لماشيته وأرضه". وهذا يتفق تماما مع ما قاله ابن عطية، ومع ما نقله عن أبي عبيدة..
١٢ البيتان في الديوان، وقد استشهد بهما الطبري في تفسيره، وأبو عبيدة في كتابه "مجاز القرآن"، قال: يقال: سقيت الرجل ماء وشرابا من لبن وغير ذلك، وليس فيه إلا لغة واحدة بغير ألف، إذا كان في الشفة، وإذا جعلت له شربا فهو أسقيته وأسقيت أرضه وإبله، لا يكون غير هذا، وكذلك إذا استقيت له. وهو يتفق مع كلام المؤلف هنا إلا في النقطة الأخيرة، لأن ابن عطية يقول: "بيت لبيد دعاء وفيه اللغتان". والرسم: الأثر الباقي من الدار بعد أن عفت وأسقيه: أدعو له بالسقيا. وأبثه أشكو إليه، وقد أبدع الشاعر في تصويره وكاد يحرك الأحجار والملاعب..

### الآية 15:23

> ﻿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [15:23]

وقوله تعالى : وإنا لنحن نحيي ونميت  الآيات، هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته، فمعنى هذه : وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عند البعث من مرقده ميتاً، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حياً،  ونحن الوارثون ، أي لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره.

### الآية 15:24

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [15:24]

ثم أخبر تعالى بإحاطة علمه بمن تقدم من الأمم، بمن تأخر في الزمن من يوم أهبط آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة، وأعلم أنه هو الحاشر لهم الجامع لعرض القيامة على تباعدهم في الأزمان والأقطار، وأن حكمته وعلمه يأتيان بهذا كله على أتم غاياته التي قدرها وأرادها. 
وقرأ الأعرج **«يحشِرهم »** بكسر الشين. 
قال القاضي أبو محمد : بهذا سياق معنى الآية، وهو قول جمهور المفسرين : وقال الحسن : معنى قوله : ولقد علمنا المستقدمين  أي في الطاعة، والبدار إلى الإيمان والخيرات، و  المستأخرين  بالمعاصي. 
قال القاضي أبو محمد : وإن كان اللفظ يتناول كل تقدم وتأخر على جميع وجوهه فليس يطرد سياق معنى الآية إلا كما قدمنا، وقال ابن عباس ومروان بن الحكم وأبو الجوزاء : نزل قوله : ولقد علمنا  الآية، في قوم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تصلي وراءه امرأة جميلة، فكان بعض القوم يتقدم في الصفوف لئلا تفتنه، وكان بعضهم يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة، فنزلت الآية فيهم. 
قال القاضي أبو محمد : وما تقدم الآية من قوله : ونحن الوارثون  وما تأخر من قوله : وإن ربك يحشرهم ، يضعف هذه التأويلات، لأنها تذهب اتصال المعنى، وقد ذكر ذلك محمد بن كعب القرظي لعون بن عبد الله[(١)](#foonote-١).

١ أما القرظي فهو محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي، المدني، نزل الكوفة مدة، ثقة، عالم، من الطبقة الثالثة، ولد سنة أربعين على الصحيح، قال البخاري: إن أباه كان ممن لم ينبت من بني قريظة. (تقريب التهذيب).
 وأما عون، فهو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، خطيب، رواية، ناسب، شاعر، كان من آداب أهل المدينة، وسكن الكوفة فاشتهر فيها بالعبادة والقراءة، كان يقول بالإرجاء، ثم رجع، و خرج مع ابن الأشعث ثم هرب، وصحب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في خلافته. (تهذيب التهذيب ـ الأعلام)..

### الآية 15:25

> ﻿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [15:25]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٤:ثم أخبر تعالى بإحاطة علمه بمن تقدم من الأمم، بمن تأخر في الزمن من يوم أهبط آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة، وأعلم أنه هو الحاشر لهم الجامع لعرض القيامة على تباعدهم في الأزمان والأقطار، وأن حكمته وعلمه يأتيان بهذا كله على أتم غاياته التي قدرها وأرادها. 
وقرأ الأعرج ****«يحشِرهم »**** بكسر الشين. 
قال القاضي أبو محمد : بهذا سياق معنى الآية، وهو قول جمهور المفسرين : وقال الحسن : معنى قوله : ولقد علمنا المستقدمين  أي في الطاعة، والبدار إلى الإيمان والخيرات، و  المستأخرين  بالمعاصي. 
قال القاضي أبو محمد : وإن كان اللفظ يتناول كل تقدم وتأخر على جميع وجوهه فليس يطرد سياق معنى الآية إلا كما قدمنا، وقال ابن عباس ومروان بن الحكم وأبو الجوزاء : نزل قوله : ولقد علمنا  الآية، في قوم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تصلي وراءه امرأة جميلة، فكان بعض القوم يتقدم في الصفوف لئلا تفتنه، وكان بعضهم يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة، فنزلت الآية فيهم. 
قال القاضي أبو محمد : وما تقدم الآية من قوله : ونحن الوارثون  وما تأخر من قوله : وإن ربك يحشرهم ، يضعف هذه التأويلات، لأنها تذهب اتصال المعنى، وقد ذكر ذلك محمد بن كعب القرظي لعون بن عبد الله[(١)](#foonote-١). 
١ أما القرظي فهو محمد بن كعب بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي، المدني، نزل الكوفة مدة، ثقة، عالم، من الطبقة الثالثة، ولد سنة أربعين على الصحيح، قال البخاري: إن أباه كان ممن لم ينبت من بني قريظة. (تقريب التهذيب).
 وأما عون، فهو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، خطيب، رواية، ناسب، شاعر، كان من آداب أهل المدينة، وسكن الكوفة فاشتهر فيها بالعبادة والقراءة، كان يقول بالإرجاء، ثم رجع، و خرج مع ابن الأشعث ثم هرب، وصحب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في خلافته. (تهذيب التهذيب ـ الأعلام)..


---

### الآية 15:26

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:26]

وقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان  الآية،  الإنسان  هنا للجنس، والمراد آدم، قال ابن عباس سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي، ودخل من بعده في ذلك إذ هو من نسله، و **«الصلصال »** : الطين الذي إذا جف صلصل، هذا قول فرقة، منها من قال : هو طين الخزف، ومنها قول الفراء : هو الطين الحر يخالطه رمل دقيق. 
وقال ابن عباس : خلق من ثلاثة : من طين لازب وهو اللازق والجيد، ومن  صلصال  وهو الأرض الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف، ومن  حمإ مسنون  وهو الطين في الحمأة. 
قال القاضي أبو محمد : وكان الوجه أن يقال - على هذا المعنى - صلال، ولكن ضوعف الفعل من فائه وأبدلت إحدى اللامين من صلاص صاداً. وهذا مذهب الكوفيين، وقاله ابن جني والزبيدي ونحوهما على البصرة، ومذهب جمهور البصريين : إنهما فعلان متباينان، وكذلك قالوا في ثرة وثرثارة. قال بعضهم تقول : صل الخزف ونحوه : إذا صوت بتمديد : فإذا كان في صوته ترجيع كالجرس ونحوه قلت : صلصل، ومنه قول الكميت :\[ البسيط \]
فينا العناجيج تردي في أعنتها. . . شعثاً تصلصل في أشداقها اللجم[(١)](#foonote-١)
وقال مجاهد وغيره : صلصال  هنا إنما هو مأخوذ من صل اللحم وغيره : إذا انتن. 
قال القاضي أبو محمد : فجعلوا معنى  صلصال  ومعنى  حمإ  في لزوم أنتن شيئاً واحداً. 
قال القاضي أبو محمد : و **«الحمأ »** جمع حمأة وهو الطين الأسود المنتن يخالطه ماء. و ****«المسنون »**** قال معمر : هو المنتن، وهو من أسن الماء إذا تغير. 
قال القاضي أبو محمد : والتصريف يرد هذا القول. وقال ابن عباس :****«المسنون »**** : الرطب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تفسير لا يخص اللفظة. وقال الحسن، المعنى : سن ذريته على خلقه. والذي يترتب في  مسنون  إما أن يكون بمعنى محكوك محكم العمل أملس السطح، فيكون من معنى المسن والسنان، وقولهم : سننت السكين وسننت الحجر : إذا أحكمت تمليسه، ومن ذلك قول الشاعر :\[ الخفيف \]
ثم دافعتها إلى القبة الخضرا. . . ء وتمشي في مرمر مسنون[(٢)](#foonote-٢)
أي محكم الإملاس بالسن، وإما أن يكون بمعنى المصبوب، تقول : سننت التراب والماء إذا صببته شيئاً بعد شيء، ومنه قول عمرو بن العاص لمن حضر دفنه : إذا أدخلتموني في قبري فسنوا علي التراب سناً، ومن هذا : هو سن الغارة. وقال الزجاج : هو مأخوذ من كونه على سنة الطريق، لأنه إنما يتغير إذا فارق الماء، فمعنى الآية - على هذا - من حمأ مصبوب موضوع بعضه فوق بعض على مثال وصورة.

١ العناجيج: جمع عنجوج، و هو الرائع من الخيل، وقد استعمل في الإبل أيضا، ولكن الوصف هنا للخيل، و معنى تردي أنها ترجم الأرض في عدوها، نقل صاحب اللسان عن الأصمعي قوله: إذا عدا الفرس فرجم الأرض رجما قيل: ردى بالفتح يردي رديا ورديانا، والشعث: التي تلبد شعرها واغبر، وصلصلة اللجام: صوته إذا ضوعف، قال الليث (ونقله عنه في اللسان): يقال: صل اللجام إذا توهمت في صوته حكاية صوت صل، فإن توهمت ترجيعا قلت: صلصل اللجام، وهو ما قاله ابن عطية هنا واستشهد عليه بالبيت..
٢ نسب هذا البيت إلى عبد الرحمن بن حسان، وذلك أن يزيد بن معاوية قال لأبيه: ألا ترى إلى عبد الرحمن يشبب بابنتك؟ فقال معاوية: ما قال؟ فقال: قال: 
 هي زهراء مثل لؤلؤة الغ واص ميزت من جوهر مكنون
 **فقال معاوية: صدق، فقال يزيد: إنه يقول:**
 و إذا ما نسبتها لم تجدها في سناء من المكارم دون
 **قال: وصدق، قال: فأين قوله:**
 ثم خاصرتها إلى القبة الخض راء تمشي في مرمر مسنون
 قال معاوية: كذب.
 قال ابن بريك وتروى هذه الأبيات لأبي رهبل، وهي في شعره، يقولها في رملة بنت معاوية، وأول القصيدة:
 طال ليلى وبت كالمجنون و مللت الثواء بالماطرون.
 (راجع اللسان ـ سنن) فللخبر بقية..

### الآية 15:27

> ﻿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [15:27]

الجان  يراد به جنس الشياطين، ويسمون : جنة وجاناً لاستتارهم عن العين. وسئل وهب بن منبه عنهم فقال : هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس تفعل هذا كله، منها السعالي والغول وأشباه ذلك. 
وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«والجأن »** بالهمز[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : والمراد بهذه الحلقة إبليس أبو الجن، وفي الحديث :**«أن الله تعالى خلق آدم من جميع أنواع التراب الطيب والخبيث والأسود والأحمر »**[(٢)](#foonote-٢) وفي سورة البقرة إيعاب هذا وقوله  من قبل  لأن إبليس خلق قبل آدم بمدة، وخلق آدم آخر الخلق. و  السموم  - في كلام العرب - إفراط الحر حتى يقتل من نار أو شمس أو ريح. وقالت فرقة : السموم بالليل، والحرور بالنهار. 
قال القاضي أبو محمد : وأما إضافة  نار  إلى  السموم  في هذه الآية فيحتمل أن تكون النار أنواعاً، ويكون  السموم  أمراً يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ ؛ وإن لم يكن هذا فيخرج هذا على قولهم : مسجد الجامع، ودار الآخرة، على حذف مضاف. 
١ وهي أيضا قراءة عمرو بن عبيد، قاله في "البحر المحيط"..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، و الحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن، عن أبي موسى، ورمز له الإمام السيوطي بالصحة، ولفظه كما في "الجامع الصغير": (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحسن والخبيث والطيب وبين ذلك)..

### الآية 15:28

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:28]

إذ  نصب بإضمار فعل تقديره : اذكر إذ قال ربك، و **«البشر »** هنا آدم، وهو مأخوذ من البشرة، وهي وجه الجلد، في الأشهر من القول. ومنه قول النبي عليه السلام :**«وافقوا البشر »** وقيل البشرة ما يلي اللحم، ومنه قولهم في المثل : إنما يعاتب الأديم ذو البشرة[(١)](#foonote-١) لأن تلك الجهة هي التي تبشر. 
وأخبر الله تعالى الملائكة بعجب عندهم، وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور - فهي مخلوقات لطاف - فأخبرهم : أنه لا يخلق جسماً حياً ذا بشرة وأنه يخلقه  من صلصال . 
قال القاضي أبو محمد :**«والبشر »** والبشارة أيضاً أصلهما البشرة لأنهما فيها يظهران. 
١ جاء في "مجمع الأمثال" للميداني: "المعاتبة: المعاودة، وبشرة الأديم: ظاهرة الذي عليه الشعر، أي: إنما يعاد إلى الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب، قال الأصمعي: كل ما كان في الأديم محتمل ما سلمت البشرة، فإذا تغلت بطل الأديم"..

### الآية 15:29

> ﻿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [15:29]

و  سويته  معناه : كملته وأتقنته حتى استوت أجزاؤه على ما يجب، وقوله : من روحي  إضافة خلق وملك إلى خالق مالك، أي من الروح الذي هو لي ولفظة الروح هنا للجنس. 
وقوله : فقعوا  من وقع يقع، وفتحت القاف لأجل حرف الحلق، وهذه اللفظة تقوي أن سجود الملائكة إنما كان على المعهود عندنا، لا أنه خضوع وتسليم، وإشارة، كما قال بعض الناس، وشبهوه بقول الشاعر \[ أبي الأخزر الحماني \] :\[ الطويل \]
فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها. . . كما سجدت نصرانة لم تحنف[(١)](#foonote-١)
وهذا البيت يشبه أن يكون السجود فيه كالمعهود عندنا. 
وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس : أنه قال : خلق الله ملائكة أمرهم بالسجود لآدم فأبوا، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق آخرين فأمرهم بالسجود فأطاعوا إلا إبليس فإنه كان من الأولين. 
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن عباس - من الأولين - يحتمل أن يريد في حالهم وكفرهم، ويحتمل أن يريد : في أنه بقي منهم.

١ تأتي "خر" بمعنى سجد، فقد نقل صاحب (اللسان ـ خرر) أن الأخفش قال: "خر: صار في حال سجوده"، وتأتي "أسجد" بمعنى "سجد"، قال الزمخشري في (أساس البلاغة ـ سجد): "وسجد البعير وأسجد: طامن رأسه لراكبه". "ولم تحنف" لم تسلم، وابن عطية يستشهد بالبيت على أن السجود هنا سجود حقيقي كالمألوف عندنا، و ليس مجرد خضوع وتسليم وإشارة".
 هذا والبيت لأبي الأخزر الحماني، و هو في (سيبويه)، وفي (اللسان ـ نصر)، وأنشده في (الإٌنصاف ٤٤٥)، وفيه يصف الشاعر ناقتين خرتا من الإعياء، أو نحرتا فطأطأتا رأسيهما، فشبه إسجادهما بسجود النصرانة، والنحويون يستشهدون بالبيت على أن (نصرانة) مؤنثة بالهاء، وأن المذكر منها (نصران) وإن لم يستعمل في الكلام إلا بياء النسب (نصراني)، وأن (النصارى) جمع (نصران) كما أن ندامى جمع ندمان..

### الآية 15:30

> ﻿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [15:30]

وقوله : كلهم أجمعون  هو -عند سيبويه - تأكيد بعد تأكيد، يتضمن الآخر ما تضمن الأول. وقال غيره : كلهم  لو وقف عليه - لصلحت للاستيفاء، وصلحت على معنى المبالغة مع أن يكون البعض لم يسجد، وهذا كما يقول القائل : كل الناس يعرف كذا، وهو يريد أن المذكور أمر مشتهر، فلما قال : أجمعون  رفع الاحتمال في أن يبقى منهم أحد، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد. وقال ابن المبرد : لو وقف على  كلهم  لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة، فلما قال : أجمعون  دل على أنهم سجدوا في موطن واحد. 
قال القاضي أبو محمد : واعترض قول المبرد بأنه جعل قوله : أجمعون  حالاً. بمعنى مجتمعين، يلزمه - على هذا - أن يكون أجمعين، يقرب من التنكير إذ هو معرفة لكونه يلزم اتباع المعارف، والقراءة بالرفع تأبى قوله.

### الآية 15:31

> ﻿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [15:31]

وقوله : إلا إبليس  قيل : إنه استثناء من الأول، وقيل : إنه ليس من الأول. وهذا متركب على الخلاف في  إبليس ، هل هو من الملائكة أم لا ؟ والظاهر - من كثير من الأحاديث ومن هذه الآية - أنه من الملائكة وذلك أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لم يذنب في ترك السجود. 
وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن : أن إبليس إنما كان من قبيل الجن ولم يكن قط ملكاً ؛ ونسب ابن فورك القول إلى المعتزلة، وتعلق من قال هذا بقوله في صفته : كان من الجن [(١)](#foonote-١) \[ الكهف : ٥٠ \] وقالت الفرقة الأخرى : لا حجة في هذا لأن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها وقد قال تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً [(٢)](#foonote-٢) \[ الصافات : ١٥٨ \].

١ من قوله تعالى في الآية (٥٠) من سورة (الكهف): فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمرربه..
٢ من الآية (١٥٨) من سورة (الصافات)..

### الآية 15:32

> ﻿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [15:32]

وقوله تعالى : قال : يا إبليس ، قيل : إنه - حينئذ - سماه  إبليس ، وإنما كان اسمه - قبل - عزازيل[(١)](#foonote-١)، وهو من الإبلاس وهو الإبعاد، أي يا مبعد، وقالت طائفة : إبليس  كان اسمه، وليس باسم مشتق، بل هو أعجمي، ويقضي بذلك أنه لا ينصرف، ولو كان عربياً مشتقاً لكان كإجفيل - من أجفل - وغيره، ولكان منصرفاً، قاله أبو علي الفارسي. 
وقوله : ألا تكون  **«أن »** في موضع نصب، وقيل : في موضع خفض، والأصل : ما لك ألا تكون ؟

١ وقيل: كان اسمه (الحارث)، و الاسمان منقولان عن ابن عباس رضي الله عنهما، (راجع الطبري)..

### الآية 15:33

> ﻿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:33]

وقول إبليس  لم أكن لأسجد لبشر  ليس هذا موضع كفره عند الحذاق، لأن إبايته إنما هي معصية فقط، وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن الله خلق خلقاً مفضولاً وكلف أفضل منه أن يذل له، فكأنه قال : وهذا جور، وذلك أن إبليس لما ظن أن النار أفضل من الطين ظن أن نفسه أفضل من آدم من النار يأكل الطين، فقاس وأخطأ في قياسه، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله المالك للجميع لا رب غيره.

### الآية 15:34

> ﻿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [15:34]

الضمير في  منها  للجنة، وإن لم يجر ذكرها في القصة تتضمنها، ويحتمل أن يعود الضمير على ضيفة الملائكة، وال  رجيم  المشتوم أي المرجوم بالقول والشتم، و  يوم الدين  يوم الجزاء، ومنه قول الشاعر :
ولم يبق سوى العدوا. . . ن دناهم كما دانوا[(١)](#foonote-١)
وسأل إبليس **«النظرة إلى يوم البعث »** فأعطاه الله إياها إلى **«وقت معلوم »**، واختلف فيه فقيل إلى يوم القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق، قاله الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة ولا غيرها، بل علمه عند الله وحده، وقيل بل أمره كان إلى يوم بدر وأنه قتل يوم بدر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان روي فهو ضعيف، والمنظر المؤخر.

١ المعنى: جازيناهم كما جازوا، و من نفس المعنى قوله تعالى: مالك يوم الدين، قال قتادة: معناه: مالك يوم يدان فيه العباد، أي يجازون بأعمالهم، وفي المثل: "كما تدين تدان"، أي كما تجازي تجازى، وقال خويلد بن نوفل الكلاني للحارث بن أبي شمر الغساني وكان اغتصبه ابنته أبياتا منها:
 يا حار أيقن أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان.

### الآية 15:35

> ﻿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ [15:35]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:الضمير في  منها  للجنة، وإن لم يجر ذكرها في القصة تتضمنها، ويحتمل أن يعود الضمير على ضيفة الملائكة، وال  رجيم  المشتوم أي المرجوم بالقول والشتم، و  يوم الدين  يوم الجزاء، ومنه قول الشاعر :
ولم يبق سوى العدوا... ن دناهم كما دانوا[(١)](#foonote-١)
وسأل إبليس ****«النظرة إلى يوم البعث »**** فأعطاه الله إياها إلى ****«وقت معلوم »****، واختلف فيه فقيل إلى يوم القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق، قاله الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة ولا غيرها، بل علمه عند الله وحده، وقيل بل أمره كان إلى يوم بدر وأنه قتل يوم بدر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان روي فهو ضعيف، والمنظر المؤخر. 
١ المعنى: جازيناهم كما جازوا، و من نفس المعنى قوله تعالى: مالك يوم الدين، قال قتادة: معناه: مالك يوم يدان فيه العباد، أي يجازون بأعمالهم، وفي المثل: "كما تدين تدان"، أي كما تجازي تجازى، وقال خويلد بن نوفل الكلاني للحارث بن أبي شمر الغساني وكان اغتصبه ابنته أبياتا منها:
 يا حار أيقن أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان.


---

### الآية 15:36

> ﻿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [15:36]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:الضمير في  منها  للجنة، وإن لم يجر ذكرها في القصة تتضمنها، ويحتمل أن يعود الضمير على ضيفة الملائكة، وال  رجيم  المشتوم أي المرجوم بالقول والشتم، و  يوم الدين  يوم الجزاء، ومنه قول الشاعر :
ولم يبق سوى العدوا... ن دناهم كما دانوا[(١)](#foonote-١)
وسأل إبليس ****«النظرة إلى يوم البعث »**** فأعطاه الله إياها إلى ****«وقت معلوم »****، واختلف فيه فقيل إلى يوم القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق، قاله الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة ولا غيرها، بل علمه عند الله وحده، وقيل بل أمره كان إلى يوم بدر وأنه قتل يوم بدر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان روي فهو ضعيف، والمنظر المؤخر. 
١ المعنى: جازيناهم كما جازوا، و من نفس المعنى قوله تعالى: مالك يوم الدين، قال قتادة: معناه: مالك يوم يدان فيه العباد، أي يجازون بأعمالهم، وفي المثل: "كما تدين تدان"، أي كما تجازي تجازى، وقال خويلد بن نوفل الكلاني للحارث بن أبي شمر الغساني وكان اغتصبه ابنته أبياتا منها:
 يا حار أيقن أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان.


---

### الآية 15:37

> ﻿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [15:37]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:الضمير في  منها  للجنة، وإن لم يجر ذكرها في القصة تتضمنها، ويحتمل أن يعود الضمير على ضيفة الملائكة، وال  رجيم  المشتوم أي المرجوم بالقول والشتم، و  يوم الدين  يوم الجزاء، ومنه قول الشاعر :
ولم يبق سوى العدوا... ن دناهم كما دانوا[(١)](#foonote-١)
وسأل إبليس ****«النظرة إلى يوم البعث »**** فأعطاه الله إياها إلى ****«وقت معلوم »****، واختلف فيه فقيل إلى يوم القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق، قاله الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة ولا غيرها، بل علمه عند الله وحده، وقيل بل أمره كان إلى يوم بدر وأنه قتل يوم بدر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان روي فهو ضعيف، والمنظر المؤخر. 
١ المعنى: جازيناهم كما جازوا، و من نفس المعنى قوله تعالى: مالك يوم الدين، قال قتادة: معناه: مالك يوم يدان فيه العباد، أي يجازون بأعمالهم، وفي المثل: "كما تدين تدان"، أي كما تجازي تجازى، وقال خويلد بن نوفل الكلاني للحارث بن أبي شمر الغساني وكان اغتصبه ابنته أبياتا منها:
 يا حار أيقن أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان.


---

### الآية 15:38

> ﻿إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [15:38]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٤:الضمير في  منها  للجنة، وإن لم يجر ذكرها في القصة تتضمنها، ويحتمل أن يعود الضمير على ضيفة الملائكة، وال  رجيم  المشتوم أي المرجوم بالقول والشتم، و  يوم الدين  يوم الجزاء، ومنه قول الشاعر :
ولم يبق سوى العدوا... ن دناهم كما دانوا[(١)](#foonote-١)
وسأل إبليس ****«النظرة إلى يوم البعث »**** فأعطاه الله إياها إلى ****«وقت معلوم »****، واختلف فيه فقيل إلى يوم القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق، قاله الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة ولا غيرها، بل علمه عند الله وحده، وقيل بل أمره كان إلى يوم بدر وأنه قتل يوم بدر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان روي فهو ضعيف، والمنظر المؤخر. 
١ المعنى: جازيناهم كما جازوا، و من نفس المعنى قوله تعالى: مالك يوم الدين، قال قتادة: معناه: مالك يوم يدان فيه العباد، أي يجازون بأعمالهم، وفي المثل: "كما تدين تدان"، أي كما تجازي تجازى، وقال خويلد بن نوفل الكلاني للحارث بن أبي شمر الغساني وكان اغتصبه ابنته أبياتا منها:
 يا حار أيقن أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان.


---

### الآية 15:39

> ﻿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [15:39]

وقوله  رب  مع كفره يخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق، وهو الظاهر من حاله وما تقتضيه فيه الآيات والأحاديث، وهذا لا يدفع في صدر كفره، وقوله  بما أغويتني  قال أبو عبيدة وغيره أقسم بالإغواء. 
قال القاضي أبو محمد : كأنه جعله بمنزلة قول ****«رب »**** بقدرتك علي وقضائك ويحتمل أن تكون باء سبب، كأنه قال ****«رب »**** والله لأغوينهم بسبب إغوائك لي ومن أجله وكفاء له. ويحتمل أن يكون المعنى تجلداً منه ومبالغة في الجد أي بحالي هذه وبعدي عن الخير والله لأفعلن ولأغوين، ومعنى  لأزينن لهم في الأرض  أي الشهوات والمعاصي، والضمير في  لهم  لذرية آدم وإن كان لم يجر لهم ذكر، فالقصة بجملتها حيث وقعت كاملة تتضمنهم، و **«الإغواء »** : الإضلال.

### الآية 15:40

> ﻿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [15:40]

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج **«المخلَصين »** بفتح اللام، أي الذين أخلصتهم أنت لعبادتك وتقواك، وقرأ الجمهور **«المخلِصين »** بكسر اللام، أي الذين أخلصوا الإيمان بك وبرسلك.

### الآية 15:41

> ﻿قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [15:41]

وقوله تعالى : قال هذا صراط  الآية : القائل هو الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذلك بواسطة، وقرأ الضحاك وحميد والنخعي وابو رجاء وابن سيرين وقتادة وقيس بن عباد ومجاهد وغيرهم ****«علي مستقيم »**** من العلو والرفعة، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص لما استثني إبليس من أخلص. قال الله له هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بإغوائك أهله، وقرأ جمهور الناس ****«علي مستقيم »****، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص، لما قسم إبليس الناس هذين القسمين، قال الله هذه طريق علي، أي هذا أمر إلى مصيره، والعرب تقول طريقك في هذا الأمر على فلان أي إليه يصير النظر في أمرك، وهذا نحو قوله تعالى  إن ربك لبالمرصاد [(١)](#foonote-١) \[ الفجر : ١٤ \]. 
قال القاضي أبو محمد : الآية على هذه القراءة تتضمن وعيداً[(٢)](#foonote-٢)، ثم ابتدأ الإخبار عن سلامة عباده المتقين من إبليس وخاطبه بأنه لا حجة له عليهم ولا ملكه.

١ الآية (١٤) من سورة (الفجر)..
٢ قال أبو الحسن في معنى الآية على قراءة الجمهور: "هو كقولك: الدلالة اليوم علي، أي: هذا صراط في ذمتي وتحت ضماني، كقولك: صحة هذا المال علي، وتوفية عدته علي، وليس معناه عنده أنه مستقيم علي، كقولنا: قد استقام على الطريق، واستقر علي كذا"، وقال ابن جني: "و ما أحسن ما ذهب إليه أبو الحسن فيه"..

### الآية 15:42

> ﻿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [15:42]

قال القاضي أبو محمد : والظاهر من قوله  عبادي  : الخصوص في أهل الإيمان والتقوى لا عموم الخلق، وبحسب هذا يكون  إلاَّ من اتبعك  مستثنى من غير الأول، التقدير لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان، وإن أخذنا العباد عاماً في عباد الناس إذ لم يقرر الله لإبليس سلطاناً على أحد فإنا نقدر الاستثناء في الأقل في القدر[(١)](#foonote-١) من حيث لا قدر للكفار، والنظر الأول أصوب، وإنما الغرض أن لا تقع في استثناء الأكثر من الأقل، وإن كان الفقهاء قد جوزوه، قال أبو المعالي ليس معروفاً في استعمال العرب، وهذه الآية أمثل ما احتج به مجوزوه. 
قال القاضي أبو محمد : ولا حجة لهم في الآية على ما بينته.

١ في إحدى النسخ: "في الأقل على القدر"..

### الآية 15:43

> ﻿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [15:43]

وقوله  جهنم لموعدهم  أي موضع اجتماعهم، والموعد يتعلق بزمان ومكان، وقد يذكر المكان ولا يحد زمان الموعد، و  أجمعين  تأكيد وفيه معنى الحال[(١)](#foonote-١).

١ قال أبو حيان في البحر: "وهذا جنوح لمذهب من يزعم أن \[أجمعين\] تدل على اتحاد الوقت، و الصحيح أن مدلوله مدلول "كلهم"..

### الآية 15:44

> ﻿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [15:44]

وقوله  لها سبعة أبواب  قيل إن النار بجملتها سبعة أطباق أعلاها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم وفيه أبو جهل، ثم الهاوية، وإن في كل طبق منها باباً، فالأبواب على هذا بعضها فوق بعض، وعبر في هذه الآية عن النار جملة ب  جهنم  إذ هي أشهر منازلها وأولها وهي موضع عصاة المؤمنين الذين لا يخلدون، ولهذا روي أن جهنم تخرب وتبلى، وقيل إن النار أطباق كما ذكرنا لكن **«الأبواب السبعة »** كلها في جهنم على خط استواء، ثم ينزل من كل باب إلى طبقة الذي يفضى إليه. 
قال القاضي أبو محمد : واختصرت ما ذكر المفسرون في المسافات التي بين الأبواب وفي هواء النار، وفي كيفية الحال إذ هي أقوال أكثرها لا يستند، وهي في حيز الجائز، والقدرة أعظم منها، عافانا الله من ناره وتغمدنا برحمته بمنه. وقرأ الجمهور **«جزء »** بهمز، وقرأ ابن شهاب **«جزُء »** بضم الزاي[(١)](#foonote-١)، وقرأت فرقة **«جزّ »** بشد الزاي دون همز وهي قراءة ابن القعقاع[(٢)](#foonote-٢).

١ قال أبو حيان في البحر: "لعله تصحيف من الناسخ، لأني وجدت في التحرير: و قرأ ابن وثاب بضمها مهموزا" فهي قراءة ابن وثاب لا ابن شهاب..
٢ وجهه أنه حذف الهمزة، وألقى حركتها على الزاي، ووقف بالتشديد، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف..

### الآية 15:45

> ﻿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [15:45]

ذكر الله تعالى ما أعد لأهل الجنة عقب ذكره ما أعد لأهل النار ليظهر التباين، وقرأ الجمهور و **«عُيون »** بضم العين، وقرأ نبيح والجراح وأبو واقد ويعقوب في رواية رويس **«وعِيون »** بكسر العين مثل بيوت وشيوخ.

### الآية 15:46

> ﻿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ [15:46]

وقرأ الجمهور ****«ادخُلوها »**** على الأمر بمعنى يقال لهم ****«ادخُلوها »****، وقرأ رويس عن يعقوب **«أدخَلوها »** على بناء الفعل للمفعول وضم التنوين في **«عيونٌ »**، ألقى عليه حركة الهمزة[(١)](#foonote-١)، و **«السلام »** هاهنا يحتمل أن يكون السلامة، ويحتمل أن يكون التحية، و **«الغل »** الحقد.

١ وعلى هذا تكون قراءة رويس عن يعقوب هي في جنات وعيون ادخلوها من الإدخال مع تنوين النون في (عيون) بالضم لإلقاء حركة الهمزة في الفعل "أدخل" عليها، وقرأ الحسن كذلك مع إبقاء تنوين النون في (عيون) مكسورا. و في الرواية عن رويس خلاف..

### الآية 15:47

> ﻿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [15:47]

وذكر الله تعالى في هذه الآية أنه ينزع الغل من قلوب أهل الجنة، ولم يذكر لذلك موطناً، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط، وجاء في بعضها أن ذلك على أبواب الجنة، وفي لفظ بعضها أن الغل ليبقى على أبواب الجنة كمعاطن الإبل[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا على أن الله تعالى يجعل ذلك تمثيلاً بلون يخلقه هناك ونحوه، وهذا كحديث ذبح الموت[(٢)](#foonote-٢)، وقد يمكن أيضاً أن يسل من الصدور، ولذلك جواهر سود فيكون كمبارك الإبل، وجاء في بعض الأحاديث أن نزع الغل إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة. 
قال القاضي أبو محمد : والذي يقال في هذا أن الله ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرين، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين . وذكر أن ابناً لطلحة كان عنده[(٣)](#foonote-٣) فاستأذن الأشتر فحبسه مدة ثم أذن له فدخل، فقال ألهذا حبستني وكذلك لو كان ابن عثمان حبستني له فقال علي نعم إني وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم  ونزعنا ما في صدورهم من غل  الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وقد روي أن المستأذن غير الأشتر و  إخواناً  نصب على الحال[(٤)](#foonote-٤)، وهذه أخوة الدين والود، والأخ من ذلك يجمع على إخوان وإخوة أيضاً، والأخ من النسب يجمع أخوة وإخاء، ومنه قول الشاعر :
وأي بني الإخاء تصفو مذاهبه[(٥)](#foonote-٥). . . ويجمع أيضاً إخواناً و  سرر  جمع سرير، و  متقابلين  الظاهر أن معناه في الوجوه، إذ الأسرة متقابلة فهي أحسن في الرتبة، قال مجاهد لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وقيل  متقابلين  في المودة، وقيل غير هذا مما لا يعطيه اللفظ.

١ من هذه الأحاديث ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يحبس أهل الجنة بعدما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلماتهم في الدنيا، ويدخلون الجنة وليس في قلوبهم على بعض غل). ومنها ما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن قتادة في قوله: و نزعنا ما في صدورهم من غل، قال: حدثنا أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة من منزله كان في الدنيا)، قال قتادة: وكان يقال: ما يشبه بهم إلا أهل جمعة انصرفوا من جمعتهم..
٢ أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم، ولفظه كما في مسند الإمام أحمد (٢ ـ ١١٨) : عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، جيء بالموت حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يأهل الجنة خلود لا موت، يأهل النار خلود لا موت، فازداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، وازداد أهل النار حزنا على حزنهم)..
٣ أي كان عند علي رضي الله عنه، و معنى قوله: "فحسبه مدة": أمهله مدة فلم يأذن له بالدخول فورا..
٤ يجوز أن يكون حالا من \[المتقين\]، أو من المضمر في \[ادخلوها\]، أو من المضمر في \[آمنين\]، أو يكون حالا مقدرة من الهاء والميم في \[صدورهم\]، وقد جوز أبو البقاء أن يكون حالا من الضمير في الظرف في قوله: في جنات، واعترض في "البحر" على كونها حالا من الضمير في \[صدورهم\]، لأن الحال من المضاف إليه إذا لم يكن معمولا لما أضيف على سبيل الرفع أو النصب تندر، ولهذا قال بعضهم: إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه كما في هذا المثال حيث أن الصدور بعض ما أضيفت إليه جاءت الحال من المضاف، قال أبو حيان: و نحن نقرر أن ذلك لا يجوز، والأفضل هنا أنها منصوبة على المدح، أي: أمدح إخوانا"..
٥ هذا عجز بيت، ورواية اللسان: "تنبو مناسبه"، قال: ويدل على أن أخا فعل مفتوحة العين جمعهم إياها على أفعال نحو آخاء، حكاه سيبويه عن يونس، وأنشد أبو علي:
 وجدتم بنيكم دوننا إذ نسبتم وأي بني الآخاء تنبو مناسبه؟.

### الآية 15:48

> ﻿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [15:48]

و **«النصب »** التعب، يقع على القليل والكثير، ومن الكثير قول موسى عليه السلام  لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً [(٦)](#foonote-٦) \[ الكهف : ٦٢ \] ومن ذلك قول الشاعر :\[ الطويل \] :
كليني لهم يا أمية ناصب[(١)](#foonote-١). . .

### الآية 15:49

> ﻿۞ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [15:49]

و  نبىء  معناه أعلم، و  عبادي  مفعول ب  نبىء ، وهي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ف  عبادي  مفعول و **«أن »** تسد مسد المفعولين الباقيين واتصف ذلك وهي وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، ألا ترى أنك إذا قلت أعجبني أن زيداً منطلق إنما المعنى أعجبني انطلاق زيد لأن دخولها إنما هو على جملة ابتداء وخبر فسدت لذلك مسد المفعولين. 
قال القاضي أبو محمد : وقد تتعدى  نبىء  إلى مفعولين فقط ومنه قوله تعالى  من أنبأك هذا [(٢)](#foonote-٢) \[ التحريم : ٣ \]، وتكون في هذا الموضع بمعنى أخبر وعرف، وفي هذا كله نظر، وهذه آية ترجية وتخويف، وروي في هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال **«لو يعلم العبد قدر عفو الله لنا تورع من حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه »**[(٣)](#foonote-٣) وروي في هذه الآية أن سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه عند باب بني شيبة في الحرم، فوجدهم يضحكون، فزجرهم ووعظهم ثم ولى فجاءه جبريل عن الله، فقال : يا محمد أتقنط عبادي ؟ وتلا عليه الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأعلمهم[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها، إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة فأكد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية.

٢ من الآية (٣) من سورة (التحريم)..
٣ أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، و ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله تعالى: نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. (الدر المنثور)، وأخرج الترمذي مثله عن أبي هريرة، ورمز له السيوطي بأنه حديث حسن. (الجامع الصغير)..
٤ أخرجه ابن أبي جرير، وابن مردويه، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج مثله ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مصعب ابن أبي ثابت، وأخرج مثله البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة. (الدر المنثور) و (فتح القدير)..

### الآية 15:50

> ﻿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [15:50]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٩:و  نبىء  معناه أعلم، و  عبادي  مفعول ب  نبىء ، وهي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ف  عبادي  مفعول و ****«أن »**** تسد مسد المفعولين الباقيين واتصف ذلك وهي وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، ألا ترى أنك إذا قلت أعجبني أن زيداً منطلق إنما المعنى أعجبني انطلاق زيد لأن دخولها إنما هو على جملة ابتداء وخبر فسدت لذلك مسد المفعولين. 
قال القاضي أبو محمد : وقد تتعدى  نبىء  إلى مفعولين فقط ومنه قوله تعالى  من أنبأك هذا [(٢)](#foonote-٢) \[ التحريم : ٣ \]، وتكون في هذا الموضع بمعنى أخبر وعرف، وفي هذا كله نظر، وهذه آية ترجية وتخويف، وروي في هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ****«لو يعلم العبد قدر عفو الله لنا تورع من حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه »****[(٣)](#foonote-٣) وروي في هذه الآية أن سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه عند باب بني شيبة في الحرم، فوجدهم يضحكون، فزجرهم ووعظهم ثم ولى فجاءه جبريل عن الله، فقال : يا محمد أتقنط عبادي ؟ وتلا عليه الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأعلمهم[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها، إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة فأكد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية. 
٢ من الآية (٣) من سورة (التحريم)..
٣ أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، و ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله تعالى: نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم. (الدر المنثور)، وأخرج الترمذي مثله عن أبي هريرة، ورمز له السيوطي بأنه حديث حسن. (الجامع الصغير)..
٤ أخرجه ابن أبي جرير، وابن مردويه، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج مثله ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مصعب ابن أبي ثابت، وأخرج مثله البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة. (الدر المنثور) و (فتح القدير)..


---

### الآية 15:51

> ﻿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ [15:51]

قرأ أبو حيوة **«ونبهُم »** بضم الهاء من غير همز، وهذا ابتداء قصص بعد انصرام الغرض الأول[(١)](#foonote-١)، و  ضيف  مصدر وصف به فهو للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد كعدل وغيره، قال النحاس وغيره : التقدير عن أصحاب ضيف. 
قال القاضي أبو محمد : ويغني عن هذا أن هذا المصدر عومل معاملة الأسماء كما فعل في رهن ونحوه، والمراد ب **«الضيف »** هنا الملائكة الذين جاؤوا لإهلاك قوم لوط وبشروا إبراهيم، وقد تقدم قصصهم.

١ في قوله تعالى: نبيء عبادي الآية ترجيح لجهة الخير، لأن الله تبارك وتعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا التبليغ فكأن الله أشهده على نفسه بالتزام المغفرة والرحمة، ولأنه أضاف العباد إليه و في هذا تشريف لهم، ولأنه أكد اسم \[أن\] بقوله: (أنا)، وأدخل (أل) على صفتي الغفران والرحمة، وجاء بهما في صيغة المبالغة، وبدأ بالصفة السارة وهي الغفران، ثم أتبعها بالصفة التي نشأ عنها الغفران و هي الرحمة، وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد)..

### الآية 15:52

> ﻿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [15:52]

وقوله  سلاماً  مصدر منصوب بفعل مضمر تقديره سلمنا أو نسلم سلاماً، والسلام هنا التحية، وقوله  سلاماً  حكاية قولهم فلا يعمل القول فيه، وإنما يعمل إذا كان ما بعده ترجمة عن كلام ليس يحكى بعينه كما تقول لمن قال لا إله إلا الله قلت حقاً ونحو هذا وقوله  إنا منكم وجلون  أي فزعون، وإنما وجل إبراهيم عليه السلام منهم لما قدم إليهم العجل الحنيذ فلم يرهم يأكلون، وكانت عندهم العلامة المؤمنة أكل الطعام، وكذلك هو في غابر الدهر أمنة للنازل والمنزول به.

### الآية 15:53

> ﻿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [15:53]

وقرأ الجمهور **«لا توجل »** مستقبل وجل، وقرأ الحسن **«لا تُؤجل »** بضم التاء على بناء الفعل للمفعول من أوجل، لأن وجل لا يتعدى، وكانت هذه البشارة بإسحاق، وذلك بعد مولد إسماعيل بمدة، وقول إبراهيم  الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق [(١)](#foonote-١) \[ إبراهيم : ٣٩ \] وليس يقتضي أنهما حينئذ وهبهما بل قبل الحمد بكثير.

١ من الآية (٣٩) من سورة (إبراهيم)..

### الآية 15:54

> ﻿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [15:54]

وقرأ الجمهور **«أبشرتموني »** بألف الاستفهام، وقرأ الأعرج **«بشرتموني »** بغير ألف. وقوله : على أن مسني الكبر ، أي في حالة قد مسني فيها الكبر، وقرأ ابن محيصن **«الكُبْر »** بضم الكاف وسكون الباء، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«تُبشرونَ »** بفتح النون التي هي علامة الرفع، والفعل على هذه القراءة غير معدى، وقرأ الحسن البصري **«تبشروني »** بنون مشددة وياء، وقرأ ابن كثير بشد النون دون ياء، وهذه القراءة أدغمت فيها نون العلامة في النون التي هي للمتكلم موطئة للياء، وقرأ نافع **«تبشرونِ »** بكسر النون، وغلط أبو حاتم نافعاً في هذه القراءة، وقال إن شاهد الشعر في هذا اضطرار. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حمل منه، وتقدير هذه القراءة أنه حذفت النون التي للمتكلم وكسرت النون التي هي علامة الرفع بحسب الياء، ثم حذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، ونحو هذا قول الشاعر أنشده سيبويه :\[ الوافر \]
تراه كالثغام يعل مسكاً. . . يسوء الفاليات إذا فليني[(١)](#foonote-١)
**ومنه قول الآخر :**
أبالموت الذي لا بد أني. . . ملاق لا أباك تخوفيني[(٢)](#foonote-٢)
**ومن حذف هذه النون قول الشاعر :**
قدني من نصر الخبيبين قدي[(٣)](#foonote-٣). . . يريد عبد الله ومصعباً ابني الزبير، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب، وقرأ الحسن **«فبم تَبشُرون »** بفتح التاء وضم الشين، وقول إبراهيم عليه السلام  فبم تبشرون  تقرير على جهة التعجب والاستبعاد لكبرهما، أو على جهة الاحتقار وقلة المبالاة بالمسرة الدنيوية لمضي العمر واستيلاء الكبر. قال مجاهد : عجب من كبره ومن كبر امرأته، وقد تقدم ذكر سنة وقت البشارة.

١ البيت لعمرو بن معديكرب الزبيدي، وبعده يقول:
 فأقسم لو جعلت علي نذرا بطعنة فارس لقضيت ديني.
 ورواية اللسان: "يسوء الفاليات"، و كذلك رواه الفراء في "معاني القرآن"، وهو في الأصول هنا "يسر الفاليات"، و الشاهد فيه حذف النون، إذ أراد "فلينني" بنونين، فحذف إحداهما استثقالا للجمع بينهما، قال الأخفش: حذفت النون الأخيرة لأن هذه النون وقاية للفعل وليست باسم، فأما النون الأولى فلا يجوز طرحها لأنها الاسم المضمر، وقال الفراء: وقد خففت العرب النون من أن الناصبة ثم أنفذوا لها نصبها، و هي أشد من ذا، قال الشاعر يخاطب زوجه عندما طلبت منه الطلاق:
 فلو أنك في يوم الرخاء سألتني فراقك لم أبخل وأنت صديـــق 
 فما رد تزويج عليه شهـــــادة و ما رد من بعد الحرار عتيق
 إذ الأصل: سألتيني. والثغام بالفتح: نبت على شكل الحلي، وهو أغلظ منه ولا ينبت عودا، يكون في الجبل، ينبت أخضر ثم تبيض إذا يبس، وله سنمة غليظة، و لا ينبت إلا في قنة سوداء، قال ذلك في اللسان، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بأبي قحافة يوم الفتح وكان رأسه ثغامة، فأمرهم أن يغيروه. وفلى رأسه فليا: بحثه عن القمل، وعلة: سقاه بعد مرة، أو سقاه تباعا، فمعنى "يعل مسكا" أنه يدهن بالمسك مرة بعد مرة، أو يدهن تباعا. و الضمير الأول في (تراه) لزوجه التي كانت زوج أبيه من قبله، والضمير الثاني لشعر رأسهن أي أن زوجه ترى شعر رأسه كالثغام..
٢ البيت لأبي حية النميري، أراد: تخوفيني فحذف، قال في (اللسان ـ فلا): وعلى هذا قرأ بعض القراء: فبم تبشرون فأذهب إحدى النونين استثقالا.
 يقول: إنه لا يخاف من الموت لأنه يعلم أنه لابد ملاقيه ولهذا يستنكر أن تخوفه به..
٣ هذا الرجز لحميد بن مالك الأرقط، وقيل: إنه لأبي بحدلة، وهو في كتاب سيبويه، و في ابن عقيل و في خزانة الأدب. وبعده:
 ليس الإمام بالشحيح الملحد و لا بوتن بالحجاز مفرد
 ومعنى "قدني": حسبي، والخبيبين: عبد الله بن الزبير، وابنه خبيب، أو هما عبد الله أخوه مصعب بن الزبير، والإمام في البيت الثاني هو عبد الملك بن مروان، والمعنى: حسبي منهما ما نلت، ولن أطلب نصرتهما، فإن عبد الملك خير وأفضل، لأنه ليس شحيحا ولا واتن، أي: ولا بدائم ثابت في أرض الحجاز مفرد، ويقال للماء المعين الدائم الذي لا يذهب: واتن، وكذا واثن بالثاء المثلثة..

### الآية 15:55

> ﻿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ [15:55]

وقولهم  بشرناك بالحق  فيه شدة ما، أي بشر بما بشرت به ودع غير ذلك، وقرأ جمهور الناس **«القانطين »** والقنوط : أتم اليأس، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وابن مصرف ورويت عن عمرو **«القنطين »**، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة، **«من يقنَط »** بفتح النون في كل القرآن، وقرأ أبو عمرو والكسائي **«ومن يقنِط »** بكسر النون، وكلهم قرأ من  بعد ما قنطوا [(١)](#foonote-١) \[ الشورى : ٢٨ \] بفتح النون، ورد أبو عبيدة قراءة أهل الحرمين وأنكر أن يقال قِنط بكسر النون، وليس كما قال لأنهم لا يجمعون إلا على قوي في اللغة مروي عندهم، وهي قراءة فصيحة إذ يقال قَنَط يقنَط يقنِط مثل نَقَم ونقِم، وقرأ الأعمش هنا **«يقنِط »** بكسر النون.

١ من قوله تعالى في الآية (٢٨) من سورة (الشورى): وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته..

### الآية 15:56

> ﻿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [15:56]

وقرأ  من بعد ما قنطوا  \[ الشورى : ٢٨ \] بكسر النون أيضاً، فقرأ باللغتين، وقرأ الأشهب **«يقنُط »** بضم النون وهي قراءة الحسن والأعمش أيضاً وهي لغة تميم.

### الآية 15:57

> ﻿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [15:57]

القائل هنا إبراهيم عليه السلام، وقوله : فما خطبكم  سؤال فيه عنف، كما تقول لمن تنكر حاله : ما دهاك وما مصيبتك ؟ وأنت إنما تريد استفهاماً عن حاله فقط. لأن **«الخطب »** لفظة إنما تستعمل في الأمور الشداد، على أن قول إبراهيم عليه السلام  أيها المرسلون  وكونهم أيضاً قد بشروه يقتضي أنه قد كان عرف أنهم ملائكة حين قال  فما خطبكم ، فيحتمل قوله  فما خطبكم  مع هذا أنه أضاف الخطب إليهم من حيث هم حملته إلى يوم المعذبين أي ما هذا الخطب الذي تتحملونه وإلى أي أمة.

### الآية 15:58

> ﻿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [15:58]

و  لقوم مجرمين  يراد به أهل مدينة سدوم الذين بعث فيهم لوط عليه السلام، والمجرم الذي يجر الجرائر ويرتكب المحظورات، وأصل جرم وأجرم كسب، ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]
جريمة ناهض في رأس نيق[(١)](#foonote-١). . . 
أي كسب عقاب في قنة شامخ، ولكن اللفظة خصّت في عرفها بالشر، لا يقال لكاسب الأجر مجرم.

١ هذا صدر بيت قاله أبو خراش الهذلي يصف عقابا ترزق طفلها وتكسب له، والبيت بتمامه:
 جريمة ناهض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبا
 و جريمة هنا بمعنى: كسب، وقال في اللسان: بمعنى: كاسبة، و في التهذيب عن هذا البيت: "يصف عقابا تصيد فرخها الناهض ما تأكله من لحم طير أكلته، وبقي عظامه يسيل منها الودك"، تصيد له. هذا وقد سبق الاستشهاد بهذا البيت..

### الآية 15:59

> ﻿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ [15:59]

وقولهم  إلا آل  استثناء منقطع، والأول القوم الذين يؤول أمرهم إلى المضاف إليه، كذا قال سيبويه، وهذا نص في أن لفظة  آل  ليست لفظة أهل كما قال النحاس، ويجوز على هذا إضافة  آل  إلى الضمير، وأما أهيل فتصغير أهل، واجتزوا به عن تصغير **«آل »**، فرفضوا **«أويلاً »** وقرأ جمهور السبعة **«لمُنجُّوهم »** وقرأ حمزة والكسائي **«لمنْجُوهم »** بسكون النون وضم الجيم مخففة، والضمير في  لمنجوهم  في موضع خفض بالإضافة، وانحذفت النون للمعاقبة، هذا قول جمهور النحويين، وقال الأخفش الضمير في موضع نصب وانحذفت النون لأنه لا بد من اتصال هذا الضمير. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر.

### الآية 15:60

> ﻿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ [15:60]

وقوله  إلا امرأته  استثناء بعد استثناء وهما منقطعان فيما حكى بعض النحاة لأنهم لم يجعلوا امرأته الكافرة من آله. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر، لأنها قبل الاستثناء داخلة في اللفظ الذي هو الأول، وليس كذلك الأول مع **«المجرمين »**، فيظهر الاستثناء الأول منقطعاً والثاني متصلاً، والاستثناء بعد الاستثناء يرد المستثنى الثاني في حكم أمر الأول، ومثل بعض الناس في هذا بقولك : لي عندك مائة درهم إلا عشرة دراهم إلا درهمين، فرجعت الدرهمان في حكم التسعين الدرهم، وقال المبرد : ليس هذا المثال بجيد، لأنه من خلق الكلام ورثه إذ له طريق إلى أداء المعنى المقصود بأجمل من هذا التخليق، وهو أن يقول لي عندك مائة إلا ثمانية، وإنما ينبغي أن يكون مثالاً للآية قولك : ضربت بني تميم إلا بني دارم إلا حاجباً، لأن حاجباً من بني دارم فلما كان المستثنى الأول في ضمنه ما لا يجري الحكم عليه، والضرورة تدخله في لفظه ولا يمكنك العبارة عنه دون ذلك يجري الحكم عليهم اضطررت إلى استثناء ثان[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : ونزعة المبرد في هذا نبيلة، وقرأ جميعهم سوى عاصم في رواية أبي بكر **«قدّرنا »** بتشديد الدال في كل القرآن، وقرأ عاصم **«قدَرنا »** بتخفيفها، ونقل في رواية حفص، والتخفيف يكون بمعنى التثقيل كما قال الهذلي أبو ذؤيب :\[ الطويل \]
ومفرهة عنس قدرت لساقها. . . فخرت كما تتابع الريح بالقفل[(٢)](#foonote-٢)
يريد قدرت ضربي لساقها، وكقول النبي عليه السلام في الاستخارة :**«واقدر لي الخير حيث كان »**[(٣)](#foonote-٣)، ويكون أيضاً بمعنى سن ووفق ومنه قول الشاعر :{ يزيد بن مفرغ \]
بقندهار ومن تقدير منيته. . . يرجع دونه الخبر[(٤)](#foonote-٤)
وكسرت الألف من  إنها  بسبب اللام التي في قوله  لمن  والغابر الباقي في الدهر وغيره، وقالت فرقة منهم النحاس : هو من الأضداد، يقال في الماضي وفي الباقي[(٥)](#foonote-٥)، وأما في هذه الآية فهي للبقاء أي من الغابرين في العذاب.

١ يرى الزمخشري أنه ليس استثناء من استثناء، يقول: "لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة، فأما في الآية فقد اختلف الحكمان، لأن آل لوط متعلق بـ \[أرسلنا\] أو ب \[مجرمين\] و إلا امرأته قد تعلق ب \[منجوهم\]، فأنى يكون استثناء من استثناء؟.
٢ الناقة المفرهة: التي تلد الفرهة، أي: الملاح، يقال: جارية فارهة إذا كانت حسناء مليحة، والعنس: الناقة القوية، شبهت بالصخرة لصلابتها. وخرت: سقطت، والقفل: الشجر اليابس، يقول: قدرت ضربي لساق هذه الناقة القوية الصلبة التي تلد الملاح فسقطت وتدحرجت كما تفعل الريح بالشجر اليابس حين تدفعه على الرمال..
٣ هذا جزء من حديث شريف أخرجه البخاري في التهجد، والتوحيد، والدعوات، و أخرجه أبو داود، و الترمذي في الوتر، والنسائي في النكاح، وابن ماجه في الإقامة، و الإمام أحمد في مسنده (٣ـ ٣٤٤)، ولفظه كما في كتاب التوحيد في البخاري عن جابر بن عبد الله السلمي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلهان كما يعلم السورة من القرآن، يقول: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر ـ ثم تسميه بعينه ـ خيرا لي في عاجل أمري وآجله، ـ قال: أو في ديني و معاشي وعاقبة أمري ـ فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال: في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)..
٤ البيت ليزيد بن مفرغ، وقندهار ـ بضم القاف والدال وسكون النون بينهما مدينة في الإقليم الثالث كما قال الحموي في "معجم البلدان"، قال: غزا عباد بن زياد ثغر السند وسجستان، فأتى "سناروز" ثم نزل "كس" وقطع المفازة حتى أتى "قندهار" فقاتل أهلها فهزمهم وقتلهم، وفتحها بعد أن أصيب من المسلمين، فرأى قلانس أهلها طوالا فعمل عليها فسميت العباديةن وقال يزيد بن مفرغ.
 كم بالجروم وأرض الهند من قدم و من سرابيل قتلى ليتهم قبروا
 بقندهار ومن تقدر منيته بقندهار يرجــــــــــم دونه الخبـــــــــر
 وترجيم الخبر أو الكلام معناه: يقال عن غير يقين..
٥ أما في الباقي فمنه ما ورد في الحديث الشريف: (أنه اعتكف العشر الغوابر من شهر رمضان) أي البواقي، ويقال عن الناقة: "بها غبر من لبن"، أي بقية من لبن، وقال ابن حلزة:
 لا تكسع الشول بأغبارهــــــــا إنك لا تدري من الناتــــج
 **و أما في الماضي فمنه قول الأعشى:**
 عض بما أبقى المواسي لــــه من أمة في الزمن الغابـــر
 يريد ما تركته الموسى عند ختان أمه..

### الآية 15:61

> ﻿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ [15:61]

وقوله تعالى : فلما جاء آل لوط المرسلون  الآيات، تقدم القول وذكر القصص في أمر لوط وصورة لقاء الرسل له، وقيل إن الرسل كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وقيل كانوا اثني عشر.

### الآية 15:62

> ﻿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [15:62]

وقوله  منكرون  أي لا يعرفون في هذا القطر، وفي هذه اللفظة تحذير وهو من نمط ذمه لقومه وجريه إلى أن لا ينزل هؤلاء القوم في تلك المدينة خوفاً منه أن يظهر سوء فعلهم وطلبهم الفواحش.

### الآية 15:63

> ﻿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ [15:63]

فقالت الرسل للوط بل جئناك بما وعدك الله من تعذيبهم على كفرهم ومعاصيهم[(١)](#foonote-١)، وهو الذي كانوا يشكون فيه ولا يحققونه.

### الآية 15:64

> ﻿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [15:64]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٣:فقالت الرسل للوط بل جئناك بما وعدك الله من تعذيبهم على كفرهم ومعاصيهم[(١)](#foonote-١)، وهو الذي كانوا يشكون فيه ولا يحققونه. ---

### الآية 15:65

> ﻿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [15:65]

وقرأت فرقة **«فاسر »** بوصل الألف، وقرأت فرقة **«فأسر »** بقطع الألف، يقال سرى وأسرى بمعنى، إذا سار ليلاً، وقال النابغة :\[ البسيط \]
أسرت عليه من الجوزاء سارية[(٢)](#foonote-٢). . . فجمع بين اللغتين[(٣)](#foonote-٣) في بيت، وقرأ اليماني **«فيسر بأهلك »**، وهذا الأمر بالسرى هو عند الله تعالى، أي يقال لك، و **«القطع »** الجزء من الليل، وقرأت فرقة **«بقطَع »** بفتح الطاء حكاه منذر بن سعيد. 
وقوله : واتبع أدبارهم  أي كن خلفهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يتلوى، و  حيث  في مشهورها ظرف مكان، وقالت فرقة أمر لوط أن يسير إلى زغر[(١)](#foonote-١)، وقيل : إلى موضع نجاة غير معروف عندنا، وقالت فرقة : حيث  قد تكون ظرف زمان، وأنشد أبو علي في هذا بيت طرفة :\[ المديد \]
للفتى عقل يعيش به. . . حيث تهدي ساقه قدمه[(١)](#foonote-١)
كأنه قال مدة مشيه وتنقله، وهذه الآية من حيث أمر أن يسري  بقطع من الليل  ثم قيل له **«حيث تؤمر »**. ونحن لا نجد في الآية أمراً له لا في قوله  بقطع من الليل  أمكن أن تكون  حيث  ظرف زمان، و  يلتفت  مأخوذ من الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد : المعنى لا ينظر أحد وراءه. 
قال القاضي أبو محمد : ونهوا عن النظر مخافة العقلنة وتعلق النفس بمن خلف، وقيل بل لئلا تتفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. وقيل  يلتفت  معناه يتلوى من قولك لفت الأمر إذا لويته، ومنه قولهم للعصيدة لفيتة لأنها تلوى، بعضها على بعض[(٢)](#foonote-٢).

١ هو آخر بيت في قصيدة له مطلعها:
 أشجاك الربع أم قدمـــــه أم رماد دارس حممه؟
 فيها يخاطب بني تغلب ويفخر عليهم في الحرب التي كانت بينهم و بين قومه بكر..
٢ في بعض النسخ: "لأنها يلتوي بعضها على بعض"..

### الآية 15:66

> ﻿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [15:66]

المعنى  وقضينا ذلك الأمر  أي أمضيناه وختمنا به، ثم أدخل في الكلام  إليه  من حيث أوحى ذلك إليه وأعلمه الله به فجلب هذا المعنى بإيجاز وحذف ما يدل الظاهر عليه و  أن  في موضع نصب، قال الأخفش : هي بدل من  ذلك ، وقال الفراء : بل التقدير **«بأن دابر »** فحذف حرف الجر[(١)](#foonote-١)، والأول أصوب، و **«الدابر »** الذي يأتي آخر القوم أي في أدبارهم، وإذا قطع ذلك وأتى عليه فقد أتى العذاب من أولهم إلى آخرهم، وهذه ألفاظ دالة على الاستئصال والهلاك التام، يقال قطع الله دابره واستأصل شأفته وأسكت نأمته بمعنى. 
وقرأ الأعمش **«إن دابر »** بكسر الهمزة وروي أن في قراءة عبد الله **«وقضينا إليه ذلك الأمر وقلنا إن دابر هؤلاء مقطوع »**. 
 و  مصبحين  معناه إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح.

١ عبارة الفراء تشير إلى احتمالين حيث قال في "معاني القرآن": "أن مفتوحة على أن ترد على الأمر، فتكون في موضع نصب بوقوع القضاء عليها، و تكون نصبا آخر بسقوط الخافض منها، أي: قضينا ذلك الأمر بهذا، وهي في قراءة عبد الله "وقلنا إن دابر"، فعلى هذا لو قرىء بالكسر لكان و جها"، ولو رجعت إلى الطبري لوجدت هذا الكلام بنصه فيه..

### الآية 15:67

> ﻿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [15:67]

وقوله  وجاء أهل المدينة ، يحتمل أن رجع الوصف أمر جرى قبل إعلام لوط بهلاك أمته، ويدل على هذا أن محاجة لوط لقومه تقتضي ضعف من لم يعلم إهلاكهم، وأن الأضياف ملائكة، ويحتمل قوله  وجاء أهل المدينة  أن يكون بعد علمه بهلاكهم، وكان قوله ما يأتي من المحاورة على جهة التهكم عنهم والإملاء لهم والتربص بهم. 
قال القاضي أبو محمد : والاحتمال الأول عندي أرجح، وهو الظاهر من آيات غير هذه السورة، وقوله  يستبشرون  أي بالأضياف طمعاً منهم في الفاحشة.

### الآية 15:68

> ﻿قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ [15:68]

و **«الضيف »** مصدر وصف به، فهو يقع للواحد والجميع والمذكر والمؤنث.

### الآية 15:69

> ﻿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ [15:69]

فجمع بين اللغتين في بيت، وقرأ اليماني **«فيسر بأهلك»**، وهذا الأمر بالسرى هو عن الله تعالى، أي يقال لك، و **«القطع»** الجزء من الليل، وقرأت فرقة **«بقطع»** بفتح الطاء حكاه منذر بن سعيد. وقوله: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أي كن خلفهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يتلوى، وحَيْثُ في مشهورها ظرف مكان، وقالت فرقة أمر لوط أن يسير إلى زغر، وقيل: إلى موضع نجاة غير معروف عندنا، وقالت فرقة:
 حَيْثُ قد تكون ظرف زمان، وأنشد أبو علي في هذا بيت طرفة: \[المديد\]
 للفتى عقل يعيش به... حيث تهدي ساقه قدمه
 كأنه قال مدة مشيه وتنقله، وهذه الآية من حيث أمر أن يسري بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ثم قيل له **«حيث تؤمر»**. ونحن لا نجد في الآية أمرا له لا في قوله بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أمكن أن تكون حَيْثُ ظرف زمان، ويَلْتَفِتْ مأخوذ من الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد: المعنى لا ينظر أحد وراءه.
 قال القاضي أبو محمد: ونهوا عن النظر مخافة العقلنة وتعلق النفس بمن خلف، وقيل بل لئلا تتفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. وقيل يَلْتَفِتْ معناه يتلوى من قولك لفت الأمر إذا لويته، ومنه قولهم للعصيدة لفيتة لأنها تلوى، بعضها على بعض.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٦ الى ٧٧\]
 وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠)
 قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
 وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)
 المعنى وَقَضَيْنا ذلِكَ الْأَمْرَ أي أمضيناه وختمنا به، ثم أدخل في الكلام إِلَيْهِ من حيث أوحى ذلك إليه وأعلمه الله به فجلب هذا المعنى بإيجاز وحذف ما يدل الظاهر عليه وأَنَّ في موضع نصب، قال الأخفش: هي بدل من ذلِكَ، وقال الفراء: بل التقدير **«بأن دابر»** فحذف حرف الجر، والأول أصوب، و **«الدابر»** الذي يأتي آخر القوم أي في أدبارهم، وإذا قطع ذلك وأتى عليه فقد أتى العذاب من أولهم إلى آخرهم، وهذه ألفاظ دالة على الاستئصال والهلاك التام، يقال قطع الله دابره واستأصل شأفته وأسكت نأمته بمعنى. ومُصْبِحِينَ معناه إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح، وقوله وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، يحتمل أن رجع الوصف أمر جرى قبل إعلام لوط بهلاك أمته، ويدل على هذا أن محاجة لوط لقومه تقتضي ضعف من لم يعلم إهلاكهم، وأن الأضياف ملائكة، ويحتمل قوله وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أن يكون بعد علمه بهلاكهم، وكان قوله ما يأتي من المحاورة على جهة التهكم عنهم والإملاء لهم والتربص بهم.

قال القاضي أبو محمد: والاحتمال الأول عندي أرجح، وهو الظاهر من آيات غير هذه السورة، وقوله يَسْتَبْشِرُونَ أي بالأضياف طمعا منهم في الفاحشة، و **«الضيف»** مصدر وصف به، فهو يقع للواحد والجميع والمذكر والمؤنث، وقولهم أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ روي أنهم قد تقدموا إليه في أن لا يضيف أحدا ولا يجيره، لأنهم لا يراعونه ولا يكتفون عن طلب الفاحشة فيه، وقرأ الأعمش **«إن دابر»** بكسر الهمزة وروي أن في قراءة عبد الله **«وقضينا إليه ذلك الأمر وقلنا إن دابر هؤلاء مقطوع»**، وذكر السدي أنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة مع الغرباء ولا يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق، وقول لوط عليه السلام هؤُلاءِ بَناتِي اختلف في تأويله، فقيل أراد نساء أمته لأن زوجات النبيين أمهات الأمم وهو أبوهم فالنساء بناته في الحرمة والمراد بالتزويج، ويلزم هذا التأويل أن يكون في شرعه جواز زواج الكافر للمؤمنة، وقد ورد أن المؤمنات به قليل جدا، وقيل إنما أراد بنات صلبه ودعا إلى التزويج أيضا قاله قتادة ويلزم هذا التأويل أيضا ما لزم المتقدم في ترتيبنا.
 قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بقوله عليه السلام هؤُلاءِ بَناتِي بنات صلبه، ويكون ذلك على طريق المجاز، وهو لا يحقق في إباحة بناته وهذا كما تقول لإنسان تراه يريد قتل آخر اقتلني ولا تقتله فإنما ذلك على جهة التشنيع عليه والاستنزال من جهة ما واستدعاء الحياء منه، وهذا كله من مبالغة القول الذي لا يدخله معنى الكذب بل الغرض منه مفهوم، وعليه قول النبي عليه السلام **«ولو كمفحص قطاة»**، إلى غير هذا من الأمثلة و ****«العمر»**** و ****«العمر»**** بفتح العين وضمها واحد، وهما مدة الحياة، ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح، وفي هذه الآية شرف لمحمد عليه السلام لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع بشر سواه، قاله ابن عباس.
 قال القاضي أبو محمد: والقسم ب لَعَمْرُكَ في القرآن، وب **«لعمري»** ونحوه في أشعار العرب وفصيح كلامها في غير موضع.
 كقوله: \[الطويل\] لعمري وما عمري عليّ بهين وقول الآخر: \[الوافر\] لعمر أبيك ما نسب المعالي وكقول الآخر: \[طرفة بن العبد\] \[الطويل\]

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى  لك الطّول المرخى وثنياه باليد والعرب تقول لعمر الله، ومنه قول الشاعر:إذا رضيت عليّ بنو قشير  لعمر الله أعجبني رضاها وقال الأعشى: \[الكامل\]ولعمر من جعل الشهور علامة  فيها فبين نصفها وكمالها

ويروى وهلالها، وقال بعض أصحاب المعاني، لا يجوز هذا لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما يقال بقاء أزلي ذكره الزهراوي، وكره إبراهيم النخعي أن يقول الرجل لعمري لأنه حلف بحياة نفسه، وذلك من كلام ضعفة الرجال، ونحو هذا، قول مالك في **«لعمري»** و **«لعمرك»** أنها ليست بيمين، وقال ابن حبيب ينبغي أن تصرف لَعَمْرُكَ في الكلام اقتداء بهذه الآية، ويَعْمَهُونَ يرتبكون ويتحيرون، والضمائر في سَكْرَتِهِمْ يراد بها قوم لوط المذكورون، وذكر الطبري أن المراد قريش، وهذا بعيد لأنه ينقطع مما قبله ومما بعده، وقوله لَفِي سَكْرَتِهِمْ مجاز وتشبيه، أي في ضلالتهم وغفلتهم وإعراضهم عن الحق ولهوهم، ويَعْمَهُونَ معناه يتردون في حيرتهم، ومُشْرِقِينَ معناه قد دخلوا في الإشراق وهو سطوع ضوء الشمس وظهوره قاله ابن زيد.
 قال القاضي أبو محمد: وهذه **«الصيحة»** هي صيحة الوجبة وليست كصيحة ثمود، وأهلكوا بعد الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين، وخبر قوله لَعَمْرُكَ محذوف تقديره لعمرك قسمي أو يميني، وفي هذا نظر، وقرأ ابن عباس **«وعمرك»**، وقرأ الأشهب العقيلي **«لفي سكرتهم»** بضم السين، وقرأ ابن أبي عبلة **«لفي سكراتهم»**، وقرأ الأعمش **«لفي سكرهم»** بغير تاء، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي **«أنهم في سكرتهم»** بفتح الألف، وروي في معنى قوله فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها أن جبريل عليه السلام اقتلع المدينة بجناحيه ورفعها حتى سمعت ملائكة السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها وأرسل الكل، فمن سقط عليه شيء من جرم المدينة مات، ومن أفلت منهم أصابته حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ، وسِجِّيلٍ اسم من الدنيا، وقيل لفظة فارسية، وهي الحجارة المطبوخة من الطين كالآجر ونحوه، وقد تقدم القول في هذا، و **«المتوسمون»** قال مجاهد المتفرسون، وقال الضحاك الناظرون، وقال قتادة المعتبرون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وهذا كله تفسير بالمعنى، وأما تفسير اللفظة فإن المعاني التي تكون في الإنسان وغيره من خير أو شر يلوح عليه وسم عن تلك المعاني، كالسكون والدماثة واقتصاد الهيئة التي تكون عن الخير ونحو هذا، فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على المعنى، وكأن معصية هؤلاء أبقت من العذاب والإهلاك وسما، فمن رأى الوسم استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي لئلا ينزل به ما نزل بهم، ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر: \[الطويل\]

توسمته لما رأيت مهابة  عليه وقلت المرء من آل هاشم **وقال آخر:**
 **فظللت فيها واقفا أتوسم وقال آخر:**
 إني توسمت فيك الخير نافلة والضمير في قوله وَإِنَّها يحتمل أن يعود على المدينة المهلكة، أي أنها في طريق ظاهر بين للمعتبر، وهذا تأويل مجاهد وقتادة وابن زيد، ويحتمل أن يعود على الآيات، ويحتمل أن يعود على الحجارة، ويقوي هذا التأويل ما روي أن النبي عليه السلام قال: «إن حجارة العذاب معلقة بين السماء

### الآية 15:70

> ﻿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [15:70]

وقولهم  أو لم ننهك عن العالمين  روي أنهم قد تقدموا إليه في أن لا يضيف أحداً ولا يجيره، لأنهم لا يراعونه ولا يكتفون عن طلب الفاحشة فيه. وذكر السدي أنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة مع الغرباء ولا يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق.

### الآية 15:71

> ﻿قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [15:71]

وقول لوط عليه السلام  هؤلاء بناتي  اختلف في تأويله، فقيل أراد نساء أمته لأن زوجات النبيين أمهات الأمم وهو أبوهم فالنساء بناته في الحرمة والمراد بالتزويج، ويلزم هذا التأويل أن يكون في شرعه جواز زواج الكافر للمؤمنة، وقد ورد أن المؤمنات به قليل جداً، وقيل إنما أراد بنات صلبه ودعا إلى التزويج أيضاً قاله قتادة ويلزم هذا التأويل أيضاً ما لزم المتقدم في ترتيبنا. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يريد بقوله عليه السلام هؤلاء بناتي بنات صلبه، ويكون ذلك على طريق المجاز، وهو لا يحقق في إباحة بناته وهذا كما تقول لإنسان تراه يريد قتل آخر اقتلني ولا تقتله فإنما ذلك على جهة التشنيع عليه والاستنزال من جهة ما واستدعاء الحياء منه، وهذا كله من مبالغة القول الذي لا يدخله معنى الكذب بل الغرض منه مفهوم، وعليه قول النبي عليه السلام
**«ولو كمفحص قطاة »**[(١)](#foonote-١)، إلى غير هذا من الأمثلة و **«العَمر »** و **«العُمر »** بفتح العين وضمها واحد، وهما مدة الحياة، ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح، وفي هذه الآية شرف لمحمد عليه السلام لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع بشر سواه، قاله ابن عباس.

### الآية 15:72

> ﻿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [15:72]

قال القاضي أبو محمد : والقسم ب  لعمرك  في القرآن، وب ****«لعمري »**** ونحوه في أشعار العرب وفصيح كلامها في غير موضع. 
كقوله :\[ الطويل \]
لعمري وما عمري عليَّ بهين[(١)](#foonote-١). . . وقوله الآخر :\[ الوافر \]
لعمر أبيك ما نسب المعالي. . . وكقول الآخر :\[ طرفة بن العبد \] \[ الطويل \]
لعمرك إن الموت ما أخطأَ الفتى. . . لكالطِّوَلِ المرخى وثنياه باليد[(٢)](#foonote-٢)
والعرب تقول لعمر الله، ومنه قول الشاعر :
إذا رضيت عليَّ بنو قشير. . . لعمر الله أعجبني رضاها[(٣)](#foonote-٣)
وقال الأعشى :\[ الكامل \]
ولعمر من جعل الشهور علامة. . . فيها فبين نصفها وكمالها[(٤)](#foonote-٤)
ويروى وهلالها، وقال بعض أصحاب المعاني، لا يجوز هذا لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما يقال بقاء أزلي ذكره الزهراوي، وكره إبراهيم النخعي أن يقول الرجل لعمري لأنه حلف بحياة نفسه، وذلك من كلام ضعفة الرجال، ونحو هذا، قول مالك في ****«لعمري »**** و **«لعمرك »** أنها ليست بيمين، وقال ابن حبيب ينبغي أن تصرف  لعمرك  في الكلام اقتداء بهذه الآية، و  يعمهون  يرتبكون ويتحيرون، والضمائر في  سكرتهم  يراد بها قوم لوط المذكورون، وذكر الطبري أن المراد قريش، وهذا بعيد لأنه ينقطع مما قبله ومما بعده، وقوله  لفي سكرتهم  مجاز وتشبيه، أي في ضلالتهم وغفلتهم وإعراضهم عن الحق ولهوهم، و  يعمهون  معناه يتردون في حيرتهم، و  مشرقين  معناه قد دخلوا في الإشراق وهو سطوع ضوء الشمس وظهوره قاله ابن زيد.

١ هذا صدر بيت للنابغة، وهو من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر ويعتذر إليه مما وشت به بنو قريع بن تميم، وهو بتمامه:
 لعمري وما عمري علي بهين لقد نطقت بطلا علي الأقارع
 واللام في "لعمري" لام ابتداء يقصد بها توكيد الجملة، و "لعمري" مبتدأ وخبره محذوف تقديره: يميني، و "ما عمري" رويت بضم العين وبفتحها، وبطلا ـ بضم الباء وسكون الطاء ـ مصدر بطل إذا كان غير حق، والأقارع: بنو قريع بن عوف..
٢ الشاعر هو طرفة بن العبد، والبيت من معلقته التي امتازت بالحكمة وبالنظر الصائب في أمور الحياة، وقوله: "ما أخطأ الفتى" يحتاج إلى شيء من البيان، إذ أن (ما) مع الفعل هنا بمنزلة مصدر حل محل الزمان، نحو قولهم: "آتيك خفوق النجم ومقدم الحاج" أي: وقت خفوق النجم، ووقت مقدم الحاج، والطول: الحبل الذي يطول للدابة ويعطيها فرصة الرعي على مسافة كبيرة، والإرخاء: الإرساء، والثني: الطرف والجمع الأثناء، يقسم طرفة أن الموت في مدة تركه للفتى، أو مجاوزته إياه بمنزلة حبل طويل ترك على طوله لترعى الدابة فيه وطرفاه بيد صاحبها، فكما أن الدابة لا يمكن أن تفلت ما دام صاحبها آخذا بطرفي الحبل فكذلك الموت لا يمكن للفتى أن يتخلص منه، ولما جعل الموت بمنزلة صاحب الدابة التي أرخى طولها قال: متى شاء الموت قاد الفتى لهلاكه، ومن كان في حبل الموت انقاد له..
٣ البيت للقحيف العقيلي، وبعده يقول:
 ولا تنبو سيوف بني قشير ولا تمضي الأسنة في صفاها يقال: رضيت عنك وعليك، وقد عداها الشاعر في بيتنا ب "على" لأنه إذا رضيت عنه أحبته وأقبلت عليه، فلذلك استعمل على بمعنى عن، قال صاحب اللسان: وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في هذا، لأنه لما كان رضيت ضد سخطت عدى رضيت ب"على" حملا للشيء على نقيضه كما يحمل على نظيره..
٤ الرواية في الديوان: "فلعمر بالفاء، و "فبين نصفها وهلالها"، ويروى: "نقصها"، وهو من قصيدة للشاعر يمدح بها قيس بن معديكرب، وبعده يقول مخاطبا الممدوح:
 ما كنت في الحرب العوان مغمرا إذ شب حر وقودها أجزا لهــــــا
 ومن الشواهد الشعرية على استعمال العرب "لعمري" و "لعمرك" قول الشاعر:
 لعمرك ما يدري الفتى أي أمـــره وإن كان محروصا على الرشد أشد
 أفي عاجلات الأمر أم آجـــــلاته أم اليوم أدني للسعــــــادة أم غــــــد؟
 **وقول العباس بن الأحنف:**
 لعمري لئن كان المقرب منكم هوى صادقا إني لمستوجـــــب القرب
 **وقد استعمله أبو خراش في الطير فقال:**
 لعمر أبي الطير المربة غـــــــدوة على خالـد لقد وقعت على لحم
 وتأتي "عمر" بدون اللام، قال عمر بن أبي ربيعة:
 أيها المنكح الثريا سهيــــــــــــــــلا عمــرك الله، كيف يجتمعان ؟
 قيل: معنى "عمرك الله" هنا، عبادتك الله، ولذلك نصب الشاعر لفظ الجلالة. وتأتي "عمر" بالراء بدلا من اللام في أولها فيقال: "رعمرك"..

### الآية 15:73

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [15:73]

قال القاضي أبو محمد : وهذه **«الصيحة »** هي صيحة الوجبة[(١)](#foonote-١) وليست كصيحة ثمود، وأهلكوا بعد الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين، وخبر قوله  لعمرك  محذوف تقديره لعمرك قسمي أو يميني، وفي هذا نظر، وقرأ ابن عباس و **«عمرك »**، وقرأ الأشهب العقيلي **«لفي سُكرتهم »** بضم السين، وقرأ ابن أبي عبلة **«لفي سكراتهم »**، وقرأ الأعمش **«لفي سكرهم »** بغير تاء، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي **«أنهم في سكرتهم »** بفتح الألف.

١ هكذا في جميع النسخ الأصلية، ولا نرى لها معنى، وقد وجدناها في "البحر المحيط" نقلا عن ابن عطية: "صيحة الوحشة"..

### الآية 15:74

> ﻿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [15:74]

وروي في معنى قوله  جعلنا عاليها سافلها  أن جبريل عليه السلام اقتلع المدينة بجناحيه ورفعها حتى سمعت ملائكة السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها وأرسل الكل، فمن سقط عليه شيء من جرم المدينة مات، ومن أفلت منهم أصابته  حجارة من سجيل ، و  سجيل  اسم من الدنيا، وقيل لفظة فارسية، وهي الحجارة المطبوخة من الطين كالآجر ونحوه، وقد تقدم القول في هذا.

### الآية 15:75

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [15:75]

و **«المتوسمون »** قال مجاهد المتفرسون، وقال الضحاك الناظرون، وقال قتادة المعتبرون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وهذا كله تفسير بالمعنى، وأما تفسير اللفظة فإن المعاني التي تكون في الإنسان وغيره من خير أو شر يلوح عليه وسم عن تلك المعاني، كالسكون والدماثة واقتصاد الهيئة التي تكون عن الخير ونحو هذا، فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على المعنى، وكأن معصية هؤلاء أبقت من العذاب والإهلاك وسماً، فمن رأى الوسم استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي لئلا ينزل به ما نزل بهم، ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر :\[ الطويل \]
توسمته لما رأيت مهابة. . . عليه وقلت المرء من آل هاشم[(١)](#foonote-١)
**وقال آخر :**
فظللت فيها واقفاً أتوسم[(٢)](#foonote-٢). . . وقال آخر :
إني توسمت فيك الخير نافلة[(٣)](#foonote-٣). . .

### الآية 15:76

> ﻿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [15:76]

والضمير في قوله  وإنها  يحتمل أن يعود على المدينة المهلكة ؛ أي أنها في طريق ظاهر بين للمعتبر، وهذا تأويل مجاهد وقتادة وابن زيد، ويحتمل أن يعود على الآيات، ويحتمل أن يعود على الحجارة، ويقوي هذا التأويل ما روي أن النبي عليه السلام قال :**«إن حجارة العذاب معلقة بين السماء والأرض منذ ألفي سنة لعصاة أمتي »**[(٤)](#foonote-٤).

### الآية 15:77

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [15:77]

وقوله  الآية  أي أمارة وعلامة كما تقول آية ما بيني وبينك كذا وكذا.

### الآية 15:78

> ﻿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [15:78]

الأيكة  الغيضة والشجر الملتف المخضر يكون السدر وغيره، قال قتادة، وروي أن أيكة هؤلاء كانت من شجر الدوم، وقيل من المقل، وقيل من السدر، وكان هؤلاء قوماً يسكنون غيضة ويرتفقون بها في معايشهم فبعث الله إليهم شعيباً فكفروا فسلط الله عليهم الحر فدام عليهم سبعة أيام ثم رأوا سحابة فخرجوا فاستظلوا تحتها فاضطرمت عليهم ناراً، وحكى الطبري قال : بعث شعيب إلى أمتين كفرتا فعذبتا بعذابين مختلفين : أهل مدين عذبوا بالصيحة، و  أصحاب الأيكة ، ولم يختلف القراء في هذا الموضع في إدخال الألف واللام على **«أيكة »**، وأكثرهم همز ألف أيكة بعد اللام، وروي عن بعضهم أنه سهلها ونقل حركتها إلى اللام فقرأ **«أصحاب الأيكة »** دون همز، واختلفوا في سورة الشعراء وفي سورة ص[(١)](#foonote-١)، و  إن  هي المخففة من الثقيلة على مذهب البصريين، وقال الفراء  إن  بمعنى ما، واللام في قوله  لظالمين  بمعنى إلا. قال أبو علي : الأيك جمع أيكة كترة وتمر. 
قال القاضي أبو محمد : ومن الشاهد على اللفظة قول أمية بن أبي الصلت :
كبكاء الحمام على غصون الأي. . . ك في الطير الجوانح[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول جرير :\[ الوافر \]
وقفت بها فهاج الشوق مني. . . حمام الأيك يسعدها حمام[(٣)](#foonote-٣)
**ومنه قول الآخر :**
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة. . . إذا اخضرَّ منها جانب جف جانب[(٤)](#foonote-٤)
**ومنه قول الهذلي :**
موشحة بالطرتين دنا لها. . . جنا أيكةٍ تضفو عليها قصارها[(٥)](#foonote-٥)
وأنشد الأصمعي :\[ البسيط \]
وما خليج من المروت ذو حدب. . . يرمي الصعيد بخشب الأيك والضال[(٦)](#foonote-٦)
١ أما في الشعراء ففي قوله تعالى في الآية (١٧٦): كذب أصحاب الأيكة المرسلين، وأما في ص ففي قوله تبارك وتعالى في الآية (١٣): وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب..
٢ قال أمية هذا البيت من قصيدة له يرثي بها قتلى بدر، ومطلعها:
 ألا بكيت على الكــــرا م بني الكرام أولي الممادح
 والأيك: الشجر الملتف، واحدته أيكة، و الجوانح: الموائل، يقال: جنح إذا مال. وفي اللسان: الأيكة: الشجر الكثير الملتف، وقيل: هي الغيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر، وخص بعضهم به منبت الأثل ومجتمعه. وقد روي البيت: "على فروع" بدلا من :"على غصون"..
٣ "هاج" يهيج: ثار لمشقة أو ضرر، يتعدى ولا يتعدى، والذي حرك الشوق هنا هو الحمام السعيد في الأيك بأليفه، و قد اعتاد الشعراء تداول هذا المعنى، قال الشاعر:
 وما هاج هذا الشوق إلا حمامـــــــــــــة تغنت على خضراء سمر قيودها
 صدوح الضحى معروفة اللحن لم تزل تقود الهوى من مسعد ويقودهـــا
 **وقال آخر:**
 إذا تغنى الحمام الورق هيجنــــــــــــي ولو تعزيت عنها أم عمـــــــــار
 .
٤ يقال: غضر غضارة: كان في سعة وطيب عيش، وغضر النبات: نعم فهو غاضر وغضير، يصور الدنيا في صورة الأيكة، إذا اشتدت خضرة النبات في جانب منها جف منها جانب آخر، وكذلك الدنيا تعطي وتأخذ، والبيت غير منسوب..
٥ قال أبو ذؤيب هذا البيت من قصيدة يرثي بها نشيبة بن محرث، أحد بني مؤمل، ومطلعها:
 هل الدهر إلا ليلة ونهارهـــــا وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
 والموشحة من الظباء والشاء والطير: التي لها طرتان مسبلتان من جانبيها، ويروى "مولعة"، والتوليع: ألوان مختلفة، و "الطرتان": طريقتان في جنبيها، و هو حيث ينقطع اختلاف لون الظهر من لون البطن، و "دنا لها" قرب لها، و "الجنى": الثمر الذي يجتني، و "يضفو": يكثر ويسبغ عليها، فإذا سبغ عليها القصار من الأغصان فالطوال أحرى أن تكون أسبغ، والشاعر يصف ظبية ويقول في هذا البيت و ما بعده: إنها ملونة جميلة تأكل ما تشاء من الثمار، وقد نعمت بالربيع، و مع ذلك فإنها ليست أجمل ولا أحسن من حبيبته..
٦ لم أقف على قائله، ومكان النقط كلمة غير واضحة في النسخ الخطية، وتختلف صورتها وحروفها من نسخة إلى أخرى، والخليج من البحر: شرم منه، أو نهر في شق من النهر الأعظم إلى موضع ينتفع به، وذو حدب: ذو موج مرتفع، وحدب الماء: ما ارتفع من أمواجه. والصعيد: الأرض المرتفعة، وقيل: ما ارتفع من الأرض في أرض منخفضة، وقيل: وجه الأرض عموما، والأيكة: الغيضة تنبت السدر والأراك و نحوهما من ناعم الشجر، وعن ابن الأعرابي: أيكة من أثل، ورهط من عشر، وقصيمة من عضا، والضال: السدر البري، غير مهموز، واحدته ضالة وألفه منقلبة عن ياء. والشاهد في البيت أن الأيكة بمعناها المعروف مستعملة في الشعر العربي..

### الآية 15:79

> ﻿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [15:79]

والضمير في قوله  وإنهما  يحتمل أن يعود على المدينتين اللتين تقدم ذكرهما : مدينة قوم لوط، ومدينة أصحاب الأيكة، ويحتمل أن يعود للنبيين : على لوط وشعيب، أي أنهما على طريق من الله وشرع مبين. و ******«الإمام »****** في كلام العرب الشيء الذي يهتدي به ويؤتم، يقولونه لخيط البناء، وقد يكون الطريق، وقد يكون الكتاب المفيد، وقد يكون القياس الذي يعمل عليه الصناع، وقد يكون الرجل المقتدى به، ونحو هذا، ومن رأى عود الضمير في  إنهما  على المدينتين قال ******«الإمام »****** الطريق، وقيل على ذلك ******«الإمام »****** الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما.

### الآية 15:80

> ﻿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [15:80]

و  أصحاب الحجر  هم ثمود، وقد تقدم قصصهم، و  الحجر  مدينتهم، وهي ما بين المدينة وتبوك، وقال  المرسلين  من حيث يجب بتكذيب رسول واحد تكذيب الجميع، إذ القول في المعتقدات واحد للرسل أجمع، فهذه العبارة أشنع على المكذبين.

### الآية 15:81

> ﻿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [15:81]

و **«الآية »** التي آتاهم الله في الناقة وما اشتملت عليه من خرق العادة حسبما تقدم تفسيره وبسطه، وقرأ أبو حيوة **«وآتيناهم آيتنا »** مفردة.

### الآية 15:82

> ﻿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [15:82]

وقوله تعالى : وكانوا ينحتون  الآية، يصف قوم صالح بشدة النظر للدنيا والتكسب منها فذكر من ذلك مثالاً أن بيوتهم كانوا ينحتونها من حجر الجبال، و **«النحت »** النقر بالمعاول ونحوها في الحجارة والعود ونحوه، وقرأ جمهور الناس **«ينحِتون »** بكسر الحاء، وقرأ الحسن **«ينحَتون »** بفتحها، وذلك لأجل حرف الحلق، وهي قراءة أبي حيوة، وقوله  آمنين  قيل معناه من انهدامها، وقيل من حوادث الدنيا، وقيل من الموت لاغترارهم بطول الأعمال. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف، وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة. فكانوا لا يعملون بحسبها، بل كانوا يعملون بحسب الأمن منها.

### الآية 15:83

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [15:83]

ومعنى  مصبحين  أي عند دخولهم في الصباح، وذكر أن ذلك كان يوم سبت، وقد تقدم قصص عذابهم وميعادهم وتغير ألوانهم.

### الآية 15:84

> ﻿فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [15:84]

ولم تغن عنهم شدة نظرهم للدنيا وتكسبهم شيئاً، ولا دفع عذاب الله، و  ما  الأولى تحتمل النفي وتحتمل التقرير[(١)](#foonote-١)، والثانية مصدرية[(٢)](#foonote-٢).

### الآية 15:85

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [15:85]

وقوله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض  الآية، المراد أن هؤلاء المكتسبين للدنيا الذين لم يغن عنهم اكتسابهم ليسوا في شيء، فإن السماوات والأرض وجميع الأشياء لم تخلق عبثاً ولا سدى، ولا لتكون طاعة الله كما فعل هؤلاء ونظراؤهم، وإنما خلقت بالحق ولواجب مراد وأغراض لها نهايات من عذاب أو تنعيم  وإن الساعة لآتية  على جميع أمور الدنيا، أي فلا تهتم يا محمد بأعمال قومك فإن الجزاء لهم بالمرصاد،  فاصفح  عن أعمالهم، أي ولِّها صفحة عنقك بالإعراض عنها، وأكد الصفح بنعت الجمال إذ المراد منه أن يكون لا عتب فيه ولا تعرض. 
وهذه الآية تقتضي مداهنة، ونسخها في آية السيف قاله قتادة.

### الآية 15:86

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [15:86]

ثم تلا في آخر الآية بأن الله تعالى يخلق من شاء لما شاء ويعلم تعالى وجه الحكمة في ذلك لا هذه الأوثان التي يعبدونها، وقرأ جمهور الناس **«الخلاق »**، وقرأ الأعمش والجحدري **«الخالق »**.

### الآية 15:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [15:87]

قال ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن جبير :****«السبع »**** هنا هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال مع براءة[(١)](#foonote-١)، وقال ابن جبير : بل السابعة يونس وليست الأنفال وبراءة منها، و  المثاني  على قول هؤلاء : القرآن كما قال تعالى : كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم [(٢)](#foonote-٢) \[ الزمر : ٢٣ \]، وسمي بذلك لأن القصص والأخبار تثنى فيه وتردد، وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس أيضاً وابن مسعود والحسن وابن أبي مليكة وعبيد بن عمير وجماعة :****«السبع »**** هنا هي آيات الحمد، قال ابن عباس : هي سبع : ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال غيره هي سبع دون البسملة، وروي في هذا حديث أبي بن كعب ونصه : قال أبيّ : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ألا أعلمك يا أبيّ سورة لم تنزل في التوراة والإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها »**، قلت : بلى، قال :**«إني لأرجو أن لا تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها »**، فقام رسول الله وقمت معه ويدي في يده وجعلت أبطىء في المشي مخافة أن أخرج، فلما دنوت من باب المسجد، قلت : يا رسول الله، السورة التي وعدتنيها ؟ فقال :**«كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة »** ؟ قال : فقرأت  الحمد لله رب العالمين  \[ الفاتحة : ١ \] حتى كملت فاتحة الكتاب، فقال :**«هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت »**، كذا أو نحوه ذكره مالك في الموطأ، وهو مروي في البخاري ومسلم عن أبي سعيد بن المعلى أيضاً، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم **«إنها السبع المثاني، وأم القرآن، وفاتحة الكتاب »**[(٣)](#foonote-٣) وفي كتاب الزهراوي : وليس فيها بسملة، و  المثاني  على قول هؤلاء يحتمل أن يكون القرآن، ف  من  للتبعيض، وقالت فرقة : بل أراد الحمد نفسها كما قال  الرجس من الأوثان [(٤)](#foonote-٤) \[ الحج : ٣٠ \] ف  من  لبيان الجنس، وسميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، وقيل سميت بذلك لأنها يثنى بها على الله تعالى، جوزه الزجاج. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول من جهة التصريف نظر[(٥)](#foonote-٥)، وقال ابن عباس : سميت بذلك لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها، وقال نحوه ابن أبي مليكة، وقرأت فرقة **«والقرآن »** بالخفض عطفاً على  المثاني  وقرأت فرقة **«والقرآنَ »** بالنصب عطفاً على قوله  سبعاً ، وقال زياد بن أبي مريم[(٦)](#foonote-٦) : المراد بقوله  ولقد آتيناك سبعاً  أي سبع معان من القرآن خولناك فيها شرف المنزلة في الدنيا والآخرة وهي : مُرْ، وانْهَ، وبشر، وأنذِر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واقصص الغيوب، وقال أبو العالية **«السبع المثاني »** هي آية فاتحة الكتاب، ولقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء.

١ لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة..
٢ من الآية (٢٣) من سورة (الزمر)..
٣ قال في (فتح القدير): "أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم)". وفي القرطبي: "وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني)..
٤ من الآية (٣٠) من سورة (الحج)..
٥ قال أبو حيان في البحر: "ولا نظر في ذلك، لأنها جمع مثنى بضم الميم، مفعل من أثنى رباعيا، أي مقر ثناء على الله تعالى، أي: فيها ثناء على الله تعالى"..
٦ هو زياد بن أبي مريم الجزري، و ثقه المعجلي، من الطبقة السادسة..

### الآية 15:88

> ﻿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [15:88]

وقوله  لا تمدن عينيك  الآية، حكى الطبري، عن سفيان بن عيينة أنه قال هذه الآية أمر بالاستغناء بكتاب الله عن جميع زينة الدنيا، وهي ناظرة إلى قوله عليه السلام :
**«ليس منا من لم يتغن بالقرآن »**[(١)](#foonote-١) أي يستغني به. 
قال القاضي أبو محمد : فكأنه قال : ولقد آتيناك عظيماً خطيراً فلا تنظر إلى غير ذلك من أمور الدنيا وزينتها التي متعنا بها أنواعاً من هؤلاء الكفرة، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم صغيراً، وصغر عظيماً »**[(٢)](#foonote-٢) وكأن ****«مد العين »**** يقترن به تمنَّ، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا ب ****«مد العين »**** و **«الأزواج »** هنا الأنواع والأشباه، وقوله  ولا تحزن عليهم  أي لا تتأسف لكفرهم وهلاكهم، واصرف وجهك وتحفيك إلى من آمن بك  واخفض  لهم  جناحك  وهذه استعارة بمعنى لين جناحك ووطىء أكنافك. **«والجناح »** الجانب والجنب، ومنه  واضمم يدك إلى جناحك [(٣)](#foonote-٣) \[ طه : ٢٢ \] فهو أمر بالميل إليهم، والجنوح الميل.

١ أخرجه البخاري في التوحيد، وأبو داود في الوتر، والدارمي في الصلاة وفي فضائل القرآن، والإمام أحمد (١ ـ ١٧٢، ١٧٥، ١٧٩)، وفي رواية الإمام أحمد بعد أن ذكر الحديث قال وكيع: "يعني: يستغني به"، ووكيع هو الراوي..
٢ رواه أبو القاسم الطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: (من قرأ القرآن فرأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله)، (راجع ج ص ١٥ ) من هذا الكتاب..
٣ من الآية (٢٢) من سورة (طه)..

### الآية 15:89

> ﻿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [15:89]

وقل إني أنا النذير المبين ، أي تمسك بهذا القدر العظيم الذي وهبناك.

### الآية 15:90

> ﻿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ [15:90]

والكاف من قوله  كما  متعلقة بفعل محذوف تقديره، وقل إني أنا النذير المبين عذاباً كالذي أنزلنا على المقتسمين، فالكاف اسم في موضع نصب. 
قال القاضي أبو محمد : هذا قول المفسرين، وهو عندي غير صحيح [(١)](#foonote-١)لأن  كما  ليس مما يقوله محمد عليه السلام بل هو من قول الله تعالى له فينفصل الكلام، وإنما يترتب هذا القول بأن نقدر أن الله تعالى قال له تنذر عذاباً كما، والذي أقول في هذا المعنى : وقل أنا النذير كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك، ويحتمل أن يكون المعنى وقل أنا النذير كما قد أنزلنا قبل في الكتب أنك ستأتي نذيراً، وهذا على أن  المقتسمين  أهل الكتاب، واختلف الناس في  المقتسمين  من هم ؟ فقال ابن زيد : هم قوم صالح الذين اقتسموا السيئات فالمقتسمون على هذا من القسم. 
قال القاضي أبو محمد : ويقلق هذا التأويل مع قوله  الذين جعلوا القرآن عضين ، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير :******«المقتسمون »****** هم أهل الكتاب الذين فرقوا دينهم، وجعلوا كتاب الله أعضاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقال نحوه مجاهد، وقالت فرقة :******«المقتسمون »****** هم من كفار قريش الذين اقتسموا الطرق وقت الموسم ليعرفوا الناس بحال محمد عليه السلام، وجعلوا القرآن سحراً وشعراً وكهانة فعضهوه بهذا وعضوه أعضاء بهذا التقسيم، وقال عكرمة :******«المقتسمون »****** هم قوم كانوا يستهزئون بسور القرآن فيقول الرجل منهم هذه السورة لي، ويقول الآخر وهذه لي.

١ علق أبو حيان في البحر على قوله: "وهذا عندي غير صحيح" فقال: "استعذر بعضهم عن ذلك فقال: الكاف متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى، تقديره: أنا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا، وإن كان المنزل هو الله، كما يقول بعض خواص الملك: "أمرنا بكذا" وإن كان الملك هو الآمر"..

### الآية 15:91

> ﻿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [15:91]

وقوله  عضين  مفعول ثان وجعل بمعنى صير، أي بألسنتهم ودعواهم، وأظهر ما فيه أنه جمع عضة، وهي الفرقة من الشيء والجماعة من الناس كثبة وثبين وعزة وعزين، وأصلها عضهة وثبوة فالياء والنون عوض من المحذوف، كما قالوا سنة وسنون، إذ أصلها سنهة[(١)](#foonote-١)، وقال ابن عباس وغيره : عضين  مأخوذ من الأعضاء أي عضوة فجعلوه أعضاء مقسماً، ومن ذلك قول الراجز :
وليس دين الله بالمعضى[(٢)](#foonote-٢). . . وهذا هو اختيار أبي عبيدة، وقال قتادة  عضين  مأخوذ من العضة وهو السب المفحش، فقريش عضهوا كتاب الله بقولهم : هو شعر، هو سحر، هو كهانة، وهذا هو اختيار الكسائي، وقالت فرقة : عضين  جمع عضة وهي اسم للسحر خاصة بلغة قريش، ومنه قول الراجز :
للماء من عضتهن زمزمة[(٣)](#foonote-٣). . . . وقال هذا قول عكرمة مولى ابن عباس، وقال العضة السحر، وهم يقولون للساحرة العاضهة، وفي الحديث **«لعن الله العاضهة والمستعضهة »**[(٤)](#foonote-٤)، وهذا هو اختيار الفراء. 
قال القاضي أبو محمد : ومن قال جعلوه أعضاء فإنما أراد قسموه كما تقسم الجزور أعضاء.

١ استقلوا الجمع بين هاءين فقالوا: عضة، كما قالوا: شفة، والأصل شفهة، وسنة، والأصل سنهة، ومن علماء العربية من قال: عضين واحدتها عضة، ولكن أصلها عضوة من: عضيت الشيء إذا فرقته، جعلوا النقصان هو الواو. اتفقوا على أن الأصل (عضة) ولكن اختلفوا في المحذوف، أهو واو أو هاء؟.
٢ الراجز هو رؤبة بن العجاج، والبيت من قصيدة له يمدح بها تميم ونفسه. يقول: "إن دين الله ليس أقساما ولا أجزاء"، وفي مطلع القصيدة يقول:
 داينت أروى والديون تقضى
 فمطلت بعضا وأدت بعضا .
٣ جاء في (اللسان عضه): العضه: السحر والكهانة، واالعاضه: الساحر، الفعل كالفعل والمصدر كالمصدر، قال: أعوذ بربي من النافثا  ت في عضه العاضه المعضه وسمي السحر عضها لأنه كذب وتخييل لا حقيقة له. وعلى هذا نفهم كلام هذه الفرقة، والرجز الذي ساقه ابن عطية يشهد بأن العضة اسم للسحر، والزمزمة: صوت خفي لا يكاد يفهم، وزمزمة الماء: كثرته، يقول: إن للماء من سحرهن كثرة، أو صوت خفي لا يكاد يفهم. ولم نقف على قائل الرجز.
 قال ابن الأثير في النهاية: "هي الساحرة والمستسحرة، سمي السحر عضها لأنه كذب وتخييل لا حقيقة له"..
٤ ؟؟؟؟؟.

### الآية 15:92

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [15:92]

وقوله  فوربك لنسألنهم  إلى آخر الآية، ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه، فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام عن رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو العالية في تفسير هذه الآية : يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد : إن السؤال عن لا إله إلا الله، وذكره الزهراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس في قوله  فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [(١)](#foonote-١)، قال يقال لهم : لم عملتم كذا وكذا ؟ قال وقوله تعالى : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان [(٢)](#foonote-٢) \[ الرحمن : ٣٩ \] معناه يقال له ما أذنبت لأن الله تعالى أعلم بذنبه منه.

١ قال الزمخشري: أقسم تعالى بذاته وربوبيته مضافا إلى رسوله على جهة التشريف..
٢ من الآية (٣٩) من سورة (الرحمن)..

### الآية 15:93

> ﻿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [15:93]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٢:وقوله  فوربك لنسألنهم  إلى آخر الآية، ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه، فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام عن رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو العالية في تفسير هذه الآية : يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد : إن السؤال عن لا إله إلا الله، وذكره الزهراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس في قوله  فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [(١)](#foonote-١)، قال يقال لهم : لم عملتم كذا وكذا ؟ قال وقوله تعالى : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان [(٢)](#foonote-٢) \[ الرحمن : ٣٩ \] معناه يقال له ما أذنبت لأن الله تعالى أعلم بذنبه منه. 
١ قال الزمخشري: أقسم تعالى بذاته وربوبيته مضافا إلى رسوله على جهة التشريف..
٢ من الآية (٣٩) من سورة (الرحمن)..


---

### الآية 15:94

> ﻿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [15:94]

فاصدع  معناه فانفد وصرح بما بعثت به، والصدع التفريق بين ملتئم كصدع الزجاجة ونحوه، فكأن المصرح بقول يرجع إليه، يصدع به ما سواه مما يضاده، والصديع الصبح[(١)](#foonote-١) لأنه يصدع الليل، وقال مجاهد : نزلت في أن يجهر بالقرآن في الصلاة، وفي  تؤمر  ضمير عائد على  ما ، تقديره ما تؤمر به أو تؤمره وفي هذين تنازع، وقوله  وأعرض عن المشركين  من آيات المهادنات التي نسختها آية السيف. 
قاله ابن عباس. 
١ قال عمرو بن معد يكرب:
 ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبتـــــــه صديـــــع.

### الآية 15:95

> ﻿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [15:95]

ثم أعلمه الله تعالى بأنه قد كفاه  المستهزئين  من كفار مكة ببوائق إصابتهم من الله تعالى لم يسع فيها محمد ولا تكلف فيها مشقة، وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير :**«المستهزئون »** خمسة نفر : الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة، وهو ابن غيطلة، وهو ابن قيس، قال أبو بكر الهذلي : قلت للزهري : إن ابن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال ابن جبير هو الحارث بن غيطلة، وقال عكرمة هو الحارث بن قيس، فقال الزهري صدقا أمه غيطلة وأبوه قيس وذكر الشعبي في  المستهزئين  هبار بن الأسود، وذلك وهم لأن هباراً أسلم يوم الفتح ورحل إلى المدينة، وذكر الطبري عن ابن عباس : أن  المستهزئين  كانوا ثمانية كلهم مات قبل بدر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، فأتاه جبريل فجاز الوليد فأومأ جبريل بأصبعه إلى ساقه، وقال للنبي عليه السلام : كفيت ثم جاز العاصي، فأومأ إلى أخمصه، وقال : كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم مر الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى أخمصه، وقال : كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم مر الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى رأسه، وقال كفيت، ثم مر الحارث، فأومأ إلى بطنه، وقال : كفيت، وكان الوليد قد مر بقين في خزاعة فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش ساقه، ثم برىء فانتقض به ذلك الخدش بعد إشارة جبريل، فقتله، وقيل إن السهم قطع أكحله[(١)](#foonote-١)، قاله قتادة ومقسم، وركب العاصي بغلة في حاجة فلما جاء ينزل وضع أخمصه على شبرقه[(٢)](#foonote-٢) فورمت قدمه فمات، وعمي أبو زمعة، وكان يقول : دعا علي محمد بالعمى فاستجيب له، ودعوت عليه بأن يكون طريداً شريداَ فاستجيب لي، وتمخض رأس الأسود بن عبد يغوث قيحاً فمات، وامتلأ بطن الحارث ماء فمات حيناً[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وفي ذكر هؤلاء وكفايتهم اختلاف بين الرواة في صفة أحوالهم، وما جرى لهم، جليت أصحه مختصراً طلب الإيجاز.

١ الأكحل: عرق في اليد يفصد، قال ابن سعيدة: يقال له النسا في الفخذ، وفي الظهر الأبهر، وقيل: الأكحل: عرق الحياة، يدعى نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا انقطع في اليد لم يرقأ الدم. (اللسان)..
٢ الشبرق بالكسر: نبات ثمرته شاكة، صغيرة الحجم، حمراء مثل الدم، منبتها السباخ والقيعان، واحدته: شبرقة، وقيل: إذا يبس الضريع فهو الشبرق، وهو نبت كأظفار الهر" (اللسان ـ شبرق)..
٣ الحين: الهلاك. يقال: حان يحين حينا: هلك، وأحانه الله..

### الآية 15:96

> ﻿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [15:96]

ثم قرر تعالى ذنبهم في الكفر واتخاذ الأصنام آلهة مع الله تعالى، ثم توعدهم بعذاب الآخرة الذي هو أشق.

### الآية 15:97

> ﻿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [15:97]

وقوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون  آية تأنيس للنبي عليه السلام، وتسلية عن أقوال المشركين وإن كانت مما يقلق، وضيق الصدر يكون من امتلائه غيظاً بما يكره الإنسان.

### الآية 15:98

> ﻿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [15:98]

ثم أمره تعالى بملازمة الطاعة وأن تكون مسلاته عند الهموم، وقوله  من الساجدين  يريد من المصلين، فذكر من الصلاة حالة القرب من الله تعالى وهي السجود، وهي أكرم حالات الصلاة وأقمنها بنيل الرحمة، وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم :
**«إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة »**[(١)](#foonote-١) فهذا منه عليه السلام أخذ بهذه الآية.

١ أخرجه الإمام أحمد (٥ ـ ٣٨٨)، والنسائي في المواقيت، عن حذيفة، ولفظه في المسند: (كان إذا حزبه أمر صلى)..

### الآية 15:99

> ﻿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [15:99]

و  اليقين  : الموت، بذلك فسره هنا ابن عمر ومجاهد والحسن وابن زيد، ومنه قول النبي عليه السلام عند موت عثمان بن مظعون :**«أما هو فقد رأى اليقين »**[(١)](#foonote-١)، ويروى **«فقد جاءه اليقين »**. وليس  اليقين  من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين لا يمتري فيه عاقل، فسماه هنا يقيناً تجوزاً، أي يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه وهذه الغاية معناها مدة حياتك، ويحتمل أن يكون المعنى  حتى يأتيك اليقين  في النصر الذي وعدته[(٢)](#foonote-٢).

١ أخرجه البخاري في الجنائز، والتعبير، ومناقب الأنصار، والشهادات، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦ ـ ٤٣٦)، (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) ـ ولفظه كما في المسند: عن أم العلاء الأنصارية، قالت: اشتكى عثمان بن مظعون عندنا فمرضناه، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك يا أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ قالت: لا أدري، يأبي أنت وأمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري ـ وأنا رسول الله ـ ما يفعل بي. ـ قال يعقوب (الراوي): به ـ قالت: والله لا أزكي أحدا بعده أبدا، فأحزنني ذلك، فنمت فأريت لعثمان عينا تجري، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك عمله)..
٢ قال بعض العلماء: حكمة التغيية باليقين وهو الموت أنه يقتضي ديمومة العبادة ما دام حيا، بخلاف الاقتصار على الأمر بالعبادة دون غاية..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/15.md)
- [كل تفاسير سورة الحجر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/15.md)
- [ترجمات سورة الحجر
](https://quranpedia.net/translations/15.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/15/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
