---
title: "تفسير سورة الحجر - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/15/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/15/book/37"
surah_id: "15"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحجر - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/15/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحجر - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/15/book/37*.

Tafsir of Surah الحجر from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 15:1

> الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [15:1]

الر  قد مر الكلام فيه وفي محله في مطلع سورة الرعدِ وأخواتِها  تِلْكَ  إشارةٌ إليه أي تلك السورةُ العظيمةُ الشأن  آيات الكتاب  الكاملِ المعهود الغنيِّ عن الوصف به المشهورُ بذلك من بين الكتب الحقيقُ باختصاص اسمِ الكتاب به على الإطلاق، أي بعضٌ منه مترجمٌ مستقلٌّ باسم خاصَ فهو عبارةٌ عن جميع القرآن أو عن الجميع المنزَلِ إذ ذاك إذ هو المتسارِعُ إلى الفهم حينئذ عند الإطلاق وعليه يترتب فائدةُ وصف الآياتِ بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمالِ لا على جعله عبارةً عن السورة، إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبةِ من الشهرة حتى يستغنى عن التصريح بالوصف على أنها عبارةٌ عن جميع آياتها، فلا بد من جعل ( تلك ) إشارةٌ إلى كل واحد منها، وفيه من التكلف ما لا يخفى كما ذكر في سورة الرعد  وَقرآن  أي قرآنٍ عظيمِ الشأن  مُّبِينٌ  مظهر لما في تضاعيفه من الحِكَم والأحكام أو لسبيل الرشدِ والغيِّ أو فارقٍ بين الحق والباطل والحلالِ والحرام، ولقد فُخّم شأنه العظيم مع ما جُمع فيه من وصفي الكتابية والقرآنية على الطريقتين، إحداهما اشتمالُه على صفات كمالِ جنس الكتبِ الإلهية فكأنه كلُّها، والثانيةُ طريقةُ كونِه ممتازاً عن غيره نسيجَ وحدِه بديعاً في بابه خارجاً عن دائرة البيانِ، وأُخّرت الثانية لما أن الإشارةَ إلى امتيازه عن سائر الكتبِ بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيرِه من الكتب أدخلُ في المدح كيلا يُتوَهّم من أول الأمرِ أن امتيازَه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصةٍ به من غير اشتمالٍ على نعوت كمالِ سائرِ الكتب الكريمة، وهكذا الكلامُ في فاتحة سورةِ النمل خلا أنه قُدّم فيها القرآنُ على الكتاب لما سيذكر هناك. ولمّا بيِّن كونُ السورة الكريمةِ بعضاً من الكتاب والقرآنِ لتوجيه المخاطَبين إلى حُسن تلقّي ما فيها من الأحكام والقِصص والمواعظ شُرع في بيان ما تتضمّنه فقيل : رُّبَمَا يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين .

### الآية 15:2

> ﻿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [15:2]

رُّبَمَا  بضم الراء وتخفيف الباء المفتوحةِ، وقرئ بالتشديد وبفتح الراء مخففاً وبزيادة التاء مشدداً، وفيه ثماني لغات : فتح الراء وضمها مشدداً ومخففاً وبزيادة التاء[(١)](#foonote-١) أيضاً مشدداً ومخففاً، ورُبّ حرفُ جر لا يدخُل إلا على الاسم، وما كافةٌ مصحّحةٌ لدخوله على الفعل وحقُّه الدخولُ على الماضي، ودخولُه على قوله تعالى : يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ  لما أن المترقَّب في أخباره تعالى كالماضي المقطوعِ في تحقيق الوقوع، فكأنه قيل : ربما وَد الذين كفروا، والمرادُ كفرُهم بالكتاب والقرآن وبكونه من عند الله تعالى  لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ  منقادين لحكمه ومذعِنين لأمره، وفيه إيذانٌ بأن كفرَهم إنما كان بالجحود بعد ما علموا كونَه من عند الله تعالى، وتلك الوَدادةُ يومَ القيامة أو عند موتهم أو عند معاينةِ حالِهم وحال المسلمين، أو عند رؤيتهم خروجَ عصاةِ المسلمين من النار. روى أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم :**« إذا كان يوم القيامة واجتمع أهلُ النار في النار ومعهم مَنْ شاء الله تعالى من أهل القِبلة قال لهم الكفارُ : ألستم مسلمين ؟ قالوا : بلى، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامُكم وقد صِرتم معنا إلى النار ؟ قالوا : كانت لنا ذنوبٌ فأُخِذْنا بها، فيغضب الله سبحانه لهم بفضل رحمته فيأمُر بكل من كان من أهل القِبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ يوَدّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين »**. 
وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لا يزال الربُّ يرحم ويُشفع إليه حتى يقول مَنْ كان من المسلمين فليدخُل الجنة، فعند ذلك يتمنَّوْن الإسلام. والحقُّ أن ذلك محمولٌ على شدة وَدادتِهم وأما نفسُ الودادةِ فليست بمختصة بوقت دون وقت بل هي مقرَّرة مستمرّةٌ في كل آن يمر عليهم، وأن المراد بيانُ ذلك على ما هو عليه من الكثرة وإنما جيء بصيغة التقليلِ جرياً على سنن العرب فيما يقصِدون به الإفراط فيما يعكسون عنه، تقول لبعض قوادِ العساكر : كم عندك من الفرسان ؟ فيقول : ربَّ فارسٍ عندي، أو لا تعدمُ عندي فارساً وعنده مناقبُ جمّةٌ من الكتائب، وقصدُه في ذلك التماري في تكثير فرسانه ولكنه يريد إظهارَ براءته من التزيد وإبرازَ أنه ممن يقلل لعلو الهمة كثيرَ ما عنده فضلاً عن تكثير القليل، وهذه طريقةٌ إنما تسلك إذا كان الأمر من الوضوح بحيث لا يحوم حوله شائبةُ ريب فيُصار إليه هضماً للحق، فدل النظمُ الكريم على وَدادةِ الكافرين للإسلام في كل آن من آنات اليومِ الآخر، وأن ذلك من الظهور بحيث لا يشتبه على أحد ولو جيء بكلام يدل على ضده وعلى أن تلك الودادةَ مع كثرتها في نفسها مما يُستقل بالنسبة إلى جناب الكبرياءِ، وهذا هو الموافقُ لمقام بيانِ حقارةِ شأنِ الكفارِ وعدمِ الاعتدادِ بما هم فيه من الكفر والتكذيب كما ينطق به قوله تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ  الآية، أو ذهاباً إلى الإشعار بأن من شأن العاقلِ إذا عنّ له أمرٌ يكون مظنونَ الحمد، أو قليلاً ما يكون كذلك أن لا يفارقَه ولا يقارِفَ ضدّه، فكيف إذا كان متيقن الحمد ؟ كما في قولهم : لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندِم الإنسان على ما فعل، فإن المقصودَ ليس بيانَ كونِ الندم مرجوَّ الوجود بلا تيقن به، أو قليلَ الوقوع بل التنبيهُ على أن العاقلَ لا يباشر ما يرجى فيه الندم أو يقِلّ وقوعُه فيه، فكيف بقطعيّ الوقوع ؟ وأنه يكفي قليلُ الندم في كونه حاجزاً عن ذلك الفعلِ، فكيف كثيرُه ؟ والمقصودُ من سلوك هذه الطريقة إظهارُ الترفع والاستغناءِ عن التصريح بالغرض بناءً على ادعاء ظهورِه فالمعنى لو كانوا يودون الإسلامَ مرة واحدة لوجب عليهم أن يفارقوه، فكيف وهم يودّونه كل آن ؟ وهذا أوفقُ بمقام استنزالِهم عما هم عليه من الكفر، وهذان طريقان متمايزانِ ذاتاً ومقاماً فمن ظنَّهما واحداً فقد نأى عن توفية المقام حقَّه. 
١ أي: ربتما وربتما. وقال ابن هشام في مغني اللبيب: "وفي رب ست عشرة لغة: ضم الراء وفتحها، وكلاهما مع التشديد والتخفيف. والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث ساكنة أو محركة، ومع التجرد منها، فهذه اثنتا عشرة. والضم والفتح مع إسكان الباء وضم الحرفين مع التشديد ومع التخفيف..

### الآية 15:3

> ﻿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [15:3]

ذَرْهُمْ  دعْهم عن النهي عما هم عليه بالتذكرة والنصيحة إذ لا سبيل إلى ارعوائهم عن ذلك، وبالِغْ في تخليتهم وشأنَهم بل مُرْهم بتعاطي ما يتعاطَوْنه  يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ  بدنياهم، وفي تقديم الأكل إيذانٌ بأن تمتعَهم إنما هو من قبيل تمتعِ البهائم بالمآكل والمشارب، والمرادُ دوامُهم على ذلك لا إحداثُه، فإنهم كانوا كذلك، أو تمتعُهم بلا استماعِ ما ينغص عيشَهم من القوارع والزواجر، فإن التمتعَ على ذلك الوجه أمرٌ حادث يصلُح أن يكون مترتباً على تخليتهم وشأنَهم  وَيُلْهِهِمُ  ويَشْغَلْهم عن إتباعك أو عن التفكر فيما هم يصيرون إليه أو عن الإيمان والطاعة، فإن الأكلَ والتمتعُ يفضيان إلى ذلك  الأمل  والتوقعُ لطول الأعمارِ وبلوغِ الأوطار واستقامةِ الأحوال وألا يَلْقَوا في العاقبة والمآل إلا خيراً، فالأفعالُ الثلاثة مجزومةٌ على الجوابية للأمر حسبما عرفتَ من تضمن الأمرِ بالترك للأمر بها على طريقة المجاز، أو على أن يكون المرادُ بالأفعال المرقومة مباشرَتهم لها غافلين عن وخامة عاقبتها غيرَ سامعين لسوء مَغَبَّتها أصلاً، ولا ريب في ترتب ذلك على الأمر بالترك فإن النهيَ عما هم عليه من ارتكاب القبائحِ مما يشوّش عليهم تمتعَهم وينغّص عليهم عيشَهم فأُمر عليه السلام بتركه ليتمرّغوا فيما هم فيه من حظوظهم فيدهَمَهم وهم عنه غافلون  فَسَوفَ يَعْلَمُونَ  سوءَ صنيعهم أو وخامةَ عاقبته أو حقيقةَ الحال التي ألجأتْهم إلى التمني المذكور حيث لم يعلموا ذلك من جهتك، وهو مع كونه وعيداً أيَّما وعيدٍ وتهديداً غِبَّ تهديدٍ، تعليلٌ للأمر بالترك فإن علمَهم ذلك علةٌ لترك النهي والنصيحةِ لهم، وفيه إلزامٌ للحجة ومبالغةٌ في الإنذار إذ لا يتحقق الأمرُ بالصد إلا بعد تكررِ الإنذارِ وتقرّرِ الجحود والإنكار، وكذلك ما ترتب عليه من الأكل والتمتع والإلهاء.

### الآية 15:4

> ﻿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [15:4]

وَمَا أَهْلَكْنَا  شروعٌ في بيان سرِّ تأخيرِ عذابهم إلى يوم القيامة وعدمِ نظمِهم في سلك الأمم الدارجةِ في تعجيل العذاب أي ما أهلكنا  مِن قَرْيَةٍ  من القرى بالخَسف بها وبأهلها كما فُعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها غِبَّ إهلاكِهم كما فُعل بآخرين  إِلاَّ وَلَهَا  في ذلك الشأن  كِتَابٌ  أي أجلٌ مقدرٌ مكتوبٌ في اللوح واجبُ المراعاة بحيث لا يمكن تبديلُه لوقوعه حسب الحكمةِ المقتضيةِ له  مَّعْلُومٌ  لا يُنسى ولا يُغفل عنه حتى يُتصورَ التخلفُ عنه بالتقدم والتأخر، فكتابٌ مبتدأٌ خبرُه الظرفُ، والجملةُ حالٌ من ( قرية ) فإنها لعمومها لاسيما بعد تأكّدِه بكلمة مِنْ، في حكم الموصوفة كما أشير إليه، والمعنى ما أهلكنا قريةً من القرى في حال من الأحوال إلا حالَ أن يكون لها كتابٌ أي أجلٌ مؤقتٌ لمهلِكها قد كتبناه لا نُهلكها قبل بلوغِه، معلومٌ لا يُغفل عنه حتى يمكنَ مخالفتُه بالتقدم والتأخر، أو مرتفعٌ بالظرف والجملةُ كما هي حال، أي ما أهلكنا قريةً من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق هلاكِها كتابٌ أي أجلٌ مقدّرٌ مكتوبٌ في اللوح معلومٌ لا يُغفل عنه، أو صفة لكن لا للقرية المذكورة بل للمقدرة التي هي بدلٌ من المذكورة على المختار فيكون بمنزلة كونِه صفةً للمذكورة، أي ما أهلكنا قريةً من القرى إلا قريةً لها كتابٌ معلوم كما في قوله تعالى : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لاَّ يُسْمِنُ  فإن قوله تعالى : لاَّ يُسْمِنُ  صفةٌ لكن لا للطعام المذكورِ لأنه إنما يدلّ على انحصار طعامِهم الذي لا يُسمن في الضريع، وليس المرادُ ذلك بل للطعام المقدر بعد إلا، أي ليس لهم طعامٌ من شيء من الأشياء إلا طعامٌ لا يُسمن، فليس فيه فصلٌ بين الموصوف والصفة بكلمة إلا كما تُوُهم، وأما توسيطُ الواو بينهما وإن كان القياسُ عدمَه فللإيذان بكمال الالتصاقِ بينهما من حيث إن الواوَ شأنُها الجمعُ والربطُ، فإن ما نحن فيه من الصفة أقوى لُصوقاً بالموصوف منها به في قوله تعالى : وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ  فإن امتناعَ الانفكاك والإهلاكِ عن الأجل المقدرِ عقليٌّ، وعن الإنذار عاديٌّ، جرى عليه السنةُ الإلهية. 
ولما بيّن أن الأممَ المهلَكة كان لكل منهم وقتٌ معين لهلاكهم وأن هلاكَهم لم يكن إلا حسبما كان مكتوباً في اللوح، بيّن أن كلَّ أمةٍ من الأمم منهم ومن غيرهم لها كتابٌ لا يمكن التقدمُ عليه ولا التأخر عنه فقيل : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أجلها وما يستأخرون .

### الآية 15:5

> ﻿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [15:5]

مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ  من الأمم المهلَكة وغيرِهم  أَجَلُهَا  المكتوبَ في كتابها، أي لا يجيء هلاكُها قبل مجيءِ كتابِها، أو لا تمضي أمةٌ قبل مُضيِّ أجلها، فإن السبْقَ إذا كان واقعاً على زمانيّ فمعناه المجاوزةُ والتخليف، فإذا قلت : سبق زيدٌ عمْراً، فمعناه أنه جاوزه وخلّفه وراءه، وإذا كان واقعاً على زمان كان الأمرُ بالعكس، والسرُّ في ذلك أن الزمانَ يعتبر فيه الحركةُ والتوجّه إلى المتكلم فما سبَقه يتحقق قبل تحققِه، وأما الزمانيُّ فإنما يعتبر فيه الحركةُ والتوجّه إلى ما سيأتي من الزمان، فالسابقُ ما تقدم إلى المقصِد، وإيرادُه بعنوان الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق كما أن إيرادَه بعنوان الكتابِ المعلوم باعتبار ما يوجبه من الإهلاك  وَمَا يَسْتَأخِرُونَ  أي وما يتأخرون، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له، وإيثارُ صيغةِ المضارع في الفعلين بعد ما ذُكر نفيُ الإهلاكِ بصيغة الماضي، لأن المقصودَ بيانُ دوامِهما واستمرارِهما فيما بين الأمم الماضية والباقية، وإسنادُهما إلى الأمة بعد إسنادِ الإهلاكِ إلى القرية لما أن السبقَ والاستئخارَ حالُ الأمةِ دون القرية مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرِهم ممن أُخِّرت عقوباتُهم إلى الآخرة، وتأخيرُ ذكر عدمِ سبقِهم مع كون المقام مقامَ المبالغةِ في بيان تحققِ عذابِهم، إما باعتبار تقدّمِ السبقِ في الوجود وإما باعتبار أن المرادَ بيانُ سرِّ تأخيرِ عذابِهم مع استحقاقهم لذلك، وإيرادُ الفعل على صيغة جمع المذكرِ للحمل على المعنى مع التغليب ولرعاية الفواصلِ، ولذلك حُذف الجار والمجرور، والجملةُ مبينة لما سبق والمعنى أن تأخيرَ عذابِهم إلى يوم القيامة حسبما أشير إليه ببيان وَدادتِهم للإسلام إذ ذاك، وبالأمر بتركهم وشأنَهم إلى أن يعلموا حقيقةَ الحال إنما هو لتأخّر أجلِهم المقدرِ لما يقتضيه من الحِكَم البالغةِ، ومن جملتها ما علم الله تعالى من إيمان بعضِ من يخرُجُ منهم إلى يوم القيامة.

### الآية 15:6

> ﻿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [15:6]

وَقَالُواْ  شروعٌ في بيان كفرِهم بمن أنزل عليه الكتابُ بعد بيانِ كفرهم بالكتاب وما يؤول إليه حالُهم، والقائلون مشركو مكةَ لغاية تماديهم في العتوّ والغي  يا أيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر  خاطبوا به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لا تسليماً لذلك واعتقاداً له، بل استهزاءً به عليه الصلاة والسلام وإشعاراً بعلة حكمِهم الباطل في قولهم : إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ  كدأب فرعونَ إذ قال : إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  يعنون يا من يدّعي مثل هذا الأمر البديعِ الخارقِ للعادات، إنك بسبب تلك الدعوى أو بشهادة ما يعتريك عندما تدّعي أنه ينزل عليك لمجنون، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على القائم مَقامَ الفاعل لأن إنكارهم متوجِّهٌ إلى كون النازل ذِكْراً من الله تعالى، لا إلى كون المنزَّلِ عليه رسولَ الله بعد تسليم كون النازلِ منه تعالى كما في قوله تعالى : لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  فإن الإنكارَ هناك متوجهٌ إلى كون المنزَّلِ عليه رسولَ الله تعالى، وإيرادُ الفعل على صيغة المجهولِ لإيهام أن ذلك ليس بفعل له فاعلٌ أو لتوجيه الإنكارِ إلى كون التنزيلِ عليه لا إلى استناده إلى الفاعل.

### الآية 15:7

> ﻿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [15:7]

لوْ مَا تَأْتِينَا  كلمة لو عند تركّبها مع ( ما ) تفيد ما تفيده عند تركبها مع ( لا ) من معنى امتناعِ الشيء لوجود غيرِه ومعنى التحضيض، خلا أنه عند إرادتِه لا يليها إلا فعلٌ ظاهرٌ أو مضمرٌ، وعند إرادةِ المعنى الأول لا يليها إلا اسمٌ ظاهرٌ أو مقدر عند البصريين، والمرادُ هاهنا هو الثاني أي هلا تأتينا  بالملائكة  يشهدون بصحة نبوتِك ويعضدونك في الإنذار كقوله تعالى : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  أو يعاقبونا على التكذيب كما تأتي الأممُ المكذّبة لرسلهم  إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  في دعواك، فإن قدرةَ الله تعالى على ذلك مما لا ريب فيه، وكذا احتياجُك إليه في تمشية أمرِك فإنا لا نصدقك بدون ذلك، أو كنت من جملة تلك الرسلِ الصادقين الذين عُذّبت أممهم المكذبة لهم.

### الآية 15:8

> ﻿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [15:8]

مَا نُنَزّلُ الملائكة  بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل، وقرئ من الإنزال، وقرئ تُنَزّل مضارعاً من التنزيل على صيغة البناء للمفعول، ومن التنزّل بحذف إحدى التاءين، وماضياً منه ومن التنزيل ومن الثلاثي، وهو كلامٌ مسوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم جواباً لهم عن مقالتهم المَحْكية ورداً لاقتراحهم الباطلِ، ولشدة استدعاءِ ذلك للجواب قُدّم ردُّه على ما هو جوابٌ عن أولها أعني قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  الآية، كما فُعل في قوله تعالى : قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله  فإنه مع كونه جواباً عن قولهم : فَائتِنَا بِمَا تَعِدُنَا  قُدّم على قوله : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي  الآية، مع كونه جواباً عن أول كلامِهم الذي هو قولُهم : يا نوح قَدْ جَادَلْتَنَا  لِما ذُكر من شدة اقتضائِه للجواب وليكونَ أحدُ الجوابين متصلاً بالسؤال، وفي العكس يلزَم انفصالُ كلَ من الجوابين عن سؤاله، والعدولُ عن تطبيقه لظاهر كلامِهم بصدد الاقتراحِ وهو أن يقال : ما تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في التعبير حسبما أخطأوا في الاقتراح، وأن الملائكةَ لعلوّ رتبتهم أعلى من أن يُنسَبَ إليهم مطلقُ الإتيان الشاملِ للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها، بل من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصِدُ حركاتهم أولئك الكفرةَ وأن يدخلوا تحت ملكوتِ أحدٍ من البشر، وإنما الذي يليق بشأنهم النزولُ من مقامهم العالي وكونُ ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل  إِلاَّ بالحق  أي ملتبساً بالوجه الذي يحِق ملابسةُ التنزيل به مما تقتضيه الحكمةُ وتجري به السنةُ الإلهية كقوله سبحانه : وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق  والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم هُمْ ومنزلتُهم في الحقارة والهوانِ منزلتُهم، مما لا يكاد يدخل تحت الصِّحة والحِكمة أصلاً، فإن ذلك من باب التنزيلِ بالوحي الذي لا يكاد يُفتح على غير الأنبياء الكرام من أفراد كُمَّلِ المؤمنين، فكيف على أمثال أولئك الكفرة اللئامِ ؟ وإنما الذي يدخُل في حقهم تحت الحكمةِ في الجملة هو التنزيلُ للتعذيب والاستئصالِ كما فُعل بأضرابهم من الأمم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة. 
 وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ  جزاءُ الشرط مقدّرٌ وفيه إيذانٌ بإنتاج مقدِّماتهم لنقيض مطلوبِهم كما في قوله تعالى : وَإذن لاَّ يَلْبَثُونَ خلافك إِلاَّ قَلِيلاً  قال صاحب النظم : لفظةُ إذن مركبةٌ من إذ وهو اسمٌ بمعنى الحين، تقول : أتيتُك إذ جئتني أي حين جئتني ثم ضُمّ إليه أنْ فصار إذْ أن ثم استثقلوا الهمزةَ فحذفوها، فمجيءُ لفظة أن دليلٌ على إضمار فعلٍ بعدها والتقدير وما كانوا إذ أَنْ كان ما طلبوه منظَرين، والمعنى لو نزّلناهم ما كانوا مؤخَّرين كدأب سائرِ الأممِ المكذبة المستهزِئة، ومع استحقاقهم لذلك قد جرى قلمُ القضاء بتأخير عذابِهم إلى يوم القيامة حسبما أُجمل في قوله تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل  الخ، وحال حائلُ الحكمةِ بينهم وبين استئصالِهم لتعلق العلمِ والإرادة بازديادهم عذاباً بإيمان بعضِ ذراريهم، وأما نظمُ إيمانِ بعضهم في سِمْط الحكمةِ فيأباه مقامُ بيانِ تماديهم في الكفر والفساد ولَجاجِهم في المكابرة والعِناد، هذا هو الذي يستدعيه إعجازُ التنزيلِ الجليل، وأما ما قيل في تعليل عدمِ موافقةِ التنزيل للحكمة من أنهم حينئذ يكونون مصدّقين عن اضطرار، أو أنه لا حكمةَ في أن تأتيَكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لَبساً، أو أن إنزالَ الملائكة لا يكون إلا بالحق وحصولِ الفائدةِ بإنزالهم، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفارِ أنه لو أَنزل إليهم الملائكةَ لبقُوا مُصرّين على كفرهم فيصير إنزالُهم عبثاً باطلاً ولا يكون حقًّا، فمع إخلال كلَ من ذلك بقطعية الباقي لا يلزَم من فرض وقوعِ شيءٍ من ذلك تعجيلُ العذاب الذي يفيده قوله تعالى : وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ  هذا على تقدير كونِ اقتراحِهم لإتيان الملائكة لأجل الشهادة، أما على تقدير كون ذلك لتعذيبهم فالمعنى إنا ما نُنزل الملائكةَ للتعذيب إلا تنزيلاً ملتبساً بالحق الذي تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المصلحة حتماً، بحيث لا محيد عنه، ولو نزلناهم حسبما اقترحوا ما كان ذلك التنزيلُ ملتبساً بمقتضى الحِكمة الموجبةِ لتأخير عذابِهم إلى يوم القيامة، لا رفقاً بهم بل تشديداً عليهم كما مر من قبل، وحيث كان في نسبة تنزيلِهم للتعذيب إلى عدم موافقتِه الحكمةَ نوعُ إيهامٍ لعدم استحقاقِهم التعذيب عُدِل عما يقتضيه الظاهرُ إلى ما عليه النظم الكريم، فكأنه قيل : لو نزلناهم ما كانوا منظَرين وذلك غيرُ موافقٍ للحكمة الموجِّهة لتأخير عذابِهم لتشديد عقابِهم، وقيل : المرادُ بالحق الوحيُ، وقيل : العذاب فتدبر.

### الآية 15:9

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [15:9]

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ردٌّ لإنكارهم التنزيلَ واستهزائِهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وتسليةٌ له، أي نحن بعِظَم شأنِنا وعلوِّ جنابنا نزلنا ذلك الذكرَ الذي أنكروه وأنكروا نزولَه عليك ونسبوك بذلك إلى الجنون وعَمَّوا مُنزِّله، حيث بنوَا الفعلَ للمفعول إيماءً إلى أنه أمرٌ لا مصدرَ له وفعلٌ لا فاعلَ له  وَإِنَّا لَهُ لحافظون  من كل ما لا يليق به، فيدخل فيه تكذيبُهم له واستهزاؤُهم به دخولاً أولياً فيكون وعيداً للمستهزئين، وأما الحفظُ عن مجرد التحريفِ والزيادة والنقصِ وأمثالِها فليس بمقتضى المقام، فالوجهُ الحملُ على الحفظ من جميع ما يقدح فيه من الطعن فيه والمجادلةِ في حقّيته، ويجوزُ أن يراد حفظُه بالإعجاز دليلاً على التنزيل من عنده تعالى إذ لو كان من عند غير الله لتطرّق عليه الزيادةُ والنقصُ والاختلاف، وفي سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياءِ والجلالة وعلى فخامة شأنِ التنزيل ما لا يخفى، وفي إيراد الثانيةِ بالجملة الاسمية دلالةٌ على دوام الحفظِ والله سبحانه أعلم، وقيل : الضمير المجرورُ للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى : والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  وتأخيرُ هذا الكلام وإن كان جواباً عن أول كلامِهم الباطلِ، ورداً له لما ذكر آنفاً ولارتباطه بما يعقُبه من قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلنَا من قبلك في شيع الأولين .

### الآية 15:10

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ [15:10]

وَلَقَدْ أَرْسَلنَا  أي رسلاً، وإنما لم يُذكر لدلالة ما بعده عليه  مِن قَبْلِكَ  متعلقٌ بأرسلنا أو بمحذوف هو نعتٌ للمفعول المحذوفِ أي رسلاً كائنةً من قبلك  في شِيَعِ الأولين  أي فِرَقِهم وأحزابهم جمع شيعة، وهي الفِرقةُ المتّفقة على طريقة ومذهب، من شاعه إذا تبِعه، وإضافتُه إلى الأولين من إضافة الموصوفِ إلى صفته عند الفرّاء، ومن حذف الموصوف عند البصريين أي شيعِ الأممِ الأولين، ومعنى إرسالِهم فيهم جعلُ كل منهم رسولاً فيما بين طائفةٍ منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين.

### الآية 15:11

> ﻿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [15:11]

وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ  المرادُ نفيُ إتيانِ كل رسولٍ لشيعته الخاصة به لا نفيُ إتيان كل رسول لكل واحدة من تلك الشيعِ جميعاً، أو على سبيل البدلِ، وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورةِ على طريقة حكايةِ الحالِ الماضية، فإن ( ما ) لا تدخل في الأغلب على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال، أي ما أتى شيعةً من تلك الشيعِ رسولٌ خاصٌّ بها  إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤون  كما يفعله هؤلاء الكفرةُ، والجملة في محل النصب على أنها حال مقدّرة من ضمير المفعول في يأتيهم إذا كان المرادُ بالإتيان حدوثَه، أو في محل الرفع على أنها صفةُ رسول فإنه محلَّه الرفعُ على الفاعلية، أي إلا رسولٌ كانوا به يستهزؤون، وأما الجرُّ على أنها صفةٌ باعتبار لفظِه فيُفضي إلى زيادة ( من ) الاستغراقيةِ في الإثبات ويجوز أن يكون منصوباً على الوصفية بأن يقدَّر الموصوفُ منصوباً على الاستثناء وإن كان المختارُ الرفعَ على البدلية. 
وهذا كما ترى تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذه عادةُ الجهال مع الأنبياء عليهم السلام، وحيث كان الرسولُ مصحوباً بكتاب من عند الله تعالى تضمّن ذكرُ استهزائِهم بالرسول استهزاءَهم بالكتاب ولذلك قيل : كذلك نسلكه في قلوب المجرمين .

### الآية 15:12

> ﻿كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [15:12]

كذلك  إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلام السابقُ من إلقاء الوحي مقروناً بالاستهزاء، أي مثلَ ذلك السَّلْكِ الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتب  نَسْلُكُهُ  أي الذكرَ  في قُلُوبِ المجرمين  أي أهل مكةَ أو جنسُ المجرمين، فيدخلون فيه دخولاً أولياً، ومحلُّه النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أو حالٌ منه، أي نسلكه سَلْكاً مثلَ السلك أو نسلك السَّلكَ حال كونِه مثلَه أي مقروناً بالاستهزاء، غيرَ مقبول لما تقتضيه الحكمةُ فإنهم من أهل الخِذلان ليس لهم استحقاقٌ لقبول الحقِّ، وصيغةُ المضارع لكون المشبَّه به مقدماً في الوجود وهو السِّلك الواقعُ في الأمم السالفة، أو للدِلالة على استحضار الصورةِ، والسَّلْكُ إدخالُ الشيء في آخرَ، يقال : سَلكتُ الخيطَ في الإبرة والرمحَ في المطعون.

### الآية 15:13

> ﻿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ [15:13]

لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  أي بالذكر، حالٌ من ضمير نسلكه أي غيرَ مؤمَنٍ به، أو بيانٌ للجملة السابقة فلا محل لها، وقد جُعل الضميرُ للاستهزاء فيتعين البيانيةُ إلا أن يُجعل الضميرُ المجرورُ أيضاً له، على أن الباء للملابسة أي نسلك الاستهزاءَ في قلوبهم حالَ كونِهم غيرَ مؤمنين بملابسته، والحالُ إما مقدّرةٌ أو مقارنة للإيذان بأن كفرَهم مقارِنٌ للإلقاء كما في قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ   وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين  أي قد مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في إهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاءِ، وهو استئنافٌ جيء به تكملةً للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد.

### الآية 15:14

> ﻿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [15:14]

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم  أي على هؤلاء المقترِحين المعاندين  بَاباً مِنَ السماء  أي باباً ما، لا باباً من أبوابها المعهودة كما قيل، ويسرنا لهم الرُّقيَّ والصعودَ إليه  فَظَلُّواْ فِيهِ  في ذلك الباب  يَعْرُجُونَ  بآلة أو بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عِياناً كما يفيده الظلول، أو فظل الملائكةُ الذين اقترحوا إتيانَهم يعرُجون في ذلك الباب وهم يرَونه عياناً مستوضحين طولَ نهارهم.

### الآية 15:15

> ﻿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [15:15]

لَقَالُواْ  لفرط عنادِهم وغلوِّهم في المكابرة وتفاديهم عن قَبول الحق  إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا  أي سُدّت من الإحساس من السُكر كما يدل عليه القراءةُ بالتخفيف، أو حُيِّرت كما يعضُده قراءة من قرأ سكرت أي حارت. 
 بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ  قد سحَرنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوه عند ظهورِ سائرِ الآياتِ الباهرة، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالةٌ على أنهم يبتون القولَ بذلك، وأن ما يرَونه لا حقيقةَ له وإنما هو أمر خُيِّل إليهم بالسحر، وفي اسميةِ الجملة الثانيةِ دَلالةٌ على دوام مضمونِها، وإيرادُها بعد تسكير الأبصارِ لبيان إنكارِهم لغير ما يرونه بعيونهم، فإن عروجَ كل منهم إلى السماء وإن كان مرئياً لغيره فهو معلوم بطريق الوجدانِ مع قطع النظرِ عن الأبصار، فهم يدعون أن ذلك نوعٌ آخرُ من السحر غيرُ تسكير الأبصار.

### الآية 15:16

> ﻿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [15:16]

وَلَقَدْ جَعَلْنَا في السماء بُرُوجًا  قصوراً ينزلها السيارات، وهي البروجُ الاثنا عشر المشهورةُ المختلفةُ الهيئاتِ والخواصِّ حسبما يدل عليه الرصْدُ والتجرِبة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء، والجعلُ إن جُعل بمعنى الخلق والإبداعِ وهو الظاهرُ فالجار متعلقٌ به، وإن جعل بمعنى التصييرِ فهو مفعولٌ ثانٍ له متعلقٌ بمحذوف أي جعلنا بروجاً كائنة في السماء  وزيناها  أي السماء بتلك البروجِ المختلفةِ الأشكال والكواكب سياراتٍ كانت أو ثوابتَ  للناظرين  إليها، فمعنى التزيينِ ظاهرٌ، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدّرها وحكمةِ مدبرّها، فتزيينُها بترتيبها على نظام بديع مستتبعٍ للآثار الحسنة.

### الآية 15:17

> ﻿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [15:17]

وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ  مَرْميَ بالنجوم فلا يقدر أن يصعَدَ إليها ويوسوسَ في أهلها ويتصرّفَ فيها ويقفَ على أحوالها.

### الآية 15:18

> ﻿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [15:18]

إِلاَّ مَنِ استرق السمع  محلُّه النصبُ على الاستثناء المتصل إنْ فسّر الحِفظُ بمنع الشياطين عن التعرّضِ لها على الإطلاق والوقوفِ على ما فيها في الجملة، أو المنقطعِ إن فُسر ذلك بالمنع عن دخولها والتصرف فيها. عن ابن عباس رضي الله عنهما :**« أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات، فلما وُلد عيسى عليه السلام مُنعوا من ثلاث سموات، ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من السماوات كلِّها »** واستراقُ السمعِ اختلاسُه سرًّا، شُبّه به خَطفتُهم اليسيرةُ من قُطّان السماوات بما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من الأوضاع  فَأَتْبَعَهُ  أي تبعه ولحِقه  شِهَابٌ  لهبٌ محروقٌ وهو شعلةُ نارٍ ساطعةٌ، وقد يطلق على الكواكب والسِّنان لما فيهما من البريق  مُّبِينٌ  ظاهرٌ أمرُه للمبصرين. قال معمر : قلت لابن شهاب الزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم، وإن النجم ينقضّ ويرمى به الشيطانُ فيقتلُه أو يخبِلُه لئلا يعود إلى استراق السمع، ثم يعود إلى مكانه، قال : أفرأيت قوله تعالى : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد  الآية، قال : غُلّظت وشُدّد أمرُها حين بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة : إن الرجمَ كان قبل مبعثِه عليه الصلاة والسلام، ولكن لم يكن في شدة الحِراسة كما بعدَ مبعثِه عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن الشياطينَ يركَبُ بعضُهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون السمعَ من الملائكة، فيُرمَون بالكواكب فلا يخطئ أبداً، فمنهم من يُحرق وجهُه وجنبُه ويدُه حيث يشاء الله تعالى، ومنهم من يخبِلُه فيصير غُولاً فيُضل الناس في البوادي. قال القرطبي : اختلفوا في أن الشهاب هل يقتُل أم لا ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : يجرَح ويحرِق ويخبِلُ ولا يقتُل، وقال الحسن وطائفةٌ : يقتل، قال : والأول أصح.

### الآية 15:19

> ﻿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [15:19]

والأرض مددناها  بسطناها، وهو بالنصب على الحذف على شريطة التفسير، ولم يُقرأ بالرفع لرجحان النصب للعطف على الجملة الفعلية، أعني قوله تعالى : وَلَقَدْ جَعَلْنَا  الخ، وليوافِقَ ما بعده، أعني قوله تعالى : وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي  أي جبالاً ثوابتَ، وقد مر بيانه في أول الرعد  وَأَنبَتْنَا فِيهَا  أي في الأرض أو فيها وفي رواسيها  مِن كُلّ شيء مَّوْزُونٍ  بميزان الحِكمة ذاتاً وصفةً ومقداراً، وقيل : ما يوزن من الذهب والفضة وغيرِهما أو من كل شيءٍ مستحسَنٍ مناسب، أو ما يوزن ويُقدَّر من أبواب النعمة.

### الآية 15:20

> ﻿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [15:20]

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش  ما تعيشون به من المطاعم والملابسِ وغيرِهما مما يتعلق به البقاءُ، وهي بياء صريحة، وقرئ بالهمزة تشبيهاً له بالشمائل  وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين  عطف على معايش أو على محل لكم، كأنه قيل : جعلنا لكم معايشَ وجعلنا لكم مَنْ لستم برازقيه من العِيال والمماليك والخدَم والدوابِّ وما أشبهها على طريقة التغليب، وذِكرُهم بهذا العنوان لرد حسبانُهم أنهم يَكْفون مؤوناتِهم، ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم وإياهم، أو وجعلنا لكم فيها معايشَ ولمن لستم له برازقين.

### الآية 15:21

> ﻿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [15:21]

وَإِن مّن شيء  إن للنفي ومن مزيدة للتأكيد وشيءٍ في محل الرفع على الابتداء، أي ما من شيء من الأشياء الممكنةِ، فيدخُل فيه ما ذكر دخولاً أولياً  إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ  الظرفُ خبرٌ للمبتدأ، وخزائنُه مرتفعٌ به على أنه فاعله لاعتماده، أو خبر له، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والخزائنُ جمع الخِزانة وهي ما يحفظ فيه نفائسُ الأموال لا غيرُ، غلَب في العرف على ما للملوك والسلاطينِ من خزائن أرزاقِ الناس، شُبِّهت مقدوراتُه تعالى الفائقةُ للحصر المندرجةُ تحت قدرتِه الشاملة في كونها مستورةً عن علوم العالمين ومصونةً عن وصول أيديهم مع كمال افتقارِهم إليها ورغبتِهم فيها، وكونِها مهيأةً متأتّيةً لإيجاده وتكوينه، بحيث متى تعلقت الإرادةُ بوجودها وُجدت بلا تأخر بنفائس الأموالِ المخزونةِ في الخزائن السلطانيةِ، فذكرُ الخزائن على طريقة الاستعارةِ التخييلية  وَمَا نُنَزّلُهُ  أي ما نُوجِد وما نكوّن شيئاً من تلك الأشياء ملتبساً بشيء من الأشياء  إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ  أي إلا ملتبساً بمقدار معينٍ تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المشيئةُ التابعة لها، لا بما تقتضيه القدرةُ فإن ذلك غيرُ متناهٍ، فإن تخصيصَ كل شيء بصفة معينةٍ وقدرٍ معين ووقتٍ محدود دون ما عدا ذلك، مع استواء الكلِّ في الإمكان واستحقاقِ تعلّقِ القدرة به، لا بد له من حكمة تقتضي اختصاصَ كلَ من ذلك بما اختص به، وهذا البيانُ سرُّ عدمِ تكوينِ الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في خزائن القدرة، وهو إما عطفٌ على مقدر أي ننزله وما ننزله الخ، أو حالٌ مما سبق أي عندنا خزائنُ كل شيءٍ، والحال أنا ما ننزِّله إلا بقدر معلوم، فالأول لبيان سعةِ القدرةِ والثاني لبيان بالغِ الحِكمة، وحيث كان إنشاءُ ذلك بطريق التفضّل من العالم العلويِّ إلى العالم السفلي كما في قوله تعالى : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج  وكان ذلك بطريق التدريج عبّر عنه بالتنزيل، وصيغةُ المضارع للدلالة على الاستمرار.

### الآية 15:22

> ﻿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [15:22]

وَأَرْسَلْنَا الرياح  عطفٌ على جعلنا لكم فيها معايشَ، وما بينها اعتراضٌ لتحقيق ما سبق وترشيحِ ما لحِق أي أرسلنا الرياح  لَوَاقِحَ  أي حواملَ، شُبّهت الريحُ التي تجيء بالخير من إنشاء سحابٍ ماطرٍ بالحامل كما شُبّه بالعقيم ما لا يكون كذلك، أو ملقِّحاتٍ بالشجر والسحابِ، ونظيره الطوائحُ بمعنى المُطيحات في قوله :\[ الطويل \]\[ ليبك يزيد ضارع لخصومه \]  ومختبطٍ مما تُطيح الطوائحُ[(١)](#foonote-١)أي المهلِكات، وقرئ وأرسلنا الريحَ على إرادة الجنس  فَأَنزَلْنَا مِنَ السماء  بعد ما أنشأنا بتلك الرياحِ سحاباً ماطراً  مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ  أي جعلناه لكم سُقياً وهو أبلغُ من سقيناكموه، لما فيه من الدِلالة على جعل الماءِ معداً لهم ينتفعون به متى شاءوا  وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين  نفى عنهم ما أثبته لجنابه بقوله : وَإِن مّن شيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ  كأنه قيل : نحن القادرون على إيجاده وخزْنِه في السحاب وإنزاله وما أنتم على ذلك بقادرين، وقيل : ما أنتم بخازنين له بعدما أنزلناه في الغُدران والآبارِ والعيون، بل نحن نخزنُه فيها لنجعلَها سقياً لكم مع أن طبيعةَ الماء تقتضي الغَوْر. 
١ البيت للحارث بن نهيك في خزانة الأدب ١/٣٠٣، وشرح شواهد الإيضاح ص ٩٤؛ وشرح المفصل ١/٨٠؛ والكتاب ١/٢٨٨؛ وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ص ٣٦٢؛ ولنشهل بن حري في خزانة الأدب ١/٣٠٣؛ ولضرار بن نهشل في الدرر ٢/٢٨٦؛ ومعاهد التنصيص ١/٢٠٢؛ وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه ١/١١٠؛ ولنهشل أو للحارث أو لضرار أو لمزرد بن ضرار أو للمهلهل في المقاصد النحوية ٢/٤٥٤..

### الآية 15:23

> ﻿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [15:23]

وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيي  بإيجاد الحياةِ في بعض الأجسام القابلةِ لها  وَنُمِيتُ  بإزالتها عنها، وقد يُعمِّم الإحياءُ والإماتة لما يشمل الحيوانَ والنباتَ، وتقديمُ الضميرِ للحصر، وهو إما تأكيدٌ للأول أو مبتدأٌ خبرُه الفعلُ، والجملةُ خبرٌ لإن، ولا يجوز كونُه ضميرَ الفصل لا لأن اللام مانعةٌ من ذلك كما قيل، فإن النحاة جوزوا دخولَ لام التأكيدِ على ضمير الفصل كما في قوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق  بل لأنه لم يقع بين اسمين  وَنَحْنُ الوارثون  أي الباقون بعد فناءِ الخلقِ قاطبةً، المالكون للملك عند انقضاءِ زمان المُلك المجازيِّ، الحاكمون الكلَّ أولاً وآخراً، وليس لهم إلا التصرفُ الصُّوريُّ والملكُ المجازي، وفيه تنبيهٌ على أن المتأخّرَ ليس بوارث للمتقدم كما يتراءى من ظاهر الحال.

### الآية 15:24

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [15:24]

وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ  مَنْ تقدّم منكم ولادةً وموتاً  وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين  من تأخر ولادةً وموتاً أو من خرج من أصلاب الآباءِ ومن لم يخرُجْ بعدُ، أو مَنْ تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ومن تأخر في ذلك، لا يخفى علينا شيء من أحوالكم، وهو بيانٌ لكمال علمِه بعد الاحتجاج على كمال قدرتِه، فإن ما يدل عليها دليلٌ عليه، وفي تكرير قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْنَا  ما لا يخفى من الدلالة على كمال التأكيدِ، وقيل : رغّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت، وقيل : إن امرأةً حسناءَ كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم بعضُ الناس لئلا يراها وتأخر آخرون ليرَوْها فنزلت، والأول هو المناسب لما سبق وما لحق من قوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إنه حكيم عليم .

### الآية 15:25

> ﻿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [15:25]

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ  أي للجزاء، وتوسيطُ ضميرِ العظمةِ للدلالة على أنه هو القادرُ على حشرهم والمتولِّي له لا غيرُ، لأنهم كانوا يستبعدون ذلك ويستنكرونه ويقولون : مَنْ يحيي العظامَ وهي رميم، أي هو يحشرهم لا غير، وفي الالتفات والتعرض لعنوان الربوبيةِ إشعارٌ بعلة الحكم، وفي الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دَلالةٌ على اللطف به عليه الصلاة والسلام  إِنَّهُ حَكِيمٌ  بالغُ الحكمة متقِنٌ في أفعاله، فإنها عبارةٌ عن العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والإتيانِ بالأفعال على ما ينبغي  عَلِيمٌ  وسِع علمُه كل شيء، ولعل تقديمَ صفةِ الحكمة للإيذان باقتضائها للحشر والجزاء.

### الآية 15:26

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:26]

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان  أي هذا النوع بأن خلقنا أصله وأول فرد من أفراده خلقاً بديعاً منطوياً على خلق سائر أفراد انطواء إجماليا كما مر تحقيقه في سورة الأنعام  مِن صَلْصَالٍ  من طين يابس غير مطبوخ، يصلصل أي يصوت عند نقره، قبل إذا توهمت في صوته مدا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة، وقيل : هو تضعيف صل إذا أنتن  مِّنْ حَمَإٍ  من طين تغير وأسود بطول مجاورة الماء وهو صفة لصلصال، أي من صلصال كائن من حمإ مَّسْنُونٍ  أي مصور، من سنة الوجه وهي صورته، أو مصبوب، من سن الماء صبه أي مفرغ على هيئة الإنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب، وقيل : منتن فهو صفة لهما، و على الأولين حقه أن يكون صفة لصلصال وإنما أخر عن حمإ تنبيها على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالا، ً بل في حال كونه حمإ، كأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال إنسانا أجوف فيبس حتى إذا نقر صوت ثم غيره إلى جوهر آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.

### الآية 15:27

> ﻿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [15:27]

والجان  أبا الجن وقيل : إبليس، ويجوز أن يراد به الجنس كما هو الظاهر من الإنسان لأن تشعب الجنس لما كان من فرد واحد مخلوق من مادة واجدة كان الجنس بأسره مخلوقاً منها، وقرئ بالهمزة وانتصابه بفعل يفسره  خَلَقْنَاهُ  وهو أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية  مِن قَبْلُ  من قبل خلق الإنسان، ومن هذا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر، والخطاب بقوله : منكم للكل  مِن نَّارِ السموم  من نار الحر الشديد النافذ في المسام، ولا امتناع من خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا امتناع من خلقها في الجواهر المجردة، فضلاً عن الأجسام المؤلفة التي غالب أجزائها الجزء الناري فإنها أقبل لها من التي غالب أجزائها الجزء الأرضي، وقوله تعالى  من نار  باعتبار الغالب كقوله تعالى : خلقكم من تراب  ومساق الآية الكريمة كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين، فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجميع والإحياء.

### الآية 15:28

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:28]

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ  نصب بإضمار اذكر، وتذكير الوقت لما مر مراراً من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه من الحوادث، وفي التعرض لوصف الربوبية المنبئة عن تبليغ الشيء إلى كماله اللائق به شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعار بعلة الحكم وتشريف له عليه الصلاة والسلام، أي اذكر وقت قوله تعالى  للملائكة إِنِّي خَالِقٌ  فيما سيأتي، وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل له البتة من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه  بَشَراً  أي إنسانا، قيل : ليس هذا عين العبارة الجارية وقت الخطاب، بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم : إني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت، ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم، وقيل : حسماً كثيفاً يلاقي ويباشر، وقيل : خلقاً بادي البشر بلا صوف ولا شعرة  مِّن صَلْصَالٍ  متعلق بخالق أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله أي بشراً كائناً من صلصال كائن  مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ  تقدم تفسيره، ولا ينافي هذا ما في قوله تعالى في سورة ص من قوله : بشراً من طين  فإن عدم التعرض عند الحكاية لوصف الطين من التغير والاسوداد ولما ورد عليه من آثار التكوين، لا يستلزم عدم التعرض لذلك عند وقوع المحكي، غايته أنه لم يتعرض له هناك اكتفاء بما شرح هاهنا.

### الآية 15:29

> ﻿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [15:29]

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ  أي صورته بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية أو سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه  وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن روحي  النفخ إجراء الريح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، أي فإذا كملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري  فَقَعُواْ لَهُ  أمر من وقع يقع، وفيه دليل على أن ليس المأمور به مجرد الانحناء كما قيل، أي اسقطوا له  سَاجِدِينَ  تحية له وتعظيما، ً أو اسجدوا لله تعالى على أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة القبلة حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته تعالى وحكمته، كقول حسان رضي الله تعالى عنه :\[ البسيط \]أليس أول من صلى لقبلتكم  وأعلم الناس بالقرآن والسنن

### الآية 15:30

> ﻿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [15:30]

فَسَجَدَ الملائكة  أي فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد الملائكة  كُلُّهُمْ  بحيث لم يشذ منهم أحد  أَجْمَعُونَ  بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد، ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده التأكيد أيضاً، فإن الاشتقاق الواضح يرشد إلى أن فيه معنى الجمع والمعية بحسب الوضع، والأصل في الخطاب التنزيل على أكمل أحوال الشيء، ولا ريب في أن السجود معاً أكمل أصناف السجود، لكن شاع استعماله تأكيداً وأقيم مقام كل في إفادة معنى الإحاطة من غير نظر إلى الكمال، فإذا فهمت الإحاطة من لفظ آخر لم يكن بد من مراعاة الأصل صونا للكلام عن الإلغاء، وقيل : أكد بتأكيدين مبالغة في التعميم. هذا وأما أن سجودهم هذا هل ترتب على ما حكي من الأمر التعليقي كما تقتضيه هذه الآية الكريمة والتي في سورة ص، أو على الأمر التنجيزي كما يستدعيه ما في غيرهما فقد خرجنا بفضل الله عز وجل عن عهدة تحقيقه في تفسير سورة البقرة.

### الآية 15:31

> ﻿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [15:31]

إِلاَّ إِبْلِيسَ  استثناء متصل إما لأنه كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة فعد منهم تغليباً، وإما لأن من الملائكة جنساً يتوالدون وهو منهم، وقوله تعالى : أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين  استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء، فإن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد به علم أنه مع الإباء والاستكبار، أو منقطع فيتصل به ما بعده، أي لكن إبليس أبى أن يكون معهم، وفيه دلالة على كمال ركاكة رأيه حيث أدمج في معصية واحدة ثلاث معاص : مخالفة الأمر والاستكبار مع تحقير آدم عليه الصلاة والسلام ومفارقة الجماعة والإباء عن الانتظام في سلك أولئك المقربين الكرام.

### الآية 15:32

> ﻿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [15:32]

قَالَ  استئناف مبنى على سؤال من قال : فماذا قال الله تعالى عند ذلك ؟ فقيل : قال : يا إبليس مَا لَكَ  أي أي سبب لك، لا أي غرض لك كما قيل لقوله تعالى : ما منعك  أَلاَّ تَكُونَ  في أن لا تكون  مَعَ الساجدين  لآدم مع أنهم هم ومنزلتهم في الشرف منزلتهم، وما كان التوبيخ عند وقوعه لمجرد تخلفه عنهم بل لكل من المعاصي الثلاث المذكورة، قال تعالى في سورة الأعراف : قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  وفي سورة ص : قال يا إبليس ما منعك أن تسجد ملا خلقت بيدي  ولكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اجتزاء بما ذكر في موطن آخر، وإشعارا بأن كل واحدة من تلك المعاصي الثلاث كافية في التوبيخ وإظهار بطلان ما ارتكبه، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه.

### الآية 15:33

> ﻿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:33]

قَالَ  أي إبليس، وهو أيضاً استئناف مبني على السؤال الذي ينساق إليه الكلام  لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ  اللام لتأكيد النفي، أي ينافي حالي ولا يستقيم مني لأني مخلوق من أشرف العناصر وأعلاها أن أسجد  لِبَشَرٍ  أي جسم كثيف  خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ  اقتصر هاهنا على الإشارة الإجمالية إلى ادعاء الخيرية وشرف المادة اكتفاء بما صرح به حين قال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، ولم يكتف اللعين بمجرد ذكر كونه عليه الصلاة والسلام من التراب الذي هو أخس العناصر وأسفلها، بل تعرض لكونه مخلوقاً منه في أخس أحواله من كونه طينا متغيرا، وقد اكتفى في سورة الأعراف وسورة ص بما حكي عنه هاهنا فاقتصر على حكاية تعرضه لخلقه عليه الصلاة والسلام من طين، وكذا في سورة بني إسرائيل حيث قيل : أأسجد لمن خلقت طينا ً وفي جوابه دليل على أن قوله تعالى : ما لك  ليس استفسارا عن الغرض بل هو استفسار عن السبب، وفي عدوله عن تطبيق جوابه على السؤال روم للتفصي[(١)](#foonote-١) عن المناقشة وأنى له ذلك، كأنه قال : لم أمتنع عن امتثال الأمر ولا عن الانتظام في سلك الملائكة، بل عما لا يليق بشأني من الخضوع للمفضول، ولقد جرى، خذله الله تعالى، على سنن قياس عقيم وزل عنه أن ما يدور عليه فلك الفضل والكمال هو التحلي بالمعارف الربانية والتخلي عن الملكات الردية، التي أقبحها التكبر والاستعصاء على أمر رب العالمين جلا جلاله. 
١ تفصّى: (بالفاء الموحدة) من الشيء وعنه: تخلص منه..

### الآية 15:34

> ﻿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [15:34]

قَالَ فاخرج مِنْهَا  أي من زُمرة الملائكةِ المعزّزين لا من السماء، فإن وسوسته لآدمَ عليه الصلاة والسلام في الجنة إنما كانت بعد هذا الطرد، وقوله تعالى : فاهبط مِنْهَا  ليس نصًّا في ذلك، فإن الخروجَ من بين الملإ الأعلى هبوطٌ وأيُّ هبوط، أو من الجنة على أن وسوستَه كانت بطريق النداءِ من بابها كما رُوي عن الحسن البصْري، أو بطريق المشافهة بعد أن احتال في دخولها وتوسّل إليه بالحيّة كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا ينافي هذا طردَه على رؤوس الأشهاد لما يقتضيه من الحِكَم البالغة  فَإِنَّكَ رَجِيمٌ  مطرودٌ من كل خير وكرامةٍ، فإن من يُطرَدْ يُرجَمْ بالحجارة، أو شيطان يُرجَمُ بالشهب وهو وعيدٌ يتضمن الجوابَ عن شبهته، فإن مَن عارض النصَّ بالقياس فهو رجيم ملعون.

### الآية 15:35

> ﻿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ [15:35]

وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة  الإبعادَ عن الرحمة، وحيث كان ذلك من جهة الله سبحانه وإن كان جارياً على ألسنة العبادِ، قيل : في سورة ص  وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنتي   إلى يَوْمِ الدين  إلى يوم الجزاء والعقوبةِ، وفيه إشعارٌ بتأخير عقابِه وجزائِه إليه، وأن اللعنة مع كمال فظاعتِها ليست جزاءً لفعله وإنما يتحقق ذلك يومئذ، وفيه من التهويل ما لا يوصف، وجعلُ ذلك أقصى أمدِ اللعنة ليس لأنها تنقطع هنالك، بل لأنه عند ذلك يعذَّب بما يَنسى به اللعنة من أفانين العذابِ، فتصير هي كالزائل. وقيل : إنما حدت به لأنه أبعدُ غاية يُضَرّ بها الناسُ كقوله تعالى : خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض  وحيث أمكن كونُ تأخير العقوبةِ مع الموت كسائر من أُخِّرت عقوباتُهم إلى الآخرة من الكفرة، طلب اللعينُ تأخيرَ موتِه كما حُكي عنه بقوله تعالى : قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِي إلى يوم يبعثون .

### الآية 15:36

> ﻿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [15:36]

قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِي  أي أمهلني وأخِّرْني ولا تُمِتْني، والفاء متعلقٌ بمحذوف ينسحب عليه الكلام، أي إذْ جعلتني رجيماً فأمهلني  إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  أي آدمُ وذريتُه للجزاء بعد فنائِهم، وأراد بذلك أن يجد فُسحة لإغوائهم ويأخذَ منهم ثأرَه وينجوَ من الموت لاستحالته بعد يوم البعث.

### الآية 15:37

> ﻿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [15:37]

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين  ورودُ الجوابِ بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يُؤذِنُ بكون السائلِ تبعاً لهم في ذلك، دليلٌ على أنه إخبارٌ بالإنظار المقدر لهم أزلاً، لا إنشاءٌ لإنظار خاصَ به وقع إجابةً لدعائه، أي إنك من جملة الذين أُخّرت آجالُهم أزلاً حسبما تقتضيه حكمةُ التكوين، فالفاءُ ليست لربط نفس الإنظار بالاستنظار بل لربط الإخبارِ المذكور به، كما في قوله :\[ الوافر \]فإن ترحم فأنت لذاك أهل . . . . . . . .فإنه لا إمكان لجعل الفاءِ فيه لربط ما فيه تعالى من الأهلية القديمةِ للرحمة بوقوع الرحمةِ الحادثة، بل هي لربط الإخبار بتلك الأهليةِ للرحمة بوقوعها، وأن استنظاره كان طلباً لتأخير الموتِ إذ به يتحقق كونُه من جملتهم، لا لتأخير العقوبة كما قيل، ونظمه في ذلك في سلك من أُخِّرت عقوبتُهم إلى الآخرة في علم الله تعالى ممن سبق من الجن ولحِق من الثقلين لا يلائم مقامَ الاستنظار مع الحياة، ولأن ذلك التأخيرَ معلومٌ من إضافة اليوم إلى الدين مع إضافته في السؤال إلى البعث كما عرفته، وفي سورة الأعراف : قَالَ أَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين  بترك التوقيتِ والنداءِ، والفاء في الاستنظار والإنظارِ تعويلاً على ما ذكر هاهنا، وفي سورة ص، فإن إيراد كلامٍ واحد على أساليبَ متعددةٍ غيرُ عزيزٍ في الكتاب العزيز، وأما أن كل أسلوب من أساليب النظم الكريمِ لا بد أن يكون له مقامٌ يقتضيه مغايرٌ لمقام غيره، وأن ما حُكي من اللعين إنما صدر عنه مرة وكذا جوابُه لم يقع إلا دَفعةً، فمقامُ المجاورة إن اقتضى أحدَ الأساليبِ المذكورة فهو المطابقُ لمقتضى الحال والبالغُ إلى طبقة الإعجاز وما عداه قاصرٌ عن رتبة البلاغة فضلاً عن الارتقاء إلى معالم الإعجازِ، فقد مر تحقيقه بتوفيق الله تعالى في سورة الأعراف.

### الآية 15:38

> ﻿إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [15:38]

إلى يَوْمِ الوقت المعلوم  وهو وقتُ النفخة الأولى التي علم أنه يَصْعَق عندها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله تعالى، ويجوز أن يكون المرادُ بالأيام واحداً، والاختلافُ في العبارات لاختلاف الاعتباراتِ، فالتعبيرُ بيوم البعث لأن غرض اللعين يتحقق، وبيوم الدين لما ذُكر من الجزاء، وبيوم الوقت المعلومِ لما ذُكر أو لاستئثاره تعالى بعلمه فلعل كلاًّ من هلاك الخلق جميعاً وبعثهم وجزائِهم في يوم واحد، يموت اللعينُ في أوله ويُبعث في أواسطه ويعاقب في بقيته. يُروى أن بين موتِه وبعثه أربعين سنةً من سِني الدنيا مقدارَ ما بين النفختين، ونقل عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى أنه قال : قدِمتُ المدينة أريد أميرَ المؤمنين عمرَ رضي الله تعالى عنه، فإذا أنا بحلقة عظيمة وكعبُ الأحبار فيها يحدث الناس وهو يقول : لما حضر آدمَ عليه الصلاة والسلام الوفاةُ قال : يا رب سيشمت بي عدوي إبليسُ إذا رآني ميتاً وهو مُنْظَرٌ إلى يوم القيامة، فأجيب أنْ يا آدمُ إنك سترِد إلى الجنة ويؤخَّر اللعينُ إلى النظرة ليذوقَ ألمَ الموتِ بعدد الأولين والآخِرين، ثم قال لملك الموت : صِفْ كيف تذيقه الموتَ، فلما وصفه قال : يا رب حسبي. فضجّ الناسُ وقالوا : يا أبا إسحاقَ كيف ذلك ؟ فأبى، فألحّوا فقال : يقول الله سبحانه لملك الموت عقِبَ النفخةِ الأولى :**« قد جعلت فيك قوةَ أهلِ السماوات السبع، وأهلِ الأرضينَ السبعِ، وإني ألبستُك اليوم أثوابَ السخط والغضب كلَّها، فانزِلْ بغضبي وسطوتي على رجيمي إبليسَ فأذِقْه الموتَ واحمِلْ عليه فيه مرارةَ الأولين والآخرين من الثقلين أضعافاً مضاعفةً، وليكن معك من الزبانية سبعون ألفاً قد امتلأوا غيظاً وغضباً، وليكن مع كل منهم سلسلةٌ من سلاسل جهنم وغُلٌّ من أغلالها، وأنزل روحَه المُنتنَ بسبعين ألفَ كلاب من كلاليبها، ونادِ مالكاً ليفتح أبواب النيران »** فينزل ملكُ الموت بصورة لو نظر إليها أهلُ السماوات والأرضين لماتوا بغتةً من هولها، فينتهي إلى إبليس فيقول : قف لي يا خبيثُ لأُذيقنّك الموت كم من عمر أدركتَ وقرونٍ أضللتَ وهذا هو الوقتُ المعلوم، قال : فيهرُب اللعين إلى المشرِق فإذا هو بملك الموت بين عينيه، فيهرُب إلى المغرِب فإذا هو به بين عينيه، فيغوص البحارَ فتنز منه البحارُ فلا تقبله، فلا يزال يهرُب في الأرض ولا محيصَ له ولا ملاذ، ثم يقوم في وسط الدنيا عند قبر آدمَ ويتمرغ في التراب من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق، حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط في آدمُ عليه الصلاة والسلام، وقد نَصبت له الزبانية الكلاليبَ وصارت الأرض كالجمرة احتوشته الزبانية وطعنوه بالكلاليب، ويبقى في النزع والعذاب إلى حيث يشاء الله تعالى، ويقال لآدمَ وحواءَ : اطَّلِعا اليوم إلى عدوكما كيف يذوق الموت، فيطّلعان فينظران إلى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان : ربنا أتممتَ علينا نعمتك.

### الآية 15:39

> ﻿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [15:39]

قَالَ رَبّ بِمَآ أغويتني  الباء للقسم وما مصدريةٌ والجواب  لأزَيّنَنَّ لَهُمْ  أي أقسم بإغوائك إيايَ لأزينن لهم المعاصيَ  في الأرض  أي في الدنيا التي هي دارُ الغرور كقوله تعالى : أَخْلَدَ إِلَى الأرض  و إقسامُه بعزة الله المفسَّرةِ بسلطانه وقهره لا ينافي إقسامَه بهذا، فإنه فرْعٌ من فروعها وأثرٌ من آثارها، فلعله أقسم بهما جميعاً فحُكي تارة قسمُه بهذا وأخرى بذاك، أو للسببية، وقوله : لأزينن، جوابُ قسمٍ محذوف، والمعنى بسبب تسبُّبِك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم مثلَ ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم بتزيين المعاصي و تسويلِ الأباطيل، والمعتزلةُ أوّلوا الإغواءَ بالنسبة إلى الغيّ أو التسبيب له لأمره إياه بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، واعتذروا عن إمهال الله تعالى وتسليطِه له على إغواء بني آدم بأنه تعالى قد علِم منه وممن تبِعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار، أُمهل أم لم يُمهَل، وأن في إمهاله تعويضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيدِ الثواب  وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  لأحمِلنّهم على الغواية.

### الآية 15:40

> ﻿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [15:40]

إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين  الذين أخلصتَهم لطاعتك وطهَّرتَهم من الشوائب، فلا يعملُ فيهم كيدي، وقرئ بكسر اللام، أي الذين أخلصوا نفوسَهم لله تعالى.

### الآية 15:41

> ﻿قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [15:41]

قَالَ هَذَا صراط  أي حقٌّ  عَلَىَّ  أن أراعيَه  مُّسْتَقِيمٍ  لا عوجَ فيه، والإشارةُ إلى ما تضمّنه الاستثناءُ وهو تخلّصُ المخْلَصين من إغوائه، أو الإخلاصُ على معنى أنه طريقٌ يؤدي إلى الوصول من غير اعوجاج وضلالٍ، والأظهرُ أن ذلك لِما وقع في عبارة إبليسَ حيث قال : لأقعدن لَهُمْ صراطك المستقيم ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ  الآية، وقرئ علي[(١)](#foonote-١) من علو الشرف. 
١ في الأصل المطبوع "على" مهملة. والتصحيح من القرطبي. والذين قرأوا ب "علي" هم ابن سيرين وقتادة والحسن وقيس بن عباد وأبو رجاء وحميد ويعقوب..

### الآية 15:42

> ﻿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [15:42]

إِنَّ عبادي  وهم المشار إليهم بالمخلَصين  لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان  تسلطٌ وتصرفٌ بالإغواء  إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين  وفيه، مع كونه تحقيقاً لما قاله اللعين، تفخيمٌ لشأن المخلَصين وبيانٌ لمنزلتهم ولانقطاع مخالبِ الإغواء عنهم وأن إغواءَه للغاوين ليس بطريق السلطانِ بل بطريق إتباعهم له بسوء اختيارِهم.

### الآية 15:43

> ﻿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [15:43]

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ  أي موعدُ المتبعين أو الغاوين، والأولُ أنسبُ وأدخلُ في الزجر عن إتباعه، وفيه دلالةٌ على أن جهنم مكانُ الوعد وأن الموعودَ مما لا يوصف في الفظاعة  أَجْمَعِينَ  تأكيدٌ للضمير أو حالٌ، والعامل فيها الموعِدُ إن جعل مصدراً على تقدير المضاف، أو معنى الإضافة إن جعل اسم مكان.

### الآية 15:44

> ﻿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [15:44]

لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ  يدخلونها لكثرتهم، أو سبعُ طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في الغَواية والمتابعة، وهي : جهنم ثم لظَى ثم الحُطمة ثم السعير ثم سقرُ ثم الجحيمُ ثم الهاوية  لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ  من الأتباع أو الغواة  جُزْء مَّقْسُومٌ  حزبٌ معينٌ مُفرَزٌ من غيره حسبما يقتضيه استعدادُه، فأعلاها للموحدين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن جهنم لمن ادعى الربوبية ولظى لعبدة النار، والحُطَمةُ لعبدة الأصنام، وسقَرُ لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحّدين، ولعل حصرها في السبع لانحصار المهلِكات في المحسوسات بالحواس الخمس ومقتضياتِ القوة الشهوية والغضبية، وقرئ بضم الزاي وبحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها إلى ما قبلها مع تشديدها في الوقف والوصل، ومنهم حال، من جزء أو من ضميره في الظرف لا في مقسوم، لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفَها.

### الآية 15:45

> ﻿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [15:45]

إِنَّ المتقين  من أتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفر  في جنات وَعُيُونٍ  أي مستقرون فيها خالدين، لكل واحد منهم جنةٌ وعينٌ، أو لكل منهم عدةٌ منهما كقوله تعالى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ  وقرئ بكسر العين حيث وقع في القرآن العظيم.

### الآية 15:46

> ﻿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ [15:46]

ادخلوها  على إرادة القول أمراً من الله تعالى لهم بالدخول، وقرئ أدخِلوها أمراً منه تعالى للملائكة بإدخالهم، وقرأ الحسن : أُدخِلوها مبنياً للمفعول على صيغة الماضي من الإدخال  بِسَلامٍ  ملتبسين بسلام أي سالمين أو مسلَّماً عليكم  آمنين  من الآفات والزوال.

### الآية 15:47

> ﻿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [15:47]

وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم مّنْ غِلّ  أي حقدٍ كان في الدنيا، وعن علي رضي الله تعالى عنه : أرجو أن أكونَ أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ منهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين  إِخْوَانًا  حال من الضمير في قوله تعالى : فِي جنات ، أو من فاعل ادخلوها، أو من الضمير في آمنين، أو الضمير المضاف إليه والعامل فيه معنى الإضافةِ، وكذلك قوله تعالى : على سُرُرٍ متقابلين  ويجوز كونُهما صفتين لإخواناً أو حالين من ضميره، لأنه بمعنى متصافِّين، وكونُ الثاني حالاً من المستكنّ في الأول. وعن مجاهد : تدور بهم الأسرّةُ حيثما داروا فهم متقابلون في جميع أحوالهم.

### الآية 15:48

> ﻿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [15:48]

لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ  أي تعب بألا يكونَ لهم فيها ما يوجبه من الكدّ في تحصيل ما لا بُدّ لهم منه، لحصول كل ما يريدونه من غير مزاولةِ عملٍ أصلاً، أو بأن لا يعتريَهم ذلك وإن باشروا الحركاتِ العنيفة لكمال قوتِهم، وهو استئنافٌ أو حالٌ بعد حال من الضمير في متقابلين  وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ  أبدَ الآباد لأن تمام النعمة بالخلود.

### الآية 15:49

> ﻿۞ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [15:49]

نَبّئ عبادي  وهم الذين عبر عنهم بالمتقين  أَنّي أَنَا الغفور الرحيم .

### الآية 15:50

> ﻿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [15:50]

وَأَنَّ عذابي هُوَ العذاب الأليم  فذلكةٌ لما سلف من الوعد والوعيد وتقريرٌ له، وفي ذكر المغفرةِ إشعارٌ بأن ليس المرادُ بالمتقين مَن يتقي جميعَ الذنوب كبيرَها وصغيرَها، وفي وصف ذاتِه تعالى بها وبالرحمة على وجه القصر دون التعذيب إيذانٌ بأنهما مما يقتضيهما الذاتُ وأن العذاب إنما يتحقق بما يوجبه من خارج.

### الآية 15:51

> ﻿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ [15:51]

وَنَبّئْهُمْ  عطفٌ على نبىءْ عبادي، والمقصود اعتبارُهم بما جرى على إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام مع أهله من البشرى في تضاعيف الخوفِ، وبما حل بقوم لوطٍ من العذاب ونجاتِه عليه الصلاة والسلام مع أهله التابعين له في ضمن الخوف، وتنبيهُهم بحلول انتقامِه تعالى من المجرمين وعلمُهم بأن عذاب الله هو العذاب الأليم. 
 عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :**« أنهم جبريلُ عليه الصلاة والسلام وملكانِ معه »** وقال محمد بن كعبٍ :**« وسبعةٌ معه »** وقيل :**« جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ عليهم الصلاة والسلام »** وقال الضحاك :**« كانوا تسعةً »** وعن السدي :**« كانوا أحدَ عشرَ على صور الغلمان الوِضاءِ وجوهُهم »** وعن مقاتلٍ :**« أنهم كانوا اثنيْ عشَرَ ملَكاً »** وإنما لم يتعرض لعنوان رسالتِهم لأنهم لم يكونوا مرسَلين إلى إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بل إلى قوم لوطٍ حسبما يأتي ذكرُه.

### الآية 15:52

> ﻿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [15:52]

إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ  نُصب بفعلٍ مضمر معطوفٍ على نبىء، أي واذكر وقت دخولِهم عليه، أو خبر مقدر مضاف إلى ضيف، أي خبر ضيف إبراهيمَ حين دخولهم عليه، أو بنفس ضيف على أنه مصدرٌ في الأصل  فَقَالُواْ  عند ذلك  سَلاَماً  أي نسلّم سلاماً أو سلّمنا أو سَلِمْتَ سلاماً. 
 قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ  أي خائفون، فإن الوجلَ اضطرابُ النفس لتوقع مكروهٍ، قاله عليه الصلاة والسلام حين امتنعوا من أكل ما قرّبه إليهم من العجل الحنيذ، لِما أن المعتاد عندهم أنه إذا نزل بهم ضيفٌ فلم يأكلْ من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ بخير، لا عند ابتداء دخولهم لقوله تعالى : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  فلا مجال لكون خوفه عليه الصلاة والسلام بسبب دخولِهم بغير إذن ولا بغير وقت، إذ لو كان كذلك لأجابوا حينئذ بما أجابوا، ولم يتصدَّ عليه الصلاة والسلام لتقريب الطعام إليهم، وإنما لم يذكر هاهنا اكتفاءً بما بيّن في غير هذا الموضع، ألا يرى إلى أنه لم يُذكر هاهنا ردُّه عليه الصلاة والسلام لسلامهم.

### الآية 15:53

> ﻿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [15:53]

قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ  لا تخف، وقرئ لا تاجل ولا تُوجِلْ من أوجله أي أخافه، ولا تُواجِلْ من واجله بمعنى أوجله  إِنَّا نُبَشّرُكَ  استئنافٌ لتعليل النهي عن الوجل، فإن المبشَّر به لا يكاد يحوم حول ساحته خوفٌ ولا حزن، كيف لا وهو بشارةٌ ببقائه وبقاءِ أهله في عافية وسلامة زماناً طويلاً  بغلام  هو إسحاقُ عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى : فبشرناها بإسحاق  ولم يتعرض هاهنا لبشارة يعقوبَ عليه الصلاة والسلام اكتفاءً بما ذكر في سورة هود  عَلِيمٌ  إذا بلغ، وفي موضع آخرَ بغلام حليم.

### الآية 15:54

> ﻿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [15:54]

قَالَ أبشرتموني  بذلك  على أَن مسني الكبر  وأثر في تعجبه عليه الصلاة والسلام من بشارتهم بالولد في حالة مباينة للولادة، وزاد في ذلك فقال : فَبِمَ تُبَشّرُونَ  أي بأي أعجوبةٍ تبشرونني، فإن البشارة بما لا يُتصور وقوعُه عادة بشارةٌ بغير شيء، أو بأي طريقةٍ تبشرونني، وقرئ بتشديد النون المكسورة على إدغام نون الجمع في نون الوقاية.

### الآية 15:55

> ﻿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ [15:55]

قَالُواْ بشرناك بالحق  أي بما يكون لا محالة، أو باليقين الذي لا لَبْسَ فيه، أو بطريقة هي حقٌّ وهو أمرُ الله تعالى، وقوله : فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين  من الآيسين من ذلك، فإن الله قادر على أن يخلق بشراً بغير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوز عاقر، وقرئ من القَنِطين، وكان مقصِدُه عليه الصلاة والسلام استعظامَ نعمتِه تعالى عليه في ضمن التعجب العادي المبنيِّ على سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين عباده، لا استبعادَ ذلك بالنسبة إلى قدرته سبحانه كما ينبئ عنه قولُ الملائكة : فلا تكن من القانطين، دون أن يقولوا : من الممترين أو نحوه.

### الآية 15:56

> ﻿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [15:56]

قَالَ وَمَن يَقْنَطُ  استفهامٌ إنكاريٌّ أي لا يقنط  مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون  المخطِئون طريقَ المعرفة والصوابِ، فلا يعرِفون سعةَ رحمتِه وكمالَ علمه وقدرتِه كما قال يعقوب عليه الصلاة والسلام : لاَ يَيأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون  ومرادُه نفيُ القنوط عن نفسه على أبلغ وجهٍ، أي ليس بي قنوطٌ من رحمته تعالى، وإنما الذي أقول لبيان منافاةِ حالي لفيضان تلك النعمةِ الجليلة عليّ، وفي التعرض لوصف الربوبيةِ والرحمةِ ما لا يخفى من الجزالة، وقرئ بضم النون، وبكسرها من قنَط بالفتح ولم تكن هذه المفاوضةُ من الملائكة مع إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام خاصة، بل مع سارَةَ أيضاً حسبما شُرح في سورة هود، ولم يُذكر ذلك هاهنا اكتفاءً بما ذكر هناك كما أنه لم يُذكر هذه هناك اكتفاء بما ذكر هاهنا.

### الآية 15:57

> ﻿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [15:57]

قَالَ  أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وتوسيطُه بين قوله السابقِ وبين قوله : فَمَا خَطْبُكُمْ  أي أمرُكم وشأنكم الخطيرُ الذي لأجله أُرسلتم سوى البشارةِ  أَيُّهَا المرسلون  صريحٌ في أن بينهما مقالةً مطويةً لهم أشير به إلى مكانها كما في قوله تعالى : قَالَ أأسجد لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أرأيتك هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَىَّ  الآية، فإن قوله الأخيرَ ليس موصولاً بقوله الأول، بل هو مبنيٌّ على قوله تعالى : فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ  فإن توسيطَ قال بين قوليه للإيذان بعدم اتصالِ الثاني بالأول وعدم ابتنائِه عليه بل على غيره، ثم خطابُه لهم عليهم الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ بعد ما كان خطابُه السابقُ مجرداً عن ذلك مع تصديره بالفاء، دليلٌ على أن مقالتهم المطويةَ كانت متضمنةً لبيان أن مجيئَهم ليس لمجرد البشارةِ، بل لهم شأنٌ آخَرُ لأجله أُرسلوا فكأنه قال عليه الصلاة والسلام : وإن لم يكن شأنُكم مجردَ البشارة فماذا هو ؟ فلا حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمَه عليه الصلاة والسلام بأن كلَّ المقصود ليس البشارةَ بسبب أنهم كانوا ذوي عدد، والبِشارةُ لا تحتاج إلى عدد ولذلك اكتُفي بالواحد في زكريا عليه الصلاة والسلام ومريم، ولا إلى أنهم بشروه في تضاعيف الحالِ لإزالة الوجل ولو كانت تمامَ المقصود لابتدءوا بها فتأمل.

### الآية 15:58

> ﻿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [15:58]

قَالُواْ إنا أرسلنا إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  هو قومُ لوط، وُصفوا بالإجرام وجيء بهم بطريق التنكيرِ ذمًّا لهم واستهانةً بهم.

### الآية 15:59

> ﻿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ [15:59]

إِلا آلَ لُوطٍ  استثناءٌ متصلٌ من الضمير في مجرمين، أي إلى قوم أَجرموا جميعاً إلا آلَ لوط، فالقومُ والإرسالُ شاملان للمجرمين وغيرِهم، والمعنى إنا أرسلنا إلى قوم أجرَم كلُّهم إلا آلَ لوط لنُهلِك الأولين وننجِّيَ الآخرين، ويدل عليه قوله تعالى : إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ  أي لوطاً وآلَه  أَجْمَعِينَ  أي مما يصيب القومَ، فإنه استئنافٌ للإخبار بنجاتهم لعدم إجرامِهم، أو لبيان ما فُهم من الاستثناء من مطلق عدمِ شمولِ العذاب لهم، فإن ذلك قد يكون بكون حالهم بين بين، أو لتعليله، فإن مَنْ تعلّق بهم التنجيةُ بمنْجى من شمول العذاب. 
أو منقطعٌ من قوم وقوله تعالى : إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ  متصلٌ بآلَ لوطٍ جارٍ مَجرى خبر لكنّ، وعلى هذا فقوله تعالى : إِلاَّ امرأته  استثناءٌ من آلَ لوط أو من ضميرهم.

### الآية 15:60

> ﻿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ [15:60]

إِلاَّ امرأته  استثناءٌ من آلَ لوط أو من ضميرهم، وعلى الأول من الضمير خاصة لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يُجعل إنا لمنجوهم اعتراضاً، وقرئ بالتخفيف  قدرنا إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين  الباقين مع الكفرة لتُهلَك معهم، وقرئ قدَرْنا بالتخفيف، وإنما عُلّق فعلُ التقدير مع اختصاص ذلك بأفعال القلوبِ لتضمُّنه معنى العلم، ويجوز حملُه على معنى قلنا لأنه بمعنى القضاء، قولٌ وأصلُه جعلُ الشيء على مقدار غيرِه، وإسنادُهم له إلى أنفسهم وهو فعلَ الله سبحانه لِما لهم من الزلفى والاختصاص.

### الآية 15:61

> ﻿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ [15:61]

فَلَمَّا جاء آلَ لُوطٍ المرسلون  شروع في بيان كيفيةِ إهلاكِ المجرمين وتنجيةِ آل لوط حسبما أُجمل في الاستثناء ثم فُصّل في التعليل نوعَ تفصيل، ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمر للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من الإهلاك والتنجية، وليس المرادُ به ابتداءَ مجيئهم بل مطلقُ كينونتهم عند آل لوط، فإن ما حُكي عنه عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى : قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ .

### الآية 15:62

> ﻿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [15:62]

قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  إنما قاله عليه الصلاة والسلام بعد اللتيا والتي حين ضاقت عليه الحيلُ وعيَّتْ به العللُ لمّا لم يشاهِدْ من المرسلين عند مقاساته الشدائدَ ومعاناته المكايدَ من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون ما هو المعهودُ والمعتاد من الإعانة والإمداد فيما يأتي ويذر عند تجشّمِه في تخليصهم إنكاراً لخذلانهم له، وتركِ نصرته في مثل تلك المضايقة المعترية له بسببهم حيث لم يكونوا مباشرين معه لأسباب المدافعةِ والممانعة حتى ألجأتْه إلى أن قال : لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ  حسبما فصل في سورة هود، لا أنه قاله عند ابتداء ورودِهم له خوفاً أن يطرُقوه بشرَ كما قيل، كيف لا وهم بجوابهم المحكيّ بقوله تعالى : قَالُواْ بَلْ جئناك بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ .

### الآية 15:63

> ﻿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ [15:63]

قَالُواْ بَلْ جئناك بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ  أي بالعذاب الذي كنت تتوعدهم به فيمترون به ويكذبونك، قد قشَروا العصا وبيّنوا له عليه الصلاة والسلام جليةَ الأمر، فأنى يمكن أن يعتريَه بعد ذلك المساءةُ وضيقُ الذَّرْع، وليست كلمةُ بل إضراباً عن موجب الخوفِ المذكور على معنى ما جئناك بما تُنكِرنا لأجله بل بما يسرك وتقَرّ به عينُك، بل هي إضرابٌ عما فهمه عليه الصلاة والسلام من ترك النصرةِ له، والمعنى ما خذلناك وما خلّينا بينك وبينهم بل جئناك بما يدمّرهم من العذاب الذي كانوا يكذبونك حين كنت تتوعدهم به، ولعل تقديمَ هذه المقاولة على ما جرى بينه وبين أهلِ المدينة من المجادلة للمسارعة إلى ذكر بشارةِ لوطٍ عليه الصلاة والسلام بإهلاك قومِه وتنجيةِ آله عَقيبَ ذكر بشارةِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بهما، وحيث كان ذلك مستدعياً لبيان كيفية النجاةِ وترتيبِ مباديها أُشير إلى ذلك إجمالاً، ثم ذُكر ما فَعل القوم وما فُعل بهم ولم يُبالَ بتغيير الترتيب الوقوعيّ ثقةً بمراعاته في مواقعَ أُخَرَ ؛ ونسبةُ المجيء بالعذاب إليه عليه الصلاة والسلام مع أنه نازلٌ بالقوم بطريق تفويض أمرِه إليه لا بطريق نزوله عليه، كأنهم جاءوه به وفوّضوا أمره إليه ليرسله عليهم حسبما كان يتوعّدهم به.

### الآية 15:64

> ﻿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [15:64]

وأتيناك بالحق  أي باليقين الذي لا مجال فيه للامتراء والشك وهو عذابُهم، عبر عنه بذلك تنصيصاً على نفي الامتراءِ عنه، أو المرادُ بالحق الإخبارُ بمجيء العذابِ المذكور، وقوله تعالى : وِإِنَّا لصادقون  تأكيدٌ له، أي أتيناك فيما قلنا بالخير الحقِّ أي المطابق للواقعِ، وإنا لصادقون في ذلك الخبرِ أو في كل كلام فيكون كالدليل على صدقهم فيه، وعلى الأول تأكيدٌ إثرَ تأكيدٍ.

### الآية 15:65

> ﻿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [15:65]

وقوله تعالى : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ  شروعٌ في ترتيب مبادي النجاةِ، أي اذهبْ بهم في الليل، وقرئ بالوصل وكلاهما من السرى وهو السيرُ في الليل، وقرئ فسِرْ من السير  بِقِطْعٍ مّنَ الليل  بطائفة منه أو من آخره قال :\[ الخفيف \]

فتحي الباب وانظُري في النجوم  كم علينا من قِطْع ليلٍ بهيم[(١)](#foonote-١)وقيل : هو بعد ما مضى منه شيءٌ صالح  واتبع أدبارهم  وكن على أثرهم تذودُهم وتسرع بهم وتطّلع على أحوالهم، ولعل إيثارَ الإتباع على السَّوْق مع أنه المقصودُ بالأمر للمبالغة في ذلك، إذ السَّوْقُ ربما يكون بالتقدم على بعض مع التأخر عن بعض ويلزَمه عادةً الغفلةُ عن حال المتأخر، والالتفاتُ المنهيُّ عنه بقوله تعالى : وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ  أي منك ومنهم  أَحَدٌ  فيرى ما وراءه من الهول فلا يطيقه، أو يصيبه ما أصابهم، أو ولا ينصرفْ منكم أحدٌ ولا يتخلفْ لغرض فيصيبه العذاب، وقيل : نُهوا عن ذلك ليوطنوا أنفسهم على المهاجرة، أو هو نهي عن ربط القلب بما خلّفوه، أو هو للإسراع في السير فإن الملتفتَ قلما يخلو عن أدنى وقفة، وعدمُ ذكر استثناء المرأةِ من الإسراء والالتفات لا يستدعي عدم وقوعِه، فإن ذلك لما عرفت مراراً للاكتفاء بما ذكر في مواضعَ أخَرَ  وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ  إلى حيث أمركم الله تعالى بالمُضيّ إليه وهو الشام أو مصر، وحذفُ الصلتين على الاتساع المشهور، وإيثارُ المضيِّ إلى ما ذكر على الوصول إليه واللُّحوق به للإيذان بأهمية النجاةِ ولمراعاة المناسبةِ بينه وبين ما سلف من الغابرين. 
١ البيت بلا نسبة في لسان العرب (قطع)؛ وتاج العروس (قطع)؛ وديوان الأدب ١/١٨٨، وكتاب العين ١/١٣٩..

### الآية 15:66

> ﻿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [15:66]

وَقَضَيْنَا  أي أوحينا  إِلَيْهِ  مقْضيًّا ولذلك عُدِّيَ بإلى  ذَلِكَ الأمر  مبهمٌ يفسره  أَنَّ دَابِرَ هؤلاء مَقْطُوعٌ  على أنه بدلٌ منه، وإيثار اسم الإشارة على الضمير للدلالة على اتصافهم بصفاتهم القبيحةِ التي هي مدارُ ثبوت الحكم، أي دابرَ هؤلاء المجرمين، وإيرادُ صيغة المفعول بدلَ صيغة المضارع لكونها أدخلَ في الدلالة على الوقوعِ، وفي لفظ القضاءِ والتعبيرِ عن العذاب بالأمر والإشارةِ إليه بذلك وتأخيرِه عن الجار والمجرور وإبهامِه أولاً ثم تفسيره ثانياً، من الدلالة على فخامة الأمر وفظاعتِه، ما لا يخفى. وقرئ بالكسر على الاستئناف، والمعنى أنهم يُستأصَلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ  مُّصْبِحِينَ  داخِلين في الصُّبح، وهو حال من هؤلاء أو من الضمير في مقطوعٌ وجمعه للحمل على المعنى فإن دابر هؤلاء بمعنى مدبري هؤلاء.

### الآية 15:67

> ﻿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [15:67]

وجاء أَهْلُ المدينة  شروعٌ في حكاية ما صدر عن القوم عند وقوفِهم على مكان الأضيافِ من الفعل والقول وما ترتب عليه بعدما أشير إلى ذلك إجمالاً حسبما نبه عليه، أي جاء أهلُ سدومَ منزلَ لوط عليه الصلاة والسلام  يَسْتَبْشِرُونَ  أي مستبشرين بأضيافه عليه الصلاة والسلام طمعاً فيهم.

### الآية 15:68

> ﻿قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ [15:68]

قَالَ إِنَّ هؤلاء ضيفي  الضيفُ حيث كان مصدراً في الأصل أُطلق على الواحد والمتعددِ والمذكرِ والمؤنث، وإطلاقُه على الملائكة بحسب اعتقادِه عليه الصلاة والسلام لكونهم في زي الضيف، والتأكيدُ ليس لإنكارهم بذلك بل لتحقيق اتِّصافِهم به وإظهارِ اعتنائه بشأنهم وتشمُّره لمراعاة حقوقِهم وحمايتهم من السوء، ولذلك قال : فَلاَ تَفْضَحُونِ  أي عندكم بأن تتعرضوا لهم بسوء فيعلموا أنه ليس لي عندكم قدْرٌ وحرمة، أو لا تفضحونِ بفضيحة ضيفي فإن من أُسيء إلى ضيفه فقد أُسيءَ إليه، يقال : فضحَه فضحاً وفضيحةً إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار.

### الآية 15:69

> ﻿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ [15:69]

واتقوا الله  في مباشرتكم لما يسؤوني  وَلاَ تُخْزُونِ  أي لا تُذِلوني ولا تُهينوني بالتعرض، لمن أجَرْتُهم، بمثل تلك الفَعْلةِ الخبيثة، وحيث كان التعرضُ لهم بعد أن نهاهم عليه الصلاة والسلام عن ذلك بقوله : فلا تفضحونِ، أكثرَ تأثيراً في جانبه عليه الصلاة والسلام وأجلبَ للعار إليه، إذِ التعرّضُ للجار قبل شعورِ المُجير بذلك ربما يُتسامَح فيه، وأما بعد الشعورِ به والمناصبةِ لحمايته والذبِّ عنه فذاك أعظمُ العار، عبّر عليه الصلاة والسلام عما يعتريه من جهتهم بعد النهي المذكورِ بسبب لَجاجِهم ومُجاهرتِهم بمخالفته بالخِزي وأمرَهم بتقوى الله تعالى في ذلك، وإنما لم يصرَّحْ بالنهي عن نفس تلك الفاحشةِ لأنه كان يعرِف أنه لا يفيدهم ذلك، وقيل : المرادُ تقوى الله تعالى في ركوب الفاحشةِ، ولا يساعده توسيطُه بين النهيَيْن عن أمرين متعلقين بنفسه عليه الصلاة والسلام. وكذلك قوله تعالى : قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين .

### الآية 15:70

> ﻿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [15:70]

قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين  أي عن التعرض لهم بمنعهم عنا وضيافتِهم، والهمزةُ للإنكار والواو للعطف على مقدر، أي ألم نتقدمْ إليك ولم ننْهَكَ عن ذلك فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحدٍ من الغرباء بالسوء، وكان عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن ذلك بقدر وُسعِه وكانوا قد نهَوْه عليه الصلاة والسلام عن أن يُجير أحداً، فكأنهم قالوا : ما ذكرتَ من الفضيحة والخِزي إنما جاءك من قِبَلك لا من قِبَلنا إذ لولا تعرضُك لما نتصدَّى له لَما اعتراك تلك الحالةُ. ولمّا رآهم لا يُقلِعون عما هم عليه.

### الآية 15:71

> ﻿قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [15:71]

قَالَ هؤلاء بناتي  يعني نساءَ القومِ، فإن نبيَّ كلِّ أمةٍ بمنزلة أبيهم أو بناتِه حقيقةً، أي فتزوجوهن، وقد كانوا من قبلُ يطلبُونهن ولا يجيبهم لخبثهم وعدمِ كفاءتِهم، لا لعدم مشروعية المُناكحةِ بين المسلمات والكفار وقد فُصّل ذلك في سورة هود.  إِن كُنتُمْ فاعلين  أي قضاءَ الوطر أو ما أقول لكم.

### الآية 15:72

> ﻿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [15:72]

لَعَمْرُكَ  قسمٌ من الله تعالى بحياة النبي عليه الصلاة والسلام أو من الملائكة بحياة لوطٍ عليه الصلاة والسلام والتقديرُ لعَمرُك قسمي، وهي لغة في العُمُر يختص به القسم إيثاراً للخِفة لكثرة دورَانِه على الألسنة  إِنَّهُمْ لفي سَكْرَتِهِمْ  غَوايتهم أو شدة غُلْمتهم التي أزالت عقولَهم وتمييزَهم بين الخطأ والصواب  يَعْمَهُونَ  يتحيّرون ويتمادَوْن فكيف يسمعون النصح ؟ وقيل : الضميرُ لقريش والجملةُ اعتراض.

### الآية 15:73

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [15:73]

فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة  أي الصيحةُ العظيمة الهائلة، وقيل : صيحةُ جبريلَ عليه الصلاة والسلام  مُشْرِقِينَ  داخلين في وقت شروق الشمس.

### الآية 15:74

> ﻿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [15:74]

فَجَعَلْنَا عاليها  عاليَ المدينة أو عاليَ قُراهم، وهو المفعولُ الأول لجعلنا وقوله تعالى : سَافِلَهَا  مفعول ثانٍ له وهو أدخلُ في الهول والفظاعة من العكس كما مر  وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ  في تضاعيف ذلك قبل تمام الانقلابِ  حِجَارَةً  كائنة  مّن سِجّيلٍ  من طين متحجّر أو طينٍ عليه كتاب، وقد فصل ذلك في سورة هود.

### الآية 15:75

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [15:75]

إِنَّ في ذَلِكَ  أي فيما ذكر من القصة  لآيات  لعلاماتٍ يُستدل بها على حقيقة الحق  لِلْمُتَوَسّمِينَ  أي المتفكّرين المتفرّسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرِفوا حقيقة الشيء بسَمْته.

### الآية 15:76

> ﻿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [15:76]

وَإِنَّهَا  أي المدينة أو القرى  لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ  أي طريق ثابتٍ يسلُكه الناس ويرَوْن آثارها.

### الآية 15:77

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [15:77]

إِنَّ في ذَلِكَ  فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمرأى من الناس يشاهدونها في ذهابهم وإيابهم  لآيَةً  عظيمةً  لِلْمُؤْمِنِينَ  بالله ورسولِه، فإنهم الذين يعرِفون أن ما حاق بهم \[ من \] العذاب الذي ترك ديارَهم بلاقعَ إنما حاق بهم لسوء صنيعهم، وأما غيرُهم فيحمِلون ذلك على الاتفاق أو الأوضاع الفلَكية، وإفرادُ الآية بعد جمعها فيما سبق لما أن المشاهدَ هاهنا بقيةُ الآثارِ لا كلُّ القصة كما فيما سلف.

### الآية 15:78

> ﻿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [15:78]

وَإِن كَانَ  إنْ مخففةٌ من إنّ، وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ واللام هي الفارقةُ أي وإن الشأن كان  أصحاب الأيكة  وهم قومُ شعيب عليه الصلاة والسلام، والأيكةُ والليكة الشجرةُ الملتفةُ المتكاثِفة، وكان عامة شجرِهم المقل[(١)](#foonote-١) وكانوا يسكنونها فبعثه الله تعالى إليهم  لظالمين  متجاوزين عن الحد. 
١ المقل: حمل الدوم، وهو يشبه النخل..

### الآية 15:79

> ﻿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [15:79]

فانتقمنا مِنْهُمْ  بالعذاب. روي أن الله تعالى سلط عليهم الحرَّ سبعة أيام، ثم بعث سحابة فالتجأوا إليها يلتمسون الرَّوْحَ، فبعث الله تعالى عليهم منها ناراً فأحرقتهم، فهو عذابُ يوم الظلة  وَإِنَّهُمَا  يعني سدوم والأيكة، وقيل : والأيكة ومدينَ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان مبعوثاً إليهما فذِكرُ أحدهما منبّهٌ على الآخر  لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ  لبطريق واضحٍ، والإمام اسمُ ما يؤتمُّ به سُمِّيَ به الطريقُ ومطمر البناء واللوحُ الذي يكتب فيه لأنها مما يؤتم به.

### الآية 15:80

> ﻿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [15:80]

وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحاب الحجر  يعني ثمود  المرسلين  أي صالحاً، فإن مَنْ كذب واحداً من الأنبياء عليهم السلام فقد كذب الجميعَ لاتفاقهم على التوحيد والأصولِ التي لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصار، وقيل : المراد صالحٌ ومن معه من المؤمنين، كما قيل : الخُبيبون لخبيب بن عبدِ اللَّه بن الزبير وأصحابه، وادٍ بين المدينة والشام كانوا يسكنونه.

### الآية 15:81

> ﻿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [15:81]

وآتيناهم آياتنا  وهي الآياتُ المنزلة على نبيهم، أو المعجزاتُ من الناقة وسَقْيها وشِرْبها ودرّها، أو الأدلةُ المنصوبة لهم  فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ  إعراضاً كليًّا، بل كانوا معارضين لها حيث فعلوا بالناقة ما فعلوا.

### الآية 15:82

> ﻿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [15:82]

وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا آمنين  من الانهدام ونقْب اللصوص وتخريبِ الأعداء لوثاقتها، أو من العذاب لحُسبانهم أن ذلك يحميهم منه. عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال : مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحِجْر فقال :**« لا تدخُلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبَكم مثلُ ما أصاب هؤلاء »** ثم زجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلّفها.

### الآية 15:83

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [15:83]

فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ  وهكذا وقع في سورة هود، قيل : صاح بهم جبريلُ عليه الصلاة والسلام، وقيل : أتتهم من السماء صيحةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ وصوتُ كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم، وفي سورة الأعراف  فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة  أي الزلزلةُ ولعلها من روادف الصيحة المستتبِعةِ لتموّج الهواء تموجاً شديداً يفضي إليها كما مر في سورة هود.

### الآية 15:84

> ﻿فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [15:84]

فَمَا أغنى عَنْهُمْ  ولم يدفع عنهم ما نزل بهم  مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  من بناء البيوتِ الوثيقة والأموالِ الوافرة والعُدد المتكاثرة، وفيه تهكمٌ بهم، والفاء لترتيب عدمِ الإغناء الخاصِّ بوقت نزول العذابِ حسبما كانوا يرجونه لا عدمِ الإغناءِ المطلق فإنه أمرٌ مستمر.

### الآية 15:85

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [15:85]

وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق  أي إلا خلقاً ملتبساً بالحق والحكمةِ والمصلحةِ بحيث لا يلائم استمرارَ الفساد واستقرارَ الشرور، ولذلك اقتضت الحكمةُ إهلاكَ أمثال هؤلاء دفعاً لفسادهم وإرشاداً لمن بقيَ إلى الصلاح، أو إلا بسبب العدل والإنصافِ يوم الجزاءِ على الأعمال كما ينبئ عنه قوله تعالى : وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ  فينتقم الله تعالى لك فيها ممن كذبك  فاصفح  أي أعرض عنهم  الصفح الجميل  إعراضاً جميلاً وتحمَّلْ أذِيَّتهم ولا تعجَلْ بالانتقام منهم، وعامِلْهم معاملةَ الصَّفوح الحليم، وقيل : هي منسوخةٌ بآية السيف.

### الآية 15:86

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [15:86]

إِنَّ رَبَّكَ  الذي يبلّغك إلى غاية الكمال  هُوَ الخلاق  لك ولهم ولسائر الموجوداتِ على الإطلاق  العليم  بأحوالك وأحوالِهم بتفاصيلها فلا يخفى عليه شيءٌ مما جرى بينك وبينهم، فهو حقيقٌ بأن تكِل جميع الأمورِ إليه ليحكُم بينكم، أو هو الذي خلقكم وعلِم تفاصيلَ أحوالِكم وقد علم أن الصفحَ اليوم أصلحُ إلى أن يكون السيفُ أصلحَ، فهو تعليلٌ للأمر بالصفح على التقديرين، وفي مصحف عثمانَ وأُبيّ رضي الله تعالى عنهما ( هو الخالق ) وهو صالح للقليل والكثير والخلاقُ مختصٌّ بالكثير.

### الآية 15:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [15:87]

وَلَقَدْ آتيناك سَبْعًا  آياتٍ وهي الفاتحةُ، وعليه عمرُ وعليٌّ وابنُ مسعود وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم، والحسنُ وأبو العالية ومجاهدٌ والضحاكُ وسعيدُ بن جبير وقَتادة رحمهم الله تعالى. وقيل : سبعُ سورٍ وهي الطوالُ التي سابعتُها الأنفالُ والتوبة فإنهما في حكم سورةٍ واحدة، ولذلك لم يُفصَلْ بينهما بالتسمية. وقيل : يونسُ أو الحواميم السبعُ. وقيل : الصحائفُ السبعُ وهي الأسباع.  مّنَ المثاني  بيانٌ للسبع من التثنية وهي التكريرُ، فإن كان المرادُ الفاتحةَ وهو الظاهرُ، فتسميتُها المثاني لتكرر قراءتِها في الصلاة، وأما تكررُ قراءتها في غير الصلاة كما قيل فليس بحيث يكون مداراً للتسمية ولأنها تثنى بما يقرأ بعدها في الصلاة، وأما تكررُ نزولها فلا يكون وجهاً للتسمية لأنها كانت مسماةً بهذا الاسمِ قبل نزولها الثاني إذ السورةُ مكيةٌ بالاتفاق، وإن كان المرادُ غيرَها من السور فوجهُ كونِها من المثاني أن كلاًّ من ذلك تُكرّر قراءتُه وألفاظُه أو قصصه ومواعظُه، أو من الثناء لاشتماله على ما هو ثناءٌ على الله واحدتها مَثْناةٌ أو مَثْنيةٌ صفة للآية، وأما الصحائفُ وهي الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القِصص والمواعظ والوعدِ والوعيد وغيرِ ذلك، ولما فيها من الثناء على الله تعالى كأنها تُثْني عليه سبحانه بأفعاله وصفاتِه الحسنى، ويجوز أن يراد بالمثاني القرآنُ لما ذكر أو لأنه مُثْنَى عليه بالإعجاز، أو كتبُ الله تعالى كلُّها فمن للتبعيض، وعلى الأول للبيان  والقرآن العظيم  إن أريد بالسبع الآياتُ أو السورُ فمِنْ عطف الكلِّ على البعض أو العام على الخاص، وإن أريد به الأسباعُ أو كلُّ القرآن فهو عطفُ أحدِ الوصفين على الآخر كما في قوله :\[ المتقارب \]إلى الملكِ القَرْم وابنِ الهُمام  وليثِ الكتائبِ في المزدَحَمْ[(١)](#foonote-١)أي ولقد أتيناك ما يقال له السبعُ المثاني والقرآنَ العظيم. 
١ البيت بلا نسبة في الإنصاف ٢/٤٦٩، وخزانة الأدب ١/٤٥١، وشرح قطر الندى ص ٢٩٥..

### الآية 15:88

> ﻿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [15:88]

لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ  لا تطمَحْ ببصرك طُموحَ راغب ولا تُدِمْ نظرك  إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ  من زخارفِ الدنيا وزينتها ومحاسنِها وزَهْرتِها  أزواجا مّنْهُمْ  أصنافاً من الكفرة فإن ما في الدنيا من أصناف الأموالِ والذخائر بالنسبة إلى ما أوتيتَه مستحقَرٌ لا يُعبأ به أصلاً، وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه :**« مَنْ أوتيَ القرآنَ فرأى أن أحداً أوتيَ أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً »** وروي ( أنه وافَتْ من بصري و أذْرِعاتَ سبعُ قوافلَ ليهود بني قُريظةَ والنّضِير فيها أنواعُ البَزِّ والطيب والجواهر وسائرُ الأمتعة فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموالُ لنا لتقوَّيْنا بها و أنفقناها في سبيل الله، فقيل لهم : قد أُعطِيتم سبعَ آياتٍ وهي خير من هذه القوافل السبْع )  وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  حيث لم يؤمنوا ولم ينتظِموا أتباعك في سلك ليتقوى بهم ضعفاءُ المسلمين، وقيل : أو أنهم المتمتعون به ويأباه كلمة على فإن تمتّعهم به لا يكون مداراً للحزن عليهم  واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  أي تواضَعْ لهم و ارفُق بهم وألِنْ جانبك لهم وطِبْ نفساً من إيمان الأغنياء.

### الآية 15:89

> ﻿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [15:89]

وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين  أي المنذِرُ المُظْهِر لنزول عذاب الله وحلولِه.

### الآية 15:90

> ﻿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ [15:90]

كما أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين  قيل : إنه متعلق بقوله تعالى : وَلَقَدْ آتيناك  الخ، أي أنزلنا عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب.

### الآية 15:91

> ﻿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [15:91]

الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ  أي قسَموه إلى حق وباطل، حيث قالوا عِناداً وعدواناً : بعضُه حقٌّ موافقٌ للتوراة والإنجيل، وبعضُه باطلٌ مخالفٌ لهما، أو اقتسموه لأنفسهم استهزاءً حيث كان يقول بعضُهم : سورةُ البقرة لي، وبعضُهم : سورةُ آلِ عمران لي وهكذا، أو قسموا ما قرأوا من كتبهم وحرّفوه فأقرّوا ببعضه وكذبوا ببعضه، وحُمل توسيطُ قوله تعالى : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ  على إمداد ما هو المرادُ بالكلام من التسلية، وعُقّب ذلك بأنه جلّ المقامُ عن التشبيه، ولقد أوتيَ عليه الصلاة والسلام ما لم يؤتَ أحدٌ قبله ولا بعده مثلَه، وقيل : إنه متعلق بقوله : إني أَنَا النذير المبين  فإنه في قوة الأمرِ بالإنذار، كأنه قيل : أنذِرْ قريشاً مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين، يعني اليهودَ، وهو ما جرى على بني قريظةَ والنضير بأن جُعل المتوقَّعُ كالواقع وقد وقع كذلك، وأنت خبيرٌ بأن ما يُشبَّه به العذابُ المنذَرُ لا بد أن يكون محققَ الوقوعِ معلومَ الحالِ عند المنذَرين إذ به تتحققُ فائدةُ التشبيهِ، وهي تأكيدُ الإنذار وتشديدُه، وعذابُ بني قريظةَ والنضير مع عدم وقوعِه إذ ذاك لم يسبِقْ به وعدٌ ووعيد فهم منه في غفلة محضةٍ وشك مُريب، وتنزيلُ المتوقَّع منزلةَ الواقع له موقعٌ جليلٌ من الإعجاز لكن إذا صادف مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً  ونظائرِه. على أن تخصيصَ الاقتسام باليهود بمجرد اختصاصِ العذاب المذكور بهم مع شِرْكتهم للنصارى في الاقتسام المتفرِّع على الموافقة والمخالفة، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشاملِ للكتابين بل تخصيصُ العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسامِ تخصيصٌ من غير مخصِّص، وقد جُعل الموصولُ مفعولاً أولَ لأنذر أي أنذر المُعَضِّين الذين يجزّئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطيرَ، مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشرَ الذين اقتسموا مداخلَ مكة أيام الموسم فقعد كل منهم في مدخل لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضُهم : لا تغترّوا بالخارج منا فإنه ساحرٌ، ويقول الآخر : كذابٌ، فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، وقبله بآفات وفيه، مع ما فيه من الاشتراك لما سبق في عدم كون العذابِ الذي شُبه به العذابُ المنذَرُ واقعاً ولا معلوماً للمنذَرين ولا موعودَ الوقوع، أنه لا داعيَ إلى تخصيص وصفِ التعضِيةِ بهم وإخراجِ المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوةً لهم في ذلك، فإن وصفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما وصفوا من السحر والشعر والكذب متفرعٌ على وصفهم للقرآن بذلك، وهل هو إلا نفسُ التعضيةِ، ولا إلى إخراجهم من حكم الإنذارِ على ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يُشبه به عذابُ غيرِهم ولا مخصوصاً بهم، بل عامًّا لكلا الفريقين وغيرِهم مع أن بعضَ المنذَرين كالوليد بنِ المغيرةَ والعاصِ بن وائل والأسودِ بن المطلب قد هلكوا قبل مهلِك أكثرِ المقتسمين يوم بدر، ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى، وقيل : إنه وصفٌ لمفعول النذيرِ أقيمَ مُقامه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل مكة كما حرر. 
وفيه مع ما مر أن قوله تعالى : كما أَنْزَلْنَا  صريحٌ في أنه من قول الله تعالى لا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، والاعتذارُ بأن ذلك من باب ما يقوله بعضُ خواصِّ المَلِك أُمرْنا بكذا وإن كان الآمرُ هو الملكَ حسبما سلف في قوله تعالى : قدرنا إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين  تعسُّفٌ لا يخفى، وأن إعمالَ الوصفِ الموصوف مما لم يجوِّزْه البصريون فلا بد من الهرب إلى مسلك الكوفيين، أو المصير إلى جعله مفعولاً غيرَ صريح أي أنا النذيرُ المبين بعذاب مثلِ عذاب المقتسمين، وقيل : المراد بالمقتسمين الرهطُ الذين تقاسموا على أن يبيّتوا صالحاً عليه الصلاة والسلام فأهلكهم الله تعالى، وأنت تدري أن عذابَهم حيث كان متحققاً ومعلوماً للمنذرين حسبما نطق به القرآنُ العظيم صالحٌ لأن يقعَ مشبَّهاً به العذابُ المنذَر، لكن الموصولَ المذكورَ عَقيبَه حيث لم يمكن كونُه صفةً للمقتسمين حينئذ، فسواءٌ جعلناه مفعولاً أول للنذير أو لما دل هو عليه من أنذر لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة، لما أن ذلك إنما يكون للإشعار بعلّية الصلة والصفةِ للحكم الثابتِ للموصول والموصوف، فلا يكون هناك وجهُ شبَهٍ يدور عليه تشبيهُ عذابهم بعذابهم خاصة لعدم اشتراكِهم في السبب فإن المُعَضّين بمعزل من التقاسم على التبييت الذي هو السبب لهلاك أولئك، كما أن أولئك بمعزل من التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء، ولا علاقة بين السببين مفهوماً ولا وجوداً تصحّح وقوعَ أحدِهما في جانب والآخرِ في جانب، واتفاقُ الفريقين على مطلق الاتفاقِ على الشر المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو التبييتُ المدلولُ عليه بالتقاسم غيرُ مفيد إذ لا دِلالةَ لعنوان التعضيةِ على ذلك وإنما يدل عليه اقتسامُ المداخِلِ، وجعلُ الموصولِ مبتدأً على أن خبرَه الجملةُ القسَميةُ لا يليق بجزالة التنزيلِ وجلالة شأنِه الجليل. 
إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقربَ من الأقوال المذكورةِ أنه متعلِّق بالأول، وأن المرادَ بالمقتسمين أهلُ الكتابين، وأن الموصولَ مع صلته صفةٌ مبينة لكيفية اقتسامِهم، ومحلُّ الكاف النصبُ على المصدرية، وحديثُ جلالة المقام عن التشبيه من لوائح النظرِ الجليل، والمعنى لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآنَ العظيم إيتاءً مماثلاً لإنزال الكتابين على أهلهما، وعدمُ التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابين لأن الغرضَ بيانُ المماثلة بين الإيتاءين لا بين متعلَّقَيهما، والعدولُ عن تطبيق ما في جانب المشبَّه به على ما في جانب المشبَّه بأن يقال : كما آتينا المقتسِمين حسبما وقع في قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب  الخ، للتنبيه على ما بين الإيتاءين من التنائي فإن الأول على وجه التكرِمة والامتنان وشتان بينه وبن الثاني. 
ولا يقدح ذلك في وقوعه مشبَّهاً به، فإن ذلك إنما هو لمُسلَّميته عندهم وتقدمِ وجودُه على المشبه زماناً لا لمزيةٍ تعود إلى ذاته كما في الصلاة الخليلية، فإن التشبيه فيها ليس لكون رحمة الله تعالى الفائضةِ على إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله أتمَّ وأكملَ مما فاض على النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ذلك للتقدم في الوجود والتنصيصِ عليه في القرآن العظيم، فليس في التشبيه شائبةُ إشعار بأفضلية المشبَّه به من المشبه، فضلاً عن إيهام أفضليةِ ما تعلق به الأولُ مما تعلق به الثاني، وإنما ذُكروا بعنوان الاقتسام إنكاراً لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال المذكورِ، وإيذاناً بأنه كان من حقهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانِهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراكِ في العلة والاتحادِ في الحقيقة التي هي مطلقُ الوحي، وتوسيطُ قوله تعالى : لاَ تَمُدَّنَّ  الخ، لكمال اتصالِه بما هو المقصودُ من بيان حالِ ما أوتيَ النبي عليه الصلاة والسلام، ولقد بُيِّن أولاً علوُّ شأنِه ورفعة مكانِه بحيث يستوجب اغتباطَه عليه الصلاة والسلام بمكانه واستغناءَه به عما سواه، ثم نُهي عن الالتفات إلى زَهرة الدنيا، وعُبّر عن إيتائها لأهلها بالتمتيع المنبئ عن وشك زوالِها عنهم ثم عن الحزَن بعدم إيمانِ المنهمكين فيها، وأُمر بمراعاة المؤمنين والاكتفاءِ بهم عن غيرهم وبإظهار قيامِه بمواجب الرسالة ومراسمِ النذارة حسبما فُصّل في تضاعيف ما أوتي من القرآن العظيم، ثم رُجِع إلى كيفية إيتائه على وجه أُدمج فيه ما يُزيح شُبَهَ المنكِرين ويستنزِلهم عن العِناد من بيان مشاركتِه لما لا ريب لهم في كونه وحياً صادقاً فتأمل، والله عنده علم الكتاب، هذا وقد قيل : المعنى وقل إني أنا النذير المبين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً، على أن المقتسِمين أهلُ الكتاب انتهى. 
يريد أن ما في ( كما ) موصولةٌ، والمراد بالمشابهة المستفادة من الكاف الموافقةُ وهي مع ما في حيزها في محل النصبِ على الحالية من مفعول قل، أي قل هذا القولَ حالَ كونِه كما أنزلنا على أهل الكتابين أي موافقاً لذلك، فالأنسبُ حينئذ حملُ الاقتسام على التحريف ليكون وصفُهم بذلك تعريضاً بما فعلوا من تحريفهم وكِتمانهم لنعت النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : عِضِينَ  جمعُ عِضة وهي الفِرقة، أصلها عِضْوَةٌ، فِعْلة من عضي الشاةَ تعضيةً إذا جعلها أعضاءَ، وإنما جُمعت جمع السلامةِ جبراً للمحذوف كسنينَ وعِزينَ، والتعبيرُ عن تجزئة القرآن بالتعضية التي هي تفريقُ الأعضاء من ذي الروح المستلزمُ لإزالة حياتِه وإبطالِ اسمِه دون مطلق التجزئةِ والتفريق اللذَيْن ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيضُ من المِثليات، للتنصيص على كمال قبحِ ما فعلوه بالقرآن العظيم، وقيل : هي فِعلة من عضته إذا بهتُّه. وعن عكرِمةَ : العضة السحرُ بلسان قريشٍ، فنقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاء.

### الآية 15:92

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [15:92]

فَوَرَبّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  أي لنسألن يوم القيامة أصنافَ الكفرة من المقتسمين وغيرهم سؤالَ توبيخٍ وتقريع.

### الآية 15:93

> ﻿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [15:93]

عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  في الدنيا من قول وفعل وترْكٍ، فيدخُل فيه ما ذكر من الاقتسام والتعضيةِ دخولاً أولياً، ولنجز ينهم بذلك جزاءاً موفوراً، وفيه من التشديد وتأكيدِ الوعيدِ ما لا يخفى، والفاءُ لترتيب الوعيدِ على أعمالهم التي ذكر بعضها، وفي التعرض لوصف الربوبيةِ مضافاً إليه عليه الصلاة والسلام إظهارُ اللطف به عليه الصلاة والسلام.

### الآية 15:94

> ﻿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [15:94]

فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ  فاجهر به، من صَدَع بالحجة إذا تكلم بها جِهاراً، أو افرُق بين الحق والباطل، وأصلُه الإبانةُ والتمييزُ، وما مصدرية أو موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ، أي ما تؤمر به من الشرائع المودعة في تضاعيف ما أوتيتَه من المثاني السبعِ والقرآنِ العظيم  وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين  أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبالِ بهم ولا تتصدَّ للانتقام منهم.

### الآية 15:95

> ﻿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [15:95]

إِنَّا كفيناك المستهزئين  بقمعهم وتدميرهم، قيل :( كانوا خمسةً من أشراف قريش : الوليدُ بن المغيرة، والعاصِ بنُ وائل، والحارثُ بن قيس بن الطَلاطِلةَ، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ، والأسودُ بنُ المطلب، يبالغون في إيذاءِ النبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به، فنزل جبريلُ عليه الصلاة والسلام فقال : قد أُمرت أن أكفيكَهم، فأومأ إلى ساق الوليد، فمرَّ بنِبال، فتعلق بثوبه سهمٌ، فلم ينعطف تعظماً لأخذه، فأصاب عِرقاً في عَقِبه، فقطعه، فمات، وأومأ إلى أخمَص العاص، فدخلت فيه شوكةٌ، فقال : لُدغتُ، وانتفخت رجلُه حتى صارت كالرّحى، فمات، وأشار إلى عيني الأسودِ بن المطلب، فعمِيَ، وإلى أنف الحارث، فامتخط قيحاً، فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوثَ وهو قاعدٌ في أصل شجرةٍ، فجعل ينطح برأسه الشجرةَ ويضرب وجهه بالشوك حتى مات ).

### الآية 15:96

> ﻿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [15:96]

الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ  وصفهم بذلك تسليةً لرسوله صلى الله عليه وسلم وتهويناً للخطب عليه بإعلام أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام، بل اجترأوا على العظيمة التي هي الإشراك بالله سبحانه  فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  عاقبةَ ما يأتون ويذرون.

### الآية 15:97

> ﻿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [15:97]

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ  من كلمات الشِّرك والطعنِ في القرآن والاستهزاء به وبك، وتحليةُ الجملة بالتأكيد لإفادة تحقيقِ ما تتضمنه من التسلية، وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرارِ العلم حسب استمرارِ متعلَّقه باستمرار ما يوجبه من أقوال الكفرة.

### الآية 15:98

> ﻿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [15:98]

فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ  فافزَع إلى الله تعالى فيما نابك من ضيق الصدرِ والحرَج بالتسبيح والتقديس ملتبساً بحمده، وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الحُكم، أعني الأمرَ بالتسبيح والحمد  وَكُنْ مّنَ الساجدين  أي المصلّين يكفِك ويكشِفِ الغمَّ عنك، أو فنزِّهْه عما يقولون ملتبساً بحمده على أنْ هداك للحق المبين، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا حزَبه أمرٌ فزِع إلى الصلاة.

### الآية 15:99

> ﻿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [15:99]

واعبد رَبَّكَ  دُمْ على ما أنت عليه من عبادته تعالى، وإيثارُ الإظهار بالعنوان السالف آنفاً لتأكيد ما سبق من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الأمرِ بالعبادة.  حتى يَأْتِيَكَ اليقين  أي الموتُ، فإنه مُتيقَّنُ اللحوق بكل حي مخلوق، وإسنادُ الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجِّهٌ إلى الحيّ طالبٌ إليه، والمعنى دم على العبادة ما دمت حيًّا من غير إخلالٍ بها لحظة.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/15.md)
- [كل تفاسير سورة الحجر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/15.md)
- [ترجمات سورة الحجر
](https://quranpedia.net/translations/15.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/15/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
