---
title: "تفسير سورة النحل - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/16/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/16/book/339"
surah_id: "16"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النحل - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/16/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النحل - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/16/book/339*.

Tafsir of Surah النحل from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 16:1

> أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [16:1]

قوله سبحانه : أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ  \[ النحل : ١ \]. 
روي أنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم لما قال جِبْريلُ في سرد الوحْيِ : أتى أَمْرُ الله ، وثَبَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قائماً، فلما قال : فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ  سكَنَ، وقوله : أَمْرُ الله  : قال فيه جمهور المفسِّرين : إِنه يريدُ القِيَامَةَ، وفيها وعيدٌ للكفَّار، وقيل : المرادُ نَصْرُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ قال : إِن الأمر القيامَةُ، قال : إِن قوله تعالى : فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ  : ردٌّ على المكذِّبين بالبَعْثِ، القائلين : متَى هذا الوَعْدُ،

### الآية 16:2

> ﻿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [16:2]

واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى : يُنَزِّلُ الملائكة بالروح  \[ النحل : ٢ \]، فقال مجاهدٌ : الرُّوحُ : النبوَّءة، وقال ابن عباس : الرُّوحُ الوحْيُ، وقال قتادة : بالرحمةِ والوحْي، وقال الربيع بنُ أنَسٍ : كلُّ كلام اللَّه رُوحٌ، ومنه قوله تعالى : أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا  \[ الشورى : ٥٢ \]، وقال الزَّجَّاج : الرُّوح : ما تَحْيَا به القلوبُ من هداية اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وهذا قولٌ حَسَنٌ، قال الداوديُّ، عن ابن عباس قال : الرُّوح : خَلْقٌ من خَلْق اللَّه، وأمْرٌ من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ : الرُّوح : خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ، انتهى واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده، انتهى. و**«مَنْ »** في قوله : مَن يَشَاءُ  \[ النحل : ٢ \] هي للأنبياء.

### الآية 16:3

> ﻿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [16:3]

تفسير سورة النحل
 وهي مكية غير آيات يسيرة يأتي بيانها إن شاء الله
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ٤\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)
 قوله سبحانه: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ: روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قال جِبْريلُ في سرد الوحْيِ: أَتى أَمْرُ اللَّهِ، وثب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً، فلما قال: / فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سكَنَ، وقوله: أَمْرُ اللَّهِ: قال فيه جمهور المفسِّرين: إِنه يريدُ القِيَامَةَ، وفيها وعيدٌ للكفَّار، وقيل: المرادُ نصر محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فَمَنْ قال: إِن الأمر القيامَةُ، قال: إِن قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ: ردٌّ على المكذِّبين بالبَعْثِ، القائلين: متَى هذا الوَعْدُ، واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ، فقال مجاهد: الرّوح:
 النبوّة **«١»**، وقال ابن عباس: الرُّوحُ الوحْيُ **«٢»**، وقال قتادة: بالرحمةِ والوحْي **«٣»**، وقال الربيع بنُ أنَسٍ: كلُّ كلام اللَّه رُوحٌ، ومنه قوله تعالى: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا **«٤»** \[الشورى: ٥٢\]، وقال الزَّجَّاج **«٥»** : الرُّوح: ما تَحْيَا به القلوبُ من هداية اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وهذا قولٌ حَسَنٌ، قال الداوديّ، عن ابن عباس **«٦»** قال: الرُّوح: خَلْقٌ من خلق الله، وأمر
 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨).
 (٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥١)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨)، والسيوطي في ********«الدر المنثور»********، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨)، والسيوطي في ********«الدر المنثور»******** (٤/ ٢٠٥)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٨)، والسيوطي في ********«الدر المنثور»******** (٤/ ٢٠٦)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
 (٥) ينظر: **«معاني القرآن»** (٣/ ١٩٠).
 (٦) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥١)، وذكره السيوطي في ********«الدر المنثور»******** (٤/ ٢٠٥)، وعزاه

### الآية 16:4

> ﻿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [16:4]

وقوله تعالى : خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ  \[ النحل : ٤ \]. 
يريد ب**«الإِنسان »** الجنْسَ، وقوله : خَصِيمٌ  يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه، قاله الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبَيَانِ على البَشَر.

### الآية 16:5

> ﻿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [16:5]

وقوله سبحانه : والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ  \[ النحل : ٥ \]. 
ال دِفْء  : السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل : ال دِفْءٌ  : تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس : هو نسْلُ كلِّ شيء، والمعنى الأول هو الصحيحُ، وال منافع  : ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

### الآية 16:6

> ﻿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [16:6]

وقوله : جَمَالٌ  \[ النحل : ٦ \]. 
أي : في المَنْظَر، و تُرِيحُونَ  : معناه : حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، و تَسْرَحُونَ  : معناه : تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح،

### الآية 16:7

> ﻿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [16:7]

و**«الأثْقَالُ »** : الأمتعة، وقيل : الأجسام كقوله : وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا  \[ الزلزلة : ٢ \] أي : أجسادَ بني آدم،

### الآية 16:8

> ﻿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [16:8]

وسمِّيت الخيلُ خيلاً لاختيالها في مِشْيتها. 
( ت ) : ويجبُ على من ملكه اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في **«الموطَّأ »** عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال :( إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ، فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات ). قال أبو عمر في **«التمهيد »** : هذا الحديث يستندُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا **«الرفْقُ »**، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ )، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و**«النِّقْي »** في كلام العرب : الشَّحْم والوَدَك، انتهى. 
وروَى أبو داود عن أبي هُرَيْرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال :( إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ ) انتهى. 
وقوله سبحانه : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  \[ النحل : ٨ \]. 
عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي : أنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

### الآية 16:9

> ﻿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [16:9]

وقوله سبحانه : وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل  \[ النحل : ٩ \]. 
هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي : على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى : أَنَّ مَنْ سلك السبيلَ القاصِد، فعلى اللَّه، ورحمته وتنعيمُهُ طريقُهُ، وإِلى ذلك مصيره، و**«طريقٌ قَاصِد »** : معناه : بيِّنٌ مستقيمٌ قريبٌ، والألف واللام في  السبيل ، للعهد، وهي سبيلُ الشرْعِ. وقوله : وَمِنْهَا جَائِرٌ  : يريد طريقَ اليهودِ والنصارَى وغيرِهِم، فالضمير في  مِنْهَا  يعود على السُّبُلُ التي يتضمَّنها معنى الآية.

### الآية 16:10

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [16:10]

وقوله سبحانه : فِيهِ تُسِيمُونَ  \[ النحل : ١٠ \]. 
يقال : أَسَامَ الرَّجُلُ مَاشِيَتَهُ إِذا أرسلها ترعَى.

### الآية 16:11

> ﻿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [16:11]

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ **«١»**. انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و **«مَنْ»** في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.
 وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب **«الإِنسان»** الجنْسَ، وقوله:
 خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله **«٢»** الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥ الى ١٢\]
 وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)
 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)
 وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء **«٣»**، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.
 وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و **«الأثْقَالُ»** :
 الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها \[الزلزلة: ٢\] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

 لآدم بن إياس، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي.
 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٤)، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٠٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. [.....]
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩).
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٦٠) برقم: (٢١٤٦٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»****، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في **«الموطَّأ»** عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: **«إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١»**، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» **«٢»**.
 قال أبو عمر في **«التمهيد»** : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا **«الرفْقُ»**، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: **«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»** **«٣»**، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و **«النِّقْي»** في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك. انتهى.
 وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: **«إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ»** انتهى **«٤»**.
 وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.
 وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ... الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

 (١) النّقو: عظم العضد، وقيل: كل عظم فيه مخ.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٤٥٣٢).
 (٢) أخرجه مالك في **«الموطأ»** (٢/ ٩٧٩) كتاب **«الاستئذان»** باب: ما يؤمر به من العمل في السفر، حديث (٣٨).
 (٣) تقدم تخريجه.
 (٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٢) كتاب **«الجهاد»** باب: في الوقوف على الدابة، حديث (٢٥٦٧)، والبيهقي (٥/ ٢٥٥) من حديث أبي هريرة.

### الآية 16:12

> ﻿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [16:12]

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ **«١»**. انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و **«مَنْ»** في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.
 وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب **«الإِنسان»** الجنْسَ، وقوله:
 خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله **«٢»** الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٥ الى ١٢\]
 وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)
 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)
 وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء **«٣»**، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.
 وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و **«الأثْقَالُ»** :
 الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها \[الزلزلة: ٢\] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

 لآدم بن إياس، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي.
 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٥٨) برقم: (٢١٤٥٤)، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٠٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. [.....]
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩).
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٥٦٠) برقم: (٢١٤٦٤) بنحوه، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٧٩)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»****، وعزاه لعبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في **«الموطَّأ»** عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: **«إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١»**، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» **«٢»**.
 قال أبو عمر في **«التمهيد»** : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا **«الرفْقُ»**، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: **«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»** **«٣»**، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و **«النِّقْي»** في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك. انتهى.
 وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: **«إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ»** انتهى **«٤»**.
 وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.
 وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ... الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

 (١) النّقو: عظم العضد، وقيل: كل عظم فيه مخ.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٤٥٣٢).
 (٢) أخرجه مالك في **«الموطأ»** (٢/ ٩٧٩) كتاب **«الاستئذان»** باب: ما يؤمر به من العمل في السفر، حديث (٣٨).
 (٣) تقدم تخريجه.
 (٤) أخرجه أبو داود (٢/ ٣٢) كتاب **«الجهاد»** باب: في الوقوف على الدابة، حديث (٢٥٦٧)، والبيهقي (٥/ ٢٥٥) من حديث أبي هريرة.

### الآية 16:13

> ﻿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [16:13]

وقوله سبحانه : وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ  \[ النحل : ١٣ \]. 
 ذرأ  : معناه : بثَّ ونَشَرَ. و مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ  أي أصنافه، ويحتمل أنْ يكون التنبيهُ على اختلاف الألوان من حُمْرةٍ وصُفْرةٍ وغير ذلك، والأول أبْيَنُ.

### الآية 16:14

> ﻿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [16:14]

وقوله سبحانه : وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  \[ النحل : ١٤ \]. 
 البَحْر  : الماءُ الكثيرُ، ملْحاً كان أو عَذْباً. 
قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : قولُهُ تعالى : وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  : يعني به اللؤلُؤَ والمَرْجان، وهذا امتنان عامٌّ للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيءٌ من ذلك، انتهى. و  مَوَاخِرَ  : جمعَ مَاخِرَة، والمَخْر ؛ في اللغة : الصَّوْت الذي يكون من هبوبِ الريح علَى شيءٍ يشقُّ أو يصحب في الجملة الماءَ ؛ فيترتَّب منه أنْ يكون المَخْر من الريحِ، وأنْ يكون من السفينةِ ونحوها، وهو في هذه الآيةِ من السُّفُنِ، وقال بعضُ النحَاةِ : المَخْر ؛ في كلامِ العرب : الشَّقُّ، يقال : مَخَرَ المَاءُ الأَرْضَ، وهذا أيضاً بيِّن أن يقال فيه للفلْكِ مَوَاخِر.

### الآية 16:15

> ﻿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [16:15]

وقوله : وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  \[ النحل : ١٥ \]. 
يحتملُ : تهتدون فِي مَشْيِكم وتصرُّفَكُمْ في السُّبُل، ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها.

### الآية 16:16

> ﻿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [16:16]

وعلامات وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ  \[ النحل : ١٦ \]. 
قال ابن عبَّاسٍ : العلامَاتُ : معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ : هدايةُ الليل، وهذا قولٌ حَسَن فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة، وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، و النجم  هنا : اسمُ جنسٍ، وهذا هو الصَّواب.

### الآية 16:17

> ﻿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [16:17]

ورحمته وتنعيمُهُ طريقُهُ، وإِلى ذلك مصيره، و **«طريقٌ قَاصِد»** : معناه: بيِّنٌ مستقيمٌ قريبٌ، والألف واللام في السَّبِيلِ، للعهد، وهي سبيلُ الشرْعِ.
 وقوله: وَمِنْها جائِرٌ: يريد طريقَ اليهودِ والنصارَى وغيرِهِم، فالضمير في مِنْها يعود على السُّبُلُ التي يتضمَّنها معنى الآية.
 وقوله سبحانه: فِيهِ تُسِيمُونَ: يقال: أَسَامَ الرَّجُلُ مَاشِيَتَهُ إِذا أرسلها ترعى.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٣ الى ١٧\]
 وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)
 وقوله سبحانه: وَما ذَرَأَ لَكُمْ: ذرأ: معناه: بثّ ونشر.
 ومُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي أصنافه، ويحتمل أنْ يكون التنبيهُ على اختلاف الألوان من حُمْرةٍ وصُفْرةٍ وغير ذلك، والأول أبْيَنُ.
 وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: البَحْر: الماءُ الكثيرُ، ملْحاً كان أو عَذْباً.
 قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه»** **«١»** : قولُهُ تعالى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها:
 يعني به اللؤلُؤَ والمَرْجان، وهذا امتنان عامٌّ للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيء من ذلك. انتهى. ومَواخِرَ: جمعَ مَاخِرَة، والمَخْر في اللغة: الصَّوْت الذي يكون من هبوبِ الريح علَى شيءٍ يشقُّ أو يصحب في الجملة الماءَ فيترتَّب منه أنْ يكون المَخْر من الريحِ، وأنْ يكون من السفينةِ ونحوها، وهو في هذه الآيةِ من السّفن، وقال بعض النحاة:
 المخر في كلامِ العرب: الشَّقُّ يقال: مَخَرَ المَاءُ الأَرْضَ، وهذا أيضاً بيِّن أن يقال فيه للفلْكِ مَوَاخِر.
 وقوله: وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: يحتملُ: تهتدون في مشيكم وتصرّفكم في السّبل،

 (١) ينظر: **«أحكام القرآن»** (٣/ ١١٤٨).

### الآية 16:18

> ﻿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:18]

وقوله سبحانه : وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  \[ النحل : ١٨ \]. وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّراً عن بعْضها، فلذلك قال عزَّ وجلَّ : لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ، أي : عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها، نحا هذا المنحَى الطبريُّ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ : الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ  \[ النحل : ٢ \]، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله : وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  \[ النحل : ١٨ \] عامَّةٌ لجميع الناس.

### الآية 16:19

> ﻿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [16:19]

ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها. / وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: قال ابن عبَّاسٍ: العلامَاتُ: معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ: هدايةُ **«١»** الليل، وهذا قولٌ حَسَن فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، والنجم هنا: اسم جنس، وهذا هو الصّواب.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٨ الى ٢١\]
 وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)
 وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها... الآية: وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّراً عن بعْضها فلذلك قال عزَّ وجلَّ:
 لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها نحا هذا المنحَى الطبريُّ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ: **«الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ»**، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها. عامَّةٌ لجميع الناس. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي:
 تدعونهم آلهةً، وأَمْواتٌ: يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع أَمْواتٌ على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره: هم أمواتٌ، وقوله: غَيْرُ أَحْياءٍ: أي: لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا اتصفوا بها، وقوله سبحانه: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: أي: وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٥\]
 إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥)
 وقوله سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي:
 مُنْكِرَةٌ اتحاد الإله.
 ت: وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ \[ص: ٥\].

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٥٧١) برقم: (٢١٥٤٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٨٤)، والسيوطي في **«الدر المنثور»**، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.

### الآية 16:20

> ﻿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [16:20]

والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله  \[ النحل ٢٠ \] أي : تدعونهم آلهةً.

### الآية 16:21

> ﻿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [16:21]

و أَمْوَاتٌ  \[ النحل : ٢١ \] يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع  أَمْوَاتٌ  على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره : هم أمواتٌ وقوله : غَيْرُ أَحْيَاءٍ  : أي : لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا اتصفوا بها، . وقوله سبحانه : وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ  : أي : وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.

### الآية 16:22

> ﻿إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [16:22]

وقوله سبحانه : إلهكم إله واحد فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ  \[ النحل : ٢٢ \]. 
أي : مُنْكِرَةٌ اتحاد الإله. 
( ت ) : وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم : أَجَعَلَ الألهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  \[ ص : ٥ \].

### الآية 16:23

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [16:23]

وقوله : لاَ جَرَمَ  \[ النحل : ٢٣ \] عبَّرت فرقةٌ من اللُّغويِّين عن معناها ب**«لاَ بُدَّ ولا محالة »**، وقالت فرقة : معناها : حق أن اللَّه، ومذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ ****«لا »**** نفيٌ لما تقدَّم من الكلامِ، و**«جرم »** : معناه : وَجَبَ أو حَقَّ، ونحوه، هذا مذهبُ الزَّجَّاجِ، ولكنْ مع مذهبهما، ****«لا »**** ملازِمَةٌ ل**«جَرَمَ »** لا تنفَكُّ هذه مِنْ هذه. 
وقوله سبحانه : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين . 
عامٌّ في الكافرين والمؤمنين يأخذ كلُّ أحد منهم بِقِسْطه. 
قال الشيخُ العارفُ باللَّه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي جَمْرَةَ رحمه اللَّه : موتُ النفوسِ حياتُهَا، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْيَا يَمُوتُ ببَذْل أَهْل التوفيقِ نفوسَهُم وهوانِهَا عليهم، نالوا ما نالوا، وبِحُبِّ أهْل الدنيا نفوسَهُم هانوا وطَرَأَ عليهم الهوانُ هنا وهناك، وقد ورد في الحديثِ :**«أنَّه مَا مِنْ عَبْدٍ إِلا وَفِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِنْ تَعَاظَمَ، وارتفع، ضَرَبَ المَلَكُ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ لَهُ : اتضع وَضَعَكَ اللَّهُ، وَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ المَلَكُ، وَقَالَ لَهُ : ارتفع، رَفَعَكَ اللَّهُ »**، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بما به يقرِّبنا إِليه بمنِّهِ. انتهى.

### الآية 16:24

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [16:24]

وقوله سبحانه : وَإِذَا قِيلَ لَهُم  \[ النحل : ٢٤ \] يعني : كفَّار قريشٍ : مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ  الآية، يقال : إِن سببها النضْرُ بْنُ الحارِثِ،

### الآية 16:25

> ﻿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [16:25]

واللام في قوله : لِيَحْمِلُوا  \[ النحل : ٢٥ \] يحتملُ أن تكون لاَم العاقبةِ، ويحتمل أن تكون لامَ كَيْ، ويحتمل أن تكون لام الأمْرِ على معنى الحَتْمِ عليهم، والصَّغَارِ الموجِبِ لهم. 
وقوله سبحانه : وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ  : من  : للتبعيضِ، وذلك أن هذا الرأس المُضِلَّ يحمل وِزْرَ نفسه ووزراً مِنْ وزر كلِّ مَنْ ضلَّ بسببه، ولا ينقُصُ من أوزار أولئك شيْءٌ، والأوزار هي الأثْقَال.

### الآية 16:26

> ﻿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [16:26]

وقوله سبحانه : قَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بنيانهم  \[ النحل : ٢٦ \]. 
قال ابنُ عبَّاس وغيره من المفسِّرين : الإِشارة ب الذين مِن قَبْلِهِمْ  إِلى نَمْرُوذَ الذي بنَى صَرْحاً ؛ ليَصْعَدَ فيه إِلى السماء بزعمه، فلما أَفرَطَ في عُلُوِّه، وطَوَّلَهُ في السماء فَرْسَخَيْنِ على ما حكَى النَّقَّاش، بعث اللَّه عليه ريحاً، فهدَمَتْه، وخَرَّ سقفه عليه، وعلى أتباعه، وقيل : إِن جبريلَ هَدَمَهُ بِجَنَاحِهِ، وألقَى أعلاه في البَحْر، وانجعف من أسفله، وقالت فرقة : المراد ب الذين مِن قَبْلِهِمْ  : جميعُ مَنْ كَفَر من الأمم المتقدِّمة، ومكَر، ونزلَتْ به عقوبةٌ، وقوله على هذا : فَأَتَى الله بنيانهم مِّنَ القواعد  إلى آخر الآية، تمثيلٌ وتشبيهٌ، أي : حالُهم كحَالِ مَنْ فُعِلَ به هذا.

### الآية 16:27

> ﻿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ [16:27]

وقوله : يُخْزِيهِمْ  \[ النحل : ٢٧ \]. 
لفظٌ يعمُّ جميع المكارِهِ التي تَنْزِلُ بهم ؛ وذلك كلُّه راجعٌ إِلى إِدخالهم النَّار، ودخولهم فيها. و تشاقون  : معناه : تحاربون، أي : تكُونُونَ في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ. و الذين أُوتُوا العلم  : هم الملائكةُ فيما قال بعضُ المفسِّرين، وقال يحيى بن سلام : هم المؤمنون. 
قال ( ع ) : والصوابُ أن يعمَّ جميعَ مَنْ آتاه اللَّه عِلْمَ ذلك مِنْ ملائكةٍ وأنبياء وغيرهم، وقد تقدَّم تفسير الخِزْي، وأنه الفضيحةُ المُخْجلة، وفي الحديث :( إِنَّ العَارَ وَالتَّخْزِيَةَ لَتَبْلُغُ مِنَ العَبْدِ فِي المَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يُنْطَلَقَ بِهِ إِلَى النَّارِ وَيَنْجُوَ مِنْ ذَلِكَ المَقَامِ ) أخرجه البغويُّ في **«المسند المنتخب »** له، انتهى. من **«الكوكب الدري »**.

### الآية 16:28

> ﻿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:28]

وقوله سبحانه : الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ  \[ النحل : ٢٨ \]. 
 الذين  : نعتٌ ل  الكافرين  في قول أكْثر المتأوِّلين، و الملائكة  يريد القابضِينَ لأرواحهم. و السلم  هنا : الاستسلام،

### الآية 16:29

> ﻿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [16:29]

واللام في قوله : فَلَبِئْسَ  \[ النحل : ٢٩ \] لامُ تأكيد، وال مَثْوَى  : موضعُ الإِقامة.

### الآية 16:30

> ﻿۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [16:30]

وقوله سبحانه : وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ  \[ النحل : ٣٠ \]. 
لما وصف سبحانه مقالَةَ الكفَّار الذين قالوا : أساطير الأولين  \[ النحل : ٢٤ \] عادل ذلك بذكْرِ مقالةِ المُؤْمِنِين مِنْ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكلِّ فريقٍ ما يستحقُّ، وقولهم : خَيْرًا  جوابٌ بحسبِ السؤالِ، واختلف في قوله تعالى : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا  إلى آخر الآية، هل هو ابتداء كَلاَمٍ أو هو تفسيرٌ ل **«الخير »** الذي أَنْزَلَ اللَّه في الوَحْي على نبِّينا خبراً أنَّ من أحسَنَ في الدنيا بالطَّاعة، فله حسنةٌ في الدنيا ونعيمٌ في الآخرة. 
وروى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال :( إنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ ).

### الآية 16:31

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [16:31]

وقوله سبحانه : جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا  \[ النحل : ٣١ \] تقدَّم تفسيرُ نظيرها،

### الآية 16:32

> ﻿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:32]

و طَيِّبِينَ  \[ النحل : ٣٢ \] عبارةٌ عن صالح حالهم، واستعدادهم للمَوْت، و**«الطَّيِّب »** ؛ الذي لا خُبْثَ معه، وقولُ الملائكة : سلام عَلَيْكُمُ  : بشارةٌ من اللَّه تعالى، وفي هذا المعنَى أحاديثُ صحاحٌ يطول ذكْرها. 
وروى ابن المبارك في **«رقائقه »** عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ قال : إِذا استنقعت نَفْسُ العَبْدِ المؤمن، جاءه مَلَكٌ، فقال : السَلامُ علَيْكَ، وليَّ اللَّهِ، اللَّهُ يُقْرِئ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، ثُمَّ نَزَعَ بهذه الآية : الذين تتوفاهم الملائكة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ  انتهى. 
وقوله سبحانه : بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  : علَّق سبحانه دخولَهُمُ الجَنَّة بأعمالهم من حيثُ جعَلَ الأعمالَ أمارةً لإِدخال العَبْدِ الجنَّةِ، ولا معارَضَةَ بيْنَ الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم :( لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قَالُوا : وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ :( وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَرَحْمَةٍ )، فإِن الآية تردُّ بالتأويل إِلى معنى الحديث. 
قال ( ع ) : ومن الرحمة والتغمُّد أنْ يوفِّق اللَّهُ العبْدَ إِلى أعمالٍ بَرَّة، ومقصِدُ الحديثِ نفْيُ وجوبِ ذلك على اللَّه تعالى بالعَقْل كما ذهب إِليه فريقٌ من المعتزلة.

### الآية 16:33

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [16:33]

وقوله سبحانه : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ  \[ النحل : ٣٣ \]. 
 يَنظُرُونَ  : معناه : ينتظرون، **«وَنَظَرَ »** متى كانَتْ من رؤية العين، فإِنما تعدِّيها العربُ ب**«إِلَى »** ومتَى لم تتعدَّ ب**«إِلى »**، فهي بمعنى **«انتظر »**، ومنها : انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ  \[ الحديد : ١٣ \] ومعنى الكلام : أنْ تأتيهم الملائكةُ لقبض أرواحِهِمْ ظالمِي أنْفُسِهِمْ. وقوله : أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  \[ النحل : ٣٣ \] وعيدٌ يتضمَّن قيامَ الساعة، أو عذابَ الدنيا، ثم ذَكر تعالَى أَنَّ هذا كان فعْلَ الأمم قَبْلهم، فَعُوقِبوا.

### الآية 16:34

> ﻿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [16:34]

وقوله سبحانه : فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا  \[ النحل : ٣٤ \]. 
أي : جزاءُ ذلك في الدنْيَا والآخرة. و حَاقَ  : معناه : نَزَلَ وأحَاطَ.

### الآية 16:35

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [16:35]

وقوله سبحانه : وَقَالَ الذين أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ  \[ النحل : ٣٥ \]. 
تقدَّم تفسير نظيرها في **«الأنعام »**، وقولهم : وَلاَ حَرَّمْنَا  : يريد : من البَحِيرةِ والسَّائبة والوَصِيلة وغير ذلك.

### الآية 16:36

> ﻿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [16:36]

قال ع **«١»** : ومن الرحمة والتغمُّد أنْ يوفِّق اللَّهُ العبْدَ إِلى أعمالٍ بَرَّة، ومقصِدُ الحديثِ نفْيُ وجوبِ ذلك على اللَّه تعالى بالعَقْل كما ذهب إليه فريق من المعتزلة.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٥\]
 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)
 وقوله سبحانه: لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
 : نْظُرُونَ
 : معناه: ينتظرون، و **«نظر»** متى كانَتْ من رؤية العين، فإِنما تعدِّيها العربُ ب **«إِلَى»** ومتَى لم تتعدَّ ب **«إِلى»**، فهي بمعنى **«انتظر»** ومنها: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ \[الحديد: ١٣\]، ومعنى الكلام: أنْ تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم.
 وقوله: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
 : وعيدٌ يتضمَّن قيامَ الساعة، أو عذابَ الدنيا، ثم ذَكر تعالَى أَنَّ هذا كان فعْلَ الأمم قَبْلهم، فَعُوقِبوا.
 وقوله سبحانه: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا: أي: جزاءُ ذلك في الدنيا والآخرة، وحاقَ: معناه: نَزَلَ وأحَاطَ.
 وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ...
 الآية: تقدَّم تفسير نظيرها في **«الأنعام»**، وقولهم: وَلا حَرَّمْنا: يريد: من البحيرة والسّائبة والوصيلة وغير ذلك.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٦ الى ٤٠\]
 وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)

 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٣٩١).

### الآية 16:37

> ﻿إِنْ تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [16:37]

قوله : فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ  \[ النحل : ٣٧ \]. 
وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم :**«لاَ يَهْدِي »** \[ النحل : ٣٧ \] بفتح الياء وكسر الدال، وذلك على معنيين : أيْ : أن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني : أنَّ العربَ تقُولُ : هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.

### الآية 16:38

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [16:38]

وقوله سبحانه : وَأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ  \[ النحل : ٣٨ \]. 
الضمير في  أَقْسَمُوا  لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله : بلى ، فأوجب بذلك البَعْثَ، و أَكْثَرَ النَّاسِ  في هذه الآية : الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.

### الآية 16:39

> ﻿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [16:39]

وقوله سبحانه : لِيُبَيِّنَ  \[ النحل : ٣٩ \]. 
التقدير : بلى  يبعثه ؛  ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه .

### الآية 16:40

> ﻿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [16:40]

وقوله سبحانه : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ  \[ النحل : ٤٠ \]. 
المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.

### الآية 16:41

> ﻿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [16:41]

وقوله سبحانه : والذين هَاجَرُوا فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا  \[ النحل : ٤١ \]. 
هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية ؛ لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة خارجَ السبْعِ :**«لَنُثْوِيَنَّهُمْ »**، واختلف في معنى ال حَسَنَةً  هنا، فقالتْ فرقة : الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامَّة في كلِّ أمْرٍ مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه : أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له : خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في  يَعْلَمُونَ  عائدٌ على كفار قريشٍ.

### الآية 16:42

> ﻿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [16:42]

وقوله : الذين صَبَرُوا  : من صفة المهاجرين.

### الآية 16:43

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [16:43]

وقوله تعالى : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ  \[ النحل : ٤٣ \]. 
هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذين استبعدوا أنْ يبعث اللَّه بشراً رسولاً، ثم قال تعالَى : فاسئلوا ، أي : قلْ لهم : فاسئلوا ، و  أَهْلَ الذكر  هنا : أحبارِ اليهودِ والنصارَى، قاله ابن عباس وغيره، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وإخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.

### الآية 16:44

> ﻿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [16:44]

وقوله : بالبينات  \[ النحل : ٤٤ \] متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره : أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة : الباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنَا  في أول الآية، والتقدير على هذا : وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالاً، ففي الآية تقديمٌ وتأخير، و الزبر  : الكُتُبُ المزبورة. 
وقوله سبحانه : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . 
( ت ) : وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده. 
قال عِياضٌ في **«شِفَاهُ »** : وأما كلامُهُ صلى الله عليه وسلم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً ؛ كقوله :( المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ )، وقوله :( النَّاسُ كَأَسْنَانِ المِشْطِ )، و ( المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ )، و ( لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ )، و( النَّاسُ مَعَادِنٌ )، و ( مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ )، و ( المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ، و ( هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم )، و ( رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شَرٍّ فَسَلِمَ )، وقوله :( أَسْلِمْ تَسْلَمْ )، و( أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ )، و( إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقاً، المُوطَّؤُونَ أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ )، وقوله :( لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ )، وقوله :( ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ) وَنَهْيُهُ عَنْ ( قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ ). 
وقوله :( اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وَأَتْبِع السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ ) و ( خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها )، وقوله :( أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا )، وقوله :( الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة )، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه :( اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمَنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاء )، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روتْهُ الكافَّة عن الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله :( السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ ) في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حِكَمِها، وقال صلى الله عليه وسلم :( بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ )، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ. انتهى، وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.

### الآية 16:45

> ﻿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [16:45]

وقوله سبحانه : أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُوا السيئات  \[ النحل : ٤٥ \]. 
تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا  وعُدِّيَ  مَكَرُوا  لأنه في معنى عملوا،

### الآية 16:46

> ﻿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [16:46]

قال البخاريُّ : قال ابن عباس : فِي تَقَلُّبِهِمْ  \[ النحل : ٤٦ \] في اختلافهم انتهى. 
وقال المهدويُّ : قال قتادة : فِي تَقَلُّبِهِمْ  : في أسفارهم الضَّحَّاك : فِي تَقَلُّبِهِمْ  : باللْيلِ انتهى.

### الآية 16:47

> ﻿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [16:47]

وقوله : على تَخَوُّفٍ  \[ النحل : ٤٧ \]. 
أي على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال : يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ : اللَّهُ أَكْبَرُ !  أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ  ومنه قول النابغة :\[ الطويل \]

تَخَّوَفَهُمْ حَتَّى أَذَلَّ سَرَاتَهُمْ  بِطَعْنِ ضِرَارٍ بَعْدَ فَتْحِ الصَّفائِحِوهذا التنقُّص يتَّجه به الوعيدُ على معنيين :
أحدهما : أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخَّوف، أي : أفذاذاً يتنقَّصهم بذلك الشيءَ بعد الشيءِ، ويصيِّرهم إِلى ما أعدَّ لهم من العذاب، وفي هذه الرتبةِ الثالثة مِنَ الوعيدِ رأْفَةٌ ورحمةٌ وإِمهال ليتوبَ التائِبُ، ويرجِعَ الرَّاجع، والثاني : ما قاله الضَّحَّاك : أنْ يأخذ بالعذابِ طائفةً أو قريةً، ويترك أخرى، ثم كذلك حتَّى يَهْلِكَ الكُلُّ، 
وقالت فرقة :**«التخُّوف »** هنا : من الخْوف، أي : فيأخذهم بعد تخُّوف ينالهم يعذِّبهم به.

### الآية 16:48

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [16:48]

وقوله سبحانه : أَوَ لَمْ يَرَوا إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ يتفيؤُا  \[ النحل : ٤٨ \]. 
قوله : شَيْءٍ يتفيؤُا  لفظٌ عامٌّ في كلِّ شخصٍ وجرْمٍ له ظلٌّ كالجبال والشجر وغير ذلك، وفَاءَ الظِّلُّ رجَعَ، ولا يقالُ : الفيء إلاَّ مِنْ بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكنْ هذه الآية : الاعتبار فيها من أول النَّهار إلى آخره فكأنَّ الآية جاريةٌ في بعْضٍ على تجوُّز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا : رؤيةُ القَلْبُ ولكنَّ الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكونُ في مرئيَّات بالعينِ، و عَنِ اليمين والشمائل  هنا : فيه تجوُّز واتساعٌ. 
وذكَرَ الطبريُّ عن الضَّحِّاك، قال : إذا زالَتِ الشمْسُ، سَجَدَ كلّ شيء قِبَلَ القبْلة من نَبْت أو شجر، ولذلك كان الصالحُونَ يستحبُّون الصلاة في ذلك الوقْت، قال الداوديُّ : وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال :( أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَال تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ في صَلاَةِ السَّحَرِ ) قَالَ :( وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلاَّ يُسَبِّحُ للَّهِ تِلْكَ السَّاعَةَ )، وقرأ : يَتَفَيَّأُ ظلاله  الآية كلُّها انتهى. و**«الدَّاخر »** : المتصاغر المتواضع.

### الآية 16:49

> ﻿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [16:49]

تَخَّوَفَهُمْ حَتَّى أَذَلَّ سَرَاتَهُمْ  بِطَعْنِ ضِرَارٍ بَعْدَ فَتْحِ الصَّفائِحِ **«١»** وهذا التنقُّص يتَّجه به الوعيدُ على معنيين:
 أحدهما: أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخَّوف، أي: أفذاذاً يتنقَّصهم بذلك الشيءَ بعد الشيءِ، ويصيِّرهم إِلى ما أعدَّ لهم من العذاب، وفي هذه الرتبةِ الثالثة مِنَ الوعيدِ رأْفَةٌ ورحمةٌ وإِمهال ليتوبَ التائِبُ، ويرجِعَ الرَّاجع، والثاني: ما قاله الضَّحَّاك: أنْ يأخذ بالعذابِ طائفةً أو قريةً، ويترك أخرى، ثم كذلك حتَّى يَهْلِكَ الكُلُّ **«٢»**.
 وقالت فرقة: **«التخُّوف»** هنا: من الخْوف، أي: فيأخذهم بعد تخُّوف ينالهم/ يعذّبهم به.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٨ الى ٥٣\]
 أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)
 وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣)
 وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ... الآية: قوله: مِنْ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ في كلِّ شخصٍ وجرْمٍ له ظلٌّ كالجبال والشجر وغير ذلك، وفَاءَ الظِّلُّ رجَعَ، ولا يقالُ: الفيء إلاَّ مِنْ بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكنْ هذه الآية:
 الاعتبار فيها من أول النَّهار إلى آخره فكأنَّ الآية جاريةٌ في بعْضٍ على تجوُّز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا: رؤيةُ القَلْبُ ولكنَّ الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكون في مرئيّات بالعين، وعَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ هنا: فيه تجوُّز وآتساعٌ، وذكَرَ **«٣»** الطبريُّ عن الضَّحِّاك، قال: إذا زالَتِ الشمْسُ، سَجَدَ كلّ شيء قِبَلَ القبْلة من نَبْت أو شجر **«٤»** ولذلك كان الصالحُونَ يستحبُّون الصلاة في ذلك الوقت. قال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: **«أربع
 المنثور» (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٣٩٦).
 (٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٠) برقم: (٢١٦٢٦)، وذكره البغوي (٣/ ٧٠) بنحوه، وابن كثير في ****«تفسيره»**** (٢/ ٥٧١) بنحوه، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.
 (٣) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٧/ ٥٩٣).
 (٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٣) برقم: (٢١٣٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٩٨)، وابن كثير في ****«تفسيره»**** (٢/ ٥٧٢)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٢٤)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك. [.....]**

### الآية 16:50

> ﻿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩ [16:50]

وقوله سبحانه : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ  \[ النحل : ٥٠ \]. 
عامٌّ لجميع الحيوانِ، و مِّن فَوْقِهِم  : يريد : فوقية القَدْر والعَظَمة والقَهْر.

### الآية 16:51

> ﻿۞ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [16:51]

تَخَّوَفَهُمْ حَتَّى أَذَلَّ سَرَاتَهُمْ  بِطَعْنِ ضِرَارٍ بَعْدَ فَتْحِ الصَّفائِحِ **«١»** وهذا التنقُّص يتَّجه به الوعيدُ على معنيين:
 أحدهما: أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخَّوف، أي: أفذاذاً يتنقَّصهم بذلك الشيءَ بعد الشيءِ، ويصيِّرهم إِلى ما أعدَّ لهم من العذاب، وفي هذه الرتبةِ الثالثة مِنَ الوعيدِ رأْفَةٌ ورحمةٌ وإِمهال ليتوبَ التائِبُ، ويرجِعَ الرَّاجع، والثاني: ما قاله الضَّحَّاك: أنْ يأخذ بالعذابِ طائفةً أو قريةً، ويترك أخرى، ثم كذلك حتَّى يَهْلِكَ الكُلُّ **«٢»**.
 وقالت فرقة: **«التخُّوف»** هنا: من الخْوف، أي: فيأخذهم بعد تخُّوف ينالهم/ يعذّبهم به.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٤٨ الى ٥٣\]
 أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)
 وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣)
 وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ... الآية: قوله: مِنْ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ في كلِّ شخصٍ وجرْمٍ له ظلٌّ كالجبال والشجر وغير ذلك، وفَاءَ الظِّلُّ رجَعَ، ولا يقالُ: الفيء إلاَّ مِنْ بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكنْ هذه الآية:
 الاعتبار فيها من أول النَّهار إلى آخره فكأنَّ الآية جاريةٌ في بعْضٍ على تجوُّز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا: رؤيةُ القَلْبُ ولكنَّ الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكون في مرئيّات بالعين، وعَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ هنا: فيه تجوُّز وآتساعٌ، وذكَرَ **«٣»** الطبريُّ عن الضَّحِّاك، قال: إذا زالَتِ الشمْسُ، سَجَدَ كلّ شيء قِبَلَ القبْلة من نَبْت أو شجر **«٤»** ولذلك كان الصالحُونَ يستحبُّون الصلاة في ذلك الوقت. قال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: **«أربع
 المنثور» (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٣٩٦).
 (٢) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٠) برقم: (٢١٦٢٦)، وذكره البغوي (٣/ ٧٠) بنحوه، وابن كثير في ****«تفسيره»**** (٢/ ٥٧١) بنحوه، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٢٣)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.
 (٣) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٧/ ٥٩٣).
 (٤) أخرجه الطبري (٧/ ٥٩٣) برقم: (٢١٣٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣٩٨)، وابن كثير في ****«تفسيره»**** (٢/ ٥٧٢)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٢٤)، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك. [.....]**

### الآية 16:52

> ﻿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ [16:52]

وقوله سبحانه : وَلَهُ مَا فِي السموات والأرض  \[ النحل : ٥٢ \]. 
 السموات  هنا : كلُّ ما ارتفع مِنَ الخلق من جهة فَوْق، فيدخل في ذلك العرشُ والكرسيُّ وغيرهما، و الدين  : الطاعة والمُلْك، و**«الواصب »** : الدائم، قاله ابن عباس.

### الآية 16:53

> ﻿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [16:53]

ثم ذكَّر سبحانه بِنِعَمِهِ، ثم ذَكَّر بأوقاتِ المَرَضِ، والتجاء العِباد إِليه سبحانه، و**«الضُّرُّ »**، وإِن كان يعمُّ كل مكروه، فأكثرُ ما يجيء عن أرزاء البَدَنِ، و تَجْئَرُونَ  معناه : ترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرُّع.

### الآية 16:54

> ﻿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [16:54]

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ  \[ النحل : ٥٤ \]. 
ال فَرِيقٌ ، هنا : يراد به المشْرِكُون، الذين يَرَوْن أن للأصنام أفعالاً، من شفاء المرضَى، وجَلْبِ النفعِ، ودفعِ الضرِّ، فهم إِذا شفاهم اللَّهُ، عظَّموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاءَ إِليها.

### الآية 16:55

> ﻿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [16:55]

وقوله سبحانه : لِيَكْفُرُوا  \[ النحل : ٥٥ \] يجوز أنْ تكون اللامُ لامَ الصيرورةِ، ويجوز أن تكونَ لام أمْرٍ على معنى التهديد. 
وقوله : بِمَا آتيناهم  : أي : بما أنعمنا عليهم.

### الآية 16:56

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ۗ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ [16:56]

وقوله سبحانه : وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رزقناهم  \[ النحل : ٥٦ \]، أي : لما لا يعلمون له حُجَّةً، ولا برهاناً، ويحتمل أن يريد بنفي العِلْم الأصنامَ، أي : الجمادات، لا تعلم شيئاً نصيباً، و**«النصيب »** المشار إِليه، هو ما كانَت سَنَّتْه العرب من الذبحِ لأصنامها، والقَسْمِ من الغَلاَّتِ وغيره.

### الآية 16:57

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [16:57]

وقوله سبحانه : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سبحانه  \[ النحل : ٥٧ \]. 
الآية تعديدٌ لقبائحِ الكَفَرة، في قولهم :**«الملائكةُ بناتُ اللَّه »**، تعالَى اللَّه عن قولهم، والمراد بقوله : وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ، الذُّكْرَانُ من الأولاد.

### الآية 16:58

> ﻿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [16:58]

وقوله : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا  \[ النحل : ٥٨ \]، عبارة عما يعلو وجْهَ المغموم. 
قال ( ص ) :**«ظَلَّ »** : تكون بمعنى **«صَارَ »**، وبمعنى **«أقام نهاراً »** على الصفة المسنَدَةِ إِلى اسمها، وتحتمل هنا الوجهين. انتهى. و كَظِيمٌ  : بمعنى : كاظمٍ، والمعنى : أنه يُخْفي وجْدَه وهمَّه بالأنثى.

### الآية 16:59

> ﻿يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [16:59]

ومعنى : يتوارى  \[ النحل : ٥٩ \]، يتغيَّب من القومِ، وقرأ الجَحْدَرِيُّ :**«أَيُمْسِكُهَا أَمْ يَدُسُّها »**، وقرأ الجمهور :**«علَى هُونٍ »**، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ :**«عَلَى هَوَانٍ »**، ومعنى الآية : يُدْبِرُ، أيمسِكُ هذه الأنثَى على هوانٍ يتحمَّله، وهمٍّ يتجلَّد له، أمْ يَئِدُها فيدفنُها حيَّةً، وهو الدسُّ في التراب.

### الآية 16:60

> ﻿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [16:60]

وقوله سبحانه : لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء  \[ النحل : ٦٠ \]. 
قالت فرقة : مَثَلُ  في هذه الآية : بمعنى صفة، أي : لهؤلاء صفَةُ السَّوْء، وللَّه المَثَلُ الأعلى. 
قال ( ع ) : وهذا لا يضطر إِليه ؛ لأنه خروجٌ عن اللَّفْظِ، بل قوله : مَثَلُ  على بابه، فلهم على الإِطلاقِ مَثَلُ السوء في كلِّ سوء، ولا غاية أخزى من عذابِ النارِ، وللَّه سبحانه  الْمَثَلُ الأعلى  على الإِطلاق أيضاً، أي : الكمال المستغْني.

### الآية 16:61

> ﻿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [16:61]

وقوله سبحانه : وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ  \[ النحل : ٦١ \]. 
الضميرُ في **«عليها »** عائدٌ على الأرض، وتَمَكَّنَ ذلك مع أنه لم يَجْرِ لها ذكر لشهرتها، وتمكُّن الإِشارة إِليها، وسمع أبو هريرة رجُلاً يقول :( إِنَّ الظَّالِمَ لاَ يُهْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ )، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : بَلَى، إِنَّ اللَّهَ لَيُهْلِكُ الحُبَارَى في وَكْرِهَا هزلاً، بِذُنُوب الظَّلَمَةِ، ( والأجَلُ المسمَّى ) في هذه الآية : هو بحسبِ شَخْصٍ شخصٍ.

### الآية 16:62

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [16:62]

وقوله : مَا يَكْرَهُونَ  \[ النحل : ٦٢ \]، يريد البنات. 
وقوله سبحانه : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى  : قال مجاهد وقتادة  الحسنى  : الذُّكُور من الأولاد، وقالت فرقةٌ : يريد الجنة. 
قال ( ع ) : ويؤيِّده قوله : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار . وقرأ السبعة سوَى نافعٍ :**«مُفْرَطُونَ »** بفتح الراءِ وخِفَّتِها، أي : مُقَدَّمون إِلى النار، وقرأَ نافع :**«مُفْرِطُونَ »** بكسر الراء المخفَّفة، أي : متجاوِزُونَ الحدَّ في معاصِي اللَّه.

### الآية 16:63

> ﻿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:63]

وقوله سبحانه : تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ  \[ النحل : ٦٣ \]. هذه آية ضرب مثل لهم بمَنْ سَلَف، في ضِمْنها وعيدٌ لهم، وتأنيسٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
وقوله : فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم  : يحتمل أنْ يريد ب اليوم ، يومَ الإِخبار، ويحتملُ أنْ يريد يَوْمَ القيامةِ، أي : وليهم في اليَوْمِ المشهورِ.

### الآية 16:64

> ﻿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [16:64]

وقوله سبحانه : إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ  \[ النحل : ٦٤ \].  لِتُبَيِّنَ  : في موضع المفعولِ من أجلِهِ، أي : إِلا لأجل البيانِ، و  الذي اختلفوا فِيهِ  : لَفْظٌ عامٌّ لأنواعِ كُفْر الكفرة، لكن الإِشارة هنا إِلى تشريكهم الأَصْنَامَ في الإلهية.

### الآية 16:65

> ﻿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [16:65]

ثم أَخَذَ سبحانه يَنصُّ العِبَرَ المؤدِّية إِلى بيان وحدانيته، وعظيمِ قدرَتِهِ، فبدأ بنعمَةِ المَطَر التي هِيَ أَبينُ العبر، وهي مِلاَكُ الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل.

### الآية 16:66

> ﻿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [16:66]

وقوله : مِّمَّا فِي بُطُونِهِ  \[ النحل : ٦٦ \]، الضمير عائد على الجِنْس، وعلى المذكور، وهذا كثيرٌ. 
وقوله سبحانه : سَآئِغًا لِّلشَّارِبِينَ ، **«السائغ »** : السَّهْلُ في الشرْبِ اللذيذُ. 
( ت ) : وعن ابن عبَّاس، قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَاماً، فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَناً، فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزِدْنَا مِنْهُ ). 
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، غَيْرُ اللَّبَنِ )، رواه أبو داود، والترمذيُّ، وابن ماجه، وقال الترمذيُّ، واللفظ له : هذا حديثٌ حسنٌ، انتهى من **«السلاح »**.

### الآية 16:67

> ﻿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [16:67]

وقوله سبحانه : وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا  \[ النحل : ٦٧ \]. 
**«السَّكَر »** : ما يُسْكِرُ، هذا هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس : نزلَتْ هذه الآية قبل تحريمِ الخَمْرِ، وأراد ب**« السَّكَر »** : الخمرَ، وب**«الرِّزْق الحسن »** : جميعَ ما يُشْرَبُ ويؤكل حلالاً من هَاتَيْنِ الشجرتَيْن، فالحَسَنُ هنا : الحلال، وقال بهذا القولِ : ابنُ جُبَيْر وجماعة. 
وصحَّح ابنُ العربيِّ هذا القولِ، ولفظه : والصحيحُ أَنَّ ذلك كان قبل تحريمِ الخَمْرِ، فإِن هذه الآية مكِّيَّة باتفاق العلماء، وتحريمُ الخَمْر مدنيٌّ، انتهى من **«أحكام القرآن »**. وقال مجاهد وغيره : السكر : المائعُ من هاتَيْنِ الشجرتَيْنِ، كالخَلِّ، والرّبِّ، والنَّبِيذِ، والرزقُ الحَسَنُ : العنبُ والتمرُ. 
قال الطبريُّ : والسّكَر أيضاً في كلام العرب : ما يُطْعَم، ورجَّح الطبريُّ هذا القول، ولا مدخَلَ للخَمْر فيه، ولا نَسْخَ في الآية.

### الآية 16:68

> ﻿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [16:68]

وقوله تعالى : وأوحى رَبُّكَ إلى النحل  \[ النحل : ٦٨ \]. 
الوحْيُ في كلام العرب : إلقاء المعنى من المُوحي إلى الموحى إِليه في خفاءٍ، فمنه الوحْيُ إِلى الأنبياء برسالةِ المَلَكِ، ومنه وَحْيُ الرؤيا، ومنه وَحْيُ الإِلهام، وهو الذي في آيتنا باتفاق من المتأوِّلينِ. 
والوحْيُ أيضاً بمعنى الأمر، كما قال تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا  \[ الزلزلة : ٥ \]، وقد جعل اللَّه بيوتَ النحل في هذه الثلاثة الأنواعِ، إمَّا في الجبالِ وكُوَاها، وإِما في متجوَّفِ الأشجار، وإِما فيما يَعْرِض ابنُ آدَمَ من الأَجْبَاحِ والحِيطان، ونحوها، وعَرَشَ : معناه : هيَّأ،

### الآية 16:69

> ﻿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [16:69]

وال سُبُلَ  الطرقُ، وهي مسالكها في الطيران وغيره، و ذُلُلاً  : يحتمل أن يكون حالاً من **«النحل »**، أي : مطيعةً منقادةً، قاله قتادة. قال ابن زَيْد : فهم يخرجون بالنحْل ينتجعون، وهي تتبعهم قرأ : أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما  \[ يس : ٧١ \]، ويحتملُ أنْ يكون حالاً من **«السُّبُل »**، أي : مسَّهلةً مستقيمةً، قاله مجاهد، لا يتوعَّر عليها سبيلٌ تسلُكُه، ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العِبْرة أمْرَ العَسَل في قوله : يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ  \[ النحل : ٦٩ \]، وجمهور الناس على أنَّ العسل يخرُجْ من أفواهِ النَّحْلِ، واختلافُ الألوان في العسل بحسب اختلاف النَّحْلِ والمَرَاعِي، أيُّ والفصول. 
( ت ) : قال الهرويُّ : قوله تعالى : يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ، وذلك أنه يستحيلُ في بطونها، ثم تمجُّه من أفواهها انتهى. 
وقوله : فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ . الضمير للعَسَل، قاله الجمهور. 
قال ابن العربيِّ في **«أحكامه »**، وقد روى الأئمة، واللفظُ للبخاريّ، عن عائشة، قالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الحْلَوَاءَ والعَسَل، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ :( أنَّ رجلاً أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : إنَّ أخِي يَشْتَكي بَطْنَهُ، فَقَالَ :( اسقه عَسَلاً )، ثم أتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ :( اسقه عَسَلاً )، ثُمَّ أتاه فَقَالَ : فَعَلْتُ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ استطلاقا، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ :( صَدَق اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسقه عَسَلاً ) فسَقَاهُ، \[ فَبَرأ \] ). 
وروي أنَّ عوف بنَ مالك الأشْجَعِيَّ مَرِضَ، فقيل له : ألا نُعَالِجُكَ ؟ فَقَالَ : ائتوني بمَاءِ سَمَاءٍ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ : وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاءً مباركا  \[ ق : ٩ \]، وائتوني بعَسَلٍ ؛ فإن اللَّه تعالى يقول : فِيهِ  شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ  \[ النحل : ٦٩ \]، وائتوني بزيت ؛ فإن اللَّه تعالى يقولُ : مِن شَجَرَةٍ مباركة  \[ النور : ٣٥ \]، فجاؤوه بذلك كلِّه فخَلَطَهُ جميعاً، ثم شَرِبَهُ، \[ فبرأَ \] انتهى.

### الآية 16:70

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [16:70]

وقوله سبحانه : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر  \[ النحل : ٧٠ \]. وأرذلُ العَمَر الذي تَفْسُدُ فيه الحواسُّ، ويختلُّ العَقْل، وخص ذلك بالرذيَلةِ، وإن كانَتْ حالة الطُّفُولة كذَلِكَ مِنْ حيثُ كانَتْ هذه لا رَجَاءَ معها، وقال بعضُ الناس : أول أرذَلِ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سنةً، روي ذلك عن علي رضي الله عنه. 
قال ( ع ) : وهذا في الأغْلَبِ، وهذا لا ينحصرُ إِلى مدَّة معيَّنة، وإِنما هو بحَسَبِ إِنسانٍ إِنسانٍ، ورُبَّ مَنْ يكون ابْنَ خمسينَ سنَةً، وهو في أرذلِ عمره، وربَّ ابن تسعينَ ليس في أرذَلِ عمره، واللامُ في : لِكَيْ  يشبه أنْ تكون لامَ الصيرورةِ، والمعنى : ليصير أمره بعْدَ العِلْم بالأشياء إلى ألاَّ يعلم شيئاً، وهذه عبارة عن قلَّة علمه، لا أنه لا يعلم شيئاً البتَّة.

### الآية 16:71

> ﻿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [16:71]

وقوله سبحانه : والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق  \[ النحل : ٧١ \]. 
إخبار يُرَادُ به العِبْرة، وإِنما هي قاعدةٌ بني المثل عليها، والمَثَل هو : أن المفضَّلين لا يصحُّ منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أُعْطُوا حتى تستوي أحوالُهم، فإِذا كان هذا في البَشَر، فكيف تنسبون أيها الكَفَرةُ إلى اللَّه، أنَّه يسمح بأنْ يشرك في الألوهيَّة الأوثانَ والأصْنَامَ وغيرها، ممَّا عُبدَ مِنْ دونه ؟ ! وهم خَلْقُه ومِلْكُه، هذا تأويلُ الطبريِّ، وحكاه عن ابن عباس. قال المفسِّرون : هذه الآية كقوله تعالى : ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُم هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رزقناكم فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ  \[ الروم : ٢٨ \]، ثم وقفهم سبحانه على جَحْدهم بنعمته، في تنبيهه لهم على مِثْلِ هذا، مِنْ مواضِع النظرِ المؤدِّية إلى الإِيمان.

### الآية 16:72

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [16:72]

وقوله سبحانهُ : والله جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  \[ النحل : ٧٢ \]. هذه أيضاً آيةُ تعديدِ نِعَم، **«والأزواجُ »**، هنا : الزوجاتُ، وقوله : مِّنْ أَنفُسِكُمْ  : يحتملُ أن يريد خِلْقَةَ حوَّاء من نَفْس آدم، وهذا قول قتادة، والأَظهَرُ عندي أنْ يريد بقوله : مِّنْ أَنفُسِكُمْ ، أي : مِنْ نوعكم، كقوله : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  \[ التوبة : ١٢٨ \]، وال حَفَدَةً  : قال ابن عباس : هم أولاد البنين، وقال الحسن : هم بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ، وقال مجاهد : ال حَفَدَةً  : الأنصار والأَعْوان، وقيل غير هذا، ولا خلاف أنَّ معنى :**«الحفْدَ »**، الخِدْمَةِ والبِرُّ، والمشْيُ مسرعاً في الطاعة، ومنه في القنوت :**«وإِلَيْكَ نَسْعَى ونحْفِدُ »**، والحَفَدَانُ أيضاً : خَبَبٌ فوق المَشْي.

### الآية 16:73

> ﻿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [16:73]

وائتوني بعَسَلٍ فإن اللَّه تعالى يقول: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وائتوني بزيت فإن اللَّه تعالى يقولُ: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ \[النور: ٣٥\] فجاءوه بذلك كلِّه فخَلَطَهُ جميعاً، ثم شَرِبَهُ، فَبّرأَ انتهى.
 وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وأرذلُ العَمَر الذي تَفْسُدُ فيه الحواسُّ، ويختلُّ العَقْل، وخص ذلك بالرذيَلةِ، وإن كانَتْ حالة الطُّفُولة كذَلِكَ مِنْ حيثُ كانَتْ هذه لا رَجَاءَ معها، وقال بعضُ الناس: أول أرذَلِ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سنةً، روي ذلك عن علي **«١»** رضي الله عنه.
 قال ع **«٢»** : وهذا في الأغْلَبِ، وهذا لا ينحصرُ إِلى مدَّة معيَّنة، وإِنما هو بحَسَبِ إِنسانٍ إِنسانٍ، ورُبَّ مَنْ يكون ابْنَ خمسينَ سنَةً، وهو في أرذلِ عمره، وربَّ ابن تسعينَ ليس في أرذَلِ عمره، واللامُ في لِكَيْ يشبه أنْ تكون لامَ الصيرورةِ، والمعنى: ليصير أمره بعْدَ العِلْم بالأشياء إلى ألاَّ يعلم شيئاً، وهذه عبارة عن قلَّة علمه، لا أنه لا يعلم شيئا البتّة.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧١ الى ٧٤\]
 وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)
 وقوله سبحانه: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ إِخبار يُرَادُ به العِبْرة وإِنما هي قاعدةٌ بني المثل عليها، والمَثَل هو أن المفضَّلين لا يصحُّ منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أُعْطُوا حتى تستوي أحوالُهم، فإِذا كان هذا في البَشَر، فكيف تنسبون أيها الكَفَرةُ إلى اللَّه أنَّه يسمح بأنْ يشرك في الألوهيَّة الأوثانَ والأصْنَامَ وغيرها ممَّا عُبدَ مِنْ دونه، وهم خَلْقُه ومِلْكُه، هذا تأويلُ الطبريِّ، وحكاه عن ابن عباس **«٣»** قال المفسِّرون:
 هذه الآية كقوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٥) برقم: (٢١٧٥٦)، وذكره البغوي (٣/ ٧٦)، وابن عطية (٣/ ٤٠٧)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٣٢)، وعزاه لابن جرير.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٤٠٧).
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٥- ٦١٦) برقم: (٢١٧٥٧)، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٧٦)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٣٢- ٢٣٣)، وعزاه لابن أبي حاتم.

### الآية 16:74

> ﻿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [16:74]

وقوله سبحانه : فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمثال  \[ النحل : ٧٤ \]. 
أي : لا تمثّلوا للَّه الأمثَال، وهو مأخوذٌ من قولك : هذا ضَرِيبُ هَذَا، أي : مثيله، والضَّرْب : النَّوْع.

### الآية 16:75

> ﻿۞ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [16:75]

وقوله تعالى : ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا  \[ النحل : ٧٥ \]. 
الذي هو مثالٌ في هذه الآية هو عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة : هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ، وقال مجاهد والضَّحَّاك : هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ ؛ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام. 
وقوله : الحمد لِلَّهِ  أي : على ظهور الحجَّة.

### الآية 16:76

> ﻿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [16:76]

وقوله سبحانه : وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ  \[ النحل : ٧٦ \]. 
هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له، ولا يَقْدِرُ على شيء، **«والكَلُّ »**، الثقيل المؤُونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ، هو : اللَّه تعالى.

### الآية 16:77

> ﻿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [16:77]

وقوله تعالى : وَمَا أَمْرُ الساعة  \[ النحل : ٧٧ \]. 
المعنى، على ما قاله قتادة وغيره : ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى إِلا أنْ يقول لها : كُنْ، فلو اتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، **«ولمح البصر »**، هو وقوعه على المرئيِّ.

### الآية 16:78

> ﻿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [16:78]

شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ... الآية \[الروم: ٢٨\] ثم وقفهم سبحانه على جَحْدهم بنعمته في تنبيهه لهم على مِثْلِ هذا مِنْ مواضِع النظرِ المؤدِّية إلى الإِيمان.
 وقوله سبحانهُ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً هذه أيضاً آيةُ تعديدِ نِعَم، **«والأزواجُ»** هنا: الزوجاتُ، وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يحتملُ أن يريد خِلْقَةَ حوَّاء من نَفْس آدم، وهذا قول قتادة **«١»** والأَظهَرُ عندي أنْ يريد بقوله مِنْ أَنْفُسِكُمْ، أي: مِنْ نوعكم كقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ \[التوبة: ١٢٨\]، وال حَفَدَةً: قال ابن عباس:
 هم أولاد البنين **«٢»** وقال الحسن: هم بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ **«٣»**، / وقال مجاهد: ال حَفَدَةً الأنصار والأَعْوان **«٤»** وقيل غير هذا، ولا خلاف أنَّ معنى **«الحفْدَ»** الخِدْمَةِ والبِرُّ والمشْيُ مسرعاً في الطاعة ومنه في القنوت: **«وإِلَيْكَ نَسْعَى ونحْفِدُ»**، والحَفَدَانُ أيضاً: خَبَبٌ فوق المَشْي.
 وقوله سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ... الآية: أي: لا تمثّلوا للَّه الأمثَال، وهو مأخوذٌ من قولك: هذا ضَرِيبُ هَذَا، أي: مثيله، والضّرب: النّوع.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٥ الى ٧٨\]
 ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)
 وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً الآية: الذي هو مثالٌ في هذه الآية هو

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٦) برقم: (٢١٧٦٢)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٨)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٣)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٩) برقم: (٢١٧٩٧- ٢١٧٩٨)، وذكره البغوي (٣/ ٧٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٨)، وابن كثير (٢/ ٥٧٧)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٣)، وعزاه لابن أبي حاتم. [.....]
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٨) برقم: (٢١٧٨٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٠٨)، وابن كثير (٢/ ٥٧٧) بنحوه، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٤)، وعزاه لابن جرير.
 (٤) أخرجه الطبري (٧/ ٦١٨) برقم: (٢١٧٨٧)، وذكره البغوي (٣/ ٧٧)، وابن عطية (٣/ ٤٠٨)، وابن كثير (٢/ ٥٧٧).

### الآية 16:79

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [16:79]

وقوله سبحانه : أَلَمْ يَرَوا إلى الطير مسخرات في جَوِّ السماء  \[ النحل : ٧٩ \]. 
الجوُّ : مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل : هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف مَحْتَ.

### الآية 16:80

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [16:80]

و يَوْمَ ظَعْنِكُمْ  \[ النحل : ٨٠ \]، معناه : رَحِيلكم، والأصواف : للضأنِ، والأوبار : للإِبل، **«والأشعار »** : للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ ؛ فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف ؛ إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف. 
قال ابن العربيِّ في **«أحكامه »** عند قوله تعالى : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ  \[ النحل : ٥ \] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه ؛ لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وإشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس **«الصُّوفِيَّةُ »** ؛ لأنه لباسُهم في الغالِب. انتهى. 
**«والأثاث »** : متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة، هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ، وقال غيره :**«الأثَاثُ »** : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه. 
قال ( ع ) : والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعمَّ ؛ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً ؛ كما تقول : شَعْرٌ أثِيثٌ، ونَبَاتٌ أَثِيثٌ، إذَا كَثُر والْتَفّ،

### الآية 16:81

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [16:81]

ال سَرَابِيلَ ، جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَر ؛ إذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً : فذكر أحدهما يدلُّ على الآخر، وعن عمر رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقوُلُ :( مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ : الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَفَ، فَتَصَدَّقَ به كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً ) رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في ****«المستدرك »****. 
وعن عائشة قالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَا اشْتَرى عَبْدٌ ثَوباً بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَار، فحمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ إِلاَّ لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يغِفْرَ اللَّهُ لَهُ )، رواه الحاكمُ في ****«المستدرك »****، وقال : هذا الحديث لا أَعلم في إِسناده أحداً ذكر بجرح. انتهى من **«السلاح »**. والسرابيل التي تقي البأس : هي الدروعُ ونحوها، ومنه قولُ كَعْبِ بنِ زهيرٍ في المهاجِرِينَ :\[ البسيط \]

شُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالٌ لبُوسُهُمُ  مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرَابِيلُوالبأس : مسُّ الحديدِ في الحَرْب، وقرأ الجمهور :**«تُسْلِمُونَ »**، وقرأ ابن عباس :**«تَسْلَمُونَ »** ؛ من السَّلاَمة، فتكون اللفظة مخصوصةً في بأْس الحرْب.

### الآية 16:82

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [16:82]

عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ **«١»**، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب **«٢»**، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.
 وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.
 وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ... الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، **«والكلّ»** الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.
 وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ... الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى **«٣»** إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، **«ولمح البصر»** هو وقوعه على المرئيّ.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٩ الى ٨٣\]
 أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٢٢) برقم: (٢١٨٠٦- ٢١٨٠٧- ٢١٨٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١٠)، وابن كثير (٢/ ٥٧٨) بنحوه، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٤)، وعزاه لابن أبي حاتم ولعبد بن حميد.
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٠)، وابن كثير (٢/ ٥٧٨)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦٢٤) برقم: (٢١٨١٦) بنحوه، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ... الاية: **«الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:
 للإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»** عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ \[النحل: ٥\] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس **«الصُّوفِيَّةُ»** لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.
 **«والأثاث»** متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ **«١»** وقال غيره:
 **«الأثَاثُ»** : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.
 قال ع **«٢»** : والاشتقاق **«٣»** يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: **«الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً «٤»** » رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في **«المستدرك»**، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: **«ما اشترى عبد ثوبا
 (١) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٢).
 (٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤١٢).
 (٣) الاشتقاق هو: نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا، ومغايرتهما في الصيغة، وهو يقابل الجمود ويضاده، وقد اختلف النحاة في الأصل الذي يقع فيه الاشتقاق، وهو ينقسم إلى كبير وصغير.
 ينظر: **«التعريفات»** للجرجاني ص: (٣٧) و **«معجم المصطلحات النحوية والصرفية»** ص: (١١٦).
 (٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥٨) كتاب **«الدعوات»** باب: (١٠٨)، حديث (٣٥٦٠)، وابن ماجه (٢/ ١١٧٨) كتاب **«اللباس»** باب: ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث (٣٥٥٧)، والحاكم (١/ ٥٠٧)، وابن السني في **«عمل اليوم والليلة»** (٢٦٧) من حديث أبي أمامة.**

### الآية 16:83

> ﻿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [16:83]

عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ **«١»**، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب **«٢»**، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.
 وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.
 وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ... الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، **«والكلّ»** الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.
 وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ... الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى **«٣»** إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، **«ولمح البصر»** هو وقوعه على المرئيّ.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٩ الى ٨٣\]
 أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٢٢) برقم: (٢١٨٠٦- ٢١٨٠٧- ٢١٨٠٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤١٠)، وابن كثير (٢/ ٥٧٨) بنحوه، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٤)، وعزاه لابن أبي حاتم ولعبد بن حميد.
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٠)، وابن كثير (٢/ ٥٧٨)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٥)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦٢٤) برقم: (٢١٨١٦) بنحوه، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٣٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ... الاية: **«الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:
 للإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»** عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ \[النحل: ٥\] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس **«الصُّوفِيَّةُ»** لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.
 **«والأثاث»** متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ **«١»** وقال غيره:
 **«الأثَاثُ»** : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.
 قال ع **«٢»** : والاشتقاق **«٣»** يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: **«الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً «٤»** » رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في **«المستدرك»**، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: **«ما اشترى عبد ثوبا
 (١) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٢).
 (٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٣/ ٤١٢).
 (٣) الاشتقاق هو: نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا، ومغايرتهما في الصيغة، وهو يقابل الجمود ويضاده، وقد اختلف النحاة في الأصل الذي يقع فيه الاشتقاق، وهو ينقسم إلى كبير وصغير.
 ينظر: **«التعريفات»** للجرجاني ص: (٣٧) و **«معجم المصطلحات النحوية والصرفية»** ص: (١١٦).
 (٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥٨) كتاب **«الدعوات»** باب: (١٠٨)، حديث (٣٥٦٠)، وابن ماجه (٢/ ١١٧٨) كتاب **«اللباس»** باب: ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث (٣٥٥٧)، والحاكم (١/ ٥٠٧)، وابن السني في **«عمل اليوم والليلة»** (٢٦٧) من حديث أبي أمامة.**

### الآية 16:84

> ﻿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [16:84]

وقوله سبحانه : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا  \[ النحل : ٨٤ \]. 
أي : شاهداً على كُفْرهم وإيمانهم،  ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ ، أي : لا يُؤْذِن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطِن، و يُسْتَعْتَبُونَ ، بمعنى : يُعْتِبُونَ، تقول : أَعْتَبْتُ الرَّجُلَ، إِذَا كَفَيْتَهُ ما عُتِبَ فيه، كما تقول : أشْكَيْتُهُ إِذا كَفَيْتَهُ ما شكا، 
وقال قومٌ : معناه : لا يُسْألونَ أنْ يرجعوا عمَّا كانوا عَلْيه في الدنيا. 
وقال الطبريُّ : معنى : يُسْتَعْتَبُونَ ، يُعْطَوْن الرجوعَ إلى الدنيا فتقع منهم توبةٌ وعمَلٌ، 
( ت ) : وهذا هو الراجحُ، وهو الذي تدلُّ عليه الأحاديثُ، وظواهر الآياتِ في غيرِ ما موضع.

### الآية 16:85

> ﻿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [16:85]

بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَار، فحمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ إِلاَّ لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يغِفْرَ اللَّهُ لَهُ» **«١»** رواه الحاكمُ في **«المستدرك»** وقال: هذا الحديث لا أَعلم في إِسناده أحداً ذكر بجرح. انتهى من **«السلاح»**. والسرابيل التي تقي البأس: هي الدروعُ ونحوها، ومنه قولُ كَعْبِ بنِ زهيرٍ في المهاجِرِينَ: \[البسيط\]

شُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالٌ لبُوسُهُمُ  مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرَابِيلُ **«٢»** والبأس: مسُّ الحديدِ في الحَرْب، وقرأ الجمهور **«٣»** **«تُسْلِمُونَ»** وقرأ ابن عباس **«٤»** :
 **«تَسْلَمُونَ»** من السَّلاَمة، فتكون اللفظة مخصوصةً في بأْس الحرْب.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٤ الى ٨٨\]
 وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)
 وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: شاهداً على كُفْرهم وإيمانهم، ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ، أي: لا يُؤْذِن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطن، ويُسْتَعْتَبُونَ بمعنى: يُعْتِبُونَ تقول: أَعْتَبْتُ الرَّجُلَ، إِذَا كَفَيْتَهُ ما عُتِبَ فيه كما تقول:
 أشْكَيْتُهُ إِذا كَفَيْتَهُ ما شكا.
 وقال قومٌ: معناه: لا يُسْألونَ أنْ يرجعوا عمَّا كانوا عَلْيه في الدنيا.
 وقال الطبريُّ **«٥»** : معنى يُسْتَعْتَبُونَ يُعْطَوْن الرجوعَ إلى الدنيا فتقع منهم توبةٌ وعمَلٌ.
 ت: وهذا هو الراجحُ، وهو الذي تدلُّ عليه الأحاديثُ، وظواهر الآياتِ في غيرِ ما موضع.
 (١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٧).
 (٢) البيت في ديوانه (٢٣).
 والعرانين: الأنوف، وتكون أطراف الأنوف، الواحد منها عرنين.
 والشم: حدة في طرف الأنف مع تشمير.
 (٣) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ٤١٣)، و ****«البحر المحيط»**** (٥/ ٥٠٨).
 (٤) ينظر: **«مختصر الشواذ»** ص: (٧٧)، و ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ٤١٣)، و ****«البحر المحيط»**** (٥/ ٥٠٨)، و **«الدر المصون»** (٤/ ٣٥٣).
 (٥) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٧/ ٦٣٠). [.....]

### الآية 16:86

> ﻿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [16:86]

وقوله سبحانه : وَإِذَا رَءَا الذين أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ  \[ النحل : ٨٦ \]. أي : إِذا رأَوْهم بأبصارِهِمْ،  قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا ، كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيبَ المَعْبُودين. 
وقوله سبحانه : فَألْقَوا إِلَيْهِمُ القول ، الضميرُ في : أَلْقَوا ، للمعبودينَ أنطقهم اللَّه بتكذيب المُشْركين، وقد قال سبحانه في آية أخرى : فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  \[ يونس : ٢٨ \]، انظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها.

### الآية 16:87

> ﻿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [16:87]

وقوله : وَأَلْقَوا إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم  \[ النحل : ٨٧ \]. 
الضمير في : وأَلْقَوا  هنا عائدٌ على **«المشركين »**، و السلم  : الاستسلام.

### الآية 16:88

> ﻿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [16:88]

وقوله تعالى : زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب  \[ النحل : ٨٨ \]. 
رُوِيَ في ذلك عن ابن مسعود، أنَّ اللَّه سبحانَهُ يسلِّط عليهم عَقَارِبَ وحَيَّاتٍ، لها أنيابٌ، كالنَّخْلِ الطِّوال، وقال عَبْيدُ بنُ عُمَيْرٍ : حَيَّات لها أنيابٌ كالنخْلِ ونحو هذا، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن لجهنَّمَ سواحِلَ، فيها هذه الحياتُ وهذه العقاربُ، فيفر الكافرون إلى السَّواحلِ، فتلقاهم هذه الحيَّاتُ والعقاربُ فيفرُّونَ منها إِلى النار، فتَتْبَعهم حَتَّى تجد حَرَّ النار، فتَرْجِع. قال : وهي في أسْرَابٍ.

### الآية 16:89

> ﻿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [16:89]

وقوله سبحانه : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا  \[ النحل : ٨٩ \]، يعني : رسولَها، ويجوز أن يبعَثَ اللَّه شهوداً من الصَّالحين مع الرسُلِ، وقد قال بعضُ الصحابة : إِذا رأَيْتُ أحداً على معصية، فانهه، فإن أطاعك، وإِلاَّ كُنْتَ شاهداً عليه يَوْمَ القيامة. 
وقوله سبحانه : وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا على هَؤُلاءِ ، الإشارة ب**«هؤلاء »**، إلى هذه الأمَّة.

### الآية 16:90

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [16:90]

وقوله عزَّ وجلَّ : إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان  \[ النحل : ٩٠ \]. 
قال ابن مسعود رضي الله عنه : أجمعُ آية في كتاب اللَّهِ هذه الآية، ورُوِيَ عن عثمانَ بْنِ مظعون رضي الله عنه، أنه قال : لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قرأْتُها على أَبي طَالب، فَعجَبَ، وقالَ : يَا آلَ غَالِبٍ، اتَّبِعُوهُ تُفْلِحُوا فو اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ ليأَمرَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ. 
قال ( ع ) : و العَدْلِ ، فعلُ كلِّ مفروضٍ، و الإحسان ، فعلُ كلِّ مندوب إِليه. 
 وَإِيتَآء ذِي القربى  : لفظُ يقتضي صلة الرحِمِ، ويعم جميع إِسداء الخَيْرِ إِلى القرابة. 
و الفحشاء ، الزنا، قاله ابن عبَّاس، ويتناولَ اللفْظُ سائر المعاصِي التي شِنْعَتُهَا ظاهرة.  والمنكر ، أعمُّ منه ؛ لأنه يعمُّ جميع المعاصي والرذائلِ، والأذايات على اختلاف أنواعها، و البغي ، هو إنشاء ظُلْم الإِنسان، والسعاية فيه.

### الآية 16:91

> ﻿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [16:91]

و كفيلا  \[ النحل : ٩١ \]، معناه متكفلا بوفائكم، وباقي الآي بين.

### الآية 16:92

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [16:92]

وقوله سبحانه : وَلاَ تَكُونُوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا  \[ النحل : ٩٢ \]. شَبَّهت هذه الآيةُ الذي يَحْلِفُ أو يعاهِدُ ويُبْرِمُ عَقْده، بالمرأة تغزِلُ غزْلها وتفتِله مُحْكماً، ثم تنقُضُ قُوَى ذلك الغَزْلِ، فتحلُّه بعد إِبرامه. 
و أنكاثا ، نصبٌ على الحالِ، **«والنَّكْث »** النقْصُ، والعربُ تقولُ : انْتَكَثَ الحَبْلُ، إِذا انتقضَتْ قواه، و**«الدَّخَلُ »**، الدَّغَل بعينه، وهو الذرائِعُ إِلى الخدْع والغدر، وذلك أن المحلوُفَ له مطمئنٌّ، فيتمكنُ الحالفُ مِنْ ضَرَره بما يريدُ. 
وقوله سبحانه : أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ، المعنى : لا تنقضوا الأيمان مِنْ أجْل أنْ تكونَ قبيلةٌ أزَيدَ من قبيلةٍ في العَدَد والعزَّة والقوَّة، و يَبْلُوكُمُ ، أي : يختبركم، والضميرُ في :**«به »** يحتمل أنْ يعود على **«الرِّبَا »**، أي : أنَّ اللَّه ابتلى عباده بالربا، وطَلَبِ بعضهم الظُّهُورَ على بعضٍ، واختبرهم بذلك ؛ ليرى مَنْ يجاهد بنفسِهِ، ممَّن يتَّبِعُ هواها، وباقي الآية وعيدٌ بيوم القيامة.

### الآية 16:93

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:93]

فانهه، فإن أطاعك، وإِلاَّ كُنْتَ شاهداً عليه يَوْمَ القيامة.
 وقوله سبحانه: وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ الإشارة ب **«هؤلاء»** إلى هذه الأمَّة.
 وقوله عزَّ وجلَّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ... الآية: قال ابن مسعود رضي الله عنه: أجمعُ آية في كتاب اللَّهِ هذه الآية **«١»**، وروي عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه، أنه قال: لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قرأْتُها على أبي طالب، فعجب، وقال: يا آل غالب، اتّبعوه تفلحوا فو الله، إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ ليأَمرَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ **«٢»**.
 قال ع **«٣»** : والعدل فعل كلّ مفروض، والْإِحْسانِ فعل كلّ مندوب إليه، وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى: لفظُ يقتضي صلة الرحِمِ، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، والْفَحْشاءِ الزنا قاله ابن عبَّاس **«٤»** ويتناولَ اللفْظُ سائر المعاصِي التي شِنْعَتُهَا ظاهرة، وَالْمُنْكَرِ أعمُّ منه لأنه يعمُّ جميع المعاصى والرذائلِ، والإذاءات على اختلاف أنواعها، والْبَغْيِ هو إنشاء ظُلْم الإِنسان، والسعاية فيه، وكَفِيلًا معناه: متكفّلا بوفائكم، وباقي الآية بيّن.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٢ الى ٩٣\]
 وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)
 وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها... الآية: شَبَّهت هذه الآيةُ الذي يَحْلِفُ أو يعاهِدُ ويُبْرِمُ عَقْده، بالمرأة تغزِلُ غزْلها وتفتِله مُحْكماً، ثم تنقُضُ قُوَى ذلك الغَزْلِ، فتحلُّه بعد إبرامه، وأَنْكاثاً نصب على الحال، و **«النّكث»** النقض، والعربُ تقولُ انْتَكَثَ الحَبْلُ، إِذا انتقضَتْ قواه، و **«الدَّخَلُ»** الدَّغَل بعينه، وهو الذرائِعُ إِلى الخدع والغدر،

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٣٥) برقم: (٢١٨٦٨- ٢١٨٦٩) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٨٢)، وابن عطية (٣/ ٤١٥)، وابن كثير (٢/ ٥٨٢)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٤١)، وعزاه لسعيد بن منصور والبخاري، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي.
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ٤١٦)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٤١)، وعزاه لابن النجار من طريق العكلي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب.
 (٣) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٤١٦).
 (٤) أخرجه الطبري (٧/ ٦٣٤) برقم: (٢١٨٦٥)، وذكره البغوي (٣/ ٨٢)، وابن عطية (٣/ ٤١٦)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٤/ ٢٤١)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.

### الآية 16:94

> ﻿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [16:94]

وقوله سبحانه : وَلاَ تَتَّخِذُوا أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ  \[ النحل : ٩٤ \]. **«الدَّخَل »** كما تقدَّم : الغوائلُ والخدائعُ، وكرَّر مبالغةً، قال الثعلبيُّ : قال أبو عُبَيْدة : كلُّ أمْرٍ لم يكنْ صحيحاً فهو دَخَل، انتهى. 
وقوله : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ، استعارةٌ للمستقيم الحال يقع في شرٍّ عظيم.

### الآية 16:95

> ﻿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [16:95]

وقوله سبحانه : وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً  \[ النحل : ٩٥ \]. 
هذه آية نهي عن الرُّشَا، وأخْذِ الأموال، ثم أخبر تعالى أنَّ ما عنده مِنْ نعيمِ الجنَّة، ومواهب الآخرة خَيْرٌ لمن اتقى وعَلِمَ واهتدى،

### الآية 16:96

> ﻿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [16:96]

ثم بيَّن سبحانه الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة، بأنَّ هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عَنْها، ومِنَن الآخرةِ باقيةٌ دائمةٌ، و صَبَرُوا ، معناه : عن الشهوات على مكاره الطاعاتِ، وهذه إشارةٌ إلى الصبر عن شَهْوَةِ كَسْب المال بالوجوهِ المكْرُوهة.

### الآية 16:97

> ﻿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [16:97]

واختلف النَّاسُ في معنى :**«الحياة الطَّيِّبة »**، فقال ابن عباس : هو الرزقُ الحَلاَل. وقال الحسن وعلي بن أبي طالب : هي القناعة. 
قال ( ع ) : والذي أقولُ به أنَّ طِيبَ الحياةِ اللازمَ للصالحين، إِنما هو بنَشَاطِ نفوسهم ونُبْلها وقُوَّةَ رَجَائِهم، والرَّجَاءُ للنَّفْس أمرٌ مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عَنْهم، فإِن انَضَافَ إِلى هذا مَالٌ حلالٌ، وصِحَّةٌ أو قناعةٌ، فذلك كمالٌ، وإِلا فالطِّيبُ فيما ذكرناه رَاتِبٌ. 
وقوله سبحانه : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ  \[ النحل : ٩٧ \]. 
وعْدٌ بنعيمِ الجنَّة، قال أبو حَيَّان : وروي عن نافع :**«ولَيَجْزِيَنَّهُمْ »** بالياء ؛ التفاتاً من ضمير المتكَلِّم إِلى ضمير الغَيْبة، وينبغي أنْ يكون على تقدير قسَمٍ ثانٍ لا معطوفاً على :**«فَلَنُحْيِيَنَّهُ »**، فيكون مِنْ عطف جملةٍ قَسَمِيَّة على جملةٍ قَسَمِيَّة، وكلتاهما محذوفةٌ، وليس من عطفِ جوابٍ، لتغاير الإسناد، انتهى.

### الآية 16:98

> ﻿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [16:98]

وقوله سبحانه : فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله  \[ النحل : ٩٨ \]. 
التقدير : فإذا أخذُتَ في قراءة القُرآن، والاستعاذةُ ندْب، وعن عطاء أنَّ التعُّوذ واجبٌ، ولفظ الاستعاذة هو على رتبة هذه الآية، والرجيم : المرْجُوم باللَّعْنة، وهو إبليس.

### الآية 16:99

> ﻿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [16:99]

ثم أخبر تعالى أنَّ إبليسَ ليس له مَلَكةٌ ولا رئاسة، هذا ظاهرُ السُّلْطان عندي في هذه الآية، وذلك أن السلطان إنْ جعلناه الحجَّةَ، فَلَيْسَ لإبليس حجة في الدنيا على أحد لا على مؤمنٍ ولا على كافر، إلا أنْ يتأول متأوِّل : ليس له سلطانٌ يوم القيامة، فيستقيمُ أنْ يكون بمعنى الحُجَّة ؛ لأن إبليس له حُجَّة على الكافرين أنَّه دعاهم بغير دَلِيل، فاستجابوا له من قِبَلِ أنفسهم.

### الآية 16:100

> ﻿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [16:100]

و يَتَوَلَّوْنَهُ  \[ النحل : ١٠٠ \]، معناه : يجعلونه وليًّا، والضمير في **«به »** يحتملُ أن يعود على اسم اللَّه عزَّ وجلَّ، والظاهر أنه يعودُ على اسْمِ العدوِّ الشيطانِ، بمعنى : مِنْ أجله، وبسببه، فكأنه قال : والَّذِينَ هم بَسَبِبه مشركُونَ باللَّه، وهذا الإخبار بأنْ لا سلطانَ للشيطانِ على المؤمنين بَعقِبِ الأَمر بالاستعاذة يقتضي أن الاستعاذةَ تصرْفُ كيده، كأنها متضمِّنة للتوكُّل على اللَّه، والانقطاع إِليه.

### الآية 16:101

> ﻿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [16:101]

وقوله سبحانه : وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ والله  \[ النحل : ١٠١ \]. 
يعني بهذا التبديل، النَّسْخَ،  إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بل ، أي : قال كفَّار مكَّةَ.

### الآية 16:102

> ﻿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [16:102]

و رُوحُ القدس  : هو جبريلُ بلا خلاف.

### الآية 16:103

> ﻿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [16:103]

وقوله سبحانه : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  \[ النحل : ١٠٣ \]. 
قال ابن عباس : كان بمكَّة غلامٌ أعجميٌّ لبعض قريشٍ يقال له :**«بلعام »**، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعلِّمه الإِسلام، ويرُومُهُ عليه، فقال بعضُ الكفَّار هذا يُعلِّم محمَّداً، وقيل : اسمُ الغلام **«جبر »**، وقيل : يَسار، وقيل : يَعيش، والأعجميُّ هو الذي لا يتكلَّم بالعربية، وأما العَجَمِيُّ، فقد يتكلَّم بالعربيَّة، ونسبته قائمة. 
وقوله : هذا  إشارة إلى القرآن والتقدير : وهذا سَرْدُ لسانٍ، أو نطقُ لِسانٍ.

### الآية 16:104

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:104]

باللَّه، وهذا الإخبار بأنْ لا سلطانَ للشيطانِ على المؤمنين بَعقِبِ الأَمر بالاستعاذة- يقتضي أنْ الاستعاذةَ تصرْفُ كيده، كأنها متضمِّنة للتوكُّل على الله، والانقطاع إليه.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠١ الى ١٠٤\]
 وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
 وقوله سبحانه: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ يعني بهذا التبديل النَّسْخَ، قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ: أي قال كفّار مكّة، ورُوحُ الْقُدُسِ: هو جبريلُ بلا خلاف.
 وقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال ابن عباس: كان بمكَّة غلامٌ أعجميٌّ لبعض قريشٍ يقال له: **«بلعام»**، فكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُعلِّمه الإِسلام، ويرُومُهُ عليه، فقال بعضُ الكفَّار هذا يُعلِّم محمَّداً، وقيل: اسمُ الغلام **«جبر»**، وقيل: يَسار، وقيل: يَعيش، والأعجميُّ هو الذي لا يتكلَّم بالعربية، وأما العَجَمِيُّ، فقد يتكلَّم بالعربيَّة، ونسبته قائمة **«١»**.
 وقوله: وَهذا إشارة إلى القرآن والتقدير: وهذا سَرْدُ لسانٍ، أو نطقُ لسان.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٦\]
 إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)
 وقوله/ سبحانه: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ: بمعنى: إنما يكذب، وهذه مقاومة للذين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ \[النحل: ١٠١\]، ومَنْ في قوله مَنْ كَفَرَ بدلٌ مِنْ قوله: الْكاذِبُونَ، فروي: أن قوله سبحانه: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ يراد به مِقْيَسُ بنُ ضَبَابَةَ وأشباهه ممَّن كان آمن، ثم ارتد باختياره مِنْ غيرِ إِكراه.
 وقوله سبحانه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ، أي: كبلالٍ وعمّار بن ياسر وأمّه وخبّاب وصهيب

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٤٨) برقم: (٢١٩٣٣) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٨٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢١)، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٨٥) بنحوه، وذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٤/ ٣٤٧)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف. [.....]

### الآية 16:105

> ﻿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [16:105]

وقوله سبحانه : إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب  \[ النحل : ١٠٥ \]. 
بمعنى : إنما يكْذِبُ، وهذه مقاومةٌ للذين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : أَنتَ مُفْتَرٍ بل  \[ النحل : ١٠١ \]، ومَنْ في قوله : مَن كَفَرَ  \[ النحل : ١٠٦ \]، بدلٌ مِنْ قوله : مطمئن ، فروي : أن قوله سبحانه : وأولئك هُمُ الكاذبون  \[ النحل : ١٠٥ \]، يراد به : مِقْيَسُ بنُ ضَبَابَةَ وأشباهه ممَّن كان آمن، ثم ارتد باختياره مِنْ غيرِ إِكراه.

### الآية 16:106

> ﻿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [16:106]

وقوله سبحانه : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ  \[ النحل : ١٠٦ \]. 
كبلالٍ وَعمَّارِ بنِ يَاسِرٍ وأمِّهِ وخَبَّابٍ وصُهَيْبٍ وأشباههم ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروى : أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، ويروى أن عمَّار بنَ ياسِرٍ شكَا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القولِ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم :**«كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ »**، قالَ : أَجدُهُ مُطْمِئَناً بالإِيمَانِ، قَالَ :( فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ ؛ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ ). 
وقوله سبحانه : ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ، معناه : انبسط إلى الكفر باختياره. 
( ت ) : وقد ذكر ( ع ) هنا نَبَذاً من مسائِلِ الإِكراه، تركْتُ ذلك خشية التطويل، وإن محلُّ بسطها كُتُبُ الفقْهِ.

### الآية 16:107

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [16:107]

وقوله سبحانه : ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة  \[ النحل : ١٠٧ \]. 
 ذلك  إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في :" أنهَمَ "، لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْراً.

### الآية 16:108

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [16:108]

وأشباههم ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروى: أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك **«١»**، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، ويروى أن عمَّار بنَ ياسر شكا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القول، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: **«كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ»** قالَ:
 أَجدُهُ مُطْمِئَناً بالإِيمَانِ، قَالَ: **«فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ»** **«٢»**.
 وقوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً معناه: انبسط إلى الكفر باختياره.
 ت: وقد ذكر ع **«٣»** هنا نَبَذاً من مسائل الإكراه، تركت ذلك خشية التطويل، وإذ محلّ بسطها كتب الفقه.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٩\]
 ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)
 وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ... الآية: ذلِكَ إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في أنهَمَ لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْراً.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٠ الى ١١١\]
 ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)
 وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا... الآية: قال ابنُ

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥١) برقم: (٢١٩٤٤- ٢١٩٤٥- ٢١٩٤٦)، وذكره البغوي (٣/ ٨٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٢- ٤٢٣) بنحوه، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٨٧) بنحوه، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٤٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك بنحوه.
 (٢) أخرجه الطبري في **«تفسيره»** (٧/ ٦٥١) برقم: (٢١٩٤٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٧) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه به.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والحديث ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٤٨)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في **«الدلائل»**.
 (٣) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٤٢٤).

### الآية 16:109

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [16:109]

وأشباههم ممَّن كان يُؤْذَى في اللَّه سبحانه، فربَّما سامَحَ بعضُهم بما أراد الكَفَّارُ من القَوْل لِمَا أصابه من تَعْذيبِ الكفرة، فيروى: أنَّ عَمَّار بْنَ ياسِرٍ فعَلَ ذلك **«١»**، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقيَّة الرخْصَةِ عامَّة في الأمرْ بَعْده، ويروى أن عمَّار بنَ ياسر شكا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما صُنعَ به مِنَ العذاب، وما سَامَحَ به من القول، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: **«كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ»** قالَ:
 أَجدُهُ مُطْمِئَناً بالإِيمَانِ، قَالَ: **«فأجِبْهُمْ بِلِسَانِكَ فإِنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإِن عادُوا فَعُدْ»** **«٢»**.
 وقوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً معناه: انبسط إلى الكفر باختياره.
 ت: وقد ذكر ع **«٣»** هنا نَبَذاً من مسائل الإكراه، تركت ذلك خشية التطويل، وإذ محلّ بسطها كتب الفقه.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٩\]
 ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)
 وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ... الآية: ذلِكَ إشارةٌ إِلى الغضب، والعَذَاب الذي تُوُعِّدَ به قبل هذه الآية، والضمير في أنهَمَ لَمِنْ شرح بالكُفَرُ صدْراً.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٠ الى ١١١\]
 ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)
 وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا... الآية: قال ابنُ

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥١) برقم: (٢١٩٤٤- ٢١٩٤٥- ٢١٩٤٦)، وذكره البغوي (٣/ ٨٦)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٢- ٤٢٣) بنحوه، وذكره ابن كثير (٢/ ٥٨٧) بنحوه، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٤٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك بنحوه.
 (٢) أخرجه الطبري في **«تفسيره»** (٧/ ٦٥١) برقم: (٢١٩٤٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٧) من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه به.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والحديث ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٤٨)، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في **«الدلائل»**.
 (٣) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٤٢٤).

### الآية 16:110

> ﻿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:110]

وقوله سبحانه : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا  \[ النحل : ١١٠ \]. 
قال ابنُ إسحاق : نزلَتْ هذه الآية في عَمَّار بنَ ياسِرٍ، وعَيَّاشِ بنِ أبيَ رَبيَعَةَ، والوليدِ بنِ الوليد. 
قال ( ع ) : وذِكْرُ عَمَّارٍ في هذا عنْدي غيْرُ قويمٍ، فإنَهُ أرَفَعُ من طبقة هؤلاءِ، وإِنما هؤلاء مَنْ تَابَ ممَّن : شرَحَ بالكُفْرِ صدراً  \[ النحل : ١٠٦ \]، فتح اللَّه له بابَ التوبة في آخر الآية، وقال عكرمةُ والحَسَن : نزلَتْ هذه الآية في شَأنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي سَرْحٍ وأشباهه، فكأنه يقول : مِنْ بَعْدِ ما فَتَنَهم الشَّيطانُ، وهذه الآية مدنية بلا خلافٍ، وإِن وجد، فهو ضعيفٌ، وقرأ الجمهور :**«مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا »** \[ النحل : ١١٠ \] مبني للمفعول، وقرأ ابن عامر وحْده :**«مَنْ بَعْدِ ما فَتَنُوا »** بفتح الفاء والتاء، أي : فَتَنُوا أنفسهم، والضمير في : بَعْدِهَا ، عائدٌ على الفِتْنَةِ، أو على الفَعْلة، أو الهجْرةُ، أو التوبة، والكلامُ يعطيها، وإن لم يَجْر لها ذكْرٌ صريُحُ.

### الآية 16:111

> ﻿۞ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [16:111]

وقوله : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ  \[ النحل : ١١١ \]. 
المعنى لغفورٌ رحيمٌ، **«ونَفْس »** الأولى : هي النفْسُ المعروفةُ، والثانية : هي بمعنى الذَّاتِ. 
( ت ) : قال المهدويُّ : يجوز أنْ ينتصب  يَوْمَ ، على تقدير : لغَفُورٌ رحيمٌ يَوْمَ، فلا يوقَفُ على  رَّحِيمٌ . 
وقال ( ص ) : يَوْمَ ، تأتي ظرفٌ منصوبٌ ب : رَّحِيمٌ ، أو مفعولٌ به ب :**«اذكر »** انتهى. وهذا الأخير أظهر، والله أعلم. 
وقوله سبحانه : وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ، أي : يجازي كلُّ منْ أحْسَن بإحسانه، وكلُّ من أساء بإِساءته.

### الآية 16:112

> ﻿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [16:112]

وقوله سبحانه : وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً  \[ النحل : ١١٢ \]. 
قال ابن عبَّاس : القرية هنا مكَّة، والمراد الضمائر كلِّها في الآيةِ أهْلُ القرية، ويتوجَّه عنْدِي في الآيةُ أنها قُصِدَ بها قريةٌ غير معَّينة جُعِلَتْ مثلاً لمكَّة، على معنى التحذير، لأهلها ولغيرها مِنَ القُرَى إِلى يوم القيامة، وهو الذي يُفْهَمُ من كلام حَفْصَةَ أمِّ المؤُمنين، و **«أَنعَم »** جمع نِعْمة. 
وقوله سبحانه : فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف  استعاراتٌ، أي : لما باشرهم ذلك، صار كاللِّباس.

### الآية 16:113

> ﻿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [16:113]

والضميرُ في  جَاءَهُمْ  \[ النحل : ١١٣ \] لأهل مكَّة، والرسولُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، و العذاب  : الجوعُ وأَمْرُ بَدْرٍ ونحو ذلك، إن كانت الآية مدنيةً، وإن كانَتْ مكِّية، فهو الجوع فقطْ.

### الآية 16:114

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [16:114]

وقوله سبحانه : فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيِّباً  \[ النحل : ١١٤ \]. هذا ابتداءُ كلامٍ آخر، أي : وأنتم أيها المؤمنون، لستُمْ كهذه القريةِ فكُلُوا واشْكُروا اللَّه على تباين حَالِكم، من حال الكَفَرة، وقوله : حلالا ، حالٌ، وقوله : طَيِّباً  : أي : مستَلَذًّا إذ فيه ظهورُ النعمةِ، ويحتمل أن يكون **«الطَّيْب »**، بمعنى الحلالِ، كُرِّر مبالغة وتَأكيداً.

### الآية 16:115

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [16:115]

إسحاق: نزلَتْ هذه الآية في عَمَّار بنَ ياسِرٍ، وعَيَّاشِ بنِ أبيَ رَبيَعَةَ، والوليدِ بنِ الوليد **«١»**.
 قال ع: وذِكْرُ عَمَّارٍ في هذا عنْدي غيْرُ قويمٍ، فإنَهُ أرَفَعُ من طبقة هؤلاءِ، وإِنما هؤلاء مَنْ تَابَ ممَّن شرَحَ بالكُفْرِ صدراً، فتح اللَّه له بابَ التوبة في آخر الآية **«٢»**، وقال عكرمةُ والحَسَن: نزلَتْ هذه الآية في شَأنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي سَرْحٍ وأشباهه **«٣»** فكأنه يقول:
 مِنْ بَعْدِ ما فَتَنَهم الشَّيطانُ، وهذه الآية مدنية بلا خلافٍ، وإِن وجد، فهو ضعيفٌ، وقرأ **«٤»** الجمهور: **«مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا»** مبنيًّا للمفعول، وقرأ ابن عامر وحْده: **«مَنْ بَعْدِ ما فَتَنُوا»** - بفتح الفاء والتاء أي فَتَنُوا أنفسهم، والضمير في بَعْدِها عائدٌ على الفِتْنَةِ، أو على الفَعْلة، أو الهجْرةُ، أو التوبة، والكلامُ يعطيها، وإن لم يَجْر لها ذكْرٌ صريُحُ.
 وقوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ: المعنى لغفورٌ رحيمٌ يوم، **«ونَفْس»** الأولى: هي النفْسُ المعروفةُ، والثانية هي بمعنى الذَّاتِ.
 ت: قال المهدويُّ: يجوز أنْ ينتصب يَوْمَ على تقدير لغَفُورٌ رحيمٌ يَوْمَ، فلا يوقَفُ على رَحِيمٌ.
 وقال ص: يَوْمَ تأتي ظرفٌ منصوبٌ ب رَحِيمٌ أو مفعولٌ به باذكر انتهى، وهذا الأخير أظهر، والله أعلم.
 وقوله سبحانه: وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ، أي: يجازي كلُّ منْ أحْسَن بإحسانه، وكلُّ من أساء بإساءته.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٢ الى ١١٥\]
 وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥٤) برقم: (٢١٩٥٤)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٥)، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٥١)، وعزاه لابن جرير، عن ابن إسحاق بنحوه.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٤٢٥).
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ٦٥٤) برقم: (٢١٩٥٥) بنحوه، وذكره البغوي (٣/ ٨٧)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٢٥)، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٤/ ٢٥٠)، وعزاه لابن جرير.
 (٤) ويكون المعنى على قراءة ابن عامر: أنهم هجروا أوطانهم وقد عرفوا ما في ذلك من الشدة، فيكونون فتنوا أنفسهم.
 ينظر: **«الحجة»** (٥/ ٧٩)، و **«معاني القراءات»** (٢/ ٨٣)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ٣٦١)، و **«العنوان»** (١١٨)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٤٢٠)، و **«شرح شعلة»** (٤٦٠)، و **«حجة القراءات»** (٣٩٤)، و **«إتحاف»** (٢/ ١٩٠).

### الآية 16:116

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [16:116]

وقوله سبحانه : وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ  \[ النحل : ١١٦ \]. 
هذه الآية مخاطَبَةٌ للكفَّار الذينَ حرَّموا البحائر والسَّوائب. 
قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : ومعنى الآية : لا تصفوا الأعيان بأنها حلالٌ أو حرامٌ مِنْ قِبَلِ أنفسكم، إِنما المحرِّم والمحلِّل هو اللَّه سبحانه، قال ابن وَهْب : قال مالكٌ لم يَكُنْ مِنْ فُتْيَا النَّاسِ أنْ يقال لَهُمْ : هَذَا حَلاَلٌ، وهذا حَرَامٌ، ولكنْ يقول : أَنا أَكْرَهُ هذا، ولَمْ أَكُنْ لأصنَعَ هذا، فكان النَّاسُ يطيعون ذلك، ويرضَوْنَه، ومعنى هذا : أنَّ التحليل والتحريمَ إِنما هو للَّه كما تقدم بيانه، فليس لأحدٍ أنْ يصرِّح بهذا في عَيْن من الأعيانِ إلا أنْ يكون الباري تعالى يخبر بذلك عَنْه، وما يؤدِّي إِليه الاجتهادُ أنه حرامٌ يقول فيه : إِني أكْرَهُ كذا، وكذلك كان مَالِكٌ يفعلُ، اقتداء بمن تقدَّم من أهْلِ الفتوى انتهى.

### الآية 16:117

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:117]

وقوله : متاع قَلِيلٌ  \[ النحل : ١١٧ \]. 
إشارةٌ إلى عيشهم في الدنيا،  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بعد ذلك في الآخرة.

### الآية 16:118

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [16:118]

وقوله : مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ  \[ النحل : ١١٨ \]، إِشارةٌ إِلى ما في **«سورة الأنعام »** من ذي الظُّفَر والشُّحُوم.

### الآية 16:119

> ﻿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:119]

وقوله سبحانه : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السوء بجهالة ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  \[ النحل : ١١٩ \]. 
هذه آية تأنيسٍ لجميعِ العالم، فهي تتناوَلُ كلَّ كافرٍ وعاصٍ تَابَ من سوءِ حالِهِ، قالتْ فرقة :**«الجهالة »** هنا : العَمْد، والجهالة عندي في هذا الموضع : ليست ضد العلْم، بل هي تَعَدِّي الطَّوْر ورُكُوب الرأْس. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :( أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَليِّ ) وقد تقدَّم بيان هذا، وقلَّما يوجَدُ في العصاة مَنْ لم يتقدَّم له علْم بُحَظْر المعصيةِ التي يُوَاقِع.

### الآية 16:120

> ﻿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [16:120]

وقوله سبحانه : إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ  \[ النحل : ١٢٠ \]. 
لما كَشَفَ اللَّه فعْلَ اليهودِ وتحكُّمهم في شرعهم بذكْر ما حرَّم عليهم أراد أنْ يبيِّن بُعْدَهم عن شرْعِ إِبراهيم عليه السلام، **«والأمة »**، في اللغة : لفظةٌ مشتركةٌ تقع لِلْحِينِ، وللجَمْعِ الكثير، وللرَّجُل المنفردِ بطريقةٍ وحده، وعلى هذا الوجه سُمِّي إِبراهيم عليه السلام أمة، قال مجاهد : سُمِّيَ إِبراهيم أمةً لانفراده بالإِيمان في وقته مدَّةً مَّا. 
وفي البخاريِّ أنه قال لِسَارَةَ :( لَيْسَ عَلَى الأرْضِ اليَوْمَ مؤمنٌ غيري وغَيْرُكِ )، وفي البخاريِّ قال ابنُ مسعودِ : الأُمَّة معلِّمُ الخَيْرِ، والقانِتُ : المطيعُ الدائِمُ على العبادَةِ، والحَنِيف : المائلُ إلى الخير والصَّلاح.

### الآية 16:121

> ﻿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [16:121]

يطيعون ذلك، ويرضَوْنَه، ومعنى هذا: أنَّ التحليل والتحريمَ إِنما هو للَّه كما تقدم بيانه، فليس لأحدٍ أنْ يصرِّح بهذا في عَيْن من الأعيانِ إلا أنْ يكون الباري تعالى يخبر بذلك عَنْه، وما يؤدِّي إِليه الاجتهادُ أنه حرامٌ يقول فيه: إِني أكْرَهُ كذا، وكذلك كان مَالِكٌ يفعلُ، اقتداء بمن تقدَّم من أهْلِ الفتوى انتهى.
 وقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ إشارةٌ إلى عيشهم في الدنيا، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بعد ذلك في الآخرة، وقوله: مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِشارةٌ إِلى ما في **«سورة الأنعام»** من ذي الظُّفَر والشُّحُوم.
 \[سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٩ الى ١٢٣\]
 ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)
 وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هذه آية تأنيسٍ لجميعِ العالم فهي تتناوَلُ كلَّ كافرٍ وعاصٍ تَابَ من سوءِ حالِهِ، قالتْ فرقة: **«الجهالة»** هنا: العَمْد، والجهالة عندي في هذا الموضع: ليست ضد العلْم، بل هي تَعَدِّي الطَّوْر ورُكُوب الرأْس. ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: **«أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَليِّ»** **«١»** وقد تقدَّم بيان هذا، وقلَّما يوجَدُ في العصاة مَنْ لم يتقدَّم له علْم بُحَظْر المعصيةِ التي يُوَاقِع.
 وقوله سبحانه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ... الآية: لما كَشَفَ اللَّه فعْلَ اليهودِ وتحكُّمهم في شرعهم بذكْر ما حرَّم عليهم- أراد أنْ يبيِّن بُعْدَهم عن شرْعِ إِبراهيم عليه السلام، **«والأمة»**، في اللغة: لفظةٌ مشتركةٌ تقع لِلْحِينِ، وللجَمْعِ الكثير، وللرَّجُل المنفردِ بطريقةٍ وحده، وعلى هذا الوجه سُمِّي إِبراهيم عليه السلام أمة، قال مجاهد: سُمِّيَ إِبراهيم أمةً لانفراده بالإِيمان في وقته مدَّةً مَّا **«٢»**، وفي البخاريِّ أنه قال لِسَارَةَ: **«لَيْسَ عَلَى الأرْضِ اليَوْمَ مؤمنٌ غيري وغَيْرُكِ»**، وفي البخاريِّ قال ابن مسعود: الأمّة معلّم الخير

 (١) تقدم تخريجه.
 (٢) أخرجه الطبري (٧/ ٦٦١) برقم: (٢١٩٨٠) بنحوه، وذكره البغوي (٨٩١٣)، وذكره ابن عطية (٣/ ٤٣٠)، وابن كثير في **«تفسيره»** (٢/ ٥٩١)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٤/ ٢٥٣)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.

### الآية 16:122

> ﻿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [16:122]

وقوله سبحانه : وآتيناه فِي الدنيا حَسَنَةً  \[ النحل : ١٢٢ \]. 
**«الحسنةُ »** : لسَانُ الصدق، وإِمامته لجميعِ الخَلْق ؛ هذا قول جميع المفسِّرين، وذلك أنَّ كل أمةٍ متشرِّعة، فهي مقرَّة أنَّ إِيمانها إِيمان إِبراهيم، وأنه قُدْوَتُها، وأنه كان على الصواب. 
( ت ) : وهذا كلامٌ فيه بعض إِجمالٍ، وقد تقدَّم في غير هذا الموضعِ بيانه، فلا نطوِّل بسَرْده.

### الآية 16:123

> ﻿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [16:123]

وقوله سبحانه : أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم  \[ النحل : ١٢٣ \]. 
ال مِلَّةَ  : الطريقةُ في عَقَائدِ الشَّرْعِ.

### الآية 16:124

> ﻿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [16:124]

وقوله سبحانه : إِنَّمَا جُعِلَ السبت  \[ النحل : ١٢٤ \]. 
أي : لم يكُنْ من ملَّة إِبراهيم، وإِنما جعل اللَّه فرضاً عاقب به القَوْمَ المُخْتَلِفين فيه ؛ قاله ابن زَيْد وذلك أن موسى عليه السلام أَمَرَ بَنِي إسرائيل أنْ يجعلوا من الجمعة يوماً مختصًّا بالعبادة، وأمرهم أنْ يكون الجُمُعَةَ، فقال جمهورهم : بلْ يكونُ يَوْمَ السَّبْتِ ؛ لأن اللَّه تعالى فَرَغَ فيه من خَلْق مخلوقاته، وقال غيرهم : بَلْ نقبَلُ ما أمَرَ به موسى، فراجَعَهم الجمهورُ، فتابعهم الآخرون، فألزمهم اللَّهُ يَوْمَ السْبتِ إِلزاماً قويًّا، عقوبةً لهم، ثم لم يكُنْ منهم ثبوتٌ، بل عَصَوا فيه، وتعدَّوْا فأهلكهم. 
وورد في الحديث الصحيح :( أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى اختلفوا في اليوم الذي يختصُّ من الجمعة، فأخذ هؤلاء السبْتَ، وأخَذَ هؤلاء الأحدَ، فهدانا اللَّهَ نحْنُ إلى يوم الجمعةِ، قال صلى الله عليه وسلم :( فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفوا فِيهِ )، فَلَيْسَ الاختلافُ المذكورُ في الآية هو الاختلافَ في هذا الحديث. 
( ت ) : يعنى أنَّ الاختلاف المذكورَ في الآيةِ هو بَيْنَ اليهود فيما بينهم، والاختلاف المذكور في الحديثِ الصحيحِ هو فيما بَيْنَ اليهودِ والنصارى.

### الآية 16:125

> ﻿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [16:125]

وقوله سبحانه : ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة  \[ النحل : ١٢٥ \]. 
هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، أمر عليه السلام أنْ يدعو إِلى دينِ اللَّه وشَرْعِهِ بتلطُّف، وهكذا ينبغي أنْ يوعَظَ المسلمون إِلى يوم القيامة.

### الآية 16:126

> ﻿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [16:126]

وقوله سبحانه : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ  \[ النحل : ١٢٦ \]. 
أطبق أهْل التفسير أنَّ هذه الآية مدنيَّة، نزلَتْ في شأن التمثيل بَحْمَزة وغيره في يَوْمِ أحُدِ، ووقع ذلك في **«صحيحِ البخاريِّ »** وغيره، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :**«لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لأُمثِّلَنَّ بِثَلاَثِين ) كتاب «النْحَّاس »** وغيره :**«بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ »**، فقال الناس : إِنْ ظفرنا، لنفعلَنَّ ولنفعَلنَّ، فنزلَتْ هذه الآية.

### الآية 16:127

> ﻿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [16:127]

ثم عزم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصَّبْر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى، ويروى أنه عليه السلام قَالَ لأصحابه :( أَمَّا أنا فَأصْبِرُ كَمَا أُمِرْتُ، فَمَاذَا تَصْنَعُونَ ؟ فَقَالُوا : نَصْبِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كما نُدِبْنَا ! ! ! ). 
وقوله : وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله  أي بمعونة اللَّهِ وتأييده على ذلك. 
وقوله سبحانه : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ، قيل : الضمير في قوله : عَلَيْهِمْ ، يعودُ على الكُفار، أي : لا تتأسَّف عليهم إنْ لم يُسْلِمُوا، وقالتْ فرقة : بل يعودُ على القَتْلى، حمزة وأصحابه الذين حَزِنَ عليهم صلى الله عليه وسلم، والأولُ أصوبُ. 
 وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ، قرأ الجمهور :**«في ضَيْقٍ »** بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، وهما لغتان.

### الآية 16:128

> ﻿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [16:128]

إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا  \[ النحل : ١٢٨ \]، أي : بالنصْرِ والمعونةِ، و اتقوا  يريدُ المعاصِيَ. 
و مُّحْسِنُونَ ، هم الذين يتزيَّدون فيما نُدِبَ إِليه من فِعْلِ الخَيْرِ وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدنا محمدٍ وآله وصَحْبه وسلَّم تسليماً.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/16.md)
- [كل تفاسير سورة النحل
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/16.md)
- [ترجمات سورة النحل
](https://quranpedia.net/translations/16.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/16/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
