---
title: "تفسير سورة النحل - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/16/book/4.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/16/book/4"
surah_id: "16"
book_id: "4"
book_name: "جامع البيان في تأويل آي القرآن"
author: "الطبري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النحل - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/16/book/4)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النحل - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري — https://quranpedia.net/surah/1/16/book/4*.

Tafsir of Surah النحل from "جامع البيان في تأويل آي القرآن" by الطبري.

### الآية 16:1

> أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [16:1]

بسم الله الرحمَن الرحيم

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 أَتَىَ أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أتى أمر الله فقرُب منكم أيها الناس ودنا، فلا تستعجلوا وقوعه. 
ثم اختلف أهل التأويل في الأمر الذي أعلم الله عباده مجيئه وقُربه منهم ما هو، وأيّ شيء هو ؟ فقال بعضهم : هو فرائضه وأحكامه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : أتَى أمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ  قال : الأحكام والحدود والفرائض. 
وقال آخرون : بل ذلك وعيد من الله لأهل الشرك به، أخبرهم أن الساعة قد قَرُبت وأن عذابهم قد حضر أجله فدنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : لما نزلت هذه الآية، يعني : أتَى أمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض : إن هذا يزعم أن أمر الله أتى، فأمسِكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا : ما نراه نزل شيء فنزلت : اقْتَرَبَ للنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ في غَفْلَة مُعْرِضُون فقالوا : إن هذا يزعم مثلها أيضا. فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا : ما نراه نزل شيء فنزلت : وَلَئِنْ أخّرْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إلى أُمّة مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنّ ما يَحْبَسُهُ ألا يَوْمَ يأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. 
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا يحيى بن يمان، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن أبي بكر بن حفص، قال : لما نزلت : أتَى أمْرُ اللّهِ  رفعوا رءوسهم، فنزلت : فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ . 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو بكر بن شعيب، قال : سمعت صادق أبا يقرأ :**«يا عِبادَي أتَى أمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ »**. 
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال : هو تهديد من أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك وذلك أنه عقّب ذلك بقوله سبحانه وتعالى : عَمّا يُشْرِكُونَ فدلّ بذلك على تقريعه المشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تُفرض عليهم فيقال لهم من أجل ذلك : قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من المشركين، فقد كانوا كثيرا. 
وقوله سبحانه وتعالى : عَمّا يُشْرِكُونَ  يقول تعالى ذكره : تنزيها لله وعلوّا له عن الشرك الذي كانت قريش ومن كان من العرب على مثل ما هم عليه يَدين به. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله تعالى : عَمّا يُشْرِكُونَ  فقرأ ذلك أهل المدينة وبعض البصريين والكوفيين : عَمّا يُشْرِكُونَ  بالياء على الخبر عن أهل الكفر بالله وتوجيه للخطاب بالاستعجال إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قرأوا الثانية بالياء. وقرأ ذلك عامّة قرّاء الكوفة بالتاء على توجيه الخطاب بقوله : فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوله تعالى :**«عَمّا تُشْرِكُونَ »** إلى المشركين. والقراءة بالتاء في الحرفين جميعا على وجه الخطاب للمشركين أولى بالصواب لما بيّنت من التأويل أن ذلك إنما هو وعيد من الله للمشركين ؛ ابتدأ أول الآية بتهديدهم وختم آخرها بنكير فعلهم واستعظام كفرهم على وجه الخطاب لهم.

### الآية 16:2

> ﻿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [16:2]

القول في تأويل قوله تعالى : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون 
اختلفت القراء في قراءة قوله : ينزل الملائكة  فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة : ينزل الملائكة  بالياء وتشديد الزاي ونصب الملائكة، بمعنى ينزل الله الملائكة بالروح، وقرأ ذلك بعض البصريين وبعض المكيين : " يُنَزِّلُ المَلائٍكَةَ " بالياء وتخفيف الزاي ونصب الملائكة. وحكي عن بعض الكوفيين أنه كان يقرؤه : " تنزل الملائكة " بالتاء وتشديد الزاي والملائكة بالرفع، على اختلاف عنه في ذلك. وقد روي عنه موافقة سائر قراء بلده. 
وأولى القراءات بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ : ينزل الملائكة  بمعنى : ينزل الله الملائكة. وإنما اخترت ذلك. لأن الله هو المنزل ملائكته بوحيه إلى رسله، فإضافة فعل ذلك إليه أولى وأحق واخترت " ينزل " بالتشديد على التخفيف، لأنه تعالى ذكره كان ينزل من الوحي على من نزله شيئا بعد شيء، والتشديد به إذ كان ذلك معناه أولى من التخفيف. 
فتأويل الكلام : ينزل الله ملائكته بما يحيا به الحق ويضمحل به الباطل من أمره  على من يشاء من عباده  يعني على من يشاء من رسله  أن أنذروا  ف " أنْ " الأولى في موضع خفض، ردا على " الروح "، والثانية في موضع نصب ب " أنذروا ". ومعنى الكلام : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، بأن أنذروا عبادي سطوتي على كفرهم بي وإشراكهم في اتخاذهم معي الآلهة والأوثان، فإنه  لا إله إلا أنا  يقول : لا تنبغي الألوهة إلا لي، ولا يصلح أن يعبد شيء سواي،  فاتقون  يقول : فاحذروني بأداء فرائضي وإفراد العبادة وإخلاص الربوبية لي، فإن ذلك نجاتكم من الهلكة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله : ينزل الملائكة بالروح  يقول : بالوحي. 
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ينزل الملائكة بالروح من أمره، على من يشاء من عباده  يقول : ينزل الملائكة. . . . 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل ؛ وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : بالروح من أمره  إنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال مجاهد : قوله : ينزل الملائكة بالروح من أمره  قال : لا ينزل ملك إلا معه روح  ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده  قال : بالنبوة. قال ابن جريج : وسمعت أن الروح خلق من الملائكة نزل به الروح  ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي  \[ الإسراء : ٨٥ \]. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  قال : كل كلم تكلم به ربنا فهو روح منه،  وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا  \[ الشورى : ٥٢ \]. . إلى قوله : ألا إلى الله تصير الأمور  \[ الشورى : ٥٣ \]. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ينزل الملائكة بالروح من أمره  يقول : ينزل بالرحمة والوحي من أمره،  على من يشاء من عباده  فيصطفي منهم رسلا. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده  قال : بالوحي والرحمة. 
وأما قوله : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  فقد بينا معناه. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  إنما بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره، ويجتنب سخطه.

### الآية 16:3

> ﻿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [16:3]

القول في تأويل قوله تعالى : خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون 
يقول تعالى ذكره معرفا خلقه حجته عليهم في توحيده، وأنه لا تصلح الألوهة إلا له : خلق ربكم أيها الناس السموات والأرض بالعدل وهو الحق منفردا بخلقها لم يشركه في إنشائها وإحداثها شريك ولم يعنه عليه معين، فأنى يكون له شريك.  تعالى عما يشركون  يقول جل ثناؤه : علا ربكم أيها القوم عن شرككم ودعواكم إلها دونه، فارتفع عن أن يكون له مثل أو شريك أو ظهير، لأنه لا يكون إلها إلا من يخلق وينشئ بقدرته مثل السموات والأرض ويبتدع الأجسام فيحدثها من غير شيء، وليس ذلك في قدرة أحد سوى الله الواحد القهار الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا تصلح الألوهة لشيء سواه.

### الآية 16:4

> ﻿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [16:4]

القول في تأويل قوله تعالى : خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين 
يقول تعالى ذكره : ومن حججه عليكم أيضا أيها الناس، أنه خلق الإنسان من نطفة، فأحدث من ماء مهين خلقا عجيبا، قلبه تارات خلقا بعد خلق في ظلمات ثلاث، ثم أخرجه إلى ضياء الدنيا بعد ما تم خلقه ونفخ فيه الروح، فغذاه ورزقه القوت ونماه، حتى إذا استوى على سوقه كفر بنعمة ربه وجحد مدبره وعبد من لا يضر ولا ينفع وخاصم إلهه فقال  من يحي العظام وهي رميم  \[ يس : ٧٨ \] ونسي الذي خلقه فسواه خلقا سويا من ماء مهين. 
ويعني بالمبين : أنه يبين عن خصومته بمنطقه ويجادل بلسانه، فذلك إبانته. وعنى بالإنسان : جميع الناس، أخرج بلفظ الواحد وهو في معنى الجميع.

### الآية 16:5

> ﻿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [16:5]

القول في تأويل قوله تعالى : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنافع تأكلون 
يقول تعالى ذكره : ومن حججه عليكم أيها الناس ما خلق لكم من الأنعام، فسخرها لكم، وجعل لكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس تدفئون بها ومنافع من ألبانها وظهورها تركبونها.  ومنها تأكلون  يقول : ومن الأنعام ما تأكلون لحمه كالإبل ولبقر والغنم وسائر ما يؤكل لحمه. وحذفت " ما " من الكلام لدلالة من عليها. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، وعلي بن داود، قال المثنى أخبرنا، وقال ابن داود : ثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله : والأنعام خلقها لكم فيها دفء  يقول : الثياب. 
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  يعني بالدفء : الثياب، والمنافع : ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله الله تعالى : لكم فيها دفء  قال : لباس ينسج، ومنها مركب ولبن ولحم. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لكم فيها دفء  لباس ينسج ومنافع، مركب ولحم ولبن. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا إسرائيل، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله : لكم فيها دفء ومنافع  قال : نسل كل دابة. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل بإسناده، عن ابن عباس، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع  يقول : لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، قال : قال ابن عباس : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  قال : هو منافع ومآكل. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع  قال : دفء اللحف التي جعلها الله منها. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال : بلغني عن مجاهد : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع  قال : نتاجها وركوبها وألبانها ولحومها.

### الآية 16:6

> ﻿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [16:6]

القول في تأويل قوله تعالى : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون \* وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم 
يقول تعالى ذكره : ولكم في هذه الأنعام والمواشي التي خلقها لكم  جمال حين تريحون  يعني : تردونها بالعشي من مسارحها إلى مراحها ومنازلها التي تأوي إليها ؛ ولذلك سمي المكان المراح، لأنها تراح إليه عشيا فتأوي إليه، يقال منه : أراح فلان ماشيته فهو يريحها إراحة. وقوله : حين تسرحون  يقول : وفي وقت إخراجك موها غدوة من مراحها إلى مسارحها، يقال منه : سرح فلان ماشيته يسرحها تسريحا، إذا أخرجها للرعي غدوة، وسرحت الماشية : إذا خرجت للمرعى تسرح سرحا وسروحا، فالسرح بالغداة والإراحة بالعشي، ومنه قول الشاعر :

كأن بقايا الأتن فوق متونه  مدب الدبي فوق النقا وهو سارحوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها، وحين تسرحون إذا سرحت لرعيها. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  قال : إذا راحت كأعظم ما تكون أسنمة، وأحسن ما تكون ضروعا.

### الآية 16:7

> ﻿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [16:7]

وقوله : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  يقول : وتحمل هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد آخر لم تكونوا بالغيه إلا بجهد من أنفسكم شديد ومشقة عظيمة. كما :
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  قال : لو تكلفونه لم تبلغوه إلا بجهد شديد. 
حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة : إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  قال : البلد : مكة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل ؛ وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله  إلا بشق الأنفس  قال : مشقة عليكم. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثن سعيد، عن قتادة، قوله : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  يقول : بجهد الأنفس. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. 
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار بكسر الشين : إلا بشق الأنفس  سوى أبي جعفر القارئ، فإن :
المثنى حدثني، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال : ثني أبو سعيد الرازي، عن أبي جعفر قارئ المدينة، أنه كان يقرأ :**«لَمْ تَكُونُوا بالِغيهِ إلاّ بِشَقّ الأنْفُسِ »** بفتح الشين، وكان يقول : إنما الشقّ : شقّ النفس. وقال ابن أبي حماد : وكان معاذ الهرّاء يقول : هي لغة، تقول العرب بشقّ وبشِقّ، وبرَق وبرِق. 
والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار وهي كسر الشين، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه. وقد يُنشد هذا البيت بكسر الشين وفتحها، وذلك قول الشاعر :

وذِي إبِلِ يَسْعَى وَيحْسِبُها لَهُ  أخِي نَصَبٍ مِنْ شَقّها ودؤوبو **«من شِقّيها »** أيضا بالكسر والفتح وكذلك قول العجاج :
\*\*\* أصبحَ مَسْحُولٌ يُوَازِي شَقّا \*\*\*
و **«شِقّا »** بالفتح والكسر. ويعني بقوله :**«يوازي شَقّا »** : يقاسي مشقة. وكان بعض أهل العربية يذهب بالفتح إلى المصدر من شققت عليه أشقّ شقّا، وبالكسر إلى الاسم. وقد يجوز أن يكون الذين قرأوا بالكسر أرادوا إلا بنقص من القوّة وذهاب شيء منها حتى لا يبلغه إلا بعد نقصها، فيكون معناه عند ذلك : لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ قوى أنفسكم وذهاب شقها الآخر. ويحكى عن العرب : خذ هذا الشّقّ : لشقة الشاة بالكسر، فأما في شقت عليك شَقّا فلم يحك فيه إلا نصب. 
وقوله : إنّ رَبّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره : إن ربكم أيها الناس ذو رأفة بكم ورحمة من رحمته بكم، خلق لكم الأنعام لمنافعكم ومصالحكم، وخلق السموات والأرض أدلة لكم على وحدانية ربكم ومعرفة إلهكم، لتشكروه على نعمة عليكم، فيزيدكم من فضله.

### الآية 16:8

> ﻿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [16:8]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وخلق الخيل والبغال والحمير لكم أيضا لتَرْكَبُوهَا وزِينَةً يقول : وجعلها لكم زينةً تتزينون بها مع المنافع التي فيها لكم، للركوب وغير ذلك. ونصب الخيل والبغال عطفا على الهاء والألف في قوله : خَلَقَها. ونصب الزينة بفعل مضمر على ما بيّنت، ولو لم يكن معها واو وكان الكلام :«لتركبوها زينةً كانت منصوبة بالفعل الذي قبلها الذي هي به متصلة، ولكن دخول الواو آذنت بأن معها ضمير فعل وبانقطاعها عن الفعل الذي قبلها. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : لتَرْكَبُوها وَزِينَةً قال : جعلها لتركبوها، وجعلها زينة لكم. 
وكان بعض أهل العلم يرى أن في هذه الآية دلالة على تحريم أكل لحوم الخيل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو ضمرة، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن ابن عباس، قوله : والخَيْلَ والبغالَ والحَميرَ لتَرْكَبُوها قال : هذه للركوب. والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ قال : هذه للأكل. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا هشام الدستوائي، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة : أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول : قال الله والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ فهذه للأكل، والخَيْلَ والبغالَ والحَميرَ لتَرْكَبُوها فهذه للركوب. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس : أنه سئل عن لحوم الخيل، فكرهها وتلا هذه الاَية : والخَيْلَ والبغالَ والحَميرَ لتَرْكَبُوها. . . الاَية. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا قيس بن الربيع، عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنه سئل عن لحوم الخيل، فقال : اقرأ التي قبلها : والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ومنَافِعُ ومَنْها تَأْكُلُونَ والخَيْلَ والبغالَ والحَميرَ لتَرْكَبُوها وَزِينَةً فجعل هذه للأكل، وهذه للركوب. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم : والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ فجعل منه الأكل. ثم قرأ حتى بلغ : والخَيْلَ والبغالَ والحَميرَ لتَرْكَبُوها قال : لم يجعل لكم فيها أكلاً. قال : وكان الحكم يقول : والخيل والبغال والحمير حرام في كتاب الله. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا ابن أبي غنية، عن الحكم، قال : لحوم الخيل حرام في كتاب الله. ثم قرأ : والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ. . . إلى قوله : لتَرْكَبُوها. 
وكان جماعة غيرهم من أهل العلم يخالفونهم في هذا التأويل، ويرون أن ذلك غير دالّ على تحريم شيء، وأن الله جلّ ثناؤه إنما عرّف عباده بهذاه الاَية وسائر ما في أوائل هذه السورة نعمة عليهم ونبههم به على حججه عليهم وأدلته على وحدانيته وخطأ فعل من يشرك به من أهل الشرك. ذكر بعض من كان لا يرى بأسا بأكل لحم الفرس :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود : أنه أكل لحم الفرس. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود بنحوه. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال : نحر أصحابنا فرسا في النجع وأكلوا منه، ولم يروا به بأسا. 
والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني، وذلك أنه لو كان في قوله تعالى ذكره : لِتَرْكَبُوها دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للركوب للأكل لكان في قوله : فِيها دِفْءٌ ومنَافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للأكل والدفء للركوب. وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره وَمِنْها تَأْكُلُونَ جائز حلال غير حرام، دليل واضح على أن أكل ما قال : لِتَرْكَبُوها جائز حلال غير حرام، إلا بما نصّ على تحريمه أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بهذ الاَية فلا يحرم أكل شيء. وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمُر الأهلية بوحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى البغال بما قد بيّنا في كتابنا كتاب الأطعمة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، إذا لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدلّ على أنه لا وجه لقول من استدلّ بهذه الاَية على تحريم لحم الفرس. 
حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر، قال : كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت : فالبغال ؟ قال : أما البغال فلا. 
وقوله : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : ويخلق ربكم مع خلقه هذه الأشياء التي ذكرها لكم ما لا تعلمون مما أعدّ في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر.

### الآية 16:9

> ﻿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [16:9]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَعَلَىَ اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وعلى الله أيها الناس بيان طريق الحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها. والسبيل : هي الطريق، والقصد من الطريق : المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، كما قال الراجز :
\*\*\* فصَدّ عَنْ نَهْجِ الطّرِيقِ القاصِدِ \*\*\*
وقوله : وَمِنْها جائِرٌ يعني تعالى ذكره : ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوّج، فالقاصد من السبل : الإسلام، والجائر منها : اليهودية والنصرانية وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة. وقيل : ومنها جائر، لأن السبيل يؤنث ويذكر، فأنثت في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول : وإنما قيل :**«ومنها »** لأن السبيل وإن كان لفظها لفظ واحد فمعناها الجمع. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : البيان. 
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : على الله البيان، أن يبين الهدى والضلالة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن. قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ قال : طريق الحقّ على الله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : على الله البيان، بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ قال : السبيل : طريق الهدى. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ قال إنارتها. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ يقول : على الله البيان، يبين الهدى من الضلالة، ويبين السبيل التي تفرّقت عن سبله، ومنها جائر. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَمِنْها جائِرٌ : أي من السبل، سبل الشيطان. وفي قراءة عبد الله بن مسعود :**«وَمِنْكُمْ جائِرٌ وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَهَدَاكُمْ أجمَعِينَ »**. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَمِنْها جائِرٌ قال : في حرف ابن مسعود :**«وَمِنْكُمْ جائِرٌ »**. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَمِنْها جائِرٌ يعني السبل المتفرّقة. 
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : وَمِنْها جائِرٌ يقول : الأهواء المختلفة. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَمِنْها جائِرٌ يعني السبل التي تفرّقت عن سبيله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : وَمِنْها جائِرٌ السبل المتفرقة عن سبيله. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَمِنْها جائِرٌ قال : من السبل جائر عن الحقّ قال : قال الله : وَلا تَتّبِعُوا السّبْلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. 
وقوله : وَلَوْ شاءَ لَهَدَاكُمْ أجْمَعِينَ يقول : ولو شاء الله للطف بجميعكم أيها الناس بتوفيقه، فكنتم تهتدون وتلزمون قصد السبيل ولا تجورون عنه فتتفرّقون في سبل عن الحقّ جائرة. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَوْ شَاءَ لَهَداكُمْ أجْمَعِينَ قال : لو شاء لهداكم أجمعين لقصد السبيل الذي هو الحقّ. وقرأ : وَلَوْ شاءَ رَبّكَ لآمن مَنْ فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعا. . . الآية، وقرأ : وَلَوْ شِئْنَا لآتينا كُلّ نَفْسٍ هُدَاها. . . الاَية.

### الآية 16:10

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [16:10]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 هُوَ الّذِي أَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَآءً لّكُم مّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : والذي أنعم عليكم هذه النعم وخلق لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم ومصالحكم، هو الربّ الذي أنزل من السماء ماء، يعني : مطرا لكم من ذلك الماء شراب تشربونه ومنه شراب أشجاركم وحياة غروسكم ونباتها. فِيهِ تُسِيمُونَ يقول : في الشجر الذي ينبت من الماء الذي أنزل من السماء تسيمون، يعني ترعون، يقال منه : أسام فلان إبله يسيمها إسامة إذا أرعاها، وسوّمها أيضا يسوّمها، وسامت هي إذا رعت، فهي تسوم، وهي إبل سائمة ومن ذلك قيل للمواشي المطلقة في الفلاة وغيرها للرعي سائمة. وقد وجّه بعضهم معنى السوم في البيع إلى أنه من هذا، وأنه ذهاب كلّ واحد من المتبايعين فيما ينبغي له من زيادة ثمن ونقصانه، كما تذهب سوائم المواشي حيث شاءت من مراعيها ومنه قول الأعشى :وَمَشَى القَوْمُ بالعمادِ إلى المَرْ  عَى وأعْيا المُسِيمَ أيْنَ المَساقُوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن النضْر بن عربي، عن عكرمة : وَمِنْهُ شَجَرٌ فيهِ تُسيمُونَ قال : ترعون. 
حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، قال : حدثنا قرة بن عيسى، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، في قوله : فيهِ تُسيمُونَ قال : ترعون. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : ترعون. 
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، مثله. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَمِنْهُ شَجَرٌ فيهِ تُسيمُونَ يقول : يرعون فيه أنعامهم وشَاءَهُمْ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : فيهِ تُسيمُونَ قال : ترعون. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا معاوية وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك : فيه ترعون. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، عن الضحاك، في قوله : تُسيمُونَ يقول : ترعون أنعامكم. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن طلحة بن أبي طلحة القناد، قال : سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، قال : فيه ترعون. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : شَجَرٌ فيهِ تُسيمُونَ يقول : ترعون. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : ترعون. 
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله : شَجَرٌ فيهِ تُسيمُونَ قال : تَرْعون. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَمِنْهُ شَجَرٌ فيهِ تُسيمُونَ قال : تَرْعون. قال : الإسامة : الرّعية. 
**وقال الشاعر :**مثلَ ابنِ بَزْعَةَ أو كآخَرَ مِثْلِهِ  أوْلى لَكَ ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِقال : يا ابن راعية الأجمال.

### الآية 16:11

> ﻿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [16:11]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزّرْعَ وَالزّيْتُونَ وَالنّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : يُنبت لكم ربكم بالماء الذي أنزل لكم من السماء زرعَكم وزيتونَكم ونخيلكم وأعنابكم ومِنْ كُلّ الثّمراتِ يعني من كلّ الفواكه غير ذلك أرزاقا لكم وأقواتا وإداما وفاكهة، نعمة منه عليكم بذلك وتفضّلاً، وحُجة على من كفر به منكم. إنّ فِي ذلكَ لاَيَةً يقول جلّ ثناؤه : إن في إخراج الله بما ينزل من السماء من ماء ما وصف لكم لاَيةً يقول : لدلالة واضحة وعلامة بينة، لقومٍ يَتَفَكّرُونَ يقول : لقوم يعتبرون مواعظ الله ويتفكّرون في حججه، فيتذكرون وينيبون.

### الآية 16:12

> ﻿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [16:12]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ومن نِعَمه عليكم أيها الناس مع التي ذكرها قبل أن سخر لكم الليل والنهار يتعاقبان عليكم، هذا لتصرفكم في معاشكم وهذا لسكنكم فيه والشّمْسَ والقَمَرَ لمعرفة أوقات أزمنتكم وشهوركم وسنينكم وصلاح معايشكم. والنّجُومُ مُسَخّراتٌ لكم بأمر الله تجري في فلكها لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر. إنّ فِي ذلكَ لاَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقَلُونَ يقول تعالى ذكره : إن في تسخير الله ذلك على ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبيهه إياهم.

### الآية 16:13

> ﻿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [16:13]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَذّكّرُونَ . 
يعني جلّ ثناؤه بقوله : ومَا ذَرأَ لَكُمْ وسخر لكم ما ذرأ : أي ما خلق لكم في الأرض مختلفا ألوانه من الدواب والثمار. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ومَا ذَرأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ يقول : وما خلق لكم مختلفا ألوانه من الدوابّ ومن الشجر والثمار، نِعَم من الله متظاهرة فاشكروها لله. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : من الدوابّ والأشجار والثمار. 
ونصب قوله :**«مختلفا »** لأن قوله :**«وَما »** في موضع نصب بالمعنى الذي وصفت. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون **«مختلفا ألوانه »** حالاً من ******«ما »******، والخبر دونه تامّ، ولو لم تكن ******«ما »****** في موضع نصب، وكان الكلام مبتدأ من قوله : وَما ذَرأَ لَكُمْ لم يكن في مختلف إلا الرفع، لأنه كان يصير مرافع ******«ما »****** حينئذ.

### الآية 16:14

> ﻿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [16:14]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : والذي فعل هذه الأفعال بكم وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كلّ نهر ملحا ماؤه أو عذبا. لتَأْكُلُوا منْهُ لَحْما طرِيّا وهو السمك الذي يصطاد منه. وتَسْتَخْرِجُوا منْهُ حلْيَةً تَلْبَسُونَها وهو اللؤلؤ والمرجان. كما :
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : أخبرنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله : وَهُوَ الّذِي سَخّرَ البَحْرَ لتَأْكُلُوا منْهُ لَحْما طَرِيّا قال : منهما جميعا. وتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حلْيَةً تَلْبَسُونَهَا قال : هذا اللؤلؤ. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْما طَرِيّا يعني حيتان البحر. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا حماد، عن يحيى، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الملك، قال : جاء رجل إلى أبي جعفر، فقال : هل في حليّ النساء صدقة ؟ قال : لا، هي كما قال الله تعالى : حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ يعني السفن، مَوَاخرَ فِيهِ وهي جمع ماخرة. 
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : مَوَاخرَ فقال بعضهم : المواخر : المواقر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمرو بن موسى القزاز، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا يونس، عن الحسن، في قوله : وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ قال : المواقر. 
**وقال آخرون في ذلك ما :**
حدثنا به عبد الرحمن بن الأسود، قال : حدثنا محمد بن ربيعة، عن أبي بكر الأصمّ، عن عكرمة، في قوله : وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ قال : ما أخذ عن يمين السفينة وعن يسارها من الماء، فهو المواخر. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، في قوله : وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ قال : هي السفينة تقول بالماء هكذا، يعني تشقه. 
**وقال آخرون فيه، ما :**
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح : وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ قال : تجري فيه متعرضّة. 
**وقال آخرون فيه، بما :**
حدثني به محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ قال : تمخر السفينة الرياح، ولا تمخر الريحَ من السفن إلا الفلك العظامُ. 
حدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه، غير أن الحرث قال في حديثه : ولا تمخر الرياح من السفن. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : مَوَاخرَ قال : تمخر الريح. 
**وقال آخرون فيه، ما :**
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ تجري بريح واحدة، مُقبلة ومُدبرة. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : تجري مقبلة ومدبرة بريح واحدة. 
حدثنا المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن إبراهيم، قال : سمعت الحسن : وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ قال : مقبلة ومدبرة بريح واحدة. 
والمخْر في كلام العرب : صوت هبوب الريح إذا اشتدّ هبوبها، وهو في هذا الموضع : صوت جري السفينة بالريح إذا عصفت وشقها الماء حينئذ بصدرها، يقال منه : مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا، وهي ماخرة، ويقال : امتخرت الريح وتمخرتها : إذا نظرتَ من أين هبوبها وتسمّعت صوت هبوبها. ومنه قول واصل مولى ابن عيينة : كان يقال : إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح، يريد بذلك : لينظر من أين مجراها وهبوبها ليستدبرها فلا ترجع عليه البول وتردّه عليه. 
وقوله : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يقول تعالى ذكره : ولتتصرّفوا في طلب معايشكم بالتجارة سخر لكم. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ قال : تجارة البرّ والبحر. 
وقوله : وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول : ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التي عدّدها في هذه الآيات.

### الآية 16:15

> ﻿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [16:15]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لّعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ومن نِعمه عليكم أيها الناس أيضا، أن ألقى في الأرض رواسي، وهي جمع راسية، وهي الثوابت في الأرض من الجبال. وقوله : أنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني : أن لا تميد بكم، وذلك كقوله : يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلّوا، والمعنى : أن لا تضلوا. وذلك أنه جلّ ثناؤه أرسى الأرض بالجبال لئلا يميد خلقه الذي على ظهرها، بل وقد كانت مائدة قبل أن تُرْسى بها. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد : أن الله تبارك وتعالى لما خلق الأرض جعلت تمور، قالت الملائكة : ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدا فأصبحت صبحا وفيها رواسيها. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن عليّ بن أبي طالب، قال : لما خلق الله الأرض قَمَصَت، وقالت : أي ربّ أتجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث ؟ قال : فأرسى الله عليها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان قرارها كاللحم يترجرج. 
والميد : هو الاضطراب والتكفؤ، يقال : مادت السفينة تميد ميدا : إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أنْ تَمِيدَ بِكُمْ : أن تكفأ بكم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله : وألْقَى فِي الأرْضِ روَاسِيَ أنْ تَمِيدُ بِكُمْ قال : الجبال أن تميد بكم. قال : قتادة : سمعت الحسن يقول : لما خلقت الأرض كادت تميد، فقالوا : ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدا فأصبحوا وقد خُلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خُلقت الجبال. 
وقوله : وأنهَارا يقول : وجعل فيها أنهارا، فعطف بالأنهار على الرواسي، وأعمل فيها ما أعمل في الرواسي، إذ كان مفهوما معنى الكلام والمراد منه وذلك نظير قول الراجز :تَسْمَعُ في أجْوَافِهِنّ صَوْرَا  وفي اليَدَيْنِ حَشّةً وبَوْرَاوالحشة : اليُبس، فعطف بالحشة على الصوت، والحشة لا تسمع، إذ كان مفهوما المراد منه وأن معناه وترى في اليدين حَشّةً. 
وقوله : وَسُبُلاً وهي جمع سبيل، كما الطرق جمع طريق. ومعنى الكلام : وجعل لكم أيها الناس في الأرض سُبلاً وفجاجا تسلكونها وتسيرون فيها في حوائجكم وطلب معايشكم رحمة بكم ونعمة منه بذلك عليكم ولو عماها لهلكتم ضلالاً وحيرة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : سُبُلاً : أي طرقا. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : سُبُلاً قال : طرقا. وقوله لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ يقول : لكي تهتدوا بهذه السبل التي جعلها لكم في الأرض إلى الأماكن التي تقصدون والمواضع التي تريدون، فلا تضلوا وتتحيروا.

### الآية 16:16

> ﻿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [16:16]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَعَلامَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . 
اختلف أهل التأويل في المعنّى بالعلامات، فقال بعضهم : عُني بها معالم الطرق بالنهار. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَعَلاماتٍ وبالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ يعني بالعلامات : معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل. 
وقال آخرون : عُني بها النجوم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم : وَعَلاماتٍ وبالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال : منها ما يكون علامات، ومنها ما يهتدون به. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد : وَعَلاماتٍ وبالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال : منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدي به. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله. 
قال : المثنى، قال : حدثنا إسحاق خالف قبيصة وكيعا في الإسناد. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَعَلاماتٍ وبالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ والعلامات : النجوم، وإن الله تبارك وتعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصلات : جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوما للشياطين. فمن تعاطى فيها غير ذلك، فَقَدَ رَأْيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم له به. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتاد : وَعَلاماتٍ قال النجوم. 
وقال آخرون : عُني بها الجبال. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي : وَعَلاماتٍ قال : الجبال. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره عدّد على عباده من نعمه، إنعامَهُ عليهم بما جعل لهم من العلامات التي يهتدون بها في مسالكهم وطرقهم التي يسيرونها، ولم يخصص بذلك بعض العلامات دون بعض، فكلّ علامة استدلّ بها الناس على طرقهم وفجاج سُبلهم فداخل في قوله : وَعَلاماتٍ. والطرق المسبولة : الموطوءة، علامة للناحية المقصودة، والجبال علامات يهتدي بهنّ إلى قصد السبيل، وكذلك النجوم بالليل. غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فصل منها أدلة الليل بقوله : وبالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. وإذا كان ذلك أشبه وأولى بتأويل الاَية، فالواجب أن يكون
القول في ذلك ما قاله ابن عباس في الخبر الذي رويناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالم الطرق وأماراتها التي يهتدى بها إلى المستقيم منها نهارا، وأن يكون النجم الذي يهتدى به ليلاً هو الجدي والفرقدان، لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النجوم. فتأويل الكلام إذن : وجعل لكم أيها الناس علامات تستدلون بها نهارا على طرقكم في أسفاركم. ونجوما تهتدون بها ليلاً في سُبلكم.

### الآية 16:17

> ﻿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [16:17]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكّرُونَ \* وَإِن تَعُدّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنّ اللّهَ لَغَفُورٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره لعبدة الأوثان والأصنام : أفمن يخلق هذه الخلائق العجيبة التي عددناها عليكم وينعم عليكم هذه النعم العظيمة، كمن لا يخلق شيئا ولا ينعم عليكم نعمة صغيرة ولا كبيرة ؟ يقول : أتشركون هذا في عبادة هذا ؟ يعرّفهم بذلك عظم جهلهم وسوء نظرهم لأنفسهم وقلّة شكرهم لمن أنعم عليهم بالنعم التي عدّدها عليهم التي لا يحصيها أحد غيره، قال لهم جلّ ثناؤه موبخهم : أفَلا تَذَكّرُونَ أيها الناس يقول : أفلا تذكرون نعم الله عليكم وعظيم سُلطانه وقُدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعا ولا تدفع عنها ضرّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتك موها وإقراركم لها بالألوهة ؟ كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يخْلُقُ أفَلا تَذَكّرُونَ والله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تُخْلق ولا تَخْلُق شيئا، ولا تملك لأهلها ضرّا ولا نفعا، قال الله : أفلا تذكّرون. 
وقيل : كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ هو الوثن والصنم، و **«من »** لذوي التمييز خاصة، فجعل في هذا الموضع لغيرهم للتمييز، إذ وقع تفصيلاً بين من يُخْلق ومن لا يَخْلُق. ومحكّى عن العرب : اشتبه عليّ الراكب وجمله، فما أدري مَنْ ذا ومَنْ ذا، حيث جمعا وأحدهما إنسان حسنت **«مَنْ »** فيهما جميعا ومنه قول الله عزّ وجلّ : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي على أرْبَعٍ.

### الآية 16:18

> ﻿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:18]

وقوله : وَإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها لا تطيقوا أداء شكرها. إنّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يقول جلّ ثناؤه : إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم أن يعذّبكم عليه بعد الإنابة إليه والتوبة.

### الآية 16:19

> ﻿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [16:19]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ \* وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : والله الذي هو إلهكم أيها الناس، يعلم ما تسرّون في أنفسكم من ضمائركم فتخفونه عن غيركم، فما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وما تعلنونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محص ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به يوم القيامة، المحسن منكم بإحسانه والمسيء منكم بإساءته، ومُسائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على نعمة التي أنعمها عليكم فما التي أحصيتم والتي لم تحصوا.

### الآية 16:20

> ﻿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [16:20]

وقوله : والّذِين تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئا وَهُمْ يُخْلَقُونَ يقول تعالى ذكره : وأوثانكم الذين تدعون من دون الله أيها الناس آلهة لا تَخْلُق شيئا وهي تُخْلَقَ، فكيف يكون إلها ما كان مصنوعا مدّبرا لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرّا ؟

### الآية 16:21

> ﻿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [16:21]

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ . 
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش : والذين تدعون من دون الله أيها الناس أمْوَاتٌ غيرُ أحْياءٍ. وجعلها جلّ ثناؤه أمواتا غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فيها. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أمْوَاتٌ غيرُ أحْياءٍ ومَا يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ وهي هذه الأوثان التي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرّا ولا نفعا. 
وفي رفع الأموات وجهان : أحدهما أن يكون خبرا للذين، والآخر على الاستئناف. وقوله : ومَا يَشْعُرُونَ يقول : وما تدري أصنامكم التي تدعون من دون الله متى تبعث. وقيل : إنما عنى بذلك الكفار، أنهم لا يدرون متى يبعثون.

### الآية 16:22

> ﻿إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [16:22]

القول في تأويل قوله تعالى : إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مّنكِرَةٌ وَهُم مّسْتَكْبِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : معبودكم الذي يستحقّ عليكم العبادة وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء معبود واحد، لأنه لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة ولا تجعلوا معه شريكا سواه. فالّذِينَ لا يؤمنون بالاَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ يقول تعالى ذكره : فالذين لا يصدّقون بوعد الله ووعيده ولا يقرّون بالمعاد إليه بعد الممات قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ يقول تعالى ذكره : مستنكرة لما نقص عليهم من قدرة الله وعظمته وجميل نعمة عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلا له والألوهة ليست لشيء غيره يقول : وهم مستكبرون عن إفراد الله بالألوهة والإقرار له بالوحدانية، اتباعا منهم لما مضى عليه من الشرك بالله أسلافهم. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فالّذِينَ لا يُوءْمِنُونَ بالاَخِرةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه.

### الآية 16:23

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [16:23]

القول في تأويل قوله تعالى : لاَ جَرَمَ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : لا جرم حقّا أن الله يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون من إنكارهم ما ذكرنا من الأنباء في هذه السورة، واعتقادهم نكير قولنا لهم : إلهكم إله واحد، واستكبارهم على الله، وما يعلنون من كفرهم بالله وفريتهم عليه. إنّهُ لا يُحِبّ المُسْتَكْبِرينَ يقول : إن الله لا يحبّ المستكبرين عليه أن يوحدوه ويخلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد. كما :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا جعفر بن عون، قال : حدثنا مِسْعر، عن رجل : أن الحسن بن عليّ كان يجلس إلى المساكين، ثم يقول : إنّهُ لا يُحِبّ المُسْتَكْبِرينَ.

### الآية 16:24

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [16:24]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مّاذَآ أَنْزَلَ رَبّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين : ماذَا أَنْزَلَ رَبّكُمْ أيّ شيء أنزل ربكم ؟ قالوا : الذي أنزل ما سطّره الأوّلون من قبلنا من الأباطيل. وكان ذلك كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ماذَا أنْزَلَ رَبّكُمْ قالُوا أساطِيرُ الأوّلِينَ يقول : أحاديث الأوّلين وباطلهم، قال ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مرّ بهم أحد من المؤمنين يريد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، قالوا لهم : أساطير الأوّلين، يريد : أحاديث الأوّلين وباطلهم. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أساطِيرُ الأوّلِينَ يقول : أحاديث الأوّلين.

### الآية 16:25

> ﻿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [16:25]

القول في تأويل قوله تعالى : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الّذِينَ يُضِلّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : يقول هؤلاء المشركون لمن سألهم ماذا أنزل ربكم : الذي أنزل ربنا فيما يزعم محمد عليه أساطير الأوّلين، لتكون لهم ذنوبهم التي هم عليها مقيمون من تكذيبهم الله، وكفرهم بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذنوب الذين يصدّونهم عن الإيمان بالله يضلون يفتنون منهم بغير علم. وقوله : ألا ساءَ ما يَزِرُونَ يقول : ألا ساء الإثم الذي يأثمون والثقل الذي يتحملون. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قوله : لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومن أوزار من أضلوا احتمالهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا. 
حدثنا الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال : ومن أوزار الذين يضلونهم حملهم ذنوب أنفسهم، وسائر الحديث مثله. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ وَمِنْ أوْزَارِ الّذِينَ يُضِلّونَهُمْ قال : حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ أي ذنوبهم وذنوب الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساءَ ما يَزِرُونَ. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ وَمِنْ أوْزَارِ الّذِينَ يُضِلّونَهُمْ بغيرِ عِلْمٍ يقول : يحملون ذنوبهم، وذلك مثل قوله : وأثْقالاً مَعَ أثْقالِهِمْ يقول : يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يُضِلُونهم بغير علم. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ وَمِنْ أوْزَارِ الّذِينَ يُضِلّونَهُمْ بغيرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«أيّمَا دَاعِ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتّبِعَ، فإنّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوْزَارِ مَنِ اتّبَعَهُ مِنْ غيرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شَيْءٌ. وأيّمَا دَاعِ دَعا إلى هُدًى فاتّبِعَ، فَلَهُ مِثْلُ أجُورِهِمْ مِنْ غيرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أجوْرِهِمْ شَيْءٌ »**. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن رجل، قال : قال زيد بن أسلم : إنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجها وأنتنه ريحا، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعا وكلما تخوّف شيئا زاده خوفا، فيقول : بئس الصاحب أنت ومن أنت ؟ فيقول : وما تعرفني ؟ فيقول : لا، فيقول : أنا عملك كان قبيحا فلذلك تراني قبيحا، وكان منتنا فلذلك تراني منتنا، طأطئ إليّ أركبك فطالما ركبتني في الدنيا فيركبه، وهو قوله : لِيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ.

### الآية 16:26

> ﻿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [16:26]

القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ مَكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُمْ مّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين الذين يصدّون عن سبيل الله من أراد اتباع دين الله، فراموا مغالبة الله ببناءٍ بَنَوه، يريدون بزعمهم الارتفاع إلى السماء لحرب من فيها. وكان الذي رام ذلك فيما ذُكر لنا جبار من جبابرة النّبَط فقال بعضهم : هو نمرود بن كنعان، وقال بعضهم : هو بختنصر، وقد ذكرت بعض أخبارهما في سورة إبراهيم. وقيل : إن الذي ذُكر في هذا الموضع هو الذي ذكره الله في سورة إبراهيم. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : أمر الذين حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم فأُخُرِجَ، يعني من مدينته، قال : فلقي لوطا على باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به، وقال : إني مهاجر إلى ربي. وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفراخ من فِراخ النسور، فرباهنّ باللحم والخبز حتى كبرن وغلظن واستعجلن، فربطهنّ في تابوت، وقعد في ذلك التابوت ثم رفع لهنّ رِجلاً من لحم، فطرن، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض، فرأى الجبال تدبّ كدبيب النمل. ثم رفع لهنّ اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء. ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه وما تحته، ففزع، فألقى اللحم، فاتّبعته منقضّات. فلما نظرت الجبال إليهنّ، وقد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهنّ، فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن وذلك قول الله تعالى : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبالُ، وهي في قراءة ابن مسعود :**«وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ »**. فكان طَيْرُورتهن به من بيت المقدس ووقوعهن به في جبل الدخان. فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح، فبنى حتى إذا شيده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر، يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث، ولم يكن يُحدث وأخذ الله بنيانه من القواعد فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وأتاهُمْ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ يقول : من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقّض بهم فسقط. فتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت بابل. وإنما كان لسان الناس من قبل ذلك بالسريانية. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَقَدْ مَكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأتَى اللّهُ بُنيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ قال : هو نمرود حين بنى الصرح. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا قال : عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم : إن أوّل جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربع مئة سنة يُضرب رأسُه بالمطارق، أرحم الناس به من جمع يديه، فضرب رأسه بهما، وكان جبارا أربع مئة سنة، فعذّبه الله أربع مئة سنة كمُلكه، ثم أماته الله. وهو الذي كان بنى صَرْحا إلى السماء، وهو الذي قال الله : فَأَتى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ. 
وأما قوله : فأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ فإن معناه : هدم الله بنيانهم من أصله. والقواعد : جمع قاعدة، وهي الأساس. وكان بعضهم يقول : هذا مثل للاستئصال وإنما معناه : إن الله استأصلهم. وقال : العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء. 
وقوله : فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : معناه : فخرّ عليهم السقف من فوقهم أعالي بيوتهم من فوقهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : قَدْ مَكَرَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ إي والله، لأتاها أمر الله من أصلها فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ والسقف : أعالي البيوت، فائتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم، وأتاهُمُ العَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ قال : أتى الله بنيانهم من أصوله، فخرّ عليهم السقف. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ قال : مكر نمرود بن كنعان الذي حاجّ إبراهيم في ربه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وقال آخرون : عنى بقوله : فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أن العذاب أتاهم من السماء. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَخَرّ عَلَيْهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ يقول : عذاب من السماء لَما رأوه استسلموا وذلوا. 
وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال : معنى ذلك : تساقطت عليهم سقوف بيوتهم، إذ أتى أصولها وقواعدها أمر الله، فائتفكت بهم منازلهم لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخرّ السقف، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وُجِد إليه سبيل. وأتاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ يقول تعالى ذكره : وأتى هؤلاء الذين مكروا من قَبْل مشركي قريش، عذاب الله من حيث لا يدرون أنه أتاهم منه.

### الآية 16:27

> ﻿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ [16:27]

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقّونَ فِيهِمْ قَالَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسّوَءَ عَلَى الْكَافِرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : فعل الله بهؤلاء الذين مكروا الذين وصف الله جلّ ثناؤه أمرهم ما فعل بهم في الدنيا من تعجيل العذاب لهم والانتقام بكفرهم وجحودهم وحدانيته، ثم هو مع ذلك يوم القيامة مخزيهم فمذلهم بعذاب أليم وقائل لهم عند ورودهم عليه : أيْنَ شُرَكائيَ الّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقّونَ فِيهم ؟ أصله : من شاققت فلانا فهو يشاقّني، وذلك إذا فعل كلّ واحد منهما بصاحبه ما يشقّ عليه. يقول تعالى ذكره يوم القيامة تقريعا للمشركين بعبادتهم الأصنام : أين شركائي ؟ يقول : أين الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي اليوم ؟ ما لهم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم ما أنا محلّ بكم من العذاب، فقد كنتم تعبدونهم في الدنيا وتتولونهم والوليّ ينصر وليه ؟ وكانت مشاقتهم الله في أوثانهم مخالفتهم إياه في عبادتهم، كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله : أيْنَ شُرَكائيَ الّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقّونَ فِيهم يقول : تخالفوني. 
وقوله : قالَ الّذِينَ أُتُوا العلْمَ إنّ الخِزْي اليَوْمَ والسّوءَ على الكافرِينَ يعني : الذلة والهوان، والسّوءَ يعني : عذاب الله على الكافرين.

### الآية 16:28

> ﻿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:28]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السّلَمَ مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ بَلَىَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قال الذين أوتوا العلم : إن الخزي اليوم والسوء على من كفر بالله فجحد وحدانيته، الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يقول : الذين تقبض أرواحهم الملائكة، ظالِمِي أنْفُسِهمْ يعني : وهم على كفرهم وشركهم بالله. وقيل : إنه عنى بذلك من قتل من قريش ببدر وقد أخرج إليها كرها. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال : ثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال : كان ناس بمكة أقرّوا بالإسلام ولم يهاجروا، فأخرج بهم كرها إلى بدر، فقتل بعضهم، فأنزل الله فيهم : الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهمْ. 
وقوله : فَألْقُوا السّلَمَ يقول : فاستسلموا لأمره، وانقادوا له حين عاينوا الموت قد نزل بهم. ما كُنّا نَعْمَلُ منْ سُوءٍ وفي الكلام محذوف استغني بفهم سامعيه ما دلّ عليه الكلام عن ذكره، وهو : قالوا ما كنا نعمل من سوء. يخبر عنهم بذلك أنهم كذّبوا وقالوا : ما كنا نعصِي الله اعتصاما منهم بالباطل رجاء أن ينجوا بذلك، ، فكذّبهم الله فقال : بل كنتم تعملون السوء وتصدّون عن سبيل الله. إنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول : إن الله ذو علم بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصيه وتأتون فيها ما يسخطه.

### الآية 16:29

> ﻿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [16:29]

القول في تأويل قوله تعالى : فَادْخُلُوَاْ أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ . 
يقول تعالى ذكره، يقول لهؤلاء الظلمة أنفسهم حين يقولون لربهم : ما كنا نعمل من سوء : ادخلوا أبواب جهنم، يعني : طبقات جهنم، خالدِينَ فيها يعني : ماكثين فيها، فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبّرِين يقول : فلبئس منزل من تكبر على الله ولم يقرّ بربوبيته ويصدّق بوحدانيته جهنم.

### الآية 16:30

> ﻿۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [16:30]

القول في تأويل قوله تعالى : وَقِيلَ لِلّذِينَ اتّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لّلّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الْدّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتّقِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وقيل للفريق الاَخر الذين هم أهل إيمان وتقوى لله : ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ قالُوا خَيْرا يقول : قالوا : أنزل خيرا. وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يقول : إنما اختلف الأعراب في قوله : قالُوا أساطِيرُ الأوّلِينَ، وقوله : خَيْرا، والمسألة قبل الجوابين كليهما واحدة، وهي قوله : ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ لأن الكفار جحدوا التنزيل، فقالوا حين سمعوه : أساطير الأوّلين، أي هذا الذي جئت به أساطير الأوّلين ولم ينزل الله منه شيئا. وأما المؤمنون فصدّقوا التنزيل، فقالوا خيرا بمعنى أنه أنزل خيرا، فانتصب بوقوع الفعل من الله على الخير، فلهذا افترقا ثم ابتدأ الخبر فقال : لِلّذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةٌ. وقد بيّنا
القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. 
وقوله : لِلّذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةٌ يقول تعالى ذكره : للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله وأطاعوه فيها ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به حَسَنَةٌ يقول : كرامة من الله، وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ يقول : ولدار الاَخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدّنْيا، وكرامة الله التي أعدّها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا وَلَنِعْمَ دَارُ المُتّقينَ يقول : ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الاَخرة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَقِيلَ لِلّذِينَ اتّقُوا ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ قالُوا خَيْرا لِلّذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةٌ وهؤلاء مؤمنون، فيقال لهم : ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ فيقولون خَيْرا لِلّذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةٌ : أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه.

### الآية 16:31

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [16:31]

القول في تأويل قوله تعالى : جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتّقِينَ . 
يعني تعالى ذكر بقوله : جَنّاتُ عَدْنٍ بساتين للمقام، وقد بيّنا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته. يَدْخُلُونَها يقول : يدخلون جنات عدن. وفي رفع **«جناتٌ »** أوجه ثلاث : أحدها : أن يكون مرفوعا على الابتداء، والآخر : بالعائد من الذكر في قوله :****«يَدْخُلُونَها »****، والثالث : على أن يكون خبر النعم، فيكون المعنى إذا جعلت خبر النعم : ولنعم دار المتقين جنات عدن، ويكون ****«يَدْخُلُونَها »**** في موضع حال، كما يقال : نعم الدار دار تسكنها أنت. وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا التأويل **«يدخلونها »** من صلة **«جنات عدن »**. وقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهَارُ يقول : تجري من تحت أشجارها الأنهار. لَهُمْ فِيها ما يشاءُونَ يقول : للذين أحسنوا في هذه الدنيا في جنات عدن ما يشاءون مما تشتهي أنفسهم وتلذّ أعينهم. كَذلكَ يَجْزِي اللّهُ المُتّقِينَ يقول : كما يجزي الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا بما وصف لكم أيها الناس أنه جزاهم به في الدنيا والآخرة، كذلك يجزي الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

### الآية 16:32

> ﻿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:32]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : كذلك يجزي الله المتقين الذين تَقْبِض أرواحَهم ملائكةُ الله، وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيمان، وطهر الإسلام في حال حياتهم وحال مماتهم. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيّبِينَ قال : أحياء وأمواتا، قدّر الله ذلك لهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وقوله : يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني جلّ ثناؤه أن الملائكة تقبض أرواح هؤلاء المتقين، وهي تقول لهم : سلام عليكم صيروا إلى الجنة بشارة من الله تبشرهم بها الملائكة. كما :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني أبو صخر، أنه سمع محمد بن كعب القُرَظيّ يقول : إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك فقال : السلام عليك وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام. ثم نزع بهذه الآية : الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيّبِينَ. . . إلى آخر الاَية. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس، قوله : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أصحَابِ اليَمِينِ قال : الملائكة يأتونه بالسلام من قِبَل الله، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا الأشبّ أبو عليّ، عن أبي رجاء، عن محمد بن مالك، عن البراء، قال : قوله : سَلامٌ قَوْلاً مِنْ ربّ رَحِيمٍ قال : يسلم عليه عند الموت. 
وقوله : بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول : بما كنتم تصيبون في الدنيا أيام حياتكم فيها طاعة الله طلب مرضاته.

### الآية 16:33

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [16:33]

القول في تأويل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : هل ينتظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، أو يأتي أمر ربك بحشرهم لموقف القيامة. كَذلكَ فَعَلَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول جلّ ثناؤه : كما يفعل هؤلاء من انتظارهم ملائكة الله لقبض أرواحهم أو إتيان أمر الله فعل أسلافهم من الكفرة بالله لأن ذلك في كلّ مشرك بالله. وَما ظَلَمَهُمُ اللّهُ يقول جلّ ثناؤه : وما ظلمهم الله بإحلال سُخْطه، ولكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بمعصيتهم ربهم وكفرهم به، حتى استحقوا عقابه، فعجّل لهم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ تَأْتِيهُمُ المَلائِكَةُ قال : بالموت، وقال في آية أخرى : وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفّى الّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ وهو ملك الموت وله رسل، قال الله تعالى : أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبّكَ ذاكم يوم القيامة. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ يقول : عند الموت حين تتوفاهم، أو يأتي أمر ربك ذلك يوم القيامة.

### الآية 16:34

> ﻿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [16:34]

القول في تأويل قوله تعالى : فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فأصاب هؤلاء الذين فعلوا من الأمم الماضية فعل هؤلاء المشركين من قريش سيئات ما عملوا يعني عقوبات ذنوبهم ونقم معاصيه التي اكتسبوها. وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ يقول : وحلّ بهم من عذاب الله ما كانوا يستهزئون منه ويسخرون عند إنذارهم ذلك رُسل الله، ونزل ذلك بهم دون غيرهم من أهل الإيمان بالله.

### الآية 16:35

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [16:35]

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نّحْنُ وَلآ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرّسُلِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ . 
يقول تعالى ذكره : وقال الذين أشركوا بالله فعبدوا الأوثان والأصنام من دون الله : ما نعبد هذه الأصنام إلا لأن الله قد رضي عبادتنا هؤلاء، ولا نحرم ما حرمنا من البحائر والسوائب إلا أن الله شاء منا ومن آبائنا تحريمناها ورضيه، لولا ذلك لقد غير ذلك ببعض عقوباته أو بهدايته إيانا إلى غيره من الأفعال. يقول تعالى ذكره : كذلك فعل الذين من قبلهم من الأمم المشركة الذين استنّ هؤلاء سنتهم، فقالوا مثل قولهم، وسلكوا سبيلهم في تكذيب رسل الله واتباع أفعال آبائهم الضلال. وقوله : فَهَلْ على الرّسُلِ إلاّ البَلاغُ المُبِينُ يقول جلّ ثناؤه : فهل أيها القائلون لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا على رسلنا الذين نرسلهم بإنذاركم عقوبتنا على كفركم، إلا البلاغ المبين يقول : إلا أن تبلغكم ما أرسلنا إليكم من الرسالة. ويعني بقوله المُبِينُ : الذي يبين عن معناه لمن أبلغه، ويفهمه من أرسل إليه.

### الآية 16:36

> ﻿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [16:36]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ فَمِنْهُم مّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُمْ مّنْ حَقّتْ عَلَيْهِ الضّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ولقد بعثنا أيها الناس في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولاً كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة، وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ يقول : وأبعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم ويصدّكم عن سبيل الله فتضلوا. فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّهُ يقول : فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفّقه لتصديق رسله والقبول منها والإيمان بالله والعمل بطاعته، ففاز وأفلح ونجا من عذاب الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقّتْ عَلَيْهِ الضّلالَةُ يقول : وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقّت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذّبوا رسله واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه وأنزل عليهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين. فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذّبِينَ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش : إن كنتم أيها الناس غير مصدّقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حلّ بهم ما حلّ من بأسنا بكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها والبلاد التي كانوا يعمرونها فانظروا إلى آثار الله فيهم وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم، فإنكم ترون حقيقة ذلك وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 16:37

> ﻿إِنْ تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [16:37]

القول في تأويل قوله تعالى : إِن تَحْرِصْ عَلَىَ هُدَاهُمْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلّ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين إلى الإيمان بالله واتباع الحقّ فإنّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلّ. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء الكوفيين : فإنّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يَضِلّ بفتح الياء من **«يهدي »**، وضمها من **«يضلّ »**. وقد اختلف في معنى ذلك قارئوه كذلك، فكان بعض نحويي الكوفة يزعم أن معناه : فإن الله من أضله لا يهتدي، وقال : العرب تقول : قد هُدي الرجل يريدون قد اهتدى، وهُدي واهتدى بمعنى واحد. وكان آخرون منهم يزعمون أن معناه : فإن الله لا يهدي من أضله، بمعنى : أن من أضله الله فإن الله لا يهديه. وقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة والشام والبصرة :**«فإنّ اللّهَ لاَ يُهْدَى »** بضم الياء من **«يُهدى »** ومن **«يُضل »** وفتح الدال من **«يُهدَى »** بمعنى : من أضله الله فلا هادي له. 
وهذه القراءة أولى القراءتين عندي بالصواب، لأن يَهْدي بمعنى يهتدى قليل في كلام العرب غير مستفيض، وأنه لا فائدة في قول قائل : من أضله الله فلا يهديه، لأن ذلك مما لا يجهله أحد. وإذ كان ذلك كذلك، فالقراءة بما كان مستفيضا في كلام العرب من اللغة بما فيه الفائدة العظيمة أولى وأحرى. 
فتأويل الكلام لو كان الأمر على ما وصفنا : إن تحرص يا محمد على هداهم، فإن من أضله الله فلا هادي له، فلا تجهد نفسك في أمره وبلغه ما أرسلت به لتتمّ عليه الحجة. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يقول : وما لهم من ناصر ينصرهم من الله إذا أراد عقوبتهم، فيحول بين الله وبين ما أراد من عقوبتهم. 
وفي قوله : إنْ تَحْرِصْ لغتان : فمن العرب من يقول : حَرَصَ يَحْرِصُ بفتح الراء في فعَل وكسرها في يفعل. وحَرِصَ يَحْرَصُ بكسر الراء في فعِل وفتحها في يفعَل. والقراءة على الفتح في الماضي والكسر في المستقبل، وهي لغة أهل الحجاز.

### الآية 16:38

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [16:38]

القول في تأويل قوله تعالى  وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنّ أَكْثَرَ الْنّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وحلف هؤلاء المشركون من قريش بالله جَهْد أيْمانِهِمْ حلفهم، لا يبعث الله من يموت بعد مماته، وكذبوا وأبطلوا في أيمانهم التي حلفوا بها كذلك، بل سيبعثه الله بعد مماته، وعدا عليه أن يبعثهم وعد عباده، والله لا يخلف الميعاد. ولَكِنّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ يقول : ولكن أكثر قريش لا يعلمون وعد الله عباده أنه باعثهم يوم القيامة بعد مماتهم أحياء. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وأقْسَمُوا باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ تكذيبا بأمر الله أو بأمرنا، فإن الناس صاروا في البعث فريقين : مكذّب ومصدّق. ذُكر لنا أن رجلاً قال لابن عباس : إن ناسا بهذا العراق يزعمون أن عليّا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأوّلون هذه الآية فقال ابن عباس : كذب أولئك، إنما هذه الاَية للناس عامّة، ولعمري لو كان عليّ مبعوثا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : قال ابن عباس : إن رجالاً يقولون : إن عليّا مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأوّلون : وأقْسَمُوا باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدا عَلَيْهِ حَقّا وَلكِنّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ قال : لو كنا نعلم أن عليّا مبعوث، ما تزوّجنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، ولكن هذه للناس عامة. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، في قوله : وأقْسَمُوا باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ قال : حلف رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عند رجل من المكذّبين، فقال : والذي يرسل الروح من بعد الموت فقال : وإنك لتزعم أنك مبعوث من بعد الموت ؟ وأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا فقال المشرك : إنك تزعم أنك تُبعث بعد الموت ؟ فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت فأنزل الله : وأقْسَمُوا باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدا عَلَيْهِ حَقّا وَلكِنّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن عطاء بن أبي رباح أنه أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول :**«قال الله : سبني ابن آدم، ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذّبني ولم يكن ينبغي له أن يكذّبني فأما تكذيبه إياي فقال : وأقْسَمُوا باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ قال : قلت : بَلى وَعْدا عَلَيْهِ حَقّا. وأما سَبّه إياي فقال : إنّ اللّهَ ثالثُ ثَلاثَةٍ، وقلت : قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ »**.

### الآية 16:39

> ﻿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [16:39]

القول في تأويل قوله تعالى  لِيُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ . 
يقول تعالى ذكره : بل لَيبعثنّ الله من يموت وعدا عليه حقّا، ليبين لهؤلاء الذين يزعمون أن الله لا يبعث من يموت ولغيرهم الذي يختلفون فيه من إحياء الله خلقه بعد فنائهم، وليعلم الذين جحدوا صحة ذلك وأنكروا حقيقته أنهم كانوا كاذبين في قيلهم لا يبعث الله من يموت. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لِيُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال : للناس عامّة.

### الآية 16:40

> ﻿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [16:40]

القول في تأويل قوله تعالى  إِنّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ \* وَالّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنّهُمْ فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَلأجْرُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكوّن ونحدث لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه ولا كُلفة علينا. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله :**«يكون »** فقرأه أكثر قرّاء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله : إنّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال :**«فيكونُ »**، كما قال الشاعر :
\*\*\* يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيعجِمُهْ \*\*\*
وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض المتأخرين من قرّاء الكوفيين :**«فَيَكُونَ »** نصبا، عطفا على قوله : أنْ نَقُولَ لَهُ. وكأن معنى الكلام على مذهبهم : ما قولنا لشيء إذا أردناه إلاّ أن نقول له : كن، فيكون. وقد حُكي عن العرب سماعا : أريد أن آتيك فيَمْنَعَني المطر، عطفا ب **«يَمْنَعَني »** على **«آتيك »**.

### الآية 16:41

> ﻿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [16:41]

وقوله : وَالّذِينَ هاجَرُوا في اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوّئَنّهُمْ فِي الدّنْيا حَسَنَةً يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم. مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا يقول : من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله. لَنُبَوّئَنّهُمْ فِي الدّنْيا حَسَنَةً يقول : لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَالّذِينَ هاجَرُوا فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوّئَنّهُمْ قال : هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. 
حُدثت عن القاسم بن سلام، قال : حدثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي : لَنُبَوّئَنّهُمْ فِي الدّنْيا حَسَنَةً قال : المدينة. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَالّذِينَ هاجَرُوا فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوّئَنّهُمْ فِي الدّنْيا حَسَنَةً قال : هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلمهم، وظَلَمَهُم المشركون. 
وقال آخرون : عنى بقوله : لَنُبَوّئَنّهُمْ فِي الدّنْيا حَسَنَةً لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لَنُبَوّئَنّهُمْ لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا هشيم، عن العوامّ، عمن حدثه أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول : خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخره لك في الآخرة أفضل. ثم تلا هذه الآية : لَنُبَوّئَنّهُمْ فِي الدّنْيا حَسَنَةً ولأَجْرُ الاَخرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معنى لَنُبَوّئَنّهُمْ : لنحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوؤ في كلام العرب الحلول بالمكان والنزول به. ومنه قول الله تعالى : وَلَقَدْ بَوّأْنا بَني إسْرَائيلَ مُبَوّأَ صدْق. وقيل : إن هذه الاَية نزلت في أبي جندل بن سهيل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : حدثنا جعفر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال : نزلت والّذِينَ هاجَرُوا فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا. . . إلى قوله : وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ في أبي جندل بن سهيل. 
وقوله : وَلأَجْرُ الاَخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يقول : ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الاَخرة أكبر، لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : قال الله : وَلأَجْرُ الاَخرَةِ أكْبَرُ أي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

### الآية 16:42

> ﻿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [16:42]

القول في تأويل قوله تعالى  الّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، وآتيناهم الثواب الذي ذكرناه، الذين صبروا في الله على ما نابهم في الدنيا. وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ يقول : وبالله يثقون في أمورهم، وإليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم.

### الآية 16:43

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [16:43]

القول في تأويل قوله تعالى  وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نّوحِيَ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم، للدعاء إلى توحيدنا والانتهاء إلى أمرنا ونهينا، إلاّ رجالاً من بني آدم نوحي إليهم وحينا لا ملائكة، يقول : فلم نرسل إلى قومك إلاّ مثل الذي كنا نرسل إلى من قَبلهم من الأمم من جنسهم وعلى منهاجهم. فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ يقول لمشركي قريش : وإن كنتم لا تعلمون أن الذين كنا نرسل إلى من قبلكم من الأمم رجال من بني آدم مثل محمد صلى الله عليه وسلم وقلتم هم ملائكة أي ظننتم أن الله كلمهم قبلاً، فاسْئَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ وهم الذين قد قرأوا الكتب من قبلهم : التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربيّ، عن ليث، عن مجاهد : فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ قال : أهل التوراة. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا المحاربي، عن سفيان، قال : سألت الأعمش، عن قوله : فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ قال : سمعنا أنه من أسلم من أهل التوراة والإنجيل. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاّ رِجالاً نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال : هم أهل الكتاب. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس : فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال : قال لمشركي قريش : إن محمدا في التوراة والإنجيل. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس، قال : لما بعث الله محمدا رسولاً، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد. قال : فأنزل الله : أكانَ للنّاسِ عَجَبا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنْهُمْ وقال : وَما أرْسلنَا مِنْ قبلكَ إلاّ رِجالاً نُوحِي إلَيهِمْ فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بالبيّناتِ والزّبُرِ فاسألوا أهل الذكر : يعني أهل الكتب الماضية، أبشرا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة ؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد رسولاً. قال : ثم قال : وما أرْسَلْنَا منْ قَبْلك إلاّ رِجَالاً نُوحي إليهم مِنْ أهْلِ القُرَى أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. 
**وقال آخرون في ذلك ما :**
حدثنا به ابن وكيع، قال : حدثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر : فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال : نحن أهل الذكر. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال : الذكر : القرآن. وقرأ : إنّا نَحْنُ نَزّلْنا الذّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافظُونَ، وقرأ : إنّ الّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ. . . الآية.

### الآية 16:44

> ﻿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [16:44]

القول في تأويل قوله تعالى  بِالْبَيّنَاتِ وَالزّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أرسلنا بالبينات والزّبُر رجالاً نوحي إليهم. 
فإن قال قائل : وكيف قيل بالبينات والزّبُر ؟ وما الجالب لهذه الباء في قوله بالبَيّناتِ فإن قلت : جالبها قوله أرْسَلْنَا وَهي من صلته، فهل يجوز أن تكون صلة **«ما »** قبل ****«إلاّ »**** بَعدها ؟ وإن قلت : جالبها غير ذلك، فما هو ؟ وأين الفعل الذي جلبها ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعضهم : الباء التي في قوله :**«بالبَيّناتِ »** من صلة **«أرسلنا »**، وقال :****«إلاّ »**** في هذا الموضع، ومع الجحد والاستفهام في كلّ موضع بمعنى ******«غير »******. وقال : معنى الكلام : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال نوحي إليهم، ويقول على ذلك : ما ضرب إلاّ أخوك زيدا، وهل كلم إلاّ أخوك عمرا، بمعنى : ما ضرب زيدا غير أخيك، وهل كلم عمرا إلاّ أخوك ؟ ويحتجّ في ذلك بقول أوْس بن حَجَر :

أبَنِي لبيني لَسْتُمُ بِيَدٍ  إلا يَدٍ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُويقول : لو كانت **********«إلا »********** بغير معنى لفسد الكلام، لأن الذي خفض الباء قبل **********«إلا »********** لا يقدر على إعادته بعد **********«إلا »********** لخفض اليد الثانية، ولكن معنى **********«إلا »********** معنى ******«غير »******. ويستشهد أيضا بقول الله عزّ وجلّ : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّهُ ويقول :**********«إلا »********** بمعنى ******«غير »****** في هذا الموضع. وكان غيره يقول : إنما هذا على كلامين، يريد : وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً أرسلنا بالبينات والزبر. قال : وكذلك قول القائل : ما ضرب إلا أخوك زيدا معناه : ما ضرب إلا أخوك، ثم يبتدئ ضرب زيدا، وكذلك ما مَرّ إلا أخوك بزيد ما مرّ إلا أخوك، ثم يقول : مرّ بزيد ويستشهد على ذلك ببيت الأعشى :ولَيْسَ مُجِيرا إنْ أتَى الحَيّ خائِفٌ  وَلا قائِلاً إلاّ هُوَ المُتَعَيّباويقول : لو كان ذلك على كلمة لكان خطأ، لأن **«المُتَعَيّبا »** من صلة القائل، ولكن جاز ذلك على كلامين. وكذلك قول الآخر :نُبّئْتُهُمْ عَذّبُوا بالنّارِ جارَهُمُ  وَهَلْ يُعَذّبُ إلاّ اللّهُ بالنّارِفتأويل الكلام إذن : وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر، وأنزلنا إليك الذكر. والبينات : هي الأدلة والحجج التي أعطاها الله رسله أدلة على نبوّتهم شاهدة لهم على حقيقة ما أتوا به إليهم من عند الله. والزّبُر : هي الكتب، وهي جمع زَبُور، من زَبَرْت الكتاب وذَبَرته : إذا كتبته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : بالبَيّناتِ والزّبُرِ قال : الزبر : الكتب. 
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : بالبَيّناتِ والزّبُرِ قال : الآيات. والزبر : الكتب. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الزّبُر : الكُتُب. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَالزّبُرِ يعني : بالكتب. 
وقوله : وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذّكْرَ يقول : وأنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن تذكيرا للناس وعظة لهم. لِتُبَيّنَ للنّاسِ يقول : لتعرفهم ما أنزل إليهم من ذلك. وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ يقول : وليتذكروا فيه ويعتبروا به أي بما أنزلنا إليك. وقد :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : حدثنا الثوري، قال : قال مجاهد : وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ قال : يطيعون.

### الآية 16:45

> ﻿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [16:45]

القول في تأويل قوله تعالى  أَفَأَمِنَ الّذِينَ مَكَرُواْ السّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراموا أن يفتنوهم عن دينهم من مشركي قريش الذين قالوا إذ قيل لهم ماذا أنزل ربكم : أساطير الأوّلين، صدّا منهم لمن أراد الإيمان بالله عن قصد السبيل، أن يخسف الله بهم الأرض على كفرهم وشركهم، أو يأتيهم عذاب الله من مكان لا يشعر به ولا يدري من أين يأتيه ؟ وكان مجاهد يقول : عنى بذلك نمرود بن كنعان. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : أفَأمِنَ الّذِينَ مَكَرُوا السّيّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأرْضَ. . . إلى قوله : أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ قال : هو نمرود بن كنعان وقومه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وإنما اخترنا القول الذي قلناه في تأويل ذلك، لأن ذلك تهديد من الله أهل الشرك به، وهو عقيب قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاّ رِجالاً نُوحِي إلَيْهِمْ فاسألوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعلَمونَ فكان تهديد من لم يقرّ بحجة الله الذي جرى الكلام بخطابه قبل ذلك أحرى من الخبر عمن انقطع ذكره عنه. 
وكان قتادة يقول في معنى السيئات في هذا الموضع، ما :
حدثنا به بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أفَأمنَ الّذِينَ مَكَرُوا السّيّئاتِ : أي الشرك.

### الآية 16:46

> ﻿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [16:46]

القول في تأويل قوله تعالى  أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ \* أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىَ تَخَوّفٍ فَإِنّ رَبّكُمْ لَرَؤُوفٌ رّحِيمٌ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : أوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ أو يهلكهم في تصرّفهم في البلاد وتردّدهم في أسفارهم. فمَا هُمْ بِمعجِزِين يقول جلّ ثناؤه : فإنهم لا يعجزون الله من ذلك إن أراد أخذهم كذلك. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ يقول : في اختلافهم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ قال : إنْ شئت أخذته في سفر. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : أوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ في أسفارهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله. 
**وقال ابن جريج في ذلك ما :**
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : أوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ قال : التقلب : أن يأخذهم بالليل والنهار.

### الآية 16:47

> ﻿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [16:47]

وأما قوله : أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ فإنه يعني : أو يهلكهم بتخوّف، وذلك بنقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال منه : تخوّف مال فلان الإنفاق : إذا انتقصه، ونحو تخوّفه من التخوّف بمعنى التنقص، وقول الشاعر :

تَخَوّفَ السّيْرُ مِنْها تامِكا قَرِدا  كما تَخَوّفَ عُودَ النّبْعَةِ السّفَنُيعني بقوله : تخوّف السير : تنقص سَنامها. وقد ذكرنا عن الهيثم بن عديّ أنه كان يقول : هي لغة لأزد شَنوءة معروفة لهم ومنه قول الآخر :تَخَوّفَ عَدْوُهُمْ مالي وأهْدَى  سَلاسِل في الحُلُوقِ لَهَا صَلِيلُوكان الفرّاء يقول : العرب تقول : تحوّفته : أي تنقصته، تحوّفا : أي أخذته من حافاته وأطرافه، قال : فهذا الذي سمعته، وقد أتى التفسير بالحاء وهما بمعنى. قال : ومثله ما قرىء بوجهين قوله : إن لكَ في النّهارِ سَبْحا و **«سَبْخا »**. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن المسعودي، عن إبراهيم بن عامر بن مسعود، عن رجل، عن عُمَر أنه سألهم عن هذه الآية : أوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ فقالوا : ما نرى إلاّ أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات، فقال عمر : ما أرى إلاّ أنه على ما تنتقصون من معاصي الله. قال : فخرج رجل ممن كان عند عمر، فلقى أعرابيّا، فقال : يا فلان ما فعل ربك ؟ قال : قد تَخَيفته، يعني تنقصته. قال : فرجع إلى عمر فأخبره، فقال : قدّر الله ذلك. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخُوّفٍ يقول : إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوّف بذلك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس : على تَخَوّفٍ قال : التنقص والتفزيع. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ على تنقص. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : على تَخَوّفٍ قال : تنقص. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : أو يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ فيعاقب أو يتجاوز. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ قال : كان يقال : التخوّف : التنقّص، ينتقصهم من البلدان من الأطراف. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوّفٍ يعني : يأخذ العذاب طائفة ويترك أخرى، ويعذّب القرية ويهلكها، ويترك أخرى إلى جنبها. 
وقوله : فإنّ رَبّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ يقول : فإن ربكم إن لم يأخذ هؤلاء الذين مكروا السيئات بعذاب معجّل لهم، وأخذهم بموت وتنقص بعضهم في أثر بعض، لرءوف بخلقه، رحيم بهم، ومن رأفته ورحمته بهم لم يخسف بهم الأرض، ولم يعجّل لهم العذاب، ولكن يخوّفهم وينقّصهم بموت.

### الآية 16:48

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [16:48]

القول في تأويل قوله تعالى  أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىَ مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشّمَآئِلِ سُجّداً لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ . 
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة : أو لَمْ يَرَوْا بالياء على الخبر عن الذين مكروا السيئات. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين :**«أو لَمْ تَرَوا »** بالتاء على الخطاب. 
وأولى القراءتين عندي الصواب قراءة من قرأ بالياء على وجه الخبر عن الذين مكروا السيئات لأن ذلك في سياق قَصَصِهم والخبر عنهم، ثم عقب ذلك الخبر عن ذهابهم عن حجة الله عليهم وتركهم النظر في أدلته والاعتبار بها. فتأويل الكلام إذن : أو لم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم قائم شجر أو جبل أو غير ذلك يَتَفَيّأُ ظِلالَهُ عَنِ اليَمِينِ والشّمَائِلِ يقول : يرجع من موضع إلى موضع، فهو في أوّل النهار على حال، ثم يتقلّص، ثم يعود إلى حال أخرى في آخر النهار. 
وكان جماعة من أهل التأويل يقولون في اليمين والشمائل ما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد عن قتادة، قوله : أو لَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشمائِلِ سُجّدا لِلّهِ أما اليمين : فأوّل النهار وأما الشمال : فآخر النهار. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : يَتَفَيّأُ ظِلالُه عَنِ اليَمِينِ والشّمائِلِ قال : الغدوّ والاَصال، إذا فاءت الظّلال ظلال كلّ شيء بالغدوّ سجدت لله، وإذا فاءت بالعشيّ سجدت لله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَتَفَيّأُ ظِلالُه عَنِ اليَمِينِ والشّمائِلِ يعني : بالغدوّ والاَصال، تسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفيء الظلّ، ثم تسجد لله إلى الليل، يعني : ظلّ كلّ شيء. 
وكان ابن عباس يقول في قوله يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ ما :
حدثنا المثنى، قال : أخبرنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ يقول : تتميل. 
واختلف في معنى قوله : سُجّدا لِلّهِ فقال بعضهم : ظلّ كلّ شيء سجوده. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ قال : ظلّ كلّ شيء سجوده. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا إسحاق الرازيّ، عن أبي سنان، عن ثابت عن الضحاك : يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ قال : سجد ظلّ المؤمن طوعا، وظلّ الكافر كَرْها. 
وقال آخرون : بل عنى بقوله يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ كلاّ عن اليمين والشمائل في حال سجودها، قالوا : وسجود الأشياء غير ظلالها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأَوديّ، قالا : حدثنا حَكّام، عن أبي سنان، عن ثابت عن الضحاك، في قول الله : أو لَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ قال : إذا فاء الفيء توجه كلّ شيء ساجدا قبَل القبلة من نبت أو شجر، قال : فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا الحِمّانيّ، قال : حدثنا يحيى بن يمان، قال : حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد في قول الله : يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ قال : إذا زالت الشمس سجد كلّ شيء لله عزّ وجلّ. 
وقال آخرون : بل الذي وصف الله بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء، فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : أو لَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيأُ ظِلالُهُ قال : هو سجود الظلال، ظلال كلّ شيء ما في السموات وما في الأرض من دابة، قال : سجود ظلال الدوابّ، وظلال كلّ شيء. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أو لَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ ما خلق من كلّ شيء عن يمينه وشمائله، فلفظ ما لفظ عن اليمين والشمائل، قال : ألم تر أنك إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إل مغربها ظلاّ ؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً، وقبض الله الظلّ. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر في هذه الاَية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها : مَيَلانها ودورانها من جانب إلى جانب وناحية إلى ناحية، كما قال ابن عباس يقال من ذلك : سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد : إذا أميل للركوب. وقد بيّنا معنى السجود في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. 
وقوله : وَهُمْ دَاخرُونَ يعني : وهم صاغرون، يقال منه : دخر فلان لله يدخر دخرا ودخورا : إذا ذلّ له وخضع ومنه قول ذي الرّمّة :

فَلَمْ يَبْقَ إلاّ داخِرٌ فِي مُخَيّسٍ  ومُنْجَحِرٌ فِي غيرِ أرْضِكَ في جُحْرِوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَهُمْ دَاخِرُونَ : صاغرون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَهُمْ دَاخِرُونَ : أي صاغرون. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله. 
وأما توحيد اليمين في قوله : عَنِ اليَمِينِ و **«الشّمائِلِ »** فجمعها، فإن ذلك إنما جاء كذلك، لأن معنى الكلام : أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلال ما خلق من شيء عن يمينه : أي ما خلق، وشمائله. فلفظ **«ما »** لفظ واحد، ومعناه معنى الجمع، فقال :**«عن اليمين »** بمعنى : عن يمين ما خلق، ثم رجع إلى معناه في الشمائل. وكان بعض أهل العربية يقول : إنما تفعل العرب ذلك، لأن أكثر الكلام مواجهة الواحد الواحد، فيقال للرجل : خذ عن يمينك، قال : فكأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من القوم، وإذا جمع فهو الذي لا مساءلة فيه واستشهد لفعل العرب ذلك بقول الشاعر :بِفي الشّامِتِينَ الصّخْرُ إنْ كانَ هَدّنِي  رَزِيّةُ شِبْلَيْ مُخْدِرٍ في الضّراغمِفقال :**«بِفي الشامتين »**، ولم يقل :«بأفواه وقول الآخر :الوَارِدُونَ وتَيْمٌ فِي ذَرَا سَبإٍ  قد عَضّ أعْناقَهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيسِولم يقل : جلود.

### الآية 16:49

> ﻿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [16:49]

القول في تأويل قوله تعالى  وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِن دَآبّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابّة يدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة. وَالّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وظلالهم تتفيأ عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون. 
وكان بعض نحويّي البصرة يقول : اجتزىء بذكر الواحد من الدوابّ عن ذكر الجميع. وإنما معنى الكلام : ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من الدوابّ والملائكة، كما يقال : ما أتاني من رجل، بمعنى : ما أتاني من الرجال. 
وكان بعض نحويّي الكوفة يقول : إنما قيل : من دابة، لأن ****«ما »**** وإن كانت قد تكون على مذهب الذي، فإنها غير مؤقتة، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء، والجزاء يدخل من فيما جاء من اسم بعده من النكرة، فيقال : من ضربه من رجل فاضربوه، ولا تسقط **«مِن »** مِن هذا الموضع كراهية أن تشبه أن تكون حالاً ل **«من »** و ****«ما »****، فجعلوه بمن ليدلّ على أنه تفسير لما ومن لأنهما غير موقتتين، فكان دخول من فيما بعدهما تفسيرا لمعناهما، وكان دخول من أدلّ على ما لم يوقت من من وما، فلذلك لم تلغيا.

### الآية 16:50

> ﻿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩ [16:50]

القول في تأويل قوله تعالى  يَخَافُونَ رَبّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات وما في الأرض من دابة، ربّهم من فوقهم، أن بعذّبهم إن عَصَوا أمره. ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ يقول : ويفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدّون حقوقه ويجتنبون سُخْطه.

### الآية 16:51

> ﻿۞ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [16:51]

القول في تأويل قوله تعالى  وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإيّايَ فَارْهَبُونِ . 
يقول تعالى ذكره : وقال الله لعباده : لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودَين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك. فإيّايَ فارْهَبُونِ يقول : فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا.

### الآية 16:52

> ﻿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ [16:52]

القول في تأويل قوله تعالى  وَلَهُ مَا فِي الْسّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتّقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولله ملك ما في السموات والأرض من شيء، لا شريك له في شيء من ذلك، هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبيده حياتهم وموتهم. وقوله : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا يقول جلّ ثناؤه : وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا، يقال منه : وَصَبَ الدّينُ يَصِبُ وُصُوبا ووَصْبا كما قال الدّيِليّ :

لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ  يَوْما بِذَمّ الدّهْرِ أجمَعَ وَاصِباومنه قول الله : ولَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ وقول حسان :غَيّرَتْهُ الرّيحُ تَسْفِي بِهِ  وهَزِيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُفأما من الألم، فإنما يقال : وصب الرجل يُوصَبُ وَصَبا، وذلك إذا أعيا وملّ ومنه قول الشاعر :لا يغْمِزُ السّاقَ مِنْ أيْنٍ ولا وَصَبٍ  ولا يعَضّ على شُرْسُوفِهِ الصّفَرُوقد اختلف أهل التأويل في تأويل الواصب، فقال بعضهم : معناه، ما قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين عن أبي نضرة، عن ابن عباس : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا قال : دائما. 
حدثني إسماعيل بن موسى، قال : أخبرنا شريك، عن أبي حصين، عن عكرمة، في قوله : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا قال : دائما. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن يعلى بن النعمان، عن عكرمة، قال : دائما. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال أخبرنا : إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا قال : دائما. 
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : ولَه الدّين وَاصبا قال : دائما. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا قال : دائما. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هُشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا : أي دائما، فإن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا من خلقه إلاّ عبده طائعا أو كارها. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَاصِبا قال : دائما، ألا ترى أنه يقول : عَذَابٌ وَاصِبٌ : أي دائم ؟ 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا قال : دائما، والواصب : الدائم. 
وقال آخرون : الواصب في هذا الموضع : الواجب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن يَعْلَى بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا قال : واجبا. 
وكان مجاهد يقول : معنى الدين في هذا الموضع : الإخلاص. وقد ذكرنا معنى الدين في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا قال : الإخلاص. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : الدّينُ : الإخلاص. 
وقوله : أفَغَيْرَ اللّهِ تَتّقُونَ يقول تعالى ذكره : أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه.

### الآية 16:53

> ﻿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [16:53]

القول في تأويل قوله تعالى  وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمّ إِذَا مَسّكُمُ الضّرّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ . 
اختلف أهل العربية في وجه دخول الفاء في قوله : فَمِنَ اللّهِ، فقال بعض البصريين : دخلت الفاء ؛ لأن ********«ما »******** بمنزلة ****«من »**** فجعل الخبر بالفاء. وقال بعض الكوفيين :********«ما »******** في معنى جزاء، ولها فعل مضمر، كأنك قلت : ما يكن بكم من نعمة فمن الله ؛ لأن الجزاء لا بدّ له من فعل مجزوم، إن ظهر فهو جزم، وإن لم يظهر فهو مضمر كما قال الشاعر :

إن العَقْلُ في أموَالِنا لا نَضِقْ بِهِ  ذِرَاعا وَإنْ صَبْرا فنَعْرِفُ للصّبْرِوقال : أراد : إن يكن العقل فأضمره. قال : وإن جعلت **«ما بكم »** في معنى ****«الذي »**** جاز، وجعلت صلته **«بكم »** و ********«ما »******** في موضع رفع بقوله : فَمِنَ اللّهِ، وأدخل الفاء كما قال : إنّ المَوْتَ الّذِي تَفِرّونَ مِنْهُ فإنّه مُلاقِيكُمْ، وكل اسم وصل مثل ****«من »**** و ********«ما »******** و ****«الذي »****، فقد يجوز دخول الفاء في خبره ؛ لأنه مضارع للجزاء، والجزاء قد يجاب بالفاء، ولا يجوز أخوك فهو قائم، لأنه اسم غير موصول، وكذلك تقول : مالك لي، فإن قلت : مالك، جاز أن تقول : مالك فهو لي، وإن ألقيت الفاء فصواب. 
وتأويل الكلام : ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره ؛ لأن ذلك إليه وبيده. ثُمّ إذَا مَسّكُمُ الضّرّ يقول : إذا أصابكم في أبدانكم سَقَم ومرض وعلة عارضة وشدّة من عيش، فإلَيْهِ تَجْأَرُونَ، يقول : فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به، ليكشف ذلك عنكم. وأصله : من جؤار الثور، يقال منه : جأر الثور يجأر جُؤارا، وذلك إذا رفع صوتا شديدا من جوع أو غيره، ومنه قول الأعشى :وَما أيْبُلِيّ عَلى هَيْكَلٍ  بَناهُ وَصَلّبَ فِيهِ وصَارَايُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي  كِ طَوْرا سُجُودا وَطَوْرا جُؤَارايعني بالجؤار : الصياح، إما بالدعاء وإما بالقراءة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : فإلَيْهِ تَجأَرُونَ قال : تضرعون دعاء. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : الضّرّ : السّقْم.

### الآية 16:54

> ﻿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [16:54]

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ إِذَا كَشَفَ الضّرّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ \* لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ثم إذا وهب لكم ربكم العافية، ورفع عنكم ما أصابكم من المرض في أبدانكم، ومن الشدّة في معاشكم، وفرّج البلاء عنكم،  إذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ  يقول : إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكا في عبادتهم، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح، شكرا لغير من أنعم عليهم بالفرج، مما كانوا فيه من الضرّ.

### الآية 16:55

> ﻿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [16:55]

" ليَكْفُرُوا بِمَا آتَيْناهُمْ " يقول : ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضرّ عنهم. " فَتَمَتّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ "، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيات وتهديد لهم، يقول لهم جلّ ثناؤه : تمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم، وتبلغوا الميقات الذي وقته لحياتكم وتمتعكم فيها، فإنكم من ذلك ستصيرون إلى ربكم، فتعلمون بلقائه وبال ما كسبت أيديكم، وتعرفون سوء مغبة أمركم، وتندمون حين لا ينفعكم الندم.

### الآية 16:56

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ۗ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ [16:56]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مّمّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللّهِ لَتُسْأَلُنّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويجعل هؤلاء المشركون من عَبَدة الأوثان، لما لا يعلمون منه ضرّا ولا نفعا نَصِيبا، يقول : حظّا وجزاء مما رزقناهم من الأموال، إشراكا منهم له الذي يعلمون أنه خلقهم، وهو الذي ينفعهم ويضرّهم دون غيره. كالذي :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : ويَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبا مِمّا رزَقْناهُمْ قال : يعلمون أن الله خلقهم ويضرّهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرّهم ولا ينفعهم نصيبا مما رزقناهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ويَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبا مِمّا رَزَقْناهُمْ، وهم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم نصيبا مما رزقناهم، وجزءا من أموالهم يجعلونه لأوثانهم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : ويَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبا مِمّا رزَقْناهُمْ، قال : جعلوا لآلهتهم التي ليس لها نصيب ولا شيء، جعلوا لها نصيبا مما قال الله من الحرث والأنعام، يسمون عليها أسماءها ويذبحون لها. 
وقوله : تاللّهِ لتسألن عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ، يقول تعالى ذكره : والله أيها المشركون الجاعلون الآلهة والأنداد نصيبا فيما رزقناكم شركا بالله وكفرا، ليسألنكم الله يوم القيامة عما كنتم في الدنيا تفترون، يعني : تختلقون من الباطل والإفك على الله بدعواكم له شريكا، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيبا، ثم ليعاقبنكم عقوبة تكون جزاء لكفرانكم نعمه، وافترائكم عليه.

### الآية 16:57

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [16:57]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مّا يَشْتَهُونَ \* وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ومن جهل هؤلاء المشركين، وخُبث فعلهم، وقبح فِرْيتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم ودبّرهم وأنعم عليهم، فاستوجب بنعمه عليهم الشكر، واستحقّ عليهم الحمد، البَنَاتِ، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نزّه جلّ جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم، إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه. ولا ينبغي أن يكون له من الولد، أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم، ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم. وفي ****«ما »**** التي في قوله : " ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ "، وجهان من العربية : النصب عطفا لها على **«البنات »**، فيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك : ويجعلون لله البنات ولهم البنين الذين يشتهون، فتكون ****«ما »**** للبنين، والرفع على أن الكلام مبتدأ من قوله : " ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ " فيكون معنى الكلام : ويجعلون لله البنات ولهم البنون. 
وقوله : وَإذَا بُشّرَ أحَدُهُمْ بالأُنْثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا ، يقول : وإذا بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات، بولادة ما يضيفه إليه من ذلك له، ظلّ وجهه مسودّا من كراهته له، وَهُوَ كَظِيمٌ، يقول : قد كَظَم الحزنَ، وامتلأ غمّا بولادته له، فهو لا يظهر ذلك. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ويَجْعَلُونَ لِلّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ، ثم قال :{ وَإذَا بُشّرَ أحَدُهُمْ بالأُنثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ. . . إلى آخر الآية، يقول : يجعلون لله البنات، ترضونهنّ لي ولا ترضونهنّ لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا وُلد للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسها في التراب وهي حية. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذَا بُشّرَ أحَدهُمْ بالأُنْثى ظَلّ وَجْهَهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : وَهُوَ كَظِيمٌ قال : حزين. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : وَهُوَ كَظِيمٌ قال : الكظيم : الكميد. 
وقد بيّنا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.

### الآية 16:58

> ﻿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [16:58]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٧:القول في تأويل قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مّا يَشْتَهُونَ \* وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ومن جهل هؤلاء المشركين، وخُبث فعلهم، وقبح فِرْيتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم ودبّرهم وأنعم عليهم، فاستوجب بنعمه عليهم الشكر، واستحقّ عليهم الحمد، البَنَاتِ، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نزّه جلّ جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم، إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه. ولا ينبغي أن يكون له من الولد، أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم، ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم. وفي ********«ما »******** التي في قوله :" ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ "، وجهان من العربية : النصب عطفا لها على ****«البنات »****، فيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك : ويجعلون لله البنات ولهم البنين الذين يشتهون، فتكون ********«ما »******** للبنين، والرفع على أن الكلام مبتدأ من قوله :" ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ " فيكون معنى الكلام : ويجعلون لله البنات ولهم البنون. 
وقوله : وَإذَا بُشّرَ أحَدُهُمْ بالأُنْثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا ، يقول : وإذا بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات، بولادة ما يضيفه إليه من ذلك له، ظلّ وجهه مسودّا من كراهته له، وَهُوَ كَظِيمٌ، يقول : قد كَظَم الحزنَ، وامتلأ غمّا بولادته له، فهو لا يظهر ذلك. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ويَجْعَلُونَ لِلّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ، ثم قال :{ وَإذَا بُشّرَ أحَدُهُمْ بالأُنثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ... إلى آخر الآية، يقول : يجعلون لله البنات، ترضونهنّ لي ولا ترضونهنّ لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا وُلد للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسها في التراب وهي حية. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذَا بُشّرَ أحَدهُمْ بالأُنْثى ظَلّ وَجْهَهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : وَهُوَ كَظِيمٌ قال : حزين. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله : وَهُوَ كَظِيمٌ قال : الكظيم : الكميد. 
وقد بيّنا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. ---

### الآية 16:59

> ﻿يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [16:59]

يقول تعالى ذكره : يتوارى هذا المبشّر بولادة الأنثى من الولد له من القوم، فيغيب عن أبصارهم مِنْ سُوءِ ما بُشّرَ بِهِ، يعني : من مساءته إياه، مميلاً بين أن يمسكه على هُون : أي على هوان، وكذلك ذلك لغة قريش فيما ذكر لي، يقولون للهوان : الهُون ومنه قول الحطيئة :

فلّما خَشِيتُ الهُونَ والعَيْرُ مُمْسِكٌ  على رَغْمِهِ ما أثبتَ الحبلَ حافِرُهْوبعض بني تميم جعل الهُونَ مصدرا للشيء الهين. ذكر الكسائي أنه سمعهم يقولون : إن كنت لقليل هون المؤنة منذ اليوم قال : وسمعت : الهوان في مثل هذا المعنى، سمعت منهم قائلاً يقول لبعير له : ما به بأس غير هوانه، يعني خفيف الثمن، فإذا قالوا : هو يمشي على هَوْنه، لم يقولوه إلا بفتح الهاء، كما قال تعالى : وَعبادُ الرّحْمَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ على الأرْضِ هَوْنا. أمْ يَدسّهُ فِي التّرَابِ يقول : يدفنه حيّا في التراب فيئده. كما : حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : أيُمْسكُهُ على هُونٍ أمْ يَدُسّهُ في التّرَابِ يئد ابنته. 
وقوله : " ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ " يقول : ألا ساء الحكم الذي يحكم هؤلاء المشركون، وذلك أن جعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم، وجعلوا لما لا ينفعهم ولا يضرّهم شركا فيما رزقهم الله، وعبدوا من خلقهم وأنعم عليهم.

### الآية 16:60

> ﻿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [16:60]

القول في تأويل قوله تعالى : لِلّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . 
وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه أن قوله : وَإذَا بُشّرَ أحدَهُمْ بالأنْثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ، والآية التي بعدها مثل ضربه الله لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله البنات، فبين بقوله : للّذِينَ لا يؤمنون بالاَخِرَةِ مَثَلُ السّوْءِ، أنه مثل، وعنى بقوله جلّ ثناؤه : للّذِينَ لا يُوءْمِنُونَ بالاَخِرَةِ، للذين لا يصدّقون بالمعاد والثواب والعقاب من المشركين. مَثَلُ السّوْءِ : وهو القبيح من المثل، وما يسوء من ضرب له ذلك المثل. ولِلّهِ المَثَلُ الأعْلى، يقول : ولله المثل الأعلى، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَلِلّهِ المَثَلُ الأعْلَى قال : شهادة أن لا إله إلا الله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : " للّذِينَ لا يُوءْمِنُونَ بالاَخِرَةِ مَثَلُ السّوْءِ وَلِلّهِ المَثَلْ الأعْلَى "، الإخلاص والتوحيد. 
وقوله : " وَهُوَ العَزِيرُ الحَكِيمُ "، يقول تعالى ذكره : والله ذو العزّة التي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، ولا عقوبة من أراد عقوبته على معصيته إياه، ولا يتعذّر عليه شيء أراده وشاءه ؛ لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، الحكيم في تدبيره، فلا يدخل تدبيره خَلَل ولا خطأ.

### الآية 16:61

> ﻿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [16:61]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ مّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبّةٍ وَلَكِن يُؤَخّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مّسَمّىَ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللّهُ عصاة بني آدم بمعاصيهم، ما تَرَكَ عَلَيْها، يعني على الأرض، مِنْ دَابّةٍ تدبّ عليها. ولَكِنْ يُؤخّرُهُمْ، يقول : ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة فلا يُعاجلهم بالعقوبة، إلى أجَلٍ مُسَمّى، يقول : إلى وقتهم الذي وُقّت لهم. فإذَا جاءَ أجَلُهُمْ، يقول : فإذا جاء الوقت الذي وُقّت لهلاكهم، لا يَسْتَأْخِرُونَ عن الهلاك ساعة فيمهلون، وَلا يَسْتَقْدِمُونَ له حتى يستوفُوا آجالهم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال : كاد الجُعَل أن يعذّب بذنب بني آدم. وقرأ : لَوْ يُؤاخِذُ اللّهُ النّاسَ بِظُلْمهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابّةٍ. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعيّ، قال : حدثنا محمد بن جابر الجعفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال : سمع أبو هريرة رجلاً وهو يقول : إن الظالم لا يضرّ إلا نفسه، قال : فالتفت إليه فقال : بلى، والله إن الحباري لتموت في وكرها هزالاً بظلم الظالم. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا أبو عبيدة الحداد، قال : حدثنا قرة بن خالد السدوسي، عن الزبير بن عديّ، قال : قال ابن مسعود : خطيئة ابن آدم قتلت الجُعَل. 
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، قال : قال عبد الله : كاد الجُعَل أن يهلك في جُحره بخطيئة ابن آدم. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أخبرنا إسحاق، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال الله : فإذَا جاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ قال : نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة، ولا يقدّم ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخّر ما شاء ويُقدّم ما شاءَ.

### الآية 16:62

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [16:62]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنّ لَهُمُ الْحُسْنَىَ لاَ جَرَمَ أَنّ لَهُمُ الْنّارَ وَأَنّهُمْ مّفْرَطُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهونه لأنفسهم. وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ يقول : وتقول ألسنتهم الكذب وتفتريه.  أنّ لهم الحُسْنَى ، ف " أن " في موضع نصب ؛ لأنها ترجمة عن الكذب. وتأويل الكلام : ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم، ويزعمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسهم، البنات يجعلونهن لله تعالى، وزعموا أن الملائكة بنات الله. وأما الحُسنى التي جعلوها لأنفسهم : فالذكور من الأولاد، وذلك أنهم كانوا يئدون الإناث من أولادهم، ويستبقون الذكور منهم، ويقولون : لنا الذكور ولله البنات. وهو نحو قوله : ويَجْعَلُونَ لِلّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ وَلهُمْ ما يَشْتَهونَ . 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى ، قال : قول قريش : لنا البنون ولله البنات. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : قول كفّار قُريش. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ويَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ ألْسِنَتِهُمُ الكَذِبَ ، أي : يتكلمون بأن لهم الحُسنى، أي : الغلمان. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : أنّ لَهُمُ الحُسْنَى ، قال : الغلمان. 
وقوله : لا جَرَمَ أن لَهُمُ النّارَ وأنّهُمْ مُفْرَطُونَ  يقول تعالى ذكره : حقّا واجبا أن لهؤلاء القائلين لله البنات، الجاعلين له ما يكرهونه لأنفسهم، ولأنفسهم الحسنى، عند الله يوم القيامة النار. 
وقد بيّنا تأويل قول الله : لا جَرَمَ في غير موضع من كتابنا هذا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 
ورُوي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : لا جَرَمَ يقول : بلى. 
وقوله : لا جَرَمَ، كان بعض أهل العربية يقول : لم تُنْصَب جَرَمَ ب ****«لا »**** كما نصبت الميم من قول : لا غلام لك، قال : ولكنها نُصِبَت لأنها فعل ماض، مثل قول القائل : قَعَدَ فلان وجلس، والكلام : لا ردّ لكلامهم، أي : ليس الأمر هكذا، جَرَم : كَسَبَ، مثل قوله : لا أقسم، ونحو ذلك. وكان بعضهم يقول : نصب **«جَرَمَ »** ب ****«لا »****، وإنما بمعنى : لا بدّ، ولا محالة ولكنها كثرت في الكلام حتى صارت بمنزلة **«حقّا »**. 
وقوله : وأنّهُمْ مُفْرَطُونَ ، يقول تعالى ذكره : وأنهم مُخَلّفون، متروكون في النار، منسيّون فيها. 
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال أكثرهم بنحو ما قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية : لا جَرَمَ أنّ لهُمُ النّارَ وأنّهُمْ مُفْرَطُونَ  قال : منسيّون مُضَيّعون. 
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا زيد بن حباب، قال : أخبرنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مثله. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا بهز بن أسد، عن شعبة، قال : أخبرني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، مثله. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله : لا جَرَمَ أنّ لَهُمْ النّارَ وأنّهُمْ مُفْرَطُونَ ، قال : متروكون في النار، منسيّون فيها. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : حصين أخبرنا عن سعيد بن جبير، بمثله. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا هشيم، عن حصين، عن سعيد بن جبير بمثله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وأنّهُم مُفْرَطُونَ  قال : منسيّون. 
حدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبدة وأبو معاوية وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك : وأنّهُم مُفْرَطُونَ ، قال : متروكون في النار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم، عن مجاهد : مُفْرَطُونَ ، قال : مَنْسيّون. 
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : ثني أبي، عن الحسين، عن قتادة : وأنّهُم مُفْرَطُونَ يقول : مُضَاعُون. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا بدل، قال : حدثنا عباد بن راشد، قال : سمعت داود بن أبي هند، في قول الله : وأنّهُم مُفْرَطُونَ ، قال : منسيون في النار. 
وقال آخرون : معنى ذلك : مُعْجَلُون إلى النار مقدّمون إليها. وذهبوا في ذلك إلى قول العرب : أفرطنا فلانا في طلب الماء، إذا قدّموه لإصلاح الدّلاء والأرشية، وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه، فهو مُفْرَط. فأما المتقدّم نفسه، فهو فارط، يقال : قد فَرَط فلان أصحابَه، يَفْرُطهم فُرْطا وفُروطا : إذا تقدمهم. وجمع فارط : فَرّاط، ومنه قول القُطامِيّ :

واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِنْ صَحَابَتِنا  كمَا تَعَجّلَ فُرّاطٌ لِوُرّادِومن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«أنا فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ »** : أي : متقدمكم إليه، وسابقكم، **«حتى تَردُوه »**. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وأنّهُم مُفْرَطُونَ  يقول : مُعْجَلُون إلى النار. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وأنّهُم مُفْرَطُونَ ، قال : قد أُفْرِطوا في النار، أي : مُعْجَلُون. 
وقال آخرون : معنى ذلك : مُبْعَدُون في النار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أشعث السّمان، عن الربيع، عن أبي بشر، عن سعيد : وأنّهُم مُفْرَطُونَ ، قال : مُخْسَئون مُبْعَدون. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم، إنما يقال فيمن قدَم مقدمَا لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدّمه عليه، وليس بمُقَدّم من قُدّم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها، لوارد يرد عليها فيها، فيوافقه مصلحا، وإنما تَقَدّم مَن قُدّم إليها لعذاب يُعجّل له. فإذا كان معنى ذلك، الإفراط الذي هو : تأويل التعجيل، ففسد أن يكون له وجه في الصحة، صحّ المعنى الآخر، وهو : الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك، وذلك أن يُحْكَى عن العرب : ما أفْرَطت ورائي أحدا : أي ما خَلّفته، وما فرطته، أي : لم أخلفه. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المِصرَينِ الكوفة والبصرة : وأنّهُم مُفْرَطُونَ ، بتخفيف الراء وفتحها، على معنى ما لم يُسَمّ فاعله، من أُفرِط فهو مُفْرَط. وقد بيّنت اختلاف قراءة ذلك، كذلك في التأويل. وقرأه أبو جعفر القارئ :****«وأنّهُم مُفْرَطُونَ »****، بكسر الراء وتشديدها، بتأويل : أنهم مفرّطون في أداء الواجب الذي كان لله عليهم في الدنيا، من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالى : يا حَسْرتَا على ما فَرّطْتُ في جَنْبِ اللّه ِ. وقرأ نافع بن أبي نعيم :****«وأنّهُم مُفْرَطُونَ »****، بكسر الراء وتخفيفها. حدثني بذلك يونس، عن وَرْش عنه. 
بتأويل : أنهم مُفْرِطون في الذنوب والمعاصي، مُسْرِفون على أنفسهم مكثرون منها، من قولهم : أفرط فلان في القول : إذا تجاوز حَدّه، وأسرف فيه. 
والذي هو أولى القراءات في ذلك بالصواب : قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق ؛ لموافقتها تأويل أهل التأويل الذي ذكرنا قبل، وخروج القراءات الأخرى عن تأويلهم.

### الآية 16:63

> ﻿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:63]

القول في تأويل قوله تعالى : تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره، مقسما بنفسه عزّ وجلّ، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : والله يا محمد، لقد أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك إلى أمتك، من الدعاء إلى التوحيد لله، وإخلاص العبادة له، والإذعان له بالطاعة، وخلع الأنداد والآلهة.  فَزَيّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمَالَهُمْ ، يقول : فحسّن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين، حتى كذّبوا رسلهم، وردّوا عليهم ما جاءوهم به من عند ربهم.  فَهُوَ وَلِيّهُمْ اليَوْمَ ، يقول : فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا، وبئس الناصر. وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ في الآخرة عند ورودهم على ربهم، فلا ينفعهم حينئذ ولاية الشيطان، ولا هي نفعتهم في الدنيا، بل ضرّتهم فيها، وهي لهم في الآخرة أضرّ.

### الآية 16:64

> ﻿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [16:64]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : وما أنزلنا يا محمد عليك كتابنا، وبعثناك رسولاً إلى خلقنا، إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من دين الله، فتعرّفهم الصواب منه، والحقّ من الباطل، وتقيم عليهم بالصواب منه حجة الله الذي بعثك بها. 
وقوله : وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، يقول : وهدى بيانا من الضلالة، يعني بذلك الكتاب، ورَحْمَةً لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ به، فيصدّقون بما فيه، ويقرّون بما تضمن من أمر الله ونهيه، ويعملون به. وعطف بالهدى على موضع **«ليبين »** ؛ لأن موضعها نصب. وإنما معنى الكلام : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا للناس فيما اختلفوا فيه، وهدى ورحمة.

### الآية 16:65

> ﻿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [16:65]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللّهُ أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ . 
يقول تعالى ذكره منبه خَلقِه على حججه عليهم في توحيده، وأنه لا تنبغي الألوهة إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء سواه : أيها الناس معبودكم الذي له العبادة دون كلّ شيء، أنْزَلَ مِنَ السّماء ماءً، يعني : مطرا، يقول : فأنبت بما أنزل من ذلك الماء من السماء الأرض الميتة التي لا زرع بها ولا عُشْبَ ولا نبت بَعْدَ مَوْتِها، بعد ما هي ميتة لا شيء فيها، إن في ذلكَ لآيةً، يقول تعالى ذكره : إن في إحيائنا الأرض بعد موتها بما أنزلنا من السماء من ماء، لدليلاً واضحا وحجة قاطعة، عذر من فكر فيه لَقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، يقول : لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه ويعقلونه، ويطيعون الله بما دلهم عليه.

### الآية 16:66

> ﻿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [16:66]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نّسْقِيكُمْ مّمّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشّارِبِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام، التي نُسْقيكم مما في بطونه. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : " نُسْقِيكُمْ " فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة، سوى عاصم، ومن أهل المدينة أبو جعفر : " نُسْقِيكُمْ " بضم النون. بمعنى : أنه أسقاهم شرابا دائما. وكان الكسائي يقول : العرب تقول : أسقيناهم نَهْرا، وأسقيناهم لبنا : إذا جعلته شِرْبا دائما، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة، قالوا : سقيناهم، فنحن نَسْقِيهم، بغير ألف. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر، ومن أهل العراق عاصم :**«نَسْقِيكم »**، بفتح النون، من سقَاه الله، فهو يَسْقيه. والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السقي غير دائم، وتنزعها فيما كان دائما، وإن كان أشهر الكلامين عندها، ما قال الكسائي، يدلّ على ما قلنا من ذلك، قول لَبيد في صفة سحاب :

سَقَى قَوْمي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى  نُمَيْرا والقَبائِلَ مِنْ هِلالِفجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد. فإذا كان ذلك كذلك، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ قراءة ضمّ النون ؛ لما ذكرت من أن الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف، فهو يُسْقِي. وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم له، غير منقطع عنهم. وأما قوله : ممّا فِي بُطُونِهِ  وقد ذكر الأنعام قبل ذلك، وهي جمع، والهاء في البطون موحدة، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالاً، فكان بعض نحويي الكوفة يقول : النّعم والأنعام شيء واحد ؛ لأنهما جميعا جمعان، فردّ الكلام في قوله : مِمّا فِي بُطُونِهِ ، إلى التذكير، مرادا به معنى النّعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام ويستشهد لقوله ذلك، برجز بعض الأعراب :إذا رأيْتَ أنْجُما منَ الأسَدْ  جَبْهَتهُ أوِ الخَرَاةِ والكَتَدْبال سُهَيْلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ  وطابَ ألْبانُ اللّقاحِ فَبَردْويقول : رجع بقوله :**«فبرد »** إلى معنى اللبن ؛ لأن اللبن والألبان تكون في معنى واحد. وفي تذكير النعم قول آخر :أكُلّ عامٍ نَعَمٌ تَحُوونَهْ  يُلْقحُهُ قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهْفذكرّ النعم. وكان غيره منهم يقول : إنما قال : مِمّا فِي بُطُونِهِ ؛ لأنه أراد : مما في بطون ما ذكرنا، وينشد في ذلك رَجزا لبعضهم :
\*\*\* مِثْلُ الفِراخِ نُتّفَتْ حَوَاصِلُهْ \*\*\*
**وقول الأسود بن يَعْفُر :**إنّ المَنِيّةَ والحُتُوفَ كلاهُما  يُوفي المخَارِمَ يَرْقُبانِ سَوَادِيفقال :**«كلاهما »**، ولم يقل :**«كلتاهما »** وقول الصّلتان العَبْديّ :إنّ السّماحَةَ والمُرُوءَة ضُمّنا  قَبْرا بمَرْوَ على الطّرِيقِ الوَاضِحِ**وقول الآخر :**وعَفْرَاءُ أدْنَى النّاس مِنّي مَوَدّةً  وعَفْرَاءُ عَنّي المُعْرِضُ المُتَوَانِيولم يقل : المعرضة المتوانية وقول الآخرة :إذا النّاسُ ناسٌ والبِلادُ بِغبْطَةٍ  وَإذْ أُمّ عَمّارٍ صَديقٌ مُساعِفُويقول : كل ذلك على معنى هذا الشيء، وهذا الشخص والسواد، وما أشبه ذلك. ويقول : من ذلك قول الله تعالى ذكره : فَلَمّا رأى الشّمْسَ بازِغَةً قالَ هذَا رَبّي ، بمعنى : هذا الشيء الطالع، وقوله : إنّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ، ولم يقل ذكرها ؛ لأن معناه : فمن شاء ذكر هذا الشيء، وقوله : وَإنّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ فَلَمّا جاءَ سُلْيمانَ ، ولم يقل **«جاءت »**. 
وكان بعض البصريين يقول : قيل : مِمّا فِي بُطُونِه ؛ ِ لأن المعنى : نسقيكم من أيّ الأنعام كان في بطونه. ويقول : فيه اللبن مضمر، يعني : أنه يسقي من أيها كان ذا لبن، وذلك أنه ليس لكلها لبن، وإنما يُسقى من ذوات اللبن. والقولان الأوّلان أصحّ مخرجا على كلام العرب من هذا القول الثالث. 
وقوله : مِنْ بينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنا خالِصا ، يقول : نسقيكم لبنا، نخرجه لكم من بين فرث ودم خالصا يقول : خلص من مخالطة الدم والفرث فلم يختلطا به.  سائِغا للشّارِبِينَ ، يقول : يسوغ لمن شربه، فلا يَغَصّ به، كما يَغَصّ الغاصّ ببعض ما يأكله من الأطعمة. وقيل : إنه لم يَغَصّ أحد باللبن قَطّ.

### الآية 16:67

> ﻿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [16:67]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِن ثَمَرَاتِ النّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولكم أيضا أيها الناسُ عِبرةٌ، فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، ما تَتّخِذُونَ منه سَكَرا، ورِزْقا حَسَنا، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم. وحذف من قوله : وَمِنْ ثَمَراتِ النّخِيلِ والأعنابِ ، الاسم، والمعنى : ما وصفت، وهو : ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه ؛ لدلالة ****«من »**** عليه، لأن ****«من »**** تدخل في الكلام مُبَعّضة، فاستغني بدلالتها، ومعرفة السامعين بما يقتضي من ذكر الاسم معها. وكان بعض نحويي البصرة يقول في معنى الكلام : ومن ثمرات النخيل والأعناب، شيء تتخذون منه سَكَرا، ويقول : إنما ذكرت الهاء في قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ ؛ لأنه أريد بها الشيء، وهو عندنا عائد على المتروك، وهو ****«ما »****، وقوله : تَتّخِذُونَ ، من صفة ****«ما »**** المتروكة. 
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، فقال بعضهم : عني بالسّكَر : الخمرُ، وبالرزق الحسن : التمرُ والزبيبُ، وقال : أنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حُرّمت بعد. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال : حدثنا أيوب بن جابر السّحَيْمي، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا  قال : السّكَر : ما حُرّم من شرابه، والرزق الحسن : ما أحلّ من ثمرته. 
حدثنا ابن وكيع وسعيد بن الربيع الرازي، قالا : حدثنا ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا قال : الرزق الحسن : ما أحلّ من ثمرتها، والسكَر : ما حرّم من ثمرتها. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس مثله. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال : حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس بنحوه. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، قال : سمعت رجلاً يحدّث عن ابن عباس في هذه الاَية : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، قال : السكر : ما حرّم من ثمرتيهما، والرزق الحسن : ما أحلّ من ثمرتيهما. 
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا الحسن بن صالح، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو غسان، قال : حدثنا زهير بن معاوية، قال : حدثنا الأسود بن قيس، قال : ثني عمرو بن سفيان، قال : سمعت ابن عباس يقول، وذكرت عنده هذه الاَية : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النّخِيلِ والأعْنابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، قال : السكر : ما حرّم منهما، والرزق الحسن : ما أحلّ منهما. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان البصري، قال : قال ابن عباس، في قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا  قال : فأما الرزق الحسن : فما أحلّ من ثمرتهما، وأما السكر : فما حرّم من ثمرتهما. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا الحِمّاني، قال : حدثنا شريك، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان البصريّ، عن ابن عباس : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا  قال : السكر : حرامه، والرزق الحسن : حلاله. 
حدثني المثنى، قال : أخبرنا العباس بن أبي طالب، قال : حدثنا أبو عوانة، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس قال : السّكَر : ما حرّم من ثمرتهما، والرزق الحسن : ما حلّ من ثمرتهما. 
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : الرزق الحسن : الحلال، والسّكَر : الحرام. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، قال : ما حرم من ثمرتهما، وما أحلّ من ثمرتهما. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال : السكر : خمر، والرزق الحسن : الحلال. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن مسعر وسفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال : الرزق الحسن : الحلال، والسّكَر : الحرام. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بنحوه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في هذه الاَية : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، قال : السكَر : الحرام، والرزق الحسن : الحلال. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا قال : نزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مَهديّ، قال : حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم والشعبي وأبي رزين، قالوا : هي منسوخة في هذه الاَية : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا. 
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا أبو قطن، عن سعيد، عن المُغيرة، عن إبراهيم والشعبيّ، وأبي رزين، بمثله. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، قال : هي منسوخة، نسخها تحريم الخمر. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا هوذة، قال : حدثنا عوف، عن الحسن، في قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، قال : ذكر الله نعمته في السكر قبل تحريم الخمر. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن منصور وعوف، عن الحسن، قال السكر : ما حرّم الله منه، والرزق : ما أحلّ الله منه. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن الحسن، قال : الرزق الحسن : الحلال، والسكَر : الحرام. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك، قال : الرزق الحسن : الحلال، والسكَر : الحرام. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن ليث، عن مجاهد قال : السكر : الخمر، والرزق الحسن : الرّطَب والأعناب. 
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا ، قال : هي الخمر قبل أن تحرّم. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا  قال : الخمر قبل تحريمها، وَرِزْقا حَسَنا قال : طعاما. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَمِنْ ثَمَراتِ النّخِيلِ والأعنابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، أما السّكَر : فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن : فما تنتبذون، وما تُخَلّلون، وما تأكلون. ونزلت هذه الاَية ولم تحرّم الخمر يومئذ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبدة بن سليمان، قال : قرأت على ابن أبي عُذرة، قال : هكذا سمعت قتادة : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، ثم ذكر نحو حديث بشر. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : " سَكَرا "، قال : هي خمور الأعاجم، ونُسخت في سورة المائدة. والرزق الحسن قال : ما تنتبذون، وتخلّلون، وتأكلون. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النّخِيلِ والأعْنابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، وذلك أن الناس كانوا يسمّون الخمر : سكرا، وكانوا يشربونها، قال ابن عباس : مرّ رجال بوادي السكران، الذي كانت قريش تجتمع فيه، إذا تَلَقّوا مسافريهم إذا جاءوا من الشام، وانطلقوا معهم يشيعونهم حتى يبلغوا وادي السكران، ثم يرجعوا منه، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت. وقد كان ابن عباس يزعم أنها الخمر، وكان يزعم أن الحبشة يسمون الخلّ : السكر. قوله : " وَرِزْقا حَسَنا " يعني بذلك الحلال : التمر والزبيب، وما كان حلالاً لا يسكر. 
وقال آخرون : السّكَر بمنزلة الخمر في التحريم، وليس بخمر، وقالوا : هي نقيع التمر والزبيب، إذا اشتدّ وصار يسكر شاربه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو، في قوله : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النّخِيلِ والأعْنابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا ، قال ابن عباس : كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر، والسكر حرام مثل الخمر، وأما الحلال منه : فالزبيب والتمر والخل، ونحوه. 
حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا ، فحرّم الله بعد ذلك، يعني : بعد ما أنزل في سورة البقرة من ذكر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، السّكَر مع تحريم الخمر ؛ لأنه منه، قال : " وَرِزْقا حَسَنا " فهو الحلال من الخلّ والنبيذ، وأشباه ذلك، فأقرّه الله وجعله حلالاً للمسلمين. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن موسى، قال : سألت مرّة عن السّكَر، فقال : قال عبد الله : هو : خمر. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي فروة، عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال : السكر : خمر. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم، قال : السكر : خمر. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا حسن بن صالح، عن مغيرة، عن إبراهيم وأبي رزين، قالا : السكر : خمر. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا ، يعني : ما أسكر من العنب والتمر، " وَرِزْقا حَسَنا " يعني : ثمرتها. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ق

### الآية 16:68

> ﻿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [16:68]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَوْحَىَ رَبّكَ إِلَىَ النّحْلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وألهم ربك يا محمد النحل إيحاء إليها،  أنِ اتّخِذِي مِنَ الجبِالِ بُيُوتا وَمِنَ الشّجَرِ وممّا يَعْرِشُونَ ، يعني : مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا مروان، عن إسحاق التميمي، وهو ابن أبي الصباح، عن رجل، عن مجاهد : وأوْحَى رَبّكَ إلى النّحْلِ ، قال : ألهمها إلهاما. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : بلغني، في قوله : وأوْحَى رَبّكَ إلى النّحْلِ ، قال : قذف في أنفسها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه، قوله : وأوْحَى رَبّكَ إلى النّحْلِ ، قال : قذف في أنفسها، أن اتخذي من الجبال بيوتا. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس، قوله : وأوْحَى رَبّكَ إلى النّحْلِ. . . .  الآية، قال : أمرها أن تأكل من الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذُلُلاً. 
وقد بيّنا معنى الإيحاء، واختلاف المختلفين فيه، فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وكذلك معنى قوله : " يَعْرِشُونَ ". 
وكان ابن زيد يقول في معنى يعرشون، ما : حدثني به يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : " يَعْرِشُونَ "، قال : الكَرْم.

### الآية 16:69

> ﻿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [16:69]

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ كُلِي مِن كُلّ الثّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنّاسِ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ثم كلي أيتها النحل من الثمرات، فاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ، يقول : فاسلكي طرق ربك ذُلُلاً، يقول : مُذَلّلَةً لك، والذّلُل : جمع ذَلُول. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : فاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً، قال : لا يتوعّر عليها مكان سلكته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : فاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً، قال : طُرُقا ذُلُلا، قال : لا يتوعّر عليها مكان سلكته. 
وعلى هذا التأويل الذي تأوّله مجاهد، الذلل من نعت السبل. 
والتأويل على قوله : فاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً، الذّلُل لك : لا يتوعر عليكِ سبيل سلكتيه، ثم أسقطت الألف واللام، فنصب على الحال. 
**وقال آخرون في ذلك بما :**
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً : أي مطيعة. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : ذُلُلاً قال : مطيعة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً قال : الذلول : الذي يُقاد ويُذهب به حيث أراد صاحبه، قال : فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها، ويذهبون وهي تتبعهم. وقرأ : أوَلمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعاما فَهُمْ لَهَا مالِكُونَ وَذلّلْناها لَهُمْ. . . . الآية. 
فعلى هذا القول، الذّلُل من نعت النحل، وكلا القولين غير بعيد من الصواب في الصحة وجهان مخرجان، غير أنا اخترنا أن يكون نعتا للسّبل ؛ لأنها إليها أقرب. 
وقوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ، يقول تعالى ذكره : يخرج من بطون النحل شراب، وهو العسل، مختلف ألوانه ؛ لأن فيها أبيض وأحمر وأسحر وغير ذلك من الألوان. 
قال أبو جعفر :**«أسحر »** : ألوان مختلفة، مثل أبيض يضرب إلى الحمرة. 
وقوله : فِيهِ شِفاءٌ للنّاسِ، اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التي في قوله : فِيهِ، فقال بعضهم : عادت على القرآن، وهو المراد بها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا نصر بن عبد الرحمن، قال : حدثنا المحاربيّ، عن ليث، عن مجاهد : فِيهِ شِفاءٌ للنّاسِ قال : في القرآن شفاء. 
وقال آخرون : بل أريد بها العسل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ فِيهِ شِفاءٌ للنّاسِ، ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء، وقد كان ينهي عن تفريق النحل وعن قتلها. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر أن أخاه اشتكى بطنه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلاً »** ثم جاءه فقال : ما زاده إلا شدة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلاً، فَقَدْ صَدَقَ اللّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ »** فسقاه، فكأنما نُشِط من عِقال. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوَانُهُ فِيهِ شِفاءٌ للنّاسِ، قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال : شفاءان : العسل شفاء من كلّ داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : فِيهِ شِفاءٌ للنّاسِ، العسل. 
وهذا القول، أعني قول قتادة، أولى بتأويل الآية ؛ لأن قوله : فِيهِ، في سياق الخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره. 
وقوله : إنّ فِي ذلكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ، يقول تعالى ذكره : إن في إخراج الله من بطون هذه النحل : الشراب المختلف، الذي هو شفاء للناس، لدلالة وحجة واضحة على من سخّر النحل وهداها لأكل الثمرات التي تأكل، واتخاذها البيوت التي تنحت من الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها ما أخرج من الشفاء للناس، أنه الواحد الذي ليس كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك ولا تصحّ الألوهة إلا له.

### الآية 16:70

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [16:70]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنكُم مّن يُرَدّ إِلَىَ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ . 
يقول تعالى ذكره : والله خلقكم أيها الناس وأوجدكم ولم تكونوا شيئا، لا الآلهةُ التي تعبدون من دونه، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره. " ثُمّ يَتَوَفّاكُمْ " يقول : ثم يقبضكم. " وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ "، يقول : ومنكم من يَهْرَم فيصير إلى أرذل العمر، وهو أردؤه، يقال منه : رذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا. وقيل : إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة. 
حدثني محمد بن إسماعيل الفزاريّ، قال : أخبرنا محمد بن سَوار، قال : حدثنا أسد بن عمران، عن سعد بن طريق، عن الأصبغ بن نَباتة، عن عليّ، في قوله : " وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ "، قال : خمسٌ وسبعون سنة. 
وقوله : " لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئا " يقول : إنما نردّه إلى أرذل العمر ؛ ليعود جاهلاً كما كان في حال طفولته وصباه. بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئا يقول : لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه، فذهب ذلك بالكبر ونسي، فلا يعلم منه شيئا، وانسلخ من عقله، فصار من بعد عقل كان له، لا يعقل شيئا.  إنّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ، يقول : إن الله لا ينسى ولا يتغير علمه، عليم بكلّ ما كان ويكون، قدير على ما شاء، لا يجهل شيئا، ولا يُعجزه شيءٌ أراده.

### الآية 16:71

> ﻿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [16:71]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللّهُ فَضّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىَ بَعْضٍ فِي الْرّزْقِ فَمَا الّذِينَ فُضّلُواْ بِرَآدّي رِزْقِهِمْ عَلَىَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : والله أيها الناس فضّل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا، فما الذين فضّلهم الله على غيرهم بما رزقهم  بِرَادّي رِزْقهِمْ على ما مَلَكَتْ أيمَانُهُمْ ، يقول : بمشركي مماليكِهم فيما رزقهم من الأموال والأزواج. فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، يقول : حتى يستووا هم في ذلك وعبيدهم، يقول تعالى ذكره : فهم لا يرضَون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني. وهذا مَثَل ضربه الله تعالى ذكره للمشركين بالله. وقيل : إنما عَنَى بذلك الذين قالوا : إن المسيح ابن الله من النصارى. وقوله : أفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ يقول تعالى ذكره : أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا، يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في سلطانه ومُلكه ؟ 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَاللّهُ فَضّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرّزْقِ فَمَا الّذِينَ فُضّلُوا بِرَادّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيمَانُهُمْ ، يقول : لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني ؟ فذلك قوله : أفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ . 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : هذه الآية في شأن عيسى ابن مريم، يعني بذلك نفسه، إنما عيسى عبد، فيقول الله : والله ما تشركون عبيدكم في الذي لكم، فتكونوا أنتم وهم سواء، فكيف ترضَون لي بما لا ترضون لأنفسكم ؟ 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : بِرَادّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيمَانُهُمْ ، قال : مثل آلهة الباطل مع الله تعالى ذكره. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَاللّهُ فَضّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرّزْقِ فَمَا الّذِينَ فُضّلُوا بِرَادّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أفَبِنَعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ  وهذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد شارك مملوكه، في زوجته، وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده ؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحقّ أن ينزّه منه من نفسك، ولا تعدل بالله أحدا من عباده وخلقه. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : فَمَا الّذِينَ فُضّلُوا بِرَادّي رِزْقِهِمْ على ما مَلَكَتْ أيمَانُهُمْ  قال : هذا الذي فضل في المال والولد، لا يشرك عبده في ماله وزوجته. يقول : قد رضيت بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكا في ملكه وخلقه.

### الآية 16:72

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [16:72]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مّنَ الطّيّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَاللّهُ الذي جَعَلَ لَكُمْ أيها الناس مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجا، يعني : أنه خلق آدم زوجته حوّاء، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزواجكم بنين وحَفَدةً، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجا  : أي : والله خلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم جعل لكم بنين وحفدة. 
واختلف أهل التأويل في المعنيين بالحفدة، فقال بعضهم : هم : الأختان، أختان الرجل على بناته. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا أبو معاوية، قال : حدثنا أبان بن تغلب، عن المنهال بن عمرو، عن ابن حبيش، عن عبد الله : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : الأَخْتان. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر، عن عاصم، عن ورقاء سألت عبد الله : ما تقول في الحَفَدَة ؟ هم حَشَم الرجل يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : لا، ولكنهم الأختان. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قالا جميعا : حدثنا سفيان، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرّ بن حُبَيش، عن عبد الله، قال : الحَفَدة : الأختان. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان بإسناده عن عبد الله، مثله. 
حدثنا ابن بشار وأحمد بن الوليد القرشي وابن وكيع وسوار بن عبد الله العنبريّ ومحمد بن خلف بن خِراش والحسن بن خلف الواسطيّ، قالوا : حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، قال : الحَفَدة : الأختان. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال : الحَفَدة : الأختان. 
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : الحَفَدة : الأختان. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : الحَفَدَة : الخَتْن. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، قال : الأختان. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حفص، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : الأختان. 
وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله : وحَفَدَةً ، قال : الأصهار. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا حماد، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود، قال : الحَفَدة : الأختان. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، قال : قال لي عبد الله بن مسعود : ما الحفَدة يا زِرّ ؟ قال : قلت : هم أحفاد الرجل من ولده وولد ولده. قال : لا، هم الأصهار. 
وقال آخرون : هم أعوان الرجل وخدمه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال : ثني سليم بن قتيبة، عن وهب بن حبيب الأَسَدي، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، سئل عن قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : من أعانك فقد حَفَدك، أما سمعت قوله الشاعر :

حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلُهنّ وأُسْلِمَتْ  بأكُفّهِنّ أزِمّةُ الأجْمالِحدثنا هناد، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : الحفدة : الخُدّام. 
حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال : ثني سَلْم بن قتيبة، عن حازم بن إبراهيم البَجَلي، عن سماك، عن عكرمة، قال : قال : الحَفَدة : الخُدّام. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن عكرمة، قال : هم الذين يُعينون الرجل من ولده وخدمه. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحكَم بن أبان، عن عكرمة : وَحَفَدَةً ، قال : الحَفدة : من خدمك مِنْ ولدك. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن سلام بن سليم، وقيس عن سمِاك، عن عكرمة، قال : هم الخدم. 
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سلام أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، مثله. 
حدثني محمد بن خالد، قال : ثني سلمة، عن أبي هلال، عن الحسن، في قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : البنين وبني البنين، مَن أعانك من أهل، وخادم فقد حفدك. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، قال : هم الخَدَم. 
حدثني محمد بن خالد وابن وكيع، ويعقوب بن إبراهيم، قالوا : حدثنا إسماعيل بن عُلَية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الحَفَدة : الخَدَم. 
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : ابنه وخادمه. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : أنصارا وأعوانا وخدّاما. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال : الحفدة : الخدم. 
حدثنا ابن بشار مرّة أخرى، قال : ابنه وخادمه. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قال : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ، مَهَنة يَمْهنونك ويخدمونك من ولدك، كرامة أكرمكم الله بها. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السّديّ، عن أبي مالك : الحَفَدة، قال : الأعوان. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن عكرمة، قال : الذين يعينونه. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا مَعْمر، عن الحكَم بن أبان، عن عكرمة، في قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : الحفدة : من خدمك من ولدك، وولد ولدك. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن التيميّ، عن أبيه، عن الحسن، قال : الحَفَدة : الخَدَم. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن حصين، عن عكرمة : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : ولده الذين يعينونه. 
وقال آخرون : هم ولد الرجل وولد ولده. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : وَحَفَدَةً قال : هم الولد وولد الولد. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : الحَفَدة : البنون. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك، قال حميد :حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنّ وأُسْلِمَتْ  بِأَكُفّهِنّ أزِمّةَ الأجمْالِحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : الحفَدة : الخدم من ولد الرجل، هم ولده، وهم يخدمونه. قال : وليس تكون العبيد من الأزواج، كيف يكون من زوجي عبد ؟ إنما الحفدة : ولد الرجل وخدمه. 
حُدثت عن الحسين بن الفَرَج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : بَنِينَ وَحَفَدَةً ، يعني : ولد الرجل يحفِدونه ويخدُمونه، وكانت العرب إنما تخدمهم أولادهم الذكور. 
وقال آخرون : هم بنو امرأة الرجل من غيره. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ، يقول : بنو امرأة الرجل ليسوا منه. 
ويقال : الحَفَدة : الرجل يعمل بين يدي الرجل، يقول : فلان يحفد لنا، ويزعم رجال أن الحفَدة : أخْتان الرجل. 
والصواب من
القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى أخبر عباده معرفَهم نعمه عليهم، فيما جعل لهم من الأزواج والبنين، فقال تعالى : وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ، فأعلمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنين وحَفدة، والحفَدة في كلام العرب : جمع حافد، كما الكذبة : جمع كاذب، والفسَقة : جمع فاسق. والحافد في كلامهم : هو المتخفّف في الخدمة والعمل، والحَفْد : خفة العمل يقال : مرّ البعير يحَفِدُ حفَدَانا : إذا مرّ يُسرع في سيره. ومنه قولهم :**«إليك نسعى ونَحْفِدُ »** : أي : نسرع إلى العمل بطاعتك. يقال منه : حَفَدَ له يَحْفِدُ حَفْدا وحُفُودا وحَفَدَانا، ومنه قول الراعي :كَلّفْتُ مَجْهُوَلَها نُوقا يَمَانيَةً  إذا الحُدَاةُ على أكْسائها حَفَدُواوإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل المتخففون فيها، وكان الله تعالى ذكره أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دلّ بظاهر تنزيله، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بحجة عقل، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاصّ من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم. وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا، وجه في الصحة ومَخْرج في التأويل، وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بيّنا من الدليل. 
وقوله : وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطّيّباتِ ، يقول : ورزقكم من حلال المعاش والأرزاق والأقوات.  أفَبالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ، يقول تعالى ذكره : يحرّم عليهم أولياء الشيطان من البحائر والسوائب والوصائل، فيصدّق هؤلاء المشركون بالله.  وَبِنِعْمَةِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ، يقول : وبما أحلّ الله لهم من ذلك، وأنعم عليهم بإحلاله،  يَكْفُرُونَ ، يقول : ينكرون تحليله، ويجحدون أن يكون الله أحلّه.

### الآية 16:73

> ﻿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [16:73]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مّنَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ \* فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأمْثَالَ إِنّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويعبد هؤلاء المشركون بالله، من دونه أوثانا لا تملك لهم رزقا من السموات ؛ لأنها لا تقدر على إنزال قطر منها لإحياء موتان الأرضين. والأَرْضِ يقول : ولا تملك لهم أيضا رزقا من الأرض ؛ لأنها لا تقدر على إخراج شيء من نباتها وثمارها لهم، ولا شيئا مما عدّد تعالى في هذه الآية أنه أنعم بها عليهم.  وَلا يَسْتَطِيعُونَ ، يقول : ولا تملك أوثانهم شيئا من السموات والأرض، بل هي وجميع ما في السموات والأرض لله ملك،  ولا يَسْتَطِيعُونَ ، يقول : ولا تقدر على شيء.

### الآية 16:74

> ﻿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [16:74]

وقوله : فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثالَ  يقول : فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبّهوا له الأشباه، فإنه لا مِثْل له ولا شِبْه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : الأمثال : الأشباه. 
وحدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثالَ  يعني : اتخاذهم الأصنام، يقول : لا تجعلوا معي إلها غيري، فإنه لا إله غيري. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقا مِنَ السّمَوَاتِ والأرْضِ شَيْئا وَلا يَسْتَطِيعُونَ ، قال : هذه الأوثان التي تُعْبد من دون الله، لا تملك لمن يعبدها رزقا ولا ضرّا ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا. وقوله : فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثالَ ، فإنه : أحَد صَمَد لم يَلِد ولم يُولَد ولم يكن له كُفُوا أحد.  إنّ اللّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمونَ  يقول : والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه. 
واختلف أهل العربية في الناصب قوله :**«شَيْئا »**، فقال بعض البصريين : هو منصوب على البدل من الرزق، وهو في معنى : لا يملكون رزقا قليلاً ولا كثيرا. وقال بعض الكوفيين : نصب :**«شيئا »**، بوقوع الرزق عليه، كما قال تعالى ذكره : ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتا أحْياءً وأمْوَاتا . أي : تكفت الأحياء والأموات، ومثله قوله تعالى ذكره : أوْ إطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيما ذا مَقْرَبَةٍ أوْ مِسْكِينا ذَا مَتْرَبَةٍ . قال : ولو كان الرزق مع الشيء لجاز خفضه، لا يملك لكم رزق شيء من السموات، ومثله : فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ .

### الآية 16:75

> ﻿۞ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [16:75]

القول في تأويل قوله تعالى : ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مّمْلُوكاً لاّ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَمَن رّزَقْنَاهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وشَبّه لكم شَبها أيها الناس للكافر من عبيده، والمؤمن به منهم. فأما مثَل الكافر : فإنه لا يعمل بطاعة الله، ولا يأتي خيرا، ولا ينفق في شيء من سبيل الله ماله لغلبة خذلان الله عليه، كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فينفقه. وأما المؤمن بالله : فإنه يعمل بطاعة الله، وينفق في سبيله ماله، كالحرّ الذي آتاه الله مالاً فهو ينفق منه سرّا وجهرا، يقول : بعلم من الناس وغير علم.  هَلْ يَسْتَوُونَ  يقول : هل يستوي العبد الذي لا يملك شيئا ولا يقدر عليه، وهذا الحرّ الذي قد رزقه الله رزقا حسنا، فهو ينفق كما وَصَف ؟ فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره، والمؤمن العامل بطاعته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، كان بعض أهل العلم يقول. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدا مَمْلُوكا لا يَقْدِرُ على شَيْءٍ ، هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالاً فلم يقدّم فيه خيرا ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله تعالى ذكره : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقا حَسَنا ، فهذا المؤمن أعطاه الله مالاً، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذ بالشكر ومعرفة حقّ الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة، قال الله تعالى ذكره : هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً ، والله ما يستويان : الحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : عَبْدا مَمْلُوكا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ، قال : هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ولا ينفق خيرا،  وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقا حَسَنا ، قال : المؤمن يطيع الله في نفسه وماله. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدا مَمْلُوكا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ  يعني : الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله،  وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقا حَسَنا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرا ، يعني : المؤمن، وهذا المثل في النفقة. 
وقوله : الحَمْدُ لِلّهِ ، يقول : الحمد الكامل لله خالصا دون ما تَدْعُون أيها القوم من دونه من الأوثان، فإياه فاحمدوا دونها. وقوله : بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ  يقول : ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتُحْمد عليه، إنما الحمد لله، ولكن أكثر هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها لا يعلمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلهم بما يأتون ويَذَرون، يجعلونها لله شركاء في العبادة والحمد. 
وكان مجاهد يقول : ضرب الله هذا المثل، والمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التي تعبد من دونه.

### الآية 16:76

> ﻿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [16:76]

القول في تأويل قوله تعالى : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلّ عَلَىَ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجّههّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ . 
وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تُعبد من دونه، فقال تعالى ذكره : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجْلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ، يعني : بذلك الصنم، أنه لا يسمع شيئا ولا ينطق ؛ لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع لا يقدر على نفع لمن خدمه، ولا دفع ضرّ عنه.  وهُوَ كَلّ على مَوْلاَهُ ، يقول : وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كَلّ على من يعبده، يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء، فهو كلّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم.  أيْنَما يُوجّهْهُ لا يَأْتِ بخَيْرٍ ، يقول : حيثما يوجهه لا يأت بخير ؛ لأنه لا يفهم ما يُقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم ولا يُفْهَم عنه، فكذلك الصنم لا يعقل ما يقال له فيأتمر لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهي، يقول الله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بالعَدْلِ  يعني : هل يستوي هذا الأبكم الكلّ على مولاه، الذي لا يأتي بخير حيث توجه، ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحقّ ويدعو إليه، وهو : الله الواحد القهار الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته ؟ يقول : لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف. وقوله : وَهُوَ على صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ  يقول : وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحقّ في دعائه إلى العدل وأمره به مستقيم، لا يَعْوَجّ عن الحقّ ولا يزول عنه. 
وقد اختلف أهل التأويل في المضروب له هذا المثل، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ  قال : هو : الوثن.  هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بالعَدْلِ ، قال : الله يأمر بالعدل.  وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وكذلك كان مجاهد يقول، إلا أنه كان يقول : المثل الأوّل أيضا ضربه الله لنفسه وللوثَن. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره : عَبْدا مَمْلُوكا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ   وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقا حَسَنا  و رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ   وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ  قال : كل هذا مثل إله الحقّ، وما يُدعي من دونه من الباطل. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجْلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ  قال : إنما هذا مثل ضربه الله. 
وقال آخرون : بل كلا المثلين للمؤمن والكافر. وذلك قول يُروَى عن ابن عباس، وقد ذكرنا الرواية عنه في المثل الأوّل في موضعه. 
**وأما في المثل الآخر :**
فحدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَضَرَب اللّهُ مْثَلاً رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلّ عَلى مَوْلاهُ . . . إلى آخر الآية، يعني بالأبكم : الذي هو كَلّ على مولاه الكافر، وبقوله : وَمَنْ يَأْمُرُ بالعَدْلِ ، المؤمن، وهذا المثل في الأعمال. 
حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال : حدثنا يحيى بن إسحاق السي لحيني، قال : حدثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يَعْلى بن أمية، عن ابن عباس، في قوله : ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدا مَمْلُوكا  قال : نزلت في رجل من قريش وعبده. وفي قوله : مَثَلاً رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ على شَيْءٍ . . . إلى قوله : وَهُوَ عَلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، قال : هو عثمان بن عفان. قال : والأبكم الذي أينما يُوَجّهُ لا يأت بخير، ذاك مولى عثمان بن عفّان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه، وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. 
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأوّل ؛ لأنه تعالى ذكره مثّل مثَل الكافر بالعبد الذي وصف صفته، ومَثّل مثل المؤمن بالذي رزقه رزقا حسنا فهو ينفق مما رزقه سرّا وجهرا، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلاً، إذ كان الله إنما مثّل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقا ينفق منه سرّا، ومثّل المؤمن الذي وفّقه الله لطاعته فهداه لرشده، فهو يعمل بما يرضاه الله، كالحرّ الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرّا وجهرا، والله تعالى ذكره هو الرازق غير المرزوق، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن. وأما المثل الثاني، فإنه تمثيل منه تعالى ذكره مَنْ مثله الأبكم الذي لا يقدر على شيء، والكفار لا شكّ أن منهم من له الأموال الكثيرة، ومن يضرّ أحيانا الضرّ العظيم بفساده، فغير كائن ما لا يقدر على شيء، كما قال تعالى ذكره مثلاً، لمن يقدر على أشياء كثيرة. فإذا كان ذلك كذلك، كان أولى المعاني به تمثيل ما لا يقدر على شيء، كما قال تعالى ذكره بمثله ما لا يقدر على شيء، وذلك الوثن الذي لا يقدر على شيء، بالأبكم الكَلّ على مولاه الذي لا يقدر على شيء، كما قال ووصف.

### الآية 16:77

> ﻿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [16:77]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلّهِ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَآ أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . 
يقول تعالى ذكره : ولله أيها الناس مِلك ما غاب عن أبصاركم في السموات والأرض، دون آلهتكم التي تدعون من دونه، ودون كلّ ما سواه، لا يملك ذلك أحد سواه.  وَما أمْرُ السّاعَةِ إلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ ، يقول : وما أمر قيام القيامة والساعة التي تنشر فيها الخلق للوقوف في موقف القيامة، إلا كنظرة من البصر ؛ لأن ذلك إنما هو أن يقال له : كن فيكون. كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : إلاّ كَلَمْحٍ البَصَرِ أوْ هُوَ أقْرَبُ  : والساعة : كلمح البصر، أو أقرب. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : وَما أمْرُ السّاعَةِ إلاّ كَلَمْحِ البَصَرِ قال : هو أن يقول : كن، فهو كلمح البصر، فأمر الساعة كلمح البصر أو أقرب، يعني يقول : أو هو أقرب من لمح البصر. 
وقوله : إنّ اللّهَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، يقول : إن الله على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر قادر، وعلى ما يشاء من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه شيء أراده.

### الآية 16:78

> ﻿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [16:78]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : والله تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون، فرزقكم عقولاً تفقهون بها، وتميزون بها الخير من الشرّ، وبصرّكم بها ما لم تكونوا تبصرون، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم، والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص، فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض. و " الأفْئِدَةَ " يقول : والقلوب التي تعرفون بها الأشياء، فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها.  لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ، يقول : فعلنا ذلك بكم، فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من ذلك، دون الآلهة والأنداد، فجعلتم له شركاء في الشكر، ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمه شريك. 
وقوله : وَاللّهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئا  كلام متناه، ثم ابتدئ الخبر، فقيل : وجعل الله لكم السمع والأبصار والأفئدة. وإنما قلنا ذلك كذلك ؛ لأن الله تعالى ذكره جعل العبادة والسمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم من بطون أمهاتهم، وإنما أعطاهم العلم والعقل بعدما أخرجهم من بطون أمهاتهم.

### الآية 16:79

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [16:79]

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىَ الطّيْرِ مُسَخّرَاتٍ فِي جَوّ السّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنّ إِلاّ اللّهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . 
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين : ألم تَرَوا أَيّها المشركون بالله إلى الطير مسخرات في جوّ السماء، يعني : في هواء السماء بينها وبين الأرض، كما قال إبراهيم بن عمران الأنصاريّ :

وَيْلُمّها مِنْ هَوَاءِ الجَوّ طالِبَةً  وَلا كَهذا الّذِي في الأرْضِ مَطْلُوبُيعني : في هواء السماء.  ما يُمْسِكُهُنّ إلاّ اللّهُ ، يقول : ما طيرانها في الجوّ إلا بالله، وبتَسْخِيره إياها بذلك، ولو سلبها ما أعطاها من الطيران لم تقدر على النهوض ارتفاعا. وقوله : إنّ فِي ذلكَ لاَياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، يقول : إن في تسخير الله الطير وتمكينه لها الطيران في جوّ السماء، لعلامات ودلالات على أن لا إله إلا اللّهُ وحدَه لا شريك له، وأنه لا حظ للأصنام والأوثان في الألوهة.  لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، يعني : لقوم يقرّون بوجدان ما تعاينه أبصارهم وتحسه حواسّهم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : مُسَخّرَاتٍ فِي جَوّ السّماءِ  : أي في كبد السماء.

### الآية 16:80

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [16:80]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىَ حِينٍ . 
يقول تعالى ذكره : وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ أيها الناس، مِنْ بُيُوتِكُمْ التي هي من الحجر والمدر، سَكَنا تسكنون أيام مقامكم في دوركم وبلادكم. وَجَعَلَ لَكُمْ مِن جُلُودِ الأَنْعامِ بُيُوتا، وهي البيوت من الأنطاع والفساطيط من الشعر والصوف والوبر. تَسْتَخِفّوَنها، يقول : تستخفون حملها ونقلها،  يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ، من بلادكم وأمصاركم لأسفاركم،  وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ ، في بلادكم وأمصاركم. وَمِنْ أصْوَافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثا. 
وبنحو الذي قلنا في معنى السكن قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنا ، قال : تسكنون فيه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وأما الأشعار : فجمع شَعْر، تثقل عينه وتخفف، وواحد الشّعْر : شَعْرة. وأما الأثاث : فإنه متاع البيت لم يسمع له بواحد، وهو في أنه لا واحد له، مثل المتاع. وقد حكي عن بعض النحويين أنه كان يقول : واحد الأثاث أثاثة، ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك. ومن الدليل على أن الأثاث هو المتاع، قول الشاعر :

أهاجَتْكَ الظّعائِنُ يَوْمَ بانُوا  بِذِي الرّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِويروى :**«بذي الزيّ »**. وأنا أرى أصل الأثاث اجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر، كالشعر الأثيث، وهو الكثير الملتفّ، يقال منه : أثّ شعر فلان يئِثّ أثّا : إذا كثر والتفّ واجتمع. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : " أثاثا "، يعني بالأثاث : المال. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : أثاثا قال : متاعا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : أثاثا قال : هو المال. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن حرب الرازي، قال : أخبرنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن حميد بن عبد الرحمن، في قوله : أثاثا قال : الثياب. 
وقوله : وَمَتاعا إلى حِينٍ ، فإنه يعني : أنه جعل ذلك لهم بلاغا، يتبلّغون ويكتفون به إلى حين آجالهم للموت. كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ومَتاعا إلى حِينٍ ، فإنه يعني : زينة، يقول : ينتفعون به إلى حين. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَمَتاعا إلى حِينٍ قال : إلى الموت. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَمَتاعا إلى حِينٍ ، إلى أجل وبُلْغة.

### الآية 16:81

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [16:81]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تُسْلِمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ومن نعمة الله عليكم أيها الناس أن جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها ظلالاً تستظلّون بها من شدّة الحرّ، وهي جمع ظلّ. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو، عن قتادة، في قوله : مِمّا خَلَقَ ظِلالاً  قال : الشجر. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً ، إي والله، من الشجر ومن غيرها. 
وقوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانا  يقول : وجعل لكم من الجبال مواضع تسكنون فيها، وهي جمع كِنّ كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانا ، يقول : غيرانا من الجبال يسكن فيها. 
 وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرّ ، يعني : ثياب القطن والكتان والصوف وقمصها. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرّ ، من القطن والكتان والصوف. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : سَرَابِيلَ تَقِيكُم الحَرّ ، قال : القطن والكتان. 
وقوله : سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، يقول : ودروعا تقيكم بأسكم، والبأس : هو الحرب، والمعنى : تقيكم في بأسكم السلاح أن يصل إليكم. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، من هذا الحديد. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، قال : هي سرابيل من حديد. 
وقوله : كذلكَ يُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكُمْ تُسْلِمُونَ ، يقول تعالى ذكره : كما أعطاكم ربكم هذه الأشياء التي وصفها في هذه الآيات نعمة منه بذلك عليكم، فكذا يتُمّ نعمته عليكم لعلكم تسلمون. يقول : لتخضعوا لله بالطاعة، وتذلّ منكم بتوحيده النفوس، وتخلصوا له العبادة. وقد رُوِي عن ابن عباس أنه كان يقرأ :******«لَعَلّكُمْ تَسْلَمُونَ »******، بفتح التاء. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن حنظلة، عن شهر بن حَوْشب، قال : كان ابن عباس يقول :******«لَعَلّكُمْ تَسْلَمُونَ »****** قال : يعني من الجراح. 
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم بن سلام، قال : حدثنا عباد بن العوّام، عن حنظلة السّدوسيّ، عن شهر بن حَوْشب، عن ابن عباس، أنه قرأها :******«لَعَلّكُمْ تَسْلَمُونَ »******، من الجرَاحات، قال أحمد بن يوسف : قال أبو عبيدة : يعني بفتح التاء واللام. 
فتأويل الكلام على قراءة ابن عباس هذه : كذلك يتمّ نعمته عليكم بما جعل لكم من السرابيل التي تقيكم بأسكم، لتسلموا من السلاح في حروبكم. والقراءة التي أستجيز القراءة بخلافها بضم التاء من قوله : لَعَلّكُمْ تُسْلِمُونَ ، وكسر اللام من أسلمت تُسْلِم يا هذا، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليها. 
فإن قال لنا قائل : وكيف جعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ، فخصّ بالذكر الحرّ دون البرد، وهي تقي الحرّ والبرد ؟ أم كيف قيل : وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانا ، وترك ذكر ما جعل لهم من السهل ؟ قيل له : قد اختُلف في السبب الذي من أجله جاء التنزيل كذلك، وسنذكر ما قيل في ذلك ثم ندلّ على أولى الأقوال في ذلك بالصواب. 
**فرُوِي عن عطاء الخراساني في ذلك ما :**
حدثني الحرث، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا محمد بن كثير، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال : إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره : وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانا ، وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله : وَمِنْ أصْوَافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثا وَمَتاعا إلى حِينٍ  ؟ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وشَعَر ألا ترى إلى قوله : ويُنَزّلُ مِنَ السّماءِ منْ جِبَالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ، يعجّبهم من ذلك ؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلى قوله : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرّ ، وما تقي من البرد أكثر وأعظم ؟ ولكنهم كانوا أصحاب حرّ. 
فالسبب الذي من أجله خصّ الله تعالى ذكرهُ السرابيل بأنها تقي الحرّ دون البرد على هذا القول، هو أن المخاطبين بذلك كانوا أصحاب حرّ، فذكر الله تعالى ذكره نعمته عليهم بما يقيهم مكروه ما به عرفوا مكروهه دون ما لم يعرفوا مبلغ مكروهه، وكذلك ذلك في سائر الأحرف الأُخَر. وقال آخرون : ذكر ذلك خاصة اكتفاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر، إذ كان معلوما عند المخاطبين به معناه، وأن السرابيل التي تقي الحرّ تقي أيضا البرد، وقالوا : ذلك موجود في كلام العرب مستعمل، واستشهدوا لقولهم بقول الشاعر :

وَما أدْرِي إذا يَمّمْتُ وَجْها  أُريدُ الخَيْرَ أيّهُما يَلِيِنيفقال : أيهما يليني : يريد الخير أو الشرّ، وإنما ذكر الخير لأنه إذا أراد الخير فهو يتقي الشرّ. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال : إن القوم خوطبوا على قدر معرفتهم، وإن كان في ذكر بعض ذلك دلالة على ما ترك ذكره لمن عرف المذكور والمتروك ؛ وذلك أن الله تعالى ذكره إنما عدّد نعمه التي أنعمها على الذين قُصدوا بالذكر في هذه السورة دون غيرهم، فذكر أياديه عندهم.

### الآية 16:82

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [16:82]

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ \* يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فإن أدبر هؤلاء المشركون يا محمد عما أرسلتك به إليهم من الحقّ، فلم يستجيبوا لك وأعرضوا عنه، فما عليك من لوم ولا عذل ؛ لأنك قد أدّيت ما عليك في ذلك، إنه ليس عليك إلاّ بلاغهم ما أرسلت به. ويعني بقوله المُبِينُ : الذي يبين لمن سمعه حتى يفهمه.

### الآية 16:83

> ﻿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [16:83]

وأما قوله : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمّ يُنْكِرُونَها ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنّى بالنعمة التي أخبر الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين أنهم ينكرونها مع معرفتهم بها، فقال بعضهم : هو النبيّ صلى الله عليه وسلم عرفوا نبوّته ثم جحدوها وكذبوه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن السديّ : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمّ يُنْكِرُونَها ، قال : محمد صلى الله عليه وسلم. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، مثله. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدّد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم بذلك عليهم، ولكنهم يُنكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثنا المثنى، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمّ يُنْكِرُونَها ، قال : هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول : هذا كان لآبائنا، فروّحونا إياه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال : فورّثونا إياها. وزاد في الحديث عن ابن جريج، قال ابن جريج : قال عبد الله بن كثير : يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتهم نعمته ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد. 
**وقال آخرون في ذلك، ما :**
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا معاوية، عن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ليث، عن عون بن عبد الله بن عتبة : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمّ يُنْكِرُونَها ، قال : إنكارهم إياها، أن يقول الرجل : لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. 
وقال آخرون : معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم : من رزقكم ؟ أقرّوا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم يُنكرون ذلك بقولهم : رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال : عُني بالنعمة التي ذكرها الله في قوله : يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ، النعمة عليهم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم داعيا إلى ما بعثه بدعائهم إليه. وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما بعث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده، إذ لم يكن معنى يدلّ على انصرافه عما قبله وعما بعده فالذي قبل هذه الآية قوله : فإنْ تَوَلّوْا فإنّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمّ يُنْكِرُونَها  وما بعده : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمّةٍ شَهِيدا ، وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية : يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك.  وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ  يقول : وأكثر قومك الجاحدون نبوّتك، لا المقرّون بها.

### الآية 16:84

> ﻿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [16:84]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيداً ثُمّ لاَ يُؤْذَنُ لِلّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ . 
يقول تعالى ذكره : يعرفون نعمة الله ثم يُنكرونها اليوم ويستنكرون،  يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمّةٍ شَهِيدا ، وهو الشاهد عليها بما أجابت داعي الله، وهو رسولهم الذي أرسل إليهم.  ثُمّ لا يُؤْذَنُ للّذِينَ كَفَرُوا ، يقول : ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون.  وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ، فيتركوا الرجوع إلى الدنيا فينيبوا ويتوبوا وذلك كما قال تعالى : هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ . 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمّةٍ شَهِيدا ، وشاهدها نبيها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى : وَجِئْنا بِكَ شَهِيدا عَلى هَؤُلاءِ .

### الآية 16:85

> ﻿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [16:85]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا رَأى الّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وإذا عاين الذين كذّبوك يا محمد وجَحَدوا نُبوّتك والأمم الذين كانوا على منهاج مشركي قومك عذاب الله، فلا ينجيهم من عذاب الله شيء لأنهم لا يؤذن لهم فيعتذرون، فيخفّف عنهم العذاب بالعذر الذي يدّعونه،  وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ  يقول : ولا يُرْجَئُون بالعقاب ؛ لأن وقت التوبة والإنابة قد فات، فليس ذلك وقتا لهما، وإنما هو وقت للجزاء على الأعمال، فلا ينظر بالعتاب ليعتب بالتوبة.

### الآية 16:86

> ﻿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [16:86]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا رَأى الّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبّنَا هََؤُلاَءِ شُرَكَآؤُنَا الّذِينَ كُنّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنّكُمْ لَكَاذِبُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان وغير ذلك، قالوا : ربنا هؤلاء شركاؤنا في الكفر بك، والشركاء الذين كنا ندعوهم آلهة من دونك. قال الله تعالى ذكره : فألْقَوْا  يعني : شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله  القَوْلَ  يقول : قالوا لهم : إنكم لكاذبون  أيها المشركين، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ ، قال : حدّثوهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

### الآية 16:87

> ﻿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [16:87]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَلْقَوْاْ إِلَىَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ السّلَمَ وَضَلّ عَنْهُم مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وألقى المشركون إلى الله يومئذ السلم يقول : استسلموا يومئذ وذَلّوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم التي كانوا يدعون في الدنيا من دون الله، وتبرأت منهم، ولا قومهم، ولا عشائرُهم الذين كانوا في الدنيا يدافعون عنهم. والعرب تقول : ألقيت إليه كذا، تعني بذلك : قلت له. وقوله : وَضَلّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ، يقول : وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يَأْملون من الشفاعة عند الله بالنجاة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وألْقَوْا إلى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السّلَمَ يقول : ذلوا واستسلموا يومئذ وَضَلّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

### الآية 16:88

> ﻿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [16:88]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : الذين جحدوا يا محمد نبوّتك وكذّبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وصَدّوا عن الإيمان بالله وبرسوله ومن أراده، زدناهم عذابا يوم القيامة في جهنم فوق العذاب الذي هم فيه، قبل أن يزادوه. وقيل : تلك الزيادة التي وعدهم الله أن يزيدهموها، عقارب وحيات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله : زِدْناهُمْ عَذَابا فَوْقَ العَذَابِ قال : عقارب لها أنياب كالنخل. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله مثله. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية وابن عيينة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله : زِدْناهُمْ عَذَابا فَوْقَ العَذَابِ ، قال : زِيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال. 
حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال : حدثنا جعفر بن عون، قال : أخبرنا الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، مثله. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، نحوه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا إسرائيل، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله، قال : زِدْناهُمْ عَذَابا فَوْقَ العَذَابِ  قال : أفاعِيَ. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن مرّة عن عبد الله، قال : أفاعيَ في النار. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مرّة، عن عبد الله، مثله. 
حدثنا مجاهد بن موسى والفضل بن الصباح، قالا : حدثنا جعفر بن عون، قال : أخبرنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قال : إن لجهنم جِبابا فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدهم، يستغيث أهل النار إلى تلك الجبِاب أو الساحل، فتثب إليهم فتأخذ بشِفاههم وشفارهم إلى أقدامهم، فيستغيثون منها إلى النار، فيقولون : النارَ النارَ فتتبعهم حتى تجد حرّها فترجع، قال : وهي في أسراب. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني حَيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو، قال : إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب، أعناقها كأعناق البخت. 
وقوله : بِمَا كانُوا يُفْسِدُونَ ، يقول : زدناهم ذلك العذاب على ما بهم من العذاب بما كانوا يفسدون، بما كانوا في الدنيا يعصُون الله ويأمرون عباده بمعصيته، فذلك كان إفسادهم، اللهمّ إنا نسألك العافية، يا مالك الدنيا والآخرة الباقية.

### الآية 16:89

> ﻿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [16:89]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلّ أُمّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىَ هََؤُلاَءِ وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لّكُلّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلّ أُمّةٍ شَهِيدا عَلَيْهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ  يقول : نسأل نبيهم الذي بعثناه إليهم للدعاء إلى طاعتنا. وقال : مِنْ أنُفُسِهِمْ  ؛ لأنه تعالى ذكره كان يبعث إلى أمم أنبياءها منها، ماذا أجابوكم، وما ردّوا عليكم ؟  وَجِئْنا بِكَ شَهِيدا عَلى هُؤلاءِ ، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وجئنا بك يا محمد شاهدا على قومك وأمتك الذين أرسلتك إليهم، بما أجابوك وماذا عملوا فيما أرسلتك به إليهم ؟. وقوله : وَنَزّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانا لِكُلّ شَيْءٍ ، يقول : نزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب.  وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً  لمن صدّق به، وعمل بما فيه من حدود الله وأمره ونهيه، فأحل حلاله وحرّم حرامه.  وبُشْرَى للمسْلمِينَ  يقول : وبشارة لمن أطاع الله، وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال : حدثنا أبان بن تغلب، عن الحكم، عن مجاهد : تِبْيانا لِكُلّ شَيْءٍ ، قال : مما أحلّ وحرّم. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد، في قوله : تِبْيانا لِكُلّ شَيْءٍ ، مما أحلّ لهم وحرّم عليهم. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، قوله : تِبْيانا لِكُلّ شَيْءٍ  قال : ما أمر به، وما نَهَى عنه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله : وَنَزّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانا لِكُلّ شَيْءٍ ، قال : ما أمِروا به، ونهوا عنه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن رجل، قال : قال ابن مسعود : أنزل في هذا القرآن كل علم، وكلّ شيء قد بين لنا في القرآن. ثم تلا هذه الآية.

### الآية 16:90

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [16:90]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف ومن الإنصاف : الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على إفضاله، وتولي الحمد أهله. وإذا كان ذلك هو العدل ولم يكن للأوثان والأصنام عندنا يد تستحقّ الحمد عليها، كان جهلاً بنا حمدها وعبادتها، وهي لا تنعِم فتشكر ولا تنفع فتعبد، فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولذلك قال من قال : العدل في هذا الموضع شهادة أن لا إله إلا الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّ اللّهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله. 
وقوله : والإحْسَانِ ، فإن الإحسان الذي أمر به تعالى ذكره مع العدل الذي وصفنا صفته : الصبر لله على طاعته فيما أمر ونهى، في الشدّة والرخاء والمَكْرَه والمَنْشَط، وذلك هو أداء فرائضه. كما :
حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : والإحْسَانِ ، يقول : أداء الفرائض. 
وقوله : وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ، يقول : وإعطاء ذي القربى الحقّ الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم. كما :
حدثني المثنى، وعليّ، قالا : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وإيتاءِ ذِي القُرْبى ، يقول : الأرحام. 
وقوله : وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ ، قال : الفحشاء في هذا الموضع : الزنا. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس : وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ يقول : الزنا. 
وقد بيّنا معنى الفحشاء بشواهده فيما مضى قبل. 
وقوله : والبَغْيِ ، قيل : عنِيَ بالبغي في هذا الموضع : الكبر والظلم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : والبَغْيِ ، يقول : الكبر والظلم. 
وأصل البغي : التعدّي ومجاوزة القدر والحدّ من كلّ شيء. وقد بيّنا ذلك فيما مضى قبل. 
وقوله : يَعظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ، يقول : يذكركم أيها الناس ربكم لتذكروا فتنيبوا إلى أمره ونهيه، وتعرفوا الحقّ لأهله. كما :
حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : يَعِظُكُمْ ، يقول : يوصيكم، لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ. 
وقد ذُكر عن ابن عيينة أنه كان يقول في تأويل ذلك : إن معنى العدل في هذا الموضع : استواء السريرة والعلانية من كلّ عامل لله عملاً، وإن معنى الإحسان : أن تكون سريرته أحسن من علانيته، وإن الفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته. 
وذُكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في هذه الآية، ما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، قال : سمعت منصور بن النعمان، عن عامر، عن شُتَير بن شَكَل، قال : سمعت عبد الله يقول : إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل : إنّ اللّهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وَإيتاءِ ذِي القُرْبَى. . .  إلى آخر الاَية. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي، عن شُتَيْر بن شَكَل، قال : سمعت عبد الله يقول : إن أجمع آية في القرآن لخير أو لشرّ، آية في سورة النحل : إنّ اللّهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ. . . .  الآية. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّ اللّهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وَإيتاءِ ذِي القُرْبَى. . .  الآية، إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خُلق سيّء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدّم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومَذامهّا.

### الآية 16:91

> ﻿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [16:91]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وأوفوا بميثاق الله إذا واثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه، فأوجبتم به على أنفسكم حقّا لمن عاقدتموه به وواثقتموه عليه. وَلا تَنقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها يقول : ولا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه الأيمان، يعني بعد ما شددتم الأيمان على أنفسكم، فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها وتنقضوها بعد إبرامها، يقال منه : وكّد فلان يمينه يوكّدها توكيدا : إذا شددها وهي لغة أهل الحجاز، وأما أهل نجد، فإنهم يقولون : أكّدتها أؤكدها تأكيدا. وقوله : وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ، يقول : وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيا يرعى الموفي منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عُنِيَ بهذه الآية وفيما أنزلت، فقال بعضهم : عُنِي بها الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وفيهم أنزلت. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال : حدثنا عبد الله بن موسى، قال : أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة، قوله : وأوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إذَا عاهَدْتُمْ ، قال : أنزلت هذه الآية في بيعة النبيّ صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع على الإسلام، فقالوا : وأوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إذَا عاهَدْتُمْ ، هذه البَيعة التي بايعتم على الإسلام، وَلا تَنْقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها البيعة، فلا يحملكم قلة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فيهم قلة والمشركين فيهم كثرة. 
وقال آخرون : نزلت في الحِلْف الذي كان أهل الشرك تحالفوا في الجاهلية، فأمرهم الله عزّ وجلّ في الإسلام أن يوفّوا به ولا ينقضوه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : وَلا تَنْقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ، قال : تغليظها في الحلف. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلا تَنْقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ، يقول : بعد تشديدها وتغليظها. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : هؤلاء قوم كانوا حلفاء لقوم تحالفوا وأعطى بعضهم العهد، فجاءهم قوم، فقالوا : نحن أكثر وأعزّ وأمنع، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا ففعلوا، فذلك قول الله تعالى : وَلا تَنْقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ، أن تكون أمة هي أربى من أمة، هي أرَبى أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر من أولئك، نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء، فكان هذا في هذا. 
حدثني ابن البرَقيّ، قال : حدثنا ابن أبي مَريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال : سألت يحيى بن سعيد، عن قول الله : وَلا تَنْقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ، قال : العهود. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحقّ مما لا يكرهه الله. وجائز أن تكون نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيهم عن نقض بيعتهم حذرا من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وأن تكون نزلت في الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفائهم لقلة عددهم في آخرين لكثرة عددهم، وجائز أن تكون في غير ذلك. ولا خبر تَثْبُت به الحجة أنها نزلت في شيء من ذلك دون شيء، ولا دلالة في كتاب ولا حجة عقل أيّ ذلك عُنِيَ بها، ولا قول في ذلك أولى بالحقّ مما قلنا لدلالة ظاهره عليه، وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامّا في كلّ ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ، قال : وكيلاً. 
وقوله : إنّ اللّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ، يقول تعالى ذكره : إن الله أيها الناس يعلم ما تفعلون في العهود التي تعاهدون الله من الوفاء بها والأحلاف والأيمان التي تؤكدونها على أنفسكم، أتبرّون فيها أم تنقضونها، وغير ذلك من أفعالكم، محصٍ ذلك كله عليكم، وهو مسائلكم عنها وعما عملتم فيها، يقول : فاحذروا الله أن تلقوه وقد خالفتم فيها أمره ونهيه، فتستوجبوا بذلك منه ما لا قِبَل لكم به من ألم عقابه.

### الآية 16:92

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [16:92]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَكُونُواْ كَالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوّةٍ أَنكَاثاً تَتّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمّةٍ إِنّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيّنَنّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . 
يقول تعالى ذكره ناهيا عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وآمرا بوفاء العهود، وممثلاً ناقض ذلك بناقضة غزلها من بعد إبرامه، وناكثته من بعد إحكامه : ولا تكونوا أيها الناس في نقضكم أيمانكم بعد توكيدها، وإعطائكم الله بالوفاء بذلك العهود والمواثيق،  كالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ ، يعني : من بعد إبرام. وكان بعض أهل العربية يقول : القوّة : ما غُزِل على طاقة واحدة ولم يثن. وقيل : إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء معروفة بمكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن كثير : كالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ  قال : خرقاء كانت بمكة تنقضه بعد ما تُبْرِمه. 
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن صدقة، عن السديّ : وَلا تَكُونُوا كالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ أنْكاثا تَتّخِذُونَ أيمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ، قال : هي خَرْقَاءُ بمكة كانت إذا أبرمت غزلها نقضته. 
وقال آخرون : إنما هذا مثل ضربه الله لمن نقض العهد، فشبهه بامرأة تفعل هذا الفعل. وقالوا في معنى نقضت غزلها من بعد قوّة، نحوا مما قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلا تَكُونُوا كالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ أنْكاثا فلو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم : ما أحمق هذه وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : وَلا تَكُونُوا كالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ ، قال : غزلها : حبلها تنقضه بعد إبرامها إياه ولا تنتفع به بعد. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : كالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ ، قال : نقضت حبلها من بعد إبرام قوّة. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا تَكُونُوا كالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ أنْكاثا ، قال : هذا مثل ضربه الله لمن نقض العهد الذي يعطيه، ضرب الله هذا له مثلاً بمثل التي غزلت ثم نقضت غزلها، فقد أعطاهم ثم رجع، فنكث العهد الذي أعطاهم. 
وقوله : أنكاثا، يعني : أنقاضا، وكلّ شيء نُقِض بعد الفتل، فهو أنكاث، واحدها : نِكْث حبلاً كان ذلك أو غزلاً، يقال منه : نَكَث فلان هذا الحبل فهو ينكُثُه نَكْثا، والحبل منتكِثٌ : إذا انتقضت قُواه. وإنما عُني به في هذا الموضع نكث العهد والعقد. وقوله : تَتّخِذُونَ أيمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّةٍ ، يقول تعالى ذكره : تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتموه دَخَلاً بَيْنَكُمْ، يقول : خديعة وغرورا، ليطمئنوا إليكم وأنتم مضمرون لهم الغدر، وترك الوفاء بالعهد والنّقلة عنهم إلى غيرهم، من أجل أن غيرهم أكثر عددا منهم. والدّخَل في كلام العرب : كلّ أمر لم يكن صحيحا، يقال منه : أنا أعلم دَخَلَ فلان، ودخله، وداخِلةَ أمره، ودُخْلَتَهُ ودَخِيلَتَهُ. 
وأما قوله : أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّة ، ٍ فإن قوله أرَبى : أفعل من الربا، يقال : هذا أربى من هذا وأربأ منه، إذا كان أكثر منه ومنه قول الشاعر :

وأسْمَرَ خَطّيّ كأنّ كُعُوبَهُ  نَوى القسْبِ قد أرْبَى ذرَاعا على العَشْرِوإنما يقال : أربى فلان من هذا وذلك، للزيادة التي يريدها على غريمه على رأس ماله. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّةٍ ، يقول : أكثر. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّةٍ ، يقول : ناس أكثر من ناس. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّةٍ ، قال : كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حِلْف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ منهم، فنُهوا عن ذلك. 
حدثنا ابن المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. . . . 
وحدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : تَتّخِذُونَ أيمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ، يقول : خيانة وغدرا بينكم.  أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّةٍ ، أن يكون قوم أعزّ وأكثر من قوم. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا أبو ثور، عن معمر، عن قتادة : دَخَلاً بَيْنَكُمْ ، قال : خيانة بينكم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : تَتّخِذُونَ أيمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ، يغرّ بها، يعطيه العهد يؤمنه، وينزله من مأمنه، فتزلّ قدمه وهو في مأمن، ثم يعود يريد الغدر، قال : فأوّل بدو هذا، قوم كانوا حلفاء لقوم، تحالفوا وأعطى بعضهم بعضا العهد، فجاءهم قوم قالوا : نحن أكثر وأعزّ وأمنع، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا ففعلوا، وذلك قول الله تعالى : وَلا تَنْقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّةٍ  هي أربى : أكثر من أجل أن كانوا هؤلاء أكثر من أولئك نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء، فكان هذا في هذا، وكان الأمر الآخر في الذي يعاهده فينزله من حِصْنه ثم ينكث عليه، الآية الأولى في هؤلاء القوم وهي مبدؤه، والأخرى في هذا. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : أنْ تَكُونَ أُمّةٌ هِيَ أرْبَى مِنْ أُمّةٍ ، يقول : أكثر، يقول : فعليكم بوفاء العهد. 
وقوله : إنّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِه ِ يقول تعالى ذكره : إنما يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بعهد الله إذا عاهدتم، ليتبين المطيع منكم المنتهي إلى أمره ونهيه من العاصي المخالف أمره ونهيه.  وَليُبِينَنّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ، يقول تعالى ذكره : وليبينن لكم أيها الناس ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه بمجازاة كلّ فريق منكم على عمله في الدنيا، المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته، ما كُنْتُمْ فيه تَخْتَلِفُونَ، والذي كانوا فيه يختلفون في الدنيا أن المؤمن بالله كان يقرّ بوحدانية الله ونبوّة نبيه، ويصدق بما ابتعث به أنبياءه، وكان يكذّب بذلك كله الكافر فذلك كان اختلافهم في الدنيا الذي وعد الله تعالى ذكره عباده أن يبينه لهم عند ورودهم عليه بما وصفنا من البيان.

### الآية 16:93

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:93]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولو شاء ربكم أيها الناس للطف بكم بتوفية من عنده، فصرتم جميعا جماعة واحدة وأهل ملة واحدة، لا تختلفون ولا تفترقون، ولكنه تعالى ذكره خالف بينكم فجعلكم أهل ملل شتى، بأن وفّق هؤلاء للإِيمان به والعمل بطاعته فكانوا مؤمنين، وخذل هؤلاء فحَرَمَهم توفيقه فكانوا كافرين، وليسألنكم الله جميعا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم ونهاكم، ثم ليَجازينكم جزاء المطيع منكم بطاعته والعاصي له بمعصيته.

### الآية 16:94

> ﻿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [16:94]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَتّخِذُوَاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسّوَءَ بِمَا صَدَدتّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ولا تتخذوا أيمانكم بينكم دَخَلاً وخديعة بينكم، تَغُرّون بها الناس،  فَتَزِلّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ، يقول : فتهلكوا بعد أن كنتم من الهلاك آمنين. وإنما هذا مثل لكلّ مبتلى بعد عافية، أو ساقطٍ في ورطة بعد سلامة، وما أشبه ذلك :**«زلّت قدمه »**، كما قال الشاعر :

سيَمْنَعُ منكَ السّبْقُ إنْ كُنْتَ سابِقا  وتُلْطَعُ إنْ زَلّتْ بكَ النّعْلانِوقوله : وَتَذُوقُوا السّوءَ ، يقول : وتذوقوا أنتم السوء، وذلك السوء هو عذاب الله الذي يعذّب به أهل معاصيه في الدنيا، وذلك بعض ما عذّب به أهل الكفر.  بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ، يقول : بما فَتنتم من أراد الإيمان بالله ورسوله عن الإيمان.  وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، في الآخرة، وذلك نار جهنم. وهذه الآية تدلّ على أن تأويل برَيُدة الذي ذكرنا عنه في قوله : وأوْفُوا بعَهْدِ اللّهِ إذَا عاهَدْتُمْ ، والآيات التي بعدها، أنه عُنِي بذلك : الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، عن مفارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك، هو الصواب، دون الذي قال مجاهد أنهم عنوا به ؛ لأنه ليس في انتقال قوم تحالفوا عن حلفائهم إلى آخرين غيرهم صدّ عن سبيل الله ولا ضلال عن الهدى، وقد وصف تعالى ذكره في هذه الآية فاعِلِي ذلك أنهم باتخاذهم الأيمان دخلا بينهم ونقضهم الأيمان بعد توكيدها، صادّون عن سبيل الله، وأنهم أهل ضلال في التي قبلها، وهذه صفة أهل الكفر بالله، لا صفة أهل النّقْلة بالحلف عن قوم إلى قوم.

### الآية 16:95

> ﻿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [16:95]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنّمَا عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ \* مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنّ الّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولا تنقضوا عهودكم أيها الناس وعقودكم التي عاقدتموها من عاقدتم مؤكّديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضا من الدنيا قليلاً، ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بالوفاء به يثبكم الله على الوفاء به، فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك هو خير لكم إن كنتم تعلمون فضل ما بين العِوَضين اللذين أحدهما : الثمن القليل الذي تشترون بنقض عهد الله في الدنيا، والآخر : الثواب الجزيل في الآخرة على الوفاء به. ثم بين تعالى ذكره فَرْق ما بين العِوَضين وفضل ما بين الثوابين، فقال : ما عندكم أيها الناس مما تتملكونه في الدنيا وإن كَثُر فنافدٌ فانٍ، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير فان، فلما عنده فاعملوا، وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا. وقوله : وَلَنَجْزِيَنّ الّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، يقول تعالى ذكره : وليثيبنّ الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السرّاء والضرّاء، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها ومسارعتهم في رضاه، بأحسن ما كانوا يعملُون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرنّ الله لهم سيئها بفضله.

### الآية 16:96

> ﻿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [16:96]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٥:القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنّمَا عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ \* مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنّ الّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولا تنقضوا عهودكم أيها الناس وعقودكم التي عاقدتموها من عاقدتم مؤكّديها بأيمانكم، تطلبون بنقضكم ذلك عرضا من الدنيا قليلاً، ولكن أوفوا بعهد الله الذي أمركم بالوفاء به يثبكم الله على الوفاء به، فإن ما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك هو خير لكم إن كنتم تعلمون فضل ما بين العِوَضين اللذين أحدهما : الثمن القليل الذي تشترون بنقض عهد الله في الدنيا، والآخر : الثواب الجزيل في الآخرة على الوفاء به. ثم بين تعالى ذكره فَرْق ما بين العِوَضين وفضل ما بين الثوابين، فقال : ما عندكم أيها الناس مما تتملكونه في الدنيا وإن كَثُر فنافدٌ فانٍ، وما عند الله لمن أوفى بعهده وأطاعه من الخيرات باق غير فان، فلما عنده فاعملوا، وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا. وقوله : وَلَنَجْزِيَنّ الّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، يقول تعالى ذكره : وليثيبنّ الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السرّاء والضرّاء، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها ومسارعتهم في رضاه، بأحسن ما كانوا يعملُون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرنّ الله لهم سيئها بفضله. ---

### الآية 16:97

> ﻿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [16:97]

القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : من عمل بطاعة الله، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم وهُوَ مُؤْمِنٌ يقول : وهو مصدّق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية  فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً . 
واختلف أهل التأويل في الذي عَنَى الله بالحياة الطيبة التي وعد هؤلاء القوم أن يُحْييهموها، فقال بعضهم : عني أنه يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سَميع، عن أبي مالك، عن ابن عباس : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً  قال : الحياة الطيبة : الرزق الحلال في الدنيا. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي مالك وأبي الربيع، عن ابن عباس، بنحوه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس، في قوله : مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً  قال : الرزق الحسن في الدنيا. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً  قال : الرزق الطيب في الدنيا. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا الفضل بن دكين، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً  قال : الرزق الطيب في الدنيا. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، يعني : في الدنيا. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن مطرف، عن الضحاك : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، قال : الرزق الطيب الحلال. 
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عون بن سلام القرشيّ، قال : أخبرنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، في قوله : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، قال : يأكل حلالاً ويلبس حلالاً. 
وقال آخرون : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَة ، ً بأن نرزقه القناعة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن أبي خزيمة سليمان التمّار، عمن ذكره عن عليّ : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، قال : القنوع. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو عصام، عن أبي سعيد، عن الحسن البصريّ، قال : الحياة الطيبة : القناعة. 
وقال آخرون : بل يعني بالحياة الطيبة : الحياة مؤمنا بالله عاملاً بطاعته. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً  يقول : من عمل عملاً صالحا وهو مؤمن في فاقة أو ميسرة، فحياته طيبة، ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل صالحا، عيشته ضنكة لا خير فيها. 
وقال آخرون : الحياة الطيبة السعادة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، قال : السعادة. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : الحياة في الجنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هَوْذة، عن عوف، عن الحسن : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، قال : لا تطيب لأحد حياة دون الجنة. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، قال : ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، فإن الله لا يشاء عملاً إلا في إخلاص، ويوجب من عمل ذلك في إيمان، قال الله تعالى : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، وهي الجنة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً قال : الآخرة يحييهم حياة طيبة في الاَخرة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً ، قال : الحياة الطيبة في الاَخرة : هي الجنة، تلك الحياة الطيبة، قال : وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، وقال : ألا تراه يقول : يا لَيْتَنِي قَدّمْتُ لِحَياتي  ؟ قال : هذه آخرته. وقرأ أيضا : وَإنّ الدّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ ، قال : الآخرة دار حياة لأهل النار وأهل الجنة، ليس فيها موت لأحد من الفريقين. 
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله : مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، قال : الإيمان : الإخلاص لله وحده، فبين أنه لا يقبل عملاً إلا بالإخلاص له. 
وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : تأويل ذلك : فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق، لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّر فيها عيشه، باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها. 
وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية ؛ لأن الله تعالى ذكره أوعد قوما قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى : وَلا تَتّخِذُوا أيمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتزِلّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السّوءَ بِمَا صَدَدَتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ، فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة. ثم أتبع ذلك ما لمَن أوفى بعهد الله وأطاعه فقال تعالى : ما عندكم في الدنيا ينفد، وما عند الله باق، فالذي هذه السيئة بحكمته أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالى ذكره. 
وأما القول الذي رُوِي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال، فهو محَتمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال وإن قلّ، فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال، وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال لم نرهم رُزِقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة. 
وقوله : وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، فذلك لا شكّ أنه في الآخرة وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي مالك، عن ابن عباس : وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، قال : إذا صاروا إلى الله جزاهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سُمَيع، عن أبي مالك، وأبي الربيع، عن ابن عباس، مثله. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن إسماعيل بن سُمَيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس : وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهُمْ ، قال : في الاَخرة. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن سُمَيع، عن أبي الربيع، عن ابن عباس، مثله. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، يقول : يجزيهم أجرهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون. 
وقيل : إن هذه الآية نزلت بسبب قوم من أهل مِلَل شتى تفاخروا، فقال أهل كلّ ملة منها : نحن أفضل، فبين الله لهم أفضل أهل الملل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يعلى بن عبيد، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال : جلس ناس من أهل الأوثان وأهل التوراة وأهل الإنجيل، فقال هؤلاء : نحن أفضل، وقال هؤلاء : نحن أفضل، فأنزل الله تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أجْرَهُمْ بأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ .

### الآية 16:98

> ﻿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [16:98]

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ \* إِنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىَ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ \* إِنّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىَ الّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ وَالّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا كنت يا محمد قارئا القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. وكان بعض أهل العربية يزعم أنه من المؤخر الذي معناه التقديم. وكأن معنى الكلام عنده : وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم، فاقرأ القرآن. ولا وجه لما قال من ذلك ؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لكان متى استعاذ مستعيذ من الشيطان الرجيم لزمه أن يقرأ القرآن، ولكن معناه ما وصفناه. وليس قوله : فاسْتَعِذْ باللّهِ مِنَ الشّيْطانِ الرّجِيمِ ، بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرّجيم قبل قرأته أو بعدها أنه لم يضيع فرضا واجبا. وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فإذَا قَرأتَ القُرآنَ فاسْتَعِذ باللّهِ مِنَ الشّيْطانِ الرّجِيمِ  قال : فهذا دليل من الله تعالى دلّ عباده عليه.

### الآية 16:99

> ﻿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [16:99]

وأما قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، فإنه يعني بذلك : أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه.  وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، يقول : وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم.  إنّمَا سُلْطَانُه عَلىَ الّذِينَ يتَولّونَهُ ، يقول : إنما حجته على الذين يعبدونه،  وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، يقول : والذين هم بالله مشركون. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّمَا سُلْطانُهُ ، قال : حجته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : إ نّمَا سُلْطانُهُ على الّذِينَ يتَوَلّوْنَهُ ، قال : يطيعونه. 
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله لم يسلط فيه الشيطان على المؤمن. فقال بعضهم بما :
حُدثت عن واقد بن سليمان، عن سفيان، في قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ  قال : ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. 
وقال آخرون : هو الاستعاذة، فإنه إذا استعاذ بالله، منع منه ولم يسلط عليه. واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الله تعالى : وإمّا يَنْزَغَنّكَ منَ الشّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللّهِ إنّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة الحِجْر. 
**وقال آخرون في ذلك، بما :**
حدثني به المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، إلى قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ  يقال : إن عدوّ الله إبليس قال : لأغوينهم أجَمعينَ إلاّ عبادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ ، فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل، وإنما سلطانه على قوم اتخذوه وليّا وأشركوه في أعمالهم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، يقول : السلطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّمَا سُلْطانُهُ عَلى الّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ  يقول : الذين يطيعونه ويعبدونه. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فاستعاذوا بالله منه، بما ندب الله تعالى ذكره من الاستعاذة،  وَعَلى رَبهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، على ما عرض لهم من خطراته ووساوسه. 
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية ؛ لأن الله تعالى ذكره أتبع هذا القول : فإذَا قَرأتَ القُرآنَ فاسْتَعِذْ باللّهِ مِنَ الشّيْطانِ الرّجِيمِ ، وقال في موضع آخر : وَإمّا يَنْزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللّهِ إنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، فكان بينا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال ليُعيذهم من سلطانه. 
وأما قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم فيه بما قلنا إن معناه : والذين هم بالله مشركون. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ  قال : يعدلون بربّ العالمين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، قال : يعدلون بالله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، عدلوا إبليس بربهم، فإنهم بالله مشركون. 
وقال آخرون : معنى ذلك : والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان في أعمالهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، أشركوه في أعمالهم. 
والقول الأوّل، أعني قول مجاهد، أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع، لكان التنزيل : الذين هم مشركوه، ولم يكن في الكلام **«به »**، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك : والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطانا، وقال في كل موضع تقدّم إليهم بالزجر عن ذلك : لا تشركوا بالله شيئا، ولم نجد في شيء من التنزيل : لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فيجوز لنا توجيه معنى قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله. فبين إذا إذ كان ذلك كذلك أن الهاء في قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ ، عائدة على **«الربّ »** في قوله : وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ .

### الآية 16:100

> ﻿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [16:100]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٩:وأما قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، فإنه يعني بذلك : أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه.  وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، يقول : وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم.  إنّمَا سُلْطَانُه عَلىَ الّذِينَ يتَولّونَهُ ، يقول : إنما حجته على الذين يعبدونه،  وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، يقول : والذين هم بالله مشركون. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّمَا سُلْطانُهُ ، قال : حجته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : إ نّمَا سُلْطانُهُ على الّذِينَ يتَوَلّوْنَهُ ، قال : يطيعونه. 
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله لم يسلط فيه الشيطان على المؤمن. فقال بعضهم بما :
حُدثت عن واقد بن سليمان، عن سفيان، في قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ  قال : ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. 
وقال آخرون : هو الاستعاذة، فإنه إذا استعاذ بالله، منع منه ولم يسلط عليه. واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الله تعالى : وإمّا يَنْزَغَنّكَ منَ الشّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللّهِ إنّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة الحِجْر. 
 **وقال آخرون في ذلك، بما :**
حدثني به المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، إلى قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ  يقال : إن عدوّ الله إبليس قال : لأغوينهم أجَمعينَ إلاّ عبادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ ، فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل، وإنما سلطانه على قوم اتخذوه وليّا وأشركوه في أعمالهم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، يقول : السلطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّمَا سُلْطانُهُ عَلى الّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ  يقول : الذين يطيعونه ويعبدونه. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فاستعاذوا بالله منه، بما ندب الله تعالى ذكره من الاستعاذة،  وَعَلى رَبهِمْ يَتَوَكّلُونَ ، على ما عرض لهم من خطراته ووساوسه. 
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية ؛ لأن الله تعالى ذكره أتبع هذا القول : فإذَا قَرأتَ القُرآنَ فاسْتَعِذْ باللّهِ مِنَ الشّيْطانِ الرّجِيمِ ، وقال في موضع آخر : وَإمّا يَنْزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللّهِ إنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، فكان بينا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال ليُعيذهم من سلطانه. 
وأما قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم فيه بما قلنا إن معناه : والذين هم بالله مشركون. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ  قال : يعدلون بربّ العالمين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، قال : يعدلون بالله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، عدلوا إبليس بربهم، فإنهم بالله مشركون. 
وقال آخرون : معنى ذلك : والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان في أعمالهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، أشركوه في أعمالهم. 
والقول الأوّل، أعني قول مجاهد، أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع، لكان التنزيل : الذين هم مشركوه، ولم يكن في الكلام ****«به »****، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك : والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطانا، وقال في كل موضع تقدّم إليهم بالزجر عن ذلك : لا تشركوا بالله شيئا، ولم نجد في شيء من التنزيل : لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فيجوز لنا توجيه معنى قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ، إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله. فبين إذا إذ كان ذلك كذلك أن الهاء في قوله : وَالّذِينَ هُمْ بِهِ ، عائدة على ****«الربّ »**** في قوله : وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ . ---

### الآية 16:101

> ﻿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [16:101]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا بَدّلْنَآ آيَةً مّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم أخرى،  والله أعْلَمُ بما يُنَزّلُ ، يقول : والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدّل ويغير من أحكامه،  قالوا إنما أنْتَ مُفْتَرٍ ، يقول : قال المشركون بالله المكذبون رسوله لرسوله : إنما أنت يا محمد مفتر، أي : مكذب تخرص بتقوّل الباطل على الله. يقول الله تعالى : بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا محمد إنما أنت مفتر جهالٌ، بأنّ الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ، رفعناها فأنزل غيرها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ، قال : نسخناها، بدّلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ، هو كقوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها . 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ  قالوا : إنما أنت مفتر، تأتي بشيء وتنقضه، فتأتي بغيره. قال : وهذا التبديل ناسخ، ولا نبدّل آية مكان آية إلا بنسخ.

### الآية 16:102

> ﻿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [16:102]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رّبّكَ بِالْحَقّ لِيُثَبّتَ الّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُسْلِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للقائلين لك إنما أنت مفتر فيما تتلو عليهم من آي كتابنا : أنزله روح القُدُس يقول : قل جاء به جبرَئيل من عند ربي بالحقّ. وقد بيّنت في غير هذا الموضع معنى روح القُدس، بما أغنى عن إعادته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا جعفر بن عون العمَريّ، عن موسى بن عبيدة الرّبَذيّ، عن محمد بن كعب، قال : روح القُدُس : جبرئيل. 
وقوله : لِيُثَبّتَ الّذِينَ آمَنُوا ، يقول تعالى ذكره : قل نزل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه روح القدس عليّ من ربي، تثبيتا للمؤمنين وتقوية لإيمانهم، ليزدادوا بتصديقهم لناسخه ومنسوخه إيمانا لإيمانهم وهدى لهم من الضلالة، وبُشرى للمسلمين الذين استسلموا لأمر الله وانقادوا لأمره ونهيه وما أنزله في آي كتابه، فأقرّوا بكلّ ذلك وصدّقوا به قولاً وعملاً.

### الآية 16:103

> ﻿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [16:103]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقُولُونَ إِنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لّسَانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهََذَا لِسَانٌ عَرَبِيّ مّبِينٌ . 
يقول تعالى ذكره : ولقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون جهلاً منهم : إنما يعلّم محمدا هذا الذي يتلوه بشر من بني آدم، وما هو من عند الله. يقول الله تعالى ذكره مكذّبهم في قيلهم ذلك : ألا تعلمون كذب ما تقولون ؟ إن لسان الذين تلحدون إليه، يقول : تميلون إليه. بأنه يعلم محمدا، أعجميّ. وذلك أنهم فيما ذُكر كانوا يزعمون أن الذي يعلّم محمدا هذا القرآن عبد روميّ، فلذلك قال تعالى : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهذَا لِسانٌ عَرَبيّ مُبِينٌ ، يقول : وهذا القرآن لسان عربيّ مبين. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في اسم الذي كان المشركون يزعمون أنه يعلّم محمدا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن من البشر، فقال بعضهم : كان اسمه بَلْعام، وكان قَيْنا بمكة نصرانيّا. ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن محمد الطّوسِيّ، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن مسلم بن عبد الله المَلائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّم قينا بمكة، وكان أعجميّ اللسان، وكان اسمه بَلْعام، فكان المشركون يَرَوْن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدخل عليه وحين يخرج من عنده، فقالوا : إنما يعلّمه بَلْعام فأنزل الله تعالى ذكره : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُمْ يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ . 
وقال آخرون : اسمه يعيش. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن عكرمة، قال : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاما لبني المغيرة أعجميّا قال سفيان : أراه يقال له : يَعِيش قال : فذلك قوله : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ . 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُم يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ ، وقد قالت قريش : إنما يعلمه بشر، عبد لبني الحَضْرميّ يقال ل : ه يعيش، قال الله تعالى : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ  وكان يعيش يقرأ الكُتُب. 
وقال آخرون : بل كان اسمهَ جْبر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المَرْوَة إلى غلام نصراني يقال له : جَبْر، عبد لبني بياضةَ الحَضَرِميّ، فكانوا يقولون : والله ما يعلّم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جَبْرٌ النصرانيّ غلام الحضرميّ فأنزل الله تعالى في قولهم : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُم يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ . 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عبد الله بن كثير : كانوا يقولون : إنما يعلمه نصرانيّ على المَرْوة، ويعلم محمدا رُوميّ، يقولون : اسمه جَبْر وكان صاحب كُتُب عبد لابن الحضرميّ، قال الله تعالى : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ  قال : وهذا قول قريش إنما يعلمه بشر، قال الله تعالى : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ . 
وقال آخرون : بل كانا غلامين اسم أحدهما يسار والآخر جَبْر. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن حُصَين، عن عبد الله بن مسلم الحضرميّ : أنه كان لهم عبدان من أهل عير اليمن، وكانا طفلين، وكان يُقال لأحدهما يسار والآخر جبر، فكانا يقرآن التوراة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهما، فقال كفار قريش : إنما يجلس إليهما يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ . 
حدثني المثنى، قال : حدثنا معن بن أسد، قال : حدثنا خالد بن عبد الله، عن حصين، عن عبد الله بن مسلم الحضرميّ، نحوه. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عبد الله بن مسلم، قال : كان لنا غلامان فكان يقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يمرّ عليهما، فيقوم يستمع منهما، فقال المشركون : يتعلم منهما، فأنزل الله تعالى ما كذّبهم به، فقال : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ . 
وقال آخرون : بل كان ذلك سَلْمان الفارسي. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ  كانوا يقولون : إنما يعلّمه سَلْمان الفارسي. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّهُم يَقُولُونَ إنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ  قال : قول كفار قريش : إنما يعلّم محمدا عبدُ ابن الحضرمي، وهو صاحب كتاب، يقول الله : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ . 
وقيل : إن الذي قال ذلك رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّ عن الإسلام. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرني سعيد بن المسيب : أن الذي ذكر الله إنما يعلمه بشر إنما افتتن إنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«سميع عليم »**، أو **«عزيز حكيم »**، وغير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الوحي، فيستفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول : أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم ؟ فيقول : رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أيّ ذلك كتبت فهو كذلك »**. ففتنه ذلك، فقال : إن محمدا يكل ذلك إليّ، فأكتب ما شئت. وهو الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة. 
واختلف القرّاء في قراءة قوله : يُلْحِدُونَ  فقرأته عامّة قرّاء المدينة والبصرة : لِسانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْه ، بضم الياء، من ألحد يلحد إلحادا، بمعنى : يعترضون ويعدلون إليه ويعرجون إليه، من قول الشاعر :

قَدْنِيَ منْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي  لَيْسَ أميرِي بالشّحيحِ المُلْحِدِوقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة :**«لِسانُ الّذِي يَلْحِدُونَ إلَيْهِ »** بفتح الياء، يعني : يميلون إليه، من لَحَدَ فلان إلى هذا الأمر يَلْحِدُ لَحدا ولُحودا. وهما عندي لغتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فيهما الصواب. وقيل : وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ ، يعني : القرآن كما تقول العرب لقصيدة من الشعر يعرضها الشاعر : هذا لسان فلان، تريد قصيدته كما قال الشاعر :لِسانُ السّوءِ تُهْدِيها إلَيْنا  وحِنْتَ وَما حَسِبْتُكَ أنْ تَحِينايعني باللسان : القصيدة والكلمة.

### الآية 16:104

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:104]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ \* إِنّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ . 
يقول تعالى : إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته فيصدّقون بما دلّت عليه،  لا يَهْدِيهِمُ اللّهُ  يقول : لا يوفقهم الله لإصابة الحقّ ولا يهديهم لسبيل الرشد في الدنيا،  ولَهُمْ فِي الآخِرَة ، وعند الله إذا وردوا عليه يوم القيامة عذاب مؤلم موجع. ثم أخبر تعالى ذكره المشركين الذين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إنما أنت مفتر، أنهم هم أهل الفرية والكذب، لا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به، وبرّأ من ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال : إنما يتخرّص الكذب ويتقوّل الباطل، الذين لا يصدّقون بحجج الله وإعلامه ؛ لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابا، ولا يخافون على الكذب عقابا، فهم أهل الإفك وافتراء الكذب، لا من كان راجيا من الله على الصدق الثواب الجزيل، وخائفا على الكذب العقاب الأليم. وقوله : وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ  يقول : والذين لا يؤمنون بآيات الله هم أهل الكذب لا المؤمنون.

### الآية 16:105

> ﻿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [16:105]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٤:القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ \* إِنّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ . 
يقول تعالى : إن الذين لا يؤمنون بحجج الله وأدلته فيصدّقون بما دلّت عليه،  لا يَهْدِيهِمُ اللّهُ  يقول : لا يوفقهم الله لإصابة الحقّ ولا يهديهم لسبيل الرشد في الدنيا،  ولَهُمْ فِي الآخِرَة ، وعند الله إذا وردوا عليه يوم القيامة عذاب مؤلم موجع. ثم أخبر تعالى ذكره المشركين الذين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إنما أنت مفتر، أنهم هم أهل الفرية والكذب، لا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به، وبرّأ من ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال : إنما يتخرّص الكذب ويتقوّل الباطل، الذين لا يصدّقون بحجج الله وإعلامه ؛ لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابا، ولا يخافون على الكذب عقابا، فهم أهل الإفك وافتراء الكذب، لا من كان راجيا من الله على الصدق الثواب الجزيل، وخائفا على الكذب العقاب الأليم. وقوله : وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ  يقول : والذين لا يؤمنون بآيات الله هم أهل الكذب لا المؤمنون. ---

### الآية 16:106

> ﻿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [16:106]

القول في تأويل قوله تعالى : مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالإِيمَانِ وَلََكِن مّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . 
اختلف أهل العربية في العامل في **«مَن »** من قوله : مَنْ كَفَرَ باللّهِ ، ومن قوله : وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرا ، فقال بعض نحويي البصرة : صار قوله : فَعَلَيْهِمْ ، خبرا لقوله : وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرا ، وقوله : مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدَ إيمانِهِ ، فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ على المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هذان جزءان اجتمعا، أحدهما منعقد بالآخر، فجوابهما واحد، كقول القائل : من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى : من يحسن ممن يأتنا نكرمه. قال : وكذلك كلّ جزاءين اجتمعا الثاني منعقد بالأوّل، فالجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة : بل قوله : مَنْ كَفَرَ باللّهِ ، مرفوع بالردّ على **«الذين »** في قوله : إنّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللّهِ ، ومعنى الكلام عنده : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بالإيمان. وهذا قول لا وجه له، وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالى ذكره قد أخرج ممن افترى الكذب في هذه الآية الذين وُلدوا على الكفر وأقاموا عليه ولم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا في حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيمان والتنزيل يدلّ على أنه لم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر المشركين الذين كانوا على الشرك مقيمين، وذلك أنه تعالى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراء الكذب، فقال : وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللّهُ أعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوا إنمَا أنْتَ مُفْترٍ، بَلْ أكْثرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ، وكذّب جميع المشركين بافترائهم على الله، وأخبر أنهم أحقّ بهذه الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : إنما يَفْتَرِي الكَذِبَ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ . ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بالله من بعد إيمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بالله بعد الإيمان خاصة دون غيرهم من سائر المشركين ؛ لأن هذه في سياق الخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائلٌ فبين فساده، مع خروجه عن تأويل جميع أهل العلم بالتأويل. 
والصواب من القول في ذلك عندي أن الرافع ل **«من »** الأولى والثانية، قوله : فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ ، والعرب تفعل ذلك في حروف الجزاء إذا استأنفت أحدهما على آخر. 
وذكر أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعض. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بالإيمَانِ. . .  إلى آخر الآية. وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّثه بالذي لقي من قريش والذي قال، فأنزل الله تعالى ذكره عذره : مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ. . .  إلى قوله : ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بالإيمَانِ ، قال : ذُكر لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا : اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل الله تعالى ذكره : إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بالإيمَانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرا  : أي من أتى الكفر على اختيار واستحباب،  فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ ؟ »** قال : مطمئنا بالإيمان. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«فإنْ عادُوا فَعُدْ »**. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله : إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بالإِيمَانَ  قال : نزلت في عمار بن ياسر. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال : لما عذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا إلا خباب بن الأرت، كانوا يضجعونه على الرضف فلم يستقلوا منه شيئا. 
فتأويل الكلام إذن : من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر عن ابن عباس. 
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بالإيمَانِ ، فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم. فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه ؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

### الآية 16:107

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [16:107]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنّهُمُ اسْتَحَبّواْ الْحَيَاةَ الْدّنْيَا عَلَىَ الآخرة وَأَنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : حلّ بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الاَخرة ؛ ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها.

### الآية 16:108

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [16:108]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 أُولََئِكَ الّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولََئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ \* لاَ جَرَمَ أَنّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الْخَاسِرونَ . 
يقول تعالى ذكره : هؤلاء المشركون الذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيها الناس، هم القوم الذين طبع الله على قلوبهم، فختم عليها بطابعه، فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصمّ أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعظ.  وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ  يقول : وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون عما أعدّ الله لأمثالهم من أهل الكفر، وعما يراد بهم.

### الآية 16:109

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [16:109]

وقوله : لا جَرَمَ أنّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرُونَ ، الهالكون، الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى.

### الآية 16:110

> ﻿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:110]

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ إِنّ رَبّكَ لِلّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنّ رَبّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا من ديارهم ومساكنهم وعشائرهم من المشركين، وانتقلوا عنهم إلى ديار أهل الإسلام ومساكنهم وأهل ولايتهم، من بعد ما فتنهم المشركون الذين كانوا بين أظهرهم قبل هجرتهم عن دينهم، ثم جاهدوا المشركين بعد ذلك بأيديهم بالسيف وبألسنتهم بالبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله وصبروا على جهادهم،  إنّ رَبّكَ منْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  يقول : إن ربك من بعد فعلتهم هذه لهم لغفور، يقول : لذو ستر على ما كان منهم من إعطاء المشركين ما أرادوا منهم من كلمة الكفر بألسنتهم، وهم لغيرها مضمرون وللإيمان معتقدون، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها مع إنابتهم إلى الله وتوبتهم. 
وذُكر عن بعض أهل التأويل أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا تخلّفوا بمكة بعد هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فاشتدّ المشركون عليهم حتى فتنوهم عن دينهم، فأيسوا من التوبة، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فهاجروا ولحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنّ بالإيمَانِ  قال : ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم وكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. 
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. 
قال ابن جريج : قال الله تعالى ذكره : ل مَنْ كَفَرَ باللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ{ ثم نسخ واستثنى، فقال :{ ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، ذكر لنا أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يُقبل منهم إسلام حتى يهاجروا، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة. فلما جاءهم ذلك تبايعوا بينهم على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله. فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قُتل ومنهم من نجا، فأنزل الله تعالى : ثُمّ إنّ رَبّكَ للّذِينَ هاجَرُوا منْ بَعْدِ ما فُتِنُوا. . .  الآية. 
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : " كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإِسْلاَمِ، فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ وَقُتِلَ بَعْضٌ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلاَءِ مُسْلِمِينَ وَأُكْرِهُوا فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ :\*إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ\* إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ : وَكَتَبَ إِلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الآيَةَ : لاَ عُذْرَ لَهُمْ، قَالَ : فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَأَعْطُوهُمُ الْفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ :\*وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ\* إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَكَتَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا وَأَيِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ :\*ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا، ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ\*، فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ، ثُمَّ نَجَا مَنْ نَجَا، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ " 
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ : " نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، ( وَالْوَلِيدِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ )، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ :\*ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا، ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا\* ". 
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي شَأْنِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالاَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ :\*مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ\* ثُمَّ نُسِخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ :\*ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا، ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بِعَدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ\* وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بن سعد بْنُ أَبِي سَرْحٍ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاسْتَجَارَ لَهُ أَبُو عَمْرٍو، فَأَجَارَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".

### الآية 16:111

> ﻿۞ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [16:111]

القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا وَتُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : }إن ربك من بعدها لغفور رحيم يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تخاصم عن نفسها }، وتحتجّ عنها بما أسلفت في الدنيا من خير أو شرّ أو إيمان أو كفر. و َتُوَفّى كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ  في الدنيا من طاعة ومعصية.  وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ  : يقول : وهم لا يفعل بهم إلا ما يستحقونه ويستوجبونه بما قدّموه من خير أو شرّ، فلا يجزي المحسن إلا بالإحسان، ولا المسيء إلا بالذي أسلف من الإساءة، لا يعاقب محسن ولا يبخس جزاء إحسانه، ولا يثاب مسيء إلا ثواب عمله. 
واختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله قيل :**«تجادل »** فأنّث الكلّ، فقال بعض نحوّيي البصرة : قيل ذلك لأن معنى كلّ نفس : كل إنسان، وأنث لأن النفس تذكر وتؤنث، يقال : ما جاءني نفس واحد وواحدة. وكان بعض أهل العربية يرى هذا القول من قائله غلطا ويقول :**«كلّ »** إذا أضيفت إلى نكرة واحدة خرج الفعل على قدر النكرة : كلّ امرأة قائمة، وكلّ رجل قائم، وكل امرأتين قائمتان، وكلّ رجلين قائمان، وكل نساء قائمات، وكل رجال قائمون، فيخرج على عدد النكرة وتأنيثها وتذكيرها، ولا حاجة به إلى تأنيث النفس وتذكيرها.

### الآية 16:112

> ﻿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [16:112]

القول في تأويل قوله تعالى : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . 
يقول الله تعالى ذكره : ومثل الله مثلاً لمكّة التي سكانها أهل الشرك بالله هي القرية التي كانت آمنة مطمئنة. وكان أمنها أن العرب كانت تتعادى ويقتل بعضها بعضا ويَسْبِي بعضها بعضا، وأهل مكة لا يُغار عليهم ولا يحارَبون في بلدهم، فذلك كان أمنها. وقوله : مُطْمَئِنّةً ، يعني : قارّة بأهلها، لا يحتاج أهلها إلى النّجْع كما كان سكان البوادي يحتاجون إليها.  يَأتِيها رِزْقُها رَغَدا ، يقول : يأتي أهلها معايشهم واسعة كثيرة. وقوله : مِنْ كُلّ مَكانٍ ، يعني : من كلّ فجّ من فِجاج هذه القرية ومن كل ناحية فيها. 
وبنحو الذي قلنا في أن القرية التي ذُكرت في هذا الموضع أريد بها مكة قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدا مِنْ كُلّ مَكانٍ ، يعني : مكة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً ، قال : مكة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً ، قال : ذُكر لنا أنها مكة. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً ، قال : هي مكة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً. . .  إلى آخر الآية. قال : هذه مكة. 
وقال آخرون : بل القرية التي ذكر الله في هذا الموضع مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال : ثني عبد الرحمن بن شريح، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرميّ، حدث أنه سمع مِشْرَحَ بن عاهانَ، يقول : سمعت سليم بن نمير يقول : صدرنا من الحجّ مع حفصة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم وعثمان محصور بالمدينة فكانت تسأل عنه ما فعل، حتى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا : قُتل فقالت حفصة : والذي نفسي بيده إنها القرية، تعني : المدينة التي قال الله تعالى : وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدا مِنْ كُلّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بأنْعُمِ اللّهِ  قرأها. قال أبو شريح : وأخبرني عبد الله بن المغيرة عمن حدثه، أنه كان يقول : إنها المدينة. وقوله : فَكَفَرَتْ بأنْعُمِ اللّهِ ، يقول : فكفر أهل هذه القرية بأنعم الله التي أنعم عليها. 
واختلف أهل العربية في واحد **«الأَنْعُم »**، فقال بعض نحويّي البصرة : جمع النعمة على أنعم، كما قال الله : حتى إذَا بَلَغَ أشُدّهُ  فزعم أنه جمع الشّدّة. وقال آخر منهم : الواحد نُعْم، وقال : يقال : أيام طُعْم ونُعْم : أي : نعيم، قال : فيجوز أن يكون معناها : فكفرت بنعيم الله لها. واستشهد على ذلك بقول الشاعر :

وعندي قُرُوضُ الخَيرِ والشّرّ كلّه  فبُؤْسٌ لذي بُؤْسٍ ونُعْمٍ بأنْعُمِوكان بعض أهل الكوفة يقول : أنْعُم : جمع نعماء، مثل بأساء وأبؤس، وضرّاء وأَضُرّ فأما الأشدّ فإنه زعم أنه جمع شَدّ. 
وقوله : فأذَاقَها اللّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ ، يقول تعالى ذكره : فأذاق الله أهل هذه القرية لباس الجوع، وذلك جوع خالط أذاه أجسامهم، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لمخالطته أجسامهم بمنزلة اللباس لها. وذلك أنهم سلط عليهم الجوع سنين متوالية بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أكلوا العِلْهِزَ والجِيَف. قال أبو جعفر : والعلهز : الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه. وأما الخوف فإن ذلك كان خوفهم من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت تطيف بهم. وقوله : بِمَا كانُوا يَصْنَعُونَ  يقول : بما كانوا يصنعون من الكفر بأنعم الله، ويجحدون آياته، ويكذّبون رسوله. وقال : بما كَانُوا يَصْنَعُونَ ، وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن القرية ؛ لأن الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية استغناء بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السامعين بالمراد منها، فإن المراد أهلها فلذلك قيل : بِمَا كانُوا يَصْنَعُونَ ، فردّ الخبر إلى أهل القرية، وذلك نظير قوله : فجاءَها بأْسُنا بَياتا أوْ هُمْ قائِلُونَ ، ولم يقل قائلة، وقد قال قبله : فَجاءَها بأْسُنا  ؛ لأنه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة.

### الآية 16:113

> ﻿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [16:113]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ فَكَذّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولقد جاء أهل هذه القرية التي وصف الله صفتها في هذه الآية التي قبل هذه الآية  رَسُولٌ مِنْهُمْ  يقول : رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، يقول : من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته، يدعوهم إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم.  فَكَذّبُوهُ  ولم يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله.  فَأخَذَهُمُ العَذَابُ  وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطمأنينة والرزق الواسع الذي كان قبل ذلك يرزقونه، وقْتل بالسيف.  وَهُمْ ظالِمُونَ  يقول : وهم مشركون، وذلك أنه قتل عظماؤهم يوم بدر بالسيف على الشرك. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ ، إي والله، يعرفون نسبه وأمره.  فَكَذّبُوه فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُم ظَالِمُون ، فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل.

### الآية 16:114

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [16:114]

القول في تأويل قوله تعالى : فَكُلُواْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم حلالاً طيبا مُذَكّاة غير محرّمة عليكم.  وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ ، يقول : واشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحلّ لكم من ذلك، وعلى غير ذلك من نعمه.  إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ، يقول : إن كنتم تعبدون الله، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم. وكان بعضهم يقول : إنما عني بقوله : فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيّبا ، طعاما كان بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من قومه في سِنِي الجدب والقحط رقة عليهم، فقال الله تعالى للمشركين : فكلوا مما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إليكم حلالاً طيبا. وذلك تأويل بعيد مما يدلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله تعالى قد أتبع ذلك بقوله : إنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدّمَ. . .  الآية، والتي بعدها، فبين بذلك أن قوله : فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيّبا  إعلام من الله عباده أن ما كان المشركون يحرّمونه من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما قد بيّنا قبل فيما مضى لا معنى له، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان، فإن كلّ ذلك حلال لم يحرّم الله منه شيئا.

### الآية 16:115

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [16:115]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره مكذّبا المشركين الذين كانوا يحرّمون ما ذكرنا من البحائر وغير ذلك : ما حرّم الله عليكم أيها الناس إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح للأنصاب فسُمّي عليه غير الله ؛ لأن ذلك من ذبائح من لا يحلّ أكل ذبيحته، فمن اضطرّ إلى ذلك أو إلى شيء منه لمجاعة حلّت فأكله  غيرَ باغٍ وَلا عاد فإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، يقول : ذو ستر عليه أن يؤاخذه بأكله ذلك في حال الضرورة، رحيم به أن يعاقبه عليه. 
وقد بيّنا اختلاف المختلفين في قوله : غيرَ باغٍ وَلا عادٍ ، والصواب عندنا من القول في ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمْ المَيْتَةَ والدّمَ. . .  الآية، قال : وإن الإسلام دين يطهره الله من كلّ سوء، وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك. قوله : فَمَنِ اضْطُرّ غيرَ باغٍ وَلا عادٍ ، غير باغ في أكله ولا عاد أن يتعدّى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة.

### الآية 16:116

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [16:116]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هََذَا حَلاَلٌ وَهََذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ \* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . 
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء الحجاز والعراق وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنتُكُمُ الكَذِبَ فتكون تصف الكذب، بمعنى : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون ******«ما »****** بمعنى المصدر. وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ :**«وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبِ »** هذا بخفض الكذب، بمعنى : ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم، هَذَا حَلاَلٌ وهذَا حَرَامٌ، فيجعل الكذب ترجمة عن ******«ما »****** التي في **«لِمَا »**، فتخفضه بما تخفض به ******«ما »******. وقد حُكي عن بعضهم :**«لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكمُ الكُذُبُ »** يرفع **«الكُذُب »**، فيجعل الكُذُب من صفة الألسنة، ويخرج على فُعُل على أنه جمع كُذُوب وكُذُب، مثل شُكُور وشُكُر. 
والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب **«الكَذِب »** لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فيما رزق الله عباده من المطاعم : هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تحرّمون، ولا أحلّ كثيرا مما تُحِلّون. ثم تقدّم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه، فقال : إنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ على اللّهِ الكَذِبَ ، يقول : إن الذين يتخرّصون على الله الكذب ويختلقونه، لا يخلّدون في الدنيا ولا يبقون فيها، إنما يتمتعون فيها قليلاً. وقال : مَتاعٌ قَلِيلٌ  فرفع، لأن المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. وقوله : ولَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ ، يقول : ثم إلينا مرجعهم ومعادهم، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى : وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذَا حَلالٌ وهذَا حَرَامٌ ، في البحيرة والسائبة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : البحائر والسوائب.

### الآية 16:117

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:117]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٦:القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هََذَا حَلاَلٌ وَهََذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ \* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . 
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء الحجاز والعراق وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنتُكُمُ الكَذِبَ فتكون تصف الكذب، بمعنى : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون ************«ما »************ بمعنى المصدر. وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ :****«وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبِ »**** هذا بخفض الكذب، بمعنى : ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم، هَذَا حَلاَلٌ وهذَا حَرَامٌ، فيجعل الكذب ترجمة عن ************«ما »************ التي في ****«لِمَا »****، فتخفضه بما تخفض به ************«ما »************. وقد حُكي عن بعضهم :****«لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكمُ الكُذُبُ »**** يرفع ****«الكُذُب »****، فيجعل الكُذُب من صفة الألسنة، ويخرج على فُعُل على أنه جمع كُذُوب وكُذُب، مثل شُكُور وشُكُر. 
والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب ****«الكَذِب »**** لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فيما رزق الله عباده من المطاعم : هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تحرّمون، ولا أحلّ كثيرا مما تُحِلّون. ثم تقدّم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه، فقال : إنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ على اللّهِ الكَذِبَ ، يقول : إن الذين يتخرّصون على الله الكذب ويختلقونه، لا يخلّدون في الدنيا ولا يبقون فيها، إنما يتمتعون فيها قليلاً. وقال : مَتاعٌ قَلِيلٌ  فرفع، لأن المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. وقوله : ولَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ ، يقول : ثم إلينا مرجعهم ومعادهم، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى : وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى : لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذَا حَلالٌ وهذَا حَرَامٌ ، في البحيرة والسائبة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : البحائر والسوائب. ---

### الآية 16:118

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [16:118]

القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَىَ الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلََكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وحرّمنا من قبلك يا محمد على اليهود ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام، وذاك كلّ ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظُهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم.  وَما ظَلَمْناهُمْ  بتحريمنا ذلك عليهم،  ولكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  فجزيناهم ذلك ببغيهم على ربهم وظُلمِهم أنفسهم بمعصية الله، فأورثهم ذلك عقوبة الله. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، في قوله : وَعلى الّذِينَ هادُوا حَرّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ  قال فِي سورة الأنعام. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَعلى الّذِينَ هادُوا حَرّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ  قال : ما قصّ الله تعالى في سورة الأنعام حيث يقول : وعلى الذين هادوا حرّمنا كلّ ذي ظُفُر…  الآية.

### الآية 16:119

> ﻿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:119]

تأويل قوله تعالى : ثُمّ إِنّ رَبّكَ لِلّذِينَ عَمِلُواْ السّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوَاْ إِنّ رَبّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رّحِيمٌ \* إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ \* شَاكِراً لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ \* وَآتَيْنَاهُ فِي الْدّنْيَا حَسَنَةً وَإِنّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصّالِحِينَ \* ثُمّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتّبِعْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ \* إِنّمَا جُعِلَ السّبْتُ عَلَىَ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنّ رَبّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ \* ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ \* وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصّابِرينَ \* وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمّا يَمْكُرُونَ \* إِنّ اللّهَ مَعَ الّذِينَ اتّقَواْ وّالّذِينَ هُم مّحْسِنُونَ 
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( ١١٩ )
&lt; ١٧-٣١٦ &gt;
يقول تعالى ذكره : إن ربك للذين عصوا الله فجهلوا بركوبهم ما ركبوا من معصية الله، وسَفُهوا بذلك ثم راجعوا طاعة الله والندم عليها، والاستغفار والتوبة منها، من بعد ما سلف منهم ما سلف من ركوب المعصية، وأصلح فعمل بما يحبّ الله ويرضاه، ( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا )، يقول : إن ربك يا محمد من بعد توبتهم له ( لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ).

### الآية 16:120

> ﻿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [16:120]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٢٠ ) شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( ١٢١ )
يقول تعالى ذكره : إن إبراهيم خليل الله كان مُعَلِّم خَيْر، يأتمّ به أهل الهدى قانتا، يقول : مطيعًا لله حنيفا : يقول : مستقيما على دين الإسلام. ( وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )، يقول : ولم يك يُشرك بالله شيئا، فيكون من أولياء أهل الشرك به، وهذا إعلام من الله تعالى أهل الشرك به من قريش أن إبراهيم منهم بريء، وأنهم منه برآء. ( شَاكِرًا لأنْعُمِهِ )، يقول : كان يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل مشركو قريش. ( اجْتَبَاهُ )، يقول : اصطفاه واختاره لخُلته. ( وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )، يقول : وأرشده إلى الطريق المستقيم، وذلك دين الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية. 
وبنحو الذي قلنا في معنى ( أُمَّةً قَانِتًا ) قال أهل التأويل. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثني زكريا بن يحيى، قال : ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العُبَيدين، أنه جاء إلى عبد الله فقال : من نسأل إذا لم نسألك ؟ فكأنّ ابن مسعود رقّ له، فقال : أخبرني عن الأمَّة، قال : الذي يُعلّم الناس الخير. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : ثنا أبو أحمد، قال : ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبَيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، عن &lt; ١٧-٣١٧ &gt; الأمَّة القانت، قال : الأمَّة : معلم الخير، والقانت : المطيع لله ورسوله. 
حدثني يعقوب، قال : ثنا ابن عُلَية، عن منصور، يعني ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، قال : ثني فروة بن نوفل الأشجعي، قال : قال ابن مسعود : إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي : غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ )، فقال : تدري ما الأمَّة، وما القانت ؟ قلت : الله أعلم، قال : الأمَّة : الذي يعلم الخير، والقانت : المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان مُعاذ بن جبل يعلم الخير، وكان مطيعًا لله ولرسوله. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : ثنا محمد بن جعفر، قال : ثنا شعبة، قال : سمعت فراسا يحدّث، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال : إن مُعاذا كان أُمَّة قانتًا لله، قال : فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل : نسي إنما ذاك إبراهيم، قال : فقال عبد الله : من نسي إنما كنا نشبهه بإبراهيم، قال : وسُئِل عبد الله عن الأمَّة، فقال : معلم الخير، والقانت : المطيع لله ورسوله. 
حدثنا ابن بشار، قال : ثنا عبد الرحمن، قال : ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق قال : قرأت عند عبد الله هذه الآية :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ )، فقال : كان معاذ أُمَّةً قانتًا، قال : هل تدري ما الأمَّة، الأمَّة الذي يعلم الناس الخير، والقانت : الذي يطيع الله ورسوله. 
حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال : ثنا ابن فضيل، قال : ثنا بيان بن بشر البَجَلي، عن الشعبيّ، قال : قال عبد الله : إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، فقال له رجل : نسيت، قال : لا ولكنه شبيه إبراهيم، والأمَّة : معلِّم الخير، والقانت : المطيع. 
حدثني عليّ بن سعيد الكندي، قال : ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الشعبيّ، في قوله :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ) قال : مطيعا. 
حدثنا أبو كريب، قال : ثنا أبو بكر، قال : قال عبد الله : إن معاذا &lt; ١٧-٣١٨ &gt; كان أُمَّة قانتا معلِّم الخير. 
وذُكر في الأمَّة أشياء مختلف فيها، قال : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ، يعني : بعد حين و  أُمَّةً وَسَطًا . 
حدثنا ابن حميد، قال : ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن ليث، عن شَهْر بن حَوْشَب، قال : لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : أخبرنا هشيم، قال : أخبرنا سيار، عن الشعبيّ، قال : وأخبرنا زكريا ومجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن ابن مسعود، نحو حديث يعقوب، عن ابن عُلَية وزاد فيه : الأمَّة : الذي يعلم الخير ويُؤْتمّ به، ويقتدى به ؛ والقانت : المطيع لله وللرسول، قال له أبو فروة الكندي : إنك وهمت. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً )، على حدة، ( قَانِتًا لِلَّهِ )، قال : مطيعا. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : مطيعًا لله في الدنيا. 
قال ابن جريج : وأخبرني عويمر، عن سعيد بن جبير، أنه قال : قانتًا : مطيعًا. 
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ )، قال : كان إمام هُدًى مطيعًا تُتَّبع سُنَّته ومِلَّته. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : ثنا محمد بن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، أن ابن مسعود قال : إن مُعاذ بن جَبَل كان أُمَّةً قانتا، قال غير قتادة : قال ابن مسعود : هل تدرون : ما الأمَّة ؟ الذي يعلم الخير. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال : قرأت عند عبد الله بن مسعود :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا )، فقال : إن معاذا كان أُمَّةً قانتا، قال : فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال : أتدرون ما الأمَّة ؟ الذي يعلم الناس الخير، والقانت : الذي &lt; ١٧-٣١٩ &gt; يطيع الله. 
وقد بيَّنا معنى الأمَّة ووجوهها، ومعنى القانت باختلاف المختلفين فيه في غير هذا الموضع من كتابنا بشواهده، فأغنى بذلك عن إعادته في هذا الموضع.

### الآية 16:121

> ﻿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [16:121]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢٠:القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٢٠ ) شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( ١٢١ )
يقول تعالى ذكره : إن إبراهيم خليل الله كان مُعَلِّم خَيْر، يأتمّ به أهل الهدى قانتا، يقول : مطيعًا لله حنيفا : يقول : مستقيما على دين الإسلام. ( وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )، يقول : ولم يك يُشرك بالله شيئا، فيكون من أولياء أهل الشرك به، وهذا إعلام من الله تعالى أهل الشرك به من قريش أن إبراهيم منهم بريء، وأنهم منه برآء. ( شَاكِرًا لأنْعُمِهِ )، يقول : كان يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل مشركو قريش. ( اجْتَبَاهُ )، يقول : اصطفاه واختاره لخُلته. ( وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )، يقول : وأرشده إلى الطريق المستقيم، وذلك دين الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية. 
وبنحو الذي قلنا في معنى ( أُمَّةً قَانِتًا ) قال أهل التأويل. 
 **\* ذكر من قال ذلك :**
حدثني زكريا بن يحيى، قال : ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العُبَيدين، أنه جاء إلى عبد الله فقال : من نسأل إذا لم نسألك ؟ فكأنّ ابن مسعود رقّ له، فقال : أخبرني عن الأمَّة، قال : الذي يُعلّم الناس الخير. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : ثنا أبو أحمد، قال : ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العُبَيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود، عن &lt; ١٧-٣١٧ &gt; الأمَّة القانت، قال : الأمَّة : معلم الخير، والقانت : المطيع لله ورسوله. 
حدثني يعقوب، قال : ثنا ابن عُلَية، عن منصور، يعني ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، قال : ثني فروة بن نوفل الأشجعي، قال : قال ابن مسعود : إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا، فقلت في نفسي : غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ )، فقال : تدري ما الأمَّة، وما القانت ؟ قلت : الله أعلم، قال : الأمَّة : الذي يعلم الخير، والقانت : المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان مُعاذ بن جبل يعلم الخير، وكان مطيعًا لله ولرسوله. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : ثنا محمد بن جعفر، قال : ثنا شعبة، قال : سمعت فراسا يحدّث، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال : إن مُعاذا كان أُمَّة قانتًا لله، قال : فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل : نسي إنما ذاك إبراهيم، قال : فقال عبد الله : من نسي إنما كنا نشبهه بإبراهيم، قال : وسُئِل عبد الله عن الأمَّة، فقال : معلم الخير، والقانت : المطيع لله ورسوله. 
حدثنا ابن بشار، قال : ثنا عبد الرحمن، قال : ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق قال : قرأت عند عبد الله هذه الآية :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ )، فقال : كان معاذ أُمَّةً قانتًا، قال : هل تدري ما الأمَّة، الأمَّة الذي يعلم الناس الخير، والقانت : الذي يطيع الله ورسوله. 
حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال : ثنا ابن فضيل، قال : ثنا بيان بن بشر البَجَلي، عن الشعبيّ، قال : قال عبد الله : إن معاذا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، فقال له رجل : نسيت، قال : لا ولكنه شبيه إبراهيم، والأمَّة : معلِّم الخير، والقانت : المطيع. 
حدثني عليّ بن سعيد الكندي، قال : ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الشعبيّ، في قوله :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ) قال : مطيعا. 
حدثنا أبو كريب، قال : ثنا أبو بكر، قال : قال عبد الله : إن معاذا &lt; ١٧-٣١٨ &gt; كان أُمَّة قانتا معلِّم الخير. 
وذُكر في الأمَّة أشياء مختلف فيها، قال : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ، يعني : بعد حين و  أُمَّةً وَسَطًا . 
حدثنا ابن حميد، قال : ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن ليث، عن شَهْر بن حَوْشَب، قال : لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : أخبرنا هشيم، قال : أخبرنا سيار، عن الشعبيّ، قال : وأخبرنا زكريا ومجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن ابن مسعود، نحو حديث يعقوب، عن ابن عُلَية وزاد فيه : الأمَّة : الذي يعلم الخير ويُؤْتمّ به، ويقتدى به ؛ والقانت : المطيع لله وللرسول، قال له أبو فروة الكندي : إنك وهمت. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً )، على حدة، ( قَانِتًا لِلَّهِ )، قال : مطيعا. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : مطيعًا لله في الدنيا. 
قال ابن جريج : وأخبرني عويمر، عن سعيد بن جبير، أنه قال : قانتًا : مطيعًا. 
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ )، قال : كان إمام هُدًى مطيعًا تُتَّبع سُنَّته ومِلَّته. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : ثنا محمد بن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، أن ابن مسعود قال : إن مُعاذ بن جَبَل كان أُمَّةً قانتا، قال غير قتادة : قال ابن مسعود : هل تدرون : ما الأمَّة ؟ الذي يعلم الخير. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال : قرأت عند عبد الله بن مسعود :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا )، فقال : إن معاذا كان أُمَّةً قانتا، قال : فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال : أتدرون ما الأمَّة ؟ الذي يعلم الناس الخير، والقانت : الذي &lt; ١٧-٣١٩ &gt; يطيع الله. 
وقد بيَّنا معنى الأمَّة ووجوهها، ومعنى القانت باختلاف المختلفين فيه في غير هذا الموضع من كتابنا بشواهده، فأغنى بذلك عن إعادته في هذا الموضع. ---

### الآية 16:122

> ﻿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [16:122]

القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ  ( ١٢٢ )
يقول تعالى ذكره : وآتينا إبراهيم على قنوته لله، وشكره له على نعمه، وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكرًا حسنا، وثناءً جميلا باقيا على الأيام. ( وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )، يقول : وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحَسُنت فيها منزلته وكرامته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً )، قال : لسان صدق. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة ( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً )، فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه.

### الآية 16:123

> ﻿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [16:123]

القول في تأويل قوله تعالى :{ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٢٣ ) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( ١٢٤ ). 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ثم أوحينا إليك &lt; ١٧-٣٢٠ &gt; يا محمد وقلنا لك : اتبع ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة، ( حَنِيفًا ) يقول : مسلما على الدين الذي كان عليه إبراهيم، بريئًا من الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما كان إبراهيم تبرأ منها.

### الآية 16:124

> ﻿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [16:124]

وقوله :( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ )، يقول تعالى ذكره : ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه، فقال بعضهم : هو أعظم الأيام ؛ لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سَبَتَ يوم السبت. 
وقال آخرون : بل أعظم الأيام يوم الأحد ؛ لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فَرَض الله عليهم تعظيمه واستحلوه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ )، اتبعوه وتركوا الجمعة. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة :( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ )، قال : أرادوا الجمعة فأخطئوا، فأخذوا السبت مكانه. 
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله :( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ )، استحله بعضهم، وحرّمه بعضهم. 
حدثنا أبو كريب، قال : ثنا ابن يُمان، قال : ثنا سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك وسعيد بن جُبير :( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ )، قال : باستحلالهم يوم السبت. 
حدثني يونس، قال : أخبرني ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :( إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ )، قال : كانوا يطلبون يوم الجمعة &lt; ١٧-٣٢١ &gt; فأخطئوه، وأخذوا يوم السبت فجعله عليهم. 
وقوله :( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )، يقول تعالى ذكره : إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه والمخطئ فيه منهم ما هو أهله.

### الآية 16:125

> ﻿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [16:125]

القول في تأويل قوله تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ  ( ١٢٥ )
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( ادْعُ ) يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته، ( إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ) يقول : إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام ( بِالْحِكْمَةِ )، يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي ينزله عليك، ( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) يقول : وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكّرهم بها في تنزيله، كالتي عدّد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكّرهم فيها ما ذكرهم من آلائه، ( وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )، يقول : وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله :( وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )، أعرض عن أذاهم إياك. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، &lt; ١٧-٣٢٢ &gt; عن مجاهد، مثله. 
وقوله :( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ )، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن قصد السبيل من المختلفين في السبت وغيره من خلقه، وحادّ الله، وهو أعلم بمن كان منهم سالكا قصد السبيل ومَحَجة الحقّ، وهو مُجازٍ جميعهم جزاءهم عند ورودهم عليه.

### الآية 16:126

> ﻿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [16:126]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ  ( ١٢٦ ). 
يقول تعالى ذكره للمؤمنين : وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة، ولئن صبرتم عن عقوبته، واحتسبتم عند الله ما نالكم به من الظلم، ووكلتم أمره إليه، حتى يكون هو المتولي عقوبته ( لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) يقول : للصبر عن عقوبته بذلك خير لأهل الصبر احتسابا، وابتغاء ثواب الله ؛ لأن الله يعوّضه مِنَ الذي أراد أن يناله بانتقامه من ظالمه على ظلمه إياه من لذّة الانتصار، وهو من قوله ( لَهُوَ ) كناية عن الصبر، وحسن ذلك، وإن لم يكن ذكر قبل ذلك الصبر لدلالة قوله :( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ) عليه. 
وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية. وقيل : هي منسوخة أو محكمة، فقال بعضهم : نزلت من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقسموا حين فعل المُشركون يوم أُحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المُثْلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يومًا، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل، وإيثار الصبر عنه بقوله وَاصْبِرْ  وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ ، فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المُثلة. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : ثنا المعتمر، &lt; ١٧-٣٢٣ &gt; قال : سمعت داود، عن عامر : أن المسلمين قالوا لما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد : لئن ظهرنا عليهم لنفعلنّ ولنفعلنّ، فأنزل الله تعالى :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) قالوا : بل نصبر. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : ثنا عبد الوهاب، قال : ثنا داود، عن عامر، قال : لما رأى المسلمون ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد، من تبقير البطون، وقطع المذاكير، والمُثلة السيئة، قالوا : لئن أظفرنا الله بهم، لنفعلنّ ولنفعلنّ، فأنزل الله فيهم وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ \* وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ. 
حدثنا ابن حميد، قال : ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال : نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها نزلت في المدينة بعد أُحد، حيث قُتِل حمزة ومُثِّل بِه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لَئِنْ ظَهَرْنا عَلَيْهمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلا مِنْهُمْ " فلما سمع المسلمون بذلك، قالوا : والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مُثْلة لم يمثِّلْها أحد من العرب بأحد قطُّ فأنزل الله :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ). . . إلى آخر السورة. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )، قال المسلمون يوم أُحد فقال :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ). . . إلى قوله :( لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ )، ثم قال بعد :( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ ). 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : لما أصيب في أهل أُحد المُثَل، فقال : المسلمون : لئن أصبناهم لنمثلنّ بهم، فقال الله :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ )، ثم عزم وأخبر فلا يمثل، فنهي عن المُثَل، قال : مثَّل الكفار بقتلى أُحد، إلا حنظلة بن الراهب، كان الراهب أبو عامر مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك. 
&lt; ١٧-٣٢٤ &gt;
وقال آخرون : نسخ ذلك بقوله في براءة :( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )، قالوا : وإنما قال :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )، خبرًا من الله للمؤمنين أن لا يبدءوهم بقتال حتى يبدءوهم به، فقال :( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ). 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )، قال : هذا خبر من الله نبيه أن يُقاتل من قاتله. قال : ثم نزلت براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم، قال : فهذا من المنسوخ. 
وقال آخرون : بل عنى الله تعالى بقوله :( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ )، نبيّ الله خاصة دون سائر أصحابه، فكان الأمر بالصبر له عزيمة من الله دونهم. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )، قال : أمرهم الله أن يعفوا عن المشركين، فأسلم رجال لهم منعة، فقالوا : يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب، فنزل القرآن :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ )، واصبر أنت يا محمد، ولا تكن في ضيق ممن ينتصر، وما صبرك إلا بالله، ثم نسخ هذا وأمره بجهادهم، فهذا كله منسوخ. 
وقال آخرون : لم يُعْنَ بهاتين الآيتين شيء مما ذكر هؤلاء، وإنما عُنِيَ بهما أن من ظُلِم بظُلامة، فلا يحلّ له أن ينال ممن ظلمه أكثر مما نال الظالم منه، وقالوا : الآية محكمة غير منسوخة. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )، يقول : إن أخذ منك رجل شيئا، فخذ منه مثله. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال : إن أخذ منك شيئا فخذ منه مثله. قال الحسن : قال عبد الرزاق : قال سفيان : ويقولون : إن أخذ منك دينارًا فلا تأخذ منه &lt; ١٧-٣٢٥ &gt; إلا دينارًا، وإن أخذ منك شيئا فلا تأخذ منه إلا مثل ذلك الشيء. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )، لا تعتدوا. 
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به، إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته، على ما كان منه إليه خير وعزم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر، وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه، محتملها الآية كلها. فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أيّ ذلك عنى بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها إلى ناطق لا دلالة عليه ؛ وأن يقال : هي آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قِبَل غيرهم من حقّ من مال أو نفس، الحقّ الذي جعله الله لهم إلى غيره، وأنها غير منسوخة، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأن للقول بأنها محكمة وجهًا صحيحًا مفهوما.

### الآية 16:127

> ﻿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [16:127]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ  ( ١٢٧ )
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واصبر يا محمد على ما أصابك من أذى في الله. ( وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ ) يقول : وما صبرك إن صبرت إلا بمعونة الله، وتوفيقه إياك لذلك، ( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ )، يقول : ولا تحزن على هؤلاء المشركين الذين يكذّبونك وينكرون ما جئتهم به في آن ولوا عنك وأعرضوا عما أتيتهم به من النصيحة، ( وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ )، يقول : ولا يضق صدرك بما يقولون من الجهل، ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنه سحر أو &lt; ١٧-٣٢٦ &gt; شعر أو كهانة، مما يمكرون : مما يحتالون بالخدع في الصّد عن سبيل الله، من أراد الإيمان بك، والتصديق بما أنزل الله إليك. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء العراق :( وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ )، بفتح الضَّاد في الضيق على المعنى الذي وصفت من تأويله. وقرأه بعض قرّاء أهل المدينة :( وَلا تَكُ فِي ضِيقٍ )، بكسر الضاد. 
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه : " في ضَيْقٍ "، بفتح الضاد ؛ لأن الله تعالى إنما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يَضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغه إياهم وحي الله وتنزيله، فقال له : فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ ، وقال : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ، وإذ كان ذلك هو الذي نهاه تعالى ذكره، ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى، تقول العرب : في صدري من هذا الأمر ضيق، وإنما تكسر الضاد في الشيء المعاش، وضيق المسكن، ونحو ذلك ؛ فإن وقع الضَّيق بفتح الضاد في موضع الضِّيق بالكسر. كان على الذي يتسع أحيانا، ويضيق من قلة أحد وجهين، إما على جمع الضيقة، كما قال أعشى بني ثعلبة :

فَلَئِنْ رَبُّكَ مِنْ رَحْمَتِهِ  كَشَف الضَّيْقَةَ عَنَّا وَفسَحْوالآخر على تخفيف الشيء الضَّيِّق، كما يخفف الهيِّن اللَّيِّن، فيقال : هو هَيْن لَيْن.

### الآية 16:128

> ﻿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [16:128]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ  ( ١٢٨ )
&lt; ١٧-٣٢٧ &gt;
يقول تعالى ذكره ( إِنَّ اللَّهَ ) يا محمد ( مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) الله في محارمه فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عن التقدّم عليها، ( وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) يقول : وهو مع الذين يحسنون رعاية فرائضه، والقيام بحقوقه، ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. 
**\* ذكر من قال ذلك :**
حدثنا ابن حميد، قال : ثنا حكام، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن :( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )، قال : اتقوا الله فيما حرّم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن رجل، عن الحسن، مثله. 
حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن هَرِم بن حَيان العَبْدِي لما حضره الموت، قيل له : أوص، قال : ما أدري ما أُوصي، ولكن بيعوا درعي، فاقضوا عني ديني، فإن لم تف، فبيعوا فرسي، فإن لم يف فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ \* وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : بَلْ نَصْبرُ ". 
آخر سورة النحل

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/16.md)
- [كل تفاسير سورة النحل
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/16.md)
- [ترجمات سورة النحل
](https://quranpedia.net/translations/16.md)
- [صفحة الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن](https://quranpedia.net/book/4.md)
- [المؤلف: الطبري](https://quranpedia.net/person/3982.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/16/book/4) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
