---
title: "تفسير سورة النحل - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/16/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/16/book/468"
surah_id: "16"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النحل - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/16/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النحل - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/16/book/468*.

Tafsir of Surah النحل from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 16:1

> أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [16:1]

الآية ١ : قوله تعالى : أتى أمر الله فلا تستعجلوه  في قوله تعالى : أتى أمر الله فلا تستعجلوه  وجوه[(١)](#foonote-١) :
أحدها : أن يعرف قوله : أمر الله  \[ وإرادته، وما \][(٢)](#foonote-٢) الذي استعجلوه، وأن ما استعجلوه الساعة والقيامة بقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون  الآية ( الشورى : ٨ ) ونحوه من الآيات. 
والثاني[(٣)](#foonote-٣) : أمر الله  رسوله الذي كان يستنصر به أهل الكتاب على المشركين كقوله : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا  الآية ( البقرة : ٨٩ ) وكان يتمنى مشركو العرب أن يكون لهم رسول كسائر الكفرة كقوله : وأقسموا بالله جهد أيمانهم  الآية ( فاطر : ٤٢ ) فلا تستعجلوا ذهاب ما كنتم تتمنون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أو شيء آخر، والله أعلم. 
ثم إنه لم يُرد بقوله : أتى أمر الله  وقوعه، ولكن قربه، أي قرب آثار أمر الله كما يقال : أتاك الخير، وأتاك أمر كذا على إرادة القرب لا على الوقوع. 
وجائز أن يكون قوله : أتى أمر الله  أي ظهرت أعلام الله وآثاره، وليس على إتيان أمره من مكان كقوله : جاء الحق وزهق الباطل  وآثاره هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان به يختم النبوة. فهو كان إعلام الساعة على ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال :( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ( البخاري : ٦٥٠٣ ) أشار إلى إصبعيه[(٤)](#foonote-٤) لقربهما منه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : سبحانه وتعالى عما يشركون  سبحان هي[(٥)](#foonote-٥) كلمة إجلال الله يجريها على ألسن أوليائه على \[ تبرئته مما \][(٦)](#foonote-٦) قالت الملحدة فيه وتعاليه عن جميع ما نسبوا إليه من الولد والصاحبة والشريك وغيره من الأشباه والأضداد  وتعالى  عن ذلك. سبحان الله، حرف يذكر على إثر شيء مستبعد أو مستعجب أو مستعظم جوابا لذلك، وهو ما ذكره على إثر وصف وقول [(٧)](#foonote-٧)، لا يليق بالله من الولد والشريك ونحوه، فقال : سبحان الله على التنزيه مما[(٨)](#foonote-٨) وصفوه.

١ في الأصل وم: وجهان..
٢ في الأصل: وأراد ما، في م: وأراد ما..
٣ في الأصل وم: وقال بعضهم..
٤ في الأصل وم: إصبعين..
٥ في الأصل وم: هو..
٦ في الأصل وم: تبرئة ما..
٧ في الأصل وم: وقوله..
٨ من م، في الأصل: فما..

### الآية 16:2

> ﻿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [16:2]

الآية ٢ : وقوله تعالى : ينزل الملائكة بالروح من أمره  قال بعضهم : قوله : بالروح  أي بالوحي الذي أنزله على ( رسله، ويحتمل  بالروح [(١)](#foonote-١) الرحمة. وهو الذي به نجاة كل من رحمه الله، وهداه لدينه، وهو ما ذكر حين[(٢)](#foonote-٢) قال : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ( الأنبياء : ١٠٧ ). 
وقيل : الرسالة والنبوة وما ذكر روحا لأنه به حياة الدين كما سمى الذي به حياة الأبدان روحا[(٣)](#foonote-٣). 
وقال الحسن : قوله : بالروح من أمره  أي بالحياة من أمره، وهو ما ذكرنا من حياة الدين. 
وقوله تعالى : على من يشاء من عباده  أي على من يشاء أن يختص من عباده، ويختاره، وهو مشيئة الاختيار، وإن كان غيره يصلح لذلك. 
وفيه دلالة اختصاص / ٢٨١ – أ / الله بعضهم على بعض، وإن كان غيره يصلح لذلك. 
وقوله تعالى : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  على هذا أجاب الرسل والأنبياء رضي الله عنهم جميعا بالإنذار والدعاء إلى وحدانية الله وتوجيه العباد إليه. 
وقوله تعالى : أن أنذروا  هو صلة ما تقدم من قوله : ينزل الملائكة   أن أنذروا . ولا يوصل بما تأخر. 
ثم يخرج على الإضمار، أي  أنذروا  وقولوا : إنه  لا إله إلا أنا فاتقون .

١ في الأصل: رسوله والرحمة والروح، في م: رسله والرحمة والروح..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: أرواحا..

### الآية 16:3

> ﻿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [16:3]

الآية : ٣ وقوله تعالى : خلق السماوات والأرض بالحق  قد ذكرنا قوله : بالحق  في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثا، إنما خلقهم لأمر كائن أو للمحنة والجزاء ونحوه.

### الآية 16:4

> ﻿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [16:4]

الآية ٤ : وقوله تعالى : خلق الإنسان من نطفة  يذكرهم سبحانه وتعالى نعمه عليهم وقدرته وسلطانه وعلمه، لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنسانا ما قدروا عليه حين[(١)](#foonote-١) خلق النطفة إنسانا على أحسن تقويم وأحسن صورة. 
وفيه نقض قول الدهرية حين[(٢)](#foonote-٢) أنكروا خلق الشيء من لا شيء لأنهم لم يدركوا المعنى الذي خلق الإنسان من نطفة، فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك، ولم يدركوا. 
وفيه دلالة البعث لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة، وليس فيها من آثار الإنسان شيء، يقدر على البعث وإنشاء الأشياء من لا شيء. 
وقوله تعالى : فإذا هو خصيم مبين  قال بعضهم : الخصيم هو الذي يجادل بالباطل  مبين  أي ظاهرة مجادلته بالباطل ومخاصمته. وقال بعضهم : الخصيم هو الجدل الذي يجادل في ما كان. 
قل أبو عوسجة : الخصيم هو المخاصم والمخاصم، كلاهما خصيم. ويقال : فلان خصمي مبين ظاهرة خصومته. 
والخصيم هو الفعيل، والفعيل قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعا. فكأنه قال : فإذا هو خصيم مبين  أي منقطع عن الخصومة، بين انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى وانقطاع حجته حين[(٣)](#foonote-٣) قال : أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين   وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم  ( يس : ٧٧ و ٧٨ ) فهذا احتجاج عليه. فإذا انقطعت حجته، بهت الذي أنكر قدرته على البعث لأنه[(٤)](#foonote-٤) لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:5

> ﻿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [16:5]

الآية ٥ : وقوله تعالى : والأنعام خلقها لكم  يحتمل قوله : خلقها لكم  على الظاهر أن خلق هذه الأشياء لنا  فيها دفء ومنافع  كقوله : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا  ( البقرة : ٢٩ ) وقوله : وسخر لكم ما في السماوات ومال في الأرض جميعا منه  ( الجاثية : ١٣ ). 
ويحتمل قوله : والأنعام خلقها  أي هو خلقها، ثم أخبر \[ أنها \][(١)](#foonote-١)  لكم فيها دفء ومنافع  بذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا مفسرة مبينة واحدة بعد واحدة في هذه السورة وفي غيرها من السور. إنما ذكرها مجملة غير مشار[(٢)](#foonote-٢) إلى كل واحدة منها على ما أشار إليها[(٣)](#foonote-٣) في هذه السورة ليقوموا بشكره[(٤)](#foonote-٤)، وليعلموا قدرته على خلق هذه الأشياء لا من الأشياء. 
ثم قوله : فيها دفء  قال بعضهم : الدفء نسل كل دابة، وقال بعضهم : ما ينتج منه. 
وقال القتبي : الدفء : ما استدفأت به. ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع التي ذكر[(٥)](#foonote-٥) ما فسر في آية أخرى، وهو قوله : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم  الآية ( النحل : ٨٠ ) جعل الله عز وجل الأنعام وما ذكر وقاية جميع أنواع الأذى من السماوي وغيره مما يهيج من الأنفس من الحر والبرد والجوع وغير ذلك مما يكثر \[ عددها، ويطول أمدها \][(٦)](#foonote-٦) وذكرها. 
وجعل فيها منافع كثيرة من الركوب والشرب والأكل كما قال : ولكم فيها منافع  ( غافر : ٨٠ ) وقال : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة  ( المؤمنون : ٢١ ) \[ وقال \][(٧)](#foonote-٧) : لكم فيها منافع إلى أجل مسمى  ( الحج : ٣٣ ).

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: مشارة..
٣ في الأصل وم: ما..
٤ في الأصل وم: بشكرها..
٥ في الأصل: فكروا..
٦ في الأصل وم: مدها ويطول مدها..
٧ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:6

> ﻿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [16:6]

الآية : ٦ وأخبر أيضا أن فيها جمالا وزينة بقوله : ولكم فيها جمال حين تُريحون وحين تَسرحون  فإن قال قائل : أي جمال يكون لنا فيها ؟ \[ قيل \][(١)](#foonote-١) : الإراحة وحين السَّرح. 
وقال بعض أهل التأويل : وذلك أنه أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها  وحين تسرحون  إذا سرحت لرعيها. أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح شرب ألبانها، وقرى الضيف في ألبانها في الرواح والمساء. 
وقال بعضهم : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  وذلك أنهم كانوا يُسَرُونَ عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم، فإذا ظهر زادهم [(٢)](#foonote-٢) جمالا وحسنا. وهكذا المعروف في الناس أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم، فيزدادون[(٣)](#foonote-٣) بذلك جمالا، وإذا حزنوا، وأصابهم غم، يؤثر ذلك الغم نقصانا في خلقهم فيزدادون [(٤)](#foonote-٤) قبحا وتشويها. 
وقال بعضهم : إنهم إذا أراحوا، أو سرحوها، رأى الناس أن أربابها أهل غنى وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون إلى غيرهم، وأن يكون لغير إليهم حاجة، فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم، فيها ظاهر لأن ما يبسط ويفرش، إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل، والبهاء، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: ازداد لهم..
٣ في الأصل وم: فيزداد لهم..
٤ في الأصل وم: فيزداد لهم..

### الآية 16:7

> ﻿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [16:7]

الآية ٧ : وقوله تعالى : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ذكر أيضا ما جعل فيها للناس من النعم ما تحمل من الأثقال من مكان ومن بلد إلى بلد، ما لم يكن أنشأهن، أعني الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا \[ ولا نصل \][(١)](#foonote-١) إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة. 
وذلك، والله أعلم، أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواما بأن لا قوام لها إلا بذلك. فلعله لا يظهر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر ومكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه لكان في ذلك تلف نفسه وذهاب ما به قوامه. فذكر أنه خلق لنا ما يحمل به من بلد إلى بلد \[ في ما \][(٢)](#foonote-٢) به قوام أنفسنا وحاجاتنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن ربكم لرؤوف رحيم  أي من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام وما ذكر، أو ذكر لتترحموا على هذه الأنعام التي خلقها لكم[(٣)](#foonote-٣) في الإنفاق عليها والإحسان إليها، وذكر فيه  ومنها تأكلون  ( النحل : ٥ ) وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح. فما[(٤)](#foonote-٤) يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة. 
وذلك ينقض على الثنوية قولهم ؛ أنكروا ذبح هذه الأشياء، ويقولون : إنهم يتألمون بالضرب والذبح والقتل كما تتألمون أنتم، فمن قَصَد قَصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله، سبحانه، موصوف بالحكمة، والرحمة والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء، إن في ذلك ما يزيل الرحمة والحكمة. 
**فيجاب لهم \[ بوجهين :**
أحدهما \][(٥)](#foonote-٥) : أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعقابه قصدها : إما ثوابا وإما عقابا، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تؤمل، وتقصد. وقد تجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه ؛ يخرج نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات لمنافع، يقصدها[(٦)](#foonote-٦) وخير يأمله[(٧)](#foonote-٧) في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه ولا بالخروج / ٢٨١ – ب / عن الحكمة والرحمة من الحجامة والافتصاد وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة ما تحمل تلك المكروهات والشدائد. فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى والألم والمكروه غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة وعاقبة تؤمل. فيبطل قول الثنوية : إن ذلك مما يزيل الرحمة. 
والثاني[(٨)](#foonote-٨) : أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة، ولكن خلقت لمنافع البشر ؛ فلهم الانتفاع بها مرة بلحومها ومرة بحمل أثقالهم[(٩)](#foonote-٩) والانتفاع بظهورها مع ما ذكرنا أن تحمل المكروهات وأنواع الشدائد والألم، لا يخرج الفعل عن الحكمة، ولا يزيل الرحمة والرأفة إذا قصد به النفع في العاقبة، وطمع فيه الخير. وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع والذبح على غير جعل حقيقتها لنا حين[(١٠)](#foonote-١٠) لم يبح لنا إتلافها، إذ لو كانت أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف. فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا. فيبطل قول من يقول : إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر. 
قال أبو عبيد : حين تريحون  يقال فيه[(١١)](#foonote-١١) : أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب أن يصد الرعاء مواشيهم[(١٢)](#foonote-١٢) بالليل إلى مأواها. ولهذا سمي ذلك الموضع المراح. وقوله : وحين تسرحون  هو إخراجها إلى المرعى ؛ يقال : سرحتها أسرحها سرحا وسروحا. وكذلك القتبي وأبو عوسجة. والدفء ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في م: مما..
٣ في الأصل وم: لهم..
٤ في الأصل وم: فيما..
٥ في الأصل وم: بوجوه أحدها..
٦ في الأصل وم: تقصد..
٧ في الأصل وم: يتأمل..
٨ في الأصل وم: على..
٩ في الأصل وم: أثقالها..
١٠ في الأصل وم: حيث..
١١ في الأصل وم: منه..
١٢ في الأصل وم: مواشيها..

### الآية 16:8

> ﻿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [16:8]

الآية ٨ : وقوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة  قوله : وزينة  يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يورث نقصانا في الوزن[(١)](#foonote-١)، والركوب لا، وذلك زينة على ما ذكر في قوله  ولكم فيها جمال  ( النحل : ٦ ). 
والثاني : أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سر بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه وذلك يزيد في حسنه وجماله. وأصله ما ذكر عز وجل  والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع  الآية \[ وقال :\][(٢)](#foonote-٢)  والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة  بين أنه لماذا خلق الأنعام، وما جعل فيها ؟ وهو ما ذكر أنه جعل فيها الدفء والمنافع  ومنها تأكلون  وبين أنه لماذا خلق الخيل ؟ وهو ما ذكر  لتركبوها وزينة . 
وسئل ابن عباس رضي الله عنه : عن لحوم الخيل، فقرأ : والخيل والبغال والحمير لتركبوها  ولم يقل لتأكلوها، فكره أكلها لذلك. 
**وتمام هذا \[ في وجهين :**
أحدهما \][(٣)](#foonote-٣) : أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها لأنه قال : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  وقال : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  وقال : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر  ( النحل : ١٠ ) وقال : ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات  ( النحل : ١١ ) وقال : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا  ( النحل : ١٤ ) إلى آخر ما ذكر. 
ذكر جميع ما ينتفع به من أنواع المنافع ذكرا شافيا غير مكفي. فدل ما ذكر في الخيل ممن الركوب وكذلك في البغال والحمير على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر، وهو الركوب ؛ إذا خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء ليس على الاكتفاء. ولو كان هناك منفعة أخرى لذكر ما ذكر في غيره، والله أعلم. 
والثاني : من الأشياء أشياء يعرف خبثها بنفار الطباع، والصبيان أول ما يبلغون[(٤)](#foonote-٤) يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به، فهو يرغب في أكلها[(٥)](#foonote-٥). وأما من ترك وطبعه يستخبثها[(٦)](#foonote-٦)، وينفر طبعه عن أكلها[(٧)](#foonote-٧)، والله أعلم. 
وروي عن جابر \[ أنه \][(٨)](#foonote-٨) قال : لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية، فذبحوها، فحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحوم الحمر الإنسية ولحوم الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخُلْسَة والنُهبَة. 
وروي عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلاف ذلك. قال : أطعمنا رسول الله لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر ( البخاري : ٥٥٢٠ ). 
وعن أسماء بنت أبي بكر \[ أنها \][(٩)](#foonote-٩) قالت : نحرنا فرسا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأكلناه ( البخاري : ٥٥١٩ ). 
وفي بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر، وأذن لنا في لحوم الخيل. قلنا : قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر ؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صريحا[(١٠)](#foonote-١٠) فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة، إذ لم يذكروا الوقت. 
وعن الحسن \[ أنه \][(١١)](#foonote-١١) قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأسا على كل حال. وقول الحسن : إنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلون في حال الضرورة. 
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :( الخيل لثلاثة : فهي لرجل كذا أو لرجل آخر كذا وعلى رجل وزر ) ( البخاري : ٢٨٦٠ ) يبين أنها لا تصلح لغير ذلك. و لو صلحت للأكل لقال : الخيل لأربعة ولقال : ولرجل طعام. 
وكما يبين ما ذكرنا أن البغل حرام، وهو من الفرسة، فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضا حلالا. ولأن حكم الولد حكم أمه، لأنه منها، وهو كبعضها، فمن حرم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقايس. 
أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه، ولم يعتبر بالفحل ؟ فلما كان لحم البغل حراما وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك. 
إلا أن أبا حنيفة، رحمه الله، كان لا يطلق تحريم أكلها لما فيها من الشبهة \[ لاختلاف الأحاديث \][(١٢)](#foonote-١٢) المروية عن رسول الله. لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها. 
وكان أبو يوسف، رحمه الله، يبيح أكلها. 
وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية، إذا ترى، عليها حمار أهلي، بأن ولد الحمار لم يتغير عن جنس أمه، فحكمه حكمها. والبغل ليس من جنس أمه، هو من جنس ثالث. فذلك لم يكن سبيلها بسبيله، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ويخلق ما لا تعلمون  أخبر أنه يخلق ما لا نعلم، فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك، أو يخلق من النعم في ما خلق  ما لا تعلمون  أنتم أنها نعم، أو قال : يقول قوم : إنه ليس لله أن يخلق شيئا لا يطلع الممتحن عليه.

١ في الأصل وم: الوجه..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: بلغوا..
٥ في الأصل وم: أكله..
٦ في الأصل وم: يستخبث..
٧ في الأصل وم: أكله..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: صحيحا..
١١ ساقطة ممن الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: والاختلاف والأحاديث..

### الآية 16:9

> ﻿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [16:9]

الآية ٩ : وقوله تعالى : وعلى الله قصد السبيل  اختلف فيه. قال بعضهم : أي على الله بيان قصد السبيل وهدى يبين الهدى من الضلالة، ويبين \[ السبيل من السبل \][(١)](#foonote-١) التي تفرقت عن سبيله كقوله : إن علينا بيانه  ( القيامة : ١٩ ). 
وقوله تعالى : ومنها جائر  أي عليه بيان ما يجور منها : قصد السبيل، يعدل، ويجاز. أو يقال : وبالله يوصل إلى قصد السبيل. وقال بعضهم : وعلى الله  أي وبالله يوصل بقصد السبيل، وهي السبيل التي ذكرنا.  ومنها جائر  كقوله : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل  ( الأنعام : ١٥٣ ). 
وقال بعضهم : طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف على مكان ( اللام كقوله تعالى )[(٢)](#foonote-٢) : وما ذبح على النصب  ( المائدة : ٣ ) أي للنصب، وقوله تعالى : ولو ترى إذ وقفوا على ربهم  ( الأنعام : ٣٠ ) وقوله :[(٣)](#foonote-٣) تعالى : يوم يقوم / ٢٨٢ – أ / الناس لرب العالمين  ( المطففين : ٦ )  ومنها جائر  وهي السبل المتفرقة عن سبيله. 
وقوله تعالى : ولو شاء لهداكم أجمعين  يخرج على وجهين :
أحدهما : لو شاء أكرم الخلق كله باللطف الذي أكرم أولياءه، فاهتدوا به، فيهتدون. 
والثاني : لو شاء أعطاهم جميعا الحال التي يكون بها الاهتداء، وهو ما قال : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة  ( الزخرف : ٣٣ ) إلى آخر ما ذكر لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعا، وإذا كانت تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.

١ في الأصل وم: من السبيل..
٢ في الأصل وم: له..
٣ في الأصل وم: وكقوله..

### الآية 16:10

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [16:10]

الآية ١٠ : وقوله تعالى : هو الذي أنزل من السماء ماء  موصول بقوله : خلق السماوات والأرض بالحق  ( الآية : ٣ ) وقوله : خلق الإنسان من نطفة  ( الآية : ٤ ) وقوله : والأنعام خلقها } ( الآية : ٥ ) \[ وقوله \][(١)](#foonote-١) : والخيل والبغال والحمير  ( الآية : ٨ ) يقول : الذي خلق لكم ما ذكر \[ من \][(٢)](#foonote-٢) الأشياء  هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر  هذا يحتمل ما ذكرناه أنه  أنزل من السماء ماء  لنا \[ ثم \][(٣)](#foonote-٣) أخبر لكم منه شراب ومنه شجر . 
ثم يحتمل قوله : منه شراب  جميع ما يشرب من الأشربة ؛ إذ منه تكون الأشربة وجميع الأشياء. ويحتمل  منه شراب  الماء خاصة  ومنه شجر  الشجر معروف ؛ هو الذي يعلو، ويرتفع على الأرض، لا يسمى الحشيش، وما ينبسط على وجه الأرض \[ يسمى حشيشا \][(٤)](#foonote-٤). فظاهر هذا أن يرجع إلى ذلك المعروف إلا أنه ذكر شجرا  فيه تسيمون  أي تزرعون. 
دل أنه إنما أراد بالشجر المنبسط على وجه الأرض والمرتفع عليها. 
وقال القتبي : السائمة الراعية، وكذلك قال أبو عوسجة. وقال أبو عبيدة : أسمت سائمتي أي رعيتها، وكذلك قوله : والخيل المسومة  ( آل عمران : ١٤ ) أي الراعية.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: شجرا..

### الآية 16:11

> ﻿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [16:11]

الآية : ١١ وقوله تعالى : ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات  أي ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزله[(١)](#foonote-١) من السماء الزرع والزيتون وجميع ما ذكر بلطفه\[ إذ هو \][(٢)](#foonote-٢) لقاح كل الأشياء المختلفة \[ والمتفقة \][(٣)](#foonote-٣) ليس كغيره من الدواب حين[(٤)](#foonote-٤) لم يجعل اللقاح بشيء من جنس آخر، إنما جعل لقاح كل نوع من نوعه، وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع الخلائق على إدراك ذلك، وإن اجتهدوا، لم يقدروا عليه ؛ يعرفون الماء ظاهرا، ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية الذي به تكون حياة كل أحد[(٥)](#foonote-٥) وموافقته. 
وقوله تعالى : إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون  ذكر أن فيه آية  لقوم يتفكرون  ولم يذكر أنه لماذ ؟ لكنه ذكر أنه آية  لقوم يتفكرون  بالتفكر يعرف أنه آية لماذا ؟ وهذا يدل على الأشياء التي غابت عنا ظواهرها ؛ بالتفكر والنظر تدرك.

١ في الأصل وم: أنزل..
٢ في الأصل وم: الماء..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ أدرج قبلها في الأصل: حياة..

### الآية 16:12

> ﻿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [16:12]

الآية ١٢ : وقوله تعالى : وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم  وما ذكر، ووجه تسخير هذه الأشياء لنا، وهو أن الله خلق هذه الأشياء، وجعل فيها منافع للخلق، تصل تلك المنافع إلى الخلق، شئن أم أبين، أجبن، أم كرهن. 
جعل في النهار معاشا للخلق وتقلبا فيه يتعيشون، ويتقلبون، وجعل الليل راحة لهم وسكنا، ينتفعون بها ما شاءا، أم أبيا، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع في إنضاج الفواكه والثمرات وإدراك الزروع وبلوغها ومعرفة الحساب والسنين والأشهر ومعرفة الطرق والسلوك بها وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه ؛ ينتفع الخلائق بما جعل فيها من المنافع، شاءت هذه الأشياء، أم أبت. فذلك وجه تسخيرها لنا. 
ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا ما جعل في وسعنا استعمال هذه الأشياء والانتفاع بها والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا. 
ويحتمل تسخيرها لنا ما ننتفع بهن ؛ شئن، أم أبين بالطباع، والله أعلم. 
وقوله تعالى : مسخرات بأمره  يحتمل وجهين : يحتمل أي بأمره تنفع الخلائق، ويحتمل  بأمره  أي كونها في الأصل هكذا بأن تنفع الخلق، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون  قال في الآية الأولى : لقوم يتفكرون  جعل الله. عز وجل التفكر سبيلا للعقول إلى إدراك الغيبة بالحواس الظاهرة ؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة[(١)](#foonote-١)، فجعل الحواس الظاهرة سبيلا للعقول إلى إدراك المغيب عنها. 
ذكر عز وجل في الآية الأولى : لقوم يتفكرون  وذكر في الآية الثالثة : لقوم يذكرون  ( النحل : ١٣ ) وفي الرابعة : ولعلكم تشكرون  ( الآية : ١٤ )، والله أعلم كرره على مراتب، لأنه بالتفكر فيها يعقل، ويعلم، ثم بعد العلم والعقل والفهم يتذكر. وإذا تذكر عند ذلك شكر نعمه. 
ثم قوله، والله أعلم : لقوم يتفكرون  وقوله[(٢)](#foonote-٢)  لقوم يعقلون  ما ذكر فيهما[(٣)](#foonote-٣) دلالة وحدانية الله تعالى ودلالة تدبيره وعلمه وحكمته ودلالة بعث الخلائق ودلالة قدرته وسلطانه ؛ لأن الليل والنهار يأتيان الجبابرة والفراعنة، ويذهبان بعمرهم، ويفنيانه، شاؤوا، أم أبوا. فذلك آية سلطانه وقدرته ليعلم أن له السلطان والقدرة \[ لا \][(٤)](#foonote-٤) لهم. 
وفيهما دلالة البعث لأنه إذا أتى هذا ذهب الآخر، حتى لا يبقى له أثر. ثم ينشئ مثله بعد أن لم يبق منن الأول شيء ولا أثر. فالذي قدر على إنشاء النهار أو الليل بعد ما ذهب أثره، وتلاشى، قادر على إنشاء الخلق بعدما يذهب [(٥)](#foonote-٥) أثرهم. 
وكذلك الشمس والقمر والنجوم وما ذكر ؛ لما اتسق هذا كله على سنن واحد وتقدير واحد على غير تفاوت فيها ولا تفاضل وعلى غير تقديم ولا تأخير، جرى كله على \[ سنن \][(٦)](#foonote-٦) واحد وتقدير واحد وميزان واحد من غير تفاوت ولا [(٧)](#foonote-٧) اختلاف. دل أنه على تدبير واحد خرج ذلك لا على الجزاف، وأن مدبر ذلك كله واحد ؛ إذ لو كان تدبير عدد لخرج مختلفا متفاوتا. فدل أنه تدبير واحد لا عدد، وأنه على تدبير غير خرج، وجرى كذلك لا بنفسه، وأنه على حكمة وعلم جرى كذلك. فيدل على لزوم الرسالة والعبادة له، والله أعلم بتأويل قوله : إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون .

١ أدرج بعدها في الأصل وم: لا يدركه العقل..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: فيه..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: ذهب..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في م، الواو ساقطة من ا؟لأصل..

### الآية 16:13

> ﻿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [16:13]

الآية : ١٣ وقوله تعالى : وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه  أي مختلفا أصنافه وجواهره. يخبر عز وجل عن قدرته وسلطانه ونعمه التي أنعمها عليهم. أما سلطانه وقدرته فما خلق في الأرض، وأنبت فيها بالماء، لم يرجع إلى جوهر الأرض وجنسها، ولا إلى جوهر الماء وجنسه، وهما كالوالدين : الماء كالأب والأرض كالأم، فلم يرجع ما خرج منهما \[ إلى جنسهما ولا إلى جوهرهما \][(١)](#foonote-١) كما كان في سائر الأشياء ؛ رجع التوالد منها إلى جنس الوالدين وجوهرهما، بل رجع التوالد والمنشأ من الأرض والماء إلى جنس البذر وجوهره ليعلم قدرته وسلطانه على[(٢)](#foonote-٢) إنشاء الأشياء بأسباب وبغير أسباب ومن شيء ومن لا شيء. 
ويذكر نعمه حين [(٣)](#foonote-٣) أخبر أنه خلق في الأرض من الأصناف المختلفة والجواهر المتفرقة لينتفعوا بها. 
ويحتمل قوله : مختلفا ألوانه  من جنس واحد من شيء واحد لا يعجزه شيء. 
وقوله تعالى : إن في ذلك لآية لقوم يذكرون  وفي آية أخرى  لقوم يتفكرون  ( النحل : ١١ ) وفي آية أخرى  لكل صبار شكور  ( إبراهيم : ٥ و. . . . . . . ) ( في آية أخرى )[(٤)](#foonote-٤)  للمتوسمين  ( الحجر : ٧٥ ) وفي آية أخرى  للمؤمنين  ( الحجر : ٧٧ ) فيحتمل / ٢٨٢ – ب / أن يكون كله كناية عن المؤمنين ؛ كأنه قال : إن في ذلك لآية للمؤمنين ؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر من التفكر والتذكر والعقل والاعتبار والصبر والشكر وغيره. 
ويحتمل : إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون و يعقلون  و يذكرون  أي لقوم همتهم الفكر والنظر في الآيات، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها. وفي ذكر الآية للمتفكرين والعاقلين والمتذكرين، لما منفعة الآية تكون لهؤلاء. و إن كانت الآيات لهم ولغيرهم فمنفعتها لمن ذكر، والله أعلم.

١ في الأصل: من جنسهما ولا من جوهر، في م: من جنسهما ولا من جوهرهما..
٢ في الأصل وم: إلى..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: و..

### الآية 16:14

> ﻿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [16:14]

الآية ١٤ : وقوله تعالى : هو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا  وتسخيره إياه لنا هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدواب والسمك وغيره. فلولا تسخير الله إياه للخلق وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة، وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه و الوصول إليه لشدة أهواله وإفزاعه. 
وقوله تعالى : لتأكلوا منه لحما طريا  يحتمل السمك خاصة، ويحتمل السمك وما فيه من الدواب، من نوع ما لو كان بريا أكل من نحو الجواميس وغيرها. 
وقوله تعالى : وتستخرجوا منه حلية تلبسونها  تحتمل الحيلة اللؤلؤ والمرجان الذي ذكر في آية أخرى حين [(١)](#foonote-١) قال : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان  ( الرحمن : ٢٢ ). 
ثم يحتمل قوله : حلية  أي ما يتخذ منه حلية. وهذا جائز أن يسمى الشيء باسم ما يتخذ منه، وباسم ما يصير به في المتعقب، أو يسمى حلية لأنه زينة. ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة وجمال، وفي الخيل والبغال كذلك. فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر. 
أخبر أنه جعل لنا الوصول إلى الثاني : قعر البحر، وهو ما ذكر من اللؤلؤ وأنواع الحلي، وما في بطن البحر، وهو ما ذكر من اللحم الطري، وما هو على وجه الماء، وهو السفن التي ذكر. 
ووجه تسخيره \[ إياه لنا \][(٢)](#foonote-٢) الحيل والأسباب التي علمنا حتى نصل إلى ما فيه. فكأنه قال : سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه. وفي ذلك دلالات :
أحدها : إباحة التجارة بركوب الأخطار لأن الغائص[(٣)](#foonote-٣) في البحر يخاطر[(٤)](#foonote-٤) بنفسه وروحه. وكذلك راكب السفن. فلو لا أنه مباح له طلب ذلك، وإلا ما ذكر هذا في منته ؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان، والله أعلم. 
وقوله : وترى الفلك مواخر فيه  قال الحسن والأصم : المواخر السفن المشحونات [(٥)](#foonote-٥) الوافرة أحمالها وأثقالها ؛ يذكر منته التي من بها عليهم حين[(٦)](#foonote-٦) جعل لهم السفن والفلك، تحمل بها الأحمال الثقال العظام في البحار، ما سبيلها التسفل والانحدار في البحر، فأمسكها فيه بالسفن العظام الثقيلة. 
وقال بعضهم : مواخر  أي جارية مقبلة مدبرة بريح واحدة في البحر، لأن ماء البحر راكد، فأجرى السفن فيه بالرياح حيث أرادوا، وقصدوا ؛ إذ الأشياء قد تجري على مجرى الماء إذا كان له جرية، وأما إذا كان راكدا ساكنا فلا سبيل إلى ذلك. فيذكر عظيم منته وقدرته على إجراء السفن في الماء الراكد بالريح. 
وقال بعضهم : مواخر  أي جواري، تشق الماء شقا، وتخرقه ؛ يقال : مخرت السفينة، ومنه مخر الأرض، إنما هو شق الماء لها، وهو قول القتبي. فكذلك قال أبو عبيدة : إنه من شق السفن الماء. وقال أبو عوسجة : المواخر المستقبلة ؛ يقال : استمخر الإنسان الريح إذا استقبلها. وقال أبو عبيدة : مواخر  من الاستدبار ؛ يقال : إذا أراد أحدكم البول فليستخمر الريح، أي يستدبرها، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولتبتغوا من فضله  يحتمل بالتجارة التي جعل فيها حيث جعل فيها قطع البحار إلى بلاد نائية بعيدة بالسفن ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم ؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا تقوم إلا بالأغذية، ولعلهم لا يظفرون بما به قوام أبدانهم وبنيتهم في بلادهم، فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم، فمَنَّ عليهم بذلك. كما من بقطع المفاوز والبوادي بالدواب بقوله : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ( النحل : ٧ ). 
أو قال : ولتبتغوا من فضله  بما يستخرج منه  ولعلكم تشكرون  جميع ما ذكر من ألوان النعم والمنافع من أول السورة إلى آخرها يستأدي به شكره. 
وفي قوله : ولتبتغوا من فضله  دلالة إباحة التجارة وطلب الفضل بركوب الأخطار واحتمال الشدائد حين[(٧)](#foonote-٧) أخبر أنه سخر البحر حتى أمكنهم ركوبه بالحيل والأسباب التي علمها لهم، لأن الغواص يخاطر [(٨)](#foonote-٨) بروحه ونفسه، وكذلك راكب السفينة.

١ في الأصل وم : حيث..
٢ في الأصل وم: إيانا..
٣ من م، في الأصل: الغابطي..
٤ في الأصل وم: يخطر..
٥ في الأصل وم: المحشوات..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل و م: حيث..
٨ في الأصل و م: يخطر..

### الآية 16:15

> ﻿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [16:15]

الآية ١٥ : وقوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم  أي ألقى في الأرض رواسي لئلا تميد بكم، لأنها بسطت على الماء، فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة في الماء، فأثبتها بالجبال لتقر بأهلها. 
لكن لو كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفأ، ولا تضطرب، ولكنها تسرب في الماء، وتنهار فيه، لأن من طبعها التسفل والتسرب في الماء، إلا أن يقال :\[ إن الله \][(١)](#foonote-١) عز وجل جعل بلطفه طبعها طبع ما يضطرب، ويكفأ. 
فعند ذلك يحتمل ما ذكروا، والله أعلم. 
ولو قالوا : إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا، ويكون أشبه بقولهم، ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب، لا يضيء، بل يطفأ، كلما أسرج ؛ فيشبه أن يكون انطفاؤه بريح، يكون في الأرض، وقد ذكرنا هذا في ما تقدم، والله أعلم بذلك. 
وقال بعضهم : بسطت على ظهر الثور، فكانت تضطرب بتحركه، فارساها بما ذكر، والله أعلم. 
ثم قوله : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا  يخرج ذكر ذلك منه مخرج [(٢)](#foonote-٢) الامتنان ؛ ذكر النعمة لأن له أن يترك الأرض على ما خلقها، ولا يثبتها بالجبال لتميد بأهلها، ويميلها [(٣)](#foonote-٣) فلا يقدروا على القرار عليه والانتفاع بها. لكنه بفضله ومنه أثبتها بالجبال ليُقروا عليها، ويقدروا على الانتفاع بها. 
وكذلك له ألا يجعل لهم فيها أنهارا جارية، فتكون مياههم[(٤)](#foonote-٤) من آبارها. وكذلك له أن يحوجهم بأنواع الحوائج، ثم لا يبين لهم الطرق والسبل التي تفضي إلى البلدان والأمكنة التي فيها تقضى حوائجهم. وكذلك بفضله جعل لهم في الأرض أنهارا جارية، وأثبت الأرض بالرواسي ليقروا عليها. وذلك كله بمنه وفضله. 
وقوله تعالى : لعلكم تهتدون  الطرق والسبل التي \[ تفضي بكم \][(٥)](#foonote-٥) إلى الحوائج. ويحتمل  تهتدون  الهدى المعروف بما[(٦)](#foonote-٦) ذكر من نعمه ومننه، والله أعلم.

١ في الأصل: الله، في م: إنه..
٢ في الأصل و م: ذكر..
٣ من م، في الأصل تمليها..
٤ من م، في الأصل: مياهه..
٥ في الأصل و م : تقضيهم..
٦ من م، في الأصل: عما..

### الآية 16:16

> ﻿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [16:16]

الآية : ١٦ وقوله تعالى : وعلامات وبالنجم هم يهتدون  هذا أيضا يخرج مخرج ذكر المنن والنعم عليهم، لأنه لو ما جعل الله أعلاما في البحار والبراري، يعرفون بها السلوك فيها، لم [(١)](#foonote-١) لم يقدر أحد معرفة الطرق في البحار والبراري. ثم تحتمل الأعلام مرة بطعم الماء والجبال التي جعل فيها وبالرياح، ومرة تكون بالنجم ؛ يعرفون بطعم الماء أن هذا الطريق يفضي إلى موضع كذا، وكذلك يعرفون بالجبال وبالرياح / ٢٨٣ – أ / يعرفون السبل إلى حوائجهم ومقصودهم، وكذلك بالنجم يعرفون الطرق. فالأعلام مختلفة، بها يهتدون الطرق والسبل. 
ويحتمل  يهتدون  بما ذكر من الأعلام  وبالنجم  والنجم سبب اهتدائهم إلى توحيد الله.

١ أدرج قبلها في الأصل و م: وإلا..

### الآية 16:17

> ﻿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [16:17]

الآية ١٧ : وقوله تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون  يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : على الاحتجاج عليهم، أي لا تجعلوا من لا يخلق، ولا ينفع، ولا ينعم، كمن هو خالق الأشياء كلها منعم النعم عليكم  أفلا تذكرون  أن[(١)](#foonote-١) صرف العبادة والشكر إلى غير خالقكم ومُنْعِمكم جور[(٢)](#foonote-٢) وظلم. 
والثاني : يخرج مخرج تسفيه أحلامهم بإنهم يعبدون من يعلمون أنه ليس بخالق، ويتركون عبادة \[ من \][(٣)](#foonote-٣) يعلمون أنه خالق الأشياء كلها  أفلا تذكرون  والله أعلم.

١ أدرج قبلها في الأصل وم: أي..
٢ من م، في الأصل: همر..
٣ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 16:18

> ﻿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:18]

الآية : ١٨ وقوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  هذا يحتمل وجوها :
أحدها : وإن تعدوا  أنفس نعمه التي أنعمها عليكم وأعينها لا تقدروا على عدها لكثرتها. 
والثاني : وإن تعدوا  وإن تكلفتم، واجتهدتم كل جهدكم أن تقوموا لشكر ما أنعم الله عليكم ما قدرتم على القيام لشكر واحدة منها فضلا أن تقوموا للكل. 
والثالث : يخرج على العتاب والتوبيخ، أي كيف فرغتم لعبادة من لا يخلق، ولا ينعم \[ وانصرفتم \][(١)](#foonote-١) عن عبادة من خلق، وأنعم ؟ وكنتم لا تقدرون [(٢)](#foonote-٢) على إحصاء ما أنعم عليكم فضلا أن تقوموا لشكره. 
وقال الحسن في قوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  لا تعرفوا كل النعم، لأن ممن النعم ما لا يعرفه الخلق كقوله : وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة  ( لقمان : ٢٠ ) فإذا لم يعلموها [(٣)](#foonote-٣) لم يقدروا إحصاءها. 
وقوله تعالى : إن الله لغفور رحيم  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : إنكم وإن افتريتم على الله، وعاندتم حججه وآياته، وكذبتم رسله، فإذا استغفرتم، وتبتم عما كان ذلك منكم، يغفر لكم ذلك كله كقوله : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  ( الأنفال : ٣٨ ). 
والثاني : لغفور  أي يستر عليكم ما كان منكم ما لو ظهر ذلك لافتضحتم، لكنه برحمته ستر ذلك عليكم. 
 رحيم  بالستر عليكم. 
أو ذكر  لغفور رحيم  على إثر ذكر النعم وأنواع المنافع ليكونوا على ما ذكر مما سخر لنا أذل، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: تقدروا..
٣ في الأصل و م: يعلموا..

### الآية 16:19

> ﻿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [16:19]

الآية ١٩ : وقوله تعالى : والله يعلم ما تسرون وما تعلنون  هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : ذكر هذا ليكونوا أيقظ وأحذر، لأن في الشاهد من يعلم أن عليه رقيبا حافظا بما يفعل، كان هو أرقب وأحفظ لأعماله، ويكون أحذر ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب. 
والثاني : يعلم ما تسرون  من المكر برسول الله والكيد له من القتل والإخراج وغير ذلك كله منكم ما أسررتم، وأعلنتم. وهو يخرج على نهاية الوعيد والتعيير.

### الآية 16:20

> ﻿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [16:20]

الآية ٢٠ : وقوله تعالى : والذين يدعون من دون الله  \[ يحتمل يسمون \][(١)](#foonote-١) آلهة، وربما كانوا يدعونهم عند الحاجة. ويحتمل يدعون يعبدون، أي الذين يعبدون من دون الله  لا يخلقون شيئا وهم يخلقون  فهذا يرجع إلى الأول : أفمن يخلق كمن لا يخلق  ( النحل : ١٧ ).

١ في الأصل: أي يسومونها، في م: يدعون أي يسمون..

### الآية 16:21

> ﻿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [16:21]

الآية : ٢١ وقوله تعالى : أموات غير أحياء  الآية. يحتمل المراد بقوله : أموات غير أحياء  الذين عبدوا الأصنام والأوثان وجميع من كفروا بالله، هم  أموات غير أحياء  لأن الله تعالى، سمى الكافر في غير آية من القرآن ميتا، فيشبه أن يكون قوله : أموات غير أحياء  أيضا  وما يشعرون أيان يبعثون  أي \[ لا \][(١)](#foonote-١) يشعرون متى [(٢)](#foonote-٢) يبعثون ؟ أي لو شعروا \[ في \][(٣)](#foonote-٣) هذه الدنيا ما شعروا في الآخرة، لم يعملوا ما عملوا. 
ويحتمل قوله : أموات غير أحياء  الأصنام التي عبدوها هي  أموات غير أحياء  قال بعضهم : أموات  لأنها لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر، كالأموات [(٤)](#foonote-٤)  غير أحياء  أي ليس فيها أرواح، ينتفع بها كالبهائم والأنعام. ويكون قوله : وما يشعرون أيان يبعثون  راجعا إلى الذين عبدوا الأصنام، لأنها لا تشعر أيان يبعثون، وهم يعلمون أنها لا تشعر ذلك. لكنهم يشعرون حين يبعثون. 
وقال بعضهم : وما يشعرون أيان يبعثون  تبعث الآلهة، والين عبدوها جميعا كقوله : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم  ( يونس : ٢٨ ) وقوله : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون   من دون الله  ( الصافات : ٢٢ و٢٣ ). 
وقال بعضهم : يحشر أولئك الذين يعبدون الأصنام، وما يشعرون هم أيان يبعثون، أي حين يبعثون. \[ ولو شَعروا \][(٥)](#foonote-٥) ذلك في الدنيا ما فعلوا. 
وإن كان قوله : والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون  راجعا إلى الملائكة والملوك الذين عبدوا دون الله يكن[(٦)](#foonote-٦) تأويل قوله : والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون   أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون  أي لا يشعرون وقت يبعثون. وإن كان راجعا إلى الأصنام فقوله : وما يشعرون أيان يبعثون  أي يشعرون أنهم مبعوثون. ولا [(٧)](#foonote-٧) يحتمل أن يكون قوله : لا يَخلقون شيئا وهم يُخلقون  أن يقال ذلك في الأصنام ؛ لأن أولئك يعلمون أنهم لا يخلقون، وإنما يقال في[(٨)](#foonote-٨) : لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع. فدل أن ذلك راجع إلى الملائكة و الذين عبدوهم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حين..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: كالميت..
٥ في الأصل: وما يشعروا، في م: وما شعروا..
٦ في الأصل وم: يكون..
٧ الواو ساقطة من الأصل وم..
٨ أدرج قبلها في الأصل وم: ذلك..

### الآية 16:22

> ﻿إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [16:22]

الآية : ٢٢ وقوله تعالى : إلهكم إله واحد  قد ذكرنا في ما تقدم ما يبين إبطال ما كانوا يعبدون، وما لا يليق بأمثالها العبادة لها، ونصبهم آلهة. ثم ذكر ما يبين جعل الألوهية والربوبية أنه لواحد وأنه هو المستحق لذلك دون العدد الذي عبدوه[(١)](#foonote-١)، فقال : إلهكم إله واحد  لا العدد الذي عبد أولئك. 
وقوله تعالى : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة  يحتمل قوله  قلوبكم منكرة  للإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت، أو  قلوبهم منكرة  لما جاء به الرسول  وهم مستكبرون  على ما جاء به من الله. 
وقوله تعالى : وهم مستكبرون  يحتمل  مستكبرون  على رسول الله، لم يروه أهلا \[ لخضوع أمثالهم \][(٢)](#foonote-٢) لمثله، أو مستكبرون  \[ على ما دعتهم \][(٣)](#foonote-٣) الرسل، لأن الرسل جميعا دعوا الخلق إلى وحدانية الله وجعل العبادة له.

١ في الأصل وم: عبدوها..
٢ في الأصل وم: الخضوع لأمثالهم..
٣ في الأصل: إلى ما ادعتهم، في م: إلى ما دعتهم..

### الآية 16:23

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [16:23]

الآية ٢٣ : وقوله تعالى : لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون  يحتمل قوله : ما يسرون  من المكر برسول الله والكيد له  وما يعلنون  من المظاهرة عليه، أو  يعلم ما يسرون  من أعمالهم الخبيثة التي أسروها  وما يعلنون  وما أعلنوها. يخبر أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم أسروا، أو أعلنوا. 
وقوله تعالى : لا جرم  قال الأصم : لا جرم  كلمة تستعملها العرب في إيجاب تحقيق أو نفي تحقيق كقولهم : حقا، ولعمري، و أيم الله، ونحوه. وقال الحسن : هي كلمة وعيد. وقال بعضهم : لا جرم  حقا، و : بلى، ولابد، وكله في الحاصل يرجع إلى واحد، وهو وعيد لأن قوله : يعلم ما يسرون وما يعلنون  وعيد، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إنه لا يحب المستكبرين  لأنه لا يحب الاستكبار، ولا يليق لأحد من الخلائق أن يتكبر على غيره من الخلق ؛ لأن الخلق كلهم أشكال وأمثال، ولا يجوز لكل ذي مثل أو شكل أن يتكبر على شكله، ولأن تكبر بعض على بعض كذب وزور ؛ إذ جعل ( الخلق )[(١)](#foonote-١) كلهم أمثالا وأشكالا. لذلك كانوا زورا وكذبا، وقد حرم الله تعالى الكذب، والزور ؛ وجعله قبيحا في العقول.

١ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:24

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [16:24]

الآية ٢٤ : وقوله تعالى : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين  أي قال الأتباع للرؤساء  ماذا أنزل ربكم  ؟ قال الرؤساء : أساطير الأولين  جواب / ٢٨٣ – ب / سؤالهم : ماذا أنزل ربكم  ؟ مفردا لأنهم كانوا يقرون الله بقولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ( الزمر : ٣ ) وقولهم[(١)](#foonote-١) : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ( يونس : ١٨ ) فلا يحتمل أن يكونوا إذا سئلوا  ماذا أنزل ربكم  يقولون[(٢)](#foonote-٢) : أساطير الأولين  إلا أن يكون في السؤال زيادة قول، أو في الجواب إضمار، فيكون، والله أعلم، كأنه قال : وإذا قيل لهم : ماذا يزعم هذا أنه أنزل عليه ربكم  قالوا  عند ذلك : يقول : أساطير الأولين  كقوله : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر  أي قالوا : يا أيها الذي تزعم أنه نزل عليه. 
أو يكون قوله : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم  قالوا[(٣)](#foonote-٣) : لم ينزل الله شيئا، إن ما يقول  أساطير الأولين . ومثل هذا يحتمل أن يكون. 
وقوله تعالى : أساطير الأولين  قال أبو عوسجة : أحاديث الأولين، والواحد أسطور، وهي الأحاديث المختلفة كقوله : إن هذا إلا اختلاق  ( ص : ٧ ) أي لا أصل له، وأصله الكذب. وهكذا عادة الكفرة يقولون للأنباء : أساطير الأولين. وكانوا ينسبون ما يقرأ عليهم إلى السحر، ولو كان في الحقيقة سحرا أو أحاديث الأولين كان دليلا له. 
أو قالوا ذلك على الاستهزاء، وذلك جائز أن يخرج قولهم[(٤)](#foonote-٤) ذلك على الاستهزاء، والله أعلم.

١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: فيقولون..
٣ في الأصل وم: فقالوا..
٤ من م، في الأصل: كقولهم..

### الآية 16:25

> ﻿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [16:25]

الآية ٢٥ : وقوله تعالى : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم يحملون أوزارهم كاملة ؛ يعني الذين قالوا للرسل  أساطير الأولين  ومن أوزار الذين يقلدون رسلهم ووفدهم الذين بعثوا للسؤال [(١)](#foonote-١) عن رسول الله، فحملوا أوزارهم أنفسهم وأوزار الذين يقلدون الرسل، ويقتدون بهم بغير علم، لأنهم لم يعلموا أن أولئك يقتدون بالرسل، فيضلون. 
وهم، وإن لم يعلموا، فذلك عليهم، لأنهم هم الذين سنوا ذلك. وهو كما روي :( من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )( مسلم : ١٠١٧ ). 
والثاني :[(٢)](#foonote-٢)يحتمل : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين  طعموا الإسلام، إذا أسلموا سقطت تلك الأوزار عنهم، وقوله : ليحملوا أوزارهم  هم [(٣)](#foonote-٣) لم يفعلوا ما فعلوا  ليحملوا أوزارهم  ولكن معناه، والله أعلم، أي ليصيروا \[ حاملي أوزار \][(٤)](#foonote-٤) الذين أضلوهم. 
وقوله تعالى : بغير علم  أي بسفه  ألا ساء ما يزرون  أي ساء ما يحملون. 
وقوله تعالى : بغير علم  أي لم يعلموا أن تصير أوزارهم عليهم، أو لم يعلموا ما يلحق بهم.

١ في الأصل وم: عن السؤال..
٢ في الأصل وم: و.
٣ ساقطة من م..
٤ في الأصل و م : حاطين لأوزارهم..

### الآية 16:26

> ﻿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [16:26]

الآية ٢٦ : وقوله تعالى : قد مكر الذين من قبلهم  ( كانت ولم تزل )[(١)](#foonote-١) عادة الكفر بالمكر برسل الله والكيد لهم، وكذلك مكر كفار مكة برسول الله. يذكر هذا، والله أعلم لرسوله ليصبر على أذاهم كما صبر أولئك على مكر قومهم وترك مكافأتهم إياهم كقوله : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  ( الأحقاف : ٣٥ ) ثم مكرهم الذي كان يخرج على وجهين :
أحدهما : في ما جاءت به الرسل كانوا يتكلفون تلبيس ما جاءت به الرسل على قومهم. 
والثاني : يرجع مكرهم إلى أنفس الرسل من الهم بقتلهم وإخراجهم من بين أظهرهم ونحوه. 
فخوف بذلك أهل مكة بصنيعهم لرسول الله أن ينزل بهم كما نزل بأولئك الذين مكروا برسلهم لئلا يعاملوه بمثل معاملة أولئك رسلهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فأتى الله بنيانهم من القواعد  قال الحسن : هذا على التمثيل بالبناء الذي بني على غير أساس ؛ ينهدم، ولا يعلم من أي سبب انهدم. فعلى ذلك مكرهم يبطل، ويتلاشى كالبناء الذي بني على غير أساس ؛ ويشبه أن يكون على التمثيل من غير هذا الوجه ؛ هو أنهم قد مكروا، وأحكموا مكرهم بهم، فيتحصنون بذلك البناء الذي يتحصن به، فأبطل الله مكرهم، كقوله : ومكروا مكرا ومكرنا مكر الآية ( النمل : ٥٠ ) وقوله : ومكروا ومكر الله  الآية. 
وقوله تعالى : فخر عليهم السقف من فوقهم  هو ما ذكرنا من إبطال مكرهم الذي به كانوا يتحصنون كوقوع السقف الذي به يتحصن من أنواع الأذى والشرور. 
ويحتمل على التحقيق، وهو ما نزل بقوم لوط من الخسف وتقليب البنيان وإمطار \[ الحجر عليهم \][(٢)](#foonote-٢). وأما ما ذكر بعض أهل التأويل من الصرح الذي بنى نمرود وبنيانه ووقوعه عليهم فإنا لا نعلم ذلك. 
وقوله تعالى : وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون  كذلك يأتي العذاب الظلمة الكَذبة من حيث لا علم لهم بذلك كقوله : فأخذتهم بغتة  الآية ( الأعراف : ٩٥ ). 
وقوله تعالى : فأتى الله بنيانهم من القواعد  هو من الإتيان. ومعلوم أنه لا يفهم من إتيانه الانتقال من مكان إلى مكان، ولكن إتيان عذابه ؛ أضيف إليه الإتيان لما بأمره يأتيهم ومنه. فعلى ذلك لا يفهم من قوله : وجاء ربك  ( الفجر : ٢٢ ) وقوله : إلا أن يأتيهم الله في ظلل  الآية ( البقرة : ٢١٠ ) الإتيان والانتقال ومجيئه من مكان إلى مكان. وقد ذكرنا هذا وأمثاله في غير موضع.

١ في الأصل و م : لم تزل كانت..
٢ ٤ في الأصل: البحر عليها، في م: الحجر عليها..

### الآية 16:27

> ﻿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ [16:27]

الآية ٢٧ : وقوله تعالى : ثم يوم القيامة يخزيهم  ( أخبر أنه يوم القيامة يخزيهم )[(١)](#foonote-١) بعد ما عذبهم في الدنيا بقوله  وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون  وقوله : يخزيهم  قال أهل التأويل : يعذبهم. وكان الإخزاء، هو الإذلال والإهانة والفضح، يذلهم، ويهينهم، ويفضحهم في الآخرة مكان ما كان منهم من الاستكبار والتجبر على النبي وأصحابه. وكذلك قوله : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ( التحريم : ٨ ) أي لا يذلهم، ولا يهينهم، لتواضعه للمؤمنين وخفض جناحه لهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم  أي كنتم تعادون أوليائي فيهم، أو تعادونني فيهم. 
وقوله تعالى : أي شركائي  لسن له بشركاء، ولكن أضاف إلى نفسه ( شركائي ) على ما زعمتم في الدنيا ( أنهم شركائي )[(٢)](#foonote-٢). وكذلك قوله : فراغ إلى آلهتهم  ( الصافات : ٩١ ) أي إلى ما في زعمهم وتسميتهم إياها آلهة. 
وقوله تعالى : كنتم تشاقون فيهم  أي كنتم تخالفون فيهم، وتعادون ؛ أي تخالفون المؤمنين في ( عبادتكم إياها، وتقولون )[(٣)](#foonote-٣) : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ( الزمر : ٣ ) وتقولون[(٤)](#foonote-٤) : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ( يونس : ١٨ ) ونحوه. كانوا يخالفون المؤمنين، وكانوا يشاقون في ذلك. إلا أنه أضاف ذلك إلى نفسه لأنهم أولياؤه وأنصار دين الله. 
وأضاف إليه المخالفة لأنهم خالفوا أمر الله تعالى. 
وقوله تعالى : قال الذين أوتوا العلم  قال أهل التأويل : الذين أوتوا العلم  الملائكة الكرام الكاتبون، هم وغيرهم من المؤمنين محتمل. 
وقوله تعالى : إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  أي الذل والهوان والافتضاح وكل سوء على الكافرين. هكذا يقابل كل معاند ومكابر في حجج الله وبراهينه مكان استكبارهم وتجبرهم في الدنيا، والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: أنها شركاؤه..
٣ في الأصل وم: عبادتهم إياها لأنهم يقولون..
٤ في الأصل: وقولهم، في م: وهم..

### الآية 16:28

> ﻿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:28]

الآية ٢٨ : وقوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة  من بين يدي الله يوم الحساب إلى النار. وقال بعضهم : تتوفاهم الملائكة  وقت قبض أرواحهم  ظالمي أنفسهم  بالشرك والكفر بالله على تأويل الحسن، يكون قوله : ظالمي أنفسهم  في الدنيا. 
ويجوز أن يوصفوا بالظلم في الآخرة أيضا بكذبهم فيها في قولهم : ما كنا مشركين  ( النعام : ٢٣ ) وأمثاله من الكذب حين[(١)](#foonote-١) ينكرون الإشراك في ألوهية الله وعبادته. كان الإنكار والكذب منهم في أول حالهم ظنا منهم أن ذلك ينفعهم. فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا أو إلى حال الأمن ليعملوا غير الذي عملوا كقولهم : أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل  ( الأعراف : ٥٣ ). فإذا لم يردوا، وأيسوا عن ذلك، فعند ذلك / ٢٨٤ – أ / أنطق الله جوارحهم تشهد عليهم بما كان منهم. فعند ذلك يقرون، ويعترفون بذنوبهم كقوله : اعترفوا بذنوبهم  ( التوبة : ١٠٢ ). 
وقوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم  قال بعضهم : يسلمون، ويستسلمون لأمر الله. ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء كقولهم : ما كنا نعمل من سوء . وقال بعضهم : فألقوا السلم  هو الاستخزاء[(٢)](#foonote-٢) والخضوع والتضرع. 
ويشبه أن يكون قوله : فألقوا السلم  عند الموت ؛ يؤمنون عند معاينة ذلك، أو سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض. 
وقوله تعالى : ما كنا نعمل من سوء  في الآخرة، والله أعلم بذلك. فأكذبهم الله في قولهم : ما كنا نعمل من سوء  فقال : بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون  هذا وعيد ؛ يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة، ولا يحتمل، كما جاز في الدنيا، ولم يظهر.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ من م، في الأصل: الاستخدام..

### الآية 16:29

> ﻿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [16:29]

الآية ٢٩ : وقوله تعالى : فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين  أي بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على ما جاء به الرسل من الله وما أنزل الله عليهم.

### الآية 16:30

> ﻿۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [16:30]

الآية ٣٠ : وقوله تعالى : وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا  قال أهل التأويل : هذا قول المؤمنين مقابل قول المشركين : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين  ( النحل : ٢٤ ). ثم اختلف في قوله : خيرا  :
قال بعضهم : قوله : قالوا خيرا  أي قولهم الذي قالوا : إنه أرسل بحق، وإنه خير[(١)](#foonote-١). وقال بعضهم : قوله : قالوا خيرا  حكاية عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرا[(٢)](#foonote-٢)، أي أنزل عليه ربنا خيرا، وإذا سألوا الكفرة قالوا  أساطير الأولين . 
وجائز أن يكون اتباع المؤمنين سألوا كبراءهم : ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا  مقابل ما كان من كبراء الكفرة لأتباعهم  أساطير الأولين . 
وقوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة  من النصر لهم والظفر على عدوهم  ولدار الآخرة خير  لهم مما كان أعطاهم في الدنيا، أي الجنة خير وأفضل للمؤمنين مما أوتوا في الدنيا  ولنعم دار المتقين . 
قال هذا للمؤمنين : مكان ما قال للكافرين  فلبئس مثوى المتكبرين  ثم نعت الدار التي وعد للمتقين.

١ أدرج قبلها في الأصل وم: كذا..
٢ في الأصل وم: وخيرا..

### الآية 16:31

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [16:31]

الآية ٣١ : فقال : جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون  من اللذات والشهوات. 
فإن قيل : أرأيت لو شاؤوا أن يكون لهم درجات الأنبياء ومنازل الأبرار والصديقين أ يكون لهم ما شاؤوا ؟ قيل : لا يشاؤون هذا ؛ لأن مثل هذا إنما يكون في الدنيا إما حسدا وإما تمنيا، فلا يكون في الجنة حسد ؛ لأن الحسد هو أن يرى لأحد شيئا، ليس له، فيحسده، أو يتمنى مثله. فأهل الجنة يجدون جميع ما يتمنون، ويخطر ببالهم، فلا معنى لسؤالهم، ربهم ما لغيرهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : كذلك يجزي الله المتقين  ظاهر.

### الآية 16:32

> ﻿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:32]

الآية : ٣٢ وقوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين  على تأويل الحسن : تتوفاهم الملائكة  وهم طيبون من بين يدي الله يوم الحساب  يقولون  لهم  سلام عليكم ادخلوا الجنة . وقد ذكر أن السلام هو تحية، جعلها الله بين الخلق في الدنيا والآخرة. وقد ذكرنا في غير موضع. 
وقال بعضهم : الذين تتوفاهم الملائكة  بقبضهم الأرواح في الدنيا ؛ يقبضون أرواحهم، وهم طيبون. وقال بعضهم : طيبين  أحياء وأمواتا، وهم المؤمنون الذين طابت أعمالهم في الدنيا. ويحتمل السلام وجهين :
أحدهما : تحييهم الملائكة بالسلام في الجنة كما يحيي أهل الإيمان في الدنيا بعضهم بعضا. 
والثاني : السلام يكون منهم أمن من جميع لآفات والمكروهات، والله أعلم.

### الآية 16:33

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [16:33]

الآيات ٣٣ و ٣٤ و ٣٥ وقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك   فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون  (  وقال الذين أشركوا. . . . . فهل على الرسل إلا البلاغ المبين  )[(١)](#foonote-١) هذا الحرف يخرج على الإياس من إيمانهم إلا وقت قبض أرواحهم أو وقت نزول العذاب عليهم. أي لا يؤمنون إلا في هذين الوقتين، ولا ينفعهم إيمانهم في هذين الوقتين، لأن لإيمانهم اضطرار كقوله : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده  ( غافر : ٨٤ ) وكقوله  وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته  ( النساء : ١٥٩ ) يؤمنون عند معاينتهم بأس الله، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت. 
يخبر أنهم ينظرون ذلك الوقت، ويؤيس[(٢)](#foonote-٢) رسوله من إيمانهم لما علم أنهم لا يؤمنون، ليرفع عنه مُؤْنََةَ الدعاء إلى الإيمان والقتال معهم. 
وقوله تعالى : أو يأتي أمر ربك  يحتمل العذاب في الدنيا، ويحتمل عند معاينتهم العذاب في الآخرة. 
وقوله تعالى : كذلك فعل الذين من قبلهم  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : كذلك فعل المعاندون والمكابرون والذين من قبل برسلهم من التكذيب لهم والعناد وتركهم الإيمان إلى الوقت الذي ذكر كما فعل قومك من التكذيب لك، يا محمد، والعناد. 
والثاني [(٣)](#foonote-٣) : يحتمل : كذالك فعل الذين من قبلهم  أي هكذا أنزل العذاب بمن كان قبل قومك بتكذيبهم الرسل والعناد معهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما ظلمهم الله  بما عذبهم  ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  حين[(٤)](#foonote-٤) وضعوا أنفسهم في غير موضعها الذي ( وضعه الله، وحين )[(٥)](#foonote-٥) صرفوها عن عبادة من نفعهم، وأنعم عليهم، واستحق ذلك عليهم، إلا من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا يستحق العبادة بحال. 
فهم ظلموا أنفسهم حين[(٦)](#foonote-٦) صرفوها من الحكمة إلى غير الحكمة، لا لله. وإن[(٧)](#foonote-٧) الله وضعها حيث توجب الحكمة ذلك. 
والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. فهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها. فأما الله سبحانه وتعالى فقد وضعها في المواضع التي توجب الحكمة وضعها. 
وقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك  كأنه قال : ما ينظرون للإيمان بعد الحجج السمعيات وبعد الحجج العقليات والحجج الحسيات إلا نزول الملائكة بالعذاب من الله تعالى عليهم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقام عليهم الحجج السمعيات والعقليات والحسيات، فلم يؤمنوا به، ولم يصدقوه[(٨)](#foonote-٨). فيقول : إنهم ما ينظرون إلا الحجج التي تقهرهم، وتضطرهم. فعند ذلك يؤمنون. وهو ما ذكر من نزول العذاب بهم. أو يقول : ما ينظرون بإيمانهم إلا الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم، وهو الوقت الذي تخرج أنفسهم من أيديهم. فأخبر أن إيمانهم لا ينفعهم في ذلك ( الوقت )[(٩)](#foonote-٩) : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا  وقال ههنا : فهل على الرسل إلا البلاغ المبين  وهل هو حرف استفهام في الظاهر ؛ لكن المراد منه ( ما )[(١٠)](#foonote-١٠)  فهل على الرسل إلا البلاغ المبين  على ما قاله أهل التأويل : لما قد كان من الله من البيان : أن ليس على الرسل إلا البلاغ المبين. وكذلك قوله : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة  ( النحل : ٣٣ ) أي ما ينظرون إلا أن تأتيهم. 
وكذلك / ٢٨٤ – ب / قوله : أم للإنسان ما تمنى  ( النجم : ٢٤ ) أم : هو حرف شك، ومراده للإنسان ما تمنى، وأمثاله لما سبق من الله ما يبين لهم أن ليس للإنسان ما قد ذكر : سيقول الذين أشركوا  في سورة الأنعام ( الآية : ١٤٨ ). 
**ويحتمل قولهم هذا وجوها :**
أحدها : قالوا ذلك على الاستهزاء كقوله : ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا  ( مريم : ٦٦ ). 
والثاني : قولهم : ولو شاء ربك ما فعلوه  ( الأنعام : ١١٢ ) أي لو أمر أن نعبده، ولا نعبد غيره، لفعلنا كقوله : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها  الآية ( الأعراف : ٢٨ ). 
والثالث : قالوا : لو لم [(١١)](#foonote-١١) يرض الله منا ذلك ( ما تركنا فعلنا )[(١٢)](#foonote-١٢) ذلك، وكان[(١٣)](#foonote-١٣) أهلكنا.

### الآية 16:34

> ﻿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [16:34]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 16:35

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [16:35]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣:الآيات ٣٣ و ٣٤ و ٣٥ وقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك   فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون  (  وقال الذين أشركوا..... فهل على الرسل إلا البلاغ المبين  )[(١)](#foonote-١) هذا الحرف يخرج على الإياس من إيمانهم إلا وقت قبض أرواحهم أو وقت نزول العذاب عليهم. أي لا يؤمنون إلا في هذين الوقتين، ولا ينفعهم إيمانهم في هذين الوقتين، لأن لإيمانهم اضطرار كقوله : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده  ( غافر : ٨٤ ) وكقوله  وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته  ( النساء : ١٥٩ ) يؤمنون عند معاينتهم بأس الله، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت. 
يخبر أنهم ينظرون ذلك الوقت، ويؤيس[(٢)](#foonote-٢) رسوله من إيمانهم لما علم أنهم لا يؤمنون، ليرفع عنه مُؤْنََةَ الدعاء إلى الإيمان والقتال معهم. 
وقوله تعالى : أو يأتي أمر ربك  يحتمل العذاب في الدنيا، ويحتمل عند معاينتهم العذاب في الآخرة. 
وقوله تعالى : كذلك فعل الذين من قبلهم  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : كذلك فعل المعاندون والمكابرون والذين من قبل برسلهم من التكذيب لهم والعناد وتركهم الإيمان إلى الوقت الذي ذكر كما فعل قومك من التكذيب لك، يا محمد، والعناد. 
والثاني [(٣)](#foonote-٣) : يحتمل : كذالك فعل الذين من قبلهم  أي هكذا أنزل العذاب بمن كان قبل قومك بتكذيبهم الرسل والعناد معهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما ظلمهم الله  بما عذبهم  ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  حين[(٤)](#foonote-٤) وضعوا أنفسهم في غير موضعها الذي ( وضعه الله، وحين )[(٥)](#foonote-٥) صرفوها عن عبادة من نفعهم، وأنعم عليهم، واستحق ذلك عليهم، إلا من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا يستحق العبادة بحال. 
فهم ظلموا أنفسهم حين[(٦)](#foonote-٦) صرفوها من الحكمة إلى غير الحكمة، لا لله. وإن[(٧)](#foonote-٧) الله وضعها حيث توجب الحكمة ذلك. 
والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. فهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها. فأما الله سبحانه وتعالى فقد وضعها في المواضع التي توجب الحكمة وضعها. 
وقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك  كأنه قال : ما ينظرون للإيمان بعد الحجج السمعيات وبعد الحجج العقليات والحجج الحسيات إلا نزول الملائكة بالعذاب من الله تعالى عليهم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقام عليهم الحجج السمعيات والعقليات والحسيات، فلم يؤمنوا به، ولم يصدقوه[(٨)](#foonote-٨). فيقول : إنهم ما ينظرون إلا الحجج التي تقهرهم، وتضطرهم. فعند ذلك يؤمنون. وهو ما ذكر من نزول العذاب بهم. أو يقول : ما ينظرون بإيمانهم إلا الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم، وهو الوقت الذي تخرج أنفسهم من أيديهم. فأخبر أن إيمانهم لا ينفعهم في ذلك ( الوقت )[(٩)](#foonote-٩) : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا  وقال ههنا : فهل على الرسل إلا البلاغ المبين  وهل هو حرف استفهام في الظاهر ؛ لكن المراد منه ( ما )[(١٠)](#foonote-١٠)  فهل على الرسل إلا البلاغ المبين  على ما قاله أهل التأويل : لما قد كان من الله من البيان : أن ليس على الرسل إلا البلاغ المبين. وكذلك قوله : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة  ( النحل : ٣٣ ) أي ما ينظرون إلا أن تأتيهم. 
وكذلك / ٢٨٤ – ب / قوله : أم للإنسان ما تمنى  ( النجم : ٢٤ ) أم : هو حرف شك، ومراده للإنسان ما تمنى، وأمثاله لما سبق من الله ما يبين لهم أن ليس للإنسان ما قد ذكر : سيقول الذين أشركوا  في سورة الأنعام ( الآية : ١٤٨ ). 
 **ويحتمل قولهم هذا وجوها :**
أحدها : قالوا ذلك على الاستهزاء كقوله : ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا  ( مريم : ٦٦ ). 
والثاني : قولهم : ولو شاء ربك ما فعلوه  ( الأنعام : ١١٢ ) أي لو أمر أن نعبده، ولا نعبد غيره، لفعلنا كقوله : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها  الآية ( الأعراف : ٢٨ ). 
والثالث : قالوا : لو لم [(١١)](#foonote-١١) يرض الله منا ذلك ( ما تركنا فعلنا )[(١٢)](#foonote-١٢) ذلك، وكان[(١٣)](#foonote-١٣) أهلكنا. ---

### الآية 16:36

> ﻿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [16:36]

الآية ٣٦ : وقوله تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا  يخبر رسوله أنك لست بأول مبعوث إلى أمتك، ولكن قد بعث إلى كل أمة رسولا، وهو كقوله : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ( فاطر : ٢٤ ) يصبره على ما يصيبه منهم من المكروه والأذى، أي لست أنت بأول من يصيبه ذلك، بل كان رسل[(١)](#foonote-١) قبلك أصابهم من أمتهم ما يصيبك من أمتك. 
وقوله تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله  هو على الإضمار، كأنه قال : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا  وقلنا لهم : قولوا : أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت  على ذلك كان بعث الرسل جميعا إلى قومهم بالدعاء إلى توحيد الله وجعل العبادة له والنهي عن عبادة الأوثان دونه كقوله : فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره  ( الأعراف : ٥٩ ) ويكون قوله : واجتنبوا الطاغوت  كقوله  ما لكم من إله غيره  واحدا[(٢)](#foonote-٢). 
والطاغوت : قال بعضهم : كل من عبد دون الله فهو طاغوت. وقال الحسن : هو الشيطان ؛ أضيفت [(٣)](#foonote-٣) العبادة إليه بقوله : يا أبت لا تعبد الشيطان  ( مريم : ٤٤ ) لأن من يعبد دونه يعبد بأمره، فأضيفت [(٤)](#foonote-٤) لذلك إليه، وقد ذكرنا هذا أيضا في ما تقدم. 
وقوله تعالى : فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة  هذا يدل على أنه لم يرد بالهدى البيان على ما قال بعض الناس إن قد سبق منه البيان لكل أحد، وما ذكر أيضا : ومنهم من حقت عليه الضلالة . 
وهذا يرد على المعتزلة قوهم حين [(٥)](#foonote-٥) قالوا : الهدى والبيان من الله، لكن الهدى منه في هذا الموضع، ليس هو البيان، هو ما يكرم به عبده، ويوفقه لديه. وقوله : فمنهم من هدى الله  لاختياره الهدى  ومنهم من حقت عليه الضلالة  أي ( لزمته الضلالة لاختياره إياها ) [(٦)](#foonote-٦). 
وقوله تعالى : فسيروا في الأرض  قال الحسن : قوله : فسيروا  ليس على الأمر، ولكن كأنه قال : لو سرتم في الأرض لرأيتم  كيف كان عاقبة المكذبين  بالتكذيب. 
وقال بعضهم : فسيروا  كأنه على الحجاج عليهم : إن سرتم[(٧)](#foonote-٧) في الأرض فإنكم ترون آثار من كان قبلكم. ويشبه أن يكون ليس على السير نفسه، ولكن على التأويل والنظر في آثار أولئك وأمورهم أنه بم نزل بهم ما نزل ؟ والله أعلم.

١ في الأصل: لك، في م: ذلك..
٢ في الأصل وم: واحد..
٣ في الأصل وم: أضيف..
٤ في الأصل وم: فأضيف..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل: لزمت الضلالة واختياره إياه، في م: لزمت لزومه الضلالة واختياره إياه..
٧ في الأصل وم: سيروا..

### الآية 16:37

> ﻿إِنْ تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [16:37]

الآية : ٣٧ وقوله تعالى : إن تحرص على هداهم  قال أبو بكر الأصم : كان يحب، ويحرص على هدى قراباته كقوله : إنك لا تهدي من أحببت  ( القصص : ٥٦ ) فقال : فإن الله لا يهدي من يضل  أي لا يهديهم بضلالهم وقت ضلالهم، أي لا يهدي وقت اختيارهم الضلال، ولا يهدي من علم أنه اختار الضلال، أو لا ينجي من يهلك من الضلال. 
وفيه لغات ثلاث : فإن الله لا يهدي  أي لا يهدي من أضله الله، فليس لأحد ( أن ) [(١)](#foonote-١) يهديه، ولا يهدي من يضل، أي لا يهتدي من أضله الله في الدنيا لاختياره والضلال، وهو كقوله : الله لا يهدي القوم الكافرين  ( المائدة : ٦٧ و. . . . . . . ) ( وكقوله ) [(٢)](#foonote-٢) : والله لا يهدي القوم الظالمين  ( البقرة : ٢٥٨ و. . . . . . . ) وقت اختيارهم الكفر والظلم، أو لا يهدي من علم منه أنه يختار الضلال والظلم، ولا يهدي من يلزم الضلال وقت لزومه. 
وقوله تعالى : وما لهم من ناصرين  ظاهرة تأويله.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:38

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [16:38]

الآية : ٣٨ وقوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت  فإن قيل لنا : ما الحكمة والفائدة في ذكر قسمهم الذي في القرآن وجعل ذلك آية تتلى، وذلك القسم الذي أقسموا كان بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وهم علموا ذلك، ( ليس كالأنباء )[(١)](#foonote-١) والقصص التي كانت من قبل ؛ إذ كان ذلك شيئا[(٢)](#foonote-٢) غاب عنه لم يشهده، فأخبرهم على ما كان ففي ذلك إثبات رسالته ونبوته ؛ فالحكمة والفائدة في القرآن، وجعلها آيات تتلى ليعلم انه إنما عرف ذلك بالله تعالى. 
وأما القسم الذي أقسموا ليس فيه ما ذكرنا من إثبات الرسالة، وهم قد علموا ذلك، فما الفائدة في ذكره ؟ 
قيل : يشبه أن يكون ذكره لنا عز وجل لنعلم نحن عظيم سفه أولئك وقلة عقولهم وحلم الرسول واحتمال ما احتمل منهم من الأذى والمكروه لنعلم نحن أن كيف نعامل السفهاء وأهل الفساد والعصاة من الناس على ما عامل رسل الله أقوامهم مع عظيم سفههم وقلة عقولهم[(٣)](#foonote-٣)، فهذا دليل[(٤)](#foonote-٤) فائدة ذكر قسمهم في القرآن. 
قد تكلف أولئك الكفرة الكبراء منهم في تلبيس الآيات والحجج التي أتت بها الرسل مرة بالقسم الذي ذكر حين[(٥)](#foonote-٥)  وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا  يبعثون، ومرة بالنسبة إلى السحر، ومرة بالافتراء، ومرة بالنسبة إلى الجنون، وفي الأنباء بأنه إنما يعلمه بشر منهم[(٦)](#foonote-٦). يريدون بذلك التلبيس على الأتباع. 
ثم البعث واجب بالعقل والحكمة وأخبار الرسل ؛ إذ ليس خبر أصدق من أخبار الرسل وآثارهم، وهم من يقبلون الأخبار، فأخبار الرسل أولى بالقبول والتصديق من غيرهم[(٧)](#foonote-٧) لأن معهم آيات صدقهم ودلالات تحقيقهم. 
وأما العقل فهو أن يكون هذا العالم وإنشاءه للفناء خاصة خارجا [(٨)](#foonote-٨) عن الحكمة ؛ إذ كل عمل، لا يكون له عاقبة، عبث، وهو كما قال : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون  ( المؤمنون : ١١٥ ) أخبر أنه إذا لم يكن رجوع إليه يكون خلقه إياهم عبثا. 
وأما الحكمة فهي أن الانتقام لأوليائه من الظلمة واجب بظلمهم، والإحسان لأهل الإحسان. فلو لم يكن البعث[(٩)](#foonote-٩) والحياة بعد الموت لينتقم من الظالم لظلمه، ويجزي المحسن لإحسانه لذهبت فائدة الترغيب على الطاعة والإحسان ووعيد الظالم بالانتقام. 
فالبعث واجب للوجوه التي ذكرنا، وكذلك[(١٠)](#foonote-١٠) التفريق بين الأولياء والأعداء، وقد جمعهم في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما تعظيما وإجلالا، إنما كانوا يقسمون بالأصنام والأوثان التي عبدوها. فإذا حلفوا بالله ( لا يحلفون )[(١١)](#foonote-١١) إلا لما يعظهم من الأمر. فذلك جهد أيمانهم. 
وقوله تعالى : بلى وعدا عليه حقا  قوله : بلى  رد على قولهم : لا يبعث الله من يموت  فقال : بلى  يبعث. 
وقوله تعالى : وعدا عليه حقا  يحتمل : وعدا  أي وعدا به يبعثهم، فحق عليه أن ينجز ما وعد، و حقا  عليه أن يعد البعث والإنجاز له، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون  وهذا يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه نفى عنهم العلم لما لم ينتفعوا بعلمهم ؛ فهو كما نفى عنهم السمع والبصر وغيرهما من الحواس لما لم ينتفعوا بها انتفاع ما لذلك كان خلقها، فنفى عنهم ذلك
والثاني : نفى عنهم ذلك على حقيقة النفي، لأنهم لم ينظروا، ولم يتأملوا في الآيات والأسباب التي بها جعل لهم الوصول إلى العلم، فلم يعلموا. ثم لم يعذرهم / ٢٨٥ – أ / بجهلهم ذلك لما جعل لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالنظر والتأمل في الآيات والحجج. لكنهم شغلوا أنفسهم في غيرها، ولم ينظروا في الأسباب التي جعلها سبيل الوصول إليه. فهذا يدل أن من جهل أمر الله ونهيه يكن[(١٢)](#foonote-١٢) مؤاخذا به بعد أن جعل له الوصول إليه بالدلائل والإشارات، فلا تخرج مؤاخذته إياه وعقوبته بترك أمره عن الحكمة. 
وأما في الشاهد من أمر عبده[(١٣)](#foonote-١٣) شيئا، ولم يعلمه ما أمره، ثم عاقبه بذلك فهو خارج عن الحكمة ؛ إذ لا سبيل إلى الوصول ( إلى ما )[(١٤)](#foonote-١٤) أمر به إلا بالتصريح، ولم يكن منه تصريح إعلام، لذلك كان ما ذكر.

١ من م، في الأصل: كالأنبياء..
٢ في الأصل وم: شيء..
٣ في الأصل وم: عقلهم..
٤ في الأصل وم: ذلك..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: منا..
٧ في الأصل وم: غيره..
٨ في الأصل وم: خارج..
٩ في الأصل وم: بعث..
١٠ في الأصل وم: و..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: يكون..
١٣ في الأصل وم: وعيده..
١٤ في الأصل وم: بما..

### الآية 16:39

> ﻿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [16:39]

الآية : ٣٩ : ألا ترى أنه أوعد لهم الوعيد الشديد في الآخرة بقوله : ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كاذبين  ؟ يحتمل قوله : وليعلم الذين كفروا  أي ليعلم ( أتباع الذين كفروا )[(١)](#foonote-١) أن الرؤساء ( كانوا كاذبين وإلا كان الرؤساء )[(٢)](#foonote-٢) كاذبين عند أنفسهم، أو أن يكون قال ذلك لما ادعى أولئك الكفرة أن الآخرة لهم كقوله : ولئن رجعت إلى ربي  الآية ( فصلت : ٥٠ ) فقال جوابا له : وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين  لادعائهم الآخرة لأنفسهم. 
ثم قوله : ليبين لهم الذي يختلفون فيه  قال بعضهم : إنما اختلفوا في البعث ؛ منهم من صدقه، ومنه من كذب بقوله : ليبين لهم  ذلك، ويحتمل ( قوله : الذي يختلفون فيه  )[(٣)](#foonote-٣) أي في الدين والمذهب لأنهم اختلفوا في الدين والمذهب، وكل من ادعى دينا ومذهبا حتى دعا غيره إلى دينه ومذهبه  ليبين لهم  المحق من غيره والصادق منهم من الكاذب. 
وقوله تعالى : وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين  يحتمل كفرهم بالبعث وإنكارهم وكفرهم برسول الله أو وحدانية الله  أنهم كانوا كاذبين  في إنكارهم ما أنكروا ليبين لهم ذلك في الآخرة.

١ في الأصل وم: اتباعهم..
٢ من الأصل : كانوا كاذبين و إلا كان الرؤساء منهم، في م: منهم كانوا..
٣ من م، في الأصل: فيه..

### الآية 16:40

> ﻿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [16:40]

الآية ٤٠ : وقوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ( يحتمل وجهين : أحدهما :)[(١)](#foonote-١) يخبر عن سرعة نفاذ أمره وسهولة الأمر عليه أنه يكون أسرع من لحظة بصر أو لمحة عين. 
وفيه دلالة أن خلق الشيء، ليس هو ذلك الشيء، لأنه عبر ب (  كن  عن تكوينه و فيكون  عن الكون، وكذا كنى عنه بالشيء بقوله : إنما قولنا لشيء  فكنى عنه بوقوع القول عليه والتكوين. ثبت أن التكوين غير المكون. 
ثم لا يخلوا من أن يكون التكوين ( بتكوين ) [(٢)](#foonote-٢) آخر ما لا نهاية له، أو لا بتكوين. وقد بينا فسادهما جميعا، وهما وجها الحديث. ثبت أن الله تعالى به موصوف في الأزل، وبالله التوفيق. 
والثاني : من فعله كسب سمي كاسبا، ومن فعله ( مختص )[(٣)](#foonote-٣) باسم سمي به. فلو كان فعلى الله كلية الخلق يسمى به، فيسمى ميتا متحركا ساكنا طيبا صغيرا كبيرا ونحو ذلك. فإذا كان يتعالى عن هذا، وقد سمى ( نفسه )[(٤)](#foonote-٤) فاعلا مميتا محييا محركا مسكنا جامعا مفرقا ثبت أن فعله هو غير مفعوله وأنه بذاته يفعل الأشياء لا بغيره. وفي ذلك لزوم الوصف له به في الأزل، والله الموفق.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:41

> ﻿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [16:41]

الآية : ٤١ وقوله تعالى : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا  كان ظلمهم إياهم على وجوه :
منهم من ظُلم بالإخراج من الديار والطرد من البلد كقوله : إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم  الآية ( الممتحنة : ٩ ). 
ومنهم من ظلم بالمنع عن إظهار الإسلام والعمل له وأنواع ما أوذوا، وظلموا بإظهارهم الإسلام وإجابتهم رسول الله واتباعهم إياه. 
ثم وعد لهم في الدنيا حسنة، فقال : لنُبوئنَّهم  قيل : لنعطينهم، وقيل : لنرزقنهم، وهو واحد  في الدنيا حسنة  تحتمل الحسنة في الدنيا العز بعد الذل والسعة بعد الضيق والشدة والغلبة والنصر لهم بعد ما كانوا مقهورين مغلوبين في أيدي الأعداء، والذكر والشرف بعد الهوان. هذه الحسنة التي بوأهم في الدنيا. 
والمهاجرة المقاطعة ؛ كأنه قال : والذين قاطعوا أرحامهم وأقاربهم ومكاسبهم وديارهم، فأبدل الله لهم مكان الأرحام والأقارب أخلاء وإخوانا ومكان أموالهم أموالا أخرى وكذلك الدور وكل شيء تركوا هنالك، فأبدلهم مكان ذلك كله. 
وأما قوله : ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون  فيشبه أن يكون ذكر هذا عن حسد كان من الكفرة للمهاجرين لما أنزلهم في المدينة، وبوأهم فيها، وأعزهم، ورفع ذكرهم، وأمرهم، ونصرهم. حسدهم أهل الكفر بذلك، فعند ذلك قال : ولأجر الآخرة أكبر  لهم أكبر و أعظم. 
ويحتمل أيضا قوله : ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون  هؤلاء المهاجرين، فيخف عليهم احتمال ما أوذوا، وظلموا، ويهون، والله أعلم.

### الآية 16:42

> ﻿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [16:42]

الآية : ٤٢ وقوله تعالى : الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون  قال الحسن : على ربهم ؛ يثقون في إنجاز ما وعد لهم في الآخرة أنه ينجز ذلك. ويحتمل قوله : صبروا  على أمره، أو  صبروا  على الهجرة وانقطاع ما ذهب عنهم وفراق ما كان لهم.

### الآية 16:43

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [16:43]

الآية ٤٣ : وقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم  هذا، والله أعلم، يكون على إثر أمر كان من الكفرة نحو ما قال أهل التأويل : إنهم  قالوا أبعث الله بشرا رسولا  ( الإسراء : ٩٤ ) وقالوا : لولا أنزل علينا الملائكة  ( الفرقان : ٢١ ) ونحوه من كلامهم. فقال : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم  أي إلا بشرا، أي لم نرسل من غير البشر، فيكون قوله : إلا رجالا  كناية عن البشر أو يكون[(١)](#foonote-١) قوله : إلا رجالا نوحي إليهم  أي لم يبعث من النساء رسولا، إنما بعث الرسل من الرجال إلى الرجال والنساء، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون  قال بعضهم : ليس على الأمر بالسؤال، ولكن لو سألتم أهل الذكر لأخبروكم أنه لم يبعث الرسول من قبل إلا من البشر. 
وقال بعضهم : هو على الأمر بالسؤال ؛ أي اسألوا أهل الذكر، فتقلدوهم ؛ أي إن كان لا بد لكم من التقليد فاسألوا أهل الذكر، فقلدوهم، ولا تقلدوا آباءهم ومن لا يعرف الكتاب، ولكن قلدوا أهل الذكر. 
قال بعضهم : فاسألوا أهل الذكر  فقلدوهم  إن كنتم لا تعلمون  بالبينات والحجج لأنهم كانوا أهل تقليد، لم يكونوا أهل نظر وتفكر في الحجج والبينات. 
ويحتمل أن يكون قوله : إن كنتم لا تعلمون  البينات والزبر التي[(٢)](#foonote-٢) أتت بها الرسل لتخبركم أن الرسل إنما بعثوا من البشر بالبينات والكتب، فيكون على التقديم الذي ذكره بعض أهل التأويل : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر. 
ويحتمل قوله : فاسألوا أهل الذكر  أي أهل الشرف من أهل الكتاب ليبينوا لكم البينات والزبر لأنهم يأنفون الكتمان والكذب، وإن كان أهل الذكر جميع أهل الكتاب، فالسؤال عن الرسل أنهم كانوا من البشر والرجال لأنهم يعلمون بذلك.

١ أدرج قبلها في الأصل وم: أن..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: والرسل..

### الآية 16:44

> ﻿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [16:44]

الآية ٤٤ : وقوله تعالى : وأنزلنا إليك الذكر  قيل : أنزل إليك القرآن  لتبين للناس ما نزل إليهم  يحتمل قوله : لتبين للناس  من أنباء الغيب وما غاب عنهم وما لله عليهم وما لبعضهم على بعض، وتبين لهم جميع ما يؤتون، وما يتقون، وما يحل، وما يحرم  ولعلهم يتفكرون  في ذلك. 
ويحتمل قوله : وأنزلنا إليك الذكر لتبين  ما حرفوا من كتبهم، وبدلوه، وغيروه، فيكون فيه آية لرسالتك، أو يكون الذي أنزل إليه كالمنزل إليهم حين[(١)](#foonote-١) ذكر أنه يبين لهم ما أنزل إليه، والله أعلم.

١ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:45

> ﻿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ [16:45]

الآية : ٤٥ وقوله تعالى : أفأمن الذين مكروا السيئات  قوله : أفأمن  قد ذكرنا أنه حرف استفهام ؛ إلا أنه من الله غير محتمل ذلك، وهو على إيجاب ذلك. 
**ثم هو يخرج على وجهين :**
أحدهما : على الخبر أنهم قد أمنوا مكره. والثاني : على النهي ؛ أي لا تأمنوا / ٢٨٥ – ب / كقوله : أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون  ( الأعراف : ٩٩ ) هذا يشبه أن يكون على هذا الذي ذكرنا أنه إخبار عن أمنهم مكر الله، وعلى النهي ألا يأمنوا. ثم أخبر أنه : فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون  الكافرون لأنهم كذبوا الرسل في ما أوعد لهم من العذاب، فأمنوا لذلك، أو ( لما لم يعرفوا )[(١)](#foonote-١) الله ولم يعرفوا حقوقه ونعمته ونقمته، فأمنوا لذلك. 
وأما من عرف الله، ومكن عرف حقه، وعرف نقمته، فإنه لا يأمن مكره، والله أعلم. 
ثم قوله تعالى : مكروا السيئات  قال بعضهم : مكرهم السيئات هو ما مكروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، قالوا : أصابهم ذلك أساءهم، وما ظهروا عليه عدوهم. 
وقال بعضهم : مكرهم السيئات هو أعمالهم التي عملوها، وكل ذلك قد كان منهم ؛ كانوا مكروا برسول الله وأصحابه، وكانوا ظاهروا عليهم عدوهم، وقد عملوا أعمالهم الخبيثة السيئة. 
وقوله تعالى : أن يخسف الله بهم الأرض  أي أمنوا حين  مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون  في الحال التي لا يكون لهم أمن، ولا [(٢)](#foonote-٢) خوف.

١ في الأصل: لا يعرفون، في م: لما يعرفوا..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:46

> ﻿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [16:46]

الآية ٤٦ : وقوله تعالى : أو يأخذهم في تقلبهم  قيل : في أسفارهم وفي تجارا تهم، لأن الناس إنما يسافرون، ويتخيرون في البلدان في حال أمنهم.

### الآية 16:47

> ﻿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [16:47]

الآية : ٤٧ ( وقوله تعالى )[(١)](#foonote-١) : أو يأخذهم على تخوف  قال بعضهم : على تفزيع، وقال ( بعضهم )[(٢)](#foonote-٢) على تنقيص من الأموال وغيره كقوله : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع  الآية ( البقرة : ١٥٥ ) وقال بعضهم : أو يأخذهم على تخوف  أن يأخذ قرية فقرية وبلدة فبلدة حتى يأتي قريبا منهم، ثم يأخذهم ؛ كلما أخذ قرية كان لهم من ذلك الخوف ؛ فذلك أخذ بتخوف ؛ وهو ما قال : ولا يزال الذين كفروا يصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم  الآية ( الرعد : ٣١ ) وعد الله حلولا قريبا من دارهم، كان يخوفهم حتى نزل بساحتهم ؛ فذلك أخذ بالتخويف يخبر أن عذابه لا يؤمن حلوله، وأخذه إياهم في كل حال : في الحال التي ليس لهم أمن ولا خوف، أي لم يغلب هذا ( على هذا )[(٣)](#foonote-٣)، وفي الحال التي يكونون آمنين في تقلبهم وحوائجهم وفي الحال التي يكونون متخوفين. 
وقوله تعالى : فإن ربكم لرءوف رحيم  حين[(٤)](#foonote-٤) لم يستأصلكم، ولم يأخذكم بما كان منكم من الافتراء على الله والتكذيب لرسله والمكابرة والمعاندة لآياته وحججه وقتئذ، ولكن أمهلكم، وأخر ذلك عنكم أو  لرءوف رحيم  إذا[(٥)](#foonote-٥) تبتم، ورجعتم عما كان منكم، يرحمكم الله، ويغفر لكم ذلك.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من م ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ أدرج قبلها في الأصل: حيث..

### الآية 16:48

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [16:48]

الآية : ٤٨ وقوله تعالى : أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيئوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله  قوله : أولم يروا  يحتمل وجهين :
أحدهما : أن قال ذلك لقوم قد تقرر عندهم، وثبت، أن كل شيء يسجد لله، ويخضع له. فقال ذلك لهم على العتاب : إنكم قد علمتم أن كل شيء لم يركب فيه العقل، ولم يجعل فيه الفهم، والسمع، يخضع له، ويسبح له، وأنتم لا تخضعون له مع ما ركب فيكم العقول، وجعل فيكم الأفهام وغيرها. 
والثاني على الأمر ؛ أي اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد لله، ويخضع، وقد أقام لهم من الحجة على ذلك ما لو تأملوا، وتفكروا لعلموا أن كل ذلك يخضع، ويسبح. 
وإلا ظاهر قوله : أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيئوا ظلاله  أن يقولوا  ألم تر  أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل ؟ لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرهما. 
ويشبه أن يكون ذكر قوله : أو لم يروا إلى ما خلق الله  الآية لما استوحش أهل الإسلام مما [(١)](#foonote-١) عبد أولئك الكفرة الأصنام، وعظم ما قالوا في الله، فقال لذلك : أو لم يروا إلى  كذا. 
وقوله [(٢)](#foonote-٢) تعالى : يتفيئوا ظلاله  قال بعضهم : يريد بالظلال شخص ذلك الشيء، والظلال كناية عن الشخص ؛ كما يقال : رأيت ظل فلان أي شخصه، وقال بعضهم : أراد بالظل الظل نفسه. لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر. 
وعلى تأويل من يجعل الظل كناية عن الشخص يجعل كل نفس تتفيأ خضوعا وسجودا. 
ثم معنى سجود[(٣)](#foonote-٣) هذه الأشياء الموات، وخضوعهن من قوله : يتفيئوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا . ومن نحو. 
قوله : يسبحن بالعشي والإشراق  ( ص : ١٨ ) وقوله : يا جبال أوبي معه والطير  ( سبأ : ١٠ ) وقوله : وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ( الإسراء : ٤٤ ) وقوله : تكاد السماوات يتفطرن منه  ( مريم : ٩٠ ) وأمثاله يحتمل وجوها :
أحدها : أن يجعل الله سبحانه وتعالى بلطفه في سيرة الأشياء معنى تعلم السجود لله والخضوع له ؛ وهو ما ذكر في الريح التي  تجري بأمره رخاء حيث أصاب  ( ص : ٣٦ ) أخبر أنها تجري بأمره، دل أنها تعلم أمر الله وقوله : شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون   وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  ( فصلت : ٢٠ و ٢١ ) أخبر أنها تشهد، وتنطق، ولو أنها ( لا ) [(٤)](#foonote-٤) تفهم، ولا [(٥)](#foonote-٥) تعلم الخطاب ما [(٦)](#foonote-٦) خوطبت، وإن كانت مواتا. فعلى ذلك تسبيحها وخضوعها جائز أن يكون الله يجعل في سيرة هذه الأشياء ما تعرف السجود والتسبيح، وتفهمه. 
والثاني : يكون سجود هذه الأشياء وتسبيحها بالتسخير ؛ جعلها مسخرات لذلك، وإن لم تعلم هي ذلك، ولم تعرف، لكن جعلها بالخلقة كذلك. 
والثالث : أنه جعل خلقة هذه الأشياء دالة شاهدة على وحدانية الله وألوهيته ؛ فهن مسبحات لله وساجدات وخاشعات له بالخلقة التي جعلها دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته. 
هذا، والله أعلم، معنى سجودهن وخضوعهن. 
وقوله تعالى : وهم داخرون  قبل : صاغرون، ذليلون.

١ من م، في الأصل: فما..
٢ الواو ساقطة من الأصل..
٣ من م، في الأصل: سجوده..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: و..
٦ أدرج قبلها في الأصل: وأنا، وأدرج قبلها في م: وإلا..

### الآية 16:49

> ﻿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [16:49]

الآية ٤٩ : وقوله تعالى : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون  يذكر هذا، والله أعلم : يسجد له أعلى الخلائق وأعلمهم، وهم الملائكة، ويسجد أشد الخلق وأصلبه، وهو الجبال والسماوات والأرض، ويسجد له أيضا، ويخضع أشقى [(١)](#foonote-١) الخلق وأجهله، وهو الدواب وغيرها. وأنتم أبيتم السجود له والخضوع، واستكبرتم عن عبادته، فهؤلاء الذين ذكرهم يسجدون ( لغير الله )[(٢)](#foonote-٢) يخبر عن سفه أولئك في إبائهم السجود له والخضوع واستكبارهم عليه.

١ في الأصل وم: أسفه..
٢ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:50

> ﻿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩ [16:50]

الآية : ٥٠ وقوله تعالى : يخافون ربهم من فوقهم  قال بعضهم : خوف الملائكة والرسل خوف هيبة الله وجلاله، لا خوف نزول شيء من نقمته عليهم، وخوف غيرهم [(١)](#foonote-١) من البشر خوف نزول شيء، يضر بهم. وكذلك رجاؤهم وطمعهم رجاء نفع، يصل إليهم، ورجاء[(٢)](#foonote-٢) الملائكة والرسل وطمعهم رجاء رضا الله عنهم لا رجاء نفع، يصل إليهم. 
وقال بعضهم : يخافون ربهم من فوقهم  خوف العقوبة والانتقام، لأنهم ممتحنون ؛ وكل ممتحن يخاف عذاب الله ونقمته. ألا ترى أنه كيف أوعدهم الوعيد الشديد، وقال : ومن يقل منهم إني إله من دونه  ( الأنبياء : ٢٩ ) وقال إبراهيم رضي الله عنه : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام  ( إبراهيم : ٣٥ ) خاف عبادة غير الله ؟ ومن خاف ذلك يخف [(٣)](#foonote-٣) وعيده وعذابه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : يخافون ربهم من فوقهم  الفوق والتحت الأسفل ونحوه في المكنة، والمجلس ليس فيه فضل عز وشرف ومرتبة لما يجوز أن يكون الذي كان فوق هذا في المكان المجلس تحته وأسفل منه، فلا يزداد لهذا بما صاروا فوقه / ٢٨٦ – أ / عزا وشرفا ومرتبة، ولا لهذا بما كان تحته ذل وهوان [(٤)](#foonote-٤)، لكنه لا يفهم  من فوقهم  فوق المكان ولا تحته، لأن من صعد الجبال والمكنة المرتفعة، لا يوصف بالعلو والعظمة. 
وإذا قيل : فلان أمير ( على العراق ) [(٥)](#foonote-٥) أو على خراسان، كان في ذلك تعظيم، لأنه ذكر بالقدرة والسلطان ونفاذ أمره ومشيئته وقدرته وسلطانه فيهم أو اطلاعه على جميع ما يسرون، ويضمرون، ويعلنون، ويظهرون، وعلمه بجميع [(٦)](#foonote-٦) أفعالهم. على هذا يجوز أن يتناول الفوق، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ويفعلون ما يؤمرون  وصفهم الله عز وجل بفضل طاعتهم له وخضوعهم إياه، وهو ما قال : لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون   يسبحون ليلا ونهارا لا يفترون  ( الأنبياء : ١٩ و ٢٠ ) وهو ما قال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون  التحريم : ٦ ) ومثله.

١ في الأصل وم: غيره..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: يخاف..
٤ في الأصل وم: وهو ذل هذا..
٥ من م، في الأصل: عراق..
٦ في الأصل وم: على جميع..

### الآية 16:51

> ﻿۞ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [16:51]

الآية ٥١ : وقوله تعالى : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد  لا نعلم لمن كان الخطاب بهذا : ألأهل مكة ؟ فهم قد اتخذوا آلهة بقولهم : أجعل الآلهة إلها واحدا  الآية ( ص : ٥ ) إلا أن يخاطب الثنوية والزنادقة، فإنهم يقولون باثنين، ويشير أن يكون أهل مكة، وإن اتخذوا آلهة فإنهم في الحقيقة عباد إلهين ؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه، فنسب العباد لمن لما بأمره ويعبدون هذه الأصنام ؛ أضاف العبادة إليه. 
أو أن يكون المراد من ذكر اثنين إنما هو على الزيادة على الواحد ؛ كأنه قال : لا تتخذوا، أو لا تعبدوا أكثر من إله واحد. 
وقوله تعالى : فإياي فارهبون  لا تخافوا[(١)](#foonote-١) الأصنام التي تعبدونها فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم.

١ في الأصل وم: تخافون..

### الآية 16:52

> ﻿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ [16:52]

الآية : ٥٢ وقوله تعالى : وله ما في السماوات والأرض  أي وله يخضع ما في السماوات والأرض ؛ كلهم عبيده وإماؤه. فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله تعالى وربوبيته. 
وقوله تعالى : وله الدين واصبا  قال بعضهم : دائما، لأن غيره من الأديان كلها يبطل، ويضل، ويبقى دينه في الدارين جميعا. وقال بعضهم : وله الدين واصبا  أي مخلصا من الوصب والتعب. وتأويله، والله أعلم : أي وله دين، لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد، فاجتهدوا، واتعبوا، لتخلصوا له الدين. هذا معنى قوله (  واصبا  أي ) [(١)](#foonote-١) مخلصا. 
وقوله تعالى : أفغير الله تتقون  أي مخالفة غير الله تتقون، أي ( خافوا مخالفة الله، ولا تخافوا ) [(٢)](#foonote-٢) مخالفة غيره. أو يقول :{ ولا تخافوا غير الله، ولا تتقوا سواه، ولكن اتقوا الله، واتقوا نقمته.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: لا تخافوا ولكن اتقوا..

### الآية 16:53

> ﻿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [16:53]

الآية : ٥٣ وقوله تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون  أي تتضرعون. يخبر عن سفههم وقلة [(١)](#foonote-١) عقلهم ؛ إنهم يعلمون أنه له ما في السماوات والأرض وأن كل ذلك ملكه، وأن ما لهم من النعمة منه، وأن ما يحل بهم من البلاء والشدة، هو الكاشف لهم والدافع عنهم.

١ من م، في الأصل: غفلة..

### الآية 16:54

> ﻿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [16:54]

الآية ٥٤ :( وقوله تعالى : ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشكرون  )[(١)](#foonote-١) ثم يكفرون، ويصرفون شكرها منه إلى غيره في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء، فيقول : أنا المنعم عليكم تلك النعم، وأنا المالك الكشف[(٢)](#foonote-٢) عنكم لا الأصنام التي عبدتموها. و فكيف كفرتم في الرخاء والسعة، وآمنتم في وقت الضيق والبلاء. 
كانوا يخلصون له الدين في[(٣)](#foonote-٣) وقت، ويشركون غيره في وقت، فيقول : أديموا إلي الدين بقوله : وله الدين واصبا  ( النحل : ٥٢ ) ولا تتركوا الإيمان في وقت، وتؤمنوا بي في وقت، وذلك كانت عبادتهم ؛ كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال البلاء والشدة كقوله : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين  الآية العنكبوت : ٦٥ ). 
يحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين، والقتال معهم، لهذا المعنى ؛ لأن من عبادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف. ففرض عليهم القتال معهم، ليضطروا إلى الإيمان، فيؤمنوا، ويديموا الإيمان. 
ومنذ فرض القتال معهم كثر الإسلام، فدخلوا فيه فوجا فوجا، وإن ( كانوا قبل ذلك يدخلون ) [(٤)](#foonote-٤) فيه واحدا واحدا. 
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال : وما بكم من نعمة فمن الله  ( النحل : ٥٣ ) فإنما أخبر عما عرفوا، وتقرر عنهم أن كل ذلك من عند الله ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: عن الكشف..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: كان قيل ذلك يدخل..

### الآية 16:55

> ﻿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [16:55]

الآية ٥٥ : وقوله تعالى : ليكفروا بما آتيناهم  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يجعلوا ما آتاهم الله، وأنعم عليهم، سبب كفرهم بالله. 
الثاني : يكفرون بنعمة الله تعالى بعبادتهم الأصنام وصرفهم الشكر عنه. 
ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر ؛ هو أنهم لا يروا في البشر أحدا يطاع ويخضع إليه [(١)](#foonote-١) إلا أحد الرجلين : دفع البلاء عنه أو جار نفعا [(٢)](#foonote-٢) إليه. فالأصنام التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جر منفعة. فلماذا يعبدون ؟ وقال أبو بكر : ليكفروا بما آتيناهم  أي بالقرآن. 
وقوله تعالى : فتمتعوا فسوف تعلموا  هذا وعيد من الله. ثم يقول : فسوف تعلمون  ما ينزل بكم بكفران[(٣)](#foonote-٣) نعمه، وصرف الشكر عنه، أنه مهلككم ومنزل بكم العذاب. 
وفي قوله : وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون  أي : تتضرعون، موعظة للمؤمنين أيضا ؛ لأنهم يجعلون تضرعهم [(٤)](#foonote-٤) إلى الله إذا أصابهم الضر والبلاء، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع، أي تعلمون أن ما  بكم من نعمة فمن الله ، فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في الحال.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: نفع..
٣ في الأصل وم: من كفران..
٤ في الأصل وم: يتضرعون..

### الآية 16:56

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ۗ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ [16:56]

الآية : ٥٦ وقوله تعالى : ويجعلون  أي يقولون : لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ، من الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم، ولا يعلمون لهم نصيبا في ذلك، وهو كقوله : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا  ( الأنعام : ١٣٦ ) حرموا على أنفسهم ما جعل الله لهم، وجعلوه لآلهتهم. 
ويحتمل قوله : ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا  وهو الشيطان ؛ أي : ما يجعلون للأوثان فذلك للشيطان في الحقيقة ؛ هو الذي أمرهم بذلك، وهو الذي دعاهم إلى ذلك، وهو كقوله : يا أبت لا تعبد الشيطان  ( مريم : ٤٤ )، ولا أحد يقصد قَصْدَ عبادة الشيطان، لكنهم إذا عبدوا الشيطان، كأنهم [(١)](#foonote-١) قد عبدوا الشيطان ؛ لأنه هو أمرهم بذلك، وهو دعاهم إلى ذلك. فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان، لما ذكرنا، لكن لا يعلمون أن ذلك، له نصيب. 
ويحتمل قوله : ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا ، أي : يعلمون أن ليس لها نصيب في ذلك، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم، أي لها نصيب للأوثان في ذلك، وهو كقوله : قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض  ( يونس : ١٨ ) أي : أتنبئون الله بما لا يعلم أنه ليس ونحوه، أي : يعلم غير الذي تنبئون، قد ذكرنا قوله : ويجعلون  على قول أي يقولون : وإلا لا يملكون جعل ذلك. 
وقوله تعالى : تالله لتسألن عما كنتم تفترون ، يحتمل قوله : تفترون  تسميتهم الأصنام آلهة. 
ويحتمل افتراؤهم على الله ما قالوا : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها  ( الأعراف : ٢٨ ) زعموا أنه فعل آبائهم، وفعلهم [(٢)](#foonote-٢) كان بأمر من الله ورضاه حين [(٣)](#foonote-٣) تركهم على ذلك. فذلك افتراؤهم. 
وقوله تعالى : تالله لتسألن عما كنتم تفترون  يحتمل السؤال الجزاء، أي : تالله لتجزون  عما كنتم تفتون . 
يحتمل السؤال :( سؤال )[(٤)](#foonote-٤) حجة، ( أي يسألون )[(٥)](#foonote-٥) على ما ادعوا على الله من الأمر الحجة على ذلك، والله أعلم.

١ في الأصل وم: كان..
٢ في الأصل وم: و فعلوهم..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: ليسألون..

### الآية 16:57

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [16:57]

الآية : ٥٧ وقوله تعالى : ويجعلون لله البنات ، أي لله البنات ؛ يخبر عن شدة سفههم / ٢٨٦ – ب / حين[(١)](#foonote-١) يأنفون، ويستحيون من البنات، ثم ينسبون ذلك إلى الله ويضيفونها إليه. يصبر رسوله على أذى الكفرة، حين[(٢)](#foonote-٢) قالوا فيها ما قالوا : إنه ساحر، إنه مفتر، ونحوه، على علم منهم ويقين أنه ربهم وخالقهم. فمن أنكر رسالته أولى بالصبر على قوله والحلم منه. 
( وقوله تعالى )[(٣)](#foonote-٣) : سبحانه ، كلمة تنزيه عما قالوه فيه، وحرف تعجيب حين[(٤)](#foonote-٤) نسبوا إلى الله ما يكرهون لأنفسهم.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:58

> ﻿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [16:58]

الآية ٥٨ : وقوله تعالى : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ، قال بعضهم : قول العرب : قبح الله وجهك، و : سود الله وجهك، ليس على إرادة السواد والقبح، ولكن على إرادة ما يكرهون. 
وقال الحسن : قوله : ظل وجهه مسودا ، أي : متغيرا من الغم.  وهو كظيم ، أي : حزين، وهكذا العرف في الناس، أنه إذا اشتد بهم الحزن والغم يظهر ذلك في وجوههم قبحا وسوادا.

### الآية 16:59

> ﻿يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [16:59]

الآية ٥٩ :( وقوله تعالى )[(١)](#foonote-١) : يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون ، يذكرون فيه كيف يصنع به ؟ أيمسكه على هوان، يضر به، و يسئ صحبته،  أم يدسه في التراب ، وهو حي، فيقول : إن ربي اختار البنات، فأبعث بها إلى ربي، فإنه أحق بها، وهي[(٢)](#foonote-٢) الموؤودة التي قال الله تعالى : إذا الموؤودة سئلت  ( التكوير : ٨ )، إنما كانوا يصنعون ذلك خشية إملاق كقوله : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  ( الإسراء : ٣١ ). وقوله تعالى : ألا ساء ما يحكمون ، في جعلهم لله ما كرهوا لأنفسهم، أوفي قولهم : والله أمرنا بها  ( الأعراف : ٢٨ )، أو في قولهم : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا  ( الأنعام : ١٣٦ )، ونحوه، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: وهو..

### الآية 16:60

> ﻿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [16:60]

الآية : ٦٠ وقوله تعالى : للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء  قال بعضهم : قوله : مثل السوء  أي جزاء السوء، وهو النار. وقال الحسن : مثل السوء  أي صفة السوء التي وصفوا بها ربهم أنه اختار البنات.  ولله المثل الأعلى ، أي : الصفة الأعلى التي ليس لها شبه، فإن تلك الصفة، هي صفته. ويشبه أن يكون قوله لهم : مثل السوء ، بما سماهم مرة موتى، ومرة فسقة، ومرة وهم في الظلمات وأمثاله. ( وصفهم بتلك الأوصاف ) [(١)](#foonote-١) بما أنكروا الآخرة ؛ وذلك مما توجب الحكمة والعقل والشريعة، فلهم ذلك الوصف، والمثل السوء ؛ بما أنكروا ما توجبه الحكمة والعقل والشريعة. 
ويحتمل مثل السوء النعت والصفة. فإن كان هو، على الشبه، فهو في الدنيا لما شبههم في غير آية من القرآن بالشجرة الخبيثة، وبالرماد والزبد والتراب ونحوه. وإن كان على النعت والصفة وهو في الآخرة، وهو ما ذكر : الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم  الفرقان : ٣٤ ). 
وقوله تعالى : ولله المثل الأعلى  أي لأولياء الله المثل الأعلى، وهم المؤمنون ؛ لما أن الله وصف المؤمنين بالحياة والنور والعدل، وغير ذلك من الأسماء الحسنة، وذلك لله في الحقيقة. لكنه بفضله ومنه وصفهم، وسماهم بذلك، فأضيف إلى الله ؛ لما بفضله استوجبوا، لا باستحقاق أنفسهم. 
وكذلك قوله : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ( الأعراف : ١٨٠ ) أضيف ذلك إليه، بفضله يستوجبون تلك الأسماء التي سماهم. 
ويحتمل قوله : ولله المثل الأعلى ، أي : لأولياء الله المثل الأعلى، كأنه قال : للذين يؤمنون بالآخرة، والمثل الأعلى مقابل ما ذكر حين [(٢)](#foonote-٢) قال : للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم . 
قال الحسن : العزيز ، بالغلبة منه في الأشياء كلها على أمره[(٣)](#foonote-٣)، وكل شيء دونه ذليل.  حكيم  بالعدل منه في كل قضاء، وقد ذكرنا في غير موضع. وقوله : العزيز الحكيم ، في هذا الموضع كأنه قال : هو العزيز  بنفسه لا بخلقه أولياءه، كما يكون لملوك الأرض ؛ يكون عزهم وحشمهم، فإذا ذهبوا، أو عصوه، يصير مقهورا مغلوبا. فأما الله سبحانه وتعالى [(٤)](#foonote-٤) عزيز بذاته.  والحكيم ، أي : إنشاؤه العصاة منهم على علم منه بذلك، لم يخرج ذلك على غير الحكمة، والله أعلم.

١ في الأصل وم: لهم ذلك الوصف..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: ما..
٤ في الأصل وم: هو..

### الآية 16:61

> ﻿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [16:61]

الآية ٦١ : وقوله تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ، دل قوله : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ، أن له أن يستأصلهم، ويهلكهم بما كان منهم، لكنه بفضله تركهم إلى المدة التي لهم ؛ لأنه لو لم يكن له ذلك، لم يكن للوعيد الذي أوعد معنى. 
وقال أبو زيد البلخي : إن الله بما أوعد من الوعيد ليس يوعد لمضرة نفسه، ولا لنفع يصل إليه، ولكن يوعد بما توجبه الحكمة. فدل أن الوعيد لازم واجب، ونحن نقول :( يوعد ) [(١)](#foonote-١) بما توجبه الحكمة. وقد أمهلهم بعد الوعيد. فعلى ذلك يجوز أن يخرجهم من النار، بعد ما أدخلهم النار بما ارتكبوا من الكبائر. 
ثم في قوله : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم  الآية، دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : ليس لله أن يهلك قوما، قد علم منهم الإيمان في وقت، أو يكون في أصلابهم من يؤمن ؛ إذ قد كان ممن أوعد ذلك الوعيد من بعضهم الإيمان، أو في أصلابهم من قد آمن، فدل الوعيد لهم أنه قد يهلك من يعلم أنه يؤمن في آخر عمره ؛ إذ لا يوعد إلا بما له أن يفعل، لكنه بفضله أخره إلى وقت دلالة أن له أن يفعل بما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين. 
ثم اختلف في قوله : بظلمهم  قال بعضهم : هذا للكفرة خاصة، وقال بعضهم : لهم وللمؤمنين ولكل [(٢)](#foonote-٢) مرتكب زلة ؛ إذ ما من أحد ارتكب زلة إلا وقد استوجب العقوبة، ( والمؤاخذة بها )[(٣)](#foonote-٣)، لكنه بفضله عفا. 
وقوله تعالى : ما ترك عليها من دابة ، قال بعضهم : أراد بالدابة : الدابة التي خلقها لهم، إذا أهلك الناس، فقد أهلك الدواب ؛ إذ خلقه إياها لهم. وقال بعضهم قوله : ما ترك عليها من دابة  أي على ظهر الأرض من دابة ؛ لأن الدواب إنما تعيش بالذي يعيش الناس، فإذا هلكوا هم، هلكت الدواب أيضا، لما ذهب سبب عيشها. 
وجائز أن يكون أراد بالدابة البشر، أي ما تركهم بظلمهم، ولكن يهلكهم، وسماهم دابة ؛ ( لأنه ذكرهم ) [(٤)](#foonote-٤) في موضع الظلم. وإن كان سماهم في غير موضع بالأسماء الحسنة، فقد[(٥)](#foonote-٥) سماهم في موضع آخر دابة، حين[(٦)](#foonote-٦) قال : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ( هود : ٦ )، ولا شك أن البشر دخلوا في هذه التسمية. 
فعلى ذلك جائز دخولهم في الأخرى ؛ فإن كان المراد ما ذكر من الدابة البشر والأنبياء والرسل، فإنما يكون هلاكهم بقطع نسلهم ؛ لأن الأنبياء أكثرهم ولدوا من الآباء الظلمة، فإذا أهلك آباؤهم، لم يولد الرسل والأنبياء، فيكون هلاكهم لا بظلم هؤلاء، ولكن بقطع النسل، وإن كان المراد بتلك الدابة الدواب نفسها ؛ فلأن الدواب إنما أنشئت للبشر ولمنافعهم، فإذا أهلكت ( الدابة : البشر ) [(٧)](#foonote-٧)، أهلك المنشأ لهم، والله أعلم. 
وفي قوله : لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، دلالة ( نقض )[(٨)](#foonote-٨) قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : يجعل الله للخلق أجلا، ثم يجيء كافر، فيقتله دون بلوغ الأجل الذي جعله الله، حين [(٩)](#foonote-٩) أخبر أنهم  لا يستأخرون ساعة ، بعد الأجل المضروب لهم،  ولا يستقدمون  قبل ذلك. وهم يقولون : بل يستقدمه كافر، فيقتله، فذلك سرف في القول. 
**وهذا يخرج على وجهين :**
أحدهما : لا يتأخر الأجل الذي جعل لهم ساعة، ولا يتقدم عن ذلك. 
والثاني : لا يجاب في التأخير ولا في التقديم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: والمؤاخذة به..
٤ في الأصل وم: لأنه إذا ذكر..
٥ في الأصل وم: وهو..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: الدواب..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:62

> ﻿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [16:62]

الآية : ٦٢ وقوله تعالى : يجعلون لله البنات ، كانوا يجعلون لله أشياء، يكرهونها [(١)](#foonote-١) لأنفسهم من نحو البنات  ويجعلون لله البنات  ( النحل : ٥٧ ) ويكرهون لأنفسهم البنات،  ويجعلون لله شركاء  ( الأنعام : ١٠٠والرعد : ٣٣ ) من عبيده، وهم كانوا يكرهون لأنفسهم الشركاء من عبيدهم. 
وأمثاله / ٢٨٧ – أ / كقوله : ضرب لكم مثلا من أنفسكم  الآية ( الروم : ٢٨ )، يخبر عز وجل عن سفههم وسرفهم، في ( ما )[(٢)](#foonote-٢) يخبر عن حلمه حين[(٣)](#foonote-٣) لم يستأصلهم، ولم يهلكهم، بما قالوا في الله من عظيم القول، من الولد والشريك، ليعلم أنه يمهلهم، ( لا )[(٤)](#foonote-٤) لغفلة ولا سهو، ولكن بحلم ؛ لأن حلم[(٥)](#foonote-٥) الخلق في ذات الله، ولا يجعل بالعقوبة ؛ إذ لو أراد إهلاكهم لأهلكهم ساعة قالوا ذلك، ولا يمهلهم يعيشون، لكن أخر لذلك اليوم، وهو ما قال : ولا تحسبن الله غافلا  الآية ( إبراهيم : ٤٢ ). 
وجائز أن يكون قوله : ويجعلون لله ، أي : يجعلون لأولياء الله،  ما يكرهون ، لأنفسهم ؛ لأنهم يقولون : إن لهم الحسنى في الآخرة، وهي الجنة، وإن للمؤمنين النار بقوله : ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى  ( فصلت : ٥٠ ). 
وقوله تعالى : وتصف ألسنتهم الكذب ، قال أبو بكر الأصم : يقولون : إنا ( على )[(٦)](#foonote-٦) دين الله، وعلى الحق بعبادتنا، ويقولون : أن لهم الحسنى ، يعنون البنين ؛ لأنهم كانوا يضيفون البنات إلى الله، وينسبون البنين إلى أنفسهم، فذلك الحسنى الذي ذكروا. 
وقال بعضهم : أن لهم الحسنى ، أي : الجنة كقوله : ولئن رجعت إلى ربي  الآية ( فصلت : ٥٠ ). 
ثم كذبهم في قولهم، فقال : لا جرم أن لهم النار ، ليس لهم الحسنى على ما زعموا، ولكن النار. وقد ذكرنا قوله : لا جرم  في ما تقدم[(٧)](#foonote-٧). 
كان أهل الكفر فرقا : منهم من ادعى الاشتراك في نعم الآخرة، كما كان ( لهم )[(٨)](#foonote-٨) اشتراك في نعم الدنيا، كقوله : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات  ( الجاثية : ٢١ ). 
ومنهم من ادعى الآخرة لأنفسهم كما كانت لهم الدنيا. فجائز أن يكون قوله : ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ، هم الذين ادعوا الحسنى، وهي الجنة، لأنفسهم. 
وقوله تعالى : وأنهم مفرطون ، هو من الفَرْط، وهو : السبق والتقدم، كأن الآية في الرؤساء ؛ أخبر أنهم سابقوا أتباعهم إلى النار. وهو كقوله : وقالت أولاهم لأخراهم  ( الأعراف : ٣٩ )، الأولى، هم : المتبوعون، وأخراهم : الأتباع. 
وقال بعضهم : معجلون إليها بين يدي أتباعهم. وقال بعضهم : مفرطون ، أي : متركون منسيون في النار. وقال بعضهم : مفرطون ، مبعدون عن رحمة الله. 
لكن هذين ليس بتأويل الآية، إذ كل من في النار، فهو منسي، متروك فيها، مبعد عن رحمة الله. 
وقال بعضهم : وأنهم مفرطون ، مدخلون فيها، والوجه في ما ذكرنا.

١ في الأصل وم: يكرهوزن ذلك..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: يحلم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ كان ذلك في تأويل قوله تعالى: لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (هود: ٢٢)..
٨ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 16:63

> ﻿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:63]

الآية ٦٣ : وقوله تعالى : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، لا يحتمل أن يكون هذا القسم منه ابتداء. لكن كأنه عن إنكار كان منهم للرسالة، فعند ذلك أقسم بقوله : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، وأكد بما أنكروا الرسالة بالقسم الذي ذكر، فقال : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك . يا محمد. وقوله[(١)](#foonote-١) : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، كما أرسلناك إلى ( أمتك )[(٢)](#foonote-٢).  فزين لهم الشيطان أعمالهم ، كما زين لأمتك.  فهو  كان  وليهم  يومئذ، كما هو ولي لأمتك اليوم. يصبره. 
وقوله تعالى : فزين لهم الشيطان أعمالهم ، يقول : ليس هؤلاء بأول من زين لهم الشيطان أعمالهم، ولكن كان في الأمم الماضية من زين لهم الشيطان أعمالهم، فيكذبون رسلهم. فلست أنت بأول مكذب، بل كان لك شركاء في التكذيب.  فهو وليهم اليوم  في الدنيا ؛ لأن الدنيا هي دار الولاية بينهم، كقوله : بعضهم أولياء بعض  ( المائدة : ٥١ و. . . . . . . . . )، وقوله : أولياؤهم الطاغوت  ( البقرة : ٢٥٧ ). 
وأما في الآخرة فيصيرون أعداء كقوله : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  ( الزخرف : ٦٧ ). وقوله : ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض  الآية ( العنكبوت : ٢٥ )، وقوله : قال قرينه ربنا ما أطغيته  الآية ( ق : ٢٧ )، ونحوه. 
ولا يحتمل أن يكونوا أولياء في الآخرة ؛ ثم يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض ؛ فذلك علامة العداوة. وقال بعضهم : قوله : فهو وليهم اليوم  في الآخرة، أي أولى بهم، فيقرن [(٣)](#foonote-٣) بهم كقوله : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين  ( الزخرف : ٣٦ ).  فهو وليهم ، أي : صاحبهم، كقوله : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون  ( الصافات : ٢٢ )، وكقوله : قال قرينه ربنا ما أطغيته  ( الزخرف : ٦٧ ).

١ الواو ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: فيقرون..

### الآية 16:64

> ﻿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [16:64]

الآية : ٦٤ وقوله تعالى : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ، قال بعضهم : قوله : الذي اختلفوا فيه ، الكتب التي كانت من قبلهم ؛ لأنهم اختلفوا في كتبهم، فمنهم من بدل، ومنهم من غير وحرف، فيقول، والله أعلم : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ، في كتبهم ؛ لأن هذا الكتاب أنزله مصدقا لما بين يديه من الكتب [(١)](#foonote-١). يبين هذا الكتاب ما اختلفوا في كتبهم [(٢)](#foonote-٢) الحق من الباطل. 
وقال بعضهم : إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ، في الرسل والأديان وفي[(٣)](#foonote-٣) المنزل عليه ؛ اختلفوا في ذلك كله، فبين [(٤)](#foonote-٤) الحق من الباطل في جميع ما اختلفوا فيه بالكتاب الذي أنزل عليه ؛ إذ فيه أنباء الأمم الماضية، وهو لم[(٥)](#foonote-٥) يشهدها، ولم يختلف إلى من يخبره عنها، ثم أنبأهم على ما كانت، فدل أنه إنما عرف ( ذلك بالله، ومنه نزل ذلك )[(٦)](#foonote-٦). 
وفيه دلالة أن الحوادث التي علم الله أنهم يُبتلون بها إلى يوم القيامة، أنه جعل لهم سبيل الوصول إلى بيانها في الكتاب، إما بيان كناية، وإما بيان تصريح حين[(٧)](#foonote-٧) قال : وما أنزلنا عليك من الكتاب  الآية، حين [(٨)](#foonote-٨) لم يدعهم في اختلاف وعلى غير بيان. فعلى ذلك حين علم أنهم يبتلون بالحوادث التي ليس لها منصوص في الكتاب، ولا يحتمل ألا يبين لهم ذلك، ويدعهم حيارى. لكن البيان على وجهين : بيان تصريح يعقل بديهة بالعقل، وبيان كناية يدرك بالنظر والتأمل والاستدلال. 
وأصله في قوله : إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ، أي : لتبين لهم الحق في ما اختلفوا فيه ؛ لأنهم اختلفوا في الحق في ذلك ؛ لأن كل فريق منهم ادعى أنه هو المحق، وأن الذي هو عليه الحق، وأن غيره على باطل. فأخبر أنه أنزل الكتاب عليه ليبين لهم الحق في ما اختلفوا فيه. 
وقوله تعالى : وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ، جعل الله تعالى رسوله وكتابه،  وهدى ورحمة للمؤمنين  ؛ لأنهم آمنوا بهما، وصدقوا بهما، وقبلوهما، فصار لهم هدى ورحمة ونورا. وأما من كذبهما، ولم يقبلهما، فهو عذاب عليهم وعمى، وهو كقوله : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ،  وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم  الآية ( التوبة : ١٢٤ و ١٢٥ )، وهو ما ذكر، وهو عليهم عمى.

١ في الأصل وم: الكتاب..
٢ في الأصل وم: كتابهم..
٣ الواو ساقطة في الأصل وم..
٤ في الأصل وم: يبين..
٥ في الأصل وم: له..
٦ في الأصل ذلك، في م: بالله ومنه نزل ذلك..
٧ في الأصل وم: حيث..
٨ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:65

> ﻿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [16:65]

الآية : ٦٥ وقوله تعالى : والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، يذكر سبحانه وتعالى قدرته وسلطانه حين [(١)](#foonote-١) أخبر أنه ينزل من السماء ماء، فيحيي به الأرض، وهي ميتة، ويخرج منها نباتا وزروعا وأشجارا. فمن قدر على هذا، ( فهو قادر ) [(٢)](#foonote-٢) على إحياء الأرض بعد موتها ؛ إنه لا فرق بين الإحياءين : الأنفس ( والنبات )[(٣)](#foonote-٣). فمن قدر على أحدهما، قدر على الآخر و إن في ذلك ، في ما ذكر،  لآية لقوم يسمعون ، قال بعضهم : لآية لقوم يسمعون  المواعظ. 
وقال بعضهم : لآية لقوم يسمعون  الآيات والحجج. وأما من لم يسمع فلا يكون له آية. 
وأصله : إن في ذلك لآية لقوم يسمعون  ينتفعون بسماعهم، و  لآية لقوم يعقلون  ( النحل : ٦٧ )، أي : ينتفعون بعقولهم. 
وأصله أن هذا كله، يصير آية للمؤمنين على ما ذكر كله ؛ لأنهم هم العاقلون عن الله : ما أمرهم به، ونهاهم عنه، وهم يسمعون آياته ومواعظه. وكله كناية عن المؤمنين، والله أعلم.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: لقادر..
٣ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:66

> ﻿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [16:66]

الآية ٦٦ : وقوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة ، والعبرة : الآية، أي : أنشأ لكم أنعاما ( فيها الآية، وهو )[(١)](#foonote-١) صلة قوله : والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، أي : أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام، لكم فيه الآية ؛ أنشأ، جل وعلا، في الأنعام لبنا غذاء لأولادها [(٢)](#foonote-٢)، في الوقت الذي لا تحتمل الغذاء بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن، ( وفي الأشباه )[(٣)](#foonote-٣) التي لا يؤكل لحمها لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن. لم يجعل لها فضل لبن / ٢٨٧ – ب /. 
وقوله تعالى : نسقيكم مما في بطونه  ذكره بالتذكير. فظاهره أن يذكر بالتأنيث ؛ لأنه إنما أريد به الأمهات التي يَدُرُُّ منها اللبن، أو جماعة من الذكران منها. فكيف ما كان فهو يذكر على التأنيث، لكن بعضهم يقولون : ذكر باسم التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل. 
وهذا يدل إلى أبي حنيفة وأصحابه، رحمهم الله، لقولهم في لبن الفحل : إنه يحرم. 
وقال بعضهم : ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر، من بين الأجناس والجواهر، دون العدد والجماعة. 
وقوله تعالى : من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ، قال ابن عباس رضي الله عنه : معنى استخراج اللبن من بين فرث ودم ؛ وذلك أن العلف إذا وقع في الكُرْشِ، فيجعل الفَرْثَ أسفله، والدم أعلاه، واللبن بين ذلك، ثم يسلط الكبد عليهم، فيجلي الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش كما هو. 
وقال بعض الفلاسفة : إن العلف إذا وقع فيه يصير منه فرشا، ثم يصير منه دما، ثم يصير لبنا خالصا، فهو كالنطفة التي وقعت في الرحم تصير علقة، ثم تصير مضغة مأكولة. فعلى ذلك اللبن الذي ذكر، والله أعلم. 
ويحتمل ما قال بعض الفلاسفة : إن العلف يصير فرثا، ثم دما لبنا، ويحتمل أن يكون مجرى اللبن بين ما ذكر من الفَرْثِ والدم. فأي الوجهين كان، فيه اللطف الذي ذكرنا. ووجه ذكر هذا، والله أعلم، على الامتنان.

١ في الأصل وم: فيه الآية هو..
٢ في الأصل وم: الأولاد..
٣ في الأصل وم: في الأشياء..

### الآية 16:67

> ﻿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [16:67]

الآية : ٦٧، وكذلك : ومن ثمرات النخل والأعناب ، أنه بلطفه، أخرج اللبن الصافي أصفى الأشياء وألطفها [(١)](#foonote-١)، من خبث الأشياء وأكدرها [(٢)](#foonote-٢) في رأي العين. 
فمن قدر على حفظ هذه الأشياء مما ذكر بلا حجاب، يدرك، أو حاجز، يعرف، ( فهو قادر )[(٣)](#foonote-٣) على إنشاء الأشياء من لا شيء ؛ لأن الخلائق، لو اجتمعوا على أن يدركوا [(٤)](#foonote-٤) السبب الذي به كان حفظ هذا من هذا، أو امتناعه عن الخلق بالخبث، ما أدركوا ذلك. 
وكذلك ما يخرج من النخيل والكروم والثمرات الطيبة والأعناب الحلوة، من غير أن يرى أثر ذلك فيها، ومن غير أن يدركوا السبب الذي كان به الأعناب والثمرات. دل أنه قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء، إذ هي خشبة يابسة، والله أ علم. 
وقوله تعالى : تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ، قال بعضهم : السَّكْرُ ما يحرم منه، والرزق ما يؤكل ثمرا وزبيبا، ونحوه. وقال بعضهم : السكر : خمر الأعاجم، والرزق الحسن : ما يُنَبّذُون، ويُخَلّلُون، ويَأكلون. 
وروي في بعض الأخبار : أنه حرم السََّكر، ولم يفسر الآية. وفي الأخبار : أنه بعث معاذا على اليمن، وأمره أن ينهاهم عن نبيذ السكر. 
وعن عبد الله ( أنه ) [(٥)](#foonote-٥) قال :( إن أولادكم على الفطرة، فلا تسقوهم السكر، فإن الله تعالى لم يجعل في حرام شفاء ) ( بنحوه البيهقي في الكبرى ١٠/٥ )، وليس بين فقهاء الأمصار في تحريم السكر، وفصيح البسر، ونقيع الزبيب، إذا أسكر كثيرها، ولم يطبخ، اختلاف أنها حرام. وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة [(٦)](#foonote-٦). 
( وقوله تعالى ) [(٧)](#foonote-٧) : إن في ذلك ، ( في ما )[(٨)](#foonote-٨) ذكر،  لآية لقوم يعقلون . وقال القتبي : الفَرْث ما في الكُرش ؛ لأن اللبن كان طعاما، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي منه فرث في الكرش، وخلص من الدم لبنا سائغا، أي : سهلا في الشرب، لا يشجى به شاربه، ولا يغص، وكذلك قال أبو عوسجة : أسغته، أي : أدخلته في حلقي حملا. 
وقوله تعالى : تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ، أي : تتخذون منه ما يحرم أكله،  ورزقا حسنا ، ما يحل [(٩)](#foonote-٩) منه، كقوله : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق  الآية ( يونس : ٥٩ )، أو يخرج على تذكير النعم، في الوقت الذي كان السكر حلالا، أي : تتخذون منه سكرا ، ما تشربون.  ورزقا حسنا ، سوى الشراب.

١ في الأصل وم: وألطفه..
٢ في الأصل وم: وأكدره..
٣ في الأصل وم: لقادر:.
٤ من م، في الأصل: يدرك..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ وذلك في تفسير الآية: ٢١٩..
٧ ساقطوة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: لما..
٩ من م، في الأصل: يحمل..

### الآية 16:68

> ﻿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [16:68]

الآية : ٦٨. وقوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ، إلى أخر ما ذكر. قال بعضهم : أوحى : أي :[(١)](#foonote-١) قذف في قلوبها أن افعلي ما ذكر. والوحي هو القذف، سمي بذلك لسرعة وقوعه ونفاذه في القلوب، من غير أن يشعر الملقى فيه والمقذوف في قلبه أن أحدا فعل ذلك، وألقاه فيه ؛ وهو ما مكن الله للشيطان من الوسوسة في القلوب، من غير أن يعلم الموسوس إليه والمقذوف في قلبه أن أحدا دعاه إلى ذلك، أو زينه إليه[(٢)](#foonote-٢)، وكذلك ما يُلهِم الملائكة بني آدم من غير أن يعلموا[(٣)](#foonote-٣) أن أحدا دعاهم [(٤)](#foonote-٤) إلى ذلك، أو ألقاه في قلوبهم. 
فهذا كله يرد على من يُنكِر الشيطان والملائكة، وهم طائفة من المُلحِدة ؛ يقولون : أن الشهوات والأماني التي جعلت في أنفسهم هي التي تحثهم، وتهيجهم على ذلك لا الشيطان. فيقال لهم : إن الإنسان قد يناله أشياء من غير أن كان منه تفكر في ذلك أو أماني أو سابق تدبير، فذلك يدل أن غيرا ألقى ذلك في قلبه وقذفه، [(٥)](#foonote-٥)، لا عمل الأماني والشهوات، وهذا أيضا يدل على لطف الله في البشر أنه يوفقهم على الطاعات، ويحثهم عليها من غير أن ( يعلموا أن لغير ) [(٦)](#foonote-٦) في ذلك صنعا. وكذلك الخذلان في المعاصي، وأنواع الأجرام التي يكتسبونها. 
ثم يحتمل قوله : وأوحى ربك إلى النحل ، أي : النحل وغيرها من البهائم، وجهين :
أحدهما : يحتمل أنه أنشأ هذه البهائم على طبائع تعرف بالطبع مصالحها ومهالكها ومعاشها، وما به قوام أبدانها وأنفسها، وما به فسادها وصلاحها، من غير أن تعلم أن أحدا يدعوها [(٧)](#foonote-٧) إلى ذلك أو يشير إليها أو يأمر، وينهى. لكنها[(٨)](#foonote-٨) بالطبع تعرف ذلك، وتعلم ( أشياء تعلمها ) [(٩)](#foonote-٩) بالطبائع من غير أن تعلم أن أحدا علمها [(١٠)](#foonote-١٠) ذلك، من نحو الوَزِّ يسبح في الماء بالطبع من غير أن يعلم  أنه يسبح [(١١)](#foonote-١١). وكذلك الطير الذي يطير في الهواء من غير أن يعلم بالطيران. فعلى ذلك يحتمل فهم هذه البهائم وعِرْفَانُها ما ذكرنا من المصالح والمهالك من غير أن تعلم أنها تعرف ذلك، والله أعلم. 
والثاني : يحتمل أن يكون الله عز وجل خلق [(١٢)](#foonote-١٢) هذه الأشياء بالذي تقف [(١٣)](#foonote-١٣) على المخاطبات والأمر والنهي، وتعرف [(١٤)](#foonote-١٤) ذلك ما لا يعرف مثله البشر. 
ألا ترى أن البشر لا يعرف المهالك والمصالح إلا بالتعلم ؟ والبهائم، وإن صَغُرَ ( حجمها، تعرف ذلك ) [(١٥)](#foonote-١٥) حتى تتوقى المهالك، وترغب [(١٦)](#foonote-١٦) في المصالح ؟ 
ومما يدل أن هذه الأشياء تفهم الأمر والنهي والمخاطبات قوله : شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ،  وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي انطق كل شيء  ( فصلت : ٢٠ و ٢١ ). 
ألا ترى أنهم فهموا الخطاب حين [(١٧)](#foonote-١٧) ردوا عليهم الجواب بقوله : أنطقنا الله  ؟ فذلك ما ذكرنا، والله أعلم، الوحي والقذف لكل البهائم، لا النحل خاصة، لما ذكرنا من معرفتها المهالك والمصالح، وما به معاشها وغذاؤها، ( وما به )[(١٨)](#foonote-١٨) فسادها وهلاكها، حتى تعرف [(١٩)](#foonote-١٩) ذلك من غير أن تعلم. 
والبشر لا يعرف إلا بالتعلم، فهو، والله أعلم، لوجهين :
أحدهما : للمحنة : إن البشر امتحنوا بالتعليم، فذلك امتحان لهم. والبهائم لا محنة عليهم، فعرفوا ذلك على غير تعلم. 
والثاني[(٢٠)](#foonote-٢٠) : كان للبشر فضل بعض على بعض في العلم بالتعلم ؛ إذ البهائم يستوي صغيرها وكبيرها في معرفة ذلك. 
وفي بني آدم ( التفاضل والتفاوت ) [(٢١)](#foonote-٢١) بالتعلم، والله أعلم. 
فإن قيل : فإذا كان البهائم كلها مشتركة في ذلك الإلهام والوحي، فما معنى تخصيص النحل في الذكر من غيرها من البهائم ؟ قيل : يحتمل تخصيص النحل بالذكر، والله أعلم / ٢٨٨ – أ /، لما أن هذه الأشياء غير النحل، لا تعطي تلك المنافع التي جعلت فيها، ولا تبذل للبشر إلا بالرياضة. والنحل تعطي لهم ذلك، وتبذل من غير تعلم ولا رياضة، والله أعلم.

١ من م، في الأصل: أو..
٢ في الأصل وم: ذلك..
٣ في الأصل وم: علموا..
٤ في الأصل وم: دعاه..
٥ في الأصل وم: وقذف..
٦ في الأصل وم: علموا أن يغير..
٧ في الأصل وم: يدعوهم..
٨ في الأصل وم: لكنه..
٩ في الأصل وم: من نحو أشياء يعلمن أشياء..
١٠ في الأصل وم: علمن..
١١ في الأصل وم: تسبيح..
١٢ في الأصل وم: خلقه..
١٣ في الأصل وم: يقفون..
١٤ في الأصل وم: ويعرفون..
١٥ في الأصل وم: ذلك تعرف..
١٦ في الأصل وم: وترغيب..
١٧ في الأصل وم: حيث..
١٨ في الأصل وم: مما..
١٩ في الأصل وم: يعرفن..
٢٠ في الأصل وم: أو..
٢١ في الأصل وم: يتفاضل ويتفاوت..

### الآية 16:69

> ﻿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [16:69]

الآية : ٦٩ : ثم قوله تعالى : أن اتخذي من الجبال بيوتا ، وقوله : ثم من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذُلُلاً ، ( ونحوهما، ظاهره أمر )[(١)](#foonote-١)، لكن حقيقته تمكين وتسهيل، نحو قوله : سيروا في  كذا في الظاهر أمر، وفي[(٢)](#foonote-٢) الحقيقة تمكين وتيسير. 
ثم في هذه الآية وفي قوله : يخرج من بطونها ، وفي ما سبق من الآيات، وهو قوله : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه  ( النحل : ٦٦ )، وفي قوله : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا  ( النحل : ٦٧ )، دلالة قدرته على إنشاء الأشياء من لا شيء، ودلالة علمه وتدبيره ؛ لأنه أخرج من هذه الجواهر المختلفة أشياء من غير جوهرها وجنسها ما لم يكن شيء مما أكل منها هذه البهائم من الجواهر التي أخرج منها، من نحو العسل الذي أخرج من الفواكه التي أكلت، واللبن من العلف الذي أكل، والعصير والسكر والأعناب من الكروم، إذ ليس شيء خرج منها من جنس ما أكل، ولا من جوهر ما سقي. 
دل ( أنها بغير علم قادرة ) [(٣)](#foonote-٣) على إنشاء الأشياء من لا شيء ولا سبب. 
وفيه دلالة علمه وتدبيره وحكمته ؛ لأن إنشاء ذلك اللبن في البطن على غير جوهر ما تناولت، ومن خلاف لونه في تلك الظلمات، دل أن علمه غير مقدم بعلم الخلق، وأن حكمته غير مُقَدِّرَة بحكمة الخلق، وكذلك قدرته غير مُقَدِّرة بقدرة الخلق. 
ثم قوله تعالى : فاسلكي سبل ربك ذللا ، قيل : طرق ربك  ذَلُلاً . وقيل : مطيعة، وقيل : من الذل، أي : الرفق واللين، كقوله : أذلة على المؤمنين  ( المائدة : ٥٤ ) وقوله : واخفض جناحك  الآية ( الحجر : ٨٨ )، ( من الذل )[(٤)](#foonote-٤) ومن الرفق واللين. 
**وهذا يخرج على وجهين :**
أحدهما : ذللت سبل ربها. ( والثاني :)[(٥)](#foonote-٥) سهل السلوك فيها حتى تسلك كيف شاءت. 
وقوله تعالى : ومن الشجر ومما يعرشون ، قيل : مما يبنون، ويتخذ من العرش، وهو الذي يتخذ من الخشب. وقوله تعالى : مختلف ألوانه ، قال الحسن : الشهد والعسل. وقال [(٦)](#foonote-٦) بعضهم : مختلف في الطَّعْمِ، وقيل : في الأوان، الأبيض والأحمر والأصفر. 
وقوله تعالى : فيه شفاء للناس ، قال بعضهم : فيه شفاء للناس  من كل داء، حتى القروح وكل شيء. وقال بعضهم : قوله : فيه شفاء للناس  من داء دون داء. وقال بعضهم : فيه شفاء للناس ، يعني : في القرآن فيه شفاء للقلوب، للدين. 
ويحتمل قوله : فيه شفاء للناس  ( للأجساد )[(٧)](#foonote-٧). وإن أراد هذا فهو ظاهر، لا شك أن فيه ذلك الشفاء. ويحتمل قوله : فيه شفاء للناس ، للدين. فإن كان هذا يكن ذلك من جهة النظر فيه، يدرك، ويوصل إلى ذلك الشفاء. 
وقوله تعالى : ثم كلي من كل الثمرات ، قال بعضهم : من نوع ما تأكل النحل. وقال بعضهم : من جميع الثمرات التي تكون في الجبال. عن عبد الله ( أنه )[(٨)](#foonote-٨) قال : القرآن والعسل هما الشفاء، إن القرآن شفاء الدين، والعسل شفاء الأبدان. 
وقال بعضهم من أهل اللغة : إن الوحي في كلام العرب على وجوه : منها وحي النبوة ؛ فهو إرسال الله الملائكة إلى أنبيائه ورسله، كقوله : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا  ( الشورى : ٥١ ). ومنها وحي الإشارة، كقوله : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا  ( مريم : ١١ ). ومنها وحي الإلهام، وهو قوله : وأوحى ربك إلى النحل  ( النحل : ٦٨ )، وقوله : وأوحينا إلى أم موسى  ( القصص : ٧ )، وقوله : بأن ربك أوحى لها ، ( الزلزلة : ٥ ) ونحوه، ومنها وحي الإسرار كقوله : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول  الآية ( الأنعام : ١١٢ ). 
وقال بعضهم : إن أصل [(٩)](#foonote-٩) الوحي عندنا، هو أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئا للاستتار والإخفاء، وقد يكون ذلك بالإيماء والخط. وأصل الوحي ما ذكرنا أنه سمي به لسرعة وقوعه وقذفه في القلب. 
وقال أبو بكر : تأويل الوحي أن يعلم الذي يوحي إليه، ويرشده. وذلك لوجهين :
أحدهما : أن الله أرشد كل دابة سوى الإنسان إلى مصلحتها والهرب عن مهلكها ومتلفها، بما فطرها الله عليه، كما أرشد الإنسان إلى ما يصلحه في دينه ودنياه بالتعليم. فمَثَّلَ الله تعالى تعليمه لكل دابة ما فيه مصلحتها ومفسدتها بما دبرها عليه، كما علم الإنسان بالقول والبيان، فقال : وأوحى ربك إلى النحل  ( النحل : ٦٨ )، أي : أرشدها، ودلها بفطرتها،  أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ، بيوتا فيها.  ومما يعرشون ، يعني : واتخذي مما يبني الإنسان لمسكنه[(١٠)](#foonote-١٠)، وقال : العريش : الحيطان التي لا سماء لها، بفطرتها تتخذ خلاياها، وكل[(١١)](#foonote-١١) ذلك لمنافع الخلق. 
( والثاني ) [(١٢)](#foonote-١٢) : ثم قال : ثم كلي من كل الثمرات ، والثمرات مختلفة الطعم والمنظر والمشم.  فاسلكي سبلا ربك ، وهو ما سبل الله لها من الرزق والمأوى.  ذللا ، قال : يقول [(١٣)](#foonote-١٣) : ذلل لك كل شيء ( قدره لرزقك ومسلكك، وذللك في طلب ما سبل لك لبني آدم، وجعله [(١٤)](#foonote-١٤) سببا لمنافعهم، وصَغَرَ قدرك ليريهم بذلك قدرته وسلطانه على ما شاء ؛ ليعلموا أن خالقهم لا يعجزه شيء ) [(١٥)](#foonote-١٥)، وأنه القدير على ما يعدهم من البعث والثواب والعقاب. 
وقوله تعالى : يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه  يقول : الجنس واحد، ثم هو ضروب، كالألوان : التمر والعنب، وسائر الثمار، في مذاقه ومشامه ومنظره، وكله عسل  فيه شفاء للناس ، لمنافعهم وملاذهم، ( وفيه ما ) [(١٦)](#foonote-١٦) أداه من قدرته على ما يشاء ؛ من ذلك فيه شفاء في الدين والعلم، يعلمون بما يشاهدون من تدبير الله وقدرته على ما بينا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن في ذلك لآية ، يقول : لعبرة ودليلا وبرهانا  لقوم يتفكرون ، في ما يشاهدون من تدبير الله وتقديره وقدرته على ما يشاء، والله أعلم. 
وقال في قوله : ومن ثمرات النخيل والأعناب  ( النحل : ٦٧ )، يقول : ولكم عبرة ودليل أن النخل أجذاع [(١٧)](#foonote-١٧) خشب، لا طعم فيها ( والكروم أيضا، وما فيهما )[(١٨)](#foonote-١٨) من سعف وورق، لا عسل فيها، ولا عنب. فأخرج الله عنهما ثمرات مختلفات، فيها [(١٩)](#foonote-١٩) عسل، وفيها [(٢٠)](#foonote-٢٠) تمر وزبيب، وتتخذون منه ما تتلذذون من الشراب. 
وقال هذا قبل تحريم الخمر. والسَّكر كل ما أسكرهم، وتتخذون منه أيضا رزقا حسنا، أي : طيبا، وهو ما تأكلون منها سوى ما تشربون، وتكسبون بها أموالا كثيرة، من الله به عليهم. 
وقال بعضهم : السَّكْْر : كل شيء حرمه الله من ثمارها من الشراب : الخمر من العنب، والسكر من التمر. والرزق الحسن ما أحل من ثمرها : الزبيب والتمر والنبيذ، وقال : السكر ما أسكر، والرزق الحسن أشباهه.  إن في ذلك لآية  ودليلا وبيانا.  لقوم يتفكرون  فيتنبهون[(٢١)](#foonote-٢١)، فيعلمون أن الذي لم يعجز عما خلق لهم من الثمار من خشب يابس يقدر أن يحيي الموتى، ويخلق ما يشاء، وما عرفه الخلق أنه يكون من النطفة الولد، ومن الماء والأشجار الفواكه، ومن العلف اللبن، وغير ذلك من الحوادث التي تحدث من الأشياء، وتلك أسبابها ما لم يُدْرَك كون تلك الأشياء فيها ( ولا يرى، ولا ) [(٢٢)](#foonote-٢٢) يعرف ذلك إلا بتعليم من هو عالم بذاته ؛ لأن علم ذلك لو ( ما ) [(٢٣)](#foonote-٢٣) كان بتعليم، لو اجتهد كل اجتهاد [(٢٤)](#foonote-٢٤)، لم يدركوا حدوث تلك الأشياء مما ذكرنا ولا كونها منها. دل أن الذي علمهم، هو عالم بذاته. فإذا ثبت كونه عالما [(٢٥)](#foonote-٢٥) بذاته، وإن كانوا لم يُشاهدوا إلا عالما بغير. فعَلى ذلك هو قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء، وإن كانوا لم يعاينوا في الشاهد شيئا إلا من شيء. 
وفيه أن ما يحدث، ويكون من اللبن بالعلف الذي يؤكل، أو الطعام الذي يتناول، أو الفواكه والثمار التي تخرج، ليس تكون بنفس الماء، أو بنفس الطعام والعلف، ولكن باللطف ممن الله تعالى ؛ لأنه قد يسقي ذلك الماء الشجر والنخل في حال، ثم لا يكون فيه الثمر، وكذلك الدواب تعلف في حال لا يكون ذلك منه.

١ في الأصل وم: ونحوه ظاهرة..
٢ الواو ساقطة ممن الأصل وم..
٣ في الأصل وم: أنه بغير علم قادر..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: يحتمل قال..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: فيكون..
٩ من م، في الأصل: وصل..
١٠ في الأصل وم: لمسكنهم..
١١ في الأصل وم: وفي كل..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ أدرج قبلها في الأصل وم: ذلك..
١٤ في الأصل: وجعلها..
١٥ ساقطة من م..
١٦ في الأصل وم: وفيما..
١٧ في م: أجذع..
١٨ من م، ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل وم: فيه..
٢٠ في الأصل وم: فيه..
٢١ في الأصل وم: ما ينبهون..
٢٢ في الأصل: ولا يدري لا، في م: ولا يرى لا..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
٢٤ في الأصل وم: جهد هو..
٢٥ في الأصل وم: بعالم..

### الآية 16:70

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [16:70]

الآية : ٧٠ وقوله تعالى : والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد / ٢٨٨ – ب / إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا ، فإن قيل لنا : منة له علينا في ذكر خلقنا، ثم توفيه إيانا، وردنا[(١)](#foonote-١) إلى الحال التي هي [(٢)](#foonote-٢) حال الجهل حتى ( لا )[(٣)](#foonote-٣) تعلم شيئا. 
قيل : ذكر هذا، والله أعلم، يحتمل [(٤)](#foonote-٤) وجوها :
أحدها : يُذَكِرُهم أنه هو الذي  خلقكم ثم يتوفاكم ، ثم هو يملك ردكم إلى الحال التي لا تعلمون شيئا، وفي ملكه وسلطانه تتقلبون. فكيف عبدتم الأصنام والأوثان التي لا تملك [(٥)](#foonote-٥) شيئا من ذلك، وأشركتموها في ألوهيته وعبادته ؟ 
والثاني [(٦)](#foonote-٦) : يَذْكُرُ ؛ ليُعْلَمَ أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء، لكن لأمر لآخر، قصد بخلقهم، هو [(٧)](#foonote-٧) ما ذكر في ما تقدم من أنواع النعم، وتسخير ما ذكر لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم، والأشياء التي سخرها لهم. 
وقال أبو بكر الأصم : قوله، والله أعلم : خلقكم ، وكنتم نطفا أمواتا، فأحياكم  ثم يتوفاكم  أطفالا وشيوخا،  ومنكم من  يُعَمَّرُ  إلى أرذل العمر ، يقول : يرده بعد قوة وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف والجهل بعد العلم ؛ ليتبين لخلقه أن العمر والرزق ليس بِهما رُبِيَّ، وقَوِيَ ؛ لأنهما ثابتان، ثم يبلى، ويفنى بهما، ويرجع إلى الجهل، ولكن بلطف من الله وتدبير منه لا بالأغذية، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن الله عليم ، بما دبر في خلقه، مما يُدركون به قدرة خالقهم، وتصريفه الأمور بما يكونون به حكماء وعلماء. إن الذي دبرها حكيم  قدير  على ما شاء. 
والحكمة في ما ذَكَرَ من تفريق الآجال ( الأمرين : أحدهما :) [(٨)](#foonote-٨) ليكونوا أبدا خائفين راجين ؛ لأنه لو كانت آجالهم واحدة ( لأمنوا، وتعاطوا ) [(٩)](#foonote-٩) المعاصي على َأمن لما يعلمون وقت نزول الموت بهم. 
والثاني : ليعلموا أَن التدبير في أنفسهم، وملكهم لغيرهم لا لهم ؛ لأن لله التدبير والأمر، ولو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد.

١ في الأصل وم: ورده لنا..
٢ في الأصل وم: وهي..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ أدرج بعدها في الأصل وم: هذا..
٥ في الأصل وم: تملكون..
٦ في الأصل وم: أو..
٧ في الأصل وم: وهو..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: يأمنون، ويتعاطون..

### الآية 16:71

> ﻿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [16:71]

الآية : ٧١ وقوله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ، قال بعض أهل التأويل : يذكر هذا مقابل ما أشركوا خلقه وعباده في ألوهيته وعبادته. يقول : فضل بعضكم على بعض في الرزق ، والأموال حتى بلغوا السادة والموالي، فلا ترضون [(١)](#foonote-١) أن يكون عبيدكم ومماليككم شركاء في ملككم وأموالكم، فكيف ترضون لله أَن يكون عبيده ومماليكه شركاء ؟ إلى هذا يذهب أهل التأويل. 
وقال أبو بكر الأصم : قوله : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق  : أغنى بعضكم، وأفقر بعضا، وجعل منكم أحرارا، ( ومنكم ) [(٢)](#foonote-٢) عبيدا،  فما الذين فضلوا  بالغنى والملك [(٣)](#foonote-٣)  بِرَادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ، من عبيدهم. فهم فيه سواء. أن يستوي المولى وعبده فيما ملكت يمينه. 
يقول : فليس أحد منكم يرضى أن يكون عبده بمنزلته في ما يملك سواء. فإذا رأيتم أنتم ذلك نقصا بكم، لو فعلتم، فكيف زعمتم أن الله أشرك بينه وبين أحجار، حتى أشركتم وما ملككم الله بينه وبين الأوثان في العبادة وفي ما آتاكم من رزق، فقلتم : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا  ؟ ( الأنعام : ١٣٦ ). 
( وقوله تعالى )[(٤)](#foonote-٤) : أفبنعمة الله يجحدون ، يقول : أنعم الله عليهم بأنفسهم وأرزاقهم وأموالهم وأولادهم، فأشركوا غير الله فيها، وجحدوا نعمة الله عليهم ؛ بها عصوا، وبها كفروا. ثم ألزمهم النظر في الفضل الذي ذكر أنه بعضهم على بعض، إلى عين الفضل الذي كان من الله لا من الأسباب التي اكتسبوها، ليعلموا أنهم لم ينالوا تلك الفضائل باستحقاق منهم، ولكن إنما نالوا[(٥)](#foonote-٥) بفضل منه ورحمة. فيكون ذلك دليلا في ما أنكروا من أفضال الله، واختصاصه بعضهم على بعض في الرزق والسعة والملك والحرية والسلطان، وإن كانوا جميعا ( من جنس واحد )[(٦)](#foonote-٦). 
فإذا لم تنكروا هذا النوع من الفضل والاختصاص لبعض على بعض، فكيف أنكرتم ذلك الفضل والاختصاص بالرسالة من فضله ورحمته ؟ 
فلذلك قال، والله أعلم،  أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات  ( الزخرف : ٣٢ ). أخبر برحمته وفضله ينال ما ينال من الرسالة وغيرها لا بالاستحقاق والاسْتِيَجاب ( الذي ) [(٧)](#foonote-٧) كان منهم، أو يذكر سفههم بأنهم يأنفون أن يشركوا عبيدهم ومماليكهم في ملكهم وأموالهم، ولهم منهم منافع من الخذمة والإعانة في الأمور، فما بالهم يشركون أحجارا وخشبا، لا منفعة لأحد منهما في ألوهية الله وربوبيته وفي عبادته ؟  أفبنعمة الله يجحدون  ؟ 
وعلى تأويل النبوة، أفبفضل الله ورحمته يجحدون أنه لا يفضل بعضا على بعض بالرسالة، أو يجحدون ما آتاهم الله من النعم، فيصرفون نعمه إلى غيره، وهي : الأصنام التي عبدوها، فقالوا : وهذه لشركائنا  ( الأنعام : ١٣٦ )، أو يصرفون شكر نعمه إلى غيره، وهي : الأوثان التي عبدوها، والله أعلم.

١ في الأصل وم: ترضونه..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: والتمليك..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: قالوا..
٦ في الأصل وم: في الجنس..
٧ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:72

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [16:72]

الآية : ٧٢ وقوله تعالى : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ، قال الحسن وغيره : الحفدة : الخدم والمماليك، فهو على التقديم على تأويل هؤلاء. يقول : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وخدما من جنسكم ؛ لأنه ذكر فيما تقدم : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق  الآية ( النحل : ٧١ )، يذكرهم نعمه وفضله الذي ذكر أنه : جعل لكم  من جنسكم،  أزواجا ، وخدما تحت أيديهم ؛ يستمتعون بالأزواج، ويستخدمون الخدم والمماليك، وهم من جنسهم وجوهرهم ؛ يذكرهم فضله ومنته عليهم. 
أو يشبه أن يكون هذا صلة قوله : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا  الآية ( النحل : ٥٨ )، كانوا يأنفون منهن، وقد جعل لكم من البنات أزواجا تستمتعون بهن حتى لا تصبروا عنهن، وكذلك جعل لكم من البنات البنين الذين ترغب أنفسكم فيهم، ما لولا البنات لم تكن لكم الأزواج اللاتي[(١)](#foonote-١) تستمتعون بهن، ولم يكن لكم البنون الذين ترغبون فيهم، والأنصار والأعوان والخدم الذين ترغبون فيهم. يبين، ويذكر تناقضهم من الأنفة منهن، يأنفون منهن، ومن البنات يكون ما يرغبون فيه[(٢)](#foonote-٢). فهذا يدل أن النساء يصرن كالمُلْكِ للأزواج، ويصرن تحت أيديهم في حق ملك الاستمتاع، كالمماليك في حق ملك الرقاب. 
ثم جعل عز وجل التناسل في الخلق على التفاريق، وتقلبهم من حال إلى حال ؛ يتقلبهم أبدا كذلك ليكون أذكر لتدبيره وأنظر في آياته ودلالاته، . ولو شاء لأنشأ الخلق كله بمرة واحدة، وأفناهم بدفعة واحدة. وكذلك ما جعل لهم الأرزاق وأنواع النبات، لو شاء لأخرج لهم ذلك كله بمرة واحدة في وقت واحد، لكنه أنشأ لهم بالتفاريق ؛ ليذكر لهم النظر في آياته وتدبيره ؛ ليكون ذلك أدعى إلى المرغوب وأحذر للمرهوب، وكذلك ما ردد من الأنباء والقصص والمواعيد، وذكر الجنة والنار في القرآن في غير موضع ؛ ليبعثهم ويحثهم على النظر في آياته وتدبيره، ويرغبهم في كل وقت في المرغوب، ويحذرهم عن المحذور والمرهوب. 
ثم قوله : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ، وقوله [(٣)](#foonote-٣) في آية أخرى : قوا أنفسكم  ( التحريم : ٦ )، وقوله [(٤)](#foonote-٤) : ولا تقتلوا أنفسكم  ( النساء : ٢٩ )، ونحوه ذكر الأنفس في كله. 
ثم لم يفهم أهل الخطاب من هذا كله / ٢٨٩ – أ / معنى واحدا وشيئا واحدا، وإن كان في حق اللسان واللغة واحدا، وإن كان في كل غير ما فهموا في آخر. فهذا يدل أنه لا تفهم الحكمة والمعنى في الخطاب بحق ظاهر اللسان واللغة، ولكن بدليل الحكمة المجعولة في الخطاب. ومن اعتقد في الخطاب الظاهر حسم باب طلب الحكمة فيه والمعنى ؛ لأنه يجعل المراد منه الظاهر. 
وقوله تعالى : وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة  هو ما ذكرنا  وحفدة  اختلف فيه :
قال بعضهم : الحفدة : الأختان. وروي عنه أنه قال : الحفدة : ولد الولد. وقال ابن مسعود رضي الله عنه : الحفدة : الأختان. وروي عنه أنه قال : الحفدة الأصهار ( والأصهار )[(٥)](#foonote-٥) والأختان عند واحد. وقيل : الحفدة : الأعوان والأنصار. 
يذكر لهم [(٦)](#foonote-٦) التناقض في ما يأنفون من البنات، أن كيف يأنفون منهن، ومنهن يكون لهم [(٧)](#foonote-٧) الأعوان والأنصار والأختان في أمر الدنيا. 
وقال أبو عوسجة : الحفدة : بنو البنين، وقال أيضا : الحفدة : الأعوان، والحافد : المجتهد في العبادة وفي العمل ؛ يقول : حَفَدَ يَحْفَد، أي : خدم واجتهد. وقوله : وإليك نسعى ونحفد، أي : نجتهد. 
وقال القَتبي : الحفدة : الخدم والأعوان ؛ يقال : هم بنون وخدم، وقال : أصل الحفدة مُدَاركَةُ الخطو، والإسراع في المشي، وإنما يفعل ذلك الخدم، فقيل : هم [(٨)](#foonote-٨) حفدة ( واحده حافد ) [(٩)](#foonote-٩)، وقال : ومنه يقال في دعاء الوتر : وإليك نسعى، ونحفد. 
وقال أبو عبيدة : وأصل الحفد العمل، وقال : ومنه الحرف في القنوت : نحفد، أي : نعمل، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ورزقكم من الطيبات ، قال بعضهم : الطيبات : الحلالات، وقال بعضهم : الطيبات، أي : كل ما طاب ولان ولطف. ورزق غيركم من الدواب والبهائم كل ما حسن. وحين[(١٠)](#foonote-١٠) يذكر لهم مننه عليهم، ونعمه عليهم يستأدي بذلك شكره. 
وقوله تعالى : أفبالباطل يؤمنون ، قال بعضهم : أبالشيطان يصدقون، ويجيبونه إلى ما دعاهم من الأنفة من البنات،  وبنعمة الله هم يكفرون ، أي : هذه البنات لكم نعمة : فكيف تكفرونها ؟ فقال : أفبالباطل يؤمنون ، أي : بالشيطان إلى ما دعاكم،  وبنعمة الله هم يكفرون ، أي : بمحمد،  هم يكفرون  بالإسلام. 
وقال أبو بكر الأصم : أفبالباطل يؤمنون ، يقول : تقرون بأنكم عبيد الأحجار، تذلون لها، وتعبدونها  وبنعمة الله هم يكفرون ، يقول : وبما أنعم الله عليكم في أنفسكم وما خَوَّلكم ورزقكم تكفرون به، وكان الشكر أولى بكم، والله أعلم.

١ في الأصل وم: التي..
٢ في الأصل وم: فيهن..
٣ في الأصل وم: وقال..
٤ في الأصل وم: وقال..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: هم..
٧ في الأصل وم: لكم..
٨ في الأصل وم: لهم..
٩ في الأصل وم: واحدها حافدة..
١٠ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:73

> ﻿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [16:73]

الآية ٧٣ : وقوله تعالى : ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون . 
فائدة : ذكر هذا لنا، والله أعلم، لئلا نتبع بعض المخلوقين بأهوائنا [(١)](#foonote-١)، ولا نكل أمورنا [(٢)](#foonote-٢) إلى من نعلم أنه لا يملك ضرا، فنعبده. يذكر سفههم من عبادتهم من يعلمون أنه لا يملك شيئا من النفع والضرر والرزق، ( لئلا ) [(٣)](#foonote-٣) نعمل نحن مثل صنيعهم بمن دون الله من المخلوقين. 
ثم اختلف في قوله : ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ، قال الحسن : هو على التقديم، أي : يعبدون من دون الله شيئا لا يملك لهم ما ذكر. وقال بعضهم : يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض، ولا يستطيعون شيئا. وقال بعضهم : يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات و الأرض ولا شيئا.

١ من م، في الأصل: بأهوائنا..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: في..
٣ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 16:74

> ﻿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [16:74]

الآية : ٧٤ ( وقوله تعالى ) [(١)](#foonote-١) : فلا تضربوا لله الأمثال ، أي : لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق، وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا لله : إن له أشباها وأمثالا، أو يقول : فلا تجعلوا لله أمثالا، أو يقول : فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة، وأشباها في تسميتها آلهة على علم منكم أن [(٢)](#foonote-٢)، ما يكون لكم إنما يكون بالله، لا بالأصنام التي تجعلونها أمثالا لله في العبادة والألوهية. 
وجائز أن يكون ( قوله ) [(٣)](#foonote-٣) : فلا تضربوا لله الأمثال ، أي : فلا تضربوا لأولياء الله الأمثال، فإنه قد بين محل أليائهم ومكانهم. 
وقوله تعالى : إن الله يعلم ، أن لا مثل له من الخلق ولا شبه.  وأنتم لا تعلمون  ذلك. أو إن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به صلاحكم وهلاككم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أي..
٣ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:75

> ﻿۞ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [16:75]

الآية : ٧٥ وقوله تعالى : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ، ضرب المثل بهذا من [(١)](#foonote-١) وجهين :
أحدهما : أن من لا يقدر، لا يملك أن يُنْفِق في الشاهد عندكم ليس كمن يملك، ويقدر أن ينفق، فهو كقوله : هل يستوي الأعمى والبصير  ( الرعد : ١٦ ). وكقوله : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع  ( هود : ٢٤ )، أي : ليس يستوي البصير والأعمى، والأصم والسميع. فعلى ذلك لا يستوي من يملك الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، ومن [(٢)](#foonote-٢) لا يملك ذلك، وهو المعبود الباطل. 
والثاني : ضرب مثل المؤمن والكافر : إن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من المال في طاعة الله ( ولا في خيراته ) [(٣)](#foonote-٣)، والمؤمن ينفق ما أنعم عليه وأُعطي، في طاعة الله وخيراته. فليسا بسواء : من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئا :
أحدهما : يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل. 
والثاني : يكون ضرب [(٤)](#foonote-٤) مثل المؤمن بالكافر. 
**ثم في الآية وجوه من الدلائل :**
أحدها : أن القدرة لا تفارق الفعل حين [(٥)](#foonote-٥) قال : عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، ثم قال : ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ، جعل مقابل الفعل القدرة. فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة منها، أو [(٦)](#foonote-٦) مقابل الفعل فعلا مثله. فلما ذكر مقابل القدرة الفعل، دل [(٧)](#foonote-٧) أنها لا تفارق الفعل. 
والثاني[(٨)](#foonote-٨) : أن العبد لا يملك حقيقة الملك حين[(٩)](#foonote-٩) ذكر : عبدا مملوكا لا يقدر على شيء  وإن قدر ما يملك، إنما يملك بإذن من له الملك. وكذلك الخلائق كلهم، لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله، وإن قدر ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم. 
والثالث [(١٠)](#foonote-١٠) : أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق حين [(١١)](#foonote-١١) قال : عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، ثم قال في من يملك : ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق ، دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة. 
وقوله تعالى : هل يستوون  مثلا،  الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ، قال بعضهم : ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر أنه [(١٢)](#foonote-١٢) عرف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر ذلك الحمد. وقال بعضهم : الحمد ثناء ؛ أخبر أن أكثرهم، لا يعلمون ( حمد الله وثناءه ) [(١٣)](#foonote-١٣). 
وقوله تعالى : ومن رزقناه منا رزقا حسنا ، أي : من أوليائنا أو من أولياء ديننا، وذلك جائز سائغ في اللغة. 
ثم قوله تعالى : لا يعلمون ، يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ولم يتأملوا فيها، فلم يعلموا، والله أعلم.

١ من م، في الأصل: بـ..
٢ في الأصل وم: كمن..
٣ ساقطة من م..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: وفيه..
٩ في الأصل وم: حيث..
١٠ في الأصل وم: وفيه..
١١ في الأصل وم: حيث..
١٢ في الأصل وم: لأنه..
١٣ من م، في الأصل: حمد الله وثناء..

### الآية 16:76

> ﻿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [16:76]

الآية : ٧٦ وقوله تعالى : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ، إلى آخر الآية. قالوا : هذا المثل كالأول يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأول. 
أحدهما : المؤمن والكافر : شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي  لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ، لا يأتي المولى بخير، ولا ينتفع به. 
وشبه المؤمن بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع ؛ يقول : هل استوى هذا مع هذا عندكم ؟ لا يستوي. 
فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئا من طاعة، ولا يأتي بخير، والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله، ويأتي / ٢٨٩ – ب / بكل خير، ويأمر بكل عدل [(١)](#foonote-١). 
والثاني : ضرب مثل الإله المعبود الحق بالمعبود الباطل بقوله [(٢)](#foonote-٢) : هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ، من أتاكم بكل نعمة وكل خير، ويأمر بكل عدل، ومن [(٣)](#foonote-٣) هو أبكم لا يقدر على شيء ، ولا يضر، ولا ينفع، ولا يجيب، وهو عيال على من يعبده، ويخدمه. هل يستوي هذا مع ذلك ؟ لا يستويان مثلا البتة. غير أن المثل ههنا ضرب بالذي لا ينطق بالحق، ولا يأمر بالعدل الذي يأمر بالعدل. ذكر مقابل الأبكم الذي لا يأمر بالعدل. 
وفي الأول ضرب المثل الذي لا يملك الإنفاق بالذي يملك الإنفاق. 
وقوله تعالى : وهو على صراط مستقيم ، أي : هو على الحق المستقيم، وهو المعبود بالحق. 
قال أبو عوسجة : الكل العيال، وكذلك قال غيره من أهل الأدب. وقال بعضهم : الكل : الفقير، وهو واحد. والأبكم : الأخرس، وهو الذي لا ينطق البتة. وقالوا : ومن يأمر بالعدل ، بالتوحيد.

١ أدرج بعدها في الأصل وم: ممن هو ابكم..
٢ في الأصل وم: يقول..
٣ في الأصل وم: ممن..

### الآية 16:77

> ﻿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [16:77]

الآية ٧٧ : وقوله تعالى : ولله غيب السماوات والأرض ، هذا يحتمل وجوها :
( أحدها )[(١)](#foonote-١) : ما ذكر أهل التأويل من السؤال عن الساعة وعن وقتها كقوله : يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ، لوقت قيامها  إلا هو ، لا يعلمه غيره. 
والثاني : ولله علم ما غيب أهل السماوات وأهل الأرض، أي ما غيب بعضهم من بعض، فذلك ليس بمغيب عن الله، بل ما غاب عن الخلق وما ظهر لهم، فذلك لله كله ظاهر بمحل واحد، وهو كقوله : يعلم ما تسرون وما تعلنون  ( النحل : ١٩ ). 
والثالث : قوله : ولله ما في السماوات والأرض ، أي : له علم ما في سرية هذه الأشياء الظاهرة ما لا سبيل للخلق إلى علم ذلك، وإن كانوا هذه الأجسام والأشياء الظاهرة، وتقع حواسهم عليها، لا يعلمون ما سريتها ؟ من نحو الماء الذي به حياة كل شيء، ونحو النطفة التي يخلق منها الإنسان، لا يعلمون المعنى الذي به يصير إنسانا. ومن نحو السمع والبصر والعقل، يعلمون، ويرون [(٢)](#foonote-٢) ظواهر الحواس، ولكن لا يدركون المعنى الذي به يسمع، وبه يبصر، وبه يعقل، ويفهم. 
( والرابع )[(٣)](#foonote-٣) يقول، والله أعلم :( ولله علم ) [(٤)](#foonote-٤) ما غاب عن الخلق ما في هذه الأشياء الظاهرة والأجسام المرئية، أو يقول : ولله ملك ما غاب عن أهل السماوات والأرض، وملك ما لم يغب عنهم وظهر، فيكون كقوله : ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير  ( آل عمران : ١٨٩ )، كأنه قال، والله أعلم : ولله العلم الذي غيب عن أهل السماوات وأهل الأرض، وهي الساعة، لم يطلع عليها غيره. 
وقوله تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب  قال بعضهم : قوله : وما أمر الساعة  أهون على الله وأيسر من لمح البصر ؛ إذ ليس شيء أيسر وأهون على الإنسان من لمح البصر ؛ لأنه يلمح ببصره، فيبصر به لحظة ما بين الأرض والسماء، وهو مسيرة خمس مئة عام. 
يقول : من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحة البصر مسيرة خمس مئة عام، ( فهو قادر ) [(٥)](#foonote-٥) على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب، أي إعادته إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر. إلى هذا يذهب الحسن. 
وقال بعضهم : وما أمر الساعة ، أي : ما وقت قيام الساعة إلا كلمح البصر، ليس بين وقت قيامها وبين كونها  إلا كلمح البصر  ؛ لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، لما ذكرنا أنه يلمح، ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه. فذكر هذا على التمثيل ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام، ويتصور، من نحو ما قال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره   ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره  ( الزلزلة : ٧ و ٨ )، وقال : ما يملكون من قطمير ، ( فاطر : ١٣ ) ( وقال ) [(٦)](#foonote-٦) : ولا يظلمون فتيلا  \[ الإسراء : ٤١ \]( وما قال :)[(٧)](#foonote-٧) ولا يظلمون نقيرا  ( النساء : ١٢٤ )، وأمثاله كله يذكر على التمثيل، ليس على التحقيق، أي : ما يعمل من قليل أو كثير يره شرا كان أو خيرا. وكذلك لا يُظلمون فتيلا ونقيرا، أي : لا يُظلمون شيئا. وكذا  ما يملكون من قطمير ، أي : لا يملكون شيئا. لأن القِطْمِير لا يُمْلَك. فإنما يذكر لهذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا. 
أو يكون تأويل قوله : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ، أي : ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر البصر، أي : لم يبق من وقت قيامها مما مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر، على الاستقصار لما [(٨)](#foonote-٨) بقي.  إن الله على كل شيء قدير ، على البعث والإعادة، على كل شيء، لا يُعجزه شيء. 
وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم ؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد ؛ لأنه أخبر أنه على كل شيء قدير، وعلى قولهم : هو غير قادر على ألف ألفِ شيء.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: ويريدون..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: لقادر..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة من الاصل وم..
٨ في الأصل وم: مما..

### الآية 16:78

> ﻿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [16:78]

الآية : ٧٨ وقوله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، يحتمل وجهين :
أحدهما )[(١)](#foonote-١) : يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق من سرعة القيامة والعلم بها والحكمة التي جعل في البعث، فقال : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاءه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال ؛ ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغْتِذَاءَهُ بغذاء الأمهات، وتقلبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر، لما قدروا على ذلك. 
فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم في تلك الظلمات قدر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلم ما غاب عن الخلق. ويُذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعد ما كنا ما ذكر. 
والثاني : يذكرنا ( أننا كنا )[(٢)](#foonote-٢) بالحال التي ذكر ؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ، فمن قدر على جعل السمع حتى تسمع الأصوات، ويميز بينها، وجعل[(٣)](#foonote-٣) البصر والتمييز بين ألوان الأجسام والفؤاد ليُفْهَمَ، ويُعقل ما له، وما عليه، ما لا يدرك[(٤)](#foonote-٤) مئة ما به يسمعون، ويبصرون، ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا. فمن قدر على ( هذا كله قدر على )[(٥)](#foonote-٥) إنشاء الخلق بعد الفناء، والإعادة بعد الموت. 
ثم ذكر على إثر قوله : لا تعلمون شيئا ، السمع والبصر والأفئدة. فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء، وبها يوصل إلى العلم بالأشياء. فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأن قد أعطي له العلم به، والله أعلم. 
وقوله تعالى : لعلكم تشكرون ، هو حرف شك في الظاهر ؛ ذَكَرَهُ[(٦)](#foonote-٦)، والله أعلم ؛ لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، أو لكي يلزمهم الشكر.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أنكم كنتم..
٣ في الاصل وم : و..
٤ في الأصل وم: يدركون..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ الهاء ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:79

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [16:79]

الآية : ٧٩ : وقوله تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ، أي : من قَدَرَ على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء، بلا إعانة بالأسفل، ولا تعلق بشيء من الأعلى، ( فهو قادر )[(١)](#foonote-١) على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء. 
أو يقول : ألم يروا إلى  اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ فيها، حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو ما لو اجتمع الخلائق جميعا أن يُدركوا [(٢)](#foonote-٢) ذلك اللطف أو تلك الحكمة ما قدروا على إدراكه. 
وفي ذلك نَقْضُ قول المعتزلة ؛ لأن الطيران فعل الطير. ثم إضافة [(٣)](#foonote-٣) / ٢٩٠ – أ / ذلك إلى الله حين [(٤)](#foonote-٤) قال : ما يمسكهن إلا الله ، دلَّ ذلك أن لله في ذلك صُنْعاً وفِعلا. 
وقوله تعالى : إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ، جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن ؛ لأنه هو المنتفع [(٥)](#foonote-٥). 
قال أبو عوسجة : لمح البصر : سرعة النظر، وجو السماء : هواؤها، ويقال : بطن السماء ؛ ويقال : جوف السماء، ويقال : الجو : ما اطمأن من الأرض، والأول أشبه.

١ في الأصل وم: لقادر..
٢ في الأصل وم: يدركوه..
٣ في الأصل وم: أضاف..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ من م، في الأصل: المشفع..

### الآية 16:80

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [16:80]

الآية : ٨٠ وقوله تعالى : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت أيضا ما ليس بسكن ؛ لأنه قال : جعل لكم من بيوتكم سكنا ، هو ما ذكر في قوله : ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة  ( النور : ٢٩ )، وهو كالمساجد والرِّبَاطَات وغيرها. 
ويشبه أن يكون ذكر هذا ليعرفوا عظيم مننه ونعمه حين [(١)](#foonote-١) جعل الأرض بمحل، يقرون عليها، ويمكن لهم المقام بها بالرواسي التي ذكر أنه أثبتها[(٢)](#foonote-٢) فيها بعد ما كانت تميد بهم، ولا ( يقرون عليها )[(٣)](#foonote-٣). 
أخبر أنه ( جعل )[(٤)](#foonote-٤) فيها رواسي، أو أن يكون  من  حرف صلة، أي : جعل لكم بيوتا تسكنون فيها. 
ثم قوله : جعل لكم من بيوتكم سكنا ، يحتمل وجهين :
أحدهما : أي : سخر الأرض حتى قدرتم على اتخاذ المساكن فيها، تسكنون فيها. 
والثاني[(٥)](#foonote-٥) : جعل لكم بيوتا، أي : علمكم[(٦)](#foonote-٦) ما تبنون فيها من البيوت، ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها، يذكر منته عليهم، والله أعلم. 
وفي هذه الآيات في قوله تعالى : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ، ونحوه دلالة نقض قول المعتزلة : لأنه ذكر أنه جعل بيوتا سكنا، والسكن فعل العباد. دل أن لله في فِعلهم صنعا. 
( وقوله تعالى )[(٧)](#foonote-٧) : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ، قال أهل التأويل : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ، أي : من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود لما من الجلود يُخرَجُ ( الصوف )[(٨)](#foonote-٨)، ومنها يجز، ويؤخذ، وهو ما ذكر،  ومن أصوافها ، وهو صوف الغنم،  وَأََوبَارِها ، وهو صوف الإبل،  وأشعارها ، ما يخرج من المعز. 
( وقوله تعالى )[(٩)](#foonote-٩) : تستخفونها يوم ظعنكم ، قيل : ليوم سفركم وسيركم.  ويوم إقامتكم ، وليوم إقامتكم. 
قال ( بعض أهل التأويل )[(١٠)](#foonote-١٠) : في المصر، وقال بعضهم : في السفر حين النزول. 
والجَعْلُ في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا 
أحدهما : على التخير لهم. 
والثاني : على التعليم. ذكر سبحانه وتعالى في البيوت المتخذة من المدر السكنى، حين [(١١)](#foonote-١١) قال : من بيوتكم سكنا ، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار. فكأنه ترك ذكره في هذا لذكره في الأول تصريح، وذكر في الثاني : ذكر دلالة. 
وقوله تعالى : أثاثا ، قيل : الأثاث والرياش واحد، وهو المال، وقيل : ما يتخذ من الثياب والأمتعة. 
وقوله تعالى : ومتاعا إلى حين ، يحتمل إلى حين  : إلى وقت يَبْلَى ذلك الأثاث، أو  إلى حين  : وقت فنائهم.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: أثبت..
٣ في الأصل وم: تقربها..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: أو..
٦ أدرج بعدها في م: تسكنون فيها ثم قوله: جعل لكم من بيوتكم سكنا أي..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل بعض، في م: بعضهم..
١١ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:81

> ﻿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [16:81]

الآية : ٨١ وقوله تعالى : والله جعل لكم مما خلق ظلالا ، لا يحتمل قوله : ظلالا ، البيوت التي ذكر، وهي تَظُللهم، ويحتمل الأشجار.  وجعل لكم من الجبال أكنانا ، وهي الغيران والبيوت التي تتخذ في الجبال لتقيهم عن الحر والبرد،  وجعل لكم سرابيل ، قيل : القُمُصُ والدروع. 
ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل  تقيكم الحر  وتقيكم أيضا بأس العدو،  كذلك يتم نعمته عليكم ، ما ذكر من أنواع النعم. 
وقوله تعالى : وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر  ذكر أنها تقي من الحر والبرد جميعا. فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية. 
وقوله تعالى : كذلك يتم نعمته عليكم ، ليلزمهم الإسلام أو حجته. ثم تحتمل النعمة ما تقدم ذكره، ويحتمل الرسول. 
وقوله تعالى : لعلكم تُسلمون ، جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السورة من أولها إلى آخرها إنما ذكره[(١)](#foonote-١) لهذا بالحرف، وهو قوله : لعلكم تسلمون ، وما ذكر  ولعلكم تشكرون  ( النحل : ١٤ و ٧٨ )، وذكر[(٢)](#foonote-٢)  لعلكم تهتدون  ( النحل : ١٥ )، تحتمل أن تكون هذه الأحرف كلها واحدا. ويحتمل أن يكون لكل حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم.

١ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: و..

### الآية 16:82

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [16:82]

الآية : ٨٢ وقوله تعالى : فإن تولوا ، عن الإجابة لك، وعما تدعوهم إليه،  فإنما عليك البلاغ المبين ، أي : ليس عليك ( إجابتهم، إنما عليك )[(١)](#foonote-١) التبليغ إليهم والبيان لهم.

١ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 16:83

> ﻿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [16:83]

الآية : ٨٣ : وقوله تعالى : يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، تحتمل النعمة هاهنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كانوا : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  ( البقرة : ١٤٦ و الأنعام : ٢٠ ) وما ذكر : يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل  ( الأعراف : ١٥٧ ). 
ويحتمل : نعمة الله ، يعرفون نعمة الله، وما ذكر عرفوها أنها من الله،  ينكرونها  بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره كقوله : ولئن سألتم من خلقهم ليقولن الله  ( الزخرف : ٨٧ )، ما يعرفون أن الله هو خالقهم، وأن ما لهم كله من عند الله، يعبدون الأصنام، فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة الله. 
وقال أبو عوسجة : يوم ظعنكم ، يوم سيركم، ظعن يظعن، سار، والسرابيل : القمص، يقول : تقيكم ، أي : تستركم. 
وقال القتبي : ظلالا ، أي : ظلال الشجر والجبال، وقوله : كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ، هذا والله أعلم في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع النعم والأفضال، ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا بنعمته. 
وقال بعض أهل التأويل : سميت سورة النحل سورة النعم لما فيها من ذكر النعم، وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها.

### الآية 16:84

> ﻿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [16:84]

الآية : ٨٤ : وقوله تعالى : ويوم يبعث من كل أمة شهيدا ، قال بعضهم : شهيدها أن يشهد عليهم من نحو ما ذكر من شهادة جوارحهم عليهم، وهو قوله : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم  الآية ( النور : ٢٤ )، وقوله : شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم  الآية ( فصلت : ٢٠ )، وقوله : يومئذ تحدث أخبارها  ( الزلزلة : ٤ )، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الشهادة عليهم عند إنكارهم أعمالهم التي عملوها. 
وقال بعضهم : شهيدها رسولها الذي بعث إليهم، يشهد عليهم أنه قد بلغ إليهم رسالات ربهم، وهو كقوله : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ( فاطر : ٢٤ ) والنذير : هو الرسول المبعوث إليهم، وهو ما ذكر أيضا : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ( النساء : ١٤١ )، وكقوله [(١)](#foonote-١) : وجئنا بك شهيدا على هؤلاء  ( النحل : ٨٩ ). 
أخبر أنه يجيء بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم شهيدا على أولئك، وأن[(٢)](#foonote-٢) الرسل قد بلغوا الرسالة إليهم، وهو ما ذكر : فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين  ( الأعراف : ٦ )، وقوله : يوم يجمع الله الرسل  الآية ( المائدة : ١٠٩ )، وقوله : ويوم يناديهم  ( فصلت : ٣٧ )، يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عما أجابوا الرسل. إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل، والله أعلم. 
وجميع [(٣)](#foonote-٣) ما ذكر في القرآن من مجيئه وإنبائه ونحوه جائز أن يكون ذلك البعث. تفسير ذلك كله قوله : ويوم نبعث من كل أمة  كذا. من ذلك قوله[(٤)](#foonote-٤) : وجاء ربك والملك  ( الفجر : ٢٢ ) ( وقوله )[(٥)](#foonote-٥) : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ( البقرة : ٢١٠ ) وقوله : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ( النساء : ٤١ ) فهو البعث، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ثم لا يؤذن للذين كفروا ، قال الحسن : لا يؤذن لهم بالاعتذار ؛ لأنه لا عذر لهم، وهو ما قال : هذا يوم لا ينطقون   ولا يؤذن لهم فيعتذرون  ( المرسلات : ٣٥ و ٣٦ ) ؛ لأنه لا عذر لهم، واعتذارهم لا ينفع لهم شيئا ؛ إذ اعتذارهم من نحو قولهم : ربنا هؤلاء أضلونا  ( الأعراف : ٣٨ )، وقولهم : لولا أنتم لكنا مؤمنين  ( سبإ : ٣١ )، ونحو هذا مما لا ينفعهم ذلك، فلا يؤذن لهم لذلك  ولا هم يستعتبون . 
قال الحسن : ولا هم يقالون. وكذلك قال في قوله : وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين  ( فصلت : ٢٤ ). أي : من المقالين، لا يقالون عما كان منهم. وقال / ٢٩٠ – ب / بعضهم : لا يؤذن، ولا يمكن لهم من التوبة والرجوع عما كانوا ؛ لأن ذلك الوقت ليس هو وقت التوبة والرجوع، كقوله : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده  الآية ( غافر : ٨٤ )، وقوله[(٦)](#foonote-٦) : فلم يَكُ ينفعهم إيمانهم  ( غافر : ٨٥ ) ونحوه. 
( وقوله تعالى )[(٧)](#foonote-٧) : ولا هم يستعتبون ، العتاب في الخلق، هو تذكير ما كان من الفرط ليرجع عما كان منه، وذلك في الآخرة، لا يُحتمل. ويُحتمل قوله : ثم لا يؤذن للذين كفروا ، أي : لا يؤذن لهم بالكلام كقوله : اخشوا فيها ولا تُكلمون  ( المؤمنون : ١٠٨ )، أو لا يؤذن للشفعاء أن يشفعوا للذين كفروا، ويؤذن للشفعاء أن يشفعوا للمؤمنين.

١ في الأصل وم: وقال..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ الواو ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: وقوله..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: وقال..
٧ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:85

> ﻿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [16:85]

الآية : ٨٥ وقوله تعالى : وإذا رءا الذين ظلموا العذاب ، أي : وقعوا فيه. دليله ما ذكر : فلا يخفف عنهم  ( في وجهين :
أحدهما :) [(١)](#foonote-١) دل هذا ( أنه )[(٢)](#foonote-٢) لم يرد به رؤية العذاب، ولكن الوقوع فيه،  فلا يخفف عنهم  ؛ لأنه يدوم، ولا تخفيف مما يدوم من العذاب،  ولا هم ينظرون ، أي : يمهلون من العذاب. 
والثاني : فلا يخفف عنهم العذاب ، بما [(٣)](#foonote-٣) استخفوا، واستحقوا، واستوجبوا. أو ( ما )[(٤)](#foonote-٤) ذكرنا أنه لا يكون لعذابهم انقطاع.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: عما..
٤ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 16:86

> ﻿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [16:86]

الآية : ٨٦ وقوله تعالى : وإذا رءا الذين أشركوا شركاؤهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ، قال الحسن : قوله : شركاءهم ، أي : قرناءهم وأولياءهم من الشياطين كقوله : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم  الآية ( الصافات : ٢٢ )، وكقوله : وقضينا لهم قرناء  الآية ( فصلت : ٢٥ )، وكقوله [(١)](#foonote-١)،  نقيض له شيطانا فهو له قرين  ( الزخرف : ٣٦ )، وكقوله [(٢)](#foonote-٢) : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم  ( الآية ) ( الأنعام : ٢٢ ). 
وقوله تعالى : شركاءهم ، أولياءهم ( الذين )[(٣)](#foonote-٣) كانوا لهم في الدنيا، فهم شركاؤهم الذين [(٤)](#foonote-٤) ذكر، وقولهم : هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ، على هذا التأويل ؛ كنا ندعوك وإياهم،  من دونك فألقوا إليهم القول ، أي : يقولون لهم : إنكم لكاذبون . 
وقال بعضهم : قوله [(٥)](#foonote-٥) : قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ، الأصنام التي عبدوها،  فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ، أي : يكذبونهم. وهو ما ذكر : إن كنا عن عبادتكم لغافلين  ( يونس : ٢٩ )، يكذبونهم في ما قالوا، ويخبرون أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم. 
وقال بعضهم :( قوله ) [(٦)](#foonote-٦) : شركاءهم ، الملائكة الذين عبدوهم، كقوله : ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون [(٧)](#foonote-٧)  قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ( سبأ : ٤٠ و ٤١ ). 
أخبروا أنهم إنما عبدوا الجن بأمرهم، ولم يعبدوهم. أو يكون شركاؤهم رؤساؤهم الذين انقاد الأتباع لهم، ويحتمل الأصنام وما ذكر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون  هو ما ذكرنا ؛ يقولون لهم : إنكم لكاذبون ، أي : يكذبونهم في ما يزعمون، ويدعون.

١ في الأصل وم: وقوله..
٢ في الأصل وم: وقوله..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: الذي..
٥ في الأصل وم: قولهم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول وهذه قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وغيرهم، انظر معجم القراءات القرآنية ج ٥/١٦٥..

### الآية 16:87

> ﻿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [16:87]

الآية : ٨٧ وقوله تعالى : وألقوا إلى الله يومئذ السلم ، أي : يخضعون كلهم لله يومئذ، ويخلصون له الدين، ويسلمون له الأمر والألوهية.  وضل عنهم ما كانوا يفترون ، أي : بطل عنهم ما طمعوا بعبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها من الشفاعة وغيرها، كقولهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ( الزمر : ٣ ). وقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ( يونس : ١٨ )، بطل عنهم ما طمعوا ورجوا من عبادة أولئك من الشفاعة لهم والقربة إلى الله.

### الآية 16:88

> ﻿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [16:88]

الآية : ٨٨ وقوله تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ، قال بعضهم : هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم، ضلوا هم بأنفسهم، وأضلوا أتباعهم، فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم. وهي كقوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم  ( النحل : ٢٥ ) وكقوله : وليجعلن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم  الآية ( العنكبوت : ١٣ ) أخبر أنهم يحملون أوزارهم وأثقالهم وأوزار الذين أضلوهم، ومنعوهم عن الإسلام. فعلى ذلك قوله : زدناهم عذابا فوق العذاب ، بما أضلوا أتباعهم، وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول أبي بكر الأصم. 
وقال بعضهم : إن عذابهم كلما أراد أن يفتر، ونضجت [(١)](#foonote-١) الجلود، زيدت لهم بتبديل الجلود، ( النار، وكلما ) [(٢)](#foonote-٢) أرادت أن تخمد ( النار )[(٣)](#foonote-٣) زيد لهم سعيرها[(٤)](#foonote-٤)، كقوله : بدلناهم جلودا غيرها  ( النساء : ٥٦ )، وقوله : كلما خبت زدناهم سعيرا  ( الإسراء : ٩٧ )، فذلك هو الزيادة في العذاب. 
ويحتمل غير هذا، وهو أن عذاب الكفر دائم أبدا، فيزداد لهم عذابا بما كان لهم في الكفر سوى الكفر أعمال ومساوئ، كما يعفى ويتجاوز عن المؤمنين بما كان منهم من المساوئ كقوله : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا  ( الأحقاف : ١٦ )، مقابل ما كان يعفى عن المؤمنين المساوئ، يزداد[(٥)](#foonote-٥) لأهل الكفر على عذاب الكفر لمساوئهم. 
وفي حرف ابن مسعود : زدناهم عذابا ضعفا بما كانوا يفسدون. 
وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة ؛ لأنه دائم، لا انقطاع له، ما ذكرنا من الزيادة والفوق وغيره على المضاعفة.

١ في الأصل وم: ينضج..
٢ في الأصل وم: نارها كلما..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: سعيرا..
٥ في الأصل وم: زيد..

### الآية 16:89

> ﻿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [16:89]

الآية : ٨٩ وقوله تعالى : ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم ، يحتمل قوله : من أنفسهم ، أي : من البشر. ويحتمل ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم. 
وقوله تعالى : وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ، هو ما ذكرنا : يشهد الرسول عليهم بالتبليغ، ويشهد لمن أجابه، وأطاعه، وعلى ( من رده، وكذبه )[(١)](#foonote-١) بالرد والتكذيب. 
وقوله تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ، ما ذكر في هذه السورة ؛ لأنه ذكر فيها جميع أصناف النعم وجواهرها، ووجوب الأسباب التي بها يوصل إليها، وذكر فيها ما سخر لهم من أنواع الجواهر، وفيها [(٢)](#foonote-٢) ذكر ما وعد، وأوعد، وأمر، ونهى، وذكر ما حل بالأعداء وما ظفر أولياؤه ( به، وفيها ) [(٣)](#foonote-٣) ذكر سلطانه، وذكر سفه الكفرة وعنادهم، وذكر ما يؤتى، ويتقى. فذلك تبيان كل شيء. 
أو أن يكون في الكتاب تبيان كل شيء ؛ إذ في القرآن ما ذكرنا من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبار الأمم الماضية وأمثالهم، وجميع ما يؤتى ويتقى ؛ ففيه تبيان كل من الوجه الذي ذكرنا. أو أن يكون أنزل عليه الكتاب ( تبيانا ) [(٤)](#foonote-٤) لكل ما دعا به الرسل، وجاءت به الرسل والكتب جميعا ؛ ( إذ )[(٥)](#foonote-٥) في هذا الكتاب جميع ما أتى به الرسل والكتب، من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، كقوله : ومهيمنا عليه  ( المائدة : ٤٨ )، ثم اختلف في ذلك البيان. قال بعضهم : تحتمل الآية وجهين :
أحدهما : الخصوص على الأصول دون الفروع، كذكر الكمال ( للدين، لأن ذلك وصف الدين، وقد يقع له الكمال ) [(٦)](#foonote-٦) بالكتاب والسنة، وهذا للكتاب. فلم يجز التقصير عن الاشتمال عما لزمت الحاجة في أمر الديانة، لذلك[(٧)](#foonote-٧) ذكر أن الكتاب تبيان لكل ما وقعت إليه حاجة في أصول الدين، من الإيمان وأنواع العبادات، والأحكام مع الحدود، والحقوق، ومكارم الأخلاق، وانتظام [(٨)](#foonote-٨) صلة الرحم، وعشرة الإخوان وصحبة الجيران، ونحو ذلك. 
فتشتمل هذه الجملة على أصول الدين، وما وراءها يكون موكولا إلى بيان الرسول ؛ ليبقى الكتاب بما شرط له تلاوة ودلالة [(٩)](#foonote-٩). 
والوجه الثاني : أن يكون تبيانا لكل شيء منتظما لما فيه، ( من ) [(١٠)](#foonote-١٠) جمله ومُبْهَمِهِ ومُشكِله، ولبيان الرسول جمله، وتفسير مبهمه، وإيضاحه، ودلالته على مشكله ؛ إذ [(١١)](#foonote-١١) السنن كلها بيان للكتاب لارتباط بعض ببعض. 
ثم قد تحتمل الآيات التي فيها ذكر البيان والتفصيل وجوها غير الوجهين اللذين ذكرتهما :
أحدهما : أنه تبيان كل شيء، ظهر فيه التنازع بين أهل الأديان، وألزمتهم الضرورة فيه إلى البيان، فجعل الله الكتاب تبيانا، ألزمهم بالتدبر والعلم بأنه من عند الله، بخروجه عما عليه وسع القوم، عن نوع ما ذكر فيه من الحج والأدلة، وبما أعجزهم / ٢٩١ – أ / عن الطمع في تأليف مثله ونظمه ؛ ليعرفوا أن الله قد أعانهم في ما مستهم [(١٢)](#foonote-١٢) الحاجة، وألجأتهم الضرورة إلى ( من ) [(١٣)](#foonote-١٣) يطلعهم على الحق، في ما لو أهملوا عن ذلك لتولد منه العداوة والعناد، فأنعم الله عليهم به، وبين فيه جميع ما بهم إليه من الحاجة لدوام الأخوة. 
والثاني : أن يكون فيه تبيان كل شيء بالطلب من عنده. وبالبحث فيه والظفر به بكل ما ينزل بهم من الحاجات إلى الأبد، فيكون هو أصل ذلك. لكن باختلاف [(١٤)](#foonote-١٤) الأسباب، يوصل إلى حقيقة [(١٥)](#foonote-١٥) العلم به. وذلك نحو ما جعل الماء حياة لكل شيء، ووصف أن في السماء رزق جميع الخلق، فإنه أنزل من السماء اللباس والرياش. وأخبر أنه خلقنا من تراب، ثم أخبر أنه خلقنا جميعا من نفس واحدة، على رجوع كل ما ذكرنا باختلاف الأسباب والتولد إليه، والله أعلم. وذلك كما قال أهل الكلام في جعل المحسوسات أدلة لكل غائب ؛ جعلها الله أدلة توصل إليه بالتأمل والنظر، فيكون المحسوس مبينا من ذلك، دالا على اختلاف الدرجات في هذا البيان مع ما قد جعله الله كذلك. حتى إن في الفلاسفة من تكلف استخراج كلية أمور العالم العلوي والسفلي، وما على ذلك مدار ما عليه المحسوس. فمثله أمر القرآن، والله الموفق. 
والثالث : أن يكون فيه بيان على الرمز والإشارة مرة، وعلى الكشف ثانيا. فما كان منه على الرمز، فهو مطلوب في المعاني وطريق الرسول إلى ما في تلك المعاني من الأمور مختلفة. منها ما يقع بمعونة الوحي من غير الكتاب على اختلاف وجوه الوحي، من إرسال على لسان ملك أو رؤيا أو إلهام. 
والتأمل في ذلك، والاستدلال بما قد أوضحه بعد توفيق الله للحق في ذلك، وعصمته عن الزيغ، أو على ما شاء من ترتيب الحكماء في الحق التفاتهم لغوامض الأمور، أو غير ذلك مما يريد أن يطلع عليه نبيه. 
فإن لطف رب العالمين بما عامل به الأخيار، يجل عن احتمال العبارة، أو تصويره في الأوهام، نحو كتابة الحفظة، وقبض ملك الموت أرواح الخلق في وقت واحد في أطراف الأرض، ونحو ذلك كله حد اللطف الذي يعجز البشر عن الإحاطة ( به ) [(١٦)](#foonote-١٦). 
فعلى ذلك أمر تبيان كل شيء، مع ما يحتمل الرجوع بتأويل الآية إلى أغلب الأمور أو أعمها، كقوله تعالى : وجعلنا من الماء كل شيء حي  ( الأنبياء : ٣٠ ) وغيره. ولا قوة إلا بالله. 
والأصل عندنا أن ليس للبيان عدد، يجب حفظ العدد، على ما ذكره قوم أنه على خمسة أوجه. إنما هو أمران :
أحدهما : ما يبين هو. 
والثاني : ما يبين غيره. لكن الوجوه [(١٧)](#foonote-١٧) التي بها يقع ما غاب عن الحواس بالبيان : أصلها [(١٨)](#foonote-١٨) الواقع تحت الحواس، إذ البين الذي من جحد حرم أول درجات البيان ( ومنع عن فهم المجحود ) [(١٩)](#foonote-١٩) وكفى كلا مؤنة خصومته، ثم عَيَّرَه مما يصير بالتأمل على الوجوه التي جعلت للوصول إليه، وإن بعد، أو قرب بدليله كالمحسوس ؛ إذ التأمل في الأسباب هو سبب الوصول إلى ما غاب، كاستعمال الحواس في ما يشهد. فمن أراد القطع على حد أو شيء احتاج [(٢٠)](#foonote-٢٠) إلى دليل فيه. 
وأصل البيان حقيقة، هو الظهور، وأسباب إظهار الأشياء متفاوتة. وعلى ذلك مقاديرها من الظهور، وجملته ارتفاع التواتر عن القلوب، وتجلي حقائق الأمور لها على قدر العقول في الإدراك، وما يتجلى للقلوب على مقدار ما يحتمل من الظهور. 
وقوله تعالى : وهدى ورحمة ، يجب أن يكون قوله : تبيانا لكل شيء ، وقوله : وهدى ورحمة ، كله واحد : الرحمة والهدى والبيان، وبرحمته وبهداه يتبين لهم، ويتضح. لكنهم قالوا : البيان للناس كافة ؛ يتبين ويتضح إلا من عاند وكابر، والهدى والرحمة للمؤمنين خاصة على ما ذكر : وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ، ذلك للمسلمين خاصة، والله أعلم.

١ في الأصل وم: كذبه..
٢ في الأصل وم: وفيه..
٣ في الأصل وم: بهم وفيه..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من م، ساقطة من الأصل، ولعل المؤلف يشير إلى قوله تعالى: اليوم أكملتن لكم دينكم (المائدة: ٨)..
٧ في الاصل : وم: و..
٨ في الأصل وم: تنتظم..
٩ أدرج بعدها في الأصل وم: الوجه..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: وقال و..
١٢ من م، في الأصل: مسته..
١٣ من م، ساقطة من الأصل..
١٤ من م، في الأصل: باختلافهم..
١٥ من م، في الأصل: الحقيقة..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ في الأصل وم: الوجه..
١٨ في الأصل وم: أصله..
١٩ في الأصل وم: عن فهم الجحود عنه أن الجحود..
٢٠ في الأصل وم: يحتاج..

### الآية 16:90

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [16:90]

الآية : ٩٠ وقوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، إلى آخر ما ذكر. قال الحسن : قوله : إن الله يأمر بالعدل ، في ما بين الناس، أي : يأمر بالحكم في ما بينهم بالعدل والإحسان، وما كلفهم بالطاعة له. أو يكون الأمر بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس. 
وجائز أن يكون الأمر بالعدل في ما بينه وبين الله، و الإحسان في ما بينه وبين الخلق ؛ أي : يعامل ربه بالعدل ؛ لأن العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في حد الإحسان في ما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم إليه، فيكون محسنا إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسنا. 
( وقوله تعالى ) [(١)](#foonote-١) : وإيتاء ذي القربى ، أي : إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة،  وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، هي المعاصي، أي : نهى عن المعاصي كلها. 
وقال أبو بكر الأصم : يأمر بالعدل ، أي : بالحق الذي له عليهم.  والإحسان ، هو ما تعبدهم من العبادات والطاعات، جعل سبب عطف بعضهم على بعض  وإيتاء ذي القربى ، صلة القرابة والأرحام.  وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي . 
وقال ابن عباس ومقاتل وقتادة وغيرهم : قوله : يأمر بالعدل ، بالتوحيد،  والإحسان ، أي : أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة، وقال مقاتل : قوله : والإحسان ، هو في ما بينهم ؛ يحسن بعضهم إلى بعض.  وإيتاء ذي القربى ، صلة الأرحام.  وينهى عن الفحشاء ، أي : الزنى.  والمنكر ، أي : السكر.  والبغي ، مظالم الناس. 
وقال بعضهم : المنكر : ما لا يعرف في الشرائع والسنن، ويقال : المنكر : ما أوعد الله عليه النار، والبغي : الاستطالة والظلم. 
ثم تجب ( معرفة ) [(٢)](#foonote-٢) حقيقة العدل ما ( هو ؟ هو )[(٣)](#foonote-٣) والله أعلم، وضع كل شيء موضعه، ويدخل فيه كل شيء : التوحيد وغيره ؛ تجعل الربوبية والألوهية لله، لا يشرك[(٤)](#foonote-٤) فيها غيره، ولا تُصرف[(٥)](#foonote-٥) ولا تُضاف[(٦)](#foonote-٦). بل تنسب الربوبية والألوهية إلى الله، والعبودة إلى العباد، ولا تضاف العبودة إلى الله، ولا الربوبية و الألوهية إلى العباد. فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه : الربوبية في موضعها، والعبودة في موضعها. هذا، والله أعلم، معنى العدل. 
وأما الإحسان فهو ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :( إن جبريل سأله عن الإحسان حين سأله عن الإيمان والإسلام، فقال : ما الإحسان ؟ فقال : أن تعمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومن يعمل لآخر بحيث يراه، وينظر إليه، ( يكن أبدا طالبا )[(٧)](#foonote-٧) رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطالبا [(٨)](#foonote-٨) مرضاته فيه ). ( البخاري : ٥٠ ). 
فهو يحتمل وجوها ثلاثة ؛ أعني : الإحسان :
أحدها : ما ذكر أنه يعمل لله [(٩)](#foonote-٩) كأنه يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه. 
والثاني : في ما بينه وبين الخلق، وهو أن يحب لهم كما[(١٠)](#foonote-١٠) يحب لنفسه في ما أُذن له في ذلك. 
أو نقول على الإطلاق : يحب لهم كما يحب لنفسه، فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب، وذلك بالذي لا نحب لأنفسنا، ونحب لهم، قيل : في ذلك طلب نجاتهم، وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي. وذلك مما نحب لأنفسنا، ونحب لهم، قيل : في ذلك طلب نجاتهم، وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي. وذلك مما نحبه نحن لأنفسنا : أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من المهلكة. 
ألا ترى أنه قال : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ( الأنبياء : ١٠٧ )، وليس في الظاهر رحمة، لكن في الحقيقة رحمة حين[(١١)](#foonote-١١) يحملهم القتال على الإسلام، إذا قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم ؟ فلما نصبت الحروب معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجا أفواجًا. فصار ذلك في الحقيقة رحمة، وإن كان في رأي العين الظاهر ليس برحمة. 
وكذلك هذه / ٢٩١ – ب / المصائب والبلايا التي يحل بالخلق، هي في الحقيقة نعمة ورحمة. ولذلك عدها، وسماها بعض الناس لما تعقب من الثواب والنعمة والصبر عليها، ورأى ذلك منه حقا وعدلا، ورأى حال الضراء والسراء منه، فهو يطيب نفسه في جميع الأحوال، تنصرف به من الشدة والضيق. فإذا رأى نعمة ما تعقَّب عن الخير والنفع في العاقبة. فمن هذه الجهة يجوز أن يقال : ذلك نعمة ورحمة. 
وأما في ظاهر الحال فلا، وذلك أن كل بلاء ينزل بأحد، فصبر عليه، كان في ذلك خصال أربع :
إحداها : تكفير ما كان ارتكب من المعاصي. والثانية [(١٢)](#foonote-١٢) : معرفة العبودة وملك غيره عليه. والثالثة [(١٣)](#foonote-١٣) : ما يعقب من الثواب والنعم ( الدائمة. والرابعة :)[(١٤)](#foonote-١٤) معرفة النعم : من الشدة يعرف النعم. 
والثالث [(١٥)](#foonote-١٥) : الإحسان إلى نفسه، فهو[(١٦)](#foonote-١٦) أن يحفظها عما فيه هلاكها. 
وقوله تعالى : وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، الفحشاء :( هي مما ينكر، ويفحش من الشر، والمنكر )[(١٧)](#foonote-١٧) هو الشيء الغريب ( الذي ) [(١٨)](#foonote-١٨) لا يعرف. ألا ترى إلى قول إبراهيم : إنكم قوم منكرون  ؟ ( الحجر : ٦٢ ) سماهم منكرين لما لا يعرفهم. فالمنكر ما يفعل مما[(١٩)](#foonote-١٩) مما هو معروف بالخير والصلاح ( بسبب الزلات، فيكون ذلك منه ) [(٢٠)](#foonote-٢٠) غريبا ؛ إذ لم ( يعرف بذلك. فذلك منه غريب )[(٢١)](#foonote-٢١). 
والفحشاء ما تكون من أهل الفساد والشرور، وذلك مما ينكر، ويفحش ذلك منهم، والبغي : هو الظلم. ويحتمل أن يكون هذا كله والمنكر والفحشاء والبغي، وكله واحد : الفحشاء : هي المنكر، والفحشاء : هي البغي، والمنكر : هو الفحشاء والبغي، والله أعلم. 
وقوله تعالى : يعظكم ، قال بعضهم : أي : ينهاكم عما ذكر كله،  لعلكم تذكرون ، وتنهون عنه. 
وقال بعضهم : والموعظة، هي التي تلين القلوب القاسية، وتصرفها إلى طاعة الله. وقد ذكرنا.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقبطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: هو..
٤ في الأصل وم: شريك..
٥ في الأصل وم: يصرفها..
٦ في الأصل وم: يضيف..
٧ في الأصل وم: يكون أبدا طالب..
٨ في الأصل وم: وطلب..
٩ في الأصل وم: له..
١٠ ساقطة من م..
١١ في الأصل وم: حيث..
١٢ في الأصل وم: الثاني..
١٣ في الأصل وم: والثالث..
١٤ في الأصل وم: الدائم والرابع..
١٥ في الأصل وم: وأما..
١٦ في الأصل وم: وهو..
١٧ في الأصل وم: هو ما يكبر بفحش من الشيء هو المنكر..
١٨ من م، ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل وم: من..
٢٠ في الأصل وم: من الزلات فيكون ذلك منهم..
٢١ في الأصل وم: يعرفوا بذلك فذلك منهم..

### الآية 16:91

> ﻿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [16:91]

الآية : ٩١ وقوله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، يحتمل ( أمره بوفاء )[(١)](#foonote-١) العهود التي يعطي بعضهم لبعض ؛ أمرهم بوفاء ذلك، ونهاهم عن نقضها، وألزمهم وفاء عهد الله، وإن لم يعاهدوا في ذلك. لكنه ذكر وفاء العهد إذا عاهدوا، ونهى عن النقض ؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا، ونقض ما أعطوا على ذلك شرطا، أقبح وأوحش مما لم يعاهدوا. وهو كقوله : واذكروا نعمة الله عليكم و ميثاقه الذي أوثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا  ( المائدة : ٧ ). 
ترك الوفاء ونقضه بعد قولهم : سمعنا وأطعنا ، أوحش وأفحش من نقضه، إذا لم يكن لهم عهد سابق وشرط متقدم. 
وهذا، والله أعلم، معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا، وإن كان وفاء العهد لازما لهم، وإن لم يعاهدوا. 
إن جعل الله البشر بحيث يقبلون الحكمة والمحنة، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك كقوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها  ( الآية ) ( الأحزاب : ٧٢ )، أي : إني خلقتهم وبنيتهم، أي : لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها تحتمل ذلك،  وحملها الإنسان ، أي : خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام به[(٢)](#foonote-٢). 
ويحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي يقسمون بها حين [(٣)](#foonote-٣) قال : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، ذكر الأيمان، ونهى عن نقضها. ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف ؛ لأنه نهى عن نقضها، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن نقضها ؛ لأن الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف ينقضها، أولا يؤمر بوفائها وحفظها. 
ثم ذكر فيه : بعد توكيدها ، ولم يبح نقض اليمين ( وإن )[(٤)](#foonote-٤) لم يؤكدها، إذا لم يكن في الوفاء بها إثم. لكنه ذكر التوكيد ؛ لأن النقض بعد ذلك أقبح وأفحش من النقض على غير التوكيد، على ما ذكر من القبح والفحش في بعض العهود بعد ما عاهدوا. وقال بعضهم : بعد توكيدها ، هو حلفهم بالله ؛ لأن مشركي العرب كانوا لا يقسمون بالله لما يعظهم من الأمر، ويجل. وذلك آخر أقسامهم. وكذلك قال بعض أهل التأويل في قوله : وأقسموا بالله جهد أيمانهم  ( الأنعام : ١٠٩ والنحل : ٣٨ )، هو قسمهم بالله. 
وقوله تعالى : وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، قيل : كانوا يحلفون في ما بينهم على جعل الله كفيلا عليهم. وقيل : الكفيل : هو الشهيد الحافظ. وهكذا يؤخذ الكفيل في ما يؤخذ ليحفظ المال والنفس. 
وقوله تعالى : إن الله يعلم ما تفعلون ، من الوفاء بما عاهدوا، أوالنقض.

١ في الأصل وم: أمرها بوفائها العهد..
٢ في الأصل وم: بها..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ من م، في الأصل: و..

### الآية 16:92

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [16:92]

الآية : ٩٢ وقوله تعالى : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ، اختلف في تأويل الآية ( قال بعضهم : الآية ) [(١)](#foonote-١) نزلت في مخالفة أهل الكفر بعضهم بعضا ؛ وهو أن يرث بعضهم بعضا، وينصر، ويعين بعضهم بعضا، ( ويحلفوا على ذلك ويقسموا )[(٢)](#foonote-٢) فإن هلكوا في ذلك، أي : في نصر بعضهم بعضا، ثم إذا رأوا الكثرة والغلبة مع غير الذين حلفوا، نقضوا ذلك، ورجعوا إلى الذين معهم الكثرة والغلبة، فنهوا عن ذلك. 
وقال بعضهم : الآية في الذين يكونون بعد رسول الله، وأصحابه لما علم أنه يكون ( منهم )[(٣)](#foonote-٣) خوارج وأهل اختلاف في الدين، فربما كانت الكثرة والغلبة لهم على أهل العدل. فنهى من عاهد أهل العدل، وبايعهم أن يترك، لكثرتهم وغلبتهم، الكون مع أهل العدل وإعانتهم ونقض ما عاهدوا. ولذلك قال : إنما يبلوكم الله به ، وقوله[(٤)](#foonote-٤) هذا يدل أنه في أهل الإسلام. 
وقال بعضهم : الآية في أهل النفاق : إنهم كانوا يقسمون  بالله إنهم لمنكم وما هم منكم  الآية ( التوبة : ٥٦ )، كانوا يرون من أنفسهم الموافقة لهم والنصر والعون لهم على أعدائهم، ويحلفون على ذلك. ثم إذا رأوا الكثرة مع الكفرة والغلبة وقلة المؤمنين تحولوا إلى أولئك، ونقضوا أيمانهم، وكانوا معهم، كقوله : فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم  الآية ( النساء : ١٤١ ). 
ويحتمل قوله : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ، أي : لا تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالمرأة التي تنقض  غزلها من بعد قوة . 
وجائز أن يكون غير هذا : يقول : ولا تظنوا في الله أن يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي : نقضت غزلها من بعد قوة ، فلو لم يكن بعث، لكان يكون في إنشاء الخلق كالمرأة،  كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ، وقد عرفتم قبح ذلك. فعلى ذلك إنشاء الخلق إذا لم يكن بعث، يكون في القبح ما ذكر. 
ثم ضرب الله مثل من أعطى العهد والمواثيق، و وكد الأيمان في ذلك، ثم نقض ذلك، بامرأة تغزل، تنقض ذلك الغزل،  من بعد قوة أنكاثا ، يقول، والله أعلم : كما لم تنتفع هذه المرأة بغزلها إذا نقضته [(٥)](#foonote-٥) من إبرامها إياه، كذلك لا ينتفع، ولا يوثق بمن أعطى العهد، ثم نقض. يقول : فلا هي تركت الغزل تنتفع به، ولا هي تركت القطن والكتان كما هو، فكذلك الذي يعطي العهد، ثم ينقضه ؛ فلا هو حين أعطاه وفى به، ولا هو ترك ( العهد )[(٦)](#foonote-٦) فلم يعطه، ونحوه. 
ثم اختلف في تلك المرأة : قال بعضهم : هي امرأة من قريش حمقاء بمكة، كانت إذا غزلت نقضته. 
وقال بعضهم : هذا على التمثيل : يقول، والله أعلم : أي : لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم : ما أحمق هذه ! فعلى ذلك من أعطى العهد والميثاق / ٢٩٢ – أ / ثم نقض، فهو كذلك. 
وقوله تعالى : تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، قال أبو بكر الأصم : الداخل الذي لا يصح، ولا يستقيم، يقال : هذا مدخول، أي : غير صحيح. وقال غيره : دخلا  أي : خديعة ومكرا، يخدع بعضكم بعضا، وهو قول أبي عوسجة أيضا. 
وقال القتبي : دخلا بينكم ، أي : خيانة وَوُغولا،  بينكم أن تكون أمة ، أي : فريق،  هي أربى من أمة ، فريق. 
وقال أبو عوسجة : أنكاثا ، هي جمع نِكَثٍ، والنِّكَثُ من الحبل خيوط، تُنكث، ثم تُطرق، وتصير صوفا، ثم من بعد ذلك تُفتل. قال : والمِطرق قضيب، يضرب به الصوف حتى ينفش، ويلين كما يندف القطن، يقال : طرقت الصوف، أطرقه طرقا، أي : ضربته، ويقال : نَفَشْتُه، أنفشه نفشا، أي : فرقت بينه، فتفرق، ومنه قوله : كالعهن المنفوش  ( القارعة : ٥ )، ويقال : حبل مثنى إذا كان ذا طاقين، ومَثلوث، ومَربوع، ومَخمُوس، ومَسدوس، ومسبوع ومثمون { ومتسوع ) [(٧)](#foonote-٧) ومعشور. 
وقال القتبي : الأنكاث ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها : نِكَثُ. يقول : لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك، وتحنثوا، فتكونوا كامرأة غزلت، ونسجت، ثم نقضت ذلك فجعلته أنكاثا، والله أعلم.

١ من م، ساقطة من ا؟لأصل..
٢ في الأصل وم: ويحلفون على ذلك، ويقسمون..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: وقال..
٥ في الأصل وم: نقضت..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:93

> ﻿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [16:93]

الآية : ٩٣ وقوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، قال الحسن : ولو شاء الله ، المشيئة هاهنا مشيئة القهر والقسر، أي : لو شاء لجبرهم، وقهرهم على الإيمان، فآمنوا جميعا. وهذا فاسد ؛ لأن لا يكون بالقهر والجبر إيمان ؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر، فيبطل تأويله ؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال. 
وقال أبو بكر : تأويل[(١)](#foonote-١) قوله : ولو شاء الله ، لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعا. ( كتلك الآية، وهي قوله ) [(٢)](#foonote-٢) : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين  ( الشعراء : ٤ ). 
لكن عندنا ليسوا يؤمنون، ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك. ولا يحتمل أن تحملهم الآية على الإيمان، شاؤوا، أو أبوا. ألا ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون ، إلى قوله : والله ربنا ما كنا مشركين  ( الأنعام : ٢٢ و ٢٣ )، أخبر أنهم يكذبون، وقد يمنعهم ذلك عن الكذب. دل أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه. ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار، فيبطل تأويله. 
**ثم الآية تحتمل عندنا وجهين :**
أحدهما : قوله تعالى : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، بظاهر السبب الذي لو [(٣)](#foonote-٣) أعطاهم لآمنوا له، ( كقوله تعالى ) [(٤)](#foonote-٤) : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة  الآية ( الزخرف : ٣٣ )، أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر، فيكونوا كفارا كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة. فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام. 
الوجه الثاني : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، بلطف منه،  يشرح صدره للإسلام  الآية ( الأنعام : ١٢٥ )، من غير أن يُعلم أن أحدا ألقى ذلك في قلبه من نحو ما يمكن للشيطان عدوا لله حتى يقذف في قلوب الخلق، ويلقي وساوس من غير أن يعلموا أن أحدا دعا إلى ذلك، أو ألقى في[(٥)](#foonote-٥) قلوبهم. 
ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم عليه السلام ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربه، لو علم أن إبليس لما أجابه ؟ وكذلك ما مكن الملائكة من تثبيت قلوب اللذين آمنوا وإلقاء أشياء في قلوبهم، وإلهامهم [(٦)](#foonote-٦)، وهو قوله : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا  ( الأنفال : ١٢ ) من غير أن يعلموا أن أحدا دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحدا ذلك في قلوبهم. 
فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا، يملك شرح صدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلم أن أحدا فعل ذلك. 
وقوله تعالى : ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، على قول الحسن على الحكم لذلك. 
وقال أبو بكر : يضل ، بالنهي من نهى،  ويهدي ، بالأمر. لكن هذا فاسد ؛ لأنه لو كان بالنهي مضلا، وبالأمر هديا، لكان مضلا للأنبياء والرسل ؛ لأنه قد نهاهم بمناه، فيكون مضلا لهم، فإن قيل :{ لم يضل [(٧)](#foonote-٧) ما ذكرت لأنهم لم يرتكبوا المناهي، قيل الارتكاب فعلهم، فلا يحتمل أن سكون بفعلهم ذلك، فدل أن ما ذكر فاسدا. وعلى قولهم يكون بالنهي عاصيا مضلا. 
وعند قوله : لكن يضل من يشاء ، أي : يَخْلُقُ فعل الضلال منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى، ويخذله[(٨)](#foonote-٨). 
وقوله تعالى : ولتسئلن عما كنتم تعلمون ، وهو ظاهر.

١ في الأصل وم: تأويله..
٢ في الأصل وم: لتلك الآية كقوله..
٣ في الأصل وم: إذا..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: إلى..
٦ في الأصل وم: يلهمونهم..
٧ في الأصل وم: يضر..
٨ في الأصل وم: يخذلهم..

### الآية 16:94

> ﻿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [16:94]

الآية : ٩٤ وقوله تعالى : ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ، قد ذكرنا. وقوله تعالى : فتزل قدم بعد ثبوتها ، قال أبو بكر : دل قوله : فتزل قدم به ثبوتها ، أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام ؛ لأنه أخبر أنه تَزِلُّ  قدم بعد ثبوتها ، وهو الكفر بعد الإسلام. 
وعندنا ما ذكرنا أن قوله : فتزل قدم ، بالخوف،  بعد ثبوتها ، أو بعد ما كانوا آمنين ؛ لأنهم بإيمانهم كانوا يأمنون، وبنقضهم العهد و الأيمان يخافون. فيكون قوله : فتزل قدم ، كناية عن الخوف، ( وقوله : بعد ثبوتها  )، [(١)](#foonote-١) كناية عن الأمن، أي : صاروا خائفين بنقض العهود والأيمان بعدما كانوا آمنين، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ، على هذا التأويل : يذوقون ذلك في الدنيا بالقتل والقهر، يحتمل في الآخرة بما صدوا الناس عن دين الله، واستبدلوا به الكفر بعد الإيمان.  ولكم عذاب عظيم .

١ في الأصل وم: وثبوت..

### الآية 16:95

> ﻿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [16:95]

الآية : ٩٥ وقوله تعالى : ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ، قال بعضهم : عهد الله دين الله. وقال بعضهم : عهد الله الذي عهد إليهم. ويحتمل عهد الله ما أعطوا من العهد والأيمان، أي :( لا ) [(١)](#foonote-١) تنقضوها بشيء يسير.  إنما عند الله هو خير لكم ، دائم باق، وهذا زائل فان، أو ما يجري بوفاء ما عهد[(٢)](#foonote-٢) خير لكم من هذا، أي :( ما )[(٣)](#foonote-٣) يجزكم بوفاء ما ذكر من العهد  خير لكم  من غيره، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: عهدوا..
٣ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:96

> ﻿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [16:96]

الآية : ٩٦ وقوله تعالى : وما عندكم ينفذ وما عند الله باق ، أي : ما أخذتم من الأموال، واكتسبتم بنقض العهود والأيمان ينفذ، ويفنى، وما عند الله من الجزاء و الثواب بعهد الوفاء باق.  ولنجزين الذين صبروا أجرهم ، يحتمل قوله على ما أمروا به، ونهوا عنه، وصبروا على وفاء العهد.  بأحسن ما كانوا يعملون ، يحتمل قوله : بأحسن ، أي : الجزاء الذي نجزيهم على الصبر أحسن من وفاء العهد. أو يجزيهم بأحسن ما عملوا ؛ أي : يجعل سيئاتهم حسنات كقوله : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ( الفرقان : ٧٠ )، وقوله : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم  ( الأحقاف : ١٦ )، والله أعلم.

### الآية 16:97

> ﻿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [16:97]

الآية : ٩٧ وقوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أثنى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ، اختلف أهل التأويل في قوله )[(١)](#foonote-١)  فلنحيينه حياة طيبة ، قال : بعضهم : قوله : فلنحيينه حياة طيبة  في الآخرة، وهي جنة. وقال بعضهم : حياة طيبة  في الدنيا. 
فمن قال : حياة طيبة ، هي الجنة في الآخرة، يكن[(٢)](#foonote-٢) تأويله : من يكن عمله في الدنيا صالحا، يحيه الله في الآخرة حياة طيبة في الدنيا. وإلا فظاهر قوله : من عمل صالحا ، إنما هو على عمل واحد. وكذلك قوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة  البقرة : ٢٠١ )، ظاهره على حسنة واحدة. لكن الوجه فيها ما ذكرنا : من يكن عمله في الدنيا صالحا يفعل ما ذكر، وقوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، أي : ما تؤتينا في الدنيا،  آتنا في الدنيا حسنة ، أو أن يكون على الختم به، أي : من ختم بالعمل الصالح يحيه الله حياة طيبة في الجنة/ ٢٩٢-ب/كقوله : من جاء بالحسنة فله  ( الأنعام : ١٦٠ ) كذا. 
وقال الحسن : الحياة الطيبة هي الجنة ؛ لأن في الدنيا ما ينغص حياته. 
وقال بعضهم : الحياة الطيبة في الدنيا. فتأويله : من يكن يهمه وجهده العمل الصالح،  فلنُحيِيَّنه حياة طيبة ، أي : نوفقه، ونيسره، للخيرات والعمل الصالح والطاعات، وهو ما روي ( عنه صلى الله عليه وآله وسلم ) [(٣)](#foonote-٣) أنه قال :( كل مسير لما خلق ) ( مسلم ٢٦٤٩ )، وكقوله تعالى : فأما من أعطى وأتقى   وصدق بالحسنى   فسنيسره لليسرى  ( الليل : ٥ و٦ و٧ )، وكقوله : والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ( العنكبوت : ٦٩ ) ونحوه. 
فذلك هو الحياة الطيبة في الدنيا حين[(٤)](#foonote-٤) يسر عليه العمل الصالح، ووفقه للطاعات والخيرات. 
وقال بعضهم : قوله : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، أي : قنع في الدنيا بما قسم الله له، ورزقه، ورضي به،  فلنحيينه  في الدنيا  حياة طيبة  بما أزال عنه هم طلب الفضل وغمَّه وذِلَّة حرصه عليه ؛ لأن أكثر هموم الناس في الدنيا وذلهم لما لم يرضوا بما قسم الله لهم، ولم يقنعوا به، فهو يحيى  حياة طيبة  لما عصم عن ذلك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولنجزينهم أجرهم ، أي : في الآخرة،  بأحسن ما كانوا يعملون ، على تأويل من قال : الحياة الطيبة في الدنيا. وقال بعضهم : حياة طيبة ، الرزق الحلال، وقوله : بأحسن ما كانوا يعملون ، في الدنيا ما ذكر هؤلاء. وقال بعضهم : حياة طيبة ، الرزق الحلال. وقوله : بأحسن ما كانوا يعملون ، وقد ذكرنا.

١ ساقطة من الأصل وم:.
٢ في الأصل وم: يكون..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:98

> ﻿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [16:98]

الآية : ٩٨ وقوله تعالى : فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، كقوله [(١)](#foonote-١) في آية أخرى : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله  ( الأعراف : ٢٠٠ )، وكقوله [(٢)](#foonote-٢) في آية أخرى : قل رب أعوذ بك من همزات الشيطان  ( المؤمنون : ٩٧ )، فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو عند نزغ الشيطان على ما ذكر. لكنه إذا تعوذ من همزاته ونزعاته. 
فإن قيل : كيف خص قراءة القرآن بالتعوذ، من دون غيره من الأذكار والعبادات والأعمال الصالحة ؟ قيل : قد يتعوذ منه دون غيره أيضا في غيره من العبادات والأذكار بقولهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، إذ لا يفتتح شيء إلا به. فذلك تعوذهم به، لكن التعوذ في هذا تعوذ بالكناية [(٣)](#foonote-٣)، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح، وذلك لأنه [(٤)](#foonote-٤) حجة وبرهان وطعن لأعداء في ما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها. 
ألا ترى ( أن الشيطان كان يُلَقِّن أوليائه ) [(٥)](#foonote-٥) أنه  سحر  ( المائدة : ١١٠ و. . . . ) وأنه  أساطير الأولين  ( الأنعام : ٢٥ و. . . . )، وأنه  إنما يعلمه بشر  ؟ ( النحل : ١٠٣ ) ونحوه، وهو[(٦)](#foonote-٦) قوله : إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم  ( الأنعام : ١٢١ )، كانوا يطلبون الطعن في القرآن ؛ لأنه حجة وبرهان، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار. فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه في ما هو حجة بالتصريح، وفي غيره بالكناية [(٧)](#foonote-٧)، والله أعلم. 
ثم في هذه الآية وفي غيرها من قوله : إذ قمتم إلى الصلاة فاغتسلوا وجوهكم  ( المائدة : ٦ )، وقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، لم يفهم أهلها منها ( التعوذ ) [(٨)](#foonote-٨) على ظاهر المُخْرَج، ولكن فهموا على المُخْرَج الحكمة ؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد الفراغ [(٩)](#foonote-٩) من القراءة. 
وكذلك يُفهَم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه. ثم ( لم ) [(١٠)](#foonote-١٠) يَفهموا في هذا ونحو هذا، ولكن فهموا إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله. وكذلك فهموا من قوله : إذا قمتم ، أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فاغتسلوا كذا لم يفهموا كل قيام، إنما فهموا قياما دون قيام، أي : إذا ( أردتم )[(١١)](#foonote-١١) القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون، وفَهِمُوا من قوله : إذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض  ( الجمعة : ١٠ )، وفهموا من قوله : إذا طعمتم فانتشروا  ( الأحزاب : ٥٣ )
وكذلك فهو من قوله : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله  ( البقرة : ٢٠٠ ) الفراغ منها. دَلَّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج، ولكن على مخرج الحكمة والمعنى. 
وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده.

١ في الأصل وم: و قال..
٢ في الأصل وم: و قال..
٣ في الأصل وم: بكناية..
٤ في الأصل وم: أنه..
٥ في الأصل وم: أنه كان يلقنهم أعني الشيطان وأوليائه..
٦ في الأصل وم: و..
٧ في الأصل وم: بكناية..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: فراغه..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم.

### الآية 16:99

> ﻿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [16:99]

الآية ٩٩ : وقوله تعالى : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ، قال بعضهم : ليس له سبيل على الذين آمنوا. وقال بعضهم : السلطان الحجة، أي : ليس له حجة على الذين آمنوا. و قال بعضهم : أي : ليس له ملك على الذين آمنوا، ملك القهر والغلبة.

### الآية 16:100

> ﻿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [16:100]

الآية : ١٠٠ ( وقوله تعالى ) [(١)](#foonote-١) : إنما سلطانه على الذين يتولونه ، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتولونه أيضا. 
إنما يتبعونه بإشارات منه طوعا. فدلَّ أن تأويل الملك لا يصح في السلطان أو الحجة. 
ثم يحتمل قوله : إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ، بالقرآن ؛ لأنه ذكره[(٢)](#foonote-٢) على إثر ذكر القرآن. ويحتمل  الذين آمنوا وعلى ربهم ، فهما واحد في الحاصل،  إنما سلطانه ، حجته أو سبيله،  على الذين يتولونه ، يتخذونه [(٣)](#foonote-٣) وليا، فيطيعونه في كل أمره، وجميع إشاراته وما يلقيه [(٤)](#foonote-٤) إليهم. 
وأصله : ليس له سلطان على الذين آمنوا  بربهم،  وعلى ربهم يتوكلون ، في جميع أحوالهم وساعاتهم، أي :( لا )[(٥)](#foonote-٥) سلطان له، ولا سبيل على من آمن بربه، وتوكل عليه. 
وقوله تعالى : والذين هم به مشركون ، إبليس ؛ يتبعونه، ويعدلونه بربهم. ويحتمل : به مشركون ، بربهم. 
والتوكل : هو الاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه في كل حال : السراء والضراء، وفي كل وقت : الضيق والسعة. فذلك التوكل عليه.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٣ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: يلقون..
٥ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 16:101

> ﻿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [16:101]

الآية ١٠١ : وقوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية  الآية تحتمل وجهين :
أحدهما : ما قاله أهل التأويل على التناسخ : أن يبدل آية مكان آية، وهو على تبديل حكم آية بحكم آية أخرى، لا على رفعها [(١)](#foonote-١) عينها. 
والثاني : قوله : وإذا بدلنا آية مكان آية ، أي : بدلنا حجة بعد حجة وآية بعد آية لرسالته.  قالوا إنما أنت مفتر ، كلما آتاهم حجة على إثر حجة، وآية بعد آية يقولون : إنما أنت مفتر ، ينسبون إليه الافتراء أنه افترى. وكذلك كانت عادتهم المعاندة والمكابرة كقوله : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين  ( الأنعام : ٤ )، وكقوله : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون  ( الأنبياء : ٢ )، ونحوه من الآيات، كلما ( أتاهم بحجة ) [(٢)](#foonote-٢) وآية بعد آية، كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الافتراء من نفسه، ويزدادون [(٣)](#foonote-٣) بذلك كفرا. 
وهو ما قال : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ،  وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم  ( التوبة : ١٢٤ و ١٢٥ )، أخبر أنه كان يزداد أهل [(٤)](#foonote-٤) الإيمان بما ينزل عليهم من سورة إيمانا، ويزداد أهل [(٥)](#foonote-٥) الشرك رجسا وكفرا إلى كفرهم. 
( وهو )[(٦)](#foonote-٦) مثل هذا. ولو كان يحتمل حرف  وإذا  مكان : لو كان أقرب، ويكون تأويله، ولو أنزلنا حجة بعد حجة، وآية على إثر آية جديدة، ما [(٧)](#foonote-٧) آمنوا، كقوله : ولو أنزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا  ( الأنعام : ١١١ )، وكقوله : ولو أن قرءانا سيرت به الجبال  الآية ( الرعد : ٣١ )، أي : لو أن هذا القرآن قرآن،  ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ، ما آمنوا بعنادهم. فعلى ذلك الأول. 
ويحتمل قوله : وإذا بدلنا آية مكان آية ، بالسؤال، أي : بدلنا آية بالسؤال مكان آية،  قالوا إنما أنت مفتر . وقوله تعالى : والله أعلم بما ينزل ، به صلاحهم وغير صلاحهم، أو أن يكون : والله أعلم بما ينزل ، من تثبيت قلوب الذين آمنوا كقوله : ليثبت الذين آمنوا  ( النحل ١٠٢ )، أو أن يكون : والله أعلم بما ينزل ، جبريل على رسوله جوابا لقولهم  إنما أنت مفتر ، وكقوله : قل نزله روح القدس من ربك بالحق  ( النحل : ١٠٢ )، أي : ليس مفتر، ولكن نزله جبريل من ربه.

١ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أتى بهم حجة..
٣ في الأصل وم: ويزداد لهم..
٤ في الأصل وم: لأهل..
٥ في الأصل وم: لأهل..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: فما..

### الآية 16:102

> ﻿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ [16:102]

الآية : ١٠٢ وقوله تعالى : قل نزله روح القدس من ربك بالحق ، يحتمل قوله : بالحق ، الذي عليهم، أي : بالحق الذي لبعضهم / ٢٩٣ – أ / على بعض. والحق في الأقوال هو [(١)](#foonote-١) الصدق، وفي الأفعال صواب ورشد، وفي الأرحام عدل وإصابة. والحق هو الشيء الذي يحمد عليه صاحبه. 
وقوله تعالى : ليثبت الذين آمنوا ، هذا تفسير قوله : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا  ( التوبة : ١٢٤ ) ؛ لأنه أخبر أنه  ليثبت الذين آمنوا ، فذكر من زيادة الإيمان، هو التثبيت الذي ذكر ههنا، قوله : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ، وذكر قوله : إنما أنت مفتر ، مقابل قوله : الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم  ( التوبة : ١٢٥ )، ليعلم أن الزيادة التي ذكر في سورة التوبة هي ما ذكر هاهنا من التثبيت والطمأنينة ونحوه. 
وقوله تعالى : وهدى ورحمة ، أي : هدى من الجهالات والشبهات التي كانت تعترض لهم، أو من الضلالة،  وبشرى للمسلمين ، وقال في آية أخرى : وهدى ورحمة للمؤمنين  ( يونس : ٥٧ )، ليعلم أن الإيمان والإسلام واحد.

١ من م، في الأصل: هذا..

### الآية 16:103

> ﻿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [16:103]

الآية ١٠٣ : وقوله تعالى : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، هم لم يقولوا  إنما يعلمه بشر ، ولكن كانوا ينصون واحدا فلانا، لكن الخبر من الله على ذكر البشر. 
ألا ترى أنه أخبر أن لسان  الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين  ؟ دل أن البشر الذين أخبر عنهم أنهم يقولون : إنه يعلمه بشر كان منصوصا عليه مشارا إليه حين[(١)](#foonote-١) قال : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ،  لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ، ولسان النبي عربي. فكيف فهم هذا من هذا ؟ وهذا من هذا ؟ ولسان هذا غير لسان هذا. وما قاله أهل التأويل أنه كان يجلس إلى غلام، يقال له كذا، وهو يهودي، يقرأ التوراة، فيستمع إلى قراءته، وكان يعلمه الإسلام حتى أسلم. فعند ذلك قالت له قريش : إنما يعلمه بشر . ولو كان ما ذكر أنه كان يعلمه الإسلام، فأسلم، فلقائل أن يقول : كيف فهم ذلك الرجل منه لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولسانه غير لسانه على ما أخبر ؟ لكن يحتمل أن يكون ذلك في القرآن حين[(٢)](#foonote-٢)  قالوا إنما أنت مفتر  ( النحل : ١٠١ )، ثم يقولون : إنما يعلمه بشر  فنقول، والله أعلم، إنه كيف علمه هذا القرآن، وهو لا يفهم من لسانه إلا يسيرا منه، فأنتم لسانكم عربي، لا تقدرون أن تأتوا بمثله ولا بسورة من مثلها ولا بآية. فكيف قدر على مثله من لا يفهم لسانه، ولا كان بلسانه. يخرج ذلك على الاحتجاج عليهم. 
وبعد فإن في قولهم ظاهر التناقض ؛ لأنهم  قالوا إنما أنت مفتر ، ثم قالوا : إنما يعلمه بشر ، فالذي علمه غيره، ليس بمفتر، إنما يكون لافتراء من ذات نفسه. فهو ظاهر التناقض. 
وقوله تعالى : عربي مبين ، يحتمل ما لهم وما عليهم، أو مبين للحقوق التي لله عليهم، وما لبعضهم على بعض، أو مبين أنه[(٣)](#foonote-٣) من عند الله نزل، ليس بمفترى. 
وهذه الآية ترد على الباطنية قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن رسول الله هو الذي ألف هذا القرآن بلسانه، ولم يُنزِل الله عليه بهذا اللسان. فلو كان على ما ذكروا ما كان لأولئك ادعاء ما ادعوا على رسول الله من الافتراء. 
وقوله تعالى : يلحدون إليه ، قال بعضهم : يميلون إليه، وهو قول أبي عوسجة والقتبي. قالوا : الإلحاد : الميل، ولذلك سمي اللحد لحدا، لميله إلى ناحية القبر. وقال الكسائي : هو من الركون إليه، أي : يركنون.

١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: أي بين..

### الآية 16:104

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:104]

الآية : ١٠٤ وقوله تعالى : إن الذين لا يؤمون بآيات الله لا يهديهم ، قال الحسن : إنه والله، من كذب بآيات الله، فهو ليس بِمُهْتَد عند الله. و قال أبو بكر : لا يهديهم الله ، بتكذيبهم الآيات، فهو كله خبالُ على كل من يُشْكِلُ، ويخفي ؛ أي : من كذب بآيات الله غير مهتد، ومن يظن هذا. وقول أبي بكر أيضا : من يتوهم أن من كذب بآيات الله أنه يهديه فهذا [(١)](#foonote-١) فاسد، خبال كله. 
وأصله عندنا قوله : إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ، ( لعنادهم ومكابرتهم ؛ لأنهم كانوا يعاندون آيات الله، ويكابرونها، ويكذبون مع علمهم أنها آيات وأنها حق. أو قال ذلك ( في قوم )[(٢)](#foonote-٢) علم الله أنهم لا يؤمنون ) [(٣)](#foonote-٣) يموتون عليه، فمن علم منه أنه لا يؤمن لا يهديه.

١ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: لقوم..
٣ ساقطة من م..

### الآية 16:105

> ﻿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [16:105]

الآية ١٠٥ : وقوله تعالى : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ، لا الذين يؤمنون بها، ويصدقونها،  وأولئك ، الذين كذبوها  هم الكاذبون .

### الآية 16:106

> ﻿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [16:106]

الآية : ١٠٦ وقوله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، قوله : من كفر بالله من بعد إيمانه ، يحتمل وجهين :
أحدهما [(١)](#foonote-١) : من كفر بالله ، في زعم المكره ؛ لأنه أكرهه به ؛ ففي زعمه ( أنه )[(٢)](#foonote-٢) كافر بالله لطلبه ذلك منه، وهو كقوله : فراغ إلى آلهتهم  ( الصافات : ٩١ )، في زعمهم ( أنها آلهة، وهي لم تكن )[(٣)](#foonote-٣)، وكقوله : وانظر إلى إلهك  ( طه : ٩٧ )، سماه إلها ؛ لأنه ( إله ) [(٤)](#foonote-٤) في زعم السَامِري. 
والثاني : من كفر بالله ، شارحا صدره بالكفر، فهو[(٥)](#foonote-٥) الكافر به. وأما من أظهر الكفر بلسانه بالإكراه، وقلبه معتقد بالإيمان على ما كان مطمئنا به، فهو ليس بكافر. 
وأصله أن من اعتقد مذهبا ودينا فإنه يعتقده بخصال ثلاث :
أحدها : يقلد آخر لما رآه أبصر وأحذق وأعلم فيه، وهو لا يبلغ ذلك، فيقلده لفضل بصره وعلمه فيه ورأيه. 
والثاني : يعتقده[(٦)](#foonote-٦) للشبهة لما تراءى عنده أنه الحق، فيعتقده لتلك الشبهة التي ذكرنا. 
والثالث : يتضح له الحق، فيعتقده. 
فلهذه الوجوه الثلاثة يعتقد من يعتقد ( دينا ومذهبا. فأما أن يعتقد ) [(٧)](#foonote-٧) الإنسان مذهبا مجانا على الجُزاف ( فلا، فإذا )[(٨)](#foonote-٨) كان إظهار كفر هذا لأكراه من أكرهه لم يصر كافرا. 
وأصله أن الإيمان والكفر إنما يكونان بالاختيار. فالإكراه يزيل الاختيار اختيار الكفر. لذلك يبقى على الإيمان على ما كان لما لم يوجد منه اختيار الكفر. 
فإن قيل : أليس أمرنا أن نقاتل أهل الكفر ليسلموا، وذلك إسلام بإكراه، وعلى ذلك نطق الكتاب، وهو قوله : تقاتلونهم أو يسلمون  ( الفتح : ١٦ )، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) ( البخاري : ٢٥ )، ثم إذا أسلم لخوف السيف كان إسلامه إسلاما في الظاهر ؟ ما منع كذلك أنه إذا أكره على الكفر، فأجرى كلمة الكفر، فكان[(٩)](#foonote-٩) كفره كفرا في الظاهر، فيحكم بحكمه كما حكم في الإسلام على الإكراه، فما الفرق فيه ؟ 
قيل : كذلك كان يجيء، إلا أن الله تعالى عفا عباده عن ذلك، فأبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهروا بلسانهم كلام الكفر بعد أن تكون قلوبهم مطمئنة بذلك فضلا منه ونعمة. وإلا القياس أن يحكم بحكم الكفر إذا تكلم بكلام الكفر. 
وأما الطلاق والعتاق والنكاح ( ونحو ذلك فظاهر ) [(١٠)](#foonote-١٠) على ما تكلم به عامل واقع ؛ لأن الطلاق والعتاق ونحوهما مما تعلق بالكلام نفسه لا غيره، فهو، وإن أُكرِهَ على ذلك فهو مختار للتكلم به، قاصد [(١١)](#foonote-١١) له ؛ لأن المكره لو أحب أن يستعمل لسانه بالتكلم بما ذكر ما قدر عليه. دل أنه على الاختيار يتكلم. 
وأما البيع والشراء ( ونحوهما فلم يتعلقا ) [(١٢)](#foonote-١٢) بالكلام نفسه، إذ قد يكون الأخذ والتسليم دون التكلم به. لذلك عمل الإكراه في إبطاله ( وأبقى المكره ) [(١٣)](#foonote-١٣)على الإيمان وحكمه، وإن أظهر بلسانه كلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنا بذلك. 
وعلى ذلك ما روي عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم حين[(١٤)](#foonote-١٤) قال :( وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ( ابن ماجة : ٢٠٤٥ )، وذلك في الكفر، ليس في غيره ؛ لأن الإكراه على الكفر كان ظاهرا يومئذ، ولم يكن في غيره من طلاق وغيره. 
وأما قتالنا إياهم ليسلموا فهو يحتمل ( وجهين :
أحدهما [(١٥)](#foonote-١٥) : على المجاوزة كقوله تعالى : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة  ( التوبة : ٣٦ )، فنقاتلهم ليظهروا على الإسلام، وإن لم تعرف حقيقته على المجازاة. 
والثاني : قبلنا منهم الإسلام على الإكراه لنقربهم[(١٦)](#foonote-١٦) / ٢٩٣ – ب / في ما بين المسلمين، فيرون الإسلام، ويتعلمون منهم حقيقته. 
ألا ترى أنه قال : إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ، سماهن مؤمنات، ثم أمرنا بامتحانهن بقوله : فامتحنوهن  ( الممتحنة : ١٠ )، فإنما يمتحن ليظهر حقيقة إيمانهن، وإلا لم ( يكن )[(١٧)](#foonote-١٧) للامتحان معنى لولا ذلك. 
وأصله أن الله جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيره من الجوارح ؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعماله [(١٨)](#foonote-١٨) بإكراه. وأما القلب فإنه لا يملك أحد سواه استعماله، وذلك لفضله ومنه. ( وقوله تعالى )[(١٩)](#foonote-١٩) : ولكن من شرح بالكفر صدرا ، فهو كافر به إن كان ذلك على الإكراه، لما ذكرنا أنه باختياره[(٢٠)](#foonote-٢٠) الكفر ينشرح له الصدر لما لا يعمل [(٢١)](#foonote-٢١) الإكراه على القلب،  فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ، ظاهر.

١ أدرج قبلها في الأصل: ذكر من كفر بالله، وأدرج قبلها في م: حيث ذكر كفر بالله..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: لأنهم لم يكونوا..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٦ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: فلانا إذا..
٩ الفاء ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: ونحوه ظاهر..
١١ في الأصل وم: قاصدا..
١٢ في الأصل وم: ونحوه لم يتعلق..
١٣ في الأصل وم: وأبقاهم..
١٤ حيث..
١٥ في الأصل وم: وجوها..
١٦ في الأصل وم: لنقرهم..
١٧ ساقطة من الأصل وم..
١٨ في الأصل وم: استعمالها..
١٩ ساقطة من الأصل وم..
٢٠ الهاء ساقطة من الأصل..
٢١ من م، في الأصل: يعلم..

### الآية 16:107

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [16:107]

الآية : ١٠٧ وقوله تعالى : ذلك بأنهم ، أي : ذلك الغضب والعذاب،  بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، يحتمل وجهين :
أحدهما : استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، جحودا وإنكارا. وإلا نفس الاستحباب قد يكون من المؤمن، فلا يزول عنه اسم الإيمان كقوله : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ، إلى قوله : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة  ( التوبة : ٣٨ )، فلم يزل عنهم اسم الإيمان باختيارهم واستحبابهم الحياة الدنيا. فدل أن الأول على الجحود له والإنكار، وهذا على الميل إليه دون الجحود. 
والثاني [(١)](#foonote-١) : أن يكون كذلك لما لم يروا الآخرة كائنة، لا محالة، ظنا ظنوا لعلها كائنة كقولهم : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين  ( الجاثية : ٣٢ ). 
وأما أهل الإسلام، لم يكونوا فيها ظَانِّينَ شاكين، ولكن متحققين مستيقنين، فاستحقوا بذلك. 
وقوله تعالى : وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ، وقت اختيارهم الكفر، وأن الله لا يهدي القوم المختارين الكفر على الإيمان. وقال ذلك لقوم، علم الله أنهم يختارون الكفر، وأنهم يموتون على الكفر، فلا يهديهم.

١ في الأصل وم: أو..

### الآية 16:108

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [16:108]

الآية : ١٠٨ وقوله تعالى : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، الطبع هو التغطية ؛ تغطي ظلمة الكفر نور القلب والسمع ونور البصر ؛ كأن لكل أحد نورين وبَصَرَين : ظاهر وباطن، يُبصِر بها جميعا فإذا ذهب أحدهما، أو عمي، صار لا يبصر كمن يبصر ببصر الظاهر، إنما يبصر بنور بصره وبنور الهواء : فإذا دخل في أحدهما آفة ذهب الانتفاع، وصار لا يبصر شيئا. فعلى ذلك. للقلب بصر خفي، وبصر ظاهر : الذي هو معروف. فإنما يبصر بهما. فإذا غطت ظلمة الكفر بصر القلب صار لا يبصر شيئا. 
ألا ترى أنه قال : فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور  ( الحج : ٤٦ )، أخبر أن الأبصار الظاهرة لم تعم، ولكن عميت : القلوب التي في الصدور  ؟ هذا يدل على ما ذكرنا، والله أعلم، معنى طبع السمع والبصر. 
وقوله تعالى : وأولئك هم الغافلون ، يحتمل : غافلين[(١)](#foonote-١) عن النظر في آياته وحججه، ويحتمل : غافلين[(٢)](#foonote-٢)عما يحل بهم بكفرهم وتكذيبهم آيات الله وحججه.

١ في الأصل وم: غافلون..
٢ في الأصل وم: غافلون..

### الآية 16:109

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [16:109]

الآية : ١٠٩ وقوله تعالى : لا جرم ، قد ( ذكرنا ما قيل فيه : لابد، و حقا )[(١)](#foonote-١) وقيل : هو حرف وعيد.  لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ، قال الحسن : إنهم، والله، خسروا الجنة ورحمة الله، خسروا أهلهم ومنزلهم الذي كان لهم في الجنة، وخسروا أنفسهم حين قذفوها في النار. 
وقال أبو بكر الأصم : خسروا النعم الدائمة الباقية بالزائلة الفانية، وخسروا أنفسهم حين [(٢)](#foonote-٢) قُتِلُوا، وأسروا في الدنيا.

١ من م، في الأصل: ذكر ما قيل فيه لابد حقا..
٢ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:110

> ﻿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:110]

الآية : ١١٠ وقوله تعالى : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ، قيل : عذبوا على الإيمان بمكة،  ثم جاهدوا  مع النبي وأصحابه،  وصبروا  على ذلك،  إن ربك من بعدها لغفور رحيم ، قيل : من بعد الفتنة،  لغفور رحيم ، لما كان منهم  رحيم . ذكر  إن ربك  مرتين :
إحداهما :) ( ٥ )[(١)](#foonote-١) قوله : ثم إن ربك للذين هاجروا ، ( والثانية : قوله :)[(٢)](#foonote-٢)  إن ربك من بعدها لغفور رحيم ، قيل : من بعد الفتنة، فيجيء أن يكتفى ( بواحدة، فيقول )[(٣)](#foonote-٣)  لغفور رحيم ، موصولا بقوله : للذين  فعلوا ما ذكر. لكنه ذكره[(٤)](#foonote-٤) مرتين، والله أعلم ( لطول الكلام. ويحتمل )[(٥)](#foonote-٥)  لغفور  لهم ؛ يعني : لهؤلاء الذين فتنوا، وعذبوا، ولغيرهم. 
ذكر أهل التأويل أن أناسا من المؤمنين، خرجوا إلى المدينة، فأدركهم المشركون ليردوهم، فقاتلوهم ؛ فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله : إن ربك للذين هاجروا  الآية. 
ومنهم من يقول : أيضا فيهم نزل قوله : آلم   أحسب الناس أن يتركوا يقولوا آمنا  الآية ( العنكبوت : ١ و ٢ ). 
وأكثرهم قالوا : إن قوله : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ( النحل : ١٠٦ )، إنما نزل في عمار بن ياسر، وليس لنا إلى ذلك حاجة، إنما الحاجة في ما ذكرنا من الحكم به والحكمة، والله أعلم.

١ في الأصل وم: ذكر مرتين أحدهما..
٢ في الأصل وم: ثم قاتلوا..
٣ في الأصل وم: بواحد يقول..
٤ في الأصل وم: ذكر..
٥ في الأصل وم: أنه..

### الآية 16:111

> ﻿۞ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [16:111]

الآية : ١١١ وقوله تعالى : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ، قال الحسن : تجادل ، أي : تخبر عن نفسها عما عملت من خير أو شر. وقال أبو بكر الأصم : إن كل نفس رهينة بما كسبت من شر حتى يكون طائرا في عنقه. ولكن ليس في ما ذكر هؤلاء مجادلة ؛ المجادلة المخاصمة، كأنها تخاصم عن نفسها من ارتكاب أشياء وعوى أشياء على ما ذكر في غير آية كقوله : ثم لم تكن فتنتهم  ( الأنعام : ٢٣ ). 
وقال بعضهم : إن جهنم تزفر زفرة حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقد جثا بركبتيه خوفا منها. فعند ذلك تجادل، وتخاصم كل نفس عن نفسها. 
ويشبه أن يكون مجادلتهم على غير هذا ؛ وهو ما ذكر  حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون   وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا  ( فصلت : ٢٠ و ٢١ ) فتلك مجادلتهم أنفسهم، وكقوله : ثم لم تكن فتنتهم  ( الأنعام : ٢٣ ) وكذلك ما ذكر في المنافقين  يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم  الآية ( المجادلة : ١٨ )، وذلك كله مجادلتهم أنفسهم. 
أو أن يقال : تجادل ، لكن لا يفسر ما تلك المجادلة ؟ ولم يذكر ما تلك المجادلة ؟ 
وقوله تعالى : وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ، أي : توفر كل نفس ما عملت، ولا ينقصون من حسناتهم ولا يزدادون على سيئاتهم. 
وهذه الآية ترد على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون بالتخليد لصاحب الكبيرة، وقد أخبر أنه : وتوفى كل نفس ما عملت  من سوء، وتوفر ما عملت من الخيرات والطاعات.

### الآية 16:112

> ﻿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [16:112]

الآية : ١١٢ وقوله تعالى : وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ، اختلف في ضرب المثل بهذه الآية وفي نزولها : قال بعضهم : ضرب المثل لأهل مكة، وفيها نزلت بِفَرْيَات ؛ نزل بهم العذاب بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل ؛ يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول الله نزول العذاب بهم كما نزل بأوائلهم. 
وقال بعضهم : ضرب المثل لأهل المدينة ( إذ نزل العذاب )[(١)](#foonote-١) بأهل مكة ؛ يحذر أهل المدينة لئلا يكذبوا محمدا كما كذب أهل مكة، فيحل بهم ما[(٢)](#foonote-٢) حل بأهل مكة من لباس الجوع والخوف بالتكذيب. 
وقوله تعالى : قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، قيل : هي مكة، وهكذا كانت مكة ؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر، مطمئنين، يأتيهم رزقهم من كل مكان. ويحتمل قرية غيرها ( كان أهلها )[(٣)](#foonote-٣) على ما ذكر. 
وقوله تعالى : فكفرت بأنعم الله ، أي : كفرت بالشكر لأنعم الله، أي : لم يشكروها، ليس أنهم لم يروها من الله تعالى. 
وقوله تعالى : فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف ، اللباس : هو ما يستر وجوه الجواهر. ألا ترى أنه سمى الليل  لباسا  ( الفرقان : ٤٧ و النبأ : ١٠ )، لما ستر وجوه الأشياء. فعلى ذلك الجوع، يرفع الستر واللباس الذي كان قبل الجوع ؛ لأن الجوع إذا اشتد غير وجه صاحبه، ورفع ستره. والجوع : ما ذكر أنه أصابهم جوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحترقة. والخوف : ذكر أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم إليهم. 
ألا ترى أن قال :( نصرت بالرعب مسيرة / ٢٩٤ – أ / شهرين ) ؟ ( الطبراني : في الكبير ١١٠٥٦ ) وقيل : الخوف : القتل. 
وقوله تعالى : رغدا ، قال الكسائي : أرغد الرجل إذا أصاب مالا أو عيشا من غير عناء وكد. 
وقال القتبي : رغدا ، أي : كثيرا واسعا.

١ في الأصل وم: وفيهم نزل..
٢ في الأصل وم: كما..
٣ في الأصل وم: كانوا..

### الآية 16:113

> ﻿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [16:113]

الآية : ١١٣ وقوله تعالى : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ، قوله : رسول منهم ، أي :( من )[(١)](#foonote-١) أنفسهم، من نسبهم وحسبهم، يعرفونه كقوله : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  ( البقرة : ١٤٦ ). 
( وقوله تعالى )[(٢)](#foonote-٢) : فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ، بالتكذيب حين [(٣)](#foonote-٣) وضعوا الشيء في غير موضعه، أو  ظالمون  على أنفسهم. أخبر أنه بعث الرسول من جنسهم ومن حسبهم ؛ لأنه لو كان من غير جوهرهم لم تظهر لهم الآية من غير الآية، ولا الحجة من الشبهة ؛ لأنه إذا خرج على غير المعتاد والطوق عرفوا أنه آية، وأنه حجة ؛ إذ لا يعرفون من غير جوهرهم الخارج عن المعتاد والطوق، ( ويعرفون ذلك من جوهرهم ) [(٤)](#foonote-٤) وكذلك يعرف صدق من نشأ بين أظهرهم من كذبه، ولا يعرف إذا كان من غيرهم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: ويعرفون ذلك من جوهره..

### الآية 16:114

> ﻿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [16:114]

الآية : ١١٤ وقوله تعالى : فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ، قال بعضهم : الحلال والطيب واحد، وهو الحلال، كأنه قال : كلوا مما أحل لكم الله، كقوله : فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ( النساء : ٣ ). 
وقال بعضهم : حلالا طيبا ، أي : حلالا، يطيب لكم تتلذذون به ؛ ( لأن من الحلال ما لا تتلذذ به ) [(١)](#foonote-١) ولا تستطيب، بل تكرهه. ( ويحتمل ) [(٢)](#foonote-٢) قوله : طيبا  تستطيبه [(٣)](#foonote-٣) أنفسكم، وتتلذذ به، لا ما تستخبث ؛ لأن الله جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو أخبث وأخشن ؛ لأن ما هو أطيب أدعى للشكر له. ويحتمل قوله : فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ، لا تبعة عليكم. 
و في الآية دلالة ( أنه ) [(٤)](#foonote-٤) قد يرزق ما يَخْبُثُ، ولا يحل، على ما يختاره حين[(٥)](#foonote-٥) شرط فيه الحلال. 
وقوله تعالى : واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ، الشكر له عليهم لازم، وإن لم يعبدوا، وهو كقوله : وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين  ( الأنفال : ١ )، طاعته وطاعة رسوله واجبة، وإن لم يكونوا مؤمنين. أو يقول : وجهوا شكر نعمته إليه إن كنتم عابدين[(٦)](#foonote-٦) له بجهة، أي : فعلوا العبادة له والشكر في الأحوال كلها.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: تستطيب له..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: عابدون..

### الآية 16:115

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [16:115]

الآية : ١١٥ وقوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ، أي : حرم أكل الميتة وما ذكر، كأنه قال هذا، وذكر على إثر تحريمهم أشياء أحل لهم، نحو ما حرموا على أنفسهم أشياء أحل لهم من الزرع والأنعام والبحيرة والسائبة وما ذكر، فقال : لم يحرم ذاك، وإنما حرم ما ذكر من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، على هذا يجوز أن يخرج تأويله، وإما على الابتداء فإنه يبعد والله أعلم. 
وقوله تعالى : فمن اضطر  إلى ما ذكر من المحرمات  غير باغ على ما نهي عنه، وهو الشبع كقوله : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم  ( المائدة : ٣ )  ولا عاد  عليه [(١)](#foonote-١). 
وقال بعضهم : غير باغ ، يستحله في دينه،  ولا عاد ، ولا معتد في أكله. وقال بعضهم : غير باغ  على المسلمين، مفارق لجماعتهم، مشاق لهم.  ولا عاد  عليهم أنفسهم [(٢)](#foonote-٢). وقد ذكرنا هذا في ما تقدم وأقاويلهم. 
وأما تأويله عندنا : غير باغ  على المسلمين سوى دفع الإهلاك عن نفسه.  ولا عاد ، متعد ومتجاوز اضطراره. ولا يحتمل ما قاله بعض الناس : غير باغ  على الناس ولا معتد عليهم لوجهين :
أحدهما : أنه لا يحتمل البغي على الناس في حال الاضطرار ؛ لأنه لا يقدر عليه، والحال ما ذكر. 
والثاني : أنه، وإن كان باغيا على ما ذكروا ( لو ) [(٣)](#foonote-٣) لم يبح له التناول من الميتة، يكون باغيا على نفسه ؛ لأنه إن لم يتناول هلكت نفسه، فيصير باغيا على نفسه. فدل أنه على ما ذكرنا.

١ في الأصل وم: إليه..
٢ في الأصل وم: يستفهم..
٣ في الأصل وم: يستفهم..

### الآية 16:116

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [16:116]

الآية : ١١٦ وقوله تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، يحتمل : أي : لا تعودوا إلى ما وصفت ألسنتكم من الكذب  هذا حلال وهذا حرام  و[(١)](#foonote-١)، ولا تقولوا الكذب الذي ( تصف [(٢)](#foonote-٢) ألسنتكم  هذا حلال وهذا حرام . 
وعن ابن عباس. رضي الله عنه ( أنه ) [(٣)](#foonote-٣) قال : لا تقولوا لما أحللتموه  هذا حلال ، ولما حرمتموه  وهذا حرام ، وهو كقوله : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق  ( يونس : ٥٩ ). 
وفي هذه الآية دلالة ألا يسع لأحد أن يقول : هذا مما أحله الله، وهذا مما حرمه الله إلا بإذن من الله، ومن يقل [(٤)](#foonote-٤) بأن الأشياء في الأصل على الإباحة أو على الحظر فهو مفتر بذلك على الله الكذب ؛ لأن الله لم يأذن له أن يقول ذلك، بل نهاه عن ذلك مما ذكرنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : لتفتروا على الله الكذب ، أي : تكونون [(٥)](#foonote-٥) مفترين على الله الكذب إذا قلتم هذا. فإن قيل : كيف سماهم مفترين على الله بتسميتهم الحرام حلالا والحلال حراما ؟ قيل : لأن التحليل والتحريم والأمر والنهي ربوبية، فإذا حرما شيئا أحله الله، وأحلوا شيئا حرمه الله، فكأنهم على الله افتروا أنه حرم، أو أحل، أو حرموا هم، أو أحلوا، فأضافوا ذلك إلى الله تعالى أنه هو الذي حرم، أو أحل، فقد افتروا على الله ؛ لأن من أحل شيئا، حرمه الله، أو حرم شيئا، أحله الله، فقد كفر. وليس من انتفع بالمحرم، أو ترك الانتفاع بالمحلل كافرا[(٦)](#foonote-٦)، إنما يصير آثما مجرما، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي. 
وقوله تعالى : إن الذين يفترون على الله الكذب  في تحليل ما حرم الله عليهم وفي تحريم ما أحله، وقولهم : والله أمرنا بها  ( الأعراف : ٢٨ ). 
وقوله تعالى : لا يفلحون ، أي : لا يفلحون  وهم مفترون على الله، وأما إذا انتزعوا ( أنفسهم )[(٧)](#foonote-٧) من الافتراء، وتابوا، أفلحوا. أو  لا يفلحون  في الآخرة إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا.

١ في الأصل وم: وأن..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: يقول..
٥ في الأصل وم: تكونوا..
٦ في الأصل وم: كفرا..
٧ ساقطة من الأصل وم..

### الآية 16:117

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [16:117]

الآية : ١١٧ ثم قوله تعالى : متاع قليل ، على الابتداء. وإنما سمى قليلا، والله أعلم، لوجوه :
أحدها : أن متاع الدنيا على الزوال والانقطاع. فكل ما كان على شرف الزوال والانقطاع فهو قليل كما قيل : كل آت قريب لما يأتي، لا محالة. فعلى ذلك : كل زائل منقطع قريب. 
والثاني : سمى قليلا لما هو مشوب بالآفات والأحزان وأنواع البلايا والشدائد، فهو قليل في الحقيقة. 
والثالث[(١)](#foonote-١) : سماه قليلا لما أن متاع الدنيا قليل عما وعد في الآخرة ؛ فمتاعها من متاع الآخرة قليل، لما ليس فيها الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

١ في الأصل وم: أو..

### الآية 16:118

> ﻿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [16:118]

الآية : ١١٨ وقوله تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ، وهو ما قص في سورة الأنعام، وهو قوله : حرمنا عليهم شحومها ، إلى قوله : ذلك جزيناهم ببغيهم  ( الآية : ١٤٦ )، وقوله : فبظلم من الذين هادوا  الآية ( النساء : ١٦٠ ). 
وقوله تعالى : وما ظلمناهم ، بتحريم ما حرمنا عليهم ؛ لأنا إنما حرمنا عليهم تلك الطيبات عقوبة لهم وجزاء لبغيهم، وهو ما قال في سورة النساء، وهو قوله : فبظلم من الذين هادوا  الآية ( الآية : ١٦٠ )، وهو ما قال : ذلك جزيناهم ببغيهم  ( الأنعام : ١٤٦ )، أخبر أنه إنما ( حرم ) [(١)](#foonote-١) عليهم ذلك بظلم كان منهم عقوبة وجزاء لبغيهم،  وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  في ذلك. 
أو يكون قوله : وما ظلمناهم  ؛ لأنهم عبيده وإماؤه، ولله أن يمتحن عباده وإماءه بتحريم مرة وبتحليل ثانيا، ولكن ظلموا أنفسهم حين [(٢)](#foonote-٢) وجهوها إلى غير مالكها، أو صرفوا شكر ما أنعم عليهم إلى غيره.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..

### الآية 16:119

> ﻿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [16:119]

الآية : ١١٩ وقوله تعالى : ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة  :( عمل السوء بجهالة ) [(١)](#foonote-١) يحتمل وجهين :
أحدهما : أن الفعل فعل جاهل وسفيه، وإن لم يجهل يقل[(٢)](#foonote-٢) لمن عمل السوء : يا جاهل، يا سفيه. 
والثاني : جعل ما يحل به بعمله السوء،  ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة  إلى آخر يجيء أن يكون في الآية إضمار، لم يذكره [(٣)](#foonote-٣) ؛ لأنه قال : ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، ثم كرر ذلك الحرف على الابتداء من غير أن ذكر له جوابا [(٤)](#foonote-٤)، وهو قوله : إن ربك  للذين عملوا السوء بجهالة،  من بعدها لغفور رحيم ، فظاهر الكلام أن يقول : ثم / ٢٩٤ – ب /  إن ربك  للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا  من بعدها لغفور رحيم ، على ما ذكرنا في قوله : ثم إن ربك للذين هاجروا  ( النحل : ١١٠ )، لكن يخرج على الإضمار أو على التكرار على إرادة التأكيد أو على الابتداء والاكتفاء بجواب ذكره في موضع آخر بقوله [(٥)](#foonote-٥) : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم  ( آل عمران : ٨٩ ) هذا، والله أعلم، جواب. أي : إن ربك بعد التوبة  لغفور رحيم ، فهو قبل أن يعمل عمل السوء. والعرب قد تكرر أشياء على إرادة التأكيد، والله أعلم.

١ في الأصل وم: أي عمل السوء بجهالة و..
٢ في الأصل وم: يقال..
٣ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: جواب..
٥ في الأصل وم: ثم قال..

### الآية 16:120

> ﻿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [16:120]

الآية : ١٢٠ وقوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتا ، قال عبد الله بن مسعود : الأمة الذي يعلم الناس الخبر، والقانت : المطيع لله. وقال بعضهم : أمة قانتا ، أي : مؤمنا وحده، والناس كلهم كفار. وقال بعضهم : كان أمة ، أي : إماما يُقتَدَى به في كل خير، كقوله : إني جاعلك للناس إماما  ( البقرة : ١٢٤ )، وقال الحسن : كان إماما، أي : سنة يقتدى به. 
ويحتمل أن يكون سماه أمة ( لما كان كالأمة )[(١)](#foonote-١) والجماعة من القيام على[(٢)](#foonote-٢) الأعداء ؛ لأنه وإن كان منفردا وحده ( كان قيامه على )[(٣)](#foonote-٣) الأعداء والأكابر منهم كالجماعة والعدد. 
ويحتمل قوله : كان أمة ، أي : مجمع كل خير وكل طاعة لما عمل هو من الخير عمل الجماعة، واجتمع فيه كل خير، فسماه[(٤)](#foonote-٤) أمة لهذا الذي ذكرنا. أو أن يكون تفسير الأمة على ما ذكر على إثره،  قانتا لله حنيفا ، والقانت : قيل : المطيع، والقنوت كما ذكر أنه سئل ( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) [(٥)](#foonote-٥) عن أفضل الصلاة، فقال :( طول القنوت ) ( مسلم ٧٥٦ / ١٦٤ )، أي : طول القيام. فعلى هذا المعنى : هو القائم لله في كل ما تعبده، وأمره به. 
وقيل : أمة ، أي : دينا، لقوله : إن هذه أمتكم أمة واحدة  ( الأنبياء : ٩٢ و. . . . . ) أي : دينكم دينا واحدا. 
وقوله تعالى : حنيفا ، قيل :( الحنيف ) [(٦)](#foonote-٦) الحاج، وقيل : الحنيف المسلم، وقيل : المخلص، وفيه ( عليه الصلاة والسلام )[(٧)](#foonote-٧) كل ذلك ؛ كان حاجا مسلما مخلصا لله. 
وأصل الحََِنف [(٨)](#foonote-٨) الميل، أي : كان مائلا إلى أمر الله وما تعبده به، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولم يك من المشركين ، لا شك أنه لم يكن من المشركين، لكنه ذكر هذا [(٩)](#foonote-٩) لوجهين :
أحدهما : لما ادعى كل أهل الأديان أنهم على دينه، وانتسبت كل فرقة إليه، فبرأه الله من ذلك، وأخبر أنه ليس على ما هم عليه من الدين. وهو ما قال : ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا  الآية ( آل عمران : ٦٧ ). 
والثاني : ذكر أنه لم يكن من المشركين بقوله : قال هذا ربي  ( الأنعام : ٧٦ و ٧٧ و : ٧٨ ) ؛ لأنه هو قال[(١٠)](#foonote-١٠) ذلك عنه على ظاهر ما نطق، وكان [(١١)](#foonote-١١) ذلك في الظاهر إشراكا، ففيه شبهة [(١٢)](#foonote-١٢) في ظاهره، فبرأه الله عن ذلك، وأخبر أن ذلك منه لم يكن إشراكا، ولكن على المحاجة، خرج ذلك منه محاجة قومه كقوله : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه  ( الأنعام : ٨٣ )، والله أعلم.

١ من م، ساقطة في الأصل..
٢ في الأصل وم: مع..
٣ في الأصل وم: فكان قيامه مع..
٤ في الأصل وم: فسمى..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: هذين..
٩ في الأصل وم: هذين..
١٠ في الأصل وم: كان..
١١ الواو ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: شبه..

### الآية 16:121

> ﻿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [16:121]

الآية : ١٢١ وقوله تعالى : شاكرا لأنعمه ، أي :( لم ) [(١)](#foonote-١) يصرف شكر نعمه إلى غير المنعم، بل صرف شكرها إلى منعمها. والشكر في الشاهد هو المكافأة، ولا يبلغ أحد من الخلائق المرتبة التي يكافئ الله في أصغر أنعمها عليه، ولا يتفرغ أحد عن أداء ما عليه من إحسان الله إليه [(٢)](#foonote-٢)، فضلا أن يتفرغ لمكافأته. 
لكن الله بفضله ومنه سمى ذلك شكرا، وإن لم يكن في الحقيقة شكرا، كما ذكر الصدقة التي يتصدق بها العبد إقراضا كما سمى تسليمه نفسه وبذلها [(٣)](#foonote-٣) لأمر الله شراء، وإن كانت أنفسهم وأموالهم في الحقيقة له، ولا يطلب المرء في العرف القرض من عبده، وكذلك الشراء. لكنه بلطفه عامل من لا ملك له في أنفسهم وأموالهم. فعلى ذلك في تسمية الشكر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : اجتباه ، قال بعضهم : لرسالته ونبوته أو اجتباه من بين ذلك القوم، وجعله إماما يُقْتَدَى به. 
وقوله تعالى : وهداه إلى صراط مستقيم ، وهو دين الإسلام، وهو ما ذكر : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما  ( الأنعام : ١٦١ ).

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: عليه..
٣ في الأصل وم: وبذله..

### الآية 16:122

> ﻿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [16:122]

الآية : ١٢٢ وقوله تعالى : وآتيناه في الدنيا حسنة ، قال بعضهم : الثناء الحسن، وقال بعضهم : الحسنة في الدنيا ؛ لأن جميع الأديان يتولونه، ويرضونه. ويحتمل أن يكون قوله : وآتيناه في الدنيا حسنة ، أي : ما آتاه الله إلا حسنة على ما ذكر في قوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة  ( البقرة : ٢٠١ )، أي : ما تأتنا في الدنيا حسنة آتنا كلها ؛ لأن قوله : حسنة ، إنما هي اسم حسنة واحدة، أو أن يكون : وآتيناه في الدنيا حسنة ، عند قبض روحه، أي : على الحسنة قبض روحه. 
وقوله تعالى : وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، أي : لم ينقض ما آتاه في الدنيا عما يؤتيه في الآخرة. وقال بعضهم في قوله : وآتيناه في الدنيا حسنة ، النبوة والرسالة. أو يقال : إنه لم يبين الحسنة التي أخبر أنه آتاها إياه، لكنه ( خصه بها ) [(١)](#foonote-١) كما هو خص في قوله :( اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم ) ( البخاري : ٦٣٥٧ )، قد كان من إبراهيم معنى، خص الله إبراهيم به من غيره، فذلك الأول، والله أعلم.

١ في الأصل وم: خص به..

### الآية 16:123

> ﻿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [16:123]

الآية : ١٢٣ وقوله تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا  أي دين إبراهيم وسبيله. وذكر في بعض الأخبار عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : جاء جبريل إلى إبراهيم، صلوات الله على نبينا وعليه، يوم التروية، فراح به إلى منى، فعلمه المناسك كلها، وأراه إياها [(١)](#foonote-١)، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم  أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين  فنحن أمرنا أن نتبع ملته في الحج وفي غيره. 
وأصل الملة الدين، والله أعلم، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم :( لا يتوارث أهل ملتين ) ( الترمذي ( ٢١٠٨ )، أي : هل أهل دينين.

١ في الأصل وم: إياه..

### الآية 16:124

> ﻿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [16:124]

الآية : ١٢٤ وقوله تعالى : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ، قال بعضهم : اختلافهم في [(١)](#foonote-١) ذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن يتفرغوا في كل سبعة أيام يوما للعبادة، وهو يوم الجمعة، وينزعوا فيه عمل دنياهم، فقالوا : نتفرغ يوم السبت فإن الله لم يخلق يوم السبت شيئا. فقال فريق منهم : انظروا إلى ما يأمركم نبيكم، فخذوا به، فذلك اختلافهم، فجعل لهم يوم السبت على ما سألوا، فاستحلوا فيه المعاصي، فحرم الله عليهم العمل فيه عقوبة لهم. 
وقال الحسن وقتادة : إنما جعل السبت ، أي : إنما لعنوا [(٢)](#foonote-٢) في السبت، فَمُسِخُوا قردة،  على الذين اختلفوا فيه ، وكان اختلافهم أنه حرمه بعضهم، واستحله بعض. 
وقال أبو بكر : اختلافهم كان في تكذيب الرسل والأنبياء ؛ فمنهم من صدَّق، ومنهم من كذَّب، فحرم عليهم يوم السبت عقوبة لهم، أو يكون اختلافهم ما سألوا موسى من الآيات العجيبة والأسئلة الوحشية كقولهم : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : ٥٥ )، وكقولهم [(٣)](#foonote-٣) : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  ( الأعراف : ١٣٨ ) ونحوهما [(٤)](#foonote-٤) بعد ما أقام عليهم من الآيات ( ما )[(٥)](#foonote-٥) كانت لهم فيها كفاية. 
فيشبه أن يكون اختلافهم الذي ذكره [(٦)](#foonote-٦) ذلك. 
وقوله تعالى : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ن يُخَرَّجُ على وجهين :
أحدهما : إنما جعل ( السبت محنة ) [(٧)](#foonote-٧) على الذين اختلفوا فيه، أي : على الذين فسقوا فيه حين [(٨)](#foonote-٨) قال : بما كانوا يفسقون  ( الأعراف : ١٦٥ ). 
والثاني : إنما جعل عقوبة السبت على الذين اعتدوا فيه دون الذين اختلفوا فيه ؛ لأن فريقا منهم، قد نَهُوهُم عن ذلك، وفريقا اعتدوا، فأهلك الذين اعتدوا دون الذين نهوهم. 
وقوله تعالى : اختلفوا فيه ، عوقبوا فيه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، يحكم بينهم بالجزاء، ويحكم بما بين لهم المحق من المبطل، خَيَبَ فريقا، وأنجى فريقا. فكيف قال : ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون  الآية [(٩)](#foonote-٩) ؟ يشبه أن يكون ذلك بالجزاء على ما ذكرنا.

١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: لعن..
٣ في الأصل وم: وكقوله..
٤ في الأصل وم: ونحوه..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: محنة السبت..
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل وم: لكن..

### الآية 16:125

> ﻿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [16:125]

الآية : ١٢٥ وقوله تعالى : ادع على سبيل ربك ، قيل : دين ربك،  بالحكمة  قال الحسن : أي : ادعهم إلى دين الله بالقرآن. وقال بعضهم : بالحكمة  / ٢٩٥ – أ / بالحجة والبرهان، أي : ادعهم إلى دين الله بالحجج والبراهين، أي : ألزمهم دين الله بالحجج والبراهين حتى يقروا به. 
وقوله تعالى : والموعظة الحسنة ، قال الحسن : أي : عظهم بالموعظة التي وعظهم الله تعالى في الكتاب. 
وقال أبو بكر : أي : ذكرهم النعم التي أنعم عليهم،  وجادلهم بالتي هي أحسن ، أي : جادلهم أحسن المجادلة بلين القول وخفض الجانب والجناح، لعلهم يقبلون ( دين الله ) [(١)](#foonote-١) ويخضعون لربهم. 
وكذلك اختلفوا في قوله : وإذ علمتك الكتاب والحكمة  ( المائدة : ١١٠ )، وقوله : لما آتيناكم من كتاب وحكمة  ( آل عمران : ٨١ ). 
قال الحسن : الكتاب والحكمة واحد اسم مثنى، وهو القرآن. وقال بعضهم : الكتاب هو القرآن وهو سماع الوحي، والحكمة وحي الإلهام، وهو السنة. وقال بعضهم : الكتاب هو التنزيل، والحكمة هي المعنى المودع فيه. 
فمن يقول : إن الكتاب والحكمة واحد، وهي القرآن، يقول في قوله : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ، القرآن. ومن يقول عنه إنهما غير ( واحد ) [(٢)](#foonote-٢) يقول هاهنا : إن الحكمة الحجة والبرهان : إما من جهة الإلهام، وإما من جهة الانتزاع من الكتاب. 
ويحتمل أن يكون قوله : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ، التي ذكر في هذه السورة. من ذلك قوله : يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه  ( الآية : ٦٩ )، يعني : من بطون النحل، وقوله : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين  ( الآية : ٦٦ )، وما ذكر أنه يخرج من الخشب اليابسة الأعناب وأنواع الثمرات ونحوه ( الآيتان : ١٠ و ١١ ). وذلك كله بحكمته، أي : ادعهم إلى دينه، وذكرهم بهذا، وهم يقرون به ليقبلوا دينه، ويخضعوا لأمره. 
( ويحتمل قوله ) [(٣)](#foonote-٣) : والموعظة الحسنة ، ما ذكر في قوله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان  الآية ( النحل : ٩٠ )، وذلك كله مستحسن في العقل وتوجيه الحكمة ؛ لأن العدل والإحسان وما ذكر من إيتاء ذي القربى الصدقة مستحسن في عقل كل أحد، والانتهاء أيضا عن الفحشاء والمنكر مستحسن، مستقبح ارتكابه وإتيانه ؛ كأن الحكمة هي التي تشمل على العلم والعمل جميعا ؛ كأنه قال : ادعهم إلى دين الله بالعلم جميعا حتى يَنجَع ذلك فيهم، أو ادعهم باللين وخفض الجناح مرة بالعنف والخشونة ثانيا، فيكون وضع الشيء موضعه، ثم قال : يعظكم لعلكم تذكرون . 
وقوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن ، يحتمل، والله أعلم، أي : جادلهم بالذي يقرون على ما ينكرون، وهو ما ذكر : أفمن يخلق  الآية ( النحل : ١٧ )، وقوله : ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا  ( النحل : ٧٣ )، وقوله : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا  الآية ( النحل : ٧٥ )، وقوله : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء  الآية ( النحل : ٧٦ )، وقوله : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت  الآية ( النحل : ٧١ )، ونحو هذا ( أمر أن ) [(٤)](#foonote-٤) يجادلهم بأحسن المجادلة بالذي يقرون أنه كذلك على الذي [(٥)](#foonote-٥) يُنكرون ليلزمهم القبول والخضوع له. 
ثم في الآية دليل تعليم المناظرة في الدين، وكيفية المعاملة بعضهم لبعض فيها حين [(٦)](#foonote-٦) قال : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ، التي عنده بالقرآن أو غيره من الحجج والبينات،  والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، هكذا يجب أن يناظر بعضهم بعضا بالوجه الذي وصف الله تعالى. 
وعلى ذلك ما ذكر الله في كتابه مناظرة الأنبياء والرسل مع الفراعنة والأكابر، وهو ما قال : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه  ( البقرة : ٢٥٨ ) إلى آخر ما ذكر، وقوله : وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله  الآية ( الأنعام : ٨٠ )، ومناظرة فرعون مع موسى، صلوات الله على نبيينا وعليه، حين [(٧)](#foonote-٧)  قال فرعون وما رب العالمين  قال رب السماوات والأرض  الآية ( الشعراء : ٢٣ و : ٢٤ )، وما قال : رب المشرق والمغرب  ( الشعراء : ٢٨ ) وقوله : فأت به إن كنت من الصادقين ،  فألقى عصاه  ( الشعراء : ٣١ و ٣٢ )، وما  قال فمن ربكما يا موسى ،  قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ( طه : ٤٩ و : ٥٠ )وأمثاله مما يكثر. فهذه مناظرة الرسل والأنبياء مع الفراعنة والأعداء. فكيف المناظرة بين الأولياء ؟ فهذا كله يرد على من يأبى المناظرة في الدين، ويمتنع عن التكلم فيه والاحتجاج. 
وقوله تعالى : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله  في الآية نسبتهم إلى الضلال إشارة وكناية لا تصريحا ؛ لأنه لم يقل لهم مصرحا : إنكم قد ضللتم عن سبيله لحسن معاملته التي علم رسوله، وأمره أن يعاملهم ؛ لأن ذلك أقرب إلى القبول وأميل إلى القلوب [(٨)](#foonote-٨) وآخذ. 
ألا ترى أنه قال لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى  ؟ ( طه : ٤٤ ).

١ في الأصل وم: دينهم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: الذين..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: حيث..
٨ من م، في الأصل: القبول..

### الآية 16:126

> ﻿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [16:126]

الآية : ١٢٦ وقوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، اختلف في سبب نزول ذلك. 
قال بعضهم :( نزل ) [(١)](#foonote-١) في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أن نفرا منهم قد ( مثل بهم ) [(٢)](#foonote-٢) يوم أحد مَثُلَة سيئة، من قطع الآذان وتجديع الأنوف وبقر البطون ونحوه، فقال ( رسول الله ) [(٣)](#foonote-٣) ( لئن أدالنا الله منهم لنفعلن كذا وكذا ) ( بنحوه زاد المسير ٤ /٣٧٠ ) فأرادوا أن يجازوا ذلك، فأنزل الله  وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به  الآية. 
وفيه البشارة لهم بالنصر والظفر على أعدائهم ؛ لأنه لو لم يكن لهم الظفر بهم كيف يقدرون على معاقبة مثل ما عوقبوا ؟ دل أنه على البشارة لهم بالنصر والظفر بهم. 
وفيه دلالة جواز أخذ من لم يتول القتل والأخذ والضرب لما لعلهم لا يظفرون بأولئك الذين تولوا ذلك، لكن يؤخذ [(٤)](#foonote-٤) إخوانهم بهم لما بمعونة بعضهم بعضا فعلوا ( ذلك )[(٥)](#foonote-٥)، ويكون فيه دليل أخذ قطاع الطريق بالقتل والقطع، وإن كان الذي تولى ذلك بعضا منهم لما أن من تولى ذلك إنما تولى بمعونة من لم يتول، والله أعلم. 
وقال بعضهم : إنما نزلت الآية في ابتداء الأمر الذي كان القتل مع الكفرة قتل مجازاة مثل قوله : وقاتلوا المشركين كافة  ( التوبة : ٣٦ )، وكقوله : فإن قاتلوكم فاقتلوهم  ( البقرة : ١٩١ ) ومثله. 
فإذا كان على المجازاة أمر ألا يتجاوز عقوبتهم، ولكن بمثله. وأما إذا كان القتال معهم لا قتال مجازاة، فإنهم يقتلون جميعا إذا أبوا الإسلام بقوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  الآية ( التوبة : ٢٩ )، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ) ( البخاري : ٢٥ )، وقوله تعالى : تقاتلونهم أو يسلمون  ( الفتح : ١٦ ). 
وقال بعضهم : لا، ولكن الآية نزلت في أهل الإسلام وحكمه في القصاص والقطع في ما دون النفس والجراحات. 
أمر ألا يتجاوزوا حدودهم [(٦)](#foonote-٦) كقوله : وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها  ( الشورى : ٤٠ )، وقوله : كتب عليكم القصاص في القتلى  الآية ( البقرة : ١٧٨ ). 
وقوله تعالى : ولئن صبرتم  على ما ذكر،  لهو خير للصابرين ، ودل قوله : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، على أن الآية في القصاص لا في الحرب ؛ لأنه في الحرب لا يقال : اصبر، ولا يكون الصبر خيرا. دل أنه في غير المحاربة، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: مثلوا..
٣ في الأصل وم: أصحابهم..
٤ أدرج قبلها في م: لا..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: حقوقهم..

### الآية 16:127

> ﻿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [16:127]

الآية : ١٢٧ وقوله تعالى : واصبر  يا محمد،  وما صبرك إلا بالله ، ( يحتمل وجهين :
أحدهما )[(١)](#foonote-١) : أي : وما توفيقك على الصبر إلا بالله كقول شعيب : وما توفيقي إلا بالله  الآية ( هود : ٨٨ ). 
والثاني : واصبر وما صبرك إلا بالله ، أي : تركك القصاص لأمر الله حين[(٢)](#foonote-٢) أمرك به، لا لضعف أو عجز فيك. 
وقوله تعالى : ولا تحزن عليهم ، قال بعضهم : إنه كان يحزن، ويضيق صدره لمكان كفرهم بالله وتركهم الإيمان كقوله : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  ( الشعراء : ٣ )، وقوله : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ( فاطر : ٨ )، فقال : ولا تحزن عليهم ، لذلك على التسلي والتخفيف لا على النهي عن ذلك. 
ويحتمل قوله : ولا تحزن عليهم  / ٢٩٥ – ب / على المؤمنين الذين قتلوا، واستشهدوا لأنهم مستبشرون فرحون،  بما آتاهم الله من فضله  ( آل عمران : ١٧٠ )، أي : لا تحزن عليهم، وهم ( في ما ) [(٣)](#foonote-٣) ذكر، أو لا تحزن على المؤمنين، ولا يضيقن صدرك مما يمكر بك أولئك الكفرة ؛ إذ كانوا يمكرون برسول الله وبأصحابه، ويؤذونهم. أخبر ألا يضيقن صدرك لذلك. 
وقال بعضهم : نزلت في أمر حمزة سيد الشهداء، وإنه مثل ( به )[(٤)](#foonote-٤) وجُرِح جراحات عظيمة، فاشتد على النبي، فقال :( لئن ظفرنا بأولئك لَنَفعَلَنَ كذا، ولنفعلن كذا ) ( الطبراني في الكبير ١١٠٥١ )، فنزلت الآية : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به  ( النحل : ١٢٦ ). 
لكن إن ثبت هذا فإنه يكون في الوقت الذي كان يؤخذ غير [(٥)](#foonote-٥) القاتل والجارح بالقتل ؛ وذلك قد كان في الابتداء. 
ألا ترى أنه قال : الحر بالحر والعبد بالعبد  ( البقرة : ١٧٨ )، كانوا هموا أن يأخذوا الحر بالعبد والذكر بالأنثى حتى نزل هذا ؟ فصار منسوخا به وبقوله : ولكم في القصاص حياة  ( البقرة : ١٧٩ )، ولو كان يؤخذ غير القاتل بالقصاص لم يكن فيه حياة. 
أو إن قاتلوا في الحرب مع الكفرة، فذلك يحتمل ؛ لأنه في الحرب، لهم أن يقتلوا الكل، وألا يتركوا واحدا منهم. 
**دل أنه يُخََّرَجَُ على أحد وجهين :**
( أحدهما )[(٦)](#foonote-٦) : على النسخ الذي ذكرنا. 
والثاني [(٧)](#foonote-٧) : على النهي عن أخذ أكثر من حقه كقوله : فاعتدوا عليه  الآية ( البقرة : ١٩٤ ).

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ من م، في الأصل فيها..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: غيره..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: أو..

### الآية 16:128

> ﻿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [16:128]

الآية : ١٢٨ وقوله تعالى : إن الله مع الذين اتقوا ، مخالفة الله ورسوله بالنصر لهم والعون، فإن الله ناصركم ومعينكم عليهم. 
وقوله تعالى : والذين هم محسنون ، في العمل والتوحيد، أو يقول : إن الله مع الذين اتقوا محارم الله وارتكاب مناهيه بالنصر لهم والمعونة،  والذين هم محسنون ، إلى نعم الله بالقيام بالشكر لها، والله تعالى أعلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/16.md)
- [كل تفاسير سورة النحل
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/16.md)
- [ترجمات سورة النحل
](https://quranpedia.net/translations/16.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/16/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
