---
title: "تفسير سورة الإسراء - تفسير القرآن العظيم - ابن كثير"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/17/book/136.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/17/book/136"
surah_id: "17"
book_id: "136"
book_name: "تفسير القرآن العظيم"
author: "ابن كثير"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الإسراء - تفسير القرآن العظيم - ابن كثير

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/17/book/136)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الإسراء - تفسير القرآن العظيم - ابن كثير — https://quranpedia.net/surah/1/17/book/136*.

Tafsir of Surah الإسراء from "تفسير القرآن العظيم" by ابن كثير.

### الآية 17:1

> سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [17:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره  الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ  يعني محمدًا، صلوات الله وسلامه عليه[(١)](#foonote-١)  لَيْلا  أي في جنح الليل  مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  وهو مسجد مكة  إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى  وهو بيت المقدس الذي هو إيلياء[(٢)](#foonote-٢)، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ؛ ولهذا جمعوا له هنالك كلهم، فَأمّهم في مَحِلّتهم[(٣)](#foonote-٣)، ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. 
وقوله : الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  أي : في الزروع والثمار  لِنُرِيَهُ  أي : محمدًا  مِنْ آيَاتِنَا  أي : العظام كما قال تعالى : لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى  \[ النجم : ١٨ \]. 
وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه، صلوات الله عليه وسلامه. 
وقوله : إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ  أي : السميع لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم فيعطي كلا ما يستحقه في الدنيا والآخرة. 
ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء
**رواية أنس بن مالك :**
قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان - هو ابن بلال - عن شريك بن عبد الله[(٤)](#foonote-٤) قال : سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة : إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم، فقال آخرهم : خذوا خيرهم. فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم، بيده حتى أنقي جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوًا إيمانًا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه. ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء : من هذا ؟ فقال : جبريل. قالوا : ومن معك ؟ قال : معي محمد. قالوا : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم. قالوا : مرحبًا به وأهلا به، يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعْلِمهم. 
ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل : هذا أبوك آدم فسلِّم عليه، فسلَّم عليه، وردّ عليه آدم فقال : مرحبًا وأهلا بابني، نعم[(٥)](#foonote-٥) الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال :" ما هذان النهران يا جبريل ؟ " قال : هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في[(٦)](#foonote-٦) السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذْفر فقال :" ما هذا يا جبريل ؟ " قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك. 
ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : مَنْ هذا ؟ قال : جبريل. قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد. قالوا : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم. قالوا : مرحبًا[(٧)](#foonote-٧) وأهلا وسهلا. 
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك. كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، قد وعيت[(٨)](#foonote-٨) منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله. فقال موسى :" رب لم أظن أن يرفع عليّ أحد " [(٩)](#foonote-٩) ثم علا به فوق ذلك، بما لا يعلمه إلا الله، عز وجل، حتى جاء سِدْرَة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحى : خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة. ثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال :" يا محمد، ماذا عهد إليك ربك ؟ " قال :" عهد إليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة " قال :" إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم ". فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل : أن نعم، إن شئت. فعلا[(١٠)](#foonote-١٠) به إلى الجبار تعالى، فقال وهو في مكانه :" يا رب، خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا " فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات. ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال :" يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك " كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال :" يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم[(١١)](#foonote-١١) وأبدانهم فخفف عنا " فقال : الجبار :" يا محمد، قال :" لبيك وسعديك " قال : إنه لا يبدل القول لديّ، كما فرضت عليك في أم الكتاب :" كل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك "، فرجع إلى موسى فقال :" كيف فعلت ؟ " فقال :" خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها " قال : موسى :" قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا موسى قد - والله - استحييت من ربي مما أختلف إليه " [(١٢)](#foonote-١٢) قال :" فاهبط باسم الله "، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام. 
هكذا ساقه البخاري في " كتاب التوحيد " [(١٣)](#foonote-١٣)، ورواه في " صفة النبي صلى الله عليه وسلم "، عن إسماعيل بن أبي أُوَيْس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، عن سليمان بن بلال[(١٤)](#foonote-١٤). 
ورواه مسلم، عن هارون بن سعيد، عن ابن وَهْب، عن سليمان[(١٥)](#foonote-١٥) قال :" فزاد ونقص، وقدم وأخر " [(١٦)](#foonote-١٦). 
وهو كما قاله[(١٧)](#foonote-١٧) مسلم، رحمه الله، فإن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه، كما سيأتي بيانه في الأحاديث الأخر. 
ومنهم من يجعل هذا منامًا توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم. 
\[ وقال \][(١٨)](#foonote-١٨) البيهقي : في[(١٩)](#foonote-١٩) حديث " شريك " زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه، يعني قوله :" ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى " قال : وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل - أصح[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة، فإن أبا ذر قال : يا رسول الله، هل رأيت ربك ؟ قال :" نور أنى أراه ". وفي رواية " رأيت نورا ". أخرجه مسلم، رحمه الله[(٢١)](#foonote-٢١). 
وقوله : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى  \[ النجم : ٨ \]، إنما هو جبريل، عليه السلام، كما ثبت ذلك في الصحيحين، عن عائشة أمّ المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنهم، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البُناني، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط[(٢٣)](#foonote-٢٣) فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت. فأتاني[(٢٤)](#foonote-٢٤) جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. قال جبريل : أصبت الفطرة " قال :" ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل :[(٢٥)](#foonote-٢٥) ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ \[ قال : قد أرسل إليه \][(٢٦)](#foonote-٢٦). ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب ودعا لي بخير. 
ثم عَرَج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا بي ودعوا لي بخير. 
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ فقال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير. 
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح الباب، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير. ثم قال : يقول الله : وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا  \[ مريم : ٥٧ \]. 
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل :\[ و \][(٢٧)](#foonote-٢٧) من معك ؟ فقال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير. 
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. قيل[(٢٨)](#foonote-٢٨) ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى فرحب ودعا لي بخير. 
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل :[(٢٩)](#foonote-٢٩) ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم[(٣٠)](#foonote-٣٠)، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه. 
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها. قال :" فأوحى الله إليّ ما أوحى، وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ". قال :" ما فرض ربك على أمّتك ؟[(٣١)](#foonote-٣١) قال :" قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة ". قال : ارجع[(٣٢)](#foonote-٣٢) إلى ربك فاسأله التخفيف ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم ". قال[(٣٣)](#foonote-٣٣) :" فرجعت إلى ربي، فقلت : أي رب، خفف عن أمّتي، فحطّ عني خمسًا. فرجعت إلى موسى فقال : ما فعلت ؟ قلت :[(٣٤)](#foonote-٣٤) قد حطّ عني خمسًا ". قال :" إن أمّتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك " قال :" فلم[(٣٥)](#foonote-٣٥) أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحط عني خمسًا خمسًا حتى قال : يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت \[ له \][(٣٦)](#foonote-٣٦) حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا. ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت ". 
ورواه مسلم عن شَيْبَان بن فَرُّوخ، عن حماد بن سلمة بهذا السياق[(٣٧)](#foonote-٣٧)، وهو أصح١ في ف: "صلى الله عليه وسلم"..
٢ في ت، ف، أ: "بإيلياء".
٣ في ت: "محلهم".
 .
٤ في ف: "عبد الله يعني ابن أبي نمر أنه"..
٥ في ف: "فنعم"..
٦ في ت، ف: "إلى"..
٧ في ف: "مرحبا به"..
٨ في أ: "عينهم"..
٩ في ت: "أنه عليَّ أحد"..
١٠ في ف: "ثم علا"..
١١ في ف، أ: "وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم"..
١٢ في ف: "عليه"..
١٣ صحيح البخاري برقم (٧٥١٧)..
١٤ صحيح البخاري برقم (٣٥٧٠)..
١٥ في ف، أ: "سليمان به"..
١٦ صحيح مسلم برقم (١٦٢)..
١٧ في أ: "قال"..
١٨ زيادة من ت..
١٩ في ف، أ: "وفي"..
٢٠ دلائل النبوة للبيهقي (٢/٣٨٥)..
٢١ صحيح مسلم برقم (١٧٨)..
٢٢ حديث عائشة: رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٢٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٧) وحديث ابن مسعود: رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٨٥٦) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٤) وحديث أبي هريرة: رواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٥)..
٢٣ في ت، ف، أ: "تربط"..
٢٤ في ف، أ: "فجاءني"..
٢٥ في ت، ف، أ: "قيل"..
٢٦ زيادة من ت، ف، أ، هـ المسند..
٢٧ زيادة من ت، ف، أ..
٢٨ في ف، أ: "فقيل"..
٢٩ في ف: "فقيل"..
٣٠ في ت: "بإبراهيم عليه وسلم" وفي ف: "بإبراهيم عليه السلام"..
٣١ في ت: "ما فرض عليك على أمتك"..
٣٢ في ت: "فارجع"..
٣٣ في أ: "ثم قال"..
٣٤ في ف، أ: "فقلت"..
٣٥ في ف: "فقال: لم"..
٣٦ في ف، أ: "كتبت له"..
٣٧ المسند (٣/١٤٨)، وصحيح مسلم برقم (١٦٢)..

### الآية 17:2

> ﻿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [17:2]

لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد، صلوات الله وسلامه عليه[(١)](#foonote-١)، عطف بذكر موسى عبده وكليمه \[ عليه السلام \][(٢)](#foonote-٢) أيضًا، فإنه تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما السلام[(٣)](#foonote-٣) وبين ذكر التوراة والقرآن ؛ ولهذا قال بعد ذكر الإسراء : وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ  يعني التوراة  وَجَعَلْنَاهُ  أي الكتاب  هُدًى  أي هاديًا  لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا  أي لئلا تتخذوا  مِنْ دُونِي وَكِيلا  أي وليًا ولا نصيرًا ولا معبودًا دوني ؛ لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله[(٤)](#foonote-٤) أن يعبده وحده لا شريك له.

١ في ف: "صلى الله عليه وسلم"..
٢ زيادة من ف، أ..
٣ في ت: "عليهما الصلاة والسلام". وفي ف، أ: "عليهما من الله الصلاة والسلام"..
٤ في ت: "أرسل"..

### الآية 17:3

> ﻿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [17:3]

ثم قال : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ  تقديره : يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي : يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم،  إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا  فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا صلى الله عليه وسلم. وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف : أن نوحًا، عليه السلام، كان يحمد الله \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله ؛ فلهذا سمي عبدًا شكورًا. 
قال : الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حُصَين، عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال : إنما سمي نوح عبدًا شكورًا ؛ لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله[(٢)](#foonote-٢). 
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بُرْدَة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها ". 
وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة، به[(٣)](#foonote-٣). 
وقال مالك، عن زيد بن أسلم : كان يحمد الله على كل حال. 
وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة \[ رضي الله عنه \][(٤)](#foonote-٤)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أنا سيد الناس يوم القيامة - بطوله، وفيه - : فيأتون نوحًا فيقولون : يا نوح، أنت[(٥)](#foonote-٥) أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك " وذكر الحديث بكماله[(٦)](#foonote-٦).

١ زيادة من أ..
٢ المعجم الكبير (٦/٣٢)..
٣ المسند (٣/١١٧)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٣٤) وسنن الترمذي برقم (١٨١٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٨٩٩)..
٤ زيادة من ف، أ..
٥ في ف، أ: "يانوح، إنك أنت"..
٦ صحيح البخاري برقم (٤٧١٢)..

### الآية 17:4

> ﻿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [17:4]

يقول تعالى : إنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي : تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون[(١)](#foonote-١) علوًا كبيرًا، أي : يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس كما قال تعالى : وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ  \[ الحجر : ٦٦ \] أي : تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به.

١ في ف، أ: "ولتعلن"..

### الآية 17:5

> ﻿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا [17:5]

وقوله : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا  أي : أولى الإفسادتين  بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ  أي : سلطنا عليكم جندًا من خلقنا أولي بأس شديد، أي : قوة وعدة وسلطة[(١)](#foonote-١) شديدة  فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ  أي : تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي : بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا  وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا 
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم : من هم ؟ فعن ابن عباس وقتادة : أنه جالوت الجَزَريّ وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت ؛ ولهذا قال : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا وعن سعيد بن جبير : أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضًا، وعن غيره : أنه بختنصر ملك بابل. 
وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن ملك البلاد، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل. 
وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولا[(١)](#foonote-١) وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث ! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره ! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي، رحمه الله، بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب. 
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها ؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع \[ بعض \][(٢)](#foonote-٢) زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحًا، ونحن في غُنْيَة عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بَيْضَتَهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد ؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء. 
وقد روى ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر بُختنَصَّر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا، فسألهم : ما هذا الدم ؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر. قال : فقتل على ذلك الدم سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم، فسكن[(٣)](#foonote-٣). 
وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقًا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها. ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.

١ في ف: "وسلطنة"..

### الآية 17:6

> ﻿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [17:6]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 17:7

> ﻿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [17:7]

ثم قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  أي : فعليها، كما قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا  \[ فصلت : ٤٦ \]. 
وقوله : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ  أي : المرة الآخرة[(١)](#foonote-١) أي : إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم  لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ  أي : يهينوكم ويقهروكم  وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ  أي بيت المقدس  كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ  أي : في التي جاسوا فيها خلال الديار  وَلِيُتَبِّرُوا  أي : يدمروا ويخربوا  مَا عَلَوْا  أي : ما ظهروا عليه  تَتْبِيرًا

١ في ت: "الأخرى"..

### الآية 17:8

> ﻿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [17:8]

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ  أي : فيصرفهم عنكم  وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا  أي : متى عدتم إلى الإفساد  عُدْنَا  إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال \[ تعالى \][(١)](#foonote-١)  وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا  أي : مستقرًا ومحصرًا وسجنًا لا محيد لهم عنه. 
قال ابن عباس \[ رضي الله عنهما \][(٢)](#foonote-٢) : حَصِيرًا  أي : سجنًا. 
وقال مجاهد : يحصرون فيها. وكذا قال غيره. 
وقال الحسن : فراش ومهاد. 
وقال قتادة : قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. 
١ زيادة من ت..
٢ زيادة من ف، أ.
 .

### الآية 17:9

> ﻿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [17:9]

يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، بأنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل  وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ  به  الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ  على مقتضاه  أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا  أي : يوم القيامة.

### الآية 17:10

> ﻿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [17:10]

وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ  أي : ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن  لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا  أي : يوم القيامة، كما قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  \[ آل عمران : ٢١ \].

### الآية 17:11

> ﻿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [17:11]

يخبر تعالى عن عجلة الإنسان، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله  بِالشَّرِّ  أي : بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ  \[ يونس : ١١ \]، وكذا فسره ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وقد تقدم في الحديث :" لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم، أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها ". 
وإنما يحمل ابن آدم على ذلك عجلته وقلقه ؛ ولهذا قال تعالى  وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا 
وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس - رضي الله عنهما - هاهنا قصة آدم، عليه السلام، حين همّ بالنهوض قائمًا قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه، فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال : الحمد لله. فقال الله : يرحمك ربك يا آدم. فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه، فهمّ بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع[(١)](#foonote-١) وقال : يا رب عجل[(٢)](#foonote-٢) قبل الليل.

١ في ت: "قبل أن يستطيع"..
٢ في ت، ف: "اعجل"..

### الآية 17:12

> ﻿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [17:12]

يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات[(١)](#foonote-١) والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك ؛ ولهذا قال : لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ  أي : في معايشكم[(٢)](#foonote-٢) وأسفاركم ونحو ذلك  وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ  فإنه لو كان الزمان كله نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  \[ القصص : ٧١ - ٧٣ \]، وقال تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا  \[ الفرقان : ٦١، ٦٢ \]وقال تعالى : وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  \[ المؤمنون : ٨٠ \]، وقال : يُكَوِّرُ[(٣)](#foonote-٣) اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ  \[ الزمر : ٥ \]، وقال تعالى : فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ  \[ الأنعام : ٩٦ \]، وقال تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ  \[ يس : ٣٧، ٣٨ \]. 
ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي : علامة يعرف بها[(٤)](#foonote-٤) وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وظهور[(٥)](#foonote-٥) الشمس النيرة فيه، وفاوت بين ضياء القمر وبرهان الشمس ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ  إلى قوله : لآيَاتٍ[(٦)](#foonote-٦) لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ  \[ يونس : ٥، ٦ \]، كما قال تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  الآية \[ البقرة : ١٨٩ \]. 
قال ابن جُرَيْج، عن عبد الله بن كثير في قوله : فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً  قال : ظلمة الليل وسُدفة[(٧)](#foonote-٧) النهار. 
وقال ابن جريج عن مجاهد : الشمس آية النهار، والقمر آية الليل  فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ  قال : السواد الذي في القمر، وكذلك[(٨)](#foonote-٨) خلقه الله تعالى. 
وقال ابن جريج : قال ابن عباس : كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار  فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ  السواد الذي في القمر. 
وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة : أن ابن الكَوَّاء سأل \[ أمير المؤمنين \][(٩)](#foonote-٩) علي ابن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين، ما هذه اللطخة التي في القمر ؟ فقال : ويحك أما تقرأ القرآن ؟  فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ  فهذه محوه. 
وقال قتادة في قوله : فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ  كنا نحدث أن[(١٠)](#foonote-١٠) محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة، أي : منيرة، خلق الشمس أنور من القمر وأعظم. 
وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ  قال : ليلا ونهارًا، كذلك خلقهما الله، عز وجل[(١١)](#foonote-١١).

١ في ت، ف، أ: "والصنائع"..
٢ في ت، ف: "معاشكم"..
٣ في ت: "ويكور" وهو خطأ.
 .
٤ في ت: "يعرفونها"..
٥ في ت، ف: "وطلوع"..
٦ في ف، أ: (إن في ذلك لآيات) وهو خطأ..
٧ في ت، ف، أ: "وسدف"..
٨ في ف: "ولذلك"..
٩ زيادة من ف، أ..
١٠ في ت: "ما نجد كان"..
١١ في ف: "الله تعالى".
 .

### الآية 17:13

> ﻿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [17:13]

يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ  وطائره : هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : من خير وشر، يُلزم به ويجازى عليه  فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  \[ الزلزلة : ٥، ٦ \]، وقال تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  \[ ق : ١٧، ١٨ \]، وقال تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  \[ الانفطار : ١٠ - ١٤ \]، قال : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  \[ الطور : ١٦ \] وقال : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  \[ النساء : ١٢٣ \]. 
والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلا ونهارًا، صباحًا ومساء. 
وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن أبى الزبير، عن جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لَطَائر كل إنسان في عنقه ". قال ابن لهيعة : يعني الطيرة[(١)](#foonote-١). 
وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث، غريب جدًا، والله أعلم. 
وقوله \[ تعالى \][(٢)](#foonote-٢)  وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا  أي : نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدًا، أو بشماله إن كان شقيًا  مَنْشُورًا  أي : مفتوحًا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره  يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ  \[ القيامة : ١٣ - ١٥ \]، ولهذا قال تعالى : اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا  أي : إنك[(٣)](#foonote-٣) تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت ؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. 
وقوله \[ تعالى \][(٤)](#foonote-٤)  أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ  إنما ذكر العنق ؛ لأنه عضو لا نظير له في[(٥)](#foonote-٥) الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر :[(٦)](#foonote-٦). 
اذهب بها اذهب بها \*\*\* طوقتها طوق الحمامة
قال قتادة، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه[(٧)](#foonote-٧) عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا عَدْوَى ولا طيرَة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ". كذا رواه ابن جرير[(٨)](#foonote-٨). 
وقد رواه الإمام عبد بن حميد، رحمه الله، في مسنده متصلا فقال : حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر \[ رضي الله عنه \][(٩)](#foonote-٩) قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" طير كل عبد في عنقه " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد : أن أبا الخير حدثه : أنه سمع عقبة بن عامر \[ رضي الله عنه \][(١١)](#foonote-١١) يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة : يا ربنا، عبدك فلان، قد حبسته ؟ فيقول الرب جل جلاله : اختموا له على مثل عمله، حتى يبرأ أو يموت " [(١٢)](#foonote-١٢). 
إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه. 
وقال مَعْمَر، عن قتادة : أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ  قال : عمله.  وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  قال : نخرج ذلك العمل  كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا  قال معمر : وتلا الحسن البصري  عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ  \[ ق : ١٧ \] يا ابن آدم، بسطت لك صحيفتك[(١٣)](#foonote-١٣) ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل[(١٤)](#foonote-١٤) ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا

١ المسند (٣/٣٦٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٤٩): "فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح"..
٢ زيادة من ت..
٣ في ت، ف: "أي أنت"..
٤ زيادة من ت..
٥ في ت، أ: "من"..
٦ هو أبو أحمد بن جحش، والأبيات في السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٠٠)..
٧ في ف، أ: "عنهما"..
٨ تفسير الطبري (١٥/٣٩)..
٩ زيادة من ف، أ..
١٠ المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٠٥٣)..
١١ زيادة من ف، أ..
١٢ المسند (٤/١٤٦)..
١٣ في ت، ف، أ: "صحيفة"..
١٤ في ت، ف، أ: "فاملك"..

### الآية 17:14

> ﻿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [17:14]

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا  قد عدل - والله[(١)](#foonote-١) - عليك من جعلك حسيب نفسك. 
هذا من حسن[(٢)](#foonote-٢) كلام الحسن، رحمه الله. 
١ في ت، ف، أ: "الله"..
٢ في ف: "أحسن"..

### الآية 17:15

> ﻿مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا [17:15]

يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة[(١)](#foonote-١) لنفسه  وَمَنْ ضَلَّ  أي : عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه. 
ثم قال : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  أي : لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه، كما قال تعالى : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ  \[ فاطر : ١٨ \]. 
ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ  \[ العنكبوت : ١٣ \]، وقوله \[ تعالى \][(٢)](#foonote-٢)  وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  \[ النحل : ٢٥ \]، فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئًا. وهذا من عدل الله ورحمته بعباده. 
وكذا قوله تعالى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا  إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ  \[ الملك : ٨، ٩ \]، وكذا قوله \[ تعالى \][(٣)](#foonote-٣) : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ  \[ الزمر : ٧١ \]، وقال تعالى : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ  \[ فاطر : ٣٧ \]
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى : إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ  \[ الأعراف : ٥٦ \]. 
حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كَيْسَان، عن الأعرج بإسناده إلى[(٤)](#foonote-٤) أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" اختصمت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال :" وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها، فتقول : هل من مزيد ؟[(٥)](#foonote-٥) ثلاثا، وذكر تمام الحديث[(٦)](#foonote-٦). 
فإن هذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة[(٧)](#foonote-٧) وقالوا : لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق[(٨)](#foonote-٨) عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة قال : قال النبي[(٩)](#foonote-٩) صلى الله عليه وسلم :" تحاجت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال :" فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه، فتقول : قط، قط، فهنالك تمتلئ ويزوي[(١٠)](#foonote-١٠) بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فينشئ الله لها خلقًا " [(١١)](#foonote-١١). 
بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة[(١٢)](#foonote-١٢) رحمهم الله تعالى، فيها[(١٣)](#foonote-١٣) قديمًا وحديثًا وهي : الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار، ماذا حكمهم ؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفَتْرة ولم تبلغه[(١٤)](#foonote-١٤) الدعوة. وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله \[ تعالى \][(١٥)](#foonote-١٥) وتوفيقه ثم نذكر فصلا ملخصًا من كلام الأئمة في ذلك، والله[(١٦)](#foonote-١٦) المستعان. 
**فالحديث الأول : عن الأسود بن سَريع :**
قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع \[ رضي الله عنه \][(١٧)](#foonote-١٧) أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :" أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول : رب، قد[(١٨)](#foonote-١٨) جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول : رب، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني[(١٩)](#foonote-١٩) بالبعر، وأما الهَرَمُ فيقول : رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، 
وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليُطِعنّه[(٢٠)](#foonote-٢٠) فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا " [(٢١)](#foonote-٢١). 
وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبى هريرة، مثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره :" من[(٢٢)](#foonote-٢٢) دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها " [(٢٣)](#foonote-٢٣). 
وكذا رواه إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد، من حديث حنبل[(٢٤)](#foonote-٢٤) بن إسحاق، عن علي بن عبد الله المديني، به[(٢٥)](#foonote-٢٥) وقال : هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أربعة كلهم يدلي على الله بحجة " فذكر نحوه[(٢٦)](#foonote-٢٦). 
ورواه ابن جرير، من حديث مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا [(٢٧)](#foonote-٢٧). 
وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا. 
**الحديث الثاني : عن أنس بن مالك :**
قال أبو داود الطيالسي : حدثنا الربيع، عن يزيد بن أبان[(٢٨)](#foonote-٢٨) قال : قلنا لأنس : يا أبا حمزة، ما تقول في أطفال المشركين ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لم يكن لهم سيئات فيعذبوا[(٢٩)](#foonote-٢٩) بها فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك أهل الجنة هم من خدم أهل الجنة " [(٣٠)](#foonote-٣٠). 
**الحديث الثالث : عن أنس أيضًا :**
قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خَيْثَمَةَ، حدثنا جرير، عن لَيْث، عن عبد الوارث، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفَتْرَة، والشيخ الفاني الهرم، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار : أبرز. ويقول لهم : إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه. قال : فيقول من كتب عليه الشقاء : يا رب، أنى ندخلها ومنها كنا نفر ؟ قال : ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا، قال : فيقول الله تعالى : أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار ". 
وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، بإسناده مثله[(٣١)](#foonote-٣١). 
الحديث الرابع : عن البراء بن عازب، رضي الله عنه :
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا : حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله. 
\- يعني ابن داود - عن عمر بن ذر، عن يزيد بن أمية، عن البراء قال : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين قال :" هم مع آبائهم ". وسئل عن أولاد المشركين فقال :" هم مع آبائهم ". فقيل : يا رسول الله، ما يعملون ؟ قال :" الله أعلم بهم " [(٣٢)](#foonote-٣٢). 
ورواه عمر بن ذر، عن يزيد بن أمية، عن رجل، عن البراء، عن عائشة، فذكره[(٣٣)](#foonote-٣٣). 
**الحديث الخامس : عن ثوبان :**
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم عظَّم شأن المسألة، قال :" إذا كان يوم القيامة، جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم، فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيقولون : نعم، فيأمرهم[(٣٤)](#foonote-٣٤) أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا، فرجعوا إلى ربهم فيقولون : ربنا أخرجنا - أو : أجرنا - منها، فيقول لهم : ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم. فيقول : اعمدوا إليها، فادخلوها. فينطلقون حتى إذا رأوها فَرِقوا ورجعوا، فقالوا : ربنا فَرِقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها فيقول : ادخلوها داخرين ". فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم :" لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا ". ثم قال البزار : ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد[(٣٥)](#foonote-٣٥). 
قلت : وقد ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي : لا بأس به، ولم يرضه أبو داود. وقال أبو حاتم : شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به. 
الحديث السادس : عن أبي سعيد - سعد بن مالك بن سنان الخدري :
قال الإمام محمد بن يحيى الذُّهَلي : حدثنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الهالك في الفترة والمعتوه والمولود : يقول الهالك
في الفترة : لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه : رب، لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود : رب لم أدرك العقل فترفع[(٣٦)](#foonote-٣٦) لهم نار فيقال لهم[(٣٧)](#foonote-٣٧) : ردوها "، قال : فيردها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل، فيقول : إياي عصيتم، فكيف لو أن رسلي أتتكم ؟ ". 
وكذا رواه البزار، عن محمد بن عمر بن هَيَّاج الكوفي، عن عبيد الله[(٣٨)](#foonote-٣٨) بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، به[(٣٩)](#foonote-٣٩) ثم قال : لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه، عن عطية عنه، وقال في آخره :" فيقول الله : إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب ؟ " 
الحديث السابع : عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه :
قال هشام بن عَمَّار ومحمد بن المبارك الصوري[(٤٠)](#foonote-٤٠) حدثنا عمر بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس[(٤١)](#foonote-٤١) الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :" يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا. فيقول الممسوخ : يا رب، لو آتيتني عقلا ما كان[(٤٢)](#foonote-٤٢) من آتيته عقلا بأسعد مني - وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك - فيقول الرب عز وجل : إني آمركم بأمر فتطيعوني ؟ فيقولون : نعم، فيقول : اذهبوا فادخلوا النار - قال : ولو دخلوها ما ضرّتهم - فتخرج عليهم قوابص، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب عزّ وجل : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فت

١ في ف: "الحمد"..
٢ زيادة من ت..
٣ زيادة من ت.
 .
٤ في ت، ف، أ: "عن"..
٥ في ت، ف، أ: "هل من مزيد؟ ويلقون فيها فتقول: هل من مزيد"..
٦ صحيح البخاري برقم (٧٤٤٩).
٧ في ت: "الفظلة" وهو خطأ..
٨ في ت: "وعبد الرزاق"..
٩ في ف: "قال رسول الله"..
١٠ في ف: "وينزوي"..
١١ صحيح البخاري برقم (٤٨٥٠) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٦)..
١٢ في أ: "العلماء"..
١٣ في ف: "اختلف العلماء فيها"..
١٤ في ت: "ومن لم تبلغه"..
١٥ زيادة من ت، ف..
١٦ في ت، ف، أ: "وبالله"..
١٧ زيادة من ف، أ..
١٨ في ف: "لقد"..
١٩ في ت: "يقذفوني".
 .
٢٠ في ت، ف: "لتطيعنه"..
٢١ المسند (٤/٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦): "رجاله رجال الصحيح"..
٢٢ في ف: "فمن"..
٢٣ المسند (٤/٢٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦): "رجاله رجال الصحيح"..
٢٤ في ف، أ: "أحمد"..
٢٥ الاعتقاد (ص١٦٩)..
٢٦ رواه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٤٠٤) من طريق الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة به..
٢٧ تفسير الطبري (١٥/٤١)..
٢٨ في ف: "زيد هو أبان"..
٢٩ في ت: "ليعذبوا"..
٣٠ رواه أبو نعيم في الحلية (٦/٣٠٨) من طريق سفيان الثوري، عن الربيع بن صبيح به، وضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/٢٤٦) وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري، وسمرة بن جندب رضي الله عنهما. وكأن في متن الحديث نكارة لمخالفته ما ورد في الصحيحين أولا، ولأن الله وصف خدم أهل الجنة بالخلود فقال: (ويطوف عليهم ولدان مخلدان) \[الإنسان: ١٩\] وسيأتي تضعيف الحافظ ابن كثير له، والله تعالى أعلم.
 .
٣١ مسند أبي يعلى (٧/٢٢٥) ومسند البزار برقم (٢١٧٧) "كشف الأستار" وليث بن أبي سليم ضعيف، وعبد الوارث قال عنه البخاري: "منكر الحديث"..
٣٢ وذكره المؤلف في جامع المسانيد والسنن (٣٧/٨٧) من مسند أبي يعلى، ولم أقع عليه في المطبوع من المسند..
٣٣ لم أقع على هذا الطريق، ولعلي أستدركه فيما بعد - إن شاء الله. وروى الإمام أحمد في مسنده (٦/٨٤) من طريق بهية عن عائشة نحوه..
٣٤ في ت: "فأمرهم"..
٣٥ مسند البزار برقم (٣٤٣٣) "كشف الأستار"..
٣٦ في ف: "فرفع"..
٣٧ في ت: "فيقول لهم"..
٣٨ في ت: "عبد الله"..
٣٩ مسند البزار برقم (٢١٧٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢١٦) "فيه عطية وهو ضعيف"..
٤٠ في ت: "الغوري"..
٤١ في ت: "عن أبي ذر"..
٤٢ في ت: "ما مات"..

### الآية 17:16

> ﻿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [17:16]

اختلف القراء في قراءة قوله : أَمَرْنَا  فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسرون في معناها، فقيل : معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرًا قدريًا، كقوله تعالى : أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا  \[ يونس : ٢٤ \]، فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قالوا : معناه : أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب. 
وقيل : معناه : أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج[(١)](#foonote-١) عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير أيضًا. 
وقال ابن جرير : وقد يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء. 
قلت : إنما يجيء هذا[(٢)](#foonote-٢) على قراءة من قرأ " أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا " قال علي بن طلحة، عن ابن عباس قوله : أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا  يقول : سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم[(٣)](#foonote-٣) بالعذاب، وهو قوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا  \[ الأنعام : ١٢٣ \]، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس. 
وقال العَوْفِي عن ابن عباس : وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا  يقول : أكثرنا عددهم، وكذا قال عكرمة، والحسن، والضحاك، وقتادة، وعن مالك عن الزهري : أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا  : أكثرنا. 
وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بُدَيْل، عن إياس بن زهير، عن سُوَيْد بن هُبَيْرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة ". 
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، رحمه الله، في كتابه " الغريب " : المأمورة : كثيرة النسل. والسّكة : الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة : من التأبير، وقال بعضهم : إنما جاء هذا متناسبًا كقوله :" مأزورات غير مأجورات " [(٤)](#foonote-٤).

١ في أ: "ابن جرير"..
٢ في ت، ف: "هذا إنما يجيء"..
٣ في أ: "أهلكناهم"..
٤ ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٢٦٢) وزاد: "لأنه من التأبيد وهو ما يصلح النخل من سقي وغيره"..

### الآية 17:17

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:17]

يقول تعالى منذرًا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أممًا من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودل هذا على[(١)](#foonote-١) أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام، كما قاله[(٢)](#foonote-٢) ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة[(٣)](#foonote-٣) قرون كلهم على الإسلام. 
ومعناه : أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. 
وقوله \[ تعالى \][(٤)](#foonote-٤)  وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا  أي : هو عالم بجميع أعمالهم، خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية \[ سبحانه وتعالى \][(٥)](#foonote-٥).

١ في ت: "ودل على هذا"..
٢ في ت: "كما قال"..
٣ في ت، ف: "عشر"..
٤ زيادة من ت..
٥ زيادة من ف، أ..

### الآية 17:18

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [17:18]

يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له، بل إنما يحصل لمن أراد الله ما يشاء. 
وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات[(١)](#foonote-١) فإنه قال : عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا  أي : في الآخرة  يَصْلاهَا  أي : يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه  مَذْمُومًا  أي : في حال كونه مذمومًا على سوء تصرفه وصنيعه[(٢)](#foonote-٢) إذ اختار الفاني على الباقي  مَدْحُورًا  : مبعدًا مقصيًا حقيرًا ذليلا مهانًا. 
قال الإمام أحمد : حدثنا حسين، حدثنا ذويد[(٣)](#foonote-٣)، عن أبي إسحاق، عن زُرْعَة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له " [(٤)](#foonote-٤).

١ في ت: "الإيمان"..
٢ في ت: "وصنعه"..
٣ في ت، ف: "حسين بن دويل"..
٤ المسند (٦/٧١) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٨٨): "رجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة"..

### الآية 17:19

> ﻿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [17:19]

وقوله : وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ  أي : أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور  وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا  أي : طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول  وَهُوَ مُؤْمِنٌ  أي : وقلبه مؤمن، أي : مصدق بالثواب والجزاء  فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا

### الآية 17:20

> ﻿كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [17:20]

\[ يقول تعالى : كُلا  أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة، نمدهم فيما هم فيه  مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ  أي : هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور، فيعطي كلا ما يستحقه من الشقاوة والسعادة ولا راد لحكمه ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراد ؛ ولهذا قال : وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا  أي : ممنوعا، أي : لا يمنعه أحد ولا يرده راد. 
قال قتادة : وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا  أي : منقوصًا. 
وقال الحسن وابن جريج وابن زيد : ممنوعًا.

### الآية 17:21

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [17:21]

ثم قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرًا، ومن يعمر حتى يبقى شيخًا كبيرًا، وبين ذلك  وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا  أي : ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا ؛ فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العُلَى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين :" إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء " [(١)](#foonote-١) ؛ ولهذا قال تعالى : وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا  \][(٢)](#foonote-٢).

١ تقدم تخريجه عند تفسير الآية: ٦٩ من سورة النساء من حديث أبي سعيد، رضي الله عنه، وفي لفظه اختلاف عن هذا اللفظ. ورواه بهذا اللفظ الحميدي في مسنده برقم (٧٧٥) من حديث أبي سعيد، رضي الله عنه..
٢ زيادة من ف، أ.
 .

### الآية 17:22

> ﻿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [17:22]

يقول تعالى : والمراد المكلفون من الأمة، لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكًا  فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا  على إشراكك[(١)](#foonote-١)  مَخْذُولا  لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك[(٢)](#foonote-٢) ضرًا ولا نفعًا ؛ لأن مالك الضر والنفع[(٣)](#foonote-٣) هو الله وحده لا شريك له. وقد قال الإمام أحمد :
حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان، عن سَيَّار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما أجَلٌ \[ عاجل \][(٤)](#foonote-٤) وإما غنى عاجل ". 
ورواه أبو داود، والترمذي من حديث بشير بن سلمان، به[(٥)](#foonote-٥)، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب.

١ في ف: "شركك"..
٢ في ت: "له"..
٣ في ف: "النفع واالضر"..
٤ زيادة من ف، أ، والمسند..
٥ سنن أبي داود برقم (١٦٤٥) وسنن الترمذي برقم (٢٣٢٦)..

### الآية 17:23

> ﻿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [17:23]

يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له ؛ فإن القضاء هاهنا بمعنى الأمر. 
قال مجاهد : وَقَضَى  يعني : وصى، وكذا قرأ أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، والضحاك بن مزاحم :" ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  أي : وأمر بالوالدين إحسانًا، كما قال في الآية الأخرى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ  \[ لقمان : ١٤ \]. 
وقوله : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ  أي : لا تسمعهما قولا سيئًا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ  وَلا تَنْهَرْهُمَا  أي : ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله : وَلا تَنْهَرْهُمَا  أي : لا تنفض[(١)](#foonote-١) يدك على والديك. 
ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال : وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا  أي : لينًا طيبًا حسنًا بتأدب وتوقير وتعظيم.

١ في ف: "ولا تنفض".
 .

### الآية 17:24

> ﻿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [17:24]

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ  أي : تواضع لهما بفعلك  وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا  أي : في كبرهما وعند وفاتهما  كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا 
قال ابن عباس : ثم أنزل الله \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى  \[ التوبة : ١١٣ \]. 
وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال :" آمين آمين آمين " : فقالوا : يا رسول الله، علام أمنت ؟ قال :" أتاني جبريل فقال : يا محمد رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل : آمين. فقلت : آمين. ثم قال : رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل : آمين. فقلت آمين. ثم قال : رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل : آمين. فقلت : آمين " [(٢)](#foonote-٢). 
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا هُشَيْم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زُرَارَة بن أَوْفَى، عن مالك بن الحارث - رجل منهم - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" من ضَمَّ يتيمًا بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة البتة، ومن أعتق امرأ[(٣)](#foonote-٣) مسلمًا كان فَكَاكه من النار، يجزى بكل عضو منه عضوًا منه ". 
ثم قال : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد - فذكر معناه، إلا أنه قال : عن رجل من قومه يقال له : مالك أو ابن مالك، وزاد :" ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار، فأبعده الله " [(٤)](#foonote-٤). 
حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى[(٥)](#foonote-٥) عن مالك بن عمرو القشيري : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار، مكان كل عَظْم من عظامه مُحَرّره بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله عز وجل، ومن ضم يتيمًا بين[(٦)](#foonote-٦) أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله، وجبت له الجنة " [(٧)](#foonote-٧). 
حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا حدثنا شعبة، عن قتادة سمعت زرارة بن أوفى[(٨)](#foonote-٨) يحدث عن أبي بن مالك القشيري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه ". 
ورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة به[(٩)](#foonote-٩) وفيه زيادات أخر. 
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل[(١٠)](#foonote-١٠) بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة ". 
صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجه سوى مسلم، من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال، عن سهيل، به[(١١)](#foonote-١١). 
حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا رِبعيّ بن إبراهيم - قال أحمد : وهو أخو إسماعيل بن عُلَيَّة، وكان يفضل على أخيه - عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ ! ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، فانسلخ قبل يغفر له ! ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه[(١٢)](#foonote-١٢) الكبر فلم يدخلاه الجنة " قال ربعي : لا أعلمه[(١٣)](#foonote-١٣) إلا قال :" أحدهما ". 
ورواه الترمذي، عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي، عن ربعي بن إبراهيم، ثم قال : غريب من هذا الوجه[(١٤)](#foonote-١٤). 
حديث آخر : وقال[(١٥)](#foonote-١٥) الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغَسِيل، حدثنا أسيد بن علي، عن أبيه، علي بن عبيد، عن أبي أسيد وهو مالك بن ربيعة الساعدي، قال : بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله، هل بقي عليّ من برّ أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به ؟ قال :" نعم، خصال أربع : الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما " [(١٦)](#foonote-١٦). 
ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن سليمان - وهو ابن الغسيل - به[(١٧)](#foonote-١٧). 
حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله[(١٨)](#foonote-١٨) بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة السلمي ؛ أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، أردت الغزو، وجئتك أستشيرك ؟ فقال :" فهل لك من أم ؟ " قال[(١٩)](#foonote-١٩). 
نعم. فقال :" الزمها. فإن الجنة عند رجليها[(٢٠)](#foonote-٢٠) ثم الثانية، ثم الثالثة في مقاعد شتى، كمثل هذا القول. 
ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث ابن جريج، به[(٢١)](#foonote-٢١). 
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن بَحِير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب[(٢٢)](#foonote-٢٢) الكندي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب ". 
وقد أخرجه ابن ماجه، من حديث \[ عبد الله \][(٢٣)](#foonote-٢٣) بن عياش، به[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يونس، حدثنا أبو عَوَانة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته وهو يكلم الناس يقول :" يد المعطي \[ العليا \][(٢٥)](#foonote-٢٥) أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك " [(٢٦)](#foonote-٢٦). 
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا إبراهيم ابن المستمر العُرُوقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن علقمة بن مرثد[(٢٧)](#foonote-٢٧) عن سليمان بن بُرَيدة، عن أبيه ؛ أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم : هل[(٢٨)](#foonote-٢٨) أديت حقها ؟ قال :" لا ولا بزفرة واحدة " أو كما قال. ثم قال البزار : لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
قلت : والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم. 
١ زيادة من ف، أ..
٢ رواه البزار في مسنده برقم (٣١٦٨) "كشف الأستار" من طريق جعفر بن عون، عن سلمة بن وردان، عن أنس، رضي الله عنه، وقال: وسلمة صالح وله أحاديث يستوحش منها ولا نعلم روى أحاديث بهذه الألفاظ غيره. وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٥١) وسيأتي. ومن حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، رواه الحاكم في المستدرك (٤/١٥٣). ومن حديث عمار بن ياسر وجابر بن سمرة وابن مسعود وعبد الله بن الحارث رواها البزار في مسنده برقم (٣١٦٤ - ٣١٦٧)..
٣ في ت: "رجلا"..
٤ المسند (٤/٣٤٤)..
٥ في ت: "زراة بن أبي أوفى"..
٦ في ف، أ: "من"..
٧ المسند (٤/٣٤٤)..
٨ في ت: "زرارة بن أبي أوفى"..
٩ المسند (٤/٣٤٤)..
١٠ في ت: "إسماعيل"..
١١ المسند (٢/٣٦٤) وصحيحح مسلم برقم (٢٥٥١).
١٢ في ت: "أدرك أبواه عنده"..
١٣ في ف: "ولا علم"..
١٤ المسند (٢/٢٥٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٤٥)..
١٥ في ت: "قال"..
١٦ في ف: "من برهما بعد موتهما"..
١٧ المسند (٣/٤٩٧) وسنن أبي داود برقم (٥١٤٢) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٦٤)..
١٨ في أ: "عبيد الله"..
١٩ في ت، ف: "فقال"..
٢٠ في ف: "عند رجلها"..
٢١ المسند (٣/٤٢٩) وسنن النسائي (٦/١١) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٨١).
 .
٢٢ في ت، ف: "معدى كرب"..
٢٣ زيادة من ف، أ..
٢٤ المسند (٤/١٣٢) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٦١)..
٢٥ زيادة من ف، أ، والمسند..
٢٦ المسند (٤/٦٤)..
٢٧ في ف، أ: "يزيد"..
٢٨ في ت: "فسأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل"..
٢٩ مسند البزار برقم (١٨٧٢)"كشف الأستار" ووقع فيه: "ولا بركزة" وفي مجمع الزوائد: "ولا بركة"..

### الآية 17:25

> ﻿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا [17:25]

قال سعيد بن جبير : هو الرجل تكون[(١)](#foonote-١) منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به - وفي رواية : لا يريد إلا الخير بذلك - فقال : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ 
وقوله \[ تعالى \][(٢)](#foonote-٢) : فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا  قال قتادة : للمطيعين أهل الصلاة. 
وعن ابن عباس : المسبحين. وفي رواية عنه : المطيعين المحسنين. 
وقال بعضهم : هم الذين يصلون بين العشاءين. وقال بعضهم : هم الذين يصلون الضحى[(٣)](#foonote-٣). 
وقال شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله : \[ فَإِنَّهُ \][(٤)](#foonote-٤) كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا  قال : الذي يصيب الذنب ثم يتوب، ويصيب الذنب ثم يتوب. 
وكذا رواه عبد الرزاق، عن الثوري ومعمر، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب نحوه، وكذا رواه الليث وابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن ابن \][(٥)](#foonote-٥) المسيب، به وكذا قال عطاء بن يسار. 
وقال مجاهد، وسعيد بن جبير : هم الراجعون إلى الخير. 
وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله : فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا  قال : هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها. ووافقه على ذلك مجاهد[(٦)](#foonote-٦). 
وقال عبد الرزاق : أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، في قوله : فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا  قال : كنا نعد الأواب الحفيظ، أن يقول : اللهم اغفر لي ما أصبت[(٧)](#foonote-٧) في مجلسي هذا[(٨)](#foonote-٨). 
وقال ابن جرير : والأولى في ذلك قول من قال : هو التائب من الذنب، الراجع عن المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه[(٩)](#foonote-٩). 
وهذا الذي قاله هو الصواب ؛ لأن الأواب مشتق من الأوب وهو الرجوع، يقال : آب فلان إذا رجع، قال الله تعالى : إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  \[ الغاشية : ٢٥ \]، وفي الحديث الصحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال[(١٠)](#foonote-١٠) : آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون " [(١١)](#foonote-١١).

١ في ت، ف: "يكون"..
٢ زيادة من ت..
٣ في ت: "الصبح"..
٤ في ت، ف: "إنه" وهو خطأ..
٥ زيادة من ف.
 .
٦ في ف: "ووافقه مجاهد في ذلك"..
٧ في ت: "ما أحببت"..
٨ تفسير عبد الرزاق (١/٣٢٠)..
٩ تفسير الطبري (١٥/٥٢)..
١٠ في ف، أ: "يقول"..
١١ رواه البخاري في صحيحه برقم (١٧٩٧) من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما.

### الآية 17:26

> ﻿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [17:26]

لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، كما تقدم في الحديث :" أمك وأباك، ثم أدناك أدناك " وفي رواية :" ثم الأقرب فالأقرب ". 
وفي الحديث :" من أحب أن يبسط له رزقه[(١)](#foonote-١) وينسأ له في أجله، فليصل رحمه " [(٢)](#foonote-٢). 
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا أبو يحيى التيمي[(٣)](#foonote-٣) حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال لما نزلت، هذه الآية  وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ  دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها " فدك ". ثم قال : لا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التيمي[(٤)](#foonote-٤) وحميد بن حماد بن أبي الخوار[(٥)](#foonote-٥) [(٦)](#foonote-٦). 
وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده ؛ لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة فكيف يلتئم هذا مع هذا ؟ !
وقد تقدم الكلام على المساكين وابن السبيل في " سورة براءة " بما أغنى عن إعادته هاهنا. 
قوله \[ تعالى \][(٧)](#foonote-٧)  وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا  لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطًا، كما قال في الآية الأخرى : وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا  \[ الفرقان : ٦٧ \].

١ في ت، ف، أ: "له في رزقه"..
٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٩٨٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٥٧)..
٣ في ت: أبو نجي التمي"، وفي ف: "التميمي"..
٤ في ت: "أبو نجي التميمي"..
٥ في ت، ف، أ: "الجوزاء"..
٦ مسند البزار برقم (٢٢٢٣) "كشف الأستار" وعطية العوفي متروك.
 .
٧ زيادة من ت..

### الآية 17:27

> ﻿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [17:27]

ثم قال : منفرًا عن التبذير والسرف : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ  أي : أشباههم في ذلك. 
وقال ابن مسعود : التبذير : الإنفاق في غير حق. وكذا قال ابن عباس. 
وقال مجاهد : لو أنفق إنسان ماله كله في الحق، لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًا في غير حقه كان تبذيرًا. 
وقال قتادة : التبذير : النفقة[(١)](#foonote-١) في معصية الله تعالى، وفي غير الحق وفي الفساد. 
وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا لَيْث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال، عن أنس بن مالك أنه قال : أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" تخرج الزكاة من مالك، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين[(٢)](#foonote-٢) ". فقال : يا رسول الله، أقلل[(٣)](#foonote-٣) لي ؟ فقال : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا  فقال :[(٤)](#foonote-٤) حسبي يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها " [(٥)](#foonote-٥). 
وقوله \[ تعالى \][(٦)](#foonote-٦)  إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ  أي : في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته ؛ ولهذا قال : وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا  أي : جحودًا ؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته ؛ بل أقبل على معصيته ومخالفته.

١ في ف، أ: "الإنفاق"..
٢ في ت: "حق المسكين السائل والجار والمسكين"..
٣ في ت: "أتلك"..
٤ في ف: "قال".
٥ المسند (٣/١٣٦)..
٦ زيادة من ت.

### الآية 17:28

> ﻿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [17:28]

وقوله \[ تعالى \][(١)](#foonote-١)  وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا  أي : وإذا سألك أقاربك ومن أمرنا بإعطائهم وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد النفقة  فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا  أي : عدهم وعدًا بسهولة، ولين إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله  فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا  بالوعد : مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة وغير واحد.

١ زيادة من ت
 .

### الآية 17:29

> ﻿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [17:29]

يقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش ذامّا للبخل ناهيًا عن السَّرَف : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ  أي : لا تكن بخيلا منوعًا، لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ  \[ المائدة : ٦٤ \]أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب. 
وقوله : وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ  أي : ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا. 
وهذا من باب اللف والنشر أي : فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سُلمى في المعلقة :

ومن كان ذا مال ويبخل بماله  على قومه يستغن عنه ويذمم[(١)](#foonote-١)ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو : الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا[(٢)](#foonote-٢) فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ  \[ الملك : ٣، ٤ \] أي : كليل عن أن يرى عيبًا. هكذا فسر هذه الآية - بأن المراد هنا البخل والسرف - ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. 
وقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما[(٣)](#foonote-٣) إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق إلا سَبَغَت - أو : وفرت - على جلده، حتى تُخفي بنانه وتعفو[(٤)](#foonote-٤) أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا[(٥)](#foonote-٥) تتسع ". 
هذا لفظ البخاري في الزكاة[(٦)](#foonote-٦). 
وفي الصحيحين من طريق هشام بن عُرْوَةَ، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا تُوعِي فَيُوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك " وفي لفظ :" ولا تُحصي فيحصي الله عليك " [(٧)](#foonote-٧). 
وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله قال لي : أنفق أنفق عليك " [(٨)](#foonote-٨). 
وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مُزَرِّد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما : اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكًا تلفًا " [(٩)](#foonote-٩). 
وروى مسلم، عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء[(١٠)](#foonote-١٠) عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا :" ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا[(١١)](#foonote-١١) ومن تواضع لله رفعه الله " [(١٢)](#foonote-١٢). 
وفي حديث أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا :" إياكم والشُّح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا " [(١٣)](#foonote-١٣). 
وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الأعمش، \[ عن ابن بريدة \][(١٤)](#foonote-١٤) عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما يخرج رجل صدقة، حتى يفك لَحْيَى سبعين شيطانا " [(١٥)](#foonote-١٥). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سُكَين[(١٦)](#foonote-١٦) بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعوده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما عال من اقتصد " [(١٧)](#foonote-١٧). 
١ البيت في ديوانه (ص٣٠)..
٢ في ت، ف: "عجزا وضعفا"..
٣ في أ: "من يديهما"..
٤ في ت، ف: "يخفى بنانه ويعفو"..
٥ في ف: "ولا"..
٦ صحيح البخاري برقم (١٤٤٣) وليس في صحيح مسلم من طريق أبي الزناد، وإنما هو فيه من طريق الحسن بن مسلم وعبد الله بن طاوس، عن طاوس، عن أبي هريرة برقم (١٠٢١)..
٧ صحيح البخاري برقم (١٤٣٣) وصحيح مسلم برقم (١٠٢٩).
٨ صحيح مسلم برقم (٩٩٣).
 .
٩ صحيح البخاري برقم (١٤٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٠١٠)..
١٠ في ف: "عن العلاء بن عبد الرحمن"..
١١ في ت، ف، أ: "إلا غنى"..
١٢ صحيح مسلم برقم (٢٥٨٨)..
١٣ رواه أحمد في المسند (٢/١٥٩) وأبو داود في السنن برقم (١٦٩٨) وابن حبان في صحيحه برقم (١٥٨٠) "موارد" من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي كثير الزبيدي به..
١٤ زيادة من ف، أ، والسنن الكبرى، وصحيح ابن خزيمة..
١٥ السنن الكبرى (٤/١٨٧) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٤٥٧) من طريق محمد المخزومي، عن أبي معاوية، به، وقال: "إن صح الخبر، فإني لا أقف هل سمع الأعمش من ابن بريدة أم لا"..
١٦ في ت: "مسكين"، وفي ف، أ: "سكن"..
١٧ المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢): "فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف"..

### الآية 17:30

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:30]

وقوله \[ تعالى \][(١)](#foonote-١)  إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ  إخبار أنه تعالى هو الرزاق، القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، بما له في ذلك من الحكمة ؛ ولهذا قال : إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا  أي : خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر[(٢)](#foonote-٢)، كما جاء في الحديث :" إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه ". 
وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجًا، والفقر عقوبة عياذًا بالله من هذا وهذا.

١ زيادة من ت..
٢ في ف، أ: "بمن يستحق الفقر ومن يستحق الغنى"..

### الآية 17:31

> ﻿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [17:31]

هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده ؛ لأنه ينهى \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) عن قتل الأولاد، كما أوصى بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله \[ تعالى \][(٢)](#foonote-٢) عن ذلك فقال : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  أي : خوف أن تفتقروا في ثاني الحال ؛ ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ  وفي الأنعام[(٣)](#foonote-٣)  وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ  أي : من فقر  نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ[(٤)](#foonote-٤)  \[ الأنعام : ١٥١ \]. 
وقوله : إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا  أي : ذنبًا عظيمًا. 
وقرأ بعضهم :" كان خَطَأً كبيرًا " وهو بمعناه. 
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود : قلت : يا رسول الله، أي الذنب أعظم ؟ قال :" أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ". قلت : ثم أي ؟ قال :" أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَمَ معك ". قلت : ثم أي ؟ قال :" أن تزاني بحليلة[(٥)](#foonote-٥) جارك " [(٦)](#foonote-٦).

١ زيادة من ت، ف، أ.
 .
٢ زيادة من ف، أ..
٣ في ت، ف، أ: "وقال في سورة الأنعام"..
٤ في ت: "نرزقهم وإياكم" وهو خطأ..
٥ في ف: "خليلة"، وفي أ: "حليلة"..
٦ صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨)..

### الآية 17:32

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [17:32]

يقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا وعن مقاربته، وهو مخالطة أسبابه[(١)](#foonote-١) ودواعيه  وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  أي : ذنبًا عظيمًا  وَسَاءَ سَبِيلا  أي : وبئس طريقًا ومسلكًا. 
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا جرير، حدثنا سليم بن عامر، عن أبي أمامة قال : إن فتى شابًا أتى النبي[(٢)](#foonote-٢) صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا : مًهْ مَهْ. فقال :" ادنه ". فدنا منه قريبًا[(٣)](#foonote-٣) فقال[(٤)](#foonote-٤) اجلس ". فجلس، قال :" أتحبه لأمك ؟ " قال : لا والله، جعلني الله فداك. قال :" ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ". قال :" أفتحبه لابنتك " ؟ قال : لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال :" ولا الناس يحبونه لبناتهم "، قال :" أتحبه لأختك " ؟ قال : لا والله، جعلني الله فداك. قال :" ولا الناس يحبونه لأخواتهم "، قال :" أفتحبه لعمتك " ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك. قال :" ولا الناس يحبونه لعماتهم " قال :" أفتحبه لخالتك " ؟ قال : لا والله، جعلني الله فداك. قال :" ولا الناس يحبونه لخالاتهم " قال : فوضع يده عليه وقال :" اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن[(٥)](#foonote-٥) فرجه " قال : فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء[(٦)](#foonote-٦). 
وقال[(٧)](#foonote-٧) ابن أبي الدنيا : حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بَقيَّةُ، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له " [(٨)](#foonote-٨).

١ في ت: "أشباهه"..
٢ في ت: "أتى إلى النبي"..
٣ في ف: "قريبا منه"..
٤ في ت: "فقال له"..
٥ في ف: "وأحصن".
٦ المسند (٥/٣٥٦)..
٧ في ف، أ: "قال".
 .
٨ الورع لابن أبي الدنيا برقم (١٣٧) وفيه ثلاث علل: الأولى: تدليس بقية. الثانية: ابن أبي مريم ضعيف. الثالثة: الإرسال. أ. هـ مستفادا من حاشية الأستاذ محمد الحمود، وسيأتي الحديث عند تفسير الآية: ٦٨ من سورة الفرقان..

### الآية 17:33

> ﻿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [17:33]

يقول تعالى ناهيًا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة " [(١)](#foonote-١). 
وفي السنن :" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم[(٢)](#foonote-٢) ". 
وقوله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا  أي : سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قَودًا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانًا، كما ثبتت السنة بذلك. وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة، وأنه سيملك ؛ لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلومًا، رضي الله عنه، وكان معاوية يطالب عليًا، رضي الله عنه، أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم ؛ لأنه أموي، وكان علي، رضي الله عنه، يستمهله في الأمر[(٣)](#foonote-٣) حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى[(٤)](#foonote-٤) معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليًا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه كما تفاءل[(٥)](#foonote-٥) ابن عباس واستنبط من هذه الآية الكريمة. وهذا من الأمر العجب وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال :
حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضَمْرَةُ بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن زَهْدَم الجَرْمي قال : كنا في سمر ابن عباس فقال : إني محدثكم حديثا ليس بسر ولا علانية ؛ إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان - يعني عثمان - قلت لعلي : اعتزل فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج، فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله تعالى يقول : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ  الآية[(٦)](#foonote-٦) وليحملنكم[(٧)](#foonote-٧) قريش على سنة فارس والروم وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يُعْرَف نجا، ومن ترك وأنتم تاركون، كنتم كقرن من القرون، هلك فيمن هلك[(٨)](#foonote-٨). 
وقوله \[ تعالى \][(٩)](#foonote-٩)  فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ  قالوا : معناه : فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. 
وقوله : إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا  أي أن الولي منصور على القاتل شرعًا، وغالبًا قدرًا.

١ صحيح البخاري برقم (٦٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود، رضي الله عنه..
٢ في أ: "المسلم"..
٣ في ت: "الأمور"..
٤ في ف: "فأبى"..
٥ في ت، ف، أ: "قال"..
٦ في ت، ف، أ: (إنه كان منصورا) ".
٧ في ت: "يتحملنكم"..
٨ المعجم الكبير (١٠/٣٢٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٣٥): "وفيه من لم أعرفهم"..
٩ زيادة من ت.
 .

### الآية 17:34

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [17:34]

يقول تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  أي : لا تتصرفوا له إلا بالغبطة  وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا  \[ النساء : ٢ \] و لا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ  \[ النساء : ٦ \]. 
وقد جاء في صحيح مسلم ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر :" يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي : لا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تولين مال يتيم[(١)](#foonote-١) " [(٢)](#foonote-٢). 
وقوله \[ تعالى \][(٣)](#foonote-٣) : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ  أي الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه  إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا  أي : عنه.

١ في ت: "بخيل"..
٢ صحيح مسلم برقم (١٨٢٦)..
٣ زيادة من ت..

### الآية 17:35

> ﻿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [17:35]

وقوله \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ  أي : من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم.  وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ  قرئ بضم القاف وكسرها، كالقرطاس وهو الميزان. وقال مجاهد : هو العدل بالرومية. 
وقوله : الْمُسْتَقِيمِ  أي : الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب. 
 ذَلِكَ خَيْرٌ  أي : لكم في معاشكم ومعادكم ؛ ولهذا قال : وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا  أي : مآلا ومنقلبًا في آخرتكم. 
قال : سعيد، عن قتادة : ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا  أي : خير ثوابًا وعاقبة. وأما ابن عباس كان يقول : يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم : هذا المكيال، وهذا الميزان. قال وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :" لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك " [(٢)](#foonote-٢).

١ زيادة من ت..
٢ وقد جاء في مسند أحمد (٥/٧٨) عن أبي قتادة وأبي الدهماء عن رجل من أهل البادية، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: "إنك لا تدع شيئا اتقاء الله، عز وجل، إلا أعطاك الله خيرا منه".
 .

### الآية 17:36

> ﻿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [17:36]

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : يقول : لا تقل. 
وقال العوفي عنه : لا تَرْم أحدًا بما ليس لك به علم. 
وقال محمد بن الحَنفية : يعني شهادة الزور. 
وقال قتادة : لا تقل : رأيت، ولم تر، وسمعت، ولم تسمع، وعلمت، ولم تعلم ؛ فإن الله سائلك عن ذلك كله. 
ومضمون ما ذكروه : أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى : اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ  \[ الحجرات : ١٢ \]، وفي الحديث :" إياكم والظن ؛ فإن الظن أكذبُ الحديث " [(١)](#foonote-١). وفي سنن أبي داود :" بئس مطيةُ الرجل : زعموا " [(٢)](#foonote-٢)، وفي الحديث الآخر :" إن أفرى الفِرَى أن يُرِي[(٣)](#foonote-٣) عينيه ما لم تريا " [(٤)](#foonote-٤). وفي الصحيح :" من تحلم حلما كُلف يوم القيامة أن يعقد بين شَعيرتين، وليس بعاقد[(٥)](#foonote-٥) [(٦)](#foonote-٦). 
وقوله : كُلُّ أُولَئِكَ  أي : هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد  كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا  أي : سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتُسأل[(٧)](#foonote-٧) عنه وعما عمل فيها. ويصح استعمال " أولئك " مكان " تلك "، كما قال الشاعر[(٨)](#foonote-٨) :

ذُمَّ المَنَازلَ بَعْدَ مَنزلة اللِّوَى  وَالْعَيْش بَعْدَ أولئِكَ الأيّام١ رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٠٦٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
٢ برقم (٤٩٧٢)..
٣ في ف، أ: "يرى الرجل"..
٤ رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٠٤٣) من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما..
٥ في ف: "بفاعل"..
٦ رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٠٤٢) معلقا، ووصله النسائي في السنن (٨/٢١٥) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
٧ في ت: "ويسأل"..
٨ هو جرير بن عطية، والبيت في تفسير الطبري (١٥/٦٢)..

### الآية 17:37

> ﻿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [17:37]

يقول تعالى ناهيًا عباده، عن التَّجَبّر والتبختر في المشية : وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا  أي : متبخترًا متمايلا مشي الجَبَّارين  إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ  أي : لن تقطع الأرض بمشيتك[(١)](#foonote-١) قاله ابن جرير، واستشهد عليه بقول رُؤبة بن العَجَّاج :
وقَاتِم الأعْمَاق خَاوي المُخترقْ[(٢)](#foonote-٢)
وقوله \[ تعالى \][(٣)](#foonote-٣) : وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا  أي : بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض[(٤)](#foonote-٤) قصده. كما ثبت في الصحيح :" بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بُرْدَان يتبختر فيهما، إذ خُسِف به الأرض، فهو يتجلجل[(٥)](#foonote-٥) فيها إلى يوم القيامة " [(٦)](#foonote-٦). 
وكذلك[(٧)](#foonote-٧) أخبر الله \[ تعالى \][(٨)](#foonote-٨) عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث :" من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب أو الخنزير " [(٩)](#foonote-٩). 
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب " الخمول والتواضع " : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد، بن أبي بكر الهذلي قال : بينما نحن مع الحسن، إذ مَر عليه ابن الأهتم[(١٠)](#foonote-١٠) - يريد المنصور - وعليه جبَابُ خَزّ قد نُضّد[(١١)](#foonote-١١) بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال : أف أف، شامخ بأنفه، ثان عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أيّ حُمَيْق ينظر في عطفه في نِعَم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدّى حقّ الله منها ! والله إن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون، في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهتم[(١٢)](#foonote-١٢) فرجع يعتذر إليه، فقال : لا تعتذر إلي، وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا [(١٣)](#foonote-١٣). 
ورأى البختريّ العابدُ رجلا من آل علي يمشي وهو يخطِر في مشيته، فقال له : يا هذا، إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته ! قال : فتركها الرجل بعد. 
ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته، فقال : إن للشياطين إخوانًا. 
وقال : خالد بن مَعْدان : إياكم والخَطْر، فإن الرّجل يَدُه من سائر[(١٤)](#foonote-١٤) جسده. رواهما ابن أبي الدنيا. 
وقال : ابن أبي الدنيا : حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد، عن[(١٥)](#foonote-١٥) يحيى، عن سعيد، عن يُحَنَّس قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض " [(١٦)](#foonote-١٦).

١ في ت، ف: "بمشيك"..
٢ تفسير الطبري (١٥/٦٣)..
٣ زيادة من ت.
 .
٤ في ت: "ببعض"..
٥ في ت: "يتخلل"..
٦ صحيح البخاري برقم (٥٧٨٩) وصحيح مسلم برقم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
٧ في أ: "ولذلك"..
٨ زيادة من ف..
٩ رواه أبو نعيم في الحلية (٧/١٢٩) والخطيب في تاريخ بغداد (٢/١١٠) من طريق سعيد بن سلام، عن الثوري عن الأعمش، عن إبراهيم بن عابس، عن ربيعة، عن عمر بن الخطاب بنحوه وقال: "غريب من حديث الثوري، تفرد به سعيد بن سلام، وهو كذاب"..
١٠ في هـ، ت، ف: "ابن الأهيم"، والصواب ما أثبتناه من الخمول والتواضع لابن أبي الدنيا..
١١ في ت، ف: "فضل"..
١٢ في هـ ت، ف: "ابن الأهيم"، والصواب ما أثبتناه من الخمول والتواضع..
١٣ الخمول والتواضع برقم (٢٣٧)..
١٤ في ت، ف، أ: "من دون سائر"..
١٥ في ف: "بن".
 .
١٦ الخمول والتواضع برقم (٢٤٩) وهو مرسل، وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، رواه الترمذي في السنن برقم (٢٢٦١) من طريق زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عنه، ولفظ آخره "سلط الله شرارها على خيارها" وقال الترمذي: "هذا حديث غريب".

### الآية 17:38

> ﻿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [17:38]

وقوله تعالى : كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا  أما من قرأ " سيئة " أي : فاحشة. فمعناه عنده : كل هذا الذي نهينا عنه، من قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  إلى هاهنا، فهو سيئة مؤاخذ عليها  مَكْرُوهًا  عند الله، لا يحبه ولا يرضاه. 
وأما من قرأ  سَيِّئُهُ  على الإضافة فمعناه عنده : كل هذا الذي ذكرناه من قوله : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ  إلى هاهنا فسيئه، أي : فقبيحه مكروه[(١)](#foonote-١) عند الله، هكذا وجَّه ذلك ابن جرير، رحمه الله[(٢)](#foonote-٢).

١ في ت، ف، أ: "قبيحه مكروها"..
٢ تفسير الطبري (١٥/٦٣).
 .

### الآية 17:39

> ﻿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [17:39]

يقول تعالى : هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس. 
 وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا  أي : تلومك نفسك \[ ويلومك الله \][(١)](#foonote-١) والخلق.  مَدْحُورًا . قال ابن عباس وقتادة : مطرودًا. 
والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم.

١ زيادة من ت، ف، أ..

### الآية 17:40

> ﻿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [17:40]

يقول تعالى رادًا على المشركين الكاذبين[(١)](#foonote-١) الزاعمين - عليهم لعائن الله - أن الملائكة بناتُ الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ثم ادّعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطئوا في كل من المقامات الثلاث[(٢)](#foonote-٢) خطأ عظيمًا، قال تعالى منكرًا عليهم : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ  أي : خصصكم بالذكور  وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا  أي : اختار لنفسه على زعمكم البنات ؟ ثم شدد الإنكار عليهم فقال : إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا  أي : في زعمكم لله ولدًا، ثم جعْلكم ولده الإناث التي تأنفون[(٣)](#foonote-٣) أن يَكُنّ لكم، وربما قتلتموهُن بالوأد، فتلك إذا قسْمة ضِيزَى. وقال \[ الله \][(٤)](#foonote-٤) تعالى : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا \* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا\* تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا\* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا\* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا\* إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا\* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا\* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  \[ مريم : ٨٨ - ٩٥ \].

١ في ف: "المكذبين"..
٢ في ت، ف: "الثلاث المقامات"..
٣ في ت: "تألفون"..
٤ زيادة من ف.
 .

### الآية 17:41

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا [17:41]

يقول تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا[(١)](#foonote-١) فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا[(٢)](#foonote-٢)  أي : صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ، فينزجروا[(٣)](#foonote-٣) عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك،  وَمَا يَزِيدُهُمْ  أي : الظالمين منهم  إِلا نُفُورًا  أي : عن الحق، وبعدًا منه.

١ في ت، ف، أ: "صرفنا للناس" وهو خطأ..
٢ في ت، ف: "القرآن من كل مثل" وهو خطأ..
٣ في ف: "فينزجزن"..

### الآية 17:42

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [17:42]

يقول تعالى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى : لو كان الأمر كما تقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه - لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه. وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه.

### الآية 17:43

> ﻿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا [17:43]

ثم نزه نفسه الكريمة وقدّسها فقال : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ  أي : هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى  عُلُوًّا كَبِيرًا  أي : تعاليًا كبيرا، بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد.

### الآية 17:44

> ﻿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [17:44]

يقول تعالى : تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي : من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتجِّلّه وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته :

فَفي كُلّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ  تَدُلُّ عَلى أنَّه واحدكما قال : تعالى : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ[(١)](#foonote-١) مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا \* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا \* \[ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا \][(٢)](#foonote-٢)  \[ مريم : ٩٠ - ٩٢ \]. 
وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين[(٣)](#foonote-٣) ابن ميمون مؤذّن مسجد الرملة، حدثنا عروة
ليلة أسري إلى المسجد الأقصى، كان[(٤)](#foonote-٤) بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطار به حتى بلغ السماوات السبع[(٥)](#foonote-٥)، فلما رجع قال : سمعت تسبيحًا في السماوات العلى مع تسبيح كثير : سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العليّ الأعلى، سبحانه وتعالى[(٦)](#foonote-٦). 
وقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  أي : وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله[(٧)](#foonote-٧)  وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  أي : لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس ؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات[(٨)](#foonote-٨) والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن ابن مسعود أنه قال : كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل[(٩)](#foonote-٩). 
وفي حديث أبي ذر : أن النبي[(١٠)](#foonote-١٠) صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات، فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا يد أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم \[ أجمعين \][(١١)](#foonote-١١)، وهو حديث مشهور في المسانيد[(١٢)](#foonote-١٢). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا زَبَّان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مَرّ على قوم وهم وقوف على دوابّ لهم ورواحل، فقال لهم :" اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله منه " [(١٣)](#foonote-١٣). 
وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال :" نقيقها تسبيح " [(١٤)](#foonote-١٤). 
وقال قتادة، عن عبد الله بن بَابِي[(١٥)](#foonote-١٥)، عن عبد الله بن عمرو : أن الرجل إذا قال :" لا إله إلا الله "، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها. وإذا قال :" الحمد لله " فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد قط حتى يقولها، وإذا قال :" الله أكبر " فهي تملأ[(١٦)](#foonote-١٦) ما بين السماء والأرض، وإذا قال :" سبحان الله "، فهي صلاة الخلائق التي لم يَدْع الله أحدًا من خلقه إلا قَرّره بالصلاة والتسبيح. وإذا قال :" لا حول ولا قوة إلا بالله[(١٧)](#foonote-١٧) "، قال : أسلم عبدي واستسلم. 
وقال الإمام أحمد : حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصَّقْعَبَ بن زُهير \[ يحدث \][(١٨)](#foonote-١٨) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيّ عليه جبة
من طيالسة مكفوفة[(١٩)](#foonote-١٩) بديباج - أو : مزورة بديباج - فقال : إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل رأس ابن رأس. فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم مغضبًا، فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه، فقال :" لا أرى عليك ثياب من لا يعقل ". ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس فقال :" إن نوحًا، عليه السلام، لما حضرته الوفاة، دعا ابنيه[(٢٠)](#foonote-٢٠) فقال : إني قاص عليكما الوصية : آمركما باثنتين وأنهاكما عن اثنتين : أنهاكما عن الشرك بالله والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله، فإن السماوات والأرض وما بينهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت " لا إله إلا الله " في الكفة الأخرى، كانت أرجح، ولو أن السماوات والأرضِ كانتا[(٢١)](#foonote-٢١) حلقة، فوضعت " لا إله إلا الله " عليهما لفصمتهما أو لقصمتهما. وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء " [(٢٢)](#foonote-٢٢). 
ورواه الإمام أحمد، أيضا، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن الصَّقْعَب[(٢٣)](#foonote-٢٣) بن زهير، به أطول من هذا. تفرد به[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
وقال ابن جرير : حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوْدِيّ، حدثنا محمد بن يَعْلى، عن موسى بن عبيدة، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه[(٢٥)](#foonote-٢٥) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه ؟ إن نوحا، عليه السلام، قال لابنه : يا بني، آمرك أن تقول :" سبحان الله "، فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق، قال الله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [(٢٦)](#foonote-٢٦) إسناده فيه ضعف، فإن الرّبذي[(٢٧)](#foonote-٢٧) ضعيف عند الأكثرين. 
وقال عكرمة في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  قال : الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح[(٢٨)](#foonote-٢٨) - الأسطوانة : السارية. 
وقال بعض السلف : إن صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ 
وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال : الطعام يسبح. 
ويشهد لهذا القول آية السجدة أول \[ سورة \][(٢٩)](#foonote-٢٩) الحج. 
وقال آخرون : إنما يسبح ما كان فيه روح. يعنون من حيوان أو نبات. 
وقال قتادة في قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  قال : كل شيء فيه الروح يسبح من شجر[(٣٠)](#foonote-٣٠) أو شيء فيه. 
وقال الحسن، والضحاك في قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  قالا كل شيء فيه الروح. 
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب قالا حدثنا جرير أبو الخطاب قال : كنا مع يزيد الرَّقاشي، ومعه الحسن في طعام، فقدموا الخوان، فقال يزيد الرقاشي : يا أبا سعيد، يسبح هذا الخِوَان ؟ فقال : كان يسبح مرة[(٣١)](#foonote-٣١). 
قلت : الخِوَان هو المائدة من الخشب. فكأن الحسن، رحمه الله، ذهب إلى أنه لما كان حيا فيه خضرة، كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه. وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال :" إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير[(٣٢)](#foonote-٣٢)، أما أحدهما فكان لا يَسْتَتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي[(٣٣)](#foonote-٣٣) بالنميمة ". ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال :" لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ". أخرجاه في الصحيحين[(٣٤)](#foonote-٣٤). 
قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء : إنما قال :" ما لم ييبسا " لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم. 
وقوله \[ تعالى \][(٣٥)](#foonote-٣٥)  إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا  أي : أنه \[ تعالى \][(٣٦)](#foonote-٣٦) لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في الصحيحين :" إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته ". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [(٣٧)](#foonote-٣٧) \[ هود : ١٠٢ \]الآية، و قال \[ الله \][(٣٨)](#foonote-٣٨) تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ  \[ الحج : ٤٨ \]. ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله وتاب إليه، تاب عليه، كما قال تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا  \[ النساء : ١١٠ \]. 
وقال هاهنا : إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا  كما قال في آخر فاطر : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا  إلى أن قال : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا  \[ فاطر : ٤١ - ٤٥ \]. 
١ في ت، ف: "ينفطرن" وهو خطأ..
٢ زيادة من أ..
٣ في ت: "أن".
 .
٤ في ت، ف، أ: "الأقصى، فلما رجع كان"..
٥ في ت: "السبع السموات"..
٦ المعجم الأوسط برقم (٥٨) "مجمع البحرين" وقال " لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد". وذكر الذهبي هذا الحديث في الميزان (٤/١٠١) في ترجمة مسكين بن أبي ميمون وقال: "منكر"..
٧ في ف: "بحمده"..
٨ في ت، ف: "الحيوان"..
٩ صحيح البخاري برقم (٣٥٧٩)..
١٠ في ت، ف، أ: "أن رسول الله "..
١١ زيادة من ف..
١٢ رواه أحمد في المسند (٤/٤١٥)..
١٣ المسند (٣/٤٣٩)..
١٤ سنن النسائي (٧/٢١٠) من حديث عبد الرحمن بن عثمان، رضي الله عنه..
١٥ في ت: "باني"، وفي ف: "أبي"..
١٦ في ت: "الله أكبر ملأ"..
١٧ في أ: "بالله العلي العظيم"..
١٨ زيادة من ف، أ، والمسند.
 .
١٩ في ت، ف: "ملفوفة"..
٢٠ في ت: "بنيه"..
٢١ في ت: "كانت"..
٢٢ المسند (٢/٢٢٥)..
٢٣ في ف: "الصعقب"..
٢٤ المسند (٢/١٦٩)..
٢٥ في ف: "عنهما"..
٢٦ تفسير الطبري (١٥/٦٥)..
٢٧ في ت: "الزيدي"، وفي ف: "الأودي"..
٢٨ في ت، ف: "والشجر يسبح"..
٢٩ زيادة من ف..
٣٠ في ف: "من شجرة".
 .
٣١ تفسير الطبري (١٥/٦٥)..
٣٢ في ت: "كثير"..
٣٣ في ت: "وأما الآخر فيمشي"، وفي أ: "وكان الآخر يمشي"..
٣٤ صحيح البخاري برقم (٢١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٩٢)..
٣٥ زيادة من ت..
٣٦ زيادة من ت..
٣٧ صحيح البخاري برقم (٤٦٨٦) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٣) من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما..
٣٨ زيادة من ف، أ.
 .

### الآية 17:45

> ﻿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [17:45]

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا قرأت - يا محمد - على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجابا مستورًا. 
قال قتادة، وابن زيد : هو الأكنّة على قلوبهم، كما قال تعالى : وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  \[ فصلت : ٥ \] أي : مانع حائل[(١)](#foonote-١) أن يصل إلينا مما تقول شيء. 
وقوله : حِجَابًا مَسْتُورًا  أي : بمعنى ساتر، كميمون ومشئوم، بمعنى : يامن وشائم ؛ لأنه من يَمنهم وشَأمَهم. 
وقيل : مستورًا عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير، رحمه الله. 
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر \[ الصديق \][(٢)](#foonote-٢) رضي الله عنها[(٣)](#foonote-٣)، قالت : لما نزلت  تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتبٍٍَ  \[ سورة المسد \] جاءت العوراء أم جميل ولها ولوَلة، وفي يدها فِهْر وهي تقول : مُدَمَّما أتينا - أو : أبينا، قال أبو موسى : الشك مني - ودينه قَلَيْنَا، وأمره عصينا. ورسول الله جالس، وأبو بكر إلى جنبه - أو قال : معه - قال : فقال أبو بكر : لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال :" إنها لن تراني "، وقرأ قرآنا اعتصم به منها : وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا . قال : فجاءت حتى قامت على أبي بكر، فلم تر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت : يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني. فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك. قال : فانصرفت وهي تقول : لقد[(٤)](#foonote-٤) علمت قريش أني بنت سيدها[(٥)](#foonote-٥).

١ في ف: "مانع وحائل"..
٢ زيادة من ت..
٣ في ف، أ: "عنهما"..
٤ في ف: "قد"..
٥ مسند أبي يعلى (١/٥٣) وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/١٦٩).
 .

### الآية 17:46

> ﻿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [17:46]

وقوله : وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً  : جمع " كنان "، الذي يغشى القلب  أَنْ يَفْقَهُوهُ  أي : لئلا يفهموا القرآن  وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا  وهو الثقْل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به. 
وقوله : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ  أي : إذا وحَّدت الله في تلاوتك، وقلت :" لا إله إلا الله "  وَلَّوْا  أي : أدبروا راجعين  عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا  ونفور : جمع نافر، كقعود جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، والله أعلم، كما قال تعالى : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  \[ الزمر : ٤٥ \]. 
قال قتادة في قوله : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا  إن المسلمين لما قالوا :" لا إله إلا الله "، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم، وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ويُفْلجها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس، لا يعرفونها ولا يقرّون بها. 
**قول آخر في الآية :**
وروى[(١)](#foonote-١) ابن جرير : حدثني الحسين بن محمد الذارع[(٢)](#foonote-٢)، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا  هم الشياطين. 
هذا غريب جدًا في تفسيرها، وإلا فالشياطين[(٣)](#foonote-٣) إذا قرئ القرآن، أو نودي بالأذان، أو ذكر الله، انصرفوا[(٤)](#foonote-٤).

١ في ت، ف: "قال"..
٢ في ت، ف، أ: "الذراع"..
٣ في ف: "فالشيطان"..
٤ في ف: "انصرف"..

### الآية 17:47

> ﻿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [17:47]

يخبر تعالى نبيه - صلوات الله \[ وسلامه \][(١)](#foonote-١) عليه - بما تناجى به رؤساء كفار قريش، حين جاءوا يستمعون قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم سرًا من قومهم، بما قالوا من أنه رجل مسحور، من السّحر على المشهور، أو من " السَّحْر "، وهو الرئة، أي : إن تتبعون - إن اتبعتم محمدًا -  إِلا بَشَرًا  يأكل \[ ويشرب \][(٢)](#foonote-٢)، كما قال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :

فَإن تَسألينا فيم نَحْنُ فَإنَّنا  عصافيرُ مِنْ هَذا الأنَام المُسَحَّروقال الراجز[(٤)](#foonote-٤)
ونُسْحَر[(٥)](#foonote-٥) بالطَّعام وبالشراب
أي : نُغذى : وقد صوب هذا القول ابنُ جرير، وفيه نظر ؛ لأنهم إنما أرادوا هاهنا أنه مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه ومنهم من قال :" شاعر "، ومنهم من قال :" كاهن "، ومنهم من قال :" مجنون "، ومنهم من قال :" ساحر " ؛ ولهذا قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا 
١ زيادة من ت، ف، أ..
٢ زيادة من ف، أ..
٣ هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه (ص٥٧)..
٤ هو امرؤ القيس، والرجز في اللسان مادة "سحر"..
٥ في ت: "تسحر"، وفي أ: "تسحرنا"..

### الآية 17:48

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [17:48]

أي : فلا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون إليه مخلصًا. 
قال محمد بن إسحاق في السيرة : حدثني محمد بن مسلم[(١)](#foonote-١) بن شهاب الزهري، أنه حُدث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف ابن[(٢)](#foonote-٢) زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسًا يستمع فيه، وكلُّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا. حتى إذا جمعتهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا حتى إذا جمعتهم[(٣)](#foonote-٣) الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل[(٤)](#foonote-٤) منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجَمعهم[(٥)](#foonote-٥) الطريق فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. 
فلما أصبح الأخنس بن شَريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعتُ أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها، وسمعتُ أشياء ما عرفتُ معناها، ولا ما يراد بها. قال الأخنس : وأنا والذي حَلفت به. قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال : يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : ماذا سمعتُ ؟ ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الرُّكب، وكنا كفَرَسي رِهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نؤمن به[(٦)](#foonote-٦) أبدا ولا نصدقه. قال : فقام عنه الأخنس وتركه[(٧)](#foonote-٧).

١ في ت: "سلام"..
٢ في أ: "بني".
 .
٣ في ف، أ: "تفرقوا فجمعتهم"..
٤ في ت: "كل واحد"..
٥ في ت، ف، أ: "حتى إذا اجمعتهم"..
٦ في ف: "بهذا"..
٧ السيرة النبوية لابن هشام (١/٣١٥).
 .

### الآية 17:49

> ﻿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [17:49]

يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك : أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا  أي : ترابًا. قاله مجاهد. 
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : غبارًا. 
 أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  أي : يوم القيامة  خَلْقًا جَدِيدًا  أي : بعد ما بلينا وصرنا عدمًا لا يذكر. كما أخبر عنهم في الموضع الآخر : يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ\* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً\* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ  \[ النازعات : ١٠ - ١٢ \] قال تعالى[(١)](#foonote-١) : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  \[ يس : ٧٨، ٧٩ \].

١ في ف: "وقال تعالى".
 .

### الآية 17:50

> ﻿۞ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا [17:50]

وهكذا أمر رسوله ههنا[(١)](#foonote-١) أن يجيبهم فقال : قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا  وهما[(٢)](#foonote-٢) أشد امتناعا من العظام والرفات.

١ في ف: "هنا"..
٢ في ف: "إذا هما"..

### الآية 17:51

> ﻿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [17:51]

أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ 
قال ابن إسحاق عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد : سألت ابن عباس عن ذلك فقال : هو الموت. 
وروى عطية، عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية : لو كنتم موتى لأحييتكم. وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والضحاك. 
ومعنى ذلك : أنكم لو فرضتم أنكم لو[(١)](#foonote-١) صِرْتُم مَوْتًا الذي هو ضد الحياة لأحياكم الله إذا شاء، فإنه لا يمتنع[(٢)](#foonote-٢) عليه شيء إذا أراده. 
وقد ذكر بن جرير \[ هاهنا \][(٣)](#foonote-٣) حديث :" يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كَبْش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال : يا أهل الجنة، أتعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم. ثم يقال : يا أهل النار، أتعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال : يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت " [(٤)](#foonote-٤). 
وقال مجاهد : أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ  يعني : السماء والأرض والجبال. 
وفي رواية : ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله بعد موتكم. 
وقد وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك، عن الزهري في قوله  أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ  قال : النبي صلى الله عليه وسلم، قال مالك : ويقولون : هو الموت. 
وقوله \[ تعالى \][(٥)](#foonote-٥)  فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا  أي : من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدًا أو خلقًا آخر شديدًا  قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  أي : الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا مذكورًا، ثم صرتم بشرًا تنتشرون ؛ فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال  وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  \[ الروم : ٢٧ \]. 
وقوله \[ تعالى \][(٦)](#foonote-٦) : فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ  : قال ابن عباس وقتادة : يحركونها استهزاء. 
وهذا الذي قالاه هو الذي تفهمه العرب من لغاتها ؛ لأن[(٧)](#foonote-٧) الإنغاض هو : التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم - وهو ولد النعامة - : نغضًا ؛ لأنه إذا مشى عَجل[(٨)](#foonote-٨) في مشيته وحَرك رأسه. ويقال : نَغَضَت[(٩)](#foonote-٩) سنُه إذا تحركت وارتفعت من مَنْبَتها ؛ قال : الراجز[(١٠)](#foonote-١٠) :
ونَغَضَتْ مِنْ هَرَم أسنانها. . . 
وقوله : وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ  إخبار عنه بالاستبعاد منهم لوقوع[(١١)](#foonote-١١) ذلك، كما قال تعالى : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  \[ الملك : ٢٥ \]، وقال تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا  \[ الشورى : ١٨ \]. 
وقوله : قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا  أي : احذروا ذلك، فإنه قريب إليكم، سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت آت. 
١ في ف: "قد"..
٢ في ت: "إذا شاء فلا"..
٣ زيادة من أ..
٤ تفسير الطبري (١٥/٦٩) من طريق العوفيين عن ابن عمر، رضي الله عنه، وإسناده مسلسل بالضعفاء وأصله في صحيح مسلم برقم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه..
٥ زيادة من ت..
٦ زيادة من ت..
٧ في ت، ف: "فإن"..
٨ في ت، ف: "أعجل"..
٩ في ت: "نغض"..
١٠ الرجز في تفسير الطبري (١٥/٧٠)..
١١ في ت: "وقوع".
 .

### الآية 17:52

> ﻿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [17:52]

وقوله \[ تعالى \][(١)](#foonote-١) : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ  أي : الرب تعالى  إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ  \[ الروم : ٢٥ \] أي : إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يُخالَف ولا يُمَانع، بل كما قال \[ تعالى \][(٢)](#foonote-٢)  وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ  \[ القمر : ٥٠ \]  إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  \[ النحل : ٤٠ \] وقال  فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ  \[ النازعات : ١٣، ١٤ \] أي : إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها[(٣)](#foonote-٣) كما قال : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ  أي : تقومون[(٤)](#foonote-٤) كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته. 
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ  أي : بأمره. وكذا قال ابن جريج. 
وقال قتادة : بمعرفته وطاعته. 
وقال بعضهم : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ  أي : وله الحمد في كل حال، وقد جاء في الحديث :" ليس على أهل " لا إله إلا الله " وحشة في قبورهم، وكأني[(٥)](#foonote-٥) بأهل " لا إله إلا الله " يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم، يقولون : لا إله إلا الله ". وفي رواية يقولون : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ  \[ فاطر : ٣٤ \] وسيأتي في سورة فاطر \[ إن شاء الله تعالى \][(٦)](#foonote-٦). 
وقوله : وَتَظُنُّونَ  أي : يوم تقومون من قبوركم  إِنْ لَبِثْتُمْ  \[ أي \][(٧)](#foonote-٧) : في الدار الدنيا  إِلا قَلِيلا ، وكما قال : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا  \[ النازعات : ٤٦ \] وقال تعالى : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا \* يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا \* نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا  \[ طه : ١٠٢ - ١٠٤ \]، وقال تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ  \[ الروم : ٥٥ \]، وقال تعالى : قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ \* قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ \* قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ  \[ المؤمنون : ١١٢ - ١١٤ \].

١ زيادة من ت..
٢ زيادة من ت..
٣ في ت: "ظهرها"..
٤ في ت، ف: "تقولون"..
٥ في ت، ف: "فكأني"..
٦ زيادة من ف، أ..
٧ زيادة من ف.
 .

### الآية 17:53

> ﻿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [17:53]

يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة ؛ فإنه إذ لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإن الشيطان عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، فعداوته ظاهرة بينة ؛ ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده، أي : فربما أصابه بها. 
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يشيرنّ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده، فيقع في حفرة من نار[(١)](#foonote-١). 
أخرجاه من حديث عبد الرزاق[(٢)](#foonote-٢). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن قال : حدثني رجل من بني سَلِيط قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أزْفَلَة من الناس، فسمعته يقول :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى هاهنا - \[ قال حماد : وقال بيده إلى صدره - ماتواد رجلان في الله فتفرَّق بينهما إلا بحدث يحدثه أحدهما \][(٣)](#foonote-٣) والمحدث شَر، والمحدث شر، والمحدث شر " [(٤)](#foonote-٤).

١ في ف، أ: "النار"..
٢ المسند (٢/٣١٧) وصحيح البخاري برقم (٧٠٧٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦١٧)..
٣ زيادة من ف، أ، والمسند..
٤ المسند (٥/٧١)..

### الآية 17:54

> ﻿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [17:54]

يقول الله تعالى : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ  أيها الناس، من يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق  إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ  بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه  أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ  \[ يا محمد \][(٥)](#foonote-٥)  عَلَيْهِمْ وَكِيلا  أي : إنما أرسلناك نذيرًا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار.

### الآية 17:55

> ﻿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [17:55]

وقوله : وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ  أي : بمراتبهم في الطاعة والمعصية  وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ ، كَمَا قَالَ : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ  \[ البقرة : ٢٥٣ \]. 
وهذا لا ينافي ما \[ ثبت \][(١)](#foonote-١) في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا تفضلوا بين الأنبياء " [(٢)](#foonote-٢) ؛ فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية[(٣)](#foonote-٣)، لا بمقتضى الدليل، \[ فإنه إذا دل الدليل \][(٤)](#foonote-٤) على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصا[(٥)](#foonote-٥) في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  \[ الأحزاب : ٧ \]، وفي الشورى \[ في قوله \][(٦)](#foonote-٦) : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  \[ الشورى : ١٣ \]. ولا خلاف أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقد بسطنا هذا بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. 
وقوله : وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا  تنبيه على فضله وشرفه. 
قال البخاري : حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" خُفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته لتُسْرج، فكان يقرأ قبل أن يَفْرغ ". يعني القرآن[(٧)](#foonote-٧).

١ زيادة من ف..
٢ صحيح البخاري برقم (٣٤١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
٣ في ت: "والمعصية"..
٤ زيادة من ف، وفي ت: "فإنه إذا كان"..
٥ في ت: "قصا".
 .
٦ زيادة من ف..
٧ صحيح البخاري برقم (٤٧١٣)..

### الآية 17:56

> ﻿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا [17:56]

يقول تعالى : قُلِ  يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله : ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ  من الأصنام والأنداد، فارغبوا إليهم، فإنهم " لا يملكون كشف الضر عنكم " أي : بالكلية،  وَلا تَحْوِيلا  أي : أن يحولوه إلى غيركم. 
والمعنى : أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. 
قال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا  قال : كان أهل الشرك يقولون : نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة والمسيح وعزيرًا.

### الآية 17:57

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [17:57]

وقوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ . روى البخاري، من حديث سليمان بن مِهْران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمر، عن عبد الله في قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ  قال : ناس من الجن، كانوا يعبدون، فأسلموا. وفي رواية قال : كان ناس من الإنس، يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم[(١)](#foonote-١). 
وقال قتادة، عن معبد[(٢)](#foonote-٢) بن عبد الله الزِّمَّاني[(٣)](#foonote-٣)، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ  قال : نزلت في نفر من العرب، كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجِنِّيُّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية. 
وفي رواية عن ابن مسعود : كانوا يعبدون صنفًا من الملائكة يقال لهم : الجن، فذكره. 
وقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ  قال : عيسى وأمه، وعُزير. 
وقال مغيرة، عن إبراهيم : كان ابن عباس يقول في هذه الآية : هم عيسى، وعُزير، والشمس، والقمر. 
وقال مجاهد : عيسى، والعُزير، والملائكة. 
واختار ابن جرير قول ابن مسعود ؛ لقوله : يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ، وهذا لا يعبر به[(٤)](#foonote-٤) عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعُزير. قال : والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة ؛ ولهذا قال : أَيُّهُمْ أَقْرَبُ 
وقوله : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ  : لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف[(٥)](#foonote-٥) عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على[(٦)](#foonote-٦) الطاعات. 
وقوله : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا  أي : ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا بالله منه.

١ صحيح البخاري برقم (٤٧١٤، ٤٧١٥)..
٢ في ت: "سعيد"..
٣ في ت، ف: "الرماني".
 .
٤ في ت: "لا يغن به"..
٥ في ف، أ: "ينكشف"..
٦ في ف: "إلى".
 .

### الآية 17:58

> ﻿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [17:58]

هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتَمَ وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ : أنه ما من قرية إلا سيهلكها، بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم  عَذَابًا شَدِيدًا  إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال عن الأمم الماضين : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ  \[ هود : ١٠١ \] وقال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا \* فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا  \[ الطلاق : ٧، ٨ \].

### الآية 17:59

> ﻿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [17:59]

قال سُنَيْد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جُبَيْر قال : قال المشركون : يا محمد، إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سُخّرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سَرّك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبًا. فأوحى الله إليه :" إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب ؛ فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نَستأني بقومك استأنيتُ بهم ؟ " قال :" يا رب، استأن بهم ". 
وكذا قال قتادة، وابن جريج، وغيرهما. 
قال[(١)](#foonote-١) الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس[(٢)](#foonote-٢)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له : إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن نُؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكتُ من كان قبلهم من الأمم : قال :" لا بل استأن بهم ". وأنزل الله : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً  رواه[(٣)](#foonote-٣) النسائي من حديث جرير، به[(٤)](#foonote-٤). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سَلَمة بن كُهيل، عن عمران أبى الحكيم[(٥)](#foonote-٥)، عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، ونؤمن بك. قال :" وتفعلون ؟ " قالوا : نعم. قال : فدعا فأتاه جبريل فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عَذّبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. فقال :" بل باب التوبة والرحمة " [(٦)](#foonote-٦). 
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا خلف ابن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمار الأيلِيّ، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت : سمعت الزبير يقول : لما نزلت : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ  \[ الشعراء : ٢١٤ \] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قَبِيس :" يا آل عبد مناف، إني نذير ! " فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم، فقالوا : تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان سخر له الريح والجبال، وأن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر[(٧)](#foonote-٧) لنا الأرض أنهارًا، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا، فننحت منها، وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم ! قال : فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلما سري عنه قال :" والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم، فتضلوا عن باب الرحمة، فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم. وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم، أنه يعذبكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين " ونزلت : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ 
وحتى قرأ ثلاث آيات ونزلت : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى  \[ الرعد : ٣١ \][(٨)](#foonote-٨). 
ولهذا قال تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ  أي : نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك، فإنه سهل علينا يسير لدينا، إلا أنه قد كذب بها الأولون بعدما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة ::  قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ  \[ المائدة : ١١٥ \] وقال تعالى عن ثمود، حين سألوا آية : ناقة تخرج[(٩)](#foonote-٩) من صخرة عَيَّنُوها، فدعا صالح ربه، فأخرج له منها ناقة على ما سألوا " فظلموا بها " [(١٠)](#foonote-١٠) أي : كفروا بمن خلقها، وكذبوا رسوله وعقروا الناقة فقال : تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ  \[ هود : ٦٥ \] ؛ ولهذا قال تعالى : وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ  أي : دالة على وحدانية من خلقها وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها  فَظَلَمُوا بِهَا  أي : كفروا بها ومنعوها شِرْبها وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم، وانتقم منهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. 
وقوله : وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا  قال قتادة : إن الله خوف الناس بما يشاء[(١١)](#foonote-١١) من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال : يا أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه. 
وهكذا رُوي أن المدينة زُلزلت على عهد عمر بن الخطاب مرات، فقال عمر : أحدثتم، والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه :" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله، عز وجل، يرسلهما يخوف بهما[(١٢)](#foonote-١٢) عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره ". ثم قال :" يا أمة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا " [(١٣)](#foonote-١٣).

١ في ف: "وقال"..
٢ في ف، أ: "ابن أبي إياس"..
٣ في أ: "قد رواه"..
٤ المسند (١/٢٥٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٩٠)..
٥ في هـ: "عمران بن حكيم"، والتصويب من أطراف المسند وكتب الرجال..
٦ المسند (١/٢٤٢)..
٧ في ف: "وتفجر".
 .
٨ مسند أبي يعلى (٢/٤٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨٥): "رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، وكلاهما وثق، وقد ضعفهما الجمهور"..
٩ في ف، أ: "أن يخرج لهم ناقة"..
١٠ في أ: "فلما ظلموا بها" وهو خطأ..
١١ في ف: "بأشياء"..
١٢ في ف، أ: "ولكن يخوف الله بهما"..
١٣ صحيح البخاري برقم (١٠٤٤) وصحيح مسلم برقم (٩٠١).
 .

### الآية 17:60

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [17:60]

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرّضًا له على إبلاغ رسالته، ومخبرًا له بأنه قد عصمه من الناس، فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته. 
قال مجاهد، وعروة بن الزبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم في قوله : وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ  أي : عصمك منهم. 
وقوله : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ  قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ  قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) ليلة أسري به  وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ  شجرة الزقوم[(٢)](#foonote-٢). 
وكذا رواه أحمد، وعبد الرزاق، وغيرهما، عن سفيان بن عيينة به[(٣)](#foonote-٣)، وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس، وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء : مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد. وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستقصاة، ولله[(٤)](#foonote-٤) الحمد والمنة. وتقدم أن ناسًا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق ؛ لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتًا ويقينًا لآخرين ؛ ولهذا[(٥)](#foonote-٥) قال : إِلا فِتْنَةً  أي : اختبارًا وامتحانًا. وأما " الشجرة الملعونة "، فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل لعنه الله[(٦)](#foonote-٦) \[ بقوله \][(٧)](#foonote-٧) هاتوا لنا تمرًا وزبدًا، وجعل يأكل هذا بهذا ويقول : تَزَقَّموا، فلا نعلم الزقوم غير هذا. 
حكى ذلك ابن عباس، ومسروق، وأبو مالك، والحسن البصري، وغير واحد، وكل من قال : إنها ليلة الإسراء، فسره كذلك[(٨)](#foonote-٨) بشجرة الزقوم. 
وقد قيل : المراد بالشجرة الملعونة : بنو أمية. وهو غريب ضعيف. 
قال ابن جرير : حدثت عن محمد بن الحسن بن زَبَالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي عن جدي قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القرود[(٩)](#foonote-٩) فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتى مات. قال : وأنزل[(١٠)](#foonote-١٠) الله في ذلك : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ  الآية[(١١)](#foonote-١١). 
وهذا السند ضعيف جدًا ؛ فإن " محمد بن الحسن بن زَبَالة " متروك، وشيخه أيضًا ضعيف بالكلية. ولهذا اختار ابن جرير : أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال : لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، أي : في الرؤيا والشجرة. 
وقوله : وَنُخَوِّفُهُمْ  أي : الكفار بالوعيد والعذاب والنكال  فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا  أي : تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال. وذلك من خذلان الله لهم.

١ في ف: "النبي صلى الله عليه وسلم"..
٢ صحيح البخاري برقم (٤٧١٦)..
٣ المسند (١/٢٢١)..
٤ في ت: "فلله"..
٥ في ت: "فلهذا"..
٦ في ف، أ: "عليه لعائن الله"..
٧ زيادة من ت..
٨ في ف: "فسر ذلك"..
٩ في أ: "القردة"..
١٠ في ف: "فأنزل"..
١١ تفسير الطبري (١٥/٧٧).
 .

### الآية 17:61

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [17:61]

يذكر تعالى عَدَاوَةَ إبليس - لعنه الله - لآدم، عليه السلام، وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود، فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له ؛ افتخارًا عليه واحتقارًا له  قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا  كما قال في الآية الأخرى : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ  \[ الأعراف : ١٢ \].

### الآية 17:62

> ﻿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [17:62]

وقال أيضًا : أَرَأَيْتَكَ ، يقول للرب جراءة وكفرًا، والرب يحلم[(١)](#foonote-١) وينظر  قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا 
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول : لأستولين على ذريته إلا قليلا. 
وقال مجاهد : لأحتوين. وقال ابن زيد : لأضلنهم. 
وكلها متقاربة، والمعنى : أنه يقول : أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليّ، لئن أنظرتني لأضلن ذرّيته إلا قليلا منهم.

١ في ت، أ: "يحكم"..

### الآية 17:63

> ﻿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [17:63]

لما سأل إبليس \[ عليه اللعنة \][(١)](#foonote-١) النظرة قال الله له : اذْهَبْ  فقد أنظرتك. كما قال في الآية الأخرى : قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ \* إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ  \[ الحجر : ٣٧، ٣٨ \] ثم أوعده ومن تَبِعه من ذرية آدم جهنم، فقال : فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ  أي : على أعمالكم  جَزَاءً مَوْفُورًا 
قال مجاهد : وافرا. وقال قتادة : مُوَفّرا عليكم، لا ينقص لكم منه.

١ زيادة من ف، أ.
 .

### الآية 17:64

> ﻿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [17:64]

وقوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ  قيل : هو الغناء. قال مجاهد : باللهو والغناء، أي : استخفهم بذلك. 
وقال ابن عباس في قوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ  قال : كل داع دعا إلى معصية الله، عز وجل، وقال قتادة، واختاره ابن جرير. 
وقوله : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ  يقول : واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورَجْلتَهم[(١)](#foonote-١) ؛ فإن " الرّجْل " جمع " راجل "، كما أن " الركب " جمع " راكب " و " صحب " جمع " صاحب ". 
ومعناه : تسلط عليهم بكل ما تقدرعليه. وهذا أمر قدري، كما قال تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا  \[ مريم : ٨٣ \] أي : تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، وتسوقهم إليها[(٢)](#foonote-٢) سوقًا. وقال ابن عباس، ومجاهد في قوله : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ  قال : كل راكب وماش في معصية الله. 
وقال قتادة : إن له خيلا ورجالا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه. 
وتقول العرب :" أجلب فلان على فلان " : إذا صاح عليه. ومنه :" نهى في المسابقة عن الجَلَب والجَنَب " ومنه اشتقاق " الجلبة "، وهي ارتفاع الأصوات. 
وقوله : وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ  قال ابن عباس ومجاهد : هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله. 
وقال عطاء : هو الربا. وقال الحسن :\[ هو \][(٣)](#foonote-٣) جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام. وكذا قال قتادة. 
وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما : أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني : من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة. 
\[ ثم \][(٤)](#foonote-٤) قال ابن جرير : والأولى أن يقال : إن الآية تعم ذلك كله. 
وقوله : وَالأولادِ  قال العوفي عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك : يعني أولاد الزنا. 
وقال علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس : هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهًا بغير علم. 
وقال قتادة، عن الحسن البصري : قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مَجَّسُوا وهودوا ونَصّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام، وجَزَّؤوا من أموالهم جزءًا للشيطان[(٥)](#foonote-٥) وكذا قال قتادة سواء. 
وقال أبو صالح، عن ابن عباس : هو تسميتهم أولادهم " عبد الحارث " و " عبد شمس " و " عبد فلان ". 
قال ابن جرير : وأولى الأقوال بالصواب أن يقال : كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته ما[(٦)](#foonote-٦) يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله ووأده، وغير ذلك من الأمور التي يعصي[(٧)](#foonote-٧) الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه ؛ لأن الله لم يخصص بقوله : وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ  معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكل ما عصي الله فيه - أو به، وأطيع فيه الشيطان - أو به، فهو مشاركة. 
وهذا الذي قاله مُتَّجه، وكل[(٨)](#foonote-٨) من السلف، رحمهم الله، فسر بعض المشاركة، فقد ثبت في صحيح مسلم، عن عياض بن حمار[(٩)](#foonote-٩)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يقول الله عز وجل : إني خلقت عبادي حُنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم[(١٠)](#foonote-١٠) عن دينهم، وحَرّمت عليهم ما أحللت لهم " [(١١)](#foonote-١١). 
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال : بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدّر بينهما ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبدًا " [(١٢)](#foonote-١٢). 
وقوله : وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا  كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ  الآية \[ إبراهيم : ٢٢ \].

١ في ت، ف: "ورجالتهم"..
٢ في ت: "إلينا"..
٣ زيادة من ف، أ..
٤ زيادة من ف، أ..
٥ في ف: "الشيطان"..
٦ في ف: "بما"..
٧ في ت: "يعفى".
 .
٨ في ت، ف" "فكل"..
٩ في ف، أ: "عن ابن عباس عن عياض بن حمار". وفي ت: "حماد" بدل "حمار"..
١٠ في ت: "واجتالتهم"..
١١ صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥)..
١٢ صحيح البخاري برقم (١٤١) وصحيح مسلم برقم (١٤٣٤)..

### الآية 17:65

> ﻿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا [17:65]

وقوله : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ  : إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم ؛ ولهذا قال : وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا  أي : حافظًا ومؤيدًا وناصرًا. 
وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهيعة، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن المؤمن ليُنْضي شياطينه[(١)](#foonote-١) كما ينضي أحدكم بَعيرَه في السفر " [(٢)](#foonote-٢). 
ينضي، أي : يأخذ بناصيته ويقهره.

١ في ت: "شيطانه"..
٢ المسند (٢/٣٨٠)..

### الآية 17:66

> ﻿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [17:66]

يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر، وتسهيلها[(١)](#foonote-١) لمصالح عباده لابتغائهم من فضله[(٢)](#foonote-٢) في التجارة من إقليم إلى إقليم ؛ ولهذا قال : إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا  أي : إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم، ورحمته بكم.

١ في ت، ف، أ: "وتسهيله لها"..
٢ في ف، أ: "فضله لهم".
 .

### الآية 17:67

> ﻿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [17:67]

يخبر تعالى أنه إذا مس الناس ضرّ، دعوه منيبين إليه، مخلصين له الدين ؛ ولهذا قال : وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ  أي : ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هاربًا، فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم[(١)](#foonote-١) ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض : إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو الله وحده. فقال عكرمة في نفسه : والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فَأضعن[(٢)](#foonote-٢) يدي في يديه[(٣)](#foonote-٣)، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا. فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن[(٤)](#foonote-٤) إسلامه، رضي الله عنه وأرضاه. 
وقوله : فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ  أي : نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له. 
 وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا  أي : سَجِيَّتُه هذا، ينسى النعم ويجحدها، إلا من عصم الله.

١ في ف: "فجاءهم"..
٢ في ت: "فأضع"، وفي ف: "فلأضعن"..
٣ في أ: "يدي محمد"..
٤ في ت: " صلى الله عليه وسلم فأحسن"..

### الآية 17:68

> ﻿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [17:68]

يقول تعالى : أفحسبتم أن نخرجكم[(١)](#foonote-١) إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه !
 أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ، وهو : المطر الذي فيه حجارة. قاله مجاهد، وغير واحد، كما قال تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ[(٢)](#foonote-٢) حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ  \[ القمر : ٣٤ \] وقد قال في الآية الأخرى : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [(٣)](#foonote-٣) \[ هود : ٨٢ \] وقال : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ \* أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ  \[ الملك : ١٦، ١٧ \]. 
وقوله : ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا  أي : ناصرًا يرد ذلك عنكم، وينقذكم منه \[ والله سبحانه وتعالى أعلم \][(٤)](#foonote-٤).

١ في ت، "أن يخرجوكم"، وفي ف، أ: "أن يخرجكم"..
٢ في ف: "عليكم" وهو خطأ..
٣ في ت، ف، أ: "من طين" وهو خطأ..
٤ زيادة من ف..

### الآية 17:69

> ﻿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [17:69]

يقول تعالى : أَمْ أَمِنْتُمْ  أيها المعرضون عنا بعدما اعترفوا بتوحيدنا في البحر، وخرجوا إلى البر[(١)](#foonote-١)  أَنْ يُعِيدَكُمْ  في البحر مرة ثانية  فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ  أي : يقصف الصواري ويغرق المراكب. 
قال ابن عباس وغيره : القاصف : ريح البحار[(٢)](#foonote-٢) التي تكسر المراكب وتغرقها[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله : فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ [(٤)](#foonote-٤) أي : بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى. 
وقوله : ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا  قال ابن عباس : نصيرًا. 
وقال مجاهد : نصيرًا ثائرًا، أي : يأخذ بثأركم بعدكم. 
وقال قتادة : ولا نخاف أحدًا يتبعنا بشيء من ذلك.

١ في ت: "إلى التراب"..
٢ في ت: "البحارة"..
٣ في ف: "يكسر المراكب ويغرقها"..
٤ في ت: "فتغرقكم". وفي ف: "فيغرقكم"..

### الآية 17:70

> ﻿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [17:70]

يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها[(١)](#foonote-١) كما قال : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  \[ التين : ٤ \] أي : يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه - وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه - وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية. 
 وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ [(٢)](#foonote-٢) أي : على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي " البحر " أيضًا على السفن الكبار والصغار. 
 وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ  أي : من زروع وثمار، ولحوم وألبان، من سائر أنواع الطعوم[(٣)](#foonote-٣) والألوان، المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة[(٤)](#foonote-٤) من سائر الأنواع، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي. 
 وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا  أي : من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. 
وقد استُدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة، قال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن زيد بن أسلم قال : قالت الملائكة : يا ربنا، إنك أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون منها ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك فأعطناه في الآخرة. فقال الله :" وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له : كن فكان " [(٥)](#foonote-٥). 
وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلا. 
وقال[(٦)](#foonote-٦) الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن محمد بن صَدَقَة البغدادي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المِصِّيصِيّ، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غَسَّان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الملائكة قالت : يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون فيها[(٧)](#foonote-٧) ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة. قال : لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له : كن، فكان " [(٨)](#foonote-٨). 
وقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن عَلاق، سمعت عروة بن رُوَيْم اللخمي، حدثني أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الملائكة قالوا : ربنا، خلقتنا وخلقت بني آدم، فجعلتهم يأكلون الطعام، ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويتزوجون النساء، ويركبون الدواب، ينامون[(٩)](#foonote-٩) ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئًا، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال الله عز وجل : لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له : كن، فكان " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال الطبراني : حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا عمر[(١١)](#foonote-١١) بن سهل، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شِغَاف[(١٢)](#foonote-١٢) عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم ". قيل : يا رسول الله ولا الملائكة ؟ قال :" ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر " [(١٣)](#foonote-١٣). وهذا حديث غريب جدًا.

١ في أ: "وأجملها"..
٢ في ت، ف: "البر والبحر"..
٣ في ت: "الأطعمة"..
٤ في ت، ف، أ: "المرتفعة"..
٥ تفسير عبد الرزاق (١/٣٢٥)..
٦ في ف: "فقال"..
٧ في ت: "منها"..
٨ وفي إسناده إبراهيم بن عبد الله المصيصي وهو كذاب، ورواه في المعجم الأوسط برقم (٨٧) "مجمع البحرين" من طريق طلحة بن زيد عن صفوان بن سليم به، وقال: "لم يروه عن صفوان إلا طلحة، وأبو غسان محمد بن مطرف" وفي إسناده طلحة بن زيد وهو كذاب..
٩ في ت: "وينامون"..
١٠ وذكره الهندي في كنز العمال (١٢/١٩١) وعزاه لابن عساكر من حديث أنس، وقد جاء من وجه آخر؛ فرواه الطبراني في مسند الشاميين من طريق أحمد بن يعلى، عن هشام بن عمار، عن عثمان بن علاق قال: سمعت عروة بن رويم يحدث عن جابر فذكره، ورواه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق جنيد بن حكيم، عن هشام بن عمار، عن عبد ربه بن صالح قال: سمعت عروة بن رويم يحدث عن جابر فذكره. أ. هـ. مستفادا ذلك الزيلعي في كتابه تخريج الكشاف..
١١ في ت، ف: "معمر"..
١٢ في ف: "شعاب"..
١٣ قال الهيثمي في المجمع (١/٨٢): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف".
 .

### الآية 17:71

> ﻿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [17:71]

يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة : أنه يحاسب كل أمة بإمامهم. 
وقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة : أي بنبيهم. وهذا كقوله : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ  \[ يونس : ٤٧ \]. 
وقال بعض السلف : هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث ؛ لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم. 
وقال ابن زيد : بكتابهم الذي أنزل على نبيهم، من التشريع. 
واختاره ابن جرير، وروي عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال : بكتبهم. فيحتمل أن يكون أراد هذا، وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله : يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  أي : بكتاب أعمالهم، وكذا قال أبو العالية، والحسن، والضحاك. وهذا القول هو الأرجح ؛ لقوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ  \[ يس : ١٢ \]. وقال تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا  \[ الكهف : ٤٩ \]. 
وقال تعالى : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  \[ الجاثية : ٢٨، ٢٩ \]. 
وهذا لا ينافي[(١)](#foonote-١) أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته، فإنه لا بد أن يكون شاهدا عليها بأعمالها، كما قال : وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ  \[ الزمر : ٦٩ \]، وقال  فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  \[ النساء : ٤١ \]. . 
ولكن المراد هاهنا بالإمام[(٢)](#foonote-٢) هو كتاب الأعمال ؛ ولهذا قال تعالى : يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ  أي : من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحب قراءته، كما قال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ  إلى أن قال : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ  \[ الحاقة : ١٩ - ٢٦ \]. . 
وقوله : وَلا يُظْلَمُونَ[(٣)](#foonote-٣) فَتِيلا  قد تقدم أن " الفتيل " هو الخيط المستطيل في شق النواة. 
وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا في هذا فقال : حدثنا محمد بن يَعْمَر[(٤)](#foonote-٤) ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدِّيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله : يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  قال :" يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويُبَيَّض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤْلؤة تَتَلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون : اللهم ائتنا[(٥)](#foonote-٥) بهذا، وبارك لنا في هذا. فيأتيهم فيقول لهم : أبشروا، فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر فَيُسْود وجهه، ويمدّ له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون : نعوذ بالله من هذا - أو : من شر هذا - اللهم لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون : اللهم اخزه[(٦)](#foonote-٦) فيقول : أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا ". 
ثم قال البزار : لا يروى إلا من هذا الوجه[(٧)](#foonote-٧).

١ في ت، ف: "لا ينفي"..
٢ في ف: "بالإمام هاهنا"..
٣ في ف: "تظلمون"..
٤ في ت، ف، أ: "معمر"..
٥ في هـ، ت: "اعترينا"، والمثبت من ف..
٦ في ت: "أجرنا".
 .
٧ ورواه الترمذي في السنن برقم (٣١٣٦) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن موسى به، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"..

### الآية 17:72

> ﻿وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا [17:72]

وقوله : وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا  قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد : وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ  أي : في الحياة الدنيا  أَعْمَى  عن حجج الله وآياته وبيناته  فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى  أي : كذلك يكون  وَأَضَلُّ سَبِيلا  أي : وأضل منه كما كان في الدنيا، عياذًا بالله من ذلك.

### الآية 17:73

> ﻿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [17:73]

يخبر تعالى عن تأييد[(١)](#foonote-١) رسوله، صلوات الله عليه وسلامه[(٢)](#foonote-٢)، وتثبيته، وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر[(٣)](#foonote-٣) دينه على من عاداه وخالفه وناوأه، في مشارق الأرض ومغاربها، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.

١ في ف: "تأييده"..
٢ في ت: "صلوات الله وسلامه عليه"..
٣ في ت: "فيظهر".
 .

### الآية 17:74

> ﻿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [17:74]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٣:يخبر تعالى عن تأييد[(١)](#foonote-١) رسوله، صلوات الله عليه وسلامه[(٢)](#foonote-٢)، وتثبيته، وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر[(٣)](#foonote-٣) دينه على من عاداه وخالفه وناوأه، في مشارق الأرض ومغاربها، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين. 
١ في ف: "تأييده"..
٢ في ت: "صلوات الله وسلامه عليه"..
٣ في ت: "فيظهر".
 .


---

### الآية 17:75

> ﻿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [17:75]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٣:يخبر تعالى عن تأييد[(١)](#foonote-١) رسوله، صلوات الله عليه وسلامه[(٢)](#foonote-٢)، وتثبيته، وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر[(٣)](#foonote-٣) دينه على من عاداه وخالفه وناوأه، في مشارق الأرض ومغاربها، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين. 
١ في ف: "تأييده"..
٢ في ت: "صلوات الله وسلامه عليه"..
٣ في ت: "فيظهر".
 .


---

### الآية 17:76

> ﻿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [17:76]

قيل : نزلت في اليهود، إذ أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام بلاد الأنبياء، وترك سكنى المدينة. 
وهذا القول ضعيف ؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك. 
وقيل : إنها نزلت بتبوك. وفي صحته نظر. 
قال البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، عن يونس بن بُكيْر، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غَنْم ؛ أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقالوا : يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبي، فالحق بالشام ؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء. فصدق[(١)](#foonote-١) ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلا الشام. فلما بلغ تبوك، أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة : وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا  إلى قوله : تَحْوِيلا  فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال : فيها محياك ومماتك، ومنها تبعث[(٢)](#foonote-٢). 
وفي هذا الإسناد نظر. والأظهر أن هذا ليس[(٣)](#foonote-٣) بصحيح ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغز تبوك عن قول اليهود، إنما غزاها امتثالا لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ  \[ التوبة : ١٢٣ \]، وقوله[(٤)](#foonote-٤) تعالى : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  \[ التوبة : ٢٩ \]. وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة، من أصحابه، والله أعلم. ولو صح هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة : مكة، والمدينة، والشام " [(٥)](#foonote-٥). قال الوليد : يعني بيت المقدس. وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد : إنه بيت المقدس والله أعلم. 
وقيل : نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه[(٦)](#foonote-٦) لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرًا. وكذلك وقع ؛ فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم، بعد ما اشتد أذاهم له، إلا سنة ونصف. حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم[(٧)](#foonote-٧) وسبى سراتهم[(٨)](#foonote-٨) ؛ ولهذا قال : سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا

١ في ت، ف: "قال: فصدق"..
٢ دلائل النبوة (٥/٢٥٤)..
٣ في ت: "ليس هذا"..
٤ في ف: "ولقوله"..
٥ رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٢٠١). من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم به، وعفير بن معدان ضعيف..
٦ في ت: "خرجوه"..
٧ في ت: "أشرارهم"..
٨ في ف، أ: "ذراريهم"..

### الآية 17:77

> ﻿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [17:77]

أي : هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم : يخرج الرسول من بين أظهرهم : ويأتيهم العذاب. ولولا أنه عليه \[ الصلاة و \][(١)](#foonote-١) السلام رسول الرحمة، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به ؛ ولهذا قال تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ  \[ الأنفال : ٣٣ \].

١ زيادة من ف، أ..

### الآية 17:78

> ﻿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [17:78]

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ  قيل[(١)](#foonote-١) لغروبها. قاله ابن مسعود، ومجاهد، وابن زيد. 
وقال هُشَيْم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس :" دلوكها " : زوالها. ورواه نافع، عن ابن عمر. ورواه مالك في تفسيره، عن الزهري، عن ابن عمر. وقاله أبو بَرْزَة الأسلمي وهو رواية أيضًا عن ابن مسعود. ومجاهد. وبه قال الحسن، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، وقتادة. واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد، عن الحكم بن بشير، حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، \[ عن رجل \][(٢)](#foonote-٢)، عن جابر بن عبد الله قال : دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس " [(٣)](#foonote-٣). 
ثم رواه عن سهل بن بكار، عن أبي عَوَانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوه. فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة فمن قوله : لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ  وهو : ظلامه، وقيل : غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله \[ تعالى \][(٤)](#foonote-٤) : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ  يعني : صلاة الفجر. 
وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترًا من أفعاله وأقواله[(٥)](#foonote-٥) بتفاصيل هذه الأوقات، على ما عليه عمل أهل الإسلام[(٦)](#foonote-٦) اليوم، مما تلقوه خلفًا عن سلف، وقرنًا بعد قرن، كما هو مقرر في مواضعه، ولله الحمد. 
 إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  قال الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود - وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه[(٧)](#foonote-٧)، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  قال :" تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " [(٨)](#foonote-٨). 
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي سلمة - وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ". ويقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [(٩)](#foonote-٩). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم - وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  قال :" تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار ". 
ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ثلاثتهم عن عُبَيْد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به[(١٠)](#foonote-١٠) وقال الترمذي : حسن صحيح. 
وفي لفظ في الصحيحين، من طريق مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار[(١١)](#foonote-١١)، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فَيَعْرُجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بكم - كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون " [(١٢)](#foonote-١٢) وقال عبد الله بن مسعود : يجتمع الحرسان[(١٣)](#foonote-١٣) في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء. 
وكذا قال إبراهيم النَّخَعي، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في تفسير هذه الآية. 
وأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا - من حديث الليث بن سعد، عن زيادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عُبيد، عن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث النزول وأنه تعالى يقول :" من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطه[(١٤)](#foonote-١٤)، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر ". فلذلك يقول : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  فيشهده الله، وملائكة الليل، وملائكة النهار[(١٥)](#foonote-١٥) - فإنه تفرد به زيادة، وله بهذا حديث في سنن أبي داود[(١٦)](#foonote-١٦).

١ في ت: "قبل"..
٢ زيادة من ف، أ، والطبري..
٣ تفسير الطبري (١٥/٩٣).
 .
٤ زيادة من ت..
٥ في ت: "أقواله وأفعاله"..
٦ في ت: "السلام"..
٧ في ت، ف، أ: "عنهما"..
٨ رواه الطبري في تفسيره (١٥/٩٤)..
٩ صحيح البخاري برقم (٤٧١٧)..
١٠ المسند (٢/٤٧٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٣٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٦٧٠) وهو عند أهل السنن من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه..
١١ في ت: "بالليل وملائكة بالنهار"..
١٢ صحيح البخاري برقم (٥٥٥) وصحيح مسلم برقم (٦٣٢)..
١٣ في ت، ف: "الحرستان".
 .
١٤ في ف: "أعطيه"..
١٥ تفسير الطبري (١٥/٩٤)..
١٦ سنن أبي داود برقم (٣٨٩٢) وأوله: "من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل". وزيادة منكر الحديث..

### الآية 17:79

> ﻿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [17:79]

وقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ  أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ؟ قال :" صلاة الليل " [(١)](#foonote-١). 
ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد : ما كان بعد نوم. قاله علقمة، والأسود وإبراهيم النخعي، وغير واحد وهو المعروف في لغة العرب. وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان يتهجد بعد نومه، عن ابن عباس، وعائشة، وغير واحد من الصحابة، رضي الله عنهم، كما هو مبسوط في موضعه[(٢)](#foonote-٢)، ولله الحمد والمنة. 
وقال الحسن البصري : هو ما كان بعد العشاء. ويحمل[(٣)](#foonote-٣) على ما بعد النوم. 
واختلف في معنى قوله : نَافِلَةً لَكَ  فقيل : معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة. رواه العوفي عن ابن عباس، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي، رحمه الله، واختاره ابن جرير. 
وقيل : إنما جعل قيام الليل[(٤)](#foonote-٤) في حقه نافلة على الخصوص ؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيرهُ من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه، قاله مجاهد، وهو في المسند عن أبي أمامة الباهلي، رضي الله عنه[(٥)](#foonote-٥). 
وقوله : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا  أي : افعل هذا الذي أمرتك به، لنقيمك يوم القيامة مقاما يحسدك فيه الخلائق كلهم وخالقهم، تبارك وتعالى. 
قال ابن جرير : قال أكثر أهل التأويل : ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. 
ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن[(٦)](#foonote-٦) أبي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، عن حذيفة قال : يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عُراة كما خلقوا قيامًا، لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى : يا محمد، فيقول :" لبيك وسعدَيك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهديّ من هَدَيْت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت ". فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل[(٧)](#foonote-٧) [(٨)](#foonote-٨). 
ثم رواه عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به[(٩)](#foonote-٩). وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، به[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال ابن عباس : هذا المقام المحمود مقام الشفاعة. وكذا قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد. وقاله الحسن البصري. 
وقال قتادة : هو أول من تنشق عنه الأرض[(١١)](#foonote-١١)، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا 
قلت : لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا تشريفات \[ يوم القيامة \][(١٢)](#foonote-١٢) لا يشركه فيها[(١٣)](#foonote-١٣) أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد ؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض[(١٤)](#foonote-١٤) ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دُونَه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردًا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعدما يسأل الناس آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول :" لست لها " حتى يأتوا إلى محمد[(١٥)](#foonote-١٥) صلى الله عليه وسلم فيقول :" أنا لها، أنا لها " كما سنذكر ذلك مفصلا في هذا الموضع، إن شاء الله تعالى. ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار، فيردون عنها. وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته. وهو أول شفيع في الجنة، كما ثبت في صحيح مسلم. وفي حديث الصور : أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته وهو أول داخل إليها وأمته قبل الأمم كلهم. ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم. وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، لا تليق إلا له. وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة[(١٦)](#foonote-١٦) شفع[(١٧)](#foonote-١٧) الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم[(١٨)](#foonote-١٨) إلا الله، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك. وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب " السيرة " في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة. 
ولنذكر الآن[(١٩)](#foonote-١٩) الأحاديث الواردة في المقام المحمود، وبالله المستعان :
قال البخاري : حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص، عن آدم بن علي، سمعت ابن عمر \[ يقول \][(٢٠)](#foonote-٢٠) : إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون : يا فلان اشفع، يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله مقامًا محمودًا[(٢١)](#foonote-٢١). 
ورواه حمزة بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال ابن جرير : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا[(٢٢)](#foonote-٢٢) شعيب بن الليث، حدثنى[(٢٣)](#foonote-٢٣) الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر أنه قال : سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول : سمعت عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الشمس لَتدنو حتى يبلغ[(٢٤)](#foonote-٢٤) العَرَقُ نصفَ الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا[(٢٥)](#foonote-٢٥) بآدم، فيقول : لست صاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد فيشفع بين الخلق[(٢٦)](#foonote-٢٦)، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا ". \[ يحمده أهل الجنة كلهم \][(٢٧)](#foonote-٢٧). 
وهكذا رواه البخاري في " الزكاة " عن يحيى بن بُكَيْر، وعبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد، به[(٢٨)](#foonote-٢٨)، وزاد " فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، بحمده أهل الجمع كلهم ". 
قال البخاري : وحدثنا علي بن عَيَّاش، حدثنا شعيب بن أبي حَمْزة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة ". انفرد به دون مسلم[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
**حديث أبيّ :**
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فَخْر " [(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عامر عبد الملك بن عَمْرو العَقَديّ، وقال :" حسن صحيح ". وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل به. وقد قدمنا في حديث :" أبي بن كعب " في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره :" فقلت : اللهم، اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق، حتى إبراهيم عليه السلام " [(٣١)](#foonote-٣١). 
**حديث أنس بن مالك :**
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يجتمع[(٣٢)](#foonote-٣٢) المؤمنون يوم القيامة، فيلهمون ذلك فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا، فأراحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم فيقولون : يا آدم، أنت أبو[(٣٣)](#foonote-٣٣) البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كلّ شيء، فاشفع لنا إلى ربك[(٣٤)](#foonote-٣٤) حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول لهم آدم : لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربه، عز وجل، من ذلك، ويقول : ولكن ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتون نوحًا فيقول : لست هناكم، ويذكر خطيئة[(٣٥)](#foonote-٣٥) سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتونه فيقول : لست هناكم، ولكن ائتوا موسى، عبدًا كلمه الله، وأعطاه التوراة. فيأتون موسى فيقول : لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس[(٣٦)](#foonote-٣٦) فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني ". قال الحسن هذا الحرف[(٣٧)](#foonote-٣٧) :" فأقوم فأمشي بين سِماطين من المؤمنين ". قال أنس :" حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو : خررت - ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ". قال :" ثم يقال : ارفع محمد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه. فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حدًا، فأدخلهم الجنة " :" ثم[(٣٨)](#foonote-٣٨) أعود[(٣٩)](#foonote-٣٩) إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت[(٤٠)](#foonote-٤٠) - أو : خررت - ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال : ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه، ثم أشفع فيحدّ لي حدًا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود في الثالثة ؛ فإذا رأيت ربي وقعت - أو : خررت - ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال : ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعَلِّمُنيه ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة. ثم أعود الرابعة فأقول : يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن ". فحدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فيخرج من النار من قال :" لا إله إلا الله " وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال :" لا إله إلا الله " وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة ثم يخرج من النار من قال :" لا إله إلا الله " وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة ". 
أخرجاه \[ في الصحيح \][(٤١)](#foonote-٤١) من حديث سعيد، به[(٤٢)](#foonote-٤٢) وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بطوله[(٤٣)](#foonote-٤٣). 
وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري، عن النضر بن أنس، عن أنس قال : حدثني نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :" إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى، عليه السلام، فقال : هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون - أو قال : يجتمعون إليك - ويَدْعُون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله، لغمّ[(٤٤)](#foonote-٤٤) ما هم فيه، فالخلق مُلجَمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكْمَة، وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال : انتظر حتى أرجع إليك. فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلق مَلَك مصطفى ولا نبي مرسل. فأوحى الله، عز وجل، إلى جبريل : أن اذهب إلى محمد، وقل له : ارفع رأسك، وسل تُعطَه، واشفع تشفع. فشفَعتُ[(٤٥)](#foonote-٤٥) في أمتي : أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا. فما زلت أتردد إلى ربي، عز وجل، فلا أقوم منه مقامًا إلا شفعت، حتى أعطاني الله من ذلك، أن قال : يا محمد، أَدْخِلْ \[ من أمتك \][(٤٦)](#foonote-٤٦) من خلق الله، عز وجل، من شهد أن لا إله إلا الله يومًا واحدًا مخلصًا ومات على ذلك " [(٤٧)](#foonote-٤٧). 
**حديث بريدة، رضي الله عنه :**
قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن الحارث بن حَصِيرة، عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه : أنه دخل على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة :

١ صحيح مسلم برقم (١١٦٣)..
٢ في ف: "مواضعه"..
٣ في ت: "ويحتمل"..
٤ في ف، أ: "قيام الليل واجبا"..
٥ المسند (٥/٢٥٦)..
٦ في ت: "ابن".
 .
٧ في أ، ف: "الله تعالى"..
٨ تفسير الطبري (١٥/٩٧)..
٩ تفسير الطبري (١٥/٩٧) والرواية كما هي عند الطبري: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر "غندر" فلعله سبق نظر..
١٠ تفسير الطبري (١٥/٩٨)..
١١ في ت: "تنشق الأرض عنه"..
١٢ زيادة من ف، أ..
١٣ في ت: "فينا"..
١٤ في ت: "الأرض عنه"..
١٥ في أ، ف: "يأتوا محمدا"..
١٦ في ت، ف: "في العصاة"..
١٧ في أ: "تشفع"..
١٨ في ت: "عددهم".
 .
١٩ في ت: "الآية"..
٢٠ زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٢١ صحيح البخاري برقم (٤٧١٨)..
٢٢ في ت: "قال: حدثنا"..
٢٣ في ت: "قال: حدثني"..
٢٤ في ت: "تبلغ"..
٢٥ في ت: "استغاث"..
٢٦ في ت: "الخلائق"..
٢٧ زيادة من أ..
٢٨ تفسير الطبري (١٥/٩٨) وصحيح البخاري برقم (١٤٧٥)..
٢٩ صحيح البخاري برقم (٤٧١٩)..
٣٠ المسند (٥/١٣٧)..
٣١ سنن الترمذي برقم (٣٦١٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٣١٤).
 .
٣٢ في ف، أ: "يجمع"..
٣٣ في ت: "أول"..
٣٤ في ت: "ربنا"..
٣٥ في ت، ف، أ: "خطيئته"..
٣٦ في ف: "بغير حق"..
٣٧ في ت: "الخوف"..
٣٨ في ف، أ: "قال: ثم"..
٣٩ في ت: "أدعو"..
٤٠ في أ: "وقعت له"..
٤١ زيادة من أ..
٤٢ المسند (٣/١١٦) وصحيح البخاري برقم (٤٤٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٩٣)..
٤٣ المسند (٣/٢٤٤).
 .
٤٤ في ت، "نعم"..
٤٥ في ت: "فتشفعت"..
٤٦ زيادة من ت، أ، والمسند..
٤٧ المسند (٣/١٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٧٤): "رجاله رجال الصحيح"..

### الآية 17:80

> ﻿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [17:80]

قال الإمام أحمد : حدثنا جرير، عن قابوس بن[(١)](#foonote-١) أبي ظَبْيَان، عن أبيه، عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [(٢)](#foonote-٢). 
وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية : إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلى[(٣)](#foonote-٣) المدينة، فهو الذي قال الله عز وجل ::  وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ 
وقال قتادة : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ  يعني : المدينة  وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ  يعني : مكة. 
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول هو أشهر الأقوال. 
وقال : العوفي عن ابن عباس : أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ  يعني : الموت  وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ  يعني : الحياة بعد الموت. وقيل غير ذلك من الأقوال. والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير. 
وقوله : وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا  قال الحسن البصري في تفسيرها : وعده ربه لينزعن ملك فارس، وعز[(٤)](#foonote-٤) فارس، وليجعلنه له، وملك الروم، وعز الروم، وليجعلنه له. 
وقال قتادة فيها إن نبي الله صلى الله عليه وسلم، علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله ؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم. 
قال مجاهد : سُلْطَانًا نَصِيرًا  حجة بينة. 
واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح ؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه ؛ ولهذا قال \[ سبحانه و \][(٥)](#foonote-٥) تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ  \[ الحديد : ٢٥ \] وفي الحديث :" إن الله لَيَزَع بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن " أي : ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام، ما لا يمتنع كثيرٌ من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد، والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع.

١ في ف: "عن"..
٢ المسند (١/٢٢٣)..
٣ في ت: "على"..
٤ في ت: "وغير"..
٥ زيادة من ف، أ.
 .

### الآية 17:81

> ﻿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [17:81]

وقوله : وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا  تهديد ووعيد لكفار قريش ؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع. وزَهَقَ باطلهم، أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء  بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ  \[ الأنبياء : ١٨ \]. 
وقال البخاري : حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي[(١)](#foonote-١) مَعْمر، عن عبد الله بن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُبٍ، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " [(٢)](#foonote-٢). 
وكذا رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به. [(٣)](#foonote-٣) \[ وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي نجيح \][(٤)](#foonote-٤). 
وكذا رواه الحافظ أبو يعلى : حدثنا زهير، حدثنا شَبَابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه، قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا[(٥)](#foonote-٥) يعبدون من دون الله. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها، وقال :" جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا " [(٦)](#foonote-٦).

١ في ت: "ابن"..
٢ صحيح البخاري برقم (٤٧٢٠)..
٣ صحيح البخاري برقم (٢٤٧٨، ٤٢٨٧ )، وصحيح مسلم برقم (١٧٨١) وسنن الترمذي برقم (٣١٣٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٩٧)..
٤ زيادة من أ..
٥ في ت: "نصبا"..
٦ ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/٤٨٧): حدثنا شبابة بن سوار به..

### الآية 17:82

> ﻿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [17:82]

يقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد - إنه : شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ  أي : يذهب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق، وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله. وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة. وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا وتكذيبًا وكفرًا. والآفة من الكافر لا من القرآن، كما قال تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ  \[ فصلت : ٤٤ \] وقال تعالى : وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ  \[ التوبة : ١٢٤، ١٢٥ \]. والآيات في ذلك[(١)](#foonote-١) كثيرة. 
قال قتادة في قوله : وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ  إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه  وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا  إنه لا ينتفع به ولا يحفظه[(٢)](#foonote-٢) ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء، ورحمة للمؤمنين.

١ في ت، ف: "هذا"..
٢ في ف: "لا يحفظه ولا ينتفع به"..

### الآية 17:83

> ﻿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [17:83]

يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصم الله تعالى في حالتي سرائه وضرائه، بأنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية، وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه. 
قال مجاهد : بَعُد عنا. 
قلت : وهذا كقوله تعالى : فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ  \[ يونس : ١٢ \]، وقوله  فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ  \[ الإسراء : ٦٧ \]. 
وبأنه إذا مسه الشر - وهو المصائب والحوادث والنوائب -  كَانَ يَئُوسًا  أي : قنط أن يعود يحصل له بعد ذلك خير، كما قال تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ  \[ هود : ١٠، ١١ \].

### الآية 17:84

> ﻿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا [17:84]

وقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ  قال ابن عباس : على ناحيته. وقال مجاهد : على حدته وطبيعته. وقال قتادة : على نِيَّته. وقال ابن زيد : دينه. 
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى. وهذه الآية - والله أعلم - تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى : وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ  \[ هود : ١٢١، ١٢٢ \] ولهذا قال : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا  أي : منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله، فإنه لا تخفى عليه خافية.

### الآية 17:85

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [17:85]

قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عَلْقَمة، عن عبد الله - هو ابن مسعود رضي الله عنه - قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة، وهو متوكئ على عَسِيب، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح. فقال بعضهم : لا تسألوه. قال : فسألوه عن الروح فقالوا[(١)](#foonote-١) يا محمد، ما الروح ؟ فما زال متوكئًا على العسيب، قال : فظننت أنه يوحى إليه، فقال : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا  فقال بعضهم لبعض : قد قلنا لكم لا تسألوه. 
وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش، به[(٢)](#foonote-٢). ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية، عن عبد الله بن مسعود قال : بينا أنا مع النبي[(٣)](#foonote-٣) صلى الله عليه وسلم في حَرْث، وهو متوكئ[(٤)](#foonote-٤) على عسيب، إذ مر اليهود[(٥)](#foonote-٥) فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح، فقال : ما رابكم[(٦)](#foonote-٦) إليه. وقال بعضهم : لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا سلوه فسألوه عن الروح، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال : وَيَسْأَلُونَكَ[(٧)](#foonote-٧) عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  الآية[(٨)](#foonote-٨). 
وهذا السياق يقتضي[(٩)](#foonote-٩) فيما يظهر بادي الرأي : أن هذه الآية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود، عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا : بأنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد :
حدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : قالت قريش ليهود : أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا : سلوه عن الروح. فسألوه، فنزلت : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا  قالوا : أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. قال : وأنزل الله : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا  \[ الكهف : ١٠٩ \][(١٠)](#foonote-١٠). 
وقد روى ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة قال : سأل أهلُ الكتاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا  فقالوا يزعم[(١١)](#foonote-١١) أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة  وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا  ؟ \[ البقرة : ٢٦٩ \] قال : فنزلت : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ  \[ لقمان : ٢٧ \]. قال : ما أوتيتم من علم، فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب وهو في علم الله قليل[(١٢)](#foonote-١٢). 
وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال : نزلت بمكة : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا  فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار يهود. وقالوا يا محمد، ألم
يبلغنا عنك أنك تقول : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا  أفَعَنَيْتَنَا أم عنيت قومك ؟ فقال :" كلا قد عنيت ". قالوا : إنك تتلو أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به استقمتم "، وأنزل الله : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  \[ لقمان : ٢٧ \]. 
وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا على أقوال :
أحدها : أن المراد \[ بالروح \][(١٣)](#foonote-١٣) : أرواح بني آدم. 
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرنا عن[(١٤)](#foonote-١٤) الروح ؟ وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله ؟ ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يُحِرْ إليهم شيئًا. فأتاه جبريل فقال له : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا  فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالوا : من جاءك بهذا ؟ فقال :" جاءني به جبريل من عند الله ؟ " فقالوا له : والله ما قاله لك إلا عدو لنا. فأنزل الله : قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ \[ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ \][(١٥)](#foonote-١٥)  الآية \[ البقرة : ٩٧ \]. 
وقيل : المراد بالروح هاهنا : جبريل. قاله قتادة، قال : وكان ابن عباس يكتمه. 
وقيل : المراد به هاهنا : ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها. قال[(١٦)](#foonote-١٦) علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  يقول : الروح : ملك. 
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله بن عُرْس[(١٧)](#foonote-١٧) المصري، حدثنا وهب بن رزق أبو هريرة[(١٨)](#foonote-١٨) حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء، عن عبد الله بن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن لله ملكًا، لو قيل له : التقم السماوات السبع والأرضين[(١٩)](#foonote-١٩) بلقمة واحدة، لفعل، تسبيحه : سبحانك حيث كنت " [(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وهذا حديث غريب، بل منكر. 
وقال أبو جعفر بن جرير، رحمه الله : حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو نِمْران يزيد بن سَمُرَة صاحب قيسارية، عمن حدثه عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال في قوله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  قال : هو مَلَك من الملائكة، له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها \[ سبعون \][(٢١)](#foonote-٢١) ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة مَلَكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم. 
وقال السهيلي : روي عن عليّ أنه قال : هو ملك، له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة. 
قال السهيلي : وقيل المراد بذلك : طائفة من الملائكة على صور بني آدم. 
وقيل : طائفة يرون الملائكة ولا تراهم[(٢٣)](#foonote-٢٣) فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم. 
وقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  أي : من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم ؛ ولهذا قال : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا  أي : وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى. 
والمعنى : أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر : أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة، أي : شرب منه بمنقاره، فقال : يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه ؛ ولهذا قال تبارك وتعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا 
وقال السهيلي : قال بعض الناس : لم يجبهم عما سألوا ؛ لأنهم سألوا على وجه التعنت. وقيل : أجابهم، وعول السهيلي على أن المراد بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي  أي : من شرعه، أي : فادخلوا فيه، وقد علمتم ذلك لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما ينال من جهة الشرع. وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم. 
ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس، أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر. وقررّ أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء. قال : كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يكسب[(٢٤)](#foonote-٢٤) بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مُصْطَارًا أو خمرًا، ولا يقال له :" ماء " حينئذ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس :" روح " إلا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للروح : نفس[(٢٥)](#foonote-٢٥) إلا باعتبار ما تئول إليه. فحاصل ما يقول أن الروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه[(٢٦)](#foonote-٢٦) وهذا معنى حسن، والله أعلم. 
قلت : وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها وصنفوا في ذلك كتبًا. ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده، في كتاب سمعناه في : الروح[(٢٧)](#foonote-٢٧).

١ في ت: "فقال بعضهم".
 .
٢ المسند (١/٣٨٩) وصحيح البخاري برقم (١٢٥، ٧٤٦٢) وصحيح مسلم برقم (٢٧٩٤)..
٣ في ف: "مع رسول الله"..
٤ في ت، ف: "متكئ"..
٥ في ت، ف: "باليهود"..
٦ في ت، ف: "ما رأيكم"..
٧ في ت، ف: "يسألونك"..
٨ صحيح البخاري برقم (٤٧٢١)..
٩ في ت: "تقضي"..
١٠ المسند (١/٢٥٥)..
١١ في ت، ف: "تزعم"..
١٢ تفسير الطبري (١٥/١٠٤).
 .
١٣ زيادة من ت، ف، أ..
١٤ في ت، ف، أ: "ما"..
١٥ زيادة من ف، أ..
١٦ في ت، ف: "قاله"..
١٧ في ت: "ابن عباس"..
١٨ في هـ، ف، أ: "روق أبو هبيرة"، والمثبت من الطبراني..
١٩ في ف: "والأرض"..
٢٠ المعجم الكبير (١١/١٩٥) وقال الهيثمي في المجمع (١/٨٠): "وهب بن رزق لم أر من ذكر له ترجمة"..
٢١ زيادة من ت، ف، أ، والطبري..
٢٢ تفسير الطبري (١٥/١٠٥).
 .
٢٣ في أ: "ولا تراهم الملائكة"..
٢٤ في ت، ف: "يكتسب"..
٢٥ في ت، ف: "نفسا" وهو خطأ..
٢٦ الروض الأنف (١/ ١٩٨، ١٩٩)..
٢٧ وللإمام ابن القيم، رحمه الله، كتاب الروح مطبوع بتحقيق بسام العموش، أكثر النقل فيه عن كتاب ابن مندة هذا وذكر خلاصته فيه.
 .

### الآية 17:86

> ﻿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [17:86]

يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم، فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. 
قال ابن مسعود، رضي الله عنه : يطرق الناس ريح حمراء - يعني في آخر الزمان - من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود : وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  الآية.

### الآية 17:87

> ﻿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا [17:87]

إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا (٨٩) .
 يَذْكُرُ تَعَالَى نِعْمَتَهُ وَفَضْلَهُ الْعَظِيمَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ، فِيمَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
 قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَطْرُقُ النَّاسَ رِيحٌ حَمْرَاءُ -يَعْنِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ -مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى فِي مُصْحَفِ رَجُلٍ وَلَا فِي قَلْبِهِ آيَةٌ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ الْآيَةَ.
 ثُمَّ نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى شَرَفِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ كُلُّهُمْ، وَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، لَمَا أَطَاقُوا ذَلِكَ وَلَمَا اسْتَطَاعُوهُ، وَلَوْ تَعَاوَنُوا وَتَسَاعَدُوا وَتَظَافَرُوا، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُسْتَطَاعُ، وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ (٢) كَلَامَ الْخَالِقِ، الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا مِثَالَ لَهُ، وَلَا عَدِيلَ لَهُ؟!
 وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ \[بْنِ جُبَيْرٍ\] (٣) أَوْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا نَأْتِيكَ بِمِثْلِ مَا جِئْتَنَا بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
 وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَسِيَاقُهَا كُلُّهُ مَعَ قُرَيْشٍ، وَالْيَهُودُ إِنَّمَا اجْتَمَعُوا بِهِ فِي الْمَدِينَةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
 وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أَيْ: بَيَّنَّا لَهُمُ الْحُجَجَ وَالْبَرَاهِينَ الْقَاطِعَةَ، وَوَضَّحْنَا لَهُمُ الْحَقَّ وَشَرَحْنَاهُ وَبَسَطْنَاهُ، وَمَعَ هَذَا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا أَيْ: جُحُودًا وَرَدًّا لِلصَّوَابِ.
 وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنزلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا (٩٣) 
 (١) في ت: "والقول".
 (٢) في أ: "المخلوقين إلى".
 (٣) زيادة من ف، أ، والطبري (١٥/١٠٦).

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، قَدِمَ مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَرَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَأَبَا البَخْتَري أَخَا بَنِي أَسَدٍ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَزَمَعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ (١) وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أمية، وأمية ابن خَلَفٍ، وَالْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ، ونُبَيها ومُنَبِّها ابْنَيِ الْحَجَّاجِ السَّهْمَيَّين، اجْتَمَعُوا، أَوْ: مَنِ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ، بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعْذَرُوا فِيهِ (٢) فَبَعَثُوا إِلَيْهِ: أَنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِي أَمْرِهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا، يُحِبُّ رُشْدَهم، وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهم، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا قَدْ بَعَثْنَا إِلَيْكَ لنُعْذرَ فِيكَ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ (٣) مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ! لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وعِبتَ الدِّينَ، وسَفَّهت الْأَحْلَامَ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ، فَمَا بَقِيَ مِنْ أَمْرٍ قَبِيحٍ إِلَّا وَقَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ! فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالَنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينَا، سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ بِمَا يَأْتِيكَ رِئْيًا تَرَاهُ قَدْ (٤) غَلَبَ عَلَيْكَ -وَكَانُوا (٥) يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنَ الْجِنِّ: الرِّئْيَ -فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ، بَذَلْنَا أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطِّبِّ، حَتَّى نُبَرِّئَكَ مِنْهُ، أَوْ نُعذَر فِيكَ.
 فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُكُمْ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي (٦) إِلَيْكُمْ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ (٧) لِأَمْرِ اللَّهِ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ". أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
 فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا مَا عَرَضْنَا عَلَيْكَ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَضْيَقَ مِنَّا بِلَادًا، وَلَا أَقَلَّ مَالًا وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقت عَلَيْنَا، وَلْيبسُط لَنَا بِلَادَنَا، وَلْيُفَجر (٨) فِيهَا أَنْهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعث لَنَا قُصيّ بْنُ كِلَابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا صَدُوقًا، فَنَسْأَلُهُمْ عَمَّا تَقُولُ (٩) حَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ؟ فَإِنْ صَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ وَصَدَّقُوكَ، صَدَّقْنَاكَ، وَعَرَفْنَا مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ!
 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بِهَذَا بُعِثْتُ، إِنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، فَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ الله، حتى يحكم

 (١) في ت: "هاشم" وهو خطأ.
 (٢) في ت: "إليه".
 (٣) في ت: "قومك".
 (٤) في ف: "وقد".
 (٥) في ت: "فكانوا".
 (٦) في ت: "بعثني الله".
 (٧) في ت: "أصير".
 (٨) في ت: "وليخرج"، وفي ف: "وليجر".
 (٩) في ت: "ليسألهم عما يقول".

اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ".
 قَالُوا: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَنَا هَذَا فَخُذْ لِنَفْسِكَ، فَاسْأَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ (١) وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ، وَتَسْأَلُهُ فَيَجْعَلَ لَكَ جِنَانًا، وَكُنُوزًا وَقُصُورًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَيُغْنِيَكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتَّى نَعْرِفَ (٢) فَضْلَ مَنْزِلَتِكَ مِنْ رَبِّكَ، إِنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ.
 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، مَا أَنَا بِالَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا، وَمَا بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ".
 قَالُوا: فَأَسْقِطِ السَّمَاءَ، كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إِنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلَ.
 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ بِكُمْ ذَلِكَ".
 فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا (٣) عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ، وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ فَيُقَدِّمَ إِلَيْكَ وَيُعَلِّمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرَكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إِذَا لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتَنَا بِهِ، فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ، يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، أَمَا وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا فَعَلْتَ بِنَا حَتَّى نُهْلِكَكَ أَوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ (٤) بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا.
 فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ، وَقَامَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابن عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ، ابْنُ عَاتِكَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُوا، فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ، فَلَمْ (٥) تَفْعَلْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ مَا تُخَوِّفُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَوَاللَّهِ لَا أُؤْمِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إِلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا، ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى تَأْتِيَهَا، وَتَأْتِيَ مَعَكَ بِنُسْخَةٍ مَنْشُورَةٍ، مَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ. وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُصَدِّقُكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ حَزِينًا أَسِفًا لِمَا فَاتَهُ، مِمَّا كَانَ طَمَعَ فِيهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ إِيَّاهُ (٦).
 وَهَكَذَا رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَكَّائي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ سَعِيدِ ابن جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً.
 وَهَذَا الْمَجْلِسُ الَّذِي اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ لَهُ، لَوْ (٧) عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ ذَلِكَ استرشادًا لأجيبوا

 (١) في ت: "يقول".
 (٢) في ت: "تعرف".
 (٣) في ت، "لما".
 (٤) في ف: "تأتينا".
 (٥) في ت: "ثم لم".
 (٦) السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٩٦).
 (٧) في ف: "فلو".

إِلَيْهِ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ كُفْرًا وَعِنَادًا، فَقِيلَ لِلرَّسُولِ: إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْنَاهُمْ مَا سَأَلُوا فَإِنْ كَفَرُوا عَذَّبْتُهُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ عَلَيْهِمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَقَالَ: "بَلْ تَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ" كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيِ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَيْضًا، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا \[الْإِسْرَاءِ: ٥٩\] وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا \[الْفُرْقَانِ: ٧ -١١\].
 وَقَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا الْيَنْبُوعُ: الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ، سَأَلُوهُ أَنْ يُجْرِيَ لَهُمْ عَيْنًا مَعِينًا فِي أَرْضِ الْحِجَازِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَذَلِكَ (٢) سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهُ وَلَأَجَابَهُمْ إِلَى جَمِيعِ مَا سَأَلُوا وَطَلَبُوا، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ \[يُونُسَ: ٩٦، ٩٧\] وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ \[الْأَنْعَامِ: ١١١\].
 وَقَوْلُهُ تَعَالَى أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ أَيْ: أَنَّكَ وَعَدْتَنَا أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْشَقُّ فِيهِ السَّمَاءُ وَتَهِي، وَتَدَلَّى أَطْرَافُهَا، فَعَجِّلْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَسْقِطْهَا كِسَفًا \[أَيْ: قِطَعًا، كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ الْآيَةَ \[الْأَنْفَالِ: ٣٢\]، وَكَذَلِكَ سَأَلَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مِنْهُ فَقَالُوا: أَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا\] (٣) مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ \[الشُّعَرَاءِ: ١٨٧\]. فَعَاقَبَهُمُ الرَّبُّ بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. وَأَمَّا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، فَسَأَلَ إِنْظَارَهُمْ وَتَأْجِيلَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ وَقَعَ، فَإِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (٤) حَتَّى "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ" الَّذِي تَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ مَا قَالَ، أَسْلَمَ إِسْلَامًا تَامًّا، وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
 أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: هُوَ الذَّهَبُ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ"، أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ أَيْ: تَصْعَدُ (٥) فِي سُلَّمٍ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْكَ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنزلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مَكْتُوبٌ فِيهِ إِلَى كُلٍّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ صَحِيفَةٌ: هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، تصبح موضوعة عند رأسه (٦).

 (١) في ف: "حديث".
 (٢) في ت، ف: "وهذا".
 (٣) زيادة من أ.
 (٤) في ف: "وحسن إسلامه بعد ذلك".
 (٥) في ت: "يصعد".
 (٦) في ف: "يصبح عند رأسه موضوع".

### الآية 17:88

> ﻿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [17:88]

ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا[(١)](#foonote-١) على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين[(٢)](#foonote-٢) كلام الخالق، الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له ؟ !
وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد \[ بن جبير \][(٣)](#foonote-٣) أو عكرمة، عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود، جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له : إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به، فأنزل الله هذه الآية. 
وفي هذا نظر ؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة. فالله أعلم.

١ في ت: "والقول"..
٢ في أ: "المخلوقين إلى"..
٣ زيادة من ف، أ، والطبري (١٥/١٠٦)..

### الآية 17:89

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [17:89]

وقوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ  أي : بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه، ومع هذا  فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا  أي : جحودًا وردًا للصواب.

### الآية 17:90

> ﻿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [17:90]

قال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البَخْتَري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام[(١)](#foonote-١) وعبد الله بن أبي أمية، وأمية ابن خلف، والعاص بن وائل، ونُبَيها ومُنَبِّها ابني الحجاج السَّهْمَيَّين، اجتمعوا، أو : من اجتمع منهم، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه[(٢)](#foonote-٢) فبعثوا إليه : أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصًا، يحب رُشْدَهم، ويعز عليه عَنَتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا : يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنُعْذرَ فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه[(٣)](#foonote-٣) ما أدخلت على قومك ! لقد شتمت الآباء، وعِبتَ الدين، وسَفَّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ! فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد[(٤)](#foonote-٤) غلب عليك - وكانوا[(٥)](#foonote-٥) يسمون التابع من الجن : الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه، أو نُعذَر فيك. 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن بعثني[(٦)](#foonote-٦) إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر[(٧)](#foonote-٧) لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم ". أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا. 
فقالوا : يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادًا، ولا أقل مالا ولا أشد عيشًا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضَيَّقت علينا، وَلْيبسُط لنا بلادنا، وَلْيُفَجر[(٨)](#foonote-٨) فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يُبْعث لنا قُصيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقول[(٩)](#foonote-٩) حق هو أم باطل ؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك، صدقناك، وعرفنا منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول !
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم
الله بيني وبينكم ". 
قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فاسأل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول[(١٠)](#foonote-١٠) ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنانًا، وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف[(١١)](#foonote-١١) فضل منزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. 
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ". 
قالوا : فأسقط السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. 
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك ". 
فقالوا : يا محمد، أما[(١٢)](#foonote-١٢) علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة، يقال له : الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي[(١٣)](#foonote-١٣) بالله والملائكة قبيلا. 
فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، ابن عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال : يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله، فلم[(١٤)](#foonote-١٤) تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة من الملائكة، يشهدون أنك كما تقول. وايم الله، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته، مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه[(١٥)](#foonote-١٥). 
وهكذا رواه زياد بن عبد الله البَكَّائي، عن ابن إسحاق، حدثني بعض أهل العلم، عن سعيد ابن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله سواء. 
وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو[(١٦)](#foonote-١٦) علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرًا وعنادًا، فقيل للرسول : إن شئت أعطيناهم ما سألوا فإن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال :" بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة " كما تقدم ذلك في حديثي[(١٧)](#foonote-١٧) ابن عباس والزبير بن العوام أيضًا، عند قوله تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا  \[ الإسراء : ٥٩ \] وقال تعالى : وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا  \[ الفرقان : ٧ - ١١ \]. 
وقوله تعالى : حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا  الينبوع : العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عينًا معينًا في أرض الحجاز هاهنا وهاهنا، وذلك[(١٨)](#foonote-١٨) سهل يسير على الله تعالى، لو شاء لفعله ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ  \[ يونس : ٩٦، ٩٧ \] وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ  \[ الأنعام : ١١١ \].

١٨ في ت، ف: "وهذا"..

### الآية 17:91

> ﻿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا [17:91]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:م ٩٠
وقوله تعالى : حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا  الينبوع : العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عينًا معينًا في أرض الحجاز هاهنا وهاهنا، وذلك[(١٨)](#foonote-١٨) سهل يسير على الله تعالى، لو شاء لفعله ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ  \[ يونس : ٩٦، ٩٧ \] وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ  \[ الأنعام : ١١١ \]. 
١٨ في ت، ف: "وهذا"..


---

### الآية 17:92

> ﻿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا [17:92]

قال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البَخْتَري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام[(١)](#foonote-١) وعبد الله بن أبي أمية، وأمية ابن خلف، والعاص بن وائل، ونُبَيها ومُنَبِّها ابني الحجاج السَّهْمَيَّين، اجتمعوا، أو : من اجتمع منهم، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه[(٢)](#foonote-٢) فبعثوا إليه : أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصًا، يحب رُشْدَهم، ويعز عليه عَنَتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا : يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنُعْذرَ فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه[(٣)](#foonote-٣) ما أدخلت على قومك ! لقد شتمت الآباء، وعِبتَ الدين، وسَفَّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ! فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد[(٤)](#foonote-٤) غلب عليك - وكانوا[(٥)](#foonote-٥) يسمون التابع من الجن : الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه، أو نُعذَر فيك. 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن بعثني[(٦)](#foonote-٦) إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر[(٧)](#foonote-٧) لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم ". أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا. 
فقالوا : يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادًا، ولا أقل مالا ولا أشد عيشًا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضَيَّقت علينا، وَلْيبسُط لنا بلادنا، وَلْيُفَجر[(٨)](#foonote-٨) فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يُبْعث لنا قُصيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقول[(٩)](#foonote-٩) حق هو أم باطل ؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك، صدقناك، وعرفنا منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول !
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم
الله بيني وبينكم ". 
قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فاسأل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول[(١٠)](#foonote-١٠) ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنانًا، وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف[(١١)](#foonote-١١) فضل منزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. 
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ". 
قالوا : فأسقط السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. 
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك ". 
فقالوا : يا محمد، أما[(١٢)](#foonote-١٢) علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة، يقال له : الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي[(١٣)](#foonote-١٣) بالله والملائكة قبيلا. 
فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، ابن عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال : يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله، فلم[(١٤)](#foonote-١٤) تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة من الملائكة، يشهدون أنك كما تقول. وايم الله، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته، مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه[(١٥)](#foonote-١٥). 
وهكذا رواه زياد بن عبد الله البَكَّائي، عن ابن إسحاق، حدثني بعض أهل العلم، عن سعيد ابن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله سواء. 
وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو[(١٦)](#foonote-١٦) علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرًا وعنادًا، فقيل للرسول : إن شئت أعطيناهم ما سألوا فإن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال :" بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة " كما تقدم ذلك في حديثي[(١٧)](#foonote-١٧) ابن عباس والزبير بن العوام أيضًا، عند قوله تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا  \[ الإسراء : ٥٩ \] وقال تعالى : وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا  \[ الفرقان : ٧ - ١١ \]. 
وقوله تعالى  أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ  أي : أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهي، وتدلي أطرافها، فعجل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسفًا \[ أي : قطعًا، كقولهم : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  الآية \[ الأنفال : ٣٢ \]، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا : أَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا \][(١)](#foonote-١) مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ  \[ الشعراء : ١٨٧ \]. فعاقبهم الرب بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم. وأما نبيّ الرحمة، ونبيّ التوبة المبعوث رحمة للعالمين، فسأل إنظارهم وتأجيلهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا. وكذلك وقع، فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه[(٢)](#foonote-٢) حتى " عبد الله بن أبي أمية " الذي تبع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال، أسلم إسلامًا تامًا، وأناب إلى الله عز وجل.

١ زيادة من أ..
٢ في ف: "وحسن إسلامه بعد ذلك"..

### الآية 17:93

> ﻿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [17:93]

قال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس : أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البَخْتَري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام[(١)](#foonote-١) وعبد الله بن أبي أمية، وأمية ابن خلف، والعاص بن وائل، ونُبَيها ومُنَبِّها ابني الحجاج السَّهْمَيَّين، اجتمعوا، أو : من اجتمع منهم، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه[(٢)](#foonote-٢) فبعثوا إليه : أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصًا، يحب رُشْدَهم، ويعز عليه عَنَتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا : يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنُعْذرَ فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه[(٣)](#foonote-٣) ما أدخلت على قومك ! لقد شتمت الآباء، وعِبتَ الدين، وسَفَّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك ! فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد[(٤)](#foonote-٤) غلب عليك - وكانوا[(٥)](#foonote-٥) يسمون التابع من الجن : الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه، أو نُعذَر فيك. 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن بعثني[(٦)](#foonote-٦) إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر[(٧)](#foonote-٧) لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم ". أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا. 
فقالوا : يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادًا، ولا أقل مالا ولا أشد عيشًا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضَيَّقت علينا، وَلْيبسُط لنا بلادنا، وَلْيُفَجر[(٨)](#foonote-٨) فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يُبْعث لنا قُصيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقول[(٩)](#foonote-٩) حق هو أم باطل ؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك، صدقناك، وعرفنا منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول !
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم
الله بيني وبينكم ". 
قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فاسأل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول[(١٠)](#foonote-١٠) ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنانًا، وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف[(١١)](#foonote-١١) فضل منزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. 
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ". 
قالوا : فأسقط السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. 
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك ". 
فقالوا : يا محمد، أما[(١٢)](#foonote-١٢) علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة، يقال له : الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي[(١٣)](#foonote-١٣) بالله والملائكة قبيلا. 
فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، ابن عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال : يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله، فلم[(١٤)](#foonote-١٤) تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة من الملائكة، يشهدون أنك كما تقول. وايم الله، لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته، مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه[(١٥)](#foonote-١٥). 
وهكذا رواه زياد بن عبد الله البَكَّائي، عن ابن إسحاق، حدثني بعض أهل العلم، عن سعيد ابن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله سواء. 
وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو[(١٦)](#foonote-١٦) علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرًا وعنادًا، فقيل للرسول : إن شئت أعطيناهم ما سألوا فإن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال :" بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة " كما تقدم ذلك في حديثي[(١٧)](#foonote-١٧) ابن عباس والزبير بن العوام أيضًا، عند قوله تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا  \[ الإسراء : ٥٩ \] وقال تعالى : وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا  \[ الفرقان : ٧ - ١١ \]. 
 أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ  قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة : هو الذهب. وكذلك هو في قراءة ابن مسعود :" أو يكون لك بيت من ذهب "،  أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ  أي : تصعد[(١)](#foonote-١) في سلم ونحن ننظر إليك  وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنزلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ  قال مجاهد : أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة : هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، تصبح موضوعة عند رأسه[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا  أي : سبحانه وتعالى وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله عز وجل. 
قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم[(٣)](#foonote-٣) عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" عرض ربي عز وجل ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت : لا يا رب، ولكن أشبع يومًا، وأجوع يومًا - أو نحو ذلك - فإذا جُعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ". 
ورواه الترمذي في " الزهد " عن سُوَيْد بن نصر[(٤)](#foonote-٤) عن ابن المبارك، به[(٥)](#foonote-٥) وقال : هذا حديث حسن. وعلي بن يزيد يُضَّعَّفُ في الحديث.

١ في ت: "يصعد"..
٢ في ف: "يصبح عند رأسه موضوع"..
٣ في ت: "ألتم"..
٤ في أ: "زهير"..
٥ المسند (٥/٢٤٥) وسنن الترمذي برقم (٢٣٤٧) وعبد الله بن زحر وعلى بن يزيد والقاسم ضعفاء..

### الآية 17:94

> ﻿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [17:94]

يقول تعالى : وَمَا مَنَعَ النَّاسَ  أي : أكثرهم  أَنْ يُؤْمِنُوا  ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من بعثته[(١)](#foonote-١) البشر رسلا كما قال تعالى : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا  \[ يونس : ٢ \]. 
وقال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ  \[ التغابن : ٦ \]، وقال فرعون وملؤه : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ  \[ المؤمنون : ٤٧ \]، وكذلك قالت[(٢)](#foonote-٢) الأمم لرسلهم : إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ  \[ إبراهيم : ١٠ \]، والآيات في هذا كثيرة.

١ في ت: "بعثة"..
٢ في ت: "قالوا"..

### الآية 17:95

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [17:95]

ثم قال تعالى منبهًا على لطفه ورحمته بعباده : أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ  \[ آل عمران : ١٦٤ \]، وقال تعالى : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ  \[ التوبة : ١٢٨ \]، وقال تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ \* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ  \[ البقرة : ١٥١، ١٥٢ \] ؛ ولهذا قال هاهنا : لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ  أي : كما أنتم فيها  لَنزلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا  أي : من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشرًا، بعثنا فيكم رسلنا[(١)](#foonote-١) منكم لطفًا ورحمة.

١ في ت: "رسلا".
 .

### الآية 17:96

> ﻿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:96]

يقول تعالى مرشدًا نبيه إلى الحجة على قومه، في صدق ما جاءهم به : أنه شاهد عليّ وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبًا \[ عليه \][(١)](#foonote-١) انتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ \* لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ \* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  \[ الحاقة : ٤٤ - ٤٦ \]. 
وقوله : إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا  أي : عليم بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممن يستحق الشقاء والإضلال[(٢)](#foonote-٢) والإزاغة. ولهذا قال : وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا .

١ زيادة من أ..
٢ في ت: "الضلال".
 .

### الآية 17:97

> ﻿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [17:97]

يقول تعالى مخبرًا عن تصرفه في خلقه، ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له، بأنه من يهده فلا مضلّ له  وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ  أي : يهدونهم، كما قال : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا  \[ الكهف : ١٧ \]. 
وقوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ  قال الإمام أحمد :
حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نُفَيْع قال[(١)](#foonote-١) : سمعت أنس بن مالك يقول : قيل : يا رسول الله، كيف يحشر[(٢)](#foonote-٢) الناس على وجوههم ؟ قال :" الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ". وأخرجاه في الصحيحين[(٣)](#foonote-٣). 
وقال الإمام أحمد أيضًا :\[ حدثنا يزيد \][(٤)](#foonote-٤)، حدثنا الوليد بن جُمَيْع القرشي، عن أبيه، حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال : قام أبو ذر فقال : يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني : أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج : فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج[(٥)](#foonote-٥) يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار. فقال قائل منهم : هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون[(٦)](#foonote-٦) ؟ قال : يلقي الله، عز وجل، الآفة على[(٧)](#foonote-٧) الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها[(٨)](#foonote-٨). 
وقوله :( عُمْيًا ) أي : لا يبصرون ( وَبُكْمًا ) يعني : لا ينطقون ( وَصُمًّا ) : لا يسمعون. وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًا عن الحق فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه ( مَأْوَاهُمْ ) أي : منقلبهم[(٩)](#foonote-٩) ومصيرهم ( جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ ) قال ابن عباس : سكنت[(١٠)](#foonote-١٠). وقال مجاهد : طفئت ( زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) أي : لهبًا ووهجًا وجمرًا، كما قال : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا  \[ النبأ : ٣٠ \].

١ في ت: "نفيع كذا قال"..
٢ في ف: "تحشر"..
٣ المسند (٣/١٦٧) وصحيح البخاري برقم (٤٧٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٦)..
٤ زيادة من ت، ف، أ، والمسند..
٥ في ف: "وقوم"..
٦ في ت: "ويسقون"..
٧ في ت: "الأئمة هل"، وفي ف: "الأئمة على"..
٨ المسند (٥/١٦٤).
 .
٩ في أ: "مقبلهم"..
١٠ في ت: "ستكتب"..

### الآية 17:98

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [17:98]

يقول تعالى : هذا الذي جازيناهم به، من البعث على العمى والبكم والصمم، جزاؤهم الذي يستحقونه ؛ لأنهم كذبوا ( بِآيَاتِنَا ) أي بأدلتنا[(١)](#foonote-١) وحججنا، واستبعدوا وقوع البعث ( وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا ) بالية نخرة ( أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ) أي : بعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك، والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية ؟

١ في ت: "بآياتنا"..

### الآية 17:99

> ﻿۞ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا [17:99]

فاحتج[(١)](#foonote-١) تعالى عليهم، ونبههم على قدرته على ذلك، بأنه خلق السماوات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك كما قال : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ  \[ غافر : ٥٧ \] وقال  أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  \[ الأحقاف : ٣٣ \] وقال  أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ \* إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ \* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  \[ يس : ٨١، ٨٣ \]. 
وقال هاهنا :( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) أي : يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى، ويعيدهم كما بدأهم. 
وقوله :( وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لا رَيْبَ فِيهِ ) أي : جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلا مضروبًا ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى : وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ  \[ هود : ١٠٤ \]. 
وقوله :( فَأَبَى الظَّالِمُونَ ) أي : بعد قيام الحجة عليهم ( إِلا كُفُورًا ) إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم.

١ في ف: "واحتج".
 .

### الآية 17:100

> ﻿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا [17:100]

يقول تعالى لرسوله صلوات الله عليه وسلامه[(١)](#foonote-١) قل لهم يا محمد : لو أنكم - أيها الناس - تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الإنفاق. 
قال ابن عباس، وقتادة : أي الفقر أي : خشية أن تذهبوها[(٢)](#foonote-٢)، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدًا ؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم ؛ ولهذا قال :( وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا ) قال ابن عباس، وقتادة[(٣)](#foonote-٣) : أي بخيلا منوعًا. وقال الله تعالى : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا  \[ النساء : ٥٣ \] أي : لو أن لهم نصيبًا في ملك الله لما أعطوا أحدًا شيئًا، ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وهداه ؛ فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى : إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا \* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا \* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا \* إِلا الْمُصَلِّينَ  \[ المعارج : ١٩ - ٢٢ \]. ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه[(٤)](#foonote-٤) وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين :" يد الله ملأى لا يَغيضُها نفقة، سَحَّاءُ الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يَغض ما في يمينه " [(٥)](#foonote-٥).

١ في ف: "صلى الله عليه وسلم"..
٢ في أ: "تنبوها"..
٣ في ف، أ: "ومجاهد"..
٤ في ف: "كرم الله"..
٥ صحيح البخاري برقم (٧٤١٩) وصحيح مسلم برقم (٩٩٣).

### الآية 17:101

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا [17:101]

يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي : العصا، واليد، والسنين[(١)](#foonote-١)، والبحر، والطوفان[(٢)](#foonote-٢)، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. قاله ابن عباس. 
وقال محمد بن كعب : هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطَّمْسَة والحجر. 
وقال : ابن عباس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة والشعبي، وقتادة : هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. 
وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي. وجعل الحسن البصري " السنين ونقص الثمرات " واحدة، وعنده أن التاسعة هي : تلقف العصا ما يأفكون.  فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ  \[ الأعراف : ١٣٣ \] أي : ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وما نجعت[(٣)](#foonote-٣) فيهم، فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك[(٤)](#foonote-٤) سألوا، وقالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا  \[ الإسراء : ٩٠ \] إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى - وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات - :( إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ) قيل : بمعنى ساحر. والله تعالى أعلم. 
فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى : وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ \* إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ \* وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ  \[ النمل : ١٠ - ١٢ \]. فذكر هاتين الآيتين : العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في " سورة الأعراف " وفصلها. 
وقد أوتي موسى، عليه السلام، آيات أخرَ كثيرة، منها ضربُه الحجر بالعصا، وخروج الأنهار منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر هاهنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودًا. فأما الحديث الذي رواه الإمام \[ أحمد \][(٥)](#foonote-٥) :
حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة قال : سمعت عبد الله بن سلمة[(٦)](#foonote-٦) يحدث، عن صفوان بن عَسّال المرادي، رضي الله عنه، قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي \[ صلى الله عليه وسلم \][(٧)](#foonote-٧) حتى نسأله عن هذه الآية :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) فقال : لا تقل له : نبي فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين. فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة - أو قال : لا تفروا من الزحف - شعبة الشاك - وأنتم يا يهود، عليكم[(٨)](#foonote-٨) خاصة أن لا تعدوا في السبت ". فقبلا يديه ورجليه، وقالا نشهد أنك نبي. \[ قال :" فما يمنعكما أن تتبعاني ؟ " قالا لأن داود، عليه السلام، دعا ألا يزال من ذريته نبي \][(٩)](#foonote-٩)، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود. 
فهذا الحديث رواه هكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج، به[(١٠)](#foonote-١٠) وقال الترمذي : حسن صحيح. 
وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها، وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم. ولهذا قال موسى لفرعون : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ

١ في ت، ف، أ: ولسانه"..
٢ في ف، أ: "والطوفان والبحر".
 .
٣ في ت: "وما نجوت"..
٤ في ت: "مثل"..
٥ زيادة من أ..
٦ في ف: "مسلم"..
٧ زيادة من ت..
٨ في ت: "أيكم"..
٩ زيادة من ف، أ، والمسند..
١٠ المسند (٤/٢٣٩) وسنن الترمذي برقم (٣١٤٤) وسنن النسائي (٧/١١١) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٠٥) وتفسير الطبري (١٥/١١٥).
 .

### الآية 17:102

> ﻿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [17:102]

أي : حججًا وأدلة على صدق ما جئتك به  وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا  أي : هالكًا. قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس ملعونًا. وقال : أيضًا هو والضحاك :( مَثْبُورًا ) أي : مغلوبًا. والهالك - كما قال مجاهد - يشمل[(١)](#foonote-١) هذا كله، قال عبد الله بن الزبعري :

إذْ أجَارِي الشَّيطانَ في سَنن الغ  يِّ وَمَنْ مَالَ مَيْلهُ مَثْبُور[(٢)](#foonote-٢)\[ بمعنى هالك \][(٣)](#foonote-٣). 
وقرأ بعضهم برفع التاء من قوله :" علمت " وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب[(٤)](#foonote-٤) لفرعون، كما قال تعالى : فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ \* وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  \[ النمل : ١٣، ١٤ \]. 
فهذا كله مما يدل على[(٥)](#foonote-٥) أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدّم ذكره[(٦)](#foonote-٦) من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم. التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله. وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون ؟ وما جاء هذا الوهم إلا من قبل " عبد الله بن سلمة[(٧)](#foonote-٧) فإن له بعض ما يُنْكر. والله أعلم. ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات، فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فحصل وَهْم في ذلك. والله أعلم. 
١ في ت: "يشتمل"..
٢ البيت في تفسير الطبري (١٥/١١٧)..
٣ زيادة من ت..
٤ في ف: "على الخطاب فتح التاء"..
٥ في أ: "عليه"..
٦ في ت، ف: "ذكرها"..
٧ في ف: "مسلم"..

### الآية 17:103

> ﻿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا [17:103]

وقوله :( فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ ) أي : يخليهم منها ويزيلهم[(١)](#foonote-١) عنها ( فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا \* وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ ) وفي هذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة مع أن السورة نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع ؛ فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى : وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا \* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا  \[ الإسراء : ٧٦، ٧٧ \] ؛ ولهذا أورث الله رسوله[(٢)](#foonote-٢) مكة، فدخلها عُنْوَة على أشهر القولين، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلمًا وكرمًا، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ  \[ الشعراء : ٥٩ \]

١ في ت: "ويرسلهم"..
٢ في ت: "ورسوله".
 .

### الآية 17:104

> ﻿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [17:104]

وقال هاهنا ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ) أي : جميعكم أنتم وعدوكم. 
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك :( لَفِيفًا ) أي : جميعًا.

### الآية 17:105

> ﻿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [17:105]

يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وهو القرآن المجيد، أنه بالحق نزل، أي : متضمنًا للحق، كما قال تعالى : لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ  \[ النساء : ١٦٦ \] أي : متضمنا علم الله الذي أراد أن يُطْلِعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه. 
وقوله : وَبِالْحَقِّ نزلَ  أي : ووصل إليك - يا محمد - محفوظًا محروسًا، لم يُشَب بغيره، ولا زِيدَ فيه ولا نُقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القُوى، \[ القَوِيّ \][(١)](#foonote-١) الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى. 
وقوله : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ  أي : يا محمد  إِلا مُبَشِّرًا  لمن أطاعك من المؤمنين  وَنَذِيرًا  لمن عصاك من الكافرين.

١ زيادة من ت، ف، أ..

### الآية 17:106

> ﻿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [17:106]

وقوله : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ  أما قراءة من قرأ بالتخفيف، فمعناه : فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مُفرقًا منجما على الوقائع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة. قاله عكرمة عن ابن عباس. 
وعن ابن عباس أيضًا أنه قال  فَرَقْنَاهُ  بالتشديد، أي : أنزلناه آية آية، مبينًا مفسرًا ؛ ولهذا قال : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ  أي : لتبلغه الناس وتتلوه عليهم  عَلَى مُكْثٍ  أي : مَهَل  وَنزلْنَاهُ تَنزيلا  أي : شيئًا بعد شيء.

### الآية 17:107

> ﻿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا [17:107]

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ  يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم : آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا  أي : سواء آمنتم به أم لا فهو حق في نفسه، أنزله الله ونوه بذكره في سالف الأزمان[(١)](#foonote-١) في كتبه المنزلة على رسله ؛ ولهذا قال : إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ  أي : من صالح أهل الكتاب الذين يُمَسَّكون بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدلوه ولا حرفوه  إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ  هذا القرآن،  يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ  جمع ذَقْن، وهو أسفل الوجه  سُجَّدًا  أي : لله عز وجل، شكرًا على ما أنعم به عليهم، من جعله إياهم أهلا إن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه \[ هذا \][(٢)](#foonote-٢) الكتاب. ولهذا يقولون : سُبْحَانَ رَبِّنَا

١ في أ: "الزمان".
 .
٢ زيادة من أ..

### الآية 17:108

> ﻿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [17:108]

أي : تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء \[ المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا قالوا : سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا  \][(١)](#foonote-١).

١ زيادة من ت، ف..

### الآية 17:109

> ﻿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩ [17:109]

وقوله : وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ  أي : خضوعًا لله عز وجل وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسوله، ويزيدهم الله خشوعًا، أي : إيمانًا وتسليمًا كما قال : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ  \[ محمد : ١٧ \]. 
وقوله : وَيَخِرُّونَ  عطف صفة على صفة لا عطف سجود على سجود، كما قال الشاعر :

إلَى المَلك القَرْم وابن الهُمام  وَلَيْث الكَتِيبَة في المُزْدَحَمْ

### الآية 17:110

> ﻿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا [17:110]

يقول تعالى : قل يا محمد، لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله، عز وجل، المانعين من تسميته بالرحمن : ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى  أي : لا فرق بين دعائكم له باسم " الله " أو باسم[(١)](#foonote-١) " الرحمن "، فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  إلى أن قال : لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  \[ الحشر : ٢٢ - ٢٤ \]. 
وقد روى مكحول[(٢)](#foonote-٢) أن رجلا من المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول في سجوده :" يا رحمن يا رحيم "، فقال : إنه يزعم أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو اثنين. فأنزل الله هذه الآية. وكذا روي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير. 
وقوله : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ  الآية، قال الإمام أحمد :
حدثنا هُشَيْم، حدثنا أبو بشر، عن[(٣)](#foonote-٣) سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : نزلت[(٤)](#foonote-٤) هذه الآية وهو متوار بمكة  وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا \[ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا \] [(٥)](#foonote-٥) قال : كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به. قال : فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ  أي : بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن  وَلا تُخَافِتْ بِهَا  عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك  وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا . 
أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس، به[(٦)](#foonote-٦) وكذا روى[(٧)](#foonote-٧) الضحاك عن ابن عباس، وزاد :" فلما هاجر إلى المدينة، سقط ذلك، يفعل أيّ ذلك شاء " [(٨)](#foonote-٨). 
وقال محمد بن إسحاق : حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع[(٩)](#foonote-٩) من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع[(١٠)](#foonote-١٠)، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع[(١١)](#foonote-١١)، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم[(١٢)](#foonote-١٢) لم يستمع الذين[(١٣)](#foonote-١٣) يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل الله  وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ  فيتفرقوا عنك  وَلا تُخَافِتْ بِهَا  فلا تُسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به  وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا 
وهكذا قال عكرمة، والحسن البصري، وقتادة : نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة. 
وقال شعبة عن أشعث بن أبي سليم[(١٤)](#foonote-١٤) عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود : لم يُخافتْ بها مَنْ أسمع أذنيه. 
قال ابن جرير : حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال : نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر : لم تصنع هذا ؟ قال : أناجي ربي، عز وجل، وقد علم حاجتي. فقيل : أحسنت. وقيل لعمر : لم تصنع هذا ؟ قال : أطرد الشيطان، وأوقظ الوَسْنَان. قيل أحسنت. فلما نزلت : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا  قيل لأبي بكر : ارفع شيئًا، وقيل لعمر : اخفض شيئًا[(١٥)](#foonote-١٥). 
وقال أشعث بن سَوَّار، عن عكرمة، عن ابن عباس : نزلت في الدعاء. وهكذا روى الثوري، ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة : نزلت في الدعاء. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عِياض، ومكحول، وعروة بن الزبير. 
وقال الثوري عن \[ ابن \][(١٦)](#foonote-١٦) عياش العامري، عن عبد الله بن شداد قال : كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي[(١٧)](#foonote-١٧) صلى الله عليه وسلم قالوا : اللهم ارزقنا إبلا وولدًا. قال : فنزلت هذه الآية : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا 
قول آخر : قال ابن جرير : حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، نزلت[(١٨)](#foonote-١٨) هذه الآية في التشهد : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا 
وبه قال حفص، عن أشعث بن سوار، عن محمد بن سيرين، مثله. 
قول آخر : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا  قال : لا تصل مراءاة الناس، ولا تدعها مخافة الناس. وقال الثوري، عن منصور، عن الحسن البصري : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا  قال : لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها. وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، به. وهُشَيْم، عن عوف، عنه به. وسعيد، عن قتادة، عنه كذلك. 
قول آخر : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا  قال : أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك، الذي سن له جبريل من الصلاة.

١ في ت: "واسم"..
٢ تفسير الطبري (١٥/١٢١) وكأن الحافظ اختصره هنا..
٣ في ف: "حدثنا"..
٤ في ت: "قرأت"..
٥ زيادة من أ.
 .
٦ المسند (١/٢٣) وصحيح البخاري برقم (٢٧٢٢) وصحيح مسلم برقم (٤٤٦)..
٧ في ف: "رواه"..
٨ رواه الطبري في تفسيره (١٥/١٢٣)..
٩ في ت، ف: "يسمع"..
١٠ في ت، ف: "يسمع"..
١١ في ت: "يسمع"..
١٢ في ف: "وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته"..
١٣ في ت: "ولم يسمع الذي"..
١٤ في هـ، ت: "عن أبي سليم". والمثبت من الطبري.
١٥ تفسير الطبري (١٥/١٢٤)..
١٦ زيادة من ف..
١٧ في ف، أ: "رسول الله".
 .
١٨ في ت: "أنزلت"..

### الآية 17:111

> ﻿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [17:111]

وقوله : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا  لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزه نفسه عن النقائص فقال : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ  بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. 
 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ  أي : ليس بذليل فيحتاج[(١)](#foonote-١) أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى \[ شأنه \][(٢)](#foonote-٢) خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومقدرها ومدبرها[(٣)](#foonote-٣) بمشيئته وحده لا شريك له. 
قال مجاهد في قوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ  لم يحالف أحدًا ولا يبتغي[(٤)](#foonote-٤) نصر أحد. 
 وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا  أي : عظِّمه وأَجِلَّه عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا. 
قال ابن جرير : حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا  الآية، قال : إن اليهود والنصارى قالوا : اتخذ الله ولدًا، وقال[(٥)](#foonote-٥) العرب :\[ لبيك \][(٦)](#foonote-٦) لبيك، لا شريك لك ؛ إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وقال الصابئون والمجوس : لولا أولياء الله لذل. فأنزل الله هذه الآية : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا 
وقال أيضا : حدثنا بشر، \[ حدثنا يزيد \][(٧)](#foonote-٧) حدثنا سعيد، عن قتادة : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله هذه الآية  وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا  الصغير من أهله[(٨)](#foonote-٨) والكبير. 
قلت : وقد جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها آية العز[(٩)](#foonote-٩) وفي بعض الآثار : أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم. 
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا بشر بن سيحان البصري، حدثنا حرب بن ميمون، حدثنا موسى ابن عبيدة الرَّبَذي، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن أبي هريرة قال : خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة، فقال :" أي فلان، [(١٠)](#foonote-١٠) ما بلغ بك ما أرى ؟ ". قال : السقم والضرّ يا رسول الله. قال :" ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر ؟ ". قال : لا قال : ما يسرني بها[(١١)](#foonote-١١) أن شهدت معك بدرًا أو أحدًا. قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع ؟ ". قال : فقال[(١٢)](#foonote-١٢) أبو هريرة : يا رسول الله، إياي فعلمني قال : فقل يا أبا هريرة :" توكلت على[(١٣)](#foonote-١٣) الحي الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرًا ". قال : فأتى عليّ رسول الله وقد حَسُنَت حالي، قال : فقال لي :" مَهْيم ". قال : قلت : يا رسول الله، لم أزل[(١٤)](#foonote-١٤) أقول الكلمات التي علمتني[(١٥)](#foonote-١٥). 
إسناده ضعيف وفي متنه نكارة. \[ والله أعلم \][(١٦)](#foonote-١٦). 
ووقع في ت :" آخر تفسير سورة الإسراء، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة، غفر الله لكاتبه ولمن قرأ فيه ولوالديه ولمشايخه ولجميع المسلمين أجمعين آمين ".

١ في أ: "فلا يحتاج"..
٢ زيادة من أ..
٣ في ت، ف: "ومدبرها ومقدرها"..
٤ في ف: "ولم يبتغ"..
٥ في ت، ف، أ: "وقالت"..
٦ زيادة من ف..
٧ زيادة من ت، ف، أ.
 .
٨ في ف "منهم"..
٩ رواه أحمد في مسنده (٣/٤٤٠) من حديث معاذ بن أنس مرفوعا: "آية العز: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا). الآية كلها"..
١٠ في ت: "أني تلك"..
١١ في ت: "لا يرى بها"..
١٢ في ت: "فقال قال"..
١٣ في ت: "صلى"..
١٤ في ت: "لم أنزل"..
١٥ مسند أبى يعلى (١٢/٢٣) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٥٢): "وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف"..
١٦ زيادة من ف، أ..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/17.md)
- [كل تفاسير سورة الإسراء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/17.md)
- [ترجمات سورة الإسراء
](https://quranpedia.net/translations/17.md)
- [صفحة الكتاب: تفسير القرآن العظيم](https://quranpedia.net/book/136.md)
- [المؤلف: ابن كثير](https://quranpedia.net/person/7634.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/17/book/136) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
