---
title: "تفسير سورة الإسراء - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/17/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/17/book/350"
surah_id: "17"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الإسراء - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/17/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الإسراء - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/17/book/350*.

Tafsir of Surah الإسراء from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 17:1

> سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [17:1]

لفظ الآية يقتضي أن الله عز وجل أسرى بعبده، وهو محمد عليه السلام، ويظهر أن  أسرى  هي هنا معداة بالهمزة إلى مفعول محذوف تقديره، أسرى الملائكة بعبده، وكذلك يقلق أن يسند  أسرى  وهو بمعنى سرى إلى الله تعالى، إذ هو فعل يعطي النقلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يحسن إسناد شيء من هذا ونحن نجد مندوحة، فإذا صرحت الشريعة بشيء من هذا النحو كقوله في الحديث **«أتيته سعياً، وأتيته هرولة »**[(١)](#foonote-١) حمل ذلك بالتأويل على الوجه المخلص من نفي الحوادث، و  أسرى  في هذه الآية تخرج فصيحة كما ذكرنا ولا تحتاج إلى تجوز قلق فيمثل هذا اللفظ، فإنه ألزم للنقلة من أتيته[(٢)](#foonote-٢) و  أتى الله بنيانهم [(٣)](#foonote-٣) \[ النحل : ٢٦ \] ويحتمل أن يكون  أسرى  بمعنى سرى على حذف مضاف كنحو قوله تعالى  ذهب الله بنورهم [(٤)](#foonote-٤) \[ البقرة : ١٧ \] ووقع الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش عمن رواه عشرين صحابياً، فروى جمهور الصحابة وتلقى جل العلماء منهم أن الإسراء كان بشخصه صلى الله عليه وسلم، وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه، وروى حذيفة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن البراق في بيت المقدس ولا دخله، قال حذيفة ولو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه، وأنه ركب البراق بمكة ولم ينزل عنه حتى انصرف إلى بيته، إلا في صعوده إلى السماء، وقالت عائشة ومعاوية إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارق شخصه مضجعه وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق من ربه عز وجل، وجوزه الحسن وابن إسحاق، والحديث، قال القاضي أبو محمد، مطول في البخاري ومسلم وغيرهما، فلذلك اختصرنا نصه في هذا الباب، وركوب البراق على قول هؤلاء يكون من جملة ما رأى في النوم، قال ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن في كتاب الطبري : البراق هو دابة إبراهيم الذي كان يزور عليه البيت الحرام. 
قال القاضي أبو محمد : يريد أن يجيء من يومه ويرجع وذلك من مسكنه بالشام، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع ولا فضل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني : لا تحدث الناس بهذا فيكذبوك إلى غير هذا من الدلائل، واحتج لقول عائشة بقوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [(٥)](#foonote-٥) \[ الإسراء : ٦٠ \]، ويحتمل القول الآخر لأنه يقال لرؤية العين رؤيا، واحتج أيضاً بأن في بعض الأحاديث : فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام وهذا محتمل أن يريد من الإسراء إلى نوم، واعترض قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدثت عن النبي عليه السلام، وأما معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال صغيراً، ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله : سبحان  مصدر غير متمكن لأنه لا يجري بوجوه الإعراب ولا تدخل عليه الألف واللام ولم يجر منه فعل، وسبح إنما معناه قال سبحان الله فلم يستعمل سبح إلا إشارة إلى  سبحان ، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين وهو معرفة بالعلمية وإضافته لا تزيده تعريفاً، هذا كله مذهب سيبويه فيه، وقالت فرقة : قال القاضي أبو محمد : نصبه على النداء كأنه قال :**«يا سبحان »**، قال القاضي أبو محمد الذي، وهذا ضعيف ومعناه تنزيهاً لله، وروى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة[(٦)](#foonote-٦) أنه قال للنبي صلى الله عليه ولم ما معنى سبحان الله ؟ قال :
**«تنزيهاً لله من كل سوء »**، والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي هو من معناه لا من لفظه إذ يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء " [(٧)](#foonote-٧)، فالتقدير عنده أنزه الله تنزيهاً فوقع  سبحان  مكان قولك تنزيهاً، وقال قوم من المفسرين : أسرى  فعل غير متعد عداه هنا بحرف جر تقول سرى الرجل وأسرى إذ سار بالليل بمعنى، وقد ذكرت ما يظهر في اللفظ من جهة العقيدة، وقرأ حذيفة وابن مسعود **«أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام »**، وقوله من  المسجد الحرام ، قال أنس بن مالك : أراد المسجد المحيط بالكعبة نفسها ورجحه الطبري وقال : هو الذي يعرف إذا ذكر هذا الاسم، وروى الحسن بن أبي الحسن عن النبي عليه السلام أنه قال :**«بينا أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل والملائكة »**، الحديث بطوله. وروى قوم أن ذلك كان بين زمزم والمقام، وروى مالك بن صعصعة عن النبي عليه السلام :**«بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان[(٨)](#foonote-٨) »**، وذكر عبد بن حميد الكشي في تفسيره عن سفيان الثوري أنه قال : أسري بالنبي عليه السلام من شعب أبي طالب، وقالت فرقة : المسجد الحرام  مكة كلها واستندوا إلى قوله تعالى  لتدخلن المسجد الحرام [(٩)](#foonote-٩) \[ الفتح : ٢٧ \] وعظم المقصد هنا إنما هو مكة، وروى بعض هذه الفرقة عن أم هاني أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في بيتي[(١٠)](#foonote-١٠)، وروي بعضها عن النبي عليه السلام، أنه قال :**«خرج سقف بيتي »** وهذا يلتئم مع قول أم هاني، وكان الإسراء فيما قال مقاتل قبل الهجرة بعام، وقاله قتادة، وقيل بعام ونصف، قاله عروة عن عائشة وكان ذلك في رجب، وقيل في ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول والنبي صلى الله عليه وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً، والمتحقق أن ذلك كان بعد شق الصحيفة[(١١)](#foonote-١١)، وقبل بيعة العقبة، ووقع في الصحيحين لشريك بن أبي نمر وهم في هذا المعنى فإنه روى حديث الإسراء فقال فيه : وذلك قبل الوحي إليه، ولا خلاف بين المحدثين أن هذا وهم من شريك[(١٢)](#foonote-١٢)، و  المسجد الأقصى ، مسجد بيت المقدس، وسماه  الأقصى  أي في ذلك الوقت كان أقصى بيوت الله الفاضلة من الكعبة، ويحتمل أن يريد ب  الأقصى  البعيد دون مفاضلة بينه وبين سواه، ويكون المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى هذا البعد في ليلة. 
و **«البركة حوله »** هي من جهتين، إحداهما النبوءة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر وفي نواحيه وبواديه، والأخرى النعم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة التي خص الله الشام بها، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال :**«إن الله بارك فيما بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس »** وقوله : لنريه من آياتنا  يريد لنري محمداً بعينه آياتنا في السماوات والملائكة والجنة والسدرة وغير ذلك مما رآه تلك الليلة من العجائب، ويحتمل أن يريد لنري محمداً للناس آية، أي يكون النبي صلى الله عليه وسلم آية في أن يصنع الله ببشر هذا الصنع وتكون الرؤية على هذا رؤية قلب، ولا خلاف أن في هذا الإسراء فرضت الصلوات الخمس على هذه الأمة. وقوله : إنه هو السميع البصير  وعيد من الله للكفار تكذيبهم محمداً في أمر الإسراء، فهي إشارة لطيفة بليغة إلى ذلك أي  هو السميع  لما تقولون  البصير  بأفعالكم.

١ ورد هذا في حديث قدسي رواه البخاري في التوحيد، ومسلم في التوبة والذكر، والترمذي في الزهد والدعوات، وابن ماجه في الأدب، والدارمي في الرقاق، وأحمد في مواضع كثيرة من مسنده، ولفظه كما في مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)..
٢ يريد (أتيته) التي في الحديث القدسي، وفيها مع الانتقال والحركة..
٣ من الآية (٢٦) من سورة (النحل)، وقد نقل صاحب (البحر المحيط) كلام ابن عطية هذا عن (أسرى)، ثم عقب عليه بقوله: "وإنما احتاج ابن عطية إلى هذه الدعوى اعتقادا منه بأنه إذا كان (أسرى) بمعنى (سرى) لزم من كون الباء للتعدية مشاركة الفاعل للمفعول، وهذا شيء ذهب إليه المبرد، فإذا قلت: "قمت بزيد" لزم منه قيامك وقيام زيد عنده، وهذا ليس كذلك، التبست عند باء التعدية بباء الحال، فباء الحال يلزم فيه المشاركة، إذ المعنى: قمت ملتبسا بزيد، وباء التعدية مرادفة للهمزة، فقولك: "قمت بزيد" والباء للتعدية مثل قولك: "أقمت زيدا"، ولا يلزم من إقامتك إياه أن تقوم أنت، اهـ بتصرف..
٤ من الآية (١٧) من سورة (البقرة). قال أبو حيان في البحر: "يعني أن يكون التقدير: سرت ملائكته بعبده، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا مبني على أنه يلزم المشاركة والباء للتعدية"..
٥ من الآية (٦٠) من هذه السورة (الإسراء)..
٦ هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، كان دهاة قريش، وكان يقال له ولأبي بكر: القرينان، ويقال له: "طلحة الجود" و"طلحة الخير"، و"طلحة الفياض"، وكل ذلك لقبه به النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبات مختلفة، ودعاه مرة: "الصبيح المليح الفصيح"، أصيب في أُحد بعد أن ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم بأربعة وعشرين جرحا، قتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة رضي الله عنهما، ودفن بالبصرة، له ٣٨ حديثا..
٧ القرفصاء: جلسة المحتبي بيديه، وهي أن يجلس على أليتيه ويلصق فخديه ببطنه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه. والصماء: ضرب من الاشتمال، واشتمال الصماء أن تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسيتهم، وهو أن يرد العربي الكساء من ناحية يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا..
٨ أخرجه ابن إسحق، وابن جرير، وابن المنذر، قال في (الدر المنثور): "عن الحسن بن الحسين رضي الله عنه"، والذي في تفسير ابن جرير: "عن الحسن بن أبي الحسن" – واللفظ فيهما: "بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني برجله فجلست"... الخ..
٩ من الآية (٢٧) من سورة (الفتح)..
١٠ أخرجه الطبراني، وابن مردويه، عن أم هاني رضي الله عنها، وأخرج نجوه أبو يعلى وابن عساكر، وأخرج أيضا نحوه ابن إسحق، وابن جرير (الدر المنثور)..
١١ روى ابن إسحق أن قريشا حين رأت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وبعد إسلام عمر وحمزة، فاجتمعت قريش، وائتمرت على أن تكتب فيما بينها كتابا تتعاقد فيه قبائلها على بني هاشم، وبني المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا ذلك في صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة. وهذه الصحيفة كانت موضع نقد من أهل العقل في قريش، وانتهت إلى أن شقت ومزقت..
١٢ حديث شريك بن نمير هذا أخرجه البخاري. ومسلم، وابن جرير، وابن مردويه، وقال فيه الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه (الجمع بين الصحيحين(: "هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة – عن أنس- فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث". وقد انتقد رواية شريك هذه أيضا سندا ومتنا الشهاب الخفاجي في كتاب (نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض)..

### الآية 17:2

> ﻿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [17:2]

عطف قوله : وآتينا  على ما في قوله  أسرى بعبده  \[ الإسراء : ١ \] من تقدير الخبر، كأنه قال أسرينا بعبدنا وأريناه آياتنا، و  الكتاب  التوراة، والضمير في  جعلناه  يحتمل أن يعود على  الكتاب  ويحتمل أن يعود على  موسى . وقوله  ألا تتخذوا  يجوز أن تكون ********«أن »******** في موضع نصب بتقدير كراهية أن موضع خفض بتقدير لأن لا تتخذوا، ويجوز أن تكون ********«أن »******** مفسرة بمعنى أي كما قال  أن امشوا واصبروا [(١)](#foonote-١) \[ ص : ٦ \] فهي في هذا مع أمر موسى وهي في آياتنا هذه مع نهي، والمعنى مع هذه التقديرات فعلنا ذلك لئلا تتخذوا يا ذرية، ويحتمل أن يكون  ذرية  مفعولاً، ويحتمل أن تكون ********«أن »******** زائدة ويضمر في الكلام قول تقديره قلنا لهم : لا تتخذوا، وأما أن يضمر القول ولا تجعل ********«أن »******** زائدة فلا يتجه، لأن ما بعد القول إما يكون جملة تحكى، وإما أن يكون ترجمة عن كلام لا هو بعينه، فيعمل القول في الترجمة كما تقول لمن قال : لا إله إلا الله قلت حقاً، وقوله : ألا تتخذوا  ليس بواحد من هذين، قاله أبو علي وقرأ جمهور الناس **«تتخذوا »** بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده **«ألا يتخذوا »** بالياء على لفظ الغائب، وهي قراءة بن عباس ومجاهد وقتادة وعيسى وأبي رجاء، و **«الوكيل »** هنا فعيل من التوكل أي متوكلاً عليه في الأمور، فهو ند لله بهذا الوجه، قال مجاهد  وكيلاً  شريكاً.

١ من الآية (٦) من سورة (ص)..

### الآية 17:3

> ﻿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [17:3]

وقرأ جمهور الناس **«ذُرية »** بضم الذال وقرأ مجاهد بفتحها، وقرأ زيد بن ثابت وأبان بن عثمان ومجاهد أيضاً بكسرها، وكل هذا بشد الراء والياء، ورويت عن زيد بن ثابت بفتح الذال وتسهيل الراء وشد الياء على وزن فعيلة، و  ذرية  وزنها فعولة، أصلها ذرورة، أبدلت الراء الثانية ياء كما قالوا قصيت شعري أي قصصته، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت ثم كسرت الراء لتناسب الياء، وكل هؤلاء قرؤوا  ذرية  بالنصب، وذلك متجه إما على المفعول ب ****«يتخذوا »**** ويكون المعنى أن لا يتخذ بشر إلهاً من دون الله، وإما على النداء أي يا ذرية، فهذه مخاطبة للعالم، قال قوم : وهذا لا يتجه إلا على قراءة من قرأ **«تتخذوا »** بالتاء من فوق، ولا يجوز على قراءة من قرأ **«ويتخذوا »** بالياء لأن الفعل الغائب والنداء لمخاطب والخروج من الغيبة إلى الخطاب إنما يستسهل مع دلالة الكلام على المراد، وفي النداء لا دلالة إلا على التكلف، وإما على النصب بإضمار أعني وذلك متجه على القراءتين على ضعف النزعة في إضمار أعني، وإما على البدل من قوله  وكيلاً  وهذا أيضاً فيه تكلف، وقرأت فرقة **«ذريةٌ »** بالرفع على البدل من الضمير المرفوع في ****«يتخذوا »**** وهذا إنما يتوجه على القراءة بالياء، ولا يجوز على القراءة بالتاء لأنك لا تبدل من ضمير مخاطب لو قلت : ضربتك زيداً على البدل لم يجز، وقوله : ذرية من حملنا مع نوح  إنما عبر بهذه العبارة عن الناس الذين عناهم في الآية بحسب الخلاف المذكور لأن في هذه العبارة تعديد النعمة على الناس في الإنجاء المؤدي إلى وجودهم، ويقبح الكفر والعصيان مع هذه النعمة، والذين حملوا مع نوح وأنسلوا هم بنوه لصلبه لأنه آدم الأصغر، وكل من على الأرض اليوم من نسله هذا قول الجمهور ذكره الطبري عن قتادة ومجاهد وإن كان معه غيرهم فلم ينسل قال النقاش : اسم نوح عبد الجبار، وقال ابن الكلبي : اسمه فرج، ووصفه ب **«الشكر »** لأنه كان يحمد الله في كل حال وعلى كل نعمة على المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك صلى الله عليه وسلم، قاله سلمان الفارسي وسعيد بن مسعود وابن أبي مريم وقتادة،

### الآية 17:4

> ﻿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [17:4]

وقوله : وقضينا إلى بني إسرائيل  الآية، قال الطبري : معنى  قضينا  فرغنا وحكي عن غيره أنه قال : قضينا  هنا بمعنى أخبرنا، وحكي عن آخرين أنهم قالوا  قضينا  معناه في أم الكتاب. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه : وإنما يلبس في هذا المكان تعدية  قضينا  ب  إلى ، وتلخيص المعنى عندي أن هذا الأمر هو مما قضاه الله تعالى في أم الكتاب على بني إسرائيل وألزمهم إياه ثم أخبرهم به في التوراة على لسان موسى. فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمرين جميعاً في إيجاز، جعل  قضينا  دالة على النفوذ في أم الكتاب، وقرن بها دالة على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابن عباس مرة بأن قال  قضينا إلى بني إسرائيل  معناه أعلمناهم، وقال مرة : معناه قضينا عليهم. و  الكتاب  هنا التوراة لأن القسم في قوله  لتفسدن  غير متوجه مع أن يجعل  الكتاب  هو اللوح المحفوظ، وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية الرياحي **«في الكتب »** على الجمع، قال أبو حاتم : قراءة الناس على الإفراد، وقرأ الجمهور **«لتُفسِدن »** بضم التاء وكسر السين، وقرأ عيسى الثقفي **«لَتفسُدُن »** بفتح التاء وضم السين والدال، وقرأ ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن زيد **«لتُفسَدُن »** بضم التاء وفتح السين وضم الدال. وقوله  ولتعلن  أي لتتجبرون عن طاعة الأمرين بطاعة الله وتطلبون في الأرض العلو والفساد وتظلمون من قدرتم على ظلمة ونحو هذا. 
قال القاضي أبو محمد : ومقتضى هذه الآيات أن الله تعالى أعلم بني إسرائيل في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وطغيان وكفر لنعم الله تعالى عندهم في الرسل والكتب وغير ذلك، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتقتلهم وتذلهم، ثم يرحمهم بعد ذلك، ويجعل لهم الكرّة ويردهم إلى حالهم الأولى من الظهور، فيقع منهم المعاصي وكفر النعم والظلم والقتل والكفر بالله من بعضهم، فيبعث الله عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم وتجليهم جلاء مبرحاً[(١)](#foonote-١)، وأعطى الوجود بعد ذلك هذا الأمر كله وقيل : كان بين **«المرتين »** آخر الأولى وأول الثانية مائتَا سنة وعشر سنين[(٢)](#foonote-٢) ملكاً مؤبداً بأنبياء وقيل سبعون سنة.

١ أي شاقا قاسيا..
٢ في إحدى النسخ: "وعشرين سنة"، و ما في البحرالمحيط يوافق ما أثبتناه..

### الآية 17:5

> ﻿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا [17:5]

الضمير في قوله  أولاهما  عائد على قوله  مرتين  \[ الإسراء : ٤ \] وعبر عن الشر ب ****«الوعد »**** لأنه قد صرح بذكر المعاقبة، وإذا لم يجيء ****«الوعد »**** مطلقاً فجائز أن يقع في الشر، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن **«عبيداً »**، واختلف الناس في العبيد المبعوثين، وفي صورة الحال اختلافاً شديداً متباعداً عيونه : أن بني إسرائيل عصوا وقتلوا زكرياء عليه السلام فغزاهم سنحاريب ملك بابل[(١)](#foonote-١)، وكذا قال ابن إسحاق وابن جبير، وقال ابن عباس : غزاهم جالوت من أهل الجزيرة وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قال في حديث طويل : غزاهم آخراً ملك اسمه خردوس، وتولى قتلهم على دم يحيى بن زكرياء قائد لخردوس اسمه بيورزاذان، وكف عن بني إسرائيل وسكن بدعائه دم يحيى بن زكرياء، وقيل غزاهم أولاً صنحابين ملك رومة، وقيل بختنصر، وروي أنه دخل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم تعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك الملك الأعظم، فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش، وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجدوا الملك قد مات فملك موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك، وقالت فرقة : إنما غزاهم بختنصر في المرة الأخيرة حين عصوا وقتلوا يحيى بن زكرياء، وصورة قتله : أن الملك أراد أن يتزوج بنت امرأته فنهاه يحيى عنها فعز ذلك على امرأته، فزينت بنتها وجعلتها تسقي الملك الخمر وقالت لها : إذا راودك الملك عن نفسك فتمنعي حتى يعطيك الملك ما تتمنين، فإذا قال لك تمني علي ما أردت، فقولي رأس يحيى بن زكرياء : ففعلت الجارية ذلك فردها الملك مرتين وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأس في طست ولسانه يتكلم وهو يقول لا تحل لك، وجرى دم يحيى فلم ينقطع فجعل الملك عليه التراب حتى ساوى سور المدينة والدم ينبعث، فلما غزاهم الملك الذي بعث الله عليهم بحسب الخلاف الذي فيه، قتل منهم على الدم حتى سكن بعد قتل سبعين ألفاً، هذا مقتضى هذا الخبر، وفي بعض رواياته زيادة ونقص، فروت فرقة : أن أشعياء النبي عليه السلام وعظهم في بعض الأمر وذكرهم الله ونعمه في مقام طويل قصة الطبري، وذكر أشعياء في آخره محمداً صلى الله عليه وسلم وبشر به فابتدره بنو إسرائيل، ففر منهم فلقي شجرة فتفلقت له حتى دخلها فالتأمت عليه، فعرض الشيطان عليهم هدبة من ثوبه فأخذوا منشاراً فنشروا الشجرة وقطعوه في وسطها فقتلوه، فحينئذ بعث الله عليهم في المرة الآخرة، وذكر الزهراوي عن قتادة قصصاً، أن زكرياء هو صاحب الشجرة وأنهم قالوا لما حملت مريم : َضَّيع بنت سيدنا حتى زنت فطلبوه فهرب منهم حتى دخل في الشجرة فنشروه، وروت فرقة أن بختنصر كان حفيد سنحاريب الملك الأول، وروت فرقة أن الذي غزاهم آخراً هو سابور ذو الأكتاف[(٢)](#foonote-٢)، وقال أيضاً ابن عباس سلط الله عليهم حين عادوا ثلاثة أملاك من فارس سندابادان وشهريازان، وآخر، وقال مجاهد : إنما جاءهم في الأولى عسكر من فارس **«فجاس خلال الديار »** وتغلب ولكن لم يكن قتال، ولا قتل في بني إسرائيل، ثم انصرفت عنهم الجيوش وظهروا وأمدوا بالأموال والبنين حتى عصوا وطغوا فجاءهم في المرة الثانية من قتلهم وغلبهم على بيضتهم وأهلكهم آخر الدهر، وقوله عز وجل  فجاسوا خلال الديار  وهي المنازل والمساكن. 
وقوله تعالى : وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة  يرد على قول مجاهد إنه لم يكن في المرة الأول غلبة ولا قتال وهل يدخل المسجد إلا بعد غلبة وقتال، وقد قال مؤرج :**«جاسوا خلال الأزقة »**، وقد ذكر الطبري في هذه الآية قصصاً طويلاً منه ما يخص الآيات وأكثره لا يخص وهذه المعاني ليست بالثابت فلذلك اختصرتها، وقوله  بعثنا  يحتمل أن يكون الله بعث إلى ملك تلك الأمة رسولاً يأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر ويحتمل أن يكون عبر بالبعث عما ألقي في نفس الملك الذي غزاه وقرأ الناس **«فجاسوا »** بالجيم، وقرأ أبو السمال **«فحاسوا »** بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قسراً ومنه الحواس، وقيل لأبي السمال إنما القراءة **«جاسوا »** بالجيم فقال **«جاسوا وحاسوا »** واحد. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا يدل على تخير لا على رواية، ولهذا لا تجوز الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ الجمهور :**«خلال »**، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«خللَ »** ونصبه في الوجهين على الظرف.

١ ملك آشور، وهو سنحاريب بن سنجور وخليفته، حمل على بلاد الكلدانيين وأرمينية..
٢ هذا لقب لقب به سابور لأنه أمر بفك أكتاف الأسرى في الحرب، وقد حارب العرب لأنهم حالفوا الروم ضد فارس..
٣ القراءة سنة متبعة، وهي كلها مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قامت قراءة القارىء على الإختيار لا الرواية فهي قراءة غير صحيحة..

### الآية 17:6

> ﻿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [17:6]

وقوله  ثم رددنا لكم الكرة ، الآية عبارة عما قاله الله لبني إسرائيل في التوراة وجعل  رددنا  موضع نرد إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع عبر عن مستقبله بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجلوة الأولى لما وصفنا، فغلبت بنو إسرائيل على بيت المقدس وملكوا فيه، وحسنت حالهم برهة من الدهر، وأعطاهم الله الأموال والأولاد، وجعلهم إذا نفروا إلى أمر أكثر الناس، قال الطبري معناه وصيرناكم أكثر عدد نافر منهم، قال قتادة : كانوا  أكثر نفيراً  في زمن داود عليه السلام، و **«نفير »** يحتمل أن يكون جمع نفر ككلب وكليب، وعبد وعبيد، ويحتمل أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل أي وجعلناكم أكثر نافراً. 
قال القاضي أبو محمد : وعندي أن النفر اسم لا جمع الذي نفر سمي بالمصدر، وقد قال تبع الحميري :\[ المتقارب \]. 
فأكرم بقحطان من والد. . . وحمير أكرم بقوم نفيرا[(١)](#foonote-١)
وقالوا : لا في العير ولا في النفير[(٢)](#foonote-٢)، يريدون جمع قريش الخارج من مكة لا بإذن،

١ تبع الحميري هو حسان بن أسعد أبي كرب الحميري، من أعظم تبابعة اليمن، و (تبع) لقب كان يلقب به الملك الأكبر من ملوك الدولة الحميرية الثانية في اليمن، والمظنون أنه كان في القرن العاشر قبل الهجرة، قيل: إنه هو الذي قضى على قبائل جديس باليمامة، وغزا كثيرا من البلاد، ووصل إلى سمرقند، ودمشق، ومر بمكة، ونفر من عبادة الأصنام. وقد ثار عليه جماعة من قومه فقتلوه. وقحطان: أبو اليمن، وحمير: أبو قبيلة من اليمن، من نسل قحطان، ومنها كانت الملوك في الزمن القديم. وتبع يمدح آباءه وأجداده، والشاهد أن نفيرا اسم للجمع الذي ينفر..
٢ وأول من قال هذا المثل هو أبو سفيان بن حرب، وذلك أنه أقبل بالعير التي لقريش عائدا من الشام، فلما علم بخروج المسلمين له ضرب وجوه العير فساحل بها وترك بدرا على يساره، وكانت قريش قد أقبلت من مكة لنجدته، فأرسل إليهم أبو سفيان يخبرهم أنه قد نجا بالعير ويطلب منهم العودة، ولكن القرشيين أبوا الرجوع، ورجعت بنو زهرة فقط، وصادفت أبا سفيان في عودتها من طريق الساحل، فقال أبو سفيان: يا بني زهرة، لا في العير ولا في النفير، قال الأصمعي: يضرب هذا الرجل يحط أمره ويصغر قدره..

### الآية 17:7

> ﻿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [17:7]

فلما قال الله لهم إني سأفعل بكم هكذا عقب ذلك بوصيتهم في قوله  إن أحسنتم  والمعنى أنكم بعملكم تؤخذون لا يكون ذلك ظلماً ولا تسرعاً إليكم، و  وعد الآخرة  معناه من المرتين المذكورتين، وقوله  ليسوءوا  اللام لام أمر، وقيل المعنى بعثناهم  ليسوءوا  فهي لام كي كلها، والضمير للعباد **«أولي البأس الشديد »**، وقرأ الجمهور :**«ليسوءوا »** بالياء جمع همزة وبين واوين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر **«ليسوءَ »** بالياء وهمزة مفتوحة على الإفراد، وقرأ الكسائي، وهي مروية عن علي بن أبي طالب **«لنسوء »** بنون العظمة[(١)](#foonote-١)، وقرأ أبي بن كعب **«لنسوءن »** بنون خفيفة، وهي لام الأمر[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ علي بن أبي طالب **«ليسوءن »**، وهي لام القسم والفاعل الله عز وجل، وفي مصحف أبي بن كعب **«ليُسيء »** بياء مضمومة بغير واو، وفي مصحف أنس **«ليسوء وجهكم »** على الإفراد، وخص ذكر **«الوجوه »** لأنها المواضيع الدالة على ما بالإنسان من خير أو شر، و  المسجد  مسجد بيت المقدس، و ****«تبر »**** معناه أفسد بقسم وركوب رأس، وقوله  ما علوا  أي ما غلبوا عليه من الأقطار وملكوه من البلاد[(٣)](#foonote-٣)، وقيل  ما  ظرفية والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد، و ****«تبر »**** معناه رد الشيء فتاتاً كتبر الذهب والحديد، ونحوه وهو مفتتة.

١ ومعنى هذا أن الفاعل مضمر، ويعود على الله تعالى، أو على الوعد، أو على البعث الدال عليه جملة الجزاء المحذوفة..
٢ قال أبو الفتح ابن جني: "كما تقول: إذا سألتني فالأعطك، كأنك تأمر نفسك، ومعناه: فلأعطينك، واللامان بعده للأمر أيضا: وهما: وليدخلوا المسجد. \[وليتبروا\]، ويقوي ذلك أنه لم يأت لإذا جواب فيما بعد، فدل على أن تقديره: فلنسوأن وجوهكم"..
٣ معنى هذا أن \[ما\] مفعول به في هذا التقدير، أما في التقدير التالي فهي ظرفية كما قال ابن عطية..

### الآية 17:8

> ﻿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [17:8]

يقول الله عز وجل لبقية بني إسرائيل  عسى ربكم  إن أطعتم في أنفسكم واستقمتم  أن يرحمكم ، و  عسى  ترجّ في حقهم وهذه العدة ليست برجوع دولة وإنما هي بأن يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد فلم يفعلوا وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقاب الله فضرب عليهم الذل وقتلهم وأذلهم بيد كل أمة، وهنا قال ابن عباس سلط عليهم ثلاثة ملوك، و ****«الحصير »**** فعيل من الحصر فهو بمعنى السجن أي يحصرهم، وبنحو هذا فسر مجاهد، وقتادة وغيرهما، ويقال ****«الحصير »**** أيضاً من الحصر للملك ومنه قول لبيد :\[ الكامل \]
ومقامة غلب الرقاب كأنهم. . . جن لدى باب الحصير قيام[(١)](#foonote-١)
ويقال لجنى الإنسان الحصيران لأنهما يحصرانه ومنه قول الطرماح :\[ الطويل \]
قليلاً تتلى حاجة ثم غولبت. . . على كل معروش الحصيرين بادن[(٢)](#foonote-٢)
وقال الحسن البصري في الآية : أراد ما يفترش ويبسط كالحصير المعروف عن الناس[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : وذلك الحصير أيضاً هو مأخوذ، من الحصر،

١ البيت من قصيدة قالها لبيد يفتخر، وهو في الديوان، وفي اللسان (حصر)، وفي (مجاز القرآن) لأبي عبيدة، ورواية اللسان (وقماقم غلب)، ورواية الديوان: (لدى طرف الحصير). والمقامة: أهل المجلس، وغلب الرقاب: غلاظ الأعناق كالأسود، والحصير: الملك، قيل له: حصير لأنه محجوب عن الناس، وهذا موضع الاستشهاد هنا. أما كلمة (قماقم) فمعناها العدد الكثير. وقد أشار في اللسان إلى الرواية الأخرى، قال: "الجوهري: ويروى (ومقامة غلب الرقاب) على أن يكون (غلب الرقاب) بدلا من (مقامة)، كأنه قال: ورب غلب الرقاب"..
٢ البيت للطرماح بن حكيم، ومعنى الطرماح: الطويل القامة، وهو من فحول الشعراء الإسلاميين، نشأ بالشام، وانتقل إلى الكوفة، واعتقد مذهب الأزارقة الشراة، وهم من الخوارج. والبيت في الديوان، وتتلى: تتبع، يقال: تلى الرجل صلاته: أتبع المكتوبة التطوع، أو أتبع الصلاة الصلاة. و تتلى أيضا: بقي بقية من دينه (راجع اللسان)، وعليت: ذهب بها إلى العالية. والحصيران: جنبا الانسان، سميا بذلك لأنهما يحصرانه، وهذا موضع استشهاد ابن عطية بالبيت، والبادن: السمين، يقال للذكر والأنثى، وقد يقال للأنثى: بادنة، والجمع بدن وبدَّن..
٣ وهو الذي يبسط في البيوت، وهو منسوج من بردي وأسل، سمي حصيرا لأنه حصرت طاقته بعضها مع بعض، ولهذا أشار المؤلف في كلامه، وفي الحديث الشريف أنه صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه: (أفضل الجهاد وأكمله حج مبرور ثم لزوم الحصير)، أي لزوم البيوت بعد أداء فريضة الحج. ويجمع الحصير على حصر. وعلى هذا المعنى في (الحصير) يكون معنى الآية أن جهنم صارت للكافرين فراشا ومهادا، قال الثعلبي، وهو وجه حسن..

### الآية 17:9

> ﻿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [17:9]

وقوله تعالى : إن هذا القرآن  الآية،  يهدي  في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو، و  التي  يريد بها الحالة والطريقة، وقالت فرقة،  للتي هي أقوم  لا إله إلا الله. 
قال القاضي أبو محمد : والأول أعم وكلمة الإخلاص وغيرها من الأقوال داخلة في الحال **«التي هي أقوم »** من كل حال تجعل بإزائها، والاقتصار على  أقوم  ولم يذكر من كذا إيجاز، والمعنى مفهوم، أي  للتي هي أقوم  من كل ما غايرها فهي النهاية في القوام، وقيد المؤمنين بعمل الصالحات إذ هو كمال الإيمان وإن لم يكن في نفسه، والمؤمن المفرط في العمل له بإيمانه حظ في عمل الصالحات : و **«الأجر الكبير »** الجنة، وكذلك حيث وقع في كتاب الله فضل كبير وأجر كبير فهو الجنة، وقوله  أن  الأولى في موضع نصب ب  يبشر ، و  أن  الثانية عطف على الأولى، وهي داخلة في جملة بشارة المؤمنين، بشرهم القرآن بالجنة، وأن الكفار لهم عذاب أليم، وذلك أن علم المؤمنين بهذا مسرة لهم، وفي هذه البشارة وعيد للكفار بالمعنى، هذا الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وقرأ الجمهور، **«ويُبَشِّر »** بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين، وقرأ ابن مسعود ويحيى ين وثاب وطلحة **«ويَبْشُر »** بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين،

### الآية 17:10

> ﻿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [17:10]

و  أعتدنا  معناه أحضرنا وأعددنا ومنه العتاد، و **«الأليم »** الموجع،

### الآية 17:11

> ﻿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [17:11]

وقوله  ويدع الإنسان  الآية، سقطت الواو من  يدع  في خط المصحف لأنهم كتبوا المسموع، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد : هذه الآية نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في وقت الغضب والضجر، فأخبر الله أنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما تدعون بالخير في وقت التثبت، فلو أجاب الله دعاءهم أهلكهم، لكنه يصفح ولا يجيب دعاء الضجر المستعجل، ثم عذر بعض العذر في أن الإنسان له عجلة فطرية، و  الإنسان  هنا قيل يريد به الجنس بحسب ما في الخلق من ذلك قاله مجاهد وغيره، وقال سلمان الفارسي وابن عباس : إشارته إلى آدم في أنه لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقيه أعجبته نفسه فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك فلم يقدر وأشارت ألفاظ هذه الآية إلى هذا والمعنى فأنتم ذووعجلة موروثة من أبيكم، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أسيراً في قيْد في بيت سودة بنت زمعة فسمعت سودة أنينه فأشفقت فقالت له ما بالك ؟ فقال : ألم القيد، فقالت : فأرخت من ربطه فسكت، ثم نامت، فتحيل في الانحلال وفر، فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصبح، فأخبر الخبر، فقال قطع الله يدها ففزعت سودة ورفعت يديها نحو السماء وهي تخاف الإجابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
**«إن الله قد جعل دعائي في مثل هذا رحمة على المدعو عليه، لأني بشر أغضب وأعجل، فلترد سودة يديها »**[(١)](#foonote-١)، وقالت فرقة هذه الآية نزلت في شأن قريش الذين قالوا  اللهم إن كان الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [(٢)](#foonote-٢) \[ الأنفال : ٣٢ \]، وكان الأولى أن يقولوا فاهدنا إليه وارحمنا به فذمهم الله تعالى في هذه الآية بهذا، وقالت فرقة : معنى هذه الآية : معاتبة الناس على أنهم إذا نالهم شر وضرعوا وألحوا في الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير ويلتزمه من ذكر الله وحمده والرغبة إليه، لكنه يقصر حينئذ، فإذا مسه ضر ألح واستعجل الفرج، فالآية على هذا من نحو قوله تعالى : وإذا مس الإنسان الضر دعَانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضُر مسه [(٣)](#foonote-٣) \[ يونس : ١٢ \].

١ ذكر القرطبي هذا الخبر ثم قال: "ذكره القشيري أبو نصر رحمه الله"، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة)..
٢ من الآية (٣٢) من سورة (الأنفال)..
٣ من الآية (١٢) من سورة (يونس)..

### الآية 17:12

> ﻿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [17:12]

**«الآية »** العلامة المنصوبة للنظر والعبرة، وقوله  فمحونا  قالت فرقة : سبب تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر محاه جبريل بجناحيه ثلاثة مرات فمن هنالك كلَفُه وكونه منيراً فقط، وقالت فرقة، وهو الظاهر : إن قوله  فمحونا  إنما يريد في أصل خلقته، وهذا كما تقول بنيت داري فبدأت بالأس[(١)](#foonote-١)، ثم تابعت فلا تريد بالفاء التعقيب، وظاهر لفظ الآية يقتضي أربع آيات لا سيما لمن بنى على أن القمر هو الممحو والشمس هي المبصرة، فأما إن قدر الممحو في إظلام الليل والإبصار في ضوء النهار أمكن أن تتضمن الآية  آيتين  فقط، على أن يكون فيها طرف من إضافة الشيء إلى نفسه، وقوله  مبصرة  مثل قولك ليل قائم ونائم أي ينام فيه ويقام، فكذلك **«آية مبصرة »** أي يبصر بها ومعها، وحكى الطبري عن بعض الكوفيين أنه قال : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : سلوا عما شئتم فقال ابن الكوّا : ما السواد الذي في القمر ؟ فقال له علي : قاتلك الله هلا سألت عن أم دينك وآخرتك ذلك محو الليل وجعل الله تعالى النهار مبصراً ليبتغي الناس الرزق، وفصل الله، وجعل القمر مخالفاً للشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر وللأيام، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس، وقوله  كل شيء  منصوب بفعل مضمر يدل عليه الظاهر تقديره وفصلنا كل شيء فصلناه تفصيلاً وقيل : و  كل  عطف على  والحساب  فهو معمول  لتعلموا ، والتفصيل البيان بأن تذكر فصول ما بين الأشياء وتزال أشباهها حتى يتميز الصواب من الشبه العارضة فيه، 
١ الآس، والأس، والإس: الأساس، وهو قاعدة البناء التي يقام عليها..

### الآية 17:13

> ﻿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [17:13]

وقوله  وكل إنسان ألزمناه طائره  الآية، قوله  كل  منصوب بفعل مقدر، وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد ؛ **«طيره في عنقه »**، قال ابن عباس  طائره  ما قدر له وعليه، وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف، وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة[(١)](#foonote-١) وكثر ذلك حتى فعلته بالظبا وحيوان الفلاة، وسميت ذلك كله تطيراً، وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر، فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر قد سبق به القضاء. وألزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه، وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :****«لا عدوى ولا طيرة »****  وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان ب **«الطائر »**، قال مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير، وقولهم في أمور على الطائر الميمون، وبأسعد طائر ومنه طار في المحاجة والسهم[(٢)](#foonote-٢) كقول أم العلا الأنصارية فطار لنا من القادمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة عثمان بن مظعون[(٣)](#foonote-٣)، أي كان ذلك حظنا، وأصل هذا كله من الطير التي تقضي عندهم بلقاء الخير والشر وأبطل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ****«لا عدوى ولا طيرة »****[(٤)](#foonote-٤)، وقوله  في عنقه  جرى أيضاً على مقطع العرب في أن تنسب ما كان إلزاماً وقلادة وأمانة ونحو هذا إلى العنق كقولهم : دمي في عنق فلان وكقول الأعشى :
والشعر قلدته سلامة ذا. . . فائش والشيء حيثما جعلا[(٥)](#foonote-٥)
وهذا كثير، ونحوه جعلهم ما كان تكسباً وجناية وإثماً منسوباً إلى اليد إذ هي الأصل في التكسب، وقرأ أبو جعفر ونافع والناس **«ونخرج »** بنون العظمة ********«كتاباً »******** بالنصب، وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن : و **«يخرُج »** بفتح الياء وضم الراء على الفعل المستقبل ********«كتاباً »******** أي طائره الذي كني به عن عمله يخرج له ذا كتاب، وقرأ الحسن من هؤلاء **«كتابٌ »** بالرفع، وقرأ أبو جعفر أيضاً **«ويُخرَج »** بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله، ********«كتاباً »******** أي طائره، وقرأ أيضاً ********«كتاباً »******** وقرأت فرقة **«ويُخرِج »** بضم الياء وكسر الراء أي يخرج الله، وفي مصحف أبي بن كعب **«في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً »**، وهذا الكتاب هو عمل الإنسان وخطيئاته[(٦)](#foonote-٦)، وقرأ الجمهور **«يَلْقاه »** بفتح الياء وسكون اللام وخفة القاف، وقرأ ابن عامر[(٧)](#foonote-٧) وحده، **«يُلَقّاه »** بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف وهي قراءة الحسن بخلاف، وأبي جعفر والجحدري،

١ السانح: ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك، والبارح: ما أتاك من ذلك عن يسارك..
٢ أي في الاقتسام والتخصيص، أو في الاختيار وفي حديث رويفع: إن كان أحدنا ليطير له النصل وللآخر القدح، معناه أن الرجلين كانا يقتسمان السهم، فيقع لأحدهما نصله وللآخر قدحه..
٣ حديث أم العلاء أخرجه البخاري في الجنائز والتعبير، وأحمد (٦ـ٤٣٦)، ففي البخاري، عن ابن شهاب، قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء – امرأة من الأنصار – بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا..
٤ أخرجه البخاري في الطب، ومسلم في السلام، وأبو داود في الطب، وابن ماجه في المقدمة والطب، وأحمد في مواضع كثيرة من مسنده، ولفظه كما في بعض روايات مسلم، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل، قال: قيل: وما الفـأل؟ قال: الكلمة الطيبة)، وفي رواية: (وأحب الفأل الصالح)..
٥ البيت من قصيدة للأعشى يمدح سلامة ذا فائش، ومطلعها:
 إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر ما مضى مهلا
 **وقبله يقول:** 
 يا خير من يركب المطي و لا يشرب كأسا بكف من بخلا.
 والتفضال: الإحسان، وأن يكون للإنسان فضل على غيره في القدر والمنزلة..
٦ قال الطبري: "وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: \[ونخرج\] بالنون وضمها ؛ لأن الخبر جرى قبل ذلك عن الله تعالى أنه الذي ألزم خلقه ما ألزم من ذلك، فالصواب أن يكون الذي يليه خبرا عنه، أنه هو الذي يخرجه لهم يوم القيامة، أن يكون بالنون كما كان الخبر الذي قبله بالنون"..
٧ أي : قرأ وحده من السبعة، وإلا فقد قرأ بها غيره كالحسن، والجحدري..

### الآية 17:14

> ﻿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [17:14]

وقوله  اقرأ كتابك  حذف من الكلام يقال له اختصار الدلالة الظاهرة عليه، و **«الحسيب »** الحاسب ونصبه على التمييز، وأسند الطبري عن الحسن أنه قال : يا بن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أو قلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً  اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذه الألفاظ التي ذكر يكون الطائر ما يتحصل مع آدم من عمله في قبره فتأمل لفظه، وهذا هو قول ابن عباس وقال قتادة في قوله : اقرأ كتابك  إنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ.

### الآية 17:15

> ﻿مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا [17:15]

معنى هذه الآية أن كل أحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره، وروي أن سببها أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لأهل مكة : اكفروا بمحمد وإثمكم علي، فنزلت هذه الآية، أي إن الوليد لا يحمل إثمكم وإنما إثم كل واحد عليه، وقالت فرقة نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسد[(١)](#foonote-١)، والإشارة بالضلال إلى الوليد بن المغيرة، و  وزر  معاه حمل، والوزر الثقل[(٢)](#foonote-٢)، ومنه وزير السلطان أي يحمل ثقل دولته، وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الرد على من قال : إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه، ونكتة ذلك المعنى إنما هي أن التعذيب إنما يعنّ إذا كان البكاء من سنة الميت، وسببه كما كانت العرب تفعل[(٣)](#foonote-٣) وقوله  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  قالت فرقة هي الجمهور : هذا في حكم الدنيا، أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا من بعد الرسالة إليهم والإنذار، وقالت فرقة : هذا عام في الدنيا والآخرة. 
قال القاضي أبو محمد : وتلخيص هذا المعنى : أن مقصد الآية في هذا الموضع الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد ما يجيء بعد من وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى [(٤)](#foonote-٤) \[ الملك : ٨-٩ \]، وظاهر  كلما  \[ الملك : ٨ \] الحصر، وكقوله تعالى : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [(٥)](#foonote-٥) \[ فاطر : ٢٤ \]، وأما من جهة النظر فإن بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد وبَثِ المعتقدات في نبيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر يوجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضاً يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم، وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ولا يقتضيه ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليس دار تكليف،

١ هو أبو سلمة بن عبد الأسد، بن هلال، بن عبد الله، بن عمر، بن مخزوم، المخزومي، أحد السابقين إلى الإسلام، اسمه عبد الله، وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم، كان ممن هاجر بامرأته أم سلمة بن أبي أمية إلى الحبشة، ثم شهد بدرا بعد أن هاجر الهجرتين، ومات من جرح جرحه يوم أحد، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته أم سلمة رضي الله عنهما (الإصابة والاستيعاب)..
٢ في بعض النسخ: و "وزر" معناها: حمل الوزر، أي: الثقل..
٣ الذي قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه هو ابن عمر رضي الله عنهما. قال العلماء: ولا وجه لإنكار السيدة عائشة رضي الله عنها؛ فإن الرواة لهذا المعنى كثير، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابنه، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية فلا وجه لتخطئتهم، ولأنه لا معارضة بين الآية والحديث، فإن الحديث محمول على ما إذا كان البكاء من وصية الموت وسنته كما كانت العرب تفعل، وقد ذكر ابن عطية هذا، ومنه قول طرفة: 
 إذا مت فانعيني بما أنا أهلــــه وشقي علي الجيب يا بنت معبد
 وقول غيره موصيا بأن يمتد البكاء عليه حولا كاملا:
 إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
 وقد نحا إلى هذا الرأي الإمام البخاري..
٤ من الآيتين (٨، ٩) من سورة (الملك)..
٥ من الآية (٢٤) من سورة (فاطر)..

### الآية 17:16

> ﻿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [17:16]

وقوله  وإذا أردنا أن نهلك قرية  الآية، في مصحف أبي **«بعثنا أكابر مجرميها »**، و **«القرية »**، المدينة المجتمعة مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته وليست من قرأ الذي هو مهموز، وإن كان فيها جمعاً معنى الجمع، وقرأ الجمهور **«أمَرنا »** على صيغة الماضي من أمر ضد نهي، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، ****«آمرنا »**** بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب : أمر القوم إذا كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف :********«أمّرنا »******** بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الطبري، : القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، قال القاضي أبو محمد : قال أبو علي الفارسي : الجيد في ****«آمرنا »**** أن تكون بمعنى كثرنا فتعدي الفعل بلفظه غير متعد كما تقول رجع ورجعته وشتر عينه وشترتها[(١)](#foonote-١) فتقول آمر القوم وآمرهم الله أي كثرهم[(٢)](#foonote-٢)، قال **«وآمرنا »** مبالغة في **«أمرنا »** بالهمزة، و ********«أمّرنا »******** مبالغة فيه بالتضعيف، ولا وجه لكون ********«أمّرنا »******** من الإمارة لأن رياستهم لا تكون إلا واحداً بعد واحد والإهلاك إنما يكون في مدة واحد منهم. 
قال القاضي أبو محمد : وينفصل عن هذا الذي قاله أبو علي بأن الأمر وإن كان يعم المترف وغيره فخص المترف بالذكر إذ فسقه هو المؤثر في فساد القرية وهم عظم الضلالة، وسواهم تبع لهم وأما ********«أمّرنا »******** من الإمارة فمتوجه على وجهين، أحدهما أن لا يريد إمارة الملك بل كونهم يأمرون ويؤتمر لهم، فإن العرب تقول لمن يأمر الإنسان وإن لم يكن ملكاً هو أميره، ومنه قول الأعشى :\[ المتقارب \]
إذا كان هادي الفتى في البلاد. . . صدر القناة أطاع الأميرا[(٣)](#foonote-٣)
ومنه قول معاوية لعمر رضي الله عنه حين أمره بالاستقادة من لطمة عمرو بن العاص، إن علي أميراً لا أقطع أمراً دونه، أراد معاوية رضي الله عنه أباه وأراد الأعشى أنه إذا شاخ الإنسان وعمي واهتدى بالعصا أطاع كل من يأمره، ومنه قول الآخر :\[ الكامل \]
والناس يلحون الأمير إذ هم. . . خطئوا الصواب ولا يلام المرشد[(٤)](#foonote-٤)
وأيضاً فلو أراد إمارة الملك في الآية لحسن المعنى، لأن الأمة إذا ملك الله عليها مترفاً ففسق ثم ولي مثله بعده، ثم كذلك عظم الفساد وتوالى الكفر واستحقوا العذاب فنزل بهم على الرجل الأخير من ملوكهم[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ الحسن ويحيى بن عمر **«أمِرنا »** بكسر الميم وحكاها النحاس عن ابن عباس، ولا أتحقق وجهاً لهذه القراءة إلا إن كان أمر القوم يتعدى بلفظه، فإن العرب تقول آمر بنو فلان إذا كثروا، ومنه قول لبيد :
إن يغبُطوا يهبطوا وإن أمروا. . . يوماً يصيروا للقل والنفد[(٦)](#foonote-٦)
ومنه : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة[(٧)](#foonote-٧)، ورد القراء هذه القراءة، وقد حكي أمر متعدياً عن أبي زيد الأنصاري، و **«المترف »** الغني من المال المتنعم، والترفه النعمة، وفي مصحف أبي بن كعب :**«قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها »**، وقوله  فحق عليها القول  أي وعيد الله لها الذي قاله رسولهم، والتدمير الإهلاك، مع طمس الآثار وهدم البناء، ومنه قول الفرزدق :\[ المتقارب \]
وكان لهمْ ككبرِ ثمود لمّا. . . رغا دهراً فدمرهم دمارا[(٨)](#foonote-٨)

١ شترت عينه: انشقت، وشترتها: شققتها وجعلتها شتراء..
٢ استدل أبو عبدة على صحة هذه اللغة بما جاء في الحديث الشريف: (خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة )، أي: خير المال مهرة كثيرة النسل، وسكة - أي طريقة مصطفة من النخل – مأبورة، أي ملقحة. وقد أنكر بعض العلماء هذا، وقالوا: إنما قيل: (مأمورة)، على الإتباع، لمجيء (مأبورة) بعدها، كما جاء: (ارجعن مأزورات غير مأجورات)، فقد همزت (مأزورات) لأن (مأجورات) جاءت بعدها مهموزة..
٣ البيت من قصيدة للأعشى يمدح هوذة بن علي الحنفي، وفي مطلعها يقول:
 غشيت لليلى بليل خدورا وطالبت ونذرت النذورا
 والهادي: المرشد، والقناة هنا: العصى التي يحملها الأعمى ليتجسس بها الطريق، يقول: إذا كبر الفتى وأصابه العمى، واعتمد على عصاه في سيره فإنه يطيع كل من يأمره أو ينصحه بأمر في سيره، فقد جعل النصيحة هنا أمرا، وجعل المرشد الناصح أميرا، لأنه يأمر فيطاع..
٤ يلحون: يلومون ويشتمون أو ينازعون ويخاصمون، وفي الحديث: (نهيت عن ملاحاة الرجال)، أي: نهيت عن مخاصمتهم ومنازعتهم، وخطيء الرجل يخطأ خطأ على فعلة: أذنب. يقول: إن الناس يلومون الناصح الذي يرشدهم عندما يخطئون، وهذا عيب كبير فيهم فإن من العقل ألا يلام الناصح المرشد، فقد سمي الناصح أميرا..
٥ في صحيح الترمذي: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)، وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم)، فالعذاب يعم، وهو للفاسقين نقمة، وللمؤمنين طهرة..
٦ قال لبيد هذا البيت من قصيدة يرثي بها أربد بن قيس بن جزء، وكان أخا للبيد من الأم، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عامر بن الطفيل، وجابر بن سلمى، وعرض عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام فلم يسلموا، وتوفي عامر بالطاعون، وأصابت أربد صاعقة فأحرقته. ويروى البيت: "يصيروا للهلك والنكد"، ويروى: "يوما فهم للفناء والنفد"، والغبطة: تمني مثل ما للإنسان من النعمة من غير أن يراد زوالها عنه. ويهبطوا: يموتوا، وأمروا: كثروا، والقل: القلة، والنفد : الفناء. والشاهد أن أمروا بمعنى: كثروا..
٧ كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم "ابن أبي كبشة"، شبهوه بأبي كبشة، وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان، أو هي كنية وهب بن عبد مناف جده صلى الله عليه وسلم لأمه، لأنه كان ينزع إليه في الشبه، وقيل: هي كنية زوج حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم. والذي قال ذلك هو أبو سفيان بن حرب، قال: "لقد أمر أمْرُ ابن أبي كبشة وارتفع شأنه"..
٨ البيت من قصيدة قالها يرد على جرير فيناقضه، وقبله يقول- وهو مطلع القصيدة: - 
 جر المخزيات على كليب جرير ثم ما منع الدمارا
 والبكر: الفتي من الإبل، ويريد به هنا الفصيل الذي خرج لثمود بعد أن عقروا أمه الناقة التي جعلها الله هي وابنها آية لثمود، وجعل الماء قسمة بينهم وبين الناقة، فلما عقروها خرج عليهم الفصيل فرغا، وكانت النتيجة هي دمارهم عن آخرهم، يشبه جريرا في قومه كليب بهذا الفصيل في ثمود..

### الآية 17:17

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:17]

وقوله  وكم أهلكنا  الآية  كم  في موضع نصب ب  أهلكنا  وهذا الذكر لكثرة من أهلك الله  من القرون  مثال لقريش ووعيد، أي لستم ببعيد مما حصلوا فيه من العذاب إذا أنتم كذبتم نبيكم، واختلف الناس في القرن، فقال ابن سيرين : عن النبي عليه السلام أربعون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال عبد الله بن أبي أوفى[(١)](#foonote-١) القرن مائة وعشرون سنة، وقالت طائفة القرن مائة سنة، وهذا هو الأصح الذي يعضده الحديث في قوله عليه السلام **«خير الناس قرني »**[(٢)](#foonote-٢)، وروى محمد بن القاسم في ختنه عبد الله بن يسر، قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي، وقال سيعيش هذا الغلام قرناً قلت : كم القرن ؟ قال مائة سنة، قال محمد بن القاسم، فما زلنا نعد له حتى أكمل مائة سنة ثم مات رحمه الله[(٣)](#foonote-٣)، والباء في قوله  بربك  زائدة التقدير وكفى بربك، وهذه الباء إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم وكأنها تعطي معنى اكتف بربك أي ما أكفاه في هذا، وقد تجيء  كفى  دون باء كقول الشاعر :\[ الطويل \]
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا[(٤)](#foonote-٤). . . وكقول الآخر :\[ الطويل \]
ويخبرني عن غائب الأمر هديه. . . كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا[(٥)](#foonote-٥)

١ عبد الله بن أبي أوفى، اسمه علقمة بن خالد الحارث الأسلمي، صحابي، شهد الحديبية، وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مات سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. (تقريب التهذيب)..
٢ أخرجه البخاري في الشهادات، وفضائل الصحابة، والرقاق، والإيمان، وأخرجه الترمذي في الفتن، والشهادات، والمناقب، وابن ماجه في الأحكام، والإمام أحمد في أكثر من موضع، ولفظه كما جاء فيه (١- ٣٧٨)، عن عبد الله، قال: قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يأتي بعد ذلك قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم وأيمانهم شهاداتهم)..
٣ أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عبد الله الحسن بن أيوب الحضرمي، قال: أراني عبد الله بن بسر شامة في قرنه، فوضعت إصبعي عليها، فقال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعه عليها ثم قال: (لتبلغن قرنا)، قال عبد الله: وكان ذا ُحَّمة. وروى البخاري في التاريخ الصغير، عن عبد الله بن بسر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يعيش هذا الغلام قرنا)، فعاش مائة سنة، وروى البخاري في الصحيح من طريق حريز بن عثمان: سألت عبد الله بن بسر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض. هذا والختن: كل من كان قبل المرأة كأبيها وأخيها وكذلك زوج البنت، وزوج الأخت..
٤ هذا عجز بيت قاله سحيم عبد بني الحسحاس، والبيت بتمامه:
 عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإٌسلام للمرء ناهيا
 وهو في الديوان، وابن يعيش، وشرح شواهد المغني، والعيني. وعميرة: تصغير عمرة وهي مؤنث عمر واحد عمور الأسنان أي أصولها. وقيل: إن العمرة هي الشذرة من الخرز يفصل بها النظم، وبها سميت المرأة عمرة، وقيل: العمرة: خرزة الحب، وفي (طبقات ابن سلام) أن الشاعر أنشد عمر بن الخطاب بيته هذا، فقال له: لو قلت شعرك مثل هذا أعطيتك عليه، فلما قال الأبيات التي بعده وفيها من الغزل الجنسي ما فيها قال له عمر رضي الله عنه: ويلك إنك مقتول. وروي عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل بهذا الشعر فقال: "كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا"، فقال له أبو بكر: إنما قال الشاعر: كفي الشيب والإسلام للمرء ناهيا، فأعادها النبي صلى الله عليه وسلم كالأول، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أشهد إنك لرسول الله وما علمناه الشعر وما ينبغي له..
٥ عزا البيت لزيادة بن زيد العدوي، والهدي: الطريقة والسيرة، يقال: فلان حسن الهدي والهدية، أي: الطريقة والسيرة، يقول: إن فعل الإنسان وسيرته في الحياة يرشداني عما يخبثه في سريرته، والشاهد أن (كفى) جاءت بدون الباء..

### الآية 17:18

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [17:18]

المعنى من كان يريد الدنيا العاجلة ولا يعتقد غيرها ولا يؤمن بآخرة فهو يفرغ أمله ومعتقده للدنيا، فإن الله يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا المريد أو ما يشاء الله على قراءة من قرأ ****«نشاء »**** بالنون، وقوله  لمن يريد  شرط كاف على القراءتين ثم يجعل الله جهنم لجميع مريدي العاجلة على جهة الكفر من أعطاه فيها ما يشاء ومن حرمه، قال أبو إسحاق الفزاري المعنى لمن نريد هلكته، وقرأ الجمهور :****«نشاء »**** بالنون، وقرأ نافع أيضاً **«يشاء »** بالياء، و **«المدحور »** المهان المبعد المذلل المسخوط عليه.

### الآية 17:19

> ﻿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [17:19]

وقوله  ومن أراد الآخرة  الآية، المعنى ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها وإيمان بها وبالله ورسالاته. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك كله مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك يشكر الله سعيهم ولا يشكر الله عملاً ولا سعياً إلا أثاب عليه وغفر بسببه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش فشكر الله له فغفر له[(١)](#foonote-١).

١ حديث الكلبي أخرجه البخاري في الشرب والمظالم والأدب، ومسلم في السلام، وأبو داود في الجهاد، ومالك في موطئه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحمد في مسنده (٣-٣٧٥، ٥١٧)، ولفظه كما في مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له)، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجرا، فقال: (في كل كبد رطب أجر)..

### الآية 17:20

> ﻿كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [17:20]

وقوله  كلاًّ نمد  الآية نصب  كلاًّ  ب  نمد ، وأمددت الشيء إذا زدت فيه من غيره نوعه، ومددته إذا زدت فيه من نوعه، وقيل هما بمعنى واحد، يقال مد وأمد. و  هؤلاء  بدل من قوله  كلاًّ  فهو في موضع نصب، وقوله  من عطاء ربك  يحتمل أن يريد من الطاعات لمريدي الآخرة والمعاصي لمريدي العاجلة، وروي هذا التأويل عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ب **«العطاء »** رزق الدنيا، وهذا تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة، أي إن الله تعالى يرزق في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين ومريدي العاجلة من الكافرين ويمدهم بعطائه منها وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، ويتناسب هذا المعنى مع قوله  وما كان عطاء ربك محظوراً ، أي إن رزقه في الدنيا لا يضيق عن مؤمن ولا كافر، وقلما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي التي توبقه، و **«المحظور »** الممنوع.

### الآية 17:21

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [17:21]

وقوله  انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ، آية تدل دلالة ما على أن العطاء في التي قبلها هو الرزق، وفي ذلك يترتب أن ينظر محمد عليه السلام إلى تفضيل الله لبعض على بعض في الرزق، ونحوه من الصور والشرف والجاه والحظوظ وبين أن يكون التفضيل الذي ينظر إليه النبي عليه السلام إن أعطى الله قوماً الطاعات المؤدية إلى الجنة وأعطى آخرين الكفر المؤدي إلى النار، وهذا قول الطبري : وهذا إنما هو النظر في تفضيل فريق على فريق، وعلى التأويل الآخر فالنظر في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين ومن الكافرين كيفما قرنتهما ثم أخبر عز وجل أن التفضيل الأكبر إنما يكون في الآخرة. 
وقوله  أكبر درجات  ليس في اللفظ من أي شيء لكنه في المعنى ولا بد، أي  أكبر درجات  من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض إليها، وكذلك قوله  أكبر تفضيلاً . 
قال القاضي أبو محمد : وروى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين، وأسند الطبري في ذلك حديثاً نصه أن بين أعلى الجنة وأسفلها درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : ولكن قد رضي[(٢)](#foonote-٢) الله الجميع فما يغبط أحد أحداً، ولا يتمنى ذلك بدلاً.

١ أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، وذكره في (الدر المنثور)، وفي ابن كثير ما يأتي: "وفي الصحيحين أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء"..
٢ رضي بمعنى: أرضى..

### الآية 17:22

> ﻿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [17:22]

وقوله  لا تجعل  الآية، الخطاب لمحمد عليه السلام، والمراد لجميع الخلق قاله الطبري وغيره، والذم هنا لاحق من الله تعالى ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عوداً أو حجراً أفضل من نفسه، ويخصه بالكرامة وينسب إليه الألوهية ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه، و **«الخذلان »** في هذا يكون بإسلام الله وأن لا يكفل له بنصر، و **«المخذول »** الذي لا ينصره من يحب أن ينصره. والخاذل من الظبا التي تترك ولدها، ومن هذه اللفظة قول الراعي :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما. . . وسعى فلم أر مثله مخذولا[(١)](#foonote-١)

١ الراعي اسمه: حصين بن معاوية، من بني نمير، وقيل له الراعي لأنه كان يصف راعي الإبل في شعره، وولده وأهل بيته بالبادية سادة أشراف، وقيل: اسمه عبيد بن حثين ابن معاوية النميري، والبيت في اللسان (حرم)، والرواية فيه: (مقتولا) بدلا من (مخذولا) والحرمة: الذمة، وأحرم الرجل فهو محرم إذا كانت له ذمة، وعلى هذا جاء بيت الراعي كما ذكر صاحب اللسان، فالمعنى أنهم قتلوه وهو صاحب ذمة، وقيل: قتلوه صائما، والصيام إحرام، ويقال للصائم: محرم. وقال ابن بري: ليس محرما في بيت الراعي من الإحرام ولا من الدخول في الشهر الحرام، قال: وإنما هو مثل البيت الذي قبله، وإنما يريد أن عثمان في حرمة الإسلام وذمته لم يحل من نفسه شيئا يوقع به، والمخذول: الذي لم ينصره، ويقال للظبية إذا تخلفت عن صواحبها: خاذل وخذول، قال طرفة: 
 خذول تراعي ربربا بخميلة تناول أطراف البرير وترتدي.

### الآية 17:23

> ﻿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [17:23]

قضى  في هذه الآية هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول إن المعنى  وقضى ربك  أمره  ألا تعبدوا إلا إياه  وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكماً، والمقضي هنا هو الأمر[(١)](#foonote-١)، وفي مصحف ابن مسعود **«ووصى ربك »** وهي قراءة أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى ب **«قضى »** حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران : إنه قال إن على قول ابن عباس لنوراً، قال الله تعالى  شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك [(٢)](#foonote-٢) ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، والضمير في  تعبدوا  لجميع الخلق، وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور، وسأل الحسن بن أبي الحسن رجل فقال له : إنه طلق امرأته ثلاثاً فقال له الحسن : عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال له الرجل قضي ذلك علي، فقال له الحسن وكان فصيحاً، ما قضى الله أي ما أمر الله، وقرأ هذه الآية، فقال الناس : تكلم الحسن في القدر. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن تكون  قضى  على مشهورها في الكلام، ويكون الضمير في قوله  تعبدوا  للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة، لكن على التأويل الأول يكون قوله : وبالوالدين إحساناً  عطفاً على  أن  الأولى أي أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرناه يكون قوله  وبالوالدين إحساناً  مقطوعاً من الأول كأنه أخبرهم بقضاء الله ثم أمرهم بالإحسان إلى الوالدين، و  إما  شرطية، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر **«يبلغنّ »**، وروي عن ابن ذكوان **«يبلغنَ »** بتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي **«يبلغان »** وهي قراءة أبي عبد الرحمن ويحيى وطلحة والأعمش والجحدري، وهي النون الثقيلة دخلت مؤكدة وليست بنون تثنية فعلى القراءتين الأوليين يكون قوله  أحدهما  فاعلاً، وقوله  أو كلاهما  معطوفاً عليه، وعلى هذه القراءة الثانية يكون قوله  أحدهما  بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم كقول الشاعر :\[ الطويل \]
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة. . . ورجل رمى فيها الزمان فشلَّت[(٣)](#foonote-٣)
ويجوز[(٤)](#foonote-٤) أن يكون  أحدهما  فاعلاً وقوله  أو كلاهما  عطف عليه ويكون ذلك على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقد ذكر هذا في هذه الآية بعض النحويين وسيبويه لا يرى لهذه اللغة مدخلاً في القرآن، وقرأ أبو عمرو **«أفِّ »** بكسر الفاء وترك التنوين، وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وقرأ نافع والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى **«أفٍّ »** بالكسر والتنوين، وقرأ ابن كثير وابن عامر **«أفَّ »** بفتح الفاء، وقرأ أبو السمال **«أفٌّ »** بضم الفاء[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ ابن عباس ****«أف »**** خفيفة، وهذا كله بناء إلا أن قراءة نافع تعطي التنكير كما تقول آية، وفيها لغات لم يقرأ بها ****«أف »**** بالرفع والتنوين على أن هارون حكاها قراءة، **«وأفّاً »** بالنصب والتنوين **«وأفي »** بياء بعد الكسرة حكاها الأخفش الكبير، **«وأفاً »** بألف بعد الفتحة، **«وأفّْ »** بسكون الفاء المشددة **«وأَف »** مثل رب، ومن العرب من يميل **«أفاً »**، ومنهم من يزيد فيها هاء السكت فيقول **«أفاه »**. 
قال القاضي أبو محمد : ومعنى اللفظة أنها اسم فعل كأن الذي يريد أن يقول أضجر أو أتقذر[(٦)](#foonote-٦) أو أكره أو نحو هذا يعبر إيجازا بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعل المذكور، وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالاً لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها، وإنما هي مثال الأعظم منها، والأقل فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور، والانتهار إظهار الغضب في الصوت واللفظ، والقول الكريم الجامع للمحاسن من اللين وجودة المعنى وتضمن البر، وهذا كما تقول ثوب كريم تريد أنه جم المحاسن، و **«الألف »** وسخ الأظفار، فقالت فرقة إن هذه اللفظة التي في الآية مأخوذة من ذلك وقال مجاهد في قوله  ولا تقل لهما أف  معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ[(٧)](#foonote-٧) الغائط والبول الذي رأياه في حال الصغر فلا تستقذرهما[(٨)](#foonote-٨). وتقول  أف . 
قال القاضي أبو محمد : والآية أعم من هذا القول وهو داخل في جملة ما تقتضيه، وقال أبو الهدَّاج النجيبي[(٩)](#foonote-٩) : قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله  وقل لهما قولاً كريماً  ما هذا القول الكريم ؟ قال ابن المسيب : قول العبد المذنب للسيد الفظّ. 
١ قال أبو حيان في البحر تعقيبا على كلام ابن عطية هذا: "كأنه رام أن يترك \[قضى\] على مشهور موضعها بمعنى: قدر، فجعل متعلقة الأمر بالعبادة لا العبادة نفسها؛ لأنه لا يستقيم أن يقضي شيئا بمعنى أن يقدر إلا ويقع، والذي فهم المفسرون غيره أن متعلق \[قضى\] هو ألا تعبدوا سواء كانت \[أن\] تفسيرية أم مصدرية". (البحر المحيط ٦-٢٥)..
٢ من الآية (١٣) من سورة (الشورى)..
٣ البيت لكثير عزة، وهو في الديوان، والكتاب لسيبويه، وخزانة الأدب، وشرح شواهد العيني، وابن يعيش، وقبله يقول:
 فليت قلوصي عند عزة قــــيدت بحبل ضعيف عز منها فضلت
 وغودر في الحي المقيمين رحلها وكان لها باغ سواي فبـلــــت
 تمنى أن تشل إحدى رجليه وهو عندها، وأن تضل ناقته فلا يرحل عنها، فيكون قوله: (وكنت كذي رجلين...) معطوفا على قوله: (قيدت) ليدخل في التمني. وقال ابن سيدة: لما خانت عزة العهد، وثبت هو عليه، صار كذي رجلين: رجل صحيحة وهي ثباته على العهد، ورجل مريضة وهي خيانتها وزللها عن العهد، وقال بعضهم: معنى البيت أنه بين الخوف والرجاء والقرب والتنائي. وقيل غير هذا في معنى البيت، وهذا البيت من شواهد النحويين، فيروى (رجل) بالجر على أنه بدل مع أخرى مفصل من (رجلين)، ويجوز أن يكون الجر على الصفة، ويروى بالرفع على القطع وأنه خبر مبتدإ محذوف، والتقدير: هما رجل صحيحة ورجل أخرى، أو إحداهما صحيحة والأخرى رجل... والبيت في هذا كقوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، أي: إحداهما فئة تقاتل... الخ.
 هذا وقد علق أبو حيان الأندلسي على قول ابن عطية هنا: "وهو بدل مقسم" بقوله: "هذا ليس من بدل التقسيم ؛ لأن شرط ذلك العطف بالواو، وأيضا فالبدل المقسم لا يصدق المبدل فيه على أحد قسميه، و \[كلاهما\] يصدق عليه الضمير، وهو المبدل منه، فليس من المقسم"..
٤ أي على هذه القراءة الثالثة.
 .
٥ قال في البحر المحيط: "بضم الفاء من غير تنوين"..
٦ يتقذر منهما لما يجد في حال كبرهما من نزول لعاب، أو ظهور مخاط، وفي حال مرضهما من بول ونحوه..
٧ الشيخ: الشيخوخة، وهما مصدر "شاخ" إذا أسن وكبر..
٨ أي: لا تكرههما ولا تجتنبهما لقذر أو وساخة..
٩ في بعض النسخ: "أبو الهداج"، وهو موافق لما في الطبري، والدر المنثور. وفي القرطبي: أبو البداح..

### الآية 17:24

> ﻿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [17:24]

وقوله  واخفض لهما جناح الذل من الرحمة  استعارة أي اقطعهما جانب الذل منك ودمث[(١)](#foonote-١) لهما نفسك وخلقك، وبولغ بذكر  الذل  هنا ولم يذكر في قوله  واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [(٢)](#foonote-٢) وذلك بحسب عظم الحق هنا، وقرأ الجمهور **«الذُّل »** بضم الذال، وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير **«الذِل »** بكسر الذال، ورويت عن عاصم بن أبي النجود، و **«الذل »** في الدواب ضد الصعوبة ومنه الجمل الذلول[(٣)](#foonote-٣)، والمعنى يتقارب وينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله واستكانته ونظره ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب والحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
**«أبعده الله وأسحقه »** قالوا من يا رسول الله ؟ قال :**«من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له »**[(٤)](#foonote-٤) وقوله  من الرحمة ،  من  هنا لبيان الجنس أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس لا بأن يكون ذلك استعمالاً، ويصح أن يكون لابتداء الغاية، ثم أمر الله عبادة بالترحم على آبائهم وذكر منتهما عليه في التربية ليكون تذكر تلك الحالة مما يزيد الإنسان إشفاقاً لهما وحناناً عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين، وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى، وذكر عن ابن عباس هنا لفظ النسخ، وليس هذا موضع نسخ.

١ أي: اجعل نفسك لينة سهلة، يقال: ديث الأمر: لينه، وديث الطريق: وطأه، وفي كلام الإمام علي كرم الله وجهه: "وديث بالصغار" أي: ذلل. وقد نقلت الكلمة محرفة في (البحر) إلى: دمث..
٢ الآية (٢١٥) من سورة (الشعراء)، ومثلها قوله تبارك وتعالى في الآية (٨٨) من سورة (الحجر): واخفض جناحك للمؤمنين..
٣ ومن هذا المعنى قوله تعالى في الآية (٧١) من سورة (البقرة): قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث. وقوله تعالى في الآية (٧٢) من سورة (يسن): وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون..
٤ أخرجه أحمد، والبيهقي، عن أبي مالك رضي الله عنه، ولفظه كما في الدر المنثور: (من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه)، والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة، ومنها المشهور المتداول بين الناس..

### الآية 17:25

> ﻿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا [17:25]

وقوله  ربكم أعلم بما في نفوسكم  أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما أو من غير ذلك، ويجعلون ظاهر برهما رياء، ثم وعد في آخر الآية بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله، واختلفت عبارة الناس في  الأوابين ، فقالت فرقة هم المصلحون، وقال ابن عباس : هم المسبحون، وقال أيضاً : هم المطيعون المحسنون، وقال ابن المنكدر[(١)](#foonote-١) : هم الذين يصلون العشاء والمغرب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في ذلك الوقت فقال :**«تلك صلاة الأوابين »**[(٢)](#foonote-٢)، وقيل غير هذا من المستغفرين ونحوه، وقال عون العقيلي[(٣)](#foonote-٣) : هم الذين يصلون صلاة الضحى، وحقيقة اللفظة أنه من آب يؤوب إذا رجع، وهؤلاء كلهم لهم رجوع أبداً إلى طاعة الله تعالى، ولكنها لفظة لزم عرفها أهل الصلاح، قال ابن المسيب هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، وفسر الجمهور  الأوابين  بالرجاعين إلى الخير، وقال ابن جبير : أراد بقوله غفوراً للأوابين الزلة والفلتة تكون من الرجل إلى أحد أبويه، وهو لم يصر عليها بقلبه ولا علمها الله من نفسه، وقالت فرقة **«خفض الجناح »** هو ألا يمتنع من شيء يريدانه.

١ هو محمد بن عبد الله بن الهدير – بالتصغير- التيمي، المدني، ثقة حافظ، مات سنة ثلاثين أو بعدها. (تقريب التهذيب)..
٢ الحديث أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، عن ابن المنكدر، وقال عنه: إنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن في صحيح مسلم، وفي مسند أحمد عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، قال النووي في شرح صحيح مسلم: "هو بفتح التاء والميم، يقال: رمض يرمض كعلم يعلم، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، والمعنى: حين تحترق أخفاف الفصال، وهي الصغار من أولاد الإبل، جمع فصيل"..
٣ هو عون بن أبي شداد العقيلي، وقيل: العبدي، أبو معمر البصري، مقبول، من الخامسة. (تقريب التهذيب)..

### الآية 17:26

> ﻿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [17:26]

اختلف المتأولون في **«ذي القربى »**، فقال الجمهور : الآية وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة، وألحق في هذه الآية ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه، قال بنحو هذا الحسن وعكرمة وابن عباس وغيرهم، وقال علي بن الحسين في هذه : هم قرابة النبي عليه السلام، أمر النبي عليه السلام بإعطائهم حقوقهم من بيت المال. 
قال القاضي أبو محمد : والقول الأول أبين، ويعضده العطف ب  المسكين وابن السبيل .  وابن السبيل  هنا يعم الغني والفقير إذ لكل واحد منهما حق وإن اختلفا، **«وابن السبيل »** في آية الصدقة أخص.

### الآية 17:27

> ﻿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [17:27]

و **«التبذير »** إنفاق المال في فساد أو في سرف في مباح، وهو من البذر، ويحتمل قوله تعالى : المبذرين  أن يكون اسم جنس، ويحتمل أن يعني أهل مكة معينين، وذكره النقاش، وقوله تعالى : إخوان  يعني أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في فساد والشيطان أبداً ساع في فساد، و  إخوان  جمع أخ من غير النسب، وقد يشذ، ومنه قوله تعالى في سورة النور  أو إخوانهن أو بني إخوانهن [(١)](#foonote-١) والإخوة جمع أخ في النسب وقد يشذ، ومنه قوله تبارك وتعالى : إنما المؤمنون إخوة [(٢)](#foonote-٢) وقرأ الحسن والضحاك **«إخوان الشيطان »** على الإفراد، وكذلك في مصحف أنس بن مالك، ثم ذكر تعالى كفر الشيطان ليقع التحذير من التشبه به في الإفساد مستوعباً بيناً.

١ من الآية (٣١) من سورة (النور)..
٢ من الآية (١٠) من سورة (الحجرات)..

### الآية 17:28

> ﻿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [17:28]

وقوله تعالى : وإما تعرض ، الضمير في  عنهم  عائد على من تقدم ذكره من المساكين وبني السبيل، فأمر الله تعالى نبيه في هذه الآية إذا سأله منهم أحد، فلم يجد عنده ما يعطيه فقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعراض تأدباً منه في أن لا يرده تصريحاً، وانتظار الرزق من الله تعالى يأتي فيعطي منه، أن يكون يؤنسه بالقول الميسور، وهو الذي فيه الترجية بفضل الله تعالى والتأنيس بالميعاد الحسن والدعاء في توسعة الله تبارك وتعالى وعطائه، وروي أنه عليه السلام كان يقول بعد نزول هذه الآية، إذا لم يكن عنده ما يعطي : يرزقنا الله وإياكم من فضله[(١)](#foonote-١)، ف ****«الرحمة »**** على هذا التأويل الرزق المنتظر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وقال ابن زيد ****«الرحمة »**** الأجر والثواب، وإنما نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم منهم نفقة المال في فساد، فكان يعرض عنهم رغبة الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم  قولاً ميسوراً  يتضمن الدعاء في الفتح لهم والإصلاح. 
قال القاضي أبو محمد : وقال بعض أهل التأويل الأول، نزلت الآية في عمار بن ياسر وصنفه، و **«الميسور »** مفعول من لفظة اليسر، تقول يسرت لك كذا إذا أعدَدته.

١ أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: قولا ميسورا، قال: "قولا جميلا، رزقنا الله وإياك، بارك الله فيك"، هكذا ذكره السيوطي ولم يرفعه ابن زيد..

### الآية 17:29

> ﻿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [17:29]

وقوله  ولا تجعل يدك  الآية، روي عن قالون **«كل البصط »** بالصاد، ورواه الأعشى عن أبي بكر، واستعير لليد المقبوضة جملة عن الإنفاق المتصفة بالبخل **«الغل إلى العنق »**، واستعير لليد التي تستنفد جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل، وكل هذا في إنفاق الخير، وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام، وهذه الآية ينظر إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«مثل البخيل والمتصدق »**[(١)](#foonote-١)، والحديث بكامله، والعلامة هنا لاحقة ممن يطلب من المستحقين فلا يجد ما يعطي، و **«المحسور »** المقعد الذي قد استنفدت قوته تقول حسرت البعير إذا أتعبته حتى لم تبق له قوة فهو حسير، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
لهن الوجى لم كن عوناً على السرى. . . ولا زال منها ظالع وحسير[(٢)](#foonote-٢)
ومنه البصر الحسير وهو الكال، وقال ابن جريج وغيره في معنى هذه الآية، لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهيتك عنه، وقال قتادة :**«التبذير »** النفقة في معصية الله، وقال مجاهد : لو أنفق إنسان ماله كله في حق لم يكن تبذيراً، ولو أنفق مداً في باطل تبذيراً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا فيه نظر، ولا بعض البسط لم يبح فيما نهى عنه. ولا يقال في المعصية ولا تبذر، وإنما يقال ولا تنفق ولو باقتصاد وقوام، ولله در ابن عباس وابن مسعود فإنهما قالا : التبذير الإنفاق وفي غير حق، فهذه عبارة تعم المعصية والسرف في المباح، وإنما نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد[(٣)](#foonote-٣) فيما يطرأ أولاً من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له أو لئلا يضيع المنفق عيالاً ونحوه، ومن كلام الحكمة : ما رأيت قط سرفاً إلا ومعه حق مضيع، وهذه من آيات فقه الحال، ولا يبين حكمها إلا باعتبار شخص من الناس.

١ أخرجه البخاري في الجهاد والزكاة والطلاق واللباس، ومسلم والنسائي في الزكاة، وأحمد في مسنده (٢ – ٣٨٩، ٥٣٣)، ولفظه كما أخرجه مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد، إذا هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه حتى تعفى أثره، وإذا هم البخيل بصدقة تقلصت عليه، وانضمت يداه إلى تراقيه، وانقبضت كل حلقة إلى صاحبتها)، قال: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فيجهد أن يوسعها فلا يستطيع). ومعنى (تعفى أثره): تمحو أثر مشيه على الأرض لطولها وسبوغها عليه. ومعنى (تقلصت): ضاقت وانضم بعضها إلى بعض وارتفعت..
٢ لم أقف على قائله، والوجا: الحفا، وقيل: شدة الحفا، وقيل: الوجا قبل الحفا، ثم الحفا ثم النقب، والسرى: سير الليل عامته أو كله، تذكره العرب وتؤنثه، والطالع من الإبل: أولها، والحسير: الذي وصل إلى درجة الإعياء من التعب، يقال: دابة حاسر وحسير وحاسرة، الذكر والأنثى سواء، والبيت شاهد على أن الحسير هو المتعب الذي لم يبق له قوة، وفي الحديث الشريف (الحسير لا يعقر)، أي: لا يجوز للغازي الذي تعبت دابته أن يعقرها خوفا من أن يأخذها العدو، بل عليه أن يتركها سليمة دون عقر..
٣ في بعض النسخ**«استفراغ الوجد»**، والوجد بمعنى: السعة واليسار..

### الآية 17:30

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:30]

وقوله  إن ربك يبسط  الآية، والمعنى كن أنت يا محمد على ما رسم لك من الاقتصاد وإنفاق القوام ولا يهمنك فقر من تراه كذلك فإنه بمرأى من الله ومسمع وبمشيئة،  ويقدر  معناه ويضيف، وقوله تعالى : إنه كان بعباده خبيراً بصيراً  أي يعلم مصلحة قوم في الفقر ومصلحة آخرين في الغنى، وقال بعض المفسرين وحكاه الطبري : إن الآية إشارة إلى حال العرب التي كانت يصلحها الفقر، وكانت إذا شبعت طغت وقتلت غيرها وأغارت، وإذا كان الجوع والقحط شغلهم.

### الآية 17:31

> ﻿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [17:31]

قرا الأعمش وابن وثاب **«ولا تقتّلوا »** بتضعيف الفعل، وهذه الآية نهي عن الوأد الذي كانت العرب تفعله، وهو قوله تعالى : وإذا الموءودة سئلت [(١)](#foonote-١)، ويقال كان جهلهم يبلغ أن يغدو أحدهم كلبه ويقتل ولده، و  خشية  نصب على المفعول من أجله، و **«الإملاق »** الفقر وعدم الملك، أملق الرجل لم يبق له إلا الملقات وهي الحجارة العظام الملس السود، وقرأ الجمهور **«خِطْئاً »** بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز والقصر، وقرأ ابن عامر **«خطئاً »** بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر، وهاتان قراءتان مأخوذتان من خطىء إذا أتى الذنب على عمد، فهي كحذر وحذر ومثل ومثل وشبه وشبه اسم ومصدر، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
الخطء فاحشة والبر نافلة. . . كعجوة غرست في الأرض تؤتبر[(٢)](#foonote-٢)
قال الزجاج يقال خطىء الرجل يخطأ خطأً مثل أثم إثماً فهذا هو المصدر وخطأ اسم منه، وقال بعض العلماء خطىء معناه واقع الذنب عامداً، ومنه قوله تعالى : لا يأكله إلا الخاطئون  \[ الحاقة : ٣٧ \]، وأخطأ واقع الذنب عن غير تعمد، ومنه قوله تعالى : إن نسينا أو أخطأنا [(٣)](#foonote-٣)، وقال أبو علي الفارسي : وقد يقع هذا موضع هذا، وهذا موضع هذا، فأخطأ بمعنى تعمد في قول الشاعر :\[ الوافر \]
عبادك يخطئون وأنت رب. . . كريم لا يليق بك الذموم[(٤)](#foonote-٤)
وخطىء بمعنى لم يتعمد في قول الآخر :\[ الكامل \]
والناس يلحون الأمير إذا همُ. . . خطئوا الصواب ولا يلام المرشد[(٥)](#foonote-٥)
وقد روي عن ابن عامر **«خَطأً »** بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة، وقرأ ابن كثير **«خِطَاء »** بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، وهي قراءة الأعرج بخلاف، وطلحة وشبل والأعمش وعيسى وخالد بن إياس وقتادة والحسن بخلاف عنه، قال النحاس ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطاً. قال أبو علي الفارسي : هي مصدر من خاطأ يخاطىء وإن كنا لم نجد خاطَأ ولا كنا وجدنا تخاطأ وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه، فمنه قول الشاعر :\[ المتقارب \]
تخاطأت النبْل أحشاءه. . . وخر يومي فلم أعجل[(٦)](#foonote-٦)
وقول الآخر في صفة كماة :\[ الطويل \]
تَخَاطَأَه القنّاصُ حتى وجدته. . . وخرطومه في مَنْقَع الماء راسب[(٧)](#foonote-٧)
فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق والعدل، وقرأ الحسن فيما روي عنه **«خَطَاء »** بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة قال أبو حاتم : لا يعرف هذا في اللغة، وهو غلط غير جائز وليس كما قال أبو حاتم، قال أبو الفتح : الخطاء من أخْطَأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم يعني المصدر، وقرأ الحسن بخلاف **«خَطاً »** بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز، وقرأ أبو رجاء والزهري **«خِطاً »** بكسر الخاء وفتح الطاء كالتي قبلها، وهاتان مخففتان من خطأ وخطاء.

١ الآية (٨) من سورة (التكوير)..
٢ يستشهد ابن عطية بهذا البيت على أن الِخْطَء بكسر الخاء وسكون الطاء قد وردت في اللغة مثل الخطأ بفتح الخاء والطاء، وقال: إنهما في ذلك مثل: شبه وسبه، وحذر وحذر، ومثل ومثل. والفاحشة: القبيح الشنيع من قول أو فعل، والنافلة: ما زاد على النصيب أو الحق، والعجوة: نوع جيد من تمر المدينة، وتؤتبر: تلقح، يقال: أبر النخل وأبره: لقحه. والبر هو الخير، وقد جعله الشاعر مقابلا للخطـأ، وجعل الخير مصدرا للمنفعة..
٣ من الآية (٢٨٦) آخر آية في سورة (البقرة)..
٤ هذا شاهد يذكره ابن عطية نقلا عن الفارسي دليلا على أن (أخطأ) قد تأتي إذا فعل الإنسان الذنب مع التعمد، أي: تأتي في موضع (خطىء)، والبيت في اللسان، وقد ذكره شاهدا على أن (خطىء) بمعنى: أثم، وضبط الفعل بفتح الياء والطاء (يخطئون) على أنها مضارع (خطىء)، كذلك ذكره ابن جني في المحتسب، والرواية فيه "وأنت رب بكفيك المنايا والحتوم" وهي جمع حتم، وهو القضاء وإيجابه، أما أبو علي الفارسي فيجعلها مضارع (أخطأ)، وتبعه ابن عطية، وعلى كلا الفهمين فإن الخطأ في البيت بمعنى الإثم، والذموم: العيوب، وقد أنشد سيبويه لأمية بن أبي الصلت:
 سلامك ربنا في كل فجر بريئا ما تغنثك الذمـــــوم
 أي: ما تنسب إليك العيوب. ومعنى بيتنا هنا: إن عبادك يارب يرتكبون الآثام وأنت رب رحيم كريم لا تلحق بك العيوب.
 .
٥ سبق الاستشهاد بهذا البيت في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، وكان شاهدا على أن كلمة (الأمير) تأتي بمعنى المرشد والناصح، وهو هنا شاهد على أن (خطىء) قد تأتي بمعنى مواقعة الذنب دون تعمد على خلاف المشهور في اللغة..
٦ هذا بيت قاله أوفى بن ممطر المازني، قال ذلك في اللسان (خطأ)، وذكره مع بيت قبله، قال: "وتخاطأه وتخطاه أي أخذأه، قال أوقى بن مطر المازني:
 ألا أبلغا خلتي جابرا بأن خليلك لم يقتـــــل
 تخطأت النبل أحشاءه وأخر يومي فلم يعجل
 هكذا بلفظ (تخطأت)، وعلى هذا فلا شاهد فيه لأبي علي الفارسي، فقد ذكره شاهدا على أن (تخاطأ) مضارع (خاطأ) قد سمع عن العرب، وأنه دليل لنا على أن (خاطأ) موجودة، ومصدرها (خطاء) التي قرأ بها ابن كثير وغيره. أما كلمة (أخر) فمعناها: تأخر، ويجوز ضبطها (أخر) بضم الهمزة وكسر الخاء المشددة، ورواية اللسان (يعجل) يريد اليوم، ورواية ابن عطية (أعجل) يريد نفيه، يبشر خليله بأن النبال قد أخطأته أو تخطته فلم تصبه، وأن يومه قد تأجل..
٧ و هذا أيضا شاهد على أن (تخاطأ) موجودة، وهي مضارع (خاطأ)، وعلى هذا جاءت قراءة ابن كثير \[خطاء\] التي هي مصدر خاطأ. والقناص: الصائد، والخرطوم: الأنف، أو طرفه، وقيل: الوجه كله. ومنقع الماء: المكان الذي اجتمع فيه الماء وثبت. والرسوب: الذهاب في الماء سفلا. وقد ذكر ابن عطية هنا وأبو حيان في البحر أن البيت في صفة كمأة، وهي اسم للجمع من الكمء، وهو فطر من فصيلة أرضية تنتفخ في باطن الأرض، وتجمع وتؤكل مطبوخة، ويختلف حجمها بحسب الأنواع، وقال في القرطبي إن البيت في وصف مهاة.
 .

### الآية 17:32

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [17:32]

وقوله  ولا تقربوا الزنى  تحريم. 
و  الزنى  يمد ويقصر فمن قصره الآية، وهي لغة جميع كتاب الله، ومن مده قول الفرزدق :\[ الطويل \]
أبا حَاضر من يزن يعرف زناؤه. . . ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا[(١)](#foonote-١)
ويروى أبا خالد، و **«الفاحشة »** ما يستتر به من المعاصي لقبحه، و  سبيلا  نصب على التمييز، التقدير وساء سبيله سبيلاً، أي لأنه يؤدي إلى النار.

١ البيت في اللسان (سكر)، والرواية فيه: أبا حاضر، والخرطوم: الخمر السريعة الإسكار، وقيل: هو أول ما يجري من العنب قبل أن يداس، وفي "المحكم": وأنشد أبو حنيفة:وكأن ريقتها إذا نبهتها  بعد الرقاد تعل بالخرطوم والُمَسَّكر: المخمور. والشاهد في البيت أن الزنى جاء ممدودا في قوله: "يعرف زناؤه"، ومثله في ذلك قول النابغة الجعدي:كانت فرضة ما تقول كمـــا  كان الزناء فريضـــــة الرجــــــم. .

### الآية 17:33

> ﻿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [17:33]

وقوله  ولا تقتلوا  وما قبله من الأفعال جزم بالنهي، وذهب الطبري إلى أنها عطف على قوله  وقضى ربك ألا تعبدوا  \[ الإسراء : ٢٣ \] والأول أصوب وأبرع للمعنى، والألف واللام التي في  النفس  هي للجنس، و  الحق  الذي تقتل به النفس هو ما فسره النبي صلى الله عليه سلم في قوله :**«لا يُحل دمَ المسلم إلا إحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى »**[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وتتصل بهذه الأشياء هي راجعة إليها، فمنها قطع الطريق، لأنه في معنى قتل النفس وهي الحرابة، ومن ذلك الزندقة، ومسألة ترك الصَّلاة لأنها في معنى الكفر بعد الإيمان، ومنه قتل أبي بكر رضي الله عنه منعة الزكاة، وقتل من امتنع في المدن من فروض الكفاية، وقوله تعالى : مظلوماً  نصب على الحال، ومعناه بغير هذه الوجوه المذكورة، و **«الولي »** القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت أو جمعه وأباه أب، ولا مدخل للنساء في ولاية الدم عند جماعة من العلماء، ولهن ذلك عند أخرى، و ****«السلطان »**** الحجة والملك الذي جعل إليه من التخير في قبول الدية أو العفو، قال ابن عباس والضحاك. وقال قتادة :****«السلطان »**** القود، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم **«فلا يسرف »** بالياء، وهي قراءة الجمهور، أي الولي لا يتعدى أمر الله، والتعدي هو أن يقتل غير قاتل وليه من سائر القبيل، أو يقتل اثنين بواحد، وغير وذلك من وجوه التعدي، وهذا كله كانت العرب تفعله، فلذلك وقع التحذير منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إن من أعتى الناس على الله ثلاثة : رجل قتل غير قاتل وليه، أو قتل بدخن الجاهلية، أو قتل في حرم الله »**[(٢)](#foonote-٢)، وقالت فرقة : المراد بقوله  فلا يسرف  القاتل الذي يتضمنه الكلام، والمعنى فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفساً فإنه يحصل في ثقاف هذا الحكم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي **«فلا تسرف في القتل »** بالتاء من فوق، وهو قراءة حذيفة ويحيى بن وثاب ومجاهد بخلاف والأعمش وجماعة، قال الطبري : على معنى الخطاب للنبي عليه السلام والأئمة بعده، أي فلا تقتلوا غير القاتل. 
قال القاضي أبو محمد : ويصح أن يراد به الولي أي فلا تسرف أيها الولي في قتل أحد يتحصل في هذا الحكم، وقرأ أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية[(٣)](#foonote-٣)، **«فلا يسرفُ »** بالياء بضم الفاء على معنى الخبر لا على معنى النهي، والمراد هذا التأويل فقط. 
قال القاضي أبو محمد : وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة أبي بن كعب :**«فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصوراً[(٤)](#foonote-٤)، والضمير في قوله  إنه  عائد على الولي، وقيل على المقتول، وهو عندي أرجح الأقوال، لأنه المظلوم، ولفظة النصر تقارن أبداً الظلم كقوله عليه السلام :»** ونصر المظلوم وإبرار القسم[(٥)](#foonote-٥) **«، وكقوله »** انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً[(٦)](#foonote-٦) «، إلى كثير من الأمثلة : وقيل على القتل، وقال أبو عبيد على القاتل لأنه إذا قتل في الدنيا وخلص بذلك من عذاب الآخرة فقد نصر، وهذا ضعيف بعيد المقصد، وقال الضحاك هذه أول ما نزل من القرآن في شأن القتل وهي مكية.

١ أخرجه البخاري في تفسير المائدة، وفي الديات، وأخرجه مسلم وأبو داود في الحدود، والنسائي في التحريم، وابن ماجه في الحدود، وأحمد في مسنده (١-٦١)، ولفظه كما جاء في مسند أحمد، عن أبي أمامة بن سهل قال: كنا مع عثمان رضي الله عنه وهو محصور في الدار، فدخل مدخلا كان إذا دخله يسمع كلامه من على البلاط، قال: فدخل ذلك المدخل وخرج إلينا فقال: إنهم يتوعدوني بالقتل آنفا، قال: قلنا يكفيكم الله يا أمير المؤمنين، قال: وبم يقتلونني؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا فيقتل بها)، فوالله ما أحببت أن لي بدلا منذ هداني الله، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا قتلت نفسا، فيم يقتلونني؟.
٢ الحديث أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، والدخن: الفساد والاختلاف..
٣ هو أبو مسلم الخرساني، عبد الرحمن بن مسلم، اتصل في شبابه بإبراهيم بن الإمام محمد (من بني العباس)، فأرسله إلى خراسان داعية، فأقام فيها واستعمل أهلها، ثم وثب على والي نيسابور (علي بن الكرماني) فقتله واستولى على نيسابور، ثم سير جيشا لمقاتلة مروان ابن محمد آخر ملوك بني أمية، فلما هزمت جيوش مروان فر إلى مصر، وقتل هناك، وصفا الجو للسفاح العباسي، فلما مات خلفه أخوه المنصور الذي خاف من أبي مسلم فقتله، وكان أبو مسلم فصيحا بالعربية والفارسية، فارسا، داهية، حازما، كان أسمر قصير القامة، رقيق=
 =البشرة، حلو المعشر، وهو صاحب الفضل في قيام الدولة العباسية. وفي هامش النسخة التونسية بالخط الكبير أمام قوله: أبو مسلم السراج عنوان كبير يقول: أبو مسلم الخراساني، وقال الزمخشري: "أبو مسلم صاحب الدولة"..
٤ قال أبو حيان في (البحر المحيط): "الأولى حمل قوله: (إن ولي المقتول) على التفسير لا على القراءة؛ لمخالفته السواد، ولأن المستفيض عنه إنه كان منصورا كقراءة الجماعة..
٥ أخرج هذا الحديث البخاري في الجنائز والنكاح والأشربة والأدب والاستئذان، وأخرجه مسلم في اللباس، والترمذي في الأدب، والنسائي في الإيمان، وأحمد في مسنده (٤ – ٢٨٤، ٢٩٩)، ولفظه كما في كتاب الجنائز في البخاري، عن البراء رضي الله عنه قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، نهانا عن سبع، أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير والديباج والقسي والإستبرق، (القسي: نوع من الحرير)..
٦ ذكره السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل: كيف أنصره ظالما؟ قال: أخرجه أحمد، والبخاري والترمذي، وهو عن أنس رضي الله عنه، ثم رمز له بالصحة، ثم ذكر رواية أخرى عن جابر رضي الله عنه، أخرجها الدارمي وابن عساكر، ورمز لها السيوطي بالحسن، ولفظها: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، إن يك ظالما فاردده عن ظلمه، وإن يك مظلوما فانصره)..

### الآية 17:34

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [17:34]

الخطاب في هذه الآية للأوصياء الذين هم معدون لقرب مال اليتامى، ثم لمن تلبس بشيء من أمر يتيم من غير وصي، و  اليتيم  الفرد من الأبناء، واليتم الانفراد، يقال يتم الصبي يتيم إذا فقد أباه، قال ابن السكيت : اليتم في البشر من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، وفي كتاب الماوردي، أن اليتم في البشر من قبل الأم أيضاً، وجمعه أيتام كشريف وأشراف وشهيد وأشهاد، ويجمع يتامى كأسير وأسارى كأنهما الأمور المكروهة التي تدخل على المرء غلبة، قال ابن سيده : وحكى ابن الأعرابي يتمان في يتيم، وأنشد في ذلك :\[ الطويل \]
فبت أشوي ظبيتي وحليلتي. . . طربا وجرو الذيب يتمان جائع[(١)](#foonote-١)
ويجوز أن يكون يتامى جمع يتمان، وفي الحديث **«لا يتم بعد حلم »**[(٢)](#foonote-٢) وقوله  إلا بالتي هي أحسن  يريد إلا بأحسن الحالات. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك في الوصي الغني، أن يثمر المال ويحوطه ولا يمسّ منه شيئاً على جهة الانتفاع به، هذا هو الورع والأولى الا أن يكون يشتغل في مال اليتيم ويشح فله بالفقه أن تفرض له أجرة، وأما الوصي الفقير الذي يشغله مال اليتيم عن معاشه، فاختلف الناس في أكله منه بالمعروف كيف هو ؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يتسلف منه، فإذا أيسر رد فيه، وقال ابن المسيب، لا يشرب الماء من مال اليتيم، قيل له فما معنى  فليأكل بالمعروف [(٣)](#foonote-٣) ؟ قال : إنما ذلك لخدمته وغسل ثوبه، وقال مجاهد : لا يقرب إلا التجارة ولا يستقرض منه، قال : قوله  فليأكل بالمعروف  \[ ذاته \] معناه من مال نفسه، وقال أبو يوسف : لعل قوله  فليأكل بالمعروف  \[ ذاته \] منسوخ بقوله  لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [(٤)](#foonote-٤) \[ النساء : ٢٩ \] وقال ابن عباس : يأكل منه الشربة من اللبن والطرفة من الفاكهة ونحو هذا مما يخدمه، ويلط الحوض[(٥)](#foonote-٥) ويجد النخل[(٦)](#foonote-٦)، وينشد الضالة[(٧)](#foonote-٧) فليأكل غير مضر بنسل[(٨)](#foonote-٨) ولا ناهك في الحلب[(٩)](#foonote-٩)، وقال زيد بن أسلم : يأكل منه بأطراف أصابعه بلغة[(١٠)](#foonote-١٠) من العيش بتعبه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه استعارة للتقلل[(١١)](#foonote-١١)، وقال مالك رحمه الله وغيره. يأخذ منه أجره بقدر تعبه، فهذه كلها تدخل فيما هو أحسن، وكمال تفسير هذه المعاني في سورة النساء بحسب ألفاظ تلك الآيات[(١٢)](#foonote-١٢)، وفي الخبر عن قتادة أن هذه الآية لما نزلت شقت على المسلمين وتجنبوا الأكل معهم في صحفة ونحوه، فنزلت  وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح [(١٣)](#foonote-١٣) وقوله  حتى يبلغ أشده  غاية الإمساك عن مال اليتيم، ثم ما بعد الغاية قد بينته آية أخرى، وما بعد هذه الغايات أبداً موقوف حتى يقوم فيه دليل شرعي أو يقتضي ذلك الاتفاق في النازلة، ومثل هذا قول عائشة رضي الله عنها أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، وبعث بها، فلم يحرم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي، و ******«الأشد »****** جمع شد عند سيبويه[(١٤)](#foonote-١٤)، وقال أبو عبيدة : لا واحد له من لفظه، ومعناها قواه في العقل والتجربة والنظر لنفسه، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ، ف ******«الأشد »****** في مذهب مالك أمران، البلوغ بالاحتلام أو ما يقوم مقامه حسب الخلاف في ذلك، والرشد في المال، واختلف هل من شروط ذلك الرشد في الدين على قولين، فابن القاسم لا يراعيه إذا كان ضابطاً لماله، وراعاه غيره من بعض أصحاب مالك، ومذهب أبي حنيفة أن الأشد هو البلوغ فقط فلا حجر عنده على بالغ إلا أن يعرف منه السفه. 
قال القاضي أبو محمد : ولست من هذا التقييد في قوله على ثقة، وقال أبو إسحاق الزجاج ******«الأشد »****** في قوله أن تأتي على الصبي ثمان عشرة سنة، وإنما أراد أنها بعض ما قيل في حد البلوغ لمن لا يحتلم، وأما أن يكون بالغ رشيد تقي لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ هذه المدة فشيء لا أحفظ من يقوله، وقوله  بالعهد  لفظ عام لكل عهد وعقد بين الإنسان وبين ربه أو بينه وبين المخلوقين في طاعة، وقوله  إن العهد كان مسؤولاً  أي مطلوباً ممن عهد إليه أو عوهد هل وفى به أم لا ؟.

١ البيت لأبي العارم الكيلاني، وهو في اللسان (يتم)، وأشوي: أطعم الشواء، والصبي: الصغير الذي لم يفطم، أو الصغير دون الغلام. وحليلة الرجل: زوجه، والري: اللين الغض، وجرو الذئب: صغيره، واليتمان: لغة في اليتيم، وهي موضع الشاهد في البيت..
٢ أخرجه أبو داود في الوصايا، ولفظه فيه: (لا يتم بعد احتلام)، أي: بلوغ..
٣ من الآية (٦) من سورة (النساء)..
٤ من الآية (١٨٨) من سورة (البقرة)..
٥ لاط الحوض بالطين: طلاه وملسه به..
٦ جذ النخل جذا: قطع ثمره وجناه..
٧ نشد الضالة: طلبها وبحث عنها..
٨ النسل: الولد والذرية، وجمعه أنسال، والمراد هنا: النتاج..
٩ أي: غير مبالغ في الحلب بحيث يجهد الدابة المحلوبة، يقال: نهك الضرع إذا بالغ في حلبه حتى استوفى جميع ما فيه..
١٠ البلغة: ما يكفي لسد الحاجة ولا يفضل عنها..
١١ أي: لا يأخذ إلا أقل شيء..
١٢ راجع الجزء الثالث صفحة ٤٩٨ وما بعدها..
١٣ من الآية (٢٢٠) من سورة (البقرة)..
١٤ في اللسان (شدد): "قال أبو عبيد: واحدها شد في القياس، قال: ولم أسمع لها بواحدة، وقال سيبويه: واحدتها شدة، كنعمة وأنعم، ابن جني: جاء على حذف التاء كما كان ذلك في نعمة وأنعم"، تأمل هذا وتأمل قول ابن عطية عن سيبويه..

### الآية 17:35

> ﻿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [17:35]

وقوله تعالى : وأوفوا الكيل  الآية، أمر الله تعالى في هذه الآية أهل التجر والكيل والوزن أن يعطوا الحق في كيلهم ووزنهم، وروي عن ابن عباس أنه كان يقف في السوق ويقول : يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال وهذا الميزان. 
قال القاضي أبو محمد : وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع، لأن المشتري لا يقال له أوف الكيل، هذا ظاهر اللفظ والسابق منه، و  القسطاس  قال الحسن هو القبان، ويقال القفان وهو القلسطون، ويقال القرسطون، وقيل :**«القسطاس »** الميزان صغيراً كان أو كبيراً، وقال مجاهد  القسطاس  العدل، وكان يقول هي لغة رومية، فكأن الناس قيل لهم زنوا بمعدلة في وزنكم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر **«القُسطاس »** بضم القاف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم **«القِسطاس »** بكسر القاف، وهما لغتان، واللفظة منه للمبالغة من القسط[(١)](#foonote-١)، والمراد بها في الآية جنس الموازين المعدّلة على أي صفة كانت، قال أبو حاتم إنما قرأ بكسر القاف أهل الكوفة، وكل قراءة لا تجاوز الكوفة إلى الحرمين والبصرة فاقرأ بغيرها، وقرأت فرقة **«القصطاس »** بالصاد. 
قال القاضي أبو محمد : وكان مذهب مجاهد في هذا وفي ميزان القيامة، وكل ذلك أنها استعارات للعدل، وقوله : في ميزان القيامة مردود، وعقيدة أهل السنة أنه ميزان له عمود وكفتان. 
وسمعت أبي رضي الله عنه يقول رأيت الواعظ أبا الفضل الجوهري في جامع عمرو بن العاص يعظ الناس في الوزن فقال في جملة كلامه إن هيئة اليد بالميزان عظة وذلك أن الأصابع تجيء منها صورة المكتوبة ألف ولامان وهاء فكأن الميزان يقول الله الله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وعظ جميل، و ****«التأويل »**** في هذه الآية المآل. قاله قتادة، ويحتمل أن يكون ****«التأويل »**** مصدر تأول أي يتأول عليكم الخير في جميع أموركم إذا أحسنتم في الكيل والوزن، والفرض من أمر الكيل والوزن تحري الحق، فإن غلب الإنسان تعد تحريه شيء يسير من تطفيف شاذاً لم يقصده بذلك نزر موضوع عنه إثمه، وذلك ما لا يكون الانفكاك عنه في وسع.

١ علق أبو حيان الأندلسي في (البحر المحيط) على ذلك فقال: "ولا يجوز أن يكون من القسط لاختلاف المادتين، لأن القسط مادته (ق س ط)، وذلك مادته (ق س ط س) ؛ إلا أن اعتقد زيادة السين آخرا (كسين قدموس وضغيوس) فيمكن، لكنه ليس من مواضع زيادة السين المقيسة"..

### الآية 17:36

> ﻿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [17:36]

وقوله  ولا تقف  معناه ولا تقل ولا تتبع. 
قال القاضي أبو محمد : لكنها لفظة تستعمل في القذف والعضه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«نحن بنو النضر لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا »**[(١)](#foonote-١)، ونقول فلان ِقْفَوتي أي موضع تهمتي، وتقول العرب رب سامع عذرتي ولم يسمع قفوتي[(٢)](#foonote-٢) أي ما رميت به، وهذا مثل للذي يفشي سره ويعتذر من ذنب لم يسمعه المعتذر إليه، وقد قال ابن عباس أيضاً ومجاهد : ولا تقف  معناه، ولا ترم، ومن هذه اللفظة قول الشاعر :
ومثل الدمى شم العرانين ساكن. . . بهن الحياء لا يشعن التقافيا[(٣)](#foonote-٣)
وقال الكميت :\[ الوافر \]
ولا أرم البرى بغير ذنب. . . ولا أقفو الحواضن إن قفينا[(٤)](#foonote-٤)
وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول قفوت الأثر، ويشبه أن هذا من القفا مأخوذ، ومنه قافية الشعر لأنها تقفو البيت، وتقول قفت الأثر، ومن هذا : هو القائف، وتقول فقوت الأثر بتقديم الفاء على القاف، ويشبه أن يكون هذا من تلعب العرب في بعض الألفاظ، كما قالوا وعمري في لعمري وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت قفا وقاف مثل عثا وعاث، فمعنى الآية، ولا تتبع لسانك من القول ما لا علم لك به، وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثل جبذ وجذب فهذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة الردية، وقرأ الجمهور **«ولا تقف »**، وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي **«ولا تقُفْ »** بضم القاف وسكون الفاء، وقرأ الجراح **«والفآد »** بفتح الفاء وهي لغة، وأنكرها أبو حاتم وغيره[(٥)](#foonote-٥)، وعبر عن  السمع والبصر والفؤاد  ب  أولئك  لأنها حواس لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها ب  أولئك ، وقد قال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى :
 رأيتهم لي ساجدين [(٦)](#foonote-٦) إنه إنما قال رأيتهم في نجوم لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل، عبر عنها بكناية من يعقل، وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل ب **«أولئك »**، وأنشد هو والطبري :\[ الكامل \]. 
ذم المنازل بعد منزلة اللوى. . . والعيش بعد أولئك الأيام[(٧)](#foonote-٧)
فأما حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده، وأما البيت فالرواية فيه الأقوام، والضمير في  عنه  يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى أن الله تعالى يسأل سمع الإنسان، وبصره، وفؤاده عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه وتلك غاية الخزي، ويحتمل أن يعود الضمير في  عنه  على كل التي هي للسمع والبصر والفؤاد، والمعنى أن الله تعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصر وفؤاده، فكأنه قال كل هذه كان الإنسان عنه مسؤولاً، أي عما حصل لهؤلاء من الإدراكات ووقع منها من الخطأ، فالتقدير عن أعمالها مسؤولاً، فهو على حذف مضاف.

١ أخرجه ابن ماجه في الحدود، وأحمد في مسنده (٥ – ٢١١، ٢١٢)، ولفظه كما في المسند، عن الأشعث بن قيس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقج لا يرون أني أفضلهم، فقلت: يا رسول الله، إنا نزعم أنكم منا، ولا ننتفي من أبينا)، قال: فكان الأشعث يقول: لا أوتي برجل نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. ومعنى (لا نقفو أمنا): لا نسب أمنا..
٢ العذرة: المعذرة، والقفوة: الذئب، يقال: قفوت الرجل إذا قذفته بفجور صريحا، وفي الحديث الشريف: (لا حد إلا في القفو البين). وهذا المثل يقوله الرجل يعتذر من أمر شتم به إلى الناس، ولو سكت لم يعلم به. ويروى هذا المثل: "ري سامع قفوتي ولم يسمع عذرتي"، قال الأصمعي: معناه: سمع ما أكره من أمري، ولم يسمع ما يغسله عني..
٣ هذا البيت للنابغة الجعدي، وهو عبد الله بن قيس، أبو ليلى، وقد استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن على أن معنى التقافي: التقاذف. وقد نقل صاحب اللسان عن أبي عبيد أن الأصل في القفو والتقافي: البهتان يرمي به الرجل صاحبه، ويقال: قفا فلان فلانا: أتبعه أمرا كلاما قبيحا، وقال الفراء عن هذه الآية: أكثر القراء يجعلونها من قفوت، والدمى: جمع دمية، وهي التمثال من العاج أو المرمر ونحوهما. والعرانين: جمع عرنين، وهو ما صلب من عظم الأنف، أي القصبة، والشمم في العرانين هو ارتفاعها، وهو من علامات الجمال، يصفهن بالجمال فيشبههن بالدمى، وبجمال الأنوف المرتفعة، والحياء الذي يكسبهن الوقار والكمال، ثم يختم ذلك بأنهن لا يعرفن تتبع الأقاويل، ولا يبحثن عن عيوب الناس وأخبارهم..
٤ هذا البيت شاهد أيضا على أن القفو هو تتبع عورات الناس وعيوبهم. ورمى فلان فلانا بأمر قبيح: قذفه به، ومنه قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات، وقوله: والذين يرمون أزواجهم، يقول: إنه لا يرمي بريئا ولا يقذفه بأمر قبيح وهو لم يرتكب ذنبا، والحواصن: جمع حاصن من النساء، يقال: حصنت المرأة تحصن حصنا وحصنا إذا عفت عن الريبة، وقيل: الحواصن من النساء: الحبالى: فهو أيضا لا يتهم المحصنات من النساء إذا تتبعهن غيره من الناس، وظاهر من بيت الكميت أنه تأثر كثيرا بالقرآن الكريم، لفظا ومعنى..
٥ قال أبو الفتح ابن جني: "لم يذكر أبو حاتم هو ولا ابن مجاهد الهمز ولا تركه، وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان (الفؤاد) بضم الفاء وبالهمز، ثم خففت فخلصت في اللفظ واوا، وفتحت الفاء على ما في ذلك. فبقيت واوا"، ومعنى ذلك أنه يختار مع فتح الفاء ترك الهمز..
٦ من الآية (٤) من سورة (يوسف)..
٧ هذا البيت لجرير، قاله من قصيدة يجيب بها الفرزدق، ومطلعها:
 سرت الهموم فبتن غير نيام وأخو الهمــوم يروم كل مــرام.
 والشاهد فيه عند الزجاج والطبري هو الإشارة إلى الأيام بأولئك، وابن عطية يقول: إن الرواية هي الأقوام بدلا من الأيام، وعلى هذا فلا شاهد في البيت..

### الآية 17:37

> ﻿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [17:37]

قرأ الجمهور **«مرَحاً »** بفتح الراء مصدر من مرَح يمرَح إذا تسبب مسروراً بدنياه مقبلاً على راحته، فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولاً، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فَقَصْرُكَ نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم. 
قال القاضي أبو محمد : وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزهاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب **«مرِحاً »** بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله  لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً  أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحاً، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحاً فيترتب في **«المرِح »** بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، وخرق الأرض قطعها، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول الشاعر :\[ المتقارب \]
وخرق تجاوزت مجهوله. . . بوجناء خرق تشكى الكلالا[(١)](#foonote-١)
ويقال لثقب الأرض، وليس هذا المعنى في الآية، ومنه قول رؤبة بن العجاج :
وقاتم الأعماق خاوي المخترق[(٢)](#foonote-٢). . . وقرأ الجراح الأعرابي **«تخرُق »** بضم الراء، وقال أبو حاتم : لا تعرف هذه اللغة.

١ الخرق: الأرض البعيدة، مستوية كانت أو غير مستوية، وقيل: هي الفلاة الواسعة، سميت بذلك لانخراق الريح فيها، وأراد هنا المكان من الأرض الذي تنطبق عليه هذه الصفات. وتجاوزه: قطعه ومر منه سالما، وناقة وجناء: تامة الخلق، غليظة لحم الوجنة صلبة شديدة، أو هي: العظيمة الوجنتين. والناقة الخرقاء: التي يقع منسمها بالأرض قبل خفها، أو لا تتعهد مواضع قوائمها. والكلال: التعب، يقول: إنه قطع هذا المكان الواسع من الأرض بهذه الناقة الوجناء التي تضرب في الأرض بسرعة وتشتكي التعب والكلال..
٢ هذا مطلع قصيدة قالها رؤبة في وصف المفازة، وفيها يقول:
 وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الأعلام لماع الخنق.
 وهي قصيدة طويلة محبوكة، وقد أكثر اللغويون من الاستشهاد بأبياتها. وقاتم الأعماق: واد مظلم الجوانب لما فيه من غبار كثيف ثائر يكاد يحجب الرؤية. والخاوي: الخالي، والمخترق: الممر والمقطع. وهذا هو موضع الشاهد، وقد استشهد به أبو عبيدة في (مجاز القرآن) على ذلك، قال بعد أن روى البيت: "أي: المقطع". والأعلام: العلامات التي يهتدي بها المسافرون في الصحراء الواسعة، يقول: إنها متشابهة لا تساعد على معرفة الطريق..

### الآية 17:38

> ﻿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [17:38]

وقوله تعالى : كل ذلك كان سيئة  الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأبو جعفر والأعرج ******«سيئة »******، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق ****«سيئه »**** على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيىء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ ****«سيئه »**** بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين : وسيىء اسم  كان  و  مكروهاً  خبرها، وأما من قرأ ******«سيئة »****** فهي الخبر ل  كان ، و[(١)](#foonote-١)اختلف الناس في إعراب قوله  مكروهاً ، فقالت فرقة هو خبر ثان ل  كان  حمله على لفظ كل، و ******«سيئة »****** محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل، وقال بعضهم هو نعت ل  سيئة  لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. 
قال القاضي أبو محمد : وضعف أبو علي الفارسي هذا، وقال إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر :\[ المتقارب \]. 
فلا مزنة ودقت ودقها. . . ولا أرض أبقل إبقالها[(٢)](#foonote-٢)
مستقبح عندهم، ولو قال قائل، أبقل أرض لم يكن قبيحاً، قال أبو علي ولكن يجوز في قوله  مكروهاً  أن يكون بدلاً من  سيئة ، قال ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في قوله  عند ربك  ويكون قوله  عند ربك  في موضع الصفة ل  سيئة ، وقرا عبد الله بن مسعود **«كان سيئاته »**، وروي عنه **«كان سيئات »** بغير هاء، وروي عنه **«كان خبيثة »**، وذهب الطبري إلى أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولاً : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  \[ الإسراء : ٢٣ \] وليس ذلك بالبين.

١ قال الزمخشري: "السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب، والاسم زال عنه حكم الصفات، فلا اعتبار بتأنيثه، ولا فرق بين من قرأ: \[سيئة\] ومن قرأ: \[سيئا\]، ألا تراك تقول: الزنى سيئة، كما نقول: السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث"، وهذا تخريج جيد..
٢ البيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في الخزانة، والكتاب، وابن يعيش، وهمع الهوامع، والعيني، وابن الشجري، يصف أرضا بالخصب لكثرة الغيث، والمزنة: واحدة المزن وهو السحاب يحمل الماء، والودق: المطر، وأبقلت: أخرجت البقل، وهو ما ليس بشجر من النبات، والبيت شاهد عند النحويين على حذف التاء من (أبقلت) لضرورة الشعر، ويسوغ ذلك أن الأرض بمعنى المكان. وقد يعبر عن ذلك بأنه تذكير الصفة للمؤنث حملا على المعنى للضرورة. وهو قبيح كما قال أبو علي. وهناك تخريجات كثيرة للبيت غير ما أشرنا إليه. وعامر بن جوين هذا واحد من الخلعاء الفتاك، وقد تبرأ قومه من جرائره، وقد نزل به امرؤ القيس. وقد قتل حين غزت كلب بني جرم فجعل بعض فرسانها يدفعونه، فقال لهم: لا يكن لعامر بن جوين الهوان، فقالوا: وإنك لهو؟ قال: نعم، فذبحوه ومضوا، وجاء ابنه واسمه الأسود بن عامر وتتبعهم وأخذ منهم ثمانية، وقتلهم واحدا واحد أخذا بثأر أبيه..

### الآية 17:39

> ﻿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [17:39]

قوله  ذلك مما أوحى إليك ربك  الآية. الإشارة ب  ذلك  إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن الأخلاق، و  الحكمة  قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة، ثم عطف قوله  ولا تجعل  على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي عليه السلام، والمراد كل من سمع الآية من البشر، و **«المدحور »**، المهان المبعد.

### الآية 17:40

> ﻿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [17:40]

وقوله  أفأصفاكم  الآية، خطاب للعرب التي كانت تقول الملائكة بنات الله، فقررهم الله على هذه الحجة، أي أنتم أيها البشر لكم الأعلى من النسل ولله الإناث ؟ فلما ظهر هذا التباعد الذي في قولهم عظم الله عليهم فساد ما يقولونه وشنعته، ومعناه عظيماً في المنكر والوخامة، و **«أصفاكم »** معناه جعلكم أصحاب الصفوة، وحكى الطبري عن قتادة عن بعض أهل العلم أنه قال : نزلت هذه الآية في اليهود لأنهم قالوا هذه المقالة من أن الملائكة بنات الله.

### الآية 17:41

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا [17:41]

قرأ الجمهور **«صرّفنا »** بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن **«صرَفنا »** بتخفيف الراء على معنى صرَفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء : إن قوله  في  زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور **«ليذَّكَّروا »** وقرأ حمزة والكسائي **«ليذْكُروا »** بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحه ويحيى والأعمش، وما في ضمن الآية من ترج وطماعية فهو في حق البشر وبحسب ظنهم فيمن يفعل الله معه هذا، و **«النفور »** عبارة عن شدة الإعراض تشبيهاً بنفور الدابة، وهو في هذه الآية مصدر لا غير، وروي أن في الإنجيل في معنى هذه الآية : يا بني إسرائيل شوقناكم فلم تشتاقوا ونحنا لكم فلم تبكوا.

### الآية 17:42

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [17:42]

وقوله تعالى : قل لو كان معه آلهة  الآية إخبار بالحجة، واختلف الناس في معنى قوله  لا تبتغوا إلى ذي العرش سبيلاً  فحكى الطبري وغيره من المفسرين أن معناه لطلب هؤلاء الآلهة الزلفى إلى ذي العرش والقربة إليه بطاعته، فيكون السبيل على هذا التأويل بمعناها في قوله  فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً [(١)](#foonote-١)، وقال سعيد بن جبير وأبو علي الفارسي والنقاش وقاله المتكلمون أبو منصور وغيره، إن معنى الكلام، لابتغوا إليه سبيلاً في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته، وعلى هذا التأويل تكون الآية بياناً للتمانع، وجارية مع قوله  لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : ونقتضب شيئاً من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع الله تبارك وتعالى غيره، وذلك على ما قال أبو المعالي وغيره. إنا لو فرضناه لفرضنا أن يريد أحدهما تسكين[(٣)](#foonote-٣) جسم والآخر تحريكه، ومستحيل أن تنفذ الإرادتان، ومستحيل أن لا تنفذ جميعاً، فيكون الجسم لا متحركاً ولا ساكناً، فإن صحت إرادة أحدهما دون الآخر فالذي لم تتم إرادته ليس بإله، فإن قيل نفرضهما لا يختلفان، قلنا اختلافهما جائز غير ممتنع عقلاً، والجائز في حكم الواقع، ودليل آخر، إنه لو كان الاثنان لم يمتنع أن يكونوا ثلاثة، وكذلك إلى ما لا نهاية، ودليل آخر أن الجزء الذي لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق به إلا قدرة واحدة، لا يصح فيها اشتراك، والآخر كذلك دأباً، فكل جزء إنما يخترعه واحد، وهذه نبذة شرحها بحسب التقصي يطول، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم **«كما يقولون »** بالياء من تحت، وقرأ الجمهور **«كما تقولون »**.

١ تكررت في الآيتين (١٩) من سورة (المزمل)، و (٢٩) من سورة (الإنسان)..
٢ من الآية (٢٢) من سورة (الأنبياء)..
٣ ؟؟؟؟؟.

### الآية 17:43

> ﻿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا [17:43]

و  سبحانه  مصدر بفعل متروك إظهاره، فهو بمعنى التنزيه، موضعه هنا موضع تنزه، فلذلك عطف الفعل عليه في قوله  وتعالى ، والتعالي تفاعل أما في الشاهد والأجرام فهو من اثنين، لأن الإنسان إذ صعد في منزله أو في جبل فكأن ذلك يعاليه، وهو يعالي ويرتقي، وأما في ذكر الله تعالى فالتعالي هو بالقدر لا بالإضافة إلى شيء آخر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو **«عما يقولون »** بالياء، وقرأ حمزة والكسائي **«تقولون »** بالتاء من فوق، . 
و  علواً ، مصدر على غير الفعل، فهو كقوله  والله أنبتكم من الأرض نباتاً [(١)](#foonote-١) وهذا كثير.

١ الآية (١٧) من سورة (نوح)..

### الآية 17:44

> ﻿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [17:44]

وقوله تعالى : تسبح له السماوات  الآية، المعنى ينزهه عن هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيله،  السماوات السبع والأرض ، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله  من فيهن  يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله  وإن من شيء إلا يسبح بحمده  أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي [(١)](#foonote-١) وقالت فرقة  من شيء  لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة، فمن هذا قول عكرمة : الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان : أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد ؟ فقال قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خواناً مدهوناً أو نحوه صارت جماداً، وقالت فرقة : هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة لكان أمراً مفقوهاً، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. 
قال القاضي أبو محمد : وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله  لا تفقهون  الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء وقال الحسن : بلغني أن معنى هذه الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر :**«يسبح له »** بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي **«تسبح »** بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش **«سبحت له السماوات »**، وقوله  إنه كان حليماً غفوراً  فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون قولاً ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات،  إنه كان حليماً غفوراً  فلذلك أمهلكم.

١ من الآية (١٨) من سورة (ص)..

### الآية 17:45

> ﻿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [17:45]

هذه الآية تحتمل معنيين : أحدهما أن الله تعالى أخبر نبيه أنه يحميه من الكفرة أهل مكة الذي كانوا يؤذونه في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد ويريدون مد اليد إليه، وأحوالهم في هذا المعنى مشهورة مروية، والمعنى الآخر أنه أعلمه أنه يجعل بين الكفرة وبين فهم ما يقرأه محمد عليه السلام حجاباً، فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها، وعلى التأويل الأول هما آيتان لمعنيين، وقوله  مستوراً  أظهر ما فيه أن يكون نعتاً للحجاب، أي مستوراً عن أعين الخلق لا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب، وإنما هو من قدرة الله وكفايته وإضلاله بحسب التأويلين المذكورين، وقيل التقدير مستوراً به على حذف العائد وقال الأخفش  مستوراً  بمعنى ساتر كمشؤوم وميمون فإنهما بمعنى شائم ويامن. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لغير داعية إليه، تكلف، وليس مثاله بمسلم، وقيل هو على جهة المبالغة كما قالوا شعر شاعر، وهذا معترض بأن المبالغة أبداً إنما تكون باسم الفاعل ومن اللفظ الأول، فلو قال حجاباً حاجباً لكان التنظير صحيحاً.

### الآية 17:46

> ﻿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [17:46]

وقوله  وجعلنا على قلوبهم أكنة  الآية، الأكنة جمع كنان، وهو ما غطى الشيء، ومنه كنانة النبل، و **«الوقر »** الثقل في الأذن المانع من السمع، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفهم الله به، فعبر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من غطى قلبه وصمت أذنه، وقوله  وإذا ذكرت  الآية، يريد إذا جاءت مواضع التوحيد في القرآن أثناء قراءتك فرَّ كفار مكة من سماع ذلك إنكاراً له واستشباعاً، إذ فيه رفض آلهتهم واطراحها، وقال بعض العلماء : إن ملأ قريش دخلوا على أبي طالب يزورونه فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ ومر بالتوحيد، ثم قال **«يا معشر قريش قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم »**، فولوا ونفروا، فنزلت الآية، وأن تكون الآية وصف حال الفارين عنه في وقت توحيده في قراءته أبين وأجرى مع اللفظ، وقوله  نفوراً  يصح أن يكون مصدراً في موضع الحال، ويصح أن يكون جمع نافر كشاهد وشهود، لأن فعولاً من أبنية فاعل في الصفات، ونصبه على الحال، أي نافرين، وقوله  أن يفقهوه   أن  نصب على المفعول أي **«كراهة أن »**، أو **«منع أن »**، والضمير في  يفقهوه  عائد على  القرآن ، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : إنما عنى بقوله : ولوا على أدبارهم نفوراً  الشياطين وأنهم يفرون من قراءة القرآن، يريد أن المعنى يدل عليهم وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ُحصاص »**[(١)](#foonote-١)

١ أخرجه البخاري في الأذان، والعمل في الصلاة والسهو، وبدء الخلق، وأخرجه مسلم في الصلاة، والمساجد، وأخرجه أبو داود، والدارمي في الصلاة، والنسائي في الأذان، والسهو، ومالك في النداء في موطئه، وأحمد في مسنده (٢ – ٣١٣، ٤٦٠، ٥ ٥٢٢)، واللفظ هنا لفظ مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، والحصاص: شدة العدو، وقيل: هو الضراط، وإنما ضرط لثقل الأذان عليه، كما يضرط الحمار من ثقل الحمل، قاله ابن مالك، وفي رواية أخرى: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا، واذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى). (راجع مسلم في الصلاة)..

### الآية 17:47

> ﻿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [17:47]

وقوله  نحن أعلم بما يستمعون به  الآية، هذا كما تقول فلان يستمع بحرص وإقبال، أو بإعراض وتغافل واستخفاف، فالضمير في  به  عائد على  ما ، وهي بمعنى الذي، والمراد بالذي ما ذكرناه من الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال : نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به، أي هو ملازمهم، ففضح الله بهذه الآية سرهم، والعامل في  إذ  الأولى وفي المعطوفة عليها  يستمعون  الأول، وقوله  وإذ هم نجوى  وصفهم بالمصدر، كما قالوا : قوم رضى وعدل، وقيل المراد بقوله : وإذ هم نجوى  اجتماعهم في دار الندوة ثم انتشرت عنهم، وقوله  مسحوراً  الظاهر فيه أن يكون من السحر، فشبهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبل السحر عقله وأفسد كلامه، وتكون الآية على هذا شبيهة بقول بعضهم  به جنة  \[ المؤمنون : ٢٥ \] ونحو هذا، وقال أبو عبيدة : مسحوراً  معناه ذا سحر، وهي الرية يقال لها سحر وسُحر بضم السين، ومنه قول عائشة رضي الله عنها : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري[(١)](#foonote-١) ومنه قولهم للجبان : انتفخ سحره، لأن الفازع تنتفخ ريته، فكأن مقصد الكفار بهذا التنبيه على أنه بشر أي ذا رية، قال : ومن هذا يقال لكل من يأكل ويشرب من آدمي وغيره : مسحور ومسحر، ومنه قول امرىء القيس :\[ الوافر \]
ونسحر بالطعام وبالشراب[(٢)](#foonote-٢). . . وقول لبيد : بالطويل \]
فإن تسألينا فيمَ نَحْنُ فإننا. . . عصافيرُ من هذا الأنام المسحَّر[(٣)](#foonote-٣)
ومنه السحور، وهو إلى هذه اللفظة أقرب منه إلى السحر، ويشبه أن يكون من السحر، كالصبوح من الصباح، والآية التي بعد هذا تقوي أن اللفظة التي في الآية من السِّحر، بكسر السين (. . . . . . )[(٤)](#foonote-٤)، لأن حينئذ في قولهم ضرب مثل له وأما على أنها من السحر الذي هو الرية ومن التغذي وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر فلم يضرب له في ذلك مثل بل هي صفة حقيقة له.

١ أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، ولفظه كما في مسند أحمد (٦ – ١٢١)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: (قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه سحري ونحري، قالت: فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا أطيب منها)..
٢ هذا عجز بيت جعله امرؤ القيس مطلع أبيات يتعجب فيها من صروف الدهر ومن أحوال الزمن معه، والبيت بتمامه: 
 أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب
 وموضعين: مسرعين، وأمر الغيب هو الموت، ونسحر: نغذي، وهو الشاهد هنا، وقيل: نسحر: نلهو، ومن أبيات هذه القصيدة البيت المشهور: 
 وقد طوفت بالآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
 والبيت في اللسان، ومجاز القرآن، والبيان والتبيين، والحيوان، وتفسير الطبري، والقرطبي، والبحر المحيط، وأمالي المرتضى. ويروى: (أرانا مرصدين لأمر غيب).
 يقول: إننا في هذه الدنيا نسرع إلى شيء رهيب هو الموت، أو شيء مجهول لا ندري عنه شيئا، ونحن نعلل بالطعام وبالشراب عن هذا الشيء المجهول، أو نعلل باللهو عن الموت، فكأنه يقول: كيف يستمتع باللهو أو بالطعام والشراب من هو ماض فس سرعة نحو هذا المجهول المخيف؟.
٣ البيت من قصيدة له يذكر فيها من فقد من قومه ومن سادات العرب، ويتأمل في سطوة الموت وضعف الإنسان أمامه ومطلعها:
 أعـــادل قـــومي فاعذلي الآن أو دعي فلست وإن أقصرت عني بمقصر
 وعصافير معناها: ضعاف لا حول لنا ولا قوة أمام الموت وجبروته، والمسحر: الذي يعلل بالطعام والشراب، والأنام: جميع ما على الأرض من الخلق. والبيت في فكرته كبيت امرىء القيس السابق، وقوله تعالى: إنما أنت من المسحرين من هذا المعنى. والبيت كذلك في اللسان، ومجاز القرآن، والبيان والتبيين، والحيوان، والطبري، والقرطبي، والبحر المحيط..
٤ في جميع الأصول يوجد بياض بين قوله: لأن، وقوله: حينئذ. وقد نقل أبو حيان في البحر المحيط هذه العبارة كاملة عن ابن عطية، وفيه أيضا إشارة إلى هذا البياض في الأصول؛ والأقرب أن تكون الكلمة الساقطة من الجملة هي "مسحورا"..

### الآية 17:48

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [17:48]

ضرب المثل له هو قولهم مسحور، ساحر، مجنون، متكهن، لأنه لم يكن عندهم متيقناً بأحد هذه، فإنما كانت منهم على جهة التشبيه، ثم رأى الوليد بن المغيرة أن أقرب هذه الأمور على تخيل الطارئين عليهم هو أنه ساحر، ثم حكم الله عليهم بالضلال، وقوله  فلا يستطيعون سبيلاً  يحتمل معنيين : أحدهما لا يستطيعون سبيلاً إلى الهدى والنظر المؤدي إلى الإيمان، فتجري الآية مجرى قوله  وجعلنا على قلوبهم أكنة [(١)](#foonote-١) \[ الأنعام : ٢٥ \] ونحو هذا، والآخر : لا يستطيعون سبيلاً إلى فساد أمرك وإطفاء نور الله فيك بضربهم الأمثال لك واتباعهم كل حيلة[(٢)](#foonote-٢) في جهتك، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه.

١ في الآية (٤٦) من هذه السورة، وهي قبل هذا بقليل..
٢ في بعض النسخ: "واتباعهم كل خليقة"..

### الآية 17:49

> ﻿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [17:49]

وقوله  إذا كنا عظاماً  الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد، و **«الرفات »** من الأشياء : ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، وقربه من حالة التراب، يقال : رفت رفتاً فهو مرفوت[(١)](#foonote-١)، وفعال : بناء لهذا المعنى، كالحطام، والفتات، والرصاص، والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس : رفاتاً  غباراً، وقال مجاهد : تراباً، واختلف القراء في هذين الاستفهامين : فقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«أيذا كنا تراباً أينا »** جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ الثانية **«إنا »** مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة :**«أإذا أإنا »** بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر **«إذا كنا »**، مكسورة الألف من غير استفهام **«ءإنا »** يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة، وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات[(٢)](#foonote-٢)، و  جديداً  صفة لما قرب حدوثة من الأشياء، وهكذا يوصف به المذكر والمؤنث، فيقال ملحفة جديد وقولهم جديدة، لغة ضعيفة، كذا قال سيبويه.

١ في اللسان (رفت): "ورفت العظم يرفت رفتا: صار رفاتا، وفي حديث ابن الزبير لما أراد هدم الكعبة وبناءها بالورس، قيل له: إن الورس يتفتت ويصير رفاتا"..
٢ راجع الجزء الثامن صفحة ١٢١، ١٢٢..

### الآية 17:50

> ﻿۞ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا [17:50]

وقوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديداً  الآية، المعنى : قل لهم يا محمد كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي، لا بد من بعثكم، وقوله  كونوا  هو الذي يسميه المتكلمون التعجيز من أنواع لفظة افعل، وبهذه الآية مثل بعضهم، وفي هذا عندي نظر : وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب، كقوله تعالى : فادرؤوا عن أنفسكم الموت [(١)](#foonote-١)، ونحوه، وأما هذه الآية، فمعناها : كونوا بالتوهم والتقدير كذا وكذا، الذي فطركم كذلك، هو يعيدكم.

١ من الآية (١٦٨) من سورة (آل عمران)..

### الآية 17:51

> ﻿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [17:51]

وقال مجاهد أراد ب **«الخلق »**، الذي يكبر في الصدور : السماوات والأرض والجبال، وقال ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو والحسن وابن جبير والضحاك : أراد الموت، وقال قتادة ومجاهد : بل أحال على فكرتهم عموماً، ورجحه الطبري، وهذا هو الأصح، لأنه بدأ بشيء صلب، ثم تدرج القول إلى أقوى منه، ثم أحال على فكرهم، إن شاؤوا في أشد من الحديد، فلا وجه لتخصيص شيء دون شيء، ثم احتج عليهم عز وجل في الإعادة بالفطرة الأولى، من حيث خلقهم، واخترعهم من تراب، فكذلك يعيدهم إذا شاء، لا رب غيره، وقوله  فسينغضون  معناه : يرفعون ويخفضون يريد على جهة التكذيب، قال ابن عباس : والاستهزاء. 
قال الزجاج : تحريك من يبطل الشيء ويستبطئه، ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
أنغض نحوي رأسه وأقنعا. . . كأنما أبصر شيئاً أطمعا[(١)](#foonote-١)
ويقال نغضت السنّ إذا تحركت وقال ذو الرمة :\[ الطويل \]
ظعائن لم يسكن أكناف قرية. . . بسيف ولم تنغض بهن القناطر[(٢)](#foonote-٢)
قال الطبري وابن سلام و  عسى  من الله واجبة والمعنى : وهو قريب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه إنما هي من النبي عليه السلام، ولكنها بأمر الله، فيقربها ذلك من الوجوب، وكذلك قال عليه السلام **«بعثت أنا والساعة كهاتين »**[(٣)](#foonote-٣)، وفي ضمن اللفظ توعد لهم.

١ يستشهد ابن عطية بهذا الرجز على ـأن (أنغض) بمعنى: حرك رأسه حركة من يبطل الشيء ويستبطئه، قال الفراء: "أنغض رأسه إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل". وفي اللسان: "الرأس ينغض وينغص، لغتان"، وأقنعا: رفع بصره ووجهه إلى ما حيال رأسه من السماء مع شخوص البصر نحو الشيء لا يصرفه عنه، وفي التنزيل العيز: مقنعي رءوسهم. يصفه في البيتين بأنه حرك رأسه حركة من لا يقبل الشيء، وشخص ببصره نحو السماء لا يصرفه كأنه رأى شيئا طمع فيه..
٢ الظعائن: جمع ظعينة، والظعينة في الأصل: الجمل يظعن عليه، أو الهودج، ثم قيل للمرأة في الهودج: ظعينة، سميت بذلك على حد تسمية الشيء باسم الشيء لقربه منه. والأكناف: جمع كنف وهو ناحية الشيء، فأكناف القرية: نواحيها، والسيف: ساحل البحر، وقال ابن الأعرابي: الموضع النقي من الماء، وفي حديث جابر: (فأتينا سيف البحر) أي: ساحله. وقد استشهد في اللسان (نغض) بالجزء الأخير من البيت، قال: "وكل حركة في ارتجاف نغض، يقال: نغض رحل البعير وثنية الغلام نغضا ونغضانا، قال ذو الرمة: ولم تنغض بهن القناطر"..
٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري، ومسلم، والترمذي، عن أنس رضي الله عنه، وأخرجه الإمام أحمد أيضا في مسنده، والبخاري، ومسلم، عن سهل بن سعد، ورمز له الإمام السيوطي بالصحة في الجامع الصغير..

### الآية 17:52

> ﻿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [17:52]

يوم  : بدل من قوله  قريباً  \[ الإسراء : ٥١ \]، ويظهر أن يكون المعنى : هو يوم، جواباً لقولهم : متى هو  \[ ذاته \] ويريد : يدعوكم من قبوركم بالنفخ في الصور، لقيام الساعة، وقوله  فتستجيبون  أي بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة، وقوله : بحمده ، حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال معناه : بأمره، وكذلك قال ابن جريج، وقال قتادة معناه : بطاعته ومعرفته، وهذا كله تفسير لا يعطيه اللفظ ولا شك أن جيمع ذلك بأمر الله تعالى وإنما معنى  بحمده  : إما أن جميع العالمين، كما قال ابن جبير، يقومون وهم يحمدون الله ويحمدونه لما يظهر لهم من قدرته، وإما أن قوله  بحمده  هو كما تقول لرجل خصمته وحاورته في علم قد أخطأت بحمد الله[(١)](#foonote-١)، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم في هذه الآيات : عسى، أن الساعة قريبة، يوم يدعون فيقومون بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك بحمد الله على صدق خبري، نحا هذا المنحى الطبري ولم يخلصه، وقوله تعالى  وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً  يحتمل معنيين : أحدهما أنه أخبر أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة، وتصرف الأجساد، وقع لهم ظن أنهم لم ينفصلوا عن حال الدنيا إلا قليلاً لمغيب علم مقدار الزمن عنهم، إذ من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا، إذ هم لا محالة أشد مفارقة لها من النائمين، وعلى هذا التأويل عول الطبري، واحتج بقوله تعالى : كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أبو بعض يوم [(٢)](#foonote-٢)، والآخر : أن يكون الظن بمعنى اليقين فكأنه قال لهم : يوم تدعون فتستجيبون بحمد الله، وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلاً، من حيث هو منقض منحصر، وهذا كما يقال في الدنيا بأسرها : متاع قليل، فكأنه قلة قدر على أن الظن بمعنى اليقين يقلق ها هنا لأنه في شيء قد وقع، وإنما يجيء الظن بمعنى اليقين فيما لم يخرج بعد إلى الكون والوجود، وفي الكلام تقوية للبعث، كأنه يقول : أنت أيها المكذب بالحشر، الذي تعتقد أنك لا تبعث أبداً، لا بد أن تدعى للبعث، فتقوم، وترى أنك إنما لبثت قليلاً منقضياً منصرماً. وحكى الطبري عن قتادة أنهم لما رأوا هول يوم القيامة احتقروا الدنيا فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلاً. 
١ قال أبو حيان الأندلسي توضيحا لهذا: "إن قولك: بحمد الله" ليس حالا من فاعل " أخطأت و"، بل المعنى: أخطأت والحمد لله، وهذا معنى متكلف نحا إليه الطبري، وكأن "بحمده" يكون اعتراضا، إذ معناه: والحمد لله، ونظيره قول الشاعر:
 فإني بحمد الله لا ثوب فاجـــــر لبست، ولا من غدرة أتقنع.
 أي: فإني – والحمد لله -، فهذا اعتراض بين اسم إن وخبرها، كما أن – بحمده – اعتراض بين المتعاطفين...
 ثم اعترض على تعبير لابن عطية فقال: "ووقع في لفظ ابن عطية حين قرر هذا المعنى قوله: (عسى أن الساعة قريبة)، وهو تركيب لا يجوز، لا تقول: عسى أن زيدا قائم، بخلاف: عسى أن يقوم زيد"..
٢ من الآيتين (١١٢، ١١٣) من سورة (المؤمنون)..

### الآية 17:53

> ﻿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [17:53]

وقوله تعالى : وقل لعبادي  الآية اختلف النحويون في قوله  يقولوا  فمذهب سيبويه، أنه جواب شرط مقدر تقديره : وقل لعبادي : إنك إن تقل لهم يقولوا، وهذا على أصله، في أن الأمر لا يجاب، وإنما يجاب معه شرط مقدر، ومذهب الأخفش : أن الأمر يجاب، وأن قوله ها هنا  يقولوا  إنما هو جواب  قل . 
قال القاضي أبو محمد : ولا يصح المعنى على هذا بأن يجعل  قل  مختصة بهذه الألفاظ على معنى أن يقول لهم النبي : قولوا التي هي أحسن ؛ وإنما يصح بأن يكون  قل  أمراً بالمحاورة في هذا المعنى بما أمكن من الألفاظ، كأنه قال بين لعبادي، فتكون ثمرة ذلك القول والبيان قولهم  التي هي أحسن ، وهذا المعنى يجوزه مذهب سيبويه الذي قدمنا ومذهب أبي العباس المبرد : أن  يقولوا  جواب لأمر محذوف، تقديره : وقل لعبادي **«قولوا[(١)](#foonote-١) التي هي أحسن »** يقولوا فحذف وطوي الكلام، ومذهب الزجاج : أن  يقولوا  جزم بالأمر، بتقدير  قل لعبادي  ليقولوا، فحذفت اللام لتقدم الأمر، وحكى أبو علي في الحلبيات في تضاعيف كلامه : أن مذهب أبي عثمان المازني في  يقولوا  أنه فعل مبني، لأنه مضارع حل محل المبني الذي هو فعل الأمر ؛ لأن المعنى  قل لعبادي  قولوا، واختلف الناس في  التي هي أحسن  فقالت فرقة : هي لا إله إلا الله، ويلزم على هذا أن يكون قوله  لعبادي  يريد به جميع الخلق، لأن جميعهم مدعو إلى لا إله إلا الله. 
ويجيء قوله بعد ذلك  إن الشيطان ينزع بينهم  غير مناسب للمعنى، إلا على تكره، بأن يجعل  بينهم  بمعنى خلالهم، وأثناءهم، ويجعل النزع بمعنى الوسوسة والإضلال، وقال الجمهور : التي هي أحسن  هي المحاورة الحسنى بحسب معنى قال الحسن : يقول : يغفر الله لك، يرحمك الله، وقوله  لعبادي  خاص بالمؤمنين، فكأن الآية بمعنى قوله عليه السلام، **«وكونوا عباد الله إخواناً »**[(٢)](#foonote-٢) ثم اختلفوا، فقالت فرقة : أمر الله المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب، وخفض الجناح، وإلانة القول، واطراح نزغات الشيطان، وقالت فرقة : إنما أمر الله في هذه الآية المؤمنين بالإنة القول للمشركين بمكة، أيام المهادنة، وسبب الآية : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه بعض الكفرة، فسبه عمر وهم بقتله، فكاد أن يثير فتنة، فنزلت الآية وهي منسوخة بآية السيف[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ الجمهور :**«ينزَغ »** بفتح الزاي، وقرأ طلحة بن مصرف :**«ينزغ »**، بكسر الزاي على الأصل قال أبو حاتم : لعلها لغة، والقراءة بالفتح، ومعنى النزغ : حركة الشيطان بسرعة ليوجب فساداً، ومنه قول النبي عليه السلام **«لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزع الشيطان في يده »**[(٤)](#foonote-٤) فهذا يخرج اللفظة عن الوسوسة، و **«عداوة الشيطان البينة »** هي قصته مع آدم عليه السلام فما بعد.

١ هذه الأقوال كلها جرت في قوله تعالى: قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة..
٢ أخرجه البخاري في النكاح والفرائض والأدب، ومسلم في البر، وأبو داود في الأدب، وابن ماجه في الأطعمة والدعاء، ومالك في موطئه في حسن الخلق، وأحمد في مسنده (١ – ٣، ٥، ٧ – ٢ – ١٥٦)، ولفظه في البخاري في الأدب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا). والتناجش في البيع ونحوه هو التزايد في تقدير الأشياء إغراء وتمويها..
٣ ذكره الواحدي في أسباب النزول، وذكر سببا آخر نقله عن الكلبي، ونقله أيضا القرطبي، قال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وفي القرطبي أن المسلمين قالوا: "إئذن لنا يا رسول الله في قتالهم فقد طال إيذاؤهم لنا"، فقال :(لم أومر بعد بالقتال)..
٤ أخرجه البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه كما ذكره في الدر المنثور: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من نار)..

### الآية 17:54

> ﻿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [17:54]

وقوله تعالى : ربكم أعلم بكم  الآية، هذه الآية تقوي أن التي قبلها هي ما بين العباد المؤمنين وكفار مكة ؛ وذلك أن هذه المخاطبة في قوله  ربكم أعلم بكم  هي لكفار مكة بدليل قوله  وما أرسلناك عليهم وكيلاً  فكأن الله عز وجل أمر المؤمنين أن لا يخاشنوا الكفار في الدين ثم قال للكفار إنه أعلم بهم، ورجاهم وخوفهم، ومعنى  يرحمكم  بالتوبة عليكم من الكفر، قاله ابن جريج وغيره، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : فإنما عليك البلاغ، ولست بوكيل على إيمانهم ولا بد، فتتناسب الآيات بهذا التأويل.

### الآية 17:55

> ﻿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [17:55]

ثم قال تبارك وتعالى لنبيه عليه السلام  وربك أعلم بمن في السماوات والأرض  وهو الذي فضل بعض الأنبياء على بعض بحسب علمه فيهم، فهذه إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى استبعاد قريش أن يكون الرسول بشراً، المعنى : لا تنكروا أمر محمد عليه السلام، وإن أوتي قرآناً، فقد فضل النبيون، وأوتي داود زبوراً، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته، وتفضيل بعض الرسل، هو إما بهذا الإخبار المجمل دون أن يسمى المفضول وعلى هذا يتجه لنا أن نقول محمد أفضل البشر، وقد نهى عليه السلام عن تعيين أحد منهم في قصة موسى ويونس، وإما أن يكون التفضيل مقسماً فيهم : أعطي هذا التكليم، وأعطيت هذه الخلفة، ومحمد الخمس، وعيسى الإحياء، فكلهم مفضول على وجه فاضل على الإطلاق، وقوله  بمن في السماوات ، الباء متعلقة بفعل تقديره، علم من في السماوات ذهب إلى هذا أبو علي لأنه لو علقها ب  أعلم  لاقتضى أنه ليس بأعلم بغير ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يلزم ويصح تعلقها ب  أعلم  ولا يلتفت لدليل الخطاب[(١)](#foonote-١) وقرأ الجمهور :**«زَبوراً »** بفتح الزاي، وهو فَعول بمعنى مفعول، وهو قليل لم يجىء إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش **«زُبوراً »** بضم الزاي، وله وجهان : أحدهما أن يكون جمع زبور بحذف الزائد[(٢)](#foonote-٢)، كما قالوا في جمع ظريف، ظروف، والآخر، أن يكون جمع زبور كأن ما جاء به داود، جزىء أجزاء كل جزء منها زبر[(٣)](#foonote-٣)، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه قال : آتينا داود كتباً، ويحتمل أن يكون جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر[(٤)](#foonote-٤)، لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا كثيراً، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، في آخر كتاب مسلم :**«وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له »**[(٥)](#foonote-٥)، قال قتادة زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام.

١ أيد أبو حيان الأندلسي في (البحر المحيط) هذا الكلام، وقال: "وأيضا فإن (علم) لا يتعدى بالباء، إنما يتعدى لواحد بنفسه لا بوساطة حرف الجر"، ثم قال: "و\[بمن\] متعلق ب \[أعلم\] كما تعلق \[بكم\] قبله ب\[أعلم\]، ولا يدل تعلقه به على اختصاص أعلميته تعالى بما تعلق به، كقولك: "زيد أعلم بالنحو" إذ لا يدل هذا على أنه ليس أعلم بغير النحو من العلوم"..
٢ وهو الواو، قال ذلك أبو حيان..
٣ وهذا مثل فلس وفلوس..
٤ في اللسان (زبر): "ماله زبر، أي: ماله رأي، وقيل: ماله عقل وتماسك"..
٥ أخرجه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، ولفظ المسند هو، عن عياض بن حماد أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته: (إن ربي عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عجميهم وعربيهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤوه نائما ويقظانا، ثم إن الله عز وجل أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: يا رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، فاعزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جندا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل فقير عفيف متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا - أو تبعاء، شك يحيى- لا يبغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى عليه طمع وإن رق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل والكذب والشنظير الفاحش).
 ومعنى (لا يغسله الماء): محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على ممر الزمان. وأما قوله: (تقرؤه نائما ويقظانا) فمعناه: يكون محفوظا لك في حالتي النوم واليقظة، وقيل: تقرؤه في سهولة ويسر، وفي رواية مسلم: (نائما يقظان). ومعنى (يثلغوا): يشدخوا ويشجوا. ونغزك: نعينك، ومعنى (لا زبر له): لا عقل له يزبره ويمنعه مما لا ينبغي. وفي رواية مسلم: (والشنظير الفحاش). صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم..

### الآية 17:56

> ﻿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا [17:56]

الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم في هذه الآية، ليسوا عبدة الأصنام، وإنما هم عبدة من يعقل، واختلف في ذلك. فقال ابن عباس : هي في عبدة العزير والمسيح وأمه ونحوهم، وقال ابن عباس أيضاً، وابن مسعود : هي في عبدة الملائكة، وقال ابن مسعود أيضاً : هي في عبدة شياطين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أولئك الشياطين، وعبدتهم بقوا يعبدونهم فنزلت الآية في ذلك[(١)](#foonote-١). 
وقال ابن عباس أيضاً : هي في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه، وأي ذلك كان، فمعنى الآية : قل لهؤلاء الكفرة  ادعوا  عند الشدائد، و  الضر  هؤلاء المعبودين، فإنهم لا يملكون كشفه ولا تحويله عنكم.

١ ما بين العلامتين \[...... \] سقط في كثير من النسخ، وبخاصة النسخة التونسية..

### الآية 17:57

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [17:57]

ثم أخبرهم على قراءة ابن مسعود وقتادة **«تدعون »** بالتاء، أو أخبر النبي عليه السلام على قراءة الجمهور، **«يدعون »** بالياء من تحت، أن هؤلاء المعبودين، يطلبون التقرب إلى الله والتزلف إليه وأن هذه حقيقة حالهم، وقرأ ابن مسعود **«إلى ربك »**، والضمير في  ربهم  للمتبعين أو للجميع، و  الوسيلة ، هي القربة، وسبب الوصول إلى البغية، وتوسل الرجل : إذا طلب الدنو والنيل لأمر ما، وقال عنترة :
إن الرجال لهم إليك وسيلة[(٢)](#foonote-٢). . . ومنه قول النبي عليه السلام :**«من سأل الله لي الوسيلة »** الحديث[(٣)](#foonote-٣). و  أيهم  ابتداء، و  أقرب  خبر، و  أولئك  يراد به المعبودون وهو : ابتداء خبره  يبتغون  والضمير في  يدعون  للكفار، وفي  يبتغون  للمعبودين، والتقدير : نظرهم ووكدهم[(٤)](#foonote-٤) أيهم أقرب وهذا كما قال عمر بن الخطاب في حديث الراية بخيبر : فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها[(٥)](#foonote-٥) أي يتبارون في طلب القرب، وطفف الزجاج في هذا الموضع فتأمله. 
وقال ابن فورك وغيره : إن الكلام من قوله  أولئك الذين  راجع إلى النبيين المتقدم ذكرهم، ف  يدعون  على هذا من الدعاء، بمعنى الطلبة إلى الله، والضمائر لهم في  يدعون  وفي  يبتغون  وباقي الآية بين.

### الآية 17:58

> ﻿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [17:58]

وقوله تعالى : وإن من قرية  الآية : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع السلامة وأخذها جزءاً أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة فهذا عموم في كل مدينة و  من  لبيان الجنس[(١)](#foonote-١)، وقيل المراد الخصوص  وإن من قرية  ظالمة[(٢)](#foonote-٢)، وحكى النقاش أنه وجد في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية استقراء البلاد المعروفة اليوم، وذكر الهلاك كل قطر منها صفة، ثم ذكر نحو ذلك عن وهب بن منبه، فذكر فيه أن هلاك الأندلس وخرابها يكون بسنابك الخيل واختلاف الجيوش فيها، وتركت سائرها لعدم الصحة في ذلك، والمعلوم أن كل قرية تهلك، إما من جهة القحوط والخسف غرقاً، وإما من الفتن، أو منهما، وصور ذلك كثيرة لا يعلمها إلا الله عزّ وجل، فأما ما هلك بالفتنة، فعن ظلم ولا بد، إما في كفر أو معاص، أو تقصير في دفاع، وحزامة، وأما القحط فيصيب الله به من يشاء، وكذلك الخسف. 
وقوله  مهلكوها  الضمير لها، وفي ضمن ذلك الأهل، وقوله  معذبوها  هو على حذف مضاف، فإنه لا يعذب إلا الأهل، وقوله  في الكتاب  يريد في سابق القضاء، وما خطه القلم في اللوح المحفوظ، و **«المسطور »** المكتوب إسطاراً.

١ علق أبو حيان على كلام ابن عطية هذا بقوله: "والتي لبيان الجنس – على قول من يثبت لها هذا المعنى – هو أن يتقدم قبل ذلك ما يفهم منه إبهام ما، فتأتي \[من\] لبيان الجنس، أي بيان ما أريد بذلك الذي فيه إبهام ما، كقوله تعالى: ما يفتح الله للناس من رحمة. وهنا لم يتقدم شيء مبهم تكون \[من\] فيه بيانا له، ولعل قوله: "لبيان الجنس" من الناسخ، ويكون ابن عطية قد قال: "لاستغراق الجنس"، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: وقيل المراد الخصوص"؟ اهـ بتصرف..
٢ يقوي ذلك قوله تعالى: وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون. وما بين العلامتين \[...........\] زيادة لتوضيح المعنى وسلامة العبارة..

### الآية 17:59

> ﻿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [17:59]

وقوله تعالى : وما منعنا أن نرسل  الآية، هذه العبارة في معناها هي على ظاهر ما تفهم العرب، فسمى سبق قضائه بتكذيب من كذب وتعذيبه منعاً، وأن الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، والتقدير : وما منعنا الإرسال إلا التكذيب، وسبب هذه الآية أن قريشاً اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، واقترح بعضهم أن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا الأرض، فأوحى الله إلى محمد عليه السلام، إن شئت أن أفعل ذلك لهم، فإن تأخروا عن لاإيمان عاجلتهم العقوبة، وإن شئت استأنيت بهم، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«بل تستأني بهم يا رب »**، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستيناء، إذ قد سلفت عادته بمعالجة الأمم الذين جاءتهم الآيات المقترحة فلم يؤمنوا، قال الزجاج : أخبر تعالى أن موعد كفار هذه الأمة الساعة، بقوله  بل الساعة موعدهم [(١)](#foonote-١)، فهذه الآية تنظر إلى ذلك، ثم ذكر أمر ثمود، احتجاجاً إن قال منهم قائل نحن كنا نؤمن لو جاءتنا آية اقترحناها ولا نكفر بوجه، فذكر الله تعالى ثمود، بمعنى : لا تؤمنون إن تظلموا بالآية كما ظلمت ثمود بالناقة، وقرأ الجمهور :****«ثمود »**** بغير تنوين، قال هارون : أهل الكوفة ينونون **«ثموداً »** في كل وجه، قال أبو حاتم : لا تنون العامة والعلماء بالقرآن ****«ثمود »**** في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله  مبصرة  على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال : آية النهار مبصرة [(٢)](#foonote-٢) أي معها إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم **«مُبصَرة »** بضم الميم وفتح الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة **«مَبصَرة »** بفتح الميم والصاد، وهي مَفعَلة من البصر ومثله قول عنترة :\[ الكامل \]. 
الكفر مخبثة لنفس المنعم[(٣)](#foonote-٣). . . وقوله  فظلموا بها  أي وضعوا الفعل غير موضعه، أي بعقرها، وقيل بالكفر في أمرها، ثم أخبر الله تعالى أنه إنما يرسل  بالآيات  غير المقترحة  تخويفاً  للعباد، وهي آيات معها إمهال لا معاجلة، فمن ذلك الكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح وغير ذلك، قال الحسن والموت الذريع[(٤)](#foonote-٤)، وروي أن الكوفة رجفت في مدة عبد الله بن مسعود. فقال : أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه، ومن هذا قول النبي علي السلام في الكسوف :**«فافزعوا إلى الصلاة »** الحديث[(٥)](#foonote-٥)، وآيات الله المعتبر بها ثلاثة أقسام : فقسم عام في كل شيء إذ حيثما وضعت نظرك وجدت آية، وهنا فكرة العلماء، وقسم معتاد غباً كالرعد والكسوف ونحوه، وهنا فكرة الجهلة فقط، وقسم خارق للعادة وقد انقضى بانقضاء النبوءة، وإنما يعتبر به توهماً لما سلف منه.

١ من الآية (٤٦) من سورة (القمر)..
٢ من الآية (١٢) من هذه السورة (الإسراء)..
٣ هذا عجز من المعلقة، وهو في اللسان (خبث)، والبيت بتمامه:
 نبئت عمرا غير شاكر نعمتـــي والكفر مخبثة لنفس المنعــــــم
 ونبئت : أخبرت وأعلمت، وهي واحدة من أفعال سبعة تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل.
 والمفعول الأول هنا هو التاء في (نبئت) أقيم مقام الفاعل وأسند الفعل إليه، والثاني هو (عمرا)، والثالث هو (غير شاكر). يقول: لقد أعلمت أن عمرا لا يشكر نعمتي، وهذا نوع من الكفر يغير نفس المنعم وينفرها ويمنعها من الإنعام في المستقبل. والشاهد هو (مخبثة) فقد جاءت بفتح الميم والباء، فهي صيغة مفعلة، من الخبث، والمعنى: الكفر مفسدة..
٤ الموت الذريع: الموت الفاشي، لا يكاد الناس يتدافنون..
٥ أخرجه في مسنده (٥-٤٢٨)، عن محمود بن لبيد، قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، ألا وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد)، ثم قام فقرأ فيما نرى بعض "الر كتاب"، ثم ركع، ثم اعتدل، ثم سجد سجدتين، ثم قام ففعل مثل ما فعل في الأولى، وأخرج الحديث مسلم في الكسوف، وفيه وصف لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كسفت الشمس، وروايته عن ابن عباس رضي الله عنهما..

### الآية 17:60

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [17:60]

قال الطبري : معنى قوله : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس  أي في منعك يا محمد وحياطتك وحفظك، فالآية إخبار له بأنه محفوظ من الكفرة، آمن أن يقتل أو ينال بمكروه عظيم، أي فالتبليغ رسالة ربك، ولا تتهيب أحداً من المخلوقين، وهذا تأويل بيّن جار مع اللفظ، وقد روي نحوه عن الحسن بن أبي الحسن والسدي، إلا أنه لا يناسب ما بعده مناسبة شديدة، ويحتمل أن يجعل الكلام مناسباً لما بعده، توطئة له، فأقول : اختلف الناس في  الرؤيا ، فقال الجمهور : هي رؤيا عين ويقظة، وهي ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، قالوا : فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الإسراء بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفار إن هذا لعجيب تحت الحداة إلى بيت المقدس شهرين إقبالاً وإدباراً، ويقول محمد إنه جاءه من ليلة وانصرف منه، فافتتن بهذا التلبيس قوم من ضعفة المسلمين، فارتدوا وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآيات فعلى هذا، يحسن أن يكون معنى قوله  وإذا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس  أي : في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما خلق له، أي فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك إن الله محيط بهم مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر، وسميت الرؤية في هذا التأويل **«رؤيا »**، إذ هما مصدران من رأى، وقال النقاش جاء ذلك على اعتقاد من اعتقد أنها منامة وإن كانت الحقيقة غير ذلك. وقالت عائشة  الرؤيا  في الإسراء رؤيا منام، وهذا قول الجمهور على خلافه، وهذه الآية تقضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها، وقد ذكر هذا مستوعباً في صدر السورة، وقال ابن عباس : الرؤيا  التي في هذه الآية، هي رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة، فعجل في سنة الحديبية فرد، فافتتن المسلمون بذلك، فنزلت الآيات، وقال سهل بن سعد : إنما هذه ****«الرؤيا »**** أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك وما استجمع ضاحكاً من يومئذ حتى مات، فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من ملكهم وصعودهم المنابر، إنما يجعلها الله فتنة للناس وامتحاناً، ويجيء قوله  أحاط بالناس  أي بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية  وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين [(١)](#foonote-١)، وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه ****«الرؤيا »**** عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية، وقوله  والشجرة الملعونة في القرآن  : معطوفة على قوله  الرؤيا ، أي جعلنا الرؤيا والشجرة فتنة  والشجرة  هنا في قول الجمهور هي شجرة الزقوم، وذلك أن أمرها لما نزل في سورة الصافات قال أبو جهل وغيره هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر، والنار تأكل الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أمر أبو جهل جارية له، فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه تزقموا، فافتتن أيضاً بهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله نبيه أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختباراً ليكفر من سبق عليه الكفر، ويصدق من سبق له الإيمان، كما روي أن أبا بكر الصديق، قيل له، صبيحة الإسراء إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة بيت المقدس وانصرف منه فقال إن كان قال ذلك فلقد صدق، فقيل له : أتصدقه قبل أن تسمع منه، قال : أين عقولكم، أنا أصدقه بخبر السماء فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس والسماء أبعد منها بكثير[(٢)](#foonote-٢). وقالت فرقة : والشجرة  : إشارة إلى القوم المذكورين قبل في  الرؤيا . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف محدث، وليس هذا عن سهل بن سعد، ولا مثله، وقال الطبري عن ابن عباس : إن  الشجرة الملعونة  يريد الملعون آكلها، لأنها لم يجر لها ذكر. 
قال القاضي أبو محمد : ويصح أن يريد  الملعونة ، هنا فأكد الأمر بقوله  في القرآن  وقالت فرقة : الملعونة ، المبعدة المكروهة، وهذا أراد لأنها لعنها بلفظ اللعنة المتعارف، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، وأيضاً فما ينبت في أصل الجحيم، فهو في نهاية البعد من رحمة الله، وقوله  ونخوفهم  يريد : إما كفار مكة، وإما الملوك من بني أمية بعد الخلافة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم، **«الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً »**[(٣)](#foonote-٣) والأول منها أصوب كما قلنا قبل، وقوله  فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً  يريد كفرهم وانتهاكهم فيه كقول أبي جهل في الزقوم والتزقم، فقد قال النقاش إن في ذلك نزلت، وفي نحوه وقرأ الأعمش **«ويخوفهم »** وقرأ الجمهور و **«ونخوفهم »** بالنون.

١ الآية (١١١) من سورة (الأنبياء)، استشهد بها الحسن رضي الله عنه..
٢ أخرجه ابن إسحق من حديث طويل عن الإسراء، قال: "كان من الحديث ما بلغتي عن مسراه صلى الله عليه وسلم، عن عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسن بن أبي الحسن، وابن شهاب الزهري، وقتادة، وغيرهم من أهل العلم، وأم هاني بنت أبي طالب، اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عن بعض ما ذكر من أمره حين أسري به صلى الله عليه وسلم"، إلى أن قال: "قال الحسن في حديثه.... وساق ما حدث من أبي بكر رضي الله عنه..."..
٣ أخرجه أحمد في مسنده (٥ – ٢٢٠، ٢٢١)، عن سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون بعد ذلك الملك)، قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه سنتين، وخلافة عمر رضي الله عنه عشر سنين، وخلافة عثمان رضي الله عنه اثنى عشر سنة، وخلافة علي رضي الله عنه ست سنين، رضي الله عنهم..

### الآية 17:61

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [17:61]

المعنى : واذكر إذ قلنا، وكذلك  إذ  \[ الإسراء : ٦٠ \] في الآية المتقدمة : هي منصوبة بفعل مضمر، وقد تقدم في غير موضع ذكر خلق آدم وأمر السجود، واختلف في قوله  إلا إبليس  فقيل هو استثناء منقطع، لأن  إبليس  لم يكن من الملائكة، وقيل هو متصل لأن إبليس من الملائكة، وقوله  طيناً  يصح أن يكون تمييزاً، ويصح أن يكون حالاً، وقاس  إبليس  في هذه النازلة فأخطأ، وذلك أنه رأى الفضيلة لنفسه، من حيث رأى النار أفضل من الطين، وجهل أن الفضائل في الأشياء، إنما تكون حيث خصصها الله تعالى، ولا ينظر إلى أصولها. وذكر الطبري عن ابن عباس أن إبليس هو الذي أمره الله فأخذ من الأرض طينة آدم، والمشهور أنه ملك الموت، وكفر إبليس في أن جهل صفة العدل من الله تعالى، حين لحقته الأنفة، والكبر، وكان أصل ذلك الحسد، ولذلك قيل : إن أول ما عصي الله بالحسد، وظهر ذلك من إبليس من قوله  أرأيتك هذا الذي كرمت علي \[ الأعراف : ١١ \]  أنا خير منه [(١)](#foonote-١) حسبما ذكر الله في آية أخرى. فهذا هو النص بأن فعلك غير مستقيم.

### الآية 17:62

> ﻿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [17:62]

والكاف في قوله  أرأيتك  هي كاف خطاب ومبالغة في التنبيه، لا موضع لها من الإعراب، فهي زائدة، ومعنى أرأيت : أتأملت ونحوه، كأن المخاطب بها ينبه المخاطب ليستجمع لما ينصه عليه بعد، وقال سيبويه : هي بمعنى أخبرني، ومثل بقوله أرأيتك زيداً أبو من هو ؟ وقاله الزجاج : في  آياتنا  \[ طه : ٥٦ \] ولم يمثل، وقول سيبويه : صحيح حيث يكون بعدها استفهام كمثاله، وأما في هذه الآية، فهي كما قلت، وليست التي ذكر سيبويه رحمه الله[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ ابن كثير **«أخرتني »** بياء في الوصل والوقف، وهذا هو الأصل، وليس هذا الموضع كالقافية التي يحسن فيها الحذف، كمثل قول الأعشى :\[ المتقارب \]
فهل يمنعني ارتياد البلاد. . . من حذر الموت أن يأتين[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وبحذفها في الوقف، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي **«أخرتن »** بحذف الياء في الوصل والوقوف، وهذا تشبيه بياء قاض ونحوه، لكونها ياء متطرقة قبلها كسرة، ومنه قوله تعالى : يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه [(٤)](#foonote-٤) وقوله  لأحتنكن  معناه : لأميلن ولأجرن، وهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره فتنقاد، وألسنة تحتنك المال، أي تجتره، ومنه قول الشاعر :
تشكو إليك سنة قد أجحفت. . . جهداً إلى جهة بنا فأضعفت
واحتنكت أموالنا وجلفت[(٥)](#foonote-٥). . . ومن هذا الشعر، قال الطبري  لأحتنكن  معناه : لاستأصلن، وعبر ابن عباس في ذلك ب **«لأستولين »**، وقال ابن زيد : لأضلن، وهذا بدل اللفظ لا تفسير، وحكم إبليس بهذا الحكم على ذرية آدم، من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء وما اقترن بها من الشهوات والعوارض، كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل، لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله.

٢ يرى الحوفي أن \[أرأيتك\] بمعنى: عرفني وأخبرني، و\[هذا\] منصوب ب\[أرأيتك\]، والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرمته علي، لم كرمته علي وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟ وحذف هذا لما في الكلام من الدليل عليه. ويرى الزمخشري تقريبا نفس الرأي، وقد نقل أبو حيان الأندلسي كلامهما وكلام ابن عطية، ثم قال: "و ما ذهب إليه الحوفي والزمخشري هو الصحيح، ولذلك قدر الاستفهام وهو: لم كرمته علي؟ فقد انعقد من قوله: "هذا الذي كرمته علي، لم كرمته علي؟" جملة من مبتدأ وخبر، وصار مثله: زيدا أيؤمن هو؟، فالاستفهام مقدر"..
٣ هذا البيت من قصيدة الأعشى التي يمدح بها قيس بن معديكرب الكندي، والتي يشكو فيها طول الزمن. ويقول: إن الدهر لا يترك بصروفه شيخا كبيرا ولا شابا يافعا، وإن الحذر من الموت وطول التطواف في البلاد لا يحميني من الموت، والشاهد هو حذف النون من (يأتيني) لأنها قافية يحسن فيها الحذف..
٤ من الاية (١٠٥) من سورة (هود) والشاهد حذف الياء من (يأتي)..
٥ هذه ثلاثة أبيات من مشطور الرجز، والبيتان الأول والثاني مثبتان ضمن الأرجوزة السادسة في بقية ديوان الزفيان السعدي، (عطاء بن أسيد الراجز)، وقد استشهد أبو عبيدة في (مجاز القرآن) بهذه الآبيات، قال: "يقال: احتنك فلان ما عند فلان أجمع من مال أو علم أو حديث أو غيره: أخذه كله واستقصاه، قال: نشكو إليك..... الخ الأبيات"، واستشهد بها الطبري في تفسيره: وكذلك القرطبي، والبيتان المثبتان في بقية ديوان الزفيان السعدي يختلفان في الرواية عما هنا، وهما:
 نشكو إليك سنة قد جلفت أموالنا من أصلها وجرفت
 و أجحفت: اشتدت في الإضرار بنا وبجهودنا، يقال: أجحفت بهم الدهر: استأصلهم، وأجحفت بهم الفقر: أذهب أموالهم، واحتنكت: استأصلت أموالنا. والجنف: الميل والظلم والجور. والشاهد هنا أن الاحتناك معناه: الاستئصال. وفي رواية: وجَّلفت بدلا من جنفت، ومعناها: قشرت الجلد مع شيء من اللحم.
 .

### الآية 17:63

> ﻿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [17:63]

وقوله : اذهب  وما بعده من الأوامر، هو صيغة افعل من التهديد، كقوله تعالى  اعملوا ما شئتم [(١)](#foonote-١) و  تبعك  معناه في طريق الكفر الذي تدعو إليه، فالآية في الكفار وفي من ينفذ عليه الوعيد من العصاة وقوله : جزاء  مصدر في موضع الحال، و **«الموفور »** المكمل.

١ من الآية (٤٠) كم سزرو (فصلت)..

### الآية 17:64

> ﻿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [17:64]

واستفزز  معناه استخف واخدع حتى يقع في إرادتك، تقول استفزني فلان في كذا إذا خدعك حتى تقع في أمر أراده، ومن الخفة قيل لولد البقرة فز ومثله قول زهير :
كما استغاث بسيىء فز غيطلة. . . خاف العيون فلم ينظر به الحشك[(١)](#foonote-١)
و **«الصوت »** هنا : هو الغناء والمزامير والملاهي، لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى  الشيطان ، قاله مجاهد، وقيل معناه : بدعائك إياهم إلى طاعتك، قال ابن عباس : صوته، كل داع إلى معصية الله، والصواب أن يكون الصوت يعم جميع ذلك. وقوله  وأجلب  أي هول ؛ والجلبة : الصوت الكثير المختلط الهائل، وقرأ الحسن :**«واجلُب »** بوصل الألف وضم اللام. وقوله  بخيلك ورجلك  قيل هذا مجاز واستعارة، بمعنى : اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل معناه : أن له من الجن خيلاً ورجلاً، قاله قتادة، وقيل المراد : فرسان الناس ورجالتهم، المتصرفون في الباطل، فإنهم كلهم أعوان إبليس على غيرهم، قاله مجاهد وقرأ الجمهور **«ورجْلك »** بسكون الجيم، وهو جمع راجل، كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، وشارب وشرب، وقرأ حفص عن عاصم :**«ورجِلك »** بكسر الجيم على وزن فعل، وكذلك قرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه، وهي صفة ؛ تقول فلان يمشي رجلاً، غير راكب، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
أنا أقاتل عن ديني على فرسي. . . ولا كذا رجلاً إلا بأصحابي[(٢)](#foonote-٢)
وقرأ قتادة وعكرمة :**«ورجالك »**.  وشاركهم في الأموال  عام : لكل معصية يصنعها الناس بالمال، فإن ذلك المصرف في المعصية، هو خط إبليس، فمن ذلك البحائر وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك مما يوجد في الناس دأباً. وقوله  والأولاد  عام لكل ما يصنع في أمر الذرية من المعاصي فمن ذلك الإيلاد بالزنا، ومن ذلك تسميتهم عبد شمس، وعبد الجدي، وأبا الكويفر، وكل اسم مكروه ومن ذلك الوأد الذي كانت العرب تفعله، ومن ذلك صنعهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخل النقاش من وطء الجن وأنه تحبل المرأة من الإنس فضعيف كله[(٣)](#foonote-٣). وقوله  وعدهم  أي منّهم بما لا يتم لهم، وبأنهم غير مبعوثين، فهذه مشاركة في النفوس، ثم أخبر الله تعالى أنه يعدهم  غروراً  منه، لأنه لا يغني عنهم شيئاً. 
١ البيت من قصيدة قالها زهير لما أغار الحارث بن ورقاء الصيداوي - من بني أسد – على بني عبد الله بن غطفان، فغنم واستاق إبل زهير وراعيه يسارا، فقال زهير القصيدة يطالبه برد يسار ويهدده بالهجاء القبيح الفاحش. والسيء: ما يكون في الضرع من اللبن قبل نزول الدرة، والفز: ولد البقرة الوحشية، والغيطلة: البقرة، وينظر: ينظر. والحشك: دفع الدرة وامتلاؤها. وقيل: هو سرعة تجمع اللبن في الضرع. قال في اللسان (حشك): "الحشك: اسم للدرة المجتمعة، وقيل: إن الشاعر أراد الحشك فحرك للضرورة، أي: لم تنظر به أمه حشوك الدرة". أي: أعجلته بالسيء ولم تنتظر امتلاء ضرعها باللبن..
٢ البيت في اللسان (رجل)، وقد ذكره مع بيت بعده، وأطال في توضيح المعنى نقلا عن علماء اللغة، قال: "وقد يأتي رجل بمعنى راجل، قال الزبرقان بن بدر: آليت لله حجا حافيا رجلا  إن جاوز النخل يمشي وهو مندفع ومثله ليحيى بن وائل، وأدرك قطري بن الفجاءة الخارجي أحد بني مازن حارثي:
 أما أقاتل عن ديني على فرس \*\*\*ولا كذا رجلا إلا بأصــــحـــــــــــاب؟لقد لقيت إذا شرا وأدركنــــي  ما كنت أرغم في جسمــي من العاب قال أبو حاتم: (أما) مخفف الميم مفتوح الألف، وقوله: (رجلا) أي: راجلا، كما تقول العرب: جاءنا فلان حافيا رجلا، أي: راجلا، كأنه قال: أما أقاتل فارسا ولا راجلا إلا ومعي أصحابي، لقد لقيت إذا شرا إن لم أقاتل وحدي. وأبو زيد مثله، وزاد: ولا كذا أقاتل راجلا، فقال: إنه خرج يقاتل السلطان، فقيل له: أتخرج راجلا تقاتل؟ فقال البيت، وقال ابن الأعرابي: قوله: (ولا كذا راجلا) أي: ما ترى رجلا كذا، وقال المفضل: (أما) خفيفة بمنزلة (ألا) و (ألا) تنبيه يكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار، فالذي بعد (أما) هنا إخبار، كأنه قال: أما أقاتل فارسا وراجلا؟ وقال أبو علي في الحجة بعد أن نقل عن أبي زيد ما تقدم: فرجل – على ما حكاه أبو زيد – صفة، ومثله: ندس وفطن وحذر وأحرف نحوها، ومعنى البيت: كأنه يقول: اعملوا أني أقاتل عن ديني وعن حسبي، وليس تحتي فرس ولا معي أصحاب" اهـ. (اللسان – رجل)..
٣ العلم الحديث لا يقر مسألة التزاوج بين الإنس والجن..

### الآية 17:65

> ﻿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا [17:65]

وقوله  إن عبادي  الآية، قول من الله تعالى لإبليس، وقوله  عبادي  يريد المؤمنين في الكفر، والمتقين في المعاصي، وخصهم باسم العباد، وإن كان اسماً عاماً لجميع الخلق، من حيث قصد تشريفهم والتنويه بهم، كما يقول رجل لأحد بنيه إذا رأى منه ما يحب : هذا ابني، على معنى التنبيه منه والتشريف له، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص :**«هذا خالي فليرني امرؤ خاله »**[(١)](#foonote-١) و **«السلطان »** الملكة والتغلب، وتفسيره هنا بالحجة قلق، ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام : وكفى بربك  يا محمد حافظاً للمؤمنين، وقيماً على هدايتهم.

١ أخرجه الترمذي في المناقب..

### الآية 17:66

> ﻿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [17:66]

**«الإزجاء »** : سوق الثقيل السير، إما لضعف أو ثقل حمل أو غيره، فالإبل الضعاف تزجى، ومنه قول الفرزدق :\[ البسيط \]
على زواحف تزجيها محاسير[(١)](#foonote-١). . . والسحاب تزجى ومنه قوله تعالى  ألم تر أن الله يزجي سحاباً [(٢)](#foonote-٢) والبضاعة المزجاة هي التي تحتها لاختلالها أن تساق بشفاعة وتدفع بمعاون إلى الذي يقبضها، وإزجاء  الفلك  سوقه بالريح اللينة والمجاديف، و  الفلك  و  البحر  الماء الكثير عذباً كان أو ملحاً، وقد غلب الاسم على هذا المشهور[(٣)](#foonote-٣)، و  الفلك  تجري فيها. وقوله  لتبتغوا من فضله  لفظ يعم البصر، وطلب الأجر، في حج أو غزو ونحوه، ولا خلاف في جواز ركوبه للحج والجهاد والمعاش، واختلف في وجوبه للحج، أعني الكثير منه، واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال، وقد روي عنه أنه قال **«البحر لا أركبه أبداً »**، وهذا حديث يحتمل أنه رأي رآه لنفسه، ويحتمل أنه أوحي إليه ذلك، وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده. 
١ هذا عجز بيت قاله الفرزدق من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك ويهجو يزيد ابن المهلب، والبيت بتمامه:
 على عمائمنا يلقى وأرحلنـــــــا على زواحف نزجيها محــــاسير
 الرحل: ما يوضع على ظهر البعير للركوب، وكل شيء يعد للرحيل من وعاء للمتاع وغيره.
 والزواحف: النياق التي تعبت من السير فهي تسير ببطء وكأنها تزحف، نزجيها: نسوقها وندفعها، وهي موضع الشاهد هنا – والمحاسير: جمع محسور وهو الكليل الضعيف، صفة أخرى للنياق التي يركبونها..
٢ من الآية (٤٣) من سورة (النور)..
٣ هكذا في الأصول، والمراد: غلب الاسم على الماء الكثير المالح..

### الآية 17:67

> ﻿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [17:67]

و  الضر  لفظ يعم خوف الغرق، والإمساك في المشي، وأهول حالاته : اضطرابه وتموجه. وقوله  ضل  معناه تلف وفقد، وهي عبارة تحقير لمن يدعي إلهاً من دون الله، والمعنى في هذه الآية أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلاً، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علماً لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوفقهم الله من ذلك على حالة البحر. وقوله  أعرضتم  أي لم تفكروا في صنع الله وقت حاجتكم إليه، وقوله  كفوراً  أي بالنعم. و  الإنسان  هنا للجنس، وكل أحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، وقال الزجاج  الإنسان  يراد به الكفار، وهذا غير بارع.

### الآية 17:68

> ﻿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [17:68]

وقوله  أفأمنتم  الآية، المعنى  أفأمنتم  أيها المعرضون الناسون الشدة، حين صرتم إلى الرخاء **«أن يخسف الله بكم مكانكم من البر »** إذا أنتم في قبضه القدرة في البحر والبر، و **«الحاصب »** العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
مستقبلين شمال الشام تضربنا. . . بحاصب كنديف القطن منثور[(١)](#foonote-١)
ومنه قول الأخطل :\[ الكامل \]
ترمي العصاة بحاصب من ثلجها. . . حتى يبيت على العضاه جمالا[(٢)](#foonote-٢)
ومنه الحاصب الذي أصاب قوم لوط، والحصب : الرمي بالحصباء، وهي الحجارة الصغار، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«يخسف »** بالياء على معنى يخسف الله، وكذلك ****«يرسل »**** و **«يعيد »** و ****«يرسل »**** و **«يغرق »**.

١ هذا البيت من نفس القصيدة التي قالها الفرزدق في مدح يزيد بن عبد الملك، والتي أشرنا إليها في الحديث عن بيت الشعر السابق، بل هو البيت الذي قبل الشاهد السابق. والحاصب: الريح الشديدة تحمل الحصباء وهذا هو الشاهد هنا، ومعنى تضربنا: تلطمنا بشدة، ونديف القطن: قطع القطن المتناثرة، بريد البرد، شبهه بنديف القطن في اللون..
٢ هذا بيت قاله الأخطل من قصيدة يهجو بها جريرا، ويفتخر على قيس، وقبله يقول: 
 ولقد علمت اذا العشار تروحت هدج الرئال تكبهن شمالا
 والعشار: الإبل التي حملت ومضى على حملها عشرة أشهر، وتروحت: عادت إلى حظائرها في وقت الرواح والعودة من المرعى، والرئال: حمع رأل، وهو ولد النعامة، والهدج: عدو متقارب، وتكبهن: تسقطهن على وجوههن، يريد أن الريح وهي تهب شمالا تدفعهن فتسقطهن. والضمير في (ترمي) يرجع إلى ريح الشمال، والعضاة، والعضاه: كل شجر له شوك، والواحدة: عضة، والحاصب: ما تناثر من الثلج الصغير والجفال: ما تراكم من الثلج بعضه فوق بعض، والشاهد في البيت كلمة (حاصب) كالبيت السابق..

### الآية 17:69

> ﻿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [17:69]

وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«يخسف »** بالياء على معنى يخسف الله، وكذلك ****«يرسل »**** و **«يعيد »** و ****«يرسل »**** و **«يغرق »**، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد **«تغرقكم »** بالتاء أي الريح، وقرأ حميد **«نغرقكم »** بالنون حقيقة[(١)](#foonote-١) وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء **«يغرّقكم »** بشد الراء. 
و **«الوكيل »** القائم بالأمور، و **«القاصف »** الذي يكسر كل ما يلقى ويقصفه، و  تارة ، جمعها تارات وتير، معناه : مرة أخرى، وقرأ أبو جعفر :**«من الرياح »** بالجمع. و **«التبيع »** الذي يطلب ثأراً أو ديناً، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
غدوا وغدت غزلانهم فكأنها. . . ضوامن عزم لزهن تبيع[(٢)](#foonote-٢)
ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام :**«إذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع[(٣)](#foonote-٣) »** فالمعنى لا تحدون من يتبع فعلنا بكم ويطب نصرتكم.

١ أي: خفيفة الراء..
٢ قال في اللسان (تبع): "التبيع: الذي يتبعك بحق يطالبك به، وهو الذي يتبع الغريم بما أحيل عليه"، ثم حكى عن الفراء أنه قال في معنى الآية: "أي ثائرا ولا طالبا بالثأر لإغراقنا إياكم"، وحكى عن الزجاج قوله: "معناه: لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم ولا يتبعنا بأن يصرفه عنكم". والغرم: ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر بغير جناية منه أو خيانة، والضامن: الكفيل أو الملتزم أو الغارم الذي يلزمه مالا يجب عليه. ولزهن: لزمهن والتصق بهن ليجبرهن على ما يريد..
٣ هذا جزء من حديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، ومالك في الموطأ، وأحمد في مسنده، واللفظ برواية البخاري في الحوالات عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم، ومن أتبع على ملي فليتبع)، والمعنى: إذا أحيل أحدكم على ملي فليتحمل، وهو أمر على الرفق والأدب والإباحة، وليس أمرا على الوجوب..

### الآية 17:70

> ﻿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [17:70]

كرمنا  تضعيف كرم، فالمعنى : جعلنا لهم كرماً، أي شرفاً وفضلاً، وهذا هو كرم نفي النقصان، لا كرم المال ؛ وإنما هو كما تقول : ثوب كريم، أي جمة محاسنه. 
قال القاضي أبو محمد : رضي الله عنه : وهذه الآية، عدد الله تعالى فيها على بني آدم ما خصهم به من بين سائر الحيوان، والحيوان والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، وحملهم  في البر والبحر ، مما لا يصلح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يحمل بإرادته وقصده وتدبيره  في البر والبحر  جميعاً، والرزق  من الطيبات ، ولا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان أن يأكل لحماً نياً، أو طعاماً غير مركب، و **«الرزق »**، كل ما صح الانتفاع به، وحكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا :**«التفضيل »** هو أن يأكل بيديه وسائر الحيوان بالفم، وقال غيره : وأن ينظر من إشراف أكثر من كل حيوان، ويمشي قائماً، ونحو هذا من التفضيل، وهذا كله غير محذق[(١)](#foonote-١) وذلك للحيوان من هذا النوع ما كان يفضل به ابن آدم، كجري الفرس، وسمعه، وإبصاره، وقوة الفيل، وشجاعة الأسد وكرم الديك، وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك به الحيوان كله، وبه يعرف الله عز وجل، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه، وقالت فرقة : هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنس، من حيث هم المستثنون، وقد قال تعالى  ولا الملائكة المقربون [(٢)](#foonote-٢) وهذا غير لازم من الآية بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن به الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وإنما صح تفضيل الملائكة من مواضعٍ أخر من الشرع. 
١ يريد: غير قاطع في معناه، أو لا يدل على مهارة صاحبه وحذقه..
٢ من الآية (١٧٢) من سورة (النساء)..

### الآية 17:71

> ﻿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [17:71]

وقوله تعالى  يوم ندعو  الآية، يحتمل قوله  يوم  أن يكون منصوباً على الظرف، والعامل فيه : فعل مضمر تقديره أنكر[(١)](#foonote-١)، أو فعل يدل عليه، قوله  ولا يظلمون  تقديره **«ولا يظلمون يوم ندعو »**. ثم فسره  يظلمون  الأخير، ويصح أن يعمل فيه  وفضلناهم ، وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على سائر الحيوان بيّن، لأنهم المنعمون المكلمون المحاسبون الذين لهم القدر، إما أن هذا يرده أن الكفار يومئذ أخسر من كل حيوان، إذ يقول الكافر ؛ يا ليتني كنت تراباً[(٢)](#foonote-٢)، ولا يعمل فيه  ندعو  لأنه مضاف إليه، ويحتمل أن يكون  يوم  منصوباً على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعاً بالابتداء والخبر في التقسيم الذي أتى بعد في قوله  فمن أوتي  إلى قوله  ومن كان [(٣)](#foonote-٣). وقرأ الجمهور **«ندعو »** بنون العظمة، وقرأ مجاهد **«يدعو »**، بالياء على معنى يدعو الله ورويت عن عاصم. 
وقرأ الحسن **«يُدعو »** بضم الياء وسكون الواو، وأصلها يدعى ولكنها لغة لبعض العرب، يقلبون هذه الألف واواً، فيقولون افعو حبلو[(٤)](#foonote-٤)، ذكرها أبو الفتح وأبو علي في ترجمة أعمى بعد وقرأ الحسن :**«كل »** بالرفع، على معنى يدعى كل، وذكر أبو عمرو الداني عن الحسن، أنه قرأ **«يدعى كل »**  أناس  اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقوله  بإمامهم  يحتمل أن يريد باسم إمامهم، ويحتمل أن يريد مع إمامهم، فعلى التأويل الأول : يقال يا أمة محمد، ويا أتباع فرعون، ونحو هذا، وعلى التأويل الثاني : تجيء كل أمة معها إمامها، من هاد أو مضل، واختلف المفسرون في ****«الإمام »****، فقال مجاهد وقتادة : نبيهم، وقال ابن زيد كتابهم الذي نزل عليهم، وقال ابن عباس والحسن : كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقالت فرقة : متبعهم، من هاد أو مضل، ولفظة ****«الإمام »**** تعم هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدي به في المقصد، ومنه قيل لخيط البناء إمام، قال الشاعر يصف قدحاً :\[ الطويل \]
وقومته حتى إذا تم واستوى. . . كمخة ساق أو كمتن إمام[(٥)](#foonote-٥)
ومنه قيل للطريق إمام، لأنه يؤتم به في المقاصد حتى ينهي إلى المراد وقوله : فمن أوتي كتابه بيمينه  حقيقة في أن يوم القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان، وفي الشمائل لأهل الكفر، وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد، فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار، وقوله  يقرؤون كتابهم  عبارة عن السرور بها أي يرددنها ويتأملونها، وقوله  ولا يظلمون فتيلاً  أي ولا أقل ولا أكثر، فهذا هو مفهوم الخطاب حكم المسكوت عنه كحكم المذكور. كقوله تعالى  فلا تقل لهما أف [(٦)](#foonote-٦) وكقوله  إن الله لا يظلم مثقال ذرة [(٧)](#foonote-٧) وهذا كثير ومعنى الآية : أنهم لا يبخسون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئاً، و **«الفتيل »** هو الخيط الذي في شق نواة التمرة يضرب به المثل في القلة وتفاهة القدر.

١ قال أبو حيان الأندلسي: "على تقدير: اذكر، لا يكون ظرفا بل هو مفعول به"..
٢ من الآية (٤٠) من سورة (النبإ)..
٣ علق أبو حيان الأندلسي على كلام ابن عطية هذا بعد أن نقله بقوله: "قوله: "منصوبا على البناء"، كان ينبغي أن يقول: "مبنيا على الفتح"، وقوله: "لما أضيف إلى غير متمكن" ليس يجيد ؛ لأن الذي ينقسم إلى متمكن وغير متمكن هو الاسم لا الفعل، وهذا أضيف إلى فعل مضارع، ومذهب البصريين أنه إذا أضيف إلى فعل مضارع معرب لا يجوز بناؤه، وهذا الوجه الذي ذكره هو على رأي الكوفيين، وأما قوله: "والخبر في التقسيم " فالتقسيم عار من رابط لهذه الجملة التقسيمية بالمبتدأ ؛ إلا إن قدر محذوفا فقد يمكن، أي: ممن أوتي كتابه فيه بيمينه، وهو بعد هذا التخريج تخريج متكلف". (البحر المحيط ٦ – ٦٢)..
٤ في أفعى وحبلى. قال أبو الفتح: "هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واوا، ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو في الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضا في الوصل محكي عن حاله في الوقف".
 وعلى قراءة الحسن التي ذكرها الداني وهي رفع \[كل\]، تكون \[كلَّ\] مرفوعة بالفعل، وتكون الواو ضميرا مفعولا لم يسم فاعله، وأصله: يدعون، فحذقت النون كما حذقت في قوله:
 أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الزكي
 أي: وتبيتين تدلكين..
٥ البيت في اللسان (أمم) غير منسوب، قال: "والإمام : الخيط الذي يمد على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه ساف البناء، وهو من ذلك، قال: وخلقته حتى إذا... البيت، أي: كهذا الخيط الممدود على البناء في الاملاس والاستواء، يصف سهما، يدل على ذلك قوله:
 قرنت بحقويه ثلاثا فلم يزغ عن القصد حتى بصرت بدمام
 والحقو: الخصر، وحقوا الثنية: جانبها. ولم يزغ: لم يحد أو يمل عن القصد، أي الهدف المقصود. والدمام: كل ما طلي به..
٦ من الآية (٢٣) من هذه السورة (الإسراء)..
٧ من الآية (٤٠) من سورة (النساء)..

### الآية 17:72

> ﻿وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا [17:72]

وقوله  ومن كان ، الآية، قال محمد بن أبي موسى[(١)](#foonote-١) : الإشارة بهذه إلى النعم التي ذكرها في قوله  ولقد كرمنا بني آدم  أي من عمي عن شكر هذه النعم والإيمان لمسديها، فهو في أمور الآخرة وشأنها  أعمى . 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل  أعمى  الثاني أن يكون بمنزلة الأول، على أنه تشبيه بأعمى البصر، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل، أي أشد عمى، والعمى في هذه الآية هو عمى القلب في الأول والثاني، وقال ابن عباس ومجاهد قتادة وابن زيد : الإشارة بهذه إلى الدنيا، أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره والإيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى ؛ إما أن يكون على حذف مضاف، أي في شأن الآخرة، وإما أن يكون : فهو في يوم القيامة أعمى، على معنى أنه حيران، لا يتوجه له صواب، ولا يلوح له نجح، قال مجاهد **«فهو في الآخرة أعمى »** عن حجته. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر عندي أن الإشارة ب  هذه  إلى الدنيا، أي من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، وبهذا التأويل، تكون معادلة للتي قبلها، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، وإذا جعلنا قوله  في الآخرة  بمعنى في شأن الآخرة، لم تطرد المعادلة بين الآيتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم :**«أعمى »** في الموضعين، بغير إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الموضعين بإمالة، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى أشد عمى، ولذلك لم يمله، قال أبو علي : لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، و  أعمى  ليس كذلك لأن تقديره أعمى من كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذاً ليس بآخر، ويقوي هذا التأويل قوله عطفاً عليه  وأضل سبيلاً  فإنما عطف  أضل  الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيه به، وإنما جعله في الآخرة  أضل سبيلا ، لأن الكافر في الدنيا يمكن أن يؤمن فينجو، وهو في الآخرة، لا يمكنه ذلك، فهو  أضل سبيلاً ، وأشد حيرة، وأقرب إلى العذاب، وقول سيبويه رحمه الله : لا يقال أعمى من كذا كما يقال ما أبداه[(٢)](#foonote-٢)، إنما هو في عمى العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل، وذكر مكي في هذه الآية، أن العمى الأول هو عمى العين عن الهدى وهذا بين الاختلال، والله المعين.

١ قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب: "مستور، من الرابعة"..
٢ قال سيبويه: إن عمى العين خلقة بمنزلة اليد والرجل، فلا يقال: ما أعماه، كما لا يقال: ما أيداه، لأنه لا يقبل التفاضل..

### الآية 17:73

> ﻿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [17:73]

وقوله  وإن كادوا ليفتنونك  الآية،  إن  هذه عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله  ليفتنونك  لام تأكيد، و  إن  هذه عند الفراء بمعنى ما، واللام بمعنى إلا والضمير في قوله  كادوا  قيل هو لقريش وقيل لثقيف، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد : نزلت الآية لأنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ندعك تستلم الحجر الأسود حى تمس أيضاً أوثاننا على معنى التشرع بذلك، قال الطبري وغيره : فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم ذلك، وقلبه منكر فنزلت الآية في ذلك قال الزجاج : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه **«وما علي أن أفعل لهم ذلك والله تعالى يعلم ما في نفسي »** وقال، ابن إسحاق وغيره، إنهم اجتمعوا إليه ليلة فعظموه، وقالوا له : أنت سيدنا ولكن أقبل على بعض أمرنا ونقبل على بعض أمرك، فنزلت الآية في ذلك فهي في معنى قوله تعالى :
 ودّوا لو تدهن فيدهنون [(١)](#foonote-١). وحكى الزجاج أن الآية قيل إنها فيما أرادوه من طرد فقراء أصحابه، وأما لثقيف، فقال ابن عباس وغيره : لأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات، وقالوا إنا نريد أن نأخذ ما يهدى لنا، ولكن إن خفت أن تنكر ذلك عليك العرب، فقل : أوحى الله ذلك إلي، فنزلت الآية في ذلك، ويلزم قائل هذا القول أن يجعل الآية مدنية، وقد روي ذلك، وروى قائلو الأقوال الأخر أنها مكية. 
قال القاضي أبو محمد : وجميع ما أريد من النبي صلى الله عليه وسلم بحسب هذا الاختلاف قد أوحى الله إليه خلافه، إما في معجز وإما في غير معجز، وفعله هو أن لو وقع افتراء على الله إذ أفعاله وأقواله إنما هي كلها شرع. وقوله  وإذاً لاتخذوك خليلاً  توقيف على ما نجاه الله منه من مخالفة الكفار والولاية لهم.

١ الآية (٩) من سورة (القلم)..

### الآية 17:74

> ﻿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [17:74]

وقوله  لولا أن ثبتناك  الآية، تعديد نعمة على النبي صلى الله عليه وسلم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال **«اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين »**[(١)](#foonote-١) و **«الركون »** شد الظهر إلى الأمر أو الحزم على جهة السكون إليه، كما يفعل الإنسان بالركن من الجدران ومنه قوله تعالى حكاية.  أو آوي إلى ركن شديد [(٢)](#foonote-٢)، وقرأ الجمهور **«تركَن »** بفتح الكاف، وقرأ ابن مصرف وقتادة وعبد الله بن أبي إسحاق **«تركُن »** بضم الكاف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركن، لكنه كاد بحسب همه بموافقتهم طمعاً منه في استئلافهم، وذهب ابن الأنباري إلى أن معناه لقد كاد أن يخبروا عنك أنك ركنت، ونحو هذا ذهب في ذلك إلى نفي الهم بذلك النبي عليه السلام، فحمل اللفظ ما لا يحتمل، وقوله  شيئاً قليلاً  يبطل ذلك، وهذا الهم من النبي عليه السلام إنما كانت خطرة مما لا يمكن دفعه، ولذلك قيل  كدت ، وهي تعطي أنه لم يقع ركون، ثم قيل  شيئاً قليلاً  إذ كانت المقاربة التي تتضمنها  كدت  قليلة خطرة لم تتأكد في النفس، وهذا الهمّ هو كهمّ يوسف عليه السلام، والقول فيهما واحد.

١ أخرج أبو داود في الأدب، وأحمد في مسنده (٥ ـ ٤٢، ٥٠)، عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة أنه قال لأبيه: يا أبت، إني أسمعك تدعو كل غداة: اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت، تعدها ثلاثا حين تصبح، وثلاثا حين تمسي، وتقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت، تعيدها حين تصبح ثلاثا، وثلاثا حين تمسي، قال: نعم يا بني، إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهن، فأحب أن استن بسنته، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، أصلح شأني كله، لا إله إلا أنت). لكن هذه الرواية لا تثبت ما ذكره ابن عطية من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عندما نزلت الآية الكريمة، إلا أنها أيضا لا تنفي ذلك، فقد ذكر الراوي أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بكذا، وأنه عليه الصلاة والسلام قال كذا، فتأمله. ورواية المؤلف عن قتادة. وقد أخرجها ابن جرير الطبري بسنده، عن محمد بن بشار، عن سليمان، عن أبي هلال، عن قتادة رضي الله عنه. وقد ذكرها أبو حيان في البحر المحيط نقلا عن الطبري..
٢ من الآية (٨٠) من سورة (هود)..

### الآية 17:75

> ﻿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [17:75]

وقوله  إذاً لأذقناك  الآية، يبطل أيضاً ما ذهب إليه ابن الأنباري، وقوله  ضعف الحياة وضعف الممات  قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك يريد ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات. 
قال القاضي أبو محمد : على معنى أن ما يستحقه هذا المذنب من عقوبتنا في الدنيا والآخرة كنا نضعفه لك، وهذا التضعيف شائع مع النبي عليه السلام في أجره، وفي ألمه وعقاب أزواجه[(١)](#foonote-١)، وباقي الآية بين.

١ من المعروف أن جواب (لولا) إذا كان مثبتا يكون ممتنع الوقوع لوجود ما قبله، فمقاربة الركون لم تقع أصلا والمانع من ذلك هو وجود تثبيت الله تعالى له، فالآية بهذا الفهم الواضح تنفي حتى مجرد قربه صلى الله عليه وسلم من الركون إليهم، ثم إن (كاد) فعل من أفعل المقاربة، وهي تعطي معنى (مقاربة) الشيء، ومقاربة الشيء غير الوقوع فيه، بل هي تؤكد عدم الوقوع في فعل الشيء، والآية الكريمة بهذا تنفي ركون النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وتنفي أيضا مقاربته للركون..

### الآية 17:76

> ﻿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [17:76]

قال حضرمي الضمير في  كادوا  ليهود المدينة وناحيتها، كحيي بن أخطب وغيره، وذلك أنهم ذهبوا إلى المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له : إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء بالشام، ولكنك تخاف الروم، فإن كنت نبياً، فاخرج إليها فإن الله سيحميك كما حمى غيرك من الأنبياء، فنزلت الآية في ذلك، وأخبر الله عز وجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو خرج لم يلبثهم بعده  إلا قليلاً ، وحكى النقاش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بسبب قولهم، وعسكر بذي الحليفة، وأقام ينتظر أصحابه، فنزلت الآية عليه، فرجع، وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا في كتاب يعتمد عليه، وذو الحليفة ليس في طريق الشام من المدينة، وقالت فرقة الضمير في  كادوا  هو لقريش، وحكى الزجاج أن **«استفزازهم »** هو ما كانوا أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله، و  الأرض  على هذا عامة في الدنيا، كأنه قال  ليخرجوك  من الدنيا، وعلى سائر الأقوال هي أرض مخصوصة، إما مكة وإما المدينة، كما قال تعالى  أو ينفوا من الأرض [(١)](#foonote-١). فإنما معناه من الأرض التي فيها تصرفهم وتمعسهم، وقال ابن عباس وقتادة : واستفزاز قريش هو ما كانوا ذهبوا إليه من إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، كما ذهبوا قبل إلى حصره في الشعب، ووقع استفزازهم هذا بعد نزول الآية، وضيقوا عليه حتى خرج واتبعوه إلى الغار وغير ذلك، ونفذ عليهم الوعيد في أن لم يلبثوا خلفه  إلا قليلاً  يوم بدر، وقال مجاهد ذهبت قريش إلى هذا ولكنه لم يقع منها، لأنه لما أراد الله استبقاء قريش وأن لا يستأصلها، أذن لرسوله بالهجرة، فخرج من الأرض بإذن الله لا يقهر قريش، واستبقيت قريش ليسلم منها ومن أعقابها من أسلم، قال : ولو أخرجته قريش لعذبوا، فذهب مجاهد رحمه الله إلى أن الضمير في  يلبثون  عام في جميعهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«وإذاً لا يلبثوا »** بحذف النون، وإعمال  إذاً ، وسائر القراء ألغوها وأثبتوا النون، وقرأ عطاء بن أبي رباح **«يُلَبّثون »** بضم الياء وفتح اللام وشد الباء، وروي مثله عن يعقوب إلا أنه كسر الباء، وقرأ عطاء **«بعدك إلا قليلاً »**[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ الجمهور **«خلفك »**، وقرأ ابن عامر وحمزة الكسائي وحفص عن عاصم **«خلافك »**، والمعنى واحد، ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
عقب الرذاذ خلافها فكأنما. . . بسط الشواطب بينهن حصيرا[(٣)](#foonote-٣)
ومنه قوله تعالى : فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله [(٤)](#foonote-٤)، على بعض تأويلاته أي بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه اللفظة قد لزم حذف المضاف لأن التقدير في آياتنا خلاف خروجك، وفي بيت الشاعر خلاف انبساط الشمس أو نحوه، قال أبو علي : أصابوا[(٥)](#foonote-٥) هذه الظروف تضاف إلى الأسماء الأعيان التي ليس أحداثاً فلم يستحبوا إضافتها إلى غير ما جرى عليه كلامهم كما أنها لما جرت منصوبة في كلامهم تركوها على حالها إذا وقعت في غير موضع النصب، كقوله تعالى :
 وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك [(٦)](#foonote-٦)، وقوله  يوم القيامة يفصل بينكم [(٧)](#foonote-٧).

١ من الآية (٣٣) من سورة (المائدة)..
٢ قال أبو حيان في البحر المحيط: "الأحسن أن يجعل تفسيرا لقوله تعالى: \[خلافك\] لا قراءة، لأنها تخالف سواد المصحف، فأراد أن يبين أن \[خلافك\] هنا ليست ظرف مكان، إنما تجوز فيها فاستعملت ظرف زمان بمعنى بعدك"..
٣ سبق الاستشهاد بهذا البيت في الجزء السادس صفحة ٥٨٤، عند تفسير قوله تعالى فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وهو في اللسان، وقد نسبه للحارث بن خالد المخزومي، والرواية في سورة التوبة: (عقب الربيع خلافهم)، و (نشط الشواطب). والرواية في القرطبي وفي البحر المحيط: (عفت الديار خلافهم)، وفي اللسان (عقب): (عقب الرذاذ خلافهم). وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة (عفت الديار)، وعلى كل فهو شاهد على أن (خلافك) بمعنى (بعدك). والشواطب من النساء: اللواتي يشققن الخوص هي التي تأخذ كل شيء على العسيب بسكينها حتى تتركه رقيقا صالحا لعمل الحصر منه..
٤ من الآية (٨١) من سورة (التوبة)..
٥ أي وجد العلماء هذه الظروف..... الخ..
٦ من الآية (١١) من سورة (الجن)..
٧ من الآية (٣) من سورة (الممتحنة). يستشهد أبو علي الفارسي بهذه الآيات على ما يقوله في الظروف التي تضاف إلى الأعيان لا إلى الأحداث من الأسماء..

### الآية 17:77

> ﻿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [17:77]

وقوله  سنّة  نصب على المصدر، وقال الفراء نصبه على حذف الخافض، لأن المعنى كسنة، فحذفت الكاف ونصب ويلزمه على هذا أن لا يقف على قوله  قليلاً ، ومعنى الآية الإخبار أن سنة الله تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخرجت نبيها من بين أظهرها نالها العذاب واستأصلها الهلاك فلم تلبث بعده إلا قليلاً.

### الآية 17:78

> ﻿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [17:78]

وقوله  أقم الصلاة  الآية، هذه بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة، فقال ابن عمرو وابن عباس وأبو بردة والحسن والجمهور :****«دلوك الشمس »**** زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، و  غسق الليل  أشير به إلى المغرب والعشاء،  وقرآن الفجر  أريد به صلاة الصبح، فالآية على هذا تعم جميع الصلوات وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«أتاني جبريل  لدلوك الشمس  حين زالت فصلى بي الظهر »**[(١)](#foonote-١)، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عنده وقد طعم وزالت الشمس، فقال اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس[(٢)](#foonote-٢)، وقال ابن مسعود وابن عباس وزيد بن أسلم :****«دلوك الشمس »**** غروبها، والإشارة بذلك إلى المغرب، و  غسق الليل  اجتماع ظلمته، فالإشارة إلى العتمة،  وقرآن الفجر  صلاة الصبح، ولم تقع إشارة على هذا إلى الظهر والعصر، والقول الأول أصوب لعمومه الصلوات، وهما من جهة اللغة حسنان، وذلك أن الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكاً، لأنها في حالة ميل، فذكر الله  الصلوات  التي في حالة **«الدلوك »** وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ويصح أن تكون المغرب داخلة في  غسق الليل ، ومن الدلوك الذي هو الميل قول الأعرابي للحسن بن أبي الحسن َأُيَداِلُك الرجل امرأته ؟ يريد أيميل بها إلى المطل في دينها ؟ فقال له الحسن : نعم إذا كان ملحفاً، أي عديماً[(٣)](#foonote-٣)، ومنه قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
مصابيح ليست باللواتي تقودها. . . نجوم ولا بالآفلات الدوالك[(٤)](#foonote-٤)
ومن ذلك قول الشاعر :\[ الرجز \]
هذا مكان قدمي رباح. . . غدوة حتى دلكت براح[(٥)](#foonote-٥)
يروى براح بكسر الباء، قال أبو عبيدة الأصمعي وأبو عمرو الشيباني ومعناه براحة الناظر يستكف بها أبداً لينظر كيف ميلها وما بقي لها، وهذا نحو قول الحجاج :\[ الرجز \]
والشمس قد كادت تكون دنفاً. . . دفعها بالراح كي تزحلقا[(٦)](#foonote-٦)
وذكر الطبري عن ابن مسعود أنه قال : دلكت براح يعني براح مكاناً. قال : فإن كان هذا من تفسير ابن مسعود فهو أعلم، وإن كان من كلام راوٍ فأهل الغريب أعلم بذلك[(٧)](#foonote-٧)، ويروى أن البيت الأول :**«غدوة حتى هلكت بَراح »**، بفتح الباء على وزن قطام وحذام، وهو اسم من أسماء الشمس، وغسق الليل اجتماعه وتكاثف ظلمته، وقال الشاعر :\[ المديد \]
آب هذا الليل إذ غسقا[(٨)](#foonote-٨). . . وقال ابن عباس : غسق الليل  بدؤه، ونصب قوله  وقرآن  بفعل مضمر تقديره واقرأ قرآن، ويصح أن ينصب عطفاً على الصلاة، أي **«وأقم قرآن الفجر »**، وعبر عن صلاة الصبح خاصة ب **«القرآن »** لأن القرآن هو عظمها[(٩)](#foonote-٩)، إذ قراءتها طويلة مجهور بها، ويصح أن ينصب قوله  وقرآن  على الإغراء وقوله  إن قرآن الفجر كان مشهوداً  معناه ليشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في الحديث المشهور من قوله عليه السلام :**«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر »**، الحديث بطوله من رواية أبي هريرة وغيره[(١٠)](#foonote-١٠)، وعلى القول بذلك مضى الجمهور، وذكر الطبري حديثاً عن ابن عسكر من طريق أبي الدرداء، في قوله  كان مشهوداً  قال محمد بن سهل بن عسكر يشهده الله وملائكته، وذكر في ذلك الحديث أن الله تعالى ينزل في آخر الليل، ونحو هذا مما ليس بالقوي.

١ أخرجه ابن جرير في تفسيره، والذي في جميع الأصول هنا أن الراوي هو ابن مسعود رضي الله عنه، وأول ما يتبادر إلى الذهن أنه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بن غافل بن جبيب الهذلي، المعروف، وفي الدر المنثور أيضا ما يؤيد ذلك، فقد قال: "أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه"، ولكن الثابت في ابن جريرالطبري أن الحديث عن أبي مسعود (عقبة بن عمرو)، والنص على أنه (عقبة بن عمرو) يقطع بأنه (أبو مسعود) وليس (ابن مسعود). ولهذا لزم التنويه..
٢ رواه الطبري، عن جابر، من طريق ابن أبي ليلى، ورواه من طريق نبيح العتري، عن جابر أيضا. قال العلماء: ونبيح هذا مجهول، وقد جاء في تفسير الطبري هذا اللفظ: (يقول جابر: دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج رسول صلى الله عليه وسلم، وقال:... الحديث)..
٣ وقع في هذا الخبر تحريف في بعض ألفاظه، وهو في تفسير الطبري، وفي اللسان (دلك)، فكلمة (دينها) ذكرت في بعض النسخ (ديتها) لأن اللسان ذكر تفسير أبي عبيدة للكلام وهو: "قوله: يدالك، يعني المطل بالمهر". واللفظة في الطبري: (بحقها)، وكلمة (ملحفا) وردت في اللسان (ملفجا)، وذكرت في بعض الأصول (مليحا). ومن معاني الإلحاف التي تلائم المعنى هنا أنه الإضرار لغيره، يقال: ألحف به: أضر، أما ألفج فهي أكثر ملاءمة للمعنى، إذ من معانيها: أفلس وذهب ماله، فيكون المعنى المراد: أنه إذا أفلس وذهب ماله ذالك امرأته، أي: ماطلها في حقها، وهذا يناسب التفسير الذي في الخبر بعد ذلك وهو قوله: (أي: عديما)، أما (مليحا) فلا نرى لها وجها هنا يلائم المعنى.
 البيت في الديوان، وفي اللسان، والتاج، وفي تفسير القرطبي وتفسير البحر المحيط، وهو أيضا في غريب القرآن، والبيت في وصف الإبل، يقول: إنها تصبح في مباركها، والآفلات: الغائبات، يقال: أفل النجم: غاب، والدوالك: التي غابت أو قاربت الغروب، قال في اللسان: إن هذا البيت يقوي أن دلوك الشمس بمعنى الغروب؛ لأنه نفى عنها الأفوال والدلوك..
٤ ؟؟؟؟؟.
٥ البيت في اللسان (دلك)، والرواية فيه: (هذا مقام)، و (ذبب) بدلا من (غدوة)، وهو أيضا في (معاني القرآن) للفراء، والرواية فيه كرواية اللسان. وقد قال الفراء: "قال أبو زكريا: ورأيت العرب تذهب بالدلوك إلى غياب الشمس، أنشدني بعضهم: (هذا مقام.... البيت)، وفي اللسان: "دلكت براح وبراح، أي: قد مالت للزوال حتى كاد الناظر يحتاج إذا تبصرها أن يكسر الشعاع عن بصره براحته، وبراح، مثل قطام: اسم للشمس، وقال ابن الأعرابي: دلكت براح: استريح منها". أما قوله: (ذبب) فمعناه كما قال الفراء: الساقي ذبب: طرد الناس. وقال أبو عبيدة في (مجاز القرآن): "دلوك الشمس: من عند زوالها إلى أن تغيب"، وروى البيت ثم قال: "ألا ترى أنها تدفع بالراح، يضع كفه على حاجبيه من شعاعها لينظر ما بقي من غيابها". هذه هي التفسيرات التي قالها علماء اللغة في معنى الدلوك، وفي البيت. قد اختصرنا بعضها، وأغفلنا بعضا آخر قد ذكره ابن عطية أو أشار إليه..
٦ هذان بيتان من مشطور الرجز، قالهما العجاج بن رؤبة، وهما في الديوان، واللسان، ومجاز القرآن، وغريب القرآن، والطبري، والقرطبي، وفي الجمهرة وتهذيب الألفاظ، قال في اللسان: "ويقال للشمس إذا مالت للمغيب، إذا زالت عن كبد السماء نصف النهار: قد تزحلقت/ قال العجاج: والشمس.... الخ البيتين". أما قوله: (دنفا) فمعناه أنها صارت صفراء كالمريض، يقال: دنفت الشمس وأدنفت إذا دنت للمغيب واصفرت..
٧ من المفيد أن ننقل لك هنا نص كلام الطبري الذي لخصه ابن عطية هنا، فإن كلام الطبري أوضح، قال: "وقد ذكرت في الخبر الذي رويت عن عبد الله بن مسعود أنه قال حين غربت الشمس: دلكت براح، يعني: براح مكانا، ولست أدري هذا التفسير، أعني قوله: "براح مكانا" من كلام من هو ممن في الإسناد؟ أو من كلام عبد الله؟ فإن يكن من كلام عبد الله، فلا شك أنه كان أعلم بذلك من أهل الغريب الذين ذكرت قولهم، وأن الصواب في ذلك قوله دون قولهم. وإن لم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربية كانوا أعلم بذلك منه"..
٨ هذا صدر بيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، والبيت بتمامه:
 آب هذا الليل إذ غســـقـــا واشتكيت الهم والأرقـــــــا
 وهو في (مجاز القرآن)، واللسان (غسق)، والقرطبي، والبحر المحيط، والطبري، والرواية في اللسان ومجاز القرآن والقرطبي :(إن هذا الليل قد غسقا)، وهو شاهد على أن (غسق) بمعنى: أظلم وتكائفت ظلمته. قال في اللسان: "وغسق الليل يغسق غسقا وغسقا وغسقانا: انصب وأظلم، ومنه ابن قيس الرقيات: (إن هذا الليل... البيت)..
٩ عظم الشيء: معظمه. اللسان (عظم)..
١٠ أخرجه البخاري في المواقيت والتوحيد، ومسلم في المساجد، والنسائي في الصلاة، والموطأ في السفر، وأحمد (٢ – ٢٥٧) ولفظه كما في البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)..

### الآية 17:79

> ﻿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [17:79]

وقوله  ومن الليل   من  للتبعيض، وقتاً من الليل أي وقم وقتاً، والضمير في  به  عائد على هذا المقدر[(١)](#foonote-١) ويحتمل أن يعود على **«القرآن »** وإن كان لم يجر له ذكر مطلق كما هو الضمير مطلق، لكن جرى مضافاً إلى الفجر، و  فتهجد  معناه : فاطرح الهجود عنك، والهجود النوم، يقال هجُد يهجُد بضم الجيم هجوداً إذا نام، ومنه قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
ألا طرقتنا والرفاق هجود. . . فباتت بعلات النوال تجود[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول الحطيئة :\[ الطويل \]
فحياك ود ما هداك لفتية. . . وخوص بأعلى ذي طوالة هجد[(٣)](#foonote-٣)
وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتأثم وتحنث، ومثله  فظلتم تفكهون [(٤)](#foonote-٤) معناه تندمون، أي تطرحون الفاكهة عن أنفسكم[(٥)](#foonote-٥) وهي انبساط النفس وسرورها، يقال رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك، فالمعنى وقتاً من الليل اسهر به في صلاة وقراءة، وقال الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود :******«التهجد »****** بعد نومة، وقال الحجاج بن عمرو إنما ******«التهجد »****** بعد رقدة، وقال الحسن :******«التهجد »****** ما كان بعد العشاء الآخرة، وقوله  نافلة لك  قال ابن عباس وغيره : معناه زيادة لك في الفرض، قالوا : وكان قيام الليل فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم[(٦)](#foonote-٦). 
قال القاضي أبو محمد : وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجه الندب في التنفل، ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته كخطابه في قوله  أقم الصلوات  الآية. وقال مجاهد : إنما هي  نافلة  للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه مغفور له والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل من العمل وقرباً أشرف من نوافل أمته، لأن هذا إما أن تجبر بها فرائصهم حسب الحديث، وإما أن تحط بها خطاياهم، وقد يتصور من لا ذنب له ينتفل فيكون تنفله فضيلة، كنصراني يسلم وصبي يحتلم، وضعف الطبري قول مجاهد[(٧)](#foonote-٧). وقوله  عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  عزة من الله عز وجل لرسوله، وهو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه عليه السلام، والحديث بطوله في البخاري ومسلم، فلذلك اختصرناه[(٨)](#foonote-٨)، ولأجل ذلك الاعتمال الذي له في مرضاة جميع العالم مؤمنهم وكافرهم قال :**«أنا سيد، ولد آدم ولا فخر »**[(٩)](#foonote-٩) و  عسى  من الله واجبة، و  مقاماً  نصب على الظرف، ومن غريب حديث الشفاعة اقتضابه المعنى، وذلك أن صدر الحديث يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم يستنهض للشفاعة في أن يحاسب الناس وينطلقون من الموقف، فيذهب لذلك، وينص بإثر ذلك على أنه شفع في إخراج المذنبين من النار، فمعناه الاقتضاب والاختصار. لأن الشفاعة في المذنبين لم تكن إلا بعد الحساب والزوال من الموقف، ودخول قوم الجنة ودخول قوم النار، وهذه الشفاعة لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء، وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي »**[(١٠)](#foonote-١٠). 
قال القاضي أبو محمد : وينبغي أن يتأول هذا على ما قلناه لأمته وغيرها، أو يقال إن كل مقام منها محمود، قال النقاش : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات، شفاعة العامة، وشفاعة السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر، والمشهور أنهما شفاعتان فقط، وحكى الطبري عن فرقة منها مجاهد أنها قالت :**«المقام المحمود »** هو أن الله عز وجل يجلس محمداً معه على عرشه، وروت في ذلك حديثاً، وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله، وقد ذكر النقاش عن أبي داود السختياني أنه قال من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا. 
قال القاضي أبو محمد : من أنكر جوازه على تأويله.

١ المقدر هو (وقت)؛ إذ التقدير عند ابن عطية: وأقم وقتا من الليل..
٢ البيت في تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، وفي البحر المحيط. وفي اللسان (هجد) أن (هجد وتهجد): نام وأن (هجد وتهجد) أيضا: سهر، وأنه من الأضداد، ولكن فيه أيضا عن جمهرة كبيرة من اللغويين أنه يقال: هجد إذا نام بالليل، وهجد إذا صلى بالليل، وعن الأزهري أن الهاجد هوالنائم، وهجد هجودا إذا نام، وأما المتهجد فهو القائم إلى الصلاة من النوم، وكأنه قيل له متهجد لإلقائه الهجود وهو النوم عن نفسه، وهذا هو معنى قول ابن عطية: جار مجرى تحرج وتأثم... الخ، بمعنى: ألقى الحرج والإثم عن نفسه. فمعنى (هجود) في البيت: نائمون. والعلات هنا كالتعلة، وهي ما يتعلل به، بقول: إنها تجود علينا بالأماني، وتعطينا من الأمل ما نتعلل به ونتلهى ولا تزورنا زيارة حقيقية بدلا من هذه الأماني والتعلات..
٣ البيت في اللسان (هجد)، قال: "والهاجد: النائم، والهاجد والهجود: المصلي بالليل، والجمع هجود وهجد، قال الحطيئة فحياك... البيت"، وذكر أيضا شاهدا آخر على هجود..
٤ من الآية (٦٥) من سورة (الواقعة)..
٥ هكذا في كل الأصول، وفي العبارة قلق، والتندم في اللغة هو أن يتبع الإنسان أمرا ندما، وفي المثل "التقدم قبل التندم"، والندامى يطرحون الفاكهة بينهم لا عن أنفسهم..
٦ قال العلماء: في هذا التأويل بعد لوجهين: أحدهما تسمية الفرض بالنفل، وذلك مجاز لا حقيقة، والثاني قوله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات فرضهن الله على العباد)، وفي الخبر أن الله تعالى قال: (هن خمس وهن خمسون، لا يبدل القول لدي)، وهذا نص، فكيف يقال إن الله افترض عليه صلاة زائدة على الخمس)..
٧ قال الطبري: أما ما ذكر عن مجاهد في ذلك فقول لا معنى له ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه أكثر ما كان استغفارا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل عليه: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وذلك أن هذه السورة أنزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية، وأنزل عليه إذا جاء نصر الله والفتح عام قبض، وقيل له: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، فكان يعد له صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد استغفار مائة مرة، ومعلوم أن الله لم يأمره أن يسغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك، فبين إذا وجه فساد ما قاله مجاهد"..
٨ الحديث أخرجه البخاري في التوحيد والرقاق والأنبياء وتفسير سورة آل عمران، وأخرجه مسلم في الإيمان، والترمذي في تفسير سورة الإسراء، والقيامة، وابن ماجه في الزهد، والدارمي في المقدمة، والإمام أحمد في أماكن كثيرة من مسنده..
٩ أخرجه أبو داود في السنة، وابن ماجه في الزهد، وأحمد في المسند (١- ٥، ٣-٢)، ولفظه كما في المسند، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع يوم القيامة ولا فخر)..
١٠ أخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه كما في الدر المنثور: في قوله: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، وسئل عنه قال: (هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي)..

### الآية 17:80

> ﻿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [17:80]

ظاهر هذه الآية والأحسن فيها أن يكون دعاء في أن يحسن الله حالته في كل ما يتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال وينتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة، فهي على أتم عموم، معناه  ربِّ  أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري[(١)](#foonote-١)، وذهب المفسرون إلى أنها في غرض مخصوص، ثم اختلفوا في تعيينه، فقال ابن عباس والحسن وقتادة : أراد  أدخلني  المدينة  وأخرجني  من مكة، وتقدم في هذا التأويل المتأخر في الوقوع، فإنه متقدم في القول لأن الإخراج من مكة هو المتقدم، اللهم إن مكان الدخول والقرار هو الأهم، وقال أبو صالح ومجاهد : أدخلني  في أمر تبليغ الشرع  وأخرجني  منه بالأداء التام، وقال ابن عباس : الإدخال بالموت في القبر والإخراج البعث، وما قدمت من العموم التام الذي يتناول هذا كله، أصوب، وقرأ الجمهور **«مُدخل »** **«ومُخرج »** بضم الميم، فهو جرى على  أدخلني وأخرجني  وقرأ أبو حيوة وقتادة وحميد، **«مَدخل »** **«ومَخرج »** بفتح الميم، فليس بجار على  أدخلني  ولكن التقدير **«أدخلني فأدخل مدخل »**، لأنه إنما يجري على دخل، و **«الصدق »** هنا صفة تقتضي رفع المذام واستيعاب المدح، كما تقول رجل صدق أي جامع للمحاسن، وقوله  واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً  قال مجاهد وغيره : حجة، يريد تنصرني ببيانها على الكفار، وقال الحسن وقتادة يريد سعة ورياسة وسيفاً ينصر دين الله، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأمر الله إياه به رغبة في نصر
الدين، فروي أن الله وعده بذلك ثم أنجزه له في حياته وتممه بعد وفاته.

١ أي: في بداية الأمور ونهايتها، أو في إقبالي عليها وانصرافي عنها، والمراد: في جميع الأمور من أولها إلى آخرها..

### الآية 17:81

> ﻿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [17:81]

وقوله  وقل جاء الحق  الآية، قال قتادة : الحق  القرآن، و  الباطل  الشيطان، وقالت فرقة : الحق  الإيمان،  والباطل  الكفر، وقال ابن جريج : الحق  الجهاد،  والباطل  الشرك، وقيل غير ذلك، والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما نطوى فيه،  وزهق  الكفر بجميع ما انطوى فيه، و  الباطل  كل ما لا تنال به غاية نافعة. وقوله  كان زهوقاً  ليست  كان  إشارة إلى زمن مضى، بل المعنى كان وهو يكون، وهذا كقولك كان الله عليماً قادراً ونحو هذا، وهذه الآية نزلت بمكة، ثم إن رسول الله كان يستشهد بها يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة[(١)](#foonote-١) حسبما في السيرة لابن هشام وفي غيرها.

١ المخصرة : ما يتوكأ عليها كالعصا ونحوه، وقضيب يشار به في أثناء الخطابة، وكان يتخذه الملوك والخطباء. وقد روى ابن مسعود أن رسول الله صلى عليه وسلم دخل مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، من طرق، عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود رضي الله عنه..

### الآية 17:82

> ﻿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [17:82]

وقرأ الجمهور **«وننزل »** بالنون، وقرأ مجاهد **«وينزل »** بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص، وقوله  من القرآن  يصح أن تكون  من  لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس[(١)](#foonote-١) كأنه قال وننزل ما فيه شفاء  من القرآن  وأنكر بعض المتأولين أن يكون  من  للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه. 
قال القاضي أبو محمد : وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال  وننزل من القرآن  شيئاً شيئاً ما فيه كله  شفاء ، واستعارته الشفاء للقرآن هو بحسب إزالته للريب وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى المقررة لشرعه، ويحتمل أن يراد ب **«الشفاء »** نفعه من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه[(٢)](#foonote-٢)، وكونه رحمته ظاهر، وقوله  ولا يزيد الظالمين إلا خساراً  معنى أنه عليهم عمى، إذ هم معرضون بحالة من لا يفهم ولا يلقن.

١ قال ذلك الأخفش وأبو البقاء أيضا، وقال أبو حيان: "إن \[من\] التي لبيان الجنس لا تتقدم على المبهم الذي تبينه، وإنما تكون متأخرة عنه"..
٢ الرقى: جمع رقية، وهي العوذة التي يرقى بها المريض، والتعويذ: الأعتصام بالرقية من الشيطان، والمؤمن لا يتعوذ إلا بالله تعالى..

### الآية 17:83

> ﻿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [17:83]

وقوله  وإذا أنعمنا  الآية،  الإنسان  في هذه الآية لا يراد به العموم، وإنما يراد به بعضه وهم الكفرة، وهذا كما تقول عند غضب : لا خير في الأصدقاء ولا أمانة في الناس، فأنت تعم مبالغة، ومرادك البعض، وهذا بحسب ذكر الظالمين، و **«الخسار »** في الآية قبل فاتصل ذكر الكفرة، ويحتمل أن يكون  الإنسان  في هذه الآية عاماً للجنس، على معنى أن هذا الخلق الذميم في سجيته، فالكافر يبالغ في الإعراض والعاصي يأخذ بحظه منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مؤمن :**«فأعرض فأعرض الله عنه »**[(١)](#foonote-١)، ومعنى  أعرض  ولانا عرضه[(٢)](#foonote-٢)، ونأى أي بعد، وهذه استعارة، وذلك أنه يفعل أفعال المعرض النائي في تركه الإيمان بالله وشكر نعمه عليه، وقرأ ابن عامر وحده **«وناء »**، ومعناه نهض أي متباعداً، هذا قول طائفة، وقالت أخرى هو قلب الهمزة بعد الألف من  نأى  بعينه وهي لغة كرأى وراء، ومن هذه اللفظة، قول الشاعر في صفة رام :\[ الرجز \]
حتى إذا ما التأمت مفاصله. . . وناء في شق الشمال كاهله[(٣)](#foonote-٣)
أي نهض متوركاً على شماله، والذي عندي أن **«ناء ونأى »** فعلان متباينان[(٤)](#foonote-٤)، وناء بجانبه عبارة عن التحيز[(٥)](#foonote-٥) والاستبداد، ونأى عبارة عن البعد والفراق، ثم وصف الكفرة بأنهم إذا مسهم شر من مرض أو مصيبة في مال أو غير ذلك يئسوا من حيث لا يؤمنون بالله ولا يرجون تصرف أقداره.

١ أخرجه مسلم في السلام، وأحمد في المسند (٥ ـ ٢١٩)، ولفظه كما في صحيح مسلم، عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل نفر ثلاثة، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)..
٢ عرض الشيء: جانبه وناحيته، وعرض العنق والوجه: جانبه..
٣ هذا البيت شاهد على أن (ناء) بمعنى: نهض متوكئا على شماله، فهو من النوء، وهو النهوض والقيام. واللغويون يرون أن (ناء) تأتي على القلب من (نأى) في اللفظ ولكن المعنى واحد وهو البعد، ويرى بعضهم أن (نأى) بمعنى: بعد، و (ناء) بمعنى: أعرض وتكبر مستغنيا ومعنى "التأمت مفاصله": اجتمعت وتوافقت على وضع معين، وشق الشمال: جانبه. والكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق، وهو الثلث الأعلى من الظهر، وفيه ست فقر، وفي اللسان أن الكاهل هو الحارك، وهو فروع الكتفين هذا وقد أنشد المبرد:
 أعاذل إن يصبح صداي بقفرة بعيدا نآني زائري وقريبي
 وقال: (نآني) هنا فيه وجهان: أحدهما أنه بمعنى أبعدني، والثاني أنه بمعنى نأى عني، قال أبو منصور، وهذا هو المعروف، تقول: نأيت الدمع عن خدي بإصبعي ومنه:
 إذا ما التقينا سال من عبراتنا شآبيب ينأى سيلها بالأصابع
 .
٤ معنى هذا أن ابن عطية يرى أن (نأى) بمعنى: بعد، وأن (ناء) بمعنى: نهض، وكأنه يستشهد بالبيت الذي أنشده على ذلك..
٥ هكذا في الأصول، ولعل الصواب: (التجبر)..

### الآية 17:84

> ﻿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا [17:84]

ثم قال عز وجل  قل  يا محمد  كل يعمل على شاكلته  أي على طريقته وبحسب نيته ومذهبه الذي يشبهه وهو شكله ومثل له، وهذه الآية تدل دلالة ما على أن  الإنسان  أولاً لم يرد به العموم، أي إن الكفار بهذه الصفات، والمؤمنون بخلافها، وكل منهم يعمل على ما يليق به، والرب تعالى أعلم بالمهتدي، وقال مجاهد : على شاكلته  معناه على طبيعته، وقال أيضاً معناه على حدته، وقال ابن عباس : معناه على ناحيته، وقال قتادة : معناه على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال ابن زيد : معناه على دينه، وأرجح هذه العبارات قول ابن عباس وقتادة وفي قوله  فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً  توعد بين

### الآية 17:85

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [17:85]

الضمير في  يسألونك  قيل هو لليهود وإن الآية مدنية، وروى عبد الله بن مسعود، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على حرث بالمدينة، ويروى على خرب، وإذا فيه جماعة من اليهود، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح، فإن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي، وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحداً من عباده، قال ابن مسعود : وقال بعضهم : لا تسألوه لئلا يأتي في بشيء تكرهونه يعني والله أعلم من أنه لا يفسره فتقوى الحجة عليهم في نبوته، قال فسألوه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عسيب فظننت أنه يوحى إليه، ثم تلا عليهم الآية[(١)](#foonote-١). 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
وقيل الآية مكية والضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا : نسأل عن محمد أهل الكتاب من اليهود، فأرسلوا إليهم إلى المدينة النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، فقال اليهود لهما : جرباه بثلاث مسائل، سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن فسر الثلاثة فهو كذاب، وإن سكت عن الروح فهو نبي، فسألته قريش عن الروح، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم **«غداً أخبركم به »**، ولم يقل إن شاء الله، فاستمسك الوحي عليه خمسة عشر يوماً، معاتبة على وعده لهم دون استثناء، ثم نزلت هذه الآية[(٢)](#foonote-٢). 
واختلف الناس في  الروح  المسؤول عن أي روح هو ؟ فقالت فرقة هي الجمهور : وقع السؤال عن الروح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي ؟ ف  الروح  اسم جنس على هذا، وهذا هو الصواب، وهو المشكل الذي لا تفسير له، وقال قتادة  الروح  المسؤول عنه جبريل، قال وكان ابن عباس يكتمه، وقالت فرقة عيسى ابن مريم، وقال علي بن أبي طالب :**«ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله سبحانه بكل تلك اللغات يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة »**، ذكره الطبري، وما أظن هذا القول يصح عن علي، وقالت فرقة  الروح  القرآن، وهذه كلها أقوال مفسرة، والأول أظهرها وأصوبها، وقوله  من أمر ربي  يحتمل تأويلين : أحدهما : أن يكون **«الأمر »** اسم جنس للأمور أي للروح من جملة أمور الله التي استأثر بعلمها، فهي إضافة خلق إلى خالق، والثاني أن يكون مصدراً من أمر يأمر أي الروح مما أمره أمراً بالكون فكان. وقرأ ابن مسعود والأعمش **«وما أوتوا »**، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور **«وما أوتيتم »**، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة : السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم : المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، وقالت فرقة : العالم كله، وهذا هو الصحيح لأن قول الله له  قل الروح  إنما هو أمر بالقول لجميع العالم إذ كذلك هي أقواله كلها وعلى ذلك تمت الآية من مخاطبة الكل، ويحتمل أيضاً أن تكون مخاطبة من الله للنبي ولجميع الناس ويتصف ما عند جميع الناس من العلم بالقلة بإضافته إلى علم الله عز وجل الذي هو بهذه الأمور التي عندنا من علمها طرف يسير جداً، كما قال الخضر عليه السلام لموسى عليه السلام، **«ما نقص علمي وعلمك وعلم الخلائق من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر »**، وأراد الخضر علم الله تعالى بهذه الموجودات التي عند البشر من علمها طرف يسير نسبة إلى ما يخفى عليهم نسبة النقطة إلى البحر، وأما علم الله على الإطلاق فغير متناه، ويحتمل أن يكون التجوز في قول الخضر كما نقص هذا العصفور، أي إما لا ينقص علمنا شيئاً من علم الله تعالى على الإطلاق ثم مثل بنقرة العصفور في عدم النقص، إذ نقصه غير محسوس، فكأنه معدوم، فهذا احتمال، ولكن فيه نظر، وقد قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لم نؤت من العلم إلا قليلاً ؟ وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله، فغلبوا، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديث ****«كلاًّ »**** يعني أن المراد ب  أوتيتم  جميع العالم، وذلك أن يهود قالت له : نحن عنيت أو قومك ؟ فقال ****«كلاًّ »****[(٣)](#foonote-٣)، وفي هذا المعنى نزلت
 ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام [(٤)](#foonote-٤)، حكى ذلك الطبري رحمه الله.

١ أخرج هذا الحديث أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٢ أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي، كلاهما في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أتيتم من العلم إلا قليلا، قالوا: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فأنزل الله تعالى: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدادا..
٣ حكى الطبري عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بمكة وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أحبار يهود، فقالوا: يا محمد، ألم يبلغنا أنك تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، أفعنيتنا أم قومك؟ قال: كلا قد عنيت، قالوا، فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم، فأنزل الله :ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام... إلى قوله: إن الله سميع بصير..
٤ من الآية (٢٧) من سورة (لقمان)..

### الآية 17:86

> ﻿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [17:86]

وقوله تعالى : ولئن شئنا  الآية فيها شدة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عتاب على قوله غداً أعلمكم، فأمر بأن يقول إن الروح من أمر ربه فيذعن بالتسليم لله في أنه يعلم بما شاء، ويمسك عن عباده ما شاء، ثم قيل له  وما أوتيتم  أنت يا محمد وجميع الخلائق  من العلم إلا قليلاً ، فالله يعلم من علمه بما شاء ويدع ما شاء، ولئن شاء لذهب بالوحي الذي أتاك، ثم لا ناصر لك منه، أي فليس بعظيم أن لا تجيء بتفسير في الروح الذي أردت أن تفسره للناس ووعدتهم بذلك، وروى ابن مسعود أنه ستخرج ريح حمراء من قبل الشام فتزيل القرآن من المصاحف ومن الصدور وتذهب به، ثم يتلو هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
أراد ابن مسعود بتلاوة الآية أن يبدي أن الأمر جائز الوقوع ليظهر مصداق خبره من كتاب الله تعالى. 
و **«الوكيل »** القائم بالأمر في الانتصار أو المخاصمة ونحو ذلك من وجود النفع.

١ أخرج هذا الخبر عن ابن مسعود عدد كبير من الرواة، وقد اختلفت الألفاظ باختلافهم، فقد أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، وابن مردويه في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: إن هذا القرآن سيرفع، قيل: كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في المصاحف؟، قال: يسرى عليه في ليلة واحدة فلا يترك منه آية في قلب ولا مصحف إلا رفعت، فتصبحون وليس فيكم منه شيء، ثم قرأ: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك. وأخرج ابن أبي داود، عن ابن مسعود رضي الله عنه نحوه، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه نحوه. وقد ذكر الإمام السيوطي كل هذه الروايات في (الدر المنثور). وقد رد أبو سليمان الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا)، وهو حديث أخرجه البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال بعض العلماء: وحديث ابن مسعود مروي من طرف حسان، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد بالعلم في حديث عبد الله ابن عمرو ما سوى القرآن، أي: ينقرض العلم حتى يرفع القرآن في آخر الأمر، ويؤيدون ذلك بحديث رواه ابن ماجه عن حذيفة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، فيسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة "لا إله إلا الله"، وهم لا يدرون ما صلاة و لا صيام ولا نسك ولا صدقة. قال له صلة (أحد رجال سند الحديث). ما تغني عنهم "لا إله إلا الله" وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه حذيفة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثا. ومثل هذا أيضا ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوي كدوي النحل، فيقول الله: ما بالك، فيقول: يا رب منك خرجت وإليك أعود، أتلى فلا يعمل بي. وأخرج مثله محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن عبد الله بن عمرو بن العاص..

### الآية 17:87

> ﻿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا [17:87]

وقوله  إلا رحمة  استثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تمسك ذلك عليك، وهذا الاستثناء المنقطع يخصص تخصيصاً ما، وليس كالمتصل لأن المتصل يخصص من الجنس أو الجملة، والمنقطع يخصص أجنبياً من ذلك، ولا ينكر وقوع المنقطع في القرآن إلا أعجمي، وقد حكي ذلك عن ابن خويز منداد، ثم عدد عليه عز وجل كبر فضله في اختصاصه بالنبوة وحمايته من المشركين إلى غير ذلك مما لا يحصى.

### الآية 17:88

> ﻿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [17:88]

وقوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن  الآية، سبب هذه الآية أن جماعة من قريش قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن، فإنا نقدر على المجيء بمثل هذا، فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز، المعلمة بأن جميع الخلائق لو تعاونوا إنساً وجناً على ذلك لم يقدروا عليه، والعجز في معارضة القرآن إنما وقع في النظم والرصف لمعانيه، وعلة ذلك الإحاطة التي لا يتصف بها إلا الله عز وجل، والبشر مقصر ضرورة بالجهل والنسيان والغفلة وأنواع النقص، فإذا نظم كلمة خفي عنه للعلل التي ذكرنا أليق الكلام بها في المعنى، وقد ذكرت هذه المسألة في صدر هذا الديوان، وقوله  لا يأتون بمثله  في موضع رفع، و  لا  متلقية قسماً، واللام في قوله  لئن  مؤذنه غير لازمة قد تحذف أحياناً، وقد تجيء هذه اللام مؤكدة فقط، ويجيء الفعل المنفي مجزوماً، وهذا اعتماد على الشرط ومنه قول الأعمش :\[ البسيط \]
لئن منيت بنا عن غر معركة. . . لا تلفنا عن دماء القوم ننتقل[(١)](#foonote-١)
و **«الظهير »** المعين، ومنه قوله عز وجل  وإن تظاهرا عليه [(٢)](#foonote-٢) الآية : وفهمت العرب بخلوص فهمها في ميز الكلام ودربتها به ما لا نفهمه نحن، ولا كل من خالطته حضارة، ففهموا العجز عنه ضرورة ومشاهدة، وعلمه الناس بعدهم استدلالاً ونظراً، ولكل حصل علم قطعي، لكن ليس في مرتبة واحدة، وهذا كما علمت الصحابة شرع النبي وأعماله مشاهدة علم ضرورة وعلمنا نحن المتواتر من ذلك بنقل التواتر، فحصل للجميع القطع، لكن في مرتبتين، وفهم إعجاز القرآن أرباب الفصاحة الذين لهم غرائب في ميز الكلام، ألا ترى إلى فهم الفرزدق شعر جرير في شعر ذي الرمة في قوله : يُعد الناسبون إلى تميم[(٣)](#foonote-٣). 
الأبيات كلها، وألا ترى قصة جرير في نوادره مع الفرزدق : في قول الفرزدق : على م تلفتين، وفي قوله : تلفت أنها تحت ابن قين[(٤)](#foonote-٤). 
وألا ترى إلى قول الأعرابي : عز فحكم فقطع، وألا ترى إلى استدلال الآخر على البعث بقوله  حتى زرتم المقابر [(٥)](#foonote-٥) فقال إن الزيارة تقتضي الانصراف ومنه علم بشار بقول أبي عمرو بن العلاء في شعر الأعشى : وأنكرتني وما كان الذي نكرت[(٦)](#foonote-٦)، ومنه قول الأعرابي للأصمعي : من أحوج الكريم إلى أن يقسم ؟ ومن فهمهم أنهم ببدائههم يأتون بكلمة منثورة تفضل المنقح من الشعر، وأمثلة ذلك محفوظة، ومن ذلك أجوبتهم المسكتة إلى غير ذلك من براعتهم في الفصاحة، وكونهم فيها النهاية، كما كان السحر في زمن موسى، والطب في زمن عيسى، فهم مع هذه الأفهام أقروا بالعجز، ولجأ المحاد[(٧)](#foonote-٧) منهم إلى السيف، ورضي بالقتل والسبا وكشف الحرم، وهو كان يجد المندوحة عن ذلك بالمعارضة، وكذلك التحدي بالعشر السور، والتحدي بالسورة إنما وقع كله على حد واحد في النظم خاصة، وقيد العشر بالافتراء[(٨)](#foonote-٨) لأنهم ذكروا أن القرآن مفترى، فدعاهم بعقب ذكر ذلك إلى الإتيان بعشر سور مفتريات، ولم يذكر الافتراء في السورة لأنه لم يجر عنهم ذكر ذلك قبل، بل قال
 إن كنتم في ريب [(٩)](#foonote-٩) على أنه قد جاء ذكر السورة مع ذكرهم الافتراء في سورة هود وقد اختلف الناس في هذا الموضع فقيل دعوا إلى السورة المماثلة في النظم والغيوب وغير ذلك من الأوصاف، وكان ذلك من تكليف ما لا يطاق، فلما عسر عليهم خفق بالدعوة إلى المفتريات، وقيل غير هذا مما ينحل عند تحصيله.

١ هذا البيت من قصيدة الأعشى المشهورة التي قالها ليزيد بن مسهر أبي ثابت الشيباني، والتي يقول في مطلعها:
 ودع هريرة إن الركب مرتحـــل وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟
 والتي يخاطبه فيها قائلا في معنى هذا البيت: إننا لا نمل القتال ولا نركن إلى الراحة، ولو كان من قدرك أن تبتلى بنا في أعقاب معركة طاحنة خصناها فلن تجد منا وهنا ولا ضعفا، بل وجدت فينا قوة على القتال وصبرا وجلدا. ومنيت: أصبت أو رميت، وغب: بعد أو عقب، وننتفل: نتبرأ، يقال: انتفل من القوم بمعنى: ابتعد عن نصرتهم ومعونتهم. والبيت شاهد عند النحويين على أنه يجوز في الشعر- بقلة – أن يكون الجواب للشرط إذا اجتمع مع القسم وتأخر عنه، فإن لا (لئن) هنا موطئة للقسم، وقول الشاعر: (لا تلفنا) هو جواب للشرط لا للقسم، بدليل الجزم، ولو كان جوابا للقسم لما جاء مجزوما، وقد قال بعض النحويين: إن اللام في (لئن) زائدة، وابن عطية من هذا الرأي، وعليه أيضا ابن هشام في المغني، قال: وهذا كقول الآخر:
 لئن كانت الدنيا علي كما أرى تباريح من ليلى فللموت أروح.
 فإن الشرط قد أجيب بجملة مقرونة بالفاء، ولو كانت اللام موطئة للقسم لم يجب إلا القسم. والخلاف طويل، ولكل حجته، فليرجع إلى الموضوع في كتب النحو وشواهده، كالخزانة، والمغني، والأشموني وشروحه.
 .
٢ من الآية (٤) من سورة (التحريم)..
٣ تروي كتب الأدب أن جرير بن عطية الشاعر المشهور مر ذات يوم على ذي الرمة، فقال له: يا غيلان، أنشدني ما قلت في المرئي (وهو شاعر عرف بهذا الاسم)، فأنشده:
 نبت عيناك عن طلل بجزوى عفته الريح وامتنح القطـارا
 ومنها: إذا المرئي شب له بنـات عقدن برأسـه إبة وعارا
 فقال جرير: ألا أعينك؟ قال: بلى، بأبي وأمي، فقال جرير: 
 يعد الناسبون إلى تــميــم بيوت المجد أربعة كبــارا
 يعدون الرباب وآل سعـد وعمرا ثم حنظلة الخيــارا
 ويهلك وسطها المرئي لغوا كـا ألغيت في الدية الحـوارا
 قالوا: فمر ذو الرمة بعد ذلك بالفرزدق، فقال له: أنشدني ما قلت في المرئي، فأنشده القصيدة، فلما انتهى إلى هذه الأبيات، قال الفرزدق: حس، أعد علي فأعادن فقال: "تالله لقد علكهن أشد لحيين منك".
 وابن عطية بغير إلى هذه القصة، ويريد أن يقول: إن الفرزدق بغريزته وفطرته فهم أن هذه الأبيات ليست من شعر ذي الرمة، وإنما هي من شعر جرير، ولهذا قال له: لقد علكهن (أي: أدار هذه الكلمات في فمه)، والمعنى: لقد أنشأها من هو أشد منك قدرة على قول الشعر، وهو جرير، وهذا هو الفهم بالفطرة، وهو معرفة أسرار البلاغة في الكلام عن ضرورة ومشاهدة..
٤ يشير ابن عطية بهذا إلى أبيات من الشعر قالها كل من الفرزدق وجرير في خبر روته عنهما كتب الأدب، وفيه دليل على أن الفطرة هي التي هدتهم إلى معرفة أسرار البلاغة في الكلام، ولهذا عرفوها وفهموها ضرورة، وفهموا وعرفوا أن القرآن فوق مستواهم، وأن عجزهم عنه ضرورة وخبرة وإحساس، والخبر يقول:
 خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام بن عبد الملك، فنزل جرير يبول، فجعلت الناقة تحت الفرزدق تتلفت، فضربها الفرزدق وقال:
 علام تلفتين وأنت تحتي وخير الناس كلهم أمامي؟
 متى تردي الرصافة تستريحي. من التهجير والدبر الدوامي
 ثم قال لنفسه: الآن يجيء جرير، فأنشده هذين البيتين، فيرد علي ويقول:
 تلفت أنها تحت ابن قـــــــين إلى الكيرين والفأس الكهـــام
 متى ترد الرصافة تخز فيها كخزيك في المواسم كل عام
 ثم جاء جرير والفرزدق يضحك، فقال له: ما يضحكك يا أبا فارس؟، قال: لقد قلت بيتين، وأنشده بيتيه: (علام تلفتين...)، فقال جرير: وأنا القول: (تلفت أنها....) كما قال الفرزدق سواء، فقال الفرزدق: والله قلت هذين البيتين قبلك، قال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد؟.
٥ من الآية (٢) من سورة (التكاثر)، وابن عطية يشير إلى قصة أعرابي سمع هذه الآية فقال: "بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم"، وهذا مبني على تأويل ذكره بعض المفسرين، يقولون: حتى زرتم المقابر معناها: حتى متم وجئتموها زائرين، ثم ستنصرفون عن هذه القبور إلى بيوتكم الدائمة، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، والتعبير بالزيارة يعطي معنى الانصراف عنها إلى المقر الدائم للإنسان..
٦ هذا صدر بيت هو ثاني قصيدة قالها الأعشى يمدح هوزة بن علي الحنفي، قال:
 بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا واحتلت الغمر فالجدين فالفرعا
 وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا
 والبيت ي اللسان (نكر)، قال: "أنكرت الشيء وأنا أنكره إنكارا، ونكرته مثله. قال الأعشى: وأنكرني..... البيت"، ومن نفس المعنى قوله تعالى: نكرهم وأوجس منهم خيفة؛.
 ومما يروى بيت الأعشى أن الخليل بن أحمد خرج مع صديق له يكنى أبا المعلى، وكان شديد الصلع، ثم مرت بهما امرأة ومعها بنات لها، فأراد أبو المعلى أن يكلمها فنهاه الخليل فلم ينته، وقال لها: يا أمة الله، ألك زوج؟ قالت: لا، ولا واحدة منا، قال: فأنا أتزوجك، ويتزوج هذا إحدى بناتك، قالت له: لقد ابتلاك الله بأن قرع رأسك بمسحاة، وجعل لك عقصة بيضاء في قفاك، وبلغ من جهلك أنك خضبتها بحمرة، فلو كنت خضبت بسواد لغطيت عوارك وأظنك من رهط الأعشى، الذي قال: وأنكرتني... البيت. وهكذا لم يسلم هو والخليل من طول لسانها.
 أما ما ذكره ابن عطية من فهم بشار وعلمه بقول أبي العلاء في شعر الأعشى فقد أورده الأصفهاني في الأغاني، قال: "حدثني أبو عبيدة: قال: سمعت بشارا يقول وقد أنشد في شعر الأعشى: (وأنكرتني وما كان الذي نكرت) البيت: هذا بيت مصنوع ما يشبه كلام الأعشى، فعجبت لذلك، فلما كان بعد هذا بعشر سنين كنت جالسا عند يونس فقال: حدثني أبو عمرو بن العلاء أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى، فجعلت حينئذ أزداد عجبا من فطنة بشار وصحة قريحته وجودة نقده للشعر"..
٧ المحاد: المخالف المعاند، من المحادة، وهي العناد والمخالفة..
٨ وذلك في قوله تعالى في الآية (١٣) من سورة (هود): {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات..
٩ من الآية (٢٣) من سورة (البقرة)..

### الآية 17:89

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [17:89]

هذه الآية تنبه على فضل الله في القرآن على العالم، وتوبيخ للكفار منهم على قبيح فعلهم، وتصريف القول هو ترديد البيان عن المعنى، وقرأ الجمهور **«صرّفنا »** بتشديد الراء، وقرأ الحسن **«صرَفنا »** بفتح الراء خفيفة، وقوله  من كل مثل  يجوز أن تكون  من  لابتداء الغاية، ويكون المفعول ب  صرفنا  مقدراً تقديره **«ولقد صرفنا في هذا القرآن التنبيه والعبر من كل مثل ضربناه »**، ويجوز أن تكون مؤكدة زائدة، التقدير **«ولقد صرفنا كل مثل »**، وهذا كقوله تعالى : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ١٢٥ \]. وقوله  فأبى  عبارة عن تكسب الكفار الكفر وإعراضهم عن الإيمان، وفي العبارة يأبى تغليظ، والكفر بالخلق والاختراع هو من فعل الله تعالى، وبالتكسب والدؤوب هو من الإنسان، و  كفوراً  مصدر كالخروج،

١ من الآية (١٢٥) من سورة (البقرة). وهي مثلها في أن \[من\] زائدة، والتقدير: واتخذوا مقام إبراهيم مصلى..

### الآية 17:90

> ﻿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [17:90]

وقوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك  الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر **«حتى تُفجّر »**[(١)](#foonote-١)، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى **«تَفجُر »** بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن  فانفجرت [(٢)](#foonote-٢) \[ البقرة : ٦٠ \]، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و **«الينبوع »** الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا ب  الأرض ، وإنما يراد بإطلاق لفظة  الأرض  هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله  أو ينفوا من الأرض [(٣)](#foonote-٣) \[ المائدة : ٣٣ \] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضاً اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور **«جنة »**، وقرأ **«حبة »** المهدوي، وقوله  فتفجّر . تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، كقوله سبحانه :( وغلقت الأبواب )[(٤)](#foonote-٤)، و  خلالها  ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها، وروي في قول هذه المقالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث طويل، مقتضاه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة قريش وسادتها، اجتمعوا عليه فعرضوا عليه أن يملكوه إن أراد الملك، أو يجمعوا له كثيراً من المال إن أراد الغنى، أو ُيِطُّبوه إن كان به داء ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك إلى الله، وقال **«إنما جئتكم عند الله بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم، فإن سمعتم وأطعتم فحسن، وإلا صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم بما شاء »**، فقالوا له حينئذ فإن كان ما تزعمه حقاً ففجر ينبوعاً ونؤمن لك، ولتكن لك جنة إلى غير ذلك مما كلفوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«هذا كله إلى الله، ولا يلزمني هذا ولا غيره، وإنما أنا مستسلم لأمر الله تعالى »**[(٥)](#foonote-٥)، هذا هو معنى الحديث. وفي الألفاظ اختلاف وروايات متشعبة يطول سوق جميعها، فاختصرت لذلك.

١ بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مع الكسرة. وهي تدل على كثرة الانفجار من الينبوع، وقراءة التخفيف تتجه إلى أن الينبوع واحد..
٢ من قوله تعالى في الآية (٦٠) من سورة (البقرة): وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا..
٣ من الآية (٣٣) من سورة (المائدة)..
٤ من الآية (٢٣) من سورة (يوسف)..
٥ الحديث طويل، وهو بنصه الطويل في تفسير الطبري، والقرطبي، وفي الدر المنثور، وتفسير ابن كثير، وقد أخرجه ابن جرير، وابن إسحق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي الألفاظ اختلاف باختلاف الروايات كما قال المؤلف رحمه الله..

### الآية 17:91

> ﻿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا [17:91]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:وقوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك  الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ****«حتى تُفجّر »****[(١)](#foonote-١)، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى ****«تَفجُر »**** بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن  فانفجرت [(٢)](#foonote-٢) \[ البقرة : ٦٠ \]، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و ****«الينبوع »**** الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا ب  الأرض ، وإنما يراد بإطلاق لفظة  الأرض  هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله  أو ينفوا من الأرض [(٣)](#foonote-٣) \[ المائدة : ٣٣ \] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضاً اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور ****«جنة »****، وقرأ ****«حبة »**** المهدوي، وقوله  فتفجّر . تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، كقوله سبحانه :( وغلقت الأبواب )[(٤)](#foonote-٤)، و  خلالها  ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها، وروي في قول هذه المقالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث طويل، مقتضاه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة قريش وسادتها، اجتمعوا عليه فعرضوا عليه أن يملكوه إن أراد الملك، أو يجمعوا له كثيراً من المال إن أراد الغنى، أو ُيِطُّبوه إن كان به داء ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك إلى الله، وقال ****«إنما جئتكم عند الله بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم، فإن سمعتم وأطعتم فحسن، وإلا صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم بما شاء »****، فقالوا له حينئذ فإن كان ما تزعمه حقاً ففجر ينبوعاً ونؤمن لك، ولتكن لك جنة إلى غير ذلك مما كلفوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :****«هذا كله إلى الله، ولا يلزمني هذا ولا غيره، وإنما أنا مستسلم لأمر الله تعالى »****[(٥)](#foonote-٥)، هذا هو معنى الحديث. وفي الألفاظ اختلاف وروايات متشعبة يطول سوق جميعها، فاختصرت لذلك. 
١ بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مع الكسرة. وهي تدل على كثرة الانفجار من الينبوع، وقراءة التخفيف تتجه إلى أن الينبوع واحد..
٢ من قوله تعالى في الآية (٦٠) من سورة (البقرة): وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا..
٣ من الآية (٣٣) من سورة (المائدة)..
٤ من الآية (٢٣) من سورة (يوسف)..
٥ الحديث طويل، وهو بنصه الطويل في تفسير الطبري، والقرطبي، وفي الدر المنثور، وتفسير ابن كثير، وقد أخرجه ابن جرير، وابن إسحق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي الألفاظ اختلاف باختلاف الروايات كما قال المؤلف رحمه الله..


---

### الآية 17:92

> ﻿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا [17:92]

وقوله تعالى : أو تسقط السماء  الآية، قرأ الجمهور **«أو تُسقط »** بضم التاء، **«السماءَ »** نصب، وقرأ مجاهد **«أو تَسقط السماءُ »** برفع **«السماءُ »** وإسناد الفعل إليها، وقوله  كما زعمت  إشارة إلى ما تلي عليهم قبل ذلك في قوله عز وجل  إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء [(١)](#foonote-١) \[ سبأ : ٩ \]، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي **«كسْفاً »** بسكون السين إلا في الروم[(٢)](#foonote-٢)، فإنهم حركوها، ومعناه قطعاً واحداً، قال مجاهد : السماء جميعاً وتقول العرب : كسفت الثوب ونحوه قطعته، ف **«الكسَف »** بفتح السين المصدر، والكسف الشيء المقطوع، قال الزجاج : المعنى أو تسقط السماء علينا قطعاً، واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته. 
قال القاضي أبو محمد : وليس بمعروف في دواوين اللغة كسف بمعنى غطى، وإنما هو بمعنى قطع، وكأن كسوف الشمس والقمر قطع منهما، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر[(٣)](#foonote-٣) **«كسَفاً »** بفتح السين أي قطعاً جمع كسفه، وقوله  قبيلاً  قيل معناه مقابلة وعياناً، وقيل معناه ضامناً وزعيماً بتصديقك، ومنه القبالة وهي الضمان والقبيل، والمتقبل الضامن، وقيل معناه نوعاً وجنساً لا نظير له عندنا، وقرأ الأعرج **«قبلاً »** وقيل بمعنى المقابلة.

١ من الآية (٩) من سورة (سبأ)..
٢ في قوله تعالى في الآية (٤٨): الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا..
٣ وهي أيضا قراءة عاصم في رواية حفص كما هو ثابت في المصحف، فلا مبرر لهذا التخصيص..

### الآية 17:93

> ﻿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [17:93]

قال المفسرون :**«الزخرف »** الذهب في هذا الموضع، والزخرف ما تزين به، كان بذهب أو غيره، ومنه  حتى إذا أخذت الأرض زخرفها [(١)](#foonote-١) \[ يونس : ٢٤ \] وفي قراءة عبد الله بن مسعود **«أو يكون لك بيت من ذهب »**، قال مجاهد ما كنا نعرف الزخرف حتى قرأنا في حرف عبد الله **«من ذهب »**، وقوله  من السماء  يريد في الهواء علواً، والعرب تسمي الهواء علواً سماء لأنه في حيز السمو. ويحتمل أن يريدوا السماء المعروفة، وهو أظهر لأنه أعلمهم أن إله الخلق فيها[(٢)](#foonote-٢) وأنه تأتيه خبرها، و  ترقى  معناه تصعد، والرقي الصعود، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبد الله بن أبي أمية، فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا لا أؤمن لك حتى تأتي بكتاب أراك هابطاً به فيه من الله عز وجل إلى عبد الله بن أبي أمية، وروي أن جماعتهم طلبت هذا النحو منه، فأمره الله عز وجل أن يقول  سبحان ربي  أي تنزيهاً له من الإتيان مع الملائكة قبيلاً، ومن أن يخاطبكم بكتاب كما أردتم، ومن أن اقترح أن عليه هذه الأشياء، وهل أنا إلا بشر منكم، أرسلت إليكم بالشريعة، فإنما علي التبليغ فقط، وقرأ ابن كثير وابن عامر **«قال سبحان ربي »** على معنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبح عند قولهم،

١ من الآية (٢٤) من سورة (يونس)..
٢ هكذا في الأصول، والله سبحانه وتعالى في كل مكان..

### الآية 17:94

> ﻿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [17:94]

وقوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا  هذه الآية على معنى التوبيخ والتلهف من النبي عليه السلام والبشر، كأنه يقول متعجباً منهم ما شاء الله كان، ما نمنع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا هذه العلة النزرة[(١)](#foonote-١) والاستبعاد الذي لا يستند إلى حجة، وبعثة البشر رسلاً غير بدع ولا غريب، فيها يقع الإفهام والتمكن من النظر كما  لو كان في الأرض ملائكة  يسكنونها  مطمئنين ، أي وادعين فيها مقيمين لكان الرسول إليهم من الملائكة ليقع الإفهام، وأما البشر فلو بعث إليهم ملك لنفرت طباعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم ولا تجلدت له قلوبهم، وإنما أراد الله جري أحوالهم على معتادها.

١ التافهة..

### الآية 17:95

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [17:95]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٤:وقوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا  هذه الآية على معنى التوبيخ والتلهف من النبي عليه السلام والبشر، كأنه يقول متعجباً منهم ما شاء الله كان، ما نمنع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا هذه العلة النزرة[(١)](#foonote-١) والاستبعاد الذي لا يستند إلى حجة، وبعثة البشر رسلاً غير بدع ولا غريب، فيها يقع الإفهام والتمكن من النظر كما  لو كان في الأرض ملائكة  يسكنونها  مطمئنين ، أي وادعين فيها مقيمين لكان الرسول إليهم من الملائكة ليقع الإفهام، وأما البشر فلو بعث إليهم ملك لنفرت طباعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم ولا تجلدت له قلوبهم، وإنما أراد الله جري أحوالهم على معتادها. 
١ التافهة..


---

### الآية 17:96

> ﻿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:96]

روى البخاري أن الملأ من قريش الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المقالات التي تقدم ذكرها من عرض الملك عليه والغنى وغير ذلك، قالوا له في آخر قولهم : فلتجىء معك طائفة من الملائكة تشهد لك بصدقك في نبوتك، قال المهدوي : روي أنهم قالوا له : فمن يشهد لك ؟. 
قال القاضي أبو محمد : ومعنى أقوالهم إنما هو طلب شهادة دون أن يذكروها، ففي ذلك نزلت الآية، أي الله يشهد بيني وبينكم الذي له الخبر والبصر لجميعنا صادقنا وكاذبنا،

### الآية 17:97

> ﻿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [17:97]

ثم رد الأمر إلى خلق الله تعالى واختراعه الهدى والضلال في قلوب البشر، أي ليس بيدي من أمركم أكثر من التبليغ، وفي قوله  فلن تجد لهم أولياء من دونه  وعيد، ثم أخبر عز وجل أنهم يحشرون على الوجوه  عمياً وبكماً وصماً ، وهذا قد اختلف فيه، فقيل هي استعارات إما لأنهم من الحيرة والهم والذهول يشبهون أصحاب هذه الصفات، وإما من حيث لا يرون ما يسرهم ولا يسمعونه ولا ينصفونه بحجة، وقيل هي حقيقة كلها، وذلك عند قيامهم من قبورهم، ثم يرد الله إليهم أبصارهم وسمعهم ونطقهم، فعند رد ذلك إليهم يرون النار ويسمعون زفيرها ويتكلمون بكل ما حكي عنهم في ذلك، ويقال للمنصرف عن أمر خائفاً مهموماً : انصرف على وجهه، ويقال للبعير : كأنما يمشي على وجهه، ومن قال ذلك في الآية حقيقة، قال : أقدرهم الله على النقلة على الوجوه، كما أقدر في الدنيا على النقلة على الأقدام، وفي هذا المعنى حديث قيل يا رسول الله : كيف يمشي الكافر على وجهه ؟ قال :**«أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجلين قادراً أن يمشيه في الآخرة على وجهه »** ؟. قال قتادة[(١)](#foonote-١) : بلى وعزة ربنا، وقوله  كلما خبت  أي كلما فرغت من إحراقهم فسكن اللهيب القائم عليهم قدر ما يعادون، ثم تثور، فتلك **«زيادة السعير »** قاله ابن عباس، فالزيادة في حيزهم، وأما جهنم فعلى حالها من الشدة لا يصيبها فتور، وخبت النار معناه سكن اللهيب والجمر على حاله، وخمدت معناه سكن الجمر وضعف، وهمدت معناه طفيت جملة، ومن هذه اللفظة قول الشاعر :\[ الهزج \]
أمن زينب ذي النار قبيل الصبح ما تخبو. . . إذا ما خبت يلقى عليها المندل الرطب[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول عدي بن زيد :\[ الخفيف \]
وسطة كاليراع أو سرج المج. . . دل طوراً تخبو وطوراً تثير
**ومنه قول القطامي :**
فتخبوا ساعة وتهب ساعا. . . [(٣)](#foonote-٣)

١ أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس رضي الله عنه. ولفظه كما ذكره في الدر المنثور: قال: قيل: يارسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وأخرج ابن جرير مثله عن الحسن رضي الله عنه، وأخرج مثله أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي أوله زيادة على ما هنا جاء فيها: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم... الحديث)..
٢ البيتان في اللسان (ندل)، وقد نسبهما إلى عمر بن أبي ربيعة، وهما أيضا بالديوان (طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب) وقد صدرت سنة ١٩٧٨، واعتمدت على أكثر الطبعات السابقة، وأشارت في الهامش إلى أن البيتين من الشعر المنسوب إلى عمر. ورواية البيت الثاني في اللسان والديوان: (إذا ما أوقدت). والشاهد هنا أن (أخمدت) من لفظ: "خمدت النار" بمعنى: سكن الجمر وضعف. والمندل: العود الرطب الذي يتبخر به، وهو المنذلي، نسب إلى بلد بالهند اسمها مندل، وقد استعملت هذه الكلمة في بيت كثير الذي يقول:
 بأطيب من أردان عزة موهنا وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
 .
٣ هذا عجز بيت، والبيت بتمامه:
 وكنــــا كالحريق أصاب غــابــا فيخبو ساعة ويهب ساعا
 وهو في الديوان، وفي اللسان (سوع). قال: "الساعة جزء من أجزاء الليل والنهار، والجمع ساعات وساع، قال القطامي: وكنا كالحريق لدى كفاح... البيت"، ثم نقل عن ابن بري أن المشهور في صدر البيت: "كنا كالحريق أصاب غابا". وقد استشهد في (مجاز القرآن) أيضا بعجز هذا البيت، قال: "خبت: سكنت، ثم أنشد العجز" وقال: "ولم يذكر ها هنا جلودهم فيكون الخبو لها". والقطامي بفتح القاف وضمها: لقب غلب على الشاعر، وهو اسم من أسماء الصقر، معناه: المحدد البصر إلى الصيد، والاسم الأصلي للشاعر هو عمير بن شييم بن عمرو، وهو من بني تغلب، وخاله هو الأخطل الثغلبي الشهير..

### الآية 17:98

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [17:98]

وقوله  ذلك جزاؤهم  الآية، الإشارة إلى الوعيد المتقدم بجهنم، وقوله  بآياتنا  يعم الدلائل والحجج التي جاء بها محمد عليه السلام، ويعم آيات القرآن وما تضمن من خبر وأمر ونهي، ثم عظم عليهم أمر إنكار البعث، وخصه بالذكر مع كونه في عموم الكفر بآيات القرآن، ووجه تخصيصه التعظيم له والتنبيه على خطارة[(١)](#foonote-١) الكفر في إنكاره، وقد تقدم اختلاف القرآء في الاستفهامين في غير هذا الموضع، و **«الرفات »** بقية الشيء التي قد أصارها البلى إلى حال التراب، و **«البعث »** تحريك الشيء الساكن، وهذا الاستفهام منهم هو على جهة الإنكار والاستبعاد للحال بزعمهم.

١ هكذا في الأصول..

### الآية 17:99

> ﻿۞ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا [17:99]

هذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من العبث، وذلك أنهم قرروا على خلق الله تعالى واختراعه لهذه الجملة التي البشر جزء منها، فهم لا ينكرون ذلك، فكيف يصح لهم أن يقروا بخلقه للكل وإخراجه من خمول العدم وينكرون إعادته للبعض ؟ فحصل الأمر في حيز الجواز، وأخبر الصادق الذي قامت دلائل معجزاته بوقوع ذلك الجائز، و **«الرؤية »** في هذه الآية رؤية القلب، و ****«الأجل »**** هنا يحتمل أن يريد به القيامة ويحتمل أن يريد أجل الموت، و ****«الأجل »**** على هذا التأويل اسم جنس لأنه وضعه موضع الآجال، ومقصد هذا الكلام بيان قدرة الله عز وجل وملكه لخلقه، وبتقرير ذلك يقوى جواز بعثه لهم حين يشاء لا إله إلا هو، وقوله  فأبى  عبارة عن تكسبهم وجنوحهم، وقد مضى تفسير هذه الآيات آنفاً،

### الآية 17:100

> ﻿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا [17:100]

وقوله تعالى : قل لو أنتم تملكون  الآية حكم لو أن يليها الفعل إما مظهراً وإما مضمراً يفسره الظاهر بعد ذلك، فالتقدير هنا، قل لو تملكون خزائن، ف  أنتم  رفع على تبع الضمير[(١)](#foonote-١)، و **«الرحمة »** في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، ومن هذا سميت  رحمة ، و  الإنفاق  المعروف ذهاب المال وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى خشية عاقبة الإنفاق، وقال بعض اللغويين أنفق الرجل معناه افتقر كما تقول أترب وأقتر، وقوله  وكان الإنسان فتوراً  أي ممسكاً، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها، والله ولي التوفيق برحمته، ومن الإقتار قول أبي داود :\[ الخفيف \]
لا أعد الإقتار عدماً ولكن. . . فقد من قد رزئته الإعدام[(٢)](#foonote-٢)

١ يتفق ابن عطية في هذا مع الزمخشري، وأبي البقاء، والحوفي. لكن هذا يخالف مذهب البصريين، قال ابن عصفور: "لا يلي (لو) إلا الفعل ظاهرا، ولا بليها مضمرا إلا ضرورة أو نادر كلام، مثل ما جاء في المثل من قولهم: (لو ذات سوار لطمتني). وقال ابن الصائغ: "البصريون يصرحون بامتناع (لو زيد قام لأكرمته) على الفصيح، ويجيزونه شاذا، كقولهم: (لو ذات سوار لطمتني)، وهو عندهم على فعل مضمر، وهو من باب الاشتغال، كقوله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره. وخرجه أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي على إضمار (كان)، والتقدير: "قل لو كنتم أنتم تملكون"، على خلاف في حذف (كان) وحدها، أو حذفها مع الضمير (كنتم). ويميل أبو حيان إلى حذف (كان) وانفصال الضمير المرفوع، وقال: إن حذف (كان) بعد (لو) معهود في لسان العرب..
٢ أبو دواد (بواو غير مهموزة، بعدها ألف، وقد همزت في كثير من الكتب مثل الشعر والشعراء). واسمه جارية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشرفي، والأول أصح. والبيت من قصيدة مشهورة، هي الأصمعية (٦٥)، ومنها مختارات في الشعر والشعراء، والإقتار: قلة المال وضيق العيش، وهو الشاهد هنا، والعدم والإعدام: الفقر. يقول: لا أعتبر قلة المال فقرا، إنما الفقر الحقيقي هو فقد الكرام من الرجال. قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: (لا أعد الإقتار عدما.... البيت). ثم يصف الشاعر هؤلاء الرجال بالشجاعة والسماحة ورجاحة العقول، إلى أن يقول:
 فعلى إثرهم تساقط نفســــــي حسرات وذكرهم لي سقــــــام.

### الآية 17:101

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا [17:101]

وقوله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  اتفق المتأولون والرواة أن الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، واختلفوا في الأربع، فقال ابن عباس : هي يده ولسانه حين انحلت عقدته، وعصاه والبحر، وقال محمد بن كعب القرطبي : هي البحر والعصا والطمسة والحجر، وقال سألني عن ذلك عمر بن عبد العزيز فأخبرته، فقال لي : وما الطمسة ؟ فقلت دعا موسى وآمن هارون فطمس الله أموالهم وردها حجارة، فقال عمر : وهل يكون الفقه إلا هكذا ؟ ثم دعا بخريطة فيها غرائب كانت لعبد العزيز بن مروان، جمعها بمصر، فاستخرج منها الحوزة والبيضة والعدسة وهي كلها حجر كانت من بقايا أموال آل فرعون، وقال الضحاك : هي إلقاء العصا مرتين، واليد، وعقدة لسانه، وقال عكرمة ومطر الوراق، والشعبي : هي العصا واليد والسنون ونقص الثمرات، وقال الحسن : هي العصا في كونها ثعباناً وتلقف العصا ما يأفكون، وقال ابن عباس : هي السنون في بواديهم، ونقص الثمرات في قراهم، واليد، والعصا، وروى مطرف عن مالك أنها العصا، واليد، والجبل إذ نتق، والبحر، وروى ابن وهب عنه مكان البحر الحجر، والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى إذ هي كثيرة جداً تنيف على أربع وعشرين، تسعاً بالذكر ووصفها بالبيان ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك، وقالت فرقة آيات موسى إنما أريد بها آيات التوراة التي هي أوامر ونواه، روى في هذا صفوان بن عسال[(١)](#foonote-١)، أن يهود المدينة قال لآخر : سر بنا إلى هذا النبي نسأله عن آيات موسى، فقال له الآخر : لا تقل إنه نبي، فإنه لو سمعك صار له أربع أعين، قال : فسارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال **«هن أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرفوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت »**[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ الجمهور **«فاسأل بني إسرائيل »** وروي عن الكسائي **«فسل »** على لغة من قال سأل يسأل[(٣)](#foonote-٣)، وهذا كله على معنى الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي اسأل معاصريك عما أعلمناك به من غيب القصة، ثم قال  إذ جاءهم  يريد آباءهم، وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم، ويحتمل أن يريد  فاسأل بني إسرائيل  الأولين الذين جاءهم موسى وتكون إحالته إياه على سؤالهم بطلب إخبارهم والنظر في أحوالهم وما في كتبهم نحو قوله تعالى : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا [(٤)](#foonote-٤) \[ الزخرف : ٤٥ \] وهذا كما تقول لمن تعظه : سل الأمم الخالية هل بقي منها مخلد ؟ ونحو هذا مما يجعل النظر فيه مكان السؤال، قال الحسن : سؤالك نظرك في القرآن وقرأ ابن عباس **«فسأل بني إسرائيل »** أي فسأل موسى فرعون بني إسرائيل أي طلبهم لينجيهم من العذاب، وقوله  مسحوراً  اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة هو مفعول على بابه، أي إنك قد سحرت، فكلامك مختل، وما تأتي به غير مستقيم، وقال الطبري : هو مفعول بمعنى فاعل كما قال  حجاباً مستوراً [(٥)](#foonote-٥) \[ الإسراء : ٤٥ \] وكما قالوا مشؤوم وميمون وإنما هو شايم ويامن. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يتخرج إلى على النسب أي ذا سحر ملكته وعلمته، فأنت تأتي بهذه الغرائب لذلك، وهذه مخاطبة تنقص، فيستقيم أن يكون  مسحوراً  مفعولاً على ظاهره، وعلى أن يكون بمعنى ساحر يعارضنا ( أما )[(٦)](#foonote-٦) ما حكي عنهم أنهم قالوا له على جهة المدح  يا أيها الساحر ادع لنا ربك [(٧)](#foonote-٧) \[ الزخرف : ٤٩ \] فإما أن يكون القائلون هنالك ليس فيهم فرعون وإما أن يكون فيهم لكنه تنقل من تنقصه إلى تعظيمه، وفي هذا نظر.

١ هو صفوان بن عسال (بمهملتين)، المرادي، صحابي معروف، نزل الكوفة (تقريب التهذيب)..
٢ أخرجه الطيالسي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، والبيهقي معا في الدلائل، عن صفوان بن عسال. ذكر ذلك في (الدر المنثور). وفي آخر الحديث زيادة على ما هنا (فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبي. وإنا نخاف – إن أسلمنا – أن تقتلنا اليهود)..
٣ نقل في اللسان (سأل) عن الأخفش قوله: "يقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان، وقد يخفف فيقال: سال يسال، والأمر منه سل، قال الشاعر:
 ومرهق سال إمتاعا بأصدتــــــه لم يستعن وحوامي الموت تغشاه"..
٤ من الآية (٤٥) من سورة (الزخرف)..
٥ من الآية (٤٥) من هذه السورة (الإسراء)..
٦ زيادة تقتضيها سلامة العبارة..
٧ هذا في الآية الكريمة رقم (٤٩) من سورة (الزخرف)، في قوله سبحانه: وقالوا يأيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك..

### الآية 17:102

> ﻿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [17:102]

روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أنه قرأ **«علمتُ »** بتاء المتكلم مضمومة، وقال ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن تأول  مسحوراً  \[ الإسراء : ١٠١ \] على بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس بمسحور، بل محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور **«لقد علمتَ »** بتاء المخاطب مفتوحة، فكأن موسى عليه السلام رماه بأنه يكفر عناداً، ومن قال بوقوع الكفر عناداً فله تعلق بهذه الآية، وجعلها كقوله عز وجل : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [(١)](#foonote-١) \[ النمل : ١٤ \]، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن عباس، ونحا إلى ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى عليه السلام إبلاغاً على فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع الكفر عناداً فإنما يجعل هذا خبراً من موسى عن علم فرعون، والإشارة ب  هؤلاء  إلى التسع الآيات، وقوله  بصائر  جمع بصيرة، وهي الطريقة أي طرائق يهتدي بها، وكذلك غلب على البصيرة أنها تستعمل في طريقة النفس في نظرها واعتقادها، ونصب  بصائر  على الحال[(٢)](#foonote-٢)، و ****«المثبور »**** المهلك، قاله مجاهد، وقال ابن عباس والضحاك هو المغلوب، وقال ابن زيد هو المخبول، وروي عن ابن عباس أنه فسره بالملعون، وقال بعض العلماء : كان موسى عليه السلام في أول أمره يجزع، ويؤمر بالقول اللين، ويطلب الوزير، فلما تقوت نفسه بقوى النبوءة، تجلد وقابل فرعون بأكثر مما أمره به بحسب اجتهاده الجائر له، قال ابن زيد : اجترأ موسى أن يقول له فوق ما أمره الله به، وقالت فرقة بل ****«المثبور »**** المغلوب المختدع، وما كان موسى عليه السلام ليكون لعاناً، ومن اللفظة قول عبد الله بن الزبعرى :\[ الخفيف \]
إذا جاري الشيطان في سنن الغ. . . ي ومن مال ميله مثبورا

١ من الآية (١٤) من سورة (النمل)..
٢ أي: حال من \[هؤلاء\]، قال أبو حيان الأندلسي: "وهذا لا يجوز إلا على مذهب الكسائي والأخفش"، والجمهور يؤولون ما ظاهره كذلك، فيقدرون فعلا يدل عليه ما قبله، فيقولون هنا: التقدير: "أنزلها بصائر"..

### الآية 17:103

> ﻿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا [17:103]

وقوله عز وجل  فأراد أن يستفزهم  الآية،  يستفزهم  معناه يستخفهم ويقلعهم، إما بقتل أو بإجلاء، و  الأرض  أرض مصر، وقد تقدم أنه متى ذكرت الأرض عموماً فإنما يراد بها ما يناسب القصة المتكلم فيها، وقد يحسن عمومها في بعض القصص. 
قال القاضي أبو محمد : واقتضبت هذه الآية قصص موسى مع فرعون وإنما ذكرت عظم الأمر وخطيره، وذلك طرفاه، أراد فرعون غلبتهم وقتلهم وهذا كان بدء الأمر **«فأغرقه »** الله أغرق جنوده وهذا كان نهاية الأمر،

### الآية 17:104

> ﻿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [17:104]

ثم ذكر تعالى أمر  بني إسرائيل  بعد إغراق فرعون بسكنى أرض الشام، و  وعد الآخرة  هو يوم القيامة، و **«اللفيف »** الجمع المختلط الذي قد لف بعضه إلى بعض، فليس ثم قبائل ولا انحياز، قال بعض اللغويين : هو من أسماء الجموع ولا واحد له من لفظه، وقال الطبري هو بمعنى المصدر كقول القائل لففته لفاً و  لفيفاً  وفي هذا نظر فتأمله.

### الآية 17:105

> ﻿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [17:105]

الضمير في قوله  أنزلناه  عائد على القرآن المذكور، وفي قوله  ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل  [(١)](#foonote-١) \[ الإسراء : ٨٩ \] ويجوز أن يكون الكلام آنفاً. وأشار بالضمير إلى القرآن على ذكر متقدم لشهرته، كما قال  حتى توارت بالحجاب [(٢)](#foonote-٢) \[ ص : ٣٢ \]. 
وهذا كثير، قال الزهراوي : معناه بالواجب الذي هو المصلحة والسداد للناس  بالحق  في نفسه، وقوله  وبالحق نزل ، يريد  بالحق  في أوامره ونواهيه وأخباره فبهذا التأويل يكون تكرار اللفظ لمعنى غير الأول، وذهب الطبري إلى أنهما بمعنى واحد، أي بأخباره وأوامره وبذلك نزل،

١ سبق ذلك في الآية (٨٩) من هذه السورة..
٢ من الآية (٣٢) من سورة (ص)..

### الآية 17:106

> ﻿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [17:106]

وقوله  وقرآناً  مذهب سيبويه أن نصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر بعد، أي **«وفرقنا قرآناً »** ويصح أن يكون معطوفاً على الكاف في  أرسلناك  من حيث كان إرسال هذا وإنزال هذا المعنى واحد، وقرأ جمهور الناس **«فرَقناه »** بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وجعلناه فرقاناً، وقرأ ابن عباس وقتادة وأبو رجاء وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب والشعبي والحسن بخلاف، وحميد وعمرو بن فائد **«فرّقناه »** بتشديد الراء، إلا أن في قراءة ابن مسعود وأبيّ **«فرقناه عليه لتقرأه »** أي أنزلناه شيئاً بعد الشيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله  لتقرأه على الناس على مكث ، وهذا كان مما أراد الله من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معينة، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة ؟ فقيل : في خمس وعشرين سنة، وقال ابن عباس : في ثلاث وعشرين سنة، وقال قتادة في عشرين سنة، وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الوحي بدأ وهو ابن أربعين، وتم بموته، وحكى الطبري عن الحسن البصري أنه قال : نزل القرآن في ثمان عشرة سنة، وهذا قول يختل لا يصح عن الحسن والله أعلم، وتأولت فرقة قوله عز وجل  على مكث  أي على ترسل في التلاوة، وهو ترتيل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جريج وابن زيد، والتأويل الآخر أي  على مكث  وتطاول في المدة شيئاً بعد شيء، وقوله  ونزلناه تنزيلاً  مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم ذكره في ألفاظ الآية، ، وأجمع القراء على ضم الميم من  مُكث ، ويقال مَكث ومِكث بفتح الميم ومكث بكسرها،

### الآية 17:107

> ﻿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا [17:107]

وقوله  قل آمنوا به  الآية تحقير للكفار، وفي ضمنه ضرب من التوعد، والمعنى أنكم لستم بحجة، فسواء علينا آمنتم أم كفرتم، وإنما ضرّ ذلك على أنفسكم، وإنما الحجة أهل العلم من قبله وهم بالصفة المذكورة، واختلف الناس في المراد ب  الذين أوتوا العلم من قبله ، فقالت فرقة : هم مؤمنو أهل الكتاب وقالت فرقة : هم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ومن جرى مجراهما. 
وقيل إن جماعة من أهل الكتاب جلسوا وهم على دينهم فتذاكروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه، وقرىء عليهم منه شيء فخشعوا وسبحوا لله، وقالوا هذا وقت نبوة المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعد الله به واقع لا محالة وجنحوا إلى الإسلام هذا الجنوح، فنزلت الآية فيهم، وقالت فرقة : المراد ب  الذين أوتوا العلم من قبله  محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في  قبله  عائد على القرآن حسب الضمير في  به ، ويبين ذلك قوله  إذا يتلى ، وقيل الضميران لمحمد. واستأنف ذكر القرآن في قوله  إذا يتلى ، وقوله  للأذقان  أي لناحيتها، وهذا كما تقول تساقط لليد والفم أي لناحيتهما، وعليهما قال ابن عباس : المعنى للوجوه، وقال الحسن : المعنى للحي، و **«الأذقان »** أسافل الوجوه حيث يجتمع الَّلحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، لا سيما عند سجوده، وقال الشاعر :\[ الطويل \]
فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم. . . سباع من الطير العوادي وتنتف[(١)](#foonote-١)

١ هذا البيت شاهد على أن (خروا للأذقان) معناها: سقطوا ووقعوا، ولم يذكره أحد من المفسرين إلا صاحب (البحر المحيط)، ولم نقف على نسبته فيما بين أيدينا من المراجع. وتنوشهم: تتناولهم وتأخذهم، وتنتف: تنزع لحومهم من على عظامهم، وقد كثر استعمال اللفظة في نزع الشعر ونحوه، والسباع جمع سبع، وهو كل ما له ناب أو مخلب ويعدو على الناس والدواب. وسباع الطير: الجوارح من ذوات المخالب من الطير..

### الآية 17:108

> ﻿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [17:108]

و  إن  في قوله  إن كان  هي عند سيبويه المخففة من الثقيلة، واللام بعدها لام التوكيد، وهي عند الفراء النافية، واللام بمعنى إلاّ، ويتوجه في هذه الآية معنى آخر وهو أن يكون قوله  آمنوا به أو لا تؤمنوا  مخلصاً للوعيد دون التحقير، والمعنى فسترون ما تجازون به، ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع بمن تقدم من أهل الكتاب، أي أن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر، بل الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة في الجملة،  إذا يتلى عليهم  ما نزل عليهم خشعوا وآمنوا.

### الآية 17:109

> ﻿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩ [17:109]

هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحض لكل من ترسم بالعلم وحصل منه شيئاً أن يجري إلى هذه الرتبة، وحكى الطبري عن التميمي[(١)](#foonote-١) أنه قال : إن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية كلها،

١ اسمه عبد الأعلى التيمي..

### الآية 17:110

> ﻿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا [17:110]

وقوله  قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن  سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو **«يا الله يا الرحمن »**، فقالوا كان محمد أمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس، وقال مكحول : تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال في دعائه **«يا رحمن يا رحيم »**، فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمن اليمامة، فنزلت مبينة أنها لمسمى واحد، فإن دعوتموه بالله فهو ذلك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذلك، وقرأ طلحة بن مصرف **«أيّاً ما تدعوا فله الأسماء »**، أي وله سائر الأسماء الحسنى، أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وهي بتوقيف، لا يصح وضع اسم الله بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث، وقد روي **«أن لله تسعة وتسعين اسماً »** ؛ الحديث، ونصها كلها الترمذي وغيره بسند صحيح[(١)](#foonote-١)، وتقدير الآية أي الأسماء تدعوا به فأنت مصيب له الأسماء الحسنى، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن **«لا يجهر »** بصلاته وأن **«لا يخافت بها »**، وهو الإسرار الذي لا يسمعه المتكلم به، هذه هي حقيقته، ولكنه في الآية عبارة عن خفض الصوت وإن لم ينته إلى ما ذكرناه، واختلف المتأولون في الصلاة ما هي ؟ فقال ابن عباس وعائشة وجماعة : هي الدعاء، وقال ابن عباس أيضاً : هي قراءة القرآن في الصلاة، فهذا على حذف مضاف، التقدير  ولا تجهر  بقراءة صلاتك، قال : والسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقرآن فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوسط، ليسمع أصحابه المصلون معه، ويذهب عنه أذى المشركين[(٢)](#foonote-٢)، قال ابن سيرين : كان الأعراب يجهرون بتشهدهم، فنزلت الآية في ذلك، وكان أبو بكر رضي الله عنه يسر قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو بكر : إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي، وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية، قيل لأبي بكر : ارفع أنت قليلاً، وقيل لعمر اخفض أنت قليلاً، وقالت عائشة أيضاً :**«الصلاة »** يراد بها في هذه الآية التشهد، وقال ابن عباس والحسن : المراد والمعنى : ولا تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر، بل اتبع طريقاً وسطاً يكون دائماً في كل حالة، وقال ابن زيد : معنى الآية النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحياناً فيرفع الناس معه، ويخفض أحياناً فيسكت من خلفه، وقال ابن عباس في الآية : إن معناها  ولا تجهر  بصلاة النهار  ولا تخافت  بصلاة الليل، واتبع سبيلاً من امتثال الأمر كما رسم لك، ذكره يحيى بن سلام والزهراوي، وقال عبد الله بن مسعود لم يخافت من أسمع أذنيه، وما روي من أنه قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلاً يرد هذا، ولكن الذي قال ابن مسعود هو أصل اللغة، ويستعمل الخفوت بعد ذلك في ارفع من ذلك[(٣)](#foonote-٣)،

١ أخرجه ابن جرير الطبري، والبخاري في التوحيد والشروط والدعوات، ومسلم في الذكر، والترمذي، وابن ماجه في الدعوات، ولفظه كما في الطبري: (إن لله تسعة وتسعين اسما كلهن في القرآن، من أحصاهن دخل الجنة)..
٢ أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (نزلت ورسول الله صلى عليه وسلم بمكة متوار، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون ذلك سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تجهر بصلاتك – أي بقراءتك – فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، لا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، وابتغ بين ذلك سبيلا، يقول: بين الجهر والمخافة). ذكر ذلك الإمام السيوطي في (الدر المنثور)..
٣ أي: في أعلى من ذلك..

### الآية 17:111

> ﻿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [17:111]

وقوله تعالى : وقل الحمد لله [(١)](#foonote-١) الآية، هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذاً : عزير وعيسى والملائكة ذرية لله سبحانه وتعالى عن أقوالهم، ورادة على العرب في قولهم لولا أولياء الله لذل وقيد لفظ الآية نفي الولاية لله عز وجل بطريق الذي وعلى جهة الانتصار، إذ ولايته موجودة بتفضله ورحمته لمن والى من صالحي عباده، قال مجاهد : المعنى لم يحالف أحداً ولا ابتغى نصر أحد، وقوله  وكبره تكبيراً  أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، ثم أكدها بالمصدر تحقيقاً لها وإبلاغاً[(٢)](#foonote-٢) في معناها، وروى مطرف عن عبد الله بن كعب قال : افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة. نجز تفسير سورة سبحان والحمد لله رب العالمين.

١ أخرج الإمام أحمد، والطبراني، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية العز) وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولد...  (الآية كلها)..
٢ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، من طريق عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب رضي الله عنه، قال: كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب علمه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية سبع مرات: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا الآية، وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده.
 وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن إسماعيل ابن أبي قديك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل عليه السلام فقال: يا محمد؛ قل: (توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/17.md)
- [كل تفاسير سورة الإسراء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/17.md)
- [ترجمات سورة الإسراء
](https://quranpedia.net/translations/17.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/17/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
