---
title: "تفسير سورة الإسراء - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/17/book/468.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/17/book/468"
surah_id: "17"
book_id: "468"
book_name: "تأويلات أهل السنة"
author: "أبو منصور المَاتُرِيدي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الإسراء - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/17/book/468)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الإسراء - تأويلات أهل السنة - أبو منصور المَاتُرِيدي — https://quranpedia.net/surah/1/17/book/468*.

Tafsir of Surah الإسراء from "تأويلات أهل السنة" by أبو منصور المَاتُرِيدي.

### الآية 17:1

> سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [17:1]

الآية : ١ وقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا  سبحان كلمة إجلال الله عن الأكفاء وتنزيهه عن الشركاء وتبرئته عنا قالت المعطلة فيه، وظنت الملاحدة به من الولد والحاجات والآفات وجميع معاني الخلق. 
وروي في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن تفسير  سبحان الله  ( المؤمنون : ٩١ و. . . . ) فقال[(١)](#foonote-١) :( هو تنزيه الله عن كل سوء ) ( بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره : ٩/٢ ). 
ومعنى قوله : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  هو، والله أعلم، كأنه ذكر أن من قدر على أن يسري بعبده ليلا مسيرة شهر يقدر على إحياء ( الموتى ) [(٢)](#foonote-٢) بعد الموت، ويملك حفظ رسوله والنصر له وإظهار آيات نبوته ورسالته وقطع حيل المكذبين له والمخالفين. 
وقوله تعالى : من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  سماه أقصى، وهو الأبعد، من قصى يقصي، فهو قاص ؛ كأنه لم يكون يومئذ إلا المسجد الحرام ومسجده بالمدينة ومسجد بيت المقدس، فسماه، والله أعلم، المسجد الأقصى. 
وقوله تعالى : الذي باركنا حوله  قيل : سماه [(٣)](#foonote-٣) مباركا لكثرة أنزاله وخيراته وسعته. وقيل : سماه [(٤)](#foonote-٤) مباركا لأنه مكان الأنبياء ومقامهم، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : لنريه من آياتنا  أي لنريه من آياتنا الحسية بعد ما أريناه [(٥)](#foonote-٥) الآيات العقلية ؛ لأن الآيات الحسية أكبر في قطع الشبهة ورفع الوساوس من العقلية، إذ لا يشك أحد في ما كان [(٦)](#foonote-٦) سبيل معرفته الحس والعيان، وقد تعترض الشبه [(٧)](#foonote-٧) والوساوس في العقليات لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو، فأحب عز وجل أن يري رسوله آيات حسية تضطر ( المتعنتين إلى )[(٨)](#foonote-٨) قبولها والإيمان والإقرار له أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يعلمون أن ما كان يخبرهم من أخبار حين[(٩)](#foonote-٩) قال : إنه رأى غير فلان وأمورا يعلمون أنه لا يقول إلا عن مشاهدة وعيان، لأنه ما كان ما أوتي من الآيات العقليات قالوا : أنه سحر، وما ذكر من الأنباء التي كانت في كتبهم المتقدمة قالوا  أساطير الأولين  ( الأنعام : ٢٥ و. . . . ) وقالوا[(١٠)](#foonote-١٠) : إنما يعلمه بشر  ( النحل : ١٠٣ ) ليس ذلك عمل سحر ولا إفكا ولا افتراء ولا أساطير الأولين على ما نسبوه إلى السحر مرة وإلى الإفك والافتراء ثانيا، ونحوه. 
وقوله تعالى : إنه هو السميع البصير  أي من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يخفى عليه شيء من قول أو عمل. ثم روي من الأخبار، وأنه عرج إلى السماء حتى رأى إخوانه الأنبياء الماضين قبله وما ذكر فيها. فنحن نقول ما قال الصديق، رضوان الله تعالى عليه، إن كان قال ذلك فأنا أشهد على ذلك، وإلا [(١١)](#foonote-١١) نقول على مقدار ما في الآية : إنه أسري به إلى البيت المقدس المسجد الأقصى، ولا نزيد عليه، لأنه من أخبار الآحاد فلا تسع الشهادة له.

١ في الأصل وم: قال..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: سمى..
٤ في الأصل وم: سمى..
٥ في الأصل وم: أراه..
٦ أدرج قبلها في الأصل: أن..
٧ أدرج قبلها في الأصل وم: ربما..
٨ في الأصل وم: المنصفين على..
٩ في الأصل وم: حيث..
١٠ في الأصل وم: و..
١١ من م، في الأصل ولا..

### الآية 17:2

> ﻿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [17:2]

الآية : ٢ وقوله تعالى : وآتينا موسى الكتاب  يعني التوراة  وجعلناه هدى لبني إسرائيل  كل كتاب ( من كتب ) [(١)](#foonote-١) الله هدى لمن استهدى ورشد لمن استرشد وبيان [(٢)](#foonote-٢) لمن استوضح لأنها دعت إلى ثلاث خصال : دعت إلى
معالي الأمور مكارم الأخلاق ومصالح الأعمال، ونهت عن ثلاث : عن مساوئ الأعمال وعن سفاسف الأمور ودناءة الأخلاق ورداءتها. 
ذكر أنه جعل الكتاب  هدى لبني إسرائيل  لأن منفعة الكتاب حصلت لهم لأنهم هم الذين استهدوا به. فعلى ذلك هو هدى لمن استهدى، والله أعلم. 
وقوله تعالى : آلا تتخذوا من دوني وكيلا  أي معتمدا، أي قلنا لهم، أو اذكرنا لهم فيه، أو أمرنا فيه،  ألا تتخذوا من دوني وكيلا  أي معتمدا، موكولا. الوكيل، هو موكول الأمر إليه، معتمد في الأحوال عليه، قائم في جميع ما وكل إليه بالتبرع والتفضل.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وبيانا..

### الآية 17:3

> ﻿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [17:3]

الآية٣ :( وقوله تعالى )[(١)](#foonote-١) : ذرية ما حملنا مع نوح  ( يحتمل وجوها :
أحدهما :)[(٢)](#foonote-٢) قال بعضهم : يعني بالذرية الأنبياء الذين كانوا من قبل ؛ أي كانوا من ذرية نوح ومن حمل معه، وهم بشر، قال ذكر هذا لإنكارهم بعث الرسل من البشر حين[(٣)](#foonote-٣) قالوا أبعث الله بشرا رسولا ( الإسراء : ٩٤ ). 
والثاني : يحتمل غيره : أي من ذرية  ومن حملنا مع نوح  أي هؤلاء( الكفرة )[(٤)](#foonote-٤)من ذرية  من حملنا مع نوح  فكيف خالفوا آباءهم الذين كانوا على الهدى، وتابعوا غيرهم. 
والثالث[(٥)](#foonote-٥) : يذكر أن هؤلاء الرسل من ذرية  ما حملنا مع نوح /٢٩٦-أ/وهم بشر فكيف أنكروا الرسول من بشر. 
والرابع[(٦)](#foonote-٦) : هو على النداء والدعاء يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة في أصلاب الرجال وأرحام النساء زمان الطوفان. لا تتخذوا{ من دوني وكيلا{ . قبل : يا ربا وإلها، وقيل : شريكا. 
وأصله ما ذكرناه أن الوكيل هو المعتمد. 
 وقوله تعالى  [(٧)](#foonote-٧) : إنه كان عبدا شكورا  يعني نوحا. سماه شكورا لأنه كان يذكر ربه في جميع أحواله. وقال بعضهم : الشكور هو الذي يبتغي مرضاة منعمه، ويجتنب مساخطه. وقال بعضهم : الشكور هو المطيع لله، وقد ذكرنا معنى الشكر أنه اسم المكافأة. أو يقال كانت عبادته شكر. لا عبادة استغفار ؛ أي كان شكورا في عبادته لا مستغفرا.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في الأصل و. م : حيث..
٤ ساقطة من الأصل و. م..
٥ في الأصل و. م: أو..
٦ في الأصل و. م: ثم قال بعضهم..
٧ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:4

> ﻿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [17:4]

الآية٤ : وقوله تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين  اختلف في قوله : وقضينا  قال الحسن وغيره : أوحينا إليهم، وأخبرناهم وأعلمناهم  في الكتاب لتفسدن في الأرض  وقال بعضهم : قضينا عليهم، وقال بعضهم كتبنا عليهم. فكيف ما كان ففيه نقض قول المعتزلة، لأنه أخبرهم[(١)](#foonote-١)، وأعلمهم، على تأويل من زعم أن القضاء هاهنا هو الإعلام والإخبار لهم. 
فيقال لهم : كان أخبرهم، وأعلمهم، ليصدق في خبره أولا، فإن كان أخبرهم ليصدق في خبره منه حكم أنهم  لتفسدن في الأرض مرتين  وإن كان تأويل القضاء الكتب والحكم فهو ظاهر، وما نقول : إن كل فاعل فعلا طاعة كانت أو معصية كان بحكمه، ثم من سأل آخر عن المعصية أنها كانت بقضاء الله فلا يجب أن يجاب له على الإطلاق بنعم أو لا إلا أن يبين[(٢)](#foonote-٢) ما يريد بالقضاء وما يفهم منه، لأن القضاء يتوجه إلى( وجهين :
أحدهما )[(٣)](#foonote-٣) : يرجع إلى الخلق كقوله  فقضاهن سبع سماوات ( فصلت )أي خلقهن. 
و( الثاني : إلى ) [(٤)](#foonote-٤) الأمر بقوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ( الإسراء : ٢٣ )أمر ربك القضاء والحكم )[(٥)](#foonote-٥) كقوله :{ فاقض ما أنت قاض ( طه : ٧٢ )أي احكم ما أنت حاكم. 
ولم يعرف القضاة الحمل والدفع على ما يقوله المعتزلة ونحوه، فلا يجاب على الإطلاق إلا أن يبين[(٦)](#foonote-٦) ما أراد بالقضاء، فإن أراد بالقضاء الحكم فعند ذلك يقال : نعم كان بقضائه وحكمه، وليس في ما قضى، وحكم دفعه في المعصية. 
ثم اختلف في قوله : مرتين  قال بعضهم من أهل التأويل : إن بني إسرائيل عصوا ربهم، فسلك الله عليهم جالوت، فقتلهم وسبى ذرياتهم، وسلب [(٧)](#foonote-٧) أموالهم، فكانوا كذلك زمانا، ثم تابوا، ورجعوا عن ذلك، ثم بعت الله داوود، فقتل جالوت، واستنقذهم من يديه، وردهم ثم عادوا إلى ما كانوا من قبل. ثم سلط عليهم بَخْتُنُصَّرَ، ففعل بهم ما فعل جالوت، ثم تابوا. فبعث محمدا صلى الله عليه وسلم. 
وقال بعضهم : بعث أولا بُخْتُنصَّر، ثم فلانا وفلانا، وهو ما قال : فإذا جاء وعد أولاهما بعثا عليكم عبادا إلى قوله : وإن عدتم  إلى العصيان عدنا ( الإسراء : ٥-٨ )إلى العقوبة. 
وليس لنا على معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من وجوه الحكمة والدلالة :
أحدهما : دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عما كان في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم، واختلف إلى أحد منهم، فكان على ما أخبر. دل أنه إنما عرف ذلك بما أخبره في كتابه. 
والثاني[(٨)](#foonote-٨) : أنه لم يهلك قوم بنفس الكفر إهلاك استئصال حتى كان منهم مع الكفر السعي في الأرض بالفساد والعناد للآيات. 
والثالث : أنه[(٩)](#foonote-٩) ليس على الله حفظ الأصلح لهم وإعطاؤه ( إياهم )[(١٠)](#foonote-١٠) في الدين حين[(١١)](#foonote-١١) لم يمتهم على الإيمان، ولكن تركهم حتى عصوا ربهم، ثم سلط عليهم من قتلهم على تلك الحال، ودعاهم إلى دينه، وهو كفر فلو كان عليه إعطاء الأصلح لأماتهم على الإسلام، فذلك أصلح لهم في الدين. 
وقوله تعالى : ولتعلن علوا كبيرا  قيل : لتجرؤن جراءة عظيمة، وقيل : ولتقهرن، ولتغلبن غلبة كقوله : إن فرعون علا في الأرض ( القصص : ٤ )أي قهر، وغلب. ألا ترى أنه قال : وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ( القصص : ٤ )ثبت أنه على الغلبة والقهر. 
وقيل : العلو، هو العتو والجراءة والتكبر، وهو ما ذكرنا.

١ أدرج قبلها في م: أخبر أنه..
٢ أدرج بعدها في الأصل و. م: أنه..
٣ في الأصل و. وجوه..
٤ في الأصل و. م: والقضاء الحكم..
٥ في الأصل و. م: والقضاء والحكم..
٦ أدرج بعدها في الأصل و. م: أنه..
٧ في الأصل و. م: و..
٨ في الأصل و. م: وفيه..
٩ ف الأصل و. م: وفيه أن..
١٠ ساقطة من الأصل و. م..
١١ في الأصل و. م: حيث..

### الآية 17:5

> ﻿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا [17:5]

الآية ٥ : وقوله تعالى : وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم  أي جاء وعد هلاك من عصى منهم أولا، وخالف أمر الله، وكفر به،  بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد  قال الحسن : قوله : بعثنا عليكم  ليس على بعث الوحي إليهم ولكن التخلية، أي خلينا بينهم وبين عباد  أولي بأس شديد  أي أولي بطش شديد وقوة كقوله : ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ( مريم : ٨٣ )أي سلطنا عليكم. 
وقوله تعالى : بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد على المعتزلة لأنه ذكر أنه )[(١)](#foonote-١) بعث عليهم عبادا أولي بأس شديد، وإنما بعثهم لجزاء إساءتهم ولسوء صنيعهم، وذلك شر يفعل بهم، دل أن لله صنعا في جميع فعل العباد. 
وقوله تعالى : فجاسوا خلال الديار  وقال بعضهم : جاسوا : من التجسس، أي يتجسسون أخبارهم ويسمعون أحاديثهم، وهم جنود جاؤوا من فارس. وقال بعضهم  فجاسوا  أي قتلوا الناس في الأزقة وفي الطرق. 
وقوله تعالى : وكان وعد مفعولا  أي ( وعد ) [(٢)](#foonote-٢) الذين قال ( لهم ) [(٣)](#foonote-٣) : لتفسدن في الأرض مرتين  وعدا كائنا مفعولا، أي كان وعدا مفعولا كائنا، إذ[(٤)](#foonote-٤) الوعد لا يأتي وكذلك قوله : إنه كان وعده مأتيا ( مريم : ٦١ ) أي موعودا مأتيا، ما أشبه هذا.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ ساقطة من الأصل و. م.
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: إلا..

### الآية 17:6

> ﻿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [17:6]

الآية٦ : وقوله تعالى : رددنا لكم الكرة عليهم  أي الغلبة والهلاك عليهم  وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا  أي أكثر رجالا منكم، قيل : ذلك عددا [(١)](#foonote-١)، ثم إذا عصوا ثانيا وكفروا بربهم، سلط الله عليهم قوما آخرين، فدمروا عليهم. فذلك قوله : فإذا جاء وعد الآخرة ( الإسراء : ٧و١٠٤ )الهلاك والتدمير، أي موعود الآخرة  ليسوءوا وجوهكم ( الإسراء : ٧ ). 
ثم وعد لهم الرحمة إن تابوا، ورجعوا عن ذلك بقوله : عسى ربكم أن يرحمكم ( الإسراء : ٨ )ثم أوعدهم العود إليهم بالعقوبة بقوله : وإن عدتم عدنا  أي وإن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالعقوبة. 
ثم قول أهل التأويل : إنه سلط عليهم بختنصر وجالوت ثم فلانا وفلانا فذلك لا يعلم إلا بالخبر عن رسول الله، وليس في الآية سوى أنه بعث عليهم  عبادا لنا أولي بأس شديد  فلا يزاد على ذلك إلا بالخير سوى أنه ذكر هذا لنا. وفيه وجهان[(٢)](#foonote-٢) من الحكمة :
أحدهم[(٣)](#foonote-٣) : ما ذكرنا من إثبات نبوة محمد ومن صدق رسولهم حين[(٤)](#foonote-٤) حذرهم العقوبة بعصيانهم. فكان كما قال. 
والثاني[(٥)](#foonote-٥) : تحذيرنا عن مثل صنيعهم لأنهم ليسوا بذلك أولى من غيرهم. 
وقال القتبي : فجاسوا خلال الديار  أي عاثوا بين الديار وأفسدوا ويقال : جاسوا واجتاسوا  ثم رددنا لكم الكرة  أي الدولة، وقوله تعالى : أكثر نفيرا أي عددا. 
وقال أبو عوسجة : أكثر نفيرا هو من الخروج والنفر، ومعناه : أكثر عددا. 
وقال أبو عبيدة : فجاسوا خلال الديار  معناه : أي فقتلوا في ديارهم. 
وقال قتادة : النفير المقاتلة الذين يستنفرون للقتال، أي لو استنفرتم أنتم، واستنفر أولئك كنتم أكثر منهم. ثم جاء قوله : فإذا جاء وعد أولاهما إلى قوله  فجاسوا خلال الديار . 
ومعلوم [(٦)](#foonote-٦) أنه لم يكن في كتابهم هذا اللفظ بعثنا عليكم  فجاسوا على الابتداء، ولكن كان، والله أعلم، إذا جاء وعد أولاهما ليبعثن عبادا أولي بأس شديد، يتجسسون، أو يجتاسون. 
لكن خاطب بهذا، والله أعلم ( الذين ) [(٧)](#foonote-٧) كانوا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن كانوا هم لم يفعلوا ما ذكر، لكن لما فعل أوائلهم خاطب هؤلاء لما كانوا/٢٩٦-ب/يفتخرون بأوائلهم، ويقولون هم  نحن أبناؤا الله وأحباؤه ( المائدة : ١٨ ) فيذكر هؤلاء نعمة التي أنعم على أولئك، ويحذرهم صنيعهم، وهو ما خاطبهم بقوله : وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك الآية( البقرة : ٥٥ )وقوله : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ( البقرة : ٦١ )ونحوه. 
خاطب هؤلاء الذين كانوا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاتبهم على صنيع أولئك وفعلهم، وإن كان هؤلاء لم يقولوا ذلك لما ( لم يرضوا ) [(٨)](#foonote-٨) بصنيع أولئك، وتحذيرا عن مثل صنيعهم، والله أعلم.

١ من م، في الأصل: وعدا..
٢ في الأصل و. م: وجوه..
٣ في الأصل و. م: أحدهما..
٤ في الأصل و. م: حيث..
٥ في الأصل و. م: وفيه..
٦ الواو ساقطة من الأصل و. م..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ في الأصل وم: رضوا..

### الآية 17:7

> ﻿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [17:7]

الآية٧ : وقوله تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } لا لله، إذ إليكم ترجع منفعة ذلك، وأنتم تجزون[(١)](#foonote-١) وعلى ذلك  وإن أسأتم فلها  أي فعليها كقوله : من عمل صالحا فلنفسه الآية( فصلت : ٤٦ )أي عليها ضرر[(٢)](#foonote-٢) ذلك وعلى ذلك جميعا ( ما )[(٣)](#foonote-٣) أمر الله عباده من الأعمال، أو نهاهم عنها، إنما أمر ونهى لمنفعة أنفسهم ولحاجتهم لا لمنفعة له. 
وقال بعضهم : وإن أسأتم فلها  أي إلى أنفسكم تسيؤون. 
وقوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة  أي جاء وعد موعود الآخرة، وهو العقوبة بعصيانهم وتكذيبهم رسل الله. 
وقوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة  بالتغيير وتبديل الدين ليسألوا وجوهكم  بواوين على الجماعة، وبواو واحدة [(٤)](#foonote-٤) على الواحد : ليسوء وجوهكم، ولم يبين من يسوء وجوهكم كما ذكر في الوعد الأول فإذا جاء وعد أولاهما بعثا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ( الإسراء : ٥ )فهم يسوءون وجوهكم. 
ومن قرأ بالنون[(٥)](#foonote-٥) : لنسوء وجوهكم  أضاف إلى نفسه لما يأمره ما كان يفعل وبتسليطه إياهم عليهم. 
وقال بعضهم : ذكر الوجه ههنا كناية عن الحزن والهم والإهانة لهم كما يقال في السرور : أكرم وجهه، أي أدخل فيه سرورا، وذكر الوجه يظهر ذلك التغيير والقبح، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة  في ظاهر الآية أن يدخل الأولون المسجد في المرة الثانية كما دخل الأولون في المرة الأولى لأنه قال : كما دخلوه أول مرة  لكن يحتمل ليدخل عباد آخرون المسجد في المرة الثانية كما دخل الأولون في المرة الأولى. وقال بعضهم : المسجد ههنا : الكنيسة والبيعة. 
وقوله تعالى : وليتبروا ما علوا تتبيرا  أي ليهلكوا ما عملوا به، أي ما غلبوا به، وقهروا، أي الأسباب التي عصوا بها. 
وقال أبو عوسجة : وما علوا  أي ليفسدوا ما ملكوا، والتبار الفساد، يقال : علوت الشيء، أي ملكت.

١ في الأصل و. م: تحزنون..
٢ في م: ضرورة..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و. م: واحد..
٥ انظر معجم القراءات القرآنية ج٣/٣٠٨..

### الآية 17:8

> ﻿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [17:8]

الآية٨ : وقوله تعالى : عسى ربكم أن يرحمكم  يحتمل أن يكون ذلك لأولئك الذين تقدم ذكرهم، وفيهم نزل ما نزل : يرحمهم إن تابوا. ويشبه أن يكون على الابتداء  عسى ربكم أن يرحمكم  بمحمد  وإن عدتم عدنا أي  وإن عدتم  إلى التكذيب والعصيان عدنا  إلى العقوبة والقتال إلى يوم القيامة. 
وقوله تعالى : وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا  قيل : سجينا، لا يخرجون منها. وقيل : محبسا وحصيرا، يحصرون فيها والله أعلم.

### الآية 17:9

> ﻿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [17:9]

الآية٩ : وقوله تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  على معنى التأنيث في قوله : للتي هي أقوم  قيل بوجوه : قيل  إن هدى القرآن يهدي للتي للملة التي{ هي أقوم  الملل وأعدلها. الملة هي الدين دين الله. 
وقال بعضهم : يهدي إلى الأمور التي هي أعدل الأمور وأصوبها. وقيل : يهدي إلى السبيل التي هي أقوم السبل وأعدلها. يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها. 
وجائز أن يكون قوله : يهدي للتي هي أقوم أي للأعمال الصالحات وللخيرات لأن الأعمال الصالحات، قوامها به. ثم قوله : يهدي  يحتمل وجهين :
أحدهما[(١)](#foonote-١) : يبين. والثاني يدعو. فهو يهدي الكل لو استهدوا، لكن خص هؤلاء لما ( أن المنفعة )[(٢)](#foonote-٢) تكون لمن ذكر. وقد ذكرنا أن هذا القرآن وغيره من كتب الله هدى ورحمة، يدعو إلى ثلاث خصال : إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ومصالحها، وينهى عن مساوئ الأعمال وداني الأمور وسوء الأخلاق ودناءتها. فهو هدى ورحمة على ما أخبر لمن استهدى به، ورشد لمن استرشد. 
وقوله تعالى : ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات  البشارة المطلقة إنما جعل للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، لم يذكر للمؤمنين خاصة على غير العمل الصالح، فالمسألة فيهم غير المسألة في[(٣)](#foonote-٣)هؤلاء. 
وفيه دلالة أن اسم الإيمان قد يستحق بدون العمل الصالح حين يشترط فيه العمل الصالح. 
وقوله تعالى : أن لهم أجرا كبيرا  سماه كبيرا لكبير خطره عند الله كما سمى النار عظيما لعظم خطره عنده، أو سماه كبيرا لأنه أكبر ما يقصد إليه، ويرغب فيه، وهو ثواب الجنة. والنار أعظم ما يحذر بها، ويرهب منها.

١ في الأصل و. م : يحتمل..
٢ في الأصل و. : منفعة..
٣ في الأصل و. م: و..

### الآية 17:10

> ﻿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [17:10]

الآية١٠ : وقوله تعالى : وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما  إنكارهم البعث وكفرهم به، هو الذي حملهم على تكذيبهم الرسل وكفرهم بالله لتسلم لهم شهواتهم في الدنيا، لأن الرسل جميعا، دعوهم إلى ترك شهواتهم في الدنيا، ورغبوهم بما يوجب لهم الثواب في الآخرة ( وحذروهم مما )[(١)](#foonote-١) يوجب العقاب، فأنكروا الآخرة والبعث رأسا لتسلم لهم الدنيا. فذلك الذي حملهم على إنكار الرسل وتكذيبهم إياهم. 
ألا ترى أن قال : والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ( الأنعام : ٩٢ )أي بالقرآن( أو بمحمد، أي }[(٢)](#foonote-٢) إيمانهم بالبعث حملهم على الإيمان والرسول، وتكذيبهم الآخرة حملهم على تكذيب الرسل، والله أعلم ؟.

١ في الأصل و. م: وحذرهم عما..
٢ في الأصل: وبمحمد، في م: أو بمحمد..

### الآية 17:11

> ﻿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا [17:11]

الآية١١ : وقوله تعالى : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير  قال بعضهم : إذا غضب الإنسان يدعو على نفسه وولده وأهله، ويلعن عليهم بالخير ؛ لذلك انتصب قوله دعاءه . 
وقال الحسن : إن الإنسان يتضايق صدره وقلبه بأدنى شيء، يكره، فيلعن على نفسه وأهله، فلا يجيبه الله، ثم يدعو بالخير، فيعطيه، أو نحوه من الكلام. 
وقوله تعالى : ويدع الإنسان دعاءه بالخير  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير على العلم منه بذلك كدعائه بالخير على العلم منه ذلك. 
والثاني : ويدعوا الإنسان بالشر  لو أجيب فيه على الجهل منه و الغفلة كدعائه بالخير لو أجيب في ذلك. 
ثم إن كان ذلك الإنسان هو الكافر، فهو يدعو على الاستهزاء كقوله : فأمطر علينا حجارة من السماء  الآية ( الأنفال : ٣٢ )وكذلك قوله : سأل سائل بعذاب واقع ( المعارج : ١ )ونحوه. 
وإن كان مسلما فهو يدعو بالشر على نفسه وأهله عند الغضب على علم منه أنه ( منه )[(١)](#foonote-١) ويدعو أيضا بالشر على السهو والغفلة منه نحو ما يسأل الأموال والنكاح، ولعل ذلك شر له. 
وقوله تعالى : وكان الإنسان عجولا  قال بعضهم : هذا لآدم لأنه لما خلقه الله، فنفخ الروح في بعض جسده، همََّ أن يقوم، فسماه عجولا. لكن كل الإنسان خلق في الطبع من الأصل عجولا. ألا ترى أنه لا يصبر على أمر واحد ولا على شيء واحد، وإن كان نعمة لم يصبر عليها، ولكن يمل عنها، وكذلك في أدنى شدة وبلاء إذ بلي به، لم يصبر/٢٩٧-أ/عليها. فأبدا يريد الانتقال من حال إلى حال ؟ 
ألا ترى أن قوم موسى قد أكرمهم الله بكرامات من إنزال المن والسلوى عليهم من غير كد ولا جهد ولا مؤنة وكذلك اللباس، ثم لم يصبروا على طعام واحد، فسألوا ربهم الثوم والبصل ونحوه، على طبع الإنسان ملولا عجولا ؟ 
ألا ترى أن الله مكن في باطنه، وجعل في ( وسعه رياضة )[(٢)](#foonote-٢) نفسه، وصرفها إلى أحد الوجهين الذي يحمد[(٣)](#foonote-٣) عليه، ولا يذم، وهو أن يروضها ويعودها على الصبر والحكمة[(٤)](#foonote-٤) و الوقار، ويصرف تلك العجلة إلى الخيرات والطاعات التي يحمد[(٥)](#foonote-٥)عليها المرء بالعجلة ؟ وإلا ففي ظاهر الخلقة والطبع منشأ على العجلة وما ذكر. 
ألا ترى أنه قال : إن الإنسان خلق هلوعا   وإذا مسه الشر جزوعا   وإذا مسه الخير منوعا (  إلا المصلين  )[(٦)](#foonote-٦) ( المعارج : ١٩-٢٢ )وهو ما ذكرنا، والله أعلم ؟ لكن بما امتحنه من الأمر والنهي والترغيب في الموعود والترهيب صيره بحيث يملك( إخراج نفسه )[(٧)](#foonote-٧)عما طبع، وأنشئ إلى حال أخرى بالرياضة التي ذكرنا. 
ألا ترى أنه ذكر الهلع والجزع، ثم استثنى(  إلا المصلين  )[(٨)](#foonote-٨) ( المعارج : ٢٢ ) وعلى ذلك خلق الله على همم مختلفة وأطور متشتتة، لم يخلقهم جميعا في معاني الأمور ومعاظم الحرف وأرفع الأسماء، بل طبعهم على أطباع مختلفة : فمنهم من يرغب في معالي الأمور والحرف، ومنهم من كانت همته الرغبة في الدون من الأمور والحرف : في الحجامة والدباغة والحياكة ونحوهما ؛ وكذلك في الأسماء، ومنهم بخلاف ذلك. ولو كانت همتهم همة واحدة لذهبت المنافع والمعارف جميعا، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ في الأصل: سعة رياضية، في م: رياضية..
٣ في الأصل وم: يجهد..
٤ في الأصل وم: الحكم.
٥ من و، في الأصل: يحمل..
٦ في الأصل وم: إلا كذا..
٧ في الأصل وم: إخراجه..
٨ في الأصل وم: إلا كذا..

### الآية 17:12

> ﻿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [17:12]

الآية١٢ : وقوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار آيتين اختلف فيه : قال بعضهم : المراد بالليل والنهار والشمس والقمر، أي جعلنا في الشمس والقمر ( آية ) [(١)](#foonote-١) ألا ترى أنه أضاف الآية إلى الليل والنهار حين[(٢)](#foonote-٢) قال : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة  وحين[(٣)](#foonote-٣) قال أيضا : لتعلموا عدد السنين والحساب ( يونس : ٥ )وإنما يعلم ذلك بالقمر ؟ 
ألا ترى أنه أيضا : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا الآية ( يونس : ٥ ) ؟ إنما أضاف معرفة عدد السنين والحساب إلى القمر. دل أنه بالقمر يعلم ذلك، وهو قول علي وابن عباس رضي الله عنه، وغيرهما[(٤)](#foonote-٤)، من أهل التأويل. ويكون تأويل المحو ذكر في قوله : فمحونا آية الليل  ما قالوا في محوه، وهو السواد الذي يرى، والنقصان الذي يكون فيه في آخره. 
وقال بعضهم : محى تسعة وستين [(٥)](#foonote-٥) جزءا من سبعين جزءا. إلى هذا يذهب هؤلاء. 
وأما الحسن وأبو بكر وهؤلاء فهم يقولون : ليس في الآية ذكر الشمس والقمر، إنما ذكر الليل والنهار، وأخبر أنه جعلهما آيتين، فهما كذلك آيتان، وبهما يعلم عدد السنين والحساب ؛ لأنه بالأيام يعرف ذلك. 
فأما الشهور فإنها[(٦)](#foonote-٦) إنما تعرف بالقمر، لا تعرف بالأيام. ويكون ( تأويل قوله )[(٧)](#foonote-٧) : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة  أي جعلنا آية الليل في الابتداء ممحوة مظلمة  وجعلنا آية النهار مبصرة  مضيئة في الابتداء، ليس أن كانتا جميعا مبصرتين مضيئتين، ثم محى آية الليل، وأبقيت آية النهار مضيئة. ولكن أنشأ آية الليل في الابتداء مبصرة، وهو كقوله : وإلى السماء كيف رفعت   وإلى الجبال كيف نصبت ( الغاشية : ١٨و١٩ ) أي أنشأهما في الابتداء كذلك، لا إن السماء، كانت موضوعة، فرفعها، وكذلك الجبال، كانت مبسوطة، ثم نصبها، ولكن أنشأهما في الابتداء كذلك. 
فعلى ذلك قوله تعالى : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة  أي جعلهما[(٨)](#foonote-٨) في الابتداء : هذا مظلما ممحوا وهذا مبصرا مضيئا. 
( وقوله تعالى )[(٩)](#foonote-٩) : وجعلنا الليل والنهار آيتين  هما آيتان مختلفتان، بل متضادتان، تضاد كل ( واحدة منهما صاحبتها ؛ إذ[(١٠)](#foonote-١٠) كل واحدة تنسخ الأخرى حتى لا يبقى لها أثر. وهما آيتان دالتان على وحدانية الله تعالى لأنه لو كانتا فعل عدد لكان إذا أتى هذا على هذا، منع عن أن يكون للآخر سلطان أو أمر فإذا لم يكن دل أنه صنع واحد. 
وفيها دلالة تدبيره وحين[(١١)](#foonote-١١) جريا على سنن واحد مقدار واحد على غير تفاوت يكون فيهما وتفاضل أو تغير على ما كان، ومضى. دل أنه عن تدبير خرجا، وكانا كذلك. 
وفيه دلالة علمه و حكمته لما جعل فيهما من المنافع ما لو كان الليل سرمدا لذهبت [(١٢)](#foonote-١٢) منفعة الليل نفسه. ولو كان النهار سرمدا لذهبت منفعة النهار رأسا. 
و فيه دلالة البعث لأنه يتلف أحدهما إذا جاء الآخر حتى لا يبقى له أثر البتة، ثم يعيده على ما كان من غير أن يعلم أنه غير الأول. 
ثم قوله تعالى  آيتين  والآية علامة، وعلامتها، لا تعرف إلا بالتأمل والنظر فيهما، فعلى ذلك لا يفهم مراد ما في القرآن والمعنى المودع[(١٣)](#foonote-١٣) فيه بالتأمل والنظر فيه. 
و فيهما دلالة نقض قول أصحاب الطبائع وأصحاب النجوم والدهرية وجميع الملاحدة :
أما نقض قول أصحاب الطبائع فما[(١٤)](#foonote-١٤) ذكرنا من اتساق مجراها على سنن واحد وأمر واحد، دل لأنه بالتدبير صار[(١٥)](#foonote-١٥) كذلك لا بالطبع. 
وأما نقض قول أصحاب النجوم ( فهي )[(١٦)](#foonote-١٦) مسخرة لمنافع الخلق، ومغلوبة يغلبها ضوء الشمس ونور القمر حتى لا تُرَى، دل أنه، لا تدبير لغيرها. 
والرد[(١٧)](#foonote-١٧)على غيرهم من الملحدة ما ذكرنا من اتصال منافع هذا بهذا، دل أنه ما ذكرنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : لتبتغوا فضلا من ربكم  يحتمل الفضل الذي ذكر الرزق والمعاش الذي ذكر في آية أخرى : وجعلنا النهار معاشا ( النبأ : ١١ )ويحتمل أنواع فضل في الدين  ولتعلموا عدد السنين والحساب  هو ما ذكرنا أنه بهما يعرف. 
وقوله تعالى : وكل شيء فصلناه تفصيلا  يحتمل التفصيل تفصيل آية من أخرى، أي لم يجعلها آية واحدة على ما ذكر، وقال الحسن :( فصل، أي ) [(١٨)](#foonote-١٨) بين أمر عباده، ونهاهم، أي بين وفصل ما يؤتى وما[(١٩)](#foonote-١٩) يتقى، و : فصلناه تفصيلا  أي فصله تفصيلا، لم يتركه مبهما، بل بين غاية البيان.

١ ساقطة في الأصل و. م..
٢ في الأصل و. م: حيث..
٣ في الأصل و. م: حيث..
٤ في الأصل و. م: وغيرهم..
٥ في الأصل و. م: وستون..
٦ في الأصل و. م: فإنه..
٧ في الأصل و. م: قوله تأويل..
٨ في الأصل و. م: جعلها..
٩ ساقطة من الأصل و. م..
١٠ في الأصل: واحد منهما صاحبتها إذا، في م: واحدة منهما صاحبتها إذا..
١١ في الأصل و. م: حيث..
١٢ في الأصل وم : ذهب.
١٣ من م، في الأصل: الموعود..
١٤ في الأصل و. م: لما..
١٥ ادرج قبلها في الأصل و. م: ما..
١٦ ساقطة من الأصل و. م..
١٧ في الأصل و. م: و..
١٨ في الأصل و. م: أي فصل..
١٩ في الأصل و. م: مما..

### الآية 17:13

> ﻿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [17:13]

الآية١٣ : وقوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  اختلف في قوله : طائره  قال بعضهم : طائره شقاوته وسعادته ورزقه وعيشه. وقال بعضهم : عمله الذي عمل من خير أو شر. وقال بعضهم : حظه ونصيبه من عمله، وهو جزاؤه، ونحو ذلك، ( ذلك ) [(١)](#foonote-١) كله يرجع إلى معنى واحد، لأنه إنما يسمع ( الإنسان ) [(٢)](#foonote-٢) ويشقى بعمله الذي يعمله وكذلك بجزاء [(٣)](#foonote-٣) عمله. 
و لذلك قال الحسن في تأويل قوله : قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ( المؤمنون : ١٠٦ )أي بأعمالنا التي عملناها، ثم تخرج تسمية العمل وما ذكروا طائرا لوجهين :
أحدهما : على وجه التفاؤل والطيرة ؛ كانوا يتفاءلون، ويتطيرون بأشياء : بالطائر وغيره، ويقولون : جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له بكذا من الشر على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم على ما يستعملون، وأخبر أن ذلك يلزم أعناقهم، وهو ما قال الله تعالى : يطيروا بموسى ومن معه ( الأعراف : ١٣١ ) وقوله [(٤)](#foonote-٤)  فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ( الأعراف : ١٣١ )وقوله أيضا : قالوا أطيرنا بك وبمن معك الآية { النمل : ٤٧ )ونحوه. 
والثاني : سمى الأعمال التي عملوها طائرا لما أن الذي يتولد منه تلك الأعمال كالطائر، وهو الهمة ؛ أولا : يخطر ( ببال الإنسان شيء، وفي )[(٥)](#foonote-٥) الإخطار لا صنع له فيه، ثم يهتم، ثم تبعث الهمة على الإرادة، ثم الإرادة، تبعث على الطلب والعمل، فالهمة التي في النفس التي تتولد منها الأعمال كالطائر، فسماه باسمه، والله أعلم. 
وقوله تعالى : في عنقه  يحتمل ( وجهين :
أحَدُهما )[(٦)](#foonote-٦) : أن يكون العنق كناية عن النفس أي ألزمناه نفسه. وذلك جائز ؛ يقال : هذا لك علي، وفي عنقي. 
والثاني :/٢٩٧-ب/ ( أن يكون ) [(٧)](#foonote-٧) ذكر العنق كما يقول الرجل لآخر إذا أراد التخلص ( من )[(٨)](#foonote-٨)عمل : قَلَّدتُك هذا العمل، وجعلته في عنقك، أي تكون أنت المأخوذ به إثما إن كان في ذلك شر، وأنت المأجور به المثاب إن كان فيه خير. والمعنى في قوله : وكل إنسان ألزمته طائره في عنقه  أي لا يؤخذ عيره بعمله وشقاوته، ولكن هو مأخوذ به، وهو ما قال : من اهتدى فإنما يهدي لنفسه ( الإسراء : ١٥و. . )وقوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى ( الإسراء : ١٥و. . )هذه الآيات الثلاث، معناها واحد، وهو ما ذكرنا : ألا يؤخذ غيره بعمله[(٩)](#foonote-٩)، ولا تحمل نفس خطيئة أخرى ولا وزرها، ولكن كل نفس، هي تحمل خطيئة نفسها. 
وقوله تعالى : ويخرج له يوم القيامة كتابا منشورا  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : أي يجعل ما ألزم عنقه  كتابا يلقاه منشورا . 
والثاني : أي يجعله ما ألزم عنقه  كتابا .

١ في م: فذلك، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ الباء ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: وكقوله..
٥ في الأصل و. م: بباله شيئا ففي..
٦ ساقطة من الأصل و. م..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ ساقطة من الأصل و. م..
٩ في الأصل و. م: بعمل آخر..

### الآية 17:14

> ﻿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [17:14]

الآية١٤ : وقله تعالى : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا  قيل : شهيدا، وقيل : كافيا وحاسبا، وهو واحد، لأن المؤمن بما سبق من صالحاته، يقف فيها، لا يقطع القول فيها لرجائه في رحمته، ولخوفه من مساوئه فلا يشهد على نفسه بالعقوبة. وأما الكافر يشهد على نفسه بالنار لما لم يكن له ما يطمع ( في ) [(١)](#foonote-١) رحمته. 
وقوله تعالى : اقرأ كتابك أي نخرج  له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا  فيقال له : قرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . وفي ذلك لطف عظيم بقراءة كتابه بأي لسان كان لأنه لم يبين لسان يكتب، ثم يتذكر جميع ما عمل في عمره، وقد ينسى الرجل عملا، يعمل في أدنى مدة، لكن هنا يتذكر في ساعة ووهلة ما كان عاملا فيه.

١ في الأصل و. م: أن..

### الآية 17:15

> ﻿مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا [17:15]

الآية١٥ : وقوله تعالى : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه  أي من اهتدى إلى ما جعل الله عليه من أنواع النعم، وقام بأداء شكرها، فإنما فعل ذلك لنفسه، لأنه هو المُنتفِع [(١)](#foonote-١) به، أو يقول : من اختار الهدى، وأجابه إلى ما دعاه مولاه  فإنما يهتدي لنفسه  أي فإنما اختار ذلك لنفسه، لأنه هو المنتفع [(٢)](#foonote-٢) به، وهو الساعي في فكاك رقبته. 
وقوله تعالى : ومن ضل  أي من ضل، أي اختار الضلال  فإنما يضل عليها أي فإنما يرجع عليها ضرره، وهو ما ذكر : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ( فصلت : ٤٦ )وقوله : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ( الإسراء : ٧ ). 
وقوله تعالى  ومن ضل عن ذلك  فإنما يضل عليها  أي إلى نفسه يرجع ضرر ضلاله على نفسه كقوله : ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ( النمل : ٤٠ ). 
وقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى  هو ما ذكرنا، أي لا تحمل نفس خطيئة أخرى، ولا تأثم بوزر أخرى ( ذكر هذا والله أعلم، لوجهين :
أحدهما )[(٣)](#foonote-٣) : أن أمر الآخرة خلاف أمر الدنيا لأن في الدنيا قد تؤخذ نفس مكان أخرى، وتحمل[(٤)](#foonote-٤) نفس مؤنة أخرى، وفي الآخرة لا تؤخذ نفس بدل أخرى. 
والثاني : قد يتبرع بعض عن بعض بتحمل المؤنات والقيام في فكاكها ( في الدنيا )[(٥)](#foonote-٥) وأما في الآخرة فلا يتبرع بذلك. 
وقوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  يحتمل : ما كنا معذبين تعذيب استئصال في الدنيا إلا بعد دفع الشبه ورفعها عن الحجج من كل وجه وبعد تمامها، وإن كانت الحجة قد لزمتهم بدون بعث [(٦)](#foonote-٦) الرسل ليدفع عنهم عذرهم من كل وجه. 
ويحتمل[(٧)](#foonote-٧) أن يكون قوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  إفضالا منه ورحمة، وإن كان العذاب قد يلزمهم والحجة قد قامت عليهم. والعذاب الذي كانوا يعذبونه [(٨)](#foonote-٨) في الدنيا ليس، هو عذاب الكفر، لأن عذاب الكفر دائم أبدا. 
لا انقطاع له، وهذا مما ينقطع، وينفصل. لكن يعذبون بأشياء كانت منهم من العناد ودفع الآيات. وأما عذاب الكفر فهو في الآخرة أبدا، لا ينقطع. 
وفي الآية دلالة أن حجة التوحيد قد لزمتهم، وقامت عليهم بالعقل حين[(٩)](#foonote-٩)قال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  فلو لم تلزمهم لكان الرسل إذا دعوهم إلى ذلك يقولون[(١٠)](#foonote-١٠) : من أنتم ؟ ومن بعثكم إلينا ؟ فإذا لم يكن لهم الاحتجاج دل أن الحجة قامت عليهم. 
لكن الله بفضله أراد أن يدفع الشبهة عنهم، ويقطع عنهم عذرهم برسول يبعث إليهم لما أن أسباب العلم بالأمور ثلاثة : فمنها ما يعلم بظاهر الحواس بالبديهة، ومنها ما يفهم بالتأمل والنظر، ومنها ما لا يعلم إلا بالتعليم والتنبيه. 
وقال القتبي : ويخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ( الإسراء : ١٣ ) وهو ما ذكرنا أي[(١١)](#foonote-١١) نخرج بذلك العمل كتابا. وقال أبو عوسجة : أي نكتب ما عمل، ثم نقلده[(١٢)](#foonote-١٢) في عنقه، فنجيء به يوم القيامة. 
وقال أبو عبيدة : طائره حظه. وقال غيره من المفسرين : ما عمل من خير أو شر ألزمناه في عنقه. 
وقال القتبي : وهذان المعنيان يحتاجان إلى بيان، والمعنى في ما أرى، والله أعلم : أن لكل امرئ حظا من الخير والشر، وقد قضاه الله، فهو لازم عنقه، والعرب تقول : إن كل ما لزم الإنسان قد لزم عنقه، وهو لازم، طائر ( في )[(١٣)](#foonote-١٣)عنقه، وهذا لك علي، وفي عنقي، حتى أخرج منه. وإنما قيل للحظ من الخير والشر : طائر لقول العرب ما ذكرنا : جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر على وجه الفأل والطيرة على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سببا، وهو ما ذكر. 
وقوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسلا  التعذيب يكون على وجوه ثلاثة :
أحدها[(١٤)](#foonote-١٤) : يعذبهم في الدنيا ابتداءا بتعذيب امتحانا وابتلاء بجريمة كانت منهم كقوله : ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( الأنبياء : ٣٥ ) وقوله : وبلوناهم بالحسنات والسيئات ( الأعراف : ١٦٨ ) ونحوه، فيكون تنبيها وتذكيرا لهم لا تكفيرا. 
والثاني : يعذب تعذيب العناد والمكابرة، وهو تعذيب إهلاك واستئصال ؛ فهو عقوبة لهم موعظة للمتقين وعبرة لغيرهم، وهم الذي يأتي على إثر وعيد. 
والثالث : عذاب الموعود في الآخرة يقول : وما كنا معذبين  في الآخرة  حتى نبعث رسولا  في الدنيا. 
والأشبه أن يكون ما ذكر من التعذيب، وهو تعذيب استئصال، والله أعلم.

١ من م،: في الأصل المشفع..
٢ من م،: في الأصل: المشفع..
٣ في الأصل و. م : والله أعلم ذكر هذا..
٤ في الأصل و. م: ويحتمل..
٥ ساقطة من الأصل و. م..
٦ من م، في الأصل: البعث..
٧ في الأصل و. م: و..
٨ في الأصل و. م: يعذبونهم..
٩ في الأصل و. م: حيث..
١٠ في الأصل و. م: يقول..
١١ من م، في الأصل: إن..
١٢ في الأصل و. م: نقلد..
١٣ ساقطة من الأصل و. م..
١٤ من م، في الأصل: أحدهم..

### الآية 17:16

> ﻿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [17:16]

الآية١٦ : وقوله تعالى : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها  بالتخفيف، والتثقيل واحد[(١)](#foonote-١)، ثم ( من )[(٢)](#foonote-٢) قرأ بالتثقيل ( فإنه )[(٣)](#foonote-٣) يحتمل وجهين :
أحدهما : أمرنا مترفيها من الإمارة والتسليط عليهم أي أمرنا عليهم، وسلطنا مترفيها، أي أكثرنا عددهم، وسلطنا مترفيها : فساقها ومستكبريها. 
والثاني : أمرنا مترفيها أي أكثرنا عددهم ومنعميهم يذكر هذا لقولهم : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة  الآية( الزخرف : ٢٣ ) : نحن أكثر أموالا وأولادا  الآية( سبإ : ٣٦ ) كانوا يزعمون أنهم لا يعذبون لأنهم قد أنعموا في هذه الدنيا بكثرة[(٤)](#foonote-٤) أموالهم وأولادهم، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه ما أهلك من الأمم الخالية إلا بعد ما كثر عددهم، ووسع عليهم الدنيا، لم يهلكهم[(٥)](#foonote-٥) في حال القلة والضيق كقوله : ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ( الأعراف : ٩٥ ) أي أكثروا، وقوله : حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( الأنعام : ٤٤ )لم يأخذ بالعذاب الأمم الخالية إلا في حال كثرتهم وأمنهم وعزتهم بالسعة. يحذر هؤلاء لئلا يغتروا بكثرة أموالهم وأولادهم وعددهم. 
ومن قرأ[(٦)](#foonote-٦) : وأمرنا مترفيها  بالتخفيف فهو بالأمر، أي أمرنا عظماءهم وكبراءهم طاعة الرسل[(٧)](#foonote-٧) والإجابة إلى ما دعوهم[(٨)](#foonote-٨) إليه/٢٩٨-أ/حتى إذا عصوا رسله، وتركوا إجابتهم على العناد والمكابرة، فعند ذلك يهلكهم [(٩)](#foonote-٩) لما ذكرنا أنه لم يستأصل الأمم الخالية إلا بعد عنادهم في آيات الله ومكابرتهم في دفعها وتكذيبها، لا يهلكهم في أول ما كذبوا آيات الله وخالفوا رسله. 
وقوله تعالى : مترفيها  قال بعضهم : المترف المنعم، وقال بعضهم : المترف المكرم والمستكبر، وكله واحد. 
وفي قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية  دلالة أن الإرادة غير المراد، لأنه أخبر بتقدم الإرادة عن وقت الهلاك. دل أنها غيره. وفيه أنه أراد السبب الذي به يهلكهم[(١٠)](#foonote-١٠)، وهو التكذيب والعناد، لما علم منهم أنهم يختارون ذلك ؛ إذ لا يحتمل أن يريد هلاكهم، وهو يعلم منهم سبب الهلاك. فهذا يرد قول المعتزلة : إن الإرادة، هي المراد، وإنه لم يرد ما كان منهم من سبب الهلاك، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فحق عليه القول  بما أراد إهلاكهم ؛ وجب عليهم. أو يكون قوله : فحق عليهم القول  بما أخبر عن الأمم الخالية، وهو قوله : سنة الله في الذين خلوا من قبل  الآية( الأحزاب : ٣٨و٦٢ ). 
وقوله تعالى : فدمرناها تدميرا  أي أهلكناها إهلاكا.

١ في الأصل و. م، أمرنا مترفيها..
٢ من م، ساقطة من الأصل، انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٣١٣..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: وأكثروا..
٥ في الأصل و. م: يهلكوا..
٦ في الأصل و. م: قال..
٧ من و، في الأصل: الرسول..
٨ في الأصل و. م: دعاهم..
٩ في الأصل و. م: يهلكون..
١٠ في الأصل و. م: يهلكون..

### الآية 17:17

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:17]

الآية ١٧ : وقوله تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا  يحتمل أن يكون الخبير والبصير واحدا. ويشبه أن يكون بينهما فرق : الخبير العالم بأعمالهم والبصير بمصالحهم ومعاشهم وبجزائهم ؛ يقال : فلان بصير في أمر كذا، وفلان أبصر من فلان. 
ويحتمل أن يكون  بذنوب عباده  هو[(١)](#foonote-١)مكرهم الذي كانوا يمكرون برسول الله، فقال : وكفى  بمكرهم الذي يمكرون بك.

١ في الأصل و. م: وهو..

### الآية 17:18

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [17:18]

الآية١٨ : وقوله تعالى : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد  يحتمل هذا الوجهين :
أحدهما : أنهم كانوا يعملون بأعمالهم الحسنة في حال كفرهم من نحو الإنفاق والصدقات وبذل الأموال[(١)](#foonote-١) وغير ذلك، يريدون بذلك العز والشرف والذكر في الدنيا، فأخبر أنه من أراد بما يفعل ذلك  عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد . 
و الثاني : يكون قوله : من كان يريد العاجلة } أي لا يريد بها إلا جمع الأموال وسعتها  عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد . ثم أخبره أنه لا كل من أرادها يعجل له ذلك، ولا ما أراد يعجل له ذلك. ولكن إنما يعجل( الله ما أراد )[(٢)](#foonote-٢)ولمن أراد ؛ إذ لا كل من أراد شيئا يعطى له ذلك. 
ثم أخبر عما يعطى في الآخرة  ومن كان يريد العاجلة  فقال : ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا  أي مذموما بما يسمى بأسماء قبيحة دنيئة مذمومة عند الخلق، أو يذم، ويلام في النار مدحورا  مطرودا من الأسماء الحسنى ومن الخيرات أو مبعدا عن رحمته. 
وقوله تعالى : مذموما  عند نفسه يومئذ، أو مذموما عند الملائكة والخلق جميعا. 
وفي قول تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح  وجهان : أحدهما يحتمل أ يكون أراد بإهلاكه إياهم موتهم بآجالهم، يقول : هم كانوا عددا قليلا زمن نوح، ثم أكثروا حتى صاروا قرونا، ثم ماتوا حتى لم يبق منهم أحد. 
والثاني : يحتمل أن يكون الإهلاك ههنا إهلاك استئصال فهو يخرج على وجهين :
أحدهما : أنهم[(٣)](#foonote-٣) قد استووا في هذه الدنيا ؛ أعني ( الأولياء والأعداء )[(٤)](#foonote-٤) وفي الحكمة التمييز بينهم[(٥)](#foonote-٥) والتفريق، فلا بد من دار ( أخرى يفرق بينهم )[(٦)](#foonote-٦) فيها، ويميز. 
والثاني : قد أهلكوا جميعا. وفي العقل والحكمة إنشاء الخلق للإفناء خاصة بلا عاقبة تقصد عبث باطل، فدل أن هنالك دارا أخرى هي المقصودة حتى صار خلق هؤلاء حكمة، وفيه إلزام البعث.

١ من م، في الأصل: الأمور..
٢ في الأصل و. م: ما أراد الله..
٣ في الأصل و. م: أنه..
٤ في الأصل و. م: الولي والعدو..
٥ في الأصل و. م: بينهما..
٦ في الأصل و. م: تفريق بينهما..

### الآية 17:19

> ﻿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [17:19]

الآية١٩ : وقوله تعالى  ومن أراد الآخرة وسعى سعيها وهو مؤمن  تفسير قوله : من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد  كأنه قال : من كان يريد العاجلة وهو كافر بربه مكذب بالآخرة  عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد   ومنكم من يريد الآخرة  وهو مؤمن بربه مصدق بالآخرة  وسعى لها سعيها وهو مؤمن  بها  فأولئك كان سعيهم مشكورا  أي مجزيا مقبولا.

### الآية 17:20

> ﻿كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [17:20]

الآية٢٠ : وقوله تعالى : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء  أي( المؤمنين والكافرين، نعطي هؤلاء وهؤلاء )[(١)](#foonote-١) أي لا نحرم من العاجلة من أراد الآخرة. يخبر أولئك الكفرة بكفرهم بالآخرة أنه ليس يعطي الدنيا وسعتها لمن يكفر بالآخرة، ولكن يعطي من كفر بها، ومن آمن بها لئلا يحملهم ذلك على حبهم الدنيا وطلب العز والشرف فيها على كفرهم بالآخرة حين[(٢)](#foonote-٢) قال : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء  أي يعطي المؤمن والكافر والبر والفاجر. 
وقوله تعالى : وما كان عطاء ربك محظورا  أي رزقك ربك وفضله محظورا. قال بعضهم : محبوسا وممنوعا. 
وقال بعضهم : محظورا أي منقوصا، فهو في الآخرة، أي لا ينقصون في الآخرة من جزائهم. 
وروي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه[(٣)](#foonote-٣) قال :( إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا )( كنز العمال ٦٠٥٦ )
وعن الحسن ( أنه )[(٤)](#foonote-٤) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا كان العبد همه الآخرة، كفى الله له في صنعته وجعل غناه في قلبه. وإن كان همه الدنيا أفشى الله عليه صنعته، وجعل فقره بين عينيه، فلا يمسي إلا فقيرا، ولا يصبح إلا فقيرا ) ( بنحوه الترمذي٢٤٦٥ ). 
وقوله تعالى : من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد  وأما من كان يريد العاجلة للآخرة فهو ليس بمذموم، فهو ما ذكر في قوله : فأولئك كان سعيهم مشكورا  وهو ما قال : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم  الآية( هود : ١٥ ) وقوله : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو ( الحديد : ٢٠ )( الحياة الدنيا لعب ولهو )[(٥)](#foonote-٥). وأما من أرد الحياة الدنيا للآخرة، فهو ليس بلعب ولهو، لأن الدنيا لم تنشأ لنفسها وإنما أنشئت للآخرة. فمن رآها لها، وأرادها لنفسها، فهو لعب ولهو، ومن رآها للآخرة، فهو ليس بلعب ولا لهو.

١ في الأصل و. م: المؤمن والكافر، نعطي هذا وهذا..
٢ في الأصل و. م: حيث..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ ساقطة من الأصل و. م..
٥ ساقطة من م..

### الآية 17:21

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [17:21]

الآية٢١ : وقوله تعالى : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض  في الدنيا في الرزق وفي الخلقة يكون بعضهم أعمى، وبعضهم بصيرا، ويكون أصم، ويكون سميعا ونحوه، فعلى ما يكون في الدنيا على التفاوت والتفاضل يكونون في الآخرة كذلك في المنزلة والقدر عند الله لا في الضيق والسعة والأحوال التي يكونون في الدنيا فقد[(١)](#foonote-١) قال  وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا  ولم يقل أكثر، ولا أوسع. دل أنه على القدر والمنزلة عند الله على اختلاف الأحوال التي يكونون في الدنيا، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: حيث..

### الآية 17:22

> ﻿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [17:22]

الآية٢٢ : وقوله تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخرا ( يحتمل وجوها :
أحدهما )[(١)](#foonote-١) : قد ذكرنا في ما تقدم أن النفي في مثل هذا الخطاب لرسوله، وإن كان غير موهوم ذلك منه للعصمة التي عصمه، فإنه غير مستحيل في ذاته لما ذكرنا أن العصمة إنما ينتفع بها مع النهي والأمر ؛ لأنه لولا الأمر والنهي ما احتيج إليها، أو خاطبه به على إرادة على غير على ما يخاطب به ملوك الأرض الأقرب والأعظم والأخطر منهم دون خسائس الناس ورذالهم. 
والثاني : أنه يخاطب كلا في نفسه، ليس أن يخص رسوله بذلك. ولكن كل موهوم ذلك منه. 
والثالث[(٢)](#foonote-٢) : يحتمل أن يخاطب به كل إنسان[(٣)](#foonote-٣) كقوله : يا أيها الإنسان  ( الانفطار : ٦و. . ) وقوله[(٤)](#foonote-٤) : يا أيها الناس ( البقرة : ٢١و. . )ليس إنسان أحق بهذا الخطاب من إنسان. فعلى ذلك الأول. 
والرابع : يحتمل ( أن )[(٥)](#foonote-٥)يخاطب رسوله/٢٩٨-ب/ليعلم من دونه أن ليس لأحد، وإن عظم قدره عند الله، وارتفع محله ومنزلته محاباة في الدين، لأن الرسل هم المكرمون على الله المعظمون عنده. فإذا لم ( يعف عنهم )[(٦)](#foonote-٦) في هذا لم يعف عمن[(٧)](#foonote-٧) دونهم. 
ألا ترى أنه قال للملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ( الأنبياء/٢٩ )وهم أكرم خلق الله حين[(٨)](#foonote-٨)وصفهم أنه  لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( التحريم/٦ ) فعلى ذلك الرسل. ألا ترى أنه قال على إثره : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  إلى قوله : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ( الإسراء : ٢٣ )ومعلوم أن أبويه كانا ضالين، فلا يحتمل أن يخاطب رسوله في قوله : وقل رب ارحمهما ( الإسراء : ٢٤ ) دل أنه خاطب به كل محتمل ذلك وموهوم. 
وقوله تعالى : فتقعد مذموما  أي ذليلا مقهورا ؛ لأن الخذلان هو ضد النصر والعون. ألا ترى أنه قال : إن ينصركم ( آل عمران : ١٦٠ )ذكر الخذلان مقابل النصر ؟ فعلى ذلك قوله(  مخذولا  أي مقهورا ذليلا غير منصور، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ في الأصل و. م: و..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: و..
٥ في الأصل و. م: أو يقول..
٦ في الأصل و. م: يعفوهم..
٧ في الأصل و. م: من..
٨ في الأصل و. م: حيث..

### الآية 17:23

> ﻿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [17:23]

الآية٢٣ : وقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  قال بعضهم : قضى : حكم، وقال بعضهم : قضى ههنا : أمر، أي أمر  ربك ألا تعبدوا إلا إياه  وقال بعضهم : قضى ربك، وصى ربك، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي رضي الله عنها أنهما كانا يقرآن : ووصى ربك، وقال بعضهم : وعهد ربك. 
وقال القتبي : وقضى ربك  أي ختم ربك، وهو من الفرض والإلزام، أي فرض ربك، وألزم  ألا تعبدوا إلا إياه  وكذلك حكم، وهو أشبه. ألا ترى أنه قال في آية أخرى  وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم  ثم قال : ومن يعص الله ورسوله  ؟ ( الأحزاب : ٣٦ )دل قوله : ومن يعص الله ورسوله  أن قوله : إذا قضى الله ورسوله معناه : أي فرض الله ورسوله وحكما أمرا. 
ثم قوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  فرض وحتم وحكم وأمر ألا تعبدوا إلا إياه  إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية لا تعبدوا دونه أحدا. 
وقد أبان لنا أنه هو الإله والرب المستحق للعبادة والألوهية والربوبية لا الذين يعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة :
أحدهما : عجز العقول وجهالتها عن درك كنهية العقول وماهيتها[(١)](#foonote-١) ؛ لأن العقول لا تعرف كنهية[(٢)](#foonote-٢)، أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها، فقد عرفت الألوهية لله وحسن العبادة له وقبحها لغيره. 
والثاني : ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيته وربوبيته وجعل العبادة له شكرا له. وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة شكرا له لما فيها من آثار ألوهيته. 
والثالث : السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهية لسواه دونه. فذلك معنى ( ما )[(٣)](#foonote-٣) فرض على خلقه، وأمرهم  ألا تعبدوا إلا إياه . 
وتأويل حكم ربك  ألا تعبدوا إلا إياه  لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له. فذلك تأويل من قال : قضى ( أي )[(٤)](#foonote-٤)حكم. 
وأما تأويل من قال : أي أمر ربك، وكلف  ألا تعبدوا إلا إياه  فيكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره، كأنه قال : أمر ربك أن اعبدوه ونهاكم أن تعبدوا غيره. 
ثم الفرق بين الطاعة والعبادة، يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد غيره، لأن الطاعة، هي الائتمار كقوله : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( النساء : ٥٩ )أي ائتمروا. 
وأما العبادة والاستسلام والخضوع له والشكر له، ولا يجوز ذلك لغيره لسوى الله، أو يكون في العباد معنى لا يدرك كمعنى الرحمان، لا يدرك حين[(٥)](#foonote-٥)لم يجوز تسمية غيره به. فعلى ( ذلك )[(٦)](#foonote-٦) هذا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وبالوالدين إحسانا  كأنه قال : وفرض عليكم أيضا، وحكم الإحسان للوالدين. ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه ( المرء ) [(٧)](#foonote-٧) إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة. 
لكن المراد من الأمر بالإحسان إلى الوالدين، هو الشكر لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى  أن اشكر لي ولوالديك ( لقمان : ١٤ )لأن الشكر، هي المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف. 
فهو والله أعلم وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله : ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا  ( النعام : ١٥١ ) وقوله [(٨)](#foonote-٨) في آية أخرى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ( النساء : ٣٦ ) وغيرها من الآيات، فالمراد منه، والله أعلم، الشكر لهما لما ذكر في آية أخرى : أن اشكر لي ولوالديك ( لقمان : ١٤ )والشكر هو المكافأة. 
أمره أن يكافئ لهما، ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية والبر عليه والعطف عليه والوقاية من كل سوء ومكروه في البطن وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على نفسيهما [(٩)](#foonote-٩) في السرور، يجعلان نفسيهما ( وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه جزاء ومكافأة لما كان إليه منهما إليه مما ذكرنا. 
( ذكر هذا في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر نفسيهما[(١٠)](#foonote-١٠) ) [(١١)](#foonote-١١) والحوائج لهما. وذلك، والله أعلم، لأنهما إذا كانا قادرين لحوائج نفسيهما[(١٢)](#foonote-١٢) ومنافعها يبران ولدهما، ويحسنان إليه، فيحمل برهما وإحسانهما إليه على الطاعة لهما في البر والإحسان إليهما على المجازاة. 
وهكذا المعروف عند الناس أنه إذا بر بعضهم بعضا يبعث ذلك على المكافأة ليدوم ذلك عليهم، وألا ينقطع. لذلك ذكر، والله أعلم، الإحسان إلى الوالدين في ( الحال )[(١٣)](#foonote-١٣) التي هي حال ضعف وعجز حين[(١٤)](#foonote-١٤) قال : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما  ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره، أن كيف ربياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا قولا حتى لم يستقذروا منه شيئا مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث، فأمره أن يعاملها إذا بلغا الحال التي كان هو عليها من الجهل، والضعف والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما، ويبعد عنهما، ألا يستقذر منهما، و يبتعد عنهما كما لم يستقذرا هما منه  فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما  عند السؤال والحاجة إليه كما لم يفعلاهما له، بل يلين وبذل، كما لانا هما له، وخضعا. وهو ما قال : والله خلقكم ثم يتوفاكم  الآية :( النحل : ٧٠ )وقال في آية أخرى : خلقكم من ضعف ( الروم : ٥٤ ). 
أخبر أنه يرد من القوة والعلم إلى حال التي كانوا عليها وحال الضعف والجهل حين[(١٥)](#foonote-١٥)قال : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم  الآية( النحل : ٧٨ )وقال : خلقكم من ضعف  الآية( الروم : ٥٤ ) فقال : فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما . 
وقال بعضهم : قوله تعالى : فلا تقل لهما أف  هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه  ولا تنهرهما  أي لا تعنفهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك. 
وقال بعضهم : أف  المراد منه هو أف  لا غيره  ولا تنهرهما  أي لا تعنفهما، ولا تتخشن. لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي لا تقل لهما : أف على ما يستثقل الناس شيئا، ويكرهونه في أول حال، يرون شيئا مستثقلا مكروها، فيقولون : أف، أي لا تقل : أف لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر. 
وعلى هذا المعنى/٢٩٩-أ/قالوا في قوله : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم  الآية ( النور : ٣٠ )
قال بعضهم : يغضوا من أبصرهم  ليحفظوا[(١٦)](#foonote-١٦) فروجهم، لأن النظر بالبصر ( يحمل المرء )[(١٧)](#foonote-١٧) على الزنى في الفرج، ومنه يكون بدء الفجور. 
وقال بعضهم : يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فرجهم  ذكر أول حال وآخرها ليمتنعوا عن كل ذلك. 
فعلى ذلك [(١٨)](#foonote-١٨) قوله : فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما  ذكر أول الحال وآخرها :( فأولها : أف  وآخرها : ولا تنهرهما [(١٩)](#foonote-١٩) ) أي لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ( لئلا يحمل ) [(٢٠)](#foonote-٢٠) ذلك على العنف والانتهار. 
فإن كان تأويل قوله : أف  أف لا غير ففيه حجة لأبي حنيفة، رحمه الله، في قوله : إذا نفخ المصلي في موضع سجوده فهو[(٢١)](#foonote-٢١) كلام، يقطع صلاته ( لأن الله تعالى )[(٢٢)](#foonote-٢٢) قال : فلا تقل لهما أف  أي لا تتكلم به، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وقل لهما قولا كريما }( بعدما )[(٢٣)](#foonote-٢٣)نهاه أن يقول لهما أف  ونهاه أن ينهرهما. فإذا امتنع عن الأف والنهر قال[(٢٤)](#foonote-٢٤) بعد ذلك قولا لينا لطيفا. 
قال أبو عوسجة : يقال : نهرته ( وانتهرته نهرا )[(٢٥)](#foonote-٢٥) وهو الخشن من الكلام، يشبه[(٢٦)](#foonote-٢٦)الوعيد. وقال أبو بكر الكيسائي : الكريم هو الذي يتولى على آخر نعمه، ويهنئه بترك الأذى والمن كقوله : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ( البقرة : ٢٦٤ ) وقال غيره في وصف السخي : هو[(٢٧)](#foonote-٢٧)الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه ( ويقطع طمعه )[(٢٨)](#foonote-٢٨)عما احتوى عليه غيره عند حاجاته إليه. ويشبه أن يكون الكريم قريبا منه. 
فإن قال : إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البر لأولادهما والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد، فكيف يشبه بر من كان مجبولا به مطبوعا عليه بر من لم يكن ذلك بطبعه ؟ قيل : لذلك هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك، لأن ما يفعل الوالدان من البر والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. ولهذا لم[(٢٩)](#foonote-٢٩) يجعل، ولم يشرع قتل الوالد بولده، إذ القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه ؛ إذ الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل والولد، وليس في الولد ذلك، فجعل في قتل الولد والده في القصاص، ولم يجعل في قتل والوالدين ولدهما. فعلى ذلك هذا في البر والإحسان. 
فإن قيل : ما الحكمة في ما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن ( كقوله )[(٣٠)](#foonote-٣٠)  أن اشكر لي ولوالديك  ؟ ( لقمان : ١٤ )قيل : لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية إليه والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر. 
وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة حين[(٣١)](#foonote-٣١) قال في المكاتب : إذا اشتري والده وأمه صار مكاتبا، وإذا اشتري ( أخوه أو ذو )[(٣٢)](#foonote-٣٢) رحم محرم منه لم يصر مكاتبا لأن الأب والأم يصيران بحق الجزاء والشكر. فعليه ذلك. وأما الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف، فملكه لا يحتمل ذلك. 
والخطاب من الله، وإن كان مع رسوله فالمراد منه غيره، لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل ( فيه إليهم )[(٣٣)](#foonote-٣٣) وخاطبه بما خاطب. دل أنه أراد بالخطاب غيره، كل ذلك[(٣٤)](#foonote-٣٤) محتمل ذلك وموهوب منه. وأمره أن يعاملها بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : وما بينها..
٢ في الأصل و. م : كيفية..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و. م: حيث..
٦ من م ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ في الأصل و. م: وقال..
٩ في الأصل و. م: أنفسهما..
١٠ في الأصل و. م: أنفسهما..
١١ ساقطة من م..
١٢ في الأصل و. م: أنفسهما..
١٣ من م: ساقطة من الأصل..
١٤ في الأصل و. م: حيث..
١٥ في الأصل و. م: حيث..
١٦ في الأصل و م: وليحفظوا..
١٧ في الأصل و. م: يحمله..
١٨ من م، ساقطة من الأصل..
١٩ في الأصل و. م: والثاني..
٢٠ في الأصل و. م: ليحمل..
٢١ في الأصل و. م: وهو..
٢٢ في الأصل و. م: حيث..
٢٣ في الأصل و. م: حيث..
٢٤ في الأصل و. م: كان..
٢٥ في م: وانتهرته، ساقطة من الأصل..
٢٦ من م، في الأصل: شبهه..
٢٧ في الأصل و. م: فقال..
٢٨ في الأصل و. م: وقطع طعمه..
٢٩ أدرج قبلها في الأصل و. م: ما..
٣٠ ساقطة من الأصل و. م..
٣١ في الأصل و. م : حيث..
٣٢ في الأصل و. م : أخاه أو ذا..
٣٣ في الأصل و. م : إليه..
٣٤ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:24

> ﻿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [17:24]

الآية٢٤ : وقوله تعالى : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة  يحتمل أن يكون الجناح كناية عن اليدين، لأن اليدين في الإنسان بموضع الجناح للطائر، وجناح الطائر يداه، فكأنه قال : اخفض، واخضع لهما بيديك كما أمره أن يخضع لهما بلسانه بقوله : وقل قولا كريما  أي اخضع لهما قولا وفعلا. ويحتمل أن يكون الجناح كناية عن النفس، أي اخفض لهما بجميع النفس والجوارح. 
وقوله تعالى : الذل  يحتمل أن يكون المراد من الذل نفسه، أي كن لهما كالمستعين المحتاج إليهما، لا كالمعين لهما قاضي الحاجة، ولكن ذليلا كالمستعين ( بالآخر )[(١)](#foonote-١) رافع الحاجة إليه. ويحتمل أن يكون  الذل  كناية من الرحمة التي تكون في القلب، أي اخضع لهما برحمة القلب والجوارح جميعا. 
ألا ترى أنه قال : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ( المائدة : ٥٤ )ألا ترى أنه قال في آية أخرى : أشداء على الكفار رحماء بينهم ( الفتح : ٢٩ )وذكر مقابل الذل في تلك الآية الرحمة ( وفي هاتين مقابل الذل والعزة ومقابل الشدة الرحمة }[(٢)](#foonote-٢). 
فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله : جناح الذل  كناية عن الرحمة، فيكون معناه : أن اخضع لهما بالظاهر والباطن جميعا على ما ذكرنا في قوله : فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما  والله أعلم. 
قوله تعالى : وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا  قال بعضهم : رب ارحمهما كما ربياني صغيرا  ويحتمل أن ( يكون )[(٣)](#foonote-٣)على الإضمار، فيكون والله أعلم، كأنه قال : رب ارحمهما كما رحماني، وربياني صغيرا. 
وقول أهل التأويل : إن هذا منسوخ، نسخة قوله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  الآية( التوبة : ١١٣ ) بعيد. وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين والكافرين. فالرحمة التي ذكر تكون في الكافرين سؤال الهداية لهم وجعلهم أهلا للرحمة والمغفرة، وذلك جائز كقول نوح لقومه : استغفروا ربكم إنه كان غفارا  أي استهدوا ربكم، فيهديكم فيغفر لكم ما كان منكم،  إنه كان  لم يزل غفارا  إذ لا يحتمل أن يأمرهم بالاستغفار، ويعدهم بالمغفرة على الحال التي هم عليها، وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه. 
أو أن يكون من الرحمة التي يتراحم بعضهم لبعض، والشفقة التي تكون بين الناس كما يتراحم للصغار[(٤)](#foonote-٤) والضعفاء ثم مثل هذه المعاملة التي أمر الولد أن يعامل أبويه يلزم المؤمنين من جهة الدين ومكارم الأخلاق أن يعامل[(٥)](#foonote-٥) الناس بعضهم بعضا. غير أن هذا فيما بين الناس، ليس بفرض لازم لأنها بحق الشكر والجزاء لهما بما كان منهما إليه من البر والإحسان، وحق التربية والتعليم[(٦)](#foonote-٦) حقها وجليل قدرها وخصوصيتهما، وهو ما قال[(٧)](#foonote-٧) لرسوله : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين  ( الشعراء : ٢١٥ ) وإلا فقد وصف المؤمنين بتراحم بعضهم لبعض على ما ذكر رحماء بينهم  ( الفتح : ٢٩ } وأمرهم بذلك.

١ في الأصل و. م: من الآخر..
٢ في الأصل و. م: في هذا مقابل العزة والشدة..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م : الصغار..
٥ في الأصل و. م يعاملهم..
٦ في الأصل و. م : والتعظيم..
٧ في الأصل و. م: يقال..

### الآية 17:25

> ﻿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا [17:25]

الآية٢٥ : وقوله تعالى : ربكم أعلم بما في نفوسكم  قال بعضهم، قوله : ربكم أعلم بما في نفوسكم  من إسرار المحبة لهما والبر والكرامة، وقال ( بعضهم )[(١)](#foonote-١) : قوله  ربكم أعلم بما في نفوسكم  أي أعلم ( بما تعلمه )[(٢)](#foonote-٢) نفوسكم، وهو كما قال عيسى : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ( المائدة : ١١٦ )أي تعلم ما تعلمه[(٣)](#foonote-٣) نفسي  ولا أعلم ما في نفسك  من التدبير والتقدير. فعلى ذلك هذا. 
وجائز أن يكون قوله : ربكم أعلم بما في نفوسكم  صلة قوله : فلا تقل لهما أف الآية، أي ربكم أعلم بما في ضميركم من الاستقذار إياهما والاستثقال والكراهة إذا بلغا[(٤)](#foonote-٤) المبلغ الذي ذكر. ولكن لا تظهر ذلك لهما، ولا توافق ظاهرك باطنك، أو أن يقول  ربكم أعلم بما في نفوسكم  فراءوا [(٥)](#foonote-٥) الناس، ولا تصرفوا ما في ضميركم إلا من لا يعلم ذلك، يخاطب الكل على الابتداء ألا يجعل ما في قلبه لغيره، بل يخلص له، أو أن يكون قوله : ربكم أعلم بما في نفوسكم  أي ما تعلمه[(٦)](#foonote-٦) أنفسكم وتدبره[(٧)](#foonote-٧). 
وقوله تعالى : إن تكونوا صالحين  أي تصيروا صالحين، لأن قوله : تكونوا  إنما هو في حادث الوقت. 
وقوله تعالى : فإنه كان للأوابين غفورا  يشبه أن يكون قوله  إن تكونوا صالحين فإنه كان لأوابين غفورا  للأوابين ولمن يشاء. ثم اختلف في الأواب : قال بعضهم الأواب الرجاع التواب، وهو قوال أبي عوسجة. قال القتبي : الأواب التائب مرة بعد مرة، وهو من تاب يؤوب، وهما واحد. وقال بعضهم : الأواب المطيع، وقيل : المُسَبِّحُ ونحوه. 
وقال أبو عوسجة في قوله : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة  أي لن لهما، وأرفق بهما، ذكر بر الإنسان للوالدين ولطفه بِهِمَا[(٨)](#foonote-٨)، قولا وفعلا. 
وليس في ظاهر الآية ذكر البر بالمال/٢٩٩-ب/والإنفاق عليهما. فيشبه أن يكون ذلك داخلا في قوله : وبالوالدين إحسانا ( الإسراء : ٢٣ )أولم يذكر ذلك لما أن مال[(٩)](#foonote-٩)الولد مال لهما. 
ألا ترى إلى ما روي عن جابر بن عبد الله ( أنه )[(١٠)](#foonote-١٠) قد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبوه، فقال : يا رسول الله إن لي مالا، وإن لي أبا، وله مال، وإن أبي يريد أن يأخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم( أنت ومالك لأبيك( ؟ ( ابن ماجة : ٢٢٩٢ )
أولا ترى أيضا أنه أضاف بيوت الولد إليهما حين[(١١)](#foonote-١١) قال : أن تأكلوا من بيوتكم ( النور : ٦١ )معناه بيوت أبنائكم. 
وقال بعضهم[(١٢)](#foonote-١٢) في قوله : فإنه كان للأوابين غفورا إنه ( يغفر ترك )[(١٣)](#foonote-١٣)صلاة الضحى. ويروي في ذلك خبرا ( عن )[(١٤)](#foonote-١٤) زيد بن أرقم ( أنه )[(١٥)](#foonote-١٥) قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم على قوم، وهم يصلون الضحى، فقال :( صلاة الضحى إذا رمضت الفصال من الضحى )( بنحوه مسلم٧٤٨ )وفي خبر آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أنه )[(١٦)](#foonote-١٦) قال :( أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث : أمرني أن أصوم ثلاثا في كل شهر وألا أنام إلا على وتر وأن أصلي ركعتي الضحى فإنها صلاة الأوابين )( التمهيد٨/١٤١ )
ورويت[(١٧)](#foonote-١٧) أحاديث كثيرة في الحث على صلاة الضحى وفعلها وأنه صلى هو ركعتين وأربعا وستا وثماني ما يكثر ذكرها، ويطول، ومن صلاها فإنما صلاها على سبيل التطوع ليس على سبيل اللزوم الواجب أو السنة المؤكدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها مرة، فكانت كصلاة الليل يدرك فاعلها الفضل.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ و. م: ما تفعله..
٣ في الأصل و. م: تفعله..
٤ في الأصل و. م: بلغ..
٥ في الأصل و. م: يرون..
٦ في الأصل و. م: تفعله..
٧ في الأصل و. م: وتدبرها..
٨ في الأصل و م : إياهما.
٩ في الأصل و. م : المال..
١٠ ساقطة من الأصل و. م..
١١ في الأصل و م : حيث..
١٢ في الأصل و. م: بعض..
١٣ ساقطة من الأصل و. م..
١٤ ساقطة من الأصل و. م..
١٥ ساقطة من الأصل و. م..
١٦ ساقطة من الأصل: و. م..
١٧ في الأصل و. م: وقد يروى..

### الآية 17:26

> ﻿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [17:26]

الآية٢٦ : وقوله تعالى : وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل  كأن الآية، هي صلة قوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ( الإسراء : ٣٣ )أي وقضى أن تؤتي ذا القربى حقه ومن ذكر، أي فرض، وحتم، وحكم على اختلاف ما قالوا، وهو كقوله : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى الآية { النساء : ٣٦ )أمر صلى الله عليه وسلم ببر الوالدين والشكر لهما وصلة ذي القربى فريضة ومن ذكر. 
ثم اختلفوا في قوله : حقه  قال بعضهم : ذلك الحق فريضة وهو الزكاة حين[(١)](#foonote-١)جعل ذلك صلة ما هو فرض، وهو الشكر لله وجعل العبادة له وشكر الوالدين جزاءا لما كان منهما إليه. وقد ذكرنا أن ذلك فرض لازم. فعلى ذلك صلة هؤلاء. إن صلتهم فريضة لما جاء من المواعيد الشديدة في قطع الرحم والترغيب في صلتهم. 
ومنهم من قال : ذلك الحق نفل. ألا ترى أنه قال : ولا تبذر تبذيرا ( وقال :)[(٢)](#foonote-٢)  ولا تبسطها كل البسط ( الإسراء/ ٢٩ ) وقال : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها  ( الإسراء : ٢٨ ) فلا يحتمل ما ذكر من الإعراض  عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها  في الفرض. دل أنه في النقل، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولا تبذر تبذيرا  قال بعضهم : التبذير والإسراف واحد، وهو المجاوزة عن الحد الذي جعل في الإنفاق والحقوق، والمجاوزة عن المحق وغير المحق. 
روي عن ابن مسعود أنه سئل عن التبذير، فقال إنفاق المال في غير حقه. وكذلك قول ابن عباس رضي الله عنه. 
وقال بعضهم : التبذير هو الإنفاق في ما لا ينتفع به. ويحتمل ما ذكرنا أنه يترك الإنفاق على المحق ( وهو ذو )[(٣)](#foonote-٣) القربى، وينفق على الأجنبيين.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في الأصل: وغير المحق..

### الآية 17:27

> ﻿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [17:27]

الآية٢٧ : وقوله تعالى : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  أي كانوا أولياء الشياطين  وكان الشيطان لربه كفورا  أي كفورا بنعم ربه.

### الآية 17:28

> ﻿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [17:28]

الآية٢٨ : وقوله تعالى : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ( روي عن الحسن أنه )[(١)](#foonote-١) قال :( كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فيقول : ما لآل محمد، وإنهم لتسعة أبيات، إلا صاع من طعام، فأنزل الله تعالى : فقل لهم قولا ميسورا  )( بنحوه البخاري٢٥٠٨ ) أي عدهم أنه سوف يأتي الرزق. 
وعن[(٢)](#foonote-٢) ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )[(٣)](#foonote-٣) قال في قوله : وإما تعرضن عنهم إذا سألوك، وليس عندك شيء، انتظرت رزقا من الله يأتيك  فقل لهم قولا ميسورا  يكون، إن شاء الله، شبه العدة. وأمثال هذا، قالوه. 
ويحتمل قوله  وإما تعرضن عنهم  إعراض الإجابة فذلك يكون بالاستثقال والاستخفاف مرة، أو لما ليس عنده شيء يعطيهم ثانيا. لكن لا يعرف أن الإعراض، كان للاستثقال أو الاستخفاف أو لما ليس عنده ما يعطيهم، ( فأمره الله )[(٤)](#foonote-٤) أن يبين لهم أن الإعراض عنهم ليس للاستثقال والاستخفاف، وكذلك ترك الإجابة لهم، ولكن لما ليس عنده شيء ليعلموا أن الإعراض عنهم ليس للاستخفاف وللاستثقال، ولكن لما ليس عند ما يعطيهم، وهو ما قال : فقل لهم قولا ميسورا . 
أجمع أهل التأويل أن هذا الإعراض، هو السؤال، لأنه كان يعرض عنهم لابتغاء ما يعطيهم ؛ فذلك الإعراض يرجع منفعة إلى السؤال. ثم اختلفوا في قوله : ميسورا  قال بعضهم : عِدهُمْ عِدَةً حسنة إذا كان ذلك أعطيناك. 
وقال بعضهم : أي عدهم خيرا. وقال بعضهم : قل لهم قولا لينا وسهلا. و قال أبو عوسجة  ميسورا  أي حسنا، وهو من التيسير[(٥)](#foonote-٥) ونحوه. ذلك قالوا، أي اردد عليهم ردا حسنا ليقع عندهم أن الإعراض لما ليس عندك[(٦)](#foonote-٦) شيء، لا لوجه آخر.

١ في الأصل و. م: عن الحسن..
٢ الواو ساقطة من الأصل و. م..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: فأمر..
٥ في الأصل و. م : التفسير..
٦ في الأصل و. م : عنده..

### الآية 17:29

> ﻿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [17:29]

الآية٢٩ : وقوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  في الإنفاق إذا كان عندك  ولا تبسطها كل البسط ( لا لئلا يلومك )[(١)](#foonote-١) من رجاك، ولكن لما قال : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا  الآية( الفرقان : ٦٧ )أمر الله تعالى أن ينفقوا نفقة، ليس فيها شرف ولا إقتار، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وغيره. 
وقال بعضهم : لا تمسك عن النفقة في ما أمرك ربك به عن الحق  ولا تبسطها كل البسط  في ما نهاك عنه (  فتقعد ملوما محسورا  )[(٢)](#foonote-٢) وقال بعضهم : هذا نهي عن البخل والسرف. فلئن كان هذا نهيا عن ( البخل كان قوله : ولا تبسطها كل البسط  )[(٣)](#foonote-٣) نهيا عن الجود، ولا يحتمل أن ينهى ( الله تعالى أحدا )[(٤)](#foonote-٤) عن البخل والجود لأنهما غريزتان طبيعيتان، ولا ينهى ( الله تعالى أحدا )[(٥)](#foonote-٥) عما سبيله الطبع والغريزة، ولكن ما ذكرنا، والله أعلم، من كف اليد وقبضها عن الإنفاق في الحق والمحق وبسطها في غير الحق وذي الحق. 
وقال أبو بكر الأصم : دل قوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  أن قول اليهود : يد الله مغلولة ( المائدة : ٦٤ )أنهم لم يريدوا حقيقة اليد، ولكن ( أرادوا )[(٦)](#foonote-٦) التضييق والتقتير. وكذلك لم يرد بقوله  بل يداه مبسوطان  حقيقة بسط اليد، ولكن[(٧)](#foonote-٧) أرد التوسيع في الرزق والتكثير. ألا ترى أنه قال : ينفق كيف يشاء  ؟ ( المائدة : ٦٤ ). 
ثم يحتمل الخطاب في هذه الآيات الوجوه الثلاثة الذي ذكرنا في ما تقدم :
أحدها : أنه خاطب رسوله بذلك كله، وأشرك[(٨)](#foonote-٨) فيه قومه، وفي القرآن كثير مما[(٩)](#foonote-٩) خاطب رسوله بالأشياء، فأشرك[(١٠)](#foonote-١٠) قومه في ذلك. 
والثاني ( أنه )[(١١)](#foonote-١١) خاطب كلا في نفسه نحو ما ذكرنا في قوله : يا أيها الإنسان ( الانفطار : ٦ ) وقوله[(١٢)](#foonote-١٢) : يا أيها الناس ( البقرة : ٢١و. . )وقوله : قل هو الله أحد ( الإخلاص : ١ ) وقوله[(١٣)](#foonote-١٣) : قل أعوذ برب الفلق ( الفلق : ١ )وقوله : قل أعود برب الناس ( الناس : ١ )ونحوه من الخطاب ؛ خاطب كل أحد في نفسه، إذ لا يحتمل أن يخاطب في قوله[(١٤)](#foonote-١٤)  قل هو الله أحد  رسوله[(١٥)](#foonote-١٥) خاصة، ولا يخاطب غيره، بل الخطاب به كل الناس وكل إنسان. 
والثالث :( أنه )[(١٦)](#foonote-١٦)خاطب رسوله على إرادة غيره على سبيل الخصوصية له نحو ما يخاطب ملوك الأرض خواصهم، وأعقلهم من رعيتهم على إرادة ذلك الخطاب غير المخاطبين. فعلى ذلك يحتمل هذا، أو يكون الخاطب بقوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  غيره ممن يمسك، ويخاطب بقوله : ولا تبسطها كل البسط  رسول الله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتمل أن يكون ما ذكر، وقد يحتمل البسط. لذلك كان ما ذكر والله أعلم. 
وقوله تعالى/٣٠٠-أ/ : فتقعد ملوما محسورا  يحتمل قوله : ملوما  عند نفسك وعند الناس ( وعند الله )[(١٧)](#foonote-١٧) تلوم نفسك بأنك لم أنفقت ؟ وعند الناس ما لم تجد ما تنفق عليهم وعند الله إذا[(١٨)](#foonote-١٨) أنفقت في غير حق محسورا  قال القتبي : أي يحسرك العطية، ويقطعك، كما يحسر السفر البعير منقطعا. وقال أو عوسجة : هو من الحسرة، وهي الندامة ؛ يقال : حسر الرجل ؛ فهو محسور، وقال : التبذير الفساد، وقال[(١٩)](#foonote-١٩)  ملوما  أي محزونا.

١ في الأصل و. م : فيلومك..
٢ في الأصل و. م: فتقعد كذا..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و. م: أحد..
٥ ساقطة من الأصل و. م..
٦ ساقطة من الأصل و. م..
٧ من م، في الأصل : ممكن..
٨ في الأصل و. م: وشارك..
٩ في الأصل و. م: أنه..
١٠ في الأصل و. م: فيشرك..
١١ ساقطة من الأصل و. م..
١٢ في الأصل و. م: و..
١٣ في الأصل و. م: و..
١٤ في الأصل: و م: و..
١٥ في الأصل و. م رسول الله..
١٦ ساقطة من الأصل و. م..
١٧ ساقطة من الأصل و. م..
١٨ أدرج قبلها في الأصل و. م: أيضا..
١٩ في الأصل و. م: و..

### الآية 17:30

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:30]

الآية٣٠ : وقوله تعالى : إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  ( يحتمل وجوها :
أحدهما :)[(١)](#foonote-١) هو يوسع الرزق على من يوسع، وهو يقتر، ويضيق على من يضيق، ويفتر، أي ذلك إلى الله تعالى، لا إلى الخلق، ليقطعوا الرجاء من الخلق، ويروا ذلك من الله، لا يرون من غيره. 
والثاني : ذكر هذا ليديم[(٢)](#foonote-٢) الفضل لمن ذكر الفضل ( وقد بينه لهم حين )[(٣)](#foonote-٣)قال : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفصيلا ( الإسراء : ٢١ ). 
ومن[(٤)](#foonote-٤) الناس من قال : بأن قوله : إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر صلة قوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ( الإسراء : ٢٩ )يقول : والله أعلم. إنك إن منعته، وحرمته، وكان في تقديره التضييق والتقتير، لم ينفعه بسطك ولا توسيعك، ليعلموا أن التوسيع والبسط والتضييق والمنع من الله. 
أو[(٥)](#foonote-٥) ذكر هذا ليقطعوا الرجاء من الخلق، ويطمعوا في رحمته وفضله، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إنه كان بعباده خبيرا بصيرا  أي عالما بأعمالهم  بصيرا  بمصالحهم ومالهم وما عليهم، أو يكون الخبير والبصير واحدا. أو ذكر هذا ليعلم أنه على علم بما يكون منهم ( من إنشائهم )[(٦)](#foonote-٦) الخلاف لأمره والرد والتكذيب لرسله، ولم يخرج فعله وإنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم عن الحكمة، لأنه لا منفعة له في طاعتهم إياه وائتمارهم، ولا مضرة ولا تبعة في خلافهم إياه، بل المنفعة والمضرة في ذلك راجعة إليهم. لذلك كان إنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم حكمة، ومن ملوك الأرض ( سفها وجهلا )[(٧)](#foonote-٧)، لأن ما يرسلون من الرسل، ويعلمون من الأعمال، ويسعون، لمنافع أنفسهم ولدفع مضارهم. فإذا فعلوا شيئا يضرهم على علم منهم بالضرر كان ذلك سفها، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: أي..
٢ في الأصل و. م: ليدوم..
٣ في الأصل و. م: ويتبين لهم حيث..
٤ هذا هو الوجه الثالث..
٥ هذا هو الوجه الرابع..
٦ في الأصل و. م: إنشائهم من..
٧ في الأصل و. م : سفهاء وجهلاء..

### الآية 17:31

> ﻿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [17:31]

الآية٣١ : وقوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  قال أبو بكر الأصم : إن من عادة العرب أنهم كانوا يقتلون البنات، ويقتلون البنين إذا صاروا بحيث، لا ينتفعون بهم، ويقتلون الآباء والأمهات إذا بلغوا أرذل العمر فنهى الله أهل الإسلام عن الاستنان بسنتهم، وأمر أن يبروا الآباء والأمهات إذا بلغوا ذلك المبلغ، وهو ما قال : وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ( الإسراء : ٢٣ )إلى آخر ما ذكر. 
وفي قتل ما كانوا يقتلون من البنات قطع التناسل والتوالد الذي كان المقصود من إنشاء هذا العالم ؛ ذلك إذ المقصود من إنشاء العالم هذا الذي ذكرنا، وفي قتل البنات قطع ذلك وذهاب المقصود من إنشائه. 
ثم قال : نحن نرزقكم وإياكم  أي هم لا يأكلون من أرزاقكم، بل لكل منكم رزق على حدة، ليس في بقائهم نقصان في رزقكم، ولا في فنائهم زيادة بل كل يأكل رزقه. 
أو لا ترون أنه قد أنشأ لهم رزقا، لا شركة لكم فيه ؟ وهو ما أنشأ لهم من اللبن في الضرع، ولا تنتفعوا أنتم به، فظهر أن كلا يأكل رزقه، لا يدخل بعض في رزق بعض نقصانا. 
ثم قال : إن قتلهم كان خطئا كبيرا  لما ذكرنا أن في قتلهم قطع ما به قصد إنشاء العالم وفناءه. 
أو يقول : إن قتلهم كان خطئا كبيرا  في الأمم الخالية. 
ويشبه أن يكون الخطاب ما خاطب هؤلاء الآيات من قتل الأولاد والزنى وقتل النفس بغير حق وغير ذلك ما تقدم وما تأخر لوجهين :
أحدهما : ما كان للعرب ( من )[(١)](#foonote-١) أفعال وعادات السوء مما تخرج على السفه والقبح في العقل خارجة عن الحكمة، تنهاكم عن ذلك. 
والثاني : ذكر هذا، ونهى لما علم أنه قد يكون في خلقه من[(٢)](#foonote-٢) يفعل ذلك خشية ما ذكر، ويحملهم ذلك ما ذكر، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ في الأصل و. م : أن..

### الآية 17:32

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [17:32]

الآية٣٢ : وقوله تعالى : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا  أي في العقل كان وقت ما كان فاحشة، لأن في إباحة الزنا ذهاب المعارف التي بها يوصل إلى الحكمة والعلم، أو كان فاحشة  في الحكمة. 
ألا ترى أنه قال : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء  ؟ دل قوله : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء  على أن هنالك فحشاء قبل الأمر في الحكمة أو في العقل حتى قال : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء  إذ لو لم يكن لكان قال لا يأمر، فحسب. 
وفي إباحة قتل الأنفس ذهاب ما به إنشاء هذا العالم. أخبر صلى الله عليه وسلم أنه[(١)](#foonote-١)  كان خطئا كبيرا  وهو ما يعظم في العقل، وذكر في الزنى ( أنه )[(٢)](#foonote-٢) فاحشة، وهو ما يفحش في العقل والحكمة، وذكر في قتل النفس الإسراف، وقال : فلا تسرف  في القتل [(٣)](#foonote-٣) والإسراف هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له. 
ويحتمل قوله : ولا تقربوا الزنا  أي لا تزنوا فإنه  كان فاحشة  ويحتمل  ولا تقربوا الأسباب التي يوصل بها إلى الزنا.

١ في الأصل و م: و..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ هذه قراءة الكسائي وهشام وحمزة وغيرهم، وقراءة الجمهورفلا يسرف انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٣٢٠..

### الآية 17:33

> ﻿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [17:33]

الآية٣٣ : وقوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  والحق ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث : كفر بعد الإسلام أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق )( بنحوه النسائي٤٠٥٩ )حرم الله قتل النفس بغير حق، إذ في إباحته ذهاب ما قصد من إنشاء العالم، وفي التحريم حياة الأنفس، وفي إباحة الزنى ذهاب المعارف وجهالتها، وفي تحريمها حياة المعارف وبقاؤها والوصول إلى الحكمة والعلوم التي يطلب بعض من بعض، إذ لا يعرف أهل الحكمة من غيرهم ففي ذلك ذهاب العلوم والحكمة. 
وفي القتل على الدين إذا استبدله حياة الدين، لأن من تفكره قتل نفسه إذا ترك الدين ؛ أعني دين الإسلام ؛ ورجع عنه. 
وفي ( الزنى )[(١)](#foonote-١) لم يترك دينه الإسلام، ومن تفكر رجمه بالزنى امتنع عن الزنى، وتركه. 
ومن تفكر أنه يقتل إذا قتل غيره امتنع عن قتله، ولذلك قال : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ( البقرة : ١٧٩ ). 
فإن قيل في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام : إنها لا تقتل، قيل : لأنه ليس في قتلها حياة الدين، لأن النساء أتباع الرجال في الدين، لأنهم يسلمن بإسلام أزواجهن، ويصرن ذمة بذمة الأزواج. فإذا كان كذلك فليس في قتلهن حياة. ألا ترى أنه روي أن فلانا أسلم معه كذا وكذا نسوة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  والحق ما ذكرنا، وقوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله  يحتمل بالإسلام أو بالذلة بإعطاء الجزية. ( وقوله تعالى )[(٢)](#foonote-٢) : إلا بالحق ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا  قيل : سلطنا  أي تسلطا وقهرا. وقال بعضهم : سلطانا  أي حجة على القتل في ما يستوجب به القصاص. ثم ذكر أنه ( جعل )[(٣)](#foonote-٣) لولي القتيل سلطانا  ولم يذكر أي ولي. فيشبه أن يكون المراد من الولي الذي يخلف الميت في التركة، وهم الورثة، إذ هو حق كغيره[(٤)](#foonote-٤) من الحقوق، فذلك إلى الورثة، فعلى ذلك حق الدم، فكأنه قال : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لورثته سلطانا أي حجة في ما يستوجب. 
وفي ظاهر هذه الآية دلالة : أن للواحد من الورثة القيام باستيفاء الدم ؛ إذ لو كان للكل الاستيفاء لدخل في ذلك الإسراف الذي ذكر : فلا يسرف في القتل  إذ لو ضربه كل الورثة لصاروا[(٥)](#foonote-٥) في ذلك مثله، وقد منعوا عن ذلك فإذا كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لقول أبي حنيفة، رحمه الله، حين[(٦)](#foonote-٦) قال : إن الورثة إذا كان بعضهم صغارا، وبعضهم كبارا، فللكبار[(٧)](#foonote-٧) أن يقوموا بالاستيفاء دون أن ينظروا بلوغ الصغار/٣٠٠-ب/والله أعلم. 
وقوله تعالى : فلا يسرف في القتل  قال بعضهم : لا يقتل غير القاتل[(٨)](#foonote-٨) ؛ وذلك إذ كان من عادة العرب قتل غير القاتل. وقال بعضهم : فلا يسرف في القتل  الأول حين[(٩)](#foonote-٩) قتل نفسا بغير حق، فذلك إسراف كما قال : من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ( المائدة : ٣٢ ). 
وقوله تعالى : فلا يسرف في القتل  هذا يحتمل ( وجهين :
أحدهما )[(١٠)](#foonote-١٠) : أن يكون خاطب به ولي القتيل، فقال : لا تسرف في القتل أي ( لا )[(١١)](#foonote-١١) تجاوز الحد الذي جعل له على ما روي ( عن رسول الله صلى الله عليه وسلم )[(١٢)](#foonote-١٢)( إذا قتلت فأحسن القتل )( بنحوه مسلم١٩٥٥ ). 
والثاني :( أن يكون )[(١٣)](#foonote-١٣) خاطب به القاتل ؛ يقول له : لا تقتل فإنه إسراف، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إنه كان منصورا  قال بعضهم : إن المقتول كان منصورا بالولي بقوله : فقد جعلنا لوليه سلطانا  ويحتمل  منصورا  بالمسلمين، أي على المسلمين والحكام وغيرهم دفع ذلك القتل عنه. 
هذا على تأويل من يتأول في قوله : فلا يسرف في القتل  قتل غير القاتل وليه، أو يزد في جراحاته، أو يمثل تمثيلا[(١٤)](#foonote-١٤)، يقول : احذروا ذلك فإن على المسلمين دفع ذلك عنه، أو كان منصورا  في الآخرة. 
وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن القصاص واجب بين الأحرار والعبيد وبين أهل الإسلام وأهل الذمة، لأن الله عز وجل قال : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  فكانت أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في هذه الآية لأنها محرمة. وفيه ما ذكرنا أن الكبير من الورثة يقتل[(١٥)](#foonote-١٥)، وإن كان فيهم صغار. 
وروي الحسن بن علي رضي الله عنه قتل قاتل أبيه فلانا، وفي الورثة صغار، لم يدركوا يومئذ. 
ويحتمل أن يكون : إنه كان منصورا  في ظاهر هذا أن القاتل، هو كان منصورا، إذ[(١٦)](#foonote-١٦) لم يقل : هو منصور ؛ فجائز أن يقول : كان منصورا قبل قتل هذا، إذ[(١٧)](#foonote-١٧) كان على المسلمين نصره، فلما قتل كان غيره منصور إلا أن يقال : إن الولي صار منصورا، وذلك جائز. 
وفي قوله : ولا تقربوا الزنا ( الإسراء : ٣٢ )يحتمل النهي عن نفس الزنى، ويحتمل ( النهي عن )[(١٨)](#foonote-١٨) أسباب الزنى من نحو القبلة والمس وغيره على ما ذكر( رسول الله صلى الله عليه وسلم )[(١٩)](#foonote-١٩) ( العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والفرج، يصدق ذلك كله ويكذبه )( مسلم٢٦٥٧ )

١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و. م: و..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و. م : كغير..
٥ في الأصل و. م : لصار..
٦ في الأصل و. م : حيث..
٧ الفاء ساقطة من الأصل و. م..
٨ في الأصل و. م: قاتل..
٩ في الأصل و. م : حيث..
١٠ ساقطة من الأصل و. م..
١١ من، م ساقطة من الأصل..
١٢ ساقطة من الأصل و. م..
١٣ ساقطة من الأصل و. م..
١٤ في الأصل و. م: مثلا..
١٥ في الأصل و. م: قتله..
١٦ في الأصل و. م: أو.
١٧ في الأصل و. م: إذا..
١٨ ساقطة من الأصل و. م..
١٩ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:34

> ﻿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [17:34]

الآية٣٤ : وقوله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  قوله : أحسن  هو أفعل، فإن كان في الإشكال[(١)](#foonote-١) فهو على غاية الحسن، وإن كان في الجوهرين فهو على طلب الحسن كقوله : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ( الزمر : ٥٥ )أي اتبعوا[(٢)](#foonote-٢) ما هو طاعة ؛ كأنه قال : ولا تقربوا مال اليتيم إلا  ما هو خير له وحسن، وهو ما قال : ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ( النساء : ٦ )يقول : لا تأكلوا إسرافا وبدارا، ولكن اقربوا ما هو خير له. وإن كان على طلب الغاية من الحسن فهو ما قاله أبو حنيفة، رحمه الله، إذ قرب مال اليتيم لمنفعة نفسه فلا يقربه إلا لمنفعة حاضرة لليتيم، لا يقرب ماله لمنفعة مرجوة له، وإن لم يكن فيه منفعة حاضرة. وقد ذكرنا تأويله وما فيه من الدلالة بقول أبي حنيفة، رحمه الله، في ما تقدم في سورة الأنعام( الآية : ١٥٢ ). 
ثم من الناس من احتج له، لأن له أن يبيع من غيره بمثل قيمته، فدل أن ذكر الخير له إذا كان يبيع من نفسه. 
وقوله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  كأنه على الإضمار، أي لا تقربوا مال اليتيم إلا بالوجوه التي هي أحسن له وأنفع، وهو الحفظ له، وطلب الربح والنماء والله أعلم. 
وقوله تعالى : حتى يبلغ أشده  أي حتى يستحكم عقله ويشتد تدبيره في ماله وأمره، فعند ذلك يكون الأمر إليه. وليس فيه أنه لا يكون بعد ذلك الأمر إلى الوصي، إن كان ولكن بإذنه يبيع، ويشتري. 
وقوله تعالى : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا  يحتمل أن يكون قوله  بالعهد  العهود والمواثيق بين الناس، أمرهم[(٣)](#foonote-٣) بوفاء العهد، ما ذكر في هذه الآيات من الأمر والنهي من نحو ما قال : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ( الإسراء : ٢٣ )إلى هذا الموضع، أي وأوفوا بذلك كله فإن ذلك كله كان مسئولا  يسأل عنه : وفاء كان ذلك أو نقضا. 
وقال بعضهم : إن العهد كان مسئولا  أي ناقض العهد كان مسؤولا. 
ثم إن العهد على وجوه : أحدهما عهد ( الخلقة، والثاني )[(٤)](#foonote-٤) العهد الذي أخذ عليهم على السن الرسل، والثالث[(٥)](#foonote-٥) العهد الذي بين الناس، والله أعلم.

١ من م، في الأصل : الإنكار..
٢ في الأصل و. م: اتبع..
٣ في الأصل و. م: أمروا..
٤ في الأصل و. م : خلقة أو..
٥ في الأصل و. م: أو..

### الآية 17:35

> ﻿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [17:35]

الآية٣٥ : وقوله تعالى : وأوفوا الكيل إذا كلتم  أمر توفير الكيل إذا كالوا  وزنوا بالقسطاس المستقيم  والوزن إذا وزنوا لهم، وإيفاء حقوقهم، وهو ما قال : فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ( الأعراف : ٨٥ )أن عادتهم إذا كالوا، أو وزنوا، يبخسون الناس أشياءهم، ولم يوفروا حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، و أوعدهم بالوعيد الشديد، وهو قوله : ويل للمطففين   الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون   وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ( المطففين : ١و٢و٣ ). 
ذكر تخصيص الكيلي والوزني من بين سائر الأشياء، يحتمل وجهين :
أحدهما : لما بهما تجرى عامة معاملة الناس، فأمرهم بإيفاء ذلك. 
والثاني : لخوف الربا الكيلي والوزني، هما اللذان يكونان دينا في الذمة، فإذا أخذ شيء منهما أخذ عما كان دينا في الذمة ؛ فإن نقص، أو زاد، فيكون ربا. لذلك خص، وإن كان غيره من الأشياء يؤمر بالإيفاء. 
وقوله تعالى : وزنوا بالقسطاس المستقيم  قال بعضهم : القسطاس حرف أخذ من الكتب السالفة، ليس بمعرفة. وقال بعضهم : هو العدل أي زنوا بالعدل. وقال بعضهم : هو الميزان كقوله : أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ( هود : ٨٥ ) وقال بعضهم : القسطاس القبان. فكيف ما كان ففيه ما ذكرنا من الأمر بتوفير الكيل والوزن ( ولإيفاء الحقوق )[(١)](#foonote-١) والنهي عن البخس والنقصان. 
وقوله تعالى : ذلك خير وأحسن تأويلا  يحتمل قوله : ذلك خير  ما ذكر من توفير الكيل وإيفاء الحقوق خير في الدنيا لما فيه أمن لهم من الناس وأحسن تأويلا  عاقبة في الآخرة. ويحتمل قوله ذلك خير } ما ذكر في هذه من أولها إلى آخرها إذا ما عملوا بها خير لهم في الدنيا  وأحسن تأويلا  أي عاقبة.

١ في الأصل : وإيفاء لحقوقهم، في م: والإيفاء لحقوقهم..

### الآية 17:36

> ﻿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [17:36]

الآية٣٦ : وقوله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم  قيل : ولا تقف  أي لا تقل، وقيل : لا ترم، وقيل : لا تتبع. فكيف ما كان ففيه النهي عن القول والرمي في ما لا علم له به ؛ ولا ترم ما ليس لك به علم، ولا تقل  ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا  قال بعضهم : كل أولئك ؛ يعني السمع والبصر والفؤاد، يسأل عما عمل صاحبه كقوله  اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم  الآية( يس : ٦٥ ) وقوله : شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ( فصلت : ٢٠ ) يسأل هؤلاء عما عمل صاحبها، فيشهدوا عليه. 
وقال بعضهم : هو عن كل أولئك كان مسئولا ؛ أي يسأل المرء عما استعمل هذه الجوارح ؟ وفيم[(١)](#foonote-١) استعملها ؟. 
وقال بعضهم : قوله  كل أولئك  يعني الخلائق جميعا،  كان عنه  يعني عما ذكر من السمع والبصر والفؤاد  مسئولا . وقال بعضهم في قوله : ولا تقف ما ليس به علم يقول : لا تقل : رأيت، ولم تر، وسمعت، ولم تسمع، وعلمت، ولم تعلم، ومنهم من قال في الشهادة زور. 
فإذا احتج يحتج بهذا في إبطال القياس والاجتهاد، فيقول : إذا قاس الرجل، فقد قال ما ليس به علم. 
لكن ليس كذا لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكلموا في الحوادث/٣٠١-أ/بآرائهم، وشاروا في أمورهم، وولي أبو بكر، رضوان الله تعالى عليه، الخلافة بغير نص من الرسول عليها، وجعلها عمر شورى بينهم، ولم يرو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نقول : إنهم فعلوا ذلك بغير علم، ولا قالوا ما لم يعملوا، فدل ما ذكرنا أن معنى قول الله : ولا تقف ما ليس لك به علم  ليس يدخل فيه الاجتهاد في الأحكام وتشبيهه الفرع الحادث بالأصل المنصوص عليه، والله أعلم. 
وقال القتبي : حتى يبلغ أشده  أي يتناهى في الثبات إلى حال الرجال، ويقال : ثماني عشر سنة، وقال : أشد اليتيم غير أشد الرجل في قوله : حتى إذا بلغ أربعين سنة ( الأحقاف : ١٥ ) والأشد ما ذكرنا من استحكام عقله وتدبيره إلى أن يأخذ بالنقصان، وهو إذا جاوز أربعين، يأخذ في النقصان، وإلى أربعين يكون على الزيادة والنماء. 
ويحتمل قوله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد أي  ولا تقف ما ليس لك به علم  بأسباب العلم، وهو ما ذكر من السمع والبصر. 
وجائز أن يكون ولا تقف ما ليس لم به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا  يسأل هذه الأشياء، أو يسأل عما امتحن بهذه الأشياء. 
وفي قوله : وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم  دلالة جواز الاجتهاد لأنه أمر بإيفاء الكيل والوزن، ولا يقدر على ذلك إلا بالاجتهاد الكايل والوازن لأن كيل الرجل يزيد على كيل غيره، وينقص، وربما كال الرجل الشيء، ثم يعيد كيله هو بنفسه، فيزيد، وينقص، ولا يكاد يستوي الكيلان، وإن كانا من رجل واحد. وإنما التكليف[(٢)](#foonote-٢) الاجتهاد في كيله، وترك التعمد للزيادة أو النقصان. فإذا فعل ذلك فقد وفر الكيل، وأدى الواجب. وهذا عندنا أصل الاجتهاد والاستحسان لأن الكايل إنما يجتهد في توقيفه الحق، ولا يعلم يقينا أنه وفر ما كان عليه من الكيل الذي سمياه في العقد. 
فعلى ذلك الاستحسان ؛ إنما هو الاجتهاد العالم في اختيار أحسن ما يقدر عليه إذا لم يكن للحادثة أصل يردها عليه، ويثبتها به، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: وأنه فيم..
٢ في الأصل و. م : تكليف..

### الآية 17:37

> ﻿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [17:37]

الآية٣٧ : وقوله تعالى : ولا تمش في الأرض مرحا  ليس النهي عن المشي( نفسه إنما النهي )[(١)](#foonote-١) للمشي المرح. ثم النهي عن الشيء، يوجب ضده، وكذلك الأمر بضده، وكذلك الأمر. ثم إن النهي عن الشيء، يوجب الأمر بضده، وههنا نهي عن المرح، فيكون أمرا بما ذكر وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا ( الفرقان : ٦٣ )وقال بعضهم : مرحا  بطرا وأشرا، وقيل : متعظما متكبرا بالخيلاء. 
وقوله تعالى : إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا  قال بعضهم : ذكر خرق الأرض وبلوغ الجبال طولا لأن من الخلائق من يخرق الأرض ويدخلها، ويبلغ الجبال، وهم الملائكة، ثم لم يتكبروا على الله، ولا تعظموا عليه ولا على رسوله، بل خضعوا له، فمن لم يبلغ في القوة والشدة ذلك أحرى أن يخضع له، ويتواضع، ولا يتكبر. 
ويحتمل أن يكون ذكر هذا لما أنهم كانوا يسعون في إطفاء هذا الدين وقهر رسول الله صلى الله ليه وسلم فيقول : كما لم يتهيأ لكم خرق الأرض وبلوغ الجبال طولا لم يتهيأ لكم إطفاء دين الله وقهر رسوله، وهو ما ذكر : إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ( غافر : ٥٦ )أو يذكر هذا، فيقول[(٢)](#foonote-٢) : إنك لن تبلغ بكبرك و عظمتك مرتبة الرؤساء والقادة ومنزلتهم. على هذا التمثيل يحتمل أن يخرج. والله أعلم، أو يقول : إنك لن تخرق الأرض  أي لا تقدر أن تخرق الأرض، ما فيها من الكنوز والمنافع، فتنتفع بها، ولا تقدر أن تبلغ الجبال طولا، فتنتفع بما في رؤوس الجبال من المنافع. وكيف تتكبر، وتمرح على غيرك، وهو مثلك في القوة والشدة. 
وأصل الكبر أن من عرف نفسه على ما هي عليه من الأحداث والآفات وأنواع الحوائج لم يتكبر على مثله والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ الفاء ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:38

> ﻿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [17:38]

الآية٣٨ : وقوله تعالى : كل ذلك  أي كل ما أمر الله به، ونهى عنه في هؤلاء الآيات  وكل ذلك سيئه عند ربك مكروها  بالعقل  عند ربك مكروها مسخوطا. وفيه دلالة أن الأمر الذي أمر في هذه الآيات، ونهاهم عنه، لم يكن أمر أدب ولا نهي أدب، ولكن أمر حتم وحكم حين[(١)](#foonote-١) ذكر أن كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها إذ لو كان أدبا لم يكره أي شيء مما[(٢)](#foonote-٢) ذكر في مكروه عند ربك. وهو كقوله : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ( الزمر : ١٨ )ويتركون غيره. فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

١ في الأصل و م : حيث..
٢ في الأصل و. م: ما..

### الآية 17:39

> ﻿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [17:39]

الآية٣٩ : وقوله تعالى : ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة  أي ذلك الذي أمر الله به، ونهى عنه في هؤلاء الآيات من الحكمة، ليس من السفه، أي ما أمر فيها هو حكمة، وما نهى عنه. 
وقال بعضهم : الحكمة ههنا القرآن لقوله[(١)](#foonote-١) : ذلك  أي ذلك الذي أوحى إليك، هو الحكمة. وقال بعضهم : الحكمة الإصابة، أي ذلك الذي  أوحى إليك ربك من الحكمة  صواب، وقوله : ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة  أي ما ذكر في هذه الآيات، وأمر به، ونهى عنه، من الحكمة، والحكمة هي وضع الشيء موضعه ؛ يقول : حكمه وضع كل شيء موضعه، لا وضع الشيء غير موضعه. 
وقوله تعالى : ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا  معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل مع الله إلها آخر، إذ عصمه، واختار لرسالته، لكنه ذكر ذلك ليعلم أنه لو كان منه ذلك لفُعِلَ[(٢)](#foonote-٢) به ما ذكر. فمن هو دونه أحق أن يفعل به ما ذكر وهو ما قال في الملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم الآية( الأنبياء : ٢٩ )إنه عصمهم حتى أخبر أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ( الأنبياء : ٢٧ )فمن لم يكن معصوما ما لم يوصف أنه لا يسبق بالقول. فعلى ذلك قوله : ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى ملوما عند الله أو عند نفسك أو عند الخلق مدحورا  مبعدا مطرودا من رحمته في النار. أو خاطب به رسوله، وأراد به غيره على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: قوله..
٢ في الأصل و. م: فيفعل..

### الآية 17:40

> ﻿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [17:40]

الآية٤٠ : وقوله تعالى : أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا يخبر عن سفه مشركي العرب أنهم نسبوا إلى الله البنات والبنين إلى أنفسهم بقوله : و يجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ( النحل : ٥٧ )الذي حملهم على ذلك قول أهل الكتاب حين[(١)](#foonote-١) وصفوا الله بالوالد[(٢)](#foonote-٢)، فرأوا أن ما يكون له الولد يكون له البنات، فقال : إنكم لتقولون قولا عظيما  لم يزد على هذا العظيم ما قالوا في الله، فلم يضرب في لقولهم ذلك مثلا لما ليس وراء ذلك مثل يضرب، لأنه ضرب مثل ما قالوا بالولد له بانفطار السماء وانشقاق الأرض وخرور الجبال حين[(٣)](#foonote-٣) قال : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا الآية( مريم : ٩٠ )أخبر أن السماوات وما ذكر كادت تنقلب عن وجهها لعظم ما قالوا في الله من الولد. 
وقال في الشريك : ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ( الحج : ٣١ ) فهذا غاية ما ذكر من الأمثال لمن قال له بالولد والشريك. 
فليس وراء هذا ( مثل )[(٤)](#foonote-٤) يذكر لمن قال له بالبنات، ولكن قال : إنكم لتقولون قولا عظيما  لم يزد على ذلك لأن الذي قالوا له، ونسبوا إليه نهاية في السفه والسرف في القول، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 
أو يقول : إنكم لتقولون قولا عظيما  في عقولكم لو تفكرتم، وتدبرتم، لعلمتم أن ما قلتم في الله عظيم. 
قال أبو عوسجة : فأصفاكم ربكم  أي أأعطاكم ربكم. يقال : أصفيته : أعطيته، وأصفاكم أي اختاركم.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ في الأصل و م : بالولد..
٣ في الأصل و م: حيث..
٤ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:41

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا [17:41]

الآية٤١ : وقوله تعالى : ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا . 
قال الحسن : قوله صرفنا  يقول بينا/٣٠١-ب/في هذا القرآن ما نزل بمكذبي الرسل من الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل أمة قائمة ( آل عمران : ١١٣ ) ليذكروا  ما نزل بهم، فينتهوا عن تكذيبهم الرسل،  وما يزيدهم  ما بين لهم  إلا نفورا  أي تكذيبا للرسل. 
وقال بعضهم : ولقد صرفنا في هذا القرآن  أي بينا  في هذا القرآن  والآيات التي تقدم ذكرها جميع ما يؤتى وما يتقى ومالهم وما عليهم ليعتبروا، فيؤمنوا وما يزيدهم  القرآن إلا تباعدا من الإيمان، وهو ما ذكر ذلك مما أوحى إليك ربك  الآية( الإسراء : ٣٩ ). 
وقال بعضهم : ولقد صرفنا في هذا القرآن  من المواعيد الشديدة أنه ما ينزل بهم أن ما ينزل بهم في الآخرة من العذاب والعقوبة بصنيعهم وتكذيبهم الرسل، لكن[(١)](#foonote-١) لم يؤمنوا بالآخرة، ولم[(٢)](#foonote-٢) يزدهم ذلك الوعيد إلا نفورا . 
وبعد فإن الله تعالى قد ذكر في القرآن المواعظ الكبيرة ما لو نظروا فيها، وتأملوا، لكانت تمنعهم، وتزجرهم عن مثل صنيعهم. لكن لم ينظروا إليه بالتعظيم، ولكن نظروا إليه بالاستهزاء والاستخفاف به. لذلك أضيفت زيادة النفور إليه، أو أضاف ذلك إليه لما أحدثوا بنزوله الكفر والتكذيب له، فأضاف ذلك إليه لما ازداد لهم التكذيب، وحدث لهم الكفر إذا ترك كما كان ( لأهل )[(٣)](#foonote-٣) الإسلام يزداد لهم الإيمان واليقين إذا نزل. 
وجائز أن يكون قوله : ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا  أي ليشرفوا كقوله : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ( الأنبياء : ١٠ )أي شرفكم. أو ليذكروا ما نسوا، وتركوا، وغفلوا عنه. 
ثم قوله : ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا  معناه، والله أعلم، أنزله ليُِلزمهم الذكر، أو ليكون عليهم ( الذكر، أو ليأمرهم )[(٤)](#foonote-٤) بالذكر، وهم ما ذكرنا في قوله : وما خلقت الجن والإنس  الآية( الذاريات : ٥٦ )وقوله : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ( النساء : ٦٤ )أي ليلزمهم العبادة والطاعة، أو ليأمرهم بالعبادة والطاعة، أو أرسل، وخلق، لمن علم منه العبادة والطاعة. 
وقوله تعالى : ليذكروا أي ليكون لهم الذكرى بذلك، لأنه لا يحتمل أن يبين لهم، ويجعل لهم بيانا ليذكروا  ثم لا يكون، ولكن ما ذكرنا ليكون لهم الذكرى، وقد كانت، لكن لم تنفعهم. 
وقوله تعالى : وما يزيدهم إلا نفورا ليس القرآن بالذي يزيدهم نفورا، ولكن لما نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء وزاد بذلك نفورا عندهما وتكذيبا، وإِلا القرآن، لا يزيد إلا هدى ورشدا على وصفه.

١ أدرج بعدها في الأصل و م: أو..
٢ الواو ساقطة من الأصل و م..
٣ من و، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل: ليأمر، في م: ليأمرهم..

### الآية 17:42

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [17:42]

الآية٤٢ : وقوله تعالى : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا  قال عامة أهل التأويل : الآية في الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها، أي لو كانت هي آلهة معه كما تقولون  إذا لابتغوا  التقرب والزلفى إلى ذي العرش سبيلا . 
وقل بعضهم : لو كانت لهم عقول لابتغت، وأمكن لها من الطاعة والعبادة ؛ إذا لابتغت  إلى ذي العرش سبيلا  بالطاعة له والعبادة، وهو ما قال في الملائكة : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة الآية ( الإسراء : ٥٧ ). 
لكن الأشبه أن يكون الله تعالى ألا يقول في الأصنام مثل هذا لو كان معه آلهة، إنما هي خشب. لكن قال فيها ما قال : لا تسمع، ولا تعقل، ولا تبصر، وما ذكر في آية أخرى : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا  ( مريم : ٤٢ )
وما قال : إن الذين تدعون[(١)](#foonote-١)من دون الله لن يخلقوا ذبابا  الآية( الحج : ٧٣ )مثل هذا أن يقال في الأصنام. 
وأما ما ذكر : قل لو كان معه آلهة كما يقولون [(٢)](#foonote-٢) الآية فمعلوم[(٣)](#foonote-٣) أنها ليست من أهل الابتغاء إلا أن يقال ما ذكر بعضهم، أي لو كان الأصنام التي تعبدونها آلهة على ما تزعمون إذا لا تبتغوا إلا ذي العرش سبيلا  ويتخذونهم معبودا. 
وأما[(٤)](#foonote-٤) في الثَنَوِيَّة الذين يقولون بالعدد الذي لهم تدبير، أو الذين يقولون بقدم المعالم وأصوله فهو يخرج على وجوه. 
فنقول، والله أعلم : قل لو كان معه آلهة كما يقولون  أي إذن لأظهروا دلالة ربوبيتهم وألوهيتهم بإنشاء[(٥)](#foonote-٥) الخلائق كما أظهر الله سبحانه ألوهيته بإنشاء الخلائق، ولم يظهر ممن يدعون لهم ألوهيتة إنشاء شيء من ذلك. فدل أنه ليس هنالك إله غيره. 
وقال بعضهم : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لا تبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( أي صاروا كهو )[(٦)](#foonote-٦) يعني الله، أي في الإنشاء والإفناء والتدبير، ومنعوه عن إنفاذ الأمر له في خلقه، والمشيئة له فيهم واتساق التدبير. فإن لم يكن ذلك منهم فإنه[(٧)](#foonote-٧) لا إله معه سواه، ويكون كقوله : وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق  الآية( المؤمنون : ٩١ ). 
وقال بعضهم : قل لو كان معه آلهة كما  تزعمون إذا لا تبتغوا إلى ذي العرش سبيلا  في القهر والغلبة على ما عرف من عادة ملوك الأرض أنه يسعى كل منهم في غلبة غيره وقهر آخر، ويناصبه ( العداء )[(٨)](#foonote-٨) كقوله : وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ( المؤمنون : ٩١ )أي غلب، وقهر، وناصب. 
ويحتمل غير هذا وهو أن يمنع كل منهم أن يكون الله الواحد بالخلق دلالة ألوهيته وربوبيته وجهة الاستدلال له بذلك. فإذا لم يمنعوا ذلك دل أنه ( لا )[(٩)](#foonote-٩) ألوهية لسواه، وهو الأول بعينه. 
وقال بعض أهل التأويل : لعرفوا فضله ومرتبته عليهم، ولابتغوا ما يقربهم إليه، وقيل : ولا ابتغت الحوائج إليه. وهذا هو الذي ذكرناه بدءا من طلب الطاعة له.

١ في الأصل و. م يدعون، وهي قراءة أبي عمر ويعقوب والحسن وغيرهم، انظر معجم القراءات القرآنية ح/٤/١٩٦..
٢ في الأصل و. م: تقولون، وهي قراءة أبي عامر ونافع وأبي عمر وغيرهم انظر معجم القراءات القرآنية٣/٣٢٤..
٣ الفاء ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: أو..
٥ في الأصل و. م: بما أنشأ..
٦ في الأصل: إلى ما صاروا كهؤلاء، في م: أي صاروا كهؤلاء..
٧ الفاء ساقطو من الأصل و. م..
٨ ساقطة من الأصل و. م..
٩ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 17:43

> ﻿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا [17:43]

الآية ٤٣ : وقوله تعالى : سبحانه  نزه نفسه، وبرأها عما يقول الملحدة فيه، ويصفونه[(١)](#foonote-١) بالشركاء والأشباه والولد وما لا يليق به. فقال : سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .

١ في الأصل و. م: ووصفوه..

### الآية 17:44

> ﻿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [17:44]

الآية ٤٤ : ثم قال : تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ثم يحتمل ما ذكر( وجوها :
أحدهما )[(١)](#foonote-١) : جعل الله تعالى في خلقه السماوات ولأرض وما ذكره دلالة على وحدانيته وألوهيته وشهادة[(٢)](#foonote-٢) له أنه واحد، لا شريك له، ولا شبيه. فإن كان على هذا يدخل[(٣)](#foonote-٣) فيه كل شيء ذو الروح وغيره، فيكون قوله : ولكن لا تفقهون تسبيحهم  للكفرة[(٤)](#foonote-٤) خاصة. وأما أهل الإسلام ( فإنهم )[(٥)](#foonote-٥)يفقهون ذلك. 
والثاني : جعل[(٦)](#foonote-٦) الله في سرية هذه الأشياء ما ذكر من التسبيح والتنزيه، لكن لا نفقه نحن ذلك، ونعيه على ما أخبر ولكن لا تفقهون تسبيحهم  وهي لا تعرف أيضا أن ذلك تسبيح علة ما جعل في الجوارح والأعضاء تسبيحا وعبادة له، وإن كانت هي، لا تعرف ذلك أنها تسبح. 
والثالث :( جعل الله )[(٧)](#foonote-٧) صوت هذه الأشياء تسبيحا له حقيقة على معرفة هذه الأشياء أنه تسبيح، وإن كان لا يعرف ذلك إلا خوص من الناس، وهم الأنبياء، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إنه كان حليما غفورا  الحلم هو ضد السفه، وهو الحليم، ليس بعجول، أي لا يعجل بالعقوبة غفورا  إذا تابوا، أو غفورا  حين[(٨)](#foonote-٨) ستر عليهم فضائحهم. الحلم ما ذكرنا ضد السفه والعجلة : ذكر ههنا على إثر ما ذكر منهم من القول الوحش فيه والعظيم : أنه حليم ليعلموا أنه عن حلم، لم يأخذهم بالعقوبة عاجلا،  غفورا  ليعلموا أنهم، وإن أعظموا القول فيه، يغفر لهم، ويتجاوز عنهم، إن رجعوا، وتابوا. 
فإن قال لنا ملحد : إنكم تصفون ربكم بالحلم والرحمة ثم يقولون : إنه يعذب أبد الآبدين في النار بكفر كان ( من كافر )[(٩)](#foonote-٩) فأني تكون فيه رحمة أو حلم ؟ 
قيل : إنكم لا تعرفون ما الحلم ؟ وما الرحمة ؟ ولو عرفتم ما قلتم ذلك، ولو يعذب على الكفر أبد الآبدين لم يكن حليما، ولكن ( يكون )[(١٠)](#foonote-١٠) سفيها. وكذلك الرحمة. وليس خروج الشيء على غير موافقة الطبع بالذي يخرج صاحبه عن حد الحكمة والرحمة. فأنتم إنما تصورتم الحكمة والرحمة على موافقة طباعكم وليس كذا. 
وكذلك يقال للمعتزلة حين[(١١)](#foonote-١١) قالوا : إنه لا يفعل إلا ما هو أصلح لنا في الدين لأنه جواد، فلو منع الأصلح والأخير لم يكن/٣٠٢-أ/جوادا موصوفا بالجود، وإنما قدرتم، وقلتم، على ما وافق طباعكم وأنفسكم، ولو[(١٢)](#foonote-١٢) عرفتم حقيقة الجود ما قلتم ذا، ولا خطر على بالكم شيء من ذلك[(١٣)](#foonote-١٣). وإنما على الله أن يختار لكل ما علم منه أن يختار، ويؤثر لأنه لا يجوز أن يختار الولاية لمن علم منه أنه يختار ( عداوته، وكذلك لا يجوز أن يختار )[(١٤)](#foonote-١٤) العداوة لمن علم منه أنه يختار ولايته. 
وليس على الله تعالى حفظ الأصلح لأحد في الدين بل عليه حفظ ما توجبه الحكمة والربوبية. 
وفي ذكر تسبيح[(١٥)](#foonote-١٥) من ذكر من جميع الموات على إثر ما ذكر من قول أولئك الكفرة من وصف الله تعالى بالولد والشركاء ( ونحوهما وجوه )[(١٦)](#foonote-١٦). 
أحدها : ذكر سفههم أنهم مع ادعائهم العقل والعلم والتمييز والسؤدد، وصفوا الله بالذي لا يليق به وما يسقط الألوهية والربوبية عنه على زعمهم. فالذين ليس لهم شيء من ذلك التمييز والفهم والعقل نزهوه عن ذلك كله، وبرؤوه عن جميع ذلك. 
الثاني : ذكر تسبيحهم ( على إثر ذلك ليعلم أن لا حاجة إلى تسبيحهم )[(١٧)](#foonote-١٧)ولا منفعة في ذلك، إذ يسبح له جميع الخلائق سواهم. بل منفعة تسبيحهم ترجع إليهم. 
والثالث : ذكر ( تسبيحهم )[(١٨)](#foonote-١٨) لإثبات الرسالة للرسل، لأنهم ذكروا تسبيح الموات ولا يفهم ذلك، ولا يعقل إلا بوحي من السماء، فذلك يدل على الرسالة. 
فعلى هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا يجوز تسبيح ما ذكر على إثر ذكر ما ذكر. 
وكذلك ذكر سجود الموات يخرج على هذه الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : وجهين أحدهما..
٢ في الأصل و. م : وشاهدة..
٣ في الأصل و. م: فيدخل..
٤ في الأصل و. م : الكفرة..
٥ ساقطة من الأصل و. م..
٦ أدرج قبلها في الأصل و. م: أنه..
٧ في الأصل و. م : أنه جعل..
٨ في الأصل و. م : حيث..
٩ في الأصل و. م: فيه..
١٠ ساقطة من الأصل و. م..
١١ في الأصل و. م : حيث..
١٢ من م، في الأصل و. م: وقوله..
١٣ من م، في الأصل : شيء..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ أدرج قبلها في الأصل: من..
١٦ في الأصل و. يخرج على..
١٧ من م، ساقطة من الأصل..
١٨ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:45

> ﻿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [17:45]

الآية٤٥ : وقوله تعالى : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا  قال بعضهم : إن الكفرة كانوا يمنعون رسول الله عن تبليغ الرسالة إلى الناس وقراءة ما أنزل إليه من القرآن عليهم، وقد أمر بتبليغ الرسالة، فأنزل الله عليه هذه الآية، فأخبر أنه جعل بينه وبين أولئك حجابا مستورا، ومكن له التبليغ إليهم بالحجاب الذي ذكر[(١)](#foonote-١). 
ثم اختلف في ذلك الحجاب : قال بعضهم : شغلهم في أنفسهم بأمور وأشغال حتى بلغ إليهم. ومنهم من يقول : ألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى لا يقدروا على منع ذلك. ومنهم من يقول : صيرتم بحيث كانوا لا يرونه، ويستمعون قراءته وتلاوته، ولم يقدروا على أذاهم به و الضرر عليه، فبَلَّغَهم. 
وجائز أن يكون ما ذكر من الحجاب، هو حجاب الفهم ؛ وذلك أنهم كانوا ينظرون إليه بالاستخفاف والاستهزاء به، فحجبوا عن فهم ما فيه، وهو كقوله : سأصرف عن آيتي الذين يتكبرون في الأرض بغير حق الآية( الأعراف : ١٤٦ )يدل على ذلك قوله : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه  الآية( الأنعام : ٢٥واالإسراء : ٤٦ والكهف : ٥٧ ). 
ثم قال الحسن في قوله : جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا  أي طبع على قلوبهم حتى لا يؤمنوا. ومذهبه في هذا أنه يقول : إن للكفر حدا، إذا بلغ الكافر ذلك الحد طبع على قلبه، فلا يؤمن أبدا، واستوجب بذلك العقوبة والإهلاك بالذي كان منه[(٢)](#foonote-٢). إلا أن الله بفضله أبقاهم لما علم أنه يلد منهم من يؤمن، أو يبقيهم لمنافع غيره، وإلا قد استوجب الإهلاك[(٣)](#foonote-٣)، فيقول الحسن : أضاف ذلك إلى نفسه لما استوجبوا هم بفعلهم. 
وقال أبو بكر الأصم : أضاف ذلك إليه لأنهم أنفوا عن إتباع الرسل، وتكبروا عليهم، فاستكبروا. 
لكن نقول له : الاستكبار الذي ذكرت فعلهم، لا لفعل الله، فما معنى إضافة ذلك إليه ؟ فهو خيال وفرار عما يلزمهم في مذهبهم. 
وقال جعفر بن حرب : في الآية إضمار لما هم أضافوا ذلك إليه أنه هو جعل ذلك، وهو ما قالوا : قلوبنا في أكنة ( فصلت : ٥ )  وقالوا قلوبنا غلف ( البقرة : ٨٨ )ونحوه من الخيال ؟ فلو جاز صرف هذه الآيات إلى ما ذكروا من الخيال لجاز صرف الكل إلى مثله فهذا بعيد. 
ولكن عندنا أن إضافة ذلك إلى نفسه تدل على أن له فيه صنعا وفعلا، وهو أن يخذلهم باختيارهم ما اختاروا، أو أضاف ذلك إليه لما خلق ظلمة الكفر في قلوبهم، وهذا معروف في الناس ؛ أي إن من اعتقد الكفر يضيق صدره، ويخرج قلبه، حتى لا يبصر غيره ؛ وهو ليس يعتقد الكفر لئلا يبصر غيره، ولا يهتدي إلى غيره، لكن يبصر غيره، فيدل هذا أنه يصير كذلك لصنع له فيه. 
وكذلك من اعتقد الإيمان يبصر بنوره أشياء ؛ وهو ليس يعتقد الإيمان ليبصر بنوره أشياء غابت عنه، دل أنه بغيره أدرك ذلك. 
فكذلك المعروف في الخلق أن من اعتقد عداوة آخر يضيق صدره بذلك، وكذلك من اعتقد ولاية آخر ينشرح صدره له بأشياء. فهذا كله يدل أن لغير في ذلك فعلا، وهو ما ذكرنا من الخذلان والتوفيق، أو خلق ذلك منهم، والله أعلم، فيدخل في ما ذكرنا في قوله وجعلنا على قلوبهم أكنة الآية( الأنعام : ٢٥والإسراء : ٤٦ والكهف : ٥٧ ). 
وأصله أن ما ذكر من الحجاب والغلاف والأكنة إنما هو على العقوبة لهم لعنادهم ومكابرتهم لأنهم كلما ازدادوا عنادا وتمردا ازدادت قلوبهم ظلمة وعمى، وهو ما ذكر في غير آية حين[(٤)](#foonote-٤) قال : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم الآية( الصف : ٥ )
وقال : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ( التوبة : ١٢٧ )
وقال{ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا
يكسبون }( المطففين : ١٤ ). 
أخبر أن ما ران على قلوبهم بكسبهم الذي كسبوا، وأزاغ قلوبهم باختيارهم الزيغ، وصرف قلوبهم باختيارهم الانصراف. فعلى ذلك ما ذكر من جعل الحجاب والأكنة عليها بما كان منهم، والله أعلم.

١ أدرج بعدها في الأصل : ثم ذكر..
٢ في الأصل و. م: منهم..
٣ في الأصل و. م : الهلاك..
٤ في الأصل و. م : حيث..

### الآية 17:46

> ﻿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [17:46]

الآية٤٦ : وقوله تعالى : وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا  قال بعضهم : الشيطان، إذا ذكر الله، ولى عنه، وأعرض، وفر منه، وهم ما ذكر : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله  الآية( الأعراف :
٢٠٠وفصلت : ٣٦ ) وقال إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا الآية { الأعراف : ٢٠١ ). 
وقال بعضهم : ولو على أدبارهم نفورا ( هم )[(١)](#foonote-١)الإنس، أي ولوا عما دعوهم إليه، وأقبلوا نحو أصنامهم التي عبدوها. 
وقوله تعالى : وإذا ذكرت ربك في القرآن يحتمل :( وإذا ذكرت وحدانية ربك وألوهيته وربوبيته )[(٢)](#foonote-٢) وإذا ذكرت دلالة رسالتك أو دلالة البعث ؛ يحتمل ذكر هذه الأشياء الثلاثة لأنهم كانوا منكرين لهذه الأشياء، فعند ذلك ذكرها. 
( وقوله تعالى )[(٣)](#foonote-٣) : ولوا على أدبارهم نفورا يحتمل الهرب والإعراض، ويحتمل الكناية عن الإنكار والتكذيب.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:47

> ﻿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [17:47]

الآية٤٧ : وقوله تعالى : نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى  كأنهم يستمعون إلى القرآن إما لما يستحلون نظمه ووصفه، أو يستمعون إليه لما فيه من الأنباء العجيبة، أو يستمعون إليه ليجدوا موضع الطعن فيه. 
فإن كان استماعهم للوجهين الأولين فإذا ( هو )[(١)](#foonote-١) موضع الخلاف والتنازع، وهو ما يذكر فيه من دلالة الوحدانية ودلالة الرسالة ودلالة البعث. عند ذلك كانوا يُولُّونَ الأدبار نافرين لإنكارهم. 
وإن كان الاستماع لطلب الطعن فهو محتمل أيضا. 
واختلف في قوله : نحن أعلم بما يستمعون به  قيل : كانوا يستمعون إليه ليكذبوا عليه كقوله : فمال الذين كفروا قبلك مهطعين  عن اليمين وعن الشمال عزين ( المعارج : ٣٦و٣٧ ) كانوا يسرعون إلى استماع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكذبوا عليه. 
وقال بعضهم : كانوا يستمعون إليه ليجدوا موضع الطعن فيه. وقال بعضهم : استمعوا إليه ليروا الضعفة والأتباع أنهم إنما كانوا يطعنون فيه بعد ما استمعوا إليه، وعرفوه عندهم أن الطعن كان في موضع الطعن، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وإذ هم نجوى  قيل : أي يتناجون في ما بينهم : أنه مسحور، وأنه مجنون، وأنه كاهن. ثم أخبر الله نبيه ما أسروا فيه، وتناجوا بينهم، ليدلهم على رسالته، وأنه إنما عرف بالله، وسماهم ظالمين لما علموا أنه ليس بمجنون ولا مسحور، ولكن قالوا ذلك له، ونسبوه إلى ما نسبوه من السحر والجنون على علم منهم/٣٠٢-ب/أنه ليس كذلك.

١ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:48

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [17:48]

الآية ٤٨ : وقوله تعالى : انظر كيف ضربوا لك الأمثال  بالمجانين والسحرة والكهنة فضلوا  وضربوا لك الأسباب التي تزجر الناس، وتمنعهم عن الاقتداء بك مما وصفوا له، ونسبوا إليه من السحر والجنون والكهانة. فذلك كان يمنعهم عن إجابة ما أراد إجابته والاقتداء به. 
وقوله تعالى : فضلوا فلا يستطيعون سبيلا  اختلف فيه : قال بعضهم : لا يستطيعون إلى ما قصدوا من منع الناس عنك وصدهم سبيلا. وقال بعضهم : يستطيعون إلى المكر به والكيد له سبيلا لأنهم قصدوا به ذلك. وقال بعضهم :( لا يستطيعون )[(١)](#foonote-١) ما أراد ما نسبوه إليه سبيلا. 
وقال الحسن : لا تجدون إلى الهدى والإيمان سبيلا لما طبع على قلوبهم، وجعلها في أكنة وغلف. 
ويحتمل أن يكون قوله : فلا يستطيعون  إلى الاحتجاج على الحجج والدلالات التي أقامها رسول اله صلى الله عليه وسلم على التوحيد والرسالة والبعث سبيلا  والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:49

> ﻿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [17:49]

الآية٤٩ : وقوله تعالى : وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا أي إذا كنا عظاما بالية ناخرة ورفاتا 
قيل : ترابا، وقيل : غبارا. وقيل : ورفاتا أي بالية حتى إذا فُتِّتَتْ تكسرت، وذهبت، كقوله : أءذا كنا عظاما نخرة [(١)](#foonote-١)  قالوا تلك إذا كرة خاسرة ( النزاعات : ١١و١٢ ) أي غير كائنة. 
قالوا ذلك كله إنكارا للبعث واستهزاءا به : إنهم يبعثون، ويجزون بأعمالهم. وهذا كأنهم قالوا ذلك على التعجب والاستبعاد عن كون ذلك والاستهزاء بذلك. والجهل به هو الذي حملهم على التعجب والاستهزاء بما ذكر. 
أنكر هؤلاء الكفرة قدرة الله على البعث كما أنكر المعتزلة قدرته على خلق أفعال العباد، وليس لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة بالإنشاء[(٢)](#foonote-٢) الأول ؛ لأن لهم أن يقولوا : إنكم تقرون بالقدرة على الخلق[(٣)](#foonote-٣) الأول وتنكرون خلق أفعالهم، وليس لكم الاحتجاج.

١ في الأصل: ناخرة وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم وغيرهم، انظر معجم القراءات القرآنية ج٨/٥٦..
٢ في الأصل و. م : بإنشاء..
٣ في الأصل و. م: خلق..

### الآية 17:50

> ﻿۞ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا [17:50]

الآيتان٥٠و٥١ : وقوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديدا  أو خلقا مما يكبر في صدوركم  قال بعض أهل التأويل : أي كنتم حجارة أو حديدا يميتكم[(١)](#foonote-١). لمن هذا بعيد، لأنهم لم يكونوا ينكرون الموت ؛ إذ كانوا يشاهدون الموت، فلا يحتمل الإنكار. ولو كانوا ينكرون البعث بعد الموت وبعد ما صاروا ترابا ورفاتا، إلا أن يقال : إنكم لو كنتم بحيث لا تبعثون، ولا تجزون بأعمالكم لكنتم حجارة أو حديدا لم تكونوا بشرا، لأن الحجارة والحديد ونحو ذلك غير ممتحن ولا مأمور بشيء ولا منهي عن شيء. 
وأما البشر فإنهم لم ينشئوا إلا للامتحان بأنواع المحن والأمر والنهي والحل والحرمة. فلا بد من الامتحان فإذا امتحنوا بأشياء لابد من البعث للجزاء والعقاب. فإذا لم تكونوا ولكن كنتم، فاعلموا أنكم تبعثون، وتجزؤون بأعمالكم. 
على هذا يحتمل أن يصرف تأويلهم لا إلى ما قالوا. وإلا ظاهر ما قالوا، وتأولوا لا يحتمل لما لا أحد أنكر الموت. ويحتمل قوله  قل كونوا حجارة أو حديدا  أو خلقا مما يكبر في صدوركم أي لو كنتم ما ذكر حجارة أو حديدا أو أشد ما يكون من الخلق لقدر أن ينشئكم بشرا من ذلك. فكيف إذا كنتم بشرا في الابتداء ؟ ( إنه قادر )[(٢)](#foonote-٢) أن يعيدكم بشرا على ما كنتم كما أنشأكم في الابتداء من ماء وتراب، وليس في ذلك الماء والتراب من آثار البشر من العظام واللحوم والعصب والجلد وغيرها. 
فمن قدر على إنشاء هذا قدر على إنشاء البشر بعد الموت وبعد ما صار ترابا ورفاتا. على هذا يجوز أن يُتَأَوَّلَ. 
ووجه آخر ( هو )[(٣)](#foonote-٣) أن يقال : ظننتم[(٤)](#foonote-٤) أن لو كنتم حجارة أو حديدا أو ما ذكر لبعثكم فكيف تظنون أنه لا يبعثكم إذا كنتم تربا ورفاتا أو كلاما[(٥)](#foonote-٥) نحوه ؟ 
وقوله تعالى : أو خلقا مما يكبر في صدوركم  ذكروا هذا وكل ما يكبر في صدورهم[(٦)](#foonote-٦) على ما ذكر فسيقولون من يعيدنا استهزاء منهم به  قل الذي فطركم أول مرة  إنهم قالوا ما قالوا استهزاءا به وسخرية ؛ فقد أمر الله تعالى أولياءه والمؤمنين أن يحاجوهم محاجة العقلاء والحكماء مع الحجج والبراهين، وإن كانوا قالوا ما قالوا سفها واستهزاءا. 
وعلى ذلك عاملهم الله، وإن كانوا سفهاء في قولهم مستهزئين، وكذلك أمر رسله أن يعاملوا قومهم أحسن المعاملة لهؤلاء حين[(٧)](#foonote-٧) قال : وجادلهم بالتي هي أحسن ( النحل : ١٢٥ )وقال : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ( الإسراء : ٥٣ ). وإنما ذكر الله هذه الآيات لنحاج بما هؤلاء ( حاج )[(٨)](#foonote-٨) ونعلم أن كيف المعاملة لهؤلاء ؟ إذ قد أقام الله تعالى من الآيات والحجج على بعثهم وإحيائهم حججا كافية ما لم يحتج إلى مثل هذا. لكنه ذكر هذا لما ذكرنا، والله أعلم. 
وكان الذي حملهم على إنكار ذلك وجهين[(٩)](#foonote-٩) من الاعتبار :
أحدهما[(١٠)](#foonote-١٠) : أنهم لم يروا من الحكمة إماتتهم ثم الإحياء على مثل ذلك ؛ إذ لو كان[(١١)](#foonote-١١) يحييهم ثانيا لكان لا يميتهم كنقض البناء على قصد بناء مثله. 
والثاني : لما رأوا أقواما قد ماتوا منذ ( أمد )[(١٢)](#foonote-١٢) طويل، ثم لم يبعثوا. 
فيقال لهم : إنه قد تأخر كونكم وإنشاؤكم، ثم لم يدل تأخركم على أنكم لا تكونون. فعلى ذلك لا يدل تأخر البعث على أنه لا يكون. 
وأما جواب الأول فإنه يقال لهم : إنكم تقرون أنه أنشأكم أول مرة وأنه يميتكم، فليس من الحكمة الإنشاء[(١٣)](#foonote-١٣) ثم الإماتة لأنه يكون كمن بنى بناءا للنقض والإفناء. فإذا كان حكمة كان الثاني : أيضا حكمة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة أي يعيدكم الذي خلقكم أول مرة، ولم يكونوا ولم تكونوا شيئا على ما ذكرنا. وإعادة الشيء ( بمعرفة ابتدائه )[(١٤)](#foonote-١٤) إنما يتكلفون تعلم ابتداء الصناعات ومعرفتها، ثم يعرفون ( الإعادة بمعرفة الابتداء. فدل أنها )[(١٥)](#foonote-١٥) أهون وأيسر، وهي[(١٦)](#foonote-١٦)ما قال : وهو أهون عليه ( الروم : ٢٧ )أي في عقولكم ذلك أهون وأيسر. 
وقوله تعالى فسينغضون إليك رءوسهم  أي يحركون رؤوسهم استهزاء به وهُزْوًا ويقولون متى هو على الاستهزاء أيضا، أي لا يكون. 
وقوله تعالى : متى هو  قال : قالوا ذلك جهلا به وإنكارا، وإلا لو علموا أنه كائن، لا محالة، لكانوا لا يقولون ذلك، بل يخافون كما خاف الذين آمنوا به. 
وقوله تعالى : قل عسى أن يكون قريبا  وعسى من الله واجب، أي يكون، لا محالة. 
وقوله : قريبا  أي كائنا. القريب يقال على الكون أي كائنا، ويقال على القريب والبعيد. كذلك يقال على الإنكار رأسا، ويقال على الاستبعاد كقوله : إنهم يرونه بعيدا  ونراه قريبا ( المعارج : ٦و٧ )أي هم لا يرونه كائنا، ونراه نحن كائنا كقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ( الشورى : ١٨ )كانوا يستعجلون بها لما لم يكونوا يرونه كائنا، والمؤمنون يرونه كائنا، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: فيميتكم..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: ظنوا..
٥ في الأصل و. م : كلام..
٦ من م، في الأصل : صدوركم..
٧ في الأصل و. م : حيث..
٨ ساقطة من الأصل و. م..
٩ في الأصل و. م : وجوه..
١٠ في الأصل و. م: أحدهما..
١١ في الأصل و. م: كانوا..
١٢ ساقطة من الأصل و. م..
١٣ في الأصل و. م : إنشاء..
١٤ في الأصل و. م : ومعرفته..
١٥ في الأصل و. م: إعادة بمعرفة ابتدائه فدل أنه..
١٦ في الأصل و. م : وهو..

### الآية 17:51

> ﻿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [17:51]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٠:الآيتان٥٠و٥١ : وقوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديدا  أو خلقا مما يكبر في صدوركم  قال بعض أهل التأويل : أي كنتم حجارة أو حديدا يميتكم[(١)](#foonote-١). لمن هذا بعيد، لأنهم لم يكونوا ينكرون الموت ؛ إذ كانوا يشاهدون الموت، فلا يحتمل الإنكار. ولو كانوا ينكرون البعث بعد الموت وبعد ما صاروا ترابا ورفاتا، إلا أن يقال : إنكم لو كنتم بحيث لا تبعثون، ولا تجزون بأعمالكم لكنتم حجارة أو حديدا لم تكونوا بشرا، لأن الحجارة والحديد ونحو ذلك غير ممتحن ولا مأمور بشيء ولا منهي عن شيء. 
وأما البشر فإنهم لم ينشئوا إلا للامتحان بأنواع المحن والأمر والنهي والحل والحرمة. فلا بد من الامتحان فإذا امتحنوا بأشياء لابد من البعث للجزاء والعقاب. فإذا لم تكونوا ولكن كنتم، فاعلموا أنكم تبعثون، وتجزؤون بأعمالكم. 
على هذا يحتمل أن يصرف تأويلهم لا إلى ما قالوا. وإلا ظاهر ما قالوا، وتأولوا لا يحتمل لما لا أحد أنكر الموت. ويحتمل قوله  قل كونوا حجارة أو حديدا  أو خلقا مما يكبر في صدوركم أي لو كنتم ما ذكر حجارة أو حديدا أو أشد ما يكون من الخلق لقدر أن ينشئكم بشرا من ذلك. فكيف إذا كنتم بشرا في الابتداء ؟ ( إنه قادر )[(٢)](#foonote-٢) أن يعيدكم بشرا على ما كنتم كما أنشأكم في الابتداء من ماء وتراب، وليس في ذلك الماء والتراب من آثار البشر من العظام واللحوم والعصب والجلد وغيرها. 
فمن قدر على إنشاء هذا قدر على إنشاء البشر بعد الموت وبعد ما صار ترابا ورفاتا. على هذا يجوز أن يُتَأَوَّلَ. 
ووجه آخر ( هو )[(٣)](#foonote-٣) أن يقال : ظننتم[(٤)](#foonote-٤) أن لو كنتم حجارة أو حديدا أو ما ذكر لبعثكم فكيف تظنون أنه لا يبعثكم إذا كنتم تربا ورفاتا أو كلاما[(٥)](#foonote-٥) نحوه ؟ 
وقوله تعالى : أو خلقا مما يكبر في صدوركم  ذكروا هذا وكل ما يكبر في صدورهم[(٦)](#foonote-٦) على ما ذكر فسيقولون من يعيدنا استهزاء منهم به  قل الذي فطركم أول مرة  إنهم قالوا ما قالوا استهزاءا به وسخرية ؛ فقد أمر الله تعالى أولياءه والمؤمنين أن يحاجوهم محاجة العقلاء والحكماء مع الحجج والبراهين، وإن كانوا قالوا ما قالوا سفها واستهزاءا. 
وعلى ذلك عاملهم الله، وإن كانوا سفهاء في قولهم مستهزئين، وكذلك أمر رسله أن يعاملوا قومهم أحسن المعاملة لهؤلاء حين[(٧)](#foonote-٧) قال : وجادلهم بالتي هي أحسن ( النحل : ١٢٥ )وقال : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ( الإسراء : ٥٣ ). وإنما ذكر الله هذه الآيات لنحاج بما هؤلاء ( حاج )[(٨)](#foonote-٨) ونعلم أن كيف المعاملة لهؤلاء ؟ إذ قد أقام الله تعالى من الآيات والحجج على بعثهم وإحيائهم حججا كافية ما لم يحتج إلى مثل هذا. لكنه ذكر هذا لما ذكرنا، والله أعلم. 
وكان الذي حملهم على إنكار ذلك وجهين[(٩)](#foonote-٩) من الاعتبار :
أحدهما[(١٠)](#foonote-١٠) : أنهم لم يروا من الحكمة إماتتهم ثم الإحياء على مثل ذلك ؛ إذ لو كان[(١١)](#foonote-١١) يحييهم ثانيا لكان لا يميتهم كنقض البناء على قصد بناء مثله. 
والثاني : لما رأوا أقواما قد ماتوا منذ ( أمد )[(١٢)](#foonote-١٢) طويل، ثم لم يبعثوا. 
فيقال لهم : إنه قد تأخر كونكم وإنشاؤكم، ثم لم يدل تأخركم على أنكم لا تكونون. فعلى ذلك لا يدل تأخر البعث على أنه لا يكون. 
وأما جواب الأول فإنه يقال لهم : إنكم تقرون أنه أنشأكم أول مرة وأنه يميتكم، فليس من الحكمة الإنشاء[(١٣)](#foonote-١٣) ثم الإماتة لأنه يكون كمن بنى بناءا للنقض والإفناء. فإذا كان حكمة كان الثاني : أيضا حكمة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة أي يعيدكم الذي خلقكم أول مرة، ولم يكونوا ولم تكونوا شيئا على ما ذكرنا. وإعادة الشيء ( بمعرفة ابتدائه )[(١٤)](#foonote-١٤) إنما يتكلفون تعلم ابتداء الصناعات ومعرفتها، ثم يعرفون ( الإعادة بمعرفة الابتداء. فدل أنها )[(١٥)](#foonote-١٥) أهون وأيسر، وهي[(١٦)](#foonote-١٦)ما قال : وهو أهون عليه ( الروم : ٢٧ )أي في عقولكم ذلك أهون وأيسر. 
وقوله تعالى فسينغضون إليك رءوسهم  أي يحركون رؤوسهم استهزاء به وهُزْوًا ويقولون متى هو على الاستهزاء أيضا، أي لا يكون. 
وقوله تعالى : متى هو  قال : قالوا ذلك جهلا به وإنكارا، وإلا لو علموا أنه كائن، لا محالة، لكانوا لا يقولون ذلك، بل يخافون كما خاف الذين آمنوا به. 
وقوله تعالى : قل عسى أن يكون قريبا  وعسى من الله واجب، أي يكون، لا محالة. 
وقوله : قريبا  أي كائنا. القريب يقال على الكون أي كائنا، ويقال على القريب والبعيد. كذلك يقال على الإنكار رأسا، ويقال على الاستبعاد كقوله : إنهم يرونه بعيدا  ونراه قريبا ( المعارج : ٦و٧ )أي هم لا يرونه كائنا، ونراه نحن كائنا كقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ( الشورى : ١٨ )كانوا يستعجلون بها لما لم يكونوا يرونه كائنا، والمؤمنون يرونه كائنا، والله أعلم. 
١ في الأصل و. م: فيميتكم..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: ظنوا..
٥ في الأصل و. م : كلام..
٦ من م، في الأصل : صدوركم..
٧ في الأصل و. م : حيث..
٨ ساقطة من الأصل و. م..
٩ في الأصل و. م : وجوه..
١٠ في الأصل و. م: أحدهما..
١١ في الأصل و. م: كانوا..
١٢ ساقطة من الأصل و. م..
١٣ في الأصل و. م : إنشاء..
١٤ في الأصل و. م : ومعرفته..
١٥ في الأصل و. م: إعادة بمعرفة ابتدائه فدل أنه..
١٦ في الأصل و. م : وهو..


---

### الآية 17:52

> ﻿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [17:52]

الآية٥٢ : وقوله تعالى : يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده يحتمل هذا الدعاء والإجابة دعاء الخلقة وإجابة الخلقة لما كانت خلقتهم، تعظم ربهم، وتحمد في كل وقت، وتثني، على ما ذكرنا في غير آية من القرآن. 
ويحتمل دعاء القول وإجابة القول والعمل لما كانوا عاينوا قدرته وعظمته أجابوا له بحمده وثنائه كقوله : مهطعين إلى الداع ( القمر : ٨ )ونحوه. 
أو أن يكون قوله يوم يدعوكم يوم القيامة كقوله : يوم يدع الداع إلى شيء نكر ( القمر : ٦ ) وقوله( مهطعين مقنعي رءوسهم }الآية( إبراهيم : ٤٣ ). 
أخبر أنهم يجيبون داعيهم يومئذ، ويثنون على الله، ويحمدونه. 
وقوله تعالى : إن لبثتم إلا قليلا  قال الحسن قوله : وتظنون أي تعلمون، وتتيقنون أنكم ما لبثتم في الدنيا إلا قليلا. وكذلك قال قتادة : أي يستحقرون الدنيا، ويستصغرونها لما عاينوا القيامة وأهوالها. 
ثم من أنكر عذاب القبر احتج بظاهر هذه الآية حين [(١)](#foonote-١) قال : وتظنون إن لبثتم إلا قليلا  وقال[(٢)](#foonote-٢)  لبثنا يوما ( المؤمنون : ١١٣ ). 
ومثله قالوا في العذاب والشدة، لم يكونوا يستقصرون، ويستصغرون المقام فيه ؛ إذ كل من كان في عذاب وبلاء وشدة يستعظم ذلك، ويستكثره[(٣)](#foonote-٣)، ولا ينساه أبدا. 
هذا المعروف/٣٠٣-أ/عند الناس. فإذن هم استقلوا لك، واستقصروه، حتى  قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ( المؤمنون : ١١٣ )وقال[(٤)](#foonote-٤) : قليلا ( الإسراء : ٥٢والمؤمنون : ١١٤ )وقال[(٥)](#foonote-٥) : يسيرا ( الأحزاب : ١٤ ). 
دل ذلك أنهم لم يكونوا في عذاب وبلاء. ويتأولون قوله : النار يعرضون غليها غدوا وعشيا ( غافر : ٤٦ )على التقديم والتأخير، يقولون : تأويله : ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ليس على ألا يكون لهم عذاب في ما بين ذلك، ولكن على ما في الجنة : ولهم رزقهم فيها بُكرة وعشيا ( مريم٦٢ ). 
ومن يقول بالعذاب في القبر : قوله : وتظنون إن لبثتم إلا قليلا في الدنيا، أو يقول[(٦)](#foonote-٦) : ذلك في وقت، وهو ما بين النفختين. كذلك يقولون : إنه يرفع عنهم العذاب ما بين النفخة الأولى والثانية. وهذا احتيال. 
ويقال أيضا : ليس في استقلالهم المقام والاستقصار ما يدل على أن لم يكن لهم عذاب في القبر لأن العرف في الناس أنهم كانوا في بلاء وشدة ونوع من المرض، ثم نزل بهم ما هو أشد من ذلك وأعظم، فاستصغروا ما كانوا هم فيه، ونسوا ذلك. 
ألا ترى أنهم إذا عاينوا الجنة ونعيمها نسوا ما كان لهم من النعم في الدنيا ؟ ولا شك أنه قد كان لهم نعيم في الدنيا. فعلى ذلك العذاب. 
وقال أبو عوسجة : ورفاتا ( الإسراء : ٤٩ )قال : رُفَاَتا متكسرة، وفَتَّتُّه، أي كسرته، وقال القُتَبِيُّ في : أكنة ( الإسراء : ٤٦ )جمع كِنَان، مثل غطاء أو أغطية وإذ هم نجوى ( الإسراء : ٤٧ ) أي متناجون، يسار بعضهم بعضا : أنه مجنون وأنه ساحر كاهن وأساطير الأولين. 
وقال بعضهم : كان نجواهم ما ذكر في سورة الأنبياء حين قالوا : هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر ( الآية : ٣ )فذلك قوله : إذ يقول الظالمون إن تتبعوا ( الإسراء : ٤٧ ) أي ما تتبعون إلا رجلا مسحورا  قال أبو عبيدة : مسحورا  أي قد سحر به، وقد يتناقض قولهم. وقد ذكرنا وجه تناقض قولهم[(٧)](#foonote-٧) في ما تقدم، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ في الأصل و. م: وقوله..
٣ في الأصل و. م: ويستكثر..
٤ في الأصل و. م: وقالوا..
٥ في الأصل و. م: و..
٦ في الأصل و. م : يقولون..
٧ في الأصل و. م : يقولوا..

### الآية 17:53

> ﻿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [17:53]

الآية ٥٣ : وقوله تعالى : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحس  يحتمل قوله : التي هي أحسن الوجوه الثلاثة :
أحدهما : الدعوة كقوله : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ( النحل : ١٢٥ )فالتأنيث للدعوة، كأنه قال : ادعوا لهم الدعوة التي على إضمار الدعوة، وجائز على إضمار الحسنة، أي قل لهم أن يقولوا لهم الحسنة، هي أحسن، أو على إضمار الأقوال التي هي أحسن الأقوال، وإلا فظاهره أن يقول : قولوا[(١)](#foonote-١) الذي هو أحسن. 
والثاني : على إضمار المجادلة والمناظرة معهم كقوله : وجادلهم بالتي هي أحسن ( النحل : ١٢٥ )أمر رسوله أن يجادلهم أحسن المجادلة والمحاجة معهم. 
والثالث : في حسن المعاملة معهم والعفو والصفح عما كان منهم إلى المسلمين من أنواع الأذى، فأمرهم أن يحسنوا معاملتهم، ويصفحوا عنهم ( كقوله )[(٢)](#foonote-٢)  فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ( المائدة : ١٣ )وكقوله : ادفع بالتي هي أحسن ( المؤمنون : ٩٦ )وكقوله[(٣)](#foonote-٣) والكاظمين الغيظ الآية آل عمران : ١٣٤ ونحوه من الآيات أمرهم أن يعاملوا أولئك أحسن المعاملة، ولا يكافئهم بسوء صنيعهم، ولكن يعفون عنهم، ويصفحون لما لعلهم يكونون أولياء جميعا ( المعارج : ١٠ )، على ما أخبر، ويصيرون إخوانا لهم من بعد هذا في حق وأما من جهة الحكمة، وهي[(٤)](#foonote-٤) أن الله تعالى أنشأ هذا اللسان، وجعله ترجمانا بين الخلق، به يفهم بعضهم من بعض، وبه تقضى حوائج[(٥)](#foonote-٥) بعضهم من بعض، وبه قوام معاشهم ومعاملتهم[(٦)](#foonote-٦)، وبه بعث الرسل والكتب جميعا، فإذا كان كذلك فالواجب ألا يستعمل إلا في الخير والحكمة، ولا ينطق به إلا ما هو أحسن وأصوب، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن الشيطان ينزغ بينهم  أي يفسد بينهم، ويوسوس إليهم، ويُعَدِّي بعضهم على بعض ليفسد بينهم، وذلك دأبه  إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا  أي كان الشيطان منذ كان للإنسان عدوا مظهرا[(٧)](#foonote-٧) عداوته مبينا  جعل الله تعالى الشيطان بحيث يوسوس إليهم، ويدعوهم إلى أشياء يظنون أن ذلك خير لهم، وأبدا يلقي إليهم ما يقع لهم، ويُحَبِّبُ إلى كل مذهبا، يقع عنده أنه[(٨)](#foonote-٨) الحق فيقصد بذلك الإفساد وإلقاء العداوة بينهم. أبدا هذا دأبه وشأنه ؛ يجبر كلا إلى جهة، ويري كل أحد جهة غير الجهة التي أرى الآخر، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : يقولوا..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في الأصل و. م: وقوله..
٤ في الأصل و. م : وهو..
٥ في الأصل و. م : الحوائج..
٦ في الأصل و. م : ومعادهم..
٧ في الأصل و. م: ظاهرا..
٨ في الأصل و. م : هو..

### الآية 17:54

> ﻿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [17:54]

الآية٥٤ : وقوله تعالى : ربكم أعلم بكم  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : ربكم أعلم بكم  بمصالحكم ومفاسدكم[(١)](#foonote-١) ( وما يصلح لكم في الدنيا والآخرة. 
والثاني : ربكم أعلم بكم  بما )[(٢)](#foonote-٢) تسرون وما تعلنون( ( وما تعلمون وما تفعلون، وإلا فلا شك أنه أعلم بنا منا وقوله عز و جل  إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم  ( اختلف فيه بوجهين :
أحدهما )[(٣)](#foonote-٣) قال بعضهم : إن يشأ يرحمكم  فيحمكم من أذى هؤلاء  أو إن يشأ يعذبكم  فيسلطهم عليكم. 
والثاني :( وقال بعضهم :)[(٤)](#foonote-٤) وإن يشأ يرحمكم  فيهديكم إلى دينه، ويوفقكم لسبيله  أو إن يشأ يعذبكم يترككم، ويخذلكم، ولا يهديكم إلى سبيله، ولا يوفقكم لدينه. 
وقوله تعالى : إن يشأ يرحمكم  يحتمل الرحمة في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فهو[(٥)](#foonote-٥) أن يوفقهم على الطاعة، ويعينهم على ذلك. وفي الآخرة ينجيهم، ويدخلهم الجنة. 
( وقوله تعالى : أو إن يشأ يعذبكم [(٦)](#foonote-٦) في الدنيا، هو أن يخذلهم، ويتركهم، على ما يختارون، وفي الآخرة يعذبهم في النار بالذي اختاروا في الدنيا. 
وقوله عز و جل : وما أرسلناك عليهم وكيلا  قال بعضهم : أي لم نجعلك حفيظا على ردهم وإجابتهم وعلى صنيعهم. 
وقال بعضهم : وكيلا  أي ثقيلا بأعمالهم، أي لا تؤاخذ أنت بصنيعهم كقوله : ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ( الأنعام : ٥٢ )وكقوله : فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ( النور : ٥٤ )
وقال بعضهم : وما أرسلناك عليهم وكيلا  أي مسلطا عليهم وقاهرا لهم.

١ من م، في الأصل : وما..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من م..
٤ ساقطة من م..
٥ الفاء ساقطة من م..
٦ في م: وأما التعذيب..

### الآية 17:55

> ﻿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [17:55]

الآية٥٥ : وقوله عز و جل : وربك أعلم بمن في السماوات والأرض  يحتمل ما ذكرنا أنه أعلم بمصالحهم ومفاسدهم وما يسرون وما يعلنون ) )[(١)](#foonote-١). 
ويحتمل غير هذا جوابا لقوله[(٢)](#foonote-٢) : وربك أعلم بمن في السماوات والأرض  وقوله : الله أعلم حيث يجعل رسالته ( الأنعام : ١٢٤ ). 
يقول : والله أعلم ؛  وربك أعلم بمن في السماوات والأرض أي أعلم بمن يصلح للنبوة والرسالة وبمن لا يصلح، ومن هو أهل لها، أو يقول : وربك أعلم بمن في السماوات والأرض  أي على علم بما يكون منهم، أنشأهم لا عن جهل، أو  أعلم  بهم أنفسهم، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض  مثل هذا لا يكون في نازلة. لكنه يذكر النازلة التي عندها نزلت. ثم اختلف في ما ذكر من تفصيل بعضهم على بعض. 
قال بعضهم : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض إنه أعطى كلا[(٣)](#foonote-٣) شيئا، لم يعط غيره من نحو ما ذكر أنه كلم موسى، واتخذ إبراهيم خليلا، وأعطى عيسى إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وهو روح منه، وكلمته، وأعطى سليمان ملكا، لا ينبغي لأحد من بعده، وأعطى داوود زبورا، وأعطى سيدنا محمدا أن بعثة إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومََثَّلُه. 
وقال بعضهم : فضل بعضا على بعض في الدرجة والمنزلة والقدر عنده. 
فالأول : يكون التفضيل في الآيات والحجج، والثاني : في أنفسهم في المنزلة والقدر ؛ ويحتمل ما ذكر من تفصيل بعض على بعض في الآيات والحجج، ويحتمل في كثرة الأتباع يفضل بعضهم على بعض بكثرة الأتباع. 
والثالث : يفضل بعضهم على بعض في القيام بشكر ما أنعم عليه وبصبر ما ابتلاه به. 
وعلى قول المعتزلة لا يكون لأحد فضيلة عند الله إلا باستحقاق منه. 
وقوله تعالى : وآتينا داوود زبورا جميع كتب الله زبور، لأن الزبور هو الكتاب. وقد ذكرنا أنا لا ندري لأية نازلة ذكر هذا، ولا يحتمل ذكر مثله على الابتداء و الائتناف، لكن فيه أن التفصيل والمنزلة إنما يكون من عند الله، ومن عنده يستفاد، لا بتدبير من أنفسهم واستحقاق حين[(٤)](#foonote-٤) قال : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ( الإسراء : ٢١ )لئلا يرى أحد الفضل والمنزلة لنفسه بأسباب منه، ولكن من عند الله. 
وقال الأصم في قوله : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض يقول[(٥)](#foonote-٥) : يخاطب به أهل الكتاب : أن أوائلكم كانوا يرون لبعض على بعض فضلا في الدنيوية، ثم إن أولئك المفضلين كانوا يتبعون لما رأوا لهم من الفضل والخصوصية، فما بالكم يا أهل مكة لا تتبعون محمدا ( وأنتم ترون له )[(٦)](#foonote-٦) فضائل وخصوصية ما لا ترون ذلك لأنفسكم ولا لأحد سواه، أو كلاما[(٧)](#foonote-٧) نحو هذا، والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و. م : لقولهم..
٣ من م، في الأصل: كل..
٤ في الأصل و. م : حيث..
٥ في الأصل و. م : بقوله..
٦ في الأصل و. م: وقد ترون..
٧ في الأصل و. م : وكلام..

### الآية 17:56

> ﻿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا [17:56]

الآية٥٦ : وقوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا  وفي سورة سبإ : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة الآية ( الآية : ٢٢ ) فيشبه أن تكون الآية عندما نزل البلايا والشدائد على ما قاله أهل التأويل، فأمروا عند ذلك أن يطلبوا كشف ذلك/٣٠٣-ب/عنهم من الذين يعبدون دونه، فيقول لهم : قل ادعوا الذين زعمتم  أنها آلهة دونه، يكشفون عنكم ما نزل بكم. 
ويشبه أن يكون لا على نازلة، ولكن على تَبْيِينِ سفه أولئك حين[(١)](#foonote-١) قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  الزمر : ٣ )وقالوا :{ هؤلاء شفعونا عند الله ( يونس : ١٨ )وأن عبادتهم إياها لا تقربوهم إلى الله زلفى كقوله : أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ( الزمر : ٤٣ ) أخبر أنهم لا يملكون ما[(٢)](#foonote-٢)يطمعون بعبادتهم إياها. 
أو أن يذكر هذا لقطع ما يرجون من دون الله من كشف ضر عنهم ودفعه أو جر نفع إليهم وسوق خير على ما أخبر أنه، لا يملك أحد سواه كقوله : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك الآية :( فاطر : ٢ )وقوله : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو الآية :( الأنعام : ١٧ )أخبر أنه لو فتح هو رحمة لا يملك أحد دونه إمساكه، ولو أمسك هو لا يملك أحد إرساله دونه، ولو مس ( الإنسان )[(٣)](#foonote-٣) ضر لا يملك أحد كشفه، وإن أراد خيرا لا يملك أحد دفعه ورده. 
هذا تذكير، والله أعلم للمسلمين لئلا يرجوا أحدا من الخلائق دون الله، ولا يخافوا أحدا سواه. 
ثم صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى الملائكة، لكن الآية تحتمل كل معبود دون الله : الملائكة والجن والأصنام التي عبدوها.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ من م، في الأصل: ولا..
٣ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:57

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [17:57]

الآية٥٧ : وأما الآية الثانية التي ( تليها ؛ فظاهرها )[(١)](#foonote-١) في الملائكة والجن، وهو قوله : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة  أي أولئك الذين يعبدون من دونه يبتغون هم إلى ربهم الوسيلة  أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه  الآية. واختلف فيه. 
منهم من صرفها إلى الملائكة، ومنهم من صرفها إلى الجن، وهو قول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، يقول : إن قوما من العرب كانوا يعبدون الجن، ثم أسلم الجن، فبقي أولئك ( الذين )[(٢)](#foonote-٢)كانوا يعبدونهم بعد إسلامهم. فيقول : أولئك الذين تدعون من دونه يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فكيف تعبدونهم ؟ 
ومن قال : إنها في الملائكة اختلفوا في قوله : ويرجون رحمته ويخافون عذابه  قال الحسن : يرجون محبته ورضاه، ويخافون عذابه، أي خوف الهيبة والجلال والعظمة لا خوف عذاب النار ونقمته، لأن الله عصمهم من أن يرتكبوا ما يوجب لهم النقمة والعذاب حين[(٣)](#foonote-٣) قال : لا يعصون الله ما أمرهم ( التحريم : ٦ ) وقال : لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون  ( الأنبياء : ١٩ ). 
وقال في قوله : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ( الأنبياء : ٢٩ )هذا إخبار أنهم لو قالوا ذلك لفعل بهم[(٤)](#foonote-٤) ما ذكر، ليس على أن يقول أحد منهم ذلك. 
وقال أبو بكر ويرجون رحمته  ثوابه  ويخافون عذابه  نقمته حين[(٥)](#foonote-٥) قال : فَُهِمَ من الوعيد ما قال : ومن يقل منهم الآية ؛ فقد أثبت لهم الوعيد فيه. لكن ثوابه ما يتلذذ به، وعذابه يتألم[(٦)](#foonote-٦) به، ويُتَوجَع. 
ومنهم من يقول من أهل التأويل : ويرجون رحمته أي جنته. لكن هذا يشبه أن يكونوا يرجون صحبة أهل الجنة كقوله : يدخلون عليهم من كل باب  سلام عليكم بما صبرتم الآية ( الرعد : ٢٣و٢٤ ). 
وجائز عندنا صرف قوله : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة إلى الأصنام التي عبدوها من دونه أيضا، ويكون تأويله  يدعون يبتغون  أي ( لو مكن )[(٧)](#foonote-٧) لهم من العبادة والطاعة، وركب فيهم من أسبابه لكانوا كما ذكر، وهو كقوله : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل  أي لو مكن له، وركب فيه ما ركب من البشر، ومكن لهم  لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ( الحشر : ٢١ )على ما ذكر من سفه أولئك الذين عبدوا من دون الله. 
يقول : كيف تعبدون من لو مكن ( لهم )[(٨)](#foonote-٨) من العبادة والطاعة لكانوا يبتغون بذلك الوسيلة إلى ربهم ؟ أو كيف تعبدون من هو بطاعة ربه يبتغي الوسيلة إليه ؟ إن كانت الآية في الملائكة ؛ كأنه يذكر سفه أهل مكة حين[(٩)](#foonote-٩) سألوا العذاب بقولهم[(١٠)](#foonote-١٠) : فأمطر علينا حجارة من السماء  ( الأنفال : ٣٢ )ونحوه، وأهل السماء والأرض جميعا يحذرون عذابه. 
وقوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون  ما ذكر، ليس هو بأمر، وإن كن ظاهره أمرا، ولكن إخبار عن عجز ما يدعون من دونه وتعجيز ما ذكر من كشف الضر ودفعه والتحويل. وكذلك قوله : قل كونوا حجارة أو حديدا ( الإسراء : ٥٠ )ليس هو بأمر، إنما هو إخبار عن قدرته أنه لا يعجزه شيء، وإن بدلتم أصلب الأشياء وأعظمها. 
وقوله تعالى : فلا يملكون كشف الضر عنكم  أي دفعة ورده ولا تحويلا  يحتمل وجهين :
أحدهما : فلا يملكون تحويل[(١١)](#foonote-١١) ذلك الضر إلى غيركم ولا صرفه. والثاني ولا تحويل  من الأشد والأثقل إلى الأخف والأيسر. 
وقوله تعالى : إن عذاب ربك كان محذورا  أي يحذروه أهل السماء وأهل الأرض.

١ في الأصل و م : تتلوها ظاهرها..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في الأصل و. م : حيث..
٤ في الأصل و. م : به..
٥ في الأصل و. م : حيث..
٦ أدرج قبلها في الأصل : لم..
٧ من م : في الأصل لم يكن..
٨ ساقطة من الأصل و. م..
٩ في الأصل و. م : حيث..
١٠ في الأصل و. م : بقوله..
١١ في الأصل و. م : تحويلا..

### الآية 17:58

> ﻿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [17:58]

الآية٥٨ : وقوله تعالى : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا  قال أبو بكر الأصم : وإن من قرية إلا نحن  مميتوها، وقد يستعمل الهلاك في موضع الموت كقوله  إن امرؤ هلك ( النساء : ١٧٦ ) أي مات. ويقال أيضا : هلك أي مات. 
فعلى ذلك يقول : قوله : إلا نحن مهلكوها  أي مميتوها  قبل يوم القيامة  كقوله : كل نفس ذائقة الموت  ( آل عمران : ١٨٥ ) وكقوله : كل من عليها فان ( الرحمان : ٢٦ ) أو معذبوها  ( أي منتقموها )[(١)](#foonote-١)  عذابا شديدا . 
فعلى تأويله يصح على جميع القرى والمدن، ليس ( على )[(٢)](#foonote-٢) قرية دون قرية ولا ( على مدينة دون )[(٣)](#foonote-٣) مدينة ولكن على الكل ما أخبر من إهلاك الكل بقوله : كل نفس ذائقة الموت  ( آل عمران : ١٨٥ ) وقوله[(٤)](#foonote-٤)  كل من عليها فان ( الرحمن : ٢٦ ). 
و يحتمل ما ذكر من إهلاك القرية إهلاك الأهل من بعد إهلاكها[(٥)](#foonote-٥) على ما فعل بكثير من القرى. 
وجائز أن يكون يهلك الأهل، وتبقى القرية على حالها، ثم تهلك بنفسها قبل يوم القيامة، والله أعلم : على تأويل أبي بكر يفعل ذا أو ذا : إما يميتهم موتا بآجالهم، أو يعذبهم عذاب إهلاك. 
وقال الحسن : قوله : إلا نحن مهلكوها  أي مميتوها على ما قال أبو بكر أو معذبوها عذابا شديدا  يقول : إذا قامت الساعة قبل يوم القيامة كقوله : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض  الآية( الزمر : ٦٢ )وقوله : إن زلزلة الساعة شيء عظيم ( الحج : ١ ) تقوم على شرار الناس، فيكون ما ذكر من التعذيب لأولئك الذين يقوم بهم الساعة على قوله. 
وقال قتادة : هذا قضاء من الله كما نسمعه، ليس منه بُدُّ : إما أن يهلكها بموت كقوله : كل نفس ذائقة الموت . وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره، وكذبوا رسله، وهو ما ذكرنا من الانتقام. 
وقال بعضهم : يميت ( أهل )[(٦)](#foonote-٦) القرية بآجالهم، وأما القرية لظالمة، فيأخذها بالعذاب الذي ذكر، فهو في القرون الماضية، إن احتمل ذلك. 
ويشبه أن يكون قوله  وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة  هو أن يهلك رؤساء ( أهل الكفر )[(٧)](#foonote-٧) وقادتهم، فيصير الدين كله دينا واحدا، أي هو الإسلام على ما قال بعض أهل التأويل في قوله : أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها  ( الرعد : ٤١ ) قالوا : هو أن يهلك أهل الكفر[(٨)](#foonote-٨)، فيجعل ملك أهل الكفر لأهل الإسلام، فذلك نقصانها من أطرافها، لا يزال ينقص أهل الكفر قرية فقرية وبلدة
فبلدة حتى تصير الأرض كلها لأهل الإسلام. 
وهو ما روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) ( مسلم٢٨٨٩ ) فذلك، والله أعلم، تأويل قوله : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها  أي نهلك أهل الكفر. 
ويشبه أن يكون قوله : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا على ما أخبر أنه كان يفني جميع من كان على وجه الأرض، ويجعل الأرض مستوية/٣٠٤-أ/لا بناء فيها ولا ارتفاع حين[(٩)](#foonote-٩) قال : كل من عليها فان ( الرحمان : ٢٦ )وقال  ويسألونك عن الجبال ( طه : ١٠٥ ) وقال : وبست الجبل بسا الآية ( الواقعة : ٥ )أخبر أنه لا يبقى عليها أحد ولا بناء، فتصير كلها قاعا صفصفا   لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ( طه : ١٠٦و١٠٧ )فذلك إهلاكها وتعذيبها، والله أعلم. 
وقوله تعال : كان ذلك في الكتاب مسطورا  قال بعضهم : كان ذلك في الكتاب الذي عند الله، وهو اللوح المحفوظ مكتوبا. وقال بعضهم : كان ذلك في جميع كتب الله التي أنزلها على رسله مكتوبا، أي ما من كتاب أنزله الله على رسله إلا وكان فيه كل من عليها فان ( الرحمن : ٢٦ )وفيه[(١٠)](#foonote-١٠) : كل نفس ذائقة الموت ( آل عمران : ١٨٥ ) مسطورا  والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في م: مدينة دون، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و. م : و..
٥ في الأصل و. م : إهلاكهم..
٦ ساقطة من الأصل و. م..
٧ في الأصل: أهل الكفرة، في م: الكفر..
٨ من م، في الأصل : الكفرة..
٩ في الأصل و. م : حيث..
١٠ في الأصل و. م: و..

### الآية 17:59

> ﻿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [17:59]

الآية٥٩ : وقوله تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون  أخبر أنه ليس يمنعه من إنزال ( الكتب ) [(١)](#foonote-١) إلا تكذيب الأولين بها. 
فإن قيل : فأي شيء في ما يكذب الأولون بالآيات ما يمنع إنزالها على هؤلاء ؟ قيل : كأنه على الإضمار، أي ( ما )[(٢)](#foonote-٢) منعنا أن نرسل بالآيات إلا علمنا بأن الآخرين، يكذبون بها كما كذب بها الأولون. فإن قيل : عن هذا يسأل : أن علمه بتكذيب الآخرين كعلمه بتكذيب الأولين، ثم لم يمنع علمه بتكذيب إياها إنزالها، كيف منع علمه بتكذيب الآخرين ذلك ؟ أوليس قد أرسل الرسل، وأنزل الكتب[(٣)](#foonote-٣) على علم منه أنهم يكذبون الرسل والكتاب ؟ ثم لم يمنع علمه بتكذيب الآيات منهم عن إرسال الآيات، ولم يمنع علمه بتكذيب الرسول عن بعث الرسول وإنزال الكتاب ؟ 
قيل : إنه قضى من سنته إذا أنزل الآيات على إثر سؤال ؛ أعني سؤال الآيات، فكذبوها، أهلكهم. هكذا مضت سنته في القرون الأولى. 
ثم قد سبق من وعده ألا يهلك هذه الأمة إهلاك تعذيب واستئصال في الدنيا رحمة منه وفضلا على ما أخبر رسوله حين[(٤)](#foonote-٤) قال : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ( الأنبياء : ١٠٧ ) فرحمته أن من عليهم بإبقائهم وإزالة العذاب عنهم واستئصالهم. فكأنه قال، والله أعلم : وما منعنا أن نرسل بالآيات  إلا ما سبق من وعدنا ورحمتنا ألا نهلك هذه الأمة إهلاك استئصال وتعذيب. فذلك الوعد والرحمة الذي ذكرنا منعنا عن إرسال الآيات على علم منا أنهم يكذبونها إذا أرسلناها إليهم. 
وقد مضت السنة منا على الإهلاك إذا أنزلنا الآيات على إثر سؤالهم إياها، ثم التكذيب من بعد، ثم سبق الوعد لهؤلاء ألا يهلكوا في الدنيا إهلاك تعذيب رحمة منه لهم على ما أخبر أنه لم يرسله[(٥)](#foonote-٥)  إلا رحمة للعالمين ( الأنبياء : ١٠٧ ). 
وأصله أن الله قد أنزل الآيات والحجج على إثبات رسالته الرسل آيات كافية وحججا من بعد إنما سألوا سؤال تعنت وتمرد لا سؤال استرشاد واستهداء. فإذا كان سؤالهم الآيات سؤال عناد وتعنت أهلكوا إذا كذبوها، ولم ينظروا كقوله : ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ( الأنعام : ٨ ) وقوله : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين  ( الحجر : ٨ ) ونحوه. 
ألا ترى أن عيسى عليه السلام سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء لتكون لهم آية منه، فسأله، فأخبر أنه ينزلها عليكم ثم أخبر ما يفعل بهم إذا كفروا بعد ذلك، وهم كانوا يسألونه سؤال تعنت وتمرد، فقال : إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم  الآية ( المائدة : ١١٥ ). 
هكذا كانت سنته في من سأل الآيات سؤال تعنت وعناد. 
وجائز أن يكون الذي منع عن إرسال الآيات على إثر السؤال وإهلاك هذه الأمة ما يكون من الإسلام من نسل هذه الأمة بعد بسببهم وإبقاء التناسل إلى يوم القيامة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وآتينا ثمود الناقة مبصرة  قيل : آية لرسالة صالح. وقال بعضهم : مبصرة [(٦)](#foonote-٦) أي معاينة، يعاينونها أنها آية من الله لهم حين [(٧)](#foonote-٧) رأوها مخالفة لنوقهم، وهو ما قال : هذه ناقة الله لكم ( الأعراف : ٧٣وهود : ٦٤ )  فظلموا بها  أي كذبوا بها وجحدوها، ثم عقروها بعد علمهم أنها آية من الله لهم حين [(٨)](#foonote-٨) رأوها، وعاينوها خلافا لنوقهم خارجة عن نوق البشر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما نرسل بالآيات إلا تخويفا قال ابن عباس والحسن وغيرهما : الموت الذريع أي السريع. 
وقال بعضهم : وما نرسل بالآيات إلا تخويفا  للناس. فإن لم يؤمنوا بها عذبوا في الدنيا، أو يقول : وما نرسل بالآيات مقرونة بالسؤال سؤال التعنت، فكذبوها  إلا تخويفا  للهلاك على ما ذكرنا من الآيات التي سألوها، أو يكون قوله : وما نرسل بالآيات على إثر السؤال بها ثم التكذيب لها إلا تخويفا  لمن تأخر ممن سأل مثلها، فكذب، أو كلاما [(٩)](#foonote-٩) نحوه. 
وتحتمل الآيات التي ذكر كسوف الشمس وخسوف القمر وغيره  وما نرسل بالآيات إلا تخويفا للناس، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل. و. م..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و. م : الكتاب..
٤ في الأصل و. م : حيث..
٥ في الأصل و. م: يرسل..
٦ هذه قراءة قتادة، انظر معجم القراءات القرآنية ج٣/٣٢٧..
٧ في الأصل و. م : حيث..
٨ في الأصل و. م : حيث..
٩ في الأصل و. م : كلام..

### الآية 17:60

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [17:60]

الآية٦٠ : وقوله تعالى : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس الإحاطة بالشيء تكون بالوجوه الثلاثة :
أحدهما : بالغلبة والقدرة والسلطان كقوله : وظنوا أنهم أحيط بهم ( يونس : ٢٢ ) أي أخذهم الهلاك والغلبة، وقدر عليهم. 
والثاني : الإحاطة العلم به كقوله : وكان الله بكل شيء محيطا ( النساء : ١٢٦ )أي عالما وقوله : ولا يحيطون بشيء من علمه ( البقرة : ٢٥٥ )أي لا يعلمون. 
والثالث : الإحاطة المعروفة بين الخلق بعضهم بعضا، فذلك لا يحتمل في الله سبحانه و تعالى فهو على الوجهين الأولين على إحاطة العلم بهم أو القدرة عليهم والغلبة. 
ثم قوله :(  إن ربك أحاط بالناس اختلف فيه )[(١)](#foonote-١)قال بعضهم : أحاط بأعمالهم : بما لهم وما عليهم وبما لا يصلح ( لهم وما يصلح )[(٢)](#foonote-٢) وهو ما ذكرنا في قوله : وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ( الإسراء : ٥٥ ). 
وقال بعضهم : إنهم كانوا يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون إطفاء نوره، ويمنعونه عن تبليغ الرسالة كقوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية( الأنفال : ٣٠ )فيقول : إن ربك أحاط بالناس أي قد علم بمكرهم بك، على علم منه بمكرهم بك، بعث رسولا إليهم، وكلفك بتبليغ الرسالة إليهم، لكنه وعد أن يعصمك منهم، ويمنعك عنهم حتى تبلغ الرسالة بقوله : والله يعصمك من الناس ( المائدة : ٦٧ )وقوله : فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ( الجن : ٢٧ ). 
كان الله تعالى يبعث الرسل، ويكلفهم بتبليغ الرسالة إليهم على علم منه بما يكون من فوقهم من المنع والمكر برسله، لكنه عصمهم، ومكن لهم، حتى بلغوا الرسالة إليهم. فعلى ذلك قوله : إن ربك أحاط بالناس بالعلم أو القدرة والغلبة عليهم والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس  قال عامة أهل التأويل : إن الرؤيا التي أراه إياها لم تكن رؤيا المنام، ولكن كانت ( رؤيا )[(٣)](#foonote-٣) يقظة، ورؤيا غير معاينة بالتي تنام ( العين )[(٤)](#foonote-٤) لا بالذي ينام ( القلب )[(٥)](#foonote-٥) منه ( لأنه روي )[(٦)](#foonote-٦) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( تنام عيناي، ولا ينام قلبي )( البخاري : ٣٥٦٩ ) فإنه أراه من الرؤيا بالعين التي كانت لا تنام، لا رؤيا قلب وعلم. قال سعيد ابن المسيب : هي رؤيا منام. وروي[(٧)](#foonote-٧) لأن نبي الله صلى الله عله وسلم ( رأى قوما على منابر، فساءه ذلك، فذكر أنهم كانوا يعطون مالا ) فذلك فتنة لهم. 
وقال بعضهم : إنه أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ( كأنه يدخل المسجد آمنا، فأخبر بذلك أصحابه أنه رأى ذلك. فلما كان عام الحديبية، وصرف عن البيت، ارتاب الناس في رأياه، فذلك فتنة للناس على ما أخبر ) ( عن ابن عباس. ابن جرير الطبري ج١٥/١١٢ ) لكنه لم يبين له متى يدخل فيه ؟ وقد وعد/٣٠٤-ب/أنه يدخل فيه آمنا، وهو ما قال : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق الآية( الفتح : ٢٧ ). 
( وقوله تعالى )[(٨)](#foonote-٨) : إنا جعلنا فتنة للظالمين  والفتنة المحنة الشديدة. فإن كان ذلك في الرؤيا التي رآها في ( الإسراء إلى )[(٩)](#foonote-٩) بيت المقدس، وما أخبر من الآيات، لا يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر ولا بسحر، فذلك الذي أخبرهم أنه رأى فتنة لهم، ومحنة في التصديق والتكذيب في الخبر الذي أخبر من الآيات، لا يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر. فإن كان على رؤيا منام فتنة لما ذكر، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إلا فتنة للناس  أي كانت الشجرة الملعونة التي ذكرت في القرآن أيضا فتنة لهم كقوله : إنا جعلناها فتنة للظالمين  إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم 
( الصافات : ٦٣و٦٤ ). 
ووجه فتنتها لهم ما ذكر في القصة أنهم قالوا : إن محمدا يقول : إن في النار شجرة، والنار من طبعها أن تأكل الشجر[(١٠)](#foonote-١٠)، فكيف يكون في النار الشجرة، وهي ( لا )[(١١)](#foonote-١١) تأكلها ؟ ولكن لم يعرفوا أن شجر النار، يكون من النار، وشرابهم من النار، وكذلك طعامهم من النار، فإذا كان من النار لم يأكلها النار. 
ومنهم من قال : الزقوم الزبد والتمر، فكيف يكون فيها ذلك ؟ فيدعون بذلك الكذب عليه في ما يخبرهم أن في النار شجرة، فتلك الشجرة، كانت فتنة لهم ومحنة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبه. وسمى ملعونة ؛ قال بعضهم : إن العرب سمت كل ضار مؤذ ملعونا، فلذلك سميت شجرة الزقوم ملعونة إذ [(١٢)](#foonote-١٢) كانت ضارة لأهلها مؤذية. 
قال الحسن : سميت ملعونة لما لعن أهلها بها، فسميت باسم أهلها، وهو كما سمى النهار مبصرا والنهار لا يُبْصِرُ، ولكن يُبْصَرُ بِهِ، فسَمَّى باسمه. فعلى ذلك هذا. 
وأصل اللعن الطرد، فطرد منها كل خير ونفع، فهي ملعونة، وهي[(١٣)](#foonote-١٣) كقوله : رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ( إبراهيم : ٣٦ ) أضاف الإضلال إلى الأصنام ( التي )[(١٤)](#foonote-١٤)لا صنع لها في ذلك، لكن كثيرا من الناس ضلوا بهن، فكأنها أضلتهم، كقوله : وغرتهم الحياة الدنيا ( الأنعام : ١٣٠ ) أي اغتروا بها. 
وقوله تعالى : في القرآن  أي ذكرت في القرآن. وإلا الشجرة لا تكون في القرآن، وهو ما ذكر من المصائب وغيرها كقوله : ما أصاب من مصيبة في الأرض الآية( الحديد : ٢٢ )والمصائب، لا تكون في الكتاب، لكن ذكرت فيه  ونخوفهم  بما ذكرنا. 
وقوله تعالى : فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا هو ما ذكرنا، لأنهم نظروا إليه بعين الاستحقاق والاستهزاء، فزادهم ما ذكر. وأما أهل الإسلام فزاد لهم إيمانا وهدى، لأنهم نظروا إليه بعين التعظيم والتبجيل.

١ في الأصل: اختلف، في م: أحاط..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل و. م..
٤ ساقطة من الأصل و. م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ من م، في الأصل: لا ندري..
٧ الواو ساقطة من الأصل..
٨ في م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و. م: سير..
١٠ في الأصل و. م : الشجرة..
١١ ساقطة من الأصل و. م..
١٢ من م، في الأصل إذا..
١٣ في الأصل و. م: و..
١٤ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:61

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [17:61]

الآية٦١ : وقوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا  قوله : أأسجد أي لا أسجد كقوله : قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ( الحجر : ٣٣ )فدل هذا أن قوله : أأسجد معناه : أي لا أسجد. 
ذكر في قصة إبليس ألفاظا مختلفة ؛ مرة  قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين  ( الحجر : ٣٢ )وقال في موضع ما منعك ألا تسجد ( الأعراف : ١٢ ) وقال[(١)](#foonote-١) في موضع آخر : قال يا إبليس ما منعك أن تسجد ( ص : ٧٥ )ونحوه. 
فجائز أن يكون ذكر على اختلاف الأحوال لا في حال واحدة. هذا من هذا على ما ذكر في قصة آدم من اختلاف الأحوال حين[(٢)](#foonote-٢) قال مرة  كمثل آدم خلقه من تراب ( آل عمران : ٥٩و. . ) وقال مرة  من طين ( الأنعام٢و. . ) ومرة  من صلصل ( الحجر : ٢٦و. . )ونحوه. 
وذلك إخبار عن أحوال تغيرات فيها. وجائز أن يكون ذلك بغير هذا اللسان، فذكر ههنا بألفاظ مختلفة والزيادة والنقصان لأن اختلاف الألفاظ لا يغير المعنى.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ في الأصل و. م : حيث..

### الآية 17:62

> ﻿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [17:62]

الآية ٦٢ : وقوله تعالى : قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي قد أقر إبليس. لعنه الله. بالفضيلة لآدم والإكرام له : إما من الطاعة والنبوة التي أعطاها الله، وإن ادعى لنفسه الفضيلة عليه من جهة الخلقة بأنه ناري، وهو طيني، حين[(١)](#foonote-١)  قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي  قد أقر إبليس. لعنه الله. بالفضل عليه والإكرام إما لطاعتهم له، أو لما جعله رسولا إلى خلقه. 
وقوله تعالى : لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا  ( لا يحتمل أن يخاطب ربه، ويقول :
 لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا  )[(٢)](#foonote-٢) لأنه لما يطلب التأخير والبقاء إلى يوم القيامة طالب نعمة منه ومنة، فيقول مقابل ما يطلب من النعمة : لئن أعطيتني ذلك لأعطينك، إنما يذكر مقابل طلب النعمة الطاعة له والشكر على ما قال : ومنهم من عهد الله لئن آتانا من فضله لتصدقن ( التوبة : ٧٥ )إنما يقابل بطلب النعمة الطاعة له. وأما مقابلة المعصية فلا تعرف. 
ثم يخرج قوله : لئن أخرتن إلى يوم القيامة  على وجهين. 
أحدهما : على التأكيد : يقول : أي إنك  لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا 
( والثاني )[(٣)](#foonote-٣) على التمني منه الأمرين جميعا : التأخير واحتناك ذريته وسؤاله إياهما. 
ثم اختلف في قوله : لأحتنكن ذريته  : قال بعضهم : لأحتوينهم، ولأحيطن بهم، وقال بعضهم[(٤)](#foonote-٤) لأضلنهم على ما ذكر في آية أخرى : ولأضلنهم ولأمنينهم ( النساء : ١١٩ ) وقال بعضهم : لأحتنكن  لأسْتَنْزَلَنَّ وقيل : لأسْتَوليَنَّ. 
وقال القتبي لأحتنكن  أي لأستأصلنَّهم، ويقال : هو من حنك الدابة، حنك دابته، يحنكها حنكا، إذا شد في حنكها الأسفل حبلا، يقودها به. وقال القتبي : أي لأقودَنَّهُمْ كيف شِئْتُ. 
ثم قوله : لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته كأنه سأل ربه التأخير على ما ذكر في آية أخرى حين[(٥)](#foonote-٥)  قال أنظرني إلى يوم يبعثون ( الأعراف : ١٤و. . ) كأن اللعين لما سمع قوله : وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ( الحجر : ٣٥ ) إنه لا يناله الرحمة في الإيمان به حين[(٦)](#foonote-٦) ذكر اللعنة عليه إلى يوم الدين. واللعينُ هو المطرود عن رحمته. فعند ذلك سأل ربه النظرة إلى يوم الدين ليُغْوِيَنَّ َعباده، وقد علم اللعين أن طاعة خلقه له، لا تزيد في ملكه شيئا، وعصيانهم، لا ينقص في ملكه شيئا. لذلك قال : لأحتنكن ذريته ( وقال )[(٧)](#foonote-٧)
 ولأغوينهم أجمعين ( الحجر : ٣٩ ) ( وقال :)[(٨)](#foonote-٨) ولأضلنهم ( النساء : ١١٩ )ما ذكر.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و. م: أو..
٤ من م، في الأصل: بعض..
٥ في الأصل و. م : حيث..
٦ في الأصل و. م : حيث..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:63

> ﻿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [17:63]

الآية : ٦٣ : وقوله تعالى : قال اذهب فمن تبعك منهم  مع إحساني إليهم وإنعامي عليهم  فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا .

### الآية 17:64

> ﻿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [17:64]

الآية٦٤ : وقوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم بصوتك  هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : على التمكن من ذلك والإقدار على ما ذكر ؛ أي مكن له ذلك، وأقدر عليه لخذلانه إياه لما عصى ربه، وترك أمره بالسجود جورا منه حين[(١)](#foonote-١) قال : وإن عليك اللعنة إلى يوم اليدين  ( الحجر : ٣٥ ) مكن له ذلك ليتم له اللعنة والخذلان. 
والثاني : قال ذلك له على التوعد والتهدد. ألا ترى أنه ذكر ( له هذا )[(٢)](#foonote-٢) على أمر وعيد، وهو قوله : فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا  ؟ فيخرج قوله : واستفزز على إثر ذلك مخرج الوعيد له لمن تبعه، وأجابه، كقوله اعملوا ما شئتم إنه بما تعلمون بصير  ( فصلت : ٤٠ )لهذا، وإن كان ظاهره أمرا فهو وعيد. فعلى قوله : واستفزز من استطعت منهم  فإن ذلك ولمن اتبعك كذا. أو لما ذكرنا من التمكين له من ذلك و الإقدار على ذلك ليُتِمَ له الخذلان واللعن الذي لعنه. 
وإلا لا يجوز أن يكون الله يأمره بما ذكر إذ يخرج الأمر بما ذكر مخرج السفه والأمر بالفحشاء، وقد أخبر لأنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإنما بالعدل كقوله : إن الله لا يأمر بالفحشاء ( الأعراف : ٢٨ } وقوله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ( النحل : ٩٠ ) فلو حُمِلَ هذا على الأمر لكان أمرا بالفحشاء والمنكر. 
فدل أنه يُخَرََّج على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما/٣٠٥-أ/أي[(٣)](#foonote-٣) على الاستبعاد والإياس عن أن يملك أو يقدر عليهم بما ذكر إلا من اختار منهم إتباعه، وهو ما ذكر : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  الآية ( الحجر : ٤٢ والإسراء : ٦٥ )والله أعلم. 
وقوله تعالى : واستفزز  قال القتبي : أي استخف، ( واستخف )[(٤)](#foonote-٤) الرَّجْلَ والرَّجَاَلة. وقال أبو عوسجة : واستفزز أي استخف أي دعاه، فأجابه فأطاعه، وعلى هذا يخرج قوله فاستخف قومه فأطاعوه  )[(٥)](#foonote-٥) ( الزخرف : ٥٤ )فأطاعوه، أي أمرهم، فأطاعوه، أي دعاهم، فأجابوه. 
وقوله تعالى : بصوتك يحتمل وجوها ثلاثة :
أحدهما : على الصوت، يكون له صوت، يدعو[(٦)](#foonote-٦) الناس به، فتسمع ذلك الصوت النفس الخفية التي تكون في هذه النفس الظاهرة الكثيفة، ولا تسمعه النفس الظاهرة، على ما تخطر أشياء بالقلب من غير أن يعلم به الإنسان أنه من أين ( جاء ؟ ومن أين )[(٧)](#foonote-٧) هيجانه ؟ وعلام يقذف ؟ ويوسوس أشياء في القلوب من غير أن يعلم ذلك، ويطلع عليه. 
فعلى ذلك يجوز أن يكون له صوت يدعوا الناس به، وإن كنا، لا نسمعه، لكنه يسمع النفس الخفية بما يسمع النفس الظاهرة، وبها تبصر ؛ أعني بالنفس الخفية. ألا ترى أن النائم يرى أشياء، ويكون في أقصى الدنيا، ونفسه الظاهرة ملقاة ههنا، فذلك كله بالنفس الخفية. 
والثاني : على التمثيل، ليس على تحقيق الصوت ( لكن ذكر الصوت )[(٨)](#foonote-٨) لما بالصوت يرسل الإعلام إلى بعضهم بعضا، وبه يدعو بعضهم بعضا عند البعد، فذكر الصوت له مكان الوسوسة التي توسوس للناس أشياء من بعد، وتدعوهم به إلى معاصي الله، وكذلك قال الحسن في قوله  فوسوس إليه الشيطان ( طه : ١٢٠ )من بعد من غير أن كان هنالك تقرب منه. 
والثالث : على إضافة عمل كل عاص من نحو الغناء والمزامير وغيره، أو يضاف عمل كل طائع وكال ضال إليه ؛ 
أضيف ذلك إليه كما أضاف موسى حين[(٩)](#foonote-٩) قال : قال هذا من عمل الشيطان  ( القصص : ١٥ ) وقال[(١٠)](#foonote-١٠) : وما أنسيناه إلا الشيطان  ( الكهف : ٦٣ )ولم يكن ذلك عمل الشيطان حقيقة، وأضافه إليه لما بأمره ودعائه يعمل ذلك. 
وقال عامة أهل التأويل : بصوتك  أي بدعائك. 
وقوله تعالى : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك  قال بعضهم : أجلب أي اجمعهم، ويقال : أجْلَبَتْهُمْ أي أَعَنْتُهُمْ أيضا وهو قول لأبي عوسجة. 
وقوله تعالى : بخيلك ورجلك  يخرج على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا :
أحدها : أن يكون له خيل ورَجَّاَلة وجنود من جنسه وجوهره، يجلبهم بهم، وإن كنا، لا نراهم كما قال : إنه يراكم هو وقبيله  الآية( الأعراف : ٢٧ ) فجائز أن يكون له خيل ورجالة وجنود، لا نراهم نحن، وهو يروننا. 
والثاني : على ما ذكرنا أنه من التمثيل، لكنه ذكر الخيل والرجل لما بالخيل والمشي يصل بعض إلى بعض عند الحاجة إليه في البعد والقرب، فذكر ذلك له على ما ذكرنا في الصوت. 
والثالث : أنه أضاف كل خيل راكب في معصية الله أو كل ماش في معصية الله على ما ذكرنا في الصوت في معصية الله، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا  قال القتبي : موفورا أي موفرا. وقال غيره : وافرا. 
وفي قوله : لئن أخرتن إلى يوم القيامة  دلالة نقض قول المعتزلة لأن إبليس سأل ربه التأخير والإبقاء له إلى يوم القيامة، وقد علم أنه إذا أعطاه ذلك له وفى[(١١)](#foonote-١١) له ما وعد، وأبقاه إلى ذلك الوقت، وهم لم يعرفوا ذلك، بل قالوا : إنه يجيء عبد، فيقتله، فيمنعه عن وفاء ما وعد والإبقاء إلى الوقت الذي وقت له، فهو أعرف بربه منهم، وكذلك  قال رب بما أغويتني  ( الحجر : ٣٩ ) وهم يقولون : لم يغوه. فهو أعرف بهم منهم وقوله تعالى : وشاركهم في الأموال والأولاد قال بعض أهل التأويل : مشاركته في الأموال هي أن ( يجعلوا له )[(١٢)](#foonote-١٢) البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي على ما كانوا يفعلونه. وأما الأولاد فإنهم هودوهم ونصروهم، ومجَّسُوهُم، وهو قول قتادة. 
وقال بعضهم : مشاركته في الأموال هي أن يكتسبوها من خبيث وحرام، وينفقوها في مثله وفي ما لا يحل، وأما الأولاد فهم[(١٣)](#foonote-١٣) ما ولدوا من الزنى. وقال بعضهم : الأموال ما كانوا يذبحون لآلهتهم، ويجعلونها[(١٤)](#foonote-١٤)  من الحرث والأنعام ( الأنعام : ١٣٦ )والأولاد ما ولدوا من الزنى. 
وجائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله : واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك إلى آخر ما ذكر حتى تشاركهم في الأموال والأولاد. 
ثم معنى المشاركة له في ما ذكر، والله أعلم، هو أن هذه الأموال والأولاد لله تعالى حقيقة لما هو أنشأها، وخلقها. فحقيقة الملك له بما ذكرنا. وظاهر الانتفاع لعبده، إذ هذا كله لله بحق المحنة يمتحنهم، وحق الانتفاع لهم، إذ لا يجوز أن يخلق الله شيئا لمنفعة نفسه، ولكن يخلق لمنافع أنفسهم ليمتحنهم بها. 
وقد شرع الله لهم ( شرائع، وشرع إبليس لهم )[(١٥)](#foonote-١٥) شرائع، وهو ما ذكر : أم لهم شركاؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ( الشورى : ٢١ ) فإذا صرفوا ذلك إلى ما شرع ( لهم إبليس دون ما شرع )[(١٦)](#foonote-١٦) الله فقد أشركوه فيها، وكل ما أطيع فيها مما سن[(١٧)](#foonote-١٧)، لهم إبليس، وشرع لهم، فذلك شركته فيها. 
وذلك لأن الأولاد في الشاهد إنما تطلب لأحد الوجوه الثلاثة : إما للاستئناس بهم في حال الوحشة، وإما للاستنصار بهم والعون على أعدائهم، وإما للذكر بعد الوفاة. عدائهم وإما للذكر بعد الوفاة. 
وكذلك الأموال يطلب منها ما ذكرنا : الانتفاع بها في حال الحياة، وإما للمعونة على الأعداء والذكر بعد الموت لخيرات يتركونها. فإذا صرفوها إلى ما أمرهم إبليس أشركوه فيها، ومشاركتهم إياهم[(١٨)](#foonote-١٨) في الأموال متى يأمرهم، ويدعوهم إليه، فيطيعونه، ويجيبونه. في ذلك والله أعلم مشاركته. 
وقوله تعالى : وعدهم  قال عامة أهل التأويل : أي وعدهم أن لا جنة : ولا نار، ولا بعث، أي[(١٩)](#foonote-١٩) يعدهم بخلاف ما وعدهم الله، وخوفهم على ضد ما خوفهم الله : ما كان من الله وعد رجاء، وهو ما قال : إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ( إبراهيم : ٢٢ ) أخبر أن ما وعد هو، قد أخلف. فذلك تأويل قوله : وما يعدهم الشيطان إلا غرورا  أي كذبا وباطلا لأنه يخرج كله على خلاف ما وعد.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ في الأصل و. م : لهذا..
٣ في الأصل و. م: و.
٤ في الأصل و. م: أو..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل و. م: يدعوه..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و. م : حيث..
١٠ في الأصل و. م: قوله..
١١ في الأصل و. م : يفي..
١٢ في الأصل و. م : يجعلوه..
١٣ في الأصل و. م : هم..
١٤ في الأصل و. م: يجعلون لها.
١٥ من م، ساقطة من الأصل.
١٦ من، م ساقطة من الأصل..
١٧ ساقطة من م..
١٨ في الأصل و. م : إياه..
١٩ في الأصل و. م: لكن..

### الآية 17:65

> ﻿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا [17:65]

الآية٦٥ : وقوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  يحتمل قوله : سلطان  وجوها ثلاثة :
أحدها : القدرة والقهر. والثاني : في الحجة والبرهان والثالث : الولاية. 
فأما القدرة والقهر فليس له عليهم ذلك لأنه يجعل له قدرة القهر عليهم، شاؤوا أو أبوا. وكذلك ليس له عليهم الحجة في ما يدعوهم إليه، ويأمرهم به، كقوله يوم يقوم ( الحساب )[(١)](#foonote-١) : وما لي عليكم من سلطان  الآية( إبراهيم : ٢٢ )
وأما سلطان الولاية فإن له ذلك على من اختار إتباعه وتوليه كقوله : إنما سلطانه على الذين يتولونه ( النحل : ١٠٠ ). 
وقوله تعالى : إن عبادي  المخلصين الذين أخلصوا إلي ليس لك عليهم سلطان  يحتمل قوله : ليس لك عليهم سلطان } يحتمل قوله : سلطان  أي حجة، لأنهم إنما يبتغون أمر الله بحججه، فلا يتبعون الشيطان بأمانيه التي يشبه عليهم، أو يكون قوله : ليس لك عليهم سلطان  من الحجة والملك على ما ذكرنا  إنما سلطانه عليهم سلطان الولاية على الذين يتولونه ( النحل : ١٠٠ ). 
وقوله تعالى : وكفى بربك وكيلا  عاصما، يعصمك عن تمويهاته وتسويلاته، وناصرا، ينصرك على مكائده، أو مفزعا، تفزع إليه، أو معتمدا، تعتمد عليه في جميع أمورك، والله أعلم.

١ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:66

> ﻿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [17:66]

الآية٦٦ : وقوله تعالى : ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر  يجري، ويسير، ويسوق الفلك في البحر. 
قال الحسن : أي سخر الفلك أو السفن لنا في البحر والدواب/٣٠٥-ب/في البر لنقطع بها البحار والمفاوز والبراري لنصل بذلك إلى حوائجنا التي جعلت لنا في البلدان النائية والأمكنة البعيدة، وكذلك قال في قوله : هو الذي يسيركم في البر والبحر ( يونس : ٢٢ )أي سخرنا لنا ذلك. 
ونحن نقول كذلك ؛ سخر لنا ما ذلك. ونحن نقول كذلك ؛ سخرنا لنا ما ذكر، إلا أن إضافة ذلك إليه على قولنا ( هو ) [(١)](#foonote-١) أن أفعالنا مخلوقة له. 
ثم يذكر فيه قدرته وسلطانه وعلمه حين[(٢)](#foonote-٢) خلق الخشب، وجعل فيه[(٣)](#foonote-٣) معنى يَقِرُّ على وجه الماء مع ثقله. ومن طبع الشيء الثقيل التسرب في الماء والتسفل فيه، ولأنفسهم المعنى الذي به ( لا ) [(٤)](#foonote-٤) تَقِرُّ على وجه الماء، وإن كانت دون ذلك في الثقل، تتسفل، وتتسرب. أو جعل ذلك بطبعه بحيث يقر على وجه الماء، ولا يسرب فيه لطفا منه. 
فمن قد على إنشاء ما يقر على وجه الماء لمعنى، جعله فيه، لا نعقله نحن، أو بلطفه، ( فهو قادر )[(٥)](#foonote-٥) على إنشاء هذا الخلق وإعادته بعد فنائه وذهابه، وإن كانت عقول الخلائق، لا تدرك ذلك، وأفهام البشر تعجز عن دركه. فكما قدر على إنشاء ما هو طبعه التسرب في الماء والتسفل فيه بحيث يَقِرُّ، ويركد على الماء، يقدر على ما ذكرنا، وحين[(٦)](#foonote-٦) قدر على تسكين الأمواج في البحر ليعبر فيها، وخلق رياحا فيها لتجري السفن كما تجري في الماء الجاري. 
فمن قدر على هذا يقدر على ما ذكرنا ( من الإحياء بعد الفناء. 
وفيه ما ذكنا )[(٧)](#foonote-٧) من تذكير نعمه لنا لنشكره وتذكير قدرته وسلطانه لنهاب منه، ولا ننكر قدرته وسلطانه في شيء من الأشياء هل ما أنكر قدرته بعض خلقه لقصور[(٨)](#foonote-٨) عقولهم عن درك ذلك. 
**وفيه وجوه من الدلالة :**
أحدهما : تعليم الأسباب التي بها يوصل إلى قطع البحار والبراري من اتخاذ السفن والحمل عليها وغير ذلك. 
والثاني : تسخير البحار والبراري لنا ( ما لولا ذلك ما تهيأ لنا )[(٩)](#foonote-٩) استعمال ذلك. 
والثالث : دلالة الرسالة، إذ لولا خبر السماء، وإلا ما يعرف أن ما يحتاج إليه هو تلك البلدان النائية والأمكنة البعيدة، وما يعلم أن ذلك الطريق، يقضي إلى تلك الأمكنة إلا بخبر الرسول عن الله تعالى. 
وقوله تعالى : إنه كان بكم رحيما  قال بعضهم : أي من رحمته أن جعل لكم الفلك والدواب لتصلوا بها إلى أرزاقكم التي في البلاد النائية البعيدة. وقال بعضهم : إنه لم يزل بكم رحيما إذ تبتم، ورجعتم عن ذلك. ( وإن )[(١٠)](#foonote-١٠) كانت الآية في المؤمنين فهو لم يزل بهم رحيما، وإن كانت في الأرزاق ففيهم جميعا. 
فإن قالت الثنوية :( كيف تصفون ربكم )[(١١)](#foonote-١١) بالرحمة والرأفة، وهو يُمِيتُكُم، ويقتلكم، ويحمل عليكم الشدائد والمؤن العظام، فذلك ليس من صفة الرحيم ؟ 
قيل إنا قد ذكرنا لكم في غير موضع جواب السؤال : أن المرء رحيم على نفسه، وله الرحمة والشفقة عليها، ثم مع ذلك يحمل على نفسه الشدائد والمؤن العظام لما يأمل من النفع في العاقبة من نحو الحجامة والافتصاد وشرب الأدوية الكريهة ما لو لا يأمل من النفع في العاقبة ما يحمل ذلك. 
وكذلك الوالدان، فيهما من الرحمة والرأفة لولدهما ما لا يخفى ذلك على أحد، ثم يحملان ولدهما ما ذكر من الشدائد والمؤن العظام لما يأملان[(١٢)](#foonote-١٢) من النفع لهم العاقبة. ثم لا يمنع ذلك من الوصف بالرحمة والرأفة. 
فعلى ذلك الله تعالى لا يمنع ما يحمل علينا من الشدائد عن أن يوصف بالرحمة، ولا يخرجه ذلك عن الحكمة. بل هو على ما قال : وهو أرحم الراحمين ( يوسف : ٦٤و٩٢ ).

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ في الأصل و. م : حيث..
٣ في الأصل و. م : فيها..
٤ ساقطة من الأصل و. م..
٥ في الأصل و. م : لقادر..
٦ في الأصل و. م : وحيث..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ من م، في الأصل لقصوره..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ في الأصل و. م : أو..
١١ في الأصل : إنكم تصفون بربكم..
١٢ في الأصل و. م : يأملون..

### الآية 17:67

> ﻿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [17:67]

الآية٦٧ : وقوله تعالى : وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه  أي بطل مات كانوا يأملون من عبادتهم الأصنام إلا العبادة التي كانت لله فإنها[(١)](#foonote-١) لم تبطل لما[(٢)](#foonote-٢) يؤمل من عبادته إياه، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان،  ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ( يونس : ١٨ ) ويقولون[(٣)](#foonote-٣) : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( الزمر : ٣ )فأخبر عز و جل عن سفههم لعبادتهم الأصنام وعجزهم عما يأملون منها في الآخرة حين[(٤)](#foonote-٤) لم يملكوا دفع شيء مسهم وكشف ما أصابهم في الدنيا. فكيف يأملون ذلك في الآخرة ؟ 
أو يكون  ضل من تدعون إلا إياه أي ضل الآلهة التي عبدوها دون الله إلا إله المستحق للعبادة فإنه أعانكم، ونجاكم من الهلاك. 
وقوله تعالى : فلما نجاكم إلى البر أعرضتم هكذا كانت عادتهم : أنهم إذا خافوا الهلاك على أنفسهم أخلصوا الدعاء كقوله : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين الآية( العنكبوت : ٦٥ )وكقوله : وجاءكم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين   فلما أنجاهم إذا ( هم يبغون في الأرض بغير الحق  الآية ( يونس : ٢٢و٢٣ ) )[(٥)](#foonote-٥)
ويحتمل قوله : فلما نجاكم إلى البر أعرضتم  عن وفاء ما عاهدتم وإنجاز ما وعدتم لأنهم قالوا : لئن أنجينا من هذه لنكونن من الشاكرين ( يونس/٢٢ ) فأعرضوا عن هذا الوعد، ولم يوفوا ذلك. 
وقوله تعالى : وكان الإنسان كفورا  لنعم ربه ؛ يذكر سفههم من وجهين :
أحدهما : عبادتهم من يعملون أنه لا ينعم عليهم في حال الرخاء، ولا يدفع عنهم البلاء في حال الشدة. 
والثاني : أن الشاهد من أنعم على آخر نعمة، وأحسن إليه، 
يشكر له، ويثني عليه. وإذا حل به بلاء وشدة من أحد من الخلائق يدعو عليه، ويلعنه. 
فمعاملة أولئك الكفرة مع الله على خلاف معاملة الخلق بعضهم بعضا : يخلصون له الدعاء في حال الشدة والبلاء، ويكفرون [(٦)](#foonote-٦) نعمه في حال الرخاء، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : فإنه..
٢ في الأصل و. م: ما لم..
٣ في لأصل و. م: و..
٤ في الأصل و. م : حيث..
٥ في الأصل و. م :فريق منكم بربكم يشركون(النحل: ٥٤)..
٦ الواو ساقطة من الأصل..

### الآية 17:68

> ﻿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [17:68]

الآية٦٨ : وقال تعالى : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر على ما خسف قوما في البر أو يرسل عليكم حاصبا على ما أرسل على قوم من الحصباء، وهي الحصى، فأهلكهم  ثم لا تجدوا لكم وكيلا  ناصرا، ينصركم، أو معتمدا ( تعتمدون )[(١)](#foonote-١) عليه.

١ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 17:69

> ﻿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [17:69]

الآية٦٩ : وقوله تعالى : أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى  أي يحوجكم إلى ركوب البحر مرة أخرى  فيغرقكم بما كفرتم أو يذكر هذا : أن من قدر على إنشاء ما ذكر من الفلك وإجرائها في البحر وتسكين أمواجه ودفع أهواله قادر على إهلاكهم في البر وإعادتكم في البحر ثانيا وإغراقكم فيه. 
وفي وقوله : يزجى لكم الفلك في البحر ( الإسراء : ٦٦ ) دلالة أن لله في فعل العباد صنعا، لأنهم هم الذين يسيرون في البحر، وهم الذين يجرون الفلك فيه. ثم أضاف الإجراء إلى نفسه، وكذلك السير ليعلم أن له صنعا وفعلا. 
وقوله تعالى : لا تجدوا لكم علينا به تبيعا  قال بعضهم : تبيعا  أي من يتبعنا بدمائكم ويطالبنا بها. 
وقال أبو عوسجة : التبيع الكفيل، ويقال المتقاضي في موضع آخر. وقال غيره : هو من اتبعه، أن لا تجدوا لكم علينا به تبعة، وهو ما ذكرنا. 
وقال القتبي : الحاصب الريح، سميت بذلك لأنها تَحْصِبُ أي ترمي بالحصباء، وهي الحصى الصغار، والقاصف الريح الشديدة التي تقصف الشجر، أي تكسرها. وكذلك قال أبو عوسجة : القاصف الشديدة من الرياح.

### الآية 17:70

> ﻿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [17:70]

الآية٧٠ : قوله تعالى : ولقد كرمنا بني آدم كرمهم بأن خلقهم في أحسن صورة كقوله : وصوركم فأحسن صوركم ( غافر : ٦٣ )وقَََََََوَّمَهُمْ في أحسن تقويم وأحسن قامة كقوله : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( التين : ٤ ). 
و كرمهم بأن ركَّب فيهم العقول التي بها يعرفون الكرامات من الهوان، ويعرفون بها المحاسن من المساوئ و الحكمة من السفه و الخير من الشر. 
وكرمهم/٣٠٦-أ/بأن جعل لهم لسانا يتكلمون به[(١)](#foonote-١) الحكمة وكل خير، وبه [(٢)](#foonote-٢) يتوصلون إلى درك الحكمة وجمعها. 
وكرمهم بأن جعل أرزاقهم أطيب الأرزاق، وجعل لغيرهم ما خبث منها وما فضل منهم. 
وكرمهم بأن جعل جميع ما على وجه الأرض لهم كقوله : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا  ( البقرة : ٢٩ ). 
وكرمهم بأن سخر لهم جميع الخلائق كقوله ألم تر أن الله سخر لكم ما في ( الأرض )  [(٣)](#foonote-٣) ( الحج : ٦٥ ). 
وجعل بني آدم هم المقصودون بخلق جميع الخلائق، ونحوه. 
وكرمهم حين[(٤)](#foonote-٤) جعلهم بحيث يتهيأ لهم استعمال السماء والأرض واستعمال الشمس والقمر واستعمال البحار والبراري وجميع الصعاب والشدائد في حوائجهم ومنافعهم ما لا يتهيأ لغيرهم من الخلائق ذلك. 
فذلك تفضيلهم. وجائز أن يكون كرم بني آدم لأنه كرم آدم لأنه أسجد ملائكته له، وبعثه رسولا إليهم حين[(٥)](#foonote-٥)  قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم  ( البقرة : ٣٣ ) فلما كرم آدم صار بنوه مكرمين أيضا. ولهذا نقول : إن[(٦)](#foonote-٦) الأب يصير مشتوما بشتم ابنه. 
وما قال أهل التأويل : إن فضل بني آدم على غيرهم من الحيوان والدواب حين أكلوا، وشربوا هم بأيديهم وسائر الدواب يأكلون بأفواههم. هذا الذي ذكروا، هو من التفضيل. إلا أن ذكره له خاصة، ليس فيه كثير حكمة وفضل. لكن فضلهم، وكرمهم بما ذكرنا من وجوه الكرامات، والله أعلم. 
وقوله تعالى : وحملناهم في البر والبحر هذا تفسير ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم. ثم يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : أن جعل لهم البر والبحر مسخرين حتى يصلوا إلى ما في باطن البحر وظاهره من أنواع المال والمنافع، وكذلك البر سخر لهم حتى يصلوا إلى ما في باطنه من الأموال والمنافع وظاهره. 
والثاني : أن جعلهم بحيث يقضون حوائجهم التي كانت لهم من وراء البر ما لم يجعل ذلك لغيرهم من الخلائق قضاء الحوائج من ورائهما. 
وذلك معنى تفضيلهم ثم ما ذكر على إثر قوله : ولقد كرمنا بني آدم  وهو تفسير تفضيله وإكرامه حين[(٧)](#foonote-٧) قال : وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات . 
وجائز أن يكون ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم، هو ما جعل فيهم من الأنبياء والرسل والأتقياء والأخيار منهم ما لم يجعل ذلك في غيرهم. 
ألا ترى أن موسى قال : لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم ( المائدة : ٢٠ ) وقوله : ورزقناهم من الطيبات  هو ما ذكرنا أن جعل أرزاقهم وغذاءهم ما بلغ في الطيب غايته ؟ ولا كذلك غذاء غيرهم من الدواب ورزقهم لأنهم لا يأكلون إلا بعد أن يستخرجوا منه ما فيه من أذى وخبث وخشونة من النخالة وغيرها، وفي الطبخ والنضج حتى يبلغ في الطيب واللين غايته ؟ 
وأما غيرهم[(٨)](#foonote-٨) من الدواب فإنهم يأكلون كما هو نيا غير مطبوخ ولا نضيج، وفيه من الخبث والأذى ( الكثير. 
وقوله تعالى )[(٩)](#foonote-٩) : وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا  قال بعض أهل التأويل[(١٠)](#foonote-١٠) : وفضلناهم على كثير ممن خلقنا  على الجن والشياطين وأصحابهم غير الملائكة. 
وقال بعضهم : وفضلناهم على كثير مما خلقنا  من الحيوان الدواب تفضيلا  بالأكل بالأيدي وجعل رزقهم من غير رزق الدواب. 
ويحتمل  على كثير ممن خلقنا  ممن على وجه الأرض من الجن وغيرهم لما لم يرسل إلى الجن ورسول منهم. ولا أنزل كتاب على حدة، وما جعل أرزاقهم مما يفضل من العظام والسرقين وغيره على ما ذكر. فذلك وجه تفضيلهم عليهم. 
وأما الكلام في تفضيل البشر على الملائكة والملائكة على البشر فإنا لا نتكلم في ( ذلك لأنا )[(١١)](#foonote-١١) لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. فالأمر فيه إلى الله في تفضيل هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء، ليس إلينا من ذلك شيء، ولا جائز أن يجمع بين أشر البشر وأفسقهم وين الملائكة الذين لم يعصوا الله طرفة عين، فيقال : هم أفضل من الملائكة. 
ولكن إن كان، لا بد، فإنما يجمع بين الأنبياء والرسل وأتقى الخلائق وبين الملائكة، فيتكلم حينئذ بتفضيل بعض على بعض، فهو ما ذكرنا أن الأمر في ذلك إلى الله، ليس إلينا من ذلك شيء، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : بها..
٢ في الأصل و. م : بها..
٣ في الأصل و. م : السماوات والأرض جميعا منه..
٤ في الأصل و. م : حيث.
٥ في الأصل و. م : حيث.
٦ في الأصل و. م : بأن..
٧ في الأصل و. م : حيث.
٨ في م : غيره.
٩ ساقطة من الأصل و. م..
١٠ أدرج بعدها في الأصل و. م : فإنه قال..
١١ في الأصل : ذلك، في م: شيء من ذلك..

### الآية 17:71

> ﻿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [17:71]

الآية٧١ : وقوله تعالى : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم  قال الحسن : هذا صلة قومه : يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده  ( الإسراء : ٥٢ ) فيقال[(١)](#foonote-١) : أي يوم ؟ فيقول :{ يوم ندعوا
كل أناس بإمامهم }. 
ثم اختلف في قوله : بإمامهم  قال بعضهم : ندعو بإمامهم أي بدينهم الذي دانوا به، وذبوا عنه، ويدعى كل بدينه الذي دان به، وذب عنه. 
وقال بعضهم : أي برؤسائهم وأئمتهم الذين أضلوهم، أي يدعى الأتباع بأئمتهم ورؤسائهم الذين أضلوا، حتى يلوم بعضهم على بعض، ويلعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض كقوله : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  الآية ( البقرة : ١٦٦ ) وقوله  ويلعن بعضكم بعضا  ( العنكبوت : ٢٥ )وقوله : يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم مؤمنين  ( سبإ : ٣١ ) يدعى الأتباع بالمتبوعين. 
وقال بعضهم : يدعى كل الناس بداعيهم الذي دعاهم : إن كان رسولا فبالرسول، وإن كان شيطانا فبالشيطان، وهو قريب مما ذكرنا. 
وقال بعضهم : بإمامهم  بكتابهم الذي كتب الملائكة أعمالهم فيه. وقال بعضهم : بإمامهم  بكتابهم الذي أُنزِل عليهم. يُدْعَى كل بما ذكر ليعلموا أن الحجة قد قامت عليهم، وأوجبت لهم العذاب بإتباعهم ما اتبعوا بلا حجة ولا برهان. 
وحاصل أقاويل هؤلاء يرجع إلى وجوه ثلاثة :
أحدها : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم  ندعو إمام كل أناس :( إن )[(٢)](#foonote-٢) كان إمامهم في خير أو شر، فيجزى له جزاؤه، ثم يكلف هو دعاء أتباعه إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب. 
والثاني : يدعى كل إمام ورئيس في خير أو شر بأتباعه الذين يتبعونه في ما يدعوهم إليه :( كل )[(٣)](#foonote-٣) رسول يدعى بقومه الذين اتبعوه[(٤)](#foonote-٤)، وكل رئيس وشيطان ( بمن )[(٥)](#foonote-٥) استتبعهم. 
والثالث : إمامهم كتابهم الذي كتب أعمالهم التي ( كسبوا )[(٦)](#foonote-٦)
كقوله : ويخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا 
( الإسراء : ١٣ )ونحوه. 
وقوله تعالى : فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم  كلهم قد يقرؤون كتابهم. غير أن المؤمن إذا نظر في الكتاب فرح به، واستبشر بما فيه فسهل عليه القراءة، وهانت، لما كان يتبع حجج الله. 
وأما الكافر، إذا نظر في الكتاب حزن، واغتم به، فعسر عليه قراءة كتابه، وهو كقوله : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه   إني ظننت أني ملاق حسابيه  ( الحاقة : ١٩و٢٠ ) وكقوله[(٧)](#foonote-٧) : وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه   ولم أدر ما حسابيه  ( الحاقة : ٢٥و٢٦ ) لأنه بلا حجة. 
أو يكون المؤمن إذا نظر في كتابه، ورأى[(٨)](#foonote-٨) سيئاته مغفورة كقوله : أولئك الذين تتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم  ( الأحقاف : ١٦ ) فرح بذلك. والكافر رأى سيئاته باقية عليه وحسناته، قد بطلت، حزن بذلك، واغتم[(٩)](#foonote-٩) لذلك قال ما قال، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : فيقول..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م، في الأصل : اتبعوهم..
٥ ساقطة من الأصل و. م..
٦ في الأصل و. م : الذي كتبوا..
٧ في الأصل و. م يقول الكافر..
٨ الواو ساقطة من الأصل و. م..
٩ من م، في الأصل : واهتم..

### الآية 17:72

> ﻿وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا [17:72]

الآية٧٢ : وقوله تعالى : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا  قال بعضهم  ومن كان في هذه  الدنيا  أعمى  عن توحيد الله والإيمان به مع كثرة. آياته ودلالته[(١)](#foonote-١) على وحدانيته فهو عن الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت أعمى. 
وقال بعضهم : ومن كان في هذه أعمى  الدنيا  أعمى  عن الحق  فهو في الآخرة أعمى  عن حججه، لأنه إذا عمي عن الحق فهو عن حججه أعمى، فتكون  في  بمعنى عن ؛ إذ الآيات والدلالات على وحدانية الله أكثر وأظهر من الدلالة على البعث والآخرة ؛ إذ ليس شيء إلا وفيه أثر وحدانيته ودلالة ألوهيته، ولا كذلك الآخرة، فهو عن الإيمان بها أشد عمى. 
وقال بعضهم : من عمي في هذه الدنيا عن الإيمان بالله فهو في الآخرة أعمى عن الإيمان به، لأن الدنيا مما يقبل فيها الإيمان، وفي/٣٠٦-ب/الآخرة لا يقبل، وهو ما قال : وحيل بينهم وبين ما يشتهون  ( سبإ : ٥٤ ) أي  وحيل بينهم بين ما يشتهون  من الإيمان به كما فعل بأشياعهم من قبل، أي كما حيل بين أشياعهم وبين الإيمان به عند معاينة بأس الله وعذابه، وهو قول الحسن. 
وقال أبو بكر قريبا من هذا، وهو أن من عمي عن الرشد والحق في هذه الدنيا لجهله به فهو في الآخرة عند علمه بالرشد والحق أشد عمى، أو كلام نحو هذا. 
وقال بعضهم : من عمي قلبه في الدنيا عن الإيمان بالله والتوحيد له فهو في الآخرة أعمى الوجه والحواس كقوله : لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا  ( طه : ١٢٥ ) وكقوله : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما  الآية ( الإسراء : ٩٧ ) ما ذكر : ذاهبة حواسهم، لما تركوا الانتفاع بها في الدنيا لما جعلت لهم الحواس. ويشبه أن يكون قوله : ومن كان في هذه أعمى  بالافتراء على الله  فهو في الآخرة أعمى  أي مفتر على الله أيضا كقوله : ثم لم تكن فتنتهم إلا فنعمل غير الذي كنا نعمل  ( الأعراف : ٥٣ ) ثم أخبر عنهم فقال[(٢)](#foonote-٢) : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون  ( الأنعام : ٢٨ ). 
وقال قتادة : ومن كان في هذه  الدنيا في ما أراه الله من آياته من خلق السماوات والأرض والجبال والنجوم  أعمى فهو في الآخرة  الغائبة عنه التي لم يرها  أعمى وأضل سبيلا  وهو قريب مما ذكرنا. 
وقال ابن عباس رضي الله عنه  ومن كان في هذه  ( النعم  أعمى  عن )[(٣)](#foonote-٣) أن يعلم أنهم من الله  فهو في الآخرة أعمى  عن حجته، ويقال عن دين الله  وأضل سبيلا  يعني الكافر، عمي عنها، وهو يعاينها، فلا يعرف أنها من الله، فيشكر ربها  فهو في الآخرة أعمى  يقول : عما غاب عنه من أمر الآخرة من أمر البعث والجزاء  وأضل سبيلا  وأخطأ طريقا. وبعضه قريب من بعض، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : دلالته..
٢ في الأصل و. م: فقالوا..
٣ في الأصل: أعمى النعم أعمى، في م، ساقطة من الأصل..

### الآية 17:73

> ﻿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [17:73]

الآية٧٣ : وقول تعالى : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك  دل على هذا أنه قد كان من الكفرة شيء ( من الدعاء على شيء )[(١)](#foonote-١) يصير مفتونا لو أجابهم إلى ذلك. وكذلك كانت عادة الكفرة ( يكادون يضلون )[(٢)](#foonote-٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفتنونه[(٣)](#foonote-٣) عن الذي أوحي إليه، ويصرفونه[(٤)](#foonote-٤) عنه، كقولهم : ائت بقرآن غير هذا أو بدله  ( يونس : ١٥ ) هكذا كانت عادتهم ؛ كانوا يطلبون منه الافتراء على الله والضلال على وجه المكر به لا ضلال على وجه تصريح وكفر تصريح، ولكن بمعنى[(٥)](#foonote-٥) : يؤدي ذلك إلى الضلال والكفر ؛ يريدون المساعدة لهم في بعض ما هم فيه بما كانوا يرونه من الموافقة له والمساعدة. 
لكن الله عصم رسوله عن جميع ما كانوا يطلبون منه بالآيات التي ذكر في كتابه وبالعقول كقوله : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم  الآية ( النساء : ٦٥ )
أخبر أنهم لا يؤمنون حتى  لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما  ( النساء : ٦٥ ) قضى. ومن لم يكن معصوما يَجُزْ [(٦)](#foonote-٦) أن يوجد منه حرج مما قضى به، وكقوله : عن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة  ( الأحزاب : ٥٧ ) ومن لم يكن معصوما ما يجز[(٧)](#foonote-٧) أن يؤذى، وتلحقه[(٨)](#foonote-٨) اللعنة، وقوله : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم  الآية( الأحزاب : ٣٦ ) فمن لم يكن معصوما يجز[(٩)](#foonote-٩) أن تكون ( له )[(١٠)](#foonote-١٠) الخيرة من أمره، وقوله : وأطيعوا الله ورسوله  ( الأنفال : ١ ) وأمثاله مما يكثر عددها[(١١)](#foonote-١١). 
وكذلك العقول تشهد أنه كان معصوما. فمن أراد أن يصرف، ويزيل عنه العصمة بتأويل، يتأوله في بع الآيات، أو بحديث، يرويه، فإنا لا نقبل تأويله ولا خبره[(١٢)](#foonote-١٢) الذي روي، ونشهد أنه كذب. 
ويجوز أن يكون في خبره الذي روى معنى آخر سواه، فليس له أن يروي إلا بالمعنى الذي كان فيه. 
فتأويل أهل التأويل أنه ألقى عليه الشيطان، ولقنه عند تلاوته : أفرأيتم اللات والعزى   ومناوة الثالثة الأخرى ( النجوم : ١٩و٢٠ )تلك الغَرانِيق العلى، شَفَاعَتُهُنَّ ترتجى. 
وقال بعضهم : لا ندعك تستسلم الحجر إلا أن تستلم آلهتنا، ونحوه. 
إن ذلك كله فاسد خيال ؛ إنه كان لا يحوم حول أصنامهم في حال صغره، ولا رأوه دنا منها حتى لم يطمعوا بذلك[(١٣)](#foonote-١٣) الاستلام بعدما أوحي إليه، وصار رسولا ؟ وكذلك ما ذكروا أنهم طلبوا منه أن يطرد بعض الذين اتبعوا عنه ليكونوا هم أتباعه[(١٤)](#foonote-١٤)، فَهَمَّ أن يفعل ذلك، فنزل وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك  لكن ذلك كله فاسد خيال، لا يحتمل ما توهموا فيه، لأنهم لم يعرفوه حق معرفته، و إلا لو عرفوه حقيقة المعرفة ما توهموا فيه شيئا من ذلك، وبالله التوفيق والمعونة. ثم قوله : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا  قد ذكرنا أن عادتهم ذلك، إلا أن الله عصمه عن ذلك.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و. م : كادوا أن يضلوا..
٣ في الأصل و. م : يفتنوه..
٤ في الأصل و. م : ويصرفوه..
٥ الباء ساقطة من الأصل و. م..
٦ في الأصل و. م: يجوز..
٧ في الأصل و. م: يجوز..
٨ في الأصل و. م: ولا تلحقه..
٩ في الأصل و. م: يجوز..
١٠ ساقطة من الأصل و. م..
١١ في الأصل و. م: عدها..
١٢ الهاء ساقطة من الأصل و. م..
١٣ الباء ساقطة من الأصل و. م..
١٤ في الأصل و. م : أتباعهم..

### الآية 17:74

> ﻿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [17:74]

الآية٧٤ : ثم قوله : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا  ظاهر[(١)](#foonote-١) الآية يرد جميع ما قال أهل التأويل في هذه الآية، يقول : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم . 
أخبر أنه، وقد ثبته، فلم يركن، لأنه أخبر أنه قد ثبته، فلم يكد يركن إليهم، وقال : شيئا قليلا  سَمَّى ذلك شيئا يسيرا. ولو كان ما قال أولئك لكان شيئا كبيرا عظيما، بل يبلغ الكفر، دل أنه لم يكن ما ذكروا. 
وقال : لقد كدت تركن وكاد، هو حرف ( بمعنى )[(٢)](#foonote-٢) قارب أن يركن كقوله : تكاد السماوات  أي تقارب[(٣)](#foonote-٣) أن  يتفطرن منه   مريم : ٩٠  وليس فيه أنه ركن إليهم. فقولهم فاسد للوجوه التي ذكرنا  شيئا قليلا . 
وما قالوا كثير عظيم ( لوجوه : أحدهما )[(٤)](#foonote-٤) : يخاف أن يبلغ الكفر. 
والثاني : قال  كدت  وهو حرف تقارب. 
والثالث : ذكر على الشرط : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا  فلم يركن لما ثبته، وهو ما قال إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون  ( الأنبياء : ٦٣ ) وما ذكرنا في قصة يوسف : ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ( يوسف : ٢٤ ) فليس فيه أنه هم، ولا فيه أنه، ركن، لأنه خرج على الشرط. 
وقال الحسن في قوله : لقد كدت ترك إليهم  أي هَمَمْتَ، لكنه هَمََّ به هَمَّ خطر، خطره إبليس. 
كذلك في قصة يوسف : ولقد همت به  هَمَّ عزم  وهم بها  همََّ خطر( الآية : ٢٤ ). 
وقال غيره : أرادوا منه أن يجعل لهم مجلسا على حدة ليسلموا، فهم به أن يفعل ذلك لحرصه على إسلامهم وإشفاقا عليهم. فمثل هذا يجوز الفعل. إلا أن الرسل لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئا، وإن صغر إلا بإذن الله. ألا ترى أن يونس لما خرج من عند قومه مغاضبا عليهم بغير إذن منه عاتبه ربه معاتبة عظيمة حين[(٥)](#foonote-٥) قال : فلولا أنه كان من المسبحين  للبث في بطنه إلى يوم يبعثون . ( الصافات : ١٤٣و١٤٤ ). 
ومثل هذا لو فعله غيره من دونه[(٦)](#foonote-٦) كان ممدوحا محمودا في ذلك. فهذا يدل على أن الأنبياء لم يكن لهم صنع شيء، وإن قَلَّ، إلا بإذن الله، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : فظاهر..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في الأصل و. م : قارب..
٤ ساقطة من الأصل و. م..
٥ في الأصل و. م : حيث..
٦ في الأصل و. م : دونهم..

### الآية 17:75

> ﻿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [17:75]

الآية : ٧٥ : وقوله تعالى : إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات  أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات. 
وقال أبو عوسجة : ضعف الحياة أي مثل الحياة [(١)](#foonote-١) عذاب الدنيا[(٢)](#foonote-٢)  وضعف الممات  عذاب الآخرة. 
وقوله تعالى : ثم لا تجد لك علينا نصيرا  قيل : ناصرا، ينصرك، وشافعا، يشفعك إلينا والله أعلم.

١ من م، في الأصل : وغيره قال :ضعف الحياةأي مثل الحياة..
٢ من م، ساقطة من الأصل..

### الآية 17:76

> ﻿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [17:76]

الآية ٧٦ : وقوله تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها  قال الحسن : قوله : ليستفزونك  أي ليقتلونك، أو ليخرجونك منها بالقتل. وقد كانوا هموا قتله، لكن عصمه الله عن ذلك بقوله : والله/٣٠٧-أ/يعصمك من الناس  ( المائدة : ٦٧ ). 
وقوله تعالى : وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا  هكذا سنة الله في الأمم الخالية ؛ إنهم إذا قتلوا نبيهم لم يلبثوا بعده إلا قليلا حتى أهلكوا. 
وقال بعضهم : هو على الإخراج نفسه، إلا أن الله عز و جل أخرجه هجرة إلى المدينة لما سبق من رحمته وفضله، أي لا يهلك هذه الأمة إهلاك استئصال. فلو كانوا هم أخرجوه لاستوجبوا به الإهلاك لما كان من سنته في الأولين إهلاكهم إذا أخرجوا رسولهم من بينهم. 
وقال بعضهم : هو على حقيقة الإخراج منهم ؛ أخرجوا رسول الله من بينهم، وفعلوا ذلك، فلم يلبثوا بعده إلا قليلا حتى أهلكهم الله بالقتل يوم بدر وغيره، وهو ما قال : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم  ( محمد : ١٣ ) ففيه دلالة أنهم أخرجوه، وأنهم أهلكوا بذلك. وكذلك كانت سنة الله في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. 
وقال أهل التأويل في قوله : وإن كادوا ليستفزونك أي يستنزلونك من أرض المدينة حيث نزل بالمدينة. 
قالت اليهود : إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء والرسل، إنما أرض الأنبياء والرسل أرض الشام، فإن كنت نبيا رسولا فاخرج إليها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها إلى الشام، فَعَسْكَرَ على رأس أميال لينساب إليه أصحابه، فنزل به جبريل بهذه الآية. 
لكن ذكرنا أن هذا وأمثاله، لا يَحتَمِلُ، لأنه لا يجوز أن يخرج رسول الله من أرض المدينة على أرض الشام بقول أولئك اليهود من غير أن كان من الله إذن له في ذلك. هذا، لا يُحْتَمَلُ، ولا يُتَوَهَّمُ منه ذلك. والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم. 
ويشبه أن يكون قوله : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك  ( الإسراء : ٧٣ ) أي كادوا يفتنونك بالمكر والخديعة لك  ليستفزونك من الأرض لا لأنهم[(١)](#foonote-١) كانوا يطمعون يفتنونك، ويضلوه عن الذي أوحي على التصريح والإفصاح، ولكن على جهة المكر والخديعة، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : أنهم..

### الآية 17:77

> ﻿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [17:77]

الآية٧٧ : وقوله تعالى : سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا على قول الحسن : السنة في الأمم التي[(١)](#foonote-١) قبله أنهم إذا قتلوا الرسول أهلكوا ؛ وعذبوا، وعلى قول بعضهم : السنة فيهم أنهم إذا أخرجوا من بينهم على علم منه أنهم لا يؤمنون بعده الإهلاك. وعلى قول بعضهم : على الإخراج نفسه. 
وهؤلاء قد أخرجوا رسولهم من بينهم بقولهم : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين  الآية ( التوبة : ٤٠ )وقوله : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم  ( محمد : ١٣ ) لكنهم عذبوا تعذيب رحمة وإهلاك رحمة، إهلاك استئصال. 
و قوله تعالى  ولا تجد لسنتنا تحويلا  أي لعذابنا تحويلا.

١ في الأصل و. م : الذي..

### الآية 17:78

> ﻿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [17:78]

الآية٧٨ : وقوله تعالى : أقم الصلاة  يحتملا الأمر بإقامة الصلاة الأمر بالدوام عليها واللزوم بها، أي ألزم بها، وأدمها، أو اسم التمام والكمال، أي أتمها، وأكملها، بالشرائط التي أُمِرْتَ بها. 
ويحتمل قوله : أقم الصلاة  أفعلها. ولم يُفْهَمُ من قوله : أقم الصلاة  الانتصاب على ما ينصب الشيء، ويقام به. فدل أنه لا يفهم من الخطاب ظاهره. 
وقوله تعالى : لدلوك الشمس  اختلف فيه : قال بعضهم :( لدلوك الشمس } زوالها  إلى غسق الليل  أي إلى ظلمة الليل وقرءان الفجر  أي صلاة الفجر. فيقول الناس : في هذه الآية بيان أوقات الصلاة الخمس جميعا لأنه ذكر أول ما يجب من الصلاة، وهو[(١)](#foonote-١) الظهر إلى ما ينتهي، وهو[(٢)](#foonote-٢) الفجر. فعلى هذا التأويل  إلى  لا تكون غاية، ولكن تكون كأنه قال : أقم الصلاة لدلوك الشمس  وغسق الليل، والله أعلم. 
وقوله تعالى : لدلوك  اختلفت فيه : قال بعضهم : دلوك الشمس زوالها  إلى غسق الليل  أي إلى ظلمة الليل. ومنهم من يقول : فيه ذكر صلاة النهار لأنه ذكر دلوك الشمس، وهو زوالها  إلى غسق الليل  وغسق الليل هو بدء ظلمة الليل، فيدخل فيه الظهر والعصر. فعلى تأويل هذا يكون حرف  إلى  غاية، لا تدخل صلاة الليل فيه. 
ثم تخصيص الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر له بإقامة الصلاة، يكون كأنه قال : أقم لهم الصلاة. ( فإن )[(٣)](#foonote-٣) كان هذا ففيه دلالة صحة صلاة القوم بصلاة الإمام وتعلق صلاتهم بصلاة الإمام حين[(٤)](#foonote-٤) قال : أقم لهم الصلاة. ولو كان كل أحد، يقيم صلاة نفسه لكان لا يقول : أقم لهم الصلاة، ولكن يقول : صل الصلاة، فدل أنه ما ذكرنا. 
ثم قوله : لدلوك الشمس  يحتمل وجهين :
أحدهما : أقم الصلاة للذي تدلك له الشمس كقوله : يتفيؤا ظلاله  ( النحل : ٤٨ ). 
والثاني : أقم الصلاة  للوقت الذي يلي دلوك الشمس  إلى غسق الليل، وأقم قرآن الفجر أي صلاة الفجر )[(٥)](#foonote-٥) ثم تخصيص الفجر لما ذكر حين[(٦)](#foonote-٦) قال :{ إن قرآن الفجر كان مشهودا  فالتخصيص[(٧)](#foonote-٧) لقرآن الفجر لأنه مشهود، والفرضية بها لقوله : أقم  قراءة الصلاة على ما ذكرنا ثم قوله : إن قرآن الفجر كان مشهودا  أي لم يزل في علم الله  كان مشهودا  أو صار مشهودا ثم قوله[(٨)](#foonote-٨) : وقرآن الفجر  وصلاة الفجر. 
وإنما ذكر صلوات النهار، فدخلت[(٩)](#foonote-٩) صلاة الليل بقوله : ومن الليل فتجهد به لكنهم يقولون : إن التهجد بعد النوم، وقد يكره النوم قبل فعل المغرب والعشاء، فلا يصح هذا. 
و منهم من يقول : دلوك الشمس غروبها، وهو قول عبد الله بن مسعود وغيره. 
وقال بعضهم : فيه ذكر صلوات الليل لأنه ذكر بدء ظلمة الليل، وذلك بالغروب، وقرآن الفجر لأنه[(١٠)](#foonote-١٠) هو آخر ما تنتهي( به )[(١١)](#foonote-١١)ظلمة الليل ( ولأنه به )[(١٢)](#foonote-١٢) تبقى ظلمة الليل إلى وقت الفراغ من الفجر. 
وقوله تعالى : وقرآن الفجر يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : القرآن يكون كناية عن صلاة الفجر، كأنه قال : إقرإ الصلاة  لدلوك الشمس  وأقم أيضا صلاة الفجر لأنه نسق الأول. 
وقال ثاني : وقرآن الفجر  أي قراءة[(١٣)](#foonote-١٣) الفجر، أي أقم قراءة الفجر. 
ويجوز أن يقال : القرآن مكان القراءة كقوله : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه  ( القيامة : ١٨ ) أي قراءته. 
ثم من الناس من احتج بفرضية القراءة في الصلاة بهذا لأنه نسق على الأول على ما ذكرنا، كأنه ( قال )[(١٤)](#foonote-١٤) : وأقم القراءة. ومنهم من يقول : إنما حث على قراءة الفجر دون غيرها من الصلوات لما طول القراءة فيها لتقصيرها عن الأربع لأنه لم يجعل غيرها من الصلوات ركعتين، فحث على قراءتها لهذا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن قرءان الفجر كان مشهودا  قال عامة أهل التأويل : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ( أي حرس الليل )[(١٥)](#foonote-١٥) وحرس النهار، وعلى ذلك رويت الآثار عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة. 
وقوله تعالى : إن قرءان الفجر كان مشهودا  أي قراءة الفجر، تشهدها[(١٦)](#foonote-١٦) ملائكة الليل وملائكة النهار. على هذا حمله أهل التأويل، وعلى ذلك رويت الأخبار. وإلا جاز أن يقال فيه ( وجه )[(١٧)](#foonote-١٧) آخر، وهو أن تشهده القلوب والأسماع[(١٨)](#foonote-١٨) والعقول، لأن ذلك الوقت، هو وقت الفراغ عن جميع الأشغال والموانع التي تشغل عن الاستماع والفهم عنه مالا يكون ذلك الفراغ لغيرهما من الصلوات من صلاة المغرب والعشاء لأنهما يقرب من الأشغال والحوائج. ألا ترى أن الجهر بالقراءة إنما جعل في الأوقات التي هي أوقات الفراغ عن الاشتغال، وهي المغرب والعشاء ؟ ثم وقت الفجر هو أخلى وقت عن غيره لأنه بعد فراغ النوم وقبل هجوم وقت التغلب، فالقراءة ( فيه أسمع، والقلوب أشهد له )[(١٩)](#foonote-١٩). لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : هي..
٢ في الأصل و. م : وهي..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و. م : حيث..
٥ في الأصل و. م : الصلاة..
٦ في الأصل و. م : حيث..
٧ الفاء ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل و. م : قال..
٩ في الأصل و. م : فدخل..
١٠ في الأصل و. م : إن..
١١ ساقطة من الأصل و. م..
١٢ في الأصل و. م : لأنه..
١٣ من م، في الأصل: قرآن..
١٤ ساقطة من الأصل و. م..
١٥ من م، ساقطة من الأصل..
١٦ في الأصل و. م: تشهده..
١٧ ساقطة من الأصل و. م..
١٨ في الأصل و. م : والسمع..
١٩ في الأصل و. م: فيها والقلوب أشهد لها..

### الآية 17:79

> ﻿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [17:79]

الآية٧٩ : وقوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك  قال بعضهم : النافلة الغنيمة كقوله : يسألونك عن الأنفال  ( الأنفال : ١ ) أي الغنائم/٣٠٧-ب/وقوله نافلة لك  أي غنيمة لك تغنم بها الغنائم أو كلاما [(١)](#foonote-١) نحو هذا. 
وقال الحسن : قوله  نافلة لك  ( أي خالصة لك )[(٢)](#foonote-٢) وخُلُوصُهُ له ( هو أنه )[(٣)](#foonote-٣) لا يغفل هو عن شيء منها في حال من الأحوال، وغيره من الناس يغفلون فيها عن أشياء. 
وقال بعضهم : ذكر أنه نافلة لم لأنه كان مغفورا له ؛ فما يعمل يكون له نافلة. وأما غيره فإن ما يعمل من الخيرات، يكون كفارة لذنوبه[(٤)](#foonote-٤)، فلا يكون نافلة، والله أعلم. 
وقوله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا  قال ( بعضهم )[(٥)](#foonote-٥) : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا  تحمد عاقبته بالتهجد، أي يبعثك ربك مقاما تحمد أنت ( تلك )[(٦)](#foonote-٦) العاقبة جزاء تهجدك في الدنيا. وقال بعضهم : مقاما محمودا  ما يحمده كل الخلائق الأولون والآخرون. وقال بعضهم : مقاما محمودا  هو مقام الشفاعة، والله أعلم، أي تشفع لأمتك[(٧)](#foonote-٧) وأهل العصيان منهم. 
وجائز أن يكون هو صلة ما تقدم من قوله : فتقعد مذموما مخذولا  ( الإسراء : ٢٢ ) وقوله : فتقعد ملوما محسورا ( الإسراء : ٢٩ ) وقوله : فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ( الإسراء : ٣٩ ) وما سمع من المواعيد ؛ لما سمع هذا ؛ وقرع سمعه ذلك، أخافه، وأفزعه، فنزل قوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا  إن عبدت الله، وأطعته في جميع أموره ونواهيه، وأقمت الصلاة والصيام.

١ في الأصل و. م : كلام..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م : وهو أن..
٤ في الأصل و. م : لذنوبهم..
٥ ساقطة من الأصل و. م..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ اللام ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:80

> ﻿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [17:80]

الآية : ٨٠ : وقوله تعالى : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق  ظاهر هذا الخطاب يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين[(١)](#foonote-١) أمره أن يدعو مما ذكر، وقد عرف هو ما أمره من الدعاء بقوله : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق فلا حاجة، تقع لنا إلى أن نطلب المراد من ذلك إلا أن يكون لغير في ذلك اشتراك، فعند ذلك نتكلف فيه، ونطلب المراد منه. 
وقد تكلم أهل التأويل في ذلك ؛ قال بعضهم : قوله : وقل رب أدخلني مدخل صدق  كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم أمر بالهجرة منها إلى المدينة، وأمر أن يدعو بهذا الدعاء  رب أدخلني  في المدينة  مدخل صدق  آمنا على زعم اليهود  وأخرجني  من المدينة إلى مكة  مخرج صدق  آمنا على زعم كفار مكة ظاهرا عليهم. ألا ترى أنه قال : واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا  عليهم، ففعل الله ذلك له، وأجابه ؟ 
وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف السلطان، يتوجه إلى وجوه ثلاثة : يكون مرة عبارة عن حجة قاهرة غالبة، ويكون ( مرة )[(٢)](#foonote-٢)عبارة عن ولاية نافذة غالبة، ويكون ( مرة ) [(٣)](#foonote-٣) عبارة عن اليد الظاهرة الغلبة أيضا. وقد كان بحمد الله ومنته لرسول الله على الكفرة ذلك كله. 
وقال بعضهم : رب أدخلني مدخل صدق  في مكة ليعلم أهل مكة أني قد بلغت الرسالة  وأخرجني  منها  مخرج صدق  ليعلم يهود المدينة أني نُصُرِتُ، وبََلّغْتُ ما أمرت به. 
وقال الحسن : أخرجني من مكة  مخرج صدق  وأدخلني في الجنة  مدخل صدق  في ما حَمَّلْتَني من الرسالة والنبوة وما أمرتني بها لأؤديها على ما أمرتني وأُبَلِّغ الرسالة إلى الخلق على ما كلفتني،  وأخرجني مخرج صدق  أي أخرجني مما كلفتني سالما، لا تَبِعَة علي، أو كلاما[(٤)](#foonote-٤) نحوه. 
وأصله كأنه أمره أن يسأل ربه في جميع أفعاله وأقواله وفي جميع ما يتعبده به من الدخول في أمر أو الخروج منه ؛ إذ لا يخلو العبد من هذين من الدخول في أمر والخروج منه. سأله الصدق في كل حال وكل دخول وكل خروج. 
وقال مجاهد : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق  في الرسالة والنبوة، وهو ما ذكرنا. 
وقوله تعالى : واجعل من لدنك سلطانا نصيرا قال بعضهم : حجة منه، وقد أقامها على الكفرة. وقال بعضهم : سلطانا نصيرا أي اجعل في قلوب الناس هيبة ليهابوني، وقد كان في الهيبة بحيث هابوه من مسيرة شهرين. وقال بعضهم : هو السلطان الذي ينصرون به الدين، ويقيمون الحدود والأحكام نحوه. 
وقيل السلطان هو إقامة الحدود والأحكام والشرائع، وهو تفسير الولاية، لأنه بالولاية ما يقيمها، وهو ما ذكرنا من الولاية وإقامة الأحكام. 
ثم قيل في الصدق والإخلاص : قال بعضهم : الإخلاص هو ألا يجعل ( المرء لشيء )[(٥)](#foonote-٥) بقلبه نصيبا لأحد سواه، والصدق ( إن جعل فلا )[(٦)](#foonote-٦) يجد لذلك لذة. 
الصدق عندنا أن يجعل الفضل في جميع أفعاله لله تعالى، لا يجعل لنفسه شيئا من الفضل. وعلى ذلك يلزمه الشكر لربه في جميع خيراته. 
وعن الحسن ( أنه )[(٧)](#foonote-٧) قال : لما مكر كفار ( مكة )[(٨)](#foonote-٨) برسول الله صلى الله عليه سلم ليثبتوه، أو يقتلوه، أو يخرجوه، أراد[(٩)](#foonote-٩) الله تعالى بقاء أهل مكة، فأمر نبيه أن يخرج منها مهاجرا إلى المدينة، وعلمه ما يقول، فأنزل الله : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا  وعده الله ( بأن ينزع )[(١٠)](#foonote-١٠) ملك فارس والروم، ويجعله لأمته.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في الأصل و م : كلام..
٤ في الأصل و م : كلام..
٥ في الأصل و. م : الشيء..
٦ في الأصل و. م: وإن جعل لا..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و. م: فأراد..
١٠ في الأصل و. م: لينزعن..

### الآية 17:81

> ﻿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [17:81]

الآية٨١ : وقوله تعالى : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا  قال بعضهم : جاء الحق، وهو لإسلام، وقيل : جاء الحق القرآن، وقيل : جاء الحق يا محمد. أو يقول : جاء آثار الحق، فذهب الباطل وآثاره، أو جاء حجج الحق وبراهينه، وذهب شبه الباطل وتمويهاته. والحق يحتمل ما ذكرنا من الإسلام ورسول الله. 
وقوله تعالى : وزهق الباطل  أي ذهب، وبطل غيره من الأديان وغيره من المذاهب وعبادة الأصنام ونحو ذلك. 
قالوا : وأصله أن الناس كانوا في حيرة وتيه قبل بعث الرسول لما كانوا فقدوا دين الله وسبيله منذ كان رفع عيسى من الأرض إلى السماء، لا يجدون سبيل الله، ولا يهتدون إلى شيء، حيارى، حزانى، حتى بعث الله محمدا ليدعوهم إلى دين الله، ويبين لهم سبيله الذي كان يتمسك به الأنبياء من قبله ويخرجهم من تلك الحيرة التي كانوا فيها، ففعل صلى الله عليه وسلم فذلك الذي قال الله تعالى : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا  الذي فقدوه، فسروا بذلك  وزهق الباطل  أي ذهب، واضمحل  إن الباطل كان زهوقا أي ذاهبا مضمحلا، لا يجدي خيرا، ولا يعقب لأهله نفعا، والحق هو الذي يعقب، ويُجدي نفعا لأهله. 
ثم قوله : وقل جاء الحق وزهق الباطل  لم يفهم أهل الخطاب بمجيء الحق، الانتقال من مكان إلى مكان ولا بذهاب الباطل على ما يفهم من مجيء فلان وذهاب فلان، بل فهموا من مجيء الحق ظهوره وعلوه، وفهموا من زهوق الباطل وذهابه فناءه واضمحلاله وتلاشيه. 
وعلى ذلك لم يفهموا من مجيء الأعراض ما فهموا من مجيء الأجسام والأجساد. فعلى ذلك لا يجب أن يفهموا من قوله  وجاء ربك والملك صفا صفا ( الفجر : ٢٢ ) الانتقال من مكان إلى مكان، وكذلك لا يفهم من قوله : ثم استوى على العرش  ( الأعراف : ٥٤ و. . ) استواء الخلق ولا من نزوله نزول الخلق على ما لم يفهم مما أضيف إلى الأعراض من الأفعال ما فهموا من الأجساد والأجسام، بل فهموا من الآخر. 
فعلى ذلك لا يفهم مما أضيف إلى الخلق، بل يتعالى عن أن يشبه الخلق، أو يشبهه الخلق في معنى من المعاني أو في وجه من الوجوه، بل هو كما وصف نفسه ( بقوله )[(١)](#foonote-١)  ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : ١١ )وقوله : سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا  ( الإسراء : ٤٣ ).

١ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:82

> ﻿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [17:82]

الآية ٨٢ : وقوله تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء  كأن الآية نزلت في ابتداء الأمر حين[(١)](#foonote-١) قال : وننزل  ولم يقل : ونزلنا من القرآن ما هو شفاء  وجائز أن يكون قوله : وننزل من القرآن ما هو شفاء  نفس القرآن، وهو ما ذكرنا. 
ويَحْتَمِلُ المواعيد التي في القرآن من وقائع، تكون عليهم، وكان ذلك شفاء للمؤمنين كقوله : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم / ٣٠٨-أ/ الآية ( التوبة : ١٤ ) أو نقول بأنه يجوز : نفعل بمعنى فعلنا، وذلك كثير القرآن. 
ثم قوله : شفاء ورحمة للمؤمنين  أي شفاء للمستشفين في الدنيا، ورحمة لمن تمسك به، وعمى وخسارة وظلمة لمن أعرض عنه، ونظر إليه بعين الاستخفاف والاستثقال. 
وأما من نظر إليه بعين التعظيم والإجلال فهو له شفاء ورحمة. 
وإن كان القرآن نفسه ( كان )[(٢)](#foonote-٢) شفاء ونورا. وهكذا في الشاهد : أن من أبصر شيئا إنما يبصر بنور البصر و بنور الهواء بارتقاء[(٣)](#foonote-٣) ما يسر النورين جميعا، لأنه إذا كان أعمى[(٤)](#foonote-٤) البصر لم يبصر شيئا، وإن كان نورا الهواء متجليا، وكذلك لا تبصر شيئا إذا كان نور البصر متجليا بعد أن سترت الظلمة نور الهواء. 
فإن ما ذكرنا أنه لا يبصر في الشاهد شيئا إلا بنورين : نور البصر ونور الهواء، فالكافر لم يبصر القرآن وشفاءه لما سترت الظلمة نور قلبه، والمؤمن أبصر نوره وشفاءه بنور إيمانه. وهكذا الأدوية فإنها لا تجدي نفعا، وإن كانت نافعة شافية في نفسها، إلا بقبول الطبيعة، لأن الطبع إذا لم يقبلها، وإن كانت شافية نافعة، لن تنفع صاحبها، ولم يكن له[(٥)](#foonote-٥) شفاء، وصارت كأنها في الأصل كانت ضارَّةَ غير شافية فعلى ذلك القرآن، وإن كان في نفسه شفاء ونورا، وصار للكافر عمى وخسارا، كأن لا شفاء فيه، ولا رحمة لما سترت ظلمة الكفر نوره، فصار كالزائد له رجسا وطغيانا ونفورا، وهو ما قال : ولا يزيد الظالمين إلا خسارا والله أعلم.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في م : بارتفاع.
٤ في الأصل و. م: عمى..
٥ في الأصل و. م: لهم..

### الآية 17:83

> ﻿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [17:83]

الآية٨٣ : وقوله تعالى : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه  يشبه أن تكون النعمة التي ذكر، هو محمد لما ذكرنا أنهم كانوا في حيرة وعمى، لا يجدون السبيل إلى دين الله،  وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ( فاطر : ٣٢ ) فذلك ( هو )[(١)](#foonote-١) الإعراض الذي ذكروا، والله أعلم. فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ليدعوهم إلى دين الله، ويبين سبيله، فذلك منه نعمة عظيمة ؛ وأعرضوا عنه، وتباعدوا عنه. 
ويشبه أن يكون ما قاله أهل التأويل : إنه إذا وسع الرزق والعيش أعرض عن الدعاء له، وتباعد بجانبه. 
وقوله تعالى : وإذا مسه الشر كان يئوسا  أي يائسا من الخير ألا يعود إليه أصلا. وهكذا كانت عادتهم أنهم كانوا يخلصون الدعاء له، إذا مسهم سوء وأصابتهم شدة، ويكفرون به إذا انجلى ذلك لهم، وانكشف، كقوله : فإذا ركبوا في الفلك الآية ( العنكبوت : ٢٥ ) ( وقوله )[(٢)](#foonote-٢) : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وأمثاله. 
وكان الناس كلهم فرقا أربعة : منهم من كان مذهبهم ما ذكرنا أنهم كانوا يخلصون له الدعاء في حال الشدة، ويكفرون في حال الرخاء. ومنهم من كان يؤمن في حال الرخاء والنعمة، ويكفر في حال الشدة كقوله : ومن الناس من يعبد الله على حرف  الآية ( الحج : ١١ ) وهم أهل النفاق. ومنهم من يكفر في الأحوال كلها كقوله [(٣)](#foonote-٣) :
والفرقة الأربعة هم أهل الإسلام، يؤمنون به في حال الرخاء وفي حال الشدة في الأحوال كلها. 
على هذا كانوا في الأصل، وعلى هذا يجيء أن يكون قوله : وإذا مسه الشر كان يئوسا  من الأصنام كقوله : ضل من تدعون إياه  ( الإسراء : ٦٧ ) فيكون إيَاسُهُم من الأصنام التي عبدوها. 
لكن أهل التأويل صرفوا إلى ما ذكرنا من الإياس من الخير من ألا[(٤)](#foonote-٤) ( يعود إليهم ).

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ أدرج بعدها في الأصل و. م: بياض في الأصل، ولعل المقصود قوله تعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا..
٤ في الأصل و. م : أن..

### الآية 17:84

> ﻿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا [17:84]

الآية ٨٤ : وقوله تعالى : قل كل يعمل على شاكلته لسنا نعلم أنه أي سبب كان هنالك حتى قال : قل كل يعمل على شاكلته  ؟ إذ لا يجوز أن يقال هذا بلا سبب كان منهم ابتداء. لكن يشبه أن يكون )[(١)](#foonote-١) قال هذا على الإياس من إيمانهم لما لم يزدهم دعاؤه إياهم وكثرة تلاوة آياته عليهم وإقامة حججه عليهم إلا عنادا وإنكارا. فقال عند ذلك : قل كل يعمل على شاكلته  أي على دينه وطريقته كقوله : لكم دينكم ولي دين  ( الكافرون : ٦ ) وكقوله : وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون  ( يونس : ٤١ ) فهو كله على الإياس من أن يؤمنوا به، ويقبلوا دينه. 
ثم قال : فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا  أي ربكم أعلم بمن منا على الهدى ومن ليس، أو من[(٢)](#foonote-٢) منا أهدى سبيلا نحن أو[(٣)](#foonote-٣) أنتم ؟ 
وقال أبو عوسجة : الشاكلة : الحاضرة [(٤)](#foonote-٤)، أي على ناحيته. 
وقال القتبي : شاكلته أي على خليقته. وقال : قطرب : على طريقته، وكان هذا أشبه. وقال بعضهم : على نيته. وقيل : على دينه ومذهبه وقيل : على جديلته ومنهاجه. وكله يرجع إلى واحد. ويشبه أن يكون : أي كل يعمل[(٥)](#foonote-٥) بما هو الشبيه به وما هو يشبهه، لأن الشكل هو ما يشبه الشيء ؛ يقال : هذا شكل هذا. 
وقوله تعالى : قل كل يعمل على شاكلته على قول من يقول : على خليقته ( التي )[(٦)](#foonote-٦) خلق عليها، لأنه على ما علم منه ما[(٧)](#foonote-٧) يختار، ويُؤَثِرُ، والله أعلم. 
وقوله تعالى : إن الباطل كان زهوقا ( الإسراء : ٨١ )قيل : ذاهبا باطلا، لا يجدي لأهله نفعا، لأنه يتلاشى، ولا يبقى، والحق يجدي لأهله نفعا، ويبقى. وعلى ذلك ضرب الله مثل الحق بالشيء الذي يبقى، وضرب مثل الباطل بالذي لا يبقى ولا يثبت، فقال : كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض  ( الرعد : ١٧ ) وقد ذكرنا في موضعه ضرب مثل الباطل بالزبد، وهو يتلاشى، ولا ينتفع به. فعلى ذلك الباطل. 
وضرب مثل الحق بالماء، وهو يبقى في الأرض، وينفع الناس، وضرب مثل الباطل أيضا بالشجرة الخبيثة التي اجْتُثَتْ من فوق الأرض، ولا يكون لها قرار بقوله : ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة  الآية ( إبراهيم : ٢٦ ) وضرب مثل الحق بالشجرة الطيبة الثابتة في الأرض ذات القرار والثبات بقوله : ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء  ( إبراهيم : ٢٤ ) فهو على ما وصفها : الحق ثابت باق، وله قرار، ينفع أهله، والباطل يرى، ثم يتلاشى، ولا بقاء.

١ ساقطة من م..
٢ ساقطة من م..
٣ في الأصل و. م: و..
٤ من م، في الأصل : الحافرة..
٥ في الأصل و. م : عمل..
٦ ساقطة من الأصل و. م..
٧ في الأصل و. م : أنه..

### الآية 17:85

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [17:85]

الآية ٨٥ : وقوله تعالى : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي  ( اختلف فيه :
قال أبو بكر الأصم : الروح القرآن ههنا كقوله : ينزل الملائكة بالروح من أمره  ( النحل : ٢ ) وكذلك قوله : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  الآية ( الشورى : ٥٢ )  قل الروح من أمر ربي [(١)](#foonote-١) أي من تدبير ربي، ما لو اجتمع الخلائق ما قدروا على مثله. 
فإن قيل : كيف سألوا عن القرآن، وهم لم يقروا بالقرآن ؟ قيل[(٢)](#foonote-٢) : سموه قرآنا وروحا على ما عنده ؛ أعني عند رسول الله كقوله  وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق  ( الفرقان : ٧ ) وهم لم يكونوا أقروا أنه رسول، ولكن سموه رسولا لما عند نفسه وزعمه ( أنه )[(٣)](#foonote-٣) رسول، أي ما لهذا الذي يزعم أنه رسول يأكل الطعام ؟ فعلى ذلك قوله : ويسألونك عن الروح  وهو الذي به حياة الأبدان من هلاك الضلال، أي من تمسك به نجا من هلاك الضلال. 
وقوله تعالى : قل الروح من أمر ربي  أي بأمر ربي يَنْزِل. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )[(٤)](#foonote-٤) قال : قل الروح من أمر ربي  أي من خلق ربي ما ( لو اجتمع الخلائق ما قدوا على مثله )[(٥)](#foonote-٥) وهما[(٦)](#foonote-٦) واحد. 
وقال بعضهم : الروح هو الملك، وإنما سألوه عنه كقوله : تتنزل الملائكة والروح فيها  ( القدر : ٤ ) يعني المَلَكَ. 
وقال بعضهم : إنما سألوه عن الروح المعروف الذي به حياة الأبدان، لكنه لم يجبهم، فوكل أمره[(٧)](#foonote-٧) إلى الله لما لا يدركون ذلك، لو بين لهم وأمثاله. 
وروي عن ابن يوسف، رحمه الله، أنه كان ينهى عن الخوض[(٨)](#foonote-٨) في الكلام، ويحتج بظاهر هذه الآية حين[(٩)](#foonote-٩) سألوه عن الروح، فلم يجبهم، ولكن فوض أمره إلى الله، وما سئل عن الأحكام إلا وقد بين لهم كقوله : يسألونك عن الخمر والميسر  الآية ( البقرة : ٢١٩ ) وقوله[(١٠)](#foonote-١٠) : يسألونك عن الأنفال  الآية ( الأنفال : ١ ) ( وقوله )[(١١)](#foonote-١١) : ويسألونك عن اليتامى  ( البقرة : ٢٢٠ ) ( وقوله )[(١٢)](#foonote-١٢) : ويسألونك عن المحيض  ( البقرة : ٢٢٢ } و( قوله )[(١٣)](#foonote-١٣) : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ( النساء : ١٢٧ ). 
مثل هذا ما سئل ع شيء من الأحكام إلا وقد أجابتهم، وبين لهم بيانا شافيا، وقال ههنا : قل الروح من أمر ربي  وقال جعفر بن حرب : إن الله قد أمر بالتكلم في الكلام بقوله : وجادلهم  الآية ( النحل : ١٢٥ ) وقوله[(١٤)](#foonote-١٤) : فلا ثمار فيهم  الآية ( الكهف : ٢٢ ) ونحوه فكيف نهى عن الخوض في الكلام ؟ 
لكن أبا يوسف إنما نهى/٣٠٨-ب/عن الخوض في الكلام الذي لا يدرك، ولا يزيد الخوض فيه إلا حيرة وضلالا نحو ما روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( تفكروا في المخلوق و تفكروا في الخالق ) ( أبو النعيم في الحيلة ٦/٦٦و٦٧ ) لأنه لا يُدرَك. فالتفكر في ما لا يُدْرَك، لا يزيد إلا عمى وحيرة وتيها. وأما الخوض في الذي يدرك، ويعقل فإنه لم يَنْهَ عن مثله. وأصله ما ذكرنا من إباحة التكلم في الدين والخوض في الكلام في كثير من الآيات. من ذلك قوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن  الآية( النحل : ١٢٥ ) ونحوه. 
قال الشيخ : رحمه الله ولا نفسر الروح : ما هو ؟ لما لا نعلم أنهم ما أرادوا بالروح، وهم قد علموا ما أرادوا، أو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوا ذلك عما في كتبهم ليعلموا صِدْقَهُ ما يدعي من الرسالة لما علموا أن غير الرسول لا يعلم ذلك. والله أعلم. 
وقوله تعالى : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا قال بعضهم : أي ما أوتيتم من العلم الذي به مصالحكم، وما جاءكم إلا قليلا. 
وقال بعضهم : أي ما أوتيتم من العلم الذي عنده إلا قليلا، وهو هكذا : أنا لم نؤت من العلم إلا علم ظواهر الأشياء وباديها، لم نؤت علم بواطن الأشياء وحقائقها. وذلك أنا نعلم أن البصر، يبصر، والسمع، يسمع، واللسان، ينطق، واليد تقبض وتأخذ، والرِّجْلَ، تمشي، والعقل، يدرك. لكن لا نعلم المعنى الذي جعل فيه ؛ به يسمع، وبه يبصر، وبه ينطق، وبه يأخذ، وبه يمشي، وبه يدرك. 
وكذلك نعرف هذه الجواهر التي نشاهدها، ونعاينها، بأن هذا حمار، وهذا ثور، وهذا كذا. ولكن لا نعرف المعنى الذي صار ( فيه )[(١٥)](#foonote-١٥) هذا حمارا، وهذا ثورا. وكذلك كل ( الجواهر والأجناس )[(١٦)](#foonote-١٦) فلا نعرف من العلوم التي أنشأها الله إلا القليل منها : ظواهرها، وأما الحقائق فلا.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و. م: فقال..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ ساقطة من الأصل و. م..
٥ ساقطة من م..
٦ أدرج قبلها في الأصل: فإن قيل..
٧ من م، في الأصل: أمر..
٨ من م، في الأصل: الحق..
٩ في الأصل و. م: حيث..
١٠ في الأصل و. م: و..
١١ ساقطة من الأصل و. م..
١٢ ساقطة من الأصل و. م..
١٣ ساقطة من الأصل و. م..
١٤ في الأصل و. م: وقال..
١٥ ساقطة من الأصل و. م..
١٦ من م، في الأصل : جواهر وأجناس..

### الآية 17:86

> ﻿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [17:86]

الآية ٨٦ وقوله تعالى : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك 
من يقول بأن الروح الذي سألوه عنه هو الوحي، والقرآن الذي أُنْزِلَ عليه يحتج بهذه الآية وبقوله : لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ( الإسراء : ٨٨ ) لما خرج ذِكْرُهَا على إثر سؤال الروح، فدل أنه ما ذكرنا. وقد ضل بهذه الآية فريقان الحَشْوِيَّةُ والمعتزلة. أما الحَشْوِيَّةُ فإنهم يقولون : إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل به موصوفا، وإنه لا يزايله. ثم يقولون : القرآن في المصاحف بعينه، و هو في الأرض و في القلوب. فقولهم متناقض، لأنه إذا كان صفته، لا هو ولا غيره، لا يجوز أن يكون في المصاحف أعني القرآن، و يقال : هذا حكاية عن ذلك. 
و أما المعتزلة فإنهم يُنْكِرُونَ خلق أفعال العباد، ثم يقولون : إن القرآن مخلوق. فعلى زعمهم[(١)](#foonote-١) يكون القرآن والكلام ما يُكتَبُ، ويُثْبَتٌُ، ويُمْحَى، وذلك فِعْلُ العباد، ثم يقولون : أفعالهم غير مخلوقة. فذلك تناقض في القول بَيِّنُ. 
وعلى قولنا : ما ذكر من الذهاب والمجيء ؛ كله المجاز، أي الموافقة لا على الحقيقة كما يقال : سَمِعْتُ كلام فلان وقول فلان ونحوه. فذلك كله على المجاز لا على التحقيق، لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا كلامه ولا حديثه، ولكن يسمع صوتا، يفهم به قوله وكلامه وحديثه. فعلى ذلك الأول، يذهب بالذي يُسْمَعُ، ويُكْتَبُ. أما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك. 
وبعد فإنه، قد أضيف المجيء إلى الذي لا يُعرَفُ منه ذلك. 
ثم يحتمل قوله : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك أن يكون صلة قوله : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي   ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك  حتى لا يظهر به. وإلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لو شاء لذهب بالذي أوحي إليه، وقادر عليه، وله رفعه. وكذلك يعرف هذا كل مؤمن. 
وإن كانت الآية على الابتداء فهو يُخَّرَجُ على ذكر المِنَّةِ والرحمة، أي له أن يرفع هذا الذي أوحي إليه ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة. وكذلك الوحي إليه والابتداء وبعثه رسولا إليهم ( فضل واختصاص لا استحقاق منه واستيجاب )[(٢)](#foonote-٢) كقوله تعالى : والله يختص برحمته من يشاء  ( البقرة : ١٠٥ ) وقوله : قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء  ( آل عمران : ٧٣ ) أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه ( اختصاص منه وفضل واستحقاق )[(٣)](#foonote-٣) منه. 
فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل[(٤)](#foonote-٤) منه. 
**وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه :**
أحدها : ما قالوا :( إن الله لا يختار )[(٥)](#foonote-٥) أحد رسالته ونبوته إلا من كان مستحقا لها ومستوجبا لذلك ؛ وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولا، وبفضله ورحمته أبقاها، وتركها، بعد ما أوحي إليه، وأرسله رسولا. 
والثاني : فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين حين أوعد لهم برفع ما أوحي إليه، وأرسله، وإذهاب به إياه، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما أوعد، إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة. ثم لا شك أن يُقَال : النبوة وترك ما أوحي إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوا عن ذلك. دل أنه قد يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين. 
والثالث[(٦)](#foonote-٦) : أنه يكلف خلقه التوحيد والإيمان، وإن لم يرسل رسولا، ولا أوحي إليه وحيا، لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم لكان خلقه إياهم عبثا ليتركهم سدى، فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته، وإن لم يرسل، ولا أوحي حين[(٧)](#foonote-٧) أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله : إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا .

١ من م، في الأصل: زعم..
٢ في الأصل و. م : فضلا واختصاصا لا استحقاقا منه واستيجابا..
٣ في الأصل و. م : اختصاصا منه وفضلا واستحقاقا..
٤ في الأصل و. م : وفضلا..
٥ في الأصل و. م : أن لا يختار الله..
٦ في الأصل و. م: وفيه..
٧ في الأصل و. م : حيث..

### الآية 17:87

> ﻿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا [17:87]

الآية ٨٧ : وقوله تعالى : إلا رحمة من ربك أي إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفَضْلُهُ أيضا في إبقاء، ذلك ( كبير. 
والرابع )[(١)](#foonote-١) : أن الحفظ والنسيان، وإن كانا من العبد، فلله فيهما صنع، به يحفظ حين[(٢)](#foonote-٢) قال : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك أخبر أنه لو شاء لذهب بالمحفوظ في القلب، وينسيه. دل أن له قدرة في فعل العبد. 
وفي قوله : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك  وجه آخر[(٣)](#foonote-٣) من الحكمة، وهو أن يعلم المؤمنون أن الفضل كله من الله لئلا يردوا لأنفسهم في ذلك فضلا في ذلك ومعنى، وإليه يضيفون[(٤)](#foonote-٤) جميع ما يجري على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : كبيرا وفيه..
٢ في الأصل ز، م : حيث..
٣ هو الخامس..
٤ من م، في الأصل : يصنعون..

### الآية 17:88

> ﻿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [17:88]

الآية ٨٨ : وقوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  يشبه أن يكون هذا صلة قوله : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك . 
ثم قال تعالى[(١)](#foonote-١) : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  ما قدروا عليه، وقوله تعالى : بمثله  أي به كقوله : ليس كمثله شيء  ( الشورى : ١١ ) أي ليس هو شيئا[(٢)](#foonote-٢)، إذ لا مثل له. 
فدل أن قوله : لا يأتون بمثله  أي لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه، وعاينوه، فلأن لا يقدروا على إتيانه ابتداء قبل أن ينظروا فيه، ويعرفوا[(٣)](#foonote-٣) أمثاله أشد وأبعد، إذ نَظْمُ شيء وتصويره[(٤)](#foonote-٤) بعدما عاينوا الأشياء الصور أهونُ وأيسر من تصويرها[(٥)](#foonote-٥) قبل أن يعاينوها، ويشاهدوها[(٦)](#foonote-٦). 
وجائز أن يُسْتَدَلَّ بهذه الآية على أنه كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا حين[(٧)](#foonote-٧) قال : قل لئن اجتمعت الإنس والجن  لأنه لو لم يكن ( مبعوثا إلى الفريقين جميعا لم يكن )[(٨)](#foonote-٨) لذكرهما معنى وفائدة. 
وفيه دلالة أن ( في )[(٩)](#foonote-٩) الجن من لسانه لسان العرب، إذ لو لم يكن ( ذلك لم يكن )[(١٠)](#foonote-١٠) يذكر أولئك. 
ثم جائز أن يكون قوله : قل لئن اجتمعت الإنس والجن  ( الإنس مع الإنس، والجن مع الجن، أو الإنس مع الجن، أي )[(١١)](#foonote-١١) هؤلاء مع هؤلاء  على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله . 
وقال بعض/٣٠٩-أ/أهل التأويل : إنما ذكر هذا لقولهم : إنه سحر  ( المائدة : ١١٠و. . ) وقولهم[(١٢)](#foonote-١٢)  إنما يعلمه بشر  ( النحل : ١٠٣ ) وقولهم : ما هذا إلا إفك مفترى  ( سبإ : ٤٣ ) وقولهم : إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا  ( المؤمنون : ٣٨ ) ومثله. يقولون[(١٣)](#foonote-١٣) : إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا من هذين من الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا  على أن يأتوا بمثل هذا القرآن  ما قدروا عليه. 
والدلالة على أنهم عجزوا عن ذلك، ولم يطمع أحد منهم ( في )[(١٤)](#foonote-١٤) ذلك إلا سفيه، أظهر الله سفهه وكذبه في القرآن حيث قال : قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين   وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ( الأنفال : ٣١و٣٢ ) لم يسأل التوفيق إن كان هو حقا، ولكن سال العذاب  أو ائتنا بعذاب أليم  ( الأنفال : ٣٢ ). 
دل أنه كان سفيها أية السفه بقوله[(١٥)](#foonote-١٥) : إن هذا إلا أساطير الأولين  ثم ارتاب فيه، وشك بقوله : إن كان هذا هو الحق من عندك  وإلا لم يطمع، ولم يخطر ببال أحد من الخلائق التكلف لذلك. دل أنه آية معجزة من الله تعالى. 
ثم اختلف في قوله : على أن يأتوا بمثل هذا القرآن  قيل : مثل نظمه ورصفه، وقيل : مثل حقه وصدقه. 
ويحتمل : مثل حججه وبراهينه. ويحتمل : مثل إحكامه وإتقانه. يحتمل قوله : على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله  هذه الوجوه الخمسة التي ذكرنا. 
ثم قوله : بمثله  يحتمل ما ذكرنا أي بالذي رفع، وذهب به على التأويل الذي جعلناه صلة قوله : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك   قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن  بالذي ذهب به، ورفع  لا يأتون بمثله  أي لا يقدرون عل إتيانه. 
وإن كان هذا الابتداء فهو على المثل، أي لا يقدروا عليه بعد ما قرع سمعهم هذا. فلو كان في وسعهم هذا لفعلوا ليخرج قولهم صدقا وقول الرسول كذبا. فإن لم يفعلوا ذلك، ولم يتكلفوا، دل أنهم عرفوا أن ذلك من الله وأنه آية معجزة خارجة عن وسعهم.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ في الأصل و. م : شيء..
٣ في الأصل و. م: عرفوا..
٤ في الأصل و. م: وتصوره..
٥ من م، في الأصل : تصوير..
٦ في الأصل و. م: ويشاهدونها..
٧ في الأصل و. م : حيث..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ في الأصل : مع الجن أو الإنس مع الجن أو، في م: أو الإنس مع الجن أو..
١١ في الأصل: مع الجن أو الإنس مع الجن أو، في م: أو الإنس مع الجن أو..
١٢ في الأصل و. م: و..
١٣ في الأصل و. م: يقول..
١٤ ساقطة من الأصل و. م..
١٥ في الأصل و. م: و..

### الآية 17:89

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [17:89]

الآية٨٩ : وقوله تعالى : ولقد صرفنا أي بينا. ويحتمل : ضربنا ويحتمل : فرَّقْنَا  للناس في هذا القرآن من كل مثل  أي ذكرنا للناس مثلا على إثر مثل، ومثلا بعد مثل، ما لو تفكروا فيه، وتأملوا لعرفوا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب أنفسهم وسفههم، ولعرفوا الحق من الباطل والمُحِقَّ من المُبْطِلِ. ولكن لم يتفكروا فيه، ولم يتأملوا، وعاندوا. 
وقوله تعالى : من كل مثل  لا يريد كل الأمثال، ولكن ما ذكر[(١)](#foonote-١) من كل مثل ؛ وتفكروا لكان لهم معتبرا. 
وفي قوله : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل  يكون ما ذكر من تصريف الأمثال وضربها للناس وجوه ثلاثة :
أحدها : ضرب المَثَلَ لهذه الأمة لمن[(٢)](#foonote-٢) شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من مكذبهم ومصدقهم بالأمم الماضية ؛ ماذا حل بالمكذبين منهم رسل الله من نقمته وعذابه ؟ وقد أخبر أن تلك سنته في المكذبين منهم، وذكر أن سنته تلك، لا تحول، ولا تبدل، وهي غير مُحَوَّلَة ولا مُبَدَّلَة لواحدة من الأمم. 
والثاني : يحتمل تصريف الأمثال، هو ما بيََّنَ لهم، وذكر ما به صلاح معاشهم ومعادهم وصلاح دينهم ودنياهم، ما لو تأملوا فيها، وتفكروا، أدركوا ذلك. 
والثالث : يكون تصريف الأمثال التي ذكر دعاءه إلى دين الله وسبيله بالحكمة والموعظة الحسنة كقوله : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة  ( النحل : ١٢٥ ). 
إلى هذه الوجوه الثلاثة يصرف جميع ما ذكر من الأمثال في القرآن. 
وقوله تعالى : فأبى أكثر الناس إلا كفورا  يحتمل  فأبى أكثر الناس إلا كفورا  بالأمثال التي ضربها في القرآن وصرفها لهم. أو يقول : فأبى أكثر الناس إلا كفورا  بنعم الله في صرف الشكر إلى غيره، أو كفورا  في وحدانية الله وألوهيته.

١ في الأصل و. م: ذكرنا..
٢ في الأصل و. م: من..

### الآية 17:90

> ﻿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [17:90]

الآيتان ٩٠و٩١ : وقوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا   أو تكون لك جنة من نخيل وعنب  إلى آخر ما ذكر من الأسئلة جميعا من فريق واحد. ويجوز أن يكون من كل فريق سؤال، لم يكن ذلك من غيره من الفرق كقوله : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا  ( البقرة : ١٣٥ )كان من كل ( فريق )[(١)](#foonote-١) غير ما كان من الآخر ؛ كان من اليهود : كونوا هودا تهتدوا، ومن النصارى : كونوا
نصارى تهتدوا. فعلى ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك. 
ثم إن الذي حملهم على هذه الأسئلة المحالة الفاسدة وجوه :
أحدها : سؤاله بما كان يعدهم رسول الله الجنان والأنهار الجارية والبساتين المثمرة، إن هم، تابوا، وأجابوا، وكان يُوعِدُهُم العقوبات، إن تركوا إجابتهم، من إسقاط الأسماء كسفا كقوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام  الآية ( البقرة : ٢١٠ ) سألوه ذلك استعجالا منهم على الاستهزاء كقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها 
( الشورى : ١٨ ). 
( والثاني )[(٢)](#foonote-٢) : أن يكون أهل الكتاب علموا مشركي العرب الذين، لا كتاب لهم، هذه الأسئلة الفاسدة المحالة التي عرفوا لأنهم لا يجابون فيها، ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فإنه لا يجيبهم ليرى ( السَّفَلَةُ منهم والأتباع أن لو كان رسول الله أجابهم لتمادوا[(٣)](#foonote-٣) في طغيانهم وضلالاتهم، ولبقوا[(٤)](#foonote-٤) على ما هم عليه. 
( والثالث )[(٥)](#foonote-٥) : أن يكون الرؤساء منهم والقادة سألوه عن ذلك على علم منهم أنه لا )[(٦)](#foonote-٦) يجيبهم ليرى أتباعهم وسفلتهم أنهم قد حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترضوا لحُجَجِهِ وبَرَاهِينه لئلا ينظروا إلى حججه و براهينه لتبقى لهم الرئاسة والمنافع التي كانت لهم، ولا يذهب ذلك منهم.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و. م: أو..
٣ في الأصل: فيتمادون..
٤ في الأصل: ويبقون..
٥ في الأصل و. م: أو..
٦ ساقطة من م..

### الآية 17:91

> ﻿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا [17:91]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:الآيتان ٩٠و٩١ : وقوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا   أو تكون لك جنة من نخيل وعنب  إلى آخر ما ذكر من الأسئلة جميعا من فريق واحد. ويجوز أن يكون من كل فريق سؤال، لم يكن ذلك من غيره من الفرق كقوله : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا  ( البقرة : ١٣٥ )كان من كل ( فريق )[(١)](#foonote-١) غير ما كان من الآخر ؛ كان من اليهود : كونوا هودا تهتدوا، ومن النصارى : كونوا
نصارى تهتدوا. فعلى ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك. 
ثم إن الذي حملهم على هذه الأسئلة المحالة الفاسدة وجوه :
أحدها : سؤاله بما كان يعدهم رسول الله الجنان والأنهار الجارية والبساتين المثمرة، إن هم، تابوا، وأجابوا، وكان يُوعِدُهُم العقوبات، إن تركوا إجابتهم، من إسقاط الأسماء كسفا كقوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام  الآية ( البقرة : ٢١٠ ) سألوه ذلك استعجالا منهم على الاستهزاء كقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها 
( الشورى : ١٨ ). 
( والثاني )[(٢)](#foonote-٢) : أن يكون أهل الكتاب علموا مشركي العرب الذين، لا كتاب لهم، هذه الأسئلة الفاسدة المحالة التي عرفوا لأنهم لا يجابون فيها، ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فإنه لا يجيبهم ليرى ( السَّفَلَةُ منهم والأتباع أن لو كان رسول الله أجابهم لتمادوا[(٣)](#foonote-٣) في طغيانهم وضلالاتهم، ولبقوا[(٤)](#foonote-٤) على ما هم عليه. 
( والثالث )[(٥)](#foonote-٥) : أن يكون الرؤساء منهم والقادة سألوه عن ذلك على علم منهم أنه لا )[(٦)](#foonote-٦) يجيبهم ليرى أتباعهم وسفلتهم أنهم قد حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترضوا لحُجَجِهِ وبَرَاهِينه لئلا ينظروا إلى حججه و براهينه لتبقى لهم الرئاسة والمنافع التي كانت لهم، ولا يذهب ذلك منهم. 
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و. م: أو..
٣ في الأصل: فيتمادون..
٤ في الأصل: ويبقون..
٥ في الأصل و. م: أو..
٦ ساقطة من م..


---

### الآية 17:92

> ﻿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا [17:92]

الآيتان٩٢و٩٣ : ثم بين أن أسئلتهم التي سألوها سؤال تعنت وعناد، لا سؤال استرشاد وحاجة ما ذكر في قولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا  وقولهم [(١)](#foonote-١) : أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا تقرؤوه . 
دل هذا كله سؤالهم إياه كله سؤال معاندة، لا سؤال استرشاد واستهداء، لأنه لو كانوا يسألون ما يسألون سؤال استرشاد واستهداء لكانوا لا يسألون إسقاط السماء عليهم ؛ إذ لا منفعة لهم في ذلك، وإن في سؤالهم الجنة منفعة. يذكر سفه القوم وتعنتهم وسوء معاملتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
ثم الحكمة والفائدة ( في سؤالهم )[(٢)](#foonote-٢) قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ليعرف المتأخرون معاملة السفهاء، إذ بلوا بهم، أن كيف ( يعاملونهم حتى يعاملوهم مثل )[(٣)](#foonote-٣) معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا  أمره أن يُنَزَّهَ ربه عن أن يكون لأحد الاحتكام عليه والحكم، والذي سألوه احتكام[(٤)](#foonote-٤) منهم على الله. 
وفي قوله : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا  يُنَزَّهَ ربه عن أن يملك سواه ما سألوه من إتيان الجنة، وغير ذلك مما[(٥)](#foonote-٥) ذكر في الآية، والله أعلم. 
وقوله تعالى : هل كنت إلا بشرا رسولا  أي هل كنت إلا بشرا كغيري[(٦)](#foonote-٦) من الرسل الذين كانوا من قبل من البشر، فلم يسألوا هم بمثل الذي تسألونني أنتم من الأسئلة. 
أو إن تسألوا ذلك فلن تجابوا كقوله : أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ( البقرة : ١٠٨ ). 
أو يكون قوله : هل كنت إلا بشرا رسولا  أي ليس للرسول أن يعترض على الرسل بشيء، إنما على الرسول تبليغ ما أرسل، وأمر بتبليغه. أو يقول : إني لا أملك عما تسألونني سوى تسبيح ربي وتنزيهه. 
وقوله تعالى : قل سبحان ربي  أي تعاظم ربي، وتعالى، عن أن يكون لعباده عليه احتكام/٣٠٩-ب/واختيار. 
وقال أبو عوسجة والقتبي : الينبوع العين، والينابيع جمع، والكِسْفَةُ القطعة، والكِسْفُ جمع. وقال غيرهما : الكِسْفُ بالجزم عذاب. و كسفا  مثل قطعا، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: وقوله..
٢ في م: في جعل سفههم، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل: يعاملون، في م: يعاملونهم..
٤ في الأصل و. م : احتكامهم..
٥ في الأصل و. م: ما..
٦ في الأصل و. م : كغيره..

### الآية 17:93

> ﻿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [17:93]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٢:الآيتان٩٢و٩٣ : ثم بين أن أسئلتهم التي سألوها سؤال تعنت وعناد، لا سؤال استرشاد وحاجة ما ذكر في قولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا  وقولهم [(١)](#foonote-١) : أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا تقرؤوه . 
دل هذا كله سؤالهم إياه كله سؤال معاندة، لا سؤال استرشاد واستهداء، لأنه لو كانوا يسألون ما يسألون سؤال استرشاد واستهداء لكانوا لا يسألون إسقاط السماء عليهم ؛ إذ لا منفعة لهم في ذلك، وإن في سؤالهم الجنة منفعة. يذكر سفه القوم وتعنتهم وسوء معاملتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
ثم الحكمة والفائدة ( في سؤالهم )[(٢)](#foonote-٢) قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ليعرف المتأخرون معاملة السفهاء، إذ بلوا بهم، أن كيف ( يعاملونهم حتى يعاملوهم مثل )[(٣)](#foonote-٣) معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا  أمره أن يُنَزَّهَ ربه عن أن يكون لأحد الاحتكام عليه والحكم، والذي سألوه احتكام[(٤)](#foonote-٤) منهم على الله. 
وفي قوله : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا  يُنَزَّهَ ربه عن أن يملك سواه ما سألوه من إتيان الجنة، وغير ذلك مما[(٥)](#foonote-٥) ذكر في الآية، والله أعلم. 
وقوله تعالى : هل كنت إلا بشرا رسولا  أي هل كنت إلا بشرا كغيري[(٦)](#foonote-٦) من الرسل الذين كانوا من قبل من البشر، فلم يسألوا هم بمثل الذي تسألونني أنتم من الأسئلة. 
أو إن تسألوا ذلك فلن تجابوا كقوله : أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ( البقرة : ١٠٨ ). 
أو يكون قوله : هل كنت إلا بشرا رسولا  أي ليس للرسول أن يعترض على الرسل بشيء، إنما على الرسول تبليغ ما أرسل، وأمر بتبليغه. أو يقول : إني لا أملك عما تسألونني سوى تسبيح ربي وتنزيهه. 
وقوله تعالى : قل سبحان ربي  أي تعاظم ربي، وتعالى، عن أن يكون لعباده عليه احتكام/٣٠٩-ب/واختيار. 
وقال أبو عوسجة والقتبي : الينبوع العين، والينابيع جمع، والكِسْفَةُ القطعة، والكِسْفُ جمع. وقال غيرهما : الكِسْفُ بالجزم عذاب. و كسفا  مثل قطعا، والله أعلم. 
١ في الأصل و. م: وقوله..
٢ في م: في جعل سفههم، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل: يعاملون، في م: يعاملونهم..
٤ في الأصل و. م : احتكامهم..
٥ في الأصل و. م: ما..
٦ في الأصل و. م : كغيره..


---

### الآية 17:94

> ﻿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [17:94]

الآية ٩٤ : وقوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى  أي إذا جاء الرسل بالهدى  إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا  وقال في سورة أخرى : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفرون ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين  ( الكهف : ٥٥ ) لكن هذا على الإياس من إيمانهم : إنهم لا يؤمنون إلا عند معاينتهم بأس الله. والإيمان في ذلك الوقت، لا يقبل، ولا ينفعهم. 
وأما قوله : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا  فَيُخَرَّجُ مُخْرَجَ الاحتجاج : لو شاء الله أن نؤمن لأنزل ملائكة كقوله : قالوا لو شاء ربنا لأنزل الملائكة  ( فصلت : ١٤ ) ففيه موضع الشبهة لهم أن يقولوا : هو بشر ( ونحن بشر، فليس هو )[(١)](#foonote-١) أولى بالرسالة إلينا من أن نكون نحن رسلا إليه. فذلك موضع الشبهة، فأجابهم لذلك لما استنكروا، واستبعدوا بعث الرسول إليهم من جوهرهم وجنسهم.

١ في الأصل و. م: فليس هذا..

### الآية 17:95

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [17:95]

الآية ٩٥ : فقال : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين  أي مقيمين ساكنين فيها  لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا  ثم اختلف فيه ( بوجوه :
أحدهما )[(١)](#foonote-١) : لو كان في الأرض ملائكة  أي لو كان سكان الأرض ملائكة، فبعث إليهم رسولا منهم، أكان لهم أن يقولوا : أبعث الله ملكا رسولا ؟ أي أبعث الله إلينا ( رسولا )[(٢)](#foonote-٢) من جوهرنا ؟ أي ليس لهم أن يقولوا ذلك. 
فعلى ذلك إذا كان سكانها البشر ؛ ليس لهم أن يقولوا : أبعث الله إلينا من جوهرنا رسولا ؟ 
والثاني : لو كانت الأرض مكان الملائكة، وهم سكانها لكان لهم[(٣)](#foonote-٣) أن يقولوا  أبعث الله بشرا رسولا  من غير جوهرنا. فأما إذا كانت الأرض مكان البشر، وهم سكانها، فليس لهم أن يُنْكِرُوا بَعْثَ الرسول منهم ومن جوهرهم، لأنهم لا يعرفون الملائكة ولا من كان من غير جوهرهم، ويعرفون من كان من جوهرهم. 
فَبَعْثُ الرسول من جوهرهم أولى لهم من غير جوهرهم. 
والثالث[(٤)](#foonote-٤) : لو كان في الأرض ملائكة وبشر، فعرفوا الملائكة، لكان لهم أن يسألوا رسولا من الملائكة لما عرفوه[(٥)](#foonote-٥). 
فأما إذا كان سكان الأرض ليسوا إلا بشرا، فليس لهم أن يقولوا ذلك لأنهم لم يعرفوا قوى الملائكة ولا قوى الجن، وقد عرفوا قوى البشر، فيعرفون الآيات والحجج من التمويهات إذ عرفوا ( قواهم، ولم يعرفوا )[(٦)](#foonote-٦) قوى الملائكة والجن، فلا يعرفون ما أقاموا أنها آيات وحجج، أو كان ذلك بقواهم، ويعرفون ذلك من البشر إذا خرجت من احتمال وسعهم وقواهم. 
وبعد فإنهم أقروا برسالة البشر، لأنهم لا يعرفون الملائكة إلا بخبر من البشر ( بوجود الملك )[(٧)](#foonote-٧) فليس لهم أن ينكروا رسوله البشر. 
وأصله ما قال : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا  ( الأنعام : ٩ ) لما ذكرنا أنهم لا يعرفون الملائكة ومن كان من غير جوهرهم، فلا بد من أن يكون رجلا، فكان في ذلك تلبيس عليهم على ما أخبر، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: قال بعضهم..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ في الأصل و. م: لكم..
٤ في الأصل و. م: أو يقول..
٥ في الأصل و. م: أعرفوهم..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل و. م : أنه ملك..

### الآية 17:96

> ﻿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [17:96]

الآية ٩٦ : وقوله تعالى : قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا  قال بعضهم : كفى ما أقام الله من الآيات على رسالتي وأني رسول إليكم، إذ كان ذلك من قول كان من الكفرة من إنكار الرسالة. 
و قال بعضهم : يحتمل أن يكون ذلك على الإياس من إيمانهم كقوله : لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا  الآية ( الشورى : ١٥ ). 
وقوله تعالى : إنه كان بعباده خبيرا بصيرا  يذكر هذا، والله أعلم بأنه عن علم بإجابتهم وردهم بعثه إليهم[(١)](#foonote-١) رسولا لا عن جهل بأحوالهم. وليس في ما يعلم أنهم يردون، ولا يجيبون رسله، خروج عن الحكمة، لأنه ليس في إجابتهم منفعة للرسل ولا ردهم ضرر له. وإنما[(٢)](#foonote-٢) المنفعة في الإجابة لهم، في الرد الضرر عليهم. لذلك لم يكن في بعث الرسل على علم منه بالرد خروج[(٣)](#foonote-٣) عن الحكمة، لأن في الشاهد أن ما يبعث الرسول لمنفعة يتأمل ( أن تصل إليه، أو تدفع ضررا )[(٤)](#foonote-٤) عنه. فإذا علم لأنه يَرُدُّ رسالته ولا يُجيب[(٥)](#foonote-٥) كان في وقت ( بعثه الرسول )[(٦)](#foonote-٦) بعد علمه بالرَّدِّ خروج[(٧)](#foonote-٧) عن الحكمة. 
أو يُخَرَّجُ قوله : إنه كان بعباده خبيرا بصيرا على الوعيد، وكذلك أمثاله. 
وإن احتج علينا بعض المعتزلة بقوله : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى  ( الإسراء : ٩٤ ) يقولون له : منعنا القضاء والقدر ؛ إذ من قولهم : أن من يفعل الإنسان من فعل أو ( معصية )[(٨)](#foonote-٨) أو طاعة فإنما يفعل بقضائه وتقديره. فيكون لهم الاحتجاج عليه بأن يقولوا : منعنا قضاؤك وتقديرك. 
لكن هذا فاسد، لأنهم لا يفعلون هم ما يفعلون عند وقت فعلهم، لأن الله قضى ذلك وقدر، ولو جاز لهم هذا الاحتجاج، لأنه كذلك قضى، وقدر، فإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون ما يفعلون، لأنه كذلك قضى عليهم، وقدر، لم يكن لهم الاحتجاج عليه بذلك، لأن القضاء والقدر لم يضطرهم إلى ذلك، ولا قهرهم عليه. بل كان غيره ممكنا لهم. 
لذلك لم يكن لهم الاحتجاج عليه بذلك، لأن الاحتجاج[(٩)](#foonote-٩) بهذا ؛ أعني بالقضاء والقدر ( لو كان )[(١٠)](#foonote-١٠) لكان لهم الاحتجاج عليه أيضا بالعلم، إذ لاشك أنه علم ذلك منهم ؛ فإذا لم يكن الاحتجاج عليه بما علم منهم ذلك. إذ يقدرون أن يفعلوا غير الذي علم منهم. فعلى ذلك لم يكن الاحتجاج عليه بالقضاء والقدر لما علم أنه يختار ذلك، ويؤثره على ذلك[(١١)](#foonote-١١). 
دل أنه ذلك ليس بشيء لما قضى ذلك عليهم وقدر. وإذا كانوا هم عند أنفسهم، لا يفعلون وقت فعلهم لما كذلك قضى عليهم، فلم يكن الاحتجاج لهم عليه بذلك، إذ القضاء والقدر لم ينعهم عن ذلك لما يضطرون إلى ذلك. وإنما قضى ذلك لما علم أنهم يفعلون، ويختارون ذلك. لذلك ما ذكرنا. وكذلك كل ما قضى في الشاهد على آخر إنما يقضي لما سبق منه العلم به.

١ من م، في الأصل إليه..
٢ الواو ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و. م : خروجا..
٤ في الأصل و. م: وتصل إليه أو دفع ضرر..
٥ من م، في الأصل: يجب..
٦ في الأصل و. م: بعث لرسول إليه..
٧ في الأصل و. م : خروجا..
٨ من م، في الأصل : معصيته..
٩ في الأصل و. م : القضاء..
١٠ ساقطة من الأصل. و. م..
١١ أدرج بعدها في الأصل والعبارة التالية: لجاز ذلك لهم بالعلم ونحوه..

### الآية 17:97

> ﻿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [17:97]

الآية٩٧ : وقوله تعالى : ومن يهد الله فهو المهتد  أي[(١)](#foonote-١) من وفق الله لقبول ما كان ( له )[(٢)](#foonote-٢) من الهدى، وعصمه عما وسوس إليه الشيطان فهو المهتدي عند الله وعند من عقل الهدى  ومن يضلل  أي من خذله، ولم يعصمه حتى يقبل من الشيطان ما جاء به من وساوسه، فهو ضال  فلن تجد لهم أولياء من دونه  يحتمل  فلن تجد لهم أولياء من دونه  يهدونهم لدينهم، ويوفقونهم. أو لن تجد لهم أولياء ينصرونهم من دونه، ويدفعون عنهم ما نزل بهم من العذاب، والله أعلم. 
وقوله تعالى : ونحشرهم يوم القيامة علة وجوههم عميا وبكما وصنما  قال الحسن : يحاسبون حتى يعلموا سوء صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، ثم يحشرون إلى جهنم ( على )[(٣)](#foonote-٣) ما ذكر عميا وبكما وصما، أو كلاما[(٤)](#foonote-٤) نحو هذا. 
ثم يحتمل قوله  الذين يحشرون على وجوههم  ( الفرقان : ٣٤ ) ما ذكر في آية أخرى : يوم يحسبون في النار على وجوههم ( القمر : ٤٨ )وقوله : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب  الآية ( الزمر : ٢٤ ) إنما يتقي بوجهه لما تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم. 
وقوله تعالى : عميا وبكما وصما هذا يحتمل ( وجوها :
أحدهما سماهم )[(٥)](#foonote-٥) عميا وبكما وصما لذهاب منافع هذه الحواس ولذتها في الآخرة، ليس على حقيقة ذهابها، لكن حال بينها[(٦)](#foonote-٦) وبين الانتفاع بما ما ذكر لهم من فوقهم ظلل  الآية :( الزمر : ١٦ ) فتلك الطلل تحول بينها وبين رؤية الأشياء. 
( والثاني )[(٧)](#foonote-٧) : سماهم في الدنيا عميا وبكما وصما، ليس على حقيقة ذهاب ( أعين الحواس )[(٨)](#foonote-٨)، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الحواس في الدنيا، ولم يستعملوها في ما أمروا في استعمالها، نفى ذلك عنهم. فعلى ذلك في الآخرة. 
و( الثالث )[(٩)](#foonote-٩) : يحتمل على حقيقة ذهاب أعين هذه الحواس عقوبة لما لم يستعملوها/٣١٠-أ/في الدنيا لما له خلقت كقوله : قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ( طه : ١٢٥ ). 
وقوله تعالى : مأواهم جهنم  أي مقامهم جهنم، وإليها يأوون. 
وقوله تعالى : كلما خبت زدناهم سعيرا  قال ( بعضهم )[(١٠)](#foonote-١٠) : يخمد لهبها من غير أن يذهب وجع ما أصابهم، ثم يزداد لهم سعيرا. 
وقال بعضهم : كلما خبت أي نضجت جلودهم، وسكنت النار زدناهم سعيرا أي نعود بنار على ما كانت، وجعلت تلتهب، وتستعر كقوله : كلما نضجت جلودهم ( النساء : ٥٦ ). 
وقال بعضهم : وذلك أن النار إذا أكلتهم، فلن يبق غير العظام، وصاروا فحما، سكنت النار، فهو الخبو[(١١)](#foonote-١١) ثم بدلوا جلودا غيرها جددا لها، فتكون وقودا لها، والله أعلم، وكله واحد. 
وقال بعضهم : كلما خبث  أي كلما أحرقتم النار، فصاروا رمادا، خلقوا لها خلقا جديدا، فتعاودوهم النار، فتحرقهم. وذلك قوله : زدناهم سعيرا  وهو قول الله : لا تبقي ولا تدر  ( المدثر : ٢٨ ) لا تبقي منهم شيئا إذا أخذت حتى تحرقهم.

١ من م، في الأصل : أن..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م : كلام..
٥ في الأصل و. م: بوجهين أحدهما : أسمائهم..
٦ من م، في الأصل: بينهما..
٧ في الأصل و. م: و..
٨ في الأصل و. م: و..
٩ في الأصل و. م: أعينها..
١٠ ساقطة من الأصل و. م..
١١ في الأصل و م : الخبت..

### الآية 17:98

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [17:98]

الآية٩٨ : وقوله تعالى : ذلك جزاؤهم  أي ذلك الذي ذكر جزاؤهم  وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا .

### الآية 17:99

> ﻿۞ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا [17:99]

الاية٩٩ : وقوله تعالى : أولم يروا أي أو لم يعتبروا، أو لم ينظروا  أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم  هذا الاعتبار يحتمل وجهين :
أحدهما : إنكم تُقرون أن الله هم خالق السماوات والأرض ( وخالقكم، فخلق السماوات والأرض )[(١)](#foonote-١) على الابتداء، وخلق سائر الخلائق على الابتداء بلا احتداء تقدم، وسبق، أعظم وأكبر ممن هو دونه. فمن قدر على إنشاء ذلك فهو على إنشاء أمثالكم وإعادتكم أقدر. وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من ابتدائه. 
والثاني : تعلمون أنه خلق السماوات والأرض، وخلقكم أيضا، فلم يخلقهما للفناء خاصة ؛ إذ خلق الشيء للفناء خاصة لا لعاقبة عبث ولعب، فدل أنه خلقكم، وخلق السماوات والأرض لعاقبة، وهي العبث. 
وعلى ذلك يخرج قوله : وجعل لهم أجلا لا ريب فيه أنه كائن لا محالة. 
وجائز أن يكون قوله : وجعل لهم أجلا لا ريب فيه جوابا لما استعجلوا من العذاب فقال : وجعل لهم أجلا لا يتقدم عنه، ولا يتأخر، أو أن يكون قوله : وجعل لهم أجلا لا ريب فيه  الموت الذي به تنقضي آجالهم. لكنه[(٢)](#foonote-٢) لم يخلقهم للموت خاصة، ولكن للعاقبة كما ذكرنا. 
وقال القتبي : خبت  أي سكنت ( يقال : خبت )[(٣)](#foonote-٣) إذا سكن لهَبُهَا ( وتخبوا فإذا سكن لهبها )[(٤)](#foonote-٤) ولم يُطْفَأ الجمر قلت : خمدت تخمد خمودا. فإذا طفئت، ولم يبق منها شيء، قيل : هَمَدَتْ تَهْمُدُ هُمُودًا، وقوله تعالى : زدناهم سعيرا أي نارا تتسعر، أي تتلهب. 
وقال أبو عوسجة : السعير النار يقال : سعرت النار إذا أوقدتها، نار مسعورة أي موقودة. 
وقوله تعالى : فأبى الظالمون إلا كفورا أي كفرا بالبعث. الظالمون ههنا، هم الكافرون( ولو قال : فأبى الكافرون )[(٥)](#foonote-٥) إلا ظلما [(٦)](#foonote-٦) كان واحدا.

١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و. م: لكنهم..
٣ ساقطة من. م..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و. م: ظلموا ما..
٦ في الأصل و. م: وقال..

### الآية 17:100

> ﻿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا [17:100]

الآية١٠٠ : وقوله تعالى : قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي لأمسكتم خشية الإنفاق  تحتمل الآية وجوها :
قال[(١)](#foonote-١) بعضهم : هي صلة ما تقدم من أسئلتهم، وهو قوله : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا   أو تكون لك الجنة من نخيل وعنب   أو يكون لك بيت من زخرف ( الإسراء : ٩٠-٩١-٩٣ )وقوله : الو تكون له جنة يأكل منها  ( الفرقان : ٨ ) كانوا يسألون هذه الأشياء على التعنت والعناد والاستهزاء. فأخبر أنه، وإن أعطاهم ما سألوا. لا ( ينفقوا بل يمسكوا )[(٢)](#foonote-٢)عن الإنفاق. 
ومن سنته أنه، أعطاهم ما سألوا على السؤال، فتركوا الإيمان به والوفاء، أهلكهم[(٣)](#foonote-٣). 
فأخبر أنهم يسألون سؤال تَعَنُّتٍِ لا سؤال ما يتوسعون به. 
في الآية إثبات الرسالة، وهو ما بين عن بخلهم وإمساكهم عن الإنفاق. 
وقال بعضهم : قوله : قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق  في قوم خاص، علم الله أنهم لو أعطوا ما سألوا لفعلوا ما ذكر، لا في كل منهم. وهو كقوله : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون  ( البقرة : ٦ ) في قوم، علم الله أنهم لا يؤمنون. فعلى ذلك الأول. 
ويحتمل أن تكون الآية في قوم ضمنوا الله الإنفاق والتوسيع، وعاهدوا الله على ذلك : إن وَسَّعَ عليهم، فأخبر أنهم لا يفعلون ما عاهدوه، وضَمَّنُوا، كقوله : ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين  الآية ( النوبة : ٧٥ ). 
ويحتمل أن يكون هذا إخبارا منه عن طبع الخلق وعاداتهم ؛ وذلك أنهم لما استكثروا من الأموال، وجمعوا، يزداد لهم بذلك حرص على جمعها وبخل على التوسيع والإنفاق لما لم يكن قبل الجمع والاستكثار هذا المعروف في الناس. 
فأخبر أنهم يمسكون عن الإنفاق والتوسيع، إذا ملكوا ما ذكر عن طبع الإنسان بالبخل والتضييق عند الاستكثار ما لم يكن قبل ذلك. 
وقوله تعالى : وكان الإنسان فتورا  يحتمل أن يكون هذا صفة كل كافر، وكذلك قوله : إن الإنسان خلق هلوعا   إذا مسه الشر جزوعا   وإن مسه الخير منوعا  ( المعارج : ١٩و٢٠و٢١ ) تكون عادته[(٤)](#foonote-٤) البخل والجزع عن المصائب. 
وجائز أن يكون هذا صفة كل إنسان في الابتداء ؛ هكذا يكون، ثم بالامتحان والتجربة يصيرون أسخياء صابرين. أو يكون يخبرهم أنهم لو ملكوا، وأعطوا جميع ما يرزقون في عمرهم على التفاريق بدفعة واحدة مجموعا لأمسكوا عن الإنفاق خشية الفقر في آخر عمرهم ؛ إذ لا يعلمون ما ينتهون من آجالهم، فيحملهم ذلك على البخل والإمساك. 
أو يذكر لما أنه جبلهم، وأنشأهم على الإمساك والمنع في الابتداء، وإن كان لم يكن لهم حاجة إلى ذلك ؛ ( ألا )[(٥)](#foonote-٥) ترى الصبيان والصغار من الأولاد يمنعون ما في أيديهم عن غيرهم. وإن لم يكن لهم حاجة إلى ذلك ؟ 
هذا معروف فيهم، وإنما جبلهم، وأنشأهم هكذا ليمتحنهم بالجود والتوسيع والبخل والتضييق، وإلا كانوا في الأصل خلقتهم وابتداء نشأتهم[(٦)](#foonote-٦) على ما ذكرنا أشحة بخلاء، وهو ما أخبر إن الإنسان خلق هلوعا   إذا مسه الشر جزوعا   وإذا مسه الخير منوعا  ( المعارج /١٩و٢٠و٢١ )  وكان الإنسان عجولا ( الإسراء : ١١ ) أنشأهم  جزوعا  عند الألم والمصائب غير صابرين عليها، وكذلك أنشأهم عجولا  لا يصبرون على أمر واحد ولا حال واحد، ثم امتحنهم على الصبر وترك الجزع والعجلة. 
فعلى ذلك قوله : وكان الإنسان فتورا  أي طمعا بخيلا ممسكا مضيقا، و الله أعلم، ثم ترك ذلك ( بالامتحان واعتياد خلافه )[(٧)](#foonote-٧).

١ في الأصل و. م. وقال..
٢ في الأصل و. م: ينفقون بل يمسكون..
٣ في الأصل و. م: إنهم يهلكون..
٤ في الأصل و. م: عادتهم..
٥ ساقطة من الأصل و. م..
٦ في الأصل و. م: أنشا ؤ ا..
٧ في الأصل و. م : واعتياد ذلك وخلافه..

### الآية 17:101

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا [17:101]

الآية١٠١ : وقوله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  هذا، والله أعلم، في ما آتاه من الآيات، وأمره أن يحاج فرعون، وإلا كانت آيات موسى عليه السلام أكثر من تسع ؛ كأنها تبلغ عشرين، وتزداد عليه ؛ إذ كان في عصاه أربع من الآيات : إحداهما : حين[(١)](#foonote-١) ضرب بها البحر فانفلق  ( الشعراء : ٦٣ ). ( والثانية حين ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا  ( البقرة : ٦٠ ) والثالثة : حين[(٢)](#foonote-٢) ألقاها  فإذا هي ثعبان مبين ( الأعراف : ١٠٧ ) والشعراء : ٣٢ ) والرابعة : حين )[(٣)](#foonote-٣) تلفقت حبالهم وعصيهم  فإذا هي تلقف ما يأفكون  ( الشعراء : ٤٥ ) وأمثالها[(٤)](#foonote-٤)، فإنها تبلغ إلى ما ذكرنا. لكنه ذكر تسع ا( لآيات البينات )[(٥)](#foonote-٥) التي أمره الله تعالى أن يحاج بها فرعون وقومه. 
وقوله تعالى : بينات أنها من عند الله جاءت، وأنها ليس من البشر، وأنها سماوية، أو بينات  أي[(٦)](#foonote-٦) مبينات ما تُبِيِّنُ صدق موسى في جميع ما يخبر، ويقول، ويبين عدله في حكمه وفعله، لأن في آيات الرسل يحتاج إلى هذا : تبين للناس صدقهم في قولهم وعدلهم في حكمهم لأنهم يدعون إلى عبادة الله والطاعة له. وذلك يوجبه[(٧)](#foonote-٧) على كل عقل وطبع سليم. فالحاجة إلى الآيات ليست إلا لصدقهم/٣١٠-ب/وعدلهم في حكمهم. 
ثم اختلفت الآيات. قال بعضهم : العصا واليد والحجر والطمس والخمس التي ذكر في سورة  آلمص [(٨)](#foonote-٨) وهي[(٩)](#foonote-٩) قوله : فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم  ( الآية : ١٣٣ ). 
وقال بعضهم : الخمس التي ذكر في سورة  آلمص  والعصا والموت الذي أرسل عليهم واليد البيضاء وانفلاق البحر. 
وقال بعضهم : إنما الخمس التي ذكر في سورة  آلمص  واليد وحل العقدة التي بلسانه، وفي العصا آيتان. 
وقال ابن عباس رضي الله عنه والسِّنُون ونقص من الثمرات. 
ثم منهم من يجعل السنين ونقصا من الثمرات آية واحدة ( ومنهم )[(١٠)](#foonote-١٠) من يجعلها آيتين. وكذلك العصا : منهم من يجعلها[(١١)](#foonote-١١) لآية واحدة، ومنهم من يجعلها[(١٢)](#foonote-١٢) آيتين. ومنهم من يعد الطمس، ومنهم من يَعُدُّ. 
ونحن نجعل العصا آية واحدة، والسنين ونقصا من الثمرات آية واحدة، والطمس آية، والخمس التي ذكرت في سورة  آلمص  فتكون ثماني، وتكون التاسعة قوله تعالى : هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر  ( الإسراء : ١٠٢ ) لأنه  قال لقد علمت  أنها آيات، ولم يكذبه ( فرعون، ولم يستقبله بشيء يكذبه )[(١٣)](#foonote-١٣) في قوله، وهو ما قال : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا  ( النمل : ١٤ ) أخبر أنهم جحدوا بها بعدما استيقنوا أنها آيات، وأنها آيات وحجج ظلما وعلوا. 
وما روى صفوان بن عسال المُراديُّ أنه قال : إن يهوديين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع الآيات[(١٤)](#foonote-١٤) التي ذكر أنه آتاها موسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان، فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة يا يهود ألا تَعْدَوا في السبت. قال : فقبلا يديه ورجليه. وقالا : نشهد أنك نبي الله، فقال : عليه السلام : فما يمنعكما أن تسلما ؟ قالا : إنا أن أسلمنا يقتلنا اليهود )( أحمد ٤/٢٣٩ ). 
فإن ثبت هذا الخبر عنه فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره من التأويل. 
وقوله تعالى : فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم  يعني موسى صلوات الله على نبينا وعليه. 
قال بعضهم : أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل الآيات التسع التي كانت في كتبهم على التقرير عندهم ( ليعلموا )[(١٥)](#foonote-١٥) أنه إنما عرف ذلك بالله، وأنه رسول ( لأنه كان يعرف )[(١٦)](#foonote-١٦) تلك الآيات في كتبهم بغير لسانه، وكان لا يخظ بيده، ولا كان اختلف إلى أحد منهم ليعرف ذلك. فدل أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بوحي السماء. 
وقال بعضهم : ليس هو على الأمر أن يسألهم ذلك. ولكن لو سألتهم لأخبروك عنها كقوله : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( النحل : ٤٣ ). 
وقوله تعالى : فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا  في عقلك، أي سحرت، والمسحور هو المغلوب في العقل. وقولهم متناقض لأنهم قالوا مرة : ساحر، ومرة : مسحور. فالساحر هو الذي يبلغ بالبصيرة غايته، والمسحور المغلوب.

١ في الأصل و. م : حيث..
٢ في الأصل و. م: وحيث كان يضرب بها الحجر فينفجر منه عيونا وحيث..
٣ في الأصل و. م: فصارت ثعبانا وحيث كانت تتلقف..
٤ في الأصل و. م : وأمثاله..
٥ في الأصل آيات، في م : آيات بينات..
٦ من م، في الأصل: أو..
٧ من م، في الأصل: يوجب..
٨ ا لأعراف..
٩ في الأصل و. م : وهو..
١٠ ساقطة من الأصل و. م..
١١ في الأصل و. م: يجعل..
١٢ في الأصل و. م: يجعل..
١٣ من م، ساقطة من الأصل..
١٤ في الأصل و. م : آيات..
١٥ ساقطة من الأصل و. م..
١٦ في الأصل و. م: لما علموا أنه كان..

### الآية 17:102

> ﻿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [17:102]

الآية١٠٢ : وقول تعالى : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر  وقوله  علمت  بالنصب والرفع علمت جميعا قد قرئا[(١)](#foonote-١). وأمكن أن يكون قال في ابتداء الأمر قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض  وقال في آية أخرى لما أقامها عليه : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر  يبصر[(٢)](#foonote-٢) بها الحق من الباطل من لم يعاند، ولم يكابر. 
وقوله تعالى : وإني لأظنك يا فرعون مثبورا قال موسى عليه السلام لفرعون  مثبورا  مقابل ما قاله فرعون حين[(٣)](#foonote-٣) قال : إني لأظنك يا موسى مسحورا  قال بعضهم : مثبورا  هالكا، وقيل : ملعونا، قال بعضهم : مُبَدَّلاً. 
ويحتمل قوله : وإني لأظنك يا فرعون مثبورا أي تدعو على نفسك بالثبور، وهو الهلاك، كقوله : وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقربين دعوا هنالك ثبورا ( الفرقان : ١٣ )أي هلاكا. والظن يكون في موضع الظن، ويكون في موضع العلم.

١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٣٤٠..
٢ أدرج قبلها في الأصل و. م: ما..
٣ في الأصل و. م : حيث..

### الآية 17:103

> ﻿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا [17:103]

الآية١٠٣ : وقوله تعالى : فأراد  يعني فرعون أن يستفزهم من الأرض  قال أهل التأويل : أراد أن يخرجهم، ويستخفيهم من الأرض أي أرض مصر، لكنهم قد كانوا أخرجوا طائعين قبل أن يخرجهم من حيث أمر موسى بإخراجهم بقوله : وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون ( الشعراء : ٥٢ ) فيكون تأويل قوله : فأراد أن يخرجهم من الأرض بالقتل والهلاك في الدنيا. 
ألا ترى أنه قال : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها  ( الأعراف : ١٣٧ ) أراد من مشارق الأرض، وإلا قد كانوا هم قد خرجوا من أرضه على ما ذكرنا، والله أعلم. 
وقوله تعالى : فأغرقناه ومن معه جميعا  هو ما قال في آية أخرى  فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا 
الآية ( يونس : ٩٠ ).

### الآية 17:104

> ﻿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [17:104]

الآية ١٠٤ : وقوله تعالى : وقلنا من بعده لبني إسرائيل  أي بعد هلاك فرعون  اسكنوا الأرض  اختلف فيه :
قال بعضهم : قوله  اسكنوا الأرض  أرض مصر التي[(١)](#foonote-١) كان يسكن فرعون، وهو كقوله : وأورثكم أرضهم ( الأحزاب : ٢٧ ). 
وقال بعضهم : اسكنوا الأرض  أرض الشام والأرض المقدسة كقوله : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم  ( المائدة : ٢١ ). 
وقال بعضهم : اسكنوا الأرض  ليس في أرض دون أرض، ولكن اسكنوا أي أرض شئتم مشارقها ومغاربها آمنين، لا خوف عليكم على ما أراد[(٢)](#foonote-٢) أن يخرجكم من مشارق الأرض ومغاربها، بالقتل كقوله : وأورثناها  الآية( الشعراء : ٥٩والدخان : ٢٨ ) وهو قال ابن عباس رضي الله عنه. وعلى[(٣)](#foonote-٣) هذا قال في قوله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة  بعث عيسى ابن مرين : جئنا بكم لفيفا أي جميعا مجتمعين من مشارق الأرض ومغاربها على ما تفرقوا. 
وقال بعضهم : فإذا جاء وعد الآخرة  يعني حياة عيسى ونزوله من السماء جئنا بكم لفيفا  أي جميعا منتزعين[(٤)](#foonote-٤) من القرى ههنا وههنا، ولُوُّا جميعا، وهو مثل الأول. 
وأما عامة أهل التأويل فإنهم قالوا : فإذا جاء وعد الآخرة  يوم القيامة جئنا بكم لفيفا  أي جميعا : أنتم وفرعن وجنوده حتى يروا كراماتكم التي أُكْرِمْتُمْ بها، ويروا هوانَهُم.

١ في الأصل و. م : الذي..
٢ في الأصل و م: أرادوا..
٣ في من م، في الأصل: وقال.
 في الأصل و م : انتزاع.
٤ في الأصل و م : انتزاع.

### الآية 17:105

> ﻿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [17:105]

الآية ١٠٥ : وقوله تعالى : وبالحق أنزلناه وبالحق نزل  قال الحسن : إن في القرآن حكما وأنباء، وأنباؤه صِدْقُ وحَقُ. وهو كقوله : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا  ( الأنعام : ١١٥ )  صدقا  ما فيه من الأنباء  وعدلا  ما فيه من الحكم العدل، والأنباء ( الصدق، أنزله. ويقال : الصدق في الأخبار والأنباء )[(١)](#foonote-١) والعدل في الأحكام والحق. 
وقوله تعالى : وبالحق نزل  أي بذلك الحق الذي دام، وقًرَّ فيكم، أو كلام نحو هذا. 
ويحتمل قوله : وبالحق أنزلناه  أي بالحق الذي لبعضهم على بعض  وبالحق نزل  أي بذلك الحق الذي لله على خلقه دام، واستقر، بالحق الذي لبعضهم على بعض ثبت، واستقر. 
وأصله أن قوله : وبالحق أنزلناه وبالحق نزل  الحق اسم كل محبوب محمود، والباطل اسم كل مكروه ومذموم. فمن اتبعه صار محبوبا محمودا، ومن خالفه، وترك إتباعه صار مذموما. 
أو يكون قوله : وبالحق نزل  أي لم يأته التغيير والتبديل. 
وقوله تعالى : وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا  أخبر أنه لم يُرْسِلْهُ إلا للبشارة والنذارة. لكن هذا في حق الرسالة، لم يرسله إلا لهذين/٣١١-أ/ اللذين ذكر، و إلا قد كان امتحنه في نفسه بمحن كثيرة، فلم يكن في جميع الأوقات مشغولا بهذين خاصة، لكنه في حق الرسالة لم يرسله إلا لبشارة و نِذَارَة ؛ أي لم يُرسِلَْكَ حافظا ولا وكيلا ولا مُسَلَّطَا عليهم. بل أرسلك لتبليغ الرسالة إليهم. 
ثم البشارة والنذارة هما[(٢)](#foonote-٢) أمران، يكونان في عواقب الأمور : البشارة تكون عاقبة كل محبوب، والنذارة عاقبة كل فعل مكروه ومذموم. 
ثم لقائل أن يقول[(٣)](#foonote-٣) في قوله : وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا  البشارة لمن أجابه في ما أمره به، ودعاه إليه، والنِّذَارَة لمن ارتكب ما نهى عنه. فكيف لا دل هذا على النهي يوجب الحظر والتحريم ( حين الحق )[(٤)](#foonote-٤) النِّذَارَة بارتكاب ما نهى عنه ؟ قيل : إن النذارة عاقبة كل مكروه ومذموم، والبشارة عاقبة كل محبوب ومحمود[(٥)](#foonote-٥)، فيكون ذلك في الآداب وغيرها. ولأن الرسل لم يُبْعَثُوا إلا لتغيير مناكير وفواحش، ظهرت في الخلق ( كالشرك )[(٦)](#foonote-٦) وغيره من الفواحش والمناكير، لم يُبْعَثُوا لصغائر، ظهرت فيهم. ثم أدخل[(٧)](#foonote-٧) الصغائر والآداب في ما أرسل تبعا. و إلا كان سبب إرسالهم الكبائر والفواحش. 
فإذا كان ما ذكرنا كان في النهي نهي أدب ونهي حتم وحكم. وبعد فإن الله تعالى قد أخبر أنه قد يعفو عن كثير من السيئات، وما عفا عنه لمن يُلحِقُ فيه النذارة والوعيد، والله أعلم.

١ من م، ساقطة من الأصل.
٢ في الأصل و. م : وهما..
٣ في الأول و. م: يكون..
٤ في الأصل و. م : حيث ألحقه..
٥ الواو ساقطة من الأصل..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و. م: دخل..

### الآية 17:106

> ﻿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [17:106]

الآية١٠٦ : وقوله تعالى : وقرآنا فرقناه  بالتخفيف والثقيل[(١)](#foonote-١)  فرقناه  بالتخفيف أي أحكمناه، وثَبَّتْنَاهُ حتى  لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  ( فصلت : ٤٢ ) وقال بعضهم : فرَّقْنَاهُ أي[(٢)](#foonote-٢) قطَّعْنَاهُ في الإنزال سورة فسورة وآية فآية على ما أُنْزِلَ لتقرأه على الناس على مكث فهو، والله أعلم لوجوه :
أحدهما : ما ذكر ( في[(٣)](#foonote-٣) ) قوله : و قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك  ( الفرقان : ٣٢ ) فأخبر عز و جل أنه إنما أنزله بالتفاريق  لنثبت به فؤادك  لأن ذلك أثبت في القلب وأيسر في الحفظ. 
والثاني : أنزله التفاريق على قدر النوازل لتتجدد لهم البصيرة، وتزداد لهم الحجة بعد الحجة. ولو كان لم يكن ليتجدد لهم ذلك، ولا تزداد لهم البصيرة. 
والثالث[(٤)](#foonote-٤) : أن يكون أنزله بالتفاريق للتنبيه ليُثْبِتَهُم في كل وقت، ويعظهم في كل حال ؛ إذ ذلك أنْبَهُ لهم وأوعظ من أن يكون مُنَزَّلاً جملة واحدة. 
ألا ترى أن الآية إذا دامت تكون في التنبيه أقل، وإذا كانت متقطعة في الأوقات كانت أخوف وأنبه كسوف الشمس بالليل صار بالدوام غير مخوف ولا منبه لهم للدوام، وكسوفها بالنهار صار تنبيها للانقطاع ؟ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٣/٣٤٢..
٢ في الأصل و. م: و..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: أو..

### الآية 17:107

> ﻿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا [17:107]

الآية١٠٧ : وقوله تعالى : قل آمنوا به أو لا تؤمنوا  ظاهر هذا خروج على التخيير، لكن المراد منه يُخَرَّجُ على حتم المواعظ وتأكيد الوعيد وتغليظه. وكذلك قوله : اعلموا ما شئتم  ( فصلت : ٤٠ ) ظاهره على التخيير، لم يفهموا منه ما خُرِّجَ ظاهره، لكن فهموا منه تأكيد الوعيد وحتم الوعظ. وهكذا المعروف في الشاهد أن إنسانا لو أمر آخر بأمر، ووعظ امْرَأَ، فلم يَنْجَعْ فيه، يقول له : إن شئت فافعل، وإن شئت لا تفعل، على ما لو فعلت، أو لم تفعل، فإنما ضرر ذلك عليك، إن تركته. ونَفْعِهِ يرجع إليك لو فعلت. 
فعلى ذلك قوله : قل آمنوا به أو لا تؤمنوا  فلا ضرر علينا في ترككم الإيمان به، ولا يرجع نفعه إلينا لو آمنتم به، إنما نفعه لكم، وضرره عليكم. إن شئتم فعلتم، وإن شئتم لم تفعلوا. كقوله : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها  ( الإسراء : ٧ ) وكقوله : من عمل صالحا فلنفسه  الآية ( فصلت : ٤٦ ) ونحو ذلك مما يخبر أن كل من عمل خيرا فلنفسه عمل، ومن عمل شرا فعلى نفسه ضرر، ذلك فهذا ينقض على أصحاب الظواهر حين[(١)](#foonote-١) قالوا : يُفْهَمُ من الخطاب ظاهره، لا يتعدى عن ظاهره حين[(٢)](#foonote-٢) لم يجب أن يفهم من قوله : قل آمنوا به أو لا تؤمنوا  التخيير لكن فهموا الوعيد الوكيد وحَتْمَ المواعظ. 
فإن قيل : ما الحكمة في لزوم الأمر وافتراضه إذا كان ما يأمرنا وينهانا لمنافع أنفسنا ( ودفع الضرر عن )[(٣)](#foonote-٣) على أنفسنا ومن لم يعمل في الشاهد فلا لائمة عليه، ولا مؤاخذة ؟ 
قيل : في الحكمة أن يُفْرَضَ علينا السعي في فكاك أنفسنا ودفع الهلاك عن أنفسنا، وفي أمره إيانا أمر بالسعي في فكاك أنفسنا ودفع الهلاك عنها. وحاصل أمره ونهيه يكون لمنفعة لنا، لا له. وكذلك الضرر. 
وعلى ذلك يُخَرَّجُ ( قوله )[(٤)](#foonote-٤) : وما ظلمناهم  الآية{ النحل : ١١٨ )
وعلى ذلك يخرج دعاء آدم عليه السلام وغيره : قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  الآية( الأعراف : ٢٣ ). 
وقوله تعالى : إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا  وهذا أيضا ينقض على أصحاب الظواهر لأنه لا كل من أوتي العلم منهم يَخِرُّ للأذقان على ما خُرِّجَ ظاهره. فدل أن الاعتقاد ليس بالظاهر على ما قرع السمع ولكن على ما توجبه الحكمة. 
ثم قوله : يخرون للأذقان سجدا  على التمثيل، ليس على حقيقة السجود، ولكن على الانقياد لما سمعوا والخضوع له والذلة على ما ذكرنا من التمثيل في قوله : انقلبتم على أعقابكم  ( آل عمران : ١٤٤ ) ليس على حقيقة الانقلاب على الأعقاب، ولكن على التمثيل : الرجوع وترك العمل، فعلى ذلك الأول، وكقوله : فنبذوه وراء ظهورهم 
( آل عمران : ١٨٧ ) على ترك العمل. 
ويحتمل أن يكون السجود كناية عن الصلاة، أي يُصَلُّونَ لله. ويحتمل أن يكون على حقيقة السجود : خَرُّوا لله سجدا إذ تُتْلَى عليهم آيات الله وحججه، وهو كسجود سحرة فرعون حين عاينوا آيات الله وحججه، وهو كقوله : فألقي السحرة ساجدين  ( الشعراء : ٤٦ ) فعلى ذلك يحتمل سجود هؤلاء، والله أعلم.

١ في الأصل و. م: حيث..
٢ في الأصل و. م: حيث..
٣ في الأصل و. م: والضرر على..
٤ ساقطة من الأصل و. م..

### الآية 17:108

> ﻿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [17:108]

الآية١٠٨ : وقوله تعالى : ويقولون سبحان ربنا  عما قالت الملحدة فيه  إن كان وعد ربنا لمفعولا  أي قد كان موعود ربنا لمفعولا. وكذلك قوله : وكان أمر الله مفعولا  ( النساء : ٤٧ ) وقوله[(١)](#foonote-١) : وكان أمر الله قدرا مقدورا  ( الأحزاب : ٣٨ ) أي كان ( ما )[(٢)](#foonote-٢) يأمر الله كائنا ومفعولا، أي قد كان مأتاه[(٣)](#foonote-٣) وعده مفعولا، وهو ما ذكرنا : وعد الله مفعولا.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، في الأصل: يأباه..

### الآية 17:109

> ﻿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩ [17:109]

الآية١٠٩ : وقوله تعالى : ويخرون للأذقان يبكون  فإن كان التأويل من السجود الصلاة ففيه دليل لقول أبي حنيفة، رحمه الله، إن المصلي إذا بكى في صلاته خوفا على نفسه وإشفاقا أو سرورا على ما أنعم الله عليه، وأكرمه ( في )[(١)](#foonote-١) دينه لم تفسد صلاته. وإذا كان البكاء للتسلي مما حل به من الشدائد والبلايا تفسد صلاته. 
وأصله أن البكاء إذا كان لله فلا يفسد الصلاة، وإذا كان لدنيا أو لحاجة نفسه فهو يفسد. 
وقوله تعالى : ويزيدهم خشوعا  أي يزيد ما يتلى عليهم من القرآن[(٢)](#foonote-٢) خشوعا وخضوعا لهم أو الآيات. 
وقال الحسن : الخشوع هو الخوف الدائم في القلب.

١ ساقطة من الأصل و. م..
٢ من م، في الأصل: القرائن..

### الآية 17:110

> ﻿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا [17:110]

الآية١١٠ : وقوله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى  ذكر هذا، والله أعلم، أن العرب كانت لا تعرف الرسل والكتب المنزلة من السماء، ولا يؤمنون بها، وكانت لا تعرف ذكر الرحمان ولا التسمية به، وكذلك غيره من الأسماء لما لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا[(١)](#foonote-١) بألسن الرسل والأنبياء وبالكتب[(٢)](#foonote-٢) المنزلة من السماء. فإذا لم يؤمنوا بالرسل، ولا عرفوا الكتب، حملهم ذلك على الإنكار والجحود لأسمائه، ولذلك  قالوا وما الرحمان  ( الفرقان : ٦٠ ) وقوله : وهم يكفرون بالرحمان  ( الرعد : ٣٠ ) واسمه لما ذكرنا وأن يكونوا أنكروا اسم الرحمان لما لم يعرفوا أنه مأخوذ من الرحمة. 
وأما الله فهم يُسَمُّون كل معبود إلها. وعلى ذلك سموا الأصنام التي كانوا يعبدونها آلهة، ويقولون  وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ( الزمر : ٣ )  ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ( يونس : ١٨ ) فيسمون الله ( إلها )[(٣)](#foonote-٣) لما هو المعبود/٣١١-ب/عندهم. ورجعت عبادتهم الأصنام إلى الله حين[(٤)](#foonote-٤) زعموا  ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ( الزمر : ٣ ) كانوا يطلبون بعبادتهم الأصنام القربة إلى الله. 
لذلك أنكروا غيره من الأسماء. على أن العرب لم ينكروا لشيء واحد اسمين وأكثر، وعرفوا أن اختلاف الأسماء وكثرتها لا يوجب اختلاف المسمى به، ولا يوجب[(٥)](#foonote-٥) عددا منه، وأن ما قالوا : إنه كان يدعوا حتى الآن إلى عبادة واحد، فالساعة يدعو إلى عبادة اثنين وأكثر ؟ إنما قالوا على التعنت والعناد. وإلا قد عرفوا لشيء واحد اسمين، لكنهم أنكروا الله ذلك لما ذكرنا تَعَنُّتاً منهم وعنادا. على هذا يجوز أن تُتَأَوَلَ الآية، والله أعلم. 
ثم اختلف في تخصيص ذكره بهذين الاسمين : قال بعضهم : وجه تخصيصهم لأنهما اسمان مخصوصان له، لا يجوز أن يسمى غيره بهذين الاسمين. وأما غيرُهما من الأسماء فإنه يجوز أن يسمي غيره بها. 
وقال الحسن : خَصَّ بِذِكْرِهِمَا لأنهما اسمان مُعَظَّمَان عند الخلق ما لم يجعل لغيرهما من الأسماء من التعظيم ما جعل لهذين. 
وقال أبو بكر الأصم : خص بالذكر هذين لأن غيرهما من الأسماء أسماء أُخِذَت عن صفاته، وأما هذان فهما ليسا أخذا عن صفاته[(٦)](#foonote-٦). 
وقال الزجاج : الرحمن هو مأخوذ من الرحمة، إلا أنه النهاية في الرحمة، لأنه فعلان، وهو كما[(٧)](#foonote-٧) يقال : غضبان إذا انتهى غضبه غايته، وقوله[(٨)](#foonote-٨) : الرحمان الرحيم  ( الفاتحة : ٢ ) كلاهما من الرحمة إلا أن الرحمة فعلان والفعلان هو النهاية من وصف الرحمة لما ذكرنا، وغيره من الخلائق لا يبلغون في الرحمة ذلك المبلغ. لذلك خص بالذكر الرحمن دون الرحيم. 
وهذا كله واحد، ليس فيه خلاف. وأصله ما ذكرنا : لا يشترك غيره في هذين، ويجوز في غيرهما[(٩)](#foonote-٩). 
وقوله تعالى : فله الأسماء الحسنى  أي أسماؤه[(١٠)](#foonote-١٠) التي يسمى بها كلها الحسنى، ليس شيء منها قبيحا. 
أو يكون قوله : فله الأسماء الحسنى  أي كل ( الأعمال الصالحة والأمور الحسنة )[(١١)](#foonote-١١) له، أي تنسب إليه، وتضاف، ولا يجوز أن يضاف، وينسب إليه ما قَبُحَ منها، وسَمُجَ. 
وأصله ما ذكرنا : إليه ينسب كل حسن وكل صالح على الإشارة والتسمية به، وهو ما نذكر : التحيات لله والصلوات الطيبات إلى آخره، وينسب إليه كل طيب وكل حسن. وقوله تعالى : فله الأسماء الحسنى  هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : له أسماء حسنة، يسمى بها. والثاني : أن كل حسن، يسمي به غيره، فهو راجع في الحقيقة، وهو مسمى به، وكل حسن منسوب إليه. 
وقوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا  اختلف أهل التأويل في ذلك :
قال بعضهم : ولا تجهر بصلاتك  أي لا تجعل صلاتك في مكان غيظا للمشركين  ولا تخافت بها  أي ولا تسرعن أصحابك، فَتٌُخْفِيَ عليهم، لكن ابتغ  بين ذلك سبيلا . 
وقال بعضهم : لا تجعل كل صلاتك في جماعة  ولا تخافت بها  ولا ( تجعلها )[(١٢)](#foonote-١٢) كلها في غير جماعة  وابتغ بين ذلك سبيلا  ولكن اجعل بعضها بالجماعة وبعضها لا بالجماعة. 
وقال بعضهم : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها  أي لا تجاوز الحد في الأمور والأعمال التي أمرتك بها، ولا تُقَصِّرها عن الحد الذي حَدَّدْتُ لك فيها، ولكن ابتغ  بين ذلك سبيلا . 
وقال بعضهم : ولا تجهر بصلاتك  مُرآة للناس  ولا تخافت بها  أي لا ( تجعل بها الإخفاء ) [(١٣)](#foonote-١٣). 
وجائز أن يكون قوله : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها  أي لا تجهر بجميع الأذكار التي في الصلاة أو بجميع القراءات التي فيها، ولا تخافت في الكل، ولكن ( اقرأ )[(١٤)](#foonote-١٤) بعضها بالجهر وبعضها بالمخافتة. 
وقال بعضهم : إنه ( صلى الله عليه وسلم )[(١٥)](#foonote-١٥) كان يجهر في صلاته بحيث يسمعه المشركون فيؤذونه، فأمره ألا يجهرها لئلا ُيؤذوه  ولا تخافت بها  كل المخافتة ( فلا يسمع أصحابك، ولا يأخذوا )[(١٦)](#foonote-١٦) قراءتك. 
وقال بعضهم : ذلك في الدعاء إلى الله وتوحيده في الحق والتبليغ والمسألة وأمثاله. 
ولكن لا يجوز أن يقطع التأويل في هذا وأمثاله، فيقال : أنه كان كذا إلا بخبر منه ثابت، لأن الخطاب به خطاب له. فقطع التأويل فيه والقول على شيء واحد شهادة على الله وعلى رسوله، ولا تحل الشهادة على الله ولا على رسوله إلا بالإحالة أنه أراد ذلك، والله أعلم.

١ في الأصل و. م : إما..
٢ في الأصل و. م : وإما بالكتب..
٣ ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م : حيث..
٥ في الأصل و. م : أوجب..
٦ في الأصل و. م: صفته..
٧ في الأصل و. م: ما..
٨ في الأصل و. م: و إلا قوله..
٩ في الأصل و. م: غيره..
١٠ من م، في الأصل: أسماء..
١١ في الأصل و. م: أعمال صالحة وأمور حسنة..
١٢ ساقطة من الأصل و. م..
١٣ في الأصل و. م : تعجب بها للإخفاء..
١٤ ساقطة من الأصل و. م..
١٥ ساقطة من الأصل و. م..
١٦ في الأصل و. م: فيسمع أصحابك فيأخذوا..

### الآية 17:111

> ﻿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [17:111]

الآية١١١ : وقوله تعالى : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل  ذكر في هذه الآية جميع ما تقع به الحاجة إلى التوحيد، لأن ما نفى التوحيد، وأنكره، إنما نفى لأحد الوجوه التي ذكر. منهم من قال له بالولد، وهم اليهود والنصارى، ومنهم من قال له بالشريك، وهم مشركو العرب، ومنهم من قال له بالولي والعون من الذل، وهم الثَّنَوِيَّةُ ( وغيرهم حين )[(١)](#foonote-١) قالوا : أنشأ هذا النور ليستعين على التخلص من وثاق الظلمة. 
فنزه نفسه، وبرَّأها عن جميع ما قالوا فيه، ونسبوا إليه ؛ لأن الولد في الشاهد إنما يُطلب إما للتلهِّي وإما للاستئناس، والله يتعالى عن أن تقع له الحاجة إلى ذلك، ويتعالى عن أنه يكون له شريك، لأن الشركاء في الشاهد إنما تُتَّخَذُ للمَعُونة والقوة[(٢)](#foonote-٢) بهم على بعض ومالهم[(٣)](#foonote-٣) وما هم فيه. 
والولي من الذل : إنما ( يتخذ )[(٤)](#foonote-٤) في الشاهد للاستنصار والاستعانة على أعدائه. والله يتعالى عن أن تقع له الحاجة إلى شيء من ذلك. 
فنفى عنه جميع المعاني الخلق وجميع ما ينسب إليهم، ويضاف، ويصفون به. 
وقوله تعالى  وكبره تكبيرا  أي صفة بما[(٥)](#foonote-٥)، وصفه نفسه، وانْفِ عنه معاني الخلق، فيكون في ذلك تعظيمه وتكبيره. أو اعرفه بما ذكر ؛ فإذا عرفته هكذا فقد عظمته و كبرته. 
و الولد في الشاهد إنما يُتَّخَذ ويُطْلَبُ لوجوه :
أحدها : للتسلي به والاستئناس عن وحشة. 
( والثاني :)[(٦)](#foonote-٦) لحاجة تمسه، فيستعين به على قضائها. 
( والثالث :)[(٧)](#foonote-٧) لذل يخافه من عدو له، فيستنصر به عليه. والله يتعالى عن أن يُصِيبَهُ شيء من ذلك. 
وقوله تعالى : ولم يكن ولي من الذل  أي لم يتخذ الأولياء ليتعزز بهم من الذل. بل إنما ( يتخذ الناس )[(٨)](#foonote-٨) أولياء رحمة منه وفضلا ليتعززوا هم من بذلك، ويكونوا عظماء. 
وذكر  لم يتخذ ولدا  وقد خلق الأولاد ليُعلم[(٩)](#foonote-٩) أن ليس في خلقه[(١٠)](#foonote-١٠) الشيء ما يصلح أن ( يتخذه لنفسه ولدا )[(١١)](#foonote-١١). 
وقوله تعالى : ولم يكن له شريك في الملك  ولو كان على ما تقوله المعتزلة لكان له شريك في الملك على قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن الله لم يرد لأحد من الكفرة الملك لهم، وإنما أراد لأوليائه. فعلى قولهم صار الفراعنة شركاء له في الملك حين[(١٢)](#foonote-١٢) لم يكن ما أراد هو، وكان أرادوا هم، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

١ في الأصل و. م: وغيرها حيث..
٢ في الأصل و. م: والتقوى..
٣ الواو ساقطة من م..
٤ ساقطة من الأصل و. م..
٥ من م، في الأصل: بها..
٦ في الأصل و. م: أو..
٧ في الأصل و. م: أو..
٨ في الأصل و. م: اتخذ..
٩ في الأصل و م: خلق..
١٠ في الأصل و م: يتخد لنفسه..
١١ ؟؟؟؟.
١٢ في الأصل و. م: حيث..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/17.md)
- [كل تفاسير سورة الإسراء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/17.md)
- [ترجمات سورة الإسراء
](https://quranpedia.net/translations/17.md)
- [صفحة الكتاب: تأويلات أهل السنة](https://quranpedia.net/book/468.md)
- [المؤلف: أبو منصور المَاتُرِيدي](https://quranpedia.net/person/4180.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/17/book/468) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
