---
title: "تفسير سورة الكهف - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/18/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/18/book/1469"
surah_id: "18"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الكهف - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/18/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الكهف - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/18/book/1469*.

Tafsir of Surah الكهف from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 18:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ [18:1]

" إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا " \[ الْكَهْف : ٢٢ \] فَإِنَّهُمْ لَا عِلْم لَهُمْ بِهِمْ.
 " وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا.
 إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِينِي رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا " \[ الْكَهْف : ٢٤ \] أَيْ لَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ سَأَلُوك عَنْهُ كَمَا قُلْت فِي هَذَا إِنِّي مُخْبِركُمْ غَدًا، وَاسْتَثْنِ مَشِيئَة اللَّه، وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِينِي رَبِّي لِخَبَرِ مَا سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ رَشَدًا، فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَنَا صَانِع فِي ذَلِكَ.
 " وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاثمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا " \[ الْكَهْف : ٢٥ \] أَيْ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ.
 " قُلْ اللَّه أَعْلَم بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْب السَّمَوَات وَالْأَرْض أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَلِيّ وَلَا يُشْرِك فِي حُكْمه أَحَدًا " \[ الْكَهْف : ٢٦ \] أَيْ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا سَأَلُوك عَنْهُ.
 قُلْت : هَذَا مَا وَقَعَ فِي السِّيرَة مِنْ خَبَر أَصْحَاب الْكَهْف ذَكَرْنَاهُ عَلَى نَسَقه.
 وَيَأْتِي خَبَر ذِي الْقَرْنَيْنِ، ثُمَّ نَعُود إِلَى أَوَّل السُّورَة فَنَقُول : قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْحَمْد لِلَّهِ.
 وَزَعَمَ الْأَخْفَش وَالْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء وَأَبُو عُبَيْد وَجُمْهُور الْمُتَأَوِّلِينَ أَنَّ فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَأَنَّ الْمَعْنَى : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْكِتَاب قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا.
 " عِوَجًا " مَفْعُول بِهِ ; وَالْعِوَج ( بِكَسْرِ الْعَيْن ) فِي الدِّين وَالرَّأْي وَالْأَمْر وَالطَّرِيق.
 وَبِفَتْحِهَا فِي الْأَجْسَام كَالْخَشَبِ وَالْجِدَار ; وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن عِوَج، أَيْ عَيْب، أَيْ لَيْسَ مُتَنَاقِضًا مُخْتَلِقًا ; كَمَا قَالَ تَعَالَى :" وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا " \[ النِّسَاء : ٨٢ \] وَقِيلَ : أَيْ لَمْ يَجْعَلهُ مَخْلُوقًا ; كَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْر ذِي عِوَج " \[ الزُّمَر : ٢٨ \] قَالَ : غَيْر مَخْلُوق.
 وَقَالَ مُقَاتِل :" عِوَجًا " اِخْتِلَافًا.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

أَدُوم بِوُدِّي لِلصِّدِّيقِ تَكَرُّمًا  وَلَا خَيْر فِيمَنْ كَانَ فِي الْوُدّ أَعْوَجَا

### الآية 18:2

> ﻿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [18:2]

وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا
 أَيْ بِأَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا وَهِيَ الْجَنَّة.
 وَإِنْ حَمَلَتْ التَّبْشِير عَلَى الْبَيَان لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْبَاء فِي " بِأَنَّ ".
 وَالْأَجْر الْحَسَن : الثَّوَاب الْعَظِيم الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّة.

### الآية 18:3

> ﻿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [18:3]

فِيهِ أَبَدًا
 لَا إِلَى غَايَة.

### الآية 18:4

> ﻿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [18:4]

وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا
 وَهُمْ الْيَهُود، قَالُوا عُزَيْر اِبْن اللَّه، وَالنَّصَارَى قَالُوا الْمَسِيح اِبْن اللَّه، وَقُرَيْش قَالَتْ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه.
 فَالْإِنْذَار فِي أَوَّل السُّورَة عَامّ، وَهَذَا خَاصّ فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلَد.

### الآية 18:5

> ﻿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [18:5]

إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا
 أَيْ مَا يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا.

### الآية 18:6

> ﻿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [18:6]

أَسَفًا
 أَيْ حُزْنًا وَغَضَبًا عَلَى كُفْرهمْ ; وَانْتَصَبَ عَلَى التَّفْسِير.

### الآية 18:7

> ﻿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [18:7]

لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : كَانَ أَبِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول فِي قَوْله " أَحْسَن عَمَلًا " : أَحْسَن الْعَمَل أَخْذ بِحَقٍّ وَإِنْفَاق فِي حَقّ مَعَ الْإِيمَان وَأَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتِنَاب الْمَحَارِم وَالْإِكْثَار مِنْ الْمَنْدُوب إِلَيْهِ.
 قُلْت : هَذَا قَوْل حَسَن، وَجِيز فِي أَلْفَاظه بَلِيغ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ جَمَعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَفْظ وَاحِد وَهُوَ قَوْله لِسُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ لَمَّا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَام قَوْلًا لَا أَسْأَل عَنْهُ أَحَدًا بَعْدك - فِي رِوَايَة : غَيْرك.
 قَالَ :( قُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اِسْتَقِمْ ) خَرَّجَهُ مُسْلِم.
 وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ :" أَحْسَن عَمَلًا " أَزْهَدهمْ فِيهَا.
 وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عِصَام الْعَسْقَلَانِيّ :" أَحْسَن عَمَلًا " أَتْرَك لَهَا.
 وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات الْعُلَمَاء فِي الزُّهْد ; فَقَالَ قَوْم : قِصَر الْأَمَل وَلَيْسَ بِأَكْلِ الْخَشِن وَلُبْس الْعَبَاء ; قَالَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَصَدَقَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّ مَنْ قَصُرَ أَمَله لَمْ يَتَأَنَّق فِي الْمَطْعُومَات وَلَا يَتَفَنَّن فِي الْمَلْبُوسَات، وَأَخَذَ مِنْ الدُّنْيَا مَا تَيَسَّرَ، وَاجْتَزَأَ مِنْهَا بِمَا يَبْلُغ.
 وَقَالَ قَوْم : بُغْض الْمَحْمَدَة وَحُبّ الثَّنَاء.
 وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيّ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ.
 وَقَالَ قَوْم : تَرْك الدُّنْيَا كُلّهَا هُوَ الزُّهْد ; أَحَبّ تَرْكهَا أَمْ كَرِهَ.
 وَهُوَ قَوْل فُضَيْل.
 وَعَنْ بِشْر بْن الْحَارِث قَالَ : حُبّ الدُّنْيَا حُبّ لِقَاء النَّاس، وَالزُّهْد فِي الدُّنْيَا الزُّهْد فِي لِقَاء النَّاس.
 وَعَنْ الْفُضَيْل أَيْضًا : عَلَامَة الزُّهْد فِي الدُّنْيَا الزُّهْد فِي النَّاس.
 وَقَالَ قَوْم : لَا يَكُون الزَّاهِد زَاهِدًا حَتَّى يَكُون تَرْك الدُّنْيَا أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ أَخْذهَا ; قَالَهُ إِبْرَاهِيم بْن أَدْهَم.
 وَقَالَ قَوْم : الزُّهْد أَنْ تَزْهَد فِي الدُّنْيَا بِقَلْبِك ; قَالَهُ اِبْن الْمُبَارَك.
 وَقَالَتْ فِرْقَة : الزُّهْد حُبّ الْمَوْت.
 وَالْقَوْل الْأَوَّل يَعُمّ هَذِهِ الْأَقْوَال بِالْمَعْنَى فَهُوَ أَوْلَى.

### الآية 18:8

> ﻿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [18:8]

وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا
 تَقَدَّمَ بَيَانه.
 وَقَالَ أَبُو سَهْل : تُرَابًا لَا نَبَات بِهِ ; كَأَنَّهُ قُطِعَ نَبَاته.
 وَالْجَرْز : الْقَطْع ; وَمِنْهُ سَنَة جُرُز.
 **قَالَ الرَّاجِز :**
 قَدْ جَرَفَتْهُنَّ السِّنُونُ الْأَجْرَاز
 وَالْأَرْض الْجُرُز الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا وَلَا شَيْء مِنْ عُمَارَة وَغَيْرهَا ; كَأَنَّهُ قُطِعَ وَأُزِيلَ.
 يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة ; فَإِنَّ الْأَرْض تَكُون مُسْتَوِيَة لَا مُسْتَتَر فِيهَا.
 النَّحَّاس : وَالْجُرُز فِي اللُّغَة الْأَرْض الَّتِي لَا نَبَات بِهَا.
 قَالَ الْكِسَائِيّ : يُقَال جَرِزَتْ الْأَرْض تَجْرَز، وَجَرَزَهَا الْقَوْم يَجْرُزُونَهَا إِذَا أَكَلُوا كُلّ مَا جَاءَ فِيهَا مِنْ النَّبَات وَالزَّرْع فَهِيَ مَجْرُوزَة وَجُرُز.

### الآية 18:9

> ﻿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [18:9]

قُلْت : مَا ذَكَرَ مِنْ رُؤْيَته لَهُمْ بِالْأَنْدَلُسِ فَإِنَّمَا هُمْ غَيْرهمْ، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول فِي حَقّ أَصْحَاب الْكَهْف :" لَوْ اِطَّلَعْت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْت مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْت مِنْهُمْ رُعْبًا " \[ الْكَهْف : ١٨ \].
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس لِمُعَاوِيَة لَمَّا أَرَادَ رُؤْيَتهمْ : قَدْ مَنَعَ اللَّه مَنْ هُوَ خَيْر مِنْك عَنْ ذَلِكَ ; وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْقِصَّة.
 وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله " كَانُوا مِنْ آيَاتنَا عَجَبًا " قَالَ : هُمْ عَجَب.
 كَذَا رَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْهُ ; يَذْهَب إِلَى أَنَّهُ بِإِنْكَارٍ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُون عِنْده أَنَّهُمْ عَجَب.
 وَرَوَى اِبْن نَجِيح عَنْهُ قَالَ : يَقُول لَيْسَ بِأَعْجَب آيَاتنَا.

### الآية 18:10

> ﻿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [18:10]

وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
 تَوْفِيقًا لِلرَّشَادِ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَخْرَجًا مِنْ الْغَار فِي سَلَامَة.
 وَقِيلَ صَوَابًا.
 وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر فَزِعَ إِلَى الصَّلَاة.

### الآية 18:11

> ﻿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [18:11]

فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا
 عِبَارَة عَنْ إِلْقَاء اللَّه تَعَالَى النَّوْم عَلَيْهِمْ.
 وَهَذِهِ مِنْ فَصِيحَات الْقُرْآن الَّتِي أَقَرَّتْ الْعَرَب بِالْقُصُورِ عَنْ الْإِتْيَان بِمِثْلِهِ.
 قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ مَنَعْنَاهُمْ عَنْ أَنْ يَسْمَعُوا ; لِأَنَّ النَّائِم إِذَا سَمِعَ اِنْتَبَهَ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ضَرَبْنَا عَلَى آذَانهمْ بِالنَّوْمِ ; أَيْ سَدَدْنَا آذَانهمْ عَنْ نُفُوذ الْأَصْوَات إِلَيْهَا.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى " فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانهمْ " أَيْ فَاسْتَجَبْنَا دُعَاءَهُمْ، وَصَرَفْنَا عَنْهُمْ شَرّ قَوْمهمْ، وَأَنَمْنَاهُمْ.
 وَالْمَعْنَى كُلّه مُتَقَارِب.
 وَقَالَ قُطْرُب : هَذَا كَقَوْلِ الْعَرَب ضَرَبَ الْأَمِير عَلَى يَد الرَّعِيَّة إِذَا مَنَعَهُمْ الْفَسَاد، وَضَرَبَ السَّيِّد عَلَى يَد عَبْده الْمَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة إِذَا مَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّف.
 قَالَ الْأَسْوَد بْن يَعْفُر وَكَانَ ضَرِيرًا :

وَمِنْ الْحَوَادِث لَا أَبَا لَك أَنَّنِي  ضُرِبَتْ عَلَيَّ الْأَرْض بِالْأَسْدَادِ وَأَمَّا تَخْصِيص الْأَذَان بِالذِّكْرِ فَلِأَنَّهَا الْجَارِحَة الَّتِي مِنْهَا عَظُمَ فَسَاد النَّوْم، وَقَلَّمَا يَنْقَطِع نَوْم نَائِم إِلَّا مِنْ جِهَة أُذُنه، وَلَا يَسْتَحِكُمْ نَوْم إِلَّا مِنْ تَعَطُّل السَّمْع.
 وَمِنْ ذِكْر الْأُذُن فِي النَّوْم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( ذَاكَ رَجُل بَالَ الشَّيْطَان فِي أُذُنه ) خَرَّجَهُ الصَّحِيح.
 أَشَارَ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى رَجُل طَوِيل النَّوْم، لَا يَقُوم اللَّيْل.
 و " عَدَدًا " نَعْت لِلسِّنِينَ ; أَيْ مَعْدُودَة، وَالْقَصْد بِهِ الْعِبَارَة عَنْ التَّكْثِير ; لِأَنَّ الْقَلِيل لَا يَحْتَاج إِلَى عَدَد لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ.
 وَالْعَدّ الْمَصْدَر، وَالْعَدَد اِسْم الْمَعْدُود كَالنَّفْضِ وَالْخَبْط.
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة :" عَدَدًا " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر.
 ثُمَّ قَالَ قَوْم : بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى عَدَد تِلْكَ السِّنِينَ مِنْ بَعْد فَقَالَ :" وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ ثَلَاثمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا " \[ الْكَهْف : ٢٥ \].

### الآية 18:12

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [18:12]

لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا
 " لِنَعْلَم " عِبَارَة عَنْ خُرُوج ذَلِكَ الشَّيْء إِلَى الْوُجُود وَمُشَاهَدَته ; وَهَذَا عَلَى نَحْو كَلَام الْعَرَب، أَيْ لِنَعْلَم ذَلِكَ مَوْجُودًا، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ اللَّه تَعَالَى عَلِمَ أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى الْأَمَد.
 وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ " لِيَعْلَم " بِالْيَاءِ.
 وَالْحِزْبَانِ الْفَرِيقَانِ، وَالظَّاهِر مِنْ الْآيَة أَنَّ الْحِزْب الْوَاحِد هُمْ الْفِتْيَة إِذْ ظَنُّوا لُبْثهمْ قَلِيلًا.
 وَالْحِزْب الثَّانِي أَهْل الْمَدِينَة الَّذِينَ بَعَثَ الْفِتْيَة عَلَى عَهْدهمْ، حِين كَانَ عِنْدهمْ التَّارِيخ لِأَمْرِ الْفِتْيَة.
 وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور مِنْ الْمُفَسِّرِينَ.
 وَقَالَتْ فِرْقَة : هُمَا حِزْبَانِ مِنْ الْكَافِرِينَ، اِخْتَلَفَا فِي مُدَّة أَصْحَاب الْكَهْف.
 وَقِيلَ : هُمَا حِزْبَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.
 وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَرْتَبِط بِأَلْفَاظِ الْآيَة.
 و " أَحْصَى " فِعْل مَاضٍ.
 و " أَمَدًا " نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول بِهِ ; قَالَهُ أَبُو عَلِيّ.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : نُصِبَ عَلَى الظَّرْف، أَيْ أَيّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِلُبْثِهِمْ فِي الْأَمَد، وَالْأَمَد الْغَايَة.
 وَقَالَ مُجَاهِد :" أَمَدًا " نُصِبَ مَعْنَاهُ عَدَدًا، وَهَذَا تَفْسِير بِالْمَعْنَى عَلَى جِهَة التَّقْرِيب.
 وَقَالَ الطَّبَرِيّ :" أَمَدًا " مَنْصُوب ب " لَبِثُوا ".
 اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا غَيْر مُتَّجِه، وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ نُصِبَ عَلَى التَّفْسِير فَيَلْحَقهُ مِنْ الِاخْتِلَال أَنَّ أَفْعَل لَا يَكُون مِنْ فِعْل رُبَاعِيّ إِلَّا فِي الشَّاذّ، و " أَحْصَى " فِعْل رُبَاعِيّ.
 وَقَدْ يُحْتَجّ لَهُ بِأَنْ يُقَال : إِنَّ أَفْعَل فِي الرُّبَاعِيّ قَدْ كَثُرَ ; كَقَوْلِك : مَا أَعْطَاهُ لِلْمَالِ وَآتَاهُ لِلْخَيْرِ.
 وَقَالَ فِي صِفَة حَوْضه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَاؤُهُ أَبْيَض مِنْ اللَّبَن ).
 وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَع.

### الآية 18:13

> ﻿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [18:13]

آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
 أَيْ يَسَّرْنَاهُمْ لِلْعَمَلِ الصَّالِح ; مِنْ الِانْقِطَاع إِلَى اللَّه تَعَالَى، وَمُبَاعَدَة النَّاس، وَالزُّهْد فِي الدُّنْيَا.
 وَهَذِهِ زِيَادَة عَلَى الْإِيمَان.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : زَادَهُمْ هُدًى بِكَلْبِ الرَّاعِي حِين طَرَدُوهُ وَرَجَمُوهُ مَخَافَة أَنْ يَنْبَح عَلَيْهِمْ وَيُنَبِّه بِهِمْ ; فَرَفَعَ الْكَلْب يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء كَالدَّاعِي فَأَنْطَقَهُ اللَّه، فَقَالَ : يَا قَوْم لِمَ تَطْرُدُونَنِي، لِمَ تَرْجُمُونَنِي لِمَ تَضْرِبُونَنِي فَوَاَللَّهِ لَقَدْ عَرَفْت اللَّه قَبْل أَنْ تَعْرِفُوهُ بِأَرْبَعِينَ سَنَة ; فَزَادَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ هُدًى.

### الآية 18:14

> ﻿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [18:14]

إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا
 فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى :" إِذْ قَامُوا فَقَالُوا " يَحْتَمِل ثَلَاثَة مَعَانٍ : أَحَدهَا : أَنْ يَكُون هَذَا وَصْف مَقَامهمْ بَيْن يَدَيْ الْمَلِك الْكَافِر - كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مَقَام يَحْتَاج إِلَى الرَّبْط عَلَى الْقَلْب حَيْثُ خَالَفُوا دِينه، وَرَفَضُوا فِي ذَات اللَّه هَيْبَته.
 وَالْمَعْنَى الثَّانِي فِيمَا قِيلَ : إِنَّهُمْ أَوْلَاد عُظَمَاء تِلْكَ الْمَدِينَة، فَخَرَجُوا وَاجْتَمَعُوا وَرَاء تِلْكَ الْمَدِينَة مِنْ غَيْر مِيعَاد ; فَقَالَ أَسَنّهمْ : إِنِّي أَجِد فِي نَفْسِي أَنَّ رَبِّي رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض ; فَقَالُوا وَنَحْنُ كَذَلِكَ نَجِد فِي أَنْفُسنَا.
 فَقَامُوا جَمِيعًا فَقَالُوا :" رَبّنَا رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ".
 أَيْ لَئِنْ دَعَوْنَا إِلَهًا غَيْره فَقَدْ قُلْنَا إِذًا جَوْرًا وَمُحَالًا.
 وَالْمَعْنَى الثَّالِث : أَنْ يُعَبَّر بِالْقِيَامِ عَنْ اِنْبِعَاثهمْ بِالْعَزْمِ إِلَى الْهُرُوب إِلَى اللَّه تَعَالَى وَمُنَابَذَة النَّاس ; كَمَا تَقُول : قَامَ فُلَان إِلَى أَمْر كَذَا إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغَايَةِ الْجَدّ.
 الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن عَطِيَّة : تَعَلَّقَتْ الصُّوفِيَّة فِي الْقِيَام وَالْقَوْل بِقَوْلِهِ " إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبّنَا رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض ".
 قُلْت : وَهَذَا تَعَلُّق غَيْر صَحِيح هَؤُلَاءِ قَامُوا فَذَكَرُوا اللَّه عَلَى هِدَايَته، وَشَكَرُوا لِمَا أَوْلَاهُمْ مِنْ نِعَمه وَنِعْمَته، ثُمَّ هَامُوا عَلَى وُجُوههمْ مُنْقَطِعِينَ إِلَى رَبّهمْ خَائِفِينَ مِنْ قَوْمهمْ ; وَهَذِهِ سُنَّة اللَّه فِي الرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء وَالْفُضَلَاء الْأَوْلِيَاء.
 أَيْنَ هَذَا مِنْ ضَرْب الْأَرْض بِالْأَقْدَامِ وَالرَّقْص بِالْأَكْمَامِ وَخَاصَّة فِي هَذِهِ الْأَزْمَان عِنْد سَمَاع الْأَصْوَات الْحِسَان مِنْ الْمُرْد وَالنِّسْوَان ; هَيْهَاتَ بَيْنهمَا وَاَللَّه مَا بَيْن الْأَرْض وَالسَّمَاء.
 ثُمَّ هَذَا حَرَام عِنْد جَمَاعَة الْعُلَمَاء، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة لُقْمَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " سُبْحَان " عِنْد قَوْله :" وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا " \[ الْإِسْرَاء : ٣٧ \] مَا فِيهِ كِفَايَة.
 وَقَالَ الْإِمَام أَبُو بَكْر الطَّرَسُوسِيّ وَسُئِلَ عَنْ مَذْهَب الصُّوفِيَّة فَقَالَ : وَأَمَّا الرَّقْص وَالتَّوَاجُد فَأَوَّل مَنْ أَحْدَثَهُ أَصْحَاب السَّامِرِيّ ; لَمَّا اِتَّخَذَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار قَامُوا يَرْقُصُونَ حَوَالَيْهِ وَيَتَوَاجَدُونَ ; فَهُوَ دِين الْكُفَّار وَعُبَّاد الْعِجْل، عَلَى مَا يَأْتِي.

### الآية 18:15

> ﻿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [18:15]

يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
 أَيْ بِحُجَّةٍ عَلَى عِبَادَتهمْ الصَّنَم.
 وَقِيلَ :" عَلَيْهِمْ " رَاجِع إِلَى الْآلِهَة ; أَيْ هَلَّا أَقَامُوا بَيِّنَة عَلَى الْأَصْنَام فِي كَوْنهَا آلِهَة ; فَقَوْلهمْ " لَوْلَا " تَحْضِيض بِمَعْنَى التَّعْجِيز ; وَإِذَا لَمْ يُمْكِنهُمْ ذَلِكَ لَمْ يَجِب أَنْ يُلْتَفَت إِلَى دَعْوَاهُمْ.

### الآية 18:16

> ﻿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا [18:16]

وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا
 قُرِئَ بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْحهَا، وَهُوَ مَا يُرْتَفَق بِهِ وَكَذَلِكَ مِرْفَق الْإِنْسَان وَمَرْفِقه ; وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَل " الْمَرْفِق " بِفَتْحِ الْمِيم الْمَوْضِع كَالْمَسْجِدِ وَهُمَا لُغَتَانِ.

### الآية 18:17

> ﻿۞ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [18:17]

وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا
 أَيْ لَا يَهْدِيهِمْ أَحَد.

### الآية 18:18

> ﻿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [18:18]

وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا
 أَيْ لِمَا حَفَّهُمْ اللَّه تَعَالَى مِنْ الرُّعْب وَاكْتَنَفَهُمْ مِنْ الْهَيْبَة.
 وَقِيلَ : لِوَحْشَةِ مَكَانهمْ ; وَكَأَنَّهُمْ آوَاهُمْ اللَّه إِلَى هَذَا الْمَكَان الْوَحْش فِي الظَّاهِر لِيُنَفِّر النَّاس عَنْهُمْ.
 وَقِيلَ : كَانَ النَّاس مَحْجُوبِينَ عَنْهُمْ بِالرُّعْبِ، لَا يَجْسُر أَحَد مِنْهُمْ عَلَى الدُّنُوّ إِلَيْهِمْ.
 وَقِيلَ : الْفِرَار مِنْهُمْ لِطُولِ شُعُورهمْ وَأَظْفَارهمْ ; وَذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَالنَّحَّاس وَالزَّجَّاج وَالْقُشَيْرِيّ.
 وَهَذَا بَعِيد ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا اِسْتَيْقَظُوا قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم.
 وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ شُعُورهمْ وَأَظْفَارهمْ كَانَتْ بِحَالِهَا ; إِلَّا أَنْ يُقَال : إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى أَظْفَارهمْ وَشُعُورهمْ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالصَّحِيح فِي أَمْرهمْ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حَفِظَ لَهُمْ الْحَالَة الَّتِي نَامُوا عَلَيْهَا لِتَكُونَ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِيهِمْ آيَة، فَلَمْ يُبْلَ لَهُمْ ثَوْب وَلَمْ تُغَيَّرْ صِفَة، وَلَمْ يُنْكِر النَّاهِض إِلَى الْمَدِينَة إِلَّا مَعَالِم الْأَرْض وَالْبِنَاء، وَلَوْ كَانَتْ فِي نَفْسه حَالَة يُنْكِرهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِ أَهَمّ.
 وَقَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير وَابْن عَبَّاس وَأَهْل مَكَّة وَالْمَدِينَة " لَمُلِّئْت مِنْهُمْ " بِتَشْدِيدِ اللَّام عَلَى تَضْعِيف الْمُبَالَغَة ; أَيْ مُلِّئْت ثُمَّ مُلِّئْت.
 وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " لَمُلِئْت " بِالتَّخْفِيفِ، وَالتَّخْفِيف أَشْهَر فِي اللُّغَة.
 وَقَدْ جَاءَ التَّثْقِيل فِي قَوْل الْمُخَبَّل السَّعْدِيّ :

وَإِذْ فَتَكَ النُّعْمَان بِالنَّاسِ مُحْرِمًا  فَمَلِّي مِنْ كَعْب بْن عَوْف سَلَاسِله وَقَرَأَ الْجُمْهُور " رُعْبًا " بِإِسْكَانِ الْعَيْن.
 وَقَرَأَ بِضَمِّهَا أَبُو جَعْفَر.
 قَالَ أَبُو حَاتِم : هُمَا لُغَتَانِ.
 و " فِرَارًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال و " رُعْبًا " مَفْعُول ثَانٍ أَوْ تَمْيِيز.

### الآية 18:19

> ﻿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [18:19]

وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا
 أَيْ لَا يُخْبِرَنَّ.
 وَقِيلَ : إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ فَلَا يُوقِعَنَّ إِخْوَانه فِيمَا وَقَعَ فِيهِ.

### الآية 18:20

> ﻿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [18:20]

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا
 قَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ، وَهُوَ أَخْبَث الْقَتْل.
 وَقِيلَ : يَرْمُوكُمْ بِالسَّبِّ وَالشَّتْم ; وَالْأَوَّل أَصَحّ، لِأَنَّهُ كَانَ عَازِمًا عَلَى قَتْلهمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَصَصهمْ.
 وَالرَّجْم فِيمَا سَلَفَ هِيَ كَانَتْ عَلَى مَا ذَكَرَ قَبْله \[ عُقُوبَة \] مُخَالَفَة دِين النَّاس إِذْ هِيَ أَشْفَى لِجُمْلَةِ أَهْل ذَلِكَ الدِّين مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا.

### الآية 18:21

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ۖ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [18:21]

رُوِيَ أَنَّ دَانْيَال صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ كَانَ فِي تَابُوت مِنْ حَجَر، وَأَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام أَوْصَى بِأَنْ يُتَّخَذ لَهُ تَابُوت مِنْ زُجَاج وَيُلْقَى فِي رَكِيَّة مَخَافَة أَنْ يُعْبَد، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى زَمَان مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ; فَدَلَّتْهُ عَلَيْهِ عَجُوز فَرَفَعَهُ وَوَضَعَهُ فِي حَظِيرَة إِسْحَاق عَلَيْهِ السَّلَام.
 وَفِي الصَّحِيح عَنْ سَعْد اِبْن أَبِي وَقَّاص أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضه الَّذِي هَلَكَ فِيهِ : اِتَّخِذُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِن نَصْبًا ; كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 اللَّحْد : هُوَ أَنْ يُشَقّ فِي الْأَرْض ثُمَّ يُحْفَر قَبْر آخَر فِي جَانِب الشَّقّ مِنْ جَانِب الْقِبْلَة إِنْ كَانَتْ الْأَرْض صُلْبَة يُدْخَل فِيهِ الْمَيِّت وَيُسَدّ عَلَيْهِ بِاللَّبِنِ.
 وَهُوَ أَفْضَل عِنْدنَا مِنْ الشَّقّ ; لِأَنَّهُ الَّذِي اِخْتَارَهُ اللَّه تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة قَالَ : السُّنَّة اللَّحْد.
 وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الشَّقّ.
 وَيُكْرَه الْآجُرّ فِي اللَّحْد.
 وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ نَوْع مِنْ الْحَجَر.
 وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه ; لِأَنَّ الْآجُرّ لِإِحْكَامِ الْبِنَاء، وَالْقَبْر وَمَا فِيهِ لِلْبِلَى، فَلَا يَلِيق بِهِ الْإِحْكَام.
 وَعَلَى هَذَا يُسَوَّى بَيْن الْحَجَر وَالْآجُرّ.
 وَقِيلَ : إِنَّ الْآجُرّ أَثَر النَّار فَيُكْرَه تَفَاؤُلًا ; فَعَلَى هَذَا يُفَرَّق بَيْن الْحَجَر وَالْآجُرّ.
 قَالُوا : وَيُسْتَحَبّ اللَّبِن وَالْقَصَب لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ وُضِعَ عَلَى قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُزْمَة مِنْ قَصَب.
 وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْفَضْل الْحَنَفِيّ رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ جَوَّزَ اِتِّخَاذ التَّابُوت فِي بِلَادهمْ لِرِخَاوَةِ الْأَرْض.
 وَقَالَ : لَوْ اُتُّخِذَ تَابُوت مِنْ حَدِيد فَلَا بَأْس بِهِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَش فِيهِ التُّرَاب وَتُطَيَّن الطَّبَقَة الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي الْمَيِّت، وَيُجْعَل اللَّبِن الْخَفِيف عَلَى يَمِين الْمَيِّت وَيَسَاره لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْد.
 قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى جَعْل الْقَطِيفَة فِي قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّ الْمَدِينَة سَبِخَة، قَالَ شُقْرَان : أَنَا وَاَللَّه طَرَحْت الْقَطِيفَة تَحْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَبْر.
 قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ : حَدِيث شُقْرَان حَدِيث حَسَن غَرِيب.

### الآية 18:22

> ﻿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [18:22]

وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا
 رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ نَصَارَى نَجْرَان عَنْهُمْ فَنُهِيَ عَنْ السُّؤَال.
 وَالضَّمِير فِي قَوْله " مِنْهُمْ " عَائِد عَلَى أَهْل الْكِتَاب الْمُعَارِضِينَ.
 وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى مَنْع الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُرَاجَعَة أَهْل الْكِتَاب فِي شَيْء مِنْ الْعِلْم.

### الآية 18:23

> ﻿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا [18:23]

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا
 قَالَ الْعُلَمَاء عَاتَبَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى قَوْله لِلْكُفَّارِ حِين سَأَلُوهُ عَنْ الرُّوح وَالْفِتْيَة وَذِي الْقَرْنَيْنِ : غَدًا أُخْبِركُمْ بِجَوَابِ أَسْئِلَتكُمْ ; وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي ذَلِكَ.
 فَاحْتَبَسَ الْوَحْي عَنْهُ خَمْسَة عَشَر يَوْمًا حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأَرْجَفَ الْكُفَّار بِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَة مُفَرِّجَة.
 وَأُمِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة أَلَّا يَقُول فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور إِنِّي أَفْعَل غَدًا كَذَا وَكَذَا، إِلَّا أَنْ يُعَلِّق ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى لَا يَكُون مُحَقِّقًا لِحُكْمِ الْخَبَر ; فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ : لَأَفْعَلَنَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَل كَانَ كَاذِبًا، وَإِذَا قَالَ لَأَفْعَلَنَّ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُون مُحَقِّقًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ.
 وَاللَّام فِي قَوْله " لِشَيْءٍ " بِمَنْزِلَةِ فِي، أَوْ كَأَنَّهُ قَالَ لِأَجْلِ شَيْء.

### الآية 18:24

> ﻿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا [18:24]

وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا
 وَفِيهِ الْأَمْر بِالذِّكْرِ بَعْد النِّسْيَان وَاخْتُلِفَ فِي الذِّكْر الْمَأْمُور بِهِ ; فَقِيلَ : هُوَ قَوْله " وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِينِي رَبِّي لِأَقْرَب مِنْ هَذَا رَشَدًا " قَالَ مُحَمَّد الْكُوفِيّ الْمُفَسِّر : إِنَّهَا بِأَلْفَاظِهَا مِمَّا أُمِرَ أَنْ يَقُولهَا كُلّ مَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ، وَإِنَّهَا كَفَّارَة لِنِسْيَانِ الِاسْتِثْنَاء.
 وَقَالَ الْجُمْهُور : هُوَ دُعَاء مَأْمُور بِهِ دُون هَذَا التَّخْصِيص.
 وَقِيلَ : هُوَ قَوْله " إِنْ شَاءَ اللَّه " \[ الصَّافَّات : ١٠٢ \] الَّذِي كَانَ نَسِيَهُ عِنْد يَمِينه.
 حُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ إِنْ نَسِيَ الِاسْتِثْنَاء ثُمَّ ذَكَرَ وَلَوْ بَعْد سَنَة لَمْ يَحْنَث إِنْ كَانَ حَالِفًا.
 وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد.
 وَحَكَى إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق ذَلِكَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى :" وَاذْكُرْ رَبّك إِذَا نَسِيت " قَالَ : يَسْتَثْنِي إِذَا ذَكَرَهُ.
 الْحَسَن : مَا دَامَ فِي مَجْلِس الذِّكْر.
 اِبْن عَبَّاس : سَنَتَيْنِ ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ قَالَ : فَيُحْمَل عَلَى تَدَارُك التَّبَرُّك بِالِاسْتِثْنَاءِ لِلتَّخَلُّصِ عَنْ الْإِثْم.
 فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاء الْمُفِيد حُكْمًا فَلَا يَصِحّ إِلَّا مُتَّصِلًا.
 السُّدِّيّ : أَيْ كُلّ صَلَاة نَسِيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا.
 وَقِيلَ : اِسْتَثْنِ بِاسْمِهِ لِئَلَّا تَنْسَى.
 وَقِيلَ : اُذْكُرْهُ مَتَى مَا نَسِيته.
 وَقِيلَ : إِذَا نَسِيت شَيْئًا فَاذْكُرْهُ يُذَكِّرْكَهُ.
 وَقِيلَ : اُذْكُرْهُ إِذَا نَسِيت غَيْره أَوْ نَسِيت نَفْسك ; فَذَلِكَ حَقِيقَة الذِّكْر.
 وَهَذِهِ الْآيَة مُخَاطِبَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ اِسْتِفْتَاح كَلَام عَلَى الْأَصَحّ، وَلَيْسَتْ مِنْ الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمِين بِشَيْءٍ، وَهِيَ بَعْد تَعُمّ جَمِيع أُمَّته ; لِأَنَّهُ حُكْم يَتَرَدَّد فِي النَّاس لِكَثْرَةِ وُقُوعه.
 وَاَللَّه الْمُوَفِّق.

### الآية 18:25

> ﻿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [18:25]

قَالَ أَبُو عَلِيّ : هَذِهِ الْأَعْدَاد الَّتِي تُضَاف فِي الْمَشْهُور إِلَى الْآحَاد نَحْو ثَلَاثمِائَةِ رَجُل وَثَوْب قَدْ تُضَاف إِلَى الْجُمُوع.
 وَفِي مُصْحَف عَبْد اللَّه " ثَلَثمِائَة سَنَة ".
 وَقَرَأَ الضَّحَّاك " ثَلَثمِائَة سُنُونَ " بِالْوَاوِ.
 وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِخِلَافِ " تَسْعًا " بِفَتْحِ التَّاء وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِكَسْرِهَا.
 وَقَالَ الْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة : التَّقْدِير وَلَبِثُوا فِي كَهْفهمْ سِنِينَ ثَلَثمِائَةٍ.

### الآية 18:26

> ﻿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [18:26]

وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا
 قُرِئَ بِالْيَاءِ وَرَفْع الْكَاف، عَلَى مَعْنَى الْخَبَر عَنْ اللَّه تَعَالَى.
 وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَالْحَسَن وَأَبُو رَجَاء وَقَتَادَة وَالْجَحْدَرِيّ " وَلَا تُشْرِك " بِالتَّاءِ مِنْ فَوْق وَإِسْكَان الْكَاف عَلَى جِهَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُون قَوْله " وَلَا يُشْرِك " عِطْفًا عَلَى قَوْله :" أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ".
 وَقَرَأَ مُجَاهِد " يُشْرِك " بِالْيَاءِ مِنْ تَحْت وَالْجَزْم.
 قَالَ يَعْقُوب : لَا أَعْرِف وَجْهه.
 مَسْأَلَة : اُخْتُلِفَ فِي أَصْحَاب الْكَهْف هَلْ مَاتُوا وَفَنُوا، أَوْ هُمْ نِيَام وَأَجْسَادهمْ مَحْفُوظَة ; فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ مَرَّ بِالشَّامِ فِي بَعْض غَزَوَاته مَعَ نَاس عَلَى مَوْضِع الْكَهْف وَجَبَله، فَمَشَى النَّاس مَعَهُ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عِظَامًا فَقَالُوا : هَذِهِ عِظَام أَهْل الْكَهْف.
 فَقَالَ لَهُمْ اِبْن عَبَّاس : أُولَئِكَ قَوْم فَنُوا وَعُدِمُوا مُنْذُ مُدَّة طَوِيلَة ; فَسَمِعَهُ رَاهِب فَقَالَ : مَا كُنْت أَحْسِب أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعَرَب يَعْرِف هَذَا ; فَقِيلَ لَهُ : هَذَا اِبْن عَمّ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَرَوَتْ فِرْقَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( لَيَحُجَّنَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَمَعَهُ أَصْحَاب الْكَهْف فَإِنَّهُمْ لَمْ يَحُجُّوا بَعْد ).
 ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة.
 قُلْت : وَمَكْتُوب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أَنَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَبْد اللَّه وَرَسُوله، وَأَنَّهُ يَمُرّ بِالرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ يَجْمَع اللَّه لَهُ ذَلِكَ فَيَجْعَل اللَّه حَوَارِيّه أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم، فَيَمُرُّونَ حُجَّاجًا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَحُجُّوا وَلَمْ يَمُوتُوا.
 وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَر بِكَمَالِهِ فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة ".
 فَعَلَى هَذَا هُمْ نِيَام وَلَمْ يَمُوتُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، بَلْ يَمُوتُونَ قُبَيْل السَّاعَة.

### الآية 18:27

> ﻿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [18:27]

وَقِيلَ : إِنَّ أَصْحَاب الْكَهْف دَخَلُوا الْكَهْف قَبْل الْمَسِيح ; فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى الْمَسِيح بِخَبَرِهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا فِي الْفَتْرَة بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقِيلَ : كَانُوا قَبْل مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنَّ مُوسَى ذَكَرَهُمْ فِي التَّوْرَاة ; وَلِهَذَا سَأَلَتْ الْيَهُود رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقِيلَ : دَخَلُوا الْكَهْف بَعْد الْمَسِيح ; فَاَللَّه أَعْلَم أَيّ ذَلِكَ كَانَ.

### الآية 18:28

> ﻿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [18:28]

وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
 قِيلَ هُوَ مِنْ التَّفْرِيط الَّذِي هُوَ التَّقْصِير وَتَقْدِيم الْعَجْز بِتَرْكِ الْإِيمَان.
 وَقِيلَ : مِنْ الْإِفْرَاط وَمُجَاوَزَة الْحَدّ، وَكَأَنَّ الْقَوْم قَالُوا : نَحْنُ أَشْرَاف مُضَر إِنْ أَسْلَمْنَا أَسْلَمَ النَّاس ; وَكَانَ هَذَا مِنْ التَّكَبُّر وَالْإِفْرَاط فِي الْقَوْل.
 وَقِيلَ :" فُرُطًا " أَيْ قُدُمًا فِي الشَّرّ ; مِنْ قَوْلهمْ : فَرَطَ مِنْهُ أَمْر أَيْ سَبَقَ.
 وَقِيلَ : مَعْنَى " أَغْفَلْنَا قَلْبه " وَجَدْنَاهُ غَافِلًا ; كَمَا تَقُول : لَقِيت فُلَانًا فَأَحْمَدْته ; أَيْ وَجَدْته مَحْمُودًا.
 وَقَالَ عَمْرو بْن مَعْدِيكَرِبَ لِبَنِي الْحَارِث بْن كَعْب : وَاَللَّه لَقَدْ سَأَلْنَاكُمْ فَمَا أَبْخَلْنَاكُمْ، وَقَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجَبْنَاكُمْ، وَهَاجَيْنَاكُمْ فَمَا أَفْحَمْنَاكُمْ ; أَيْ مَا وَجَدْنَاكُمْ بُخَلَاء وَلَا جُبَنَاء وَلَا مُفْحَمِينَ.

### الآية 18:29

> ﻿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [18:29]

بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا
 قَالَ مُجَاهِد : مَعْنَاهُ مُجْتَمَعًا، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى مَعْنَى الْمُرَافَقَة.
 اِبْن عَبَّاس : مَنْزِلًا.
 عَطَاء : مُقِرًّا.
 وَقِيلَ مِهَادًا.
 وَقَالَ الْقُتَبِيّ : مَجْلِسًا، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; وَأَصْله مِنْ الْمُتَّكَأ، يُقَال مِنْهُ : اِرْتَفَقْت أَيْ اِتَّكَأْت عَلَى الْمَرْفِق.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقْت أَلَا فَتًى  يَسُوق بِالْقَوْمِ غَزَالَات الضُّحَى وَيُقَال : اِرْتَفَقَ الرَّجُل إِذَا نَامَ عَلَى مَرْفِقه لَا يَأْتِيه نَوْم.
 **قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ :**نَامَ الْخَلِيّ وَبِتّ اللَّيْل مُرْتَفِقَا  كَأَنَّ عَيْنِيَ فِيهَا الصَّاب مَدْبُوح الصَّاب : عُصَارَة شَجَر مُرّ.

### الآية 18:30

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [18:30]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
 لَمَّا ذَكَرَ مَا أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ مِنْ الْهَوَان ذَكَرَ أَيْضًا مَا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الثَّوَاب.
 وَفِي الْكَلَام إِضْمَار ; أَيْ لَا نُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ مِنْهُمْ عَمَلًا، فَأَمَّا مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا مِنْ غَيْر الْمُؤْمِنِينَ فَعَمَله مُحْبَط.
 وَرَوَى الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَامَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع، وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِف بِعَرَفَاتٍ عَلَى نَاقَته الْعَضْبَاء فَقَالَ : إِنِّي رَجُل مُسْلِم فَأَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْآيَة " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " الْآيَة ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَا أَنْتَ مِنْهُمْ بِبَعِيدٍ وَلَا هُمْ بِبَعِيدٍ مِنْك هُمْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ فَأَعْلِمْ قَوْمَك أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ ) ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ، وَأَسْنَدَهُ النَّحَّاس فِي كِتَاب مَعَانِي الْقُرْآن، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن سَهْل قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن الضَّرِيس عَنْ زُهَيْر بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ : قَامَ أَعْرَابِيّ.
 ; فَذَكَرَهُ.
 وَأَسْنَدَهُ السُّهَيْلِيّ فِي كِتَاب الْأَعْلَام.
 وَقَدْ رُوِّينَا جَمِيع ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ، وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 و " عَمَلًا " نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز، وَإِنْ شِئْت بِإِيقَاعِ " أَحْسَنَ " عَلَيْهِ.
 وَقِيلَ :" إِنَّا لَا نُضِيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا " كَلَام مُعْتَرِض، وَالْخَبَر قَوْله " أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّات عَدْن ".

### الآية 18:31

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [18:31]

نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا
 يَعْنِي الْجَنَّات، عَكْس " وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ".
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَلَوْ كَانَ " نِعْمَتْ " لَجَازَ لِأَنَّهُ اِسْم لِلْجَنَّةِ.
 وَعَلَى هَذَا " وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ".

### الآية 18:32

> ﻿۞ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا [18:32]

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا
 أَيْ جَعَلْنَا حَوْل الْأَعْنَاب النَّخْل، وَوَسَط الْأَعْنَاب الزَّرْع.

### الآية 18:33

> ﻿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا [18:33]

وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا
 أَيْ أَجْرَيْنَا وَشَقَقْنَا وَسَط الْجَنَّتَيْنِ بِنَهَرٍ.

### الآية 18:34

> ﻿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [18:34]

أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا
 النَّفَر : الرَّهْط وَهُوَ مَا دُون الْعَشَرَة.
 وَأَرَادَ هَاهُنَا الْأَتْبَاع وَالْخَدَم وَالْوَلَد، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه.

### الآية 18:35

> ﻿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا [18:35]

قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا
 أَنْكَرَ فَنَاء الدَّار.

### الآية 18:36

> ﻿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [18:36]

لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا
 وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَمَّا دَعَاهُ أَخُوهُ إِلَى الْإِيمَان بِالْحَشْرِ وَالنَّشْر.
 وَفِي مَصَاحِف مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالشَّام " مِنْهُمَا ".
 وَفِي مَصَاحِف أَهْل الْبَصْرَة وَالْكُوفَة " مِنْهَا " عَلَى التَّوْحِيد، وَالتَّثْنِيَة أَوْلَى ; لِأَنَّ الضَّمِير أَقْرَب إِلَى الْجَنَّتَيْنِ.

### الآية 18:37

> ﻿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [18:37]

أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
 وَعَظَهُ وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَا اِعْتَرَفَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي لَا يُنْكِرهَا أَحَد أَبْدَع مِنْ الْإِعَادَة.
 و " سَوَّاك رَجُلًا " أَيْ جَعَلَك مُعْتَدِل الْقَامَة وَالْخَلْق، صَحِيح الْأَعْضَاء ذَكَرًا.

### الآية 18:38

> ﻿لَٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا [18:38]

وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا
 دَلَّ مَفْهُومه عَلَى أَنَّ الْأَخ الْآخَر كَانَ مُشْرِكًا بِاَللَّهِ تَعَالَى يَعْبُد غَيْره.
 وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ لَا أَرَى الْغِنَى وَالْفَقْر إِلَّا مِنْهُ، وَأعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُب صَاحِب الدُّنْيَا دُنْيَاهُ قَدَرَ عَلَيْهِ ; وَهُوَ الَّذِي آتَانِي الْفَقْر.
 وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ جُحُودك الْبَعْث مَصِيره إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَقْدِر عَلَيْهِ، وَهُوَ تَعْجِيز الرَّبّ سُبْحَانه وَتَعَالَى، وَمَنْ عَجَّزَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ ; فَهُوَ إِشْرَاك.

### الآية 18:39

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [18:39]

إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا
 " إِنْ " شَرْط " تَرَنِ " مَجْزُوم بِهِ، وَالْجَوَاب " فَعَسَى رَبِّي " و " أَنَا " فَاصِلَة لَا مَوْضِع لَهَا مِنْ الْإِعْرَاب.
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب تَوْكِيدًا لِلنُّونِ وَالْيَاء.
 وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر " إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلّ مِنْك " بِالرَّفْعِ ; يَجْعَل " أَنَا " مُبْتَدَأ و " أَقَلّ " خَبَره، وَالْجُمْلَة فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي، وَالْمَفْعُول الْأَوَّل النُّون وَالْيَاء ; إِلَّا أَنَّ الْيَاء حُذِفَتْ لِأَنَّ الْكَسْرَة تَدُلّ عَلَيْهَا، وَإِثْبَاتهَا جَيِّد بَالِغ وَهُوَ الْأَصْل لِأَنَّهَا الِاسْم عَلَى الْحَقِيقَة.

### الآية 18:40

> ﻿فَعَسَىٰ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [18:40]

حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا
 أَيْ مَرَامِي مِنْ السَّمَاء، وَاحِدهَا حُسْبَانَة ; قَالَهُ الْأَخْفَش وَالْقُتَبِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة.
 وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : وَالْحُسْبَانَة السَّحَابَة، وَالْحُسْبَانَة الْوِسَادَة، وَالْحُسْبَانَة الصَّاعِقَة.
 وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالْحُسْبَان ( بِالضَّمِّ ) : الْعَذَاب.
 وَقَالَ أَبُو زِيَاد الْكِلَابِيّ : أَصَابَ الْأَرْض حُسْبَان أَيْ جَرَاد.
 وَالْحُسْبَان أَيْضًا الْحِسَاب، قَالَ اللَّه تَعَالَى :" الشَّمْس وَالْقَمَر بِحُسْبَانٍ " \[ الرَّحْمَن : ٥ \].
 وَقَدْ فُسِّرَ الْحُسْبَان هُنَا بِهَذَا.
 قَالَ الزَّجَّاج : الْحُسْبَان مِنْ الْحِسَاب ; أَيْ يُرْسِل عَلَيْهَا عَذَاب الْحِسَاب، وَهُوَ حِسَاب مَا اِكْتَسَبَتْ يَدَاك ; فَهُوَ مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف.
 وَالْحُسْبَان أَيْضًا : سِهَام قِصَار يُرْمَى بِهَا فِي طَلْق وَاحِد، وَكَانَ مِنْ رَمْي الْأَكَاسِرَة.
 وَالْمَرَامِي مِنْ السَّمَاء عَذَاب.
 " فَتُصْبِح صَعِيدًا زَلَقًا " يَعْنِي أَرْضًا بَيْضَاء لَا يَنْبُت فِيهَا نَبَات وَلَا يَثْبُت عَلَيْهَا قَدَم، وَهِيَ أَضَرّ أَرْض بَعْد أَنْ كَانَتْ جَنَّة أَنْفَع أَرْض ; و " زَلَقًا " تَأْكِيد لِوَصْفِ الصَّعِيد ; أَيْ تَزِلّ عَنْهَا الْأَقْدَام لِمَلَاسَتِهَا.
 يُقَال : مَكَان زَلَق ( بِالتَّحْرِيكِ ) أَيْ دَحْض، وَهُوَ فِي الْأَصْل مَصْدَر قَوْلك : زَلِقَتْ رِجْله تَزْلَق زَلَقًا، وَأَزْلَقَهَا غَيْره.
 وَالزَّلَق أَيْضًا عَجْز الدَّابَّة.
 **قَالَ رُؤْبَة :**
 كَأَنَّهَا حَقْبَاء بَلْقَاء الزَّلَق
 وَالْمَزْلَقَة وَالْمُزْلَقَة : الْمَوْضِع الَّذِي لَا يَثْبُت عَلَيْهِ قَدَم.
 وَكَذَلِكَ الزَّلَّاقَة.
 وَالزَّلْق الْحَلْق، زَلَقَ رَأْسه يَزْلِقهُ زَلْقًا حَلَقَهُ ; قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ.
 وَالزَّلَق الْمَحْلُوق، كَالنَّقْضِ وَالنَّقَض.
 وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهَا تَصِير مَزْلَقَة، بَلْ الْمُرَاد أَنَّهَا لَا يَبْقَى فِيهَا نَبَات كَالرَّأْسِ إِذَا حُلِقَ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَعْر ; قَالَهُ الْقُشَيْرِيّ.

### الآية 18:41

> ﻿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا [18:41]

فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا
 أَيْ لَنْ تَسْتَطِيع رَدّ الْمَاء الْغَائِر، وَلَا تَقْدِر عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ.
 وَقِيلَ : فَلَنْ تَسْتَطِيع طَلَب غَيْره بَدَلًا مِنْهُ.
 وَإِلَى هَذَا الْحَدِيث اِنْتَهَتْ مُنَاظَرَة أَخِيهِ وَإِنْذَاره.

### الآية 18:42

> ﻿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا [18:42]

وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي
 أَيْ يَا لَيْتَنِي عَرَفْت نِعَم اللَّه عَلَيَّ، وَعَرَفْت أَنَّهَا كَانَتْ بِقُدْرَةِ اللَّه وَلَمْ أَكْفُر بِهِ.
 وَهَذَا نَدَم مِنْهُ حِين لَا يَنْفَعهُ النَّدَم.

### الآية 18:43

> ﻿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [18:43]

وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا
 أَيْ مُمْتَنِعًا ; قَالَهُ قَتَادَة.
 وَقِيلَ : مُسْتَرِدًّا بَدَل مَا ذَهَبَ مِنْهُ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ اِشْتِقَاق الْفِئَة فِي " آل عِمْرَان ".
 وَالْهَاء عِوَض مِنْ الْيَاء الَّتِي نُقِصَتْ مِنْ وَسَطه، أَصْله فِيء مِثْل فِيع ; لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ، وَيَجْمَع عَلَى فِئُون وَفِئَات، مِثْل شِيَات وَلِدَات وَمِئَات.
 أَيْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَشِيرَة يَمْنَعُونَهُ مِنْ عَذَاب اللَّه، وَضَلَّ عَنْهُ مَنْ اِفْتَخَرَ بِهِمْ مِنْ الْخَدَم وَالْوَلَد.

### الآية 18:44

> ﻿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا [18:44]

وَخَيْرٌ عُقْبًا
 قَرَأَ عَاصِم وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَيَحْيَى " عُقْبًا " سَاكِنَة الْقَاف، الْبَاقُونَ بِضَمِّهَا، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد ; أَيْ هُوَ خَيْر عَافِيَة لِمَنْ رَجَاهُ وَآمَنَ بِهِ.
 يُقَال : هَذَا عَاقِبَة أَمْر فُلَان وَعُقْبَاهُ وَعُقْبه، أَيْ آخِره.

### الآية 18:45

> ﻿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [18:45]

وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا
 مِنْ الْإِنْشَاء وَالْإِفْنَاء وَالْإِحْيَاء، سُبْحَانه.

### الآية 18:46

> ﻿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [18:46]

وَخَيْرٌ أَمَلًا
 أَيْ أَفْضَل أَمَلًا مِنْ ذِي الْمَال وَالْبَنِينَ دُون عَمَل صَالِح، وَلَيْسَ فِي زِينَة الدُّنْيَا خَيْر، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج قَوْله " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا " \[ الْفُرْقَان : ٢٤ \].
 وَقِيلَ : خَيْر فِي التَّحْقِيق مِمَّا يَظُنّهُ الْجُهَّال أَنَّهُ خَيْر فِي ظَنّهمْ.

### الآية 18:47

> ﻿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [18:47]

فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا
 أَيْ لَمْ نَتْرُك ; يُقَال : غَادَرْت كَذَا أَيْ تَرَكْته.
 **قَالَ عَنْتَرَة :**

غَادَرْته مُتَعَفِّرًا أَوْصَاله  وَالْقَوْم بَيْن مُجَرَّح وَمُجَدَّل أَيْ تَرَكْته.
 وَالْمُغَادَرَة التَّرْك ; وَمِنْهُ الْغَدْر ; لِأَنَّهُ تَرْك الْوَفَاء.
 وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْغَدِير مِنْ الْمَاء غَدِيرًا لِأَنَّ الْمَاء ذَهَبَ وَتَرَكَهُ.
 وَمِنْهُ غَدَائِر الْمَرْأَة لِأَنَّهَا تَجْعَلهَا خَلْفهَا.
 يَقُول : حَشَرْنَا بَرّهمْ وَفَاجِرهمْ وَجِنّهمْ وَإِنْسهمْ.

### الآية 18:48

> ﻿وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [18:48]

بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا
 هَذَا خِطَاب لِمُنْكِرِي الْبَعْث أَيْ زَعَمْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَنْ تُبْعَثُوا وَأَنْ لَنْ نَجْعَل لَكُمْ مَوْعِدًا لِلْبَعْثِ.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غُرْلًا ) قُلْت : يَا رَسُول اللَّه الرِّجَال وَالنِّسَاء يَنْظُر بَعْضهمْ إِلَى بَعْض ؟ قَالَ :( يَا عَائِشَة، الْأَمْر أَشَدّ مِنْ أَنْ يَنْظُر بَعْضهمْ إِلَى بَعْض ).
 " غُرْلًا " أَيْ غَيْر مَخْتُونِينَ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْأَنْعَام " بَيَانه.

### الآية 18:49

> ﻿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [18:49]

حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
 أَيْ لَا يَأْخُذ أَحَدًا بِجُرْمِ أَحَد، وَلَا يَأْخُذهُ بِمَا لَمْ يَعْمَلهُ ; قَالَهُ الضَّحَّاك.
 وَقِيلَ : لَا يَنْقُص طَائِعًا مِنْ ثَوَابه وَلَا يَزِيد عَاصِيًا فِي عِقَابه.

### الآية 18:50

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [18:50]

قَالَ وَيَقُول الْقَائِل : لَمْ أَزَلْ بِفُلَانِ حَتَّى شَرِبَ ; قَالَ : أَنْتَ قَالَ وَيَقُول : لَمْ أَزَلْ بِفُلَانٍ حَتَّى زَنَى ; قَالَ : أَنْتَ قَالَ وَيَقُول : لَمْ أَزَلْ بِفُلَانٍ حَتَّى قَتَلَ ; قَالَ : أَنْتَ أَنْتَ وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جَابِر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ إِبْلِيس يَضَع عَرْشه عَلَى الْمَاء ثُمَّ يَبْعَث سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَة أَعْظَمهمْ فِتْنَة يَجِيء أَحَدهمْ فَيَقُول فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول مَا صَنَعْت شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِيء أَحَدهمْ فَيَقُول مَا تَرَكْته حَتَّى فَرَّقْت بَيْنه وَبَيْن أَهْله قَالَ فَيُدْنِيه أَوْ قَالَ فَيَلْتَزِمهُ وَيَقُول نَعَمْ أَنْتَ ).
 وَقَدْ تَقَدَّمَ وَسَمِعْت شَيْخنَا الْإِمَام أَبَا مُحَمَّد عَبْد الْمُعْطِي بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة يَقُول : إِنَّ شَيْطَانًا يُقَال لَهُ الْبَيْضَاوِيّ يَتَمَثَّل لِلْفُقَرَاءِ الْمُوَاصِلِينَ فِي الصِّيَام فَإِذَا اِسْتَحْكَمَ مِنْهُمْ الْجُوع وَأَضَرَّ بِأَدْمِغَتِهِمْ يَكْشِف لَهُمْ عَنْ ضِيَاء وَنُور حَتَّى يَمْلَأ عَلَيْهِمْ الْبُيُوت فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ وَصَلُوا وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا.

### الآية 18:51

> ﻿۞ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [18:51]

عَضُدًا
 أَيْ أَعْوَانًا يُقَال : اعْتَضَدْت بِفُلَانٍ إِذَا اِسْتَعَنْت بِهِ وَتَقَوَّيْت وَالْأَصْل فِيهِ عَضُد الْيَد، ثُمَّ يُوضَع مَوْضِع الْعَوْن ; لِأَنَّ الْيَد قِوَامهَا الْعَضُد.
 يُقَال : عَضَدَهُ وَعَاضَدَهُ عَلَى كَذَا إِذَا أَعَانَهُ وَأَعَزَّهُ.
 وَمِنْهُ قَوْله :" سَنَشُدُّ عَضُدك بِأَخِيك " \[ الْقَصَص : ٣٥ \] أَيْ سَنُعِينُك بِأَخِيك.
 وَلَفْظ الْعَضُد عَلَى جِهَة الْمِثْل، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَا يَحْتَاج إِلَى عَوْن أَحَد.
 وَخَصَّ الْمُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيَادَةِ الذَّمّ وَالتَّوْبِيخ.
 وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْجَحْدَرِيّ " وَمَا كُنْت " بِفَتْحِ التَّاء أَيْ وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد مُتَّخِذ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا.
 وَفِي عَضُد ثَمَانِيَة أَوْجُه :" عَضُدًا " بِفَتْحِ الْعَيْن وَضَمّ الضَّاد وَهِيَ قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَهِيَ أَفْصَحهَا.
 و " عَضْدًا " بِفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد، وَهِيَ لُغَة بَنِي تَمِيم.
 و " عُضُدًا " بِضَمِّ الْعَيْن وَالضَّاد، وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي عَمْرو وَالْحَسَن.
 و " عُضْدًا " بِضَمِّ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد، وَهِيَ قِرَاءَة عِكْرِمَة.
 و " عِضَدًا " بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الضَّاد، وَهِيَ قِرَاءَة الضَّحَّاك.
 و " عَضَدًا " بِفَتْحِ الْعَيْن وَالضَّاد وَهِيَ قِرَاءَة عِيسَى بْن عُمَر.
 وَحَكَى هَارُون الْقَارِئ " عَضِدًا " وَاللُّغَة الثَّامِنَة " عِضْدًا " عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ : كِتْف وَفِخْذ.

### الآية 18:52

> ﻿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [18:52]

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا
 قَالَ أَنَس بْن مَالِك : هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم مِنْ قَيْح وَدَم.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ وَجَعَلْنَا بَيْن الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ حَاجِزًا.
 وَقِيلَ : بَيْن الْأَوْثَان وَعَبَدَتهَا، وَنَحْو قَوْله :" فَزَيَّلْنَا بَيْنهمْ " قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : كُلّ شَيْء حَاجِز بَيْن شَيْئَيْنِ فَهُوَ مُوبِق، وَذَكَرَ اِبْن وَهْب عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى :" مَوْبِقًا " قَالَ وَادٍ فِي جَهَنَّم يُقَال لَهُ مَوْبِق، وَكَذَلِكَ قَالَ نَوْف الْبِكَالِيّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : يُحْجَز بَيْنهمْ وَبَيْن الْمُؤْمِنِينَ.
 عِكْرِمَة : هُوَ نَهَر فِي جَهَنَّم يَسِيل نَارًا عَلَى حَافَّتَيْهِ حَيَّات مِثْل الْبِغَال الدُّهْم فَإِذَا ثَارَتْ إِلَيْهِمْ لِتَأْخُذهُمْ اِسْتَغَاثُوا مِنْهَا بِالِاقْتِحَامِ فِي النَّار.
 وَرَوَى زَيْد بْن دِرْهَم عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ :" مَوْبِقًا " ( وَادٍ مِنْ قَيْح وَدَم فِي جَهَنَّم ).
 وَقَالَ عَطَاء وَالضَّحَّاك : مُهْلِكًا فِي جَهَنَّم ; وَمِنْهُ يُقَال : أَوْبَقَتْهُ ذُنُوبه إِيبَاقًا.
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : مَوْعِدًا لِلْهَلَاكِ.
 الْجَوْهَرِيّ : وَبَقَ يَبِق وُبُوقًا هَلَكَ، وَالْمَوْبِق مِثْل الْمَوْعِد مَفْعِل مِنْ وَعَدَ يَعِد، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" وَجَعَلْنَا بَيْنهمْ مَوْبِقًا ".
 وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى : وَبِقَ يَوْبَق وَبَقًا.
 وَفِيهِ لُغَة ثَالِثَة : وَبِقَ يَبِق بِالْكَسْرِ فِيهِمَا، وَأَوْبَقَهُ أَيْ أَهْلَكَهُ.
 **وَقَالَ زُهَيْر :**

وَمَنْ يَشْتَرِي حُسْن الثَّنَاء بِمَالِهِ  يَصُنْ عِرْضه مِنْ كُلّ شَنْعَاء مُوبِق قَالَ الْفَرَّاء : جَعَلَ تَوَاصُلهمْ فِي الدُّنْيَا مَهْلِكًا لَهُمْ فِي الْآخِرَة.

### الآية 18:53

> ﻿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [18:53]

وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا
 أَيْ مَهْرَبًا لِإِحَاطَتِهَا بِهِمْ مِنْ كُلّ جَانِب.
 وَقَالَ الْقُتَبِيّ : مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إِلَيْهِ.
 وَقِيلَ : مَلْجَأ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى وَاحِد.
 وَقِيلَ : وَلَمْ تَجِد الْأَصْنَام مَصْرِفًا لِلنَّارِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ.

### الآية 18:54

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [18:54]

وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
 أَيْ جِدَالًا وَمُجَادَلَة وَالْمُرَاد بِهِ النَّضْر بْن الْحَارِث وَجِدَاله فِي الْقُرْآن وَقِيلَ : الْآيَة فِي أُبَيّ بْن خَلَف.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ الْكَافِر أَكْثَر شَيْء جَدَلًا ; وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْكَافِر قَوْله " وَيُجَادِل الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ "
 وَرَوَى أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ الْكُفَّار فَيَقُول اللَّه لَهُ مَا صَنَعْت فِيمَا أَرْسَلْت إِلَيْك فَيَقُول رَبّ آمَنْت بِك وَصَدَّقْت بِرُسُلِك وَعَمِلْت بِكِتَابِك فَيَقُول اللَّه لَهُ هَذِهِ صَحِيفَتك لَيْسَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ فَيَقُول يَا رَبّ إِنِّي لَا أَقْبَل مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة فَيُقَال لَهُ هَذِهِ الْمَلَائِكَة الْحَفَظَة يَشْهَدُونَ عَلَيْك فَيَقُول وَلَا أَقْبَلهُمْ يَا رَبّ وَكَيْفَ أَقْبَلهُمْ وَلَا هُمْ مِنْ عِنْدِي وَلَا مِنْ جِهَتِي فَيَقُول اللَّه تَعَالَى هَذَا اللَّوْح الْمَحْفُوظ أُمّ الْكِتَاب قَدْ شَهِدَ بِذَلِكَ فَقَالَ يَا رَبّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْم قَالَ بَلَى فَقَالَ يَا رَبّ لَا أَقْبَل إِلَّا شَاهِدًا عَلَيَّ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَيَقُول اللَّه تَعَالَى الْآن نَبْعَث عَلَيْك شَاهِدًا مِنْ نَفْسك فَيَتَفَكَّر مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَد عَلَيْهِ مِنْ نَفْسه فَيُخْتَم عَلَى فِيهِ ثُمَّ تَنْطِق جَوَارِحه بِالشِّرْكِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنه وَبَيْن الْكَلَام فَيَدْخُل النَّار وَإِنَّ بَعْضه لَيَلْعَن بَعْضًا يَقُول لِأَعْضَائِهِ لَعَنَكُنَّ اللَّه فَعَنْكُنَّ كُنْت أُنَاضِل فَتَقُول أَعْضَاؤُهُ لَعَنَك اللَّه أَفَتَعْلَم أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُكْتَم حَدِيثًا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَنَس أَيْضًا.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَلِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَة فَقَالَ :( أَلَا تُصَلُّونَ ؟ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا أَنْفُسنَا بِيَدِ اللَّه فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثنَا بَعَثَنَا ; فَانْصَرَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قُلْت لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعْته وَهُوَ مُدْبِر يَضْرِب فَخِذه وَيَقُول :" وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا " )

### الآية 18:55

> ﻿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا [18:55]

أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا
 نُصِبَ عَلَى الْحَال، وَمَعْنَاهُ عِيَانًا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ : هُوَ السَّيْف يَوْم بَدْر.
 وَقَالَ مُقَاتِل : فَجْأَة وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَعَاصِم وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَيَحْيَى وَالْكِسَائِيّ " قُبُلًا " بِضَمَّتَيْنِ أَرَادُوا بِهِ أَصْنَاف الْعَذَاب كُلّه، جَمْع قَبِيل نَحْو سَبِيل وَسُبُل.
 النَّحَّاس : وَمَذْهَب الْفَرَّاء أَنَّ " قُبُلًا " جَمْع قَبِيل أَيْ مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضه بَعْضًا.
 وَيَجُوز عِنْده أَنْ يَكُون الْمَعْنَى عِيَانًا.
 وَقَالَ الْأَعْرَج : وَكَانَتْ قِرَاءَته " قُبُلًا " مَعْنَاهُ جَمِيعًا وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَكَانَتْ قِرَاءَته " قُبُلًا " وَمَعْنَاهُ عِيَانًا.

### الآية 18:56

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [18:56]

هُزُوًا
 أَيْ اِتَّخَذُوا الْقُرْآن وَاَلَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ مِنْ الْوَعِيد هُزُوًا أَيْ لَعِبًا وَبَاطِلًا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه.
 وَقِيلَ : هُوَ قَوْل أَبِي جَهْل فِي الزُّبْد وَالتَّمْر هَذَا هُوَ الزَّقُّوم وَقِيلَ : هُوَ قَوْلهمْ فِي الْقُرْآن هُوَ سِحْر وَأَضْغَاث أَحْلَام وَأَسَاطِير الْأَوَّلِينَ، وَقَالُوا لِلرَّسُولِ :" هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ " \[ الْأَنْبِيَاء : ٣ \] " وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآن عَلَى رَجُل مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم " \[ الزُّخْرُف : ٣١ \] و " مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا " \[ الْمُدَّثِّر : ٣١ \].

### الآية 18:57

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [18:57]

فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا
 نَزَلَ فِي قَوْم مُعَيَّنِينَ، وَهُوَ يَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة قَوْلهمْ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة فِي " سُبْحَان " \[ الْإِسْرَاء : ١ \] وَغَيْرهَا.

### الآية 18:58

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [18:58]

لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
 أَيْ مَلْجَأ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد، وَحَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح.
 وَقَدْ وَأَلَ يَئِل وَأْلًا وَوُءُولًا عَلَى فُعُول أَيْ لَجَأَ ; وَوَاءَلَ مِنْهُ عَلَى فَاعَلَ أَيْ طَلَبَ النَّجَاة.
 وَقَالَ مُجَاهِد : مَحْرِزًا.
 قَتَادَة : وَلِيًّا.
 وَأَبُو عُبَيْدَة : مَنْجًى.
 وَقِيلَ : مَحِيصًا ; وَالْمَعْنَى وَاحِد وَالْعَرَب تَقُول : لَا وَأَلَتْ نَفْسُهُ أَيْ لَا نَجَتْ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :

لَا وَأَلَتْ نَفْسُك خَلَّيْتهَا  لِلْعَامِرِيَّيْنِ وَلَمْ تُكْلَم **وَقَالَ الْأَعْشَى :**وَقَدْ أُخَالِس رَبّ الْبَيْت غَفْلَته  وَقَدْ يُحَاذِر مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِل أَيْ مَا يَنْجُو.

### الآية 18:59

> ﻿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [18:59]

وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا
 أَيْ وَقْتًا مَعْلُومًا لَمْ تَعْدُهُ و " مُهْلَك " مِنْ أُهْلِكُوا.
 وَقَرَأَ عَاصِم " مَهْلَكهمْ " بِفَتْحِ الْمِيم وَاللَّام وَهُوَ مَصْدَر هَلَكَ.
 وَأَجَازَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء " لِمَهْلِكِهِمْ " بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْح الْمِيم.
 النَّحَّاس : قَالَ الْكِسَائِيّ وَهُوَ أَحَبّ إِلَيَّ لِأَنَّهُ مِنْ هَلَكَ.
 الزَّجَّاج : اِسْم لِلزَّمَانِ وَالتَّقْدِير : لِوَقْتِ مَهْلِكهمْ، كَمَا يُقَال : أَتَتْ النَّاقَة عَلَى مَضْرِبهَا.

### الآية 18:60

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [18:60]

أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا
 بِضَمِّ الْحَاء وَالْقَاف وَهُوَ الدَّهْر، وَالْجَمْع أَحْقَاب.
 وَقَدْ تُسَكَّن قَافه فَيُقَال حُقْب.
 وَهُوَ ثَمَانُونَ سَنَة.
 وَيُقَال : أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ.
 وَالْجَمْع حِقَاب.
 وَالْحِقْبَة بِكَسْرِ الْحَاء وَاحِدَة الْحِقَب وَهِيَ السُّنُونَ.
 قَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : وَالْحُقْب ثَمَانُونَ سَنَة.
 مُجَاهِد : سَبْعُونَ خَرِيفًا.
 قَتَادَة : زَمَان، النَّحَّاس : الَّذِي يَعْرِفهُ أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْحُقْب وَالْحِقْبَة زَمَان مِنْ الدَّهْر مُبْهَم غَيْر مَحْدُود ; كَمَا أَنَّ رَهْطًا وَقَوْمًا مُبْهَم غَيْر مَحْدُود : وَجَمْعه أَحْقَاب.

### الآية 18:61

> ﻿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [18:61]

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا
 الضَّمِير فِي قَوْله :" بَيْنهمَا " لِلْبَحْرَيْنِ ; قَالَهُ مُجَاهِد.
 وَالسَّرَب الْمَسْلَك ; قَالَهُ مُجَاهِد.
 وَقَالَ قَتَادَة : جَمَدَ الْمَاء فَصَارَ كَالسَّرَبِ.
 وَجُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْحُوت بَقِيَ مَوْضِع سُلُوكه فَارِغًا، وَأَنَّ مُوسَى مَشَى عَلَيْهِ مُتَّبِعًا لِلْحُوتِ، حَتَّى أَفْضَى بِهِ الطَّرِيق إِلَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر، وَفِيهَا وَجَدَ الْخَضِر.
 وَظَاهِر الرِّوَايَات وَالْكِتَاب أَنَّهُ إِنَّمَا وَجَدَ الْخَضِر فِي ضِفَّة الْبَحْر وَقَوْله :" نَسِيَا حُوتهمَا " وَإِنَّمَا كَانَ النِّسْيَان مِنْ الْفَتَى وَحْده فَقِيلَ : الْمَعْنَى ; نَسِيَ أَنْ يُعْلِم مُوسَى بِمَا رَأَى مِنْ حَاله فَنَسَبَ النِّسْيَان إِلَيْهِمَا لِلصُّحْبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان " \[ الرَّحْمَن : ٢٢ \] وَإِنَّمَا يَخْرُج مِنْ الْمِلْح، وَقَوْله :" يَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُل مِنْكُمْ.
 " وَإِنَّمَا الرُّسُل مِنْ الْإِنْس لَا مِنْ الْجِنّ وَفِي الْبُخَارِيّ ; ( فَقَالَ لِفَتَاهُ : لَا أُكَلِّفك إِلَّا أَنْ تُخْبِرنِي بِحَيْثُ يُفَارِقك الْحُوت، قَالَ : مَا كَلَّفْت كَثِيرًا ; فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ :" وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ.
 " يُوشَع بْن نُون - لَيْسَتْ عَنْ سَعِيد - قَالَ فَبَيْنَا هُوَ فِي ظِلّ صَخْرَة فِي مَكَان ثَرْيَان إِذْ تَضَرَّبَ الْحُوت وَمُوسَى نَائِم فَقَالَ فَتَاهُ : لَا أُوقِظهُ ; حَتَّى إِذَا اِسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرهُ، وَتَضَرَّبَ الْحُوت حَتَّى دَخَلَ الْبَحْر، فَأَمْسَكَ اللَّه عَنْهُ جِرْيَة الْبَحْر حَتَّى كَأَنَّ أَثَره فِي حَجَر ; قَالَ لِي عَمْرو : هَكَذَا كَأَنَّ أَثَره فِي حَجَر وَحَلَّقَ بَيْن إِبْهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيَانِهِمَا ) وَفِي رِوَايَة ( وَأَمْسَكَ اللَّه عَنْ الْحُوت جِرْيَة الْمَاء فَصَارَ مِثْل الطَّاق، فَلَمَّا اِسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبه أَنْ يُخْبِرهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّة يَوْمهمَا وَلَيْلَتهمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَد قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ :" آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا " وَلَمْ يَجِد مُوسَى النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَان الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ :" أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَان أَنْ أَذْكُرهُ " ) وَقِيلَ : إِنَّ النِّسْيَان كَانَ مِنْهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" نَسِيَا " فَنَسَبَ النِّسْيَان إِلَيْهِمَا ; وَذَلِكَ أَنَّ بُدُوّ حَمْل الْحُوت كَانَ مِنْ مُوسَى لِأَنَّهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَلَمَّا مَضَيَا كَانَ فَتَاهُ الْحَامِل لَهُ حَتَّى أَوَيَا إِلَى الصَّخْرَة نَزَلَا.

### الآية 18:62

> ﻿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا [18:62]

لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا
 أَيْ تَعَبًا، وَالنَّصَب التَّعَب وَالْمَشَقَّة.
 وَقِيلَ : عَنَى بِهِ هُنَا الْجُوع، وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز الْإِخْبَار بِمَا يَجِدهُ الْإِنْسَان مِنْ الْأَلَم وَالْأَمْرَاض، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي الرِّضَا، وَلَا فِي التَّسْلِيم لِلْقَضَاءِ لَكِنْ إِذَا لَمْ يَصْدُر ذَلِكَ عَنْ ضَجَر وَلَا سَخَط.

### الآية 18:63

> ﻿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا [18:63]

وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا
 يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل يُوشَع لِمُوسَى ; أَيْ اِتَّخَذَ الْحُوت سَبِيله عَجَبًا لِلنَّاسِ وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله :" وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر " تَمَام الْخَبَر، ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ التَّعْجِيب فَقَالَ مِنْ نَفْسه :" عَجَبًا " لِهَذَا الْأَمْر.
 وَمَوْضِع الْعَجَب أَنْ يَكُون حُوت قَدْ مَاتَ فَأَكَلَ شِقّه الْأَيْسَر ثُمَّ حَيِيَ بَعْد ذَلِكَ.
 قَالَ أَبُو شُجَاع فِي كِتَاب الطَّبَرِيّ : رَأَيْته - أَتَيْت بِهِ - فَإِذَا هُوَ شِقّ حُوت وَعَيْن وَاحِدَة، وَشِقّ آخَر لَيْسَ فِيهِ شَيْء قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَأَنَا رَأَيْته وَالشِّقّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْء عَلَيْهِ قِشْرَة رَقِيقَة لَيْسَتْ تَحْتهَا شَوْكَة.
 وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله :" وَاِتَّخَذَ سَبِيله " إِخْبَارًا مِنْ اللَّه تَعَالَى، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُخْبِر عَنْ مُوسَى أَنَّهُ اِتَّخَذَ سَبِيل الْحُوت مِنْ الْبَحْر عَجَبًا، أَيْ تَعَجَّبَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِر عَنْ الْحُوت أَنَّهُ اِتَّخَذَ سَبِيله عَجَبًا لِلنَّاسِ.
 وَمِنْ غَرِيب مَا رُوِيَ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ قَصَص هَذِهِ الْآيَة :( أَنَّ الْحُوت إِنَّمَا حَيِيَ لِأَنَّهُ مَسَّهُ مَاء عَيْن هُنَاكَ تُدْعَى عَيْن الْحَيَاة، مَا مَسَّتْ قَطُّ شَيْئًا إِلَّا حَيِيَ ) وَفِي التَّفْسِير : إِنَّ الْعَلَامَة كَانَتْ أَنْ يَحْيَا الْحُوت ; فَقِيلَ : لَمَّا نَزَلَ مُوسَى بَعْد مَا أَجْهَدَهُ السَّفَر عَلَى صَخْرَة إِلَى جَنْبهَا مَاء الْحَيَاة أَصَابَ الْحُوت شَيْء مِنْ ذَلِكَ الْمَاء فَحَيِيَ.
 وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيثه قَالَ سُفْيَان :( يَزْعُم نَاس أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَة عِنْدهَا عَيْن الْحَيَاة، وَلَا يُصِيب مَاؤُهَا شَيْئًا إِلَّا عَاشَ، قَالَ : وَكَانَ الْحُوت قَدْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَمَّا قَطَرَ عَلَيْهِ الْمَاء عَاشَ ) وَذَكَرَ صَاحِب كِتَاب الْعَرُوس : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام تَوَضَّأَ مِنْ عَيْن الْحَيَاة فَقَطَرَتْ مِنْ لِحْيَته عَلَى الْحُوت قَطْرَة فَحَيِيَ ; وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 18:64

> ﻿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا [18:64]

فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا
 فَرَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارهمَا لِئَلَّا يُخْطِئَا طَرِيقهمَا.

### الآية 18:65

> ﻿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [18:65]

وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا
 أَيْ عِلْم الْغَيْب، اِبْن عَطِيَّة : كَانَ عِلْم الْخَضِر عِلْم مَعْرِفَة بَوَاطِن قَدْ أُوحِيَتْ إِلَيْهِ، لَا تُعْطِي ظَوَاهِر الْأَحْكَام أَفْعَاله بِحَسَبِهَا ; وَكَانَ عِلْم مُوسَى عِلْم الْأَحْكَام وَالْفُتْيَا بِظَاهِرِ أَقْوَال النَّاس وَأَفْعَالهمْ.

### الآية 18:66

> ﻿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [18:66]

قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا
 **فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :**
 \[ الْأُولَى \] " قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعك " هَذَا سُؤَال الْمُلَاطِف، وَالْمُخَاطِب الْمُسْتَنْزِل الْمُبَالِغ فِي حُسْن الْأَدَب، الْمَعْنَى : هَلْ يَتَّفِق لَك وَيَخِفّ عَلَيْك ؟ وَهَذَا كَمَا فِي الْحَدِيث :( هَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تُرِينِي كَيْفَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ ؟.
 ) وَعَلَى بَعْض التَّأْوِيلَات يَجِيء كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" هَلْ يَسْتَطِيع رَبّك أَنْ يُنَزِّل عَلَيْنَا مَائِدَة مِنْ السَّمَاء.
 " \[ الْمَائِدَة : ١١٢ \] حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْمَائِدَة ".
 \[ الثَّانِيَة \] فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُتَعَلِّم تَبَع لِلْعَالِمِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْمَرَاتِب، وَلَا يُظَنّ أَنَّ فِي تَعَلُّم مُوسَى مِنْ الْخَضِر مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْخَضِر كَانَ أَفْضَل مِنْهُ، فَقَدْ يَشِذّ عَنْ الْفَاضِل مَا يَعْلَمهُ الْمَفْضُول، وَالْفَضْل لِمَنْ فَضَّلَهُ اللَّه ; فَالْخَضِر إِنْ كَانَ وَلِيًّا فَمُوسَى أَفْضَل مِنْهُ، لِأَنَّهُ نَبِيّ وَالنَّبِيّ أَفْضَل مِنْ الْوَلِيّ، وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَمُوسَى فَضْله بِالرِّسَالَةِ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 " وَرُشْدًا " مَفْعُول ثَانٍ ب " تُعَلِّمنِي ".

### الآية 18:67

> ﻿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:67]

إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا
 أَيْ إِنَّك يَا مُوسَى لَا تُطِيق أَنْ تَصْبِر عَلَى مَا تَرَاهُ مِنْ عِلْمِي ; لِأَنَّ الظَّوَاهِر الَّتِي هِيَ عِلْمك لَا تُعْطِيه، وَكَيْفَ تَصْبِر عَلَى مَا تَرَاهُ خَطَأ وَلَمْ تُخْبَر بِوَجْهِ الْحِكْمَة فِيهِ، وَلَا طَرِيق الصَّوَاب.

### الآية 18:68

> ﻿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [18:68]

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا
 وَالْأَنْبِيَاء لَا يُقِرُّونَ عَلَى مُنْكَر، وَلَا يَجُوز لَهُمْ التَّقْرِير أَيْ لَا يَسَعك السُّكُوت جَرْيًا عَلَى عَادَتك وَحُكْمك.
 وَانْتَصَبَ " خُبْرًا " عَلَى التَّمْيِيز الْمَنْقُول عَنْ الْفَاعِل.
 وَقِيلَ : عَلَى الْمَصْدَر الْمُلَاقَى فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْله :" لَمْ تُحِطْ ".
 مَعْنَاهُ لَمْ تُخْبَرهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ تَخْبُرهُ خُبْرًا ; وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُجَاهِد وَالْخَبِير بِالْأُمُورِ هُوَ الْعَالِم بِخَفَايَاهَا وَبِمَا يُخْتَبَر مِنْهَا.

### الآية 18:69

> ﻿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [18:69]

وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا
 أَيْ قَدْ أَلْزَمْت نَفْسِي طَاعَتك وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاء، هَلْ هُوَ يَشْمَل قَوْله :" وَلَا أَعْصِي لَك أَمْرًا " أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : يَشْمَلهُ كَقَوْلِهِ :" وَالذَّاكِرِينَ اللَّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات " \[ الْأَحْزَاب : ٣٥ \].
 وَقِيلَ : اِسْتَثْنَى فِي الصَّبْر فَصَبَرَ، وَمَا اِسْتَثْنَى فِي قَوْله :" وَلَا أَعْصِي لَك أَمْرًا " فَاعْتَرَضَ وَسَأَلَ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الصَّبْر أَمْر مُسْتَقْبَل وَلَا يُدْرَى كَيْفَ يَكُون حَاله فِيهِ، وَنَفْي الْمَعْصِيَة مَعْزُوم عَلَيْهِ حَاصِل فِي الْحَال، فَالِاسْتِثْنَاء فِيهِ يُنَافِي الْعَزْم عَلَيْهِ، وَيُمْكِن أَنْ يُفَرَّق بَيْنهمَا بِأَنَّ الصَّبْر لَيْسَ مُكْتَسَبًا لَنَا بِخِلَافِ فِعْل الْمَعْصِيَة وَتَرْكه، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه مُكْتَسَب لَنَا ; وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 18:70

> ﻿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [18:70]

قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا
 أَيْ حَتَّى أَكُون أَنَا الَّذِي أُفَسِّرهُ لَك، وَهَذَا مِنْ الْخَضِر تَأْدِيب وَإِرْشَاد لِمَا يَقْتَضِي دَوَام الصُّحْبَة، فَلَوْ صَبَرَ وَدَأَبَ لَرَأَى الْعَجَب، لَكِنَّهُ أَكْثَرَ مِنْ الِاعْتِرَاض فَتَعَيَّنَ الْفِرَاق وَالْإِعْرَاض.

### الآية 18:71

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [18:71]

لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا
 مَعْنَاهُ عَجَبًا ; قَالَهُ الْقُتَبِيّ، وَقِيلَ : مُنْكَرًا ; قَالَهُ مُجَاهِد، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْإِمْر الدَّاهِيَة الْعَظِيمَة ; وَأَنْشَدَ :

قَدْ لَقِيَ الْأَقْرَان مِنِّي نُكْرَا  دَاهِيَة دَهْيَاء إِدًّا إِمْرَا وَقَالَ الْأَخْفَش : يُقَال أَمِرَ أَمْرُهُ يَأْمَر " أَمْرًا " إِذَا اِشْتَدَّ، وَالِاسْم الْإِمْر.

### الآية 18:72

> ﻿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:72]

أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا
 أَيْ إِنَّك يَا مُوسَى لَا تُطِيق أَنْ تَصْبِر عَلَى مَا تَرَاهُ مِنْ عِلْمِي ; لِأَنَّ الظَّوَاهِر الَّتِي هِيَ عِلْمك لَا تُعْطِيه، وَكَيْفَ تَصْبِر عَلَى مَا تَرَاهُ خَطَأ وَلَمْ تُخْبَر بِوَجْهِ الْحِكْمَة فِيهِ، وَلَا طَرِيق الصَّوَاب.

### الآية 18:73

> ﻿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [18:73]

قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا
 **فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ :**
 أَحَدهمَا : يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس، قَالَ :( هَذَا مِنْ مَعَارِيض الْكَلَام ).
 وَالْآخَر : أَنَّهُ نَسِيَ فَاعْتَذَرَ ; فَفِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ النِّسْيَان لَا يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَة، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُل تَحْت التَّكْلِيف، وَلَا يَتَعَلَّق بِهِ حُكْم طَلَاق وَلَا غَيْره ; وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلَوْ نَسِيَ فِي الثَّانِيَة لَاعْتَذَرَ.

### الآية 18:74

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [18:74]

" الْآيَة - غَضِبَ الْخَضِر وَاقْتَلَعَ كَتِف الصَّبِيّ الْأَيْسَر، وَقَشَّرَ اللَّحْم عَنْهُ، وَإِذَا فِي عَظْم كَتِفه مَكْتُوب : كَافِر لَا يُؤْمِن بِاَللَّهِ أَبَدًا.
 وَقَدْ اِحْتَجَّ أَهْل الْقَوْل الْأَوَّل بِأَنَّ الْعَرَب تُبْقِي عَلَى الشَّابّ اِسْم الْغُلَام، وَمِنْهُ قَوْل لَيْلَى الْأَخْيِلِيَّة :

شَفَاهَا مِنْ الدَّاء الْعُضَال الَّذِي بِهَا  غُلَام إِذَا هَزَّ الْقَنَاة سَقَاهَا **وَقَالَ صَفْوَان لِحَسَّان :**تَلَقَّ ذُبَاب السَّيْف عَنِّي فَإِنَّنِي  غُلَام إِذَا هُوجِيتُ لَسْت بِشَاعِرِ وَفِي الْخَبَر :( إِنَّ هَذَا الْغُلَام كَانَ يُفْسِد فِي الْأَرْض، وَيُقْسِم لِأَبَوَيْهِ أَنَّهُ مَا فَعَلَ، فَيُقْسِمَانِ عَلَى قَسَمه، وَيَحْمِيَانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبهُ )
 قَالُوا وَقَوْله :" بِغَيْرِ نَفْس " يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْ قَتْل نَفْس لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْس، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى كِبَر الْغُلَام، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لَمْ يَحْتَلِم لَمْ يَجِب قَتْله بِنَفْسٍ، وَإِنَّمَا جَازَ قَتْله لِأَنَّهُ كَانَ بَالِغًا عَاصِيًا.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ شَابًّا يَقْطَع الطَّرِيق، وَذَهَبَ اِبْن جُبَيْر إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ سِنّ التَّكْلِيف لِقِرَاءَةِ أُبَيّ وَابْن عَبَّاس " وَأَمَّا الْغُلَام فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ " وَالْكُفْر وَالْإِيمَان مِنْ صِفَات الْمُكَلَّفِينَ، وَلَا يُطْلَق عَلَى غَيْر مُكَلَّف إِلَّا بِحُكْمِ التَّبَعِيَّة لِأَبَوَيْهِ، وَأَبَوَيْ الْغُلَام كَانَا مُؤْمِنَيْنِ بِالنَّصِّ فَلَا يَصْدُق عَلَيْهِ اِسْم الْكَافِر إِلَّا بِالْبُلُوغِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يُصَار إِلَيْهِ وَالْغُلَام مِنْ الِاغْتِلَام وَهُوَ شِدَّة الشَّبَق.
 " نُكُرًا " اِخْتَلَفَ النَّاس أَيّهمَا أَبْلَغ " إِمْرًا " أَوْ قَوْله " نُكُرًا " فَقَالَتْ فِرْقَة : هَذَا قَتْل بَيِّن، وَهُنَاكَ مُتَرَقِّب ; ف " نُكُرًا " أَبْلَغ، وَقَالَتْ فِرْقَة : هَذَا قَتْل وَاحِد وَذَاكَ قَتْل جَمَاعَة ف " إِمْرًا " أَبْلَغ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَعِنْدِي أَنَّهُمَا لِمَعْنَيَيْنِ وَقَوْله :" إِمْرًا " أَفْظَع وَأَهْوَل مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَوَقَّع عَظِيم، و " نُكُرًا " بَيِّن فِي الْفَسَاد لِأَنَّ مَكْرُوهه قَدْ وَقَعَ ; وَهَذَا بَيِّنٌ.

### الآية 18:75

> ﻿۞ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:75]

أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا
 أَيْ إِنَّك يَا مُوسَى لَا تُطِيق أَنْ تَصْبِر عَلَى مَا تَرَاهُ مِنْ عِلْمِي ; لِأَنَّ الظَّوَاهِر الَّتِي هِيَ عِلْمك لَا تُعْطِيه، وَكَيْفَ تَصْبِر عَلَى مَا تَرَاهُ خَطَأ وَلَمْ تُخْبَر بِوَجْهِ الْحِكْمَة فِيهِ، وَلَا طَرِيق الصَّوَاب.

### الآية 18:76

> ﻿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [18:76]

قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا
 يَدُلّ عَلَى قِيَام الِاعْتِذَار بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَة مُطْلَقًا، وَقِيَام الْحُجَّة مِنْ الْمَرَّة الثَّانِيَة بِالْقَطْعِ ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ.
 اِبْن عَطِيَّة : وَيُشْبِه أَنْ تَكُون هَذِهِ الْقِصَّة أَيْضًا أَصْلًا لِلْآجَالِ فِي الْأَحْكَام الَّتِي هِيَ ثَلَاثَة، وَأَيَّام الْمُتَلَوَّم ثَلَاثَة ; فَتَأَمَّلْهُ.
 " قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا " أَيْ بَلَغْت مَبْلَغًا تُعْذَر بِهِ فِي تَرْك مُصَاحَبَتِي، وَقَرَأَ الْجُمْهُور :" مِنْ لَدُنِّي " بِضَمِّ الدَّال، إِلَّا أَنَّ نَافِعًا وَعَاصِمًا خَفَّفَا النُّون، فَهِيَ " لَدُنْ " اِتَّصَلَتْ بِهَا يَاء الْمُتَكَلِّم الَّتِي فِي غُلَامِي وَفَرَسِي، وَكُسِرَ مَا قَبْل الْيَاء كَمَا كُسِرَ فِي هَذِهِ.
 وَقَرَأَ أَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم " لَدْنِي " بِفَتْحِ اللَّام وَسُكُون الدَّال وَتَخْفِيف النُّون وَرُوِيَ عَنْ عَاصِم " لُدْنِي " بِضَمِّ اللَّام وَسُكُون الدَّال ; قَالَ اِبْن مُجَاهِد : وَهِيَ غَلَط ; قَالَ أَبُو عَلِيّ : هَذَا التَّغْلِيط يُشْبِه أَنْ يَكُون مِنْ جِهَة الرِّوَايَة، فَأَمَّا عَلَى قِيَاس الْعَرَبِيَّة فَهِيَ صَحِيحَة وَقَرَأَ الْجُمْهُور " عُذْرًا " وَقَرَأَ عِيسَى " عُذُرًا " بِضَمِّ الذَّال وَحَكَى الدَّانِيّ أَنَّ أُبَيًّا رَوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عُذْرِي " بِكَسْرِ الرَّاء وَيَاء بَعْدهَا.
 مَسْأَلَة : أَسْنَدَ الطَّبَرِيّ قَالَ :( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَعَا لِأَحَدٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ يَوْمًا : رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى لَوْ صَبَرَ عَلَى صَاحِبه لَرَأَى الْعَجَب وَلَكِنَّهُ قَالَ " فَلَا تُصَاحِبنِي قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا " ) وَاَلَّذِي فِي صَحِيح مُسْلِم قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَب وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبه ذَمَامَة وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَب ) قَالَ : وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاء بَدَأَ بِنَفْسِهِ :( رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا ) وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( يَرْحَم اللَّه مُوسَى لَوَدِدْنَا أَنَّهُ صَبَرَ حَتَّى يَقُصّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرهمَا ) الذَّمَامَة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَذَمَّة بِفَتْحِ الذَّال وَكَسْرهَا، وَهِيَ الرِّقَّة وَالْعَار مِنْ تِلْكَ الْحُرْمَة : يُقَال أَخَذَتْنِي مِنْك مَذَمَّة وَمَذِمَّة وَذَمَامَة وَكَأَنَّهُ اِسْتَحْيَا مِنْ تَكْرَار مُخَالَفَته، وَمِمَّا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ تَغْلِيظ الْإِنْكَار.

### الآية 18:77

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [18:77]

قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيث لَا يُنَاقِضهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَة فَتَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَقَالَ فِيهِ حَدِيث حَسَن ; فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ اِتَّخَذَهَا مُسْتَكْثِرًا أَوْ مُتَنَعِّمًا وَمُتَمَتِّعًا بِزَهْرَتِهَا، وَأَمَّا مَنْ اِتَّخَذَهَا مَعَاشًا يَصُونَ بِهَا دِينه وَعِيَاله فَاِتِّخَاذهَا بِهَذِهِ النِّيَّة مِنْ أَفْضَل الْأَعْمَال، وَهِيَ مِنْ أَفْضَل الْأَمْوَال ; قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( نِعْمَ الْمَال الصَّالِح لِلرَّجُلِ الصَّالِح ).
 وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاس فِي كَرَامَات الْأَوْلِيَاء وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ كِفَايَة ; وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلْهِدَايَةِ.
 قَوْله تَعَالَى :" لَاتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا " فِيهِ دَلِيل عَلَى صِحَّة جَوَاز الْإِجَارَة، وَهِيَ سُنَّة الْأَنْبِيَاء وَالْأَوْلِيَاء عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " الْقَصَص " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 وَقَرَأَ الْجُمْهُور " لَاتَّخَذْت " وَأَبُو عَمْرو " لَتَّخِذْت " وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَالْحَسَن وَقَتَادَة، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد مِنْ الْأَخْذ، مِثْل قَوْلك : تَبِعَ وَاتَّبَعَ، وَتَقَى وَاتَّقَى وَأَدْغَمَ بَعْض الْقُرَّاء الذَّال فِي التَّاء، وَلَمْ يُدْغِمهَا بَعْضهمْ وَفِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب :( لَوْ شِئْت لَأُوتِيت أَجْرًا ) وَهَذِهِ صَدَرَتْ مِنْ مُوسَى سُؤَالًا عَلَى جِهَة الْعَرْض لَا الِاعْتِرَاض.

### الآية 18:78

> ﻿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [18:78]

سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا
 تَأْوِيل الشَّيْء مَآله أَيْ قَالَ لَهُ : إِنِّي أُخْبِرك لِمَ فَعَلْت مَا فَعَلْت.
 وَقِيلَ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَات الَّتِي وَقَعَتْ لِمُوسَى مَعَ الْخَضِر : إِنَّهَا حُجَّة عَلَى مُوسَى وَعَجَبًا لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ أَمْر خَرْق السَّفِينَة نُودِيَ : يَا مُوسَى أَيْنَ كَانَ تَدْبِيرك هَذَا وَأَنْتَ فِي التَّابُوت مَطْرُوحًا فِي الْيَمّ فَلَمَّا أَنْكَرَ أَمْر الْغُلَام قِيلَ لَهُ : أَيْنَ إِنْكَارك هَذَا مِنْ وَكْزك الْقِبْطِيّ وَقَضَائِك عَلَيْهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ إِقَامَة الْجِدَار نُودِيَ : أَيْنَ هَذَا مِنْ رَفْعك حَجَر الْبِئْر لِبَنَاتِ شُعَيْب دُون أَجْر.

### الآية 18:79

> ﻿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [18:79]

يَعْنِي أَمَامِي.
 \[ وَالثَّانِي \] أَنَّ وَرَاء تُسْتَعْمَل فِي مَوْضِع أَمَام فِي الْمَوَاقِيت وَالْأَزْمَان لِأَنَّ الْإِنْسَان يَجُوزهَا فَتَصِير وَرَاءَهُ وَلَا يَجُوز فِي غَيْرهَا.
 \[ الثَّالِث \] أَنَّهُ يَجُوز فِي الْأَجْسَام الَّتِي لَا وَجْه لَهَا كَحَجَرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا وَرَاء الْآخَر وَلَا يَجُوز فِي غَيْرهمَا ; وَهَذَا قَوْل عَلِيّ بْن عِيسَى.
 وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الْمَلِك فَقِيلَ : هُدَد بْن بُدَد.
 وَقِيلَ : الْجَلَنْدِيّ ; وَقَالَهُ السُّهَيْلِيّ.
 وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ اِسْم الْمَلِك الْآخِذ لِكُلِّ سَفِينَة غَصْبًا فَقَالَ : هُوَ ( هُدَد بْن بُدَد وَالْغُلَام الْمَقْتُول ) اِسْمه جيسور، وَهَكَذَا قَيَّدْنَاهُ فِي الْجَامِع مِنْ رِوَايَة يَزِيد الْمَرْوَزِيّ، وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة حيسور بِالْحَاءِ وَعِنْدِي فِي حَاشِيَة الْكِتَاب رِوَايَة ثَالِثَة : وَهِيَ حيسون وَكَانَ يَأْخُذ كُلّ سَفِينَة جَيِّدَة غَصْبًا فَلِذَلِكَ عَابَهَا الْخَضِر وَخَرَقَهَا ; فَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْه الْعَمَل بِالْمَصَالِحِ إِذَا تَحَقَّقَ وَجْههَا، وَجَوَاز إِصْلَاح كُلّ الْمَال بِإِفْسَادِ بَعْضه، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم وَجْه الْحِكْمَة بِخَرْقِ السَّفِينَة وَذَلِكَ قَوْله :( فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَة فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ.
 ) الْحَدِيث.
 وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْحَضّ عَلَى الصَّبْر فِي الشَّدَائِد، فَكَمْ فِي ضِمْن ذَلِكَ الْمَكْرُوه مِنْ الْفَوَائِد، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله :" وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْر لَكُمْ " \[ الْبَقَرَة : ٢١٦ \].

### الآية 18:80

> ﻿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [18:80]

فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا
 قِيلَ : هُوَ مِنْ كَلَام الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ الَّذِي يَشْهَد لَهُ سِيَاق الْكَلَام، وَهُوَ قَوْل كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ ; أَيْ خِفْنَا أَنْ يُرْهِقهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، وَكَانَ اللَّه قَدْ أَبَاحَ لَهُ الِاجْتِهَاد فِي قَتْل النُّفُوس عَلَى هَذِهِ الْجِهَة.
 وَقِيلَ : هُوَ مِنْ كَلَام اللَّه تَعَالَى وَعَنْهُ عَبَّرَ الْخَضِر ; قَالَ الطَّبَرِيّ : مَعْنَاهُ فَعَلِمْنَا ; وَكَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْ فَعَلِمْنَا، وَهَذَا كَمَا كَنَّى عَنْ الْعِلْم بِالْخَوْفِ فِي قَوْله " إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه " \[ الْبَقَرَة : ٢٢٩ \].
 وَحُكِيَ أَنَّ أُبَيًّا قَرَأَ " فَعَلِمَ رَبّك " وَقِيلَ : الْخَشْيَة بِمَعْنَى الْكَرَاهَة ; يُقَال : فَرَّقْت بَيْنهمَا خَشْيَة أَنْ يَقْتَتِلَا ; أَيْ كَرَاهَة ذَلِكَ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالْأَظْهَر عِنْدِي فِي تَوْجِيه هَذَا التَّأْوِيل وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ يُدَافِعهُ أَنَّهَا اِسْتِعَارَة، أَيْ عَلَى ظَنّ الْمَخْلُوقِينَ وَالْمُخَاطَبِينَ لَوْ عَلِمُوا حَاله لَوَقَعَتْ مِنْهُمْ خَشْيَة الرَّهَق لِلْأَبَوَيْنِ.
 وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود " فَخَافَ رَبّك " وَهَذَا بَيِّن فِي الِاسْتِعَارَة، وَهَذَا نَظِير مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآن فِي جِهَة اللَّه تَعَالَى مِنْ لَعَلَّ وَعَسَى وَأَنَّ جَمِيع مَا فِي هَذَا كُلّه مِنْ تَرَجٍّ وَتَوَقُّع وَخَوْف وَخَشْيَة إِنَّمَا هُوَ بِحَسْبِكُمْ أَيّهَا الْمُخَاطَبُونَ.
 و " يُرْهِقهُمَا " يُجَشِّمهُمَا وَيُكَلِّفهُمَا ; وَالْمَعْنَى أَنْ يُلْقِيهِمَا حُبّه فِي اِتِّبَاعه فَيَضِلَّا وَيَتَدَيَّنَا بِدِينِهِ.

### الآية 18:81

> ﻿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [18:81]

وَأَقْرَبَ رُحْمًا
 قَرَأَ اِبْن عَبَّاس " رُحُمًا " بِالضَّمِّ، قَالَ الشَّاعِر :

وَكَيْفَ بِظُلْمِ جَارِيَة  وَمِنْهَا اللِّين وَالرُّحُم الْبَاقُونَ بِسُكُونِهَا ; وَمِنْهُ قَوْل رُؤْبَة بْن الْعَجَّاج :يَا مُنْزِل الرُّحْم عَلَى إِدْرِيسَا  وَمُنْزِل اللَّعْن عَلَى إِبْلِيسَا وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرو، و " رُحْمًا " مَعْطُوف عَلَى " زَكَاة " أَيْ رَحْمَة ; يُقَال : رَحِمَهُ رَحْمَة وَرُحْمًا ; وَأَلِفه لِلتَّأْنِيثِ، وَمُذَكَّره رُحْم.
 وَقِيلَ : الرُّحْم هُنَا بِمَعْنَى الرَّحِم ; قَرَأَهَا اِبْن عَبَّاس " وَأَوْصَل رُحْمًا " أَيْ رَحِمًا، وَقَرَأَ أَيْضًا " أَزْكَى مِنْهُ ".
 وَعَنْ اِبْن جُبَيْر وَابْن جُرَيْج أَنَّهُمَا بُدِّلَا جَارِيَة ; قَالَ الْكَلْبِيّ فَتَزَوَّجَهَا نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء فَوَلَدَتْ لَهُ نَبِيًّا فَهَدَى اللَّه تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ أُمَّة مِنْ الْأُمَم.
 قَتَادَة : وَلَدَتْ اِثَّنَيْ عَشَر نَبِيًّا، وَعَنْ اِبْن جُرَيْج أَيْضًا أَنَّ أُمّ الْغُلَام يَوْم قُتِلَ كَانَتْ حَامِلًا بِغُلَامٍ مُسْلِم وَكَانَ الْمَقْتُول كَافِرًا.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : فَوَلَدَتْ جَارِيَة وَلَدَتْ نَبِيًّا ; وَفِي رِوَايَة : أَبْدَلَهُمَا اللَّه بِهِ جَارِيَة وَلَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا ; وَقَالَهُ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ ; قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا بَعِيد وَلَا تُعْرَف كَثْرَة الْأَنْبِيَاء إِلَّا فِي بَنِي إِسْرَائِيل، وَهَذِهِ الْمَرْأَة لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ.
 وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الْآيَة تَهْوِين الْمَصَائِب بِفَقْدِ الْأَوْلَاد وَإِنْ كَانُوا قِطَعًا مِنْ الْأَكْبَاد، وَمَنْ سَلَّمَ لِلْقَضَاءِ أَسْفَرَتْ عَاقِبَته عَنْ الْيَد الْبَيْضَاء.
 قَالَ قَتَادَة : لَقَدْ فَرِحَ بِهِ أَبَوَاهُ حِين وُلِدَ وَحَزِنَا عَلَيْهِ حِين قُتِلَ، وَلَوْ بَقِيَ كَانَ فِيهِ هَلَاكهمَا.
 فَالْوَاجِب عَلَى كُلّ اِمْرِئٍ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّه تَعَالَى، فَإِنَّ قَضَاء اللَّه لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَكْرَه خَيْر لَهُ مِنْ قَضَائِهِ لَهُ فِيمَا يُحِبّ.

### الآية 18:82

> ﻿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [18:82]

وَالْأَلِف وَاللَّام فِي قَوْله :( عَلَى الْأَرْض ) لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ وَهِيَ أَرْض الْعَرَب، بِدَلِيلِ تَصَرُّفهمْ فِيهَا وَإِلَيْهَا غَالِبًا دُون أَرْض يَأْجُوج وَمَأْجُوج، وَأَقَاصِي جُزُر الْهِنْد وَالسِّنْد مِمَّا لَا يَقْرَع السَّمْع اِسْمه، وَلَا يُعْلَم عِلْمه.
 وَلَا جَوَاب عَنْ الدَّجَّال.
 قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم الْخَضِر اِخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا ; فَعَنْ اِبْن مُنَبِّه أَنَّهُ قَالَ : أبليا بْن ملكان بْن فالغ بْن شالخ بْن أرفخشذ بْن سَام بْن نُوح.
 وَقِيلَ : هُوَ اِبْن عَامِيل بْن سماقحين بْن أريا بْن علقما بْن عيصو بْن إِسْحَاق، وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكًا، وَأَنَّ أُمّه كَانَتْ بِنْت فَارِس وَاسْمهَا ألمى، وَأَنَّهَا وَلَدَتْهُ فِي مَغَارَة، وَأَنَّهُ وُجِدَ هُنَالِكَ وَشَاة تُرْضِعهُ فِي كُلّ يَوْم مِنْ غَنَم رَجُل مِنْ الْقَرْيَة، فَأَخَذَهُ الرَّجُل فَرَبَّاهُ، فَلَمَّا شَبَّ وَطَلَبَ الْمَلِك - أَبُوهُ - كَاتِبًا وَجَمَعَ أَهْل الْمَعْرِفَة وَالنَّبَالَة لِيَكْتُب الصُّحُف الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى إِبْرَاهِيم وَشِيث، كَانَ مِمَّنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُتَّاب اِبْنه الْخَضِر وَهُوَ لَا يَعْرِفهُ، فَلَمَّا اِسْتَحْسَنَ خَطّه وَمَعْرِفَته، وَبَحَثَ عَنْ جَلِيَّة أَمْره عَرَفَ أَنَّهُ اِبْنه فَضَمَّهُ لِنَفْسِهِ وَوَلَّاهُ أَمْر النَّاس ثُمَّ إِنَّ الْخَضِر فَرَّ مِنْ الْمَلِك لِأَسْبَابٍ يَطُول ذِكْرهَا إِلَى أَنْ وَجَدَ عَيْن الْحَيَاة فَشَرِبَ مِنْهَا، فَهُوَ حَيّ إِلَى أَنْ يَخْرُج الدَّجَّال، وَأَنَّهُ الرَّجُل الَّذِي يَقْتُلهُ الدَّجَّال وَيَقْطَعهُ ثُمَّ يُحْيِيه اللَّه تَعَالَى.
 وَقِيلَ : لَمْ يُدْرِك زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَهَذَا لَا يَصِحّ وَقَالَ الْبُخَارِيّ وَطَائِفَة مِنْ أَهْل الْحَدِيث مِنْهُمْ شَيْخنَا أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : إِنَّهُ مَاتَ قَبْل اِنْقِضَاء الْمِائَة، مِنْ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( إِلَى رَأْس مِائَة عَام لَا يَبْقَى عَلَى هَذِهِ الْأَرْض مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا أَحَد ) يَعْنِي مَنْ كَانَ حَيًّا حِين قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَة
 قُلْت : قَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيث وَالْكَلَام عَلَيْهِ، وَبَيَّنَّا حَيَاة الْخَضِر إِلَى الْآن، وَاَللَّه أَعْلَم.
 الْخَامِسَة : قِيلَ إِنَّ الْخَضِر لَمَّا ذَهَبَ يُفَارِق مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى : أَوْصِنِي ; قَالَ : كُنْ بَسَّامًا وَلَا تَكُنْ ضِحَاكًا، وَدَعْ اللَّجَاجَة، وَلَا تَمْشِ فِي غَيْر حَاجَة، وَلَا تَعِبْ عَلَى الْخَطَّائِينَ خَطَايَاهُمْ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتك يَا اِبْن عِمْرَان.

### الآية 18:83

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [18:83]

وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى مَكَّنَهُ وَمَلَّكَهُ وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوك، فَرُوِيَ أَنَّ جَمِيع مُلُوك الدُّنْيَا كُلّهَا أَرْبَعَة : مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ ; فَالْمُؤْمِنَانِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَإِسْكَنْدَر، وَالْكَافِرَانِ نُمْرُود وَبُخْتَنَصَّرَ ; وَسَيَمْلِكُهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة خَامِس لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" لِيُظْهِرهُ عَلَى الدِّين كُلّه " \[ التَّوْبَة : ٣٣ \] وَهُوَ الْمَهْدِيّ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيم الطَّرَفَيْنِ مِنْ أَهْل بَيْت شَرِيف مِنْ قِبَل أَبِيهِ وَأُمّه وَقِيلَ : لِأَنَّهُ اِنْقَرَضَ فِي وَقْته قَرْنَانِ مِنْ النَّاس وَهُوَ حَيّ وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَاتَلَ قَاتَلَ بِيَدَيْهِ وَرِكَابَيْهِ جَمِيعًا.
 وَقِيلَ لِأَنَّهُ أُعْطِيَ عِلْم الظَّاهِر وَالْبَاطِن.
 وَقِيلَ : لِأَنَّهُ دَخَلَ الظُّلْمَة وَالنُّور.
 وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مَلَكَ فَارِس وَالرُّوم.

### الآية 18:84

> ﻿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [18:84]

وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( مِنْ كُلّ شَيْء عِلْمًا يَتَسَبَّب بِهِ إِلَى مَا يُرِيد ) وَقَالَ الْحَسَن : بَلَاغًا إِلَى حَيْثُ أَرَادَ.
 وَقِيلَ : مِنْ كُلّ شَيْء يَحْتَاج إِلَيْهِ الْخَلْق.
 وَقِيلَ : مِنْ كُلّ شَيْء يَسْتَعِين بِهِ الْمُلُوك مِنْ فَتْح الْمَدَائِن وَقَهْر الْأَعْدَاء.
 وَأَصْل السَّبَب الْحَبْل فَاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى شَيْء.

### الآية 18:85

> ﻿فَأَتْبَعَ سَبَبًا [18:85]

فَأَتْبَعَ سَبَبًا
 قَرَأَ اِبْن عَامِر وَعَاصِم وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " فَأَتْبَعَ سَبَبًا " مَقْطُوعَة الْأَلِف وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَبُو عَمْرو " فَاتَّبَعَ سَبَبًا " بِوَصْلِهَا ; أَيْ اِتَّبَعَ سَبَبًا مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي أُوتِيهَا.
 قَالَ الْأَخْفَش : تَبِعْته وَأَتْبَعْته بِمَعْنًى ; مِثْل رَدَفْته وَأَرْدَفْته، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَة فَأَتْبَعَهُ شِهَاب ثَاقِب " \[ الصَّافَّات : ١٠ \] وَمِنْهُ الْإِتْبَاع فِي الْكَلَام مِثْل حَسَنٌ بَسَنٌ وَقَبِيح شَقِيح.
 قَالَ النَّحَّاس : وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْد قِرَاءَة أَهْل الْكُوفَة قَالَ : لِأَنَّهَا مِنْ السَّيْر، وَحَكَى هُوَ وَالْأَصْمَعِيّ أَنَّهُ يُقَال : تَبِعَهُ وَاتَّبَعَهُ إِذَا سَارَ وَلَمْ يَلْحَقهُ، وَأَتْبَعَهُ إِذَا لَحِقَهُ ; قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَمِثْله " فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ " قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا التَّفْرِيق وَإِنْ كَانَ الْأَصْمَعِيّ قَدْ حَكَاهُ لَا يُقْبَل إِلَّا بِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيل.
 وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ :" فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ " \[ الشُّعَرَاء : ٦٠ \] لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُمْ لَحِقُوهُمْ، وَإِنَّمَا الْحَدِيث : لَمَّا خَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه مِنْ الْبَحْر وَحَصَلَ فِرْعَوْن وَأَصْحَابه اِنْطَبَقَ عَلَيْهِمْ الْبَحْر وَالْحَقّ فِي هَذَا أَنَّ تَبِعَ وَاتَّبَعَ وَأَتْبَعَ لُغَات بِمَعْنًى وَاحِد، وَهِيَ بِمَعْنَى السَّيْر، فَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعَهُ لَحَاق وَأَلَّا يَكُون.

### الآية 18:86

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [18:86]

الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ
 قَالَ إِبْرَاهِيم بْن السَّرِيّ : خَيَّرَهُ بَيْن هَذَيْنِ كَمَا خَيَّرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :" فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " \[ الْمَائِدَة : ٤٢ \] وَنَحْوه.
 وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : الْمَعْنَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَيَّرَهُ بَيْن هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ ; قَالَ النَّحَّاس : وَرَدَّ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان عَلَيْهِ قَوْله ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحّ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ نَبِيّ فَيُخَاطَب بِهَذَا، فَكَيْفَ يَقُول لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ :" ثُمَّ يُرَدّ إِلَى رَبّه " ؟ وَكَيْفَ يَقُول :" فَسَوْفَ نُعَذِّبهُ " فَيُخَاطَب بِالنُّونِ ؟ قَالَ : التَّقْدِير ; قُلْنَا يَا مُحَمَّد قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ.
 قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَن لَا يَلْزَم مِنْهُ شَيْء.
 أَمَّا قَوْله :" قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ " فَيَجُوز أَنْ يَكُون اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَاطَبَهُ عَلَى لِسَان نَبِيّ فِي وَقْته، وَيَجُوز أَنْ يَكُون قَالَ لَهُ هَذَا كَمَا قَالَ لِنَبِيِّهِ :" فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء " \[ مُحَمَّد : ٤ \]، وَأَمَّا إِشْكَال " فَسَوْفَ نُعَذِّبهُ ثُمَّ يُرَدّ إِلَى رَبّه " فَإِنَّ تَقْدِيره أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا خَيَّرَهُ بَيْن الْقَتْل فِي قَوْله تَعَالَى :" إِمَّا أَنْ تُعَذِّب " وَبَيْن الِاسْتِبْقَاء فِي قَوْله جَلَّ وَعَزَّ :" وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذ فِيهِمْ حُسْنًا ".
 قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى :" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب فِي " إِمَّا أَنْ تُعَذِّب وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذ فِيهِمْ حُسْنًا " قَالَ : وَلَوْ رَفَعْت كَانَ صَوَابًا بِمَعْنَى فَإِمَّا هُوَ، كَمَا قَالَ :

فَسَيْرًا فَإِمَّا حَاجَة تَقْضِيَانِهَا  وَإِمَّا مُقِيل صَالِح وَصَدِيق

### الآية 18:87

> ﻿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [18:87]

فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا
 أَيْ شَدِيدًا فِي جَهَنَّم.

### الآية 18:88

> ﻿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [18:88]

فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا
 قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم " فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء أَوْ بِالِاسْتِقْرَارِ.
 و " الْحُسْنَى " فِي مَوْضِع خَفْض بِالْإِضَافَةِ وَيُحْذَف التَّنْوِين لِلْإِضَافَةِ ; أَيْ لَهُ جَزَاء الْحُسْنَى عِنْد اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة وَهِيَ الْجَنَّة، فَأَضَافَ الْجَزَاء إِلَى الْجَنَّة، كَقَوْلِهِ :" حَقّ الْيَقِين " \[ الْوَاقِعَة : ٩٥ \]، " وَلَدَار الْآخِرَة " \[ الْأَنْعَام : ٣٢ \] ; قَالَهُ الْفَرَّاء.
 وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد ب " الْحُسْنَى " الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْجَزَاء مِنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ; أَيْ أُعْطِيه وَأَتَفَضَّل عَلَيْهِ وَيَجُوز أَنْ يُحْذَف التَّنْوِين لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَيَكُون " الْحُسْنَى " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الْبَدَل عِنْد الْبَصْرِيِّينَ، وَعَلَى التَّرْجَمَة عِنْد الْكُوفِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا قِرَاءَة اِبْن أَبِي إِسْحَاق " فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى " إِلَّا أَنَّك لَمْ تَحْذِف التَّنْوِين، وَهُوَ أَجْوَد.
 وَقَرَأَ سَائِر الْكُوفِيِّينَ " فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى " مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا ; أَيْ فَلَهُ الْحُسْنَى جَزَاء قَالَ الْفَرَّاء :" جَزَاء " مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز وَقِيلَ : عَلَى الْمَصْدَر ; وَقَالَ الزَّجَّاج : هُوَ مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال ; أَيْ مَجْزِيًّا بِهَا جَزَاء وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَمَسْرُوق " فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى " مَنْصُوبًا غَيْر مُنَوَّن وَهِيَ عِنْد أَبِي حَاتِم عَلَى حَذْف التَّنْوِين لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ مِثْل " فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى " فِي أَحَد الْوَجْهَيْنِ.
 النَّحَّاس : وَهَذَا عِنْد غَيْره خَطَأ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِع حَذْف تَنْوِين لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَيَكُون تَقْدِيره : فَلَهُ الثَّوَاب جَزَاء الْحُسْنَى.

### الآية 18:89

> ﻿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [18:89]

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا
 تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَع وَاتَّبَعَ بِمَعْنَى أَيْ سَلَكَ طَرِيقًا وَمَنَازِل.

### الآية 18:90

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [18:90]

لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا
 أَيْ حِجَابًا يَسْتَتِرُونَ مِنْهَا عِنْد طُلُوعهَا.
 قَالَ قَتَادَة : لَمْ يَكُنْ بَيْنهمْ وَبَيْن الشَّمْس سِتْرًا ; كَانُوا فِي مَكَان لَا يَسْتَقِرّ عَلَيْهِ بِنَاء، وَهُمْ يَكُونُونَ فِي أَسْرَاب لَهُمْ، حَتَّى إِذَا زَالَتْ الشَّمْس عَنْهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَعَايِشهمْ وَحُرُوثهمْ ; يَعْنِي لَا يَسْتَتِرُونَ مِنْهَا بِكَهْفِ جَبَل وَلَا بَيْت يُكَنِّهِمْ مِنْهَا.
 وَقَالَ أُمَيَّة : وَجَدْت رِجَالًا بِسَمَرْقَنْد يُحَدِّثُونَ النَّاس، فَقَالَ بَعْضهمْ : خَرَجْت حَتَّى جَاوَزْت الصِّين، فَقِيلَ لِي : إِنَّ بَيْنك وَبَيْنهمْ مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة، فَاسْتَأْجَرْت رَجُلًا يُرِينِيهِمْ حَتَّى صَبَّحْتهمْ، فَوَجَدْت أَحَدهمْ يَفْتَرِش أُذُنه وَيَلْتَحِف بِالْأُخْرَى، وَكَانَ صَاحِبِي يُحْسِن كَلَامهمْ، فَبِتْنَا بِهِمْ، فَقَالُوا : فِيمَ جِئْتُمْ ؟ قُلْنَا : جِئْنَا نَنْظُر كَيْفَ تَطْلُع الشَّمْس ; فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْنَا كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَة، فَغُشِيَ عَلَيَّ، ثُمَّ أَفَقْت وَهُمْ يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ، فَلَمَّا طَلَعَتْ الشَّمْس عَلَى الْمَاء إِذْ هِيَ عَلَى الْمَاء كَهَيْئَةِ الزَّيْت، وَإِذَا طَرَف السَّمَاء كَهَيْئَةِ الْفُسْطَاط، فَلَمَّا اِرْتَفَعَتْ أَدْخَلُونِي سَرَبًا لَهُمْ، فَلَمَّا اِرْتَفَعَ النَّهَار وَزَالَتْ الشَّمْس عَنْ رُءُوسهمْ خَرَجُوا يَصْطَادُونَ السَّمَك، فَيَطْرَحُونَهُ فِي الشَّمْس فَيَنْضَج.
 وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : جَاءَهُمْ جَيْش مَرَّة، فَقَالَ لَهُمْ أَهْلهَا : لَا تَطْلُع الشَّمْس وَأَنْتُمْ بِهَا، فَقَالُوا : مَا نَبْرَح حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس.
 ثُمَّ قَالُوا : مَا هَذِهِ الْعِظَام ؟ قَالُوا : هَذِهِ وَاَللَّه عِظَام جَيْش طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْس هَاهُنَا فَمَاتُوا قَالَ : فَوَلَّوْا هَارِبِينَ فِي الْأَرْض.
 وَقَالَ الْحَسَن : كَانَتْ أَرْضهمْ لَا جَبَل فِيهَا وَلَا شَجَر، وَكَانَتْ لَا تَحْمِل الْبِنَاء، فَإِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْس نَزَلُوا فِي الْمَاء، فَإِذَا اِرْتَفَعَتْ عَنْهُمْ خَرَجُوا، فَيَتَرَاعَوْنَ كَمَا تَتَرَاعَى الْبَهَائِم.
 قُلْت : وَهَذِهِ الْأَقْوَال تَدُلّ عَلَى أَنْ لَا مَدِينَة هُنَاكَ وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَرُبَّمَا يَكُون مِنْهُمْ مَنْ يَدْخُل فِي النَّهْر.
 وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُل فِي السَّرَب فَلَا تَنَاقُض بَيْن قَوْل الْحَسَن وَقَتَادَة.

### الآية 18:91

> ﻿كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [18:91]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 18:92

> ﻿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [18:92]

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا
 تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَعَ وَاتَّبَعَ بِمَعْنَى أَيْ سَلَكَ طَرِيقًا وَمَنَازِل.

### الآية 18:93

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [18:93]

قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " يُفْقِهُونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْقَاف مِنْ أَفْقَهَ إِذَا أَبَانَ أَيْ لَا يَفْقَهُونَ غَيْرهمْ كَلَامًا.
 الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاء وَالْقَاف، أَيْ يُعْلَمُونَ.
 وَالْقِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ، فَلَا هُمْ يَفْقَهُونَ مِنْ غَيْرهمْ وَلَا يَفْقَهُونَ غَيْرهمْ.

### الآية 18:94

> ﻿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [18:94]

خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ
 أَيْ رَدْمًا ; وَالرَّدْم مَا جُعِلَ بَعْضه عَلَى بَعْض حَتَّى يَتَّصِل وَثَوْب مُرَدَّم أَيْ مُرَقَّع، قَالَهُ الْهَرَوِيّ يُقَال : رَدَمْت الثُّلْمَة أَرْدِمهَا بِالْكَسْرِ رَدْمًا أَيْ سَدَدْتهَا وَالرَّدْم أَيْضًا الِاسْم وَهُوَ السَّدّ وَقِيلَ : الرَّدْم أَبْلَغ مِنْ السَّدّ إِذْ السَّدّ كُلّ مَا يُسَدّ بِهِ وَالرَّدْم وَضْع الشَّيْء عَلَى الشَّيْء مِنْ حِجَارَة أَوْ تُرَاب أَوْ نَحْوه حَتَّى يَقُوم مِنْ ذَلِكَ حِجَاب مَنِيع وَمِنْهُ رَدَمَ ثَوْبه إِذَا رَقَّعَهُ بِرِقَاعٍ مُتَكَاثِفَة بَعْضهَا فَوْق بَعْض وَمِنْهُ قَوْل عَنْتَرَة :
 هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاء مِنْ مُتَرَدَّمِ
 أَيْ مِنْ قَوْل يُرَكَّب بَعْضه عَلَى بَعْض.
 وَقُرِئَ " سَدًّا " بِالْفَتْحِ فِي السِّين، فَقَالَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : الضَّمّ هُوَ الِاسْم وَالْفَتْح الْمَصْدَر.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ : الْفَتْح وَالضَّمّ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد وَقَالَ عِكْرِمَة وَأَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء وَأَبُو عُبَيْدَة : مَا كَانَ مِنْ خِلْقَة اللَّه لَمْ يُشَارِكهُ فِيهِ أَحَد بِعَمَلٍ فَهُوَ بِالضَّمِّ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْع الْبَشَر فَهُوَ بِالْفَتْحِ.
 وَيَلْزَم أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة أَنْ يَقْرَءُوا " سَدًّا " بِالْفَتْحِ وَقَبْله " بَيْن السَّدَّيْنِ " بِالضَّمِّ، وَهِيَ قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ.
 وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة عَكْس مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة.
 وَقَالَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق : مَا رَأَتْهُ عَيْنَاك فَهُوَ سُدّ بِالضَّمِّ وَمَا لَا تَرَى فَهُوَ سَدّ بِالْفَتْحِ.
 فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى اِتِّخَاذ السُّجُون، وَحَبْس أَهْل الْفَسَاد فِيهَا، وَمَنْعهمْ مِنْ التَّصَرُّف لِمَا يُرِيدُونَهُ، وَلَا يُتْرَكُونَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، بَلْ يُوجَعُونَ ضَرْبًا وَيُحْبَسُونَ أَوْ يُكَلَّفُونَ وَيُطْلَقُونَ كَمَا فَعَلَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.

### الآية 18:95

> ﻿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [18:95]

قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا
 **فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :**
 \[ الْأُولَى \] قَوْله تَعَالَى :" قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ " الْمَعْنَى قَالَ لَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ : مَا بَسَطَهُ اللَّه تَعَالَى لِي مِنْ الْقُدْرَة وَالْمُلْك خَيْر مِنْ خَرْجكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِقُوَّةٍ الْأَبْدَان، أَيْ بِرِجَالٍ وَعَمَل مِنْكُمْ بِالْأَبْدَانِ، وَالْآلَة الَّتِي أَبْنِي بِهَا الرَّدْم وَهُوَ السَّدّ وَهَذَا تَأْيِيد مِنْ اللَّه تَعَالَى لِذِي الْقَرْنَيْنِ فِي هَذِهِ الْمُحَاوَرَة فَإِنَّ الْقَوْم لَوْ جَمَعُوا لَهُ خَرْجًا لَمْ يُعِنْهُ أَحَد وَلَوَكَلُوهُ إِلَى الْبُنْيَان وَمَعُونَته بِأَنْفُسِهِمْ أَجْمَل بِهِ وَأَسْرَع فِي اِنْقِضَاء هَذَا الْعَمَل وَرُبَّمَا أَرْبَى مَا ذَكَرُوهُ لَهُ عَلَى الْخَرْج.
 وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَحْده " مَا مَكَّنَنِي " بِنُونَيْنِ.
 وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي "
 \[ الثَّانِيَة \] فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَلِك فَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوم بِحِمَايَةِ الْخَلْق فِي حِفْظ بَيْضَتهمْ، وَسَدّ فُرْجَتهمْ، وَإِصْلَاح ثُغُورهمْ، مِنْ أَمْوَالهمْ الَّتِي تَفِيء عَلَيْهِمْ، وَحُقُوقهمْ الَّتِي تَجْمَعهَا خِزَانَتهمْ تَحْت يَده وَنَظَره، حَتَّى لَوْ أَكَلَتْهَا الْحُقُوق، وَأَنْفَذَتْهَا الْمُؤَن، لَكَانَ عَلَيْهِمْ جَبْر ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالهمْ، وَعَلَيْهِ حُسْن النَّظَر لَهُمْ ; وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ شُرُوط : الْأَوَّل : أَلَّا يَسْتَأْثِر عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ.
 الثَّانِي : أَنْ يَبْدَأ بِأَهْلِ الْحَاجَة فَيُعِينهُمْ الثَّالِث أَنْ يُسَوِّي فِي الْعَطَاء بَيْنهمْ عَلَى قَدْر مَنَازِلهمْ، فَإِذَا فَنِيَتْ بَعْد هَذَا وَبَقِيَتْ صِفْرًا فَأَطْلَعَتْ الْحَوَادِث أَمْرًا بَذَلُوا أَنْفُسهمْ قَبْل أَمْوَالهمْ، فَإِنْ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ فَأَمْوَالهمْ تُؤْخَذ مِنْهُمْ عَلَى تَقْدِير، وَتَصْرِيف بِتَدْبِيرٍ ; فَهَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ لَمَّا عَرَضُوا عَلَيْهِ الْمَال فِي أَنْ يَكُفّ عَنْهُمْ مَا يَحْذَرُونَهُ مِنْ عَادِيَة يَأْجُوج وَمَأْجُوج قَالَ : لَسْت أَحْتَاج إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أَحْتَاج إِلَيْكُمْ " فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ " أَيْ اِخْدِمُوا بِأَنْفُسِكُمْ مَعِي، فَإِنَّ الْأَمْوَال عِنْدِي وَالرِّجَال عِنْدكُمْ، وَرَأَى أَنَّ الْأَمْوَال لَا تُغْنِي عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ أَخَذَهَا أُجْرَة نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ، فَيَعُود بِالْأَجْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ التَّطَوُّع بِخِدْمَةِ الْأَبْدَان أَوْلَى.
 وَضَابِط الْأَمْر أَنَّهُ لَا يَحِلّ مَال أَحَد إِلَّا لِضَرُورَةٍ تَعْرِض، فَيُؤْخَذ ذَلِكَ الْمَال جَهْرًا لَا سِرًّا، وَيُنْفَق بِالْعَدْلِ لَا بِالِاسْتِئْثَارِ، وَبِرَأْيِ الْجَمَاعَة لَا بِالِاسْتِبْدَادِ بِالْأَمْرِ.
 وَاَللَّه تَعَالَى الْمُوَفِّق لِلصَّوَابِ.

### الآية 18:96

> ﻿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [18:96]

قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا
 أَيْ أَعْطُونِي قِطْرًا أُفْرِغ عَلَيْهِ، عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
 وَمَنْ قَرَأَ " اِئْتُونِي " فَالْمَعْنَى عِنْده تَعَالَوْا أُفْرِغ عَلَيْهِ نُحَاسًا.
 وَالْقَطْر عِنْد أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ النُّحَاس الْمُذَاب، وَأَصْله مِنْ الْقَطْر ; لِأَنَّهُ إِذَا أُذِيبَ قَطَّرَ كَمَا يُقَطِّر الْمَاء وَقَالَتْ فِرْقَة : الْقَطْر الْحَدِيد الْمُذَاب.
 وَقَالَتْ فِرْقَة مِنْهُمْ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : الرَّصَاص الْمُذَاب.
 وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ قَطَرَ يَقْطُرُ قَطْرًا.
 وَمِنْهُ " وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْن الْقِطْر ".

### الآية 18:97

> ﻿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [18:97]

وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا
 لِبُعْدِ عَرْضه وَقُوَّته.
 وَرُوِيَ فِي الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( فُتِحَ الْيَوْم مِنْ رَدْم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مِثْل هَذِهِ ) وَعَقَدَ وَهْب بْن مُنَبِّه بِيَدِهِ تِسْعِينَ وَفِي رِوَايَة - وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَام وَاَلَّتِي تَلِيهَا.
 ) وَذَكَرَ الْحَدِيث.
 وَذَكَرَ يَحْيَى بْن سَلَّام عَنْ سَعْد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج يَخْرِقُونَ السَّدّ كُلّ يَوْم حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاع الشَّمْس قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ اِرْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا فَيُعِيدهُ اللَّه كَأَشَدّ مَا كَانَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتهمْ وَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْعَثهُمْ عَلَى النَّاس حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاع الشَّمْس قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ اِرْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِين تَرَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس.
 ) الْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 قَوْله تَعَالَى :" فَمَا اِسْطَاعُوا " بِتَخْفِيفِ الطَّاء عَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور.
 وَقِيلَ : هِيَ لُغَة بِمَعْنَى اِسْتَطَاعُوا.
 وَقِيلَ : بَلْ اِسْتَطَاعُوا بِعَيْنِهِ كَثُرَ فِي كَلَام الْعَرَب حَتَّى حَذَفَ بَعْضهمْ مِنْهُ التَّاء فَقَالُوا : اِسْطَاعُوا.
 وَحَذَفَ بَعْضهمْ مِنْهُ الطَّاء فَقَالَ اسْتَاع يَسْتِيع بِمَعْنَى اِسْتَطَاعَ يَسْتَطِيع، وَهِيَ لُغَة مَشْهُورَة.
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَحْده " فَمَا اِسْطَاعُوا " بِتَشْدِيدِ الطَّاء كَأَنَّهُ أَرَادَ اِسْتَطَاعُوا، ثُمَّ أَدْغَمَ التَّاء فِي الطَّاء فَشَدَّدَهَا، وَهِيَ قِرَاءَة ضَعِيفَة الْوَجْه ; قَالَ أَبُو عَلِيّ : هِيَ غَيْر جَائِزَة.
 وَقَرَأَ الْأَعْمَش " فَمَا اِسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اِسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا " بِالتَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

### الآية 18:98

> ﻿قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [18:98]

جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا
 أَيْ مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" إِذَا دُكَّتْ الْأَرْض " \[ الْفَجْر : ٢١ \] قَالَ اِبْن عَرَفَة : أَيْ جُعِلَتْ مُسْتَوِيَة لَا أَكَمَة فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" جَعَلَهُ دَكًّا " قَالَ الْيَزِيدِيّ : أَيْ مُسْتَوِيًا ; يُقَال : نَاقَة دَكَّاء إِذَا ذَهَبَ سَنَامهَا.
 وَقَالَ الْقُتَبِيّ : أَيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مُلْصَقًا بِالْأَرْضِ.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ : قِطَعًا مُتَكَسِّرًا ; قَالَ :
 هَلْ غَيْر غَادٍ دَكَّ غَارًا فَانْهَدَمَ
 وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : يُقَال دَكَكْته أَيْ دَقَقْته.
 وَمَنْ قَرَأَ " دَكَّاء " أَرَادَ جَعْل الْجَبَل أَرْضًا دَكَّاء، وَهِيَ الرَّابِيَة الَّتِي لَا تَبْلُغ أَنْ تَكُون جَبَلًا وَجَمْعهَا دَكَاوَات.
 قَرَأَ حَمْزَة وَعَاصِم وَالْكِسَائِيّ " دَكَّاء " بِالْمَدِّ عَلَى التَّشْبِيه بِالنَّاقَةِ الدَّكَّاء، وَهِيَ الَّتِي لَا سَنَام لَهَا، وَفِي الْكَلَام حَذْف تَقْدِيره : جَعَلَهُ مِثْل دَكَّاء ; وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِير هَذَا الْحَذْف.
 لِأَنَّ السَّدّ مُذَكَّر فَلَا يُوصَف بِدَكَّاء.
 وَمَنْ قَرَأَ " دَكًّا " فَهُوَ مَصْدَر دَكَّ يَدُكّ إِذَا هَدَمَ وَرَضَّ ; وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون " جَعَلَ " بِمَعْنَى خَلَقَ.
 وَيُنْصَب " دَكًّا " عَلَى الْحَال.
 وَكَذَلِكَ النَّصْب أَيْضًا فِي قِرَاءَة مَنْ مَدَّ يَحْتَمِل الْوَجْهَيْنِ.

### الآية 18:99

> ﻿۞ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [18:99]

فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا
 يَعْنِي الْجِنّ وَالْإِنْس فِي عَرَصَات الْقِيَامَة.

### الآية 18:100

> ﻿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [18:100]

وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا
 أَيْ أَبْرَزْنَاهَا لَهُمْ.

### الآية 18:101

> ﻿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [18:101]

وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا
 أَيْ لَا يُطِيقُونَ أَنْ يَسْمَعُوا كَلَام اللَّه تَعَالَى، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صُمَّ.

### الآية 18:102

> ﻿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [18:102]

مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ
 وَلَا أُعَاقِبهُمْ ; فَفِي الْكَلَام حَذْف.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى ; أَفَحَسِبُوا أَنْ يَنْفَعهُمْ ذَلِكَ.

### الآية 18:103

> ﻿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [18:103]

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا
 فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ مِنْ النَّاس مَنْ يَعْمَل الْعَمَل وَهُوَ يَظُنّ أَنَّهُ مُحْسِن وَقَدْ حَبَطَ سَعْيه، وَاَلَّذِي يُوجِب إِحْبَاط السَّعْي إِمَّا فَسَاد الِاعْتِقَاد أَوْ الْمُرَاءَاة، وَالْمُرَاد هُنَا الْكُفْر.
 رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ مُصْعَب قَالَ : سَأَلْت أُبَيًّا " قُلْ هَلْ نُنَبِّئكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا " أَهُمْ الْحَرُورِيَّة ؟ قَالَ : لَا ; هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
 وَأَمَّا الْيَهُود فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ، فَقَالُوا : لَا طَعَام فِيهَا وَلَا شَرَاب ; وَالْحَرُورِيَّة الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه ; وَكَانَ سَعْد يُسَمِّيهِمْ الْفَاسِقِينَ.
 وَالْآيَة مَعْنَاهَا التَّوْبِيخ ; أَيْ قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَة الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرِي : يَخِيب سَعْيهمْ وَآمَالهمْ غَدًا ; فَهُمْ الْأَخْسَرُونَ أَعْمَالًا، وَهُمْ " الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " فِي عِبَادَة مَنْ سِوَايَ.

### الآية 18:104

> ﻿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [18:104]

الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( يُرِيد كُفَّار أَهْل مَكَّة ).
 وَقَالَ عَلِيّ :( هُمْ الْخَوَارِج أَهْل حَرُورَاء.
 وَقَالَ مَرَّة : هُمْ الرُّهْبَان أَصْحَاب الصَّوَامِع ).
 وَرُوِيَ أَنَّ اِبْن الْكَوَّاء سَأَلَهُ عَنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ وَأَصْحَابك.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَيُضَعِّف هَذَا كُلّه قَوْله تَعَالَى بَعْد ذَلِكَ :" أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالهمْ ".

### الآية 18:105

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [18:105]

وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَعْرَاف " هَذَا الْمَعْنَى ; وَتَقَدَّمَ فِيهَا ذِكْرُ الْمِيزَان، وَأَنَّ لَهُ كِفَّتَيْنِ تُوزَن فِيهِمَا صَحَائِف الْأَعْمَال فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ.
 وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حِين ضَحِكُوا مِنْ حَمْش سَاق اِبْن مَسْعُود وَهُوَ يَصْعَد النَّخْلَة :( تَضْحَكُونَ مِنْ سَاق تُوزَن بِعَمَلِ أَهْل الْأَرْض ) فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَشْخَاص تُوزَن ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ.

### الآية 18:106

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [18:106]

بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا
 و " مَا " فِي قَوْله :" بِمَا كَفَرُوا " مَصْدَرِيَّة، وَالْهُزْء الِاسْتِخْفَاف وَالسُّخْرِيَة ; وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 18:107

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [18:107]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
 قَالَ قَتَادَة : الْفِرْدَوْس رَبْوَة الْجَنَّة وَأَوْسَطهَا وَأَعْلَاهَا وَأَفْضَلهَا وَأَرْفَعهَا وَقَالَ أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ : الْفِرْدَوْس سُرَّة الْجَنَّة.
 وَقَالَ كَعْب : لَيْسَ فِي الْجِنَان جَنَّة أَعْلَى مِنْ جَنَّة الْفِرْدَوْس ; فِيهَا الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَر.
 وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاة وَصَامَ رَمَضَان كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّه أَنْ يُدْخِلهُ الْجَنَّة جَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضه الَّتِي وُلِدَ فِيهَا ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا نُبَشِّر النَّاس ؟ قَالَ :( إِنَّ فِي الْجَنَّة مِائَة دَرَجَة أَعَدَّهَا اللَّه لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّه مَا بَيْن الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّه تَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْس فَإِنَّهُ أَوْسَط الْجَنَّة وَأَعْلَى الْجَنَّة - أَرَاهُ قَالَ - وَفَوْقه عَرْش الرَّحْمَن وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَار الْجَنَّة ) وَقَالَ مُجَاهِد : وَالْفِرْدَوْس الْبُسْتَان بِالرُّومِيَّةِ.
 الْفَرَّاء : هُوَ عَرَبِيّ.
 وَالْفِرْدَوْس حَدِيقَة فِي الْجَنَّة.
 وَفِرْدَوْس اِسْم رَوْضَة دُون الْيَمَامَة.
 وَالْجَمْع فَرَادِيس، قَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت الثَّقَفِيّ :

كَانَتْ مَنَازِلهمْ إِذْ ذَاكَ ظَاهِرَة  فِيهَا الْفَرَادِيس وَالْفُومَانِ وَالْبَصَل وَالْفَرَادِيس مَوْضِع بِالشَّامِ.
 وَكَرْم مُفَرْدَس أَيْ مُعَرَّش.

### الآية 18:108

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [18:108]

لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا
 أَيْ لَا يَطْلُبُونَ تَحْوِيلًا عَنْهَا إِلَى غَيْرهَا.
 وَالْحِوَل بِمَعْنَى التَّحْوِيل ; قَالَهُ أَبُو عَلِيّ.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : حَالَ مِنْ مَكَانه حَوْلًا كَمَا يُقَال : عَظُمَ عِظَمًا.
 قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ الْحِيلَة، أَيْ لَا يَحْتَالُونَ مَنْزِلًا غَيْرهَا.
 قَالَ الْجَوْهَرِيّ : التَّحَوُّل التَّنَقُّل مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع، وَالِاسْم الْحِوَل، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ".

### الآية 18:109

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [18:109]

وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا
 أَيْ زِيَادَة عَلَى الْبَحْر عَدَدًا أَوْ وَزْنًا.
 وَفِي مُصْحَف أُبَيّ " مِدَادًا " وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا مُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد.
 وَانْتَصَبَ " مَدَدًا " عَلَى التَّمْيِيز أَوْ الْحَال.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَتْ الْيَهُود لَمَّا قَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْم إِلَّا قَلِيلًا " \[ الْإِسْرَاء : ٨٥ \] قَالُوا : وَكَيْفَ وَقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاة، وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ؟ فَنَزَلَتْ " قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر " الْآيَة.
 وَقِيلَ : قَالَتْ الْيَهُود إِنَّك أُوتِيت الْحِكْمَة، وَمَنْ أُوتِيَ الْحِكْمَة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، ثُمَّ زَعَمْت أَنَّك لَا عِلْم لَك بِالرُّوحِ ؟ ! فَقَالَ اللَّه تَعَالَى قُلْ وَإِنْ أُوتِيت الْقُرْآن وَأُوتِيتُمْ التَّوْرَاة فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَلِمَات اللَّه تَعَالَى قَلِيلَة، قَالَ اِبْن عَبَّاس :" كَلِمَات رَبِّي " أَيْ مَوَاعِظ رَبِّي.
 وَقِيلَ : عَنَى بِالْكَلِمَاتِ الْكَلَام الْقَدِيم الَّذِي لَا غَايَة لَهُ وَلَا مُنْتَهَى، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَيَجُوز أَنْ يُعَبَّر عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْع لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَائِد الْكَلِمَات، وَلِأَنَّهُ يَنُوب مَنَابهَا، فَجَازَتْ الْعِبَادَة عَنْهَا بِصِيغَةِ الْجَمْع تَفْخِيمًا ; وَقَالَ الْأَعْشَى :

وَوَجْه نَقِيّ اللَّوْن صَافٍ يَزِينهُ  مَعَ الْجِيد لَبَّات لَهَا وَمَعَاصِم فَعَبَّرَ بِاللَّبَّاتِ عَنْ اللَّبَّة.
 وَفِي التَّنْزِيل " نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ " \[ فُصِّلَتْ : ٣١ \] و " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر " \[ الْحِجْر : ٩ \] " وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيت " \[ الْحِجْر : ٢٣ \] وَكَذَلِكَ " إِنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ أُمَّة " \[ النَّحْل : ١٢٠ \] لِأَنَّهُ نَابَ مَنَاب أُمَّة.
 وَقِيلَ : أَيْ مَا نَفِدَتْ الْعِبَارَات وَالدَّلَالَات الَّتِي تَدُلّ عَلَى مَفْهُومَات مَعَانِي كَلَامه سُبْحَانه وَتَعَالَى.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : أَيْ إِنْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد صِفَات الْجَنَّة الَّتِي هِيَ دَار الثَّوَاب.
 وَقَالَ عِكْرِمَة : لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ يَنْفَد ثَوَاب مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه.
 وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة :" وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يَمُدّهُ مِنْ بَعْده سَبْعَة أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَات اللَّه " \[ لُقْمَان : ٢٧ \].
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " قَبْل أَنْ يَنْفَد " بِالْيَاءِ لِتَقَدُّمِ الْفِعْل.

### الآية 18:110

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [18:110]

أَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْل الْأَشْعَث بْن قَيْس وَقَدْ صَلَّى فَخَفَّفَ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّك خَفَّفْت، فَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُخَالِطهَا رِيَاء ; فَخَلَصَ مِنْ تَنَقُّصهمْ بِنَفْيِ الرِّيَاء عَنْ نَفْسه، وَالتَّصَنُّع مِنْ صَلَاته ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " دَوَاء الرِّيَاء مِنْ قَوْل لُقْمَان ; وَأَنَّهُ كِتْمَان الْعَمَل، وَرَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَالَ : أَنْبَأَنَا الْحِمَّانِيّ قَالَ : أَنْبَأَنَا جَرِير عَنْ لَيْث عَنْ شَيْخ عَنْ مَعْقِل بْن يَسَار قَالَ قَالَ أَبُو بَكْر وَشَهِدَ بِهِ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّرْك، قَالَ :( هُوَ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيب النَّمْل وَسَأَدُلُّك عَلَى شَيْء إِذَا فَعَلْته أَذْهَبَ عَنْك صَغَار الشِّرْك وَكِبَاره تَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك أَنْ أُشْرِك بِك وَأَنَا أَعْلَم وَأَسْتَغْفِرك لِمَا لَا أَعْلَم تَقُولهَا ثَلَاث مَرَّات ).
 وَقَالَ عُمَر بْن قَيْس الْكِنْدِيّ سَمِعْت مُعَاوِيَة تَلَا هَذِهِ الْآيَة عَلَى الْمِنْبَر " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه " فَقَالَ : إِنَّهَا لَآخِر آيَة نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاء.
 وَقَالَ عُمَر قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا " رُفِعَ لَهُ نُور مَا بَيْن عَدَن إِلَى مَكَّة حَشْوه الْمَلَائِكَة يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ).
 وَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ قَرَأَ أَوَّل سُورَة الْكَهْف وَآخِرهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ قَرْنه إِلَى قَدَمه وَمَنْ قَرَأَهَا كُلّهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء ) وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُل : إِنِّي أُضْمِر أَنْ أَقُوم سَاعَة مِنْ اللَّيْل فَيَغْلِبنِي النَّوْم، فَقَالَ :( إِذَا أَرَدْت أَنْ تَقُوم أَيّ سَاعَة شِئْت مِنْ اللَّيْل فَاقْرَأْ إِذَا أَخَذْت مَضْجَعك " قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي " إِلَى آخِر السُّورَة فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يُوقِظك مَتَى شِئْت مِنْ اللَّيْل ) ; ذَكَرَ هَذِهِ الْفَضَائِل الثَّعْلَبِيّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ.
 وَفِي مُسْنَد الدَّارِمِيّ أَبِي مُحَمَّد أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَبْدَة عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش قَالَ مَنْ قَرَأَ آخِر سُورَة الْكَهْف لِسَاعَةٍ يُرِيد أَنْ يَقُوم مِنْ اللَّيْل قَامَهَا ; قَالَ عَبْدَة فَجَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : كَانَ شَيْخنَا الطُّرْطُوشِيّ الْأَكْبَر يَقُول : لَا تَذْهَب بِكُمْ الْأَزْمَان فِي مُصَاوَلَة الْأَقْرَان، وَمُوَاصَلَة الْإِخْوَان ; وَقَدْ خَتَمَ سُبْحَانه وَتَعَالَى الْبَيَان بِقَوْلِهِ :" فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا ".

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/18.md)
- [كل تفاسير سورة الكهف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/18.md)
- [ترجمات سورة الكهف
](https://quranpedia.net/translations/18.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/18/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
