---
title: "تفسير سورة الكهف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/18/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/18/book/350"
surah_id: "18"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الكهف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/18/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الكهف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/18/book/350*.

Tafsir of Surah الكهف from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 18:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ [18:1]

كان حفص عن عاصم يسكت عند قوله  عوجا  سكتة خفيفة، وعند  مرقدنا  \[ ص : ٥٢ \] في سورة يس[(١)](#foonote-١)، وسبب هذه البدأة في هذه السورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سألته قريش عن المسائل الثلاث، الروح، والكهف، وذي القرنين، حسبما أمرتهم بهن يهود، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غداً أخبركم، بجواب سؤالكم، ولم يقل إن شاء الله، فعاتبه الله عز وجل بأن استمسك الوحي عنه خمسة عشر يوماً، فأرجف به كفار قريش، وقالوا : إن محمداً قد تركه ربه الذي كان يأتيه من الجن، وقال بعضهم : قد عجز عن أكاذيبه إلى غير ذلك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ منه، فلما انقضى الأمد الذي أراد الله عتاب محمد إليه، جاءه الوحي من الله بجواب الأسئلة وغير ذلك، فافتتح الوحي بحمد الله  الذي أنزل على عبده الكتاب  أي بزعمكم أنتم يا قريش، وهذا كما تقول لرجل يحب مساءتك فلا يرى إلا نعمتك الحمد لله الذي أنعم علي وفعل بي كذا على جهة النقمة عليه، و  الكتاب  هو القرآن، وقوله  ولم يجعل له عوجاً  أي لم يزله عن طريق الاستقامة، و ****«العوج »**** فقد الاستقامة، وهو بكسر العين في الأمور والطرق وما لا يحس متنصباً شخصاً، و ****«العوج »**** بفتح العين في الأشخاص كالعصا والحائط ونحوه، وقال ابن عباس : معناه ولم يجعله مخلوقاً، وقوله  ولم يجعل له عوجاً  يعم هذا وجميع ما ذكره الناس من أنه لا تناقض فيه ومن أنه لا خلل ولا اختلاف فيه. وقوله  قيماً  نصب على الحال من  الكتاب ، فهو بمعنى التقديم، مؤخر في اللفظ، أي أنزل الكتاب قيماً، واعترض بين الحال وذي الحال قوله : ولم يجعل له عوجاً  وذكر الطبري هذا التأويل عن ابن عباس، ويجوز أن يكون منصوباً[(٢)](#foonote-٢) بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله  قيماً ، وفي بعض مصاحف الصحابة **«ولم يجعل له عوجاً لكن جعله قيماً »** قاله قتادة، ومعنى ****«قيم »**** مستقيم، هذا قول ابن عباس والضحاك، وقيل معناه أنه قيم على سائر الكتب بتصديقها، ذكره المهدوي، وهذا محتمل وليس من الاستقامة ويصح أن يكون معنى ****«قيم »**** قيامه بأمر الله عز وجل على العالم، وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللذين عما العالم.

١ في قوله تعالى في الآية (٥٢): قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون..
٢ ما بين العلامتين زيادة لتوضيح المعنى..

### الآية 18:2

> ﻿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [18:2]

و **«البأس الشديد »** عذاب الآخرة، ويحتمل أن يندرج معه في النذارة عذاب الدنيا ببدر وغيرها، ونصبه على المفعول الثاني، والمعنى لينذر العالم، وقوله  من لدنه  أي من عنده ومن قبله، والضمير في  لدنه  عائد على الله تعالى، وقرأ الجمهور من **«لدُنْهُ »** بضم الدال وسكون النون وضم الهاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر **«من لدْنِهِ »** بسكون الدال وإشمام الضم فيها وكسر النون والهاء، وفي ****«لدن »**** لغات، يقال ****«لدن »**** مثل سبع، **«ولدْن »** بسكون الدال **«ولُدن »** بضم اللام، **«ولَدَن »** بفتح اللام والدال وهي لفظة مبنية على السكون، ويلحقها حذف النون مع الإضافة، وقرأ عبد الله وطلحة **«ويَبْشُر »** بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وقوله  أن لهم أجراً  تقديره بأن لهم أجراً، والأجر الحسن نعيم الجنة، ويتقدمه خير الدنيا.

### الآية 18:3

> ﻿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [18:3]

و  ماكثين  حال من الضمير في  لهم  و  أبداً  ظرف لأنه دال على زمن غير متناه. 
قال القاضي أبو محمد : وقد أشرت في تفسير هذه الآية إلى أمر اليهود قريشاً بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاث، وينبغي أن تنص كيف كان ذلك. 
ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس بسند، أنه قال : بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم ؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح. فأقبل النضر وعقبة إلى مكة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك[(١)](#foonote-١)، وكان الأمر ما ذكرناه.

١ أخرجه ابن إسحق، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقول المؤلف: "وسألوا" يعني قريشا..

### الآية 18:4

> ﻿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [18:4]

وقوله  وينذر الذين قالوا اتخذ الله  الآية، أهل هذه المقالة هم بعض اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، وبعض العرب في الملائكة، والضمير في  به  يحتمل أن يعود على القول الذي يتضمنه  قالوا  المتقدم، وتكون جملة قوله  ما لهم به من علم  في موضع الحال، أي قالوا جاهلين، ويحتمل أن يعود على **«الولد »** الذي ادعوه، فتكون الجملة صفة للولد، قاله المهدوي، وهو معترض لأنه لا يصفه إلا القائل، وهم ليس في قصدهم أن يصفوه، والصواب عندي أنه نفي مؤتنف أخبر الله تعالى بجهلهم في ذلك، فلا موضع للجملة من الإعراب، ويحتمل أن يعود على الله عز وجل، وهذا التأويل أذم لهم وأقضى بالجهل التام عليهم، وهو قول الطبري[(١)](#foonote-١).

١ ويحتمل أيضا أن يعود الضمير في \[به\] على "الاتخاذ" المفهوم من قوله تعالى: اتخذ الله ولدا، والمعنى: ما لهم بحكمة الاتخاذ من علم..

### الآية 18:5

> ﻿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [18:5]

وقوله  ولا لآبائهم  يريد الذين أخذ هؤلاء هذه المقالة عنهم، وقرأ الجمهور **«كبرت كلمةً »** بنصب الكلمة، كما تقول نعم رجلاً زيد، وفسر **«الكلمة »** ووصفها بالخروج من أفواههم، وقال بعضهم : نصبها على التفسير على حد نصب قوله تعالى  وساءت مرتفقاً [(٢)](#foonote-٢) \[ الكهف : ٢٩ \] وقالت فرقة نصبها على الحال، والتقدير  كبرت  فريتهم أو نحو هذا  كلمة ، وسميت هذه الكلمات  كلمة  من حيث هي مقالة واحدة، كما يقولون للقصيدة كلمة، وهذه المقالة قائمة في النفس معنى واحداً، فيحسن أن تسمى كلمة، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن محيصن والقواس عن ابن كثير **«كبرت كلمةٌ »** برفع الكلمة على أنها فاعلة ب  كبرت ، وقوله  إن يقولون  أي ما يقولون.

### الآية 18:6

> ﻿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [18:6]

هذه الآية تسلية للنبي عليه السلام، وقوله  فلعلك  تقرير وتوفيق بمعنى الإنكار عليه أي لا تكن كذلك، و **«الباخع نفسه »** هو مهلكها وجداً وحزناً على أمر ما، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه. . . لشيء نحته عن يديه المقادر[(١)](#foonote-١)
يريد نحته فخفف وقوله  على آثارهم ، استعارة فصيحة، من حيث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان، وإعراض عن الشرع فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في آثارهم يحزن عليهم، وقوله  بهذا الحديث  أي بالقرآن الذي يحدثك به، و  أسفاً  نصب على المصدر، قال الزجاج : و ****«الأسف »**** المبالغة في حزن أو غضب. 
قال القاضي أبو محمد : و ****«الأسف »**** في هذا الموضع الحزن، لأنه على من لا يملكه ولا هو تحت يد الأسف، ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته وملكه لكان غضباً، كقوله تعالى : فلما آسفونا [(٢)](#foonote-٢) \[ الزخرف : ٥٥ \] أي أغضبونا وإذا تأملت هذا في كلام العرب اطرد، وذكره منذر بن سعيد وقال قتادة : هنا  أسفاً  غضباً، قال مجاهد  أسفاً  جزعاً وقال قتادة أيضاً : حزناً، ومن هذه اللفظة قول الأعشى :\[ الطويل \]
أرى رجلاً منكم أسيفاً كأنما. . . يضم إلى كشحيه كفّاً مخضبا[(٣)](#foonote-٣)
يريد حزيناً كأنه مقطوع اليد.

١ قائل هذا البيت هو ذو الرمة، وهو في اللسان والتاج والأساس (بخع)، وفي مجاز القرآن، والطبري، والراغب، والصحاح، وفتح الباري، والبحر المحيط، ونسبه فيه للفرزدق. والباخع: المهلك نفسه، ونحته: أبعدته وصرفته عن يديه، وهو بتشديد الحاء ولكن الشاعر خفف لضرورة الشعر..
٢ من الآية (٥٥) من سورة (الزخرف)..
٣ البيت من قصيدة قالها الأعشى يهجو عمرو بن المنذر، ويعاتب بني سعد بن قيس، ويقول في مطلعها:
 كفى بالذي تولينه لو تجنيا شفاء لسقم بعد ما عاد أشيبا
 والأسيف: الحزين، والكشحان: مثنى كشح، وهو ما بين الخاصرة والضلوع، والمخصب: المصبوغ بالدم، يصف الرجل بأنه حزين جدا كأنما قد تخضبت كفه بالدماء فهو يضمها إلى جنبه..

### الآية 18:7

> ﻿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [18:7]

وقوله  إنا جعلنا ما على الأرض زينة ، الآية بسط في التسلية أي لا تهتم للدنيا وأهلها فأمرها وأمرهم أقل بفنائه وذهابه، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة وامتحاناً وخبرة، واختلف في المراد، ب  ما ، فقال ابن جبير عن ابن عباس : أراد الرجال وقاله مجاهد، وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والعلماء والأمراء، وقالت فرقة أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة، ولم يدخل في هذا الجبال الصم وكلا ما لا زين فيه كالحيات والعقارب، وقالت فرقة : أراد كل ما على الأرض عموماً وليس شيء إلا فيه زينة من جهة خلقه وصنعته وإحكامه. وفي معنى هذه الآية، قول النبي عليه السلام :**«الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء »**[(١)](#foonote-١) و  زينة  مفعول ثاني أو مفعول من أجله بحسب معنى **«جعل »**[(٢)](#foonote-٢). وقوله  لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  أي لنختبرهم وفي هذا وعيد ما، قال سفيان الثوري : أحسنهم عملاً  أزهدهم فيها، وقال أبو عاصم العسقلاني : أحسن عملاً : أترك لها. 
قال القاضي أبو محمد : وكان أبي رضي الله عنه يقول : أحسن العمل أخذ بحق واتفاق في حق مع الإيمان وأداء الفرائض واجتناب المحارم، والإكثار من المندوب إليه.

١ أخرجه الترمذي في الفتن والزهد، وابن ماجه في الفتن، والدارمي في الرقاق، وأحمد في مسنده (٣-٧، ١٩، ٣٣، ٣٦، ٦١، ٧٤، ٦-٦٨). ولفظه كما في مسند أحمد (٣-١٩)، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بعد العصر إلى مغيربان الشمس، حفظها، ونسيها منا من نسي، فحمد الله – قال عقان وقال حماد: وأكثرحفظي أنه قال: بما هو كائن إلى يوم القيامة – فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، منهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا، ألا إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فالأرض الأرض، ألا إن خير الرجال من كان بطيء الغضب سريع الرضا، وشر الرجال من كان سريع الغضب بطيء الرضا، فإذا كان الرجل بطيء الغضب بطيء الفيء وسريع الغضب وسريع الفيء فإنها بها. ألا إن خير التجار من كان حسن القضاء حسن الطلب، وشر التجار من كان سيء القضاء سيىء الطلب، أو كان سيئ القضاء حسن الطلب فإنها بها، ألا إن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، ألا وأكبر الغدر غدر أمير عامة. ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه، ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. فلما كان عند مغيربان الشمس قال: ألا إن مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها مثل ما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه.
 .
٢ تكون مفعولا ثانيا إذا كانت (جعل) بمعنى: صير. وتكون مفعولا من أجله إذا كانت (جعل) بمعنى: خلق وأوجد، ويجوز في هذه الحالة أيضا أن تكون حالا..

### الآية 18:8

> ﻿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [18:8]

وقوله  وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً ، أي يرجع كل ذلك تراباً غير متزين بنبات ونحو، و **«الجرز »** الأرض التي لا شيء فيها من عمارة وزينة، فهي البلقع، وهذه حالة الأرض العامرة الخالية بالدين لا بد لها من هذا في الدنيا جزءاً جزءاً من الأرض ثم يعمها ذلك بأجمعها عند القيامة، يقال : جرزت الأرض بقحط أو جراد أو نحوه إذا ذهب نباتها وبقيت لا شيء فيها ولا نفع، وأرضون أجراز، قال الزجاج : والجرز الأرض التي لا تنبت. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما ينبغي أن يقول : التي لم تنبت، و ********«الصعيد »******** وجه الأرض وقيل ********«الصعيد »******** التراب خاصة، وقيل ********«الصعيد »******** الأرض الطيبة وقيل، ********«الصعيد »******** الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة.

### الآية 18:9

> ﻿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [18:9]

وقوله تعالى : أم حسبت  الآية، مذهب سيبويه في  أم  إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام كأنه قال : بل أحسبت إضراباً عن الحديث الأول واستفهاماً عن الثاني وقال بعض النحويين : هي بمنزلة ألف الاستفهام، وأما معنى الكلام فقال الطبري : هو تقرير للنبي صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجباً بمعنى إنكار ذلك عليه أي لا تعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة، فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشنع، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق، وذكر الزهراوي : أن الآية تحتمل معنى آخر وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق، وذكر الزهراوي : أن الآية تحتمل معنى آخر وهو أن تكون استفهاماً له هل علم أصحاب الكهف عجباً، بمعنى إثبات أنهم عجب وتكون فائدة تقريره جمع نفسه لام لأن جوابه أن يقول لم أحسب ولا علمته فيقال له : وصفهم عند ذلك والتجوز في هذا التأويل هو في لفظه حسبت فتأمله، و  الكهف  النقب المتسع في الجبل وما لم يتسع منها فهو غار، وحكى النحاس عن أنس بن مالك أنه قال : الكهف  الجبل وهذا غير شهير في اللغة، واختلف الناس في  الرقيم ، فقال كعب،  الرقيم  القرية التي كانت بإزاء  الكهف ، وقال ابن عباس وقتادة : الرقيم  الوادي الذي كان بإزائه وهو واد بين عصبان وأيلة[(١)](#foonote-١) دون فلسطين، وقال ابن عباس أيضاً هو الجبل الذي فيه  الكهف ، وقال السدي : الرقيم  الصخرة التي كانت على  الكهف ، وقال ابن عباس  الرقيم  كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى، وقيل من دين قبل عيسى، وقال ابن زيد : كتاب عمى الله علينا أمره ولم يشرح لنا قصته، وقالت فرقة : الرقيم  كتاب في لوح نحاس، وقال ابن عباس : في لوح رصاص كتب فيه القوم الكفار الذين فر الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخاً لهم ذكروا وقت فقدهم وكم كانوا وبني من كانوا، وقال سعيد بن جبير : الرقيم  لوح من حجارة كتبوا فيه قصة  أصحاب الكهف  ووضعوه على باب الكهف. 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوماً مؤرخين للحوادث وذلك من قبل المملكة[(٢)](#foonote-٢) وهو أمر مفيد، وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ومنه كتاب مرقوم[(٣)](#foonote-٣)، ومنه الأرقم لتخطيطه[(٤)](#foonote-٤)، ومنه رقمة الوادي أي مكان جري الماء وانعطافه يقال عليك بالرقمة وخل الضفة[(٥)](#foonote-٥) وقال النقاش عن قتادة : الرقيم  دراهمهم، وقال أنس بن مالك والشعبي  الرقيم  الكلب، وقال عكرمة  الرقيم  الدواة، وقالت فرقة : الرقيم  كان لفتية آخرين في السراة جرى لهم ما جرى ل  أصحاب الكهف ، وروي عن ابن عباس أنه قال ما أدري ما  الرقيم  أكتاب أو بنيان، وروي أنه قال : كل بالقرآن أعلمه إلا الحنان والأواه والرقيم.

١ الذي في الطبري: (بين عسفان وأيلة)، والخبر في الدر المنثور بدون ذكر أي واحدة منهما، وكذلك في القرطبي. وأيلة: مدينة صغيرة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) مما يلي الشام. قاله في معجم البلدان، وهي معروفة الآن، وتقع في رأس خليج العقبة..
٢ في بعض النسخ: (من نبل المملكة)، أي مما يتصف به أهلها من النبل، فهم يدونون التاريخ لمن بعدهم..
٣ الآيتان (٩، ٢٠) من سورة (المطففين)..
٤ في اللسان: الأرقم من الحيات: ما فيه سواد وبياض..
٥ قال الطبري: "هذا بمعنى: عليك برقمة الوادي حيث الماء، ودع الضفة الجانبة، والضفتان: جانبا الوادي". وقد ضبطها محقق القرطبي بالصاد المهلة، والصواب ما ذكرناه. والضفة تكون بفتح الضاد المشددة وتكون بكسرها..

### الآية 18:10

> ﻿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [18:10]

الفتية  فيما روي، قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، ويقال فيه دقليوس، ويقال دقينوس، وروي أنهم كانوا مطوقين بالذهب، وهم من الروم واتبعوا دين عيسى، وقيل كانوا قبل عيسى، وأما أسماؤهم فهي أعجمية، والسند في معرفتها واه، ولكن التي ذكر الطبري هي هذه، مكسيليمنيا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومجسيلينيا وتمليخا وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم، مرطوس وكشوطونس، وبيرونس، ودينموس، ويطونس[(١)](#foonote-١)، واختلف الرواة في قصص هؤلاء الفتية وكيف كان اجتماعهم وخروجهم إلى الكهف ؟ وأكثر المؤرخون في ذلك، ولكن نختصر من حديثهم ونذكر ما لا تستغني الآية عنه، ونذكر من الخلاف عيونه بحول الله، روى مجاهد عن ابن عباس أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك أهل المدينة فوقع للفتية علم من بعض النحويين حسب ما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم بحسب الخلاف الذي ذكرناه، فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس، فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله، فرفع أمرهم إلى الملك، وقيل له إنهم قد فارقوا دينك واستخفوا آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم الملك في مجلسه وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته وتوعدهم على فراق ذلك بالقتل، فقالوا له فيما روي  ربنا رب السماوات والأرض  \[ الكهف : ١٤ \] إلى قوله  وإذ اعتزلتموهم  \[ الكهف : ١٦ \]، وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به، فقال لهم الملك إنكم شبان أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم، بل أستأني، فاذهبوا إلى منازلكم ودبروا رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ذلك أجلاً، ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدهم إني أعرف كهفاً في جبل كذا كان أبي يدخل فيه غنمه، فلنذهب إليه فنختفي فيه حتى يفتح الله لنا، فخرجوا فيما روي يلعبون بالصولجان والكرة وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم، وقيل إنهم كانوا مثقفين فحضر عيد أخرجوا له فركبوا في جملة الناس، ثم أخذوا في اللعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك، وروت فرقة أن أمر أصحاب الكهف إنما كان أنهم كانوا من أبناء الأشراف فحضر عيد لأهل المدينة فرأى الفتيان ما يمتثله الناس في ذلك العيد من الكفر وعبادة الأصنام والذبح لها، فوقع الإيمان في قلوبهم وأجمعوا على مفارقة الناس لئلا ينالهم العذاب معهم، فزايلوا الناس، وذهبوا إلى الكهف، وروى وهب بن منبه أن أمرهم إنما كان أن حوارياً لعيسى ابن مريم، جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها، فآجر نفسه من صاحب الحمام فكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة، فنشر فيهم الإيمان وعرفهم الله تعالى، فآمنوا واتبعوه على دينه، واشتهرت خلطتهم به، فأتى يوماً إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة بغي أراد الخلوة بها، فنهاه ذلك الحواري فانتهى، ثم جاءه مرة أخرى فنهاه فشتمه وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغي، فدخل فماتا فيه جميعاً، فاتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتله، ففروا جميعاً حتى دخلوا الكهف، وقال عبيد بن عمير : إن أصحاب الكهف كانوا فتية أبناء العظماء مطوقين مسورين ذوي ذوائب قد داخلهم الإيمان أفذاذاً[(٢)](#foonote-٢)، وأزمع واحد منهم الفرار بدينه من بلد الكفر، فأخرجهم الله في يوم واحد لما أراده بهم، فخرج أحدهم فجلس في ظل شجرة على بعد من المدينة، فخرج ثان، فلما رأى الجالس جلس إليه، ثم الثالث ثم الباقون حتى كمل جميعهم في ظل الشجرة، فألقى الله في نفوسهم أن غرضهم واحد، فتساءلوا، ففزع بعضهم من بعض وتكتموا، ثم تراضوا برجلين منهم، وقالوا لنفرد أو تواثقا وليفش كل واحد منكما سره إلى صاحبه، فإن اتفقتما كنا معكما، فنهضا بعيداً وتكلما فأفصحا بالإيمان والهروب بالدين فرجعا وفضحا الأمر وتابعهما الآخرون ونهضوا إلى الكهف، وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لبعضهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعياً له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم، وذهب الكلب معهم، واسم الكلب حمران، وقل قطير، فدخلوا الغار على جميع هذه الأقوال فروت فرقة أن الله عز وجل **«ضرب على آذانهم »** عند ذلك لما أراده من سترهم، وخفي على أهل المملكة مكانهم، وعجب الناس من غرابة فقدهم، فأرخوا ذلك ورقموه في لوحين من رصاص أو نحاس، وجعلوه على باب المدينة فيه اسماؤهم وأسماء آبائهم وذكر شرفهم، وأنهم فقدوا بصورة كذا في وقت كذا، وقيل إن الذي كتب هذا وتهمم به رجلان قاضيان مؤمنان يكتمان إيمانهما من أهل بيت المملكة، وتسترا بذلك ودفنا اللوحين عندهما : وقيل على الرواية بأن الملك أتى باب الغار، وأنهما دفنا ذلك في بناء الملك على الغار، وروت فرقة أن الملك لما ذهب الفتية أمر بقص آثارهم، فانتهى ذلك بمتبعيهم إلى باب الغار، فعرف الملك، فركب في جنده حتى وقف عليه، فأمر بالدخول عليهم فهاب الرجال ذلك، فقال له بعض وزرائه ألست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم، قال نعم، قال فأي قتلة أبلغ من الجوع والعطش، ابن عليهم باب الغار ودعهم يموتوا فيه، ففعل، وقد **«ضرب الله على آذانهم »** قبل ذلك لما أراد من تأمينهم، وأرخ الناس أمرهم في اللوحين، أو أرخه الرجلان بحسب الخلاف، واسم أحد الرجلين فيما ذكر الطبري بندروس، واسم الآخر روناس، وروي أن هذا الملك الذي فر الفتية من دينه، كان قد امتحن الله به المؤمنين حيث أحس بهم، يقتلهم ويعلقهم أشخاصاً ورؤوساً على أسوار مدينته، وكان يريد أن يذهب فيما ذكر، دين عيسى، وكان هو وقومه من الروم، ثم أخبر الله تعالى عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف أي دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام، دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة، وهي الرزق فيما ذكر المفسرون، وأن يهيىء لهم من أمرهم  رشداً  أي خلاصاً جميلاً، وقرأ الجمهور **«رَشَداً »** بفتح الراء والشين، وقرأ أبو رجاء **«رُشْداً »** بضم الراء وسكون الشين، والأولى أرجح لشبهها بفواصل الآيات قبل وبعد، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظه تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية فقط، فإنها كافية، ويحتمل ذكر **«الرحمة »** أن يراد بها أمر الآخرة وقد اختصرت هذا القصص، ولم أغفل من مهمه شيئاً بحسب اجتهادي، والله المعين برحمته. ١ اختلفت النسخ الأصلية في ضبط هذه الأسماء، وفي حروفها، وقد تحرينا الصواب بقدر الإمكان، وقد أحسن المؤلف حين قال: "والسند في معرفتها واه"..
٢ أي: أفرادا..

### الآية 18:11

> ﻿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [18:11]

وقوله  فضربنا على آذانهم  الآية عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم، ويعبر عن هذا ونحوه ب **«الضرب »** لتبين قوة المباشرة وشدة اللصوق في الأمر المتكلم فيه والإلزام، ومنه ضرب الذلة والمسكنة، ومنه ضرب الجزية، ومنه ضرب البعث. 
ومنه قول الفرزدق : الكامل \]
ضربت عليك العنكبوت بنسجها. . . وقضى عليك به الكتاب المنزل[(٣)](#foonote-٣)
فهذا يستعمل في اللزوم البليغ، وأما تخصيص **«الآذان »** بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلَّما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع، ومن ذكر الأذن في النوم قوله صلى الله عليه وسلم **«ذلك رجل بال الشيطان في أذنه »**[(٤)](#foonote-٤) أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم لا يقوم بالليل، وقوله **«عدداً »** نعت للسنين، والقصد به العبارة عن التكثير، أي تحتاج إلى عدد وهي ذات عدد، قال الزجاج : ويجوز أن يكون نصب  عدداً  على المصدر.

### الآية 18:12

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [18:12]

و **«البعث »** التحريك بعد سكون، وهذا مطرد مع لفظة البعث حيث وقعت، وقد يكون السكون في الشخص أو عن الأمر المبعوث فيه وإن كان الشخص متحركاً، وقوله  لنعلم  عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، وهذا على نحو كلام العرب أي لنعلم ذلك موجوداً، وإلا فقد كان الله تعالى علم  أي الحزبين  أحصى الأمد وقرأ الزهري **«ليعلم »** بالياء، و **«الحزبان »** الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلاً، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وهذا قول الجمهور من المفسرين، وقالت فرقة : هما حزبان من الكافرين اختلفا في مدة أصحاب الكهف، وقالت فرقة : هما حزبان من المؤمنين، وهذا لا يرتبط من ألفاظ الآية، وأما قوله  أحصى  فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض، و  أمداً  منصوب به على المفعول، و **«الأمد »** الغاية، وتأتي عبارة عن المدة من حيث للمدة غاية هي أمدها على الحقيقة، وقال الزجاج : أحصى  هو أفعل، و  أمداً  على هذا نصب على التفسير، ويلحق هذا القول من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، و  أحصى  فعل رباعي، ويحتج لقول أبي إسحاق بأن أفعل من الرباعي قد كثر، كقولك ما أعطاه للمال، وآتاه للخير، وقال النبي عليه السلام في صفه جهنم :
**«هي أسود من القار »**[(١)](#foonote-١) وقال في صفة حوضه عليه السلام **«ماؤه أبيض من اللبن »**[(٢)](#foonote-٢) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه **«فهو لما سواها أضيع »** وهذه كلها أفعل من الرباعي[(٣)](#foonote-٣)، وقال مجاهد : أمداً  معناه عدداً، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب، وقال الطبري : نصب  أمداً  ب  لبثوا ، وهذا غير متجه.

١ أخرجه مالك في الموطأ، (جهنم) – (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)..
٢ أخرجه البخاري في الرقاق، والترمذي في التفسير، وابن ماجه في الزهد. ولفظه كما رواه البخاري، عن عبد الله بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا)..
٣ من المعروف أن (أبيض وأسود) ليسا مبنيين من الرباعي، وقد وضح أبو حيان آراء بعض العلماء في بناء أفعل للتعجب والتفضيل، وطبقها على \[أحصى\] في هذه الآية، ويمكن الرجوع إلى ذلك في (البحر المحيط ٦- ١٠٤)..

### الآية 18:13

> ﻿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [18:13]

لما اقتضى قوله  لنعلم أي الحزبين أحصى  \[ الكهف : ١٢ \] اختلافاً وقع في أمر الفتية، عقب بالخير عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم  بالحق  الذي وقع، وفي مجموع هذه الآيات جواب قريش عن سؤالهم الذي أمرتهم به بنو إسرائيل. و **«القص »** الإخبار بأمر يسرد، لا بكلام يروى شيئاً شيئاً، لأن تلك المخاطبة ليست بقصص، وقوله  وزدناهم هدى  أي يسرناهم للعمل الصالح والانقطاع إلى الله عز وجل ومباعدة الناس والزهد في الدنيا، وهذه زيادات على الإيمان.

### الآية 18:14

> ﻿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [18:14]

وقوله  وربطنا على قلوبهم  عبارة عن شدة عزم وقوة صبر أعطاها الله لهم، ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال، حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط، ومنه يقال : فلان رابط الجأش إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها، ومنه الربط على قلب أم موسى، وقوله  إذ قاموا فقالوا  يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر، فإنه مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث صلبوا عليه وخالفوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته، والمعنى الثاني أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله ومنابذة الناس، كما تقول قام فلان إلى أمر كذا إذا اعتزم عليه بغاية الجد، وبهذه الألفاظ التي هي قاموا فقالوا تعلقت الصوفية في القيام والقول[(١)](#foonote-١)، وقرا الأعمش **«إذ قاموا قياماً فقالوا »**، وقولهم : لقد قلنا إذاً شططاً  أي لو دعونا من دون ربنا إلهاً، والشطط الجور، وتعدي الحد والغلو بحسب الأمر، ومنه اشتط الرجل في السوم إذا طلب في سلعته فوق قيمتها، ومنه شطوط النوى والبعد، ومن اللفظة قول الشاعر :\[ الطويل \]
ألا يالقومي قد اشتط عواذلي. . . ويزعمن أن أودى بحقي باطلي[(٢)](#foonote-٢)

١ نقل القرطبي قول ابن عطية هذا، ثم علق عليه بقوله: "وهذا تعلق غير صحيح، هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم، خائفين من قومهم، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء، أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام؟ وخاصة في هذا الزمان عند الأصوات الحسان من المرد والنسوان، هيهات، بينهما والله ما بين الأرض والسماء، ثم هذا حرام عند جماعة العلماء"..
٢ البيت للأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت الأنصاري، وهو في اللسان (شطط). قال: "وشاهد أشط بمعنى أبعد قول الأحوص: ألا يا لقومي... البيت". وهو أيضا من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن)، ذكر الآية، وذكر البيت وبعده بيتا آخر هو:
 ويلحينني في اللهو ألا أحبـــــه وللهو داع دائب غير غافل
 وللأحوص حديث في كتب الأدب يتناول نفيه إلى قرية باليمن لمجونه وفسقه، وأن بعض الناس كلم الحليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ليعيده فرفض مستشهدا بكثير من شعره في المجون، مع أنه من ذرية الصحابي الجليل عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه "حمي الدبر"، أي الذي حمته النحل من أن يمثل الكفار بجثته بعد قتله..

### الآية 18:15

> ﻿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [18:15]

وقولهم : هؤلاء قومنا  مقالة تصلح أن تكون مما قالوا في مقامهم بين يدي الملك، وتصلح أن تكون من قول بعضهم لبعض عند قيامهم للأمر الذي عزموا عليه، وقولهم : لولا يأتون  تحضيض بمعنى التعجيز، لأنه تحضيض على ما لا يمكن، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن تلفت دعواهم، و **«السلطان »** الحجة، وقال قتادة : المعنى بعذر بين، وهذه عبارة محلقة، ثم عظموا جرم الداعين مع الله آلهة وظلمهم بقوله على جهة التقرير  فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً .

### الآية 18:16

> ﻿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا [18:16]

وقولهم  وإذ اعتزلتموهم  الآية أن القيام في قوله  إذ قاموا  عزماً كما تضمن التأويل الواحد وكان القول منهم فيما بينهم فهذه المقالة يصح أن تكون من قولهم الذي قالوه عند قيامهم، وإن كان القيام المذكور مقامهم بين يدي الملك فهذه المقالة لا يترتب أن تكون من مقالهم بين يدي الملك، بل يكون في الكلام حذف تقديره وقال بعضهم لبعض، وبهذا يترجح أن قوله تعالى : إذ قاموا فقالوا  إنما المراد به إذ عزموا ونفذوا لأمرهم، وقوله  إلا الله  إن فرضنا الكفار الذين فر أهل الكهف منهم لا يعرفون الله ولا علم لهم به، وإنما يعتقدون الألوهية في أصنامهم فقط، فهو استثناء منقطع ليس من الأول، وإن فرضناهم يعرفون الله ويعظمونه كما كانت تفعل العرب لكنهم يشركون أصنامهم معه في العبادة فالاستثناء متصل، لأن الاعتزال وقع في كل ما يعبد الكفار إلا في جهة الله تعالى، وفي مصحف ابن مسعود **«وما يعبدون من دون الله »**، قال قتادة هذا تفسيرها، قال هارون وفي بعض مصاحفه **«وما يعبدون من دوننا »**، فعلى ما قال قتادة تكون  إلا  بمنزلة غير، و  ما  من قوله  وما يعبدون  في موضع نصب عطفاً على الضمير في قوله  اعتزلتموهم ، ومضمن هذه الآية أن بعضهم قال لبعض إذ فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله تعالى فإنه سيبسط لنا رحمته وينشرها علينا ويهيىء لنا من أمرنا  مرفقاً ، وهذا كله دعاء بحسب الدنيا، وعلى ثقة من الله كانوا في أمر آخرتهم، وقرأ نافع وابن عامر **«مَرفِقاً »** بفتح الميم وكسر الفاء، وهو مصدر كالرفق فيما حكى أبو زيد، وهي قراءة أبي جعفر والأعرج وشيبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق **«مِرفَقاً »** بكسر الميم وفتح الفاء، ويقالان جميعاً في الأمر وفي الجارحة، حكاه الزجاج، وذكر مكي عن الفراء أنه قال : لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا كسر الميم، وأنكر الكسائي أن يكون **«المرفق »** من الجارحة إلا بفتح الميم وكسر الفاء، وخالفه أبو حاتم، وقال **«المَرفق »** بفتح الميم الموضع كالمسجد وهما بعد لغتان.

### الآية 18:17

> ﻿۞ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [18:17]

بين هاتين الآيتين اقتضاب يبينه ما تقدم من الآيات، تقديره فآووا وضرب الله على آذانهم ومكثوا كذلك، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو **«تزّاور »** بتشديد الزاي وإدغام التاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي **«تزَاور »** بتخفيفها بتقدير تتزاور فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر وابن أبي إسحاق وقتادة ****«تزور »**** في وزن تحمر، وقرأ الجحدري وأبو رجاء **«تزوار »** بألف بعد الواو، ومعنى اللفظة على كل هذا التصريف تعدل وتروغ وتميل، وهذه عبارات المفسرين، أما أن الأخفش قال ****«تزور »**** معناه تنتقض والزور الميل[(١)](#foonote-١)، والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين كقول ابن أبي ربيعة :
وجنبي خيفة القوم أزور[(٢)](#foonote-٢). . . ومن اللفظة قول عنترة :\[ الكامل \]
فازور من وقع القنا بلبانه[(٣)](#foonote-٣). . . ومنه قول بشر بن أبي حازم :\[ الوافر \]
تؤم بها الحداة مياه نخل. . . وفيها عن أبانين ازورار[(٤)](#foonote-٤)
وفي حديث غزوة مؤتة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سرير جعفر وزيد بن حارثة[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ الجمهور ******«تقرضهم »****** بالتاء، وفرقة **«يقرضهم »** بالياء، أي الكهف كأنه من القرض وهو القطع، أي يقتطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس، وجمهور من قرأ بالتاء، فالمعنى أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة وهو قول ابن عباس، فيتأولون ******«تقرضهم »****** بمعنى تتركهم، أي كأنها عنده تقطع كلّ ما لا تناله عن نفسها، وفرقة ممن قرأ بالتاء تأول أنها كانت بالعشي تنالهم، فكأنها ******«تقرضهم »****** أي تقتطعهم مما لا تناله، وقالوا كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم، وحكى الطبري أن العرب تقول : قرضت موضع كذا أي قطعته، ومنه قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف. . . شمالاً وعن أيمانهن الفوارس[(٦)](#foonote-٦)
ومنه أقرضني درهماً أي اقطعه لي من مالك، وهذه الصفة مع  الشمس  تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته، وحكى الزجاج وغيره قال : كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وقاله عبد الله بن مسلم وهذا نحو ما قلناه، غير أن الكهف كان مستور الأعلى من المطر، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله تعالى دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك، وقوله  ذات اليمين وذات الشمال  يحتمل أن يريد ذات يمين الكهف بأن نقدر باب الكهف بمثابة وجه إنسان فإن الشمس تجيء منه أول النهار عن يمين، وآخره عن شمال، ويحتمل أن يريد ذات يمين الشمس وذات شمالها، بأن نقدر الشعاع الممتد منها إلى الكهف بمثابة وجه إنسان، والوجه الأول أصح و **«الفجوة »** المتسع وجمعها فجى، قال قتادة : في فضاء منه، ومنه الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنف فإذا وجد فجوة نص[(٧)](#foonote-٧)، وقال ابن جبير : في فجوة  في مكان داخل، وقوله  ذلك من آيات الله  الإشارة إلى الأمر بجملته، وعلى قول الزجاج إن الشمس كانت تزاور وتقرض دون جحاب تكون الإشارة إلى هذا المعنى خاصة ثم تابع بتعظيم الله عز وجل والتسليم له وما يقتضي صرف الآمال إليه.

١ الزور- بفتح الواو – هو الميل والعوج، أما بسكون الواو فهو الجزء المعروف في أعلى الصدر، وقيل: هو نفس الصدر، أو وسط الصدر..
٢ هذا جزء من البيت، وهو من قصيدته المشهورة: (أمن آل نعم أنت غاد فمبكر)، والبيت بتمامه كما في الديوان:
 وخفض عني الصوت أقبلت مشية ال حباب وشخصي خشية الحي أزور
 والحباب: الحية، وهو في أبيات قبل هذا يصف كيف تمنى أن يلقاها، وكيف دله القلب على مكانها بعد أن عرف رياها، قال:
 فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر
 وغاب قمير كنت أرجو غيــــابه وروح رعيـــــــان ونوم سمر
 و (أقبلت) في البيت هي جواب لما في البيت الأول هنا. والشاهد أن (أزور) بمعنى: مائل..
٣ وهذا صدر بيت من المعلقة قاله عنترة يفتخر بشجاعته وفروسيته فقد ظل يقاتل مع أن فرسه قد تعب واشتكى، والبيت بتمامه:
 فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إالي بعبرة وتحمحم
 واللبان: الصدر، والتحمحم: من صهيل الفرس وهو ما كان فيه تقطع وحنين ليرق له صاحبه. يقول: تعب فرسي ومال من شدة وقع الرماح في صدره، وشكا إلي بعبرته وصوته المتقطع لأرق له وأرحمه مما أصابه..
٤ البيت من قصيدة حماسية له، بدأها بحديث الغزل الذي يصف فيه رحلة الحبيبة، وهي رقم ٩٨ في المفضليات، والبيت هو الثاني من أبياتها. والحداة: جمع الحادي وهو الذي يسوق الإبل بالغناء. ونخل: اسم موضع، وأبانين: مثنى أبان، وهما أبان وسلمى، جبلان، والتثنية هكذا جاءت على أساس التغليب، كما تقول العمرين. وازورار: انحراف وميل وعدول عنهما. فقد رحلت القافلة، وساق الحداة الظعائن قاصدين مياه نخل. ومنحرفين عن جبلي أبان وسلمى.
 هذا وقد ذكر صاحب (معجم البلدان) أن الأبانين هما أبان ومتالع، وقيل: اسم الثاني شرورى، واستشهد أبو سعيد السكري بأبيات بشر بن أبي خازم على ذلك، وقيل : هما أبانان، أبان الأبيض وأبان الأسود، والكلام في ذلك كثير طويل..
٥ الحديث رواه ابن إسحق في السيرة، قال: ولما أصيب القوم ـ يعني في غزوة مؤتة ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلي في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد، ثم مضى..
٦ البيت في الديوان، والطبري، ومجاز القرآن، و (إلى ظعن) معناها: نظرت إلى ظعن، وهي جمع ظعينة، والظعينة هي المرأة في الهودج على جملها. ويقرضن: يملن عن أجواز مشرف، أو يقطعن هذه الأجواز، وهي موضع الشاهد هنا، والأجواز: جمع جوز، وهو وسط الشيء، ومشرف والفوارس: موضعان ينجد، ذكر ذلك صاحب معجم ما استعجم، والبيت في وصف رحلة الظعائن..
٧ أخرجه البخاري في الحج والجهاد والمغازي، ومسلم في الحج، وأبو داود في المناسك، وكذلك النسائي وابن ماجه، وأحمد في مسنده (٥- ٢٠٥، ٢١٠). ولفظه كما في مسند أحمد: سئل أسامة عن سير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان سيره العنق، فإذا وجد فجوة نص، والنص فوق العنق، وأنا رديفه. اهـ. والعنق: ضرب من السير فسيح سريع منبسط، والنص: التحريك حتى تستخرج من الناقة أقصى سيرها..

### الآية 18:18

> ﻿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [18:18]

وقوله  وتحسبهم  الآية، صفة حال قد نقضت وجاءت أفعالها مستقبلة تجوزاً واتساعاً و  أيقاظاً  جمع يقظ كعضد وأعضاد، وهو المنتبه قال أهل التفسير : كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فلذلك كان الرائي يحسبهم  أيقاظاً . 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان عليهم وقلة التغير، وذلك أن الغالب على النوام أن يكون لهم استرخاء وهيئات تقتضي النوم، ورب نائم على أحوال لم يتغير عن حالة اليقظة فيحسبه الرائي يقظاناً وإن كان مسدود العينين، ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في أن يحسب عليهم التيقظ، وقرأ الجمهور **«ونقلبهم »** بنون العظمة، وقرأ الحسن **«وَتَقلُّبُهم »** بالتاء المفتوحة وضم اللام والباء، وهو مصدر مرتفع بالابتداء، قاله أبو حاتم، وحكى ابن جني القراءة عن الحسن بفتح التاء وضم اللام وفتح الباء، وقال هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال وترى أو تشاهد تقلبهم[(٨)](#foonote-٨). 
وأبو حاتم أثبت، ورأت فرقة أن التقلب هو الذي من أجله كان الرائي يحسبهم  أيقاظاً  وهذا وإن كان التقلب لمن صادف رؤيته دليلاً على ذلك، فإن ألفاظ الآية لم تسقه إلا خبراً مستأنفاً، وقال أبو عياض : كان هذا التقليب مرتين في السنة، وقالت فرقة كل سبع سنين مرة، وقالت فرقة إنما قلبوا في التسع الأواخر، وأما في الثلاثمائة فلا، وذكر بعض المفسرين أن تقلبهم إنما كان حفظاً من الأرض، وروي عن ابن عباس أنه قال لو مستهم الشمس لأحرقتهم، ولولا التقليب لأكلتهم الأرض. 
قال القاضي أبو محمد : وآية الله في نومهم هذه المدة الطويلة وحياتهم دون تغد أذهب في الغرابة من حفظهم مع مس الشمس ولزوم الأرض ولكنها روايات تجلب. وتتأمل بعد[(١)](#foonote-١)، وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان بأمر الله وفعل ملائكته، ويحتمل أن يكون ذلك بإقدار الله إياهم على ذلك وهم في غمرة النوم لا ينتبهون كما يعتري كثيراً من النوام، لأن القوم لم يكونوا موتى. وقوله  وكلبهم  أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة كان لصيد أحدهم فيما روي، وقيل كان لراع مروا عليه فصحبهم وتبعه الكلب. 
قال القاضي أبو محمد : وحدثني أبي رضي الله عنه، قال : سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة : إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله، وقيل كان أنمر[(٢)](#foonote-٢)، وقيل أحمر، وقالت فرقة كان رجلاً طباخاً لهم حكاه الطبري ولم يسم قائله، وقالت فرقة : كان أحدهم وكان قعد عند باب الغار طليعة لهم. 
قال القاضي أبو محمد : فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلباً لأنه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له كلب الحيار : أما أن هذا القول يضعفه بسط الذراعين، فإنهما في العرف من صفة الكلب حقيقة ومنه قول النبي عليه السلام :**«ولا يبتسط أحدكم ذراعيه في السجود ابتساط الكلب »**[(٣)](#foonote-٣)، وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرىء **«وكالبهم باسط ذراعيه »** فيحتمل أن يريد ب ****«الكالب »**** هذا الرجل، على ما روي إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة[(٤)](#foonote-٤)، المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد ب ****«الكالب »**** الكلب، وقوله  باسط ذراعيه  أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنها حكاية حال، ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب، و ********«الوصيد »******** العتبة لباب الكهف أو موضعها حيث ليست. وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير ********«الوصيد »******** الفناء، وقال ابن عباس أيضاً ********«الوصيد »******** الباب، وقال ابن جبير أيضاً ********«الوصيد »******** التراب، والقول الأول أصح، والباب الموصد هو المغلق، أي قد وقف على وصيده، ثم ذكر الله عز وجل ما حفهم من الرعب واكتنفهم من الهيبة، وقرأ **«لوِ اطلعت »** بكسر الواو جمهور القراء، وقرأ الأعمش وابن وثاب **«لوُ اطلعت »** بضمها. وقد ذكر ذلك عن نافع وشيبة وأبي جعفر، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عباس وأهل مكة والمدينة **«لملّئت »** بشد اللام على تضعيف المبالغة أي ملئت ثم ملئت ثم ملئت، وقرأ الباقون **«لمُلِئت »** بتخفيف اللام والتخفيف أشهر في اللغة، وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي :\[ الطويل \]
وإذ فتك النعمان بالناس محرماً. . . فملىء من كعب بن عوف سلاسله[(٥)](#foonote-٥)
وقالت فرقة إنما حفهم هذا الرعب لطول شعورهم وأظفارهم، ذكره المهدوي والزجاج، وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذا، لم يقولوا  لبثنا يوماً أبو بعض يوم  \[ الكهف : ١٩ \] وإنما الصحيح في أمرهم، أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها، لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولا تغيرت صفة، ولا أنكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم، ولروي ذلك، وقرأ الجمهور **«رعْباً »** بسكون العين، وقرأ **«رعُباً »** بضمها أبو جعفر وعيسى، قال أبو حاتم : هما لغتان.

١ اختلفت النسخ الأصلية في إثبات هاتين الكلمتين :(تخلف وتتأمل)، واخترنا أقربها ملاءمة للمعنى..
٢ النمرة: النكتة من أي لون كان، والأنمر: الذي فيه نمرة بيضاء وأخرى سوداء. والأنثى: نمراء، وسمي النمر بذلك لأن فيه نمرا. (عن اللسان)..
٣ أخرجه البخاري في المواقيت والأذان، ومسلم والترمذي في الصلاة، والنسائي في الافتتاح، وابن ماجه في الإقامة، والدارمي في الصلاة، وأحمد في المسند (٣- ١١٥، ١٧٧، ١٧٩ وأماكن أخرى)، ولفظه كما في مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)..
٤ الربيئة والربيء: الطليعة الذي يرقب العدو من مكان عال لئلا يدهم قومه، والجمع ربايا. (المعجم الوسيط)..
٥ المخبل: المجنون، وبه سمي الشاعر، واسمه الأصلي ربيعة بن مالك، وهو شاعر مخضرم، يقال إنه مات في خلافة عثمان، والفتك: قتل الناس مجاهرة، أو غدرا، والمحرم: الداخل في الشهر الحرام. والبيت شاهد على أن التثقيل وارد في (ملي)، ويفيد المبالغة في المعنى..

### الآية 18:19

> ﻿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [18:19]

الإشارة بذلك إلى الأمر الذي ذكر الله في جهتهم، والعبرة التي فعلها فيهم، و **«البعث »** التحريك عن سكون، واللام في قوله  ليتساءلوا  لام الصيرورة، لأن بعثهم لم يكن لنفس تساؤلهم، وقول القائل  كم  لبثتم يقتضي أنه هجس في خاطره طول نومهم، واستشعر أن أمرهم خرج عن العادة بعض الخروج، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حال من الوقت والهواء الزمني، لا تباين التي ناموا فيها، وأما أن يجدد الأمر جداً فبعيد، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم **«بورِقكم »** بكسر الراء وقرأ أبو عمرو وحده وأبو بكر عن عاصم **«بورْقكم »** بسكون الراء وهما لغتان، وحكى الزجاج قراءة **«بوِرْقكم »** بكسر الواو وسكون الراء دون إدغام، وروي عن أبي عمرو الإدغام، وإنما هو إخفاء، لأن الإدغام مع سكون الراء متعذر، وأدغم ابن محيصن القاف في الكاف قال أبو حاتم : وذلك إنما يجوز مع تحريك الراء، وقرأ علي بن أبي طالب **«بوارقكم »**، اسم جمع كالحامل والباقر، وقرأ أبو رجاء، **«بورقكم »** بكسر الواو والراء والإدغام، ويروى أنهم انتبهوا جياعاً، وأن المبعوث هو تلميخا، وروي أنهم صلوا كأنما ناموا ليلة واحدة، وبعثوا تلميخا في صبيحتها، وروي أن باب الكهف انهدم بناء الكفار منه بطول السنين، وروي أن راعياً هدمه ليدخل فيه غنمه، فأخذ تلميخاً ثياباً رثة منكرة ولبسها، وخرج من الكهف، فأنكر ذلك البناء المهدوم إذ لم يعرفه، ثم مشى فجعل ينكر الطريق والمعالم ويتحير، وهو في ذلك لا يشعر شعوراً تاماً، بل يكذب ظنه فيما تغير عنده حتى بلغ باب المدينة، فرأى على بابها أمارة الإسلام، فزادت حيرته وقال كيف هذا بلد دقيوس، وبالأمس كنا معه تحت ما كنا، فنهض إلى باب آخر فرأى نحواً من ذلك، حتى مشى الأبواب كلها، فزادت حيرته، ولم يميز بشراً، وسمع الناس يقسمون باسم عيسى، فاستراب بنفسه وظن أنه جن، أو انفسد عقله، فبقي حيران يدعو الله تعالى، ثم نهض إلى بائع الطعام الذي أراد شراءه فقال يا عبد الله بعني من طعامك بهذه الورق، فدفع إليه دراهم كأخفاف الربع[(١)](#foonote-١) فيما ذكر، فعجب لها البياع، ودفعها إلى آخر بعجبه، وتعاطاها الناس وقالوا له هذه دراهم عهد فلان الملك، من أين أنت، وكيف وجدت هذا الكنز ؟ فجعل يبهت ويعجب، وقد كان بالبلد مشهوراً هو وبيته، فقال : ما أعرف غير أني وأصحابي خرجنا بالأمس من هذه المدينة فقال الناس هذا مجنون، اذهبوا به إلى الملك، ففزع عند ذلك فذهب به حتى جيء به الملك، فلما لم ير دقيوس الكافر تأنس، وكان ذلك الملك مؤمناً فاضلاً يسمى ببدوسيس فقال له الملك أين وجدت هذا الكنز ؟ فقال له إنما خرجت أنا وأصحابي أمس من هذه المدينة فأوينا إلى الكهف الذي في جبل الجلوس، فلما سمع الملك ذلك قال في بعض ما روي : لعل الله قد بعث لكم أيها الناس آية فلنسر إلى الكهف معه حتى نرى أصحابه، فسار وروي أنه أو بعض جلسائه قال : هؤلاء هم الفتية الذين أرخ أمرهم على عهد دقيوس الملك، وكتب على لوح النحاس بباب المدينة، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه، فلما انتهوا إلى الكهف قال تمليخا : أدخل عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمر، وأن الأمة أمة إسلام، فروي أنهم سُرُّوا وخرجوا إلى الملك، وعظموه وعظمهم، ثم رجعوا إلى كهفهم، وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حيث حدثهم تمليخا، فانتظرهم الناس فلما أبطأ خروجهم، دخل الناس إليهم فرعب كل من دخل، ثم أقدموا فوجدوهم موتى، فتنازعوا بحسب ما يأتي في تفسير الآية التي بعد هذه، وفي هذا القصص من اختلاف الروايات والألفاظ ما تضيق به الصحف، فاختصرته، وذكرت المهم الذي به تتفسر ألفاظ هذه الآية، واعتمدت الأصح، والله المعين برحمته، وفي هذه البعثة بالورق الوكالة وصحتها، وقد وكل علي بن أبي طالب أخاه عقيلاً عند عثمان رضي الله عنهم[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ الجمهور **«فلْينظر »** بسكون لام الأمر، وقرأ الحسن **«فلِينظر »** بكسرها، و  أزكى  معناه أكثر فيما ذكر عكرمة، وقال قتادة معناه خير، وقال مقاتل : المراد أطيب، وقال ابن جبير : المراد أحل. 
قال أبو القاضي أبو محمد : وهو من جهة ذبائح الكفرة وغير ذلك فروي أنه أراد شراء زبيب، وقيل بل شراء تمر، وقوله  وليتلطف  أي في اختفائه وتحيله، وقرأ الحسن **«ولِيتلطف »** بكسر اللام.

١ الربع: الفصيل ينتج في الربيع، وهو أول النتاج – والفصيل هو ولد الناقة أو البقرة بعد فطامه وفصله عن أمه..
٢ قال بعض العلماء: في هذه الآية جواز الشركة لأن الورق كان لهم جميعا، وجواز الوكالة لأنهم بعثوا من وكلوه بالشراء، وجواز خلط الطعام وأكل الرفقاء، وإن كان بعضهم أكثر أكلا من بعض، ومثله في ذلك قوله تعالى: وإن تخالطوهم فإخوانكم..

### الآية 18:20

> ﻿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [18:20]

والضمير في  إنهم  عائد على الكفار، آل دقيوس، و  يظهروا عليكم  معناه يثقفوكم بعلوهم وغلبتهم، وقولهم  يرجموكم  قال الزجاج معناه بالحجارة. 
قال القاضي أبو محمد : وهو الأصح، لأنه كان عازماً على قتلهم لو ظفر بهم، و **«الرجم »** فيما سلف هي كانت على ما ذكر قتلة مخالف دين الناس، إذ هي أشفى لحملة ذلك الدين، ولهم فيها مشاركة، وقال حجاج،  يرجموكم  معناه بالقول، وباقي الآية بين.

### الآية 18:21

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ۖ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [18:21]

الإشارة بذلك في قوله  وكذلك  إلى  بعثناهم ليتساءلوا  \[ الكهف : ١٩ \] أي كما بعثناهم  أعثرنا عليهم ، و **«أعثر »** تعدية بالهمزة، وأصل العثار في القدم، فلما كان العاثر في الشيء منتبهاً له شبه به من تنبه لعلم شيء عن له وثار بعد خفائه، والضمير في قوله  ليعلموا  يحتمل أن يعود على الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم، وإلى هذا ذهب الطبري، وذلك أنهم، فيما روي، دخلتهم حينئذ فتنة في أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه، وقالوا إنما تحشر الأرواح، فشق على ملكهم ذلك وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمره لهم، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد، وتضرع إلى الله في حجة وبيان، فأعثر الله على أهل الكهف، فلما بعثهم الله، وتبين الناس أمرهم، سر الملك ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين به، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله  إذ يتنازعون بينهم أمرهم  على هذا التأويل، ويحتمل أن يعمل في  أن  على هذا التأويل،  أعثرنا ، ويحتمل أن يعمل فيه  ليعلموا ، والضمير في قوله  ليعلموا  يحتمل أن يعود على أصحاب الكهف، أي جعل الله أمرهم آية لهم دالة على بعث الأجساد من القبور، وقوله  إذ يتنازعون  على هذا التأويل ابتداء خبر عن القوم الذين بعثوا على عهدهم، والعامل في  إذ ، فعل مضمر تقديره واذكر، ويحتمل أن يعمل فيه  فقالوا   إذ يتنازعون   ابنوا عليهم . والتنازع على هذا التأويل، إنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في أمر القيامة، و **«الريب »** : الشك، والمعنى أن الساعة في نفسها وحقيقتها لا شك فيها، وإن كان الشك قد وقع لناس، فذلك لا يلحقها منه شيء، وقيل إن التنازع إنما هو في أن اطلعوا عليهم فقال بعض هم أموات، وبعض هم أحياء، وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم، وتركهم فيه مغيبين، فقالت الطائفة الغالبة على الأمر : لنتخذن عليهم مسجداً، فاتخذوه، وقال قتادة  الذين غلبوا  هم الولاة، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي :**«غُلِبوا »** بضم الغين وكسر اللام، والمعنى أن الطائفة التي أرادت المسجد كانت أولاً تريد أن لا يبنى عليهم شيء، وأن لا يعرض لموضعهم، فروي أن طائفة أخرى مؤمنة أرادت ولا بد طمس الكهف، فلما غلبت الأولى على أن يكون بنيان لا بد، قالت يكون مسجداً، فكان، وروي أن الطائفة التي دعت إلى البنيان، إنما كانت كافرة، أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم، فمانعهم المؤمنون، وقالوا  لنتخذن عليهم مسجداً ، وروي عن عبيد بن عمير أن الله عمى على الناس حينئذ أثرهم، وحجبهم عنهم، فلذلك دعا إلى بناء البنيان ليكون معلماً لهم.

### الآية 18:22

> ﻿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [18:22]

الضمير في قوله  سيقولون  يراد به أهل التوراة، من معاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص، وقرأ الجمهور الجمهور **«ثلاثة »**، وقرأ ابن محيصن **«ثلاث »** بإدغام التاء في الثاء، وقرأ شبل عن ابن كثير **«خمَسة »** بفتح الميم إتباعاً لعشرة، وقرأ ابن محيصن **«خِمِسة »** بكسر الخاء والميم، وقوله  رجماً بالغيب  معناه ظناً، وهو مستعار من الرجم، كأن الإنسان يرمي الموضع المشكل المجهول عنده بظنه المرة بعد المرة، يرجمه به عسى أن يصيب، ومن هذا هو الترجمان وترجمة الكتاب، ومنه قول زهير :\[ الطويل \]
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ. . . وما هو عنها بالحديث المرجم[(١)](#foonote-١)
والواو في قوله  وثامنهم  طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم، لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام[(٢)](#foonote-٢). وتقول فرقة منها ابن خالويه : هي واو الثمانية، وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشاً كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية تسعة، فتدخل الواو في الثمانية. 
قال القاضي أبو محمد : وقد تقدم شرحها[(٣)](#foonote-٣)، وهي في القرآن في قوله  الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر [(٤)](#foonote-٤) \[ التوبة : ١١٢ \] وفي قوله  وفتحت [(٥)](#foonote-٥) \[ النبأ : ١٩ \]، وأما قوله تعالى : ثيبات وأبكاراً [(٦)](#foonote-٦) \[ التحريم : ٥ \]، وقوله  سبع ليال وثمانية أيام [(٧)](#foonote-٧) \[ الحاقة : ٧ \] فتوهم في هذين الموضعين أنها واو الثمانية وليست بها بل هي لازمة لا يستغني الكلام عنها[(٨)](#foonote-٨)، وقد أمر الله تعالى نبيه عليه السلام في هذه الآية أن يرد علم **«عدتهم »** إليه عز وجل، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل، والمراد به قوم من أهل الكتاب، وكان ابن عباس يقول : أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، ويستدل على هذا من الآية : بأن القرآن لما حكى قول من قال **«ثلاثة وخمسة »** قرن بالقول أنه رجم بالغيب فقدح ذلك فيها، ثم حكى هذه المقالة ولم يقدح فيها بشيء، بل تركها مسجلة، وأيضاً فيقوي ذلك على القول بواو الثمانية لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح، وقوله تعالى : فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً  معناه على بعض الأقوال، أي بظاهر ما أوحيناه إليك، وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى، وقيل معنى **«الظاهر »** أن يقول ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا يحتج هو على أمر مقرر في ذلك فإن ذلك يكون مراء في باطن من الأمر، وقال التبريزي : ظاهراً  معناه ذاهباً، وأنشد :
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. . . . [(٩)](#foonote-٩) ولم يبح له في هذه الآية أن يماري، ولكن قوله  إلا مراء  استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب، سميت مراجعته لهم  مراء ، ثم قيد بأنه ظاهر، ففارق المراء الحقيقي المذموم. 
و **«المراء »** مشتق من المرية، وهو الشك، فكأنه المشاككة، والضمير في قوله  فيهم  عائد على أهل الكهف، وفي قوله  منهم  عائد على أهل الكتاب المعاصرين، وقوله  فلا تمار فيهم  يعني في عدتهم، وحذفت العدة لدلالة ظاهر القول عليها.

١ البيت من المعلقة، والعلم والذوق يكونان في الخبرة والتجربة، و (هو) في قوله: (وما هو عنها) يعود على مفهوم من الكلام، والمعنى: وما الخبر عنها بحديث يرجم بالظن، والمرجم: الذي يرمى فيه بالظن، وهو مرضع الاستشهاد هنا، يقول: ما الحرب إلا ما قد جربتم وخيرتم وذقتم، فإياكم أن تعودوا إليها، وما الحديث عنها بحديث يرجم فيه بالظن، ولكن هو حديث التجربة المرة والخبرة القاسية، فإياكم أن تغدروا وتعودوا إلى الحرب..
٢ ما بين العلامتين (ولو كانت... ) سقط من جميع النسخ، ولم نجده إلا في النسخة التونسية..
٣ راجع الجزء السابع (ص ٥٧/٥٨)..
٤ من الآية (١١٢) من سورة (التوبة)..
٥ من الآية (٧٣) من سورة (الزمر)..
٦ من الآية (٥) من سورة (التحريم)..
٧ من الآية (٧) من سورة (الحاقة)..
٨ وقد سبق أن تحدثنا طويلا عن واو الثمانية في سورة التوبة، (جـ ٧ ـ ٥٨)، ورجحنا قول القشيري الذي يرى أن كلام ابن خالويه في مناظرة جرت بينه وبين أبي علي الفارسي، وكلام أبي بكر بن عياش، هذا الكلام تحكم منهما، وقد نقض القرآن الكريم هذه القاعدة في قوله تعالى:هو الله الذي لا إله إلا هو... الآية، حيث لم يذكر الاسم الثامن من أسماء الله عز وجل بالواو. وإنما ذكرت الواو هنا كما قال ابن عطية لتفصل أمرهم، ولتدل على أن هذا نهاية ما قيل فيهم..
٩ هذا عجز بيت قاله أبو ذؤيب من قصيدة يرثي بها نشيبة بن محرث، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 أبى القلب إلا أم عمرو وأصبحت تحرق ناري بالشكاة ونـــارها
 وعيرها الواشون أني أحبهــــــــا وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
 تحرق ناري: توقدها بالشكاة، يقول: أوقدت لي نارا فاشتهرنا بها، وانتشر أمري وأمرها لما لم أقلع عن حبها، وذلك التعبير ظاهر عنك، أي: لا يلحق بك عاره، ولا يلصق بك، يقال: ظهر عن الشيء: تباعد وذهب. وهذا موضع الاستشهاد.
 .

### الآية 18:23

> ﻿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا [18:23]

وقوله  ولا تقولن لشيء  الآية، عاتب الله تعالى فيها نبيه عليه السلام على قوله للكفار غداً أخبركم بجواب أسئلتكم، ولم يستثن في ذلك، فاحتبس عنه الوحي خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار به، فنزلت عليه هذه السورة مفرجة، وأمر في هذه الآية أن يقول في أمر من الأمور : إني أفعل غداً كذا وكذا إلا وأن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل، واللام في قوله  لشيء  بمنزلة في أو كأنه قال لأجل شيء.

### الآية 18:24

> ﻿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا [18:24]

وقوله  إلا أن يشاء الله  في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره : إلا أن تقول إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول إن شاء الله، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله، فليس  إلا أن يشاء الله  من القول الذي نهي عنه وقالت فرقة : قوله  إلا أن يشاء الله  استثناء من قوله  ولا تقولن  وهذا قول حكاه الطبري ورد عليه، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى[(١)](#foonote-١)، وقوله  واذكر ربك إذا نسيت  قال ابن عباس والحسن معناه، والإشارة به إلى الاستثناء أي ولتستثن بعد مدة، إذا نسيت الاستثناء أولاً لتخرج من جملة من لم يعلق فعله بمشيئة الله، وقال عكرمة : المعنى واذكر ربك إذا غضبت، وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ليست في الأيمان، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين، ولكن من حيث تكلم الناس فيها، ينبغي أن نذكر شيئاً من ذلك، أما مالك رحمه الله وجميع أصحابه، فيما علمت، وكثير من العلماء، فيقولون لا ينفع الاستثناء ويسقط الكفّارة إلا أن يكون متصلاً باليمين، وقال عطاء له أن يستثني في قدر حلب الناقة الغزيرة، وقال قتادة إن استثنى قبل أن يقول أو يتكلم فله ثنياه، وقال ابن حنبل له الاستثناء ما دام في ذلك الأمر، وقاله ابن راهويه، وقال طاوس والحسن ينفع الاستثناء ما دام الحالف في مجلسه، وقال ابن جبير ينفع الاستثناء بعد أربعة أشهر فقط، وقال ابن عباس ينفع الاستثناء ولو بعد سنة، وقال مجاهد بعد سنتين، وقال أبو العالية ينفع أبداً، واختلف الناس في التأويل على ابن عباس، فقال الطبري وغيره إنما أراد ابن عباس أنه ينفع في أن يحصل الحالف في رتبة المستثنين بعد سنة من حلفه، وأما الكفارة فلا تسقط عنه، قال الطبري ولا أعلم أحداً يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، يقول بسقوط الكفارة، قال ويرد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم **«من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليكفر وليأت الذي هو خير »**[(٢)](#foonote-٢) فلو كان الاستثناء يسقط الكفارة لكان أخف على الأمة، ولم يكن لذكر الكفارة فائدة، وقال الزهراوي : إنما تكلم ابن عباس في أن الاستثناء بعد سنة لمن قال أنا أفعل كذا. . . لا لحالف أراد حل يمينه، وذهبت فرقة من الفقهاء إلى أن مذهب ابن عباس سقوط الكفارة وألزموا كل من يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، إسقاط الكفارة، وردوا على القول بعد إلزامه، وليس الاستثناء إلا في اليمين بالله، لا يكون في طلاق ونحوه، ولا في مشي إلى مكة، هذا قول مالك وجماعة، وقال الشافعي وأصحاب الرأي وطاوس وحماد الاستثناء في ذلك جائز، وليس في اليمين الغموس[(٣)](#foonote-٣) استثناء ينفع، ولا يكون الاستثناء بالقول، وإنما يكون قولاً ونطقاً، وقوله  وقل عسى  الآية، قال محمد الكوفي المفسر : إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء، وقال الجمهور هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص، وقرأ الجمهور **«يهديني »** بإثبات الياء، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقرأ طلحة من مصرف دون ياء في الوصل، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، والإشارة بهذا إلى الاستدراك الذي يقع من ناسي الاستثناء. وقال الزجاج المعنى عسى أن ييسر الله من الأدلة على نبوتي أقرب من دليل أصحاب الكهف. 
قال القاضي أبو محمد : وما قدمته أصوب، أي عسى أن يرشدني فيما أستقبل من أمري وهذه الآية مخاطبة للنبي عليه السلام، وهي بعد تعم جميع أمته، لأنه حكم يتردد الناس بكثرة وقوعه والله الموفق.

١ هذا نص كلام الطبري: "وكان بعض أهل العربية يقول: جائز أن يكون معنى قوله: إلا أن يشاء الله استثناء من القول، لا من الفعل، كأن معناه عنده: لا تقولن قولا إلا أن يشاء الله ذلك القول. وهذا وجه بعيد من المفهوم بالظاهر من التنزيل، مع خلافه تأويل أهل التأويل"، وممن قال ذلك الزمخشري، قال: "إن الاستثناء متعلق بالنهي لا بالفعل، وتعلقه به على وجهين: أحدهما ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن ذلك فيه، والثاني ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئته، وهو في موضع الحال، أي: إلا متلبسا بمشيئة الله قائلا إن شاء الله"، أما ما اختاره المؤلف فهو رأي الكسائي، والفراء والأخفش..
٢ أخرجه أحمد في مسنده، ومسلم، والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورمز له الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه صحيح..
٣ اليمين الغموس: الكاذبة، تغمس صاحبها في الإثم، وفي الحديث الشريف: (اليمين الغموس تذر الديار بلاقع)، وفي البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس، قلت: و ما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها كاذب..

### الآية 18:25

> ﻿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [18:25]

قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما  ولبثوا في كهفهم  الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود، وفي مصحفه :**«وقالوا لبثوا في كهفهم »**، وذلك عند قتادة، على غير قراءة عبد الله، عطف على  ويقولون سبعة  \[ الكهف : ٢٢ \]، ذكر الزهراوي، ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه رداً على مقالهم وتقييداً له، قال الطبري : وقال بعضهم : لو كان ذلك خبراً من الله، لم يكن لقوله  قل الله أعلم بما لبثوا  وجه مفهوم. 
قال القاضي أبو محمد : أي ذهب بهذا القائل، وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبراً عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم  قل الله أعلم بما لبثوا  فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها المخرصون، وقال المحققون : بل قوله تعالى : ولبثوا في كهفهم  الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار  قل الله أعلم بما لبثوا  فقال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه أن هذه المدة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا التأويل  لبثوا  الأول، يريد في نوم الكهف، و  لبثوا  الثاني : يريد بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد عليه السلام، إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي سنذكره بعد، وقال بعضها إنه لما قال : وازدادوا تسعاً  لم يدر الناس أهي ساعات، أم أيام، أم جمع، أم شهور، أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمره الله برد العلم إليه، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة، وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية، وحكى النقاش ما معناه : أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين، وقرأ الجمهور **«ثلاثمائةٍ سنينَ »** بتنوين مائة ونصب **«سنينَ »** على البدل من **«ثلاثمائةٍ »**، وعطف البيان، وقيل على التفسير والتمييز[(١)](#foonote-١) وقرأ حمزة والكسائي ويحيى وطلحة والأعمش بإضافة **«مائة »** إلى ****«سنين »****، وترك التنوين، وكأنهم جعلوا ****«سنين »**** بمنزلة سنة، إذ المعنى بهما واحد قال أبو علي : إذ هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب، قد تضاف إلى الجموع، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود :**«ثلاثمائة سنة »**، وقرأ الضحاك **«ثلاثمائة سنون »**، بالواو، وقرأ أبو عمرو بخلاف :**«تَسعاً »** بفتح التاء، وقرأ الجمهور **«تِسعاً »** بكسر التاء.

١ وحكى أبو البقاء أن قوما أجازوا أن يكون \[سنين\] بدلا من \[مائة\]؛ لأن \[مائة\] في معنى (مئات). وقال أبو حيان الأندلسي في (البحر الوسيط): "فأما عطف البيان فلا يجوز على مذهب البصريين، وأما نصبه على التمييز فالمحفوظ من لسان العرب المشهور أن (مائة) لا يفسر إلا بمفرد مجرور، وأن ما سمع من قولهم: "إذا عاش الفتى مائتين عاما" من الضرورات، ولاسيما وقد انضاف إلى ذلك كون \[سنين\] جمعا"..

### الآية 18:26

> ﻿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [18:26]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما  ولبثوا في كهفهم  الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود، وفي مصحفه :****«وقالوا لبثوا في كهفهم »****، وذلك عند قتادة، على غير قراءة عبد الله، عطف على  ويقولون سبعة  \[ الكهف : ٢٢ \]، ذكر الزهراوي، ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه رداً على مقالهم وتقييداً له، قال الطبري : وقال بعضهم : لو كان ذلك خبراً من الله، لم يكن لقوله  قل الله أعلم بما لبثوا  وجه مفهوم. 
قال القاضي أبو محمد : أي ذهب بهذا القائل، وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبراً عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم  قل الله أعلم بما لبثوا  فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها المخرصون، وقال المحققون : بل قوله تعالى : ولبثوا في كهفهم  الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار  قل الله أعلم بما لبثوا  فقال الطبري : إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه أن هذه المدة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا التأويل  لبثوا  الأول، يريد في نوم الكهف، و  لبثوا  الثاني : يريد بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد عليه السلام، إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي سنذكره بعد، وقال بعضها إنه لما قال : وازدادوا تسعاً  لم يدر الناس أهي ساعات، أم أيام، أم جمع، أم شهور، أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمره الله برد العلم إليه، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة، وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية، وحكى النقاش ما معناه : أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين، وقرأ الجمهور ****«ثلاثمائةٍ سنينَ »**** بتنوين مائة ونصب ****«سنينَ »**** على البدل من ****«ثلاثمائةٍ »****، وعطف البيان، وقيل على التفسير والتمييز[(١)](#foonote-١) وقرأ حمزة والكسائي ويحيى وطلحة والأعمش بإضافة ****«مائة »**** إلى ********«سنين »********، وترك التنوين، وكأنهم جعلوا ********«سنين »******** بمنزلة سنة، إذ المعنى بهما واحد قال أبو علي : إذ هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب، قد تضاف إلى الجموع، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود :****«ثلاثمائة سنة »****، وقرأ الضحاك ****«ثلاثمائة سنون »****، بالواو، وقرأ أبو عمرو بخلاف :****«تَسعاً »**** بفتح التاء، وقرأ الجمهور ****«تِسعاً »**** بكسر التاء. ١ وحكى أبو البقاء أن قوما أجازوا أن يكون \[سنين\] بدلا من \[مائة\]؛ لأن \[مائة\] في معنى (مئات). وقال أبو حيان الأندلسي في (البحر الوسيط): "فأما عطف البيان فلا يجوز على مذهب البصريين، وأما نصبه على التمييز فالمحفوظ من لسان العرب المشهور أن (مائة) لا يفسر إلا بمفرد مجرور، وأن ما سمع من قولهم: "إذا عاش الفتى مائتين عاما" من الضرورات، ولاسيما وقد انضاف إلى ذلك كون \[سنين\] جمعا"..


---


وقوله  أبصر به وأسمع  أي ما أبصره وأسمعه. 
قال قتادة : لا أحد أبصر من الله ولا أسمع، وهذه عبارات عن الإدراك، ويحتمل أن يكون المعنى : أبصر به أي بوحيه وإرشاده هداك وحججك والحق من الأمور. وأسمع به العالم، فتكون أمرين، لا على وجه التعجب، وقوله  ما لهم من دونه من ولي  يحتمل أن يعود الضمير في  لهم  على أصحاب الكهف، أي هذه قدرته وحده، لم يواليهم غيره بتلطف لهم، ولا اشترك معه أحد في هذا الحكم، ويحتمل أن يعود الضمير في  لهم  على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار ومشاقيه، وتكون الآية اعتراضاً بتهديد، وقرأ الجمهور **«ولا يشرك في حكمه أحداً »** بالياء من تحت على معنى الخبر عن الله تعالى، وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري ****«ولا تشرك »**** بالتاء من فوق، على جهة النهي للنبي عليه السلام، ويكون قوله ****«ولا تشرك »**** عطفاً على  أبصر   وأسمع ، وقرأ مجاهد **«ولا يشركْ »** بالياء من تحت وبالجزم، قال يعقوب لا أعرف وجهه، وحكى الطبري عن الضحاك بن مزاحم أنه قال : نزلت هذه الآية : ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة  فقط، فقال الناس هي أشهر أم أيام أم أعوام ؟ فنزلت  سنين وازدادوا تسعاً  وأما هل دام أهل الكهف وبقيت أشخاصهم محفوظة بعد الموت ؟ فاختلفت الروايات في ذلك، فروي عن ابن عباس أنه مر بالشام في بعض غزواته، مع ناس على موضع الكهف وجبله، فمشى الناس إليه، فوجدوا عظاماً، فقالوا هذه عظام أصحاب الكهف، فقال لهم ابن عباس : أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة فسمعه راهب، فقال ما كنت أحسب أن أحداً من العرب يعرف هذا، فقيل له هذا ابن عم نبينا فسكت، وروت فرقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال **«ليحجن عيسى ابن مريم ومعه أصحاب الكهف، فإنهم لم يحجوا بعد »**. 
قال القاضي أبو محمد : وبالشام على ما سمعت من ناس كثير، كهف كان فيه موتى، يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف، وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم، ومعهم كلب رمة، وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة، كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم إشارة، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة، وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر محلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض حزنة وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس، وجدنا في آثارها غرائب في قبور ونحوها. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما استسهلت ذكر هذا مع بعده لأنه عجب يتخلد ذكره ما شاء الله عز وجل.

### الآية 18:27

> ﻿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [18:27]

وقوله  واتل ما أوحي إليك  الآية، من قرأ **«ولا تشرك »** بالنهي، عطف قوله  واتلُ  عليه، ومن قرأ **«ولا يشرك »**، جعل هذا أمراً بدىء به كلام آخر ليس من الأول، وكأن هذه الآية، في معنى الإعتاب للنبي عليه السلام، عقب العتاب الذي كان تركه الاستثناء، كأنه يقول هذه أجوبة الأسئلة فاتل وحي الله إليك، أي اتبع في أعمالك، وقيل اسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا نقض في قوله،  ولا مبدل لكلماته ، وليس لك سواه جانب تميل إليه، وتستند، و **«الملتحد »** : الجانب الذي يمال إليه، ومعنى اللحد كأنه الميل في أحد شقي القبر، ومنه الإلحاد في الحق، وهو الميل عن الحق، ولا يفسر قوله  لا مبدل لكلماته  أمر النسخ لأن المعنى : إما أن يكون لا مبدل سواه فتبقى الكلمات على الإطلاق، وإما أن يكون أراد من **«الكلمات »** الخبر ونحوه، مما لا يدخله نسخ، والإجماع أن الذي لا يتبدل هو الكلام القائم بالذات الذي بحسبه يجري القدر. فأما الكتب المنزلة فمذهب ابن عباس أنها لا تبدل إلا بالتأويل.

### الآية 18:28

> ﻿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [18:28]

سبب هذه الآية أن عظماء الكفار قيل من أهل مكة، وقيل عيينة بن حصن وأصحابه والأول أصوب، لأن السورة مكية، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، يريدون عمار بن ياسر وصهيب بن سنان وسلمان الفارسي وابن مسعود وغيرهم من الفقراء كبلال ونحوه، وقالوا إن ريح جبابهم[(١)](#foonote-١) تؤذينا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم وجلس بينهم، وقال الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه[(٢)](#foonote-٢)، وروي أنه قال لهم رحباً بالذي عاتبني فيهم ربي، وروى سلمان أن المؤلفة قلوبهم، عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذويهم، قالوا ما ذكر، فنزلت الآية[(٣)](#foonote-٣) في ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : فالآية على هذا مدنية، ويشبه أن تكون الآية مكية، وفعل المؤلفة قريش فرد بالآية عليهم،  واصبر  معناه احبس، ومنه المصبورة التي جاء فيها الحديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الحيوان[(٤)](#foonote-٤)، أي حبسه للرمي ونحوه، وقرأ الجمهور ****«بالغداة »****، وقرأ ابن عامر ******«بالغدوة »****** وهي قراءة نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبي عبد الرحمن والحسن، وهي في الخط على القراءتين بالواو، فمن يقرأها ****«بالغداة »**** يكتبها ******«بالغدوة »****** كما تكتب **«الصلوة والزكوة »**، وفي قراءة من قرأ ******«بالغدوة »****** ضعف لأن **«غدوة »** اسم معروف فحقه أن لا تدخل عليه الألف واللام ووجه القراءة بذلك أنهم ألحقوها ضرباً من التنكير إذ قالوا حيث غدوة يريدون الغدوات فحسن دخول الألف واللام كقولهم الفينة وفينة اسم معرف، والإشارة بقوله  يدعون ربهم بالغداة والعشي  إلى الصلوات الخمس. قاله ابن عمر ومجاهد وإبراهيم، وقال قتادة المراد صلاة الفجر، وصلاة العصر. 
قال القاضي أبو محمد : ويدخل في الآية من يدعو في غير صلاة، ومن يجتمع لمذاكرة علم، وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال **«لذكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله، ومن إعطاء المال سحاً »**[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ أبو عبد الرحمن **«بالغدو »** دون هاء، وقرأ ابن أبي عبلة **«بالغدوات »** **«والعشيات »** على الجمع، وقوله  ولا تعد عيناك  أي لا تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا والملابس من الكفار، وقرأ الحسن **«ولا تُعَدِّ عينيك »** بضم التاء وفتح العين وشد الدال المكسورة، أي لا تجاوزها أنت عليهم، وروي عنه **«ولا تُعْد عينك »** بضم التاء وسكون العين[(٦)](#foonote-٦)، وقوله  من أغفلنا  قيل إنه أراد بذلك معيناً وهو عيينة بن حصن، والأقرع قاله خباب، وقيل إنما أراد من هذه صفته، وإنما المراد أولاً كفار قريش، لأن الآية، وقرأ الجمهور **«أغفلنا قلبَه »**[(٧)](#foonote-٧) بنصب الباء على معنى جعلناه غافلاً، وقرأ عمرو بن فائد وموسى الأسواري **«أغفلنا قلبه »** على معنى أهمل ذكرنا وتركه، قال ابن جني المعنى من ظننا غافلين عنه، وذكر أبو عمرو الداني أنها قراءة عمرو بن عبيد و **«الفرط »** يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، أي أمره وهواه الذي هو بسبيله، وقد فسره المتأولون بالعبارتين : أعني التضييع والإسراف، وعبر خباب عنه بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير بالمعنى.

١ الجباب: جمع جبة، وهي ثوب سايغ، واسع الكمين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب. ويجمع أيضا "جبب"..
٢ أخرجه ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فخرج يلتمسهم، فوجد قوما يذكرون الله، فيهم ثائر الرأس، وجاف الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: (الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم)..
٣ أخرجه ابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان، ولفظه كما ذكره في الدر المنثور: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عيينة بن بدر \[هكذا\]\*، والأقرع بن حابس، فقالوا: يا رسول الله، لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون سلمان، وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف- جالسناك أو حادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله: واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك إلى قوله: أعتدنا للظالمين نارا، يهددهم بالنار.
 \* هذه الرواية ذكرها الإمام السيوطي في الدر المنثور، ولكن في القرطبي: (عيينة ابن حصن). وفي الطبري أشار المحقق إلى أنها في الأصل (ابن بدر) وقد صوبها إلى: (ابن حصن)..
٤ أخرجه البخاري في الذبائح، ومسلم في الصيد، وأبو داود في الأضاحي، والنسائي في الضحايا، وأحمد في مسنده (٢-٩٤- ٣-١١٧)، ولفظه كما في مسلم، عن جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل شيء من الدواب صبرا، وفي رواية لمسلم عن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: من فعل هذا؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا. وفي رواية عن أنس رضي الله عنه أخرجها ابن ماجه في الذبائح، وأحمد في المسند (٣- ١٨٠)، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر البهيمة..
٥ وروى البيهقي في (الدعوات الكبير) عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (لكل شيء صقالة- تجلية وتصفية – وصقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله)، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع)..
٦ قال أبو الفتح ابن جني: "هذا منقول من: عدت عيناك، أي: جاوزتا، من قولهم: جاء القوم عدا زيدا، أي: جاوز بعضهم زيدا، ثم نقل إلى: أعديت عيني عن كذا، أي: صرفتها عنه". (المحتسب ٢-٢٧)..
٧ أي: بفتح اللام من \[أغفلنا\]، وبضم الباء في \[قلبه\]- فقلبه أغفل ذكر الله تبارك وتعالى، هذا تحليل ابن جني وهو مذكور في المحتسب ٢ـ٢٨..

### الآية 18:29

> ﻿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [18:29]

وقوله تعالى : وقل الحق  الآية، المعنى وقل لهم يا محمد هذا  الحق من ربكم  أي هذا القرآن، أو هذا الإعراض عنكم، وترك الطاعة لكم، وصبر النفس مع المؤمنين، وقرأ قعنب وأبو السمال[(١)](#foonote-١) **«وقلَ »** بفتح اللام قال أبو حاتم وذلك رديء في العربية، وقوله  فمن شاء فليؤمن  الآية توعد وتهديد، أي فليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غداً عند الله عز وجل، وتأولت فرقة  فمن شاء  الله إيمانه  فليؤمن ومن شاء  الله كفره  فليكفر ، وهو متوجه، أي فحقه الإيمان وحقه الكفر، ثم عبر عن ذلك بلفظ الأمر إلزماً وتحريضاً، ومن حيث للإنسان في ذلك التكسب الذي به يتعلق ثواب الإيمان وعقاب الكفر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي **«فلِيؤمن »** **«ولِيكفر »** بكسر اللامين  وأعتدنا  مأخوذ من العتاد وهو الشيء المعد الحاضر و ****«السرادق »**** وهو الجدار المحيط كالحجرة التي تدور وتحيط الفسطاط، وقد تكون من نوع الفسطاط أديماً أو ثوباً أو نحوه، ومنه قول رؤبة :\[ الرجز \]
يا حكم بن المنذر بن الجارود. . . سرادق والمجد عليك ممدود[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول سلامة بن جندل :\[ الطويل \]
هو المولج النعمان بيتا سماؤه. . . صدور الفيول بعد بيت مسردق[(٣)](#foonote-٣)
وقال الزجاج ****«السرادق »**** كل ما أحاط بشيء. 
قال القاضي أبو محمد : وهو عندي أخص مما قال الزجاج، واختلف في **«سرادق »** النار فقال ابن عباس  سرادقها  حائط من نار وقالت فرقة  سرادقها  دخان يحيط بالكفار، وقوله تعالى : انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب [(٤)](#foonote-٤) \[ المرسلات : ٣٠ \] وقالت فرقة الإحاطة هي في الدنيا، والسرادق البحر، وروي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق يعلى بن أمية، فيجيء قوله تعالى : أحاط بهم  أي بالبشر ذكر الطبري الحديث عن يعلى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«البحر هي جهنم »** وتلا هذه الآية : ثم قال **«والله لا أدخله أبداً أو ما دمت حياً »**[(٥)](#foonote-٥)
، وروي عنه أيضاً عليه السلام من طريق أبي سعيد الخدري أنه قال **«سرادق النار أربعة جدور، كتف عرض كل جدار مسيرة أربعين سنة »**[(٦)](#foonote-٦)، وقوله عز وجل  يغاثوا  أي يكون لهم مقام الغوث وهذا نحو قول الشاعر :\[ الوافر \]
تحية بينهم ضرب وجيع[(٧)](#foonote-٧). . . أي القائم مقام التحية و ****«المهل »**** قال أبو سعيد عن النبي عليه السلام هو دردي[(٨)](#foonote-٨) الزيت إذا انتهى حده، وقالت فرقة هو كل مائع سخن حتى انتهى حره، وقال ابن مسعود وغيره هو كل ما أذيب من ذهب أو فضة أو رصاص أو نحو هذا من الفلز حتى يميع، وروي أن عبد الله بن مسعود أهديت إليه سقاية من ذهب أو فضة فأمر بها فأذيبت حتى تميعت وتلونت ألواناً ثم دعا من ببابه من أهل الكوفة، فقال ما رأيت في الدنيا شيئاً أدنى شبهاً **«بالمهل »** من هذا، يريد أدنى شبهاً بشراب أهل النار، وقالت فرقة ****«المهل »**** : الصديد والدم إذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر الصديق في الكفن :**«إنما هو للمهلة »**، يريد لما يسيل من الميت في قبره، ويقوى هذا بقوله  ويسقى من ماء صديد [(٩)](#foonote-٩) \[ إبراهيم : ١٦ \] الآية. وقوله  يشوي الوجوه  روي في معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال **«تقرب الشربة من الكافر، فإذا دنت منه تكَّرهها، فإذا دنت أكثر شوت وجهه، وسقطت فيها فروة وجهه، وإذا شرب تقطعت أمعاؤه »**[(١٠)](#foonote-١٠) و ********«المرتفق »********، الشيء الذي يرتفق به أي يطلب رفقه، و ********«المرتفق »******** الذي هو المتكأ أخص من هذا الذي في الآية، لأنه في شيء واحد من معنى الرفق، على أن الطبري قد فسر الآية به، والأظهر عندي أن يكون ********«المرتفق »******** بمعنى الشيء الذي يطلب رفقه باتكاء وغيره، وقال مجاهد ********«المرتفق »******** المجتمع كأنه ذهب بها إلى موضع الرفاقة، ومنه الرفقة، وهذا كله راجع إلى الرفق، وأنكر الطبري أن يعرف لقول مجاهد معنى، والقول بين الوجه، والله المعين[(١١)](#foonote-١١).

١ ضبطه في المعنى بفتح القاف والنون وسكون العين، وهو أبو السمال العدوي.
 .
٢ هذان البيتان من أرجوزة قصيرة لرؤبة، وهي في ديوانه ضمن أبيات مفردات منسوبة إليه، والأرجوزة سبعة أبيات، والبيت الثاني في الديوان: (أنت الجواد ابن الجواد المحمود)، أما البيت الثاني هنا فهو هناك الخامس، والبيتان في الأشموني، والعيني، واللسان، والطبري، والقرطبي، والكتاب لسيبويه، وابن يعيش، وقال في العيني: "نسب الجوهري الأبيات إلى رؤبة، وليس بصحيح، بل هي لراجز من بني الحرماز، وكذلك نسب الكتاب البيت الأول لراجز بني الحرماز، والراجز يمدح أحد بني المنذر بن الجارود العبدي، واسمه (حكم)، وقد ولي البصرة لهشام بن عبد الملك، وسمي جده الجارود لأنه أغار على قوم فاكتسح أموالهم، فأشبه السيل الذي يجرد ما يمر عليه. والنحويون يستشهدون بالبيت الأول على إتباع الموصوف للصفة ؛ لأن النعت والمنعوت كاسم ضم إلى اسم، وعلى هذا تبع (حكم) (ابن). أما الشاهد هنا فهو في كلمة (سرادق)، والسرادق: كل ما أحاط بالشيء، نحو الشقة في المضرب (الخيمة)، أو الحائط المشتمل على الشيء، وكل بيت من كرسف فهو سرادق، والكرسف: القطن..
٣ البيت لسلامة بن جندل، الشاعر الجاهلي القديم، من قصيدة له اختارها الأصمعي في كتابه (الأصمعيات)، وعدد أبياتها أربعون بيتا، وهي أيضا في الديوان، والبيت في اللسان – والطبري، والقرطبي. وقد ذكر صاحب اللسان أن الجوهري نسب البيت للأعشى، وصحح هو نسبة البيت. والرواية في اللسان والأصمعيات: (هو المدخل النعمان...)، والبيت المسردق هو أن يكون أعلاه وأسفله مشدودا كله، والشاعر هنا يشير إلى ما فعله كسرى أبرويز من إدخاله النعمان بيتا فيه ثلاثة أفيال فوطئته حتى قتلته، وكما أخطأ الجوهري في نسبة البيت للأعشى أخطأ كذلك حين قال: إن (ابن وبر) قتل النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة، والصواب أنه (أبرويز)..
٤ الآية (٣٠) من سورة (المرسلات)..
٥ أخرجه أحمد، والبخاري في تاريخه، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن يعلى بن أمية، ولفظه كما ذكره السيوطي في الدر المنثور: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن البحر من جهنم) ثم تلا: نارا أحاط بهم سرادقها)..
٦ أخرجه أحمد، والترمذي، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (الدر المنثور)، والكشف: جمع كثيف، وهو الغليظ الثخين..
٧ هذا عجز بيت لعمرو بن معد يكرب، وهو في الكتاب، ونوادر أبي زيد، والعمدة، وابن يعيش، والخزانة، والتصريح، والخصائص، والمرزوقي، والبيت بتمامه:
 وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
 يريد بالخيل: الفرسان، ودلف: زحف، والوجيع: الموجع، يقول: إذا تلاقوا في الحرب جعلوا الضرب الموجع بينهم بدلا من التحية، والشاهد فيه أنه جعل الضرب الموجع تحية على الاتساع والمجاز، وسيبويه يجعل ذلك دليلا على جواز البدل فيما لم يكن من جنس المبدل منه حقيقة. وابن عطية يستشهد بالبيت على أن الآية الكريمة يجوز فيها الاتساع، وجعل المهل الذي يشوي الوجوه قائما مقام الغوث الذي يطلبه أهل النار..
٨ الدردي: ما رسب أسفل العسل والزيت ونحوهما من كل شيء مائع كالأشربة والأدهان. (المعجم الوسيط)..
٩ من الآية (١٦) من سورة (إبراهيم)..
١٠ أخرج الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: \[كالمهل\]، قال: (كعكر الزيت فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه)ن قال القرطبي: "قال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، ورشدين قد تكلم فيه من قبل حفظه، وخرج عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {ويسقى من ماء صديد يتجرعه، قال: (يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله تبارك وتعالى: وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم، ويقول: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا. قال: حديث غريب"..
١١ لم يقل الطبري رحمه الله: إنه لا يعرف لقول مجاهد معنى، وإنما قال بالنص: "ولست أعرف الارتفاق بمعنى الاجتماع في كلام العرب، وإنما الارتفاق: افتعال، إما من المرفق، وإما من الرفق". راجع الجزء ١٦-٢٤٢ من تفسير الطبري..

### الآية 18:30

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [18:30]

قوله عز وجل : إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً  اعتراض مؤكد للمعنى، مذكر بأفضال الله، منبه على حسن جزائه بين قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات  وقوله  أولئك ، فقوله تعالى : أولئك لهم جنات عدن  ابتداء وخبر جملة، هي خبر  إن  الأولى، ونحو هذا من الاعتراض قول الشاعر :\[ البسيط \]
إن الخليفة إن الله ألبسه. . . سربال ملك به ترجى الخواتيم[(١)](#foonote-١)
قال الزجاج : ويجوز أن يكون خبر  إن  في قوله  إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً  لأن المحسنين هم المؤمنون فكأن المعنى : لا يضيع أجرهم. 
قال القاضي أبو محمد : ومذهب سيبويه أن الخبر في قوله  لا نضيع  على حذف العائد تقديره،  من أحسن عملاً  منهم.

١ البيت من شواهد الفراء في (معاني القرآن ٢- ١٤٠)، قال: "خبر الذين آمنوا في قوله: إنا لا نضيع، وهو مثل قول الشاعر: (إن الخليفة إن الله سربله البيت)، كأنه في المعنى: إنا لا نضيع أجر من عمل صالحا، فترك الكلام الأول واعتمد على الثاني بنية التكرار، كما قال تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام، قال: قتال فيه، يريد: عن قتال فيه بالتكرار، ويكون أن تجعل إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في مذهب جزاء، كقولك: إن من عمل صالحا فإنا لا نضيع أجره، فتضمر، فتضمن الفاء في قوله: \[فإنا\] وإلقاؤها جائز، وهي أحب الوجوه إلي، وإن شئت جعلت خبرهم مؤخرا، كأنك قلت: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم جنات عدن". هذا، والسربال: الدرع..

### الآية 18:31

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [18:31]

و **«العدن »** : الإقامة، ومنه المعدن، لأن حجره مقيم فيه ثابت، وقوله  من تحتهم  يريد من تحت غرفهم، ومبانيهم، وقرأ الجمهور **«من أساور »** وروى أبان عن عاصم **«أسورة »** من غير ألف، وبزيادة هاء. وواحد الأساور إسوار، حذفت الياء من الجمع لأن الباب أساوير، وهي ما كان من الحلي في الذراع. وقيل  أساور  جمع إسورة، وإسورة جمع سوار، وإنما الإسوار بالفارسية القائد ونحوه ويقال في حلي الذراع أسوار، ذكره أبو عبيدة معمر ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
والله لولا صبية صغار. . . كأنما وجوهم أقمار
تضمهم من العتيك دار. . . أخاف أن يصيبهم إقتار
أو لاضم ليس له أسوار. . . لما رآني ملك جبار
ببابه ما وضح النهار[(٢)](#foonote-٢). . . أنشده أبو بكر بن الأنباري حاشية في كتاب أبي عبيدة، و **«السندس »** : رقيق الديباج، و ****«الاستبرق »**** ما غلظ منه، وقال بعض الناس هي لفظة أعجمية عربت، وأصلها استبره، وقال بعضهم بل هو الفعل العربي، سمي به فهو استبرق من الريق فغير حين سمي به بقطع الألف، ويقوي هذا القول أن ابن محيصن قرأ **«من سندس وإستبرق »** فجاء موصول الهمزة حيث وقع ولا يجزمه، بل بفتح القاف، ذكره الأهوازي، وذكره أبو الفتح، وقال هذا سهو أو كالسهو و  الأرائك  جمع أريكة هي السرير في المجال، والضمير في قوله  وحسنت  للجنات وحكى النقاش عن أبي عمران الجوني أنه قال :****«الاستبرق »**** الحرير المنسوج بالذهب، وحكى مكي والزهراوي وغيرهما حديثاً مضمنه أن قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات  الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي :**«أعلم قومك أنها نزلت في هؤلاء الأربعة[(٣)](#foonote-٣)، وهم حضور »**.

### الآية 18:32

> ﻿۞ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا [18:32]

الضمير في  لهم  عائد على الطائفة المتجبرة التي أرادت من النبي عليه السلام أن يطرد فقراء المؤمنين  الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي  \[ الكهف : ٢٨ \] وعلى أولئك الداعين أيضاً، فالمثل مضروب للطائفتين، إذ الرجل الكافر صاحب الجنتين هو بإزاء متجبر في قريش أو بني تميم على الخلاف المذكور أولاً، والرجل المؤمن المقر بالربوبية، هو بإزاء بلال وعمار وصهيب وأقرانهم  وحففناهما  بمعنى وجعلنا ذلك لها من كل جهة، تقول حفك الله بخير : أي عمك به من جهاتك، و **«الحفاف »** الجانب من السرير والفدان ونحوه، وظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع وكان موجوداً، وعلى ذلك فسره أكثر أهل هذا التأويل، ويحتمل أن يكون مضروباً بمن هذه صفته وإن لم يقع ذلك في وجود قط، والأول أظهر، وروي في ذلك أنهما كانا أخوين من بني إسرائيل، ورثا أربعة آلاف دينار فصنع أحدهما بماله ما ذكر واشترى عبيداً وتزوج وأثرى ؛ وأنفق الآخر ماله في طاعات الله عز وجل حتى افتقر، والتقيا ففخر الغني ووبخ المؤمن، فجرت بينهما هذه المحاورة، روي أنهما كانا شريكين حدادين، كسبا مالاً كثيراً وصنعا نحو ما روي في أمر الأخوين، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه، وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد، أن بحيرة تنيس[(١)](#foonote-١) كانت هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين، فباع أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفق في طاعة الله حتى عيره الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة، قال : فغرقها الله في ليلة، وإياها عنى بهذه الآية، وفي بسط قصصهما طول فاختصرته واقتصرت على معناه لقلة صحته، ولأن في هذا ما يفي بفهم الآية، وتأمل هذه الهيئة التي ذكر الله، فإن المرء لا يكاد يتخيل أجمل منها في مكاسب الناس : جنتا عنب أحاط بهما نخل، بينهما فسحة، هي مزدرع لجميع الحبوب، والماء الغيل[(٢)](#foonote-٢) يسقى جميع ذلك من النهر الذي قد جمل هذا المنظر، وعظم النفع، وقرب الكد، وأغنى عن النواضح وغيرها.

١ ضبطها الحموي في (معجم البلدان) بكسر التاء والنون مع تشديد النون، وقال: هي جزيرة في بحر مصر قريبة من البر، ما بين الفرما ودمياط، ثم وصف بحيرتها، وتكلم عن تاريخها وعلمائها وأطال في ذلك. فهل هي المقصودة هنا؟.
٢ الغيل: الماء الجاري على وجه الأرض، وقد نقل أبو حيان في البحر كلام ابن عطية هنا، وجاءت العبارة فيه: "والماء المعين يسقي جميع ذلك"..

### الآية 18:33

> ﻿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا [18:33]

وقرأ الجمهور ****«كلتا »****، وفي مصحف عبد الله **«كلا »**، والتاء في ****«كلتا »**** منقلبة من واو عند سيبويه وهو بالتاء أو بغير التاء اسم مفرد واقع على الشيء المثنى، وليس باسم مثنى، ومعناه كل واحدة منهما[(١)](#foonote-١) و **«الأكل »** ثمرها الذي يؤكل منها، قال الفراء : وفي قراءة ابن مسعود **«كل الجنتين آتى أكله »**، وقوله  ولم تظلم منه شيئاً  أي لم تنقص عن العرف الأتم الذي يشبه فيها، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
تظلمني مالي كذا لوى يدي. . . لوى يده الله الذي هو غالبه
وقرأ الجمهور **«وفجّرنا »** بشد الجيم، وقرأ سلام، ويعقوب وعيسى بن عمر. 
**«وفجَرنا »** بفتح الجيم دون شد، وقرأ الجمهور ****«نهْراً »**** بفتح الهاء. وقرأ أبو السمال، والفياض بن غزوان، وطلحة بن سليمان :****«نهْراً »**** بسكون الهاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن عباس ومجاهد وجماعة قراء المدينة ومكة.

١ هذا هو مذهب البصريين، وقالوا: إن كلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير "كل" في المجموع. وقال الفراء "كلا" مثنى، وهو مأخوذ من "كل"، فخففت اللام زيدت الألف للتنثنية، وكذلك "كلتا" للمؤنث، ولا يكونان إلا مضافين، ولا يتكلم بواحد، ولو تكلم به لقيل: "كل" و "كلت"، واستدل على ذلك بشواهد من الشعر، ورد البصريون على ذلك بكلام تجده في كتب النحو، وقد ذكره بعض المفسرين وأطال فيه..

### الآية 18:34

> ﻿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [18:34]

**«ثُمُر »** و **«بثُمُره »** \[ الكهف : ٤٢ \] بضم الثاء والميم، جمع ثمار وقرأ أبو عمرو والأعمش وأبو رجاء بسكون الميم فيهما تخفيفاً، وهي في المعنى كالأولى، ويتجه أن يكون جمع ثمرة كبدنة وبدن، وقرأ عاصم **«ثَمَر »** وبثمره يفتح الميم والثاء فيهما، وهي قراءة أبي جعفر والحسن وجابر بن زيد والحجاج، واختلف المتأولون في ****«الثمُر »**** بضم الثاء والميم، فقال ابن عباس وقتادة :**«الثُّمُر »** جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، ويستشهد لهذا القول ببيت النابغة الذبياني :\[ البسيط \]
وما أثمّر من مال ومن ولد[(١)](#foonote-١). . . وقال مجاهد يراد بها الذهب والفضة خاصة، وقال ابن زيد ****«الثمُر »**** هي الأصول التي فيها الثمر. 
قال القاضي أبو محمد : كأنها ثمار وثمر ككتاب وكتب، وأما من قرأ بفتح الثاء والميم، فلا إشكال في أن المعنى ما في رؤوس الشجر من الأكل، ولكن فصاحة الكلام تقتضي أن يعبر إيجازاً عن هلاك الثمر والأصول بهلاك الثمر فقط، فخصصها بالذكر إذ هي مقصود المستغل، وإذ هلاك الأصول إنما يسوء منه هلاك الثمر الذي كان يرجى في المستقبل كما يقتضي قوله إن له **«ثمراً »**، إن له أصولاً كذلك تقتضي الإحاطة المطلقة بالثمر، و الأصول قد هلكت، وفي مصحف أبي **«وآتيناه ثمراً كثيراً »** وقرأ أبو رجاء **«وكان له ثَمر »** بفتح الثاء وسكون الميم، والمحاورة مراجعة القول، وهو من حار يحور. واستدل بعض الناس من قوله  وأعز نفراً  على أنه لم يكن أخاه، وقال المناقض أراد ب **«النفر »** العبيد والخول، إذ هم الذين ينفرون في رغائبه، وفي هذا الكلام من الكبر والزهو والاغترار ما بيانه يغني عن القول فيه، وهذه المقالة بإزاء قول عيينة والأقرع للنبي صلى الله عليه وسلم نحن سادات العرب وأهل الوبر والمدر، فنح عنا سلمان وقرناءه. 
١ هذا عجز بيت قاله النابغة من قصيدته المعروفة التي مدح بها النعمان بن المنذر، واعتذر إليه مما بلغه عنه في أمر المتجردة، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأر من الأسد
 مهلا فداء لك الأقوام كلهـــم وما أثمر من مال ومن ولـــد
 وابن عطية يشير بهذا البيت إلى أن (الثمر) بضم الثاء والميم هو الذهب والفضة وغير ذلك؛ إذ أن النابغة سحب التثمير على المال والولد..

### الآية 18:35

> ﻿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا [18:35]

أفرد الجنة من حيث الوجود كذلك، إذ لا يدخلهما معاً في وقت واحد، و **«ظلمه لنفسه »** : كفره وعقائده الفاسدة في الشك في البعث، فقد نص على ذلك قتادة وابن زيد، وفي شكه في حديث العالم إن كانت إشارته ب  هذه  إلى الهيئة من السماوات والأرض وأنواع المخلوقات، وإن كانت إشارته إلى جنته فقط، فإنما في الكلام تساخف واغترار مفرط وقلة تحصيل، وكأنه من شدة العجب بل والسرور أفرط في وصفها بهذا القول.

### الآية 18:36

> ﻿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [18:36]

ثم قاس أيضاً الآخرة على الدنيا، وظن أنه لم يمل[(١)](#foonote-١) له في دنياه إلا لكرامة يستوجبها في نفسه، قال : فإن كان ثم رجوع كما يزعم فستكون حالي كذا وكذا، وليست مقالة العاصي بن وائل لخباب على حد هذه، بل قصد العاصي الاستخفاف على جهة التصميم على التكذيب وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وابن الزبير، وثبت في مصاحف المدينة **«منهما »** يريد الجنتين المذكورتين أولاً، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والعامة، وكذلك هو مصحف أهل البصرة **«منها »** يريد الجنة المدخولة.

### الآية 18:37

> ﻿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [18:37]

وقوله  قال له صاحبه  حكاية أن المؤمن من الرجلين لما سمع كلام الكافر وقفه على جهة التوبيخ على كفر بالله تعالى، وقرأ أبي بن كعب :**«وهو يخاصمه »**، وقرأ ثابت البناني، **«ويلك أكفرت »**، ثم جعل يعظم الله تعالى عنده بأوصاف تضمنت النعم والدلائل على جواز البعث من القبور، وقوله  من تراب  إشارة إلى آدم عليه السلام، وقوله  سواك رجلاً  كما تقول سواك شخصاً أو حياً، أو نحو هذا من التأكيدات، وقد يحتمل أن قصد تخصيص الرجولة، على وجه تعديد النعمة، في أن لم يكن أنثى ولا خنثى، وذكر الطبري نحو هذا.

### الآية 18:38

> ﻿لَٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا [18:38]

واختلف القراءة في قوله  لكنا  فقرأ ابن عامر ونافع في رواية المسيبي ********«لكنا »******** في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ****«لكن »**** في الوصل و ********«لكنا »******** في الوقف، ورجحها الطبري، وهي رواية ورش وقالون عن نافع، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والحسن **«لكن أنا هو الله ربي »**، وقرأ عيسى الثقفي والأعمش بخلاف **«لكن هو الله ربي »** فأما هذه الأخيرة فبين على الأمر والشأن، وأما الذي قبلها فعلى معنى لكن أنا أقول ومن هذه الفرقة، من قرأ ****«لكننا »****، على حذف الهمزة وتخفيف النونين، وفي هذا نظر، وأما من قرأ ****«لكننا »****، فأصله عنده لكن أنا : حذفت الهمزة على غير قياس، وأدغمت النون في النون، وقد قال بعض النحويين : نقلت حركة الهمزة إلى النون فجاء لكننا، ثم أدغمت بعد ذلك فجاء ********«لكنا »********، فرأى بعض القراء أن بالإدغام استغني عن الألف الأخيرة، فمنهم من حذفها في الوصل، ومنهم من أثبتها في الوصل والوقف، ليدل على أصل الكلمة، ويتوجه في ********«لكنا »******** أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في **«خرجنا وضربنا »**، ووقع الإدغام لاجتماع المثلين، ثم وجد في  ربي  على المعنى، ولو اتبع اللفظ لقال ربنا ذكره أبو علي، ويترجح بهذا التعليل قول من أثبت الألف في حال الوصل، والوقف، ويتوجه في  لكنا  أن تكون المشهورة من أخوات إن، المعنى : لكن قولي : هو  الله ربي ، أما أني لا أعرف من يقرأ بها وصلاً ووقفاً، وذلك يلزم من يوجه هذا الوجه، وروى هارون عن أبي عمرو **«ولكنه هو الله ربي »** بضمير لحق ****«لكن »**** وباقي الآية بين.

### الآية 18:39

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [18:39]

وقوله  ولولا إذ دخلت جنتك  الآية : وصية من المؤمن للكافر،  ولولا  تحضيض، بمعنى هلا و  ما  يحتمل أن تكون بمعنى الذي، بتقدير الذي إن شاء الله كائن، وفي  شاء  ضمير عائد، ويحتمل أن تكون شرطية، بتقدير ما شاء الله كان، ويحتمل أن تكون خبر ابتداء محذوف تقديره هو ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، وقوله  لا قوة إلا بالله  تسليم وضد لقول الكافر  ما أظن أن تبيد هذه أبداً  وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة **«ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة ؟ قال بلى يا رسول الله، قال  لا قوة إلا بالله  إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم »**[(٢)](#foonote-٢)، وفي حديث أبي موسى : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له **«يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ »** قال افعل يا رسول الله، قال **«لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم »**[(٣)](#foonote-٣)، واختلفت القراءة في حذف الياء من  ترن  وإثباتها فأثبتها ابن كثير وصلاً ووقفاً، وحذفها ابن عامر وعاصم وحمزة فيهما، وأثبتها نافع وأبو عمرو في الوصل فقط، وقرأ الجمهور **«أقلَّ »** بالنصب على المفعول الثاني، وقوله  أنا  فاصلة ملغاة وقرأ عيسى بن عمر :**«أقلُّ »** بالرفع، على أن يكون  أنا  مبتدأ و **«أقل »** خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني، والرؤية، رؤية القلب في هذه الآية.

### الآية 18:40

> ﻿فَعَسَىٰ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [18:40]

هذا الترجي ب **«عسى »** يحتمل أن يريد به في الدنيا، ويحتمل أن يريد به في الآخرة، وتمني ذلك في الآخرة أشرف مقطعاً، وأذهب مع الخير والصلاح، وأن يكون ذلك يراد به الدنيا أذهب في نكاية المخاطب، وأشد إيلاماً لنفسه، و **«الحسبان »** العذاب كالبرد والصر ونحوه، واحد الحسبان : حسبانة، وهي المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وهي أيضاً سهام ترمى دفعة بآلة لذلك، و **«الصعيد »** وجه الأرض و **«الزلق »** الذي لا تثبت فيه قدم، يعني أنه تذهب أشجاره ونباته، ويبقى أرضاً قد ذهبت منافعها، حتى منفعة المشي فيها، فهي وحل لا تنبت ولا تثبت فيه قدم.

### الآية 18:41

> ﻿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا [18:41]

و **«الغور »** مصدر يوصف به الماء المفرد والمياه الكثيرة، كقولك رجل عدلٍ وامرأة عدل ونحوه، ومعناه ذاهباً في الأرض لا يستطاع تناوله وقرأت فرقة **«غَوراً »**، وقرأ فرقة **«غُوراً »**، بضم الغين، وقرأت فرقة **«غُؤراً »**، بضم الغين وهمز الواو، و **«غور »** مثل نوح، يوصف به الواحد والجمع المذكر والمؤنث، ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]
تظل جيادها نوحاً عليه. . . مقلدة أعنتها صفونا[(١)](#foonote-١)
وهذا كثير، وباقي الآية بين.

١ البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته المشهورة، والرواية في شرح الأنباري والتبريزي والزوزني: (تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة...)، وكذلك أجمعت كل المصادرعلى رواية: (تظل جياده) بخلاف ما هو ثابت هنا، والضمير يعود على السيد الذي قتلوه وأبو الخضوع له في قوله قبل هذا البيت:
 وسيد معشر قد توجــــــوه بتاج الملك يحمي المحجرينا
 والصفون: جمع صافن، يقال: صفن الفرس صفونا: إذا قام على ثلاث، وثنى سنبكه الرابع، والشاهد أن (نوحا) هنا جاءت وصفا للجمع، والمعنى: نائحات عليه، قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: "والعرب قد تصف الفاعل بمصدره، وكذلك الاثنين والجمع، على لفظ المصدر، قال عمرو بن كلثوم: تظل جياده نوحا عليه... البيت"..

### الآية 18:42

> ﻿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا [18:42]

وقوله تعالى  وأحيط بثمره  الآية، هذا خبر من الله عن إحاطة العذاب بحال هذا المثل به، وقد تقدم القول في الثمر، غير أن الإحاطة كناية عن عموم العذاب والفساد، و  يقلب كفيه  يريد يضع بطن إحداهما على ظهر الأخرى، وذلك فعل المتلهف المتأسف على فائت وخسارة ونحوها، ومن عبر بيصفق فلم يتقن، وقوله  خاوية على عروشها  يريد أن السقوف وقعت، وهي العروش، ثم تهدمت الحيطان عليها، فهي خاوية، والحيطان على العروش  ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً  قال بعض المفسرين : هي حكاية عن قول الكافر هذه المقالة في الآخرة، ويحتمل أن يريد أنه قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلول المصيبة ويكون فيها زجر للكفرة من قريش أو غيرهم، لئلا تجيء لهم حال يؤمنون فيها بعد نقم تحل بهم.

### الآية 18:43

> ﻿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [18:43]

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وأبو عمرو والحسن وأبو جعفر وشيبة :**«ولم تكن »** بالتاء على لفظة الفئة، وقرأ حمزة والكسائي ومجاهد وابن وثاب **«ولم يكن »** بالياء على المعنى، **«الفئة »** الجماعة التي يلجأ إلى نصرها، قال مجاهد هي العشيرة. 
قال القاضي أبو محمد : وهي عندي من فاء يفيء وزنها فئة، حذفت العين تخفيفاً[(١)](#foonote-١)، وقد قال أبو علي وغيره : هي من فاوت وليست من فاء، وهذا الذي قالوه أدخل في التصريف، والأول أحكم في المعنى، وقرأ ابن أبي عبلة :**«فئة تنصره »**.

١ في اللسان: "الفئة: الطائفة، والهاء عوض عن الياء التي نقصت من وسطه، أصله فيء، مثال فيع ؛ لأنه من فاء، ويجمع: فئون وفئات. وقال ابن بري: هذا الذي قاله الجوهري سهو، وأصله فثو مثل فعو، فالهمزة عين لا لام، والمحذوف لامها وهو الواو"..

### الآية 18:44

> ﻿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا [18:44]

وقوله  هنالك  يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله  منتصراً  ويحتمل أن تكون  الولاية  مبتدأ، و  هنالك  خبره، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب **«الوِلاية »** بكسر الواو، وهي بمعنى الرياسة والزعامة ونحوه، وقرأ الباقون **«الوَلاية »** بفتح الواو وهي بمعنى الموالاة والصلة ونحوه، ويحكى عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن، لأن فعالة، إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلداً، وليس هنا تولي أمر الموالاة، وقرأ أبو عمرو والكسائي **«الحق »** بالرفع على جهة النعت ل  الولاية ، وقرأ الباقون **«الحقِّ »** بالخفض على النعت  لله  عز وجل، وقرأ أبو حيوة **«لله الحقَّ »** بالنصب وقرأ الجمهور **«عُقُباً »** بضم العين والقاف وقرأ عاصم وحمزة والحسن **«عُقْباً »** بضم العين وسكون القاف وتنوين الباء، وقرأ عاصم أيضاً **«عقبى »** بياء التأنيث[(١)](#foonote-١)، والعُقُب والعُقْب بمعنى العاقبة.

١ هذه من رواية أبي بكر عن عاصم، أما القراءة السابقة عن عاصم بضم العين وسكون القاف فهي من رواية حفص عنه..

### الآية 18:45

> ﻿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [18:45]

قوله  الحياة الدنيا  يريد حياة الإنسان بما يتعلق بها من نعم وترفه، وقوله  كماء  يريد هي كماء، وقوله  فاختلط به  أي فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء، فالباء في  به  باء السبب، فأصبح عبارة عن صيرورته إلى ذلك، لا أنه[(١)](#foonote-١) أراد اختصاصاً بوقت الصباح، وهذا كقول الشاعر الربيع بن ضبع :\[ المنسرح \]
أصبحت لا أحمل السلاح ولا. . . أملك رأس البعير إن نفرا[(٢)](#foonote-٢)
و **«الهشيم »** المتفتت من يابس العشب، ومنه قوله تعالى  كهشيم المحتظر [(٣)](#foonote-٣) \[ القمر : ٣١ \] ومنه هشم الثريد، و  تذروه ، بمعنى تفرقه، وقرأ ابن عباس :**«تذريه »**، والمعنى : تقلعه وترمي به، وقرأ الحسن **«تذروه الريح »** بالإفراد، وهي قراءة طلحة والنخعي والأعمش وقوله : وكان الله  عبارة للإنسان عن أن الأمر قبل وجود الإنسان هكذا كان، إذ نفسه حاكمة بذلك في حال عقله، هذا قول سيبويه، وهو معنى صحيح وقال الحسن  كان  : إخبار عن الحال قبل إيجاد الموجودات، أي إن القدرة كانت، وهذا أيضاً حسن، فمعنى هذا التأويل تشبيه حال المرء في حياته وماله وعزته وزهوه وبطره بالنبات الذي خضرة ونضرة عن المطر النازل، ثم يعود بعد ذلك  هشيماً  ويصير إلى عدم، فمن كان له عمل صالح، يبقى في الآخرة فهو الفائز، فكأن الحياة بمثابة الماء والخضرة، والنضارة بمنزلة النعيم والعزة، ونحوه.

١ في أكثر الأصول: (لأنه)، وهو خطأ من النساخ..
٢ الربيع بن ضبع بن وهب الفزاري، من المعمرين، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهذا البيت خامس سبعة أبيات قالها لما بلغ الأربعين بعد المائتين، وقد بدأ الأبيات بقوله: ٣
 أصبح مني الشباب قد حســـرا إن ينأ عني فقد ثوى عصرا
 **وختمها بقوله:**
 من بعد ما قوة أسر بها أصبحت شيخا أعالج الكبرا
 وقد استشهد المفسرون بقوله: (أصبحت لا أحمل... البيت) عند تفسير قوله تعالى في سورة (يسن): فهم لها مالكون، على أن الملك بمعنى الضبط والتسخير، لأن معنى (لا أملك البعير): لا أضبطه ولا أتحكم فيه، كما استشهدوا به هنا دليلا على أن (أصبح) بمعنى: (صار)، وليست مختصة بوقت الصباح..
٣ من الآية (٣١) من سورة (القمر)..

### الآية 18:46

> ﻿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [18:46]

وقوله  المال والبنون زينة الحياة الدنيا  لفظ الخبر، لكن معه قرينة الضعة للمال والبنين لأنه في المثل، قبل حقر أمر الدنيا وبنيه، فكأنه يقول في هذه : إنما المال والبنون زينة هذه الحياة المحقرة، فلا تتبعوها نفوسكم، وقوله  زينة  مصدر، وقد أخبر به عن أشخاص فإما أن يكون على تقدير محذوف، وتقديره مقر زينة الحياة الدنيا، وما أن نضع المال والبنين بمنزلة الغنى والكثرة، واختلف الناس في  الباقيات الصالحات  فقال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل : هي الصلوات الخمس وقال الجمهور هي الكلمات المأثور فضلها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، روي في هذا حديث :**«أكثروا من الباقيات الصالحات »**[(١)](#foonote-١)، وقاله أيضاً ابن عباس، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة وغيره أن هذه الكلمات هي الباقيات الصالحات[(٢)](#foonote-٢)، وقال ابن عباس أيضاً  الباقيات الصالحات  : كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة ورجحه الطبري[(٣)](#foonote-٣)، وقال ابن عباس بكل الأقوال دليل على قوله بالعموم، وقوله  خير ثواباً وخير أملاً  صاحبها ينتظر الثواب وينبسط على خير من حال ذي المال والبنين دون عمل صالح.

١ أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (استكثروا من الباقيات الصالحات)، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: (التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله). (الدر المنثور)..
٢ أخرجه النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الصغير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا جنتكم)، قيل: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: (لا، بل جنتكم من النار: قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات محسنات، وهن الباقيات الصالحات). (الدر المنثور)..
٣ وكذلك اختاره القرطبي، قال: "وهو الصحيح إن شاء الله ؛ لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا"..

### الآية 18:47

> ﻿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [18:47]

وقوله تعالى : ويوم نسير الجبال  الآية التقدير : واذكر يوم، وهذا أفصح ما يتأول في هذا هنا، وقرأ نافع والأعرج وشيبة وعاصم وابن مصرف وأبو عبد الرحمن **«نسير »** بنون العظمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى :**«تسيَّر »** بالتاء، وفتح الياء المشددة **«الجبالُ »** رفع، وقرأ الحسن :**«يُسيَّر »** بياء مضمونة، والثانية مفتوحة مشددة، ****«الجبال »**** رفعاً، وقرأ ابن محيصن **«تَسِير »** : بتاء مفتوحة وسين مكسورة، أسند الفعل إلى ****«الجبال »****، وقرأ أبي بن كعب **«ويوم سيرت الجبال »**. 
وقوله  بارزة  إما أن يريد أن الأرض، لذهاب الجبال والظراب والشجر، برزت وانكشفت، وإما أن يريد : بروز أهلها، والمحشورين من سكان بطنها  وحشرناهم  أي أقمناهم من قبورهم، وجعلناهم لعرضة القيامة، وقرأ الجمهور **«نغادر »** بنون العظمة، وقرأ قتادة :**«تغادر »** على الإسناد إلى القدرة أو إلى الأرض، وروى أبان بن يزيد عن عاصم :**«يغادَر »** بياء وفتح الدال **«أحدُ »** بالرفع، وقرأ الضحاك **«فلم نُغْدِر »** بنون مضمومة وكسر الدال وسكون الغين، والمغادرة : الترك، ومنه غدير الماء، وهو ما تركه السيل.

### الآية 18:48

> ﻿وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [18:48]

وقوله  صفاً  إفراد نزل منزلة الجمع، أي صفوفاً، وفي الحديث الصحيح يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفاً يسمعهم الداعي وينفدهم البصر، الحديث[(١)](#foonote-١) بطوله، وفي حديث آخر **«أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفاً، أنتم منها ثمانون صفاً »**[(٢)](#foonote-٢)، وقوله تعالى : لقد جئتمونا  إلى آخر الآية مقاولة للكفار المنكرين[(٣)](#foonote-٣) للبعث، ومضمنها التقريع والتوبيخ، والمؤمنون المعتقدون في الدنيا أنهم يبعثون يوم القيامة، لا تكون لهم هذه المخاطبة بوجه وفي الكلام حذف ويقتضيه القول ويحسنه الإيجاز تقديره : يقال للكفرة منهم،  كما خلقناكم أول مرة  يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً  كما بدأنا أول خلق نعيده [(٤)](#foonote-٤) \[ الأنبياء : ١٠٤ \].

١ أخرجه البخاري في الأنبياء، وتفسير سورة الإسراء، ومسلم في الإيمان والبر، والترمذي في القيامة، والدارمي في الرقاق، وأحمد في مسنده، وهو حديث طويل، عن أبي هريرة، ولفظه كما في البخاري في تفسير سورة الإسراء، قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع ـ وكانت تعجبه ـ فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟...) وهو حديث طويل عن الشفاعة يوم القيامة..
٢ أخرجه ابن ماجه في الزهد، والترمذي في الجنة، والدارمي في الرقاق، وأحمد في مسنده (١ـ٤٥٣)، ولفظه كما جاء في المسند، عن ابن مسعود، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنتم وربع أهل الجنة، لكم ربعها ولسائر الناس ثلاثة أرباعها، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فكيف أنتم وثلثها؟ قالوا: فذاك أكثر، فقال: فكيف أنتم والشطر؟ قالوا: فذلك أكثر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون صفا)..
٣ في بعض النسخ: "مقاولة للكفار المنكرين"..
٤ أخرجه مسلم في الجنة، والبخاري في التفسير والأنبياء، والترمذي في القيامة والتفسير، والنسائي في الجنائز، وأحمد في مسنده (١ـ٢٢٣، ٢٢٩)، ولفظه كما في مسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا)، قلت: يا رسول الله الرجال و النساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: (يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض)، ومعنى غرلا: غير مختونين. وقوله تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده من الآية (١٠٤) من سورة (الأنبياء)..

### الآية 18:49

> ﻿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [18:49]

الكتاب  اسم جنس، يراد به كتب الناس التي أحصاها الحفظة لواحد واحد، ويحتمل أن يكون الموضوع كتاباً واحداً حاضراً، و **«إشفاق المجرمين »** : فزعهم من كشفه لهم وفضحه فشكاية المجرمين إنما هي من الإحصاء لا من ظلم ولا حيف، وقدم الصغيرة اهتماماً بها، لينبه منها، ويدل أن الصغيرة إذا أحصيت، فالكبيرة أحرى بذلك، والعرب أبداً تقدم في الذكر الأقل من كل مقترنين، ونحو هذا هو قولهم : القمران والعمران[(١)](#foonote-١)، سموا باسم الأقل تنبيهاً منهم، وقال ابن عباس :**«الصغيرة »** الضحك، وهذا مثال، وباقي الآية بين. 
١ "القمران" تقال للشمس والقمر، و "العمران" تقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويسمى هذا التغليب..

### الآية 18:50

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [18:50]

وقوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة  الآية، هذه الآية مضمنها تقريع الكفرة وتوقيفهم على خطاياهم في ولايتهم العدو دون الذي أنعم بكل نعمه على العموم، صغيرها وكبيرها، وتقدير الكلام : واذكر إذ قلنا، وتكررت هذه العبارة حيث تكررت هذه القصة، إذ هي توطئة النازلة فأما ذكر النازلة هنا فمقدمة للتوبيخ، وذكرها في البقرة إعلام بمبادىء الأمور، واختلف المتأولون في السجود لآدم فقالت فرقة هو السجود المعروف، ووضع الوجه بالأرض، جعله الله تعالى من الملائكة عبادة له وتكرمة لآدم، فهذا كالصلاة للكعبة، وقالت فرقة بل كان إيماء منهم نحو الأرض، وذلك يسمى سجوداً لأن السجود في كلام العرب عبارة عن غاية التواضع، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
ترى الأكم فيه سجداً للحوافر[(١)](#foonote-١). . . وهذا جائز أن يكلفه قوم، فمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم **«قوموا إلى سيدكم »**[(٢)](#foonote-٢)، ومنه تقبيل أبي عبيدة بن الجراح يد عمر بن الخطاب حين تلقاه في سفرته إلى الشام، ذكره سعيد بن منصور في مصنفه، وقوله  إلا إبليس  قالت فرقة هو استثناء منقطع، لأن  إبليس  ليس من الملائكة، بل هو من الجن، وهم الشياطين المخلوقين من مارج من نار، وجميع الملائكة إنما خلقوا من نور، واختلفت هذه الفرقة فقال بعضها إبليس من الجن، وهو أولهم، وبدءتهم، كآدم من الإنس، وقالت فرقة بل كان إبليس وقبيله جناً، لكن جميع الشياطين اليوم من ذريته، فهو كنوح في الإنس، احتجوا بهذه الآية، وتعنيف  إبليس  على عصيانه يقتضي أنه أمر مع الملائكة، وقالت فرقة إن الاستثناء متصل، وإبليس من قبيل الملائكة خلقوا من نار، فإبليس من الملائكة وعبر عن الملائكة بالجن من حيث هم مستترون، فهي صفة تعم الملائكة والشياطين، وقال بعض هذه الفرقة كان في الملائكة صنف يسمى الجن وكانوا في السماء الدنيا وفي الأرض، وكان إبليس مدبر أمرهم ولا خلاف أن إبليس كان من الملائكة في المعنى، إذ كان متصرفاً بالأمر والنهي، مرسلاً، والملك مشتق من المالكة، وهي الرسالة[(٣)](#foonote-٣)، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول  اسجدوا  وفي سورة البقرة وسورة الأعراف استيعاب هذه الأمور، وقوله  ففسق  معناه فخرج وانتزح، وقال رؤبة :\[ الرجز \]
تهوين في نجد وغوراً غائراً. . . فواسقاً عن قصدها جوائرا[(٤)](#foonote-٤)
ومنه قال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت النواة إذا خرجت عن الثمرة، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وجميع هذا الخروج المستعمل في هذه الأمثلة، إنما هو في فساد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم **«خمس فواسق يقتلن في الحرم[(٥)](#foonote-٥) إنما هن مفسدات »** وقوله  عن أمر ربه  يحتمل أن يريد خرج عن أمر ربه إياه، أي فارقه كما فعل الخارج عن طريق واحد، أي منه، ويحتمل أن يريد فخرج عن الطاعة بعد أمر ربه بها، و  عن  قد تجيء بمعنى بعد في مواضع كثيرة، كقولك أطعمتني عن جوع، ونحوه، فكأن المعنى : فسق بعد أمر ربه بأن يطيع ويحتمل أن يريد فخرج بأمر ربه أي بمشيئته ذلك له ويعبر عن المشيئة ب **«الأمر »**، إذ هي أحد الأمور، وهذا كما تقول فعلت ذلك عن أمرك أي بجدك وبحسب مرادك، وقال ابن عباس في قصص هذه الآية : كان إبليس من أشرف صنف، وكان له سلطان السماء وسلطان الأرض، فلما عصى صارت حاله إلى ما تسمعون، وقال بعض العلماء إذا كانت خطيئة المرء من الخطأ فلترجه، كآدم، وإذا كانت من الكبر، فلا ترجه، كإبليس، ثم وقف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله  أفتتخذونه  يريد أفتتخذون إبليس، وقوله  وذريته  ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين الذين يأمرون بالمنكر ويحملون على الأباطيل، وذكر الطبري أن مجاهداً قال : ذرية إبليس الشيطان، وكان يعدهم : زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل سوق، وتبن[(٦)](#foonote-٦) صاحب المصائب، والأعور صاحب الربا، ومسوط صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلاً، وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح فلذلك اختصرته، وقد طول النقاش في هذا المعنى، وجلب حكايات تبعد من الصحة، فتركتها إيجازاً، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للوضوء[(٧)](#foonote-٧) والوسوسة شيطاناً يسمى خنزت، وذكر الترمذي أن للوضوء شيطاناً يسمى الولهان والله العليم بتفاصيل هذه الأمور لا رب غيره، وقوله  وهم لكم عدو  أي أعداء، فهو اسم جنس، وقوله  بئس للظالمين بدلاً  أي بدل ولاية لله عز وجل بولاية إبليس وذريته، وذلك هو التعوض من الجن بالباطل، وهذا هو نفس الظلم، لأنه وضع الشيء في غير موضعه.

١ هذا عجز بيت قاله زيد الخيل بن مهلهمل. وهو في اللسان (سجد)، وفي الطبري، والبيت بتمامه:
 بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
 والبلق: سواد وبياض في اللون، والحجرات: الجوانب والنواحي، والأكم: جمع أكمة (جمع الجمع). وهي التل، أو المكان المرتفع، والسجود: الخضوع، وهو موضع الشاهد هنا. هذا وكان زيد الخيل قد أسلم وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم "زيد الخير"، ثم مات عقب وفادته على النبي صلى الله عليه وسلم..
٢ أخرجه البخاري في العتق والاستئذان، وأبو داود في الأدب، وأحمد في مسنده (٣ـ٢٢)، ولفظه كما في المسند: عن أبي سعيد الخدري، قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتاه على حمار، قال: فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى سيدكم أو خيركم)، ثم قال: (إن هؤلاء نزلوا على حكمك)، قال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد قضيت بحكم الله)، وربما قال: (قضيت بحكم الملك)..
٣ قال أبو عبيدة: "هو من لأك إذا أرسل، والألوكة والمألكة والمألكة: الرسالة. قال الشاعرـ عدي بن زيد ـ: 
 أبلغ النعمان عني مألكـــــــــــا إنني قد طال حبسي وانتظاري.
٤ هذان بيتان من مشطور الرجز من الأبيات المتفرقة المنسوبة إلى رؤبة، وهما في آخر ديوانه، ومعهما بيت ثالث، نصه:
 يسلكن في نجد وغورا غائرا
 هكذا كالبيت الأول فيما عدا الكلمة الأولى، والنجد: الأرض المرتفعة، والغور: الأرض المنخفضة، والقصد: الهدف والغرض، وجار عن القصد: مال عنه وحاد وعدل. والفواسق: جمع فاسق، وهو الذي خرج عن قصده السليم، وهو موضع الشاهد هنا..
٥ أخرجه البخاري في الصيد وبدء الخلق، ومسلم والترمذي في الحج، والنسائي في المناسك، وأحمد في المسند (١ـ٢٥٧، ٦ـ١٦٤، ٢٥٩)، ولفظه كما في المسند، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (خمس كلهن فاسقة، يقتلهن المحرم، ويقتلن في الحرم)، وفي رواية من طريق الليث عن طاوس حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الخمسى، وهي (الفأرة، والعقرب، والحية، والكلب العقور، والغراب)..
٦ هكذا في الأصول، والذي وجدناه في الطبري والقرطبي هو "ثبر" بالراء، وعلى كل فجميع هذه الأسماء موضع تحريف، وما أصدق ابن عطية حين أعرض عن ذكر الكثير مما نراه عند غيره من المفسرين، وقال: "وهذا وما جانسه مما لم يأت به خبر صحيح"..
٧ في بعض النسخ: "من أن للصلاة"..

### الآية 18:51

> ﻿۞ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [18:51]

الضمير في  أشهدتهم  عائد علىلكفار، وعلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين، وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء، وسواهم من كل من يتخوض في هذه الأشياء. 
قال القاضي أبو محمد : وحدثني أبي رضي الله عنه، قال : سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاد المهدوي بالمهدية، يقول سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول ويتأول هذا التأويل في هذه الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر هذا بعض الأصوليين، وقيل الضمير في  أشهدتهم  عائد على ذرية إبليس، فهذه الآية، على هذا تتضمن تحقيرهم، والقول الأول أعظم فائدة، وأقول : إن الغرض المقصود أولاً بالآية، هم إبليس وذريته، وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة وعلى الكهان والعرب المصدقين لهم والمعظمين للجن حين يقولون أعوذ بعزيز هذا الوادي، إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته، وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأول ب  المضلين ، وتندرج هذه الطوائف في معناهم، وقرأ الجمهور، **«وما كنتُ »** وقرأ أبو جعفر والجحدري والحسن بخلاف **«وما كنتَ »**[(١)](#foonote-١)، والصفة ب  المضلين ، تترتب في الطوائف المذكورة، وفي ذرية إبليس لعنه الله، و **«العضد »** استعارة للمعين المؤازر، وهو تشبيه بالعضد للإنسان الذي يستعين به، وقرأ الجمهور **«عَضُداً »** بفتح العين وضم الضاد، وقرأ أبو عمرو والحسن بضمهما، وقرأ الضحاك بكسر العين وفتح الضاد، وقرأ عكرمة **«عُضْداً »** بضم العين وسكون الضاد، وقرأ عيسى بن عمر **«عَضَداً »** بفتح العين والضاد، وفيه لغات غير هذا لم يقرأ بها.

١ بفتح التاء، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والضبط عن كتب التفسير والقراءات..

### الآية 18:52

> ﻿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [18:52]

وقوله  ويوم يقول  الآية وعيد، المعنى واذكر يوم، وقرأ طلحة ويحيى والأعمش وحمزة **«نقول »** بنون العظمة، وقرأ الجمهور بالياء أي **«يقول »** الله تعالى للكفار الذين أشركوا به من الدنيا سواه : نادوا شركائي  أي على وجه الاستغاثة بهم، وقوله  شركائي  أي على دعواكم أيها المشركون وقد بين هذا بقوله  الذين زعمتم  وقرأ ابن كثير وأهل مكة **«شركاي »** بياء مفتوحة، وقرأ الجمهور :**«شركائي »** بهمزة. فمنهم من حققها، ومنهم من خففها، و **«الزعم »** إنما هو مستعمل أبداً في غير اليقين، بل أغلبه في الكذب، ومنه هذه الآية، وأرفع موضعه أن يستعمل **«زعم »** بمعنى أخبر، حيث تبقى عهدة الخبر على المخبر، كما يقول سيبويه رحمه الله : زعم الخليل. وقوله  فدعوهم  فلم يستجيبوا لهم ظاهره أن ذلك يقع حقيقة، ويحتمل أن يكون استعارة، كأن فكرة الكفار ونظرهم في أن تلك الجمادات، لا تغني شيئاً ولا تنفع، هي بمنزلة الدعاء وترك الإجابة، والأول أبين، واختلف المتأولون في قوله  موبقاً  قال عبد الله ابن عمرو وأنس بن مالك ومجاهد : هو واد في جهنم يجري بدم وصديد، قال أنس : يحجز بين أهل النار وبين المؤمنين، فقوله على هذا  بينهم  ظرف، وقال الحسن  موبقاً  معناه عداوة و  بينهم  على هذا ظرف، وبعض هذه الفرقة، يرى أن الضمير في قوله  بينهم  يعود على المؤمنين والكافرين، ويحتمل أن يعود على المشركين ومعبوداتهم، وقال ابن عباس  موبقاً  معناه مهلكاً بمنزلة موضع وهو من قولك وبق الرجل وأوبقه غيره إذا أهلكه، فقوله  بينهم  على هذا التأويل، يصح أن يكون ظرفاً، والأظهر فيه أن يكون اسماً، بمعنى جعلنا تواصلهم أمراً مهلكاً لهم، ويكون  بينهم  مفعولاً أولاً ل  جعلنا ، وعبر بعضهم عن الموبق بالموعد وهذا ضعيف.

### الآية 18:53

> ﻿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [18:53]

ثم أخبر عز وجل عن رؤية المجرمين النار، ومعاينتهم لها، ووقوع العلم لهم بأنهم مباشروها، وأطلق الناس أن الظن هنا بمعنى اليقين، ولو قال بدل  ظنوا  وأيقنوا لكان الكلام متسقاً، على مبالغة فيه، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبداً في موضع يقين تام قد قاله الحسن، بل أعظم درجاته أن يجيء في موضع علم متحقق، لكنه لم يقع ذلك المظنون، وإلا، فقد يقع ويحسن، لا يكاد توجد في كلام العرب العبارة عنه بالظن وتأمل هذه الآية، وتأمل قول دريد :
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج[(١)](#foonote-١). . . وقرأ الأعمش **«فظنوا أنهم ملاقوها »**، وكذلك في مصحف ابن مسعود[(٢)](#foonote-٢)، وحكى أبو عمرو الداني عن علقمة، أنه قرأ :**«ملافوها »** بالفاء مشددة من لففت، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال **«إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة »**[(٣)](#foonote-٣) و **«المصرف »** المعدل، والمرغ، ومنه قول أبي كبير الهذلي :\[ الكامل \]
أزهير هل عن شيبة بن مصرف. . . أم لا خلود لباذل متكلف[(٤)](#foonote-٤)
وهو مأخوذ من الانصراف من شيء إلى شيء.

### الآية 18:54

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [18:54]

وقوله تعالى : ولقد صرفنا  الآية، المعنى : ولقد خوفنا ورجينا وبالغنا في البيان، وهذا كله بتمثيل وتقريب للأذهان، وقوله : من كل مثل  أي من كل مثال له نفع في الغرض المقصود بهم، وهو الهداية، وقوله  وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً [(١)](#foonote-١) خبر مقتضب في ضمنه، فلم ينفع فيهم تصريف الأمثال، بل هم منحرفون يجادلون بالباطل وقوله  الإنسان  يريد الجنس، وروي أن سبب هذه الآية هو النضر بن الحارث، وقيل ابن الزبعرى. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد نام عن صلاة الليل، فأيقظه، فقال له علي إنما نفسي بيد الله، ونحو هذا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضرب خده بيده ويقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً  فقد استعمل الآية على العموم في جميع الناس، و **«الجدل »** الخصام والمدافعة بالقول، فالإنسان أكثر جدلاً من كل ما يجادل من ملائكة وجن وغير ذلك إن فرض وفي قوله  وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً  تعليم تفجع ما على الناس، ويبين فيما بعد.

١ أخرج البخاري، ومسلم، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلا، فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا، وانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا..

### الآية 18:55

> ﻿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا [18:55]

هذه آية تأسف عليهم وتنبيه على فساد حالهم، لأن هذا المنع لم يكن بقصد منهم أن يمتنعوا ليجيئهم العذاب، وإنما امتنعوا هم مع اعتقادهم أنهم مصيبون، لكن الأمر في نفسه يسوقهم إلى هذا، فكأن حالهم تقتضي التأسف عليهم، و  الناس  يراد به كفار عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تولوا دفع الشريعة وتكذيبها[(١)](#foonote-١)، و  الهدى  هو شرع الله والبيان الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، و **«الاستغفار »** هنا طلب المغفرة على فارط الذنب كفراً وغيره، و  سنة الأولين  هي عذاب الأمم المذكورة من الغرق والصيحة والظلمة والريح وغير ذلك،  أو يأتيهم العذاب قبلاً  أي مقابلة عياناً، والمعنى عذاباً غير المعهود، فتظهر فائدة التقسيم وكذلك صدق هذا الوعيد في بدر، وقال مجاهد : قبلاً  معناه فجأة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ومجاهد وعيسى بن عمر **«قِبَلا »** بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ عاصم والكسائي وحمزة والحسن والأعرج **«قُبُلاً »** بضم القاف والباء، ويحتمل معنيين أحدهما أن يكون بمعنى قبل، لأن أبا عبيدة حكاهما بمعنى واحد في المقابلة، والآخر أن يكون جمع قبيل، أي يجيئهم العذاب أنواعاً وألواناً، وقرأ أبو رجاء والحسن أيضاً :**«قُبْلاً »** بضم القاف وسكون الباء[(٢)](#foonote-٢).

١ قال الزمخشري: "\[أن\] الأولى نصب، والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف، تقديره: وما منع الناس الإيمان إلا الانتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك، أو انتظار أن يأتيهم العذاب، يعني عذاب الآخرة". وقال أبو حيان بعد أن نقل هذا الكلام عن الزمخشري: "وهو مسترق من قول الزجاج"..
٢ راجع الجزء الخامس، ص ٣٢١ من هذا التفسير..

### الآية 18:56

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [18:56]

وقوله  وما نرسل المرسلين  الآية، كأنه لما تفجع عليهم وعلى ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إلى الخسار، قال : وليس الأمر كما يظنوا، والرسل لم نبعثهم ليجادلوا، ولا لتتمنى عليهم الاقتراحات، وإنما بعثناهم مبشرين من آمن بالجنة ومنذرين من كفر بالنار، و  يدحضوا  معناه يزهقوا، و **«الدحض »** الطين الذي يزهق فيه، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
وردت ونجى اليشكريّ نجاؤه. . . وحاد كما حاد البعير عن الدحض[(١)](#foonote-١)
وقوله  واتخذوا  إلى آخر الآية توعيد، و **«الآيات »** تجمع آيات القرآن والعلامات التي ظهرت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله  وما أنذروا هزواً  يريد من عذاب الآخرة، والتقدير ما أنذروه فحذف الضمير و **«الهزاء »** : السخر والاستخفاف، كقولهم أساطير الأولين، وقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا.

١ البيت منسوب لطرفة بن العبد، قال ذلك في اللسان (د حض)، وذكره الزمخشري في أساس البلاغة غير منسوب، وهو غير موجود في الديوان، ولكن توجد قصيدة ضادية مطلعها:
 أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي
 وأبو منذر هو عمرو بن هند، ويمكن أن يكون هذا البيت منها، على أن محقق الديوان قال عن هذه القصيدة: إنها مما نسب إلى طرفة، وأنه قالها وهو في السجن يخاطب عمرو بن هند. والبيت من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن)، واستشهد به الطبري، والقرطبي، لكن القرطبي رواه بلفظ آخر، هو: (أبا منذر رمت الوفاء فهبته... وحدت... البيت).
 والردى: الهلاك، وحاد: مال وابتعد. والدحض: مصدر ويوصف به على لفظه، فيقال: مكان دحض بمعنى: زلق. وهو موضع الشاهد هنا. يقول مخاطبا الملك عمرو بن هند: إنه أخطأ فهلك، وكان مصيره السجن، أما اليشكرى فكان حذرا، ونجاه حذره كما ينجو البعير الذي في طريقه عن المكان الزلق. واليشكري هو الحارث بن حلزة اليشكرى..

### الآية 18:57

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [18:57]

وقوله  ومن أظلم  استفهام بمعنى التقرير، وهذا من أفصح التقرير أن يوقف الأمر على ما لا جواب له فيه إلا الذي يريد خصمه، فالمعنى لا أحد  أظلم ممن  هذه صفته، أن يعرض عن الآيات بعد الوقوف عليها بالتذكير، وينسى ويطرح كبائره التي أسلفها هذه غاية الانهمال، ونسب السيئات إلى اليدين، من حيث كانت اليدان آلة التكسب في الأمور الجرمية[(١)](#foonote-١)، فجعلت كذلك في المعاني، استعارة، ثم أخبر الله عز وجل عنهم وعن فعله بهم، جزاء على إعراضهم وتكسبهم القبيح، فإنه تعالى : جعل على قلوبهم أكنة  وهي جمع كنان، وهو كالغلاف الساتر واختلف الناس في هذا وما أشبهه من الختم والطبع ونحوه، هل هو حقيقة أو مجاز، والحقيقة في هذا غير مستحلية، والتجوز أيضاً فصيح، أي لما كانت هذه المعاني مانعة في الأجسام وحاملة، استعيرت للقلوب التي قد أقساها الله تعالى وأقصاها عن الخير، وأما ****«الوقر »**** في الآذان، فاستعارة بينة لأنا نحس الكفرة يسمعون الدعاء إلى الشرع سماعاً تاماً، ولكن لما كانوا لا يؤثر ذلك فيهم إلا كما يؤثر في الذي به وقر، فلا يسمع، وشبهوا به، وكذلك العمى والصم والبكم، كلها استعارات، وإنما الخلاف في أوصاف القلب، هل هي حقيقة أو مجاز، و ****«الوقر »**** : الثقل في السمع، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم، وإن دعوا إلى الهدى فإنهم لا يهتدون أبداً، وهذا يخرج على أحد تأويلين : أحدهما أن يكون هذا اللفظ العام يراد به الخاص، ممن حتم الله عليه أن لا يؤمن ولا يهتدي أبداً، ويخرج عن العموم كل من قضى الله بهداه في ثاني حال، والآخر أن يريد : وإن تدعهم إلى الهدى جميعاً فلن يؤمنوا جميعاً أبداً، أي إنهم ربما آمن الأفراد، ويضطرنا إلى أحد هذين التأويلين، أنا نجد المخبر عنهم بهذا الخبر قد آمن منهم واهتدى كثير.

١ الجرم هو الجسد، يريد ما يقابل الأمور المعنوية..

### الآية 18:58

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [18:58]

لما أخبر تعالى عن القوم الذين حتم بكفرهم، أنهم لا يهتدون أبداً، عقب ذلك بأنه للمؤمنين،  الغفور ذو الرحمة ، ويتحصل للكفار من صفته تعالى بالغفران والرحمة، ترك المعاجلة، ولو أخذوا بحسب ما يستحقونه لبادرهم بالعذاب المبيد لهم، ولكنه تعالى أخرهم إلى موعد لا يجدون عنه منجي، قالت فرقة هو أجل الموت، وقالت فرقة هو عذاب الآخرة، وقال الطبري هو يوم بدر، والحشر و **«الموثل »** المنجى يقال : وأل الرجل يئل إذا نجا[(١)](#foonote-١). ومنه قول الشاعر :
لا وألت نفسك خيلتها. . . للعامريين ولم تكلم[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول الأعشى :\[ البسيط \]
وقد أخالس رب البيت غفلته. . . وقد يحاذر مني ثم ما يئل[(٣)](#foonote-٣)

١ وأل في الأصل بمعنى: لجأ طلبا للنجاة، ومنه: الموئل بمعنى: الملجأ، وفي اللسان: "وقد وأل إليه يئل وألا ووءولا، على فعول: لجأ، وواءل منه، على فاعل: طلب النجاة"..
٢ البت في التاج واللسان (وأل)، وفي الطبري، والرواية فيها (لا واءلت نفسك...)، وهوأيضا في (معاني القرآن) للفراء، وفي القرطبي، والرواية فيهما (لا وألت نفسك)، ولم ينسبه أحد، والذي أنشده هو الفراء، وعنه نقل الباقون، قال: "الموئل: المنجى، وهو الملجأن والعرب تقول، إنه ليوائل إلى موضعه وحرزه، وقال الشاعرك المنجى، وهو الملجأ، والعرب تقول ؛ إنه ليوائل إلى موضعه وحرزه، وقال الشاعر: لا وألت نفسك... البيت، يريدون : لا نجت". وخلى: ترك، والكلم: الجرح، والشاهد أن (وأل) بمعنى لجأ ونجا..
٣ البيت من لامية الأعشى المعروفة التي بدأها بقوله:
 ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟ وقبله يقول:
 إما ترينا حفاة لا نعال لنا إنا كذلك، ما نحفى، وننتعل
 وأخالس: آخذ الشيء خلسة وسرقة، و ما يئل: ما ينجو. يقول مخاطبا من يتغزل بها: إن هذا الذي ترينه حافيا فتنبو عنه عيناك قد أمتع نفسه بكثيرات من الغانيات، وإنه ليستبي العقلية التي يخاف عليها زوجها ويحاذر فلا ينفعه الحذر.
 والبيت من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن) في تفسير قوله تعالى: لن يجدوا من دونه موئلا، وهو كالشاهد السابق دليل على أن (وأل يئل) بمعنىك نجا ينجو..

### الآية 18:59

> ﻿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [18:59]

ثم عقب تعالى توعدهم بذكر الأمثلة من القرى التي نزل بها ما توعد هؤلاء بمثله، وفي قوله  وتلك القرى  حذف مضاف تقديره  وتلك  أهل  القرى  يدل على ذلك قوله  أهلكناهم  فرد الضمير على أهل القرى، و  القرى  : المدن، وهذه الإشارة إلى عاد وثمود ومدين وغيرهم.  وتلك  ابتداء، و  القرى  صفته، و  أهلكناهم  خبر، ويصح أن يكون  تلك  منصوباً بفعل يدل عليه  أهلكناهم . وقرأ الجمهور **«لَمُهلكهم »** بضم الميم وفتح اللام، من أهلك، ومفعل في مثل هذا يكون لزمن الشيء، ولمكانه، ويكون مصدراً فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر **«لَمَهلكهم »** بفتح الميم واللام وقرأ في رواية حفص **«لِمَهلكهم »** بفتح الميم وكسر اللام، وهو مصدر من هلك، وهو في مشهور اللغة غير متعد، فالمصدر على هذا مضاف إلى الفاعل، لأنه بمعنى : وجعلنا لأن هلكوا موعداً، وقالت فرقة إن هلك يتعدى، تقول أهلكت الرجل وهلكته بمعنى واحد، وأنشد أبو علي في ذلك :\[ الرجز \]
ومَهْمَهٍ هالك من تعرجا[(١)](#foonote-١). . . فعلى هذا يكون المصدر في كل وجه مضافاً إلى المفعول.

١ هذا البيت للعجاج، وقد ذكره في اللسان (هلك) شاهدا على أن (هلك) يتعدى بنفسه، وأنه مثل أهلك وهلك، وذكر بعده بيتا آخر، وهو: 
 هائلة أهواله من أدلجا
 وقال: "وهي لغة تميم". وتعرج: مال وانحرف عن الطريق المألوف، وأدلج: سار في الليل، وقيل: في أوله، والمهمة: المفازة البعيدة، والمعنى أن هذه المفازة البعيدة تهلك من يتنكب الطريق المألوف، وتهول بأهوالها من يسير فيها ليلا..

### الآية 18:60

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [18:60]

وقوله  وإذ قال موسى  الآية ابتداء قصة ليست من الكلام الأول، المعنى : اذكر واتل، و  موسى  هو موسى بن عمران بمقتضى الأحاديث والتواريخ وبظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غير واحد، وهو ابن عمران ولو كان في هذه الآية غيره لبينه، وقالت فرقة منها نوف البكالي أنه ليس موسى بن عمران، وهو موسى بن مشنى، ويقال ابن منسى، وأما **«فتاه »** فعلى قول من قال موسى بن عمران، فهو يوشع بن نون بن إفراييل بن يوسف بن يعقوب، وأما من قال هو موسى بن مشنى فليس الفتى يوشع بن نون، ولكنه قول غير صحيح، رده ابن عباس وغيره و **«الفتي »** في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتياناً، قيل للخادم فتى، على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم :
**«لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي »**[(١)](#foonote-١)، فهذا اندب إلى التواضع، و **«الفتى »** في الآية هو الخادم، ويوشع بن نون يقال هو ابن أخت موسى عليه السلام، وسبب هذه القصة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى جلس يوماً في مجلس لبني إسرائيل، وخطب فأبلغ، فقيل له هل تعلم أحداً أعلم منك قال لا، فأوحى الله إليه بلى : عبدنا خضر[(٢)](#foonote-٢)، فقال يا رب دلني على السبيل إلى لقيه[(٣)](#foonote-٣)، فأوحى الله إليه أن يسير بطول سيف البحر حتى يبلغ  مجمع البحرين  فإذا فقدت الحوت فإنه هنالك، وأمر أن يتزود حوتاً، ويرتقب زواله عنه، ففعل موسى ذلك وقال لفتاه على جهة إمضاء العزيمة  لا أبرح  أسير، أي لا أزال، وإنما قال هذه المقالة وهو سائر، ومن هذا قول الفرزدق :\[ الطويل \]
فما برحوا حتى تهادت نساؤهم. . . ببطحاء ذي قار عياب اللطائم[(٤)](#foonote-٤)
وذكر الطبري عن ابن عباس : قال : لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه بمصر، فلما استقرت الحال خطب يوماً، فذكر بآلاء الله وأيامه عند بني إسرائيل، ثم ذكر نحو ما تقدم، وما مر بي قط أن موسى عليه السلام أنزل قومه بمصر إلا في هذا الكلام، وما أراه يصح، بل المتظاهر أن موسى مات بفحص التيه قبل فتح ديار الجبارين، وفي هذه القصة من الفقه الرحلة في طلب العلم، والتواضع للعالم، وقرأ الجمهور **«مَجمَع »** بفتح الميمين، وقرأ الضحاك **«مَجمِع »** بكسر الميم الثانية، واختلف الناس في  مجمع البحرين  أين هو ؟ فقال مجاهد وقتادة هو مجتمع بحر فارس وبحر الروم. 
قال القاضي أبو محمد : وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى الجنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام، هو  مجمع البحرين  هو عند طنجة وهو حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه السائر من دبور إلى صبا. وروي عن أبي بن كعب أنه قال  مجمع البحرين  بإفريقية، وهذا يقرب من الذي قبله، وقال بعض أهل العلم هو بحر الأندلس من البحر المحيط، وهذا كله واحد حكاه النقاش وهذا مما يذكر كثيراً، ويذكر أن القرية التي أبت أن تضيفهما هي الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة  مجمع البحرين  يريد بحراً ملحاً وبحراً عذباً، فعلى هذا إنما كان الخضر عند موقع نهر عظيم في البحر، وقالت فرقة البحران إنما هما كناية عن موسى والخضر، لأنهما بحرا علم، وهذا قول ضعيف والأمر بين من الأحاديث أنه إنما رسم له ماء بحر، وقوله  أو أمضي حقباً  معناه أو أمضي على وجهي زماناً، واختلف القراء، فقرأ الحسن والأعمش وعاصم ****«حقباً »**** بسكون القاف[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ الجمهور ****«حقباً »**** بضمه، وهو تثقيل حقب، وجمع الحقب أحقاب، واختلف في الحقب، فقال عبد الله بن عمرو ثمانون سنة، وقال مجاهد سبعون، وقال الفراء ****«الحقب »**** سنة واحدة وقال ابن عباس وقتادة أزمان غير محدودة وقالت فرقة ****«الحقب »**** جمع حقبة، وفي السنة كأنه قال أو أمضي سنين.

١ أخرجه مسلم في الألفاظ، وأحمد في مسنده (٢ـ٤٤٤، ٤٩٦)، ولفظه كما في المسند، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك (لا يقل أحدكم لعبده: عبدي، ولكن ليقل: فتاي، ولا يقل العبد لسيده: ربي، ولكن ليقل: سيدي)..
٢ في بعض النسخ: "بل عبدنا خضر"..
٣ اللقي: مصدر لقي، يقال: لقيه لقاء، وتلقاء، ولقيا، ولقيانا، ولقية، بمعنى: استقبله وصادفه..
٤ البيت من قصيدة للفرزدق يمدح بها عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، وهو في الديوان، ومطلعها:
 إني وإن كانت تميم عمارتي وكنت إلى القدموس منها القماقم
 والبطحاء: المكان المتسع يمر به السيل فيترك فيه صغار الحصى والرمل. وذو قار: مكان معروف، والعياب: جمع عيبة وهي ما يجعل فيه الثياب وغيرها. واللطائم: جمع لطيمة، وهي وعاء المسك، يقال: فاحت اللطيمة، وكأن فاها لطيمة تاجر. والبيت هنا للاستشهاد على أن (لا أبرح) بمعنى: لا أزال..
٥ هذه قراءة عاصم في رواية أبي بكر، أما رواية حفص عنه فهي كقراءة الجمهور \[حقبا\] بضم الحاء والقاف كما هو ثابت في المصحف..

### الآية 18:61

> ﻿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [18:61]

الضمير في قوله  بينهما  للبحرين، قاله مجاهد، وقيل هو لموسى والخضر، والأول أصوب، وقرأ عبيد الله بن مسلم **«مجمِع »** بكسر الميم الثانية، وقال  نسيا  وإنما كان النسيان من الفتى وحده، نسي أن يعلم موسى بما رأى من حاله من حيث كان لهما زاداً، وكانا بسبب منه فنسب فعل الواحد فيه إليهما، وهذا كما تقول فعل بنو فلان لأمر إنما فعله منهم بعض، وروي في الحديث أن يوشع رأى الحوت قد حش من المكتل[(١)](#foonote-١) إلى البحر فرآه قد اتخذ السرب، وكان موسى نائماً فأشفق أن يوقظه، وقال أوخر حتى يستيقظ، فلما استيقظ نسي يوشع أن يعلمه، ورحلا حتى جاوزا **«والسبيل »** : المسلك و **«السرب »** : المسلك في جوف الأرض، فشبه به مسلك الحوت في الماء حين لم ينطبق الماء بعده، بل بقي كالطاق[(٢)](#foonote-٢) وهذا الذي ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٣)](#foonote-٣)، وقاله جمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغاً، وقال قتادة، صار موضع سلوكه حجراً صلداً. وقال ابن زيد إنما اتخذ  سبيله سرباً  في البر حتى وصل إلى البحر ثم عام على العادة. 
قال القاضي أبو محمد : وهؤلاء يتأولون  سرباً  بمعنى تصرفاً وجولاناً من قولهم فحل سارب، أي مهمل يرعى حيث شاء، ومنه قوله تعالى : وسارب بالنهار [(٤)](#foonote-٤) \[ الرعد : ١٠ \]، أي متصرف وقالت فرقة اتخذ  سرباً  في التراب من المكتل إلى البحر، وصادف في طريقه حجراً فثقبه، وظاهر الأمر أن السرب، إنما كان في الماء، ومن غريب ما روي في البخاري عن ابن عباس من قصص هذه الآية أن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هنالك تدعى عين الحياة ما مست قط شيئاً إلا حيي، ومن غريبه أيضاً أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجراً طريقاً، وأن موسى مشى عليه متبعاً للحوت حتى أفضى ذلك الطريق إلى الجزيرة في البحر وفيها وجد الخضر، وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر، يدل على ذلك قوله تعالى : فارتدا على آثارهما قصصاً .

١ المكتل: زنبيل يعمل من الخوص، (المقطف)..
٢ الطاق: ما عطف عليه وجعل كالقوس من الأبنية..
٣ الحديث الذي يشير إليه المؤلف حديث طويل، أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، من طريق سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: حدثنا أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: (إن موسى قام خطيبا.... الحديث)، وقد تكررت الإشارة إلى هذا الحديث في كلام المؤلف..
٤ من الآية (١٠) من سورة (الرعد)..

### الآية 18:62

> ﻿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا [18:62]

وروي في قوله  فلما جاوزا  أن موسى عليه السلام نزل عند صخرة عظيمة في ضفة البحر، فنسي يوشع الحوت هنالك، ثم استيقظ موسى ورحلا مرحلة بقية الليل وصدر يومهما، فجاع موسى ولحقه تعب الطريق، فاستدعى الغداء، قال أبي رضي الله عنه سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم، و **«النصب »** التعب والمشقة، وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير **«نُصُباً »** بضم النون والصاد، ويشبه أن يكون جمع نصب وهو تخفيف نصب

### الآية 18:63

> ﻿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا [18:63]

وقوله  أرأيت  الآية حكى الطبري عن فرقة أنهة قالت الصخرة هي الشام عند نهر الذيب، وقد تقدم ذكر الخلاف في موضع هذه القصة، وقوله  نسيت الحوت  يريد نسيت ذكر ما جرى فيه لك، وأما الكسائي وحده ****«أنسانيه »****، وقرأت فرقة ****«أنسانيه »**** وقرأ ابن كثير في الوصل **«أنسانيهي »** بياء بعد الهاء، وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«وما أنسانيه أن أذكركه إلا الشيطان »**. 
وقوله  أن أذكره  بدل من  الحوت  بدل اشتمال، وقوله  واتخذ سبيله في البحر عجباً  يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ الحوت سبيله عجباً للناس، ويحتمل أن يكون قوله  واتخذ سبيله في البحر  تام الخبر، فاستأنف التعجب فقال من قبل نفسه : عجباً  لهذا الأمر، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأكل شقه الأيسر ثم حيي بعد ذلك، قال أبو شجاع في كتاب الطبري رأيته، أتيت به فإذا هو شقة حوت، وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيء. 
قال القاضي أبو محمد : وأنا رأيته والشق الذي فيه شيء عليه قشرة رقيقة يشق تحتها شوكة وشقه الآخر، ويحتمل أن يكون قوله  واتخذ سبيله  الآية إخبار من الله تعالى، وذلك على وجهين : إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجباً أي تعجب منه، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجباً للناس، وقرأ أبو حيوة **«واتخاذ سبيله »** فهذا مصدر معطوف على الضمير في  أذكره .

### الآية 18:64

> ﻿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا [18:64]

وقوله تعالى : قال ذلك  الآية، المعنى قال موسى لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثم، فرجعا يقصان أثرهما لئلا يخطئان طريقهما، وقرأ الجمهور **«نبغي »** بثبوت الياء، وقرأ عاصم وقوم **«نبغ »** دون ياء، وكان الحسن يثبتها إذا وصل ويحذفها إذا وقف، و **«قص الأثر »** اتباعه وتطلبه في موضع خفائه.

### الآية 18:65

> ﻿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [18:65]

و **«العبد »** هو الخضر في قول الجمهور بمقتضى الأحاديث، وخالف من لا يعتد بقوله فقال ليس، صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر، والخضر نبي عند الجمهور، وقيل هو عبد صالح غير نبي، والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي الله، وروي في الحديث أن موسى عليه السلام وجد الخضر مسجى في ثوبه مستلقياً على الأرض فقال له السلام عليك، فرفع الخضر رأسه وقال وأنى بأرضك السلام ؟ ثم قال له من أنت ؟ قال أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل ؟ قال نعم، قال له ألم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا ؟ قال بلى، ولكني أحببت لقاءك، وأن أتعلم منك، قال له إني على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا. 
قال القاضي أبو محمد : كان علم الخضر معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها. وكان علم موسى عليه السلام علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم. وروي أن موسى وجد الخضر قاعداً على تيح البحر، وسمي الخضر خضراً لأنه جلس على فروة يابسة فاهتزت تحته خضراء، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١)، و **«الرحمة »** في هذه الآية النبوءة، وقد ذكرنا الحديث المضمن أن سبب هذه القصة أن موسى عليه السلام، قيل له تعلم أحداً أعلم منك، قال : لا، وحكى الطبري حديثاً آخر، مضمنه : أن موسى عليه السلام قال : من قبل نفسه : أي رب، أي عبادك أعلم ؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة خير تهديه، قال رب فهل في الأرض أحد ؟ قال نعم فسأل السبيل إلى لقيه[(٢)](#foonote-٢)، والحديث الأول في صحيح البخاري، وقرأ الجمهور **«من لدنّا »** بتشديد النون وقرأ أبو عمرو من **«لدُنا »** بضم الدال وتخفيف النون، قال أبو حاتم هما لغتان.

### الآية 18:66

> ﻿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [18:66]

هذه مخاطبة المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى : هل يتفق لك ويخف عليك، وهذا كما في الحديث **«هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ »**[(١)](#foonote-١) وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله  هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة [(٢)](#foonote-٢) \[ المائدة : ١١٢ \] وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم **«رُشُداً »** بضم الراء والشين، وقرأ أبو عمرو **«رَشَداً »** بفتح الراء والشين، ونصبه على وجهين : أحدهما : أن يكون مفعولاً ثانياً ب  تعلمني  والآخر أن يكون حالاً من الضمير في قوله  أتبعك .

١ أخرجه البخاري في الوضوء، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيي: أتسطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منهن ثم غسل رجليه..
٢ من الآية (١١٢) من سورة (المائدة)..

### الآية 18:67

> ﻿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:67]

ثم قال الخضر،  إنك لن تستطيع معي صبراً  أي إنك يا موسى، لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي، لأن الظواهر التي هي علمك لا تعطيه،

### الآية 18:68

> ﻿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [18:68]

وكيف تصبر على  ما تراه خطأً، ولم تخبر بوجه الحكمة فيه ولا طريق الصواب.

### الآية 18:69

> ﻿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [18:69]

فقرب له موسى الأمر بوعده أنه سيجده صابرا، ثم استثنى حين حكم على نفسه بأمر.

### الآية 18:70

> ﻿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [18:70]

فقوى الخضر وصاته وأمره بالإمساك عن السؤال والإكنان لما يراه حتى يبتدئه الخضر لشرح ما يجب شرحه، وقرأ نافع فلا **«تسألَنّي »** بفتح اللام، وتشديد النون وإثبات الياء وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه حذف الباء فقال **«تسألَنّ »**، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي **«تسألني »** بسكون اللام وثبوت الياء، وقرأ الجمهور **«خبْراً »** بسكون الباء، وقرأ الأعرج **«خبُراً »** بضمها.

### الآية 18:71

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [18:71]

وقوله  فانطلقا  روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما انطلقا ماشيين على سيف البحر حتى مرت بهما سفينة، فعرف الخضر فحملا بغير قول إلى مقصد أمه الخضر، وعرفت  السفينة  بالألف واللام تعريف الجنس لا لعهد عينها، فلما ركبا عمد الخضر إلى وتد فجعل يضرب في جنب السفينة حتى قلع به، فيما روي لوحين من ألواحها فذلك هو معنى  خرقها  فلما رأى ذلك موسى غلبه ظاهر الأمر على الكلام حين رأى فعلاً يؤدي إلى غرفة جميع من في السفينة، فوقفه بقوله  أخرقتها  وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم **«لتغرق أهلها »** بالتاء وقرأ أبو رجاء **«لتغَرِّق »** بشد الراء وفتح الغين، وقرأ حمزة والكسائي **«ليغرق أهلُها »** برفع الأهل، وإسناد الفعل إليهم و ****«الإمر »**** الشنيع من الأمور كالداهية والإد ونحوه، ومنه أمر إمْر ابن أبي كبشة[(١)](#foonote-١) ومنه أمر القوم إذا كثروا، وقال مجاهد ****«الإمر »**** المنكر. 
قال القاضي أبو محمد : والامر أخص من المنكر.

### الآية 18:72

> ﻿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:72]

فقال الخضر مجاوباً لموسى : ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً

### الآية 18:73

> ﻿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [18:73]

فتنبه موسى لما أتى معه، فاعتذر بالنسيان، وذلك أنه نسي العهد الذي كان بينهما، هذا قول الجمهور، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :****«كانت الأولى من موسى نسياناً »****[(١)](#foonote-١)، وفيه عن مجاهد أنه قال **«كانت الأولى نسياناً »**، والثانية شرطاً، والثالثة عمداً، وهذا كلام معترض لأن الجميع شرط ولأن العمد يبعد على موسى عليه السلام، وإنما هو التأويل إذ جنب صيغة السؤال أو النسيان، وروى الطبري عن أبي بن كعب أنه قال : إن موسى عليه السلام لم ينس، ولكن قوله هذا من معاريض الكلام[(٢)](#foonote-٢)، ومعنى هذا القول صحيح، والطبري لم يبينه، ووجهه عندي أن موسى عليه السلام إنما رأى العهد في أن يسأل ولم ير إنكار هذا الفعل الشنيع سؤالاً بل رآه واجباً، فلما رأى الخضر قد أخذ العهد على أعم وجوهه فضمنه السؤال والمعارضة والإنكار وكل اعتراض إذ السؤال أخف من هذه كلها أخذ معه في باب المعاريض، التي هي مندوحة عن الكذب، فقال له  لا تؤاخذني بما نسيت  ولم يقل له : إني نسيت العهد، بل قال لفظاً يعطي للمتأول أنه نسي العهد، ويستقيم أيضاً تأويله وطلبه، مع أنه لم ينس العهد لأن قوله  لا تؤاخذني بما نسيت  كلام جيد طلبه، وليس فيه للعهد ذكر هل نسيه أم لا، وفيه تعريض أنه نسي العهد، فجمع في هذا اللفظ بين العذر والصدق وما يخل بهذا القول إلا أن الذي قاله وهو أبي بن كعب روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :****«كانت الأولى من موسى نسياناً »**** و  ترهقني  معناه تكلفني وتضيف علي. 
ومما قص من أمرهما، أنهما لما ركبا السفينة وجرت، نزل عصفور على جنب السفينة، فنقر في الماء نقرة، فقال الخضر لموسى، ماذا ترى هذا العصفور نقص من ماء البحر ؟ فقال موسى قليلاً، فقال : يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من ماء البحر. 
قال القاضي أبو محمد : فقيل معنى هذا الكلام وضع العلم موضع المعلومات، وإلا فعلم الله تعالى يشبه بمتناه إذ لا يتناهى، والبحر لو فرضت له عصافير على عدد نقطه لانتهى، وعندي أن الاعتراض باق لأن تناهي معلومات الله محال، إذ يتناهى العلم بتناهي المعلومات، وقيل فراراً عن هذا الاعتراض، يحتمل أن يريد من علم الله الذي أعطاه العلماء قبلهما، وبعدهما إلى يوم القيامة، فتجيء نسبة علمهما إلى البشر نسبة تلك النقطة إلى البحر[(٣)](#foonote-٣)، وهذا قول حسن لولا أن في بعض طرق الحديث **«ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كنقرة هذا العصفور »**، فلم يبق مع هذا إلا أن يكون التشبيه بتجوز، إذ لا يوجد في المحسوسات أقوى في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر، فكأنها لا شيء إذ لا يوجد لها إلى البحر نسبة معلومة، ولم يعن الخضر لتحرير موازنة بين المثال وبين علم الله تعالى.

### الآية 18:74

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [18:74]

فانطلقا  في موضع نزولهما من السفينة، فمرا بغلمان يلعبون، فعمد الخضر إلى غلام حسن الهيئة وضيء، فاقتلع رأسه، ويقال رضه بحجر، ويقال ذبحه وقال بعض الناس كان الغلام لم يبلغ الحلم، ولذلك قال موسى  زكية  أي لم تذنب، وقالت فرقة بل كان بالغاً شاباً، والعرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية :\[ الطويل \]
غلام إذا هز القناة سقاها[(١)](#foonote-١). . . وهذا في صفة الحجاج، وفي الخبر أن هذا الغلام، كان يفسد في الأرض ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان على قسمه، ويحميانه ممن يطلبه، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو جعفر ونافع والجمهور **«زاكية »**، وقرأ الحسن وعاصم والجحدري **«زكية »** والمعنى واحد، وقد ذهب القوم إلى الفرق وليس ببين[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  بغير نفس  يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، ولا بغير نفس وقرأ الجمهور **«نكراً »** وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وشيبة **«نكُراً »** بضم الكاف واختلف عن نافع، ومعناه : شيئاً ينكر، واختلف الناس أيهما أبلغ قوله  إمراً  \[ الكهف : ٧١ \] أو قوله  نكراً  فقالت فرقة هذا قتل بين، وهناك مترقب ف  نكراً  أبلغ وقالت فرقة هذا قتل واحد، وذلك قتل جماعة ف  إمراً  \[ الكهف : ٧١ \] أبلغ وعندي أنهما المعنيين، قوله  إمراً  \[ الكهف : ٧١ \] أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، و  نكراً  أبين في الفساد لأن مكروهه قد وقع ونصف القرآن بعد الحروف انتهى إلى النون من قوله  نكراً [(٣)](#foonote-٣). 
١ هذا عجز بيت قالته ليلى الأخيلية من قصيدة مدحت بها الحجاج بن يوسف، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 إذا نزل الحجاج أرضــا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها
 شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها.
 والقناة: الرمح، وسقاها: بللها من دم الأعداء.
 .
٢ يعني أن قوما من العلماء ذهبوا إلى أن بينهما فرقا، فقد قال ثعلب: الزكية أبلغ، وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب قط، والزكية التي أذنبت ثم تابت، لكن ابن عطية يرى أن ما ذكراه غير بين..
٣ نقل القرطبي كلام ابن عطية عن الفرق بين إمرا ونكرا لكنه ترك الجملة الأخيرة التي وضعناها بين العلامتين \[.......\]، وهي في نفسها تحتاج إلى بيان، وصلتها بما قبلها أيضا في حاجة إلى توضيح، والظاهر أن فيها نقصا نتيجة سهو من النساخ خفي بسببه المعنى، على أنها سقطت من بعض النسخ..

### الآية 18:75

> ﻿۞ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:75]

وقوله  ألم أقل لك  زجر وإغلاظ ليس في قوله أولاً  ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً  وقوله بعد هذا  يريد  بعدها القصة، فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدم لها ذكر صريح، من حيث كانت في ضمن القول.

### الآية 18:76

> ﻿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [18:76]

وقرأ الجمهور **«فلا تصاحبني »** ورواها أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عيسى ويعقوب **«فلا تصحبني »**، وقرأ عيسى أيضاً **«فلا تُصحبني »** بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي عمرو، والمعنى فلا تصحبني علمك، وقرأ الأعرج **«فلا تَصحبنّي »** : بفتح التاء والباء وشد النون، وقوله  قد بلغت من لدني عذراً  أي قد أعذرت إلي، وبلغت إلى العذر من قبلي، ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلاً للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام التلوم ثلاثة فتأمله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من **«لَدُنّي »** بفتح وضم الدال وشد النون. 
وهي ****«لدن »**** اتصلت بها نون الكناية التي في ضربني ونحوه[(١)](#foonote-١)، فوقع الإدغام، وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وعاصم **«لَدُني »** كالأولى إلا أن النون مخففة، فهي ****«لدن »**** اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي وفرسي، وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ أبو بكر عن عاصم ****«لَدْني »**** بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون وهي تخفيف **«لدني »** التي ذكرناها قبل هذه وروي عن عاصم **«لُدْني »** بضم اللام وسكون الدال[(٣)](#foonote-٣) قال ابن مجاهد وهي غلط قال أبو علي هذا التغليظ يشبه أن يكون من جهة الرواية فأما على قياس العربية فهي صحيحة، وقرأ الحسن ****«لَدْني »**** بفتح اللام وسكون الدال، وقرأ الجمهور **«عذْراً »** وقرأ أبو عمرو وعيسى **«عذُراً »** بضم الدال، وحكى الداني أن أبي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم **«عذري »** بكسر الراء وياء بعدها وأسند الطبري، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه، فقال يوماً رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب، ولكنه قال  فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً [(٤)](#foonote-٤) وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر، حتى يقص علينا من أمرهما »**[(٥)](#foonote-٥)، وروي في تفسير هذه الآية أن الله جعل هذه الأمثلة التي وقعت لموسى مع الخضر، حجة على موسى وعجباً له، وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة، نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحاً في اليم، فلما أنكر أمر الغلام، قيل له أين إنكارها هذا من وكرك للقبطي وقضائك عليه ؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك حجر البير لبنات شعيب دون أجر ؟

١ يريد نون الوقاية التي تسبق ياء المتكلم لتقي الفعل من الكسر..
٢ قال أبو حيان في البحر المحيط: "وهو القياس؛ لأن أصل الأسماء إذا أضيفت إلى ياء المتكلم لم تلحق بها نون الوقاية نحو غلامي وفرسي"..
٣ هي القراءة التي رواها أبو بكر عن عاصم، وكان الأفضل أن يذركرهما معا..
٤ ذكر السيوطي الحديث في الدر المنثور، وقال: أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه، ولفظه كما ذكره السيوطي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحمة الله علينا وعلى موسى ـ فبدأ بنفسه ـ، لو كان صبر لقص علينا من خبره، ولكن قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني..
٥ هذا جزء من الحديث الذي رواه البخاري في تفسير سورة الكهف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب رضي الله عنهم، وقد أشرنا إليه من قبل..

### الآية 18:77

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [18:77]

وقوله : فانطلقا  يريد انطلق الخضر وموسى يمشيان لارتياد الخضر أمراً ينفذ فيه ما عنده من علم الله فمرا بقرية فطلبا من أهلها أن يطعموهما فأبوا، وفي حديث : أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم، وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على الله، واختلف الناس في **«القرية »** : فقال محمد بن سيرين هي الأبلة. وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء، وقالت فرقة هي أنطاكية، وقالت فرقة هي برقة، وقالت فرقة هي بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة هي أبو حوران، وهي بناحية أذربيجان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى والله أعلم بحقيقة ذلك، وقرأ الجمهور **«يضَيّفوهما »** بفتح الضاد وشد الياء، وقرأ أبو رجاء **«يضيفوهما »**، بكسر الضاد وسكون الياء وهي قراءة ابن محيصن، وابن الزبير، والحسن وأبي رزين، والضيف مأخوذ من ضاف إلى المكان إذا مال إليه، ومنه الإضافة، وهي إمالة شيء إلى شيء، وقرأ الأعمش **«فأبوا أن يطعموهما »**، وقوله في الجدار  يريد  استعارة، وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان مكان الجماد إنسان لكان ممتثلاً لذلك الفعل، فمن ذلك قول الأعشى :\[ البسيط \]
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط. . . كالطعن يذهب فيه الزيت والقتل
فأسند النهي إلى الطعن. ومن ذلك قول الشاعر :\[ الوافر \]
يريد الرمح صدر أبي براء. . . ويرغب عن دماء بني عقيل[(١)](#foonote-١)
ومنه قول عنترة :\[ الكامل \]
وشكا إلي بعبرة وتحمحم. . . وقد فسر هذا المعنى بقوله لو كان يدري ما المحاورة البيت[(٢)](#foonote-٢)، ومنه قول الناس : داري تنظر إلى دار فلان[(٣)](#foonote-٣)، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتراءى نارهما[(٤)](#foonote-٤)، وهذا كثير جداً. وقرأ الجمهور **«ينقض »** أي يسقط، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه **«أن يُنقض »** بضم الميم وتخفيف الضاد وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعكرمة **«أن يناقص »**، بالصاد غير منقوطة بمعنى ينشق طولاً، يقال انقاص الجدار وطي البير، وانقاصت السن، إذا انشقت طولاً، وقيل إذا تصدعت كيف كان، ومنه قول أبي ذؤيب :\[ الطويل \]
فراق كقيص السن فالصبر انه. . . لكل أناس عبرة وحبور
ويروى عثرة وجبور بالثاء والجيم، وقرأ ابن مسعود والأعمش **«يريد لينقض »** واختلف المفسرون في قوله  فأقامه  فقالت فرقة هدمه وقعد يبنيه، ووقع هذا في مصحف ابن مسعود، ويؤيد هذا التأويل قول،  لو شئت لتخذت عليه أجراً  لأنه فعل يستحق أجراً، وقال سعيد بن جبير مسحه بيده وأقامه فقام. 
قال القاضي أبو محمد : وروي في هذا الحديث وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم السلام فقال موسى للخضر : لو شئت لتخذت عليه أجراً  أي طعاماً تأكله، وقرأ الجمهور ****«لتخذت »**** وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ****«لتخذت »**** وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة وأدغم بعض القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم[(٥)](#foonote-٥)، ومن قولهم تخذ قول الشاعر :\[ المزق \] :\[ الطويل \]
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها. . . نسيقاً كأفحوص القطاة المطرق[(٦)](#foonote-٦)
وفي حرف أبي بن كعب :**«لو شئت لأوتيت عليه أجراً »**.

١ البيت في اللسان (رود) غير منسوب، قال: "وقوله عز وجل": فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، أي أقامه الخضر، وقال: (يريد) والإرادة إنما تكون من الحيوان، والجدار لا يريد إرادة حقيقية؛ لأن تهيؤه للسقوط قد ظهر كما تظهر أفعال المريدين، فوصف الجدار بالإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، ومثل هذا كثير في الشعر واللغة، قال الراعي:
 في مهمه قلقت به هاماتها قلق الفؤوس إذا أردن نضولا 
 وقال آخر: يريد الرمح صدر أبي براء... البيت". والبيت أيضا من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن، وقد نسبه للحارثي، قال: "ليس للحائط إرادة ولا للموت، ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة فهي إرادته، وهذا قول العرب في غيره، قال الحارثي: يريد الرمح... البيت". و ما يقال عن إسناد الإرادة للرمح يقال عن إسناد الرغبة عن الشيء إليه أيضا، والرغبة عن الشيء: تركه والزهد فيه، أما الرغبة فيه فهي الحرص عليه والطمع فيه..
٢ استشهد ابن عطية بعجز بيت من الشعر قاله عنترة بن شداد، ثم وضح كلامه بصدر البيت التالي، والبيتان عليه والطمع فيه.
 فازور من وقع القنا بلبانـــــــــــــه وشكا إلي بعبرة وتحمحـــم
 لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي
 وهو يتحدث عن فرسه الذي شارك معه في الهجوم على الأعداء، وتلقى كثيرا من الهجمات والضربات. والازورار: الميل، والقنا: جمع قناة، وهي الرمح، واللبان: صدر الفرس، والتحمحم: صوت الفرس المنخفض إذا كان فيه شجن الحنين ليرق له صاحبه، يقول: مال فرسي من رماح الأعداء التي أصابت صدره، ونظر إلي وحمحم لأرق له وأرحمه من هذه الضربات، ولو كان يعلم لغة الخطاب والكلام لاستكى إلي وعبر عن آلامه بحديث واضح مفهوم. وإسناد هذه الأفعال إلى الفرس تجوز..
٣ أي تقع أمامها وتشاهدها، فقد أسند النظر إلى الدار وهي جماد على سبيل المجاز..
٤ هذا جزء من حديث أخرجه أبو داود في الجهاد، والنسائي في القسامة. والحديث كاملا: (أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، قيل: لم يا رسول الله؟ قال: لا تراءى نارهما)، قال ابن الأثير في شرح هذا الحديث: "أي: يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله"، والترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا، وإسناد الترائي إلى النار مجاز، يقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان؟ والأصل في (تراءى) تتراءى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا" اهـ. بتصرف..
٥ قال ابن خالويه: "الحجة لمن قرأ بفتح التاء وكسر الخاء وإظهار الذال أنه أخذه من : تخذ يتخذ، كما تقول: شرب يشرب، فأتي بالكلام على أصله مبينا غير مدغم. والحجة لمن قرأ بذلك وأدغم مقاربة الذال للتاء لأن مخرجهما من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، والحجة لمن قرأ بألف الوصل أن وزنه افتعلت، من الأخذ، وأصله: إيتخذت ؛ لأن همزة الوصل تصير ياء لانكسار ما قبلها ثم تقلب تاء وتدغم في تاء افتعلت فتصيران تاء شديدة". انتهى بتصرف وزيادة إيضاح..
٦ البيت للممزق العبدي، واسمه شأس بن نهار، من عبد القيس، وهو ابن أخت المثقب العبدي ولقب بالممزق لقوله:
 فإن كنت مأكولا فكن خير آكـــــل وإلا فأدركني ولمـــا أمـــــزق
 والممزق بفتح الزاي وكسرها، قال ذلك في اللسان. والبيت من القصيدة التي منها بيته الذي ذكرناه، وهو في اللسان، ومن شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن)، وتخذ من باب فرح، يقال في المضارع يتخذ كيفرح، كما قال ابن خالويه في الهامش السابق. وهي موضع الاستشهاد، والغرز للجمل مثل الركاب للبغل، وهو ما يضع الراكب قدمه فيه عند الركوب، والنسيف: أثر عض الغرز في جنب الناقة من عضة أو تساقط وبر، والقطاة: طائر صغير من نوع اليمام يؤثر الحياة في الصحراء، ويتخذ أفحوصة في الأرض، ويطير جماعات، ويقطع مسافات شاسعة، وبيضه مرقط، والأفحوص هو الحفرة التي يحفرها في الأرض ليضع بيضه فيها ويرقد عليه، وهي تناسب حجمه، والمطرق: التي خرج منها نصف ولدها ثم نشب ـ إذا كانت امرأة ـ أو بيضهاـ إذا كانت طائرا، يصف القطاة بأنها كالمرأة المطرق، وقيل: تطريق القطاة أن تتخذ الأفحوص للبيض..

### الآية 18:78

> ﻿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [18:78]

ثم قال الخضر لموسى بحسب شرطهما  هذا فراق بيني وبينك  واشترط الخضر، وأعطاه موسى أن لا يقع سؤال عن شيء، والسؤال أقل وجوه الاعتراضات، فالإنكار والتخطئة أعظم منه، وقوله  لو شئت لتخذت عليه أجراً  وإن لم يكن سؤالاً ففي ضمنه الإنكار لفعله، والقول بتصويب أخذ الأجر، وفي ذلك تخطئة ترك الأجر، والبين الصلاح، الذي يكون بين المصطحبين ونحوهما، وذلك مستعار فيه من الظرفية، ويستعمل استعمال السماء، وأما فصله، وتكريره  بيني وبينك  وعدوله عن بيننا، فلمعنى التأكيد، والسين في قوله  سأنبئك  مفرقة بين المحاورتين والصحبتين، ومؤذنة بأن الأولى قد انقطعت، ثم أخبره في مجلسه ذلك وفي مقامه  بتأويل  تلك القصص والتأويل هنا المآل.

### الآية 18:79

> ﻿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [18:79]

قرأ الجمهور **«لمساكين »** بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم، فقالت فرقة كانت لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلة، وفي لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة غصب جائر، عبر عنهم ب ****«مساكين »****، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كما تقول لرجل غني إذا وقع في وهدة وخطب مسكين وقالت فرقة : كانوا عشرة إخوة : أهل عاهات خمسة منهم : عاملون بالسفينة لا قدرة بهم على العمل، وقرأت فرقة **«لمسّاكين »** بتشديد السين. واختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة أراد ب **«المساكين »** ملاحي السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع ****«مساكين »****، وقالت فرقة : أراد **«المسّاكين »** دبغة المسوك، وهي الجلود واحدها مسك. 
قال القاضي أبو محمد : والأظهر في ذلك القراءة الأولى وأن معناها أن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق لهم، واحتج الناس بهذه الآية في أن المسكين الذي له البلغة من العيش كالسفينة لهؤلاء، وأنه أصلح حالاً من الفقير، واحتج من يرى خلاف هذا بقول الشاعر :\[ البسيط \]
أما الفقير الذي كانت حلوبته. . . وفق العيال فلم يترك له سبد[(١)](#foonote-١)
وتحرير هذا عندي أنهما لفظان يدلان على ضعف الحال جداً، ومع المسكنة انكشاف وذل وسؤال، ولذلك جعلها الله صنفين، في قسم الصدقات، فأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو :**«ليس المسكين بهذا الطواف »**[(٢)](#foonote-٢) فجعل المساكين في اللغة أهل الحاجة الذين قد كشفوا وجوههم، وأما قول الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا [(٣)](#foonote-٣) \[ البقرة : ٢٧٣ \]. فجعل الفقراء أهل الحاجة الذين لم يكشفوا وجوههم، وقد تقدم القول في هذه المسألة بأوعب من هذا[(٤)](#foonote-٤). وقوله  وكان وراءهم ملك  قال قوم معناه أمامهم، وقالوا وراء من الأضداد، وقرأ ابن جبير وابن عباس :**«وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة »** صحيحة وقرأ عثمان بن عفان **«وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة »**. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله  وراءهم  هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعاً بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين اليد : لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد : هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها : أن هؤلاء وعملهم، وسعيهم، يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك، ومن قرأ **«أمامهم »**، أراد في المكان، أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده، وقوله تعالى في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن[(٥)](#foonote-٥)، مطرد على ما قلنا في الزمن، وقوله
 من وراءهم جهنم [(٦)](#foonote-٦) \[ الجاثية : ١٠ \] مطرد كما قلنا مراعاة الزمن وقول النبي صلى الله عليه وسلم **«الصلاة أمامك »**[(٧)](#foonote-٧) يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمن وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري  وكان وراءهم ملك  قال قتادة أمامهم، ألا ترى أنه يقول  من وراءهم جهنم [(٨)](#foonote-٨) \[ الجاثية : ١٠ \] وهي بين أيديهم. وهذا القول غير مستقيم وهذه هي العجمة التي كان الحس بن أبي الحسن يضج منها قاله الزجاج[(٩)](#foonote-٩) ويجوز إن كان رجوعهم في طريقهم على الغاصب، فكان وراءهم حقيقة، وقيل اسم هذا الغاصب هدد بن بدد، وقيل اسمه الجلندا، وهذا كله غير ثابت، وقوله  كل سفينة  عموم معناه الخصوص في الجياد منها الصحاح المارة به.

١ البيت للراعي، وهو حصين بن معاوية النميري، ولقب بالراعي لأنه أكثر من وصف الإبل ورعاتها، وقد سبق الاستشهاد بهذا البيت في الجزء السادس (٥٣٤)، وهو من قصيدة قالها الشاعر يمدح عبد الملك بن مروان، والشاهد هنا أن الفقير هو من كان عنده شيء لعياله..
٢ أخرجه البخاري في الزكاة والتفسير، ومسلم في الزكاة، وكذلك كل من أبي داود، والنسائي، والدارمي، وأخرجه مالك في موطئه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحمد في مسنده ((١ـ ٣٨٤)، ولفظه فيه: (قال رسول الله صلى عليه وسلم: ليس المسكين بالطواف، ولا بالذي ترده التمرة ولا التمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، ولكن المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا ولا يفطن له فيتصدق عليه)..
٣ من الآية (٢٧٣) من سورة (البقرة)..
٤ راجع الجزء السادس صفحة ٥٣٣ وما بعدها..
٥ ورد هذا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في الآية (٣) من سورة (آل عمران): نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، وكقوله تعالى في الآية (٩٧) من سورة (البقرة): فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه..
٦ من الآية (١٠) من سورة (الجاثية)..
٧ الحديث في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وقد أخرجه البخاري في الحج، والنسائي في المواقيت، والدارمي في المناسك، وأحمد في المسند (٥ـ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٠٨، ٢١٠)، ولفظه كما جاء في المسند أن كريبا سأل أسامة بن زيدن قال: قلت أخبرني كيف صنعتم عشية ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: جئنا الشعب الذي ينيخ فيه الناس للمغرب، فاناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته، ثم بال، قال: اهراق الماء، ثم دعا بالوضوء فتوضأ وضوأ ليس بالبالغ جدا، قال: قلت: يا رسول الله: الصلاة، قال: الصلاة أمامك، قال: فركب حتى قدم المزدلفة فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء، ثم حل الناس، قال: فقلت: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن عباس، وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي..
٨ من الآية (١٠) من سورة (الجاثية)..
٩ نقل الإمام القرطبي كلام ابن عطية كله من أول قوله: "وقوله: \[وراءهم\] هو عندي على بابه"، ثم علق عليه بقوله: "وما اختاره هذا الإمام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة"، ثم نقل كلام ابن عرفة وقال: "وأشار إلى هذا القول أيضا القشيري"..

### الآية 18:80

> ﻿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [18:80]

تقدم القول في  الغلام ، والخلاف في بلوغه أو صغره، وفي الحديث : أن ذلك الغلام طبع يوم طبع كافراً، وهذا يؤيد ظاهره أنه كان غير بالغ، ويحتمل أن يكون خبراً عنه، مع كونه بالغاً. وقيل اسم الغلام جيسور بالراء، وقيل جيسون بالنون، وهذا أمر كله غير ثابت، وقرأ أبي بن كعب :**«فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين »**، وقرأ أبو سعيد الخدري **«فكان أبواه مؤمنان »** فجعلها كان التي فيها الأمر والشأن[(١)](#foonote-١)، وقوله  فخشينا  قيل هو في جملة الخضر، فهذا متخلص. والضمير عندي للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه، وقيل هو في جهة الله تعالى، وعنه عبر الخضر قال الطبري معناه فعلمنا وقال غيره معناه فكرهنا والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل، وإن كان اللفظ يدافعه، أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين، لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين، وقرأ ابن مسعود **«فخاف ربك »** وهذا بين في الاستعارة وهذا نظير ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى : فإن جميع ما في هذا كله، من ترج وتوقع، وخوف، وخشية، إنما هو بحبكم أيها المخاطبون، و  يرهقهما  معناه يحثهما ويكلفهما بشدة، والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه.

١ قال أبو الفتح ابن جني: يجوز في الرفع هنا تقديران: أحدهما أن بكون اسم (كان) ضمير الغلام، أي: فكان هو أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر كان. والآخر أن يكون اسم (كان) مضمرا فيها، وهو ضمير الشأن والحديث، أي: فكان الشأن أو الحديث أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر (كان) على مضى، إلا أنه على هذا الوجه الثاني لا ضمير عائدا على اسم (كان)، لأن ضمير الشأن لا يحتاج إلى ضمير يعود عليه من الجملة بعده..

### الآية 18:81

> ﻿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [18:81]

وقرأ الجمهور **«أن يبَدّلهما »** بفتح الباء وشد الدال، وقرأ ابن محيصن والحسن وعاصم **«يبدلهما »** بسكون الباء وتخفيف الدال، و **«الزكاة »** : شرف الخلق، والوقار والسكينة المنطوية على خير ونية، و **«الرحم »** الرحمة، والمراد عند فرقة أي يرحمهما، وقيل أي يرحمانه، ومنه قول رؤبة بن العجاج :\[ الرجز \]
يا منزل الرحم على إدريسا. . . ومنزل اللعن على إبليسا[(١)](#foonote-١)
وقرأ ابن عامر **«رحُماً »** بضم الحاء، وقرأ الباقون **«رحْماً »** بسكونها، واختلف عن أبي عمرو، وقرأ ابن عباس **«ربهما أزكى منه »** و  أقرب رحماً  وروي عن ابن جريج أنهما بدلا غلاماً مسلماً، وروي عن ابن جريج أنهما بدلا جارية، وحكى النقاش أنها ولدت هي وذريتها سبعين نبياً، وذكره المهدوي عن ابن عباس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بعيد، ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم، وروي عن ابن جريج أن أم الغلام يوم قتل كانت حاملاً بغلام مسلم.

١ الذي في الديوان هو البيت الأول فقط، وهو في الأبيات المفردة الملحقة بالديوان، والرواية فيه: (على إدريس)، وكذلك استشهد به صاحب اللسان (رحم)، قال: "والرحم بالضم: الرحمة، و ما أقرب رحم فلان إذا كان ذا مرحمة وبر، أي: ما أرحمه وأبره، وفي التنزيل العزيز: وأقرب رحما، وبعد أن استشهد بأبيات من الشعر ذكر هذا البيت لرؤية بنفس الرواية التي في الديوان..

### الآية 18:82

> ﻿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [18:82]

وقوله  وأما الجدار فكان لغلامين  هذان الغلامان صغيران، بقرينة وصفهما باليتم، وقد قال صلى الله عليه وسلم **«لا يتم بعد بلوغ »**[(١)](#foonote-١) هذا الظاهر، وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ أي كانا يتيمين على معنى التشفق عليهما، واختلف الناس في **«الكنز »** : فقال عكرمة وقتادة كان مالاً جسيماً، وقال ابن عباس كان علماً في مصحف مدفونة، وقال عمر مولى غفرة[(٢)](#foonote-٢) كان لوحاً من ذهب قد كتب فيه عجباً للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجباً للموقن بالحساب كيف يغفل، وعجباً للموقن بالموت كيف يفرح، وروي نحو هذا مما هو في معناه، قوله  وكان أبوهما صالحاً  ظاهر اللفظ والسابق منه أن والدهما دنيّة[(٣)](#foonote-٣)، وقيل هو الأب السابع، وقيل العاشر، فحفظا فيه وإن لم يذكرا بصلاح، وفي الحديث **«إن الله تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته »**[(٤)](#foonote-٤)، وجاء في أنباء الخضر عليه السلام في أول قصة  فأردت أن أعيبها  \[ الكهف : ٧٩ \] وفي الثانية  فأردنا أن يبدلهما  وفي الثالثة  فأراد ربك أن يبلغا  وإنما انفرد أولاً في الإرادة لأنها لفظة عيب، فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله  وإذا مرضت فهو يشفيني [(٥)](#foonote-٥) \[ الشعراء : ٨٠ \]، فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى، وأسند المرض إلى نفسه، إذ هو معنى نقص ومصيبة، وهذا المنزع يطرد في فصاحة القرآن كثيراً، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله [(٦)](#foonote-٦) \[ الصف : ٥ \]، وتقديم فعل الله تعالى في قوله  ثم تاب عليهم ليتوبوا [(٧)](#foonote-٧) \[ التوبة : ١١٨ \]، وإنما قال الخضر في الثانية  فأردنا  لأنه أمل قد كان رواه[(٨)](#foonote-٨) هو وأصحابه الصالحون، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين، وتمنى البديل لهما، وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى. لأنها في أمر مستأنف في الزمن طويل غيب من الغيوب، فحسن إفادة هذا الموضع بذكر الله تعالى، وإن كان الخضر قد أراد أيضاً ذلك الذي أعلمه الله أنه يريده، فهذا توجيه فصاحة هذه العبارة بحسب فهمنا المقصر، والله أعلم، و **«الأشد »** كما الخلق والعقل واختلف الناس في قدر ذلك من السن، فقيل خمس وثلاثون، وقيل ست وثلاثون، وقيل أربعون، وقيل غير هذا مما فيه ضعف، وقول الخضر  وما فعلته عن أمري  يقتضي أن الخضر نبي، وقد اختلف الناس فيه : فقيل هو نبي، وقيل هو عبد صالح وليس بنبي، وكذلك جمهور الناس على أن الخضر مات صلى الله عليه وسلم، وتقول فرقة إنه حي، لأنه شرب من عين الحياة، وهو باق في الأرض، وأنه يحج البيت، وغير هذا، وقد أطنب النقاش في هذا المعنى، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، كلها لا يقوم على ساق، ولو كان الخضر عليه السلام حياً يحج لكان له في ملة الإسلام ظهور والله العليم بتفاصيل الأشياء لا رب غيره، ومما يقضي بموت الخضر الآن قول النبي صلى الله عليه وسلم **«أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد »**[(٩)](#foonote-٩)، وقوله ذلك تأويل أي مآل، وقرأت فرقة **«تستطع »**، وقرأ الجمهور **«تسطع »** قال أبو حاتم كذا نقرأ **«نتبع »** المصحف، وانتزع الطبري من اتصال هذه القصة بقوله تعالى : وربك الغفور ذو الرحمة لو يأخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً  \[ الكهف : ٥٨ \] إن هذه القصة إنما جلبت على معنى المثل للنبي صلى الله عليه وسلم في قومه ؛ أي لا تهتم بإملاء الله لهم وإجراء النعم لهم على ظاهرها، فإن البواطن سائرة إلى الانتقام منهم، ونحو هذا مما هو محتمل لكن بتعسف ما فتأمله.

١ أخرجه أبو داود، عن علي رضي الله عنه، عن علي رضي الله عنه، ولفظه كما ذكره الإمام السيوطي في الجامع الصغير: (لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل)، وقد رمز له السيوطي بأنه حديث حسن..
٢ هو عمر بن عبد الله المدني، مولى غفرة بضم الغين وسكون الفاء، قال عنه صاحب تقريب التهذيب: "ضعيف، وكان كثير الإرسال، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين"..
٣ دنية: الأب الأقرب والأدنى..
٤ أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده، ويحفظه في ذريته والدريرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية". وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم)، وأخرجه ابن المبارك، وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر موقوفا. (الدر المنثور)..
٥ الآية (٨٠) من سورة (الشعراء)..
٦ من الآية (٥) من سورة (الصف)..
٧ من الآية (١١٨) من سورة (التوبة)..
٨ من قولهمم روُّى فلان في الأمر بمعنى: نظر فيه وتفكر..
٩ هذا الحديث خرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: (أرأيتكم ليتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)، فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، ـ وهل: غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب ـ، وإنما عليه الصلاة والسلام: (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ورواه مسلم أيضا من حديث جابر بن عبد الله، قال القرطبي: وعن أبي سعيد الخدري نحو هذا الحديث..

### الآية 18:83

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [18:83]

اختلف فيمن سأله عن هذه القصة، فقيل سألته طائفة من أهل الكتاب، وروى في ذلك عقبة بن عامر حديثاً ذكره الطبري وقيل إنما سألته قريش، حين دلتها اليهود على سؤاله عن الروح، والرجل الطواف، وفتية ذهبوا في الدهر ليقع امتحانه بذلك[(١)](#foonote-١)، و **«ذو القرنين »** : هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني، وقد تشدد قافه، فيقال المقدوني، وذكر ابن إسحاق في كتاب الطبري أنه يوناني، وقال وهب بن منبه هو رومي، وذكر الطبري حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم **«أن ذا القرنين شاب من الروم »** وهو حديث واهي السند، فيه عن شيخين من تجيب[(٢)](#foonote-٢)، واختلف الناس في وجه تسميته ب  ذي القرنين ، فأحسن الأقوال أنه كان ذا ضفرتين من شعر هما قرناه، فسمي بهما، ذكره المهدوي وغيره، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
فلثمت فاها آخذاً بقرونها. . . شرب النزيف لبرد ماء الحشرج[(٣)](#foonote-٣)
ومنه حديث في غسل بنت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت أم عطية : فضفرنا رأسها ثلاثة قرون[(٤)](#foonote-٤)، وكثيراً تجيء تسمية النواصي قروناً، وروي أنه كان في أول ملكه يرى في نومه أنه يتناول الشمس، ويمسك قرنين لها بيديه، فقص ذلك، ففسر أنه سيغلب على ما ذرت عليه، وسمي ******«ذا القرنين »******، وقالت فرقة سمي ******«ذا القرنين »****** لأنه بلغ المغرب والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا، وقالت فرقة إنه بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرنيها، فسمي بذلك، أو قرني الشيطان بها، وقال وهب بن منبه : سمي بذلك لأن جنبتي رأسه كانتا من نحاس، وقال وهب بن منبه أيضاً كان له قرنان تحت عمامته. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله بعيد، وقال علي بن أبي طالب : إنما سمي ******«ذا القرنين »****** لأنه ضرب على قرن رأسه فمات : ثم حيي ثم ضرب على قرن رأسه الآخر فمات، فسمي بذلك لأنه جرح على قرني رأسه جرحين عظيمين في يومين عظيمين من أيام حربه فسمي بذلك، وهذا قريب.

١ أما الروح فمعروفة، وقد قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، وأما الرجل الطواف فهو ذو القرنين، وأما الفتية الذين ذهبوا في الدهر فهم أصحاب الكهف، وفي هذه السورة كانت الإجابة عن الأخيرين..
٢ هذا الحديث هو ما أشار إليه المؤلف قبل ذلك حين قال: "وروى في ذلك عقبة ابن عامر حديثا ذكره الطبري". راجع الطبري. وزاد السيوطي في الدر المنثور نسبته إلى ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي..
٣ لبيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو من أبيات في ديوانه قيل: إنها منسوبة إليه، وآخذا بقرونها: ممسكا بضفائرها، وقد استشهد أبو منصورـ كما قال في اللسان ـ بالنصف الثاني من البيت على أن (النزيف) هو الذي عطش حتى يبست عروقه. وقيل: إن النزيف هو السكران لأن عقله نزف، والحشرج: النقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو. والشاهد هنا أن الضفائر تسمى قرونا..
٤ أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي في الجنائز، ولفظه كما جاء في مسلم، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إغسلنها وترا، ثلاثا أو خمسا، واجعلن في الخامسة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا غسلتنها فأعلمنني)، قالت: فأعلمناه فأعطانا حقوة وقال: (أشعرنها إياه). وفي رواية أخرى ذكرها مسلم من طريق هشام بن حسان: وقال في الحديث: قالت: فضفرنا شعرها ثلاث أثلاث، قرنيها وناصيتها. وفي رواية البخاري أن أم عطية قالت: "ومشطناها ثلاثة قرون". والحقو هو الإزار. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أشعرنها إياه): اجعلنه شعارا لها، أي غطين جسدها به..

### الآية 18:84

> ﻿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [18:84]

والتمكين له في الأرض أنه ملك الدنيا، ودانت له الملوك كلها، فروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة : مؤمنان وكافران، والمؤمنان : سليمان بن داود، والإسكندر، والكافران نمرود وبخت نصر، وقوله  وآتيناه من كل شيء سبباً  معناه علماً في كل أمر، وأقيسة يتوصل بها إلى معرفة الأشياء، وقوله  كل شيء  عموم، معناه الخصوص في كل ما يمكن أن يعلمه ويحتاج إليه، وثم لا محالة أشياء لم يؤتَ منها سبباً يعلمها به، واختلف في  ذي القرنين  فقيل هو نبي، وهذا ضعيف. وقيل هو ملَك بفتح اللام، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سمع رجلاً يدعو آخر يا ذا القرنين، فقال أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. 
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه فقال **«ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب »**[(١)](#foonote-١) وقيل هو عبد ملِك بكسر اللام صالح، نصح لله فأيده، قاله علي بن أبي طالب، وقال فيكم اليوم مثله، وعنى بذلك نفسه، والله أعلم.

١ أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن خالد بن معدان الكلاعي، وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأحوص ابن حكيم، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: (هو ملك مسح الأرض بالإحسان)..

### الآية 18:85

> ﻿فَأَتْبَعَ سَبَبًا [18:85]

وقوله  فأتبع سبباً  الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو **«فاتّبع »** بشد التاء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«فأتبع »** بسكون التاء على وزن أفعل، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد، وكذلك تبع، وقالت فرقة **«أتبع »** بقطع الألف : هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، و **«اتبع »** إنما يتضمن معنى الاقتفاء دون هذه القرائن، قاله أبو زيد وغيره. 
قال القاضي أبو محمد : واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله عز وجل  فأتبعه شهاب ثاقب [(١)](#foonote-١) \[ الصافات : ١٠ \]، وكقوله  فأتبعهم فرعون [(٢)](#foonote-٢) \[ يونس : ٩٠ \] \[ طه : ٧٨ \]، وكقوله : فأتبعه الشيطان [(٣)](#foonote-٣) \[ الأعراف : ١٧٥ \]، وهذا قول حكاه النقاش عن يونس بن حبيب، وإذا تأملت **«اتّبع »** بشد التاء لم تربط لك هذا المعنى ولا بد. و **«السبب »** في هذه الآية، الطريق المسلوكة، لأنها سبب الوصول إلى المقصد.

### الآية 18:86

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [18:86]

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم **«في عين حَمِئة »**، على وزن فَعِلة، أي ذات حُماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في **«عين حامية »**، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس **«حمئة »**، وقال معاوية ****«حامية »****، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس : لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين :\[ الكامل \]
قد كان ذو القرنين جدي مسلماً. . . ملكاً تدين له الملوك ويحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي. . . أسباب أمر من حيكم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها. . . في عين ذي خلب وثاط حرمد[(٤)](#foonote-٤)
فالخلب : الطين، والثاط : الحمأة، الحرمد : الأسد، ومن قرأ **«حامئة »**، وجهها إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال **«في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض »**[(٥)](#foonote-٥)، وروى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس عند غروبها فقال :**«أتدري أين تغرب يا أبا ذر ؟ »** قلت لا، قال **«إنها تغرب في عين حامية »**[(٦)](#foonote-٦)، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و ****«حامية »**** هي قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين : فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن  في  بمنزلة عند، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي ل  عين حمئة  وقال بعضهم : قوله  في عين  إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض. 
قال القاضي أبو محمد : وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم : وقد يمكن أن تكون **«حاميئة »** مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى واحد، واستدل بعض الناس عل أن ذا القرنين نبي، بقوله تعالى : قلنا يا ذا القرنين  ومن قال إنه ليس بنبي، قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام، و  إما أن تعذب  بالقتل على الكفر  وإما أن تتخذ فيهم حسناً  أي بالإجمال على الإيمان، واتباع الهدى، فكأنه قيل له هذه لا تعطيها إلا إحدى خطتين : إما أن تكفر فتعذبها، وإما أن تؤمن فتحسن إليها، وذهب الطبري إلى أن اتخاذ الحسن هو الأسر مع كفرهم، فالمعنى، على هذا، أنهم كفروا ولا بد فخيره الله بين قتلهم أو أسرهم، ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية. 
قال القاضي أبو محمد : ولكن تقسيم  ذي القرنين  بعد هذا الأمر إلى كفر أو إيمان، يريد هذا القول بعض الرد، فتأمله[(٧)](#foonote-٧).

٤ الأبيات في الدر المنثور، والقرطبي، وآخرها في البحر المحيط، وتروى: (قد كان ذو القرنين قبلي)، و (تدين له الملوك وتسجد)..
٥ أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وابن منيع، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: (في نار الله... الحديث)..
٦ أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم وصححه، عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار، فرأى الشمس حين غربت، فقال: (أتدري أين تغرب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها تغرب في عين حامية)، غير مهموزة..
٧ تقسيم ذي القرنين للقوم جاء في الآية التالية وما بعدها، قال أما من ظلم فسوف نعذبه الآية وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى، الآية..

### الآية 18:87

> ﻿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [18:87]

ظلم  في هذه الآية بمعنى كفر، ثم توعد الكافرين بتعذيبه إياهم قبل عذاب الله، وعقب لهم بذكر عذاب الله، لأن تعذيب ذي القرنين هو اللاحق عندهم، المحسوس لهم، الأقرب نكاية فلما جاء إلى وعد المؤمنين، قدم تنعيم الله تعالى الذي هو اللاحق عن المؤمنين، والآخر بإزائه حقير، ثم عبر أخيراً بذكر إحسانه في قول اليسر، وجعله قولاً، إذ الأفعال كلها خلق الله تعالى، فكأنه سلمها، ولم يراع تكسبه، وقرأت فرقة **«نُكراً »** بضم الكاف، وفرقة **«نكْراً »** بسكون الكاف، ومعناه المنكر الذي تنكره الأوهام لعظمه وتستهوله.

### الآية 18:88

> ﻿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [18:88]

وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر : جزاء الحسنى  بإضافة الجزاء إلى  الحسنى ، وذلك يحتمل معنيين : أحدهما أن يريد ب  الحسنى  الجنة، والجنة هي الجزاء، فأضاف ذلك كما قال **«دار الآخرة »**[(١)](#foonote-١) والدار هي الآخرة، والثاني أن يريد ب  الحسنى  أعمالهم الصالحة في إيمانهم، فوعدهم بجزاء الأعمال الصالحة، وقرأ حمزة الكسائي وحفص عن عاصم **«جزاءً الحسنى »** بنصب الجزاء على المصدر[(٢)](#foonote-٢) في موضع الحال، و **«الحسنى »** : ابتداء خبره في المجرور، ويراد بها الجنة، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق **«جزاءٌ »** بالرفع والتنوين  الحسنى  وقرأ ابن عباس ومسروق :**«جزاءَ »** نصب بغير التنوين  الحسنى  بالإضافة، قال المهدوي : ويجوز حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ووعدهم بذلك بأنه ييسر عليهم أمور دنياهم، وقرأ ابن القعقاع :**«يسُراً »** بضم السين.

### الآية 18:89

> ﻿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [18:89]

وقوله  ثم أتبع سبباً  المعنى : ثم سلك ذو القرنين الطرق المؤدية إلى مقصده، فيجيء سبب الوصول، وكان ذو القرنين، على ما وقع في كتب التواريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال، والسيرة الحميدة، والإعداد الموفي، والحزم المستيقظ المتقد، والتأييد المتواصل، وتقوى الله عز وجل، فما لقي أمة ولا مر بمدينة إلا دانت له، ودخلت في طاعته، وكل من عارضه أو توقف عن أمره جعله عظة وآية لغيره، وله في هذا المعنى أخبار كثيرة وغرائب. وكرهت التطويل بها لأنها علم تاريخ.

### الآية 18:90

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [18:90]

وقرأ الجمهور **«مطلِع »** بكسر اللام، وقرأ الحسن بخلاف وابن كثير وأهل مكة **«مَطلَع الشمس »** بفتح اللام، و **«القوم »** : الزنج، قاله قتادة وهم الهنود وما وراءهم[(٣)](#foonote-٣)، وقال النقاش في قوله  لم نجعل لهم من دونها ستراً  معناه : أنه لهم بنيان، إذ لا تحمل أرضهم البناء، وإنما يدخلون من حر الشمس في أسراب، وقيل يدخلون في ماء البحر، قاله الحسن وقتادة وابن جريج، وكثر النقاش في غيره في هذا المعنى، والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم وفعلها، لقدرة الله تعالى فيهم، ونيلها منهم، ولو كان لهم أسراب تغني لكان ستراً كثيفاً، وإنما هم في قبضة القدرة، سواء كان لهم أسراب أو دور أو لم يكن، ألا ترى أن الستر، عندنا نحن، إنما هو من السحاب والغمام وبرد الهوى، ولو سلط الله علينا الشمس لأحرقتنا، فسبحان المنفرد بالقدرة التامة.

### الآية 18:91

> ﻿كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [18:91]

وقوله  كذلك  معناه : فعل معهم كفعله مع الأولين أهل المغرب، فأوجز بقوله  كذلك  ثم أخبر الله تعالى عن إحاطته بجميع ما لدى ذي القرنين، وما تصرف من أفعاله ويحتمل أن يكون  كذلك  استئناف قول، ولا يكون راجعاً على الطائفة الأولى، فتأمله، والأول أصوب.

### الآية 18:92

> ﻿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [18:92]

قرأت فرقة **«اتّبع »** بشد التاء، وقرأت فرقة **«أتبع »** بتخفيفها، وقد تقدم ذكره وهذه الآية تقتضي أنه لما بلغ مطلع الشمس، أي أدنى الأرض من مطلع الشمس،  أتبع  بعد ذلك  سبباً ، أي طريقاً آخر، فهو، والله أعلم، إما يمنة وإما يسرة من مطلع الشمس.

### الآية 18:93

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [18:93]

و **«السدان »** فيما ذكر أهل التفسير، جبلان سدا مسالك تلك الناحية من الأرض، وبين طرفي الجبلين فتح، هو موضع الردم، قال ابن عباس : الجبلان اللذان بينهما السد : أرمينية وأذربيجان، وقالت فرقة : هما من وراء بلاد الترك، ذكره المهدوي. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله غير متحقق، وإنما هما في طريق الأرض مما يلي المشرق ويظهر من ألفاظ التواريخ، أنه إلى ناحية الشمال، وأما تعيين موضع فيضعف، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم[(١)](#foonote-١) :**«السُّدين »** بضم السين، وكذلك **«سُداً »** حيث وقع، وقرأ حفص عن عاصم بفتح ذلك كله من جميع القرآن، وهي قراءة مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي، وقرأ ابن كثير **«السَّدين »** بفتح السين وضم **«سداً »** في يس، واختلف بعد فقال الخليل وسيبويه : الضم هو الاسم والفتح هو المصدر، وقال الكسائي : الضم والفتح لغتان بمعنى واحد، وقرأ عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح. 
قال القاضي أبو محمد : ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ **«بين السُّدين »** بالضم وبعد ذلك **«سَداً »** بالفتح، وهي قراءة حمزة والكسائي، وحكى أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة، وقال ابن أبي إسحاق : وما رأته عيناك فهو **«سُد »** بالضم، وما لا يرى فهو **«سَد »** بالفتح، والضمير في  دونهما  عائد على الجبلين، أي : وجدهم في الناحية التي تلي عمارة الناس إلى المغرب، واختلف في القوم، فقيل : هم بشر، وقيل جن، والأول أصح من وجوه، وقوله  لا يكادون يفقهون قولاً  عبارة عن بعد السانهم عن ألسنة الناس، لكنهم فقهوا وأفهموا بالترجمة ونحوها، وقرأ حمزة والكسائي **«يُفقهون »** من أفقه، وقرأ الباقون **«يَفقهون »** من فقه.

١ في قراءة أبي بكر عنه..

### الآية 18:94

> ﻿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [18:94]

والضمير في  قالوا  : للقوم الذين من دون السدين، و  يأجوج ومأجوج  : قبيلتان من بني آدم لكنهم ينقسمون أنواعاً كثيرة، اختلف الناس في عددها، فاختصرت ذكره لعدم الصحة، وفي خلقهم تشويه : منهم المفرط الطول، ومنهم مفرط القصر، على قدر الشبر، وأقل، وأكثر، ومنهم صنف : عظام الآذان، الأذن الواحدة وبرة والأخرى زعراء، ُيَصِّيف بالواحدة ويشتو في الأخرى وهي تعمه، واختلفت القراءة فقرأ عاصم وحده **«يأجوج ومأجوج »** بالهمز وقرأ الباقون :**«ياجوج وماجوج »** بغير همزة فأما من همز، فاختلف : فقالت فرقة : هو أعجمي علتاه في منع الصرف : العجمة والتأنيث، وقالت فرقة : هو معرب من أجج وأج، علتاه في منع الصرف التعريف والتأنيث، وأما من لم يهمز فإما أن يراهما اسمين أعجميين، وإما أن يسهل من الهمز، وقرأ رؤبة بن العجاج :**«آجوج ومأجوج »** بهمزة بدل الياء، واختلف الناس في ********«إفسادهم »******** الذي وصفوهم به، فقال سعيد بن عبد العزيز :********«إفسادهم »******** : أكل بني آدم، وقالت فرقة ********«إفسادهم »******** إنما عندهم توقعاً، أي سيفسدون، فطلبوا وجه التحرز منهم، وقالت فرقة :********«إفسادهم »******** هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، وهذا أظهر الأقوال، لأن الطائفة الشاكية إنما تشكت من ضرر قد نالها، وقولهم  فهل نجعل لك خرجاً  استفهام على جهة حسن الأدب، و **«الخرج »** : المجبي، وهو الخراج، وقال فوم : الخرج : المال يخرج مرة، والخراج المجبي المتكرر، فعرضوا عليه أن يجمعوا له أموالاً يقيم بها أمر السد، قال ابن عباس  خرجاً  : أجراً وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم **«خرجاً »** وقرأ حمزة والكسائي **«خراجاً »** وهي قراءة طلحة بن مصرف والأعمش والحسن بخلاف عنه وروي في أمر  يأجوج ومأجوج  أن أرزاقهم هي من التنين يمطرونها، ونحو هذا مما لم يصح، وروي أيضاً أن الذكر منهم لا يموت حتى يولد له ألف، والأنثى لا تموت حتى تخرج من بطنها ألف، فهم لذلك إذا بلغوا العدد ماتوا، ويروى أنهم يتناكحون في الطرق كالبهائم، وأخبارهم تضيق بها الصحف، فاختصرتها لضعف صحتها.

### الآية 18:95

> ﻿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [18:95]

وقوله  قال ما مكني  الآية، المعنى قال لهم ذو القرنين : ما بسطه الله لي من القدرة والملك، خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، ويعمل منكم بالأيدي، وقرأ ابن كثير **«ما مكنني »** بنونين، وقرأ الباقون **«ما مكني »** بإدغام النون الأولى في الثانية، وهذا من تأييد الله تعالى لذي القرنين، فإنه **«تهدما »** في هذه المحاورة إلى الأنفع الأنزه، فإن القوم، لو جمعوا له خرجاً لم يمنعه منهم أحد، ولوكلوه إلى البنيان، ومعونتهم بالقوة أجمل به، وأمر يطاول مدة العمل، وربما أربى على المخرج، و ****«الردم »**** أبلغ من السد، إذ السد كل ما سد به، و ****«الردم »**** وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه : إذا رقعه برقاع متكاثفة، بعضها فوق بعض، ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
هل غادر الشعراء من متردم. . . [(١)](#foonote-١) أي من قول يركب بعضه على بعض.

١ هذا صدر بيت هو مطلع المعلقة، والبيت بتمامه:
 هل غادر الشعراء من متـــــردم؟ أم هــل عرفت الدار بعد توهم؟
 والمتردم: الوضع الذي يردم ويستصلح ويسترقع لما أصابه من الوهن، هذا هو الأصل، والمعنى المراد هنا: هل ترك الشعراء قولا يصلح ويرقع؟ أي: هل تركوا قولا لقائل بعدهم، أو فنا لم يسلكوه في الشعر؟ أما قوله: "أم هل عرفت الدار بعد توهم؟" فمعناه: لم أعرفها إلا توهما أنها هي الدار التي كنت أعهد لما أصابها من تغير. هذا والبيت في اللسان (ردم)..

### الآية 18:96

> ﻿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [18:96]

قرأ عاصم[(١)](#foonote-١) وحمزة ****«ايتوني »**** بمعنى جيئوني، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي **«آتوني »** بمعنى أعطوني، وهذا كله إنما هو استدعاء إلى المناولة، لا استدعاء العطية والهبة، لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبق الاستدعاء المناولة، وإعمال القوة، و ****«ايتوني »**** : أشبه بقوله : فأعينوني بقوة، ونصب **«الزبر »** به على نحو قول الشاعر : أمرتك الخير[(٢)](#foonote-٢)، حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور **«زبَر »** بفتح الباء، وقرأ الحسن بضمها، وكل ذلك جمع زبرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى : فرصفه وبناه، حتى إذا ساوى بين الصدفين، فاختصر ذلك لدلالة الظاهر عليه، وقرأ الجمهور **«ساوى »** وقرأ قتادة **«سوى »**، و **«الصدفان »** : الجبلان المتناوحان[(٣)](#foonote-٣)، ولا يقال للواحد صدف وإنما يقال صدفان لاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي **«الصَّدَفين »** بفتح الصاد وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز[(٤)](#foonote-٤)، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو **«الصُّدفين »** بضم الصاد والدال، وهي قراءة مجاهد والحسن، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي عبد الرحمن وقرأ الماجشون **«بفتح الصاد وضم الدال، وقراءة قتادة »** بين الصَّدْفين **«، بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ذلك بمعنى واحد : هما الجبلان المتناوحان، وقيل »** الصدفان **« : السطحان الأعليان من الجبلين، وهذا نحو من الأول، وقوله  قال انفخوا  إلى آخر الآية معناه أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها، حتى تحمى، ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو الرصاص أو بالحديد، بحسب الخلاف في القطر، فيفرغه، على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم واشتد استأنف وصف طاقة أخرى، إلى أن استوى العمل، وقرأ بعض الصحابة :»** بقطر أفرغ عليه **«، وقال أكثر المفسرين :»** القطر **« : النحاس المذاب، ويؤيد هذا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم »** جاءه رجل فقال : يا رسول الله، إني رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال كيف رأيته ؟ قال رأيته كالبرد المحبر : طريقة صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد رأيته[(٥)](#foonote-٥) **«، وقالت فرقة »** القطر « : الرصاص المذاب، وقالت فرقة الحديد المذاب، وهو مشتق من قطر يقطر.

١ أي: في رواية أبي بكر، أما قراءة حفص عن عاصم فهي: \[آتوني\]..
٢ هذا جزء في صدر بيت قاله عمرو بن معديكرب الزبيدي، والبيت بتمامه:
 أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا، وقد قيل إن البيت للعباس بن مرداس، وقيل: لزرعة بن السائب، وقيل: لخفاف ابن ندبة، وروي في شعر لأعشى طرود. والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، والمال: الإبل والغنم، أو المال عام في كل ما يمتلك. والشاهد في (أمرتك الخير)، أصله: أمرتك بالخير، فحذف حرف الجر وتعدى الفعل إلى المفعول الثاني، ومثله في ذلك قول الشاعر:
 أستغفر الله ذنبا لست محصية رب العباد إليه الوجه والعمل.
٣ أي: المتقابلان..
٤ وبها قرأ عاصم في رواية حفص..
٥ أخرجه ابن جرير، وابن مردويه، عن أبي بكرة النسفي رضي الله عنه..

### الآية 18:97

> ﻿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [18:97]

والضمير في قوله  استطاعوا  ل  يأجوج ومأجوج  \[ الكهف : ٩٤ \]، وقرأت فرقة » فما اسْطاعوا **«بسكون السين وتخفيف الطاء، وقرأت فرقة بشد الطاء، وفيها تكلف الجمع بين ساكنين و  يظهروه  معناه : يعلونه بصعود فيه، ومنه في الموطأ : والشمس في حجرتها قبل أن تظهر[(١)](#foonote-١)،  وما اسطاعوا له نقباً  لبعد عرضه وقوته ولا سبيل سوى هذين إما ارتقاء وإما نقب، وروي أن في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسين فرسخاً، وروي غير هذا مما لا ثبوت له، فاختصرناه، إذ لا غاية للتخرص، وقوله في هذه الآية  انفخوا  يريد بالأكيار، وقوله  اسطاعوا  بتخفيف الطاء، على قراءة الجمهور قيل هي لغة بمعنى استطاعوا وقيل بل استطاعوا بعينه، كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء، فقالوا : اسطاعوا ، وحذف بعضهم منه الطاء فقال :»** استاع **«يستيع بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة وقرأ حمزة وحده »** فما اسطّاعوا **«بتشديد الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي : هي غير جائزة، وقرأ الأعمش :»** فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا «بالتاء في الموضعين.

١ أخرجه البخاري في المواقيت، ومسلم في المساجد، وأبو داود في الصلاة وكذلك الترمذي، والنسائي في المواقيت، والدارمي في الصلاة، وهو كذلك في الموطأ في الصلاة، وهو في البخاري حديث طويل، ذكر فيه أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخر الصلاة يوما فدخل عليه ابن مسعود فقال: ما هذا يامغيرة...... ثم قال عروة في آخر الحديث: ولقد حدثتني عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر..

### الآية 18:98

> ﻿قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [18:98]

وقوله  هذا رحمة  الآية القائل : ذو القرنين، وأشار بهذا إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به، وقرأ ابن أبي عبلة » هذه رحمة **«، و »** الوعد **« : يحتمل أن يريد به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به وقت خروج يأجوج ومأجوج، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر »** دكاً **«مصدر دك يدك إذا هدم ورض، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي »** دكاء **«بالمد، وهذا على التشبيه بالناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره جعله مثل دكاء، وأما النصب في  دكاً  فيحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً ل »** جعل **«، ويحتمل أن يكون »** جعل «بمعنى خلق، وينصب  دكاً  على الحال، وكذلك أيضاً النصب في قراءة من مد يحتمل الوجهين.

### الآية 18:99

> ﻿۞ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [18:99]

والضمير في  تركنا  لله عز وجل، وقوله  يومئذ  يحتمل أن يريد به يوم القيامة لأنه قد تقدم ذكره، فالضمير في قوله  بعضهم  على ذلك لجميع الناس، ويحتمل أن يريد بقوله  يومئذ  يوم كمال السد، فالضمير في قوله  بعضهم  على ذلك
 يأجوج ومأجوج  \[ الكهف : ٩٤ \]، واستعارة **«الموج »** لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف ونحوه، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض، وقوله  ونفخ في الصور  إلى آخر الآية معني به يوم القيامة بلا احتمال لغيره، فمن تأول الآية كلها في يوم القيامة، اتسق تأويله، ومن تأول الآية إلى قوله  يموج في بعض  في أمر يأجوج ومأجوج، تأول القول وتركناهم يموجون دأباً على مر الدهر وتناسل القرون منهم فنائهم، ثم  نفخ في الصور  فيجتمعون، و  الصور  : في قول الجمهور وظاهر الأحاديث الصحاح، هو القرن الذي ينفخ فيه للقيامة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنا الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر »**، فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :**«قولوا حسبنا الله وعلى الله توكلنا، ولو اجتمع أهل منى ما أقلوا ذلك القرن »**[(١)](#foonote-١)، وأما ****«النفخات »****، فأسند الطبري إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال **« »** الصور **«قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام[(٢)](#foonote-٢) لرب العالمين »**، وقال بعض الناس ****«النفخات »**** اثنتان : نفخة الفزع، وهي نفخة الصعق، ثم الأخرى التي هي للقيام، وملك الصور هو إسرافيل، وقالت فرقة  الصور  جمع صورة، فكأنه أراد صور البشر والحيوان نفخ فيها الروح، والأول أبين وأكثر في الشريعة.

١ أخرجه أحمد، والطبراني في الأوسط، والحاكم، والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد سبق الاستشهاد بهذا الحديث عن تفسير الآية (٧٣) من سورة الأنعام (٥ـ ٢٥٠)، وينتهي الحديث كما ذكره في الدر المنثور بقوله: وعلى الله توكلنا..
٢ الحديث في الطبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو وضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر)، قال أبو هريرة: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: (قرن)، قال: وكيف هو؟ قال: (قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين). وفي حديث عن الدجال أخرجه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه ينفخ في الصور المرة الأولى فيصعق من في السماوات والأرض، ثم ينفخ فيه أخرى)..

### الآية 18:100

> ﻿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [18:100]

وقوله  وعرضنا جهنم  معناه : أبرزناها لهم لتجمعهم وتحطمهم، ثم أكد بالمصدر عبارة عن شدة الحال، وروى الطبري في هذا حديثاً مضمنه أن النار ترفع لليهود والنصارى كأنها السراب، فيقال هل لكم في الماء حاجة ؟ فيقولون نعم، وهذا مما لا صحة له.

### الآية 18:101

> ﻿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [18:101]

قوله  أعينهم  كناية عن البصائر، لأن عين الجارحة لا نسبة بينها وبين الذكر، والمعنى : الذين فكرهم بينها وبين  ذكري  والنظر في شرعي حجاب، وعليها  غطاء  ثم قال إنهم  كانوا لا يستطيعون سمعاً  يريد لإعراضهم ونفارهم عن دعوة الحق، وقرأ جمهور الناس :**«أفحسِب الذين »** بكسر السين بمعنى : أظنوا.

### الآية 18:102

> ﻿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [18:102]

وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وابن عمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه :**«أفحسْبُ »** بسكون السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم، وفي مصحف ابن مسعود **«أفظن الذين كفروا »**، وهذه حجة لقراءة الجمهور، وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في  الذين كفروا  بعض العرب واليهود والنصارى، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم، بل ليس من ولاية هؤلاء المذكورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعاً و  أعتدنا  معناه : يسرنا، و ****«النزل »**** موضع النزول، و ****«النزل »**** أيضاً ما يقدم للضيف أو القادم من الطعام عند نزوله، ويحتمل أن يراد بالآية هذا المعنى أن المعد لهم بدل النزول جهنم، كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
تحية بينهم ضرب وجيع[(١)](#foonote-١). . .

١ سبق الاستشهاد بهذا البيت عند تفسير قوله تعالى: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه من هذه السورة ص ٢٩٧ هامش٢..

### الآية 18:103

> ﻿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [18:103]

ثم قال تعالى : هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً  الآية المعنى : قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ : هل نخبركم بالذين خسروا عملهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم مع ذلك يظنون أنهم يحسنون فيما يصنعونه فإذا طلبوا ذلك، فقل لهم : أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ، وقرأ ابن وثاب **«قل سننبئكم »**، وهذه صفة المخاطبين من كفار العرب المكذبين، بالبعث. 
وقالت فرقة : إن الاستفهام تم في قوله  أعمالاً . 
وقوله  أعمالاً  نصب على التمييز.

### الآية 18:104

> ﻿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [18:104]

ثم قال : هم  الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً  فقال سعد بن أبي وقاص هم عباد اليهود والنصارى، وأهل الصوامع والديارات، وقال علي بن أبي طالب هم الخوارج، وهذا إن صح عنه، فهو على جهة مثال فيمن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن وروي أن ابن الكواء سأله عن  الأخسرين أعمالاً  فقال له أنت وأصحابك، ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك  أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه  وليس من هذه الطوائف من يكفر بلقاء الله، وإنما هذه صفة مشركي عبدة الأوثان، فاتجه بهذا ما قلناه أولاً وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواماً أخذوا بحظهم من صدر الآية.

### الآية 18:105

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [18:105]

و **«حبطت »** معناه : بطلت، و  أعمالهم  : يريد ما كان لهم من عمل خير، وقوله  فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً [(١)](#foonote-١) يحتمل أن يريد أنه لا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار لا محالة، ويحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنه قال فلا قدر لهم عندنا يومئذ، فهذا معنى الآية عندي، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال **«يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن بعوضة »** ثم يقرأ  فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً . 
وقرأ الجمهور **«فحبِطت »** بكسر الباء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال **«فحبَطت »** بفتح الباء، وقرأ كعب بن عجرة[(٢)](#foonote-٢) والحسن وأبو عمرو ونافع والناس **«فلا نقيم لهم »** بنون العظمة، وقرأ مجاهد **«فلا يقيم »**، بياء الغائب، يريد فلا يقيم الله عز وجل، وقرأ عبيد بن عمير :**«فلا يقوم »** ويلزمه أن يقرأ **«وزن »**، وكذلك قول مجاهد **«يقول لهم يوم القيامة »**.

### الآية 18:106

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [18:106]

وقوله  ذلك  إشارة إلى ترك إقامة الوزن و  جزاؤهم  خبر الابتداء في قوله  ذلك ، وقوله  جهنم  بدل منه، و  ما  في قوله  بما كفروا  مصدرية و **«الهزء »** الاستخفاف والسخرية.

### الآية 18:107

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [18:107]

لما فرغ من ذكر الكفرة والأخسرين أعمالاً الضالين، عقب بذكر حالة المؤمنين ليظهر التباين، وفي هذا بعث النفوس على اتباع الحسن القويم، واختلف المفسرون في  الفردوس  فقال قتادة إنه أعلى الجنة وربوتها، وقال أبو هريرة إنه جبل تنفجر منه أنهار الجنة، وقال أبو أمامة، إنه ُسَّرة الجنة، ووسطها، وروى أبو سعيد الخدري أنه تنفجر منه أنهار الجنة، وقال عبد الله بن الحارث بن كعب إنه جنات الكرم والأعناب خاصة من الثمار، وقاله كعب الأحبار، واستشهد قوم لذلك بقول أمية بن أبي الصلت :\[ البسيط \]
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة. . . فيها الفراديس والفومان والبصل[(١)](#foonote-١)
وقال الزجاج قيل إن  الفردوس  سريانية، وقيل رومية، ولم يسمع ب  الفردوس  في كلام العرب إلا في بيت حسان :\[ الطويل \]
وإن ثواب الله كل موحد. . . جنان من الفردوس فيها يخلد[(٢)](#foonote-٢)
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال **«إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس »**[(٣)](#foonote-٣)، وقالت فرقة  الفردوس  البستان بالرومية، وهذا اقتضاب القول في  الفردوس  وعيون ما قيل، وقوله  نزلاً  يحتمل الوجهين اللذين قدمناهما قبل.

١ البيت في اللسان (فوم)، قال: "وقال أمية في جمع الفوم: (كانت لهم جنة إذ ذاك ظاهرة... البيت )، ويروى: (الفراريس) ـ بالراء ـ، قال أبو الإصبع: الفراريس: البصل، وقال ابن دريد: الفومة: السنبلة"، وقال في مكان آخر: "قال ابن جني: ذهب أهل التفسير في قوله عز وجل: {وفومها وعدسها) إلى أنه أراد الثوم، فالفاء ـ على هذا ـ عنده بدل من الثاء، والصواب عندنا أن الفوم: الحنطة و ما يختبز من الحبوب. وجمعوا الجمع فقالوا: فومان". وقال في (فردوس): "الفردوس: البستان، قال الفراء: هو عربي، وقال ابن سيدة: الفردوس: الوادي الخصيب عند العرب كالبستان، والفردوس: الروضة (عن السيرافي)، وقال الزجاج حقيقته أنه البستان الذي يجمع ما يكون في البساتين"..
٢ وهذا البيت أيضا في اللسان والتاج واستشهدا به على أن الفردوس عربية، ففي اللسان: "قال أبو بكر: ومما يدل أن الفردوس بالعربية قول حسان: (وإن ثواب الله........ البيت)، وقال الزجاج، الفردوس أصله رومي ولكن عرب"..
٣ أخرج البخاري، ومسلم، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة). والحديث في تفسير الطبري، قال: "عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد الخدري"، ثم ذكر الحديث مع اختلاف يسير في الألفاظ..

### الآية 18:108

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [18:108]

و **«الحول »** بمعنى التحول، وقال مجاهد : متحولاً، ومنه قول الشاعر :\[ مجزوء الرجز \]
لكل دولة أجل \*\*\* ثم يتاح لها حول[(١)](#foonote-١). . . وكأنه اسم جمع، وكأن واحده حوالة، وفي هذا نظر، وقال الزجاج عن قوم : هي بمعنى الحيلة في التنقل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف متكلف.

١ البيت شاهد على أن الحول بمعنى: التحول، قال في اللسان (حول): "والحول: يجري مجرى التحويل، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا، والتحويل مصدر حقيقي من حولت، والحول اسم يقوم مقام المصدر، قال الله عز وجل: لا يبغون عنها حولا، أي تحويلا، وقال الزجاج: لا يريدون عنها تحولا، يقال: قد حال من مكانه حولا، كما قالوا في المصادر: صغر صغرا، وعادني حبها عودا"..

### الآية 18:109

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [18:109]

وأما قوله  قل لو كان البحر  إلى آخر الآية، فروي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي عليه السلام كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها، ومبعوث إليها، وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم، وأنت مقصر، قد سئلت في الروح ولم تجب فيه، ونحو هذا من القول، فنزلت الآية معلمة باتساع معلومات الله عز وجل، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدع ولا نكير، فعبر عن هذا بتمثيل ما يستكثرونه، وهو قوله  قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  و **«الكلمات »** : هي المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، ومعلومات الله سبحانه لا تناهى، و  البحر  متناه، ضرورة، وقرأ الجمهور :**«تنفد »** بالتاء من فوق[(١)](#foonote-١)، وقرأ عمرو بن عبيد **«ينفد »** بالياء وقرأ ابن مسعود وطلحة : قبل أن تقضي كلمات ربي، وقوله  مداداً  أي زيادة، وقرأ الجمهور :**«مداداً »** وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ومجاهد والأعرج **«مدداً »**، فالمعنى لو كان البحر  مداداً  تكتب به معلومات الله عز وجل، لنفد قبل أن يستوفيها، وكذلك إلى ما شئت من العدد.

١ قد يسأل سائل: لماذا قال الله تبارك وتعالى في أول الآية: \[مِدادا\]، وقال في آخرها: \[مَدادا\]، والمعنى واحد، والاشتقاق غير مختلف؟ أجاب ابن الأنباري عن ذلك فقال: أواخر الآيات السابقة على فعل وفعل، كقوله: \[نُزلا\]، \[هزوا\]، \[حولا\]، ولهذا فإن الأشبه بها هو \[مَدادا\] لأنه يحقق اتفاق المقاطع، وتمام السجع مما يجعل الكلام أخف على الألسن، وأحلى في الأسماع..

### الآية 18:110

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [18:110]

و  إنما أنا بشر مثلكم  لم أعط إلا ما أوحي إلي وكشف لي، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي :**«ينفد »** بالياء من تحت، وقرأ الباقون بالتاء، وقوله  قل إنما أنا بشر مثلكم  المعنى : إنما أنا بشر  ينتهي علمي إلى حيث  يوحى إلي  ومهم ما يوحى إلي، أنما إلهكم إله واحد، وكان كفرهم بعبادة الأصنام فلذلك خصص هذا الفصل مما أوحي إليه، ثم أخذ في الموعظة، والوصاة البينة الرشد، و  يرجو  على بابها، وقالت فرقة : يرجو  بمعنى يخاف، وقد تقدم القول في هذا المقصد، فمن كان يؤمن بلقاء ربه وكل موقن بلقاء ربه، فلا محالة أنه بحالتي خوف ورجاء، فلو عبر بالخوف لكان المعنى تاماً على جهة التخويف والتحذير، وإذا عبر بالرجاء فعلى جهة الإطماع وبسط النفوس إلى إحسان الله تعالى، أي  فمن كان يرجو 
النعيم المؤبد من ربه  فليعمل  وباقي الآية بين في الشرك بالله تعالى، وقال ابن جبير في تفسيرها لا يرائي في عمله وقد روي حديث أنها نزلت في الرياء، حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يجاهد ويحب أن يحمده الناس[(١)](#foonote-١)، وقال معاوية بن أبي سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن[(٢)](#foonote-٢).

١ أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي الدنيا في الإخلاص، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم عن طاوس قال: قال رجل: يا نبي الله، إني أقف مواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت هذه الآية فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة بربه أحدا. قال في (الدر المنثور): "وأخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي موصولا، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما"..
٢ أخرج هذا الخبر ابن جرير، وابن مردويه، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية. ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم"..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/18.md)
- [كل تفاسير سورة الكهف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/18.md)
- [ترجمات سورة الكهف
](https://quranpedia.net/translations/18.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/18/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
