---
title: "تفسير سورة الكهف - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/18/book/4.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/18/book/4"
surah_id: "18"
book_id: "4"
book_name: "جامع البيان في تأويل آي القرآن"
author: "الطبري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الكهف - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/18/book/4)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الكهف - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري — https://quranpedia.net/surah/1/18/book/4*.

Tafsir of Surah الكهف from "جامع البيان في تأويل آي القرآن" by الطبري.

### الآية 18:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ [18:1]

بِسمِ اللّهِ الرحمَن الرّحِيمِ

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْزَلَ عَلَىَ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لّهُ عِوَجَا . 
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : الحمد لله الذي خصّ برسالته محمدا وانتخبه لبلاغها عنه، فابتعثه إلى خلقه نبيا مرسلاً، وأنزل عليه كتابه قيما، ولم يجعل له عِوَجا. 
وعُنِي بقوله عزّ ذكره : قَيّما معتدلاً مستقيما. وقيل : عُنِي به : أنه قيم على سائر الكتب يصدّقها ويحفظها. ذكر من قال : عني به معتدلاً مستقيما :
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيّما يقول : أنزل الكتاب عَدلاً قيما، ولم يجعل له عِوَجا، فأخبر ابن عباس بقوله هذا مع بيانه معنى القيم أن القيم مؤخر بعد قوله، ولم يجعل له عوجا، ومعناه التقديم بمعنى : أنزل الكتاب على عبده قَيّما. 
حُدثت عن محمد بن زيد، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله قَيّما قال : مستقيما. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوْجا قَيّما : أي معتدلاً لا اختلاف فيه. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَوَجا قَيّما قال : أنزل الله الكتاب قيما، ولم يجعل له عِوَجا. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَوَجا قَيّما. 
قال : وفي بعض القراءات :**«وَلَكِنْ جَعَلَهُ قَيّما »**. 
والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله ابن عباس، ومن قال بقوله في ذلك، لدلالة قوله : ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا فأخبر جلّ ثناؤه أنه أنزل الكتاب الذي أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم قَيّما مستقيما لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بل بعضه يصدق بعضا، وبعضه يشهد لبعض، لا عِوَج فيه، ولا ميل عن الحقّ، وكُسرت العين من قوله عَوِجا لأن العرب كذلك تقول في كلّ اعوجاج كان في دين، أو فيما لا يُرَى شخصه قائما، فيُدْرَك عِيانا منتصبا كالعاج في الدين، ولذلك كُسِرت العين في هذا الموضع، وكذلك العِوَج في الطريق، لأنه ليس بالشخص المنتصب. فأما ما كان من عِوَج في الأشخاص المنتصبة قياما، فإن عينها تفتح كالعَوج في القناة، والخشبة، ونحوها. وكان ابن عباس يقول في معنى قوله ولَمَ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا : ولم يجعل له ملتبسا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ولَمَ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيّما ولم يجعل له ملتبسا. 
ولا خلاف أيضا بين أهل العربية في أن معنى قوله قَيّما وإن كان مؤخرا، التقديم إلى جنب الكتاب. وقيل : إنما افتتح جلّ ثناؤه هذه السورة بذكر نفسه بما هو له أهل، وبالخبر عن إنزال كتابه على رسوله إخبارا منه للمشركين من أهل مكة، بأن محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المشركين كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء علمه موها اليهود من قريظة والنضير، وأمروهم بمسألته موه عنها، وقالوا : إن أخبركم بها فهو نبيّ، وإن لم يخبركم بها فهو منقوّل، فوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للجواب عنها موعدا، فأبطأ الوحي عنه بعض الإبطاء، وتأخّر مجيء جبرائيل عليه السلام عنه عن ميعاده القوم، فتحدّث المشركون بأنه أخلفهم موعدَه، وأنه متقوّل، فأنزل الله هذه السورة جوابا عن مسائلهم، وافتتح أوّلها بذكره، وتكذيب المشركين في أحدوثتهم التي تحدّثوها بينهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس فيما يروي أبو جعفر الطبري قال : بعثت قريش النضْر بن الحارث، وعُقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم : سلوهم عن محمد، وصِفُوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قَدِما المدينة، فسألوا أحبار يهودَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا : إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال : فقالت لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهنّ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فَرَوْا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل، ما كان من أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طَوّاف، بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك، فإنه نبيّ فاتّبعوه، وإن هو لم يخبركم، فهو رجلّ متقوّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضْر وعقبة حتى قَدِما مكة على قريش، فقالا : يا معشر قريش : قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهودَ أن نَسأله، عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أُخْبِرُكُمْ غَدا بِمَا سألْتُمْ عَنْهُ »**، ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، لا يُحَدِث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعَدَنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه. وحتى أحزنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبرائيل عليه السلام، من الله عزّ وجلّ، بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفِتية والرجل الطوّاف، وقول الله عزّ وجلّ وَيَسألُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أمْرِ رَبّي وَما أُوتِيُتمْ مِنَ العِلْمِ إلاّ قَلِيلاً قال ابن إسحاق : فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح السورة فقال الحَمْدِ لِلّهِ الّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ يعني محمدا إنك رسولي في تحقيق ما سألوا عنه من نبوّته ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا قَيّما : أي معتدلاً، لا اختلاف فيه.

### الآية 18:2

> ﻿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [18:2]

القول في تأويل قوله تعالى : قَيّماً لّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مّن لّدُنْهُ وَيُبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً \* مّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً . 
يقول تعالى ذكره : أنزل على عبده القرآن معتدلاً مستقيما لا عوج فيه لينذركم أيها الناس بأسا من الله شديدا. وعنى بالبأس العذاب العاجل، والنكال الحاضر والسطوة. وقوله : مِنْ لَدُنْهُ يعني : من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق لِيُنْذِرَ بَأْسا شَدِيدا عاجل عقوبة في الدنيا وعذابا في الآخرة. مِنْ لَدنْهِ : أي من عند ربك الذي بعثك رسولاً. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، بنحوه. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : مِنْ لَدُنْهُ : أي من عنده. 
فإن قال قائل : فأين مفعول قوله لِيُنْذَرِ فإن مفعوله محذوف اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام عليه من ذكره، وهو مضمر متصل بينذر قبل البأس، كأنه قيل : لينذركم بأسا، كما قيل : يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ إنما هو : يخوّفكم أولياءه. 
وقوله : وَيُبَشّرَ المُؤْمِنِينَ يقول : ويبشر المصدقين الله ورسوله الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحات وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والانتهاء عما نهى الله عنه أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا يقول : ثوابا جزيلاً له من الله على إيمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا الصالحات من الأعمال، وذلك الثواب : هو الجنة التي وعدها المتقون. وقوله : ماكِثِينَ فِيهِ أبَدا خالدين، لا ينتقلون عنه، ولا يُنْقَلون ونصب ماكثين على الحال من قوله : أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا في هذه الحال في حال مكثهم في ذلك الأجر. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق وَيُبَشّرَ المُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا ماكِثِينَ فِيهِ أبَدا : أي في دار خلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به عن الله، وعملوا بما أمرتهم.

### الآية 18:3

> ﻿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [18:3]

القول في تأويل قوله تعالى : قَيّماً لّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مّن لّدُنْهُ وَيُبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً \* مّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً . 
يقول تعالى ذكره : أنزل على عبده القرآن معتدلاً مستقيما لا عوج فيه لينذركم أيها الناس بأسا من الله شديدا. وعنى بالبأس العذاب العاجل، والنكال الحاضر والسطوة. وقوله : مِنْ لَدُنْهُ يعني : من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق لِيُنْذِرَ بَأْسا شَدِيدا عاجل عقوبة في الدنيا وعذابا في الآخرة. مِنْ لَدنْهِ : أي من عند ربك الذي بعثك رسولاً. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، بنحوه. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : مِنْ لَدُنْهُ : أي من عنده. 
فإن قال قائل : فأين مفعول قوله لِيُنْذَرِ فإن مفعوله محذوف اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام عليه من ذكره، وهو مضمر متصل بينذر قبل البأس، كأنه قيل : لينذركم بأسا، كما قيل : يُخَوّفُ أوْلِياءَهُ إنما هو : يخوّفكم أولياءه. 
وقوله : وَيُبَشّرَ المُؤْمِنِينَ يقول : ويبشر المصدقين الله ورسوله الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحات وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والانتهاء عما نهى الله عنه أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا يقول : ثوابا جزيلاً له من الله على إيمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا الصالحات من الأعمال، وذلك الثواب : هو الجنة التي وعدها المتقون. وقوله : ماكِثِينَ فِيهِ أبَدا خالدين، لا ينتقلون عنه، ولا يُنْقَلون ونصب ماكثين على الحال من قوله : أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا في هذه الحال في حال مكثهم في ذلك الأجر. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق وَيُبَشّرَ المُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا ماكِثِينَ فِيهِ أبَدا : أي في دار خلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به عن الله، وعملوا بما أمرتهم.

### الآية 18:4

> ﻿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [18:4]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيُنْذِرَ الّذِينَ قَالُواْ اتّخَذَ اللّهُ وَلَداً \* مّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبائهم كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً . 
يقول تعالى ذكره : ويحذر أيضا محمد القوم الّذِين قالُوا اتّخَذَ اللّهُ وَلَدا من مشركي قومه وغيرهم، بأسَ الله وعاجلَ نقمته، وآجل عذابه، على قيلهم ذلك، كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وَيُنْذِرَ الّذِينَ قالُوا اتّخَذَ اللّهُ وَلَدا يعني قريشا في قولهم : إنما نعبد الملائكة، وهنّ بنات الله.

### الآية 18:5

> ﻿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [18:5]

وقوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يقول : ما لقائلي هذا القول، يعني قولهم اتّخَذَ اللّهُ وَلَدا بِهِ : يعني بالله من علم، والهاء في قوله بِهِ من ذكر الله. وإنما معنى الكلام : ما لهؤلاء القائلين هذا القول بالله، إنه لا يجوز أن يكون له ولد من علم، فلجهلهم بالله وعظمته قالوا ذلك. 
وقوله : ولاَ لآبائهم يقول : ولا لأسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل الذي هم عليه اليوم، كان لهم بالله وبعظمته علم. وقوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدنيين والكوفيين والبصريين : كَبُرَتْ كَلِمَةً بنصب كلمةً بمعنى : كبُرت كلمتهم التي قالوها كلمةً على التفسير، كما يقال : نعم رجلاً عمرو، ونعم الرجل رجلاً قام، ونعم رجلاً قام. وكان بعض نحويّي أهل البصرة يقول : نُبت كلمةً لأنها في معنى : أكْبِر بها كلمة، كما قال جلّ ثناؤه وَسَاءتْ مُرْتَفَقا وقال : هي في النصب مثل قول الشاعر :

ولقدْ عَلِمْتُ إذَا اللّقاحُ تَرَوّحتْ  هَدَجَ الرّئالِ تَكُبّهُنّ شَمالاأي تكبهنّ الرياح شمالاً. فكأنه قال : كبرت تلك الكلمة. وذُكِر عن بعض المكيين أنه كان يقرأ ذلك :**«كَبُرَتْ كَلِمَةٌ »** رفعا، كما يقال : عَظُم قولُك وكَبُر شأنُك. وإذا قرىء ذلك كذلك لم يكن في قوله كَبُرَتْ كَلِمَةً مُضمر، وكان صفة للكلمة. 
والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ : كَبُرَتْ كَلِمَةً نصبا لإجماع الحجة من القرّاء عليها، فتأويل الكلام : عَظُمت الكلمة كلمة تخرج من أفواه هؤلاء القوم الذين قالوا : اتخذ الله ولدا، والملائكة بنات الله، كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ قولهم : إن الملائكة بنات الله. 
وقوله : إنْ يَقُولُونَ إلاّ كَذِبا يقول عزّ ذكره : ما يقول هؤلاء القائلون اتخذ الله ولدا بقيلهم ذلك إلا كذبا وفرية افتروها على الله.

### الآية 18:6

> ﻿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [18:6]

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ عَلَىَ آثَارِهِمْ إِن لّمْ يُؤْمِنُواْ بِهََذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً \* إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً \* وَإِنّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً . 
يعني تعالى ذكره بذلك : فلعلك يا محمد قاتلُ نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا لك لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا تمرّدا منهم على ربهم، إن هم لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته عليك فيصدّقوا بأنه من عند الله حزنا وتلهفا ووجدا، بإدبارهم عنك، وإعراضهم عما أتيتهم به وتركهم الإيمان بك. يقال منه : بخع فلان نفسه يبخعها بَخْعا وبخوعا ومنه قول ذي الرّمة :

ألا أيّهَذَا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ  لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُيريد : نحّته فخفف. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : باخِعٌ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فَلَعَلّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ يقول : قاتل نفسك. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا مَعْمر، عن قتادة، مثله. 
وأما قوله : أسَفا فإنّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : معناه : فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث غضبا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفا قال : غضبا. 
وقال آخرون : جَزَعا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله أسَفا قال : جزَعا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وقال آخرون : معناه : حزنا عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : أسَفا قال : حزنا عليهم. 
وقد بيّنا معنى الأسف فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 
وهذه معاتبة من الله عزّ ذكره على وجده بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الإيمان بالله، والبراءة من الآلهة والأنداد، وكان بهم رحيما. 
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فَلَعَلّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أسَفا يعاتبه على حزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم : أي لا تفعل.

### الآية 18:7

> ﻿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [18:7]

وقوله : إنّا جَعَلْنا ما عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا يقول عزّ ذكره : إنا جعلنا ما على الأرض زينة للأرض لِنَبْلُوَهُمْ أيّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً يقول : لنختبر عبادنا أيّهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ما عَلى الأرضِ زِينَةً لَهَا قال : ما عليها من شيء. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَهَا ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :**«إنّ الدّنيْا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإنّ اللّهَ مُسْتَخْلِفَكُمْ فِيها، فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتّقُوا الدّنيْا، واتّقُوا النّساءَ »**. 
وأما قوله : لِنَبْلُوَهُمْ أيّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً فإن أهل التأويل قالوا في تأويله نحو قولنا فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو عاصم العسقلاني، قال : لِنَبْلُوَهُمْ أيّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً قال : أترك لها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْض زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أيّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً اختبارا لهم أيهم أتبع لأمري وأعمل بطاعتي.

### الآية 18:8

> ﻿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [18:8]

وقوله : وَإنّا لَجاعلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدا جُرزا يقول عزّ ذكره : وإنما لمخرّبوها بعد عمار تناها بما جعلنا عليها من الزينة، فمصيروها صعيدا جرزا لا نبات عليها ولا زرع ولا غرس. وقد قيل : إنه أريد بالصعيد في هذا الموضع : المستوي بوجه الأرض، وذلك هو شبيه بمعنى قولنا في ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، وبمعنى الجرز، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وإنّا لَجَاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدا جُرُزا يقول : يهلك كلّ شيء عليها ويبيد. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد صَعِيدا جُرُزا قال : بلقعا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإنّا لَجاعلُونَ ما عَلَيْها صَعيدا جُرُزا والصعيد : الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق وَإنّا لَجَاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدا جُرُزا يعني : الأرض إن ما عليها لفانٍ وبائد، وإن المرجع لإليّ، فلا تأس، ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : صَعِيدا جُزُرا قال : الجزر : الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى أنه يقول : أوَ لَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فنُخْرِجُ بِهِ زَرْعا قال : والجرز : لا شيء فيها، لا نبات ولا منفعة. والصعيد : المستوي. وقرأ : لاَ تَرَى فِيها عِوَجا وَلا أمْتا قال : مستوية : يقال : جُرِزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد والنعم، وأرَضُون أَجْراز : إذا كانت لا شيء فيها. ويقال للسنة المجدبة : جُرُز وسنون أجراز لجدوبها ويبسها وقلّة أمطارها قال الراجز :
\*\*\* قَدْ جَرَفَتْهُنّ السّنُونُ الأجْرَازْ \*\*\*
يقال : أجرز القوم : إذا صارت أرضهم جُرُزا، وجَرَزوا هم أرضهم : إذا أكلوا نباتها كله.

### الآية 18:9

> ﻿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [18:9]

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عَجَبا، فإن ما خلقت من السموات والأرض، وما فيهنّ من العجائب أعجب من أمر أصحاب الكهف، وحجتي بكل ذلك ثابتة على هؤلاء المشركين من قومك، وغيرهم من سائر عبادي. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبا قال محمد بن عمرو في حديثه، قال : ليسوا عجبا بأعجب آياتنا. وقال الحارث في حديثه بقولهم : أعجب آياتنا : ليسوا أعجب آياتنا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : أمْ حَسِبْتَ أنّ أصْحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبا كانوا يقولون هم عجب. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كانْوا مِنْ آياتِنا عَجَبا يقول : قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبا. أي وما قدروا من قَدْر فيما صنعت من أمر الخلائق، وما وضعت على العباد من حججي ما هو أعظم من ذلك. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عَجَبا، فإن الذين آتيتك من العلم والحكمة أفضل منه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبا يقول : الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. 
وإنما قلنا : إن القول الأوّل أولى بتأويل الآية، لأنّ الله عزّ وجلّ أنزل قصة أصحاب الكهف على نبيه احتجاجا بها على المشركين من قومه على ما ذكرنا في الرواية عن ابن عباس، إذ سألوه عنها اختبارا منهم له بالجواب عنها صدقه، فكان تقريعهم بتكذيبهم بما هو أوكد عليهم في الحجة مما سألوا عنهم، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه أشبه من الخبر عما أنعم الله على رسوله من النعم. 
وأما الكهف، فإنه كهف الجبل الذي أوى إليه القوم الذين قصّ الله شأنهم في هذه السورة. 
وأما الرقيم، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنىّ به، فقال بعضهم : هو اسم قرية، أو واد على اختلاف بينهم في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى بن عبد الأعلى وعبد الرحمن، قالا : حدثنا سفيان، عن الشيبانيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : يزعم كعب أن الرقيم : القرية. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ قال : الرقيم : واد بين عُسْفان وأَيلة دون فلسطين، وهو قريب من أيلة. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت أبي، عن عطية، قال : الرقيم : واد. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كنّا نحدّث أن الرقيم : الوادي الذي فيه أصحاب الكهف. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن سمِاك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله الرّقِيمِ قال : يزعم كعب : أنها القرية. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله : الرّقِيمِ قال : يقول بعضهم : الرقيم : كتاب تبانهم. ويقول بعضهم : هو الوادي الذي فيه كهفهم. 
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول : أما الكهف : فهو غار الوادي، والرقيم : اسم الوادي. 
وقال آخرون : الرقيم : الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكهْفِ والرّقِيمِ يقول : الكتاب. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا أبي، عن ابن قيس، عن سعيد بن جبير، قال : الرقيم : لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : الرقيم : كتاب، ولذلك الكتاب خبر فلم يخبر الله عن ذلك الكتاب وعما فيه، وقرأ : وَما أدْرَاكَ ما عِلّيّونَ كِتِابٌ مرْقُومٌ يَشْهدُهُ المُقَرّبُون وَما أدْرَاكَ ما سِجّينٌ كتابٌ مرْقُومٌ. 
وقال آخرون : بل هو اسم جبل أصحاب الكهف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : الرقيم : الجبل الذي فيه الكهف. 
قال أبو جعفر : وقد قيل إن اسم ذلك الجبل : بنجلوس. 
حدثنا بذلك ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس : وقد قيل : إن اسمه بنا جلوس. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجَبِئي أن اسم جبل الكهف : بناجلوس. واسم الكهف : حيزم. والكلب : خُمران. وقد رُوي عن ابن عباس في الرقيم ما :
حدثنا به الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : كلّ القرآن أعلمه، إلا حنانا، والأوّاه، والرقيم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة يقول : قال ابن عباس : ما أدري ما الرقيم، أكتاب، أم بنيان ؟. 
وأولى هذه الأقوال بالصواب في الرقيم أن يكون معنيا به : لوح، أو حجر، أو شيء كُتب فيه كتاب. وقد قال أهل الأخبار : إن ذلك لوح كُتب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أوَوْا إلى الكهف. ثم قال بعضهم : رُفع ذلك اللوح في خزانة الملك. وقال بعضهم : بل جُعل على باب كهفهم. وقال بعضهم : بل كان ذلك محفوظا عند بعض أهل بلدهم. وإنما الرقم : فعيل. أصله : مرقوم، ثم صُرف إلى فعيل، كما قيل للمجروح : جريح، وللمقتول : قتيل، يقال منه : رقمت كذا وكذا : إذا كتبته، ومنه قيل للرقم في الثوب رقم، لأنه الخطّ الذي يعرف به ثمنه. ومن ذلك قيل للحيّة : أرقم، لما فيه من الآثار والعرب تقول : عليك بالرقمة، ودع الضفة : بمعنى عليك برقمة الوادي حيث الماء، ودع الضفة الجانبة. والضفتان : جانبا الوادي. وأحسب أن الذي قال الرقيم : الوادي، ذهب به إلى هذا، أعني به إلى رقمة الوادي.

### الآية 18:10

> ﻿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [18:10]

القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبّنَآ آتِنَا مِن لّدُنكَ رَحْمَةً وهيئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبا حين أوى الفتية أصحاب الكهف إلى كهف الجبل، هربا بدينهم إلى الله، فقالوا إذ أووه : رَبّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً رغبة منهم إلى ربهم، في أن يرزقهم من عنده رحمة. وقوله : وَهَيّىءْ لَنا مِنْ أمْرِنا رَشَدا يقول : وقالوا : يسّر لنا بما نبتغي وما نلتمس من رضاك والهرب من الكفر بك، ومن عبادة الأوثان التي يدعونا إليها قومنا، رَشَدا يقول : سَدادا إلى العمل بالذي تحبّ. 
وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفِتية إلى الكهف الذي ذكره الله في كتابه، فقال بعضهم : كان سبب ذلك، أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملك عابد وَثَن، دعاهم إلى عبادة الأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم، أو يقتلهم، فاستخفَوا منه في الكهف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو في قوله : أصحَابَ الكَهْفِ والرّقِيمِ كانت الفِتية على دين عيسى على الإسلام، وكان ملكهم كافرا، وقد أخرج لهم صنما، فأبَوا، وقالوا : رَبّنا رَبّ السّمَوَاتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دونه إلها لَقَدْ قُلْنا إذا شَطَطا قال : فاعتزلوا عن قومهم لعبادة الله، فقال أحدهم : إنه كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه، فانطلقوا بنا نكن فيه، فدخلوه، وفُقدوا في ذلك الزمان فطُلبوا، فقيل : دخلوا هذا الكهف، فقال قومهم : لا نريد لهم عقوبة ولا عذابا أشدّ من أن نردم عليهم هذا الكهف، فبنوه عليهم ثم ردموه. ثم إن الله بعث عليهم ملكا على دين عيسى، ورفع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم، فقال بعضهم لبعض : كَمْ لَبِثْتُمْ ؟ ف قالُوا لَبِثنْا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. . . حتى بلغ فابْعَثُوا أحدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلى المَدِينَةِ وكان ورِق ذلك الزمان كبارا، فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعام وشراب فلما ذهب ليخرج، رأى على باب الكهف شيئا أنكره فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة، فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهما، فنظروا إليه فأنكروه، وأنكروا الدرهم، وقالوا : من أين لك هذا ؟ هذا من ورق غير هذا الزمان، واجتمعوا عليه يسألونه، فلم يزالوا به حتى انطلقوا به إلى ملكهم، وكان لقومهم لوح يكتبون فيه ما يكون، فنظروا في ذلك اللوح، وسأله الملك، فأخبره بأمره، ونظروا في الكتاب متى فقد، فاستبشروا به وبأصحابه، وقيل له : انطلق بنا فأرنا أصحابك، فانطلق وانطلقوا معه، ليريهم، فدخل قبل القوم، فضرب على آذانهم، فقال الذين غلبوا على أمرهم : لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : مَرِج أمر أهل الإنجيل وعظُمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم على ذلك بقايا على أمر عيسى ابن مريم، متمسكون بعبادة الله وتوحيده، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم، ملك من الروم يقال له : دَقْيَنوس، كان قد عبد الأصنام، وذبح للطواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقام على دين عيسى ابن مريم. كان ينزل في قُرى الروم، فلا يترك في قرية ينزلها أحدا ممن يدين بدين عيسى ابن مريم إلا قتله، حتى يعبد الأصنام، ويذبح للطواغيت، حتى نزل دقينوس مدينة الفِتية أصحاب الكهف فلما نزلها دقينوس كبر ذلك على أهل الإيمان، فاستخْفَوا منه وهربوا في كلّ وجه. وكان دقينوس قد أمر حين قدمها أن يتبع أهل الإيمان فيُجمعوا له، واتخذ شُرَطا من الكفّار من أهلها، فجعلوا يتبعون أهل الإيمان في أماكنهم التي يستخفون فيها، فيستخرجونهم إلى دقينوس، فقدمهم إلى المجامع التي يذبح فيها للطواغيت فيخيرهم بين القتل، وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة ويُفْظَع بالقتل فيَفتِتن، ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل فلما رأى ذلك أهل الصلابة من أهل الإيمان بالله، جعلوا يُسْلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقتلون ويقطعون، ثم يربط ما قطع من أجسادهم، فيعلّق على سور المدينة من نواحيها كلها، وعلى كلّ باب من أبوابها، حتى عظمت الفتنة على أهل الإيمان، فمنهم من كفر فُترك، ومنهم من صُلب على دينه فقُتل فلما رأى ذلك الفِتية أصحاب الكهف، حزنوا حزنا شديدا، حتى تغيرت ألوانهم، وَنحِلت أجسامهم، واستعانوا بالصلاة والصيام والصدقة، والتحميد، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والبكاء، والتضرّع إلى الله، وكانوا فتية أحداثا أحرارا من أبناء أشراف الروم. 
فحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : لقد حُدّثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانه وضح الورِق. قال ابن عباس : فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكون إلى الله، ويستغيثونه، وكانوا ثمانية نفر مَكْسِلمينا، وكان أكبرهم، وهو الذي كلّم الملك عنهم، ومَحْسيميلنينا، ويَمليخا، ومَرْطوس، وكشوطوش، وبيرونس، ودي نموس، ويطونس قالوس فلما أجمع دقينوس أن يجمع أهل القرية لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، بكوا إلى الله وتضرّعوا إليه، وجعلوا يقولون : اللهمّ ربّ السموات والأرض، لن ندعو من دونك إلها لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطا اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وادفع عنهم البلاء وأنعم على عبادك الذين آمنوا بك، ومِنُعوا عبادتك إلا سرّا، مستخفِينَ بذلك، حتى يعبدوك علانية. فبينما هم على ذلك، عرفهم عُرفاؤهم من الكفار، ممن كان يجمع أهل المدينة لعبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خَلَوا في مُصَلّى لهم يعبدون الله فيه، ويتضرّعون إليه، ويتوقّعون أن يُذْكَروا لدق ينوس، فانطلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مُصَلاّهم، فوجدوهم سجودا على وجوههم يتضرّعون، ويبكون، ويرغبون إلى الله أن ينجيهم من دقينوس وفتنته فلما رآهم أولئك الكفرة من عُرفائهم قالوا لهم : ما خَلّفكم عن أمر الملك ؟ انطلقوا إليه ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقينوس، وقالوا : تجمع الناس للذبح لآلهتك، وهؤلاء فِتية من أهل بيتك، يسخَرون منك، ويستهزئون بك، ويعصُون أمرك، ويتركون آلهتك، يَعمِدون إلى مُصَلَى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريم يصلون فيه، ويتضرّعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلم تتركهم يصنعون هذا وهم بين ظَهرانْي سلطانك ومُلكك، وهم ثمانية نفر : رئيسهم مكسلمينا، وهم أبناء عظماء المدينة ؟ فلما قالوا ذلك لدقينوس، بعث إليهم، فأتى بهم من المصلّى الذي كانوا فيه تفيض أعينهم من الدموع مُعَفرة وجوههم في التراب، فقال لهم : ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تُعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أُسْوة لسَراة أهل مدينتكم، ولمن حضر منّا من الناس ؟ اختاروا مني : إما أن تذبحوا لاَلهتنا كما ذبح الناس، وإما أن أقتلكم فقال مكسلمينا : إن لنا إلها نبعده ملأ السموات والأرض عَظَمتُه، لن ندعو من دونه إلها أبدا، ولن نقرّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدا، ولكنا نعبد الله ربنا، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا، إياه نعبد، وإياه نسأل النجاة والخير، فأما الطواغيت وعبادتها، فلن نقرّ بها أبدا، ولسنا بكائنين عُبّادا للشياطين، ولا جاعلي أنفسنا وأجسادنا عُبادا لها، بعد إذ هدانا الله له رهبتَك، أو فَرَقا من عبودتك، اصنع بنا ما بدا لك ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقينوس مثل ما قال. قال : فلما قالوا ذلك له، أمر بهم فنزع عنهم لبوس كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال : أما إذ فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم أن تكونوا من أهل مملكتي وبطانتي، وأهل بلادي، وسأفرُغ لكم، فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجّل ذلك لكم إلا أني أراكم فتيانا حديثة أسنانُكم، ولا أحبّ أن أهلككم حتى أستأنَي بكم، وأنا جاعل لكم أجلاً تَذكرون فيه، وتراجعون عقولكم. ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة، فُنزعت عنهم ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده. وانطلق دقينوس مكانه إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبا منها لبعض ما يريد من أمره. 
فلما رأى الفِتية دقينوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكر بهم، فأتمروا بينهم أن يأخذ كلّ واحد منهم نفقة من بيت أبيه، فيتصدّقوا منها، ويتزوّدوا بما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له : بنجلوس فيمكثوا فيه، ويعبدوا الله حتى إذا رجع دقينوس أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء. فلما قال ذلك بعضهم لبعض، عمد كلّ فتى منهم، فأخذ من بيت أبيه نفقة، فتصدّق منها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، واتبعهم كلّب لهم، حتى أتوا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، ابتغاء وجه الله تعالى، والحياة التي لا تنقطع، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يُقال له يمليخا، فكان على طعامهم، يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرّا من أهلها وذلك أنه كان من أجملهم وأجلدهم، فكان يمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ وَرِقَه، فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا، ويتسمّع ويتجسّس لهم الخبر، هل ذكر هو وأصحابه بشيء من ملإ المدينة، ثم يرجع إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويخبرهم بما سمع من أخبار الناس، فلبثوا بذلك ما لبثوا. 
ثم قدم دقينوس الجبّار المدينة التي منها خرج إلى مدينته، وهي مدينة أَفْسوس فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، فتخبأوا من كلّ مخبأ وكان يمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقينوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذُكروا وافتقدوا والتمسوا مع عظماء أهل المدينة ليذبحوا للطواغيت فلما أخبرهم بذلك، فزعوا فزعا شديدا، ووقعوا سجودا على وجوههم يدعون الله، ويتضرّعون إليه، ويتعوّذون به من الفتنة ثم إن يمليخا قال لهم : يا إخوتاه، ارفعوا رؤوسكم، فاطعَموا من هذا الطعام الذي جئتكم به، وتوكلوا على ربكم فرفعوا رؤوسهم، وأعينهم تفيض من الدمع حذرا وتخوّفا على أنفسهم، فطعموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويذكر بعضهم بعضا على حزن منهم، مشفقين مما أتاهم به صاحبهم من الخبر. 
فبيناهم على ذلك، إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عددا، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون مُوقنون

### الآية 18:11

> ﻿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [18:11]

القول في تأويل قوله تعالى : فَضَرَبْنَا عَلَىَ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً \* ثُمّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىَ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً . 
يعني جلّ ثناؤه بقوله : فَضَرَبْنا على آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ : فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف : أي ألقينا عليهم النوم، كما يقول القائل لآخر : ضربك الله بالفالِج، بمعنى ابتلاه الله به، وأرسله عليه. وقوله : سِنِينَ عَدَدا يعني سنين معدودة، ونصب العدد بقوله فَضَرَبْنا.

### الآية 18:12

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [18:12]

وقوله : ثُمّ بَعَثْناهُمْ لنَعْلَمَ أيّ الحِزْبَيْنِ أحْصَى يقول : ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أيّ الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مُكْث الفتية في كهفهم رقودا أحْصَى لِمَا لَبِثُوا أمَدا يقول : أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا ويعني بالأمد : الغاية، كما قال النابغة :

إلاّ لمِثْلِكَ أوْ مَنْ أنْتَ سابِقُهُ  سَبْقَ الجَوَادِ إذا اسْتَوْلَى على الأمَدِوذُكر أن الذين اختلفوا في ذلك من أمورهم، قوم من قوم الفتية، فقال بعضهم : كان الحزبان جميعا كافرين. وقال بعضهم : بل كان أحدهما مسلما، والآخر كافرا. ذكر من قال : كان الحزبان من قوم الفتية :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أيّ الحِزْبينِ من قوم الفتية. 
حدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. 
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله ثُمّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أيّ الحِزْبَيْنِ أحْصَى لِما لَبِثُوا أمَدا يقول : ما كان لواحد من الفريقين علم، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم. 
وأما قوله : أمَدا فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم : معناه : بعيدا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله لِمَا لَبِثُوا أمَدا يقول : بعيدا. 
وقال آخرون : معناه : عددا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أمَدا قال : عددا. 
حدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وفي نصب قوله أمَدا وجهان : أحدهما أن يكون منصوبا على التفسير من قوله أحْصَى كأنه قيل : أيّ الحزبين أصوب عددا لقدر لبثهم. 
وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب، لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء. 
والاَخر : أن يكون منصوبا بوقوع قوله لَبِثُوا عليه، كأنه قال : أيّ الحزبين أحصى للبثهم غاية.

### الآية 18:13

> ﻿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [18:13]

القول في تأويل قوله تعالى  نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقّ إِنّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى \* وَرَبَطْنَا عَلَىَ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبّنَا رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَن نّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : نحن يا محمد نقصّ عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بالحقّ، يعني : بالصدق واليقين الذي لا شكّ فيه إنّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبّهِمْ يقول : إن الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم، وَزِدْناهُمْ هُدًى يقول : وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانا، وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل.

### الآية 18:14

> ﻿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [18:14]

وقوله : وَرَبَطْنا على قُلُوبِهمْ يقول عزّ ذكره : وألهمناهم الصبر، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد عن قتادة وَرَبَطْنا على قُلُوبِهمْ يقول : بالإيمان. 
وقوله : إذْ قامُوا فقالُوا رَبّنا رَبّ السّمَوَاتِ والأرْضِ يقول : حين قاموا بين يدي الجبار دقينوس، فقالوا له إذ عاتبهم على تركهم عبادة آلهته : ربّنا رَبّ السّمَوَاتِ والأرْضِ يقول : قالوا ربنا ملك السموات والأرض وما فيهما من شيء، وآلهتك مربوبة، وغير جائز لنا أن نترك عبادة الربّ ونعبد المربوب لَنْ نَدْعُوَ منْ دُونِه إلَها يقول : لن ندعو من دون ربّ السموات والأرض إلها، لأنه لا إله غيره، وإن كلّ ما دونه فهو خلقه لَقَدْ قُلْنا إذا شَططا يقول جلّ ثناؤه : لئن دعونا إلها غير إله السموات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلها، شططا من القول : يعني غاليا من الكذب، مجاوزا مقداره في البطول والغلوّ : كما قال الشاعر :

ألا يا لَقَوْمي قَدْ أشْطَتْ عَوَاذِلي  ويزْعُمْنَ أنْ أوْدَى بِحَقّيَ باطلييقال منه : قد أشط فلان في السوم إذا جاوز القدر وارتفع، يشطّ إشطاطا وشططا. فأما من البعد فإنما يقال : شطّ منزل فلان يشطّ شطوطا ومن الطول : شطت الجارية تشطّ شطاطا وشطاطة : إذا طالت. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله شَطَطا قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله لَقَدْ قُلْنا إذا شَطَطا يقول كذبا. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله لَقَدْ قُلْنا إذا شَطَطا قال : لقد قلنا إذن خطأ، قال : الشطط : الخطأ من القول.

### الآية 18:15

> ﻿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [18:15]

القول في تأويل قوله تعالى : هََؤُلآءِ قَوْمُنَا اتّخَذْواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً . 
يقول عزّ ذكره مخبرا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف : هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها من دونه لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهمْ بسُلْطانٍ بَيّنٍ يقول : هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة. وفي الكلام محذوف اجتزىء بما ظهر عما حذف، وذلك في قوله : لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهمْ بسُلْطانٍ بَيّنٍ فالهاء والميم في عليهم من ذكر الآلهة، والآلهة لا يؤتى عليها بسلطان، ولا يُسأل السلطان عليها، وإنما يسأل عابدوها السلطان على عبادته موها، فمعلوم إذ كان الأمر كذلك، أن معنى الكلام : لولا يأتون على عبادتهموها، واتخاذهموها آلهة من دون الله بسلطان بين. وبنحو ما قلنا في معنى السلطان، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهمْ بسُلْطانٍ بَيّنٍ يقول : بعذر بين. 
وعنى بقوله عزّ ذكره : فَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ افْتَرَى على اللّهِ كَذِبا ومن أشدّ اعتداء وإشراكا بالله، ممن اختلق، فتخرّص على الله كذبا، وأشرك مع الله في سلطانه شريكا يعبده دونه، ويتخذه إلها.

### الآية 18:16

> ﻿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا [18:16]

القول في تأويل قوله تعالى  وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبّكُم مّن رّحْمَتِهِ ويهيئ لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقاً . 
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل بعض الفتية لبعض : وإذا اعتزلتم أيها الفتية قومكم الذين اتخذوا من دون الله آلهة وَما يَعْبُدُونَ إلاّ اللّهَ يقول : وإذا اعتزلتم قومكم الذين يعبدون من الآلهة سوى الله، ف **«ما »** إذ كان ذلك معناه في موضع نصب عطفا لها على الهاء، والميم التي في قوله وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله وَإذَ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إلاّ اللّهَ وهي في مصحف عبد الله :**«وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ »** هذا تفسيرها. 
وأما قوله : فَأْوُوا إلى الكَهْفِ فإنه يعني به : فصيروا إلى غار الجبل الذي يسمّى بنجلوس، يَنْشُرْ لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يقول : يبسط لكم ربكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رُمِيتم به من الكافر دقينوس وطلبه إياكم لعرضكم على الفتنة. 
وقوله : فَأْوُوا إلى الكَهْفِ جواب لإذ، كأن معنى الكلام : وإذ اعتزلتم أيها القوم قومكم، فأْوُوا إلى الكهف كما يقال : إذ أذنبت فاستغفر الله وتب إليه. 
وقوله : ويُهَيّىءْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقا يقول : وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغمّ والكرب خوفا منكم على أنفسكم ودينكم مرفقا، ويعني بالمرفق : ما ترتفقون به من شيءْ. وفي المرفق من اليد وغير اليد لغتان : كسر الميم وفتح الفاء، وفتح الميم وكسر الفاء. وكان الكسائي يُنكر في مِرْفَق الإنسان الذي في اليد إلا فتح الفاء وكسر الميم. وكان الفرّاء يحكي فيهما، أعني في مرفق الأمر واليد اللغتين كلتيهما، وكان ينشد في ذلك قول الشاعر :
\*\*\* بتّ أُجافِي مِرْفَقا عَنْ مِرْفَقِي \*\*\*
ويقول : كسر الميم فيه أجود. 
وكان بعض نحويّي أهل البصرة يقول في قوله : مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقا شيئا ترتفقون به مثل المقطع، ومرفقا جعله اسما كالمسجد، ويكون لغة، يقولون : رفق يَرْفُق مَرْفقا، وإن شئت مَرْفقا تريد رفقا ولم يُقْرأ. 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك. فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة :**«ويُهَيّىءْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مَرْفِقا »** بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأته عامّة قرّاء العراق في المصرين مِرْفَقا بكسر الميم وفتح الفاء. 
والصواب من
القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان بمعنى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما قرّاء من أهل القرآن، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الذي أختار في قراءة ذلك : ويهيئ لَكُمْ أمْرِكُمْ مِرْفَقا بكسر الميم وفتح الفاء، لأن ذلك أفصح اللغتين وأشهرهما في العرب، وكذلك ذلك في كلّ ما ارتُفق به من شيء.

### الآية 18:17

> ﻿۞ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [18:17]

القول في تأويل قوله تعالى  وَتَرَى الشّمْسَ إِذَا طَلَعَت تّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مّرْشِداً . 
يقول تعالى ذكره وَتَرَى الشّمْسَ يا محمد إذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ. يعني بقوله : تَزَاوَرُ : تعدِل وتميل، من الزّوَر : وهو الْعِوَج والميل يقال منه : في هذه الأرض زَوَر : إذا كان فيها اعوجاج، وفي فلان عن فلان ازْورار، إذا كان فيه عنه إعراض ومنه قول بشر بن أبي خازم :

يَؤُمّ بِها الحُدَاةُ مِياهَ نَخْلٍ  وَفِيها عَنْ أبانَينِ ازْوِرَارُيعني : إعراضا وصدّا. 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة ومكة والبصرة :**«تَزّاوَرُ »** بتشديد الزاي، بمعنى : تتزاور بتاءين، ثم أدغم إحدى التاءين في الزاي، كما قيل : تظّاهرون عليهم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : تَزَاوَرُ بتخفيف التاء والزاي، كأنه عنى به تفاعل من الزور. ورُوي عن بعضهم :**«تَزْوَرّ »** بتخفيف التاء وتسكين الزاي وتشديد الراء مثل تحمّر، وبعضهم :**«تَزْوَارّ »** مثل تحمارّ. 
والصواب من
القول في قراءة ذلك عندنا أن يقال : إنهما قراءتان، أعني تَزَاوَرُ بتخفيف الزاي، و تَزّاوَرُ بتشديدها معروفتان، مستفيضة القراءة بكلّ واحدة منهما في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. وأما القراءتان الأخريان فإنهما قراءتان لا أرى القراءة بهما، وإن كان لهما في العربية وجه مفهوم، لشذوذهما عما عليه قرأة الأمصار. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال : وَتَرى الشّمْسَ إذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ قال : تميل. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ يقول : تميل عنهم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَتَرَى الشّمْسَ إذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمالِ يقول : تميل عن كهفهم يمينا وشمالاً. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَتَرى الشّمْسَ إذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ يقول : تميل ذات اليمين، تدعهم ذات اليمين. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزّاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ قال : تميل عن كهفهم ذات اليمين. 
حُدثت عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن يَعْلَى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : لو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يقلّبون لأكلتهم الأرض، قال : وذلك قوله : وَتَرى الشّمْسَ إذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرْ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمالِ. 
حدثني محمد بن سنان القزاز، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل، قال : حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال : تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ تميل. 
وقوله : وَإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمالِ يقول تعالى ذكره : وإذا غربت الشمس تتركهم من ذات شمالهم. وإنما معنى الكلام : وترى الشمس إذا طلعت تعدل عن كهفهم، فتطلع عليه من ذات اليمين، لئلا تصيب الفتية، لأنها لو طلعت عليهم قبالهم لأحرقتهم وثيابهم، أو أشحبتهم. وإذا غربت تتركهم بذات الشمال، فلا تصيبهم يقال منه : قرضت موضع كذا : إذا قطعته فجاوزته. وكذلك كان يقول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة. وأما الكوفيون فإنهم يزعمون أنه المحاذاة، وذكروا أنهم سمعوا من العرب قرضته قُبُلا ودُبُرا، وحذوته ذات اليمين والشمال، وقُبلاً ودبرا : أي كنت بحذائه قالوا : والقرض والحذو بمعنى واحد. وأصل القرض : القطع، يقال منه : قرضت الثوب : إذا قطعته ومنه قيل للمقراض : مقراض، لأنه يقطع ومنه قرض الفأر الثوب ومنه قول ذي الرّمّة :
إلى ظُعْنٍ يَقْرِضْنَ أجْوَازَ مشرف شمالا وعَنْ أيْمانِهنّ الفَوَارِسُ
يعني بقوله : يَقْرِضْن : يقطعن. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : ثني أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمالِ يقول : تَذَرُهم. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال وَإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ تتركهم ذات الشمال. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ : تَقْرِضُهُمْ قال : تتركهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمالِ يقول : تدعهم ذات الشمال. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا مَعْمر، عن قتادة، قوله : تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشّمالِ قال : تَدَعُهم ذات الشمال. 
حدثنا ابن سنان القَزّاز، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل، قال : أخبرنا محمد بن مسلم بن أبي الوضّاح عن سالم، عن سعيد بن جبير وَإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ قال : تتركهم. 
وقوله : وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ يقول : والفتية الذين أووا إليه في متسع منه يُجْمع : فَجَوات، وفِجَاء ممدودا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ يقول : في فضاء من الكهف، قال الله : ذلكَ مِنْ آياتِ الله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا محمد بن أبي الوضّاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ قال : المكان الداخل. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ قال : المكان الذاهب. 
حدثني ابن سِنان، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل، قال : حدثنا محمد بن مسلم أبو سعيد بن أبي الوضّاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ قال : في مكان داخل. 
وقوله : ذلكَ مِنْ آياتِ اللّهِ يقول عزّ ذكره : فعلنا هذا الذي فعلنا بهؤلاء الفتية الذين قصصنا عليكم أمرهم من تصيير ناهم، إذ أردنا أن نضرب على آذانهم بحيث تزاور الشمس عن مضاجعهم ذات اليمين إذا هي طلعت، وتقرضهم ذات الشمال إذا هي غَرَبت، مع كونهم في المتسع من المكان، بحيث لا تحرقهم الشمس فتُشحبهم، ولا تُبْلي على طول رقدتهم ثيابهم، فتعفَن على أجسادهم، من حجج الله وأدلته على خلقه، والأدلة التي يستدلّ بها أولو الألباب على عظيم قدرته وسلطانه، وأنه لا يُعجزه شيء أراده. وقوله مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ يقول عزّ وجلّ : من يوفّقه الله للاهتداء بآياته وحججه إلى الحقّ التي جعلها أدلة عليه، فهو المهتدي. يقول : فهو الذي قد أصاب سبيل الحقّ وَمَنْ يُضْلِلْ يقول : ومن أضله الله عن آياته وأدلته، فلم يوفقه للاستدلال بها على سبيل الرشاد فَلَنْ تَجِد لَهُ وَلِيّا مُرْشِدا يقول : فلن تجد له يا محمد خليلاً وحليفا يرشده لإصابتها، لأن التوفيق والخِذْلان بيد الله، يوفق من يشاء من عباده، ويخذل من أراد يقول : فلا يَحْزنُك إدبار من أدبر عنك من قومك وتكذيبهم إياك، فإني لو شئت هديتهم فآمنوا، وبيدي الهداية والضلال.

### الآية 18:18

> ﻿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [18:18]

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وتحسب يا محمد هؤلاء الفتية الذين قصصنا عليك قصتهم، لو رأيتهم في حال ضربنا على آذانهم في كهفهم الذي أووا إليه أيقاظا. والأيقاظ : جمع يَقِظ ومنه قول الراجز :

وَوَجَدُوا إخْوَتهُمْ أيْقاظا  وسَيْفَ غَيّاظٍ لَهُمْ غَيّاظاوقوله : وَهُمْ رُقُودٌ يقول : وهم نيام. والرقود : جمع راقد، كالجلوس : جمع جالس، والقعود : جمع قاعد. وقوله : وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينَ وَذَاتَ الشّمالِ يقول جلّ ثناؤه : ونقلّب هؤلاء الفتية في رقدتهم مرّة للجنب الأيمن، ومرّة للجنب الأيسر، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَات الشّمالِ وهذا التقليب في رقدتهم الأولى. قال : وذُكر لنا أن أبا عياض قال : لهم في كل عام تقليبتان. 
حُدثت عن يزيد، قال : أخبرنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشّمالِ قال : لو أنهم لا يقلّبون لأكلتهم الأرض. 
وقوله : وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بقوله : وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ فقال بعضهم : هو كلب من كلابهم كان معهم. وقد ذكرنا كثيرا ممن قال ذلك فيما مضى. وقال بعضهم : كان إنسانا من الناس طباخا لهم تَبِعهم. 
وأما الوصيد، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : هو الفِناء. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : بالوَصِيد يقول : بالفِناء. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مَهديّ، قال : حدثنا محمد بن أبي الوضّاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ قال : بالفناء. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بالوَصِيد قال : بالفناء. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بالوَصِيد قال : بالفناء. قال ابن جريج : يمسك باب الكهف. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ يقول : بفناء الكهف. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله : بالوَصِيدِ قال : بفناء الكهف. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بالوَصِيدِ قال : يعني بالفناء. 
وقال آخرون : الوَصِيد : الصعيد. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ يعني فناءهم، ويقال : الوصيد : الصعيد. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن هارون، عن عنترة، عن سعيد بن جبير، في قوله : وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ قال : الوصيد : الصعيد. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو، في قوله : وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ قال : الوصيد : الصعيد، التراب. 
وقال آخرون : الوصيد الباب. ذكر من قال ذلك :
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ قال : بالباب، وقالوا بالفناء. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : الوصيد : الباب، أو فناء الباب حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يُوصَد، وإيصاده : إطباقه وإغلاقه من قول الله عزّ وجلّ : إنّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ وفيه لغتان : الأصيد، وهي لغة أهل نجد، والوصيد : وهي لغة أهل تهامة. وذُكِر عن أبي عمرو بن العلاء، قال : إنها لغة أهل اليمن، وذلك نظير قولهم : ورّخت الكتاب وأرخته، ووكدت الأمر وأكدته فمن قال الوصيد، قال : أوصدت الباب فأنا أُوصِده، وهو مُوصَد ومن قال الأصيد، قال : آصدت الباب فهو مُؤْصَد، فكان معنى الكلام : وكلبهم باسط ذَراعيه بفناء كهفهم عند الباب، يحفظ عليهم بابه. 
وقوله : لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارا يقول : لو اطلعت عليهم في رقدتهم التي رقدوها في كهفهم، لأدبرت عنهم هاربا منهم فارّا، وَلُمِلئْتَ مِنْهُمْ رُعْبا يقول : ولملئت نفسُك من اطلاعك عليهم فَزَعا، لما كان الله ألبسهم من الهيبة، كي لا يصل إليهم واصل، ولا تلمِسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده، ليعلموا أن وعد الله حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَلُملِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبا فقرأته عامة قرّاء المدينة بتشديد اللام من قوله :**«ولُملّئْتَ »** بمعنى أنه كان يمتلئَ مرّة بعد مرّة. وقرأ ذلك عامة قراء العراق : وَلُملِئْتَ بالتخفيف، بمعنى : لملئت مرّة، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في القراءة، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

### الآية 18:19

> ﻿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [18:19]

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هََذِهِ إِلَىَ الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيّهَآ أَزْكَىَ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطّفْ وَلاَ يُشْعِرَنّ بِكُمْ أَحَداً \* إِنّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوَاْ إِذاً أَبَداً . 
يقول تعالى ذكره : كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعين ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيام بقدرتنا فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبيّنوا طول الزمان عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا. وقوله : لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ يقول : ليسأل بعضهم بعضا قالَ قائلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ يقول عزّ ذكره : فتساءلوا فقال قائل منهم لأصحابه : كَمْ لبثْتمْ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ يقول : فأجابه الآخرون فقالوا : لَبِثْنا يوما أو بعض يوم. ظنا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الاَخرون : رَبّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فسلّموا العلم إلى الله. 
وقوله : فابْعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلى المَدِينَةِ يعني مدينتهم التي خرجوا منها هِرابا، التي تسمى أفسوس فَلْيَنْظُرْ أيّها أزْكَى طَعاما فَلْيأَتِكُمْ بِرزْقٍ مِنْهُ ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جياعا، فلذلك طلبوا الطعام. ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : أخبرني إسماعيل بن بشروس، أنه سمع وهب بن منبه يقول : إنهم غبروا، يعني الفتية من أصحاب الكهف بعد ما بنى عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال : لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخله فيه، وردّ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما فلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئا يُنكره، حتى دخل على رجل فقال : بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال : ومن أين لك هذه الدراهم ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال : هذه الدراهم كانت على عهد مُلك فلان، فأنيّ لك بها ؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا، فقال : من أين لك هذه الوَرق ؟ قال : خرجت أنا وأصحاب لي أمس، حتى أدركَنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتري لهم طعاما قال : وأين أصحابك ؟ قال : في الكهف قال : فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال : دعوني أدخل على أصحابي قبلكم فلما رأوه، ودنا منهم ضُرِب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا على أن يدخلوا عليهم، فبنوا عندهم كنيسة، اتخذوها مسجدا يصلون فيه. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، قال : كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتعوّذوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضَرَب الله على سمعهم، فلبثوا دهرا طويلاً، حتى هَلكت أمتهم، وجاءت أمّة مسلمة، وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل : يبعث الروح والجسد جميعا وقال قائل : يُبعث الروح، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوح، وجلس على الرّماد، ثم دعا الله تعالى فقال : أي ربّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا، فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها، قال : حسبت أنه قال : كأنها أخفاف الرّبَع، يعني الإبل الصغار، فقال له الفتى : أليس ملككم فلانا ؟ قال : بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم، فقال : إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى، فقال الفتى : انطلقوا بي إلى أصحابي فركب الملك، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضُرِب على أذنه وعلى آذانهم فلما استبطؤوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم. قال قتادة : وعن ابن عباس، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة، فمرّوا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل : هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس : لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال : ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة، فتحزّب الناس في مُلكه، فكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله، ويعلم أنّ الساعة حقّ، ومنهم من يكذّب، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرّع إليه، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقّ ويقولون : لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تُبعث النفوس، ولا تُبعث الأجساد، ونسُوا ما في الكتاب فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظنّ فيه خيرا، وأنهم أئمة في الحقّ، فجعلوا يكذّبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوّلوا الناس عن الحقّ ومِلة الحَواريين فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحا وجعل تحته رمادا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرّع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يَظْهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتمّ نعمته عليه، فلا ينزع منه مُلكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان تبدّد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف، وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل أولياس، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبنى به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله من الناس بالرعب فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدّم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائما فلما نزعا الحجارة، وفتحا عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهري الكهف، فجلسوا فرحين مُسْفِرة وجوههم طيّبة أنفُسهم، فسلّم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها. ثم قاموا إلى الصلاة فصلّوا، كالذي كانوا يفعلون، لا يرَون، ولا يُرَى في وجوههم، ولا أبشارهم، ولا ألوانهم شيء يُنكرونه كهيئتهم حين رقدوا بعشيّ أمس، وهم يرون أن ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم. 
فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا، وكان هو صاحب نفقتهم، الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أن دقينوس يلتمسنهم، ويسأل عنهم : أنبئنا يا أخي ما الذي قال الناس في شأننا عشيّ أمسى عند هذا الجبار ؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض : كَمْ لَبِثْتُمْ نياما ؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْما أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبّكُمْ أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا : افتُقِدْتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتَذْبحُون للطواغيت، أو يقتُلُكم، فما شاء الله بعد ذلك. فقال لهم مكسلمينا : يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاَقوْن، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدوّ الله، ولا تُنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت ثم قالوا ليمليخا : انطلق إلى المدينة فتسمّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطّف، ولا يشعَرنّ بنا أحد، وابتع لنا طعاما فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به، فإنه قد كان قليلاً، فقد أصبحنا جياعا ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ وَرِقا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُربت بطابَع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجا فلما مرّ بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرّ فلم يبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيا يصدّ عن الطريق تخوّفا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هَلكوا قبل ذلك بثلاث مئة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مئة وتسع سنين. فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرا فيها فلما رآها عجب وجعل ينظر مستخفيا إليها فنظر يمينا وشمالاً، فتعجب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كلّ باب مثل ذلك فجعل يخيل إليه أن المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه ويقول : يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس، فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعليّ حالم ؟ ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ كساءه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها، فيسمع أناسا كثيرا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده

### الآية 18:20

> ﻿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [18:20]

وقوله : إنّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ يعنون بذلك : دقينوس وأصحابه قالوا : إن دقينوس وأصحابه إن يظهروا عليكم، فيعلموا مكانكم، يرجموكم شتما بالقول، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله : إنّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ قال : يشتموكم بالقول، يؤذوكم. 
وقوله : أوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلّتِهِمْ يقول : أو يردّوكم في دينهم، فتصيروا كفارا بعبادة الأوثان. وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدا يقول : ولن تدركوا الفلاح، وهو البقاء الدائم والخلود في الجنان، إذن : أي إن أنتم عُدْتم في ملتهم. أبدا : أيام حياتكم.

### الآية 18:21

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ۖ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [18:21]

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوَاْ أَنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ وَأَنّ السّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ابْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رّبّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىَ أَمْرِهِمْ لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مّسْجِداً . 
يقول تعالى ذكره : وكما بعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم ساعة رقدوا، ليتساءلوا بينهم، فيزدادوا بعظيم سلطان الله بصيرة، وبحسن دفاع الله عن أوليائه معرفة كَذلكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ يقول : كذلك أطلعنا عليهم الفريق الآخر الذين كانوا في شكّ من قُدرة الله على إحياء الموتى، وفي مِرْية من إنشاء أجسام خلقه، كهيئتهم يوم قبضهم بعد البلي، فيعلموا أن وعْد الله حقّ، ويُوقنوا أن الساعة آتية لا ريب فيها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وكذلكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ يقول : أطلعنا عليهم ليعلم من كذب بهذا الحديث، أن وعد الله حقّ، وأن الساعة لا ريب فيها. 
وقوله : إذْ يَتَنازَعُون بَيْنَهُمْ أمْرَهُمْ يعني : الذين أعثروا على الفتية. يقول تعالى : وكذلك أعثرنا هؤلاء المختلفين في قيام الساعة، وإحياء الله الموتى بعد مماتهم من قوم تيذوسيس، حين يتنازعون بينهم أمرهم فيما الله فاعل بمن أفناه من عباده، فأبلاه في قبره بعد مماته، أمنشئهم هو أم غير منشئهم. وقوله : فقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانا يقول : فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف : ابنوا عليهم بنيانا رَبّهمْ أعْلَمُ بِهِمْ يقول : ربّ الفتية أعلم بالفتية وشأنهم. وقوله : قالَ الّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ يقول جلّ ثناؤه : قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا. 
وقد اختُلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار ؟ وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى، وسنذكر إن شاء الله ما لم يمض منه. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : قالَ الّذِينَ غَلَبُوا على أمْرِهِمْ لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا قال : يعني عدوّهم. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال : عمّى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون : نبني عليهم بنيانا، فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها، وقال المسلمون : بل نحن أحقّ بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه، ونعبد الله فيه.

### الآية 18:22

> ﻿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [18:22]

القول في تأويل قوله تعالى : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رّبّي أَعْلَمُ بِعِدّتِهِم مّا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً . 
يقول تعالى ذكره : سيقول بعض الخائضين في أمر الفِتْية من أصحاب الكهف، هم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول بعضهم : هم خمسة سادسهم كلبهم رجْما بالغَيْبِ : يقول : قذفا بالظنّ غير يقين علم، كما قال الشاعر :
\*\*\* وأجْعَلُ مِنّي الحَقّ غَيْبا مُرَجّمَا \*\*\*
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْما بالغَيْبِ : أي قذفا بالغيب. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : رَجْما بالغَيْبِ قال : قذفا بالظنّ. 
وقوله : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامنُهُمْ كَلْبُهُمْ يقول : ويقول بعضهم : هم سبعة وثامنهم كلبهم. قُلْ رَبيّ أعْلَمُ بِعِدّتِهِمْ يقول عزّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لقائلي هذه الأقوال في عدد الفتية من أصحاب الكهف رجما منهم بالغيب : رَبّي أعْلَمُ بِعِدّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ يقول : ما يعلم عددهم إلاّ قَلِيلٌ من خلقه، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ما يَعْلَمُهُمْ إلاّ قَلِيلٌ يقول : قليل من الناس. 
وقال آخرون : بل عنى بالقليل : أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ما يَعْلَمُهُمْ إلاّ قَلِيلٌ قال : يعني أهل الكتاب. وكان ابن عباس يقول : أنا ممن استثناه الله، ويقول : عدتهم سبعة. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ما يَعْلَمُهُمْ إلاّ قَلِيلٌ قال : أنا من القليل، كانوا سبعة. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : أنا من أولئك القليل الذين استثنى الله، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج : قال ابن عباس : عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم، وأنا ممن استثنى الله. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : ما يَعْلَمُهُمْ إلاّ قَلِيلٌ قال : كان ابن عباس يقول : أنا من القليل، هم سبعة وثامنهم كلبهم. 
وقوله : فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إلاّ مِرَاءً ظاهِرا يقول عزّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فلا تمار يا محمد : يقول : لا تجادل أهل الكتاب فيهم، يعني في عدّة أهل الكهف، وحُذِفت العِدّة اكتفاء بذكرهم فيها لمعرفة السامعين بالمراد. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : فَلا تُمارِ فِيهِمْ قال : لا تمار في عدّتهم. 
وقوله : إلاّ مِرَاءً ظاهِرا اختلف أهل التأويل في معنى المِراء الظاهر الذي استثناه الله، ورخص فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم : هو ما قصّ الله في كتابه أبيح له أن يتلوه عليهم، ولا يماريهم بغير ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعيد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إلاّ مِرَاءً ظاهِرا يقول : حَسْبُك ما قصصت عليك فلا تمار فيهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إلاّ مِرَاءً ظاهِرا يقول : إلا بما قد أظهرنا لك من أمرهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إلاّ مِرَاءً ظاهِرا : أي حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة فَلا تُمَارِ فِيهِمْ قال : حَسْبُك ما قصصنا عليك من شأنهم. 
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إلاّ مِرَاءً ظاهِرا يقول : حَسْبُك ما قصصنا عليك. 
وقال آخرون : المِراء الظاهر هو أن يقول ليس كما تقولون، ونحو هذا من القول. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : إلاّ مِرَاءً ظاهِرا قال : أن يقول لهم : ليس كما تقولون، ليس تعلمون عدّتهم إن قالوا كذا وكذا فقل ليس كذلك، فإنهم لا يعلمون عدّتهم، وقرأ : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ حتى بلغ رَجْما بالغَيْبِ. 
وقوله : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أحَدا يقول تعالى ذكره : ولا تستفت في عدّة الفتية من أصحاب الكهف منهم، يعني من أهل الكتاب، أحدا، لأنهم لا يعلمون عدتهم، وإنما يقولون فيهم رجما بالغيب، لا يقينا من القول. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أحَدا قال : هم أهل الكتاب. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أحَدا من يهود. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أحَدا : من يهود، قال : ولا تسأل يهودَ عن أمر أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرتك من أمرهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أحَدا : من أهل الكتاب. كنا نحدّث أنهم كانوا بني الركنا. والركنا : ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفرّدوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على أصمختهم، فلبثوا دهرا طويلاً حتى هلكت أمّتهم وجاءت أمّة مسلمة بعدهم، وكان ملكهم مسلما.

### الآية 18:23

> ﻿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا [18:23]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَقْولَنّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً \* إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ وَاذْكُر رّبّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىَ أَن يَهْدِيَنِ رَبّي لأقْرَبَ مِنْ هََذَا رَشَداً . 
وهذا تأديب من الله عزّ ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة، إلا أن يصله بمشيئة الله، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله. 
وإنما قيل له ذلك فيما بلغنا من أجل أنه وعد سائليه عن المسائل الثلاث اللواتي قد ذكرناها فيما مضى، اللواتي إحداهنّ المسألة عن أمر الفتية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهنّ غد يومهم، ولم يستثن، فاحتبس الوحي عنه فيما قيل من أجل ذلك خمس عشرة، حتى حزنه إبطاؤه، ثم أنزل الله عليه الجواب عنهنّ، وعرف نبيه سبب احتباس الوحي عنه، وعلّمه ما الذي ينبغي أن يستعمل في عِدَاته وخبره عما يحدث من الأمور التي لم يأته من الله بها تنزيل، فقال : وَلا تَقُولَنّ يا محمد لِشَيْءٍ إنّي فاعِلٌ ذلك غَدا كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف، والمسائل التي سألوك عنها، سأخبركم عنها غدا إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ. ومعنى الكلام : إلا أن تقول معه : إن شاء الله، فترك ذكر تقول اكتفاء بما ذكر منه، إذ كان في الكلام دلالة عليه. وكان بعض أهل العربية يقول : جائز أن يكون معنى قوله : إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ استثناء من القول، لا من الفعل كأن معناه عنده : لا تقولنّ قولاً إلا أن يشاء الله ذلك القول، وهذا وجه بعيد من المفهوم بالظاهر من التنزيل مع خلافه تأويل أهل التأويل. 
وقوله : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم : واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن هارون الحربيّ، قال : حدثنا نعيم بن حماد، قال : حدثنا هشيم، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في الرجل يحلف، قال له : أن يستثنَي ولو إلى سنة، وكان يقول : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ في ذلك قيل للأعمش سمعتَه من مجاهد، فقال : ثني به ليث بن أبي سليم، يرى ذهب كسائي هذا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله وَلا تَقُولَنّ لِشَيْءٍ إنّي فاعِلٌ ذلكَ غَدا إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ الاستثناء، ثم ذكرت فاستثن. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، في قوله : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ قال : بلغني أن الحسن، قال : إذا ذكر أنه لم يقل : إن شاء الله، فليقل : إن شاء الله. 
وقال آخرون : معناه : واذكر ربك إذا عصيت. ذكر من قال ذلك :
حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال : حدثنا حكام بن سلم، عن أبي سنان، عن ثابت، عن عكرِمة، في قول الله : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ قال : اذكر ربك إذا عصيت. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن أبي سنان، عن ثابت، عن عكرمة، مثله. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك، وقد بيّنا ذلك فيما مضى قبل. 
فإن قال قائل : أفجائز للرجل أن يستثنيَ في يمينه إذ كان معنى الكلام ما ذكرت بعد مدة من حال حلفه ؟ قيل : بل الصواب أن يستثنى ولو بعد حِنْثه في يمينه، فيقول : إن شاء الله ليخرج بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية، فيسقط عنه الحرج بتركه ما أمره بقيله من ذلك فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون استثناؤه موصولاً بيمينه. 
فإن قال : فما وجه قول من قال له : ثُنْياه ولو بعد سنة، ومن قال له ذلك ولو بعد شهر، وقول من قال ما دام في مجلسه ؟ قيل : إن معناهم في ذلك نحو معنانا في أن ذلك له، ولو بعد عشر سنين، وأنه باستثنائه وقيله إن شاء الله بعد حين من حال حلفه، يسقط عنه الحرج الذي لو لم يقله كان له لازما فأما الكفارة فله لازمة بالحِنْث بكلّ حال، إلا أن يكون استثناؤه كان موصولاً بالحلف، وذلك أنا لا نعلم قائلاً قال ممن قال له الثّنْيا بعد حين يزعم أن ذلك يضع عنه الكفارة إذا حنِث، ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، وأن معنى
القول فيه، كان نحو معنانا فيه. 
وقوله : وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا يقول عزّ ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل ولعلّ الله أن يهديني فيسدّدني لأسدّ مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون، إن هو شاء. 
وقد قيل : إن ذلك مما أُمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه، الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله : إن شاء الله، إذا ذكر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن محمد، رجل من أهل الكوفة، كان يفسر القرآن، وكان يجلس إليه يحيى بن عباد، قال : وَلا تَقُولَنّ لِشَيْءٍ إنّي فاعِلٌ ذلكَ غَدا إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِيَنَ رَبّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا قال فقال : وإذا نسي الإنسان أن يقول : إن شاء الله، قال : فتوبته من ذلك، أو كفّارة ذلك أن يقول : عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا.

### الآية 18:24

> ﻿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا [18:24]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٣:القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ تَقْولَنّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً \* إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ وَاذْكُر رّبّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىَ أَن يَهْدِيَنِ رَبّي لأقْرَبَ مِنْ هََذَا رَشَداً . 
وهذا تأديب من الله عزّ ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة، إلا أن يصله بمشيئة الله، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله. 
وإنما قيل له ذلك فيما بلغنا من أجل أنه وعد سائليه عن المسائل الثلاث اللواتي قد ذكرناها فيما مضى، اللواتي إحداهنّ المسألة عن أمر الفتية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهنّ غد يومهم، ولم يستثن، فاحتبس الوحي عنه فيما قيل من أجل ذلك خمس عشرة، حتى حزنه إبطاؤه، ثم أنزل الله عليه الجواب عنهنّ، وعرف نبيه سبب احتباس الوحي عنه، وعلّمه ما الذي ينبغي أن يستعمل في عِدَاته وخبره عما يحدث من الأمور التي لم يأته من الله بها تنزيل، فقال : وَلا تَقُولَنّ يا محمد لِشَيْءٍ إنّي فاعِلٌ ذلك غَدا كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف، والمسائل التي سألوك عنها، سأخبركم عنها غدا إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ. ومعنى الكلام : إلا أن تقول معه : إن شاء الله، فترك ذكر تقول اكتفاء بما ذكر منه، إذ كان في الكلام دلالة عليه. وكان بعض أهل العربية يقول : جائز أن يكون معنى قوله : إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ استثناء من القول، لا من الفعل كأن معناه عنده : لا تقولنّ قولاً إلا أن يشاء الله ذلك القول، وهذا وجه بعيد من المفهوم بالظاهر من التنزيل مع خلافه تأويل أهل التأويل. 
وقوله : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم : واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن هارون الحربيّ، قال : حدثنا نعيم بن حماد، قال : حدثنا هشيم، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في الرجل يحلف، قال له : أن يستثنَي ولو إلى سنة، وكان يقول : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ في ذلك قيل للأعمش سمعتَه من مجاهد، فقال : ثني به ليث بن أبي سليم، يرى ذهب كسائي هذا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله وَلا تَقُولَنّ لِشَيْءٍ إنّي فاعِلٌ ذلكَ غَدا إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ الاستثناء، ثم ذكرت فاستثن. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، في قوله : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ قال : بلغني أن الحسن، قال : إذا ذكر أنه لم يقل : إن شاء الله، فليقل : إن شاء الله. 
وقال آخرون : معناه : واذكر ربك إذا عصيت. ذكر من قال ذلك :
حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال : حدثنا حكام بن سلم، عن أبي سنان، عن ثابت، عن عكرِمة، في قول الله : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ قال : اذكر ربك إذا عصيت. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن أبي سنان، عن ثابت، عن عكرمة، مثله. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك، وقد بيّنا ذلك فيما مضى قبل. 
فإن قال قائل : أفجائز للرجل أن يستثنيَ في يمينه إذ كان معنى الكلام ما ذكرت بعد مدة من حال حلفه ؟ قيل : بل الصواب أن يستثنى ولو بعد حِنْثه في يمينه، فيقول : إن شاء الله ليخرج بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية، فيسقط عنه الحرج بتركه ما أمره بقيله من ذلك فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون استثناؤه موصولاً بيمينه. 
فإن قال : فما وجه قول من قال له : ثُنْياه ولو بعد سنة، ومن قال له ذلك ولو بعد شهر، وقول من قال ما دام في مجلسه ؟ قيل : إن معناهم في ذلك نحو معنانا في أن ذلك له، ولو بعد عشر سنين، وأنه باستثنائه وقيله إن شاء الله بعد حين من حال حلفه، يسقط عنه الحرج الذي لو لم يقله كان له لازما فأما الكفارة فله لازمة بالحِنْث بكلّ حال، إلا أن يكون استثناؤه كان موصولاً بالحلف، وذلك أنا لا نعلم قائلاً قال ممن قال له الثّنْيا بعد حين يزعم أن ذلك يضع عنه الكفارة إذا حنِث، ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، وأن معنى
القول فيه، كان نحو معنانا فيه. 
وقوله : وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا يقول عزّ ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل ولعلّ الله أن يهديني فيسدّدني لأسدّ مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون، إن هو شاء. 
وقد قيل : إن ذلك مما أُمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه، الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله : إن شاء الله، إذا ذكر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن محمد، رجل من أهل الكوفة، كان يفسر القرآن، وكان يجلس إليه يحيى بن عباد، قال : وَلا تَقُولَنّ لِشَيْءٍ إنّي فاعِلٌ ذلكَ غَدا إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبّكَ إذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِيَنَ رَبّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا قال فقال : وإذا نسي الإنسان أن يقول : إن شاء الله، قال : فتوبته من ذلك، أو كفّارة ذلك أن يقول : عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا. ---

### الآية 18:25

> ﻿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [18:25]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً \* قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً . 
اختلف أهل التأويل في معنى قوله وَلَبَثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا فقال بعضهم : ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك، واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا وقالوا : لو كان ذلك خبرا من الله عن قدر لبثهم في الكهف، لم يكن لقوله قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا وجه مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلغ لبثهم فيه وقدره. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا هذا قول أهل الكتاب، فردّه الله عليهم فقال : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السّمَواتِ والأرْضِ. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ قال : في حرف ابن مسعود :**«وَقالُوا وَلَبِثُوا »** يعني أنه قال الناس، ألا ترى أنه قال : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا. 
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب عن مطر الورّاق، في قول الله : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ قال : إنما هو شيء قالته اليهود، فردّه الله عليهم وقال : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا. 
وقال آخرون : بل ذلك خبر من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا قال : عدد ما لبثوا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه، وزاد فيه قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال : ولَبَثُوا في كْهفِهْم ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا قال : وتسع سنين. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بنحوه. 
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : ثني الأجلح، عن الضحاك بن مزاحم، قال : نزلت هذه الآية وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ فقالوا : أياما أو أشهرا أو سنين ؟ فأنزل الله : سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ قال : بين جبلين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزّ ذكره : ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودا إلى أن بعثهم الله، ليتساءلوا بينهم، وإلى أن أعثر عليهم من أعثر، ثلاث مئة سنين وتسع سنين، وذلك أن الله بذلك أخبر في كتابه. وأما الذي ذُكر عن ابن مسعود أنه قرأ **«وَقالُوا : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِم »** وقول من قال : ذلك من قول أهل الكتاب، وقد ردّ الله ذلك عليهم، فإن معناه في ذلك : إن شاء الله كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فردّ الله ذلك عليهم، وأخبر نبيه أن ذلك قدر لبثهم في الكهف من لدن أوَوا إليه أن بعثهم ليتساءلوا بينهم ثم قال جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد : الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقدتهم إلى يومهم هذا، لا يعلم بذلك غير الله، وغير من أعلمه الله ذلك. 
فإن قال قائل : وما يدلّ على أن ذلك كذلك ؟ قيل : الدالّ على ذلك أنه جلّ ثناؤه ابتدأ الخبر عن قدر لبثهم في كهفهم ابتداء، فقال : وَلِبثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مئَةٍ سنينَ وَازْدَادُوا تسْعا ولم يضع دليلاً على أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه، وغير جائز أن يضاف خبره عن شيء إلى أنه خبر عن غيره بغير برهان، لأن ذلك لو جاز جاز في كلّ أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره جاز في أخبار غيره أن يضاف إليه أنها أخباره، وذلك قلب أعيان الحقائق وما لا يخيل فساده. 
فإن ظنّ ظانّ أن قوله : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا دليل على أن قوله : وَلِبثُوا فِي كَهْفِهِمْ خبر منه عن قوم قالوه، فإن ذلك كان يجب أن يكون كذلك لو كان لا يحتمل من التأويل غيره فأما وهو محتمل ما قلنا من أن يكون معناه : قل الله أعلم بما لبثوا إلى يوم أنزلنا هذه السورة، وما أشبه ذلك من المعاني فغير واجب أن يكون ذلك دليلاً على أن قوله : وَلِبِثُوا في كَهْفِهِمْ خبر من الله عن قوم قالوه، وإذا لم يكن دليلاً على ذلك، ولم يأت خبر بأن قوله : وَلِبِثُوا في كَهْفِهِمْ خَبر من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجة يجب التسليم لها، صحّ ما قلنا، وفسَد ما خالفه. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفين ثَلاثِ مِئَةٍ سِنِينَ بتنوين : ثلاث مئةٍ، بمعنى : ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مئة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة :**«ثَلاثَ مِئَةِ سِنِينَ »** بإضافة ثلاث مئة إلى السنين، غير منوّن. 
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراة من قرأه : ثلاثَ مِئَةٍ بالتنوين سِنِينَ، وذلك أن العرب إنما تضيف المئة إلى ما يفسرها إذا جاء تفسيرها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم ثلاث مئة درهم، وعندي مئة دينار، لأن المئة والألف عدد كثير، والعرب لا تفسر ذلك إلا بما كان بمعناه في كثرة العدد، والواحد يؤدّي عن الجنس، وليس ذلك للقليل من العدد، وإن كانت العرب ربما وضعت الجمع القليل موضع الكثير، وليس ذلك بالكثير. وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجمع، فإنها تنوّن، فتقول : عندي ألفٌ دراهمُ، وعندي مئةٌ دنانير، على ما قد وصفت. 
وقوله : لَهُ غَيْبُ السّمَوَاتِ والأرْضِ يقول تعالى ذكره : لله علم غيب السموات والأرض، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يخفى عليه شيء، يقول : فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتية في الكهف إلى يومكم هذا، فإن ذلك لا يعلمه سوى الذي يعلم غيب السموات والأرض، وليس ذلك إلا الله الواحد القهار. 
وقوله : أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ يقول : أبصر بالله وأسمع، وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل : ما أبصره وأسمعه. 
وتأويل الكلام : ما أبصر الله لكلّ موجود، وأسمعه لكلّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع، تبارك وتعالى. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيّ قال : يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا. 
وقوله : ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيّ يقول جلّ ثناؤه : ما لخلقه دون ربهم الذي خلقهم وليّ، يلي أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرفون. وَلا يُشْرِكُ فِي حُكمِهِ أحَدا يقول : ولا يجعل الله في قضائه، وحكمه في خلقه أحدا سواه شريكا، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحبّ.

### الآية 18:26

> ﻿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [18:26]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:القول في تأويل قوله تعالى : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً \* قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً . 
اختلف أهل التأويل في معنى قوله وَلَبَثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا فقال بعضهم : ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك، واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا وقالوا : لو كان ذلك خبرا من الله عن قدر لبثهم في الكهف، لم يكن لقوله قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا وجه مفهوم، وقد أعلم الله خلقه مبلغ لبثهم فيه وقدره. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا هذا قول أهل الكتاب، فردّه الله عليهم فقال : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السّمَواتِ والأرْضِ. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ قال : في حرف ابن مسعود :****«وَقالُوا وَلَبِثُوا »**** يعني أنه قال الناس، ألا ترى أنه قال : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا. 
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب عن مطر الورّاق، في قول الله : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ قال : إنما هو شيء قالته اليهود، فردّه الله عليهم وقال : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا. 
وقال آخرون : بل ذلك خبر من الله عن مبلغ ما لبثوا في كهفهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا قال : عدد ما لبثوا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه، وزاد فيه قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال : ولَبَثُوا في كْهفِهْم ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا قال : وتسع سنين. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بنحوه. 
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا أبو أسامة، قال : ثني الأجلح، عن الضحاك بن مزاحم، قال : نزلت هذه الآية وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ فقالوا : أياما أو أشهرا أو سنين ؟ فأنزل الله : سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ قال : بين جبلين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عزّ ذكره : ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودا إلى أن بعثهم الله، ليتساءلوا بينهم، وإلى أن أعثر عليهم من أعثر، ثلاث مئة سنين وتسع سنين، وذلك أن الله بذلك أخبر في كتابه. وأما الذي ذُكر عن ابن مسعود أنه قرأ ****«وَقالُوا : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِم »**** وقول من قال : ذلك من قول أهل الكتاب، وقد ردّ الله ذلك عليهم، فإن معناه في ذلك : إن شاء الله كان أن أهل الكتاب قالوا فيما ذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ثلاث مئة سنين وتسع سنين، فردّ الله ذلك عليهم، وأخبر نبيه أن ذلك قدر لبثهم في الكهف من لدن أوَوا إليه أن بعثهم ليتساءلوا بينهم ثم قال جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد : الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقدتهم إلى يومهم هذا، لا يعلم بذلك غير الله، وغير من أعلمه الله ذلك. 
فإن قال قائل : وما يدلّ على أن ذلك كذلك ؟ قيل : الدالّ على ذلك أنه جلّ ثناؤه ابتدأ الخبر عن قدر لبثهم في كهفهم ابتداء، فقال : وَلِبثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مئَةٍ سنينَ وَازْدَادُوا تسْعا ولم يضع دليلاً على أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه، وغير جائز أن يضاف خبره عن شيء إلى أنه خبر عن غيره بغير برهان، لأن ذلك لو جاز جاز في كلّ أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره جاز في أخبار غيره أن يضاف إليه أنها أخباره، وذلك قلب أعيان الحقائق وما لا يخيل فساده. 
فإن ظنّ ظانّ أن قوله : قُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا دليل على أن قوله : وَلِبثُوا فِي كَهْفِهِمْ خبر منه عن قوم قالوه، فإن ذلك كان يجب أن يكون كذلك لو كان لا يحتمل من التأويل غيره فأما وهو محتمل ما قلنا من أن يكون معناه : قل الله أعلم بما لبثوا إلى يوم أنزلنا هذه السورة، وما أشبه ذلك من المعاني فغير واجب أن يكون ذلك دليلاً على أن قوله : وَلِبِثُوا في كَهْفِهِمْ خبر من الله عن قوم قالوه، وإذا لم يكن دليلاً على ذلك، ولم يأت خبر بأن قوله : وَلِبِثُوا في كَهْفِهِمْ خَبر من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجة يجب التسليم لها، صحّ ما قلنا، وفسَد ما خالفه. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفين ثَلاثِ مِئَةٍ سِنِينَ بتنوين : ثلاث مئةٍ، بمعنى : ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مئة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة :****«ثَلاثَ مِئَةِ سِنِينَ »**** بإضافة ثلاث مئة إلى السنين، غير منوّن. 
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراة من قرأه : ثلاثَ مِئَةٍ بالتنوين سِنِينَ، وذلك أن العرب إنما تضيف المئة إلى ما يفسرها إذا جاء تفسيرها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم ثلاث مئة درهم، وعندي مئة دينار، لأن المئة والألف عدد كثير، والعرب لا تفسر ذلك إلا بما كان بمعناه في كثرة العدد، والواحد يؤدّي عن الجنس، وليس ذلك للقليل من العدد، وإن كانت العرب ربما وضعت الجمع القليل موضع الكثير، وليس ذلك بالكثير. وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الجمع، فإنها تنوّن، فتقول : عندي ألفٌ دراهمُ، وعندي مئةٌ دنانير، على ما قد وصفت. 
وقوله : لَهُ غَيْبُ السّمَوَاتِ والأرْضِ يقول تعالى ذكره : لله علم غيب السموات والأرض، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يخفى عليه شيء، يقول : فسلموا له علم مبلغ ما لبثت الفتية في الكهف إلى يومكم هذا، فإن ذلك لا يعلمه سوى الذي يعلم غيب السموات والأرض، وليس ذلك إلا الله الواحد القهار. 
وقوله : أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ يقول : أبصر بالله وأسمع، وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل : ما أبصره وأسمعه. 
وتأويل الكلام : ما أبصر الله لكلّ موجود، وأسمعه لكلّ مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع، تبارك وتعالى. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيّ قال : يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا. 
وقوله : ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيّ يقول جلّ ثناؤه : ما لخلقه دون ربهم الذي خلقهم وليّ، يلي أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مصرفون. وَلا يُشْرِكُ فِي حُكمِهِ أحَدا يقول : ولا يجعل الله في قضائه، وحكمه في خلقه أحدا سواه شريكا، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحبّ. ---

### الآية 18:27

> ﻿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [18:27]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبّكَ لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا، ولا تتركنّ تلاوته، واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه، فتكون من الهالكين وذلك أن مصير من خالفه، وترك اتباعه يوم القيامة إلى جهنم لا مُبَدّلَ لكَلماتِهِ يقول : لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك أهل معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك. 
وقوله : وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدا يقول : وإن أنت يا محمد لم تتل ما أوحى إليك من كتاب ربك فتتبعه وتأتمّ به، فنالك وعيد الله الذي أوعد فيه المخالفين حدوده، لن تجد من دون الله موئلاً تئل إليه ومعدلاً تعدل عنه إليه، لأن قدرة الله محيطة بك وبجميع خلقه، لا يقدر أحد منهم على الهرب من أمر أراد به. 
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : مُلْتَحَدا قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم في البيان عنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله : مُلْتَحَدا قال : مَلْجَأ. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مُلْتَحَدا قال : ملجأ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدا قال : موئلاً. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : مُلْتَحَدا قال : ملجأ ولا موئلاً. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدا قال : لا يجدون ملتحدا يلتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعهم. والملتحد : إنما هو المفتعل من اللحد، يقال منه : لحدت إلى كذا : إذا ملت إليه ومنه قيل للحد : لحد، لأنه في ناحية من القبر، وليس بالشقّ الذي في وسطه، ومنه الإلحاد في الدين، وهو المعاندة بالعدول عنه، والترك له.

### الآية 18:28

> ﻿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [18:28]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَاصْبِرْ يا محمد نَفْسَكَ مَعَ أصحابك الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها يُرِيدُونَ بفعلهم ذلك وَجْهَهُ لا يريدون عرضا من عرض الدنيا. 
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ في سورة الأنعام، والصواب من
القول في ذلك عندنا، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. والقرّاء على قراءة ذلك : بالغَدَاة والعَشِيّ، وقد ذُكر عن عبد الله بن عامر وأبي عبد الرحمن السلمي أنهما كانا يقرآنه :**«بالغدوة والعشيّ »**، وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهة، لأن غدوة معرّفة، ولا ألف ولا لام فيها، وإنما يعرّف بالألف واللام ما لم يكن معرفة فأما المعارف فلا تعرّف بهما. وبعد، فإن غدوة لا تضاف إلى شيء، وامتناعها من الإضافة دليل واضح على امتناع الألف واللام من الدخول عليها، لأن ما دخلته الألف واللام من الأسماء صلحت فيه الإضافة وإنما تقول العرب : أتيتك غداة الجمعة، ولا تقول : أتيتك غدوة الجمعة، والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرّاء في الأمصار لا نستجيز غيرها لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيّنا من جهة العربية. 
وقوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ يقول جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم : ولا تصرف عيناك عن هؤلاء الذين أمرتك يا محمد أن تصبر نفسك معهم إلى غيرهم من الكفار، ولا تجاوزهم إليه وأصله من قولهم : عدوت ذلك، فأنا أعدوه : إذا جاوزته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، في قوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ قال : لا تجاوزهم إلى غيرهم. 
حدثني عليّ، قال : ثني عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ يقول : لا تتعدّهم إلى غيرهم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : واصْبِرْ نَفْسِكَ. . . الآية، قال : قال القوم للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إنا نستحيي أن نجالس فلانا وفلانا وفلانا، فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب، فنزل القرآن وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاة والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ولا تحقرهم، قال : قد أمروني بذلك، قال : وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطا. 
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : حدثنا ابن وهب، قال : أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، أن هذه الاَية لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بضع أبياته وَاصْبْر نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فخرج يلتمس، فوجد قوما يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، فقال :**«الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي جَعَلَ لِي فِي أُمّتي مَنْ أمرني أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ »** ورُفعت العينان بالفعل، وهو لا تعد. 
وقوله : تُرِيدُ زِينَة الحَياةَ الدّنيْا يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : لا تعدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما ذكر قوم من عظماء أهل الشرك، وقال بعضهم : بل من عظماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام، فرأوه جالسا مع خباب وصهيب وبلال، فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا، قالوا : فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ثم كان يقوم إذا أراد القيام، ويتركهم قعودا، فأنزل الله عليه وَاصْبِرْ نَفسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ. . . الاَية وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدّنيْا يريد زينة الحياة الدنيا : مجالسة أولئك العظماء الأشراف، وفد ذكرت الرواية بذلك فيما مضى قبل في سورة الأنعام. 
حدثني الحسين بن عمرو العن قزي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، وكان قارىء الأزد عن أبي الكنود، عن خباب في قصة ذكرها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ذكر فيها هذا الكلام مدرجا في الخبر وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدّنيْا قال : تجالس الأشراف. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرت أن عيينة بن حصن قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم : لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلسا منك لا يجامعوننا فيه، واجعل لهم مجلسا لا نجامعهم فيه، فنزلت الاَية. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قال : ذُكر لنا أنه لما نزلت هذه الاَية قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم :**«الحَمْدِ لِلّهِ الّذِي جَعَلَ فِي أُمّتي مَنْ أُمرْتُ أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ »**. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدّنيْا قال : تريد أشراف الدنيا. 
حدثنا صالح بن مسمار، قال : حدثنا الوليد بن عبد الملك، قال : سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهنيّ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن سلمان الفارسي، قال : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا : يا نبيّ الله، إنك لو جلست في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف، ولم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك وحادثناك، وأخذنا عنك فأنزل الله : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبّكَ لا مُبَدّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجدَ مِنْ دُونهِ مُلْتَحَدا، حتى بلغ إنّا أعْتَدْنا للظّالِمِينَ نارا يتهدّدهم بالنار فقام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال :**«الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَمْ يُمتْنِي حتى أمَرَنِي أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رجِالٍ مِنْ أُمّتِي، مَعَكُمُ المَحيْا وَمَعَكُمُ المَماتُ »**. 
وقوله : وَلا تُطعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتّبَعَ هَوَاهُ يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : ولا تطع يا محمد من شغلنا قلبه من الكفار الذين سألوك طرد الرهط الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ عنك، عن ذكرنا، بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، وهم فيما ذُكر : عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم. 
حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا قال : عيُينة، والأقرع. 
وأما قوله : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : معناه : وكان أمره ضياعا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا قال ابن عمرو في حديثه قال : ضائعا. وقال الحرث في حديثه : ضياعا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : ضياعا. 
وقال آخرون : بل معناه : وكان أمره ندما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا بدل بن المحبر، قال : حدثنا عباد بن راشد، عن داود فُرُطا قال : ندامة. 
وقال آخرون : بل معناه : هلاكا. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحسين بن عمرو، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب وكانَ أمْرُهُ فُرُطا قال : هلاكا. 
وقال آخرون : بل معناه : خلافا للحق. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا قال : مخالفا للحقّ، ذلك الفُرُط. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : ضياعا وهلاكا، من قولهم : أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا : إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا معناه : وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر، واحتقار أهل الإيمان، سرفا قد تجاوز حدّه، فَضَيّع بذلك الحقّ وهلك. وقد :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، قال : قيل له : كيف قرأ عاصم ؟ فقال كانَ أمْرُهُ فُرُطا قال أبو كريب : قال أبو بكر : كان عُيينة بن حصن يفخر بقول أنا وأنا.

### الآية 18:29

> ﻿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [18:29]

القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وقل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا، واتبعوا أهواءهم : الحقّ أيها الناس من عند ربكم، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال يهدي من يشاء منكم للرشاد، فيؤمن، ويضلّ من يشاء عن الهدى فيكفر، ليس إليّ من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من كان للحقّ متبعا، وبالله وبما أنزل عليّ مؤمنا، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، فإنكم إن كفرتم فقد أعدّ لكم ربكم على كفركم به نار أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم به وعملتم بطاعته، فإن لكم ما وصف الله لأهل طاعته. وروي عن ابن عباس في ذلك ما :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ يقول : من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله : وَما تَشاءُونَ إلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ رَبْ العَالَمِينَ وليس هذا بإطلاق من الله الكفر لمن شاء، والإيمان لمن أراد، وإنما هو تهديد ووعيد. 
وقد بين أن ذلك كذلك قوله : إنّا اعْتَدْنا للظّالِمينَ نارا والآيات بعدها. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن عمر بن حبيب، عن داود، عن مجاهد، في قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ. قال : وعيد من الله، فليس بمعجزي. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وقوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ قال : هذا كله وعيد ليس مصانعة ولا مراشاة ولا تفويضا. وقوله : إنّا أعْتَدْنا للظّالِمينَ نارا يقول تعالى ذكره : إنا أعددنا، وهو من العُدّة. للظالمين : الذين كفروا بربهم. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّا أعْتَدْنا للظّالِمِينَ نارا أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها قال : للكافرين. 
وقوله : أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها يقول : أحاط سرادق النار التي أعدّها الله للكافرين بربهم، وذلك فيما قيل : حائط من نار يطيف بهم كسرادق الفسطاط، وهي الحجرة التي تطيف بالفسطاط، كما قال رؤبة :

يا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنَ الجارُودْ  سُرادِقُ الفَضْلِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ**وكما قال سلامة بن جندل :**هُوَ المُوِلجُ النّعْمانَ بيْتا سَماؤُهُ  صُدُورُ الفُيُولِ بعدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقيعني : بيتا له سرادق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، في قوله : إنّا أعْتَدْنا للظّالِمِينَ نارا أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها قال : هي حائط من نار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عمن أخبره، قال أحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا قال : دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي قال الله : ظلّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ. 
وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر يدلّ على أن معنى قوله أحاطَ بِهمْ سرادِقُها أحاط بهم ذلك في الدنيا، وأن ذلك السرادق هو البحر. ذكر من قال ذلك :
حدثني العباس بن محمد والحسين بن نصر، قالا : حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، قال : ثني محمد بن حيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«البَحْرُ هُوَ جَهَنّمُ »** قال : فقيل له : كيف ذلك، فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الاَية : نارا أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها ثم قال : واللّهِ لا أدْخُلُها أبَدا أوْ ما دُمْتُ حَيّا، وَلا تُصِيبُني مِنْها قَطْرَة. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا يعمر بن بشر، قال : حدثنا ابن المبارك، قال : أخبرنا رشدين بن سعد، قال : ثني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«سُرَادِقُ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلّ وَاحِدٍ مِثْلُ مَسِيرَةِ أرْبعِينَ سَنَةً »**. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا ابن وهب، قال : أخبرني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إنّ لِسُرَادِقِ النّارِ أرْبَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلّ وَاحِدَة مِثْلُ مَسِيرةِ أرْبَعِينَ سَنَةً »**. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا ابن وهب، قال : أخبرني عمرو، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«ماءٌ كالمُهْلِ »**، قالَ :**«كَعَكَرِ الزّيْتِ، فإذَا قَرّبَهُ إلَيْه سقط فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ »**. 
وقوله : وَإن يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِمَاءٍ كالمُهْلِ يقول تعالى ذكره : وإن يستغث هؤلاء الظالمون يوم القيامة في النار من شدّة ما بهم من العطش، فيطلبونَ الماء يُغاثوا بماء المُهْل. 
واختلف أهل التأويل في المهل، فقال بعضهم : هو كلّ شيء أذيب وإنماع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذُكر لنا أن ابن مسعود أهديت إليه سِقاية من ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخدّ في الأرض، ثم قذف فيه من جزل حطب، ثم قذف فيه تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وانماعت قال لغلامه : ادع من يحضُرنا من أهل الكوفة، فدعا رهطا، فلما دخلوا عليه قال : أترون هذا ؟ قالوا : نعم، قال : ما رأينا في الدنيا شبيها للمهل أدنى من هذا الذهب والفضة، حين أزبد وإنماع. 
وقال آخرون : هو القيح والدم الأسود. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي بَزّة، عن مجاهد في قوله : وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثوا بِمَاءٍ كالمُهْلِ قال : القيح والدم. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمَاءٍ كالمُهْلِ قال : القيح والدم الأسود، كعكر الزيت. قال الحرث في حديثه : يعني درديّة. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : كالمُهْلِ قال : يقول : أسود كهيئة الزيت. 
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بِمَاءٍ كالمَهْلِ ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود، وأهلها سود. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِمَاءٍ كالمُهْلِ قال : هو ماء غليظ مثل دردي الزيت. 
وقال آخرون : هو الشيء الذي قد انتهى حرّة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال : المهل : هو الذي قد انتهى حرّة. 
وهذه الأقوال وإن اختلفت بها ألفاظ قائليها، فمتقاربات المعنى، وذلك أن كلّ ما أذيب من رصاص أو ذهب أو فضة فقد انتهى حرّة، وأن ما أوقدت عليه من ذلك النار حتى صار كدردي الزيت، فقد انتهى أيضا حرّة. وقد :
حُدثت عن معمر بن المثنى، أنه قال : سمعت المنتجع بن نبهان يقول : والله لفلان أبغض إليّ من الطلياء والمهل، قال : فقلنا له : وما هما ؟ فقال : الجرباء، والملة التي تنحدر عن جوانب الخبزة إذا ملت في النار من النار، كأنها سهلة حمراء مدققة، فهي أحمره، فالمهل إذا هو كلّ مائع قد أوقد عليه حتى بلغ غاية حرّة، أو لم يكن مائعا، فإنماع بالوقود عليه، وبلغ أقصى الغاية في شدّة الحرّ. 
وقوله : يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ يقول جلّ ثناؤه : يشوي ذلك الماء الذي يغاثون به وجوههم. كما :
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال : حدثنا حيوة بن شريح، قال : حدثنا بقية، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بُسْر هكذا قال ابن خلف عن أبي أمامة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله ويُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرّعُهُ قال :**«يقرب إليه فيتكرّهه، فإذا قرب منه، شوى وجهه، ووقعت فَرْوة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه »**، يقول الله : وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِمَاءٍ كالمُهْلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطال قاني ويعمر بن بشر، قالا : حدثنا ابن المبارك، عن صفوان، عن عبد الله بن بُسْر، عن أبي أمامة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال هارون : إذا جاع أهل النار. وقال جعفر : إذا جاء أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّا مارّ بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرّة، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حرّة لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. 
وقوله : بِئْسَ الشّرابُ يقول تعالى ذكره : بئس الشراب، هذا الماء الذي يغاث به هؤلاء الظالمون في جهنم الذي صفته ما وصف في هذه الاَية. وقوله : وَساءَتْ مُرْتَفَقا يقول تعالى ذكره : وساءت هذه النار التي أعتدناها لهؤلاء الظالمين مرتفقا والمرتفَق في كلام العرب : المتكأ، يقال منه : ارتفقت إذا اتكأت، كما قال الشاعر :قالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ ألا فَتَى  يَسُوقُ بالقَوْمِ غَزَالاتِ الضّحَىأراد : واتكأت على مرفقها وقد ارتفق الرجل : إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم، وهو مرتفق، كما قال أبو ذؤيب الهذليّ :نامَ الخَلِيّ وَبِتّ اللّيْلَ مُرْتَفِقا  كأنّ عَيْنِيَ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُوأما من الرفق فإنه يقال : قد ارتفقت بك مرتفقا، وكان مجاهد يتأوّل قوله : وَساءَتْ مُرْتَفَقا يعني المجتمع. ذكر الرواية بذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مُرْتَفَقا : أي مجتمعا. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا معتمر، عن ليث، عن مجاهد وَساءَتْ مُرْتَفَقَا قال : مجتمعا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. 
ولست أعرف الارتفاق بمعنى الاجتماع في كلام العرب، وإنما الارتفاق : افتعال، إما من المرفق، وإما من الرفق.

### الآية 18:30

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [18:30]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ إِنّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً . 
يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، إنا لا نضيع ثواب من أحسن عملاً، فأطاع الله، واتبع أمره ونهيه، بل نجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار. 
فإن قال قائل : وأين خَبَر **«إنّ »** الأولى ؟ قيل : جائز أن يكون خبرها قوله : إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَنْ أحْسَنَ عَمَلاً فيكون معنى الكلام : إنا لا نضيع أجر من عمل صالحا، فترك الكلام الأوّل، واعتمد على الثاني بنية التكرير، كما قيل : يَسْألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ بمعنى : عن قتال فيه على التكرير، وكما قال الشاعر :

إنّ الخَلِيفَةَ إنّ اللّهَ سَرْبَلَهُ  سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَواتِيمُويروى : تُرْخَى وجائز أن يكون : إنّ الّذِينَ آمَنُوا جزاءً، فيكون معنى الكلام : إن من عمل صالحا فإنا لا نضيع أجره، فتضمر الفاء في قوله **«إنّا »** وجائز أن يكون خبرها : أولئك لهم جنات عدن، فيكون معنى الكلام : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم جنات عدن.

### الآية 18:31

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [18:31]

القول في تأويل قوله تعالى : أُوْلََئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مّتّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَآئِكِ نِعْمَ الثّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً . 
يقول تعالى ذكره : لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتُ عدن، يعني بساتين إقامة في الآخرة. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنهَارُ يقول : تجري من دونهم ومن أيديهم الأنهار. وقال جلّ ثناؤه : من تحتهم، ومعناه : من دونهم وبين أيديهم، يُحَلّوْنَ فِيها مِنْ أساوِرَ يقول : يلبسون فيها من الحليّ أساور من ذهب، والأساور : جمع أسوار. 
وقوله : يَلْبَسُونَ ثِيابا خُضْرا مِنْ سُنْدُسٍ والسندس : جمع واحدها سندسة، وهي ما رقّ من الديباج : والاستبرق : ما غلظ منه وَثخُن وقيل : إن الاستبرق : هو الحرير ومنه قول المرَقّش :

تَرَاهُنّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرّةً  واسْتَبْرَقَ الدّيباجِ طَوْرا لِباسُهايعني : وغليظ الديباج. 
وقوله : متكئين فِيها على الأرَائِكِ يقول : متكئين في جنات عدن على الأرائك، وهي السّرُر في الحِجال، واحدتها : أريكة ومنه قول الشاعر :خُدُودا جَفَتْ في السّيْرِ حتى كأنّما  يُباشِرْنَ بالمَعْزاءِ مَسّ الأرَائِك**ومنه قول الأعشى :**بينَ الرّوَاقِ وجانِبٍ مِنْ سِتْرِها  مِنْها وبينَ أرِيكَةٍ الأنْضادِوبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله عَلَى الأرَائِكِ قال : هي الحجال. قال معمر، وقال غيره : السرر في الحجال. 
وقوله : نِعْمَ الثّوَابُ يقول : نعم الثواب جنات عدن، وما وصف جلّ ثناؤه أنه جعل لهؤلاء الذين آمنوا وعلموا الصالحات وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقا يقول : وحسُنت هذه الأرائك في هذه الجنان التي وصف تعالى ذكره في هذه الآية متكأ. وقال جلّ ثناؤه : وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقا فأنث الفعل بمعنى : وحسنت هذه الأرائك مرتَفَقا، ولو ذكر لتذكير المرتفق كان صوابا، لأن نِعْم وبِئْس إنما تدخلهما العرب في الكلام لتدلا على المدح والذمّ لا للفعل، فلذلك تذكرهما مع المؤنث، وتوحّدهما مع الاثنين والجماعة.

### الآية 18:32

> ﻿۞ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا [18:32]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبْ لهُمْ مّثَلاً رّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً \* كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئاً وَفَجّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً \* وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واضرب يا محمد لهؤلاء المشركين بالله، الذين سألوك أن تطرُد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، مَثلاً مثل رَجُلَينِ جَعَلْنا لأَحَدهِما جَنّتَيْنِ أي جعلنا له بساتين من كروم وحَفَفْناهُمَا بنَخْلٍ يقول : وأطفنا هذين البساتين بنخل. وقوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعا يقول : وجعلنا وسط هذين البساتين زرعا.

### الآية 18:33

> ﻿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا [18:33]

وقوله : كِلْتا الجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها يقول : كلا البستانين أطعم ثمره وما فيه من الغروس من النخل والكرم وصنوف الزرع. وقال : كلتا الجنتين، ثم قال : آتت، فوحّد الخبر، لأن كلتا لا يفرد واحدتها، وأصله كلّ، وقد تفرد العرب كلتا أحيانا، ويذهبون بها وهي مفردة إلى التثنية قال بعض الرّجاز في ذلك :

فِي كِلْتَ رِجْلَيْها سُلاَمي وَاحدَه  كِلْتاهُما مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْيريد بكلت : كلتا، وكذلك تفعل بكلتا وكلا وكل إذا أضيفت إلى معرفة، وجاء الفعل بعدهن ويجمع ويوحد. وقوله : ولَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا يقول : ولم تنقص من الأكل شيئا، بل آتت ذلك تاما كاملاً، ومنه قولهم : ظلم فلان فلانا حقّه : إذا بخَسَهُ ونقصه، كما قال الشاعر :تَظّلَمَنِي ما لي كَذَا وَلَوى يَدِي  لَوَى يَدَهُ اللّهُ الّذِي هُوَ غالِبُهْوبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ولَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا : أي لم تنقص منه شيئا. 
وقوله : وَفَجّرْنا خِلاَلهُما نَهَرا يقول تعالى ذكره : وَسيّلنا خلال هذين البستانين نهرا، يعني بينها وبين أشجارهما نهرا. وقيل : وفَجّرْنا فثقل الجيم منه، لأن التفجير في النهر كله، وذلك أنه يميد ماء فيُسيل بعضه بعضا.

### الآية 18:34

> ﻿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [18:34]

وقوله : وكانَ لَهُ ثَمَرٌ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق :********«وكانَ لَهُ ثُمُرٌ »******** بضمّ الثاء والميم. واختلف قارئو ذلك كذلك، فقال بعضهم : كان له ذهب وفضة، وقالوا : ذلك هو الثمر، لأنها أموال مثمرة، يعني مكّثرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ : وكانَ لَهُ ثَمَرٌ قال : ذهب وفضة، وفي قول الله عزّ وجلّ : بِثُمُرِهِ قال : هي أيضا ذهب وفضة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ثَمَرٌ قال : ذهب وفضة. قال : وقوله : وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ هي هي أيضا. 
وقال آخرون : بل عُنِي به : المال الكثير من صنوف الأموال. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : ثني حجاج، عن هارون، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، قال : قرأها ابن عباس :**«وكانَ لَهُ ثُمُرُ »** بالضمّ، وقال : يعني أنواع المال. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس :********«وكانَ لَهُ ثُمُرٌ »******** يقول : مال. 
١٧٣٨٢حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد. قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله :********«وكانَ لَهُ ثُمُرٌ »******** يقول : من كلّ المال. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ قال : الثمر من المال كله يعني الثمر، وغيره من المال كله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال :**«الثّمُر »** المال كله، قال : وكلّ مال إذا اجتمع فهو ثُمُر إذا كان من لون الثمرة وغيرها من المال كله. 
وقال آخرون : بل عنى به الأصل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :********«وكانَ لَهُ ثُمُرٌ »******** الثمر الأصل. قال وأُحيطَ بثُمُرِهِ قال : بأصله. 
وكأنّ الذين وجّهوا معناها إلى أنها أنواع من المال، أرادوا أنها جمع ثمار جمع ثمر، كما يجمع الكتاب كتبا، والحمار حمرا. وقد قرأ بعض من وافق هؤلاء في هذه القراءة **«ثُمْرٌ »** بضمّ الثاء وسكون الميم، وهو يريد الضمّ فيها غير أنه سكنها طلب التخفيف. وقد يحتمل أن يكون أراد بها جمع ثمرة، كما تجمع الخَشبة خَشَبا. وقرأ ذلك بعض المدنيين : وكانَ لَهُ ثَمَرٌ بفتح الثاء والميم، بمعنى جمع الثّمرة، كما تجمع الخشبة خَشبا. والقَصبة قَصبا. 
وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ وكانَ لَهُ ثُمُرٌ بضمّ الثاء والميم لإجماع الحجة من القرّاء عليه وإن كانت جمع ثمار، كما الكتب جمع كتاب. 
ومعنى الكلام : وَفَجّرْنا خِلاَلُهِما نَهَرا وكانَ لَهُ منهما ثُمُرٌ بمعنى من جنتيه أنواع من الثمار. وقد بين ذلك لمن وفق لفهمه، قوله : جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنّتَيْنِ مِنْ أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعا ثم قال : وكان له من هذه الكروم والنخل والزرع ثمر. 
وقوله : فَقالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ يقول عزّ وجلّ : فقال هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب، لصاحبه الذي لا مال له وهو يخاطبه : أنا أكْثَرُ مِنْكَ مالاً وأعَزّ نَفَرا يقول : وأعزّ عشيرة ورَهْطِا، كما قال عُيينة والأقرع لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن سادات العرب، وأرباب الأموال، فنحّ عنا سلمان وَخّبابا وصُهيبا، احتقارا لهم، وتكبرا عليهم، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنْك مالاً وأعَزّ نَفَرا وتلك والله أمنية الفاجر : كثرة المال، وعزّة النفر.

### الآية 18:35

> ﻿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا [18:35]

القول في تأويل قوله تعالى : وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنّ أَن تَبِيدَ هََذِهِ أَبَداً \* وَمَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىَ رَبّي لأجِدَنّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً . 
يقول تعالى ذكره : هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب دَخَلَ جَنّتَهُ وهي بستانه وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وظلمه نفسه : كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه. وقوله : قالَ ما أظُنّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدا يقول جلّ ثناؤه : قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكا في المعاد إلى الله : ما أظنّ أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تخْرب، وما أظنّ الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها تقول فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شكّ منه، فقال : وَلَئِنَ رُدِدْتُ إلى رّبي فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه لأَجِدَنّ خَيْرا مِنْها مُنْقَلَبا يقول : لأجدنّ خيرا من جنتي هذه عند الله إن رددت إليه مرجعا ومردّا، يقول : لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ولى عنده أفضل منها في المعاد إن رددت إليه. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما أظُنّ السّاعَةَ قائِمَةً قال : شكّ، ثم قال : وَلَئِنْ كان ذلك ثم رُدِدْتُ إلى رَبّي لأَجِدَنّ خَيْرا مِنْها مُنْقَلَبا ما أعطاني هذه إلا ولي عنده خير من ذلك. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لَنَفْسِهِ قالَ ما أظُنّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدا وَما أظُنّ السّاعة قائمَةً كفور لنعم ربه، مكذّب بلقائه، متمنّ على الله.

### الآية 18:36

> ﻿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [18:36]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥:القول في تأويل قوله تعالى : وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنّ أَن تَبِيدَ هََذِهِ أَبَداً \* وَمَآ أَظُنّ السّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رّدِدتّ إِلَىَ رَبّي لأجِدَنّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً . 
يقول تعالى ذكره : هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب دَخَلَ جَنّتَهُ وهي بستانه وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وظلمه نفسه : كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه. وقوله : قالَ ما أظُنّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدا يقول جلّ ثناؤه : قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكا في المعاد إلى الله : ما أظنّ أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تخْرب، وما أظنّ الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها تقول فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شكّ منه، فقال : وَلَئِنَ رُدِدْتُ إلى رّبي فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه لأَجِدَنّ خَيْرا مِنْها مُنْقَلَبا يقول : لأجدنّ خيرا من جنتي هذه عند الله إن رددت إليه مرجعا ومردّا، يقول : لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ولى عنده أفضل منها في المعاد إن رددت إليه. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما أظُنّ السّاعَةَ قائِمَةً قال : شكّ، ثم قال : وَلَئِنْ كان ذلك ثم رُدِدْتُ إلى رَبّي لأَجِدَنّ خَيْرا مِنْها مُنْقَلَبا ما أعطاني هذه إلا ولي عنده خير من ذلك. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَدَخَلَ جَنّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لَنَفْسِهِ قالَ ما أظُنّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدا وَما أظُنّ السّاعة قائمَةً كفور لنعم ربه، مكذّب بلقائه، متمنّ على الله. ---

### الآية 18:37

> ﻿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [18:37]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً \* لّكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً . 
يقول تعالى ذكره : قال لصاحب الجنتين صاحبه الذي هو أقلّ منه مالاً وولدا، وَهُوَ يُحاوِرُهُ : يقول : وهو يخاطبه ويكلمه : أكَفَرْتَ بالّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ يعني خلق أباك آدم من تراب ثُمّ مِنْ نُطْفَةٍ يقول : ثم أنشأك من نطفة الرجل والمرأة، ثم سوّاك رَجُلاً يقول : ثم عَد لك بشرا سويا رجلاً، ذكرا لا أنثى، يقول : أكفرت بمن فعل بك هذا أن يعيدك خلقا جديدا بعد ما تصير رفاتا لَكِنّا هُوَ اللّهُ رَبّي يقول : أما أنا فلا أكفر بربي، ولكن أنا هو الله ربي، معناه أنه يقول : ولكن أنا أقول : هو الله ربي وَلا أُشْرِكُ بِرَبيّ أحَدا. وفي قراءة ذلك وجهان : أحدهما لكنّ هو الله ربي بتشديد النون وحذف الألف في حال الوصل، كما يقال : أنا قائم فتحذف الألف من أنا، وذلك قراءة عامة قرّاء أهل العراق. وأما في الوقف فإن القرأة كلها تثبت فيها الألف، لأن النون إنما شدّدت لاندغام النون من لكن، وهي ساكنة في النون التي من أنا، إذ سقطت الهمزة التي في أنا، فإذا وقف عليها ظهرت الألف التي في أنا، فقيل : لكنا، لأنه يقال في الوقف على أنا بإثبات الألف لا بإسقاطها. وقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز : لَكِنّا بإثبات الألف في الوصل والوقف، وذلك وإن كان مما ينطق به في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر :

أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي  حُمَيْدا قد تَذَرّيْتُ السّنامَافأثبت الألف في أنا، فليس ذلك بالفصيح من الكلام، والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا ما ذكرنا عن العراقيين، وهو حذف الألف من **«لكنّ »** في الوصل، وإثباتها في الوقف.

### الآية 18:38

> ﻿لَٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا [18:38]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٧:القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ سَوّاكَ رَجُلاً \* لّكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّي أَحَداً . 
يقول تعالى ذكره : قال لصاحب الجنتين صاحبه الذي هو أقلّ منه مالاً وولدا، وَهُوَ يُحاوِرُهُ : يقول : وهو يخاطبه ويكلمه : أكَفَرْتَ بالّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ يعني خلق أباك آدم من تراب ثُمّ مِنْ نُطْفَةٍ يقول : ثم أنشأك من نطفة الرجل والمرأة، ثم سوّاك رَجُلاً يقول : ثم عَد لك بشرا سويا رجلاً، ذكرا لا أنثى، يقول : أكفرت بمن فعل بك هذا أن يعيدك خلقا جديدا بعد ما تصير رفاتا لَكِنّا هُوَ اللّهُ رَبّي يقول : أما أنا فلا أكفر بربي، ولكن أنا هو الله ربي، معناه أنه يقول : ولكن أنا أقول : هو الله ربي وَلا أُشْرِكُ بِرَبيّ أحَدا. وفي قراءة ذلك وجهان : أحدهما لكنّ هو الله ربي بتشديد النون وحذف الألف في حال الوصل، كما يقال : أنا قائم فتحذف الألف من أنا، وذلك قراءة عامة قرّاء أهل العراق. وأما في الوقف فإن القرأة كلها تثبت فيها الألف، لأن النون إنما شدّدت لاندغام النون من لكن، وهي ساكنة في النون التي من أنا، إذ سقطت الهمزة التي في أنا، فإذا وقف عليها ظهرت الألف التي في أنا، فقيل : لكنا، لأنه يقال في الوقف على أنا بإثبات الألف لا بإسقاطها. وقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز : لَكِنّا بإثبات الألف في الوصل والوقف، وذلك وإن كان مما ينطق به في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر :أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي  حُمَيْدا قد تَذَرّيْتُ السّنامَافأثبت الألف في أنا، فليس ذلك بالفصيح من الكلام، والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا ما ذكرنا عن العراقيين، وهو حذف الألف من ****«لكنّ »**** في الوصل، وإثباتها في الوقف. ---

### الآية 18:39

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [18:39]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْلآ إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللّهُ لاَ قُوّةَ إِلاّ بِاللّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً . 
يقول عزّ ذكره : وهلا إذ دخلت بستانك، فأعجبك ما رأيت منه، قلت ما شاء الله كان وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه، وهو جواب الجزاء، وذلك كان. 
وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى الذي قلنا كانت ****«ما »**** نصبا بوقوع فعل الله عليه، وهو شاء وجاز طرح الجواب، لأن معنى الكلام معروف، كما قيل : فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض، وترك الجواب، إذ كان مفهوما معناه. وكان بعض أهل العربية يقول ****«ما »**** من قوله : ما شاءَ اللّهُ في موضع رفع بإضمار هو، كأنه قيل : قلت هو ما شاء الله لا قُوّةَ إلاّ باللّهِ يقول : لا قوّة على ما نحاول من طاعته إلا به. وقوله : إنْ تَرَنِ أنا أقَلّ مِنْكَ مالاً وَوَلَدا وهو قول المؤمن الذي لا مال له، ولا عشيرة، مثل صاحب الجنتين وعشيرته، وهو مثل سَلْمان وصُهَيب وَخباب، يقول : قال المؤمن للكافر : إن ترن أيها الرجل أنا أقلّ منك مالاً وولدا فإذا جعلت أنا عمادا نصبت أقل، وبه القراءة عندنا، لأن عليه قراءة الأمصار، وإذا جعلته اسما رفعت أقل.

### الآية 18:40

> ﻿فَعَسَىٰ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [18:40]

القول في تأويل قوله تعالى : فعسَىَ رَبّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مّن جَنّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مّنَ السّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً \* أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً . 
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن الموقن للمعاد إلى الله للكافر المرتاب في قيام الساعة : إن تَرَن أيها الرجل أنا أقلّ منك مالاً وولدا في الدنيا، فعسى ربي أن يرزقني خيرا من بستانك هذا وَيُرْسِلَ عَلَيْها يعني على جنة الكافر التي قال لها : ما أظنّ أن تبيد هذه أبدا حُسْبانا مِنَ السّماءِ يقول : عذابا من السماء ترمي به رميا، وتقذف. والحُسْبان : جمع حُسْبانة، وهي المرامي. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أوْ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانا مِنَ السّماءِ عذابا. 
حُدثت عن محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك، قال : عذابا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أوْ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانا مِنَ السّماءِ. قال : عذابا، قال : الحُسبان : قضاء من الله يقضيه. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : الحُسبان : العذاب. 
حدثنا الحسن بن محمد، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله حُسْبانا مِنَ السّماءِ قال : عذابا. وقوله : فَتُصْبِحَ صَعِيدا زَلَقا يقول عزّ ذكره : فتصبح جنتك هذه أيها الرجل أرضا ملساء لا شيء فيها، قد ذهب كلّ ما فيها من غَرْس ونبت، وعادت خرابا بلاقع، زَلَقا، لا يثبت في أرضها قدم لا ملساسها، ودروس ما كان نابتا فيها. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَتُصْبِحَ صَعِيدا زَلَقا : أي قد حُصِد ما فيها فلم يُترك فيها شيء. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : فَتُصْبِحَ صَعِيدا زَلَقا قال : مثل الجُرز. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قوله : فَتُصْبِحَ صَعِيدا زَلَقا قال : صعيدا زلقا وصعيدا جُرزا واحد ليس فيها شيء من النبات.

### الآية 18:41

> ﻿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا [18:41]

وقوله : أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرا يقول : أو يصبح ماؤها غائرا فوضع الغور وهو مصدر مكان الغائر، كما قال الشاعر :

تَظَلّ جِيادُهُ نَوْحا عَلَيْهِ  مُقَلّدَةً أعِنّتَها صُفُونا**بمعنى نائحة وكما قال الآخر :**هَرِيقي مِنْ دُمُوعِهِما سَجامَا  ضُباعَ وجَاوِبي نَوْحا قِيامَاوالعرب توحد الغَور مع الجمع والاثنين، وتذكر مع المذكر والمؤنث، تقول : ماء غور، وماءان غَوْر ومياه غَور. ويعني بقوله : غَوْرا ذاهبا قد غار في الأرض، فذهب فلا تلحقه الرّشاء، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرا أي ذاهبا قد غار في الأرض. 
وقوله : فَلنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَبا يقول : فلن تطيق أن تدرك الماء الذي كان في جنتك بعد غَوْره، بطلبك إياه.

### الآية 18:42

> ﻿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا [18:42]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىَ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أَحَداً . 
يقول تعالى ذكره : وأحاط الهلاك والجوائح بثمره، وهي صنوف ثمار جنته التي كان يقول لها : ما أظُنّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدا فأصبح هذا الكافر صاحب هاتين الجنتين، يقلب كفّيه ظهرا لبطن، تلهفا وأسفا على ذهاب نفقته التي أنفق في جنته وَهِيَ خاوِيَةٌ على عُرُوشِها يقول : وهي خالية على نباتها وبيوتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فأصْبَحَ يُقَلّبُ كَفّيْهِ : أي يصفق كَفيه عَلى ما أنْفَقَ فِيها متلهفا على ما فاته. 
وَ هو يقول يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّي أحَدا ويقول : يا ليتني، يقول : يتمنى هذا الكافر بعد ما أصيب بجنته أنه لم يكن كان أشرك بربه أحدا، يعني بذلك : هذا الكافر إذا هلك وزالت عنه دنياه وانفرد بعمله، ودّ أنه لم يكن كفر بالله ولا أشرك به شيئا.

### الآية 18:43

> ﻿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [18:43]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمْ تَكُن لّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً \* هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلّهِ الْحَقّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً . 
يقول تعالى ذكره : ولم يكن لصاحب هاتين الجنتين فِئَة، وهم الجماعة كما قال العَجّاج :
\*\*\* كمَا يَحُوزّ الفِئَةُ الكَمِيّ \*\*\*
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل، وإن خالف بعضهم في العبارة عنه عبارتنا، فإن معناهم نظير معنانا فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ قال : عشيرته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ : أي جند ينصرونه. 
وقوله : يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ يقول : يمنعونه من عقاب الله وعذاب الله إذا عاقبه وعذّبه. وقوله وَما كانَ مُنْتَصِرا يقول : ولم يكن ممتنعا من عذاب الله إذا عذّبه، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَما كانَ مُنْتَصِرا : أي ممتنعا.

### الآية 18:44

> ﻿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا [18:44]

وقوله : هُنالكَ الوَلايَةُ لِلّهِ الحَقّ يقول عزّ ذكره : ثم وذلك حين حلّ عذاب الله بصاحب الجنتين في القيامة. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : الولاية، فقرأ بعض أهل المدينة والبصرة والكوفة هُنالكَ الوَلايَةُ بفتح الواو من الولاية، يعنون بذلك هنالك المُوالاة لله، كقول الله : اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُوا وكقوله : ذلكَ بأنّ اللّهَ مَوْلَى الّذِينَ آمَنُوا يذهبون بها إلى الوَلاية في الدين. وقرأ ذلك عامّة قرّاء الكوفة :**«هُنالِكَ الوِلايَةُ »** بكسر الواو : من المُلك والسلطان، من قول القائل : وَلِيتُ عمل كذا، أو بلدة كذا أليه ولاية. 
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ بكسر الواو، وذلك أن الله عقب ذلك خبره عن مُلكه وسلطانه، وأن من أحلّ به نقمته يوم القيامة فلا ناصر له يومئذٍ، فإتباع ذلك الخبر عن انفراده بالمملكة والسلطان أولى من الخبر عن الموالاة التي لم يجر لها ذكر ولا معنى، لقول من قال : لا يسمّى سلطان الله ولاية، وإنما يسمى ذلك سلطان البشر، لأن الولاية معناها أنه يلي أمر خلقه منفردا به دون جميع خلقه، لا أنه يكون أميرا عليهم. 
واختلفوا أيضا في قراءة قوله الحَقّ فقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة والعراق خفضا، على توجيهه إلى أنه من نعت الله، وإلى أن معنى الكلام : هنالك الولاية لله الحقّ ألوهيته، لا الباطل بطول ألوهيته التي يدعونها المشركون بالله آلهة. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض متأخري الكوفيين :**«لِلّهِ الحَقّ »** برفع الحقّ توجيها منهما إلى أنه من نعت الولاية، ومعناه : هنالك الولاية الحقّ، لا الباطل لله وحده لا شريك له. 
وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه خفضا على أنه من نعت الله، وأن معناه ما وصفت على قراءة من قرأه كذلك. 
وقوله : هُوَ خَيْرٌ ثَوَابا يقول عزّ ذكره : خير للمنيبين في العاجل والآجل ثوابا وخَيْرٌ عُقْبا يقول : وخيرهم عاقبة في الاَجل إذا صار إليه المطيع له، العامل بما أمره الله، والمنتهى عما نهاه الله عنه. والعقب هو العاقبة، يقال : عاقبة أمر كذا وعُقْباه وعُقُبه، وذلك آخره وما يصير إليه منتهاه. 
وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة عُقْبا بضم العين وتسكين القاف. 
و القول في ذلك عندنا. أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

### الآية 18:45

> ﻿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [18:45]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُم مّثَلَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرّياحُ وَكَانَ اللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ مّقْتَدِراً . 
يقول عزّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واضرب لحياة هؤلاء المستكبرين الذين قالوا لك : اطرد عنك هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ، إذا نحن جئناك الدنيا منهم مثلاً يقول : شبها كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السّماءِ يقول : كمطر أنزلناه من السماء فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ يقول : فاختلط بالماء نبات الأرض فأصْبَحَ هَشِيما يقول : فأصبح نبات الأرض يابسا متفتتا تَذْرُوهُ الرّياحُ يقول تطيره الرياح وتفرّقه يقال منه : ذَرَته الريح تَذْروه ذَرْوا، وَذَرتْه ذَرْيا، وأذرته تُذْرِيهِ إذراء كما قال الشاعر :

فَقُلْتُ لَهُ صَوّبْ وَلا تُجْهِدَنّهُ  فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطاةِ فَتزْلَقِيقال : أذريت الرجل عن الدابة والبعير : إذا ألقيته عنه. 
وقوله : وكانَ اللّهُ على كُلّ شَيْءٍ مُقْتَدِرا يقول : وكان الله على تخريب جنة هذا القائل حين دخل جنته : ما أظُنّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدا وَما أظُنّ السّاعَةَ قائمَةً وإهلاك أموال ذي الأمْوَالِ الباخلين بها عن حقوقها، وإزالة دنيا الكافرين به عنهم، وغير ذلك مما يشاء قادر، لا يعجزه شيء أراده، ولا يعْييه أمر أراده، يقول : فلا يفخر ذو الأموال بكثرة أمواله، ولا يستكبر على غيره بها، ولا يغترنّ أهل الدنيا بدنياهم، فإنما مَثَلُها مثل هذا النبات الذي حسُن استواؤه بالمطر، فلم يكن إلا رَيْثَ أن انقطع عنه الماء، فتناهى نهايته، عاد يابسا تذروه الرياح، فاسدا، تنبو عنه أعين الناظرين، ولكن ليعمل للباقي الذي لا يفنى، والدائم الذي لا يبيد ولا يتغير.

### الآية 18:46

> ﻿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [18:46]

القول في تأويل قوله تعالى : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً . 
يقول تعالى ذكره : المال والبنون أيها الناس التي يفخر بها عيينة والأقرع، ويتكبران بها على سلمان وخباب وصهيب، مما يتزين به في الحياة الدنيا، وليسا من عداد الآخرة والباقياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبّكَ ثَوَابا يقول : وما يعمل سلمان وخباب وصهيب من طاعة الله، ودعائهم ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، الباقي لهم من الأعمال الصالحة بعد فناء الحياة الدنيا، خير يا محمد عند ربك ثوابا من المال والبنين التي يفتخر هؤلاء المشركون بها، التي تفنى، فلا تبقى لأهلها وخَيْرٌ أمَلاً يقول : وما يؤمل من ذلك سلمان وصهيب وخباب، خير مما يؤمل عيينة والأقرع من أموالهما وأولادهما. وهذه الآيات من لدن قوله : وَاتْلُ ما أُوحيَ إلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبّكَ إلى هذا الموضع، ذُكر أنها نزلت في عيينة والأقرع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسين بن عمرو العن قزي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط بن نصر، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزدي، وكان قارىء الأزد، عن أبي الكنود، عن خباب في قوله : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشيّ ثم ذكر القصة التي ذكرناها في سورة الأنعام في قصة عيينة والأقرع، إلى قوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَه عَنْ ذِكْرِنا قال : عيينة والأقرع وَاتّبعَ هَوَاهُ قال : قال : ثم قال ضرب لهم مثلاً رجلين، ومثل الحياة الدنيا. 
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالباقيات الصالحات، اختلافهم في المعنىّ بالدعاء الذي وصف جلّ ثناؤه به الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن طردهم، وأمره بالصبر معهم، فقال بعضهم : هي الصلوات الخمس. وقال بعضهم : هي ذكر الله بالتسبيح والتقديس والتهليل، ونحو ذلك. وقال بعضهم : هي العمل بطاعة الله. وقال بعضهم : الكلام الطيب. ذكر من قال : هي الصلوات الخمس :
حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي، قال : حدثنا يعقوب بن كاسب، قال : حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي قال : سمعت عبد الله بن يزيد بن هرمز، يحدّث عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه قال : الباقيات الصالحات : الصلوات الخمس. 
حدثني زريق بن إسحاق، قال : حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، في قوله : وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ قال : الصلوات الخمس. 
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي إسحاق عن عمرو بن شُرَحبيل في هذه الآية والباقياتُ الصّالِحاتُ قال : هي الصلوات المكتوبات. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : الباقيات الصالحات : الصلوات الخمس. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان عن الحسن بن عبد الله، عن إبراهيم، قال الباقِياتُ الصّالِحاتُ الصلوات الخمس. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة والباقِياتُ الصّالِحاتُ قال : الصلوات الخمس. ذكر من قال : هنّ ذكر الله بالتسبيح والتحميد ونحو ذلك :
حدثنا ابن حميد وعبد الله بن أبي زياد ومحمد بن عمارة الأسدي، قالوا : حدثنا عبد الله بن يزيد، قال : أخبرنا حيوة، قال : أخبرنا أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي من بني تيم من رهط أبي بكر الصدّيق، أنه سمع الحرث مولى عثمان بن عفان، يقول : قيل لعثمان : ما الباقيات الصالحات ؟ قال : هنّ لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. 
حدثني سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا أبو زرعة، قال : حدثنا حيوة، قال : حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع الحرث مولى عثمان بن عفان يقول : قيل لعثمان بن عفان : ما الباقيات الصالحات ؟ قال : هي لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. 
حدثني ابن عبد الرحيم البرّقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : حدثنا نافع بن يزيد ورشدين بن سعد، قالا : حدثنا زهرة بن معبد، قال : سمعت الحارث مولى عثمان بن عفان يقول : قالوا لعثمان : ما الباقيات الصالحات ؟ فذكر مثله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ قال : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ قال : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، مثله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا مالك، عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب، قال : الباقِياتُ الصّالِحاتُ : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن نافع بن سرجس، أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات، قال : لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. قال ابن جريج، وقال عطاء بن أبي رَباح مثل ذلك. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال : الباقيات الصالحات : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، بنحوه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله والباقياتُ الصّالِحاتُ قال : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني أبو صخر : أن عبد الله بن عبد الرحمن، مولى سالم بن عبد الله، حدثه قال : أرسلني سالم بن محمد بن كعب القُرَظي، فقال : قل له الْقَنِي عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال : فالتقيا، فسلم أحدهما على الاَخر، ثم قال سالم : ما تعدّ الباقيات الصالحات ؟ فقال : لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، فقال له سالم : متى جعلت فيها لا حول ولا قوّة إلا بالله ؟ فقال : ما زلت أجعلها، قال : فراجعه مرّتين أو ثلاثا فلم ينزع. قال : فأثبت، قال سالم : أجل، فأثبت فإن أبا أيوبَ الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول :**«عُرِجَ بِي إلى السّماءِ فَأُرِيتُ إبْرَاهِيمَ، فقال : يا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا مَعَك ؟ فقالَ : مُحَمّد، فَرَحّبَ بِي وَسَهّلَ، ثُمّ قالَ : مُرْ أمّتَكَ فَلْتُكْثِرْ مِنْ غِرَاسِ الجَنّةِ، فإنّ تُرْبَتَها طَيّبَةٌ، وأرْضُها وَاسِعَةٌ، فَقُلْتُ : وَما غِرَاسُ الجَنّةِ ؟ قالَ : لا حَوْلَ وَلا قُوّةَ إلاّ باللّهِ »**. 
وجدت في كتابي عن الحسن بن الصّباح البَرّار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«سُبْحَانَ اللّهِ، والحَمْدُ لِلّهِ، وَلا إلهَ إلاّ اللّهُ، وَاللّهُ أكْبَرُ مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ »**. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله : والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ قال : لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هنّ الباقيات الصالحات. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا عمرو بن الحارث، أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدريّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«اسْتَكْثَرُوا مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ »**، قيلَ : وما هي يا رسول الله ؟ قال :**«المِلّة »**، قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال :**«التّكْبِيرُ والتّهْلِيلُ والتسبِيحُ، والحَمْدُ، ولا حَوْلَ وَلا قُوّةَ إلاّ باللّهِ »**. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني مالك، عن عمارة بن صياد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول في الباقيات الصالحات : إنها قول العبد : الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. 
حدثني ابن البَرْقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب، قال : ثني ابن عَجْلان، عن عمارة بن صياد، قال : سألني سعيد بن المسيب، عن الباقيات الصالحات، فقلت : الصلاة والصيام، قال : لم تصب فقلت : الزكاة والحجّ، فقال : لم تصب، ولكنهنّ الكلمات الخمس : لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. ذكر من قال : هي العمل بطاعة الله عزّ وجلّ :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس والباقِياتُ الصّالحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبّكَ ثَوَابا وخَيْرٌ أمَلاً قال : الأعمال الصالحة : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : والباقِياتُ الصّالحاتُ قال : هي ذكر الله قول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله والصيام والصلاة والحجّ والصدقة والعتق والجهاد والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهنّ الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبّكَ ثَوَابا وخَيْرٌ أمَلاً قال : الأعمال الصالحة. ذكر من قال : هي الكلم الطيب :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : والباقياتُ الصّالِحاتُ قال : الكلام الطيب. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : هنّ جميع أعمال الخير، كالذي رُوي عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الاَخرة، وعليها يجازي ويُثاب، وإن الله عزّ ذكره لم يخصص من قوله والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبّكَ ثَوَابا بعضا دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن ر

### الآية 18:47

> ﻿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [18:47]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ نُسَيّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً \* وَعُرِضُواْ عَلَىَ رَبّكَ صَفّاً لّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لّن نّجْعَلَ لَكُمْ مّوْعِداً . 
يقول تعالى ذكره : وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجِبالَ عن الأرض، فَنبسّها بَسّا، ونجعلها هباء منبثا وَتَرَى الأرْضَ بارِزَةً ظاهرة، وظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو بروزها. وبنحو ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً قال : لا خَمَر فيها ولا غيابة ولا بناء، ولا حجر فيها. 
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ليس عليها بناء ولا شجر. 
وقيل : معنى ذلك : وترى الأرض بارزا أهلها الذين كانوا في بطنها، فصاروا على ظهرها. وقوله وَحَشْرناهُمْ يقول : جمعناهم إلى موقف الحساب فَلَمْ نُغادِرُ مِنْهُمْ أحَدا، يقول : فلم نترك، ولم نبق منهم تحت الأرض أحدا، يقال منه : ما غادرت من القوم أحدا، وما أغدرت منهم أحدا، ومن أغدرت قول الراجز :

هَلْ لكِ والعارِضُ مِنْكِ عائِضُ  فِي هَجْمَةٍ يُغْدِرُ مِنْها القابِضُ

### الآية 18:48

> ﻿وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [18:48]

وقوله : وَعُرِضُوا عَلى رَبّكَ صَفّا يقول عزّ ذكره : وعُرض الخلق على ربك يا محمد صفا لَقَدْ جِئْتُمُونا كمَا خَلَقْناكُمْ أوّلَ مَرّةٍ يقول عزّ ذكره : يقال لهم إذ عُرضوا على الله : لقد جئتمونا أيها الناس أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أوّل مرّة وحذف يقال من الكلام لمعرفة السامعين بأنه مراد في الكلام. 
وقوله : بَلْ زَعَمْتُمْ ألّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدا وهذا الكلام خرج مخرج الخبر عن خطاب الله به الجميع، والمراد منه الخصوص، وذلك أنه قد يرد القيامة خلق من الأنبياء والرسل، والمؤمنين بالله ورسله وبالبعث. ومعلوم أنه لا يُقال يومئذٍ لمن وردها من أهل التصديق بوعد الله في الدنيا، وأهل اليقين فيها بقيام الساعة، بل زعمتم أن لن نجعل لكم البعث بعد الممات، والحشر إلى القيامة موعدا، وأن ذلك إنما يقال لمن كان في الدنيا مكذّبا بالبعث وقيام الساعة.

### الآية 18:49

> ﻿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [18:49]

القول في تأويل قوله تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا ويلتنا مَا لِهََذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبّكَ أَحَداً . 
يقول عزّ ذكره : ووضع الله يومئذٍ كتاب أعمال عباده في أيديهم، فأخذ واحد بيمينه وأخذ واحد بشماله فَتَرى المُجْرِمينَ مُشْفقينَ مِمّا فِيهِ يقول عزّ ذكره : فترى المجرمين المشركين بالله مشفقين، يقول : خائفين وجلين مما فيه مكتوب من أعمالهم السيئة التي عملوها في الدنيا أن يؤاخذوا بها وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لَهَذَا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبِيرةً إلاّ أحْصَاها يعني أنهم يقولون إذا قرأوا كتابهم، ورأوا ما قد كُتب عليهم فيه من صغائر ذنوبهم وكبائرها، نادوا بالويل حين أيقنوا بعذاب الله، وضجوا مما قد عرفوا من أفعالهم الخبيثة التي قد أحصاها كتابهم، ولم يقدروا أن ينكروا صحتها كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ما لِهَذَا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إلاّ أحْصَاها اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء، ولم يشتك أحد ظلما، **«فإياكم والمحقّرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه »**. ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب لها مثلاً، يقول كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نزلوا بفلاة من الأرض، وحضر صنيع القوم، فانطلق كلّ رجل يحتطب، فجعل الرجل يجيء بالعود، ويجيء الآخر بالعود، حتى جمعوا سوادا كثيرا وأجّجوا نارا، فإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه حتى يهلكه. وقيل : إنه عنى بالصغيرة في هذا الموضع : الضحك. ذكر من قال ذلك :
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا عبد الله بن داود، قال : حدثنا محمد بن موسى، عن الزيال بن عمرو، عن ابن عباس لا يُغادِرُ صَغِيرةً وَلا كَبِيرةً قال : الضحك. 
١٧٤٢١حدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبي، قال : حدثتني أمي حمادة ابنة محمد، قال : سمعت أبي محمد بن عبد الرحمن يقول في هذه الآية في قول الله عزّ وجلّ : ما لِهَذَا الكِتابِ لا يُغَادِرُ صَغيِرةً وَلا كَبِيرةً إلاّ أحْصَاها قال : الصغيرة : الضحك. 
ويعني بقوله : ما لِهَذَا الكِتابِ : ما شأن هذا الكتاب لا يُغادِرُ صَغِيرةً وَلا كَبِيرَةً يقول : لا يبقى صغيرة من ذنوبنا وأعمالنا ولا كبيرة منها إلاّ أحْصَاها يقول : إلا حفظها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا في الدنيا من عمل حاضِرا في كتابهم ذلك مكتوبا مثبتا، فجوّزوا بالسيئة مثلها، والحسنة ما الله جازيهم بها وَلا يَظْلِمُ رَبّكَ أحَدا يقول : ولا يجازي ربك أحدا يا محمد بغير ما هو أهله، لا يجازي بالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئة إلا أهل السيئة، وذلك هو العدل.

### الآية 18:50

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [18:50]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم فَسَجَدُوَاْ إِلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً . 
يقول تعالى ذكره مذكّرا هؤلاء المشركين حسد إبليس أباهم ومعلمهم ما كان منه من كبره واستكباره عليه حين أمره بالسجود له، وأنه من العداوة والحسد لهم على مثل الذي كان عليه لأبيهم : وَ اذكر يا محمد إذْ قُلْنا للْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاَدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ الذي يطيعه هؤلاء المشركون ويتبعون أمره، ويخالفون أمر الله، فإنه لم يسجد له استكبارا على الله، وحسدا لاَدم كانَ مِنَ الجِنّ. 
واختلف أهل التأويل في معنى قوله كانَ مِنَ الجِنّ فقال بعضهم : إنه كان من قبيلة يقال لهم الجنّ. وقال آخرون : بل كان من خزّان الجنة، فنُسب إلى الجنة. وقال آخرون : بل قيل من الجنّ، لأنه من الجنّ الذين استجنوا عن أعين بني آدم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال : كان اسمه قبل أن يركب المعصية عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك هو الذي دعاه إلى الكبر، وكان من حيّ يسمى جنا. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجنّ، خُلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث. قال : وكان خازنا من خزّان الجنة. قال : وخُلقت الملائكة من نور غير هذ الحيّ. قال : وخُلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. 
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني شيبان، قال : حدثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِن قال : كان إبليس من خزّان الجنة، وكان يدبر أمر سماء الدنيا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة. وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، وكان فيما قضى الله أنه رأى أن له بذلك شرفا وعظمة على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله فما كان عند السجود حين أمره أن يسجد لاَدم استخرج الله كبره عند السجود، فلعنه وأخّره إلى يوم الدين. قال : قال ابن عباس : وقوله : كانَ مِنَ الجِنّ إنما سمي بالجنان أنه كان خازنا عليها، كما يقال للرجل : مكيّ، ومدنيّ، وكوفيّ، وبصريّ، قاله ابن جريج. 
وقال آخرون : هم سبط من الملائكة قبيلة، وكان اسم قبيلته الجنّ :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة، وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما، عن ابن عباس، قال : إن من الملائكة قبيلة من الجنّ، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه فمسخه شيطانا رجيما، لعنه الله ممسوخا. قال : وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت خطيئته في معصية فارجه، وكانت خطيئة آدم في معصية، وخطيئة إبليس في كبر. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذْ قُلْنا للْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لاَدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ قبيل من الملائكة يقال لهم الجنّ. وقال ابن عباس : لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود، وكان على خزانة السماء الدنيا. قال : وكان قتادة يقول : جنّ عن طاعة ربه. وكان الحسن يقول : ألجأه الله إلى نسبه. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ قال : كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجنّ. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجنّ، كما أن آدم عليه السلام أصل الإنس. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول : كان إبليس على السماء الدنيا وعلى الأرض وخازن الجنان. 
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنّ : كان ابن عباس يقول : إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سوّلت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لاَدم، فاستكبر وكان من الكافرين، فذلك قوله للملائكة : إنّي أعْلَمُ غَيْبَ السّمَوَاتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُم تَكْتُمُونَ يعني : ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر. 
وقوله : كانَ مِنَ الجِنّ كان ابن عباس يقول : قال الله كانَ مِنَ الجِنّ لأنه كان خازنا على الجنان، كما يقال للرجل : مكيّ، ومدني، وبصريّ، وكوفيّ. 
وقال آخرون : كان اسم قبيلة إبليس الجنّ، وهم سبط من الملائكة يقال لهم الجنّ، فلذلك قال الله عزّ وجلّ كانَ مِنَ الجِنّ فنسبه إلى قبيلته. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله كانَ مِنَ الجِنّ قال : من الجنانين الذين يعملون في الجنان. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو سعيد اليحمدي إسماعيل بن إبراهيم، قال : ثني سوار بن الجعد اليحمدي، عن شهر بن حوشب، قوله : مِنَ الجنّ قال : كان إبليس من الجنّ الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله إلاّ إبْليسَ كانَ مِنَ الجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ قال : كان خازن الجنان فسمي بالجنان. 
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال : حدثنا أحمد بن بشير، عن سفيان بن أبي المقدام، عن سعيد بن جبير، قال : كان إبليس من خزنة الجنة. 
وقد بيّنا
القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا، وذكرنا اختلاف المختلفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. 
وقوله : فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ يقول : فخرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال، كما قال رؤبة :

يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وغَوْرا غائرَا  فَوَاسقا عَنْ قَصْدِها جَوَائِرَايعني بالفواسق : الإبل المنعدلة عن قصد نجد، وكذلك الفسق في الدين إنما هو الانعدال عن القصد، والميل عن الاستقامة. ويُحكى عن العرب سماعا : فسقت الرطبة من قشرها : إذا خرجت منه، وفسقت الفأرة : إذا خرجت من جحرها. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : إنما قيل : فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ لأنه مراد به : ففسق عن ردّه أمر الله، كما تقول العرب : اتخمت عن الطعام، بمعنى : اتخمت لما أكلته. وقد بيّنا
القول في ذلك، وأن معناه : عدل وجار عن أمر الله، وخرج عنه. وقال بعض أهل العلم بكلام العرب : معنى الفسق : الاتساع. وزعم أن العرب تقول : فسق في النفقة : بمعنى اتسع فيها. قال : وإنما سمى الفاسق فاسقا، لاتساعه في محارم الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ قال : في السجود لاَدم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله فَفَسَق عَنْ أمْرِ رَبّهِ قال : عصى في السجود لاَدم. 
وقوله : أفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ يقول تعالى ذكره : أفتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وحسده، وكفر نعمتي عليه، وغرّه حتى أخرجه من الجنة ونعيم عيشه فيها إلى الأرض وضيق العيش فيها، وتطيعونه وذرّيته من دون الله مع عدواته لكم قديما وحديثا، وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأكرمكم، بأن أسجد لوالدكم ملائكته، وأسكنه جناته، وآتاكم من فواضل نعمه ما لا يحصى عدده، وذرّية إبليس : الشياطين الذين يغرّون بني آدم. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد أفَتَتّخِذونَه وَذُرّيّتهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي قال : ذرّيته : هم الشياطين، وكان يعدّهم **«زلنبوا »** صاحب الأسواق ويضع رايته في كلّ سوق ما بين السماء والأرض، و**«ثبر »** صاحب المصائب، و**«الأعور »** صاحب الزنا و**«مسوط »** صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلاً، و**«داسم »** الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله بصره من المتاع ما لم يرفع، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : حدثنا حفص بن غياث، قال : سمعت الأعمش يقول : إذا دخلتُ البيت ولم أسلم، رأيت مطهرة، فقلت : ارفعوا ارفعوا، وخاصمتهم، ثم أذكر فأقول : داسم داسم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، قال : هم أربعة ثبر، وداسم، وزلنبور، والأعور، ومسوط : أحدها. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي. . . الآية، وهم يتوالدون كما تتوالد بنو آدم، وهم لكم عدوّ. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ وهو أبو الجنّ كما آدم أبو الإنس. وقال : قال الله لإبليس : إني لا أذرأ لاَدم ذرّية إلا ذرأت لك مثلها، فليس من ولد آدم أحد إلا له شيطان قد قرن به. 
وقوله : بِئْسَ للظّالِمينَ بَدَلاً يقول عزّ ذكره : بئس البدل للكافرين بالله اتخاذ إبليس وذرّيته أولياء من دون الله، وهم لكم عدّو من تركهم اتخاذ الله وليا باتباعهم أمره ونهيه، وهو المنعم عليهم وعلى أبيهم آدم من قبلهم، المتفضّل عليهم من الفواضل ما لا يحصى بدلاً. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة بِئْسَ للظّالِمِينَ بَدَلاً بئْسما استبدلوا

### الآية 18:51

> ﻿۞ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [18:51]

القول في تأويل قوله تعالى : مّآ أَشْهَدتّهُمْ خَلْقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً . 
يقول عزّ ذكره : ما أشهدت إبليس وذرّيته خَلْقَ السمَوَاتِ والأرْضِ يقول : ما أحضرتهم ذلك فأستعين بهم على خلقها وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ يقول : ولا أشهدت بعضهم أيضا خلق بعض منهم، فأستعين به على خلقه، بل تفرّدت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير، يقول : فكيف اتخذوا عدوّهم أولياء من دوني، وهم خلق من خلق أمثالهم، وتركوا عبادتي وأنا المنعم عليهم وعلى أسلافهم، وخالقهم وخالق من يوالونه من دوني منفردا بذلك من غير معين ولا ظهير. 
وقوله : وَما كُنْتُ مُتّخِذَ المُضِلّينَ عَضُدا يقول : وما كنت متخذ من لا يهدى إلى الحقّ، ولكنه يضلّ، فمن تبعه يجور به عن قصد السبيل أعوانا وأنصارا وهو من قولهم : فلان يعضد فلانا إذا كان يقوّيه ويعينه. وبنحو ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما كُنْتَ مُتّخِذَ المُضِلّينَ عَضُدا : أي أعوانا. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله، وإنما يعني بذلك أن إبليس وذرّيته يضلون بني آدم عن الحقّ، ولا يهدونهم للرشد، وقد يحتمل أن يكون عنى بالمضلين الذين هم أتباع على الضلالة، وأصحاب على غير هدى.

### الآية 18:52

> ﻿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [18:52]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مّوْبِقاً \* وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنّوَاْ أَنّهُمْ مّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً . 
يقول عزّ ذكره وَيَوْمَ يَقُولُ الله عزّ ذكره للمشركين به الآلهة والأنداد نادُوا شُرَكائيَ الَذِينَ زَعَمْتُمْ يقول لهم : ادعوا الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي في العبادة لينصروكم ويمنعوكم مني فَدَعَوهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ يقول : فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا. 
فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : معناه : وجعلنا بين هؤلاء المشركين وما كانوا يدعون من دون الله شركاء في الدنيا يومئذٍ عداوة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال : حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، في قول الله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : جعل بينهم عداوة يوم القيامة. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عثمان بن عمر، عن عوف، عن الحسن وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : عداوة. 
وقال آخرون : معناه : وجعلنا فعلهم ذلك لهم مَهْلِكا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : مَهْلِكا. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : مَوْبِقا قال : هلاكا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : الموبق : المهلك، الذي أهلك بعضهم بعضا فيه، أوبق بعضهم بعضا. وقرأ وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهمْ مَوْعِدا. 
حُدثت عن محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك مَوْبِقا قال : هلاكا. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن عَرْفَجة، في قوله وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : مهلكا. 
وقال آخرون : هو اسم واد في جهنم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عمرو البكّاليّ : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ موبقا قال : واد عميق فُصِل به بين أهل الضلالة وأهل الهدى، وأهل الجنة، وأهل النار. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا ذكر لنا أن عَمرا البكَالي حدّث عن عبد الله بن عمرو، قال : هو واد عميق فُرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عمر بن عبيد، عن الحجاج بن أرطاة، قال : قال مجاهد وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : واديا في النار. 
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : واديا في جهنم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني محمد بن سنان القزاز، قال : حدثنا عبد الصمد، قال : حدثنا يزيد بن درهم، قال : سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله عزّ وجلّ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقا قال : واد في جهنم من قيح ودم. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، ومن وافقه في تأويل الموبق : أنه المهلك، وذلك أن العرب تقول في كلامها : قد أوبقت فلانا : إذا أهلكته. ومنه قول الله عزّ وجلّ : أوْ يُوبِقْهُنّ بِمَا كَسَبُوا بمعنى : يهلكهنّ. ويقال للمهلك نفسه : قد وبق فلان فهو يوبق وبقا. ولغة بني عامر : يابق بغير همز. وحُكي عن تميم أنها تقول : يبيق. وقد حُكي وبق يبق وبوقا، حكاها الكسائي. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : الموبق : الوعد، ويستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر :

وحادَ شَرَوْرَى فالسّتارَ فَلَمْ يَدَعْ  تِعارا لَهُ والوَادِيَيْنِ بِمَوْبِقِويتأوّله بموعد. وجائز أن يكون ذلك المهلك الذي جعل الله جلّ ثناؤه بين هؤلاء المشركين، هو الوادي الذي ذكر عن عبد الله بن عمرو، وجائز أن يكون العداوة التي قالها الحسن.

### الآية 18:53

> ﻿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [18:53]

وقوله : وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ يقول : وعاين المشركون النار يومئذٍ فَظَنّوا أنّهُمْ مُوَاقعُوها يقول : فعلموا أنهم داخلوها، كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : فَظَنّوا أنّهُمْ مُوَاقعُوها قال : علموا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال :**«إنّ الكافرَ يَرَى جَهَنّمَ فَيَظُنّ أنّها مُوَاقعَتُهُ مِنْ مَسيرَةِ أرْبَعينَ سَنَةَ »**. 
وقوله : ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفا يقول : ولم يجدوا عن النار التي رأوا معدلاً يعدلون عنها إليه. يقول : لم يجدوا من مواقعتها بدّا، لأن الله قد حتم عليهم ذلك. ومن المصرف بمعنى المعدل قول أبي كبير الهذليّ :

أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِنْ مَصْرِفِ  أمْ لا خُلُودَ لباذِلٍ مُتَكَلّفِ

### الآية 18:54

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [18:54]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرّفْنَا فِي هََذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً . 
يقول عزّ ذكره : ولقد مثلنا في هذا القرآن للناس من كلّ مثل، ووعظناهم فيه من كلّ عظة، واحتججنا عليهم فيه بكلّ حجة ليتذكّروا فينيبوا، ويعتبروا فيتعظوا، وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك بالله وعبادة الأوثان وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً يقول : وكان الإنسان أكثر شيء مراء وخصومة، لا ينيب لحقّ، ولا ينزجر لموعظة، كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً قال : الجدل : الخصومة، خصومة القوم لأنبيائهم، وردّهم عليهم ما جاءوا به. وقرأ : مَا هَذَا إلاّ بَشرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ منه وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ. وقرأ : يُرِيدُ أنْ يَتَفَضّلَ عَلَيْكُمْ. وقرأ : حتى تُوَفّى. . . الآية : وَلَوْ نَزّلْنا عَلَيْكَ كِتابا فِي قِرْطاسٍ. . . الاَية. وقرأ : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابا مِنَ السّماءِ فَظَلّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ قال : هم ليس أنت لقالوا إنّمَا سُكّرَت أبْصَارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ.

### الآية 18:55

> ﻿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا [18:55]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا مَنَعَ النّاسَ أَن يُؤْمِنُوَاْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىَ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبّهُمْ إِلاّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنّةُ الأوّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً . 
يقول عزّ ذكره : وما منع هؤلاء المشركين يا محمد الإيمان بالله إذ جاءهم الهدى بيان الله، وعلموا صحة ما تدعوهم إليه وحقيقته، والاستغفار مما هم عليه مقيمون من شركهم، إلا مجيئهم سنتنا في أمثالهم من الأمم المكذبة رسلها قبلهم، أو إتيانهم العذاب قُبُلا. 
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : أو يأتيهم العذاب فجأة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : أوْ يَأتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلاً قال فجأة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وقال آخرون : معناه : أو يأتيهم العذاب عيانا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله أوْ يَأتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلاً قال : قبلاً معاينة ذلك القبل. 
وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة ذات عدد أوْ يَأْتِيَهُمْ العَذَابُ قُبُلاً بضمّ القاف والباء، بمعنى أنه يأتيهم من العذاب ألوان وضروب، ووجهوا القُبُل إلى جمع قبيل، كما يُجمع القتيل القُتُل، والجديد الجُدُد. وقرأ جماعة أخرى :**«أوْ يَأْتِيَهُمْ العَذَابُ قِبَلاً »** بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى أو يأتيهم العذاب عيانا من قولهم : كلمته قِبَلاً. وقد بيّنت
القول في ذلك في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

### الآية 18:56

> ﻿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [18:56]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقّ وَاتّخَذُوَاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً . 
يقول عزّ ذكره : وما نرسل إلا ليبشروا أهل الإيمان والتصديق بالله بجزيل ثوابه في الآخرة، ولينذروا أهل الكفر به والتكذيب، عظيم عقابه، وأليم عذابه، فينتهوا عن الشرك بالله، وينزجروا عن الكفر به ومعاصيه ويُجادِلُ الّذينَ كَفَرُوا بالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقّ يقول : ويخاصم الذين كذّبوا بالله ورسوله بالباطل، ذلك كقولهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم : أخبرنا عن حديث فتية ذهبوا في أوّل الدهر لم يدر ما شأنهم، وعن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح، وما أشبه ذلك مما كانوا يخاصمونه به، يبتغون إسقاطه، تعنيتا له صلى الله عليه وسلم، فقال الله لهم : إنا لسنا نبعث إليكم رسلنا للجدال والخصومات، وإنما نبعثهم مبشرين أهل الإيمان بالجنة، ومنذرين أهل الكفر بالنار، وأنتم تجادلونهم بالباطل طلبا منكم بذلك أن تبطلوا الحقّ الذي جاءكم به رسولي. وعنى بقوله : ليُدْحِضُوا بِهِ الحَقّ ليبطلوا به الحقّ ويزيلوه ويذهبوا به. يقال منه : دحض الشيء : إذا زال وذهب، ويقال : هذا مكان دَحْض : أي مُزِل مُزْلِق لا يثبت فيه خفّ ولا حافر ولا قدم ومنه قوله الشاعر :

رَدِيتُ ونَجّى اليَشْكُرِيّ حِذَارُهُ  وحادَ كما حادَ البَعيرُ عَن الدّحْضِويروى : ونحّى، وأدحضته أنا : إذا أذهبته وأبطلته. 
وقوله : واتّخَذُوا آياتي وَما أُنْذِرُوا هُزُوا يقول : واتخذوا الكافرون بالله حججه التي احتجّ بها عليهم، وكتابه الذي أنزله إليهم، والنذر التي أنذرهم بها سخريا يسخرون بها، يقولون : إنْ هَذَا إلاّ أساطِيرُ الأوّلِينَ اكْتَتَبها فَهِيَ تُمْلىَ عَليْهِ بُكْرَةً وَأصِيلاً ولَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا.

### الآية 18:57

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [18:57]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّن ذُكّرَ بِآيِاتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدّمَتْ يَدَاهُ إِنّا جَعَلْنَا عَلَىَ قُلُوبِهِمْ أَكِنّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىَ الْهُدَىَ فَلَنْ يَهْتَدُوَاْ إِذاً أَبَداً . 
يقول عزّ ذكره : وأيّ الناس أوضع للإعراض والصدّ في غير موضعهما ممن ذكره بآياته وحججه، فدله بها على سبيل الرشاد، وهداه بها إلى طريق النجاة، فأعرض عن آياته وأدلته التي في استدلاله بها الوصول إلى الخلاص من الهلاك وَنَسِيَ ما قَدّمَتْ يَدَاهُ يقول : ونسي ما أسلف من الذنوب المهلكة فلم يتب، ولم ينب كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَنَسِيَ ما قَدّمَتْ يَدَاهُ : أي نسي ما سلف من الذنوب. 
وقوله : إنّا جَعَلْنا على قُلوبِهِمْ أكِنّةَ أنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذانِهِمْ وَقْرا يقول تعالى ذكره : إنا جعلنا على قلوب هؤلاء الذين يعرضون عن آيات الله إذا ذكروا بها أغطية لئلا يفقهوه، لأن المعنى أن يفقهوا ما ذكروا به. وقوله : وفِي آذانِهِمْ وَقْرا يقول : في آذانهم ثقلاً لئلا يسمعوه وَإنْ تَدْعُهُمْ إلى الهُدَى يقول عزّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَإنْ تَدْعُ يا مُحَمّد هؤلاء المعرضين عن آيات الله عند التذكير بها إلى الاستقامة على محجة الحقّ والإيمان بالله، وما جئتهم به من عند ربك فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا يقول : فلن يستقيموا إذا أبدا على الحقّ، ولن يؤمنوا بما دعوتهم إليه، لأن الله قد طبع على قلوبهم، وسمعهم وأبصارهم.

### الآية 18:58

> ﻿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [18:58]

القول في تأويل قوله تعالى : وَرَبّكَ الْغَفُورُ ذُو الرّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لّهُم مّوْعِدٌ لّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وربك الساتر يا محمد على ذنوب عباده بعفوه عنهم إذا تابوا منهم ذُو الرّحمَةِ بِهِمْ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا هؤلاء المعرضين عن آياته إذا ذكروا بها بما كسبوا من الذنوب والآثام، لَعجّلَ لَهُمُ العَذَابَ ولكنه لرحمته بخلقه غير فاعل ذلك بهم إلى ميقاتهم وآجالهم، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ يقول : لكن لهم موعد، وذلك ميقات محلّ عذابهم، وهو يوم بدر لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً يقول تعالى : ذكره : لن يجد هؤلاء المشركون، وإن لم يعجل لهم العذاب في الدنيا من دون الموعد الذي جعلته ميقاتا لعذابهم، ملجأً يلجأون إليه، ومنجى ينجون معه، يعني أنهم لا يجدون معقلاً يعتقلون به من عذاب الله يقال منه : وألت من كذا إلى كذا، أئل وُؤولاً، مثل وعولاً ومنه قول الشاعر :

لا وَاءَلَتْ نَفْسُكَ خَلّيْتَها  للْعامِرِييّن ولَمْ تُكْلَمِ**يقول : لانجت وقول الأعشى :**وَقَدْ أُخالِسُ رَبّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ  وقَدْ يُحاذِرِ مِنّي ثَمّ ما يَئِلُوبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : مَوْئِلاً قال : محرزا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً : يقول : ملجأ. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً : أي لن يجدوا من دونه وليا ولا ملْجأً. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئلاً قال : ليس من دونه ملجأ يلجأون إليه.

### الآية 18:59

> ﻿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [18:59]

القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ الْقُرَىَ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مّوْعِداً . 
يقول تعالى ذكره : وتلك القُرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا، فكفروا بالله وآياته، وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدا يعني ميقاتا وأجلاً، حين بلغوه جاءهم عذاب فأهلكناهم به، يقول : فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين من قومك يا محمد الذين لا يؤمنون بك أبدا موعدا، إذا جاءهم ذلك الموعد أهلكناهم سنتنا في الذين خلوا من قبلهم من ضربائهم كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدا قال : أجلاً. 
حدثنا القاسم، قال : ثني الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله لِمَهْلِكِهِمْ فقرأ ذلك عامّة قرّاء الحجاز والعراق :**«لِمُهْلِكِهمْ »** بضمّ الميم وفتح اللام على توجيه ذلك إلى أنه مصدر من أهلكوا إهلاكا. وقرأه عاصم :**«لِمَهْلَكِهِمْ »** بفتح الميم واللام على توجيهه إلى المصدر من هلكوا هلاكا ومهلكا. 
وأولى القراءتين بالصواب عندي في ذلك قراءة من قرأه :**«لمُهْلَكِهِمْ »** بضمّ الميم وفتح اللام لإجماع الحجة من القرّاء عليه، واستدلالاً بقوله : وَتِلْكَ القُرَى أهْلَكْناهُمْ فأن يكون المصدر من أهلكنا، إذ كان قد تقدّم قبله أولى. وقيل : أهلكناهم، وقد قال قبل : وَتلكَ القُرَى، لأن الهلاك إنما حلّ بأهل القرى، فعاد إلى المعنى، وأجرى الكلام عليه دون اللفظ. 
وقال بعض نحويي البصرة : قال : وَتَلْكَ القُرَى أهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا يعني أهلها، كما قال : وَاسْئَلِ القَرْيَةِ ولم يجيء بلفظ القرى، ولكن أجرى اللفظ على القوم، وأجرى اللفظ في القرية عليها إلى قوله التي كُنّا فِيها، وقال : أهْلكْناهُمْ ولم يقل : أهلكناها، حمله على القوم، كما قال : جاءت تميم، وجعل الفعل لبني تميم، ولم يجعله لتميم، ولو فعل ذلك لقال : جاء تميم، وهذا لا يحُسن في نحو هذا، لأنه قد أراد غير تميم في نحو هذا الموضع، فجعله اسما، ولم يحتمل إذا اعتلّ أن يحذف ما قبله كله معنى التاء من جاءت مع بني تميم، وترك الفعل على ما كان ليعلم أنه قد حذف شيئا قبل تميم. وقال بعضهم : إنما جاز أن يقال : تلك القرى أهلكناهم، لأن القرية قامت مقام الأهل، فجاز أن ترد على الأهل مرة وعليها مرّة، ولا يجوز ذلك في تميم، لأن القبيلة تعرف به وليس تميم هو القبيلة، وإنما عرفت القبيلة به، ولو كانت القبيلة قد سميت بالرجل لجرت عليه، كما تقول : وقعت في هود، تريد في سورة هود وليس هود اسما للسورة وإنما عرفت السورة به، فلو سميت السورة بهود لم يجر، فقتل : وقعت في هود يا هذا، فلم يجر، وكذلك لو سمي بني تميم تميما لقيل : هذه تميم قد أقبلت، فتأويل الكلام : وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا، وجعلنا لإهلاكهم موعدا.

### الآية 18:60

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [18:60]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِفَتَاهُ لآ أَبْرَحُ حَتّىَ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً . 
يقول عزّ ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران لفتاه يوشع : لا أبْرَحُ يقول : لا أزال أسير حتى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لا أبْرَحُ قال : لا أنتهي. 
وقيل : عنى بقوله : مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ اجتماع بحر فارس والروم، والمجمع : مصدر من قولهم : جمع يجمع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : حتى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ والبحران : بحر فارس وبحر الروم، وبحر الروم مما يلي المغرب، وبحر فارس مما يلي المشرق. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله : مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ قال : بحر فارس، وبحر الروم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مجمَع البَحْرَينِ قال : بحر الروم، وبحر فارس، أحدهما قِبَل المشرق، والآخر قِبَل المغرب. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : مُجْمَعَ البَحْرَيْنِ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن الضريس، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب، في قوله : لا أبْرَحُ حتى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ قال : طنجة. 
وقوله : أوْ أمْضِيَ حُقُبا يقول : أو أسير زمانا ودهرا، وهو واحد، ويجمع كثيره وقليله : أحقاب. وقد تقول العرب : كنت عنده حقبة من الدهر، ويجمعونها حُقبا. وكان بعض أهل العربية بوجه تأويل قوله لا أبْرَحُ : أي لا أزول، ويستشهد لقوله ذلك ببيت الفرزدق :

فمَا بَرِحُوا حتى تَهادَتْ نِساؤُهُمْ  ببَطْحاءِ ذِي قارٍ عِيابَ اللّطائِمِيقول : ما زالوا. 
وذكر بعض أهل العلم بكلام العرب، أن الحقب في لغة قيس : سنة. فأما أهل التأويل فإنهم يقولون في ذلك ما أنا ذاكره، وهو أنهم اختلفوا فيه، فقال بعضهم : هو ثمانون سنة. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن هشيم، قال : حدثنا أبو بلج، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو، قال : الحقب : ثمانون سنة. 
وقال آخرون : هو سبعون سنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد أوْ أمْضِيَ حُقُبا قال : سبعين خريفا. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
وقال آخرون في ذلك، بنحو الذي قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أوْ أمْضِيَ حُقُبا قال : دهرا. 
حدثنا أحمد بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله حُقَبا قال : الحقب : زمان. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أوْ أمْضِيَ حُقُبا قال : الحقب : الزمان.

### الآية 18:61

> ﻿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [18:61]

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً . 
يعني تعالى ذكره : فلما بلغ موسى وفتاه مجمع البحرين، كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله مَجْمَعَ بَيْنِهِما قال : بين البحرين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وقوله : نَسيا حُوَتهُما يعني بقوله : نسيا : تركا، كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نَسيَا حُوَتهُما قال : أضلاه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : أضلاه. 
قال بعض أهل العربية : إن الحوت كان مع يوشع، وهو الذي نسيه، فأضيف النسيان إليهما، كما قال : يَخْرُجُ مِنْهُما اللّؤْلُؤُ والمَرْجانُ وإنما يخرج من الملح دون العذب. 
وإنما جاز عندي أن يقال : نَسِيا لأنهما كانا جميعا تزوّداه لسفرهما، فكان حمل أحدهما ذلك مضافا إلى أنه حمل منهما، كما يقال : خرج القوم من موضع كذا، وحملوا معهم كذا من الزاد، وإنما حمله أحدهما ولكنه لما كان ذلك عن رأيهم وأمرهم أضيف ذلك إلى جميعهم، فكذلك إذا نسيه حامله في موضع قيل : نسي القوم زادهم، فأضيف ذلك إلى الجميع بنسيان حامله ذلك، فيجرى الكلام على الجميع، والفعل من واحد، فكذلك ذلك في قوله : نَسِيا حُوَتُهما لأن الله عزّ ذكره خاطب العرب بلغتها، وما يتعارفونه بينهم من الكلام. 
وأما قوله : يَخْرُجُ مِنْهُما اللّؤلُؤُ والمَرْجانُ فإن القول في ذلك عندنا بخلاف ما قال فيه، وسنبينه إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إليه. 
وأما قوله : فاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا فإنه يعني أن الحوت اتخذ طريقه الذي سلكه في البحر سربا، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد فاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا قال : الحوت اتخذ. ويعني بالسرب : المسلك والمذهب، يسرب فيه : يذهب فيه ويسلكه. 
ثم اختلف أهل العلم في صفة اتخاذه سبيله في البحر سربا، فقال بعضهم : صار طريقه الذي يسلك فيه كالحجر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، قوله سَرَبا قال : أثره كأنه حجر. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر حديث ذلك :**«ما انْجابَ ماءٌ مُنْذُ كانَ النّاسُ غيرُهُ ثَبَتَ مَكانُ الحُوتِ الّذِي فِيهِ فانْجابَ كالكُوّةِ حتى رَجَعَ إلَيْهِ مُوسَى، فَرأى مَسْلَكَهُ، فقالَ : ذلكَ ما كُنّا نَبْغي »**. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عطية، قال : حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله فاتّخَذَ سَبيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا قال : جاء فرأى أثر جناحيه في الطين حين وقع في الماء، قال ابن عباس فاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا وحلق بيده. 
وقال آخرون : بل صار طريقه في البحر ماء جامدا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : سرب من الجرّ حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك، فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماء جامدا. 
وقال آخرون : بل صار طريقه في البحر حجرا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : جعل الحوت لا يمسّ شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة. 
وقال آخرون : بل إنما اتخذ سبيله سربا في البرّ إلى الماء، حتى وصل إليه لا في البحر. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا قال : قال : حشر الحوت في البطحاء بعد موته حين أحياه الله. قال ابن زيد، وأخبرني أبو شجاع أنه رآه قال : أتيت به فإذا هو شقة حوت وعين واحدة، وشقّ آخر ليس فيه شيء. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عزّ وجلّ : واتخذ الحوت طريقه في البحر سربا. وجائز أن يكون ذلك السرب كان بانجياب عن الأرض وجائز أن يكون كان بجمود الماء وجائز أن يكون كان بتحوّله حجرا. 
وأصحّ الأقوال فيه ما رُوي الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا عن أبيّ عنه.

### الآية 18:62

> ﻿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا [18:62]

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هََذَا نَصَباً . 
يقول تعالى ذكره : فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين، قال موسى لفتاه يوشع آتِنا غَدَاءَنا يقول : جئنا بغدائنا وأعطناه، وقال : آتنا غداءنا، كما يقال : أتى الغداء وأتيته، مثل ذهب وأذهبته، لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا يقول : لقد لقينا من سفرنا هذا عناء وتعبا وقال ذلك موسى، فيما ذُكر، بعد ما جاوز الصخرة، حين ألقي عليه الجوع ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه.

### الآية 18:63

> ﻿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا [18:63]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصّخْرَةِ فَإِنّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاّ الشّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً . 
يقول تعالى ذكره : قال فتى موسى لموسى حين قال له : آتنا غداءنا لنطعم : أرأيت إذا أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت هنالك وَما أنْسانيهُ إلاّ الشّيْطانُ يقول : وما أنساني الحوت إلا الشيطان أنْ أذْكُرَهُ فأن في موضع نصب ردّا على الحوت، لأن معنى الكلام : وما أنساني أن أذكر الحوت إلا الشيطان سبق الحوت إلى الفعل، وردّ عليه قوله أنْ أذْكُرَهُ وقد ذكر أن ذلك في مصحف عبد الله :**«وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان »**. 
حدثني بذلك بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة حدثني العباس بن الوليد قال : سمعت محمد بن معقل، يحدّث عن أبيه، أن الصخرة التي أوى إليها موسى هي الصخرة التي دون نهر الذئب على الطريق. 
واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا يُعْجَبُ منه. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فِي البَحْرِ عَجَبا قال : موسى يعجب من أثر الحوت في البحر ودوراته التي غاب فيها، فوجد عندها خضرا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : واتّخَذَ سَبيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا فكان موسى لما اتخذ سبيله في البحر عجبا، يعجب من سرب الحوت. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : واتّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبا قال : عجب والله حوت كان يؤكل منه أدهرا، أيّ شيء أعجب من حوت كان دهرا من الدهور يؤكل منه، ثم صار حيا حتى حشر في البحر. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : جعل الحوت لا يمسّ شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يعجب من ذلك. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا الحسن بن عطية، قال : حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا قال : يعني كان سرب الحوت في البحر لموسى عجبا.

### الآية 18:64

> ﻿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا [18:64]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ ذَلِكَ مَا كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلَىَ آثَارِهِمَا قَصَصاً \* فَوَجَدَا عَبْداً مّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلّمْنَاهُ مِن لّدُنّا عِلْماً . 
يقول تعالى ذكره : فقال موسى لفتاه ذلكَ يعني بذلك : نسيانك الحوت وما كُنّا نَبْغِ يقول : الذي كنا نلتمس ونطلب، لأن موسى كان قيل له صاحبك الذي تريده حيث تنسى الحوت، كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ذلكَ ما كُنّا نَبْغِ قال موسى : فذلك حين أخبرت أني واجد خضرا حيث يفوتني الحوت. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : حيث يفارقني الحوت. 
وقوله : فارْتَدّا على آثارِهِما قَصَصَا يقول : فرجعا في الطريق الذي كانا قطعاه ناكصين على أديارهما يقصان آثارهما التي كانا سلكاهما. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : قَصصا قال : اتبع موسى وفتاه أثر الحوت، فشقا البحر راجعين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : فارْتَدا على آثارِهِما قَصَصا قال : اتباع موسى وفتاه أثر الحوت بشقّ البحر، وموسى وفتاه راجعان وموسى يعجب من أثر الحوت في البحر، ودوراته التي غاب فيها. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : رجعا عودهما على بدئهما فارْتَدّا عَلى آثارِهما قَصَصا. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن أبّي بن كعب، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ذلكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهما قَصَصا :**«أيْ يَقُصّان آثارَهما حتى انْتَهَيا إلى مَدْخَلِ الحُوتِ »**.

### الآية 18:65

> ﻿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [18:65]

وقوله : فَوَجَدَا عَبْدا مِنْ عبادِنا آتَيْناه رحْمَةً مِنْ عِنْدِنا يقول : وهبنا له رحمة من عندنا وَعَلّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْما يقول : وعلمناه من عندنا أيضا علما. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة مِنْ لَدُنّا عِلْما : أي من عندنا علما. 
وكان سبب سفر سُئل : هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ فقال : لا، أو حدّثته نفسه بذلك، فكره ذلك له، فأراد الله تعريفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه، وأنه لم يكن له أن يحتم على ما لا علم له به، ولكن كان ينبغي له أن يكل إلى عالمه. 
وقال آخرون : بل كان سبب ذلك أنه سأل الله جلّ ثناؤه أن يدله على عالم يزداد من علمه إلى علم نفسه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : سأل موسى ربه وقال : ربّ أيّ عبادك أحبّ إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني قال : فأيّ عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحقّ ولا يتبع الهوى قال : أي ربّ أيّ عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علم نفسه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هُدَى، أو تردّه عن رَدَى قال : ربّ فهل في الأرض أحدٌ ؟ قال : نعم قال : ربّ، فمن هو ؟ قال : الخضر قال : وأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت قال : فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر اللّهُ، وانتهى إليه موسى عند الصخرة، فسلم كلّ واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى : إني أريد أن تستصحبني، قال : إنك لن تطيق صحبتي، قال : بلى، قال : فإن صحبتني **«فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا فانْطَلَقا حتى إذَا رَكِبا فِي السّفِينَةِ خَرَقَها قال أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا قالَ أَلَمْ أقُلْ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرا قال لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا فانْطَلَقَا حتى إذَا لَقِيا غُلاما فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَكيّةً بغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جئْتَ شَيْئا نُكْرا »**. . . إلى قوله : لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا قال : فكان قول موسى في الجدار لنفسه، ولطلب شيء من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله، قالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سأُنَبّئُكَ بتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا فأخبره بما قال أما السفينة وأما الغلام وأما الجدار، قال : فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال : وبعث ربك الخُطّاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقيل لموسى : كم ترى هذا الخطاف رَزَأ من هذا الماء ؟ قال : ما أقلّ ما رَزَأ قال : يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء وكان موسى قد حدّث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثَم أُمِرَ أن يأتي الخضر. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : خطب موسى بني إسرائيل، فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأوحى الله إليه أن يأتي هذا الرجل. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة أنه قيل له : إن آية لقيك إياه أن تنسى بعض متاعك، فخرج هو وفتاه يوشع بن نون، وتزوّدا حوتا مملوحا، حتى إذا كانا حيث شاء الله، ردّ الله إلى الحوت روحه، فسرب في البحر، فاتخذ الحوت طريقه سربا في البحر، فسرب فيه فَلَمّا جاوَزَا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَدَاءنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذا نَصَبا. . . حتى بلغ واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا فكان موسى اتخذ سبيله في البحر عجبا، فكان يعجب من سرب الحوت. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : لما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل، راقد قد سجى عليه ثوبه فسلم عليه موسى فكشف الرجل عن وجهه الثوب وردّ عليه السلام وقال : من أنت ؟ قال : موسى، قال : صاحب بني إسرائيل ؟ قال : نعم، قال : أوَ ما كان لك في بني إسرائيل شغل ؟ قال : بلى، ولكن أُمرت أن آتيك وأصحبك، قال : إنك لن تستطيع معي صبرا، كما قصّ الله، حتى بلغ فلما رَكِبا فِي السَفينَةِ خَرَقَها صاحب موسى قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا يقول : نُكرا قالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمعا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا فانْطَلَقَا حتى إذَا لَقِيا غُلاما فَقَتَلَهُ، قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَكِيّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال : قلت لابن عباس : إن نوفا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، فقال : كذب عدوّ الله. حدثنا أبيّ بن كعب، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«إنّ مُوسَى قامَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ خَطِيبا فَقِيلَ : أيّ النّاسُ أعْلَمُ ؟ فَقالَ : أنا، فعَتَبَ اللّهُ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يَرُدّ العِلْمَ إلَيْهِ، فقالَ : بَلى عَبْدٌ لي عِنْدَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَقالَ : يا رَبّ كَيْفَ بِهِ ؟ فَقِيلَ : تَأْخُذُ حُوتا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمّ قالَ لِفُتاهُ : إذَا فَقَدْتَ هَذَا الحُوتَ فَأَخْبِرْنِي، فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حتى أتَيا صَخْرَةً، فَرَقَدَ مُوسَى، فاضْطَرَب الحُوتُ فِي المِكْتَلِ، فَخَرَجَ فَوَقَعَ فِي البَحْرِ، فأمْسَكَ اللّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ مِثْلَ الطّاقِ، فَصَارِتْ للْحُوتِ سَرَبا وكانَ لَهُما عَجَبا. ثُمّ انْطَلَقا، فَلَمّا كانَ حِينَ الغَدِ، قالَ مُوسَى لَفَتاهُ : آتِنا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا، قالَ : وَلمْ يَجِدْ مُوسَى النّصَبَ حتى جاوَزَ حَيْثُ أمَرَهُ اللّهُ قالَ : فَقالَ : أرَأَيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصّخْرَةِ فإنّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَما أنْسانِيهُ إلاّ الشّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ، واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا، قالَ : فَقالَ : ذلكَ ما كُنّا نَبْغِ، فارْتَدّا عَلى آثارِهما قَصَصا، قالَ : يَقُصّانِ آثارَهما، قالَ : فَأَتَيَا الصّخْرَةَ، فإذَا رَجُلٌ نائمٌ مسجي بِثَوْبِهِ، فَسَلّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقالَ : وأنّي بأرْضِنَا السّلامُ ؟ فَقالَ : أنا مُوسَى، قالَ : مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ ؟ قالَ : نَعَمْ، قالَ : يا مُوسَى، إنّي عَلى عِلْمٍ مِنْ عِلْمٍ اللّهِ، عَلّمَنِيَهِ اللّهُ لا تعْلَمُهُ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِهِ عَلّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ : فإنّي أتّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلّمَنِي مِمّا عُلّمْتَ رُشْدا، قالَ : فإنِ اتّبِعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا. فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحُمِل بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ، أوْ فَنَقَدَ فِي المَاءِ، فَقالَ الخَضِرُ لِمُوسَى : ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللّهِ إلاّ مِقْدَارَ ما نَقَرَ أوْ نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ »**. أبو جعفر الطبري يشكّ، وهو في كتابه نَقَر، قالَ :**«فَبَيْنما هُوَ إذْ لَمْ يَفْجَأهُ مُوسَى إلاّ وَهُوَ يَتِدُ وَتِدا أوْ يَنْزِعُ تَحْتا مِنْها، فَقالَ لَهُ مُوسَى : حُمِلْنا بِغَيرِ نَوْلٍ وَتخْرِقُها لِتُغْرِقَ أهْلَها ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا، قالَ : أَلمْ أقُل إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَيَ صَبْرا، قالَ : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، قالَ : وكانَتِ الأُوَلى مِنْ مُوسَى نِسْيانا قالَ : ثُمّ خَرَجا فانْطَلَقَا يَمْشيانِ، فَأَبْصَرَا غُلاما يَلْعَبُ مَعَ الغلْمانِ، فَأخَذَ برأْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أقَتَلْتَ نَفْسا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرا، قالَ : أَلْمْ أقُلْ لَكَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَي صَبْرا ؟ قالَ : إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا. قالَ : فانْطَلَقّ حتى إذَا أتَيا أهْلَ قَرْيَةِ اسْتَطْعَما أهْلَها، فَلَمْ يَجدَا أحَدا يُطْعِمُهُمْ وَلا يَسْقِيهِمْ، فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ، فأقاَمهُ بيَدِهِ، قالَ : مَسَحَه بِيَدِهِ فَقالَ لَهُ مُوسَى : لَمْ يُضَيّفُونا ولَمْ يُنْزِلُونا، لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا، قالَ : هَذَا فِرَقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ »** فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لَوَددْتُ أنّهُ كانَ صَبَرَ حتى يَقُصّ عَلَيْنا قَصَصَهُمْ »**. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، قال : جلست فأسنَدَ ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم : يا أبا العباس، إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب، أن موسى النبيّ الذي طلب العالم، إنما هو موسى بن ميشا. قال سعيد : قال ابن عباس : أنوف يقول هذا ؟ قال سعيد : فقلت له نعم، أنا سمعت نوفا يقول ذلك، قال : أنت سمعته يا سعيد ؟ قال : قلت : نعم، قال : كذب نوف ثم قال ابن عباس : حدثني أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إنّ مُوسَى هُوَ نَبِيّ بَنِي إسْرَائِيلَ سأَلَ رَبّهُ فَقالَ : أيْ رَبّ إنْ كانَ فِي عِبادِكَ أحَدٌ هُوَ أعْلَمُ مِنّي فدللني عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ : نَعَمْ في عِبادِي مَنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ، ثُمّ نَعَتَ لَهُ مَكانَهُ، وأذِنَ لَهُ فِي لُقِيّهِ فخَرَجَ مُوسَى مَعَهُ فَتاه وَمَعَهُ حُوتٌ مَلْيحٌ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إذَا حَيِيَ هَذَا الحُوتُ فِي مَكانِ فصاحبُكَ هُنالكَ وَقَدْ أدْرَكْتَ حاجَتَكَ فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ، وَمَعَهُ ذلكَ الحُوتُ يَحْمِلانِهِ، فَسارَ حتى جَهَدَهُ السّيْرُ، وَانْتَهَى إلى الصّخْرَةِ وَإلى ذلكَ المَاءِ، ماءِ الحَياةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ خَلَدَ، وَلا يُقاربُهُ شَيْءٌ مَيّتٌ إلاّ حَيِيَ فَلَمّا نَزَلا، وَمَسّ الحُوتَ المَاءُ حَيِيَ، فاتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبا فانْطَلَقا، فَلَمّا جاوَزَا مُنْقَلَبَهُ قالَ مُوسَى : آتِنا غَدَاءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبا. قالَ الفَتى وَذَكَرَ : أرَأَيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصّخْرَةِ فإنّي نَسِيتُ الحُوتَ وَما أنْسانِيهُ إلاّ الشّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ. واتّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبا »** قال ابن عباس : فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالم، ثم قال

### الآية 18:66

> ﻿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [18:66]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لَهُ مُوسَىَ هَلْ أَتّبِعُكَ عَلَىَ أَن تُعَلّمَنِ مِمّا عُلّمْتَ رُشْداً \* قَالَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . 
يقول تعالى ذكره : قال موسى للعالم : هَلْ أَتّبِعُكَ عَلى أنْ تَعَلّمَنِ من العلم الذي علمك الله ما هو رشاد إلى الحقّ، ودليل على هدى ؟ قالَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَي صَبْرا يقول تعالى ذكره : قال العالم : إنك لن تطيق الصبر معي، وذلك أني أعمل بباطن علم علّمنيه الله، ولا علم لك إلا بظاهر من الأمور، فلا تصبر على ما ترى من الأفعال، كما ذكرنا من الخبر عن ابن عباس قَبلُ من أنه كان رجلاً يعمل على الغيب قد علم ذلك.

### الآية 18:67

> ﻿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:67]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٦:القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لَهُ مُوسَىَ هَلْ أَتّبِعُكَ عَلَىَ أَن تُعَلّمَنِ مِمّا عُلّمْتَ رُشْداً \* قَالَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . 
يقول تعالى ذكره : قال موسى للعالم : هَلْ أَتّبِعُكَ عَلى أنْ تَعَلّمَنِ من العلم الذي علمك الله ما هو رشاد إلى الحقّ، ودليل على هدى ؟ قالَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَي صَبْرا يقول تعالى ذكره : قال العالم : إنك لن تطيق الصبر معي، وذلك أني أعمل بباطن علم علّمنيه الله، ولا علم لك إلا بظاهر من الأمور، فلا تصبر على ما ترى من الأفعال، كما ذكرنا من الخبر عن ابن عباس قَبلُ من أنه كان رجلاً يعمل على الغيب قد علم ذلك. ---

### الآية 18:68

> ﻿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [18:68]

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً \* قَالَ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً . 
يقول عزّ ذكره مخبرا عن قول العالم لموسى : وكيف تصبر يا موسى على ما ترى مني من الأفعال التي لا علم لك بوجوه صوابها، وتقيم معي عليها، وأنت إنما تحكم على صواب المصيب وخطأ المخطئ بالظاهر الذي عندك، وبمبلغ علمك، وأفعالي تقع بغير دليل ظاهر لرأي عينك على صوابها، لأنها تُبتدأ لأسباب تحدث آجلة غير عاجلة، لا علم لك بالحادث عنها، لأنها غيب، ولا تحيط بعلم الغيب خبرا يقول علما، قال : سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللّهُ صَابِرا على ما أرى منك وإن كان خلافا لما هو عندي صواب وَلا أعْصِي لَكَ أمْرا يقول : وأنتهي إلى ما تأمرني، وإن لم يكن موافقا هواي.

### الآية 18:69

> ﻿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [18:69]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٨:القول في تأويل قوله تعالى : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً \* قَالَ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً . 
يقول عزّ ذكره مخبرا عن قول العالم لموسى : وكيف تصبر يا موسى على ما ترى مني من الأفعال التي لا علم لك بوجوه صوابها، وتقيم معي عليها، وأنت إنما تحكم على صواب المصيب وخطأ المخطئ بالظاهر الذي عندك، وبمبلغ علمك، وأفعالي تقع بغير دليل ظاهر لرأي عينك على صوابها، لأنها تُبتدأ لأسباب تحدث آجلة غير عاجلة، لا علم لك بالحادث عنها، لأنها غيب، ولا تحيط بعلم الغيب خبرا يقول علما، قال : سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللّهُ صَابِرا على ما أرى منك وإن كان خلافا لما هو عندي صواب وَلا أعْصِي لَكَ أمْرا يقول : وأنتهي إلى ما تأمرني، وإن لم يكن موافقا هواي. ---

### الآية 18:70

> ﻿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [18:70]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ فَإِنِ اتّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً . 
يقول تبارك وتعالى : قال العالم لموسى : فإن اتبعتني الآن فلا تسألني عن شيء أعمله مما تستنكره، فإني قد أعلمتك أني أعمل العمل على الغيب الذي لا تحيط به علما حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا يقول : حتى أحدث أنا لك مما ترى من الأفعال التي أفعلها التي تستنكرها أذكرها لك وأبين لك شأنها، وأبتدئك الخبر عنها، كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس فَلا تَسأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا يعني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه.

### الآية 18:71

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [18:71]

القول في تأويل قوله تعالى : فَانْطَلَقَا حَتّىَ إِذَا رَكِبَا فِي السّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً . 
يقول تعالى ذكره : فانطلق موسى والعالم يسيران يطلبان سفينة يركبانها، حتى إذا أصاباها ركبا في السفينة، فلما ركباها، خرق العالم السفينة، قال له موسى : أخرقتها بعد ما لَجَجنا في البحر لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا يقول : لقد جئت شيئا عظيما، وفعلت فعلاً مُنكرا. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا : أي عجبا، إن قوما لججوا سفينتهم فخرقتها، كأحوج ما نكون إليها، ولكن علم من ذلك ما لم يعلم نبيّ الله موسى ذلك من علم الله الذي آتاه، وقد قال لنبيّ الله موسى عليه السلام : فإنِ اتّبَعْتَنِي فَلا تَسألْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا يقول : نُكرا. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرا قال : منكرا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
والإمر : في كلام العرب : الداهية ومنه قول الراجز :

قَدْ لَقِيَ الأقْرَانُ مّنِي نُكْرَا  دَاهِيَةً دَهْياءَ إدّا إمْرَاوكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : أصله : كلّ شيء شديد كثير، ويقول منه : قيل للقوم : قد أَمِروا : إذا كثروا واشتدّ أمرهم. قال : والمصدر منه : الأَمَر، والاسم : الإمْر. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : لِتُغْرِقَ أهْلَها فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين لِتُغْرِقَ أهْلَها بالتاء في لتغرق، ونصب الأهل، بمعنى : لتُغرق أنت أيها الرجل أهل هذه السفينة بالخرق الذي خرقت فيها. وقرأه عامة قرّاء الكوفة :**«لِيَغْرَقَ »** بالياء أهلها بالرفع، على أن الأهل هم الذين يغرقون. 
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى وإن اختلفت ألفاظهما، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب. 
وإنما قلنا : هما متفقتا المعنى، لأنه معلوم أن إنكار موسى على العالِم خرق السفينة إنما كان لأنه كان عنده أن ذلك سبب لغرق أهلها إذا أحدث مثل ذلك الحدث فيها فلا خفاء على أحد معنى ذلك قرىء بالتاء ونصب الأهل، أو بالياء ورفع الأهل.

### الآية 18:72

> ﻿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:72]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً \* قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً . 
يقول عزّ ذكره : قَالَ العالم لموسى إذ قال له ما قال أَلمْ أقُل إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرا على ما ترى من أفعالي، لأنك ترى ما لم تُحِط به خبرا قال له موسى : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ. فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : كان هذا الكلام من موسى عليه السلام للعالِم معارضة، لا أنه كان نسي عهده، وما كان تقدّم فيه حين استصحبه بقوله : فإنِ اتّبَعْتَنِي فَلا تَسألْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن يحيى بن زياد، قال : ثني يحيى بن المهلب، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن أبيّ بن كعب الأنصاريّ في قوله : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ قال : لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تؤاخذني بتركي عهدك، ووجه أن معنى النسيان : الترك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ : أي بما تركت من عهدك. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذِه بِما نسِي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه، وهو لعهده ذاكر للصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن ذلك معناه من الخبر، وذلك ما :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُؤاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ قالَ :**«كانَتِ الأُوَلى مِنْ مُوسَى نِسْيانا »**. 
وقوله : ولا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا يقول : لا تُغْشِني من أمري عسرا، يقول : لا تضيق عليّ أمري معك، وصحبتي إياك.

### الآية 18:73

> ﻿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [18:73]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٢:القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً \* قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً . 
يقول عزّ ذكره : قَالَ العالم لموسى إذ قال له ما قال أَلمْ أقُل إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرا على ما ترى من أفعالي، لأنك ترى ما لم تُحِط به خبرا قال له موسى : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ. فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : كان هذا الكلام من موسى عليه السلام للعالِم معارضة، لا أنه كان نسي عهده، وما كان تقدّم فيه حين استصحبه بقوله : فإنِ اتّبَعْتَنِي فَلا تَسألْنِي عَنْ شَيْءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن يحيى بن زياد، قال : ثني يحيى بن المهلب، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن أبيّ بن كعب الأنصاريّ في قوله : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ قال : لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تؤاخذني بتركي عهدك، ووجه أن معنى النسيان : الترك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ : أي بما تركت من عهدك. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذِه بِما نسِي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه، وهو لعهده ذاكر للصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن ذلك معناه من الخبر، وذلك ما :
حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُؤاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ قالَ :****«كانَتِ الأُوَلى مِنْ مُوسَى نِسْيانا »****. 
وقوله : ولا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرا يقول : لا تُغْشِني من أمري عسرا، يقول : لا تضيق عليّ أمري معك، وصحبتي إياك. ---

### الآية 18:74

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [18:74]

القول في تأويل قوله تعالى : فَانْطَلَقَا حَتّىَ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نّكْراً . 
يقول تعالى ذكره : فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله العالم، فقال له موسى : أقتلت نفسا زكية. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة :**«أقَتَلْتَ نَفْسا زَاكِيَةً »** وقالوا معنى ذلك : المطهرة التي لا ذنب لها، ولم تذنب قطّ لصغرها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة : نَفْسا زَكِيّةً بمعنى : التائبة المغفور لها ذنوبها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : أقَتَلْتَ نَفْسا زَكِيّةً والزكية : التائبة. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَكِيّةً قال : الزكية : التائبة. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر أقَتَلْتَ نَفْسا زَاكِيَةً قال : قال الحسن : تائبة، هكذا في حديث الحسن وشهْر زاكية. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله نَفْسا زَكيّةً قال : تائبة. ذكر من قال : معناها المسلمة التي لا ذنب لها :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني يعلى بن مسلم، أنه سمع سعيد بن جبير يقول : وجد خضر غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين. قال : وأخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبئي قال : اسم الغلام الذي قتله الخضر : جيسور **«قالَ أقَتَلْتَ نَفْسا زَاكِيَةً »** قال : مسلمة. قال : وقرأها ابن عباس : زَكِيّةً كقولك : زكيا. 
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل الكوفة يقول : معنى الزكية والزاكية واحد، كالقاسية والقسية، ويقول : هي التي لم تجن شيئا، وذلك هو الصواب عندي لأني لم أجد فرقا بينهما في شيء من كلام العرب. 
فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب، لأنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار بمعنى واحد. 
وقوله : بِغَيْرِ نَفْسٍ يقول : بغير قصاص بنفس قتلت، فلزمها القتل قودا بها. وقوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرا يقول : لقد جئت بشيء منكر، وفعلت فعلاً غير معروف. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْرا والنّكْرُ أشدّ من الإمر.

### الآية 18:75

> ﻿۞ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [18:75]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لّكَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً \* قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لّدُنّي عُذْراً . 
يقول تعالى ذكره : قال العالم لموسى ألَمْ أقُلْ لكَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْرا على ما ترى من أفعالي التي لم تُحط بها خبرا، قال موسى له : إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها يقول : بعد هذه المرّة فَلا تُصَاحِبْنِي يقول : ففارقني، فلا تكن لي مصاحبا قَدَ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا يقول : قد بلغت العذر في شأني. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة :**«مِنْ لَدُنِي عُذْرا »** بفتح اللام وضم الدال وتخفيف النون. وقرأه عامة قرّاء الكوفة والبصرة بفتح اللام وضمّ الدال وتشديد النون. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بإشمام اللام الضم وتسكين الدال وتخفيف النون، وكأن الذين شدّدوا النون طلبوا للنون التي في لدن السلامة من الحركة، إذ كانت في الأصل ساكنة، ولو لم تشدّد لتحرّكت، فشدّدوها كراهة منهم تحريكها، كما فعلوا في **«من، وعن »** إذ أضافوهما إلى مكنيّ المخبر عن نفسه، فشدّدوهما، فقالوا مني وعنّي. وأما الذين خفّفوها، فإنهم وجدوا مكنيّ المخبر عن نفسه في حال الخفض ياء وحدها لا نون معها، فأجروا ذلك من لدن على حسب ما جرى به كلامهم في ذلك مع سائر الأشياء غيرها. 
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان فصيحتان، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القرّاء بالقرآن، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ في ذلك قراءة من فتح اللام وضمّ الدال وشدّد النون. لعلتين : إحداهما أنها أشهر اللغتين، والأخرى أن محمد بن نافع البصري :
حدثنا، قال : حدثنا أمية بن خالد، قال : حدثنا أبو الجارية العبدي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا مثقلة. 
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال : حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال :**«اسْتَحيْا فِي اللّهِ مُوسَى »**. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا بدل بن المحبر، قال : حدثنا عباد بن راشد، قال : حدثنا داود، في قول الله عزّ وجلّ إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«اسْتَحيْا فِي اللّهِ مُوسَى عِنْدَها »**. 
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال : حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، قال : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم :**«رَحْمَةُ اللّهِ عَلَيْنا وَعلى مُوسَى، لَوْ لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأَبْصَرَ العَجَبَ وَلَكِنّهُ قالَ : إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا »** مُثَقلة.

### الآية 18:76

> ﻿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [18:76]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٥:القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لّكَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً \* قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لّدُنّي عُذْراً . 
يقول تعالى ذكره : قال العالم لموسى ألَمْ أقُلْ لكَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْرا على ما ترى من أفعالي التي لم تُحط بها خبرا، قال موسى له : إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها يقول : بعد هذه المرّة فَلا تُصَاحِبْنِي يقول : ففارقني، فلا تكن لي مصاحبا قَدَ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا يقول : قد بلغت العذر في شأني. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة :****«مِنْ لَدُنِي عُذْرا »**** بفتح اللام وضم الدال وتخفيف النون. وقرأه عامة قرّاء الكوفة والبصرة بفتح اللام وضمّ الدال وتشديد النون. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بإشمام اللام الضم وتسكين الدال وتخفيف النون، وكأن الذين شدّدوا النون طلبوا للنون التي في لدن السلامة من الحركة، إذ كانت في الأصل ساكنة، ولو لم تشدّد لتحرّكت، فشدّدوها كراهة منهم تحريكها، كما فعلوا في ****«من، وعن »**** إذ أضافوهما إلى مكنيّ المخبر عن نفسه، فشدّدوهما، فقالوا مني وعنّي. وأما الذين خفّفوها، فإنهم وجدوا مكنيّ المخبر عن نفسه في حال الخفض ياء وحدها لا نون معها، فأجروا ذلك من لدن على حسب ما جرى به كلامهم في ذلك مع سائر الأشياء غيرها. 
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان فصيحتان، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القرّاء بالقرآن، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ في ذلك قراءة من فتح اللام وضمّ الدال وشدّد النون. لعلتين : إحداهما أنها أشهر اللغتين، والأخرى أن محمد بن نافع البصري :
حدثنا، قال : حدثنا أمية بن خالد، قال : حدثنا أبو الجارية العبدي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا مثقلة. 
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال : حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال :****«اسْتَحيْا فِي اللّهِ مُوسَى »****. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا بدل بن المحبر، قال : حدثنا عباد بن راشد، قال : حدثنا داود، في قول الله عزّ وجلّ إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :****«اسْتَحيْا فِي اللّهِ مُوسَى عِنْدَها »****. 
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال : حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، قال : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم :****«رَحْمَةُ اللّهِ عَلَيْنا وَعلى مُوسَى، لَوْ لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأَبْصَرَ العَجَبَ وَلَكِنّهُ قالَ : إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّي عُذْرا »**** مُثَقلة. ---

### الآية 18:77

> ﻿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [18:77]

القول في تأويل قوله تعالى : فَانطَلَقَا حَتّىَ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً . 
يقول تعالى ذكره : فانطلق موسى والعالم حَتّى إذَا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعمَا أهْلَها من الطعام فلم يطعموهما واستضافاهم فَأبَوْا أن يُضَيّفُوهُما فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ يقول : وجدا في القرية حائطا يريد أن يسقط ويقع يقال منه : انقضّت الدار : إذا انهدمت وسقطت ومنه انقضاض الكوكب، وذلك سقوطه وزواله عن مكانه ومنه قول ذي الرّمة :
\*\*\* فانْقَضّ كالكَوْكَبِ الدّرّي مُنْصَلِتا \*\*\*
وقد رُوي عن يحيى بن يعمر أنه قرأ ذلك :**«يُرِيدُ أنْ يَنْقاضّ »**. 
وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب إذا قرىء ذلك كذلك في معناه، فقال بعض أهل البصرة منهم : مجاز ينقاضّ : أي ينقلع من أصله، ويتصدّع، بمنزلة قولهم : قد انقاضت السنّ : أي تصدّعت، وتصدّعت من أصلها، يقال : فراق كقبض السنّ : أي لا يجتمع أهله. وقال بعض أهل الكوفة منهم : الانقياض : الشقّ في طول الحائط في طيّ البئر وفي سنّ الرجل، يقال : قد انقاضت سنة : إذا انشقّت طولاً. وقيل : إن القرية التي استطعم أهلها موسى وصاحبه، فأبوا أن يضيفوهما : الآية. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال : حدثنا عمران بن المعتمر صاحب الكراب يسي، قال : حدثنا حماد أبو صالح، عن محمد بن سيرين، قال : انتابوا الأيلة، فإنه قلّ من يأتيها فيرجع منها خائبا، وهي الأرض التي أبوا أن يضيفوهما، وهي أبعد أرض الله من السماء. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فانْطَلَقا حتى إذَا أتيَا أهْلَ قَرْيَةٍ، وتلا إلى قوله لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا شرّ القرى التي لا تُضِيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه. 
واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قول الله عزّ وجلّ يَرِيدُ أنْ يَنْقَضّ فقال بعض أهل البصرة : ليس للحائط إرادة ولا للمَوَات، ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة فهو إرادته. وهذا كقول العرب في غيره :

يُرِيدُ الرّمْحُ صَدْرَ أبي بَرَاءٍ  وَيَرْغَبُ عَنْ دِماءه بَنِي عُقَيْلِوقال آخر منهم : إنما كلم القوم بما يعقلون، قال : وذلك لما دنا من الانقضاض، جاز أن يقول : يريد أن ينقضّ، قال : ومثله تَكادُ السّمَواتُ يَتَفَطّرْنَ وقولهم : إني لأكاد أطير من الفرح، وأنت لم تقرب من ذلك، ولم تهمّ به، ولكن لعظيم الأمر عندك. وقال بعض الكوفيين منهم : من كلام العرب أن يقولوا : الجدار يريد أن يسقط قال : ومثله من قول العرب قول الشاعر :إنّ دهْرا يَلُفّ شَمِلي بِجُمْلٍ  لَزَمانٌ يَهُمّ بالإِحْسانِ**وقول الآخر :**يَشْكُو إليّ جَمَلِي طُولَ السّرَى  صَبْرا جَمِيلاً فَكِلانا مُبْتَلَىقال : والجمل لم يشك، إنما تكلّم به على أنه لو تكلم لقال ذلك قال : وكذلك قول عنترة :وَازْوَرّ مِنْ وَقْعِ القَنا بِلَبانِهِ  وشَكا إليّ بعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِقال : ومنه قول الله عزّ وجلّ : ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ والغضب لا يسكت، وإنما يسكت صاحبه. وإنما معناه : سكن. وقوله : فَإذَا عَزَمَ الأَمْرُ إنما يعزم أهله. وقال آخر منهم : هذا من أفصح كلام العرب، وقال : إما إرادة الجدار : ميله، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم **«لا تَرَاءى نارَاهُما »** وإنما هو أن تكون ناران كلّ واحدة من صاحبتها بموضع لو قام فيه إنسان رأى الأخرى في القُرب قال : وهو كقول الله عزّ وجلّ في الأصنام : وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال : والعرب تقول : داري تنظر إلى دار فلان، تعني : قرب ما بينهما واستشهد بقول ذي الرّمّة في وصفه حوضا أو منزلاً دارسا :
\*\*\* قَدْ كادَ أوْ قَدْ هَمّ بالبُيُودِ \*\*\*
قال : فجعله يهمّ، وإنما معناه : أنه قد تغير للبلى. والذي نقول به في ذلك أن الله عزّ ذكره بلطفه، جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم، ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم. مما لا تحسّه أبصارهم، وقد عقلت العرب معنى القائل :فِي مَهْمَةٍ قَلِقَتْ بِهِ هاماتُها  قَلَقَ الفُؤُوسِ إذَا أرَدْنَ نُصُولاوفهمت أن الفؤوس لا توصف به بنو آدم من ضمائر الصدور مع وصفها إياهما بأنها تريد. وعلمت ما يريد القائل بقوله :كمِثْلِ هَيْلِ النّقا طافَ المُشاةُ بِهِ  يَنْهالُ حِينا ويَنْهاهُ الثّرَى حِيناوإنما لم يرد أن الثرى نطق، ولكنه أراد به أنه تلبّد بالندى، فمنعه من الانهيال، فكان منعه إياه من ذلك كالنهي من ذوي المنطق فلا ينهال. وكذلك قوله : جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقُضّ قد علمت أن معناه : قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب جلّ ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضلّ فيه ذوو الجهالة والغبا. 
وقوله : فَأقامَهُ ذكر عن ابن عباس أنه قال : هدمه ثم قعد يبنيه. 
حدثنا بذلك ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقال آخرون في ذلك ما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير فوجدا فيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ قال : رفع الجدار بيده فاستقام. 
والصواب من القول في ذلك أن يُقال : إن الله عزّ ذكره أخبر أن صاحب موسى وموسى وجدا جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه صاحب موسى، بمعنى : عَدَل مَيَله حتى عاد مستويا. وجائز أن يكون كان ذلك بإصلاح بعد هدم. وجائز أن يكون كان برفع منه له بيده، فاستوى بقدرة الله، وزال عنه مَيْلُه بلطفه، ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر للعذر قاطع بأيّ ذلك كان من أيّ. 
وقوله : قالَ لَوْ شِئْتَ لتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا يقول : قال موسى لصاحبه : لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامتك أجرا، فقال بعضهم : إنما عَنَى موسى بالأجر الذي قال له لَوْ شِئْتَ لتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا القِرى : أي حتى يَقْرُونا، فإنهم قد أبوا أن يضّيفونا. 
وقال آخرون : بل عنى بذلك العِوَض والجزاء على إقامته الحائط المائل. 
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والكوفة لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا على التوجيه منهم له إلى أنه لافتعلت من الأخذ. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة **«لَوْ شَئِتَ لَتَخِذْتَ »** بتخفيف التاء وكسر الخاء، وأصله : لافتعلت، غير أنهم جعلوا التاء كأنهم من أصل الكلمة، ولأن الكلام عندهم في فعل ويفعل من ذلك : تخِذ فلان كذا يَتْخَذُهُ تَخْذا، وهي لغة فيما ذكر لهُذَيل. وقال بعض الشعراء :وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي لَدَى جَنْبِ غَرْزِها  نَسِيفا كأُفُحُوصِ القَطاةِ المُطَرّقِوالصواب من القول في ذلك عندي : أنهما لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني أختار قراءته بتشديد التاء على لافتعلت، لأنها أفصح اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما على ألسن العرب. 
مريم تابع : تفسير سورة الكهف

### الآية 18:78

> ﻿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [18:78]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ هََذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عّلَيْهِ صَبْراً . 
القول في تأويل قوله تعالى : أَمّا السّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مّلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْباً . 
يقول : أما فِعْلي ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم مساكين يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها بالخَرق الذي خرقتها، كما :
حدثني محمد ابن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ : فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها قال : أخرقها. 
حدثنا الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. 
وقوله : وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبا وكان أمامهم وقُدّامهم ملك. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ قال قتادة : أمامهم، ألا ترى أنه يقول : مِنْ وَرَائِهمْ جَهَنَمُ وهي بين أيديهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان في القرآن : وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. وقد ذُكر عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قرأ ذلك : وكان أمامهم ملك. 
قال أبو جعفر : وقد جعل بعض أهل المعرفة بكلام العرب **«وراء »** من حروف الأضداد، وزعم أنه يكون لما هو أمامه ولما خلفه، واستشهد لصحة ذلك بقول الشاعر :

أيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعي وطاعَتِي  وَقَوْمي تَمِيمٌ والفَلاةُ وَرَائيَابمعنى أمامي، وقد أغفل وجه الصواب في ذلك. وإنما قيل لما بين يديه : هو ورائي، لأنك من ورائه، فأنت ملاقيه كما هو ملاقيك، فصار : إذ كان ملاقيك، كأنه من ورائك وأنت أمامه. وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة لا يجيز أن يقال لرجل بين يديك : هو ورائي، ولا إذا كان وراءك أن يقال : هو أمامي، ويقول : إنما يجوز ذلك في المواقيت من الأيام والأزمنة كقول القائل : وراءك برد شديد، وبين يديك حرّ شديد، لأنك أنت وراءه، فجاز لأنه شيء يأتي، فكأنه إذا لحقك صار من ورائك، وكأنك إذا بلغته صار بين يديك. قال : فلذلك جاز الوجهان. 
وقوله : يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبا فيقول القائل : فما أغنى خَرْق هذا العالم السفينة التي ركبها عن أهلها، إذ كان من أجل خرقها يأخذ السفن كلها، مَعِيبها وغير معيبها، وما كان وجه اعتلاله في خرقها بأنه خرقها، لأن وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا ؟ قيل : إن معنى ذلك، أنه يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدع منها كلّ معيبة، لا أنه كان يأخذ صحاحها وغير صحاحها. فإن قال : وما الدليل على أن ذلك كذلك ؟ قيل : قوله : فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها فأبان بذلك أنه إنما عابها، لأن المعيبة منها لا يعرض لها، فاكتفى بذلك من أن يقال : وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة صحيحة غصبا على أن ذلك في بعض القراءات كذلك. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : هي في حرف ابن مسعود :****«وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا »****. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني الحسن بن دينار، عن الحكم بن عيينة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : في قراءة أُبي :****«وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا »****. وإنما عبتها لأردّه عنها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبا فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها. قال ابن جريج : أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجَبَائِي، أن اسم الرجل الذي يأخذ كلّ سفينة غصبا : هُدَدُ بنُ بُدد.

### الآية 18:79

> ﻿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [18:79]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٨:القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ هََذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عّلَيْهِ صَبْراً . 
القول في تأويل قوله تعالى : أَمّا السّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مّلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْباً . 
يقول : أما فِعْلي ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم مساكين يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها بالخَرق الذي خرقتها، كما :
حدثني محمد ابن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ : فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها قال : أخرقها. 
حدثنا الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. 
وقوله : وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبا وكان أمامهم وقُدّامهم ملك. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ قال قتادة : أمامهم، ألا ترى أنه يقول : مِنْ وَرَائِهمْ جَهَنَمُ وهي بين أيديهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان في القرآن : وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. وقد ذُكر عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قرأ ذلك : وكان أمامهم ملك. 
قال أبو جعفر : وقد جعل بعض أهل المعرفة بكلام العرب ****«وراء »**** من حروف الأضداد، وزعم أنه يكون لما هو أمامه ولما خلفه، واستشهد لصحة ذلك بقول الشاعر :أيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعي وطاعَتِي  وَقَوْمي تَمِيمٌ والفَلاةُ وَرَائيَابمعنى أمامي، وقد أغفل وجه الصواب في ذلك. وإنما قيل لما بين يديه : هو ورائي، لأنك من ورائه، فأنت ملاقيه كما هو ملاقيك، فصار : إذ كان ملاقيك، كأنه من ورائك وأنت أمامه. وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة لا يجيز أن يقال لرجل بين يديك : هو ورائي، ولا إذا كان وراءك أن يقال : هو أمامي، ويقول : إنما يجوز ذلك في المواقيت من الأيام والأزمنة كقول القائل : وراءك برد شديد، وبين يديك حرّ شديد، لأنك أنت وراءه، فجاز لأنه شيء يأتي، فكأنه إذا لحقك صار من ورائك، وكأنك إذا بلغته صار بين يديك. قال : فلذلك جاز الوجهان. 
وقوله : يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبا فيقول القائل : فما أغنى خَرْق هذا العالم السفينة التي ركبها عن أهلها، إذ كان من أجل خرقها يأخذ السفن كلها، مَعِيبها وغير معيبها، وما كان وجه اعتلاله في خرقها بأنه خرقها، لأن وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا ؟ قيل : إن معنى ذلك، أنه يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدع منها كلّ معيبة، لا أنه كان يأخذ صحاحها وغير صحاحها. فإن قال : وما الدليل على أن ذلك كذلك ؟ قيل : قوله : فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها فأبان بذلك أنه إنما عابها، لأن المعيبة منها لا يعرض لها، فاكتفى بذلك من أن يقال : وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة صحيحة غصبا على أن ذلك في بعض القراءات كذلك. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : هي في حرف ابن مسعود :********«وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا »********. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني الحسن بن دينار، عن الحكم بن عيينة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : في قراءة أُبي :********«وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا »********. وإنما عبتها لأردّه عنها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبا فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها. قال ابن جريج : أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجَبَائِي، أن اسم الرجل الذي يأخذ كلّ سفينة غصبا : هُدَدُ بنُ بُدد. ---

### الآية 18:80

> ﻿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [18:80]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً \* فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً . 
يقول تعالى ذكره : وأما الغلام، فإنه كان كافرا، وكان أبواه مؤمنين، فعلمنا أنه يرهقهما. يقول : يغشيهما طغيانا، وهو الاستكبار على الله، وكفرا به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وقد ذُكر ذلك في بعض الحروف. وأما الغلام فكان كافرا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة :**«وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرا »** في حرف أُبيّ، وكان أبواه مؤمنين فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا خَيْرا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَوَاه مُوْمِنَيْنِ وكان كافرا بعض القراءة. وقوله : فَخَشِينا وهي في مصحف عبد الله :**«فخَافَ رَبّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانا وكُفْرا »**. 
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا أبو قتيبة، قال : حدثنا عبد الجبار بن عباس الهمْداني، عنا بن إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«الغُلامُ الّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرا »**. 
والخشية والخوف توجههما العرب إلى معنى الظنّ، وتوجه هذه الحروف إلى معنى العلم بالشيء الذي يُدرك من غير جهة الحسّ والعيان. وقد بيّنا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. 
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : معنى قوله خَشِينا في هذا الموضع : كرهنا، لأنّ الله لا يخشَى. وقال في بعض القراءات : فخاف ربكُ، قال : وهو مثل خفت الرجلين أن يعولا، وهو لا يخاف من ذلك أكثر من أنه يكرهه لهما.

### الآية 18:81

> ﻿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [18:81]

وقوله : فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا : اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من قرّاء المكيين والمدنيين والبصريين :**«فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا »**. وكان بعضهم يعتلّ لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشدّدا في عامّة القرآن، كقول الله عزّ وجلّ : فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُوا، وقوله : وَإذَا بَدّلْنا آيَةً مَكانَ إيَةٍ، فألحق قوله : فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا بِه. وقرأ ذلك عامّة قرّاء الكوفة : فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا بتخفيف الدال. وكان بعض من قرأ ذلك كذلك من أهل العربية يقول : أبدل يُبْدِل بالتخفيف وبَدّل يُبدّل بالتشديد : بمعنى واحد. 
والصواب من القول في ذلك عندي : أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكلّ واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقيل : إن الله عزّ وجلّ أبدل أبَوَي الغلام الذي قتله صاحب موسى منه بجارية. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هاشم بن القاسم، قال : حدثنا المبارك بن سعيد، قال : حدثنا عمرو بن قيس في قوله : فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا خَيْرا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما قال : بلغني أنها جارية. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، أخبرني سليمان بن أميّة أنه سمع يعقوب بن عاصم يقول : أُبْدِلاَ مكان الغلام جارية. 
قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، أنه سمع سعيد بن جبير يقول : أبدلا مكان الغلام جارية. 
وقال آخرون : أبدلهما ربهما بغلام مسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا خَيْرا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما قال : كانت أمه حُبلى يومئذ بغلام مسلم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، أنه ذكر الغلام الذي قتله الخضر، فقال : قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيماط يكره خير له من قضائه فيما يحبّ. 
وقوله : خَيْرا مِنْهُ زَكاةً يقول : خيرا من الغلام الذي قتله صلاحا ودينا، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبّهُمَا خَيْرا مِنْهُ زَكَاةً قال : الإسلام. 
وقوله : وأقْرَبَ رُحْما اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم : معنى ذلك : وأقرب رحمة بوالديه وأبرّ بهما من المقتول. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن قتادة وأقْرَبَ رُحْما : أبرّ بوالديه. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سيعد، عن قتادة وأقْرَبَ رُحْما أي أقرب خيرا. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج وأقْرَبَ رُحْما أرحم به منهما بالذي قتل الخضر. 
وكان بعض أهل العربية يتأوّل ذلك : وأقرب أن يرحماه والرّحْم : مصدر رحمت، يقال : رَحِمته رَحْمة ورُحما. وكان بعض البصريين يقول : من الرّحِم والقرابة. وقد يقال : رُحْم ورُحُم مثل عُسْر وعُسُر، وهُلْك وهُلُك، واستشهد لقوله ذلك ببيت العجاج :
\*\*\* ولَمْ تُعَوّجْ رُحْمُ مَنْ تَعَوّجا \*\*\*
ولا وجه للرّحيم في هذا الموضع. لأن المقتول كان الذي أبدل الله منه والديه ولدا لأبوي المقتول، فقرابتهما من والديه، وقربهما منه في الرّحيم سواء. وإنما معنى ذلك : وأقرب من المقتول أن يرحم والديه فيبرهما كما قال قتادة. وقد يتوجه الكلام إلى أن يكون معناه. وأقرب أن يرحماه، غير أنه لا قائل من أهل تأويل تأوّله كذلك. فإذ لم يكن فيه قائل، فالصواب فيه ما قلنا لما بيّنا.

### الآية 18:82

> ﻿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [18:82]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رّبّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عّلَيْهِ صَبْراً . 
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قول صاحب موسى : وأما الحائط الذي أقمته، فإنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنزلهما. 
اختلف أهل التأويل في ذلك الكنز، فقال بعضهم : كان صُحُفا فيها علِم مدفونة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : كان تحته كنْزُ علم. 
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن سعيد بن جبير : وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : كان كنز علم. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : علم. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : علم. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : صحف لغلامين فيها علم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : صحف علم. 
حدثني أحمد بن حازم الغفاريّ، قال : حدثنا هنادة ابنة مالك الشيبانية، قالت : سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله عزّ وجلّ : وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : سطران ونصف، لم يتمّ الثالث :**«عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل، وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح »** وقد قال : وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلِ أتيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ قالت : وذكر أنهما حُفِظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به سبعة آباء، كان نساجا. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا الحسن بن ندبة، قال : حدثنا سلمة بن محمد، عن نعيم العنبريّ، وكان من جُلساء الحسن، قال : سمعت الحسن يقول في قوله : وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : لوح من ذهب مكتوب فيه :**«بسم الله الرحمَن الرحيم : عجبت لمن يؤمن كيف يحزن وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها، كيف يطمئنّ إليها لا إله إلا الله، محمد رسول الله »**. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقول : ما كان الكنز إلا علْما. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، في قوله وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : صُحُف من علم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وعب، قال : أخبرني عبد الله بن عياش، عن عمر مولى غُفْرة، قال : إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : كان لوحا من ذهب مصمت، مكتوبا فيه : بسم الله الرحمَن الرحيم. عَجَبٌ ممن عرف الموت ثم ضحك، عَجَبٌ ممن أيقن بالقدر ثم نَصِب، عَجَبٌ ممن أيقن بالموت ثم أمن، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. 
وقال آخرون : بل كان مالاً مكنوزا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشام، قال : أخبرنا حصين، عن عكرمة وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : كنز مال. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عكرمة، مثله. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، عن شعبة، قال : أخبرني أبو حُصَين، عن عكرمة، مثله، قال شعبة : ولم نسمعه منه. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال : مال لهما، قال قتادة : أُحِلّ الكنز لمن كان قبلنا، وحُرّم علينا، فإن الله يُحلّ من أمره ما يشاء، ويحرّم، وهي السنن والفرائض، ويحلّ لأمة، ويحرّم على أخرى، لكنّ الله لا يقبل من أحد مضى إلا الإخلاص والتوحيد له. 
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب : القول الذي قاله عِكْرمة، لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من من مال، وأن كلّ ما كنز فقد وقع عليه اسم كنز، فإن التأويل مصروف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل، ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك، لعلل قد بيّناها في غير موضع. 
وقوله : وكان أبُوهُما صَالِحا فأرَادَ رَبّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدّهُما يقول : فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدّتهما، ويستخرجا حينئذ كنزهما المكنوز تحت الجدار الذي أقمته، رحمة من ربك بهما، يقول : فعلت فعل هذا بالجدار، رحمة من ربك لليتيمين. وكان ابن عباس يقول في ذلك ما :
حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، قال : قال ابن عباس، في قوله وَكانَ أبُوهُما صالِحا قال : حُفِظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا سفيان، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. 
وقوله : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي يقول : وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي، ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله إياي به، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي : كان عبدا مأمورا، فمضى لأمر الله. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ما رأيت أجمع ما فعلته عن نفسي. 
وقوله : ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا يقول : هذا الذي ذكرت لك من الأسباب التي من أجلها فعلت الأفعال التي استنكرتها مني، تأويل. يقول : ما تؤول إليه وترجع الأفعال التي لم تسطع على ترك مسألتك إياي عنها، وإنكارك لها صبرا. 
وهذه القصص التي أخبر الله عزّ وجلّ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بها عن موسى وصاحبه، تأديب منه له، وتقدمٌ إليه بترك الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذّبوه واستهزؤوا به وبكتابه، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الأعين بما قد يجري مثله أحيانا لأوليائه، فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة في الظاهر عند موسى، إذ لم يكن عالما بعواقبها، وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وآئلة إلى الصواب في العاقبة، ينبئ عن صحة ذلك قوله : وَرَبّكَ الْغَفُورُ ذُو الرّحْمَةِ لَوْ يُوءَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجّلَ لَهُمْ العَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا. ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه، يعلم نبيه أن تركه جلّ جلاله تعجيل العذاب لهؤلاء المشركين، بغير نظر منه لهم، وإن ذلك فيما يَحْسِب من لا علم له بما الله مدبر فيهم، نظرا منه لهم، لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا واستحقاقهم من الله في الآخرة الخَزْيَ الدائم.

### الآية 18:83

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا [18:83]

–القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً \* إِنّا مَكّنّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلّ شَيْءٍ سَبَباً \* فَأَتْبَعَ سَبَباً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه، وما كانت قصته، فقل لهم : سأتلو عليكم من خبره ذكرا يقول : سأقصّ عليكم منه خبرا. وقد قيل : إن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر ذي القرنين، كانوا قوما من أهل الكتاب. فأما الخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل. وأما الخبر بأن الذين سألوه، كانوا قوما من أهل الكتاب. 
فحدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة، قال : ثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من نجيب، قال : أحدهما لصاحبه : انطلق بنا إلى عقبة بن عامر نتحدّث، قالا : فأتياه فقالا : جئنا لتحدثنا، فقال : كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا : نريد أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه، فأخبرته، فقال :**«مالي ومالهم، مالي علم إلا ما علمني الله »**، ثم قال :**«اسكب لي ماء »**، فتوضأ ثم صلى، قال : فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه، ثم قال :**«أدخلهم عليّ، ومن رأيت من أصحابي »** فدخلوا فقاموا بين يديه، فقال :**«إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا، وإن شئتم أخبرتكم »**، قالوا : بلى أخبرنا، قال :**«جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم : كان شبابا من الروم، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء، فقال له ما ترى ؟ فقال : أرى مدينتي ومدائن، ثم علا به، فقال : ما ترى ؟ فقال : أرى مدينتي، ثم علا به فقال : ما ترى ؟ قال : أرى الأرض، قال : فهذا أليم محيط بالدنيا، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل، وتثبت العالم، فأتى به السدّ، وهو جبلان لينان يَزْلَق عنهما كل شيء، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم »**. 
واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لذي القرنين : ذو القرنين، فقال بعضهم : قيل له ذلك من أجل أنه ضُرِب على قَرنه فهلك، ثم أُحْيِي فضُرب على القرن الآخر فهلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن عبيد المُكْتِب، عن أبي الطّفَيل، قال : سأل ابن الكوّاء عليا عن ذي القرنين، فقال : هو عبد أحبّ الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قَرْنه فقتلوه، ثم بعثه الله، فضربوه على قرنه فمات. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال : سئل عليّ رضوان الله عليه عن ذي القرنين، فقال : كان عبدا ناصح الله فناصحه، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : قال : حدثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن أبي الطفيل، قال : سمعت عليا وسألوه عن ذي القرنين أنبيا كان ؟ قال : كان عبدا صالحا، أحبّ الله فأحبه، وناصَحَ الله فنصحه، فبعثه الله إلى قومه، فضربوه ضربتين في رأسه، فسمي ذا القرنين، وفيكم اليوم مثله. 
**وقال آخرون في ذلك بما :**
حدثني به محمد بن سهل البخاريّ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد بن معقل، قال : قال وهب بن منبه : كان ذو القرنين مَلِكا، فقيل له : فلم سُمّي ذا القرنين ؟ قال : اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم : مَلَك الروم وفارس. وقال بعضهم : كان في رأسه شبه القرنين. 
وقال آخرون : إنما سمي ذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا ابن إسحاق، قال : ثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، قال : إنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس.

### الآية 18:84

> ﻿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [18:84]

وقوله : إنّا مَكّنا لَهُ الأرْضِ وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا يقول : إنا وطأنا له في الأرض، وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا يقول : وآتيناه من كلّ شيء : يعني ما يتسبب إليه وهو العلم به. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا يقول : علما. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا : أي علما. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا قال : من كلّ شيء علما. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا قال : علم كلّ شيء. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا علما. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وآتَيْناهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سبَبا يقول : علما.

### الآية 18:85

> ﻿فَأَتْبَعَ سَبَبًا [18:85]

وقوله : فَأَتْبَعَ سبَبا اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة :**«فاتّبع »** بوصل الألف، وتشديد التاء، بمعنى : سلك وسار، من قول القائل : اتّبعتُ أثر فلان : إذا قفوته وسرت وراءه. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة فَأَتْبَعَ بهمز، وتخفيف التاء، بمعنى لحق. 
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب : قراءة من قرأ :**«فاتّبَعَ »** بوصل الألف، وتشديد التاء، لأن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن مسير ذي القرنين في الأرض التي مكن له فيها، لا عن لحاقه السبب، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ************«فاتّبَعَ سَبَبا »************ يعني بالسبب : المنزل. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : سَبَبا قال : منزلاً وطريقا ما بين المشرق والمغرب. 
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. 
حدثني محمد بن عُمارة الأسديّ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد ************«فاتّبَعَ سَبَبا »************ قال : طريقا في الأرض. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ************«فاتّبَعَ سَبَبا »************ : اتبع منازل الأرض ومعالمها. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله ************«فاتّبَعَ سَبَبا »************ قال : هذه الآن سبب الطرق كما قال فرعون يا هامانُ ابْنِ لي صَرْحا لَعَلّي أبْلُغُ الأسْبَابَ أسْبابَ السّمَوَاتِ قال : طُرق السموات. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :************«فاتّبَعَ سَبَبا »************ قال : منازل الأرض. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله :************«فاتّبَعَ سَبَبا »************ قال : المنازل.

### الآية 18:86

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [18:86]

القول في تأويل قوله تعالى : حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّآ أَن تُعَذّبَ وَإِمّآ أَن تَتّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً . 
يقول تعالى ذكره : حتى إذَا بَلَغَ ذو القرنين مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ، فاختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة : في عَيْنٍ حَمِئَةٍ بمعنى : أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة، وقرأته جماعة من قراء المدينة، وعامّة قرّاء الكوفة :**«في عَيْنٍ حَامِيَةٍ »** يعني أنها تغرب في عين ماء حارّة. 
واختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته. ذكر من قال ذلك : تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ قال : في طين أسود. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ قال : ذات حمأة. 
حدثنا الحسين بن الجنيد، قال : حدثنا سعيد بن مسلمة، قال : حدثنا إسماعيل بن عُلَية، عن عثمان بن حاضر، قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : قرأ معاوية هذه الآية، فقال :**«عَيْن حامِيَة »** فقال ابن عباس : إنها عين حمئة، قال : فجعلا كعبا بينهما، قال : فأرسلا إلى كعب الأحبار، فسألاه، فقال كعب : أما الشمس فإنها تغيب في ثأط، فكانت على ما قال ابن عباس، والثأط : الطين. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني نافع بن أبي نعيم، قال : سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول : كان ابن عباس يقول فِي عَيْنِ حَمِئَة ثم فسرها : ذات حمأة، قال نافع : وسئل عنها كعب، فقال : أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ قال : هي الحمأة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فِي عَيْنِ حَمِئَة قال : ثأط. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله عزّ ذكره تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ قال : ثأطة. 
قال : وأخبرني عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال : قرأت فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وقرأ عمرو بن العاص فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ فأرسلنا إلى كعب، فقال : إنها تغرب في حمأة طينة سوداء. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ والحمئة : الحمأة السوداء. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن ورقاء، قال : سمعت سعيد بن جبير، قال : كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ويقول : حمأة سوداء تغرب فيها الشمس. 
وقال آخرون : بل هي تغيب في عين حارّة. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس **«وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَامِيَةٍ »** يقول : في عين حارّة. 
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال : سمعت الحسن يقول :**«فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ »** قال : حارّة. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله :**«فِي عَيْنٍ حَامِيَةً »** قال : حارّة، وكذلك قرأها الحسن. 
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولكلّ واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارّة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ في عين حامية بصفتها التي هي لها، وهي الحرارة، ويكون القارىء في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين. وقد رُوي بكلا صيغتيها اللتين قلت إنهما من صفتيها أخبار. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا العوّام، قال : ثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت، فقال :**«فِي نارِ اللّهِ الحامِيَةِ، فِي نارِ اللّهِ الحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنْ أمْرِ اللّهِ لأَحْرَقَتْ ما عَلى الأرْض »**. 
حدثني الفضل بن داود الواسطي، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقرأه : حَمِئَةٍ. 
وقوله : وَوَجَدَ عَنْدَها قَوْما ذكر أن أولئك القوم يقال لهم : ناسك. وقوله : قُلْنا يا ذَا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذّبَ يقول : إما أن تقتلهم إن هم لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله، ويذعنوا لك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم وإمّا أنْ تَتّخِذَ فِيهِمْ حُسْنا يقول : وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد.

### الآية 18:87

> ﻿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [18:87]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ ثُمّ يُرَدّ إِلَىَ رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نّكْراً . 
يقول جلّ ثناؤه قال أمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ يقول : أما من كفر فسوف نقتله، كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : أمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ قال : هو القتل. 
وقوله : ثُمّ يُرَدّ إلى رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَابا نُكْرا يقول : ثم يرجع إلى الله تعالى بعد قتله، فيعذّبه عذابا عظيما، وهو النكر، وذلك عذاب جهنم.

### الآية 18:88

> ﻿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [18:88]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الْحُسْنَىَ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً . 
يقول : وأما من صدّق الله منهم ووحدّه، وعمل بطاعته، فله عند الله الحسنى، وهي الجنة، جزاء يعني ثوابا على إيمانه، وطاعته ربه. 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة :**«فَلَهُ جَزَاءُ الحُسْنَى »** برفع الجزاء وإضافته إلى الحسنى. 
وإذا قرىء ذلك كذلك، فله وجهان من التأويل :
أحدهما : أن يجعل الحسنى مرادا بها إيمانه وأعماله الصالحة، فيكون معنى الكلام إذا أريد بها ذلك : وإما من آمن وعمل صالحا فله جزاؤها، يعني جزاء هذه الأفعال الحسنة. 
والوجه الثاني : أن يكون معنيا بالحسنى : الجنة، وأضيف الجزاء إليها، كما قيل وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ والدار : هي الاَخرة، وكما قال : وَذلكَ دِينُ القَيّمَة والدين : هو القيم. 
وقرأ آخرون : فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنى بمعنى : فله الجنة جزاء فيكون الجزاء منصوبا على المصدر، بمعنى : يجازيهم جزاء الجنة. 
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأه : فَلَهُ جَزاءً الحُسْنَى بنصب الجزاء وتنوينه على المعنى الذي وصفت، من أن لهم الجنة جزاء، فيكون الجزاء نصبا على التفسير. 
وقوله : وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أمْرِنا يُسْرا يقول : وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر لنا تعليمه مما يقرّ به إلى الله ويلين له من القول. وكان مجاهدا يقول نحوا مما قلنا في ذلك. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : مِنْ أمْرِنا يُسْرا قال معروفا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

### الآية 18:89

> ﻿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [18:89]

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ أَتْبَعَ سَبَباً \* حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىَ قَوْمٍ لّمْ نَجْعَل لّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً \* كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً . 
يقول تعالى ذكره : ثم سار وسلك ذو القرنين طرقا ومنازل، كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ثُمّ أتْبَعَ سَبَبا يعني منزلاً. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ثُمّ أتْبَعَ سَبَبا : منازل الأرض ومعالمها. حتى إذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا : يقول تعالى ذكره : ووجد ذو القرنين الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، وذلك أن أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، ولا تحتمل بناء، فيسكنوا البيوت، وإنما يغورون في المياه، أو يَسْرُبون في الأسراب. كما :
حدثني إبراهيم بن المستمر، قال : حدثنا سليمان بن داود وأبو داود، قال : حدثنا سهل بن أبي الصلت السراج، عن الحسن تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : كانت أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تغوروا في الماء، فإذا غربت خرجوا يتراعون، كما ترعى البهائم، قال : ثم قال الحسن : هذا حديث سَمُرة. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة حتى إذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا ذُكِر لنا أنهم كانوا في مكان لا يستقرّ عليه البناء، وإنما يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا إلى معايشهم وحروثهم، قال : كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج في قوله : وَجَدَها تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : لم يبنوا فيها بناء قَطّ، ولم يُبْنَ عليهم فيها بناء قَطّ، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس دخلوا أسرابا لهم تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، وجاءهم جيش مرّة، فقال لهم أهلها : لا تطلُعَنّ عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا : لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام ؟ قالوا : هذه جِيفَ جيش طلعت الشمس ها هنا فماتوا، قال : فذهبوا هاربين في الأرض. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله : تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : بلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليهم بناء، فكانوا يدخلون في أسراب لهم إذا طلعت الشمس، حتى تزول عنهم، ثم يخرجون إلى معايشهم. 
وقال آخرون : هم الزّنج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : يقال : هم الزّنْج.

### الآية 18:90

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا [18:90]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٩:القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ أَتْبَعَ سَبَباً \* حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىَ قَوْمٍ لّمْ نَجْعَل لّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً \* كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً . 
يقول تعالى ذكره : ثم سار وسلك ذو القرنين طرقا ومنازل، كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : ثُمّ أتْبَعَ سَبَبا يعني منزلاً. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ثُمّ أتْبَعَ سَبَبا : منازل الأرض ومعالمها. حتى إذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا : يقول تعالى ذكره : ووجد ذو القرنين الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، وذلك أن أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، ولا تحتمل بناء، فيسكنوا البيوت، وإنما يغورون في المياه، أو يَسْرُبون في الأسراب. كما :
حدثني إبراهيم بن المستمر، قال : حدثنا سليمان بن داود وأبو داود، قال : حدثنا سهل بن أبي الصلت السراج، عن الحسن تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : كانت أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تغوروا في الماء، فإذا غربت خرجوا يتراعون، كما ترعى البهائم، قال : ثم قال الحسن : هذا حديث سَمُرة. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة حتى إذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا ذُكِر لنا أنهم كانوا في مكان لا يستقرّ عليه البناء، وإنما يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا إلى معايشهم وحروثهم، قال : كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج في قوله : وَجَدَها تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : لم يبنوا فيها بناء قَطّ، ولم يُبْنَ عليهم فيها بناء قَطّ، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس دخلوا أسرابا لهم تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، وجاءهم جيش مرّة، فقال لهم أهلها : لا تطلُعَنّ عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا : لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام ؟ قالوا : هذه جِيفَ جيش طلعت الشمس ها هنا فماتوا، قال : فذهبوا هاربين في الأرض. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله : تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : بلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليهم بناء، فكانوا يدخلون في أسراب لهم إذا طلعت الشمس، حتى تزول عنهم، ثم يخرجون إلى معايشهم. 
وقال آخرون : هم الزّنج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونها سِتْرا قال : يقال : هم الزّنْج. ---

### الآية 18:91

> ﻿كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [18:91]

وأما قوله : كَذَلِكَ فإن معناه : ثم أتبع سببا كذلك، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وكذلك : من صلة أتبع. وإنما معنى الكلام : ثم أتبع سببا، حتى بلغ مطلع الشمس، كما أتبع سببا حتى بلغ مغربها. 
وقوله : وَقَدْ أحَطْنا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرا يقول : وقد أحطنا بما عند مطلع الشمس عالما، لا يخفى علينا مما هنالك من الخلق وأحوالهم وأسبابهم، ولا من غيرهم، شيء. وبالذي قلنا في معنى الخبر، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : خُبْرا قال : علما. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله كَذَلكَ وَقَدْ أحَطْنا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرا قال : علما.

### الآية 18:92

> ﻿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا [18:92]

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ أَتْبَعَ سَبَباً \* حَتّىَ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً \* قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىَ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً . 
يقول تعالى ذكره : ثم سار طرقا ومنازل، وسلك سبلاً حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة بعض الكوفيين :******«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »****** بضمّ السين وكذلك جميع ما في القرآن من ذلك بضم السين. وكان بعض قرّاء المكيين يقرؤه بفتح ذلك كله. وكان أبو عمرو بن العلاء يفتح السين في هذه السورة، ويضمّ السين في يس، ويقول : السدّ بالفتح : هو الحاجز بينك وبين الشيء والسدّ بالضم : ما كان من غشاوة في العين. وأما الكوفيون فإن قراءة عامتهم في جميع القرآن بفتح السين غير قوله : حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ فإنهم ضموا السين في ذلك خاصة. وروي عن عكرمة في ذلك ما :
حدثنا به أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال : ما كان من صنعة بني آدم فهو السّدّ، يعني بالفتح، وما كان من صنع الله فهو السدّ. وكان الكسائي يقول : هما لغتان بمعنى واحد. 
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولغتان متفقتا المعنى غير مختلفة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولا معنى للفرق الذي ذكر عن أبي عمرو بن العلاء، وعكرمة بين السّد والسّد، لأنا لم نجد لذلك شاهدا يبين عن فرقان ما بين ذلك على ما حكي عنهما. ومما يبين ذلك أن جمع أهل التأويل الذي رُوي لنا عنهم في ذلك قول، لم يحك لنا عن أحد منهم تفصيل بين فتح ذلك وضمه، ولو كان مختلفي المعنى لنقل الفصل مع التأويل إن شاء الله، ولكن معنى ذلك كان عندهم غير مفترق، فيفسر الحرف بغير تفصيل منهم بين ذلك. وأما ما ذُكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب وهارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه. والسّد والسّد جميعا : الحاجز بين الشيئين، وهما ههنا فيما ذُكر جبلان سدّ ما بينهما، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن وراءهم، ليقطع مادّ غوائلهم وعيثهم عنهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ******«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »****** قال : الجبلين الردم الذي بين يأجوج ومأجوج، أمتين من وراء ردم ذي القرنين، قال : الجبلان : أرمينية وأذربيجان. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ******«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »****** وهما جبلان. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :****«بينَ السّدّيْنِ »**** يعني بين جبلين. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :****«بينَ السّدّيْنِ »**** قال : هما جبلان. 
وقوله وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْما لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً يقول عزّ ذكره : وجد من دون السدّين قوما لا يكادون يفقهون قول القائل سوى كلامهم. 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله يَفْقَهُونَ فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة يَفْقَهُونَ قَوْلاً بفتح القاف والياء، من فقَه الرجل يفقه فقها. وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة **«يُفْقِهُونَ قَوْلاً »** بضمّ الياء وكسر القاف : من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها : إذا فهمته ذلك. 
والصواب عندي من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولاً لغيرهم عنهم، فيكون صوابا القراءة بذلك. وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل : إما بألسنتهم، وإما بمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضا صوابا. 
وقوله : إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ اختلفت القرّاء في قراءة قوله إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فقرأت القرّاء من أهل الحجاز والعراق وغيرهم :**«إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ »** بغير همز على فاعول من يججت ومججت، وجعلوا الألفين فيهما زائدتين، غير عاصم بن أبي النجود والأعرج، فإنه ذكر أنهما قرآ ذلك بالهمز فيهما جميعا، وجعلا الهمز فيهما من أصل الكلام، وكأنهما جعلا يأجوج : يفعول من أججت، ومأجوج : مفعول. 
والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا، أن يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بألف بغير همز لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأنه الكلام المعروف على ألسن العرب ومنه قول رؤبة بن العجاج.

لَوْ أنّ ياجُوجَ ومَاجُوجَ معَا  وعادَ عادُوا واسْتَجاشُوا تُبّعاوهم أمّتان من وراء السدّ. 
وقوله : مِفْسِدُونَ فِي الأرْضِ اختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي وصف الله به هاتين الأمتين، فقال بعضهم : كانوا يأكلون الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال : حدثنا إبراهيم بن أيوب الخوزاني، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول في قوله إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ قال : كانوا يأكلون الناس. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض، لا أنهم كانوا يومئذ يفسدون. ذكر من قال ذلك، وذكر صفة اتباع ذي القرنين الأسباب التي ذكرها الله في هذه الآية، وذكر سبب بنائه للردم :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب، ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذي القرنين، أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر اسمه مرزِبا بن مردَبة اليوناني، من ولد يونن بن يافث بن نوح. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي، وكان خالد رجلاً قد أدرك الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال :**«مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِنْ تَحْتِها بالأسْبابِ »** قال خالد : وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يقول : يا ذا القرنين، فقال : اللهمّ غفرا، أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسموا بأسماء الملائكة ؟ فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فالحقّ ما قال، والباطل ما خالفه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، قال : فحدثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأول، أنه كان يقول : ذو القرنين رجل من الروم. ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر. وإنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله عزّ وجلّ له : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض ومنهم أمتان بينهما طول الأرض كله ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض : فأمه عند مغرب الشمس، يقال لها : ناسك. وأما الأخرى : فعند مطلعها يقال لها : منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض، فأمة في قطر الأرض الأيمن، فقال لها : هاويل. وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر، فأمة يقال لها : تأويل فلما قال الله له ذلك، قال له ذو القرنين : إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يَقدر قَدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها، بأيّ قوّة أكابرهم، وبأيّ جمع أكاثرهم، وبأيّ حيلة أكايدهم، وبأيّ صبر أقاسيهم، وبأيّ لسان أناطقهم، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم، وبأيّ سمع أعي قولهم، وبأيّ بصر أنفذهم، وبأيّ حجة أخاصمهم، وبأيّ قلب أعقل عنهم، وبأيّ حكمة أدبر أمرهم، وبأيّ قسط أعدل بينهم، وبأيّ حلم أصابرهم، وبأيّ معرفة أفصل بينهم، وبأيّ علم أتقن أمورهم، وبأيّ يد أسطو عليهم، وبأيّ رجل أطؤهم، وبأيّ طاقة أخصمهم، وبأيّ جند أقاتلهم، وبأيّ رفق أستألفهم، فإنه ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقول لهم، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الربّ الرحيم، الذي لا يكلّف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها إلا طاقتها، ولا يعنتها ولا يفدحها، بل أنت ترأفها وترحمها. قال الله عزّ وجلّ : إني سأطوّقك ما حمّلتك، أشرح لك صدرك، فيسع كلّ شيء وأشرح لك فهمك فتفقه كلّ شيء، وأبسط لك لسانك، فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك، فتنفذ كلّ شيء، وأدبر لك أمرك فتتقن كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشدّ لك ظهرك، فلا يهدّك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشدّ لك قلبك فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة، فأجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك، وأشدّ لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك من بين يديك، فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك، فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يرومك شيء. 
ولما قيل له ذلك، انطلق يؤمّ الأمة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم، وجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، وقوّة وبأسا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة، وقلوبا متفرّقة فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطتهم من كلّ مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم أخذ عليه بالنور، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته، فمنهم من آمن له، ومنهم من صدّ، فعمد إلى الذين تولوا عنه، فأدخل عليهم الظلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيتهم من فوقهم، ومن تحتهم ومن كلّ جانب منهم، فماجوا فيها وتحيروا فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخدهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من حولهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلهم، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملاً أتقنه. فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال النعال، فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثم دفع إلى كلّ إنسان لوحا فلا يكرثه حمله، فلم يزل كذلك دأبة حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيها كعمله في ناسك

### الآية 18:93

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [18:93]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٢:القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ أَتْبَعَ سَبَباً \* حَتّىَ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً \* قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىَ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً . 
يقول تعالى ذكره : ثم سار طرقا ومنازل، وسلك سبلاً حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة بعض الكوفيين :************«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »************ بضمّ السين وكذلك جميع ما في القرآن من ذلك بضم السين. وكان بعض قرّاء المكيين يقرؤه بفتح ذلك كله. وكان أبو عمرو بن العلاء يفتح السين في هذه السورة، ويضمّ السين في يس، ويقول : السدّ بالفتح : هو الحاجز بينك وبين الشيء والسدّ بالضم : ما كان من غشاوة في العين. وأما الكوفيون فإن قراءة عامتهم في جميع القرآن بفتح السين غير قوله : حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ فإنهم ضموا السين في ذلك خاصة. وروي عن عكرمة في ذلك ما :
حدثنا به أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال : ما كان من صنعة بني آدم فهو السّدّ، يعني بالفتح، وما كان من صنع الله فهو السدّ. وكان الكسائي يقول : هما لغتان بمعنى واحد. 
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولغتان متفقتا المعنى غير مختلفة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولا معنى للفرق الذي ذكر عن أبي عمرو بن العلاء، وعكرمة بين السّد والسّد، لأنا لم نجد لذلك شاهدا يبين عن فرقان ما بين ذلك على ما حكي عنهما. ومما يبين ذلك أن جمع أهل التأويل الذي رُوي لنا عنهم في ذلك قول، لم يحك لنا عن أحد منهم تفصيل بين فتح ذلك وضمه، ولو كان مختلفي المعنى لنقل الفصل مع التأويل إن شاء الله، ولكن معنى ذلك كان عندهم غير مفترق، فيفسر الحرف بغير تفصيل منهم بين ذلك. وأما ما ذُكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب وهارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه. والسّد والسّد جميعا : الحاجز بين الشيئين، وهما ههنا فيما ذُكر جبلان سدّ ما بينهما، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن وراءهم، ليقطع مادّ غوائلهم وعيثهم عنهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ************«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »************ قال : الجبلين الردم الذي بين يأجوج ومأجوج، أمتين من وراء ردم ذي القرنين، قال : الجبلان : أرمينية وأذربيجان. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ************«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »************ وهما جبلان. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :********«بينَ السّدّيْنِ »******** يعني بين جبلين. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :********«بينَ السّدّيْنِ »******** قال : هما جبلان. 
وقوله وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْما لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً يقول عزّ ذكره : وجد من دون السدّين قوما لا يكادون يفقهون قول القائل سوى كلامهم. 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله يَفْقَهُونَ فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة يَفْقَهُونَ قَوْلاً بفتح القاف والياء، من فقَه الرجل يفقه فقها. وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة ****«يُفْقِهُونَ قَوْلاً »**** بضمّ الياء وكسر القاف : من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها : إذا فهمته ذلك. 
والصواب عندي من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولاً لغيرهم عنهم، فيكون صوابا القراءة بذلك. وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل : إما بألسنتهم، وإما بمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضا صوابا. 
وقوله : إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ اختلفت القرّاء في قراءة قوله إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فقرأت القرّاء من أهل الحجاز والعراق وغيرهم :****«إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ »**** بغير همز على فاعول من يججت ومججت، وجعلوا الألفين فيهما زائدتين، غير عاصم بن أبي النجود والأعرج، فإنه ذكر أنهما قرآ ذلك بالهمز فيهما جميعا، وجعلا الهمز فيهما من أصل الكلام، وكأنهما جعلا يأجوج : يفعول من أججت، ومأجوج : مفعول. 
والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا، أن يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بألف بغير همز لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأنه الكلام المعروف على ألسن العرب ومنه قول رؤبة بن العجاج. لَوْ أنّ ياجُوجَ ومَاجُوجَ معَا  وعادَ عادُوا واسْتَجاشُوا تُبّعاوهم أمّتان من وراء السدّ. 
وقوله : مِفْسِدُونَ فِي الأرْضِ اختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي وصف الله به هاتين الأمتين، فقال بعضهم : كانوا يأكلون الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال : حدثنا إبراهيم بن أيوب الخوزاني، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول في قوله إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ قال : كانوا يأكلون الناس. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض، لا أنهم كانوا يومئذ يفسدون. ذكر من قال ذلك، وذكر صفة اتباع ذي القرنين الأسباب التي ذكرها الله في هذه الآية، وذكر سبب بنائه للردم :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب، ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذي القرنين، أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر اسمه مرزِبا بن مردَبة اليوناني، من ولد يونن بن يافث بن نوح. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي، وكان خالد رجلاً قد أدرك الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال :****«مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِنْ تَحْتِها بالأسْبابِ »**** قال خالد : وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يقول : يا ذا القرنين، فقال : اللهمّ غفرا، أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسموا بأسماء الملائكة ؟ فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فالحقّ ما قال، والباطل ما خالفه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، قال : فحدثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأول، أنه كان يقول : ذو القرنين رجل من الروم. ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر. وإنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله عزّ وجلّ له : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض ومنهم أمتان بينهما طول الأرض كله ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض : فأمه عند مغرب الشمس، يقال لها : ناسك. وأما الأخرى : فعند مطلعها يقال لها : منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض، فأمة في قطر الأرض الأيمن، فقال لها : هاويل. وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر، فأمة يقال لها : تأويل فلما قال الله له ذلك، قال له ذو القرنين : إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يَقدر قَدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها، بأيّ قوّة أكابرهم، وبأيّ جمع أكاثرهم، وبأيّ حيلة أكايدهم، وبأيّ صبر أقاسيهم، وبأيّ لسان أناطقهم، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم، وبأيّ سمع أعي قولهم، وبأيّ بصر أنفذهم، وبأيّ حجة أخاصمهم، وبأيّ قلب أعقل عنهم، وبأيّ حكمة أدبر أمرهم، وبأيّ قسط أعدل بينهم، وبأيّ حلم أصابرهم، وبأيّ معرفة أفصل بينهم، وبأيّ علم أتقن أمورهم، وبأيّ يد أسطو عليهم، وبأيّ رجل أطؤهم، وبأيّ طاقة أخصمهم، وبأيّ جند أقاتلهم، وبأيّ رفق أستألفهم، فإنه ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقول لهم، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الربّ الرحيم، الذي لا يكلّف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها إلا طاقتها، ولا يعنتها ولا يفدحها، بل أنت ترأفها وترحمها. قال الله عزّ وجلّ : إني سأطوّقك ما حمّلتك، أشرح لك صدرك، فيسع كلّ شيء وأشرح لك فهمك فتفقه كلّ شيء، وأبسط لك لسانك، فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك، فتنفذ كلّ شيء، وأدبر لك أمرك فتتقن كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشدّ لك ظهرك، فلا يهدّك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشدّ لك قلبك فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة، فأجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك، وأشدّ لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك من بين يديك، فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك، فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يرومك شيء. 
ولما قيل له ذلك، انطلق يؤمّ الأمة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم، وجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، وقوّة وبأسا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة، وقلوبا متفرّقة فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطتهم من كلّ مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم أخذ عليه بالنور، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته، فمنهم من آمن له، ومنهم من صدّ، فعمد إلى الذين تولوا عنه، فأدخل عليهم الظلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيتهم من فوقهم، ومن تحتهم ومن كلّ جانب منهم، فماجوا فيها وتحيروا فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخدهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من حولهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلهم، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملاً أتقنه. فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال النعال، فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثم دفع إلى كلّ إنسان لوحا فلا يكرثه حمله، فلم يزل كذلك دأبة حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيها كعمله في ناسك---

### الآية 18:94

> ﻿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [18:94]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٢:القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ أَتْبَعَ سَبَباً \* حَتّىَ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً \* قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىَ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً . 
يقول تعالى ذكره : ثم سار طرقا ومنازل، وسلك سبلاً حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة بعض الكوفيين :************«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »************ بضمّ السين وكذلك جميع ما في القرآن من ذلك بضم السين. وكان بعض قرّاء المكيين يقرؤه بفتح ذلك كله. وكان أبو عمرو بن العلاء يفتح السين في هذه السورة، ويضمّ السين في يس، ويقول : السدّ بالفتح : هو الحاجز بينك وبين الشيء والسدّ بالضم : ما كان من غشاوة في العين. وأما الكوفيون فإن قراءة عامتهم في جميع القرآن بفتح السين غير قوله : حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ فإنهم ضموا السين في ذلك خاصة. وروي عن عكرمة في ذلك ما :
حدثنا به أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال : ما كان من صنعة بني آدم فهو السّدّ، يعني بالفتح، وما كان من صنع الله فهو السدّ. وكان الكسائي يقول : هما لغتان بمعنى واحد. 
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولغتان متفقتا المعنى غير مختلفة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولا معنى للفرق الذي ذكر عن أبي عمرو بن العلاء، وعكرمة بين السّد والسّد، لأنا لم نجد لذلك شاهدا يبين عن فرقان ما بين ذلك على ما حكي عنهما. ومما يبين ذلك أن جمع أهل التأويل الذي رُوي لنا عنهم في ذلك قول، لم يحك لنا عن أحد منهم تفصيل بين فتح ذلك وضمه، ولو كان مختلفي المعنى لنقل الفصل مع التأويل إن شاء الله، ولكن معنى ذلك كان عندهم غير مفترق، فيفسر الحرف بغير تفصيل منهم بين ذلك. وأما ما ذُكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب وهارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه. والسّد والسّد جميعا : الحاجز بين الشيئين، وهما ههنا فيما ذُكر جبلان سدّ ما بينهما، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن وراءهم، ليقطع مادّ غوائلهم وعيثهم عنهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ************«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »************ قال : الجبلين الردم الذي بين يأجوج ومأجوج، أمتين من وراء ردم ذي القرنين، قال : الجبلان : أرمينية وأذربيجان. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ************«حَتَى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ »************ وهما جبلان. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :********«بينَ السّدّيْنِ »******** يعني بين جبلين. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :********«بينَ السّدّيْنِ »******** قال : هما جبلان. 
وقوله وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْما لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً يقول عزّ ذكره : وجد من دون السدّين قوما لا يكادون يفقهون قول القائل سوى كلامهم. 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله يَفْقَهُونَ فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة يَفْقَهُونَ قَوْلاً بفتح القاف والياء، من فقَه الرجل يفقه فقها. وقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل الكوفة ****«يُفْقِهُونَ قَوْلاً »**** بضمّ الياء وكسر القاف : من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها : إذا فهمته ذلك. 
والصواب عندي من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولاً لغيرهم عنهم، فيكون صوابا القراءة بذلك. وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل : إما بألسنتهم، وإما بمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضا صوابا. 
وقوله : إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ اختلفت القرّاء في قراءة قوله إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فقرأت القرّاء من أهل الحجاز والعراق وغيرهم :****«إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ »**** بغير همز على فاعول من يججت ومججت، وجعلوا الألفين فيهما زائدتين، غير عاصم بن أبي النجود والأعرج، فإنه ذكر أنهما قرآ ذلك بالهمز فيهما جميعا، وجعلا الهمز فيهما من أصل الكلام، وكأنهما جعلا يأجوج : يفعول من أججت، ومأجوج : مفعول. 
والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا، أن يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بألف بغير همز لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأنه الكلام المعروف على ألسن العرب ومنه قول رؤبة بن العجاج. لَوْ أنّ ياجُوجَ ومَاجُوجَ معَا  وعادَ عادُوا واسْتَجاشُوا تُبّعاوهم أمّتان من وراء السدّ. 
وقوله : مِفْسِدُونَ فِي الأرْضِ اختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي وصف الله به هاتين الأمتين، فقال بعضهم : كانوا يأكلون الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال : حدثنا إبراهيم بن أيوب الخوزاني، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول في قوله إنّ يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ قال : كانوا يأكلون الناس. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض، لا أنهم كانوا يومئذ يفسدون. ذكر من قال ذلك، وذكر صفة اتباع ذي القرنين الأسباب التي ذكرها الله في هذه الآية، وذكر سبب بنائه للردم :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، قال : ثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب، ممن قد أسلم، مما توارثوا من علم ذي القرنين، أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر اسمه مرزِبا بن مردَبة اليوناني، من ولد يونن بن يافث بن نوح. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي، وكان خالد رجلاً قد أدرك الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال :****«مَلِكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِنْ تَحْتِها بالأسْبابِ »**** قال خالد : وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يقول : يا ذا القرنين، فقال : اللهمّ غفرا، أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسموا بأسماء الملائكة ؟ فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فالحقّ ما قال، والباطل ما خالفه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، قال : فحدثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأول، أنه كان يقول : ذو القرنين رجل من الروم. ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر. وإنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله عزّ وجلّ له : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض ومنهم أمتان بينهما طول الأرض كله ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض : فأمه عند مغرب الشمس، يقال لها : ناسك. وأما الأخرى : فعند مطلعها يقال لها : منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض، فأمة في قطر الأرض الأيمن، فقال لها : هاويل. وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر، فأمة يقال لها : تأويل فلما قال الله له ذلك، قال له ذو القرنين : إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يَقدر قَدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها، بأيّ قوّة أكابرهم، وبأيّ جمع أكاثرهم، وبأيّ حيلة أكايدهم، وبأيّ صبر أقاسيهم، وبأيّ لسان أناطقهم، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم، وبأيّ سمع أعي قولهم، وبأيّ بصر أنفذهم، وبأيّ حجة أخاصمهم، وبأيّ قلب أعقل عنهم، وبأيّ حكمة أدبر أمرهم، وبأيّ قسط أعدل بينهم، وبأيّ حلم أصابرهم، وبأيّ معرفة أفصل بينهم، وبأيّ علم أتقن أمورهم، وبأيّ يد أسطو عليهم، وبأيّ رجل أطؤهم، وبأيّ طاقة أخصمهم، وبأيّ جند أقاتلهم، وبأيّ رفق أستألفهم، فإنه ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقول لهم، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الربّ الرحيم، الذي لا يكلّف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها إلا طاقتها، ولا يعنتها ولا يفدحها، بل أنت ترأفها وترحمها. قال الله عزّ وجلّ : إني سأطوّقك ما حمّلتك، أشرح لك صدرك، فيسع كلّ شيء وأشرح لك فهمك فتفقه كلّ شيء، وأبسط لك لسانك، فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك، فتنفذ كلّ شيء، وأدبر لك أمرك فتتقن كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأشدّ لك ظهرك، فلا يهدّك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشدّ لك قلبك فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة، فأجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك، وأشدّ لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك من بين يديك، فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك، فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يرومك شيء. 
ولما قيل له ذلك، انطلق يؤمّ الأمة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم، وجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، وقوّة وبأسا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة، وقلوبا متفرّقة فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطتهم من كلّ مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم أخذ عليه بالنور، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته، فمنهم من آمن له، ومنهم من صدّ، فعمد إلى الذين تولوا عنه، فأدخل عليهم الظلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيتهم من فوقهم، ومن تحتهم ومن كلّ جانب منهم، فماجوا فيها وتحيروا فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخدهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من حولهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلهم، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملاً أتقنه. فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال النعال، فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثم دفع إلى كلّ إنسان لوحا فلا يكرثه حمله، فلم يزل كذلك دأبة حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيها كعمله في ناسك---

### الآية 18:95

> ﻿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [18:95]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ مَا مَكّنّي فِيهِ رَبّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً . 
يقول تعالى ذكره : قال ذو القرنين : الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السدّ بينكم وبين هؤلاء القوم ربي، ووطأه لي، وقوّاني عليه، خير من جُعلكم، والأجرة التي تعرضونها عليّ لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوّة، أعينوني بفَعلة وصناع يُحسنون البناء والعمل. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ما مَكّنّي فِيهِ رَبّي خَيْرٌ فَأَعِينوني بقُوَةٍ قال : برجال أجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْما وقال ما مكني، فأدغم إحدى النونين في الأخرى، وإنما هو ما مكنني فيه. وقوله : أجعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْما يقول : أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج ردما. والردم : حاجز الحائط والسدّ، إلا أنه أمنع منه وأشدّ، يقال منه : قد ردم فلان موضع كذا يَردِمه رَدْما ورُداما ويقال أيضا : رَدّم ثوبه يردمه، وهو ثوب مُرَدّم : إذا كان كثير الرقاع ومنه قول عنترة :

هَلْ غادَرَ الشّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدّمِ  أمْ هَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بَعْدَ تَوَهّمِوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْما قال : هو كأشدّ الحجاب. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن رجلاً قال : يا نبيّ الله قد رأيت سدّ يأجوج ومأجوج، قال :**«انْعَتْهُ لي »**، قال : كأنه البرد المحّبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء، قالَ :**«قَدْ رأيَتَهُ »**.

### الآية 18:96

> ﻿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [18:96]

القول في تأويل قوله تعالى : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّىَ إِذَا سَاوَىَ بَيْنَ الصّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُواْ حَتّىَ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيَ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً \* فَمَا اسْطَاعُوَاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً . 
يقول عزّ ذكره : قال ذو القرنين للذين سألوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدّا آتونِي أي جيئوني بِزُبَر الحديد، وهي جمع زُبْرة، والزّبْرة : القطعة من الحديد. كما :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : زُبَرَ الحَدِيدِ يقول : قطع الحديد. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ قال : قطع الحديد. 
حدثني إسماعيل بن سيف، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله : زُبَرَ الحَدِيدِ قال : قطع الحديد. 
حدثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى عن مجاهد، قوله : آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ قال : قطع الحديد. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة آتُونِي زُبَرُ الحَدِيدِ : أي فَلَق الحديث. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : آتُونِي زُبَرُ الحَدِيدِ قال : قطع الحديد. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ قال : قطع الحديد. 
وقوله : حتى إذَا ساوَى بينَ الصّدفَيْنِ يقول عزّ ذكره : فآتُوهُ زُبَر الحديد، فجعلها بين الصدفين حتى إذا ساوى بين الجبلين بما جعل بينهما من زُبر الحديد، ويقال : سوّى. والصدفان : ما بين ناحيتي الجبلين ورؤوسهما ومنه قوله الراجز :

قدْ أخَذَتْ ما بينَ عَرْضِ الصّدُفَيْنِ  ناحِيَتَيْها وأعالي الرّكْنَيْنِوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله بينَ الصّدَفَيْنِ يقول : بين الجبلين. 
حدثني محمد، بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : حتى إذَا بَلَغَ بينَ السّدّيْنِ قال : هو سدّ كان بين صَدَفين، والصدفان : الجبلان. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : الصّدَفَيْنِ رؤوس الجبلين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا مُعاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بينَ الصّدَفَيْنِ يعني الجبلين، وهما من قبل أرمينية وأذربيجان. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة حتى إذَا ساوَى بينَ الصّدَفَيْنِ وهما الجبلان. 
حدثني أحمد بن يوسف، قال : أخبرنا القاسم، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قرأها : بينَ الصّدَفَيْنِ منصوبة الصاد والدال، وقال : بين الجبلين، وللعرب في الصدفين : لغات ثلاث، وقد قرأ بكلّ واحدة منها جماعة من القراء : الفتح في الصاد والدال، وذلك قراءة عامة قرّاء أهل المدينة والكوفة والضمّ فيهما، وهي قراءة أهل البصرة والضم في الصاد وتسكين الدال، وذلك قراءة بعض أهل مكة والكوفة. والفتح في الصاد والدال أشهر هذه اللغات، والقراءة بها أعجب إليّ، وإن كنت مستجيزا القراءة بجميعها، لاتفاق معانيها. وإنما اخترت الفتح فيهما لما ذكرت من العلة. 
وقوله : قالَ انْفُخُوا يقول عزّ ذكره، قال للفعلة : انفخوا النار على هذه الزّبر من الحديد. 
وقوله : حتى إذَا جَعَلَهُ نارا وفي الكلام متروك، وهو فنفخوا، حتى إذا جعل ما بين الصدفين من الحديد نارا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قَطْرا فاختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة : قالَ آتُونِي بمدّ الألف من آتُونِي بمعنى : أعطوني قطرا أفرغ عليه. وقرأه بعض قرّاء الكوفة، قال :**«ائْتُونِي »** بوصل الألف، بمعنى : جيئوني قِطْرا أفرغ عليه، كما عليه : أخذت الخطام، وأخذت بالخطام، وجئتك زيدا، وجئتك بزبر. وقد يتوجه معنى ذلك إذا قرىء كذلك إلى معنى أعطوني، فيكون كأنه قارئه أراد مدّ الألف من آتوني، فترك الهمزة الأولى من آتوني، وإذا سقطت الأولى همز الثانية. )
وقوله : أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا يقول : أصبّ عليه قطرا، والقِطْر : النّحاس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا قال : القِطر : النحاس. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، مثله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا مُعاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا : يعني النحاس. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا أي النحاس ليلزمه به. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا قال : نحاسا. 
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : القِطر : الحديد المذاب، ويستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر :حُساما كَلَوْنِ المِلْحِ صَافٍ حَديدُه  جُزَارا مِنَ أقطار الحَديدِ المُنَعّتِ

### الآية 18:97

> ﻿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [18:97]

وقوله : فَمَا اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ يقول عزّ ذكره : فما اسطاع يأجوج ومأجوج أن يَعلُوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزا بينهم، وبين من دونهم من الناس، فيصيروا فوقه وينزلوا منه إلى الناس. 
يقال منه : ظهر فلان فوق البيت : إذا علاه ومنه قول الناس : ظهر فلان على فلان : إذا قهره وعلاه. وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبا يقول : ولم يستطيعوا أن ينقبوه من أسفله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَمَا اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ من قوله : وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبا : أي من أسفله. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله فَمَا اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ قال : ما استطاعوا أن ينزعوه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة فَمَا اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ قال : أن يرتقُوه وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، فَمَا اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ قال : أن يرتقُوه وَما اسْتَطاعُوا لَهْ نَقْبا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثن حجاج، عن ابن جريج فَمَا اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ قال : يعلوه وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبا : أي ينقبوه من أسفله. 
واختلف أهل العربية في وجه حذف التاء من قوله : فَمَا اسْطاعُوا فقال بعض نحويي البصرة : فعل ذلك لأن لغة العرب أن تقول : اسطاع يسطيع، يريدون بها : استطاع يستطيع، ولكن حذفوا التاء إذا جُمعت مع الطاء ومخرجهما واحد. قال : وقال بعضهم : استاع، فحذف الطاء لذلك. وقال بعضهم : أسطاع يسطيع، فجعلها من القطع كأنها أطاع يطيع، فجعل السين عوضا من إسكان الواو. وقال بعض نحوييّ الكوفة : هذا حرف استعمل فكثر حتى حذف.

### الآية 18:98

> ﻿قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [18:98]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ هََذَا رَحْمَةٌ مّن رّبّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبّي حَقّاً . 
يقول عزّ ذكره : فلما رأى ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج لا يستطيعون أن يظهروا ما بني من الردم، ولا يقدرون عل نقبه، قال : هذا الذي بنيته وسوّيته حاجزا بين هذه الأمة، ومن دون الردم رحمة من ربي رحم بها من دون الردم من الناس، فأعانني برحمته لهم حتى بنيته وسوّيته ليكفّ بذلك غائلة هذه الأمة عنهم. 
وقوله : فإذَا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ يقول : فإذا جاء وعد ربي الذي جعله ميقاتا لظهور هذه الأمة وخروجها من وراء هذا الردم لهم، جعله دكاء، يقول : سوّاه بالأرض، فألزقه بها، من قولهم : ناقة دكاء : مستوية الظهر لا سنام لها. وإنما معنى الكلام : جعله مدكوكا، فقيل : دكاء. وكان قتادة يقول في ذلك ما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فإذَا جاءَ وَعدُ رَبي جَعَلَه دَكّاءَ قال : لا أدري الجبلين يعني به، أو ما بينهما. 
وذُكر أن ذلك يكون كذلك بعد قتل عيسى ابن مريم عليه السلام الدجال. ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال : حدثنا هشيم بن بشير، قال : أخبرنا العوّام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر، وهو ابن عفارة العبدي، عن عبد الله بن مسعود، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لَقِيتُ لَيْلَةَ الإسْرَاءِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعيسَى فَتَذَاكرُوا أمْر السّاعَةِ، وَرَدّوا الأَمْرَ إلى إبْرَاهِيمَ فَقالَ إبْرَاهِيمُ : لا عِلْمَ لي بِها، فَرَدّوا الأمْرَ إلى مُوسَى، فقالَ مُوسَى : لا عِلْمَ لي بها، فَرَدّوا الأَمْرَ إلى عِيسَى قالَ عِيسَى : أمّا قِيامُ السّاعَةِ لا يَعْلَمُهُ إلاّ اللّهُ، وَلَكِنّ رَبّي قَدْ عَهِدَ إليّ بِمَا هُوَ كائِنٌ دُونَ وَقْتِها، عَهِدَ إليّ أنّ الدّجّالَ خارجٌ، وأنّهُ مُهْبطي إلَيْه، فَذَكَرَ أنّ مَعَهُ قَصَبَتَيْنِ، فإذَا رآنِي أهْلَكَهُ اللّهُ، قالَ : فَيَذُوبُ كمَا يَذُوبُ الرّصَاصُ، حتى إنّ الحَجَرَ والشّجَرَ لَيَقُولُ : يا مُسْلِمُ هَذَا كافِرٌ فاقْتُلْهُ، فَيُهْلِكُهُمْ اللّهُ، وَيَرْجِعُ الناسُ إلى بِلادِهِمْ وأوْطانِهِمْ فَيَسْتَقْبِلُهُمْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجَ مِنْ كُلّ حَدْبٍ يَنْسِلُونَ، لا يَأْتُونَ عَلى شَيْءٍ إلاّ أكَلُوهُ، وإلا يَمُرّونَ عَلى ماءِ إلاّ شَرِبُوهُ، فيَرّجِعُ النّاسُ إليّ، فَيَشْكُونَهُمْ، فادعوا اللّهَ عَلَيْهِمْ فَيُمِيتُهُمْ حتى تَجْوَى الأرْضُ مِنْ نَتْنِ رِيحِهِمُ، فَيَنْزِلُ المَطَرُ، فَيَجُرّ أجْسادَهُمْ، فيُلْقِيهِمْ فِي البَحْرِ، ثُمّ يَنْسِفُ الجِبالَ حتى تَكُونَ الأرْضُ كالأديم، فَعَهِدَ إليّ رَبّي أنّ ذلكَ إذا كان كذلك، فَإنّ السّاعَةَ مِنْهُمْ كالحامِلِ المُتِمّ الّتِي لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَوهُمْ بِوِلادِها، لَيْلاً أوْ نَهارا »**. 
حدثني عبيد بن إسماعيل، قال : حدثنا المحاربيّ، عن أصبع بن زيد، عن العوّام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عَفازَة، عن عبد الله بن مسعود، قال : لما أُسْري برسول الله صلى الله عليه وسلم التقي هو وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. فتذاكروا أمر الساعة. فذكر نحو حديث إبراهيم الدورقي عن هشيم، وزاد فيه : قال العوّام بن حوشب : فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله عزّ وجلّ : حتى إذَا فُتِحَتْ يأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقّ فإذَا هِيَ شاخِصَةٌ أبْصَارُ الّذِينَ كَفَرُوا وقال : فإذَا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وَعْدُ رَبّي حَقّا يقول : وكان وعد ربي الذي وعد خلقه في دكّ هذا الردم، وخروج هؤلاء القوم على الناس، وعيثهم فيه، وغير ذلك من وعده حقا، لأنه لا يخلف الميعاد فلا يقع غير ما وعد أنه كائن.

### الآية 18:99

> ﻿۞ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا [18:99]

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً \* وَعَرَضْنَا جَهَنّمَ يَوْمَئِذٍ لّلْكَافِرِينَ عَرْضاً . 
يقول تعالى ذكره : وتركنا عبادنا يوم يأتيهم وعدنا الذي وعدناهم، بأنا ندكّ الجبال ونَنْسِفها عن الأرض نسفا، فنذرها قاعا صفصفا، بعضهم يموج في بعض، يقول : يختلط جنهم بإنسهم. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة، في قوله : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ قال : إذا ماج الجنّ والإنس، قال إبليس : فأنا أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق، فيجد الملائكة قد قطعوا الأرض، ثم يظعن إلى المغرب، فيجد الملائكة قد قطعوا الأرض، ثم يصعد يمينا وشمالاً إلى أقصى الأرض، فيجد الملائكة قطعوا الأرض، فيقول : ما من مَحِيص، فبينا هو كذلك، إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريّته، فبينما هم عليه، إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنا من خُزّان النار، قال : يا إبليس ألم تكن لك المنزلة عند ربك، ألم تكن في الجنان ؟ فيقول : ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض عليّ فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه، فيقول : فإن الله قد فرض عليك فريضة، فيقول : ما هي ؟ فيقول : يأمرك أن تدخل النار، فيتلكأ عليه، فيقول به وبذرّيته بجناحيه، فيقذفهم في النار، فَتزفر النار زفرة فلا يبقى مَلَك مقرّب، ولا نبيّ مرسل إلا جثي لركبتيه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ قال : هذا أوّل القيامة، ثم نفخ في الصور على أثر ذلك فجمعناهم جمعا. 
وَنُفِخَ فِي الصّورِ قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيما مضى في الصّور، وما هو، وما عُنِي به. واخترنا الصواب من القول في ذلك بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر في ذلك الموضع من الأخبار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال : حدثنا أسلم، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن أعرابيا سأله عن الصّور، قال :**«قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ »**. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن سليمان التيميّ، عن العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه. 
حدثنا محمد بن الحارث القنطري، قال : حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال : كنت في جنازة عمر بن ذرّ فلقيت مالك بن مغول، فحدثنا عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخُدريّ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ وَحَنى الجَبْهَةَ، وأصْغَى بالأذُنُ مَتى يُوءْمَرُ »** فشقّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :**«قُولُوا حَسْبُنا اللّهُ وَعَلى اللّهِ تَوَكّلْنا، ولوِ اجْتَمَعَ أهْلُ مِنًى ما أقالُوا ذلكَ القَرْنَ »** كذا قال، وإنما هو ما أقلوا. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد الخُدريّ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَم القَرْنَ، وَحَنى ظَهْرَهُ وَجَحَظَ بعَيْنَيْهِ »**، قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال :**«قُولُوا : حَسْبُنا اللّهُ، تَوَكّلْنا علَى اللّهِ »**. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْن قَدِ الْتَقَمَ القَرْنَ، وَحَنى جَبْهَتَهُ، يَسْتَمِعُ مَتى يُوءْمَرُ فَيَنْفُخُ فِيهِ »**، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف نقول ؟ قال :**«تَقُولُونَ : حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، تَوَكّلنا على اللّهِ »**. 
حدثنا أبو كريب والحسن بن عرفة، قالا : حدثنا أسباط، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثله. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا شعيب بن حرب، قال : حدثنا خالد أبو العلاء، قال : حدثنا عطية العوفيّ، عن أبي سعيد الخُدريّ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كَيْفَ أنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنى الجَبْهَةَ، وأصْغَى بالأُذُنِ مَتى يُوءْمَرُ أنْ يَنْفُخَ، وَلَوْ أنّ أهْلَ مِنًى اجْتَمَعُوا على القَرْنَ علَى أنْ يُقِلّوهُ مِنَ الأرْضِ، ما قَدَرُوا عَلَيْهِ »** قال : فأُبِلسَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشقّ عليهم، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«قُولُوا : حَسْبُنا اللّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللّهِ تَوَكّلْنا »**. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن فلان، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب الْقُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لَمّا فَرَغَ اللّهَ مِنْ خَلْقِ السّمَوَاتِ وّلأرْضِ، خَلَقَ الصّورَ، فأعْطاهُ إسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَضَعَهُ عَلى فِيهِ شاخِصٌ بَصَرُهُ إلى العَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتى يُوءْمَرُ »**. قال أبو هريرة : يا رسول الله، ما الصّور ؟ قال :**«قَرْنٌ »**. قال : وكيف هو ؟ قال :**«قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ : الأُولى : نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ : نَفْخَةُ الصّعْقِ، والثّالِثَةُ : نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ »**. 
وقوله : فَجَمَعْناهُمْ جَمْعا يقول : فجمعنا جميع الخلق حينئذ لموقف الحساب جميعا.

### الآية 18:100

> ﻿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [18:100]

وقوله : وعَرَضْنا جَهَنّمَ يَوْمَئِذٍ للكافِرِينَ عَرْضا يقول : وأبرزنا جهنم يوم ينفخ في الصور، فأظهرناها للكافرين بالله، حتى يروها ويعاينوها كهيئة السراب ولو جعل الفعل لها قيل : أعرضت إذا استبانت، كما قال عمرو بن كلثوم :

وأعْرَضَتِ اليَمامَةُ واشْمَخَرّتْ  كأسْيافٍ بأيْدِي مُصْلِتِيناوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال : حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، قال : يقوم الخلق لله إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثّل الله عزّ وجلّ فما يلقاه أحد من الخلائق كان يعبد من دون الله شيئا إلا وهو مرفوع له يتبعه، قال : فيلقى اليهود فيقول : من تعبدون ؟ قال : فيقولون : نعبد عُزَيرا، قال : فيقول : هل يسركم الماء ؟ فيقولون نعم، فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب، ثم قرأ وَعَرَضْنا جَهَنّمَ يَوْمَئِذٍ للكافِرِينَ عَرْضا ثم يلقى النصارى فيقول : من تعبدون ؟ فيقولون : نعبد المسيح، فيقول : هل يسركم الماء، فيقولون نعم، قال : فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب، ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله شيئا، ثم قرأ عبد الله وَقِفوهُم إنّهُمْ مَسْئُولُونَ.

### الآية 18:101

> ﻿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [18:101]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً . 
يقول تعالى : وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله، فيتفكّرون فيها ولا يتأمّلون حججه، فيعتبرون بها، فيتذكرون وينيبون إلى توحيد الله، وينقادون لأمره ونهيه، وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعا يقول : وكانوا لا يطيقون أن يسمعوا ذكر الله الذي ذكّرهم به، وبيانه الذي بيّنه لهم في إي كتابه، بخذلان الله إياهم، وغلبة الشقاء عليهم، وشُغْلِهم بالكفر بالله وطاعة الشيطان، فيتعظون به، ويتدبّرونه، فيعرفون الهدى من الضلالة، والكفر من الإيمان. وكان مجاهد يقول في ذلك ما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعا قال : لا يعقلون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعا قال : لا يعلمون. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله الّذِينَ كانَت أعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِى. . . الآية، قال : هؤلاء أهل الكفر.

### الآية 18:102

> ﻿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [18:102]

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَحَسِبَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن يَتّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيَ أَوْلِيَآءَ إِنّآ أَعْتَدْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً . 
يقول عزّ ذكره : أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح، أن يتخذوا عبادي الذين عبدوهم من دون الله أولياء، يقول كلا بل هم لهم أعداء. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثنى حجاج، عن ابن جريج، في قوله : أفَحَسِبَ الّذينَ كَفَرُوا أنْ يَتّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أوْلِياءَ قال : يعني من يعبد المسيح ابن مريم والملائكة، وهم عباد الله، ولم يكونوا للكفار أولياء. وبهذه القراءة، أعني بكسر السين من أفَحَسبَ بمعنى الظنّ قرأت هذا الحرف قرّاء الأمصار. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وعكرِمة ومجاهد أنهم قرأوا ذلك أفَحَسْبُ الّذيِنَ كَفَرُوا بتسكين السين، ورفع الحرف بعدها، بمعنى : أفحسبهم ذلك : أي أفكفاهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء من عباداتي وموالاتي. كما :
حُدثت عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عمران بن حدير، عن عكرمة أفَحَسْبُ الّذينَ كَفَرُوا قال : أفحسبهم ذلك. 
والقراءة التي نقرؤها هي القراءة التي عليها قرّاء الأمصار أفَحَسِبَ الّذِينَ بكسر السين، بمعنى أفظنّ، لإجماع الحجة من القرّاء عليها. 
وقوله : إنّا أعْتَدْنا جَهَنّمَ للْكافِرِينَ نُزُلاً يقول : أعددنا لمن كفر بالله جهنم منزلاً.

### الآية 18:103

> ﻿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [18:103]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً \* الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء الذين يبغون عَنَتَك ويجادلونك بالباطل، ويحاورونك بالمسائل من أهل الكتابين : اليهود، والنصارى هَلْ نُنَبّئُكُمْ أيها القوم بالأَخْسَرِينَ أعمالاً يعني بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبغون به ربحا وفضلاً، فنالوا به عَطَبا وهلاكا ولم يدركوا طلبا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلاً وربحا، فخاب رجاؤه، وخسر بيعه، ووكس في الذي رجا فضله. 
واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بذلك، فقال بعضهم : عُنِي به الرهبانْ والقسوس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا المقبري، قال : حدثنا حيوة بن شريح، قال : أخبرني السكن بن أبي كريمة، أن أمه أخبرته أنها سمعت أبا خميصة عبد الله بن قيس يقول : سمعت عليّ بن أبي طالب يقول في هذه الآية قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً : هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت حيوة يقول : ثني السكن بن أبي كريمة، عن أمه أخبرته أنها سمعت عبد الله بن قيس يقول : سمعت عليّ بن أبي طالب يقول، فذكر نحوه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يِساف، عن مصعب بن سعد، قال : قلت لأبي : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا أهم الحَرورية ؟ قال : هم أصحاب الصوامع. 
حدثنا فضالة بن الفضل، قال : قال بزيع : سأل رجل الضحاك عن هذه الاَية قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : هم القِسيسون والرهبان. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن هلال بن يِساف، عن مصعب بن سعد، قال : قال سعد : هم أصحاب الصوامع. 
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن ابن سعد، قال : قلت لسعد : يا أبت هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً أهم الحَرورية، فقال : لا، ولكنهم أصحاب الصوامع، ولكن الحَرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. 
وقال آخرون : بل هم جميع أهل الكتابين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال : سألت أبي عن هذه الاَية قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً الّذينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ في الحَياةِ الدّنْيا أهم الحَرورية ؟ قال : لا، هم أهل الكتاب، اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا بمحمد. وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا : ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحَرورية الّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقَطْعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأرض أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ فكان سعد يسميهم الفاسقين. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن إبراهيم بن أبي حُرّة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، في قوله قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : هم اليهود والنصارى. 
حدثنا القاسم، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي حرب بن أبي الأسود عن زاذان، عن عليّ بن أبي طالب، أنه سئل عن قوله : قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حقّ، فأشركوا بربهم، وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل، ويحسبون أنهم على حقّ، ويجتهدون في الضلالة، ويحسبون أنهم على هدى، فضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ثم رفعِ صوته، فقال : وما أهل النار منهم ببعيد. وقال آخرون : بل هم الخوارج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان بن سَلَمة، عن سلمة بن كُهَيل، عن أبي الطفيل، قال : سأل عبد الله بن الكوّاء عليا عن قوله : قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : أنتم يا أهل حَروراء. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا يحيى بن أيوب، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء البكريّ، عن عليّ بن أبي طالب، أن ابن الكوّاء سأله، عن قول الله عزّ وجلّ : هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً فقال عليّ : أنت وأصحابك. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل، قال : قام ابن الكوّاء إلى عليّ، فقال : مَن الأخسرين أعمالاً الذي ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسبون صنعا، قال : ويْلَك أهلُ حَروراء منهم. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن خالد ابن عَثْمة، قال : حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله، قال : ثني أبو الح ويرث، عن نافع بن جبير بن مطعم، قال : قال ابن الكوّاء لعليّ بن أبي طالب : ما الأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ؟ قال : أنت وأصحابك. 
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال : إن الله عزّ وجلّ عنى بقوله : هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، وأنه الله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك الله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أيّ دين كانوا. 
وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب قوله أعمالاً، فكان بعض نحويي البصرة يقول : نصب ذلك لأنه لما أدخل الألف واللام والنون في الأخسرين لم يوصل إلى الإضافة، وكانت الأعمال من الأخسرين فلذلك نصب. وقال غيره : هذا باب الأفعل والفُعْلَى، مثل الأفضل والفُضْلَى، والأخسر والخُسْرَى، ولا تدخل فيه الواو، ولا يكون فيه مفسر، لأنه قد انفصل بمن هو كقوله الأفضل والفُضْلَى، وإذا جاء معه مفسر كان للأوّل والآخر، وقال : ألا ترى أنك تقول : مررت برجل حَسَنٍ وجها، فيكون الحسن للرجل والوجه، وكذلك كبير عقلاً، وما أشبهه قال : وإنما جاز في الأخسرين، لأنه ردّه إلى الأفْعَل والأَفَعَلة. قال : وسمعت العرب تقول : الأوّلات دخولاً، والآخرات خروجا، فصار للأوّل والثاني كسائر الباب قال : وعلى هذا يقاس. 
وقوله : الّذيِنَ ضَلّ سَعْيُهُمْ في الحَياةِ الدّنْيا يقول : هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به، وهُمْ يحسَبُونَ أنّهُمْ يُحسِنُونَ صُنْعا يقول : وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدلّ الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الاَية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالاً، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة. وزعني بقوله : أنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا عملاً، والصنّع والصنّعة والصنيع واحد، يقال : فرس صنيع بمعنى مصنوع.

### الآية 18:104

> ﻿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [18:104]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٣:**القول في تأويل قوله تعالى :**
 قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً \* الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء الذين يبغون عَنَتَك ويجادلونك بالباطل، ويحاورونك بالمسائل من أهل الكتابين : اليهود، والنصارى هَلْ نُنَبّئُكُمْ أيها القوم بالأَخْسَرِينَ أعمالاً يعني بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبغون به ربحا وفضلاً، فنالوا به عَطَبا وهلاكا ولم يدركوا طلبا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلاً وربحا، فخاب رجاؤه، وخسر بيعه، ووكس في الذي رجا فضله. 
واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بذلك، فقال بعضهم : عُنِي به الرهبانْ والقسوس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا المقبري، قال : حدثنا حيوة بن شريح، قال : أخبرني السكن بن أبي كريمة، أن أمه أخبرته أنها سمعت أبا خميصة عبد الله بن قيس يقول : سمعت عليّ بن أبي طالب يقول في هذه الآية قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً : هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت حيوة يقول : ثني السكن بن أبي كريمة، عن أمه أخبرته أنها سمعت عبد الله بن قيس يقول : سمعت عليّ بن أبي طالب يقول، فذكر نحوه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يِساف، عن مصعب بن سعد، قال : قلت لأبي : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا أهم الحَرورية ؟ قال : هم أصحاب الصوامع. 
حدثنا فضالة بن الفضل، قال : قال بزيع : سأل رجل الضحاك عن هذه الاَية قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : هم القِسيسون والرهبان. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن هلال بن يِساف، عن مصعب بن سعد، قال : قال سعد : هم أصحاب الصوامع. 
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن ابن سعد، قال : قلت لسعد : يا أبت هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً أهم الحَرورية، فقال : لا، ولكنهم أصحاب الصوامع، ولكن الحَرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. 
وقال آخرون : بل هم جميع أهل الكتابين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال : سألت أبي عن هذه الاَية قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً الّذينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ في الحَياةِ الدّنْيا أهم الحَرورية ؟ قال : لا، هم أهل الكتاب، اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا بمحمد. وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا : ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحَرورية الّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقَطْعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأرض أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ فكان سعد يسميهم الفاسقين. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن إبراهيم بن أبي حُرّة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، في قوله قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : هم اليهود والنصارى. 
حدثنا القاسم، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي حرب بن أبي الأسود عن زاذان، عن عليّ بن أبي طالب، أنه سئل عن قوله : قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حقّ، فأشركوا بربهم، وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل، ويحسبون أنهم على حقّ، ويجتهدون في الضلالة، ويحسبون أنهم على هدى، فضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ثم رفعِ صوته، فقال : وما أهل النار منهم ببعيد. وقال آخرون : بل هم الخوارج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان بن سَلَمة، عن سلمة بن كُهَيل، عن أبي الطفيل، قال : سأل عبد الله بن الكوّاء عليا عن قوله : قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً قال : أنتم يا أهل حَروراء. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا يحيى بن أيوب، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء البكريّ، عن عليّ بن أبي طالب، أن ابن الكوّاء سأله، عن قول الله عزّ وجلّ : هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً فقال عليّ : أنت وأصحابك. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل، قال : قام ابن الكوّاء إلى عليّ، فقال : مَن الأخسرين أعمالاً الذي ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسبون صنعا، قال : ويْلَك أهلُ حَروراء منهم. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن خالد ابن عَثْمة، قال : حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله، قال : ثني أبو الح ويرث، عن نافع بن جبير بن مطعم، قال : قال ابن الكوّاء لعليّ بن أبي طالب : ما الأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ؟ قال : أنت وأصحابك. 
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال : إن الله عزّ وجلّ عنى بقوله : هَلْ نُنَبّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أعمالاً كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، وأنه الله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك الله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أيّ دين كانوا. 
وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب قوله أعمالاً، فكان بعض نحويي البصرة يقول : نصب ذلك لأنه لما أدخل الألف واللام والنون في الأخسرين لم يوصل إلى الإضافة، وكانت الأعمال من الأخسرين فلذلك نصب. وقال غيره : هذا باب الأفعل والفُعْلَى، مثل الأفضل والفُضْلَى، والأخسر والخُسْرَى، ولا تدخل فيه الواو، ولا يكون فيه مفسر، لأنه قد انفصل بمن هو كقوله الأفضل والفُضْلَى، وإذا جاء معه مفسر كان للأوّل والآخر، وقال : ألا ترى أنك تقول : مررت برجل حَسَنٍ وجها، فيكون الحسن للرجل والوجه، وكذلك كبير عقلاً، وما أشبهه قال : وإنما جاز في الأخسرين، لأنه ردّه إلى الأفْعَل والأَفَعَلة. قال : وسمعت العرب تقول : الأوّلات دخولاً، والآخرات خروجا، فصار للأوّل والثاني كسائر الباب قال : وعلى هذا يقاس. 
وقوله : الّذيِنَ ضَلّ سَعْيُهُمْ في الحَياةِ الدّنْيا يقول : هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به، وهُمْ يحسَبُونَ أنّهُمْ يُحسِنُونَ صُنْعا يقول : وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدلّ الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الاَية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالاً، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة. وزعني بقوله : أنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا عملاً، والصنّع والصنّعة والصنيع واحد، يقال : فرس صنيع بمعنى مصنوع. ---

### الآية 18:105

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [18:105]

القول في تأويل قوله تعالى : أُوْلََئِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً . 
يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، الأخسرون أعمالاً، الذين كفروا بحُجج ربهم وأدلته، وأنكروا لقاءه فَحَبِطَتْ أعمالهُمْ يقول : فبطلت أعمالهم، فلم يكن لها ثواب ينفع أصحابها في الآخرة، بل لهم منها عذاب وخِزي طويل فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَزْنا يقول تعالى ذكره : فلا نجعل لهم ثقلاً. وإنما عنى بذلك : أنهم لا تثقل بهم موازينهم، لأن الموازين إنما تثقل بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيء من الأعمال الصالحة، فتثقل به موازينهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر، عن أبي يحيى عن كعب، قال : يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرأوا : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ القيامَةِ وَزْنا. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن الصلت، قال : حدثنا ابن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم :**«يُؤْتَى بالأَكُولِ الشّرُوب الطّوِيلِ، فَيُوزَنُ فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةٍ »** ثم قرأ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَزْنا

### الآية 18:106

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [18:106]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَاتّخَذُوَاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً . 
يقول تعالى ذكره : أولئك ثوابهم جهنم بكفرهم بالله، واتخاذهم آيات كتابه، وحجج رسله سُخْريا، واستهزائهم برسله.

### الآية 18:107

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [18:107]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً \* خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً . 
يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا بالله ورسوله، وأقرّوا بتوحيد الله وما أنزل من كتبه وعملوا بطاعته، كانت لهم بساتين الفردوس، والفردوس : معظم الجنة، كما قال أمية :كانَتْ مَنازِلُهُمْ إذْ ذاكَ ظاهِرَةً  فِيها الفَراديسُ والفُومانُ والبَصَلُواختلف أهل التأويل في معنى الفردوس فقال بعضهم : عنى به أفضل الجنة وأوسطها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عباس بن الوليد، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قال : الفردوس : رَبوة الجنة وأوسطها وأفضلها. 
حدثنا أحمد بن سريج الرازي، قال : حدثنا الهيثم أبو بشر، قال : أخبرنا الفرج بن فضالة، عن لقمان، عن عامر، قال : سئل أبو أسامة عن الفردوس، فقال : هي سرّة الجنة. 
حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال : حدثنا حماد بن عمرو النصيبي، عن أبي عليّ، عن كعب، قال : ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. 
وقال آخرون : هو البستان بالرومية. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ بن سهل الرملي، قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال : الفردوس : بستان بالرومية. 
حدثنا العباس بن محمد، قال : حدثنا حجاج، قال : ابن جريج : أخبرني عبد الله عن مجاهد، مثله. 
وقال آخرون : هو البستان الذي فيه الأعناب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عباس بن محمد، قال : حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن كعب، قال : جنات الفردوس التي فيها الأعناب. 
والصواب من القول في ذلك، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ما :
حدثنا به أحمد بن أبي سريج، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا همام بن يحيى، قال : حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«الجَنّةُ مِئَةُ دَرَجَةٍ، ما بينَ كُلّ دَرَجَتَينِ مَسِيرَةُ عامٍ والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، وَمِنْها الأنهَارُ الأرْبَعَةُ، والفِرْدَوْسُ مِنْ فَوْقِها، فإذَا سألْتُمُ اللّهَ فاسألُوهُ الفِرْدَوْسَ »**. 
حدثنا موسى بن سهل، قال : حدثنا موسى بن داود، قال : حدثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عُبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«الجَنّةُ مِئَةُ دَرَجَةٍ ما بينَ كُلّ دَرَجَتَينِ كمَا بينَ السّماءِ والأرْضِ، أعْلاها الفِرْدَوْسُ، ومِنْها تُفَجّر أنهَارُ الجَنّةِ الأرْبَعَةُ، فإذَا سألْتُمُ اللّهَ فاسألُوهُ الفِرْدَوْسَ »**. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني أبو يحيى بن سليمان، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد الخُدريّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إذَا سألْتُمُ اللّهَ فاسألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فإنّها أوْسَطُ الجَنّةِ وأعْلَى الجَنّةِ، وَفَوْقَها عَرْشُ الرّحْمنِ تَبارَكَ وَتَعالى، ومِنْهُ تَفَجّرُ أنهارُ الجَنّةِ »**. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا فليح، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه قال :**«وَسَطُ الجَنّةِ »** وقالَ أيضا :**«وَمِنهُ تُفَجّرُ أو تَتَفَجّرُ »**. 
حدثني عمار بن بكار الكلاعي، قال : حدثنا يحيى بن صالح، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال : حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إنّ فِي الجَنّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، ما بينَ كُلّ دَرَجَتَينِ كمَا بينَ السّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلَى الجنّةِ وأوْسَطُها، وفَوْقُها عَرْشُ الرّحْمنِ، ومِنْها تَفَجّر أنهَارُ الجَنّةِ، فإذَا سألْتُمُ الله فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ »**. 
حدثنا أحمد بن منصور، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال : حدثنا الحارث بن عمير، عن أبيه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعَةٌ، اثْنَتانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وآنِيَتُهُما، وَما فِيهِما مِنْ شَيْءٍ، وَاثْنَتانِ مِنْ فِضّةٍ حِلْيَتُهُما وآنِيَتُهُما، وَما فِيهِما مِنْ شَيْءٍ »**. 
حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا أبو قدامة، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعٌ : ثِنْتانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتهُما وآنِيَتُهُما وَما فِيهِما، وَثِنْتانِ مِنْ فِضّةٍ حِلْيَتُهُما وآنِيَتُهُما وَما فِيهِما »**. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال : خلق الله جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها في كلّ يوم خميس، فيقول : ازدادي طيبا لأوليائي، ازدادي حسنا لأوليائي. 
حدثنا ابن البرقيّ، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا محمد بن جعفر وابن الدراورديّ، قالا : حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إنّ للْجَنّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، كُلّ دَرَجَةٍ مِنْها كَمَا بينَ السّماءِ والأرْضِ، أعْلَى دَرَجَةً مِنْها الفِرْدَوْسُ »**. 
حدثني أحمد بن يحيى الصوفيّ، قال : حدثنا أحمد بن الفرج الطائيّ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة بن جُنْدَب، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«الفِرْدَوْسُ مِنْ رَبْوَةِ الجَنّةِ، هِيَ أوْسَطُها وأحْسَنُها »**. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، قال : أنبأنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أنّ الفِرْدَوْسَ هِيَ أعْلَى الجَنّةِ وأحْسَنُها وأرْفَعُها »**. 
حدثني محمد بن مرزوق، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال للربيع ابنة النضر :**«يا أُمّ حارثَةَ، إنّها جِنانٌ، وإنّ ابْنَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأعْلَى »**. والفردوس : ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. 
وقوله : نُزُلاً يقول : منازل ومساكن، والمنزل : من النزول، وهو من نزول بعض الناس على بعض. وأما النّزْل : فهو الرّيْع، يقال : ما لطعامكم هذا نَزْل، يراد به الرّيْع، وما وجدنا عندكم نزلاً : أي نزولاً.

### الآية 18:108

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [18:108]

وقوله : خالِدِينَ يقول : لابثين فيها أبدا لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً يقول : لا يريدون عنها تحوّلاً، وهو مصدر تحوّلت، أخرج إلى أصله، كما يقال : صغُر يصغُر صِغَرا، وعاج يعوج عِوَجا. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً قال : متحوّلاً. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : سمعت مخلد بن الحسين يقول : وسئل عنها، قال : سمعت بعض أصحاب أنس يقول : قال :**«يقول أوّلهم دخولاً إنما أدخلني الله أوّلهم، لأنه ليس أحد أفضل مني، ويقول آخرهم دخولاً : إنما أخرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه الله مثل الذي أعطاني »**.

### الآية 18:109

> ﻿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [18:109]

القول في تأويل قوله تعالى : قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً . 
يقول عز ذُكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد : لَوْ كانَ البَحْرُ مِدَادا لِلقلم الذي يُكتب به كَلِماتِ رَبّي لَنَفِدَ ماء البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مددا يقول : ولو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء مددا، من قول القائل : جئتك مددا لك، وذلك من معنى الزيادة. وقد ذُكر عن بعضهم : ولو جئنا بمثله مددا، كأن قارىء ذلك كذلك أراد : لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو زدنا بمثل ما فيه من المداد الذي يكتب به مدادا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : البَحْرُ مِدَادا لكلمات ربي للقلم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لَوْ كانَ البَحْرُ مِدَادا لكَلِماتِ رَبّي يقول : إذا لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه.

### الآية 18:110

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [18:110]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا . 
يقول تعالى ذكره : قل لهؤلاء المشركين يا محمد : إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم لا علم لي إلا ما علمني الله وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبّهِ يقول : فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجوا ثوابه على طاعته فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحا يقول : فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبّهِ قال : ثواب ربه. 
وقوله : وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أحَدا يقول : ولا يجعل له شريكا في عبادته إياه، وإنما يكون جاعلاً له شريكا بعبادته إذا راءى بعمله الذي ظاهره أنه لله وهو مريد به غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عمرو بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أحَدا. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أحَدا قال : لا يرائي. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاوس، قال : جاء رجل، فقال : يا نبيّ الله إني أحبّ الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى موطني ويرى مكاني، فأنزل الله عزّ وجل : فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أحَدا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ومسلم بن خالد الزنجي عن صدقة بن يسار، قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، وزاد فيه : وإني أعمل العمل وأتصدّق وأحبّ أن يراه الناس وسائر الحديث نحوه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، قال : حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب، قال : جاء رجل إلى عُبادة بن الصامت، فسأله فقال : أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحبّ أن يُحْمَد ويصوم ويبتغي وجه الله ويحبّ أن يُحْمَد، فقال عبادة : ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول : أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه. 
حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السّكوني، قال : حدثنا هشام بن عمار، قال : حدثنا ابن عياش، قال : حدثنا عمرو بن قيس الكندي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية : فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أحَدا وقال : إنها آخر آية أنزلت من القرآن.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/18.md)
- [كل تفاسير سورة الكهف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/18.md)
- [ترجمات سورة الكهف
](https://quranpedia.net/translations/18.md)
- [صفحة الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن](https://quranpedia.net/book/4.md)
- [المؤلف: الطبري](https://quranpedia.net/person/3982.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/18/book/4) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
