---
title: "تفسير سورة مريم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/1469"
surah_id: "19"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة مريم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة مريم - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/19/book/1469*.

Tafsir of Surah مريم from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 19:1

> كهيعص [19:1]

وَقِيلَ : هُوَ اِسْم لِلسُّورَةِ ; وَهُوَ اِخْتِيَار الْقُشَيْرِيّ فِي أَوَائِل الْحُرُوف ; وَعَلَى هَذَا قِيلَ : تَمَام الْكَلَام عِنْد قَوْله :" كهيعص " كَأَنَّهُ إِعْلَام بِاسْمِ السُّورَة، كَمَا تَقُول : كِتَاب كَذَا أَوْ بَاب كَذَا ثُمَّ تَشْرَع فِي الْمَقْصُود.
 وَقَرَأَ اِبْن جَعْفَر هَذِهِ الْحُرُوف مُتَقَطِّعَة، وَوَصَلَهَا الْبَاقُونَ، وَأَمَالَ أَبُو عَمْرو الْهَاء وَفَتَحَ الْيَاء، وَابْن عَامِر وَحَمْزَة بِالْعَكْسِ، وَأَمَالَهُمَا جَمِيعًا الْكِسَائِيّ وَأَبُو بَكْر وَخَلَف.
 وَقَرَأَهُمَا بَيْن اللَّفْظَيْنِ أَهْل الْمَدِينَة نَافِع وَغَيْره.
 وَفَتَحَهُمَا الْبَاقُونَ.
 وَعَنْ خَارِجَة أَنَّ الْحَسَن كَانَ يَضُمّ كَاف، وَحَكَى غَيْره أَنَّهُ كَانَ يَضُمّ هَا، وَحَكَى إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق أَنَّهُ كَانَ يَضُمّ يَا.
 قَالَ أَبُو حَاتِم : وَلَا يَجُوز ضَمّ الْكَاف وَالْهَاء وَالْيَاء ; قَالَ النَّحَّاس : قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة مِنْ أَحْسَن مَا فِي هَذَا، وَالْإِمَالَة جَائِزَة فِي هَا و يَا.
 وَأَمَّا قِرَاءَة الْحَسَن فَأَشْكَلَتْ عَلَى جَمَاعَة حَتَّى قَالُوا : لَا تَجُوز ; مِنْهُمْ أَبُو حَاتِم.
 وَالْقَوْل فِيهَا مَا بَيَّنَهُ هَارُون الْقَارِئ ; قَالَ : كَانَ الْحَسَن يُشِمّ الرَّفْع ; فَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ كَانَ يُومِئ ; كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : الصَّلَاة وَالزَّكَاة يُومِئ إِلَى الْوَاو، وَلِهَذَا كَتَبَهَا فِي الْمُصْحَف بِالْوَاوِ.
 وَأَظْهَرَ الدَّال مِنْ هِجَاء " ص " نَافِع وَابْن كَثِير وَعَاصِم وَيَعْقُوب، وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد ; وَأَدْغَمَهَا الْبَاقُونَ.

### الآية 19:2

> ﻿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [19:2]

ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا
 " ذِكْر رَحْمَة رَبّك " فِي رَفْع " ذِكْر " ثَلَاثَة أَقْوَال ; قَالَ الْفَرَّاء : هُوَ مَرْفُوع ب " كهيعص " ; قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا مُحَال ; لِأَنَّ " كهيعص " لَيْسَ هُوَ مِمَّا أَنْبَأَنَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَنْ زَكَرِيَّا، وَقَدْ خَبَّرَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ مَا بُشِّرَ بِهِ، وَلَيْسَ " كهيعص " مِنْ قِصَّته.
 وَقَالَ الْأَخْفَش : التَّقْدِير ; فِيمَا يُقَصّ عَلَيْكُمْ ذِكْر رَحْمَة رَبّك.
 وَالْقَوْل الثَّالِث : أَنَّ الْمَعْنَى هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ ذِكْر رَحْمَة رَبّك.
 وَقِيلَ :" ذِكْر رَحْمَة رَبّك " رُفِعَ بِإِضْمَارِ مُبْتَدَإٍ ; أَيْ هَذَا ذِكْر رَحْمَة رَبّك ; وَقَرَأَ الْحَسَن " ذَكَّرَ رَحْمَة رَبّك " أَيْ هَذَا الْمَتْلُوّ مِنْ الْقُرْآن ذِكْر رَحْمَة رَبّك.
 وَقُرِئَ " ذَكِّرْ " عَلَى الْأَمْر.
 " وَرَحْمَة " تُكْتَب وَيُوقَف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ، وَكَذَلِكَ كُلّ مَا كَانَ مِثْلهَا، لَا اِخْتِلَاف فِيهَا بَيْن النَّحْوِيِّينَ وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْهَاء لِتَأْنِيثِ الْأَسْمَاء فَرْقًا بَيْنهَا وَبَيْن الْأَفْعَال.
 " عَبْده " قَالَ الْأَخْفَش : هُوَ مَنْصُوب ب " رَحْمَة ".
 " زَكَرِيَّا " بَدَل مِنْهُ، كَمَا تَقُول : هَذَا ذِكْر ضَرْب زَيْد عَمْرًا ; فَعَمْرًا مَنْصُوب بِالضَّرْبِ، كَمَا أَنَّ " عَبْده " مَنْصُوب بِالرَّحْمَةِ.
 وَقِيلَ : هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ; مَعْنَاهُ : ذَكَرَ رَبّك عَبْده زَكَرِيَّا بِرَحْمَةٍ ; ف " عَبْده " مَنْصُوب بِالذِّكْرِ ; ذَكَرَهُ الزَّجَّاج وَالْفَرَّاء.
 وَقَرَأَ بَعْضهمْ " عَبْدُهُ زَكَرِيَّا " بِالرَّفْعِ ; وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي الْعَالِيَة.
 وَقَرَأَ يَحْيَى بْن يَعْمَر " ذَكَرَ " بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى هَذَا الْقُرْآن ذَكَرَ رَحْمَة عَبْده زَكَرِيَّا.
 وَتَقَدَّمَتْ اللُّغَات وَالْقِرَاءَة فِي " زَكَرِيَّا " فِي " آل عِمْرَان ".

### الآية 19:3

> ﻿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [19:3]

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا
 مِثْل قَوْله :" اُدْعُوا رَبّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ " \[ الْأَعْرَاف : ٥٥ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَالنِّدَاء الدُّعَاء وَالرَّغْبَة ; أَيْ نَاجَى رَبّه بِذَلِكَ فِي مِحْرَابه.
 دَلِيله قَوْله :" فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب " \[ آل عِمْرَان : ٣٩ \] فَبَيَّنَ أَنَّهُ اِسْتَجَابَ لَهُ فِي صَلَاته، كَمَا نَادَى فِي الصَّلَاة.
 وَاخْتُلِفَ فِي إِخْفَائِهِ هَذَا النِّدَاء ; فَقِيلَ : أَخْفَاهُ مِنْ قَوْمه لِئَلَّا يُلَام عَلَى مَسْأَلَة الْوَلَد عِنْد كِبَر السِّنّ ; وَلِأَنَّهُ أَمْر دُنْيَوِيّ، فَإِنْ أُجِيبَ فِيهِ نَالَ بُغْيَته، وَإِنْ لَمْ يُجَبْ لَمْ يَعْرِف بِذَلِكَ أَحَد.
 وَقِيلَ : مُخْلِصًا فِيهِ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهِ إِلَّا اللَّه تَعَالَى.
 وَقِيلَ : لَمَّا كَانَتْ الْأَعْمَال الْخَفِيَّة أَفْضَل وَأَبْعَد مِنْ الرِّيَاء أَخْفَاهُ.
 وَقِيلَ :" خَفِيًّا " سِرًّا مِنْ قَوْمه فِي جَوْف اللَّيْل ; وَالْكُلّ مُحْتَمَل وَالْأَوَّل أَظْهَر ; وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُسْتَحَبّ مِنْ الدُّعَاء الْإِخْفَاء فِي سُورَة " الْأَعْرَاف " وَهَذِهِ الْآيَة نَصّ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سُبْحَانه أَثْنَى بِذَلِكَ عَلَى زَكَرِيَّا.
 وَرَوَى إِسْمَاعِيل قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّد قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ اِبْن أَبِي كَبْشَة عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِنَّ خَيْر الذِّكْر الْخَفِيّ وَخَيْر الرِّزْق مَا يَكْفِي ) وَهَذَا عَامّ.
 قَالَ يُونُس بْن عُبَيْد : كَانَ الْحَسَن يَرَى أَنْ يَدْعُو الْإِمَام فِي الْقُنُوت وَيُؤَمِّن مَنْ خَلْفه مِنْ غَيْر رَفْع صَوْت، وَتَلَا يُونُس " إِذْ نَادَى رَبّه نِدَاء خَفِيًّا ".
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ أَسَرَّ مَالِك الْقُنُوت وَجَهَرَ بِهِ الشَّافِعِيّ، وَالْجَهْر بِهِ أَفْضَل ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو بِهِ جَهْرًا.

### الآية 19:4

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [19:4]

وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
 إِظْهَار لِعَادَاتِ تَفَضُّله فِي إِجَابَته أَدْعِيَته ; أَيْ لَمْ أَكُنْ بِدُعَائِي إِيَّاكَ شَقِيًّا ; أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخَيِّب دُعَائِي إِذَا دَعَوْتُك ; أَيْ إِنَّك عَوَّدْتنِي الْإِجَابَة فِيمَا مَضَى.
 يُقَال : شَقِيَ بِكَذَا أَيْ تَعِبَ فِيهِ وَلَمْ يَحْصُل مَقْصُوده.
 وَعَنْ بَعْضهمْ أَنَّ مُحْتَاجًا سَأَلَهُ وَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَحْسَنْت إِلَيْهِ فِي وَقْت كَذَا ; فَقَالَ : مَرْحَبًا بِمَنْ تَوَسَّلَ بِنَا إِلَيْنَا ; وَقَضَى حَاجَته.

### الآية 19:5

> ﻿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [19:5]

وَقَالَتْ طَائِفَة : بَلْ طَلَبَ الْوَلَد، ثُمَّ طَلَبَ أَنْ تَكُون الْإِجَابَة فِي أَنْ يَعِيش حَتَّى يَرِثهُ، تَحَفُّظًا مِنْ أَنْ تَقَع الْإِجَابَة فِي الْوَلَد وَلَكِنْ يُخْتَرَم، وَلَا يَتَحَصَّل مِنْهُ الْغَرَض.
 السَّادِسَة.
 قَالَ الْعُلَمَاء : دُعَاء زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْوَلَد إِنَّمَا كَانَ لِإِظْهَارِ دِينه، وَإِحْيَاء نُبُوَّته، وَمُضَاعَفَة لِأَجْرِهِ لَا لِلدُّنْيَا، وَكَانَ رَبّه قَدْ عَوَّدَهُ الْإِجَابَة، وَلِذَلِكَ قَالَ :" وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِك رَبّ شَقِيًّا "، أَيْ بِدُعَائِي إِيَّاكَ.
 وَهَذِهِ وَسِيلَة حَسَنَة ; أَنْ يَتَشَفَّع إِلَيْهِ بِنِعَمِهِ، يَسْتَدِرّ فَضْله بِفَضْلِهِ ; يُرْوَى أَنَّ حَاتِم الْجُود لَقِيَهُ رَجُل فَسَأَلَهُ ; فَقَالَ لَهُ حَاتِم : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الَّذِي أَحْسَنْت إِلَيْهِ عَام أَوَّل ; فَقَالَ : مَرْحَبًا بِمَنْ تَشَفَّعَ إِلَيْنَا بِنَا.
 فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ أَقْدَمَ زَكَرِيَّا عَلَى مَسْأَلَة مَا يَخْرِق الْعَادَة دُون إِذْن ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ جَائِز فِي زَمَان الْأَنْبِيَاء وَفِي الْقُرْآن مَا يَكْشِف عَنْ هَذَا الْمَعْنَى ; فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ :" كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وَجَدَ عِنْدهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَم أَنَّى لَك هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه إِنَّ اللَّه يَرْزُق مَنْ يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب " \[ آل عِمْرَان : ٣٧ \] فَلَمَّا رَأَى خَارِق الْعَادَة اِسْتَحْكَمَ طَمَعه فِي إِجَابَة دَعْوَته ; فَقَالَ تَعَالَى :" هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة " \[ آل عِمْرَان : ٣٨ \] الْآيَة.
 السَّابِعَة : إِنْ قَالَ قَائِل : هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى جَوَاز الدُّعَاء بِالْوَلَدِ، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى قَدْ حَذَّرَنَا مِنْ آفَات الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد، وَنَبَّهَ عَلَى الْمَفَاسِد النَّاشِئَة مِنْ ذَلِكَ ; فَقَالَ :" إِنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ فِتْنَة " \[ التَّغَابُن : ١٥ \].
 وَقَالَ :" إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ " \[ التَّغَابُن : ١٤ \].
 فَالْجَوَاب أَنَّ الدُّعَاء بِالْوَلَدِ مَعْلُوم مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة حَسْب مَا تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " بَيَانه.
 ثُمَّ إِنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام تَحَرَّزَ فَقَالَ :( ذُرِّيَّة طَيِّبَة ) وَقَالَ :" وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا ".
 وَالْوَلَد إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَة نَفَعَ أَبَوَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَخَرَجَ مِنْ حَدّ الْعَدَاوَة وَالْفِتْنَة إِلَى حَدّ الْمَسَرَّة وَالنِّعْمَة.
 وَقَدْ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَسٍ خَادِمه فَقَالَ :( اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَاله وَوَلَده وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْته ) فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ تَحَرُّزًا مِمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الْإِكْثَار مِنْ الْهَلَكَة.
 وَهَكَذَا فَلْيَتَضَرَّعْ الْعَبْد إِلَى مَوْلَاهُ فِي هِدَايَة وَلَده، وَنَجَاته فِي أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ اِقْتِدَاء بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالْفُضَلَاء ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " بَيَانه.

### الآية 19:6

> ﻿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [19:6]

وَالْآخَر : أَنَّ نَبِيّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يُورَث ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى خَصَّهُ بِأَنْ جَعَلَ مَاله كُلّه صَدَقَة زِيَادَة فِي فَضِيلَته، كَمَا خُصَّ فِي النِّكَاح بِأَشْيَاء أَبَاحَهَا لَهُ وَحَرَّمَهَا عَلَى غَيْره ; وَهَذَا الْقَوْل قَالَهُ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة مِنْهُمْ اِبْن عُلَيَّة، وَسَائِر عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل.
 الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى :" مِنْ آل يَعْقُوب " قِيلَ : هُوَ يَعْقُوب بْن إِسْرَائِيل، وَكَانَ زَكَرِيَّا مُتَزَوِّجًا بِأُخْتِ مَرْيَم بِنْت عِمْرَان، وَيَرْجِع نَسَبهَا إِلَى يَعْقُوب ; لِأَنَّهَا مِنْ وَلَد سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَهُوَ مِنْ وَلَد يهوذا بْن يَعْقُوب، وَزَكَرِيَّا مِنْ وَلَد هَارُون أَخِي مُوسَى، وَهَارُون وَمُوسَى مِنْ وَلَد لَاوِي بْن يَعْقُوب، وَكَانَتْ النُّبُوَّة فِي سِبْط يَعْقُوب بْن إِسْحَاق.
 وَقِيلَ : الْمَعْنِيّ بِيَعْقُوب هَاهُنَا ابْن يَعْقُوب بْن مَاثَان أَخُو عِمْرَان بْن مَاثَان أَبِي مَرْيَم أَخَوَانِ مِنْ نَسْل سُلَيْمَان بْن دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام ; لِأَنَّ يَعْقُوب وَعِمْرَان اِبْنَا مَاثَان، وَبَنُو مَاثَان رُؤَسَاء بَنِي إِسْرَائِيل ; قَالَهُ مُقَاتِل وَغَيْره.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ : وَكَانَ آل يَعْقُوب أَخْوَاله، وَهُوَ يَعْقُوب بْن مَاثَان، وَكَانَ فِيهِمْ الْمُلْك، وَكَانَ زَكَرِيَّا مِنْ وَلَد هَارُون بْن عِمْرَان أَخِي مُوسَى.
 وَرَوَى قَتَادَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( يَرْحَم اللَّه - تَعَالَى - زَكَرِيَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَته ).
 وَلَمْ يَنْصَرِف يَعْقُوب لِأَنَّهُ أَعْجَمِيّ.
 الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى :" وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا " أَيْ مَرْضِيًّا فِي أَخْلَاقه وَأَفْعَاله.
 وَقِيلَ : رَاضِيًا بِقَضَائِك وَقَدَرك.
 وَقِيلَ : رَجُلًا صَالِحًا تَرْضَى عَنْهُ.
 وَقَالَ أَبُو صَالِح : نَبِيًّا كَمَا جَعَلْت أَبَاهُ نَبِيًّا.

### الآية 19:7

> ﻿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [19:7]

يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ
 أَيْ لَمْ نُسَمِّ أَحَدًا قَبْل يَحْيَى بِهَذَا الِاسْم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَابْن أَسْلَم وَالسُّدِّيّ.
 وَمَنَّ عَلَيْهِ تَعَالَى بِأَنْ لَمْ يَكِل تَسْمِيَته إِلَى الْأَبَوَيْنِ.
 وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيْره :" سَمِيًّا " مَعْنَاهُ مِثْلًا وَنَظِيرًا، وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى :" هَلْ تَعْلَم لَهُ سَمِيًّا " \[ مَرْيَم : ٦٥ \] مَعْنَاهُ مِثْلًا وَنَظِيرًا كَأَنَّهُ مِنْ الْمُسَامَاة وَالسُّمُوّ ; وَهَذَا فِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ لَا يُفَضَّل عَلَى إِبْرَاهِيم ; وَمُوسَى ; اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُفَضَّل فِي خَاصّ كَالسُّؤْدُدِ وَالْحَصَر حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه " فِي آل عِمْرَان " وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : مَعْنَاهُ لَمْ تَلِد الْعَوَاقِر مِثْله وَلَدًا.
 قِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى اِشْتَرَطَ الْقَبْل، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْلُق بَعْده أَفْضَل مِنْهُ وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل وَشَاهِد عَلَى أَنَّ الْأَسَامِي السُّنُع جَدِيرَة بِالْأَثَرَةِ، وَإِيَّاهَا كَانَتْ الْعَرَب تَنْتَحِي فِي التَّسْمِيَة لِكَوْنِهَا أَنْبَه وَأَنْزَه عَنْ النَّبْز حَتَّى قَالَ قَائِل :

سُنُع الْأَسَامِي مُسْبِلِي أُزُر  حُمْر تَمَسّ الْأَرْض بِالْهُدْبِ وَقَالَ رُؤْبَة لِلنَّسَّابَةِ الْبَكْرِيّ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ نَسَبه : أَنَا اِبْن الْعَجَّاج ; فَقَالَ : قَصَّرْت وَعَرَّفْت.

### الآية 19:8

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [19:8]

وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
 يَعْنِي النِّهَايَة فِي الْكِبَر وَالْيُبْس وَالْجَفَاف ; وَمِثْله الْعُسِيّ ; قَالَ الْأَصْمَعِيّ : عَسَا الشَّيْءُ يَعْسُو عُسُوًّا وَعَسَاء مَمْدُود أَيْ يَبِسَ وَصَلُبَ، وَقَدْ عَسَا الشَّيْخ يَعْسُو عُسِيًّا وَلَّى وَكَبِرَ مِثْل عَتَا ; يُقَال : عَتَا الشَّيْخ يَعْتُو عُتِيًّا وَعِتِيًّا كَبِرَ وَوَلَّى، وَعَتَوْت يَا فُلَان تَعْتُو عُتُوًّا وَعِتِيًّا.
 وَالْأَصْل عُتُوّ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَات الْوَاو، فَأَبْدَلُوا مِنْ الْوَاو يَاء ; لِأَنَّهَا أُخْتهَا وَهِيَ أَخَفّ مِنْهَا، وَالْآيَات عَلَى الْيَاءَات.
 وَمَنْ قَالَ :" عِتِيًّا " كَرِهَ الضَّمَّة مَعَ الْكَسْرَة وَالْيَاء ; وَقَالَ الشَّاعِر :

إِنَّمَا يُعْذَر الْوَلِيد وَلَا يُعْ  ذَرُ مَنْ كَانَ فِي الزَّمَان عِتِيًّا وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس " عُسِيًّا " وَهُوَ كَذَلِكَ مُصْحَف أُبَيّ.
 وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَحَفْص " عِتِيًّا " بِكَسْرِ الْعَيْن وَكَذَلِكَ " جِثِيًّا " و " صِلِيًّا " حَيْثُ كُنَّ.
 وَضَمَّ حَفْص " بُكِيًّا " خَاصَّة، وَكَذَلِكَ الْبَاقُونَ فِي الْجَمِيع، وَهُمَا لُغَتَانِ.
 وَقِيلَ :" عِتِيًّا " قِسِيًّا ; يُقَال : مَلِك عَاتٍ إِذَا كَانَ قَاسِي الْقَلْب.

### الآية 19:9

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [19:9]

وَلَمْ تَكُ شَيْئًا
 أَيْ كَمَا خَلَقَك اللَّه تَعَالَى بَعْد الْعَدَم وَلَمْ تَكُ شَيْئًا مَوْجُودًا، فَهُوَ الْقَادِر عَلَى خَلْق يَحْيَى وَإِيجَاده.

### الآية 19:10

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [19:10]

قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا
 وَلَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ وَلَمْ يَبْعُد عِنْده هَذَا فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى طَلَبَ آيَة - أَيْ عَلَامَة - يَعْرِف بِهَا صِحَّة هَذَا الْأَمْر وَكَوْنه مِنْ عِنْد اللَّه تَعَالَى ; فَعَاقَبَهُ اللَّه تَعَالَى بِأَنْ أَصَابَهُ السُّكُوت عَنْ كَلَام النَّاس لِسُؤَالِهِ الْآيَة بَعْد مُشَافَهَة الْمَلَائِكَة إِيَّاهُ ; قَالَهُ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ.
 قَالُوا : وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَرَض خَرَس أَوْ نَحْوه فَفِيهِ عَلَى كُلّ حَال عِقَاب مَا.
 قَالَ اِبْن زَيْد : إِنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا حَمَلَتْ زَوْجَته مِنْهُ بِيَحْيَى أَصْبَحَ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُكَلِّم أَحَدًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأ التَّوْرَاة وَيَذْكُر اللَّه تَعَالَى ; فَإِذَا أَرَادَ مُقَاوَلَة أَحَد لَمْ يُطِقْهُ.

### الآية 19:11

> ﻿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:11]

وَالْوَحْي فِي كَلَام الْعَرَب الْكِتَابَة ; وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة :

سِوَى الْأَرْبَع الدُّهْم اللَّوَاتِي كَأَنَّهَا  بَقِيَّة وَحْي فِي بُطُون الصَّحَائِف **وَقَالَ عَنْتَرَة :**كَوَحْيِ صَحَائِف مِنْ عَهْد كِسْرَى  فَأَهْدَاهَا لِأَعْجَم طِمْطِمِيّ و " بُكْرَة وَعَشِيًّا " ظَرْفَانِ.
 وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الْعَشِيّ يُؤَنَّث وَيَجُوز تَذْكِيره إِذَا أَبْهَمْت ; قَالَ : وَقَدْ يَكُون الْعَشِيّ جَمْع عَشِيَّة.
 الرَّابِعَة : قَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْم فِي الْإِشَارَة فِي " آل عِمْرَان " وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّم إِنْسَانًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا، أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا ; فَقَالَ مَالِك : إِنَّهُ يَحْنَث إِلَّا أَنْ يَنْوِي مُشَافَهَته، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا يُنْوَى فِي الْكِتَاب وَيَحْنَث إِلَّا أَنْ يَرْتَجِع الْكِتَاب قَبْل وُصُوله.
 قَالَ اِبْن الْقَاسِم : إِذَا قَرَأَ كِتَابه حَنِثَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَرَأَ الْحَالِف كِتَاب الْمَحْلُوف عَلَيْهِ.
 وَقَالَ أَشْهَب : لَا يَحْنَث إِذَا قَرَأَهُ الْحَالِف ; وَهَذَا بَيِّن ; لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمهُ وَلَا اِبْتَدَأَهُ بِكَلَامٍ إِلَّا أَنْ يُرِيد أَلَّا يَعْلَم مَعْنَى كَلَامه فَإِنَّهُ يَحْنَث وَعَلَيْهِ يَخْرُج قَوْل اِبْن الْقَاسِم.
 فَإِنْ حَلَفَ لَيُكَلِّمَنَّهُ لَمْ يَبَرّ إِلَّا بِمُشَافَهَتِهِ ; وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُون : وَإِنْ حَلَفَ لَئِنْ عَلِمَ كَذَا لَيُعْلِمَنَّهُ أَوْ لَيُخْبِرَنَّهُ إِلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا بَرَّ، وَلَوْ عَلِمَاهُ جَمِيعًا لَمْ يَبَرَّ، حَتَّى يُعْلِمهُ لِأَنَّ عِلْمهمَا مُخْتَلِف.
 الْخَامِسَة : وَاتَّفَقَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيُّونَ أَنَّ الْأَخْرَس إِذَا كَتَبَ الطَّلَاق بِيَدِهِ لَزِمَهُ ; قَالَ الْكُوفِيُّونَ : إِلَّا أَنْ يَكُون رَجُل أُصْمِتَ أَيَّامًا فَكَتَبَ لَمْ يَجُزْ مِنْ ذَلِكَ شَيْء.
 قَالَ الطَّحَاوِيّ : الْخَرَس مُخَالِف لِلصَّمْتِ الْعَارِض، كَمَا أَنَّ الْعَجْز عَنْ الْجِمَاع الْعَارِض لِمَرَضٍ وَنَحْوه يَوْمًا أَوْ نَحْوه مُخَالِف لِلْعَجْزِ الْمَيْئُوس مِنْهُ الْجِمَاع، نَحْو الْجُنُون فِي بَاب خِيَار الْمَرْأَة فِي الْفُرْقَة.

### الآية 19:12

> ﻿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [19:12]

بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ
 قِيلَ : الْأَحْكَام وَالْمَعْرِفَة بِهَا.
 وَرَوَى مَعْمَر أَنَّ الصِّبْيَان قَالُوا لِيَحْيَى : اِذْهَبْ بِنَا نَلْعَب ; فَقَالَ : مَا لِلَّعِبِ خُلِقْت.
 فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْم صَبِيًّا " وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ اِبْن سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاث سِنِينَ.
 وَقَالَ مُقَاتِل : كَانَ اِبْن ثَلَاث سِنِينَ.
 و " صَبِيًّا " نُصِبَ عَلَى الْحَال.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن قَبْل أَنْ يَحْتَلِم فَهُوَ مِمَّنْ أُوتِيَ الْحُكْم صَبِيًّا.
 وَرُوِيَ فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( كُلّ بَنِي آدَم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَلَهُ ذَنْب إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا ).
 وَقَالَ قَتَادَة : إِنَّ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَعْصِ اللَّه قَطُّ بِصَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَة وَلَا هَمَّ بِامْرَأَةٍ.
 وَقَالَ مُجَاهِد : وَكَانَ طَعَام يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَام الْعُشْب، كَانَ لِلدَّمْعِ فِي خَدَّيْهِ مَجَارٍ ثَابِتَة.
 وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي مَعْنَى قَوْله :" وَسَيِّدًا وَحَصُورًا " \[ آل عِمْرَان : ٣٩ \] فِي " آل عِمْرَان "

### الآية 19:13

> ﻿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا [19:13]

وَكَانَ تَقِيًّا
 أَيْ مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَمْ يَعْمَل خَطِيئَة وَلَمْ يُلِمّ بِهَا.

### الآية 19:14

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا [19:14]

جَبَّارًا
 مُتَكَبِّرًا.
 وَهَذَا وَصْف لِيَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَام بِلِينِ الْجَانِب وَخَفْض الْجَنَاح.

### الآية 19:15

> ﻿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [19:15]

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
 قَوْله تَعَالَى :" وَسَلَام عَلَيْهِ يَوْم وُلِدَ " قَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره : مَعْنَاهُ أَمَان.
 اِبْن عَطِيَّة : وَالْأَظْهَر عِنْدِي أَنَّهَا التَّحِيَّة الْمُتَعَارَفَة فَهِيَ أَشْرَف وَأَنْبَه مِنْ الْأَمَان ; لِأَنَّ الْأَمَان مُتَحَصِّل لَهُ بِنَفْيِ الْعِصْيَان عَنْهُ وَهِيَ أَقَلّ دَرَجَاته، وَإِنَّمَا الشَّرَف فِي أَنْ سَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِ، وَحَيَّاهُ فِي الْمَوَاطِن الَّتِي الْإِنْسَان فِيهَا فِي غَايَة الضَّعْف وَالْحَاجَة وَقِلَّة الْحِيلَة وَالْفَقْر إِلَى اللَّه تَعَالَى عَظِيم الْحَوْل.
 قُلْت : وَهَذَا قَوْل حَسَن، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة فِي سُورَة " سُبْحَان " \[ الْإِسْرَاء : ١ \] عِنْد قَتْل يَحْيَى.
 وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ الْحَسَن أَنَّ عِيسَى وَيَحْيَى اِلْتَقَيَا - وَهُمَا اِبْنَا الْخَالَة - فَقَالَ يَحْيَى لِعِيسَى : اُدْعُ اللَّه لِي فَأَنْتَ خَيْر مِنِّي ; فَقَالَ لَهُ عِيسَى : بَلْ أَنْتَ اُدْعُ اللَّه لِي فَأَنْتَ خَيْر مِنِّي ; سَلَّمَ اللَّه عَلَيْك وَأَنَا سَلَّمْت عَلَى نَفْسِي ; فَانْتَزَعَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ هَذِهِ الْآيَة فِي التَّسْلِيم فَضْل عِيسَى ; بِأَنْ قَالَ : إِدْلَاله فِي التَّسْلِيم عَلَى نَفْسه وَمَكَانَته مِنْ اللَّه تَعَالَى الَّتِي اِقْتَضَتْ ذَلِكَ حِين قَرَّرَ وَحَكَى فِي مُحْكَم التَّنْزِيل أَعْظَم فِي الْمَنْزِلَة مِنْ أَنْ يُسَلِّم عَلَيْهِ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَلِكُلٍّ وَجْهٌ.

### الآية 19:16

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [19:16]

مَكَانًا شَرْقِيًّا
 أَيْ مَكَانًا مِنْ جَانِب الشَّرْق.
 وَالشَّرْق بِسُكُونِ الرَّاء الْمَكَان الَّذِي تَشْرُق فِيهِ الشَّمْس.
 وَالشَّرَق بِفَتْحِ الرَّاء الشَّمْس.
 وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَكَان بِالشَّرْقِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَة الْمَشْرِق وَمِنْ حَيْثُ تَطْلُع الْأَنْوَار، وَكَانَتْ الْجِهَات الشَّرْقِيَّة مِنْ كُلّ شَيْء أَفْضَل مِنْ سِوَاهَا ; حَكَاهُ الطَّبَرِيّ.
 وَحَكَى عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِنِّي لَأَعْلَم النَّاس لِمَ اِتَّخَذَ النَّصَارَى الْمَشْرِق قِبْلَة لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" إِذْ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا " فَاتَّخَذُوا مِيلَاد عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قِبْلَة ; وَقَالُوا : لَوْ كَانَ شَيْء مِنْ الْأَرْض خَيْرًا مِنْ الْمَشْرِق لَوَضَعَتْ مَرْيَم عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِيهِ.
 وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي نُبُوَّة مَرْيَم ; فَقِيلَ : كَانَتْ نَبِيَّة بِهَذَا الْإِرْسَال وَالْمُحَاوَرَة لِلْمَلَكِ.
 وَقِيلَ : لَمْ تَكُنْ نَبِيَّة وَإِنَّمَا كَلَّمَهَا مِثَال بَشَر، وَرُؤْيَتهَا لِلْمَلَكِ كَمَا رُئِيَ جِبْرِيل فِي صِفَة دِحْيَة حِين سُؤَاله عَنْ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام.
 وَالْأَوَّل أَظْهَر.
 وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى فِي " آل عِمْرَان " وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 19:17

> ﻿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [19:17]

سَوِيًّا
 أَيْ مُسْتَوِي الْخِلْقَة ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِتُطِيقَ أَوْ تَنْظُر جِبْرِيل فِي صُورَته.
 وَلَمَّا رَأَتْ رَجُلًا حَسَن الصُّورَة فِي صُورَة الْبَشَر قَدْ خَرَقَ عَلَيْهَا الْحِجَاب ظَنَّتْ أَنَّهُ يُرِيدهَا بِسُوءٍ.

### الآية 19:18

> ﻿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [19:18]

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
 أَيْ مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّه.
 الْبِكَالِيّ : فَنَكَصَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَزِعًا مِنْ ذِكْر الرَّحْمَن تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
 الثَّعْلَبِيّ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا فَتَعَوَّذَتْ بِهِ تَعَجُّبًا.
 وَقِيلَ : تَقِيّ فَعِيل بِمَعْنَى مَفْعُول أَيْ كُنْت مِمَّنْ يُتَّقَى مِنْهُ.
 فِي الْبُخَارِيّ قَالَ أَبُو وَائِل : عَلِمَتْ مَرْيَم أَنَّ التَّقِيّ ذُو نُهْيَة حِين قَالَتْ :" إِنْ كُنْت تَقِيًّا ".
 وَقِيلَ : تَقِيّ اِسْم فَاجِر مَعْرُوف فِي ذَلِكَ الْوَقْت قَالَهُ وَهْب بْن مُنَبِّه ; حَكَاهُ مَكِّيّ وَغَيْره اِبْن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف ذَاهِب مَعَ التَّخَرُّص.
 فَقَالَ لَهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام :" إِنَّمَا أَنَا رَسُول رَبّك لِأَهَب لَك غُلَامًا زَكِيًّا ".

### الآية 19:19

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا [19:19]

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا
 جَعَلَ الْهِبَة مِنْ قِبَله لَمَّا كَانَ الْإِعْلَام بِهَا مِنْ قِبَله.
 وَقَرَأَ وَرْش عَنْ نَافِع " لِيَهَب لَك " عَلَى مَعْنَى أَرْسَلَنِي اللَّه لِيَهَب لَك.
 وَقِيلَ : مَعْنَى " لِأَهَب " بِالْهَمْزِ مَحْمُول عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ قَالَ : أَرْسَلْته لِأَهَب لَك.
 وَيَحْتَمِل " لِيَهَب " بِلَا هَمْز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمَهْمُوز ثُمَّ خَفَّفَتْ الْهَمْزَة.
 فَلَمَّا سَمِعَتْ مَرْيَم ذَلِكَ مِنْ قَوْله اِسْتَفْهَمَتْ عَنْ طَرِيقه.

### الآية 19:20

> ﻿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [19:20]

وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
 أَيْ زَانِيَة.
 وَذَكَرَتْ هَذَا تَأْكِيدًا ; لِأَنَّ قَوْلهَا لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر يَشْمَل الْحَلَال وَالْحَرَام.
 وَقِيلَ : مَا اِسْتَبْعَدَتْ مِنْ قُدْرَة اللَّه تَعَالَى شَيْئًا وَلَكِنْ أَرَادَتْ كَيْفَ يَكُون هَذَا الْوَلَد ؟ مِنْ قِبَل الزَّوْج فِي الْمُسْتَقْبَل أَمْ يَخْلُقهُ اللَّه اِبْتِدَاء ؟ وَرُوِيَ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام حِين قَالَ لَهَا هَذِهِ الْمَقَالَة نَفَخَ فِي جَيْب دِرْعهَا وَكُمّهَا ; قَالَهُ اِبْن جُرَيْج.
 اِبْن عَبَّاس : أَخَذَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام رُدْنَ قَمِيصهَا بِإِصْبَعِهِ فَنَفَخَ فِيهِ فَحَمَلَتْ مِنْ سَاعَتهَا بِعِيسَى.
 قَالَ الطَّبَرِيّ : وَزَعَمَتْ النَّصَارَى أَنَّ مَرْيَم حَمَلَتْ بِعِيسَى وَلَهَا ثَلَاث عَشْرَة سَنَة، وَأَنَّ عِيسَى عَاشَ إِلَى أَنْ رُفِعَ اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَة وَأَيَّامًا، وَأَنَّ مَرْيَم بَقِيَتْ بَعْد رَفْعه سِتّ سِنِينَ، فَكَانَ جَمِيع عُمْرهَا نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَة.

### الآية 19:21

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [19:21]

وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا
 مُقَدَّرًا فِي اللَّوْح مَسْطُورًا.

### الآية 19:22

> ﻿۞ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا [19:22]

فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا
 أَيْ تَنَحَّتْ بِالْحَمْلِ إِلَى مَكَان بَعِيد ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَى أَقْصَى الْوَادِي، وَهُوَ وَادِي بَيْت لَحْم بَيْنه وَبَيْن إِيلِيَاء أَرْبَعَة أَمْيَال ; وَإِنَّمَا بَعُدَتْ فِرَارًا مِنْ تَعْيِير قَوْمهَا إِيَّاهَا بِالْوِلَادَةِ مِنْ غَيْر زَوْج.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا هُوَ إِلَّا أَنْ حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ فِي الْحَال وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ الِانْتِبَاذ عَقِب الْحَمْل.
 وَقِيلَ : غَيْر ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي.

### الآية 19:23

> ﻿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [19:23]

هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا
 النَّسْي فِي كَلَام الْعَرَب الشَّيْء الْحَقِير الَّذِي شَأْنه أَنْ يُنْسَى وَلَا يُتَأَلَّم لِفَقْدِهِ كَالْوَتَدِ وَالْحَبْل لِلْمُسَافِرِ وَنَحْوه.
 وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا الرَّحِيل عَنْ مَنْزِل قَالُوا : اِحْفَظُوا أَنْسَاءَكُمْ ; الْأَنْسَاء جَمْع نِسْي وَهُوَ الشَّيْء الْحَقِير يُغْفَل فَيُنْسَى.
 وَمِنْهُ قَوْل الْكُمَيْت رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ :

أَتَجْعَلُنَا جِسْرًا لِكَلْبِ قُضَاعَة  وَلَسْت بِنِسْيٍ فِي مَعَدّ وَلَا دَخَل وَقَالَ الْفَرَّاء : النِّسْي مَا تُلْقِيه الْمَرْأَة مِنْ خِرَق اِعْتِلَالهَا ; فَقَوْل مَرْيَم :" نَسْيًا " مَنْسِيًّا " أَيْ حَيْضَة مُلْقَاة.
 وَقُرِئَ " نَسْيًا " بِفَتْحِ النُّون وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل الْحِجْر وَالْحَجْر وَالْوِتْر وَالْوَتْر.
 وَقَرَأَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ بِالْهَمْزِ " نِسْئًا " بِكَسْرِ النُّون.
 وَقَرَأَ نَوْف الْبِكَالِيّ " نَسْئًا " بِفَتْحِ النُّون مِنْ نَسَأَ اللَّه تَعَالَى فِي أَجَله أَيْ أَخَّرَهُ.
 وَحَكَاهَا أَبُو الْفَتْح وَالدَّانِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب.
 وَقَرَأَ بَكْر بْن حَبِيب " نَسًّا " بِتَشْدِيدِ السِّين وَفَتْح النُّون دُون هَمْز.
 وَقَدْ حَكَى الطَّبَرِيّ فِي قَصَصهَا أَنَّهَا لَمَّا حَمَلَتْ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَمَلَتْ أَيْضًا أُخْتهَا بِيَحْيَى، فَجَاءَتْهَا أُخْتهَا زَائِرَة فَقَالَتْ : يَا مَرْيَم أَشَعُرْت أَنْتِ أَنِّي حَمَلْت ؟ فَقَالَتْ لَهَا : وَإِنِّي أَجِد مَا فِي بَطْنِي يَسْجُد لِمَا فِي بَطْنك ; فَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهَا أَحَسَّتْ بِجَنِينِهَا يَخِرّ بِرَأْسِهِ إِلَى نَاحِيَة بَطْن مَرْيَم ; قَالَ السُّدِّيّ فَذَلِكَ قَوْله :" مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ " \[ آل عِمْرَان : ٣٩ \] وَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ قَصَصهَا أَنَّهَا خَرَجَتْ فَارَّة مَعَ رَجُل مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يُقَال لَهُ يُوسُف النَّجَّار، كَانَ يَخْدُم مَعَهَا فِي الْمَسْجِد وَطَوَّلَ فِي ذَلِكَ.
 قَالَ الْكَلْبِيّ : قِيلَ لِيُوسُف - وَكَانَتْ سُمِّيَتْ لَهُ أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَا - فَالْآن يَقْتُلهَا الْمَلِك، فَهَرَبَ بِهَا، فَهَمَّ فِي الطَّرِيق بِقَتْلِهَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ مِنْ رُوح الْقُدُس ; قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا كُلّه ضَعِيف.
 وَهَذِهِ الْقِصَّة تَقْتَضِي أَنَّهَا حَمَلَتْ، وَاسْتَمَرَّتْ حَامِلًا عَلَى عُرْف النِّسَاء، وَتَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُر قَالَهُ عِكْرِمَة ; وَلِذَلِكَ قِيلَ : لَا يَعِيش اِبْن ثَمَانِيَة أَشْهُر حِفْظًا لِخَاصَّةِ عِيسَى.
 وَقِيلَ : وَلَدَتْهُ لِتِسْعَةٍ.
 وَقِيلَ : لِسِتَّةٍ.
 وَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَصَحّ وَأَظْهَر.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 19:24

> ﻿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [19:24]

قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
 يَعْنِي عِيسَى.
 وَالسَّرِيّ مِنْ الرِّجَال الْعَظِيم الْخِصَال السَّيِّد.
 قَالَ الْحَسَن : كَانَ وَاَللَّه سَرِيًّا مِنْ الرِّجَال.
 وَيُقَال : سَرِيَ فُلَان عَلَى فُلَان أَيْ تَكَرَّمَ.
 وَفُلَان سَرِيٌّ مِنْ قَوْم سَرَاة.
 وَقَالَ الْجُمْهُور : أَشَارَ لَهَا إِلَى الْجَدْوَل الَّذِي كَانَ قَرِيب جِذْع النَّخْلَة.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ ذَلِكَ نَهَرًا قَدْ اِنْقَطَعَ مَاؤُهُ فَأَجْرَاهُ اللَّه تَعَالَى لِمَرْيَم.
 وَالنَّهَر يُسَمَّى سَرِيًّا لِأَنَّ الْمَاء يَسْرِي فِيهِ ; قَالَ الشَّاعِر :

سَلْم تَرَى الدَّالِيّ مِنْهُ أَزْوَرَا  إِذَا يَعُبّ فِي السَّرِيّ هَرْهَرَا **وَقَالَ لَبِيد :**فَتَوَسَّطَا عُرْض السَّرِيّ وَصَدَّعَا  مَسْجُورَة مُتَجَاوِرًا قُلَّامُهَا وَقِيلَ : نَادَاهَا عِيسَى، وَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَة وَآيَة وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهَا ; وَالْأَوَّل أَظْهَر.
 وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس ( فَنَادَاهَا مَلَك مِنْ تَحْتهَا ) قَالُوا : وَكَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي بُقْعَة مِنْ الْأَرْض أَخْفَض مِنْ الْبُقْعَة الَّتِي كَانَتْ هِيَ عَلَيْهَا.

### الآية 19:25

> ﻿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [19:25]

الثَّالِثَة : الْأَمْر بِتَكْلِيفِ الْكَسْب فِي الرِّزْق سُنَّة اللَّه تَعَالَى فِي عِبَاده، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي التَّوَكُّل، خِلَافًا لِمَا تَقُولهُ جُهَّال الْمُتَزَهِّدَة ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى وَالْخِلَاف فِيهِ.
 وَقَدْ كَانَتْ قَبْل ذَلِكَ يَأْتِيهَا، رِزْقهَا مِنْ غَيْر تَكَسُّب كَمَا قَالَ :" كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وَجَدَ عِنْدهَا رِزْقًا " الْآيَة \[ آل عِمْرَان : ٣٧ \].
 فَلَمَّا وَلَدَتْ أُمِرَتْ بِهَزِّ الْجِذْع.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا كَانَ قَلْبهَا فَارِغًا فَرَّغَ اللَّه جَارِحَتهَا عَنْ النَّصَب، فَلَمَّا وَلَدَتْ عِيسَى وَتَعَلَّقَ قَلْبهَا بِحُبِّهِ، وَاشْتَغَلَ سِرّهَا بِحَدِيثِهِ وَأَمْره، وَكَلَهَا إِلَى كَسْبهَا، وَرَدَّهَا إِلَى الْعَادَة بِالتَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ فِي عِبَاده.
 وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن زَيْد أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا : لَا تَحْزَنِي ; فَقَالَتْ لَهُ وَكَيْفَ لَا أَحْزَن وَأَنْتَ مَعِي ؟ ! لَا ذَات زَوْج وَلَا مَمْلُوكَة ! أَيّ شَيْء عُذْرِي عِنْد النَّاس ؟ ! ! " يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْل هَذَا وَكُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا " فَقَالَ لَهَا عِيسَى : أَنَا أَكْفِيك الْكَلَام.
 الرَّابِعَة : قَالَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم : مَا لِلنُّفَسَاءِ عِنْدِي خَيْر مِنْ الرُّطَب لِهَذِهِ الْآيَة، وَلَوْ عَلِمَ اللَّه شَيْئًا هُوَ أَفْضَل مِنْ الرُّطَب لِلنُّفَسَاءِ لَأَطْعَمَهُ مَرْيَم وَلِذَلِكَ قَالُوا : التَّمْر عَادَة لِلنُّفَسَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْت وَكَذَلِكَ التَّحْنِيك.
 وَقِيلَ : إِذَا عَسِرَ وِلَادهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَيْر مِنْ الرُّطَب وَلَا لِلْمَرِيضِ خَيْر مِنْ الْعَسَل ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ.
 قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك قَالَ اللَّه تَعَالَى :" رُطَبًا جَنِيًّا " الْجَنِيّ مِنْ التَّمْر مَا طَابَ مِنْ غَيْر نَقْش وَلَا إِفْسَاد.
 وَالنَّقْش أَنْ يُنْقَش مِنْ أَسْفَل الْبُسْرَة حَتَّى تُرَطِّب ; فَهَذَا مَكْرُوه ; يَعْنِي مَالِك أَنَّ هَذَا تَعْجِيل لِلشَّيْءِ قَبْل وَقْته، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ فَاعِل مَا كَانَ ذَلِكَ مُجَوِّزًا لِبَيْعِهِ ; وَلَا حُكْمًا بِطِيبِهِ.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا الْقَوْل فِي الْأَنْعَام.
 وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 عَنْ طَلْحَة بْن سُلَيْمَان " جِنِيًّا " بِكَسْرِ الْجِيم لِلْإِتْبَاعِ ; أَيْ جَعَلْنَا لَك فِي السَّرِيّ وَالرُّطَب فَائِدَتَيْنِ : إِحَداهمَا الْأَكْل وَالشُّرْب، الثَّانِيَة سَلْوَة الصَّدْر لِكَوْنِهِمَا مُعْجِزَتَيْنِ.

### الآية 19:26

> ﻿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [19:26]

مَنْ اِلْتَزَمَ بِالنَّذْرِ أَلَّا يُكَلِّم أَحَدًا مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّهُ قُرْبَة فَيَلْزَم بِالنَّذْرِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : ذَلِكَ لَا يَجُوز فِي شَرْعنَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيق وَتَعْذِيب النَّفْس ; كَنَذْرِ الْقِيَام فِي الشَّمْس وَنَحْوه.
 وَعَلَى هَذَا كَانَ نَذْر الصَّمْت فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة لَا فِي شَرِيعَتنَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقَدْ أَمَرَ اِبْن مَسْعُود مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ بِالْكَلَامِ.
 وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِحَدِيثِ أَبِي إِسْرَائِيل، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس.
 وَقَالَ اِبْن زَيْد وَالسُّدِّيّ : كَانَتْ سُنَّة الصِّيَام عِنْدهمْ الْإِمْسَاك عَنْ الْأَكْل وَالْكَلَام.
 قُلْت : وَمِنْ سُنَّتنَا نَحْنُ فِي الصِّيَام الْإِمْسَاك عَنْ الْكَلَام الْقَبِيح ; قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( إِذَا كَانَ أَحَدكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُث وَلَا يَجْهَل فَإِنْ اِمْرُؤُ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِم ).
 وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه ).

### الآية 19:27

> ﻿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [19:27]

قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا
 أَيْ جِئْت بِأَمْرٍ عَظِيم كَالْآتِي بِالشَّيْءِ يَفْتَرِيه.
 قَالَ مُجَاهِد :" فَرِيًّا " عَظِيمًا.
 وَقَالَ سَعِيد بْن مَسْعَدَة : أَيْ مُخْتَلَقًا مُفْتَعَلًا ; يُقَال : فَرَيْت وَأَفْرَيْت بِمَعْنًى وَاحِد.
 وَالْوَلَد مِنْ الزِّنَا كَالشَّيْءِ الْمُفْتَرَى.
 قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْن أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ " \[ الْمُمْتَحَنَة : ١٢ \] أَيْ بِوَلَدٍ بِقَصْدِ إِلْحَاقه بِالزَّوْجِ وَلَيْسَ مِنْهُ.
 يُقَال : فُلَان يَفْرِي الْفَرِيّ أَيْ يَعْمَل الْعَمَل الْبَالِغ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْفَرِيّ الْعَجِيب النَّادِر، وَقَالَهُ الْأَخْفَش قَالَ : فَرِيًّا عَجِيبًا.
 وَالْفَرْي الْقَطْع كَأَنَّهُ مِمَّا يَخْرِق الْعَادَة، أَوْ يَقْطَع الْقَوْل بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نَادِرًا.
 وَقَالَ قُطْرُب : الْفَرْي الْجَدِيد مِنْ الْأَسْقِيَة ; أَيْ جِئْت بِأَمْرٍ جَدِيد بَدِيع لَمْ تَسْبِقِي إِلَيْهِ.
 وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة :" شَيْئًا فَرِيًّا " بِسُكُونِ الرَّاء.
 وَقَالَ السُّدِّيّ وَوَهْب بْن مُنَبِّه : لَمَّا أَتَتْ بِهِ قَوْمهَا تَحْمِلهُ تَسَامَعَ بِذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيل، فَاجْتَمَعَ رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ، فَمَدَّتْ اِمْرَأَة يَدهَا إِلَيْهَا لِتَضْرِبهَا فَأَجَفَّ اللَّه شَطْرهَا فَحَمَلَتْ كَذَلِكَ.
 وَقَالَ آخَر : مَا أَرَاهَا إِلَّا زَنَتْ فَأَخْرَسَهُ اللَّه تَعَالَى ; فَتَحَامَى النَّاس مِنْ أَنْ يَضْرِبُوهَا، أَوْ يَقُولُوا لَهَا كَلِمَة تُؤْذِيهَا، وَجَعَلُوا يُخْفِضُونَ إِلَيْهَا الْقَوْل وَيُلِينُونَ ; فَقَالُوا :" يَا مَرْيَم لَقَدْ جِئْت شَيْئًا فَرِيًّا " أَيْ عَظِيمًا قَالَ الرَّاجِز :

قَدْ أَطْعَمَتْنِي دَقَلًا حَوْلِيًّا  مُسَوِّسًا مُدَوِّدًا حَجْرِيَّا قَدْ كُنْت تَفْرِينَ بِهِ الْفَرِيَّا
 أَيْ \[ تُعْظِمِينَهُ \].

### الآية 19:28

> ﻿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [19:28]

اِبْن عَطِيَّة : وَقَالَتْ فِرْقَة بَلْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان رَجُل فَاجِر اِسْمه هَارُون فَنَسَبُوهَا إِلَيْهِ عَلَى جِهَة التَّعْيِير وَالتَّوْبِيخ ; ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ وَلَمْ يُسَمِّ قَائِله.
 قُلْت : ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا مَثَلًا فِي الْفُجُور فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ.
 وَالْمَعْنَى : مَا كَانَ أَبُوك وَلَا أُمّك أَهْلًا لِهَذِهِ الْفَعْلَة فَكَيْفَ جِئْت أَنْتِ بِهَا ؟ ! وَهَذَا مِنْ التَّعْرِيض الَّذِي يَقُوم مَقَام التَّصْرِيح.
 وَذَلِكَ يُوجِب عِنْدنَا الْحَدّ وَسَيَأْتِي فِي سُورَة " النُّور " الْقَوْل فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 وَهَذَا الْقَوْل الْأَخِير يَرُدّهُ الْحَدِيث الصَّحِيح، وَهُوَ نَصّ صَرِيح فَلَا كَلَام لِأَحَدٍ مَعَهُ، وَلَا غُبَار عَلَيْهِ.
 وَالْحَمْد لِلَّهِ.
 وَقَرَأَ عُمَر بْن لجأ التَّيْمِيّ ( مَا كَانَ أَبَاك اِمْرُؤُ سَوْء ).

### الآية 19:29

> ﻿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [19:29]

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
 اِلْتَزَمَتْ مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ تَرْك الْكَلَام، وَلَمْ يَرِد فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا نَطَقَتْ ب " إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا " وَإِنَّمَا وَرَدَ بِأَنَّهَا أَشَارَتْ، فَيَقْوَى بِهَذَا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ أَمْرهَا ب " قُولِي " إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْإِشَارَة.
 وَيُرْوَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَشَارَتْ إِلَى الطِّفْل قَالُوا : اِسْتِخْفَافهَا بِنَا أَشَدّ عَلَيْنَا مِنْ زِنَاهَا، ثُمَّ قَالُوا لَهَا عَلَى جِهَة التَّقْرِير " كَيْفَ نُكَلِّم مِنْ كَانَ فِي الْمَهْد صَبِيًّا " و " كَانَ " هُنَا لَيْسَ يُرَاد بِهَا الْمَاضِي ; لِأَنَّ كُلّ وَاحِد قَدْ كَانَ فِي الْمَهْد صَبِيًّا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي مَعْنَى هُوَ ( الْآن ).
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة :( كَانَ ) هُنَا لَغْو ; كَمَا قَالَ :
 وَجِيرَان لَنَا كَانُوا مراما
 وَقِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى الْوُجُود وَالْحُدُوث كَقَوْلِهِ :" وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة " وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : لَا يَجُوز أَنْ يُقَال زَائِدَة وَقَدْ نَصَبَتْ " صَبِيًّا " وَلَا أَنْ يُقَال " كَانَ " بِمَعْنَى حَدَثَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْحُدُوث وَالْوُقُوع لَاسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ الْخَبَر، تَقُول : كَانَ الْحَرّ وَتَكْتَفِي بِهِ.
 وَالصَّحِيح أَنَّ " مَنْ " فِي مَعْنَى الْجَزَاء و " كَانَ " بِمَعْنَى يَكُنْ ; التَّقْدِير : مَنْ يَكُنْ فِي الْمَهْد صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمهُ ؟ ! كَمَا تَقُول : كَيْفَ أُعْطِي مَنْ كَانَ لَا يَقْبَل عَطِيَّة ; أَيْ مَنْ يَكُنْ لَا يَقْبَل.
 وَالْمَاضِي قَدْ يُذْكَر بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَل فِي الْجَزَاء ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى " تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَك خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار " \[ الْفُرْقَان : ١٠ \] أَيْ إِنْ يَشَأْ يَجْعَل.
 وَتَقُول : مَنْ كَانَ إِلَيَّ مِنْهُ إِحْسَان كَانَ إِلَيْهِ مِنِّي مِثْله، أَيْ مَنْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَيَّ إِحْسَان يَكُنْ إِلَيْهِ مِنِّي مِثْله.
 " وَالْمَهْد " قِيلَ : كَانَ سَرِيرًا كَالْمَهْدِ وَقِيلَ " الْمَهْد " هَاهُنَا حِجْر الْأُمّ.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى كَيْفَ نُكَلِّم مَنْ كَانَ سَبِيله أَنْ يُنَوَّم فِي الْمَهْد لِصِغَرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَلَامهمْ قَالَ لَهُمْ مِنْ مَرْقَده.

### الآية 19:30

> ﻿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [19:30]

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
 فَقِيلَ : كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يَرْضِع فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامهمْ تَرَكَ الرَّضَاعَة وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، وَاتَّكَأَ عَلَى يَسَاره، وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِسَبَّابَتِهِ الْيُمْنَى، و " قَالَ إِنِّي عَبْد اللَّه " فَكَانَ أَوَّل مَا نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرَاف بِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَرُبُوبِيَّته، رَدًّا عَلَى مَنْ غَلَا مِنْ بَعْده فِي شَأْنه.
 وَالْكِتَاب الْإِنْجِيل ; قِيلَ : آتَاهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة الْكِتَاب، وَفَهَّمَهُ وَعَلَّمَهُ، وَآتَاهُ النُّبُوَّة كَمَا عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا، وَكَانَ يَصُوم وَيُصَلِّي.
 وَهَذَا فِي غَايَة الضَّعْف عَلَى مَا نُبَيِّنهُ فِي الْمَسْأَلَة بَعْد هَذَا.
 وَقِيلَ : أَيْ حَكَمَ لِي بِإِيتَاءِ الْكِتَاب وَالنُّبُوَّة فِي الْأَزَل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكِتَاب مُنَزَّلًا فِي الْحَال ; وَهَذَا أَصَحّ.

### الآية 19:31

> ﻿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [19:31]

مَا دُمْتُ حَيًّا
 فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف أَيْ دَوَام حَيَاتِي.

### الآية 19:32

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [19:32]

وَقَدْ نَصَّ مَالِك أَنَّ شَهَادَته مَقْبُولَة إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَته، وَأَنَّهَا تَقُوم مَقَام اللَّفْظ بِالشَّهَادَةِ، وَأَمَّا مَعَ الْقُدْرَة بِاللَّفْظِ فَلَا تَقَع مِنْهُ إِلَّا بِاللَّفْظِ.
 قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَالْمُخَالِفُونَ يُلْزِمُونَ الْأَخْرَس الطَّلَاق وَالْبُيُوع وَسَائِر الْأَحْكَام، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْقَذْف مِثْل ذَلِكَ.
 قَالَ الْمُهَلِّب : وَقَدْ تَكُون الْإِشَارَة فِي كَثِير مِنْ أَبْوَاب الْفِقْه أَقْوَى مِنْ الْكَلَام مِثْل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام :( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) نَعْرِف قُرْب مَا بَيْنهمَا بِمِقْدَارِ زِيَادَة الْوُسْطَى عَلَى السِّبَابَة.
 وَفِي إِجْمَاع الْعُقُول عَلَى أَنَّ الْعِيَان أَقْوَى مِنْ الْخَبَر دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِشَارَة قَدْ تَكُون فِي بَعْض الْمَوَاضِع أَقْوَى مِنْ الْكَلَام.

### الآية 19:33

> ﻿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [19:33]

وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
 يَعْنِي فِي الْآخِرَة.
 لِأَنَّ لَهُ أَحْوَاله ثَلَاثَة فِي الدُّنْيَا حَيًّا، وَفِي الْقَبْر مَيِّتًا، وَفِي الْآخِرَة مَبْعُوثًا ; فَسَلِمَ فِي أَحْوَاله كُلّهَا وَهُوَ قَوْل الْكَلْبِيّ.
 ثُمَّ اِنْقَطَعَ كَلَامه فِي الْمَهْد حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغ الْغِلْمَان.
 وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَأَتْهُ اِمْرَأَة يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص فِي سَائِر آيَاته فَقَالَتْ : طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَك، وَالثَّدْي الَّذِي أَرْضَعَك ; فَقَالَ لَهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : طُوبَى لِمَنْ تَلَا كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ وَعَمِلَ بِهِ.

### الآية 19:34

> ﻿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [19:34]

قُلْت وَوَقَعَ فِي تَارِيخ مِصْر فِيمَا رَأَيْت وَجَاءَ فِي الْإِنْجِيل الظَّاهِر أَنَّ السَّيِّد الْمَسِيح لَمَّا وُلِدَ فِي بَيْت لَحْم كَانَ هيرودس فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَلِكًا وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَى يُوسُف النَّجَّار فِي الْحُلْم وَقَالَ لَهُ قُمْ فَخُذْ الصَّبِيّ وَأُمّه وَاذْهَبْ إِلَى مِصْر وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُول لَك، فَإِنَّ هيرودس مُزْمِع أَنْ يَطْلُب عِيسَى لِيُهْلِكهُ فَقَامَ مِنْ نَوْمه وَامْتَثَلَ أَمْر رَبّه وَأَخَذَ السَّيِّد الْمَسِيح وَمَرْيَم أُمّه وَجَاءَ إِلَى مِصْر، وَفِي حَال مَجِيئِهِ إِلَى مِصْر نَزَلَ بِبِئْرِ الْبَلَسَان الَّتِي بِظَاهِرِ الْقَاهِرَة وَغَسَلَتْ ثِيَابه عَلَى ذَلِكَ الْبِئْر فَالْبَلَسَان لَا يَطْلُع وَلَا يَنْبُت إِلَّا فِي تِلْكَ الْأَرْض وَمِنْهُ يَخْرُج الدُّهْن الَّذِي يُخَالِط الزَّيْت الَّذِي تَعَمَّد بِهِ النَّصَارَى وَلِذَلِكَ كَانَتْ قَارُورَة وَاحِدَة فِي أَيَّام الْمِصْرِيِّينَ لَهَا مِقْدَار عَظِيم، وَتَقَع فِي نُفُوس مُلُوك النَّصَارَى مِثْل مَلِك الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمَلِك صِقِلِّيَة وَمَلِك الْحَبَشَة وَمَلِك النَّوْبَة وَمَلِك الْفِرِنْجَة وَغَيْرهمْ مِنْ الْمُلُوك عِنْدَمَا يُهَادِيهِمْ بِهِ مُلُوك مِصْر مَوْقِعًا جَلِيلًا جِدًّا وَتَكُون أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ كُلّ هَدِيَّة لَهَا قَدْر وَفِي تِلْكَ السَّفْرَة وَصَلَ السَّيِّد الْمَسِيح إِلَى مَدِينَة الْأُشْمُونِينَ وقسقام الْمَعْرُوفَة الْآن بِالْمُحَرَّقَةِ فَلِذَلِكَ يُعَظِّمهَا النَّصَارَى إِلَى الْآنَ، وَيَحْضُرُونَ إِلَيْهَا فِي عِيد الْفِصْح مِنْ كُلّ مَكَان ; لِأَنَّهَا نِهَايَة مَا وَصَلَ إِلَيْهَا مِنْ أَرْض مِصْر، وَمِنْهَا عَادَ إِلَى الشَّام.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 19:35

> ﻿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [19:35]

فَأَصْبَحْت مِثْل النَّسْر طَارَتْ فِرَاخه  إِذَا رَامَ تَطْيَارًا يُقَال لَهُ قَعِ **وَكَمَا قَالَ الْآخَر :**قَالَتْ جَنَاحَاهُ لِسَاقَيْهِ اِلْحَقَا  وَنَجِّيَا لَحْمَكُمَا أَنْ يُمَزَّقَا

### الآية 19:36

> ﻿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [19:36]

هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
 أَيْ دِين قَوِيم لَا اِعْوِجَاج فِيهِ.

### الآية 19:37

> ﻿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [19:37]

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
 أَيْ مِنْ شُهُود يَوْم الْقِيَامَة، وَالْمَشْهَد بِمَعْنَى الْمَصْدَر، وَالشُّهُود الْحُضُور وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْحُضُور لَهُمْ، وَيُضَاف إِلَى الظَّرْف لِوُقُوعِهِ فِيهِ، كَمَا يُقَال : وَيْل لِفُلَانٍ مِنْ قِتَال يَوْم كَذَا ; أَيْ مِنْ حُضُوره ذَلِكَ الْيَوْم.
 وَقِيلَ : الْمَشْهَد بِمَعْنَى الْمَوْضِع الَّذِي يَشْهَدهُ الْخَلَائِق، كَالْمَحْشَرِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْشَر إِلَيْهِ الْخَلْق.
 وَقِيلَ : فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ حُضُورهمْ الْمَشْهَد الْعَظِيم الَّذِي اِجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشَاوُرِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى الْكُفْر بِاَللَّهِ، وَقَوْلهمْ : إِنَّ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة.

### الآية 19:38

> ﻿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [19:38]

فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
 وَأَيّ ضَلَال أَبْيَن مِنْ أَنْ يَعْتَقِد الْمَرْء فِي شَخْص مِثْله حَمَلَتْهُ الْأَرْحَام، وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَأَحْدَثَ وَاحْتَاجَ أَنَّهُ إِلَه ؟ ! وَمَنْ هَذَا وَصْفه أَصَمّ أَعْمَى وَلَكِنَّهُ سَيُبْصِرُ وَيَسْمَع فِي الْآخِرَة إِذَا رَأَى الْعَذَاب، وَلَكِنَّهُ لَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ ; قَالَ مَعْنَاهُ قَتَادَة وَغَيْره.

### الآية 19:39

> ﻿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [19:39]

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ
 رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ أَحَد يَدْخُل النَّار إِلَّا وَلَهُ بَيْت فِي الْجَنَّة فَيَتَحَسَّر عَلَيْهِ.
 وَقِيلَ : تَقَع الْحَسْرَة إِذَا أُعْطِيَ كِتَابه بِشِمَالِهِ.
 " إِذْ قُضِيَ الْأَمْر " أَيْ فُرِغَ مِنْ الْحِسَاب، وَأُدْخِلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار النَّار يُجَاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار فَيُقَال يَا أَهْل الْجَنَّة هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْت - قَالَ - ثُمَّ يُقَال يَا أَهْل النَّار هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْت - قَالَ - فَيُؤْمَر بِهِ فَيُذْبَح ثُمَّ يُقَال يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود فَلَا مَوْت وَيَا أَهْل النَّار خُلُود فَلَا مَوْت - ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَأَنْذِرْهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قُضِيَ الْأَمْر وَهُمْ فِي غَفْلَة وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ " خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ بِمَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر، وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد يَرْفَعهُ وَقَالَ فِيهِ حَدِيث حَسَن صَحِيح.
 وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " وَبَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ الْكُفَّار مُخَلَّدُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَالْآي رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ صِفَة الْغَضَب تَنْقَطِع، وَإِنَّ إِبْلِيس وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْكَفَرَة كَفِرْعَوْن وَهَامَان وَقَارُون وَأَشْبَاههمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة.

### الآية 19:40

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [19:40]

وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
 يَوْم الْقِيَامَة فَنُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " الْحِجْر " وَغَيْرهَا.

### الآية 19:41

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:41]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا
 الْمَعْنَى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَاب الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْك وَهُوَ الْقُرْآن قِصَّة إِبْرَاهِيم وَخَبَره.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الصِّدِّيق فِي " النِّسَاء " وَاشْتِقَاق الصِّدْق فِي " الْبَقَرَة " فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ وَمَعْنَى الْآيَة : اِقْرَأْ عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّد فِي الْقُرْآن أَمْر إِبْرَاهِيم فَقَدْ عَرَفُوا أَنَّهُمْ مِنْ وَلَده، فَإِنَّهُ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ يَتَّخِذ الْأَنْدَاد، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَّخِذُونَ الْأَنْدَاد ؟ ! وَهُوَ كَمَا قَالَ " وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه " \[ الْبَقَرَة : ١٣٠ \]

### الآية 19:42

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [19:42]

تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ
 يُرِيد الْأَصْنَام.

### الآية 19:43

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [19:43]

فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا
 أَيْ أَرْشُدك إِلَى دِين مُسْتَقِيم فِيهِ النَّجَاة.

### الآية 19:44

> ﻿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا [19:44]

الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ
 " كَانَ " صِلَة زَائِدَة وَقِيلَ بِمَعْنَى صَارَ.
 وَقِيلَ بِمَعْنَى الْحَال أَيْ هُوَ لِلرَّحْمَنِ.
 وَعَصِيًّا وَعَاصٍ بِمَعْنًى وَاحِد قَالَهُ الْكِسَائِيّ.

### الآية 19:45

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [19:45]

الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ
 أَيْ قَرِينًا فِي النَّار.

### الآية 19:46

> ﻿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [19:46]

لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ اِعْتَزِلْنِي سَالِم الْعِرْض لَا يُصِيبك مِنِّي مَعَرَّة ; وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ، فَقَوْله :" مَلِيًّا " عَلَى هَذَا حَال مِنْ إِبْرَاهِيم.
 وَقَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد :" مَلِيًّا " دَهْرًا طَوِيلًا ; وَمِنْهُ قَوْل الْمُهَلْهَل :

فَتَصَدَّعَتْ صُمّ الْجِبَال لِمَوْتِهِ  وَبَكَتْ عَلَيْهِ الْمُرْمَلَات مَلِيًّا قَالَ الْكِسَائِيّ : يُقَال هَجَرْته مَلِيًّا وَمَلْوَة وَمُلْوَة وَمَلَاوَة وَمُلَاوَة، فَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْل ظَرْف، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَلَاوَة مِنْ الزَّمَان، وَهُوَ الطَّوِيل مِنْهُ.

### الآية 19:47

> ﻿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [19:47]

إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا
 الْحَفِيّ الْمُبَالِغ فِي الْبِرّ وَالْإِلْطَاف ; يُقَال : حَفِيَ بِهِ وَتَحَفَّى إِذَا بَرَّهُ.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ يُقَال : حَفِيَ بِي حَفَاوَة وَحِفْوَة.
 وَقَالَ الْفَرَّاء :" إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا " أَيْ عَالِمًا لَطِيفًا يُجِيبنِي إِذَا دَعَوْته.

### الآية 19:48

> ﻿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [19:48]

وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا
 قِيلَ : أَرَادَ بِهَذَا الدُّعَاء أَنْ يَهَب اللَّه تَعَالَى لَهُ أَهْلًا وَوَلَدًا يَتَقَوَّى بِهِمْ حَتَّى لَا يَسْتَوْحِش بِالِاعْتِزَالِ عَنْ قَوْمه.
 وَلِهَذَا قَالَ :" فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب " وَقِيلَ :" عَسَى " يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْعَبْد لَا يَقْطَع بِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْمَعْرِفَة أَمْ لَا فِي الْمُسْتَقْبَل وَقِيلَ دَعَا لِأَبِيهِ بِالْهِدَايَةِ.
 ف " عَسَى " شَكّ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجَاب لَهُ فِيهِ أَمْ لَا ؟ وَالْأَوَّل أَظْهَر.

### الآية 19:49

> ﻿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [19:49]

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
 أَيْ آنَسْنَا وَحْشَته بِوَلَدٍ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره.

### الآية 19:50

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [19:50]

وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
 أَيْ أَثْنَيْنَا عَلَيْهِمْ ثَنَاء حَسَنًا ; لِأَنَّ جَمِيع الْمِلَل تُحْسِن الثَّنَاء عَلَيْهِمْ.
 وَاللِّسَان يُذَكَّر وَيُؤَنَّث ; وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 19:51

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:51]

إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا
 فِي عِبَادَته غَيْر مُرَاءٍ.
 وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة بِفَتْحِ اللَّام ; أَيْ أَخْلَصْنَاهُ فَجَعَلْنَاهُ مُخْتَارًا.

### الآية 19:52

> ﻿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [19:52]

وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا
 نُصِبَ عَلَى الْحَال ; أَيْ كَلَّمْنَاهُ مِنْ غَيْر وَحْي.
 وَقِيلَ : أَدْنَيْنَاهُ لِتَقْرِيبِ الْمَنْزِلَة حَتَّى كَلَّمْنَاهُ.
 وَذَكَرَ وَكِيع وَقَبِيصَة عَنْ سُفْيَان عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا " أَيْ أُدْنِيَ حَتَّى سَمِعَ صَرِير الْأَقْلَام.

### الآية 19:53

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [19:53]

وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا
 وَذَلِكَ حِين سَأَلَ فَقَالَ :"وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُون أَخِي " \[ طَه : ٢٩ \]

### الآية 19:54

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:54]

وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا
 قِيلَ : أُرْسِلَ إِسْمَاعِيل إِلَى جُرْهُم.
 وَكُلّ الْأَنْبِيَاء كَانُوا إِذَا وَعَدُوا صَدَقُوا، وَخَصَّ إِسْمَاعِيل بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 19:55

> ﻿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [19:55]

وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
 أَيْ رَضِيًّا زَاكِيًا صَالِحًا.
 قَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء : مِنْ قَالَ مَرْضِيّ بَنَاهُ عَلَى رَضِيت قَالَا : وَأَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ : مَرْضُوّ.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء : مِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول رِضَوَان وَرِضَيَان فَرِضَوَان عَلَى مَرْضُوّ، وَرِضَيَان عَلَى مَرْضِيّ وَلَا يُجِيز الْبَصْرِيُّونَ أَنْ يَقُولُوا إِلَّا رِضَوَان وَرِبَوَان.
 قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : سَمِعْت أَبَا إِسْحَاق الزَّجَّاج يَقُول : يُخْطِئُونَ فِي الْخَطّ فَيَكْتُبُونَ رِبًا بِالْيَاءِ ثُمَّ يُخْطِئُونَ فِيمَا هُوَ أَشَدّ مِنْ هَذَا فَيَقُولُونَ رِبَيَان وَلَا يَجُوز إِلَّا رِبَوَان وَرِضَوَان قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَال النَّاس ".

### الآية 19:56

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:56]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا
 إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام أَوَّل مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وَأَوَّل مَنْ خَاطَ الثِّيَاب وَلَبِسَ الْمَخِيط، وَأَوَّل مَنْ نَظَرَ فِي عِلْم النُّجُوم وَالْحِسَاب وَسَيْرهَا.
 وَسُمِّيَ إِدْرِيس لِكَثْرَةِ دَرْسه لِكِتَابِ اللَّه تَعَالَى.
 وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ صَحِيفَة كَمَا فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ.
 الزَّمَخْشَرِيّ : وَقِيلَ سُمِّيَ إِدْرِيسُ إِدْرِيسَ لِكَثْرَةِ دَرْسه كِتَاب اللَّه تَعَالَى ; وَكَانَ اِسْمه أخنوخ وَهُوَ غَيْر صَحِيح ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِفْعِيلًا مِنْ الدَّرْس لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا سَبَب وَاحِد وَهُوَ الْعَلَمِيَّة وَكَانَ مُنْصَرِفًا، فَامْتِنَاعه مِنْ الصَّرْف دَلِيل عَلَى الْعُجْمَة ; وَكَذَلِكَ إِبْلِيس أَعْجَمِيّ وَلَيْسَ مِنْ الْإِبْلَاس كَمَا يَزْعُمُونَ ; وَلَا يَعْقُوب مِنْ العقب، وَلَا إِسْرَائِيل بإسرال كَمَا زَعَمَ اِبْن السِّكِّيت ; وَمَنْ لَمْ يُحَقِّق وَلَمْ يَتَدَرَّب بِالصِّنَاعَةِ كَثُرَتْ مِنْهُ أَمْثَال هَذِهِ الْهَنَات ; يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام فِي تِلْكَ اللُّغَة قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَحَسِبَهُ الرَّاوِي مُشْتَقًّا مِنْ الدَّرْس.
 قَالَ الثَّعْلَبِيّ وَالْغَزْنَوِيّ وَغَيْرهمَا : وَهُوَ جَدّ نُوح وَهُوَ خَطَأ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْأَعْرَاف : بَيَانه وَكَذَا وَقَعَ فِي السِّيرَة أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَام بْن لامك بْن متوشلخ بْن أخنوخ وَهُوَ إِدْرِيس النَّبِيّ فِيمَا يَزْعُمُونَ ; وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم.
 وَكَانَ أَوَّل مَنْ أُعْطِيَ النُّبُوَّة مِنْ بَنِي آدَم، وَخَطَّ بِالْقَلَمِ.
 اِبْن يرد بْن مهلائيل بْن قينان بْن يانش بْن شِيث بْن آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

### الآية 19:57

> ﻿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [19:57]

فَبَعَثَ اللَّه تَعَالَى بَيْنهمَا مَلَكًا حَكَمًا، فَقَالَ مَا لَك لَا تَخْرُج ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ " كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت " \[ آل عِمْرَان : ١٨٥ \] وَأَنَا ذُقْته، وَقَالَ :" وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " \[ مَرْيَم : ٧١ \] وَقَدْ وَرَدْتهَا ; وَقَالَ :" وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ " \[ الْحِجْر : ٤٨ \] فَكَيْفَ أَخْرُج ؟ قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمَلَكِ الْمَوْت :" بِإِذْنِي دَخَلَ الْجَنَّة وَبِأَمْرِي يَخْرُج " فَهُوَ حَيّ هُنَالِكَ فَذَلِكَ قَوْله " وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا " قَالَ النَّحَّاس : قَوْل إِدْرِيس " وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ " يَجُوز أَنْ يَكُون اللَّه أَعْلَمَ هَذَا إِدْرِيس، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآن بِهِ.
 قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : فَإِدْرِيس تَارَة يَرْتَع فِي الْجَنَّة، وَتَارَة يَعْبُد اللَّه تَعَالَى مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء.

### الآية 19:58

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ [19:58]

خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا
 وَصَفَهُمْ بِالْخُشُوعِ لِلَّهِ وَالْبُكَاء.
 وَقَدْ مَضَى فِي " سُبْحَان " \[ الْإِسْرَاء : ١ \].
 يُقَال بَكَى يَبْكِي بُكَاء وَبَكَى بُكِيًّا، إِلَّا أَنَّ الْخَلِيل قَالَ : إِذَا قَصَرْت الْبُكَاء فَهُوَ مِثْل الْحُزْن ; أَيْ لَيْسَ مَعَهُ صَوْت كَمَا قَالَ الشَّاعِر :

بَكَتْ عَيْنِي وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا  وَمَا يُغْنِي الْبُكَاء وَلَا الْعَوِيل " وَسُجَّدًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال " وَبُكِيًّا " عَطْف عَلَيْهِ.
 فِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَنَّ لِآيَاتِ الرَّحْمَن تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوب.
 قَالَ الْحَسَن ( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَات الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) فِي الصَّلَاة.
 وَقَالَ الْأَصَمّ : الْمُرَاد بِآيَات الرَّحْمَن الْكُتُب الْمُتَضَمِّنَة لِتَوْحِيدِهِ وَحُجَجه، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ عِنْد تِلَاوَتهَا، وَيَبْكُونَ عِنْد ذِكْرهَا.
 وَالْمَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْقُرْآن خَاصَّة، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ وَيَبْكُونَ عِنْد تِلَاوَته ; قَالَ إِلْكِيَا : وَفِي هَذَا دَلَالَة مِنْ قَوْله عَلَى أَنَّ الْقُرْآن هُوَ الَّذِي كَانَ يُتْلَى عَلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُخْتَصًّا بِإِنْزَالِهِ إِلَيْهِ.
 اِحْتَجَّ أَبُو بَكْر الرَّازِيّ بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى وُجُوب سُجُود الْقُرْآن عَلَى الْمُسْتَمِع وَالْقَارِئ.
 قَالَ إِلْكِيَا : وَهَذَا بَعِيد فَإِنَّ هَذَا الْوَصْف شَامِل لِكُلِّ آيَات اللَّه تَعَالَى.
 وَضَمَّ السُّجُود إِلَى الْبُكَاء، وَأَبَانَ بِهِ عَنْ طَرِيقَة الْأَنْبِيَاء الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي تَعْظِيمهمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَآيَاته، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى وُجُوب ذَلِكَ عِنْد آيَة مَخْصُوصَة.
 قَالَ الْعُلَمَاء : يَنْبَغِي لِمَنْ قَرَأَ سَجْدَة أَنْ يَدْعُو فِيهَا بِمَا يَلِيق بِآيَاتِهَا، فَإِنْ قَرَأَ سُورَة السَّجْدَة " أَلَمْ تَنْزِيل " قَالَ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ السَّاجِدِينَ لِوَجْهِك، الْمُسَبِّحِينَ بِحَمْدِك، وَأَعُوذ بِك أَنْ أَكُون مِنْ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أَمْرك.
 وَإِنْ قَرَأَ سَجْدَة " سُبْحَان " قَالَ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ الْبَاكِينَ إِلَيْك، الْخَاشِعِينَ لَك.
 وَإِنْ قَرَأَ هَذِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ عِبَادك الْمُنْعَم عَلَيْهِمْ، الْمَهْدِيِّينَ السَّاجِدِينَ لَك، الْبَاكِينَ عِنْد تِلَاوَة آيَاتك.

### الآية 19:59

> ﻿۞ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [19:59]

فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
 قَالَ اِبْن زَيْد شَرًّا أَوْ ضَلَالًا أَوْ خَيْبَة قَالَ

فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَد النَّاس أَمْره  وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَم عَلَى الْغَيّ لَائِمًا وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود :( هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم وَالتَّقْدِير عِنْد أَهْل اللُّغَة فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ هَذَا الْغَيّ ) كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْره :" وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا " \[ الْفُرْقَان : ٦٨ \] وَالْأَظْهَر أَنَّ الْغَيّ اِسْم لِلْوَادِي سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْغَاوِينَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ قَالَ كَعْب ( يَظْهَر فِي آخِر الزَّمَان قَوْم بِأَيْدِيهِمْ سِيَاط كَأَذْنَابِ الْبَقَر ثُمَّ قَرَأَ " فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " أَيْ هَلَاكًا وَضَلَالًا فِي جَهَنَّم وَعَنْهُ غَيّ وَادٍ فِي جَهَنَّم أَبْعَدهَا قَعْرًا وَأَشَدّهَا حَرًّا فِيهِ بِئْر يُسَمَّى الْبَهِيم كُلَّمَا خَبَتْ جَهَنَّم فَتَحَ اللَّه تَعَالَى تِلْكَ الْبِئْر فَتُسَعَّر بِهَا جَهَنَّم وَقَالَ اِبْن عَبَّاس غَيّ وَادٍ فِي جَهَنَّم وَأَنَّ أَوْدِيَة جَهَنَّم لَتَسْتَعِيذَ مِنْ حَرّه أَعَدَّ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ الْوَادِي لِلزَّانِي الْمُصِرّ عَلَى الزِّنَا، وَلِشَارِبِ الْخَمْر الْمُدْمِن عَلَيْهِ وَلِآكِلِ الرِّبَا الَّذِي لَا يَنْزِع عَنْهُ وَلِأَهْلِ الْعُقُوق وَلِشَاهِدِ الزُّور وَلِامْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى زَوْجهَا وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ.

### الآية 19:60

> ﻿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [19:60]

وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا
 أَيْ لَا يُنْقَص مِنْ أَعْمَالهمْ الصَّالِحَة شَيْء إِلَّا أَنَّهُمْ يُكْتَب لَهُمْ بِكُلِّ حَسَنَة عَشْر إِلَى سَبْعمِائَةِ

### الآية 19:61

> ﻿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [19:61]

إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
 "مَأْتِيًّا " مَفْعُول مِنْ الْإِتْيَان.
 وَكُلّ مَا وَصَلَ إِلَيْك فَقَدْ وَصَلْت إِلَيْهِ تَقُول أَتَتْ عَلَيَّ سِتُّونَ سَنَة وَأَتَيْت عَلَى سِتِّينَ سَنَة.
 وَوَصَلَ إِلَيَّ مِنْ فُلَان خَيْر وَوَصَلْت مِنْهُ إِلَى خَيْر وَقَالَ الْقُتَبِيّ " مَأْتِيًّا " بِمَعْنَى آتٍ فَهُوَ مَفْعُول بِمَعْنَى فَاعِل و " مَأْتِيًّا " مَهْمُوز لِأَنَّهُ مِنْ أَتَى يَأْتِي وَمَنْ خَفَّفَ الْهَمْزَة جَعَلَهَا أَلِفًا وَقَالَ الطَّبَرِيّ الْوَعْد هَاهُنَا الْمَوْعُود وَهُوَ الْجَنَّة أَيْ يَأْتِيهَا أَوْلِيَاؤُهُ

### الآية 19:62

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:62]

وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
 أَيْ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب بُكْرَة وَعَشِيًّا أَيْ قَدْر هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إِذْ لَا بُكْرَة ثَمَّ وَلَا عَشِيًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " غُدُوّهَا شَهْر وَرَوَاحهَا شَهْر " \[ سَبَأ : ١٢ \] أَيْ قَدْر شَهْر ; قَالَ مَعْنَاهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُرَيْج وَغَيْرهمَا وَقِيلَ عَرَّفَهُمْ اِعْتِدَال أَحْوَال أَهْل الْجَنَّة وَكَانَ أَهْنَأ النِّعْمَة عِنْد الْعَرَب التَّمْكِين مِنْ الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب بُكْرَة وَعَشِيًّا قَالَ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَقَتَادَة كَانَتْ الْعَرَب فِي زَمَانهَا مَنْ وَجَدَ غَدَاء وَعَشَاء مَعًا فَذَلِكَ هُوَ النَّاعِم فَنَزَلَتْ وَقِيلَ أَيْ رِزْقهمْ فِيهَا غَيْر مُنْقَطِع كَمَا قَالَ ( لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة ) \[ الْوَاقِعَة : ٣٣ \] وَهُوَ كَمَا تَقُول أَنَا أُصْبِح وَأُمْسِي فِي ذِكْرك أَيْ ذِكْرِي لَك دَائِم.
 وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْبُكْرَة قَبْل تَشَاغُلهمْ بِلَذَّاتِهِمْ وَالْعَشِيّ بَعْد فَرَاغهمْ مِنْ لَذَّاتهمْ لِأَنَّهُ يَتَخَلَّلهَا فَتَرَات انْتِقَال مِنْ حَال إِلَى حَال وَهَذَا يَرْجِع إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس قَالَ قَالَ مَالِك بْن أَنَس طَعَام الْمُؤْمِنِينَ فِي الْيَوْم مَرَّتَانِ وَتَلَا قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَلَهُمْ رِزْقهمْ فِيهَا بُكْرَة وَعَشِيًّا " ثُمَّ قَالَ : وَعَوَّضَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصِّيَام السُّحُور بَدَلًا مِنْ الْغَدَاء لِيَقْوَوْا بِهِ عَلَى عِبَادَة رَبّهمْ وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّ صِفَة الْغَدَاء وَهَيْئَته \[ تَخْتَلِف \] عَنْ صِفَة الْعَشَاء وَهَيْئَته ; وَهَذَا لَا يَعْرِفهُ إِلَّا الْمُلُوك وَكَذَلِكَ يَكُون فِي الْجَنَّة رِزْق الْغَدَاء غَيْر رِزْق الْعَشَاء تَتْلُونَ عَلَيْهِمْ النِّعَم لِيَزْدَادُوا تَنَعُّمًا وَغِبْطَة.
 وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي ( نَوَادِر الْأُصُول ) مِنْ حَدِيث أَبَان عَنْ الْحَسَن وَأَبِي قِلَابَة قَالَا قَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه هَلْ فِي الْجَنَّة مِنْ لَيْل ؟ قَالَ ( وَمَا هَيَّجَك عَلَى هَذَا ) قَالَ سَمِعْت اللَّه تَعَالَى يَذْكُر فِي الْكِتَاب :" وَلَهُمْ رِزْقهمْ فِيهَا بُكْرَة وَعَشِيًّا " فَقُلْت : اللَّيْل بَيْن الْبُكْرَة وَالْعَشِيّ وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَيْسَ هُنَاكَ لَيْل إِنَّمَا هُوَ ضَوْء وَنُور يَرُدّ الْغُدُوّ عَلَى الرَّوَاح وَالرَّوَاح عَلَى الْغُدُوّ وَتَأْتِيهِمْ طُرَف الْهَدَايَا مِنْ اللَّه تَعَالَى لِمَوَاقِيت الصَّلَاة الَّتِي كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا وَتُسَلِّم عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة ) وَهَذَا فِي غَايَة الْبَيَان لِمَعْنَى الْآيَة وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَقَالَ الْعُلَمَاء لَيْسَ فِي الْجَنَّة لَيْل وَلَا نَهَار وَإِنَّمَا هُمْ فِي نُور أَبَدًا إِنَّمَا يَعْرِفُونَ مِقْدَار اللَّيْل مِنْ النَّهَار بِإِرْخَاءِ الْحُجُب وَإِغْلَاق الْأَبْوَاب وَيَعْرِفُونَ مِقْدَار النَّهَار بِرَفْعِ الْحُجُب وَفَتْح الْأَبْوَاب ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ وَالْمَهْدَوِيّ وَغَيْرهمَا.

### الآية 19:63

> ﻿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [19:63]

مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( أَيْ مَنْ اِتَّقَانِي وَعَمِلَ بِطَاعَتِي ) وَقِيلَ هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير تَقْدِيره نُورِث مَنْ كَانَ تَقِيًّا مِنْ عِبَادنَا.
 رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيل ( مَا مَنَعَك أَنْ تَزُورنَا أَكْثَر مِمَّا تَزُورنَا ) قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة

### الآية 19:64

> ﻿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [19:64]

وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
 أَيْ نَاسِيًا إِذَا شَاءَ أَنْ يُرْسِل إِلَيْك أَرْسَلَ وَقِيلَ الْمَعْنَى لَمْ يَنْسَك وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْك الْوَحْي وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَالِم بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء مُتَقَدِّمهَا وَمُتَأَخِّرهَا وَلَا يَنْسَى شَيْئًا مِنْهَا.

### الآية 19:65

> ﻿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [19:65]

هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس يُرِيد هَلْ تَعْلَم لَهُ وَلَدًا أَيْ نَظِيرًا أَوْ مِثْلًا أَوْ شَبِيهًا يَسْتَحِقّ مِثْل اِسْمه الَّذِي هُوَ الرَّحْمَن وَقَالَ مُجَاهِد مَأْخُوذ مِنْ الْمُسَامَاة وَرَوَى إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ ( هَلْ تَعْلَم لَهُ أَحَدًا سُمِّيَ الرَّحْمَن ).
 قَالَ النَّحَّاس وَهَذَا أَجَلّ إِسْنَاد عَلِمْته رُوِيَ فِي هَذَا الْحَرْف وَهُوَ قَوْل صَحِيح وَلَا يُقَال الرَّحْمَن إِلَّا لِلَّهِ
 قُلْت وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي الْبَسْمَلَة وَالْحَمْد لِلَّهِ رَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد ( هَلْ تَعْلَم لَهُ سَمِيًّا ) قَالَ : مِثْلًا.
 اِبْن الْمُسَيِّب : عَدْلًا.
 قَتَادَة وَالْكَلْبِيّ : هَلْ تَعْلَم أَحَدًا يُسَمِّي اللَّه تَعَالَى غَيْر اللَّه أَوْ يُقَال لَهُ اللَّه إِلَّا اللَّه وَهَلْ بِمَعْنَى لَا أَيْ لَا تَعْلَم وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم.

### الآية 19:66

> ﻿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [19:66]

وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
 الْإِنْسَان هُنَا أُبَيّ بْن خَلَف وَجَدَ عِظَامًا بَالِيَة فَفَتَّتَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ : زَعَمَ مُحَمَّد أَنَا نُبْعَث بَعْد الْمَوْت قَالَهُ الْكَلْبِيّ ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيّ وَالثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَأَصْحَابه وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَاللَّام فِي " لَسَوْفَ أُخْرَج حَيًّا " لِلتَّأْكِيدِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ إِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ تُبْعَث حَيًّا فَقَالَ " أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَج حَيًّا " ! قَالَ ذَلِكَ مُنْكِرًا فَجَاءَتْ اللَّام فِي الْجَوَاب كَمَا كَانَتْ فِي الْقَوْل الْأَوَّل وَلَوْ كَانَ مُبْتَدَأ لَمْ تَدْخُل اللَّام لِأَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْإِيجَاب وَهُوَ مُنْكَر لِلْبَعْثِ وَقَرَأَ اِبْن ذَكْوَان " إِذَا مَا مِتُّ " عَلَى الْخَبَر وَالْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ عَلَى أُصُولهمْ بِالْهَمْزِ وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو حَيْوَة " لَسَوْفَ أَخْرُج حَيًّا " قَالَهُ اِسْتِهْزَاء لِأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ وَالْإِنْسَان هَاهُنَا الْكَافِر

### الآية 19:67

> ﻿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [19:67]

وَلَمْ يَكُ شَيْئًا
 فَالْإِعَادَة مِثْل الِابْتِدَاء فَلِمَ يُنَاقِض وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة إِلَّا عَاصِمًا وَأَهْل مَكَّة وَأَبُو عُمَر وَأَبُو جَعْفَر " أَوَلَا يَذَّكَّر " وَقَرَأَ شَيْبَة وَنَافِع وَعَاصِم " أَوَلَا يَذْكُر " بِالتَّخْفِيفِ.
 وَالِاخْتِيَار التَّشْدِيد وَأَصْله يَتَذَكَّر لِقَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّمَا يَتَذَكَّر أُولُو الْأَلْبَاب " وَأَخَوَاتهَا وَفِي حَرْف أُبَيّ " أَوَلَا يَتَذَكَّر " وَهَذِهِ الْقِرَاءَة عَلَى التَّفْسِير لِأَنَّهَا مُخَالِفَة لِخَطِّ الْمُصْحَف : وَمَعْنَى " يَتَذَكَّر " يَتَفَكَّر وَمَعْنَى " يَذْكُر " يَتَنَبَّه وَيَعْلَم قَالَهُ النَّحَّاس

### الآية 19:68

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [19:68]

ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
 أَيْ جِثِيًّا عَلَى رُكَبهمْ عَنْ مُجَاهِد وَقَتَادَة أَيْ أَنَّهُمْ لِشِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْقِيَام " وَحَوْل جَهَنَّم " يَجُوز أَنْ يَكُون دَاخِلهَا كَمَا تَقُول : جَلَسَ الْقَوْم حَوْل الْبَيْت أَيْ دَاخِله مُطِيفِينَ بِهِ فَقَوْله ( حَوْل جَهَنَّم ) عَلَى هَذَا يَجُوز أَنْ يَكُون بَعْد الدُّخُول وَيَجُوز أَنْ يَكُون قَبْل الدُّخُول /و " جِثِيًّا " جَمْع جَاثٍ.
 يُقَال جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَجْثُو وَيَجْثِي جُثُوًّا وَجُثِيًّا عَلَى فُعُول فِيهِمَا وَأَجْثَاهُ غَيْره وَقَوْم جُثِيّ أَيْضًا مِثْل جَلَسَ جُلُوسًا وَقَوْم جُلُوس، وَجِثِيّ أَيْضًا بِكَسْرِ الْجِيم لِمَا بَعْدهَا مِنْ الْكَسْر وَقَالَ اِبْن عَبَّاس :" جِثِيًّا " جَمَاعَات وَقَالَ مُقَاتِل : جَمْعًا جَمْعًا وَهُوَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل جَمْع جُثْوَة وَجَثْوَة وَجِثْوَة ثَلَاث لُغَات وَهِيَ الْحِجَارَة الْمَجْمُوعَة وَالتُّرَاب الْمَجْمُوع فَأَهْل الْخَمْر عَلَى حِدَة وَأَهْل الزِّنَا عَلَى حِدَة وَهَكَذَا قَالَ طَرَفَة

تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَاب عَلَيْهَا  صَفَائِح صُمّ مِنْ صَفِيح مُنَضَّد وَقَالَ الْحَسَن وَالضَّحَّاك جَاثِيَة عَلَى الرُّكَب وَهُوَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل جَمْع جَاثٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ لِضِيقِ الْمَكَان أَيْ لَا يُمْكِنهُمْ أَنْ يَجْلِسُوا جُلُوسًا تَامًّا وَقِيلَ جِثِيًّا عَلَى رُكَبهمْ لِلتَّخَاصُمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْم الْقِيَامَة عِنْد رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ " \[ الزُّمَر : ٣١ \] وَقَالَ الْكُمَيْت :هُمْ تَرَكُوا سَرَاتهمْ جِثِيًّا  وَهُمْ دُون السَّرَاة مُقَرَّنِينَا

### الآية 19:69

> ﻿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا [19:69]

قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ النَّحْوِيِّينَ إِلَّا وَقَدْ خَطَّأَ سِيبَوَيْهِ فِي هَذَا وَسَمِعْت أَبَا إِسْحَاق يَقُول : مَا يَبِين لِي أَنَّ سِيبَوَيْهِ غَلِطَ فِي كِتَابه إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ هَذَا أَحَدهمَا ; قَالَ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَعْرَبَ أَيًّا وَهِيَ مُفْرَدَة لِأَنَّهَا تُضَاف، فَكَيْفَ يَبْنِيهَا وَهِيَ مُضَافَة ؟ ! وَلَمْ يَذْكُر أَبُو إِسْحَاق فِيمَا عَلِمْت إِلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَة الْأَقْوَال أَبُو عَلِيّ إِنَّمَا وَجَبَ الْبِنَاء عَلَى مَذْهَب سِيبَوَيْهِ لِأَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ مَا يَتَعَرَّف بِهِ وَهُوَ الضَّمِير مَعَ اِفْتِقَار إِلَيْهِ كَمَا حَذَفَ فِي " مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد " مَا يَتَعَرَّفَانِ بِهِ مَعَ اِفْتِقَار الْمُضَاف إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّ الصِّلَة تُبَيِّن الْمَوْصُول وَتُوَضِّحهُ كَمَا أَنَّ الْمُضَاف إِلَيْهِ يُبَيِّن الْمُضَاف وَيُخَصِّصهُ قَالَ أَبُو جَعْفَر وَفِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو إِسْحَاق قَالَ الْكِسَائِيّ " لَنَنْزِعَنَّ " وَاقِعَة عَلَى الْمَعْنَى كَمَا تَقُول لَبِسْت مِنْ الثِّيَاب وَأَكَلْت مِنْ الطَّعَام، وَلَمْ يَقَع " لَنَنْزِعَنَّ " عَلَى " أَيّهمْ " فَيَنْصِبهَا.
 زَادَ الْمَهْدَوِيّ : وَإِنَّمَا الْفِعْل عِنْده وَاقِع عَلَى مَوْضِع " مِنْ كُلّ شِيعَة " وَقَوْله :" أَيّهمْ أَشَدّ " جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة مُرْتَفِعَة بِالِابْتِدَاءِ وَلَا يَرَى سِيبَوَيْهِ زِيَادَة " مِنْ " فِي الْوَاجِب وَقَالَ الْفَرَّاء الْمَعْنَى ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ بِالنِّدَاءِ وَمَعْنَى " لَنَنْزِعَنَّ " لَنُنَادِيَنَّ.
 الْمَهْدَوِيّ : وَنَادَى فَعَلَ يُعَلَّق إِذَا كَانَ بَعْده جُمْلَة كَظَنَنْت فَتَعْمَل فِي الْمَعْنَى وَلَا تَعْمَل فِي اللَّفْظ قَالَ أَبُو جَعْفَر وَحَكَى أَبُو بَكْر بْن شُقَيْر أَنَّ بَعْض الْكُوفِيِّينَ يَقُول فِي " أَيّهمْ " مَعْنَى الشَّرْط وَالْمُجَازَاة فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَل فِيهَا مَا قَبْلهَا وَالْمَعْنَى ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلّ فِرْقَة إِنْ تَشَايَعُوا أَوْ لَمْ يَتَشَايَعُوا كَمَا تَقُول ضَرَبْت الْقَوْم أَيّهمْ غَضِبَ وَالْمَعْنَى إِنْ غَضِبُوا أَوْ لَمْ يَغْضَبُوا قَالَ أَبُو جَعْفَر فَهَذِهِ سِتَّة أَقْوَال وَسَمِعْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَحْكِي عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد قَالَ " أَيّهمْ " مُتَعَلِّق " بِشِيعَةٍ " فَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَالْمَعْنَى ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ الَّذِينَ تَشَايَعُوا أَيّهمْ أَيْ مِنْ الَّذِينَ تَعَاوَنُوا فَنَظَرُوا أَيّهمْ أَشَدّ عَلَى الرَّحْمَن عِتِيًّا وَهَذَا قَوْل حَسَن وَقَدْ حَكَى الْكِسَائِيّ أَنَّ التَّشَايُع التَّعَاوُن و " عِتِيًّا " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان

### الآية 19:70

> ﻿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا [19:70]

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا
 أَيْ أَحَقّ بِدُخُولِ النَّار يُقَال صَلَّى يَصْلَى صُلِيًّا نَحْو مَضَى الشَّيْء يَمْضِي مُضِيًّا إِذَا ذَهَبَ وَهَوَى يَهْوِي هُوِيًّا وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ وَيُقَال صَلَيْت الرَّجُل نَارًا إِذَا أَدْخَلْته النَّار وَجَعَلْته يَصْلَاهَا فَإِنْ أَلْقَيْته فِيهَا إِلْقَاء كَأَنَّك تُرِيد الْإِحْرَاق قُلْت : أَصْلَيْته بِالْأَلِفِ وَصَلَيْته تَصْلِيَة وَقُرِئَ " وَيُصَلَّى سَعِيرًا " وَمَنْ خَفَّفَ فَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : صَلِيَ فُلَان بِالنَّارِ ( بِالْكَسْرِ ) يَصْلَى صِلِيًّا اِحْتَرَقَ قَالَ اللَّه تَعَالَى " هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا " قَالَ الْعَجَّاج
 وَاَللَّه لَوْلَا النَّار أَنْ نَصْلَاهَا
 وَيُقَال أَيْضًا صَلِيَ بِالْأَمْرِ إِذَا قَاسَى حَرّه وَشِدَّته قَالَ الطُّهَوِيّ

وَلَا تَبْلَى بَسَالَتهمْ وَإِنْ هُمْ  صَلُوا بِالْحَرْبِ حِينًا بَعْد حِين وَاصْطَلَيْت بِالنَّارِ وَتَصَلَّيْت بِهَا قَالَ أَبُو زُبَيْدوَقَدْ تَصَلَّيْت حَرّ حَرْبهمْ  كَمَا تَصَلَّى الْمَقْرُور مِنْ قَرَس وَفُلَان لَا يُصْطَلَى بِنَارِهِ إِذَا كَانَ شُجَاعًا لَا يُطَاق.

### الآية 19:71

> ﻿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [19:71]

وَهَذَا إِجْمَاع مِنْ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَلَمْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ إِلَّا فِرْقَة شَذَّتْ مِنْ الْجَبْرِيَّة فَجَعَلَتْهُمْ الْمَشِيئَة وَهُوَ قَوْل مَهْجُور مَرْدُود بِإِجْمَاعِ الْحُجَّة الَّذِينَ لَا تَجُوز مُخَالَفَتهمْ، وَلَا يَجُوز عَلَى مِثْلهمْ الْغَلَط إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْبَار الْآحَاد الثِّقَات الْعُدُول ; وَأَنَّ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ( الشَّقِيّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْن أُمّه وَالسَّعِيد مَنْ سَعِدَ فِي بَطْن أُمّه وَأَنَّ الْمَلَك يَنْزِل فَيَكْتُب أَجَله وَعَمَله وَرِزْقه ) الْحَدِيث مَخْصُوص، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ قَبْل الِاكْتِسَاب فَهُوَ مِمَّنْ سَعِدَ فِي بَطْن أُمّه وَلَمْ يَشْقَ بِدَلِيلِ الْأَحَادِيث وَالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهَا :( يَا عَائِشَة إِنَّ اللَّه خَلَقَ الْجَنَّة وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ وَخَلَقَ النَّار وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَهُمْ فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ ) سَاقِط ضَعِيف مَرْدُود بِالْإِجْمَاعِ وَالْآثَار وَطَلْحَة بْن يَحْيَى الَّذِي يَرْوِيه ضَعِيف لَا يُحْتَجّ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ فَلَا يُعَرَّج عَلَيْهِ.
 وَقَدْ رَوَى شُعْبَة عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة بْن إِيَاس الْمُزَنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار مَاتَ لَهُ اِبْن صَغِير فَوَجَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَا يَسُرّك أَلَّا تَأْتِي بَابًا مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة إِلَّا وَجَدْته يَسْتَفْتِح لَك ) فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه أَلَهُ خَاصَّة أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّة ؟ قَالَ ( بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّة ) قَالَ أَبُو عُمَر هَذَا حَدِيث ثَابِت صَحِيح يَعْنِي مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ إِجْمَاع الْجُمْهُور ; وَهُوَ يُعَارِض حَدِيث يَحْيَى وَيَدْفَعهُ قَالَ أَبُو عُمَر : الْوَجْه عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْآثَار أَنَّهَا لِمَنْ حَافَظَ عَلَى أَدَاء فَرَائِضه وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِر، وَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ فِي مُصِيبَته ; فَإِنَّ الْخِطَاب لَمْ يَتَوَجَّه فِي ذَلِكَ الْعَصْر إِلَّا إِلَى قَوْم الْأَغْلَب مِنْ أَمْرهمْ مَا وَصَفْنَا وَهُمْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَذَكَرَ النَّقَّاش عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَ قَوْله تَعَالَى " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا " قَوْله " إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ " \[ الْأَنْبِيَاء : ١٠١ \] وَهَذَا ضَعِيف، وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِع نَسْخ.
 وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَمَسّهُ النَّار فَقَدْ أُبْعِدَ عَنْهَا وَفِي الْخَبَر :( تَقُول النَّار لِلْمُؤْمِنِ يَوْم الْقِيَامَة جُزْ يَا مُؤْمِن فَقَدْ أَطْفَأَ نُورك لَهَبِي ).
 الْخَامِسَة : قَوْله تَعَالَى :" كَانَ عَلَى رَبّك حَتْمًا مَقْضِيًّا " الْحَتْم إِيجَاب الْقَضَاء أَيْ كَانَ ذَلِكَ حَتْمًا.
 " مَقْضِيًّا " أَيْ قَضَاهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْكُمْ وَقَالَ اِبْن مَسْعُود أَيْ قَسَمًا وَاجِبًا

### الآية 19:72

> ﻿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [19:72]

وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا
 وَهَذَا مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْوُرُود الدُّخُول لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَنُدْخِل الظَّالِمِينَ وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى وَالْمَذْهَب أَنَّ صَاحِب الْكَبِيرَة وَإِنْ دَخَلَهَا فَإِنَّهُ يُعَاقِب بِقَدْرِ ذَنْبه ثُمَّ يَنْجُو وَقَالَتْ الْمُرْجِئَة لَا يَدْخُل.
 وَقَالَتْ الْوَعِيدِيَّة : يُخَلَّد وَقَدْ مَضَى بَيَان هَذَا فِي غَيْر مَوْضِع وَقَرَأَ عَاصِم الْجَحْدَرِيّ وَمُعَاوِيَة بْن قُرَّة " ثُمَّ نُنْجِي " مُخَفَّفَة مِنْ أَنْجَى وَهِيَ قِرَاءَة حُمَيْد وَيَعْقُوب وَالْكِسَائِيّ وَثَقَّلَ الْبَاقُونَ وَقَرَأَ اِبْن أَبِي لَيْلَى " ثَمَّهْ " بِفَتْحِ الثَّاء أَيْ هُنَاكَ و " ثُمَّ " ظَرْف إِلَّا أَنَّهُ مَبْنِيّ لِأَنَّهُ غَيْر مُحَصَّل فَبُنِيَ كَمَا بُنِيَ ذَا ; وَالْهَاء يَجُوز أَنْ تَكُون لِبَيَانِ الْحَرَكَة فَتُحْذَف فِي الْوَصْل وَيَجُوز أَنْ تَكُون لِتَأْنِيثِ الْبُقْعَة فَتَثْبُت فِي الْوَصْل تَاء.

### الآية 19:73

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [19:73]

أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا
 قَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد وَشِبْل بْن عَبَّاد " مُقَامًا " بِضَمِّ الْمِيم وَهُوَ مَوْضِع الْإِقَامَة.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْإِقَامَة الْبَاقُونَ " مَقَامًا " بِالْفَتْحِ ; أَيْ مَنْزِلًا وَمَسْكَنًا.
 وَقِيلَ : الْمُقَام الْمَوْضِع الَّذِي يُقَام فِيهِ بِالْأُمُورِ الْجَلِيلَة ; أَيْ أَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْثَر جَاهًا وَأَنْصَارًا.
 " وَأَحْسَن نَدِيًّا " أَيْ مَجْلِسًا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْهُ أَيْضًا الْمَنْظَر وَهُوَ الْمَجْلِس فِي اللُّغَة وَهُوَ النَّادِي وَمِنْهُ دَار النَّدْوَة لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا فِي أُمُورهمْ وَنَادَاهُ جَالَسَهُ فِي النَّادِي قَالَ
 أُنَادِي بِهِ آل الْوَلِيد وَجَعْفَرَا
 وَالنَّدِيّ عَلَى فَعِيل مَجْلِس الْقَوْم وَمُتَحَدَّثهمْ، وَكَذَلِكَ النَّدْوَة وَالنَّادِي \[ وَالْمُنْتَدَى \] وَالْمُتَنَدَّى، فَإِنْ تَفَرَّقَ الْقَوْم فَلَيْسَ بِنَدِيٍّ قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ.

### الآية 19:74

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [19:74]

وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( زُوِيَتْ لِي الْأَرْض ) أَيْ جُمِعَتْ ; أَيْ فَلَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْ عَذَاب اللَّه تَعَالَى ; فَلْيَعِشْ هَؤُلَاءِ مَا شَاءُوا فَمَصِيرهمْ إِلَى الْمَوْت وَالْعَذَاب وَإِنْ عُمِّرُوا ; أَوْ الْعَذَاب الْعَاجِل يَأْخُذهُمْ اللَّه تَعَالَى بِهِ.

### الآية 19:75

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا [19:75]

فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا
 أَيْ تَنْكَشِف حِينَئِذٍ الْحَقَائِق وَهَذَا رَدّ لِقَوْلِهِمْ :( أَيّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْر مَقَامًا وَأَحْسَن نَدِيًّا ).

### الآية 19:76

> ﻿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [19:76]

وَخَيْرٌ مَرَدًّا
 أَيْ فِي الْآخِرَة مِمَّا اِفْتَخَرَ بِهِ الْكُفَّار فِي الدُّنْيَا.
 و ( الْمَرَدّ ) مَصْدَر كَالرَّدِّ ; أَيْ وَخَيْر رَدًّا عَلَى عَامِلهَا بِالثَّوَابِ ; يُقَال هَذَا أَرَدّ عَلَيْك أَيْ أَنْفَع لَك.
 وَقِيلَ " خَيْر مَرَدًّا " أَيْ مَرْجِعًا فَكُلّ أَحَد يُرَدّ إِلَى عَمَله الَّذِي عَمِلَهُ.

### الآية 19:77

> ﻿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [19:77]

وَالثَّانِي : أَنَّ قَيْسًا تَجْعَل الْوُلْد بِالضَّمِّ جَمْعًا وَالْوَلَد بِالْفَتْحِ وَاحِدًا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَفِي قَوْله تَعَالَى " لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا " وَجْهَانِ أَحَدهمَا أَنَّهُ أَرَادَ فِي الْجَنَّة اِسْتِهْزَاء بِمَا وَعَدَ اللَّه تَعَالَى عَلَى طَاعَته وَعِبَادَته ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ.
 الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور وَفِيهِ وَجْهَانِ مُحْتَمِلَانِ أَحَدهمَا إِنْ أَقَمْت عَلَى دِين آبَائِي وَعِبَادَة آلِهَتِي لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا الثَّانِي : وَلَوْ كُنْت عَلَى بَاطِل لَمَا أُوتِيت مَالًا وَوَلَدًا قُلْت : قَوْل الْكَلْبِيّ أَشْبَه بِظَاهِرِ الْأَحَادِيث بَلْ نَصّهَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ مَسْرُوق سَمِعْت خَبَّاب بْن الْأَرَتّ يَقُول جِئْت الْعَاصِي بْن وَائِل السَّهْمِيّ أَتَقَاضَاه حَقًّا لِي عِنْده فَقَالَ : لَا أُعْطِيك حَتَّى تَكْفُر بِمُحَمَّدٍ فَقُلْت لَا حَتَّى تَمُوت ثُمَّ تُبْعَث قَالَ وَإِنِّي لَمَيِّت ثُمَّ مَبْعُوث ؟! فَقُلْت نَعَمْ فَقَالَ إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيك فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح

### الآية 19:78

> ﻿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:78]

أَطَّلَعَ الْغَيْبَ
 أَلِفه أَلِف اِسْتِفْهَام لِمَجِيءِ " أَمْ " بَعْدهَا وَمَعْنَاهُ التَّوْبِيخ وَأَصْله أَاطَّلَعَ فَحُذِفَتْ الْأَلِف الثَّانِيَة لِأَنَّهَا أَلِف وَصْل فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا أَتَوْا بِمَدَّةٍ بَعْد الْأَلِف فَقَالُوا آطَّلَعَ كَمَا قَالُوا " آللَّهُ خَيْر " " آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ " قِيلَ لَهُ كَانَ الْأَصْل فِي هَذَا " أَاللَّه " " أَالذَّكَرَيْنِ " فَأَبْدَلُوا مِنْ الْأَلِف الثَّانِيَة مَدَّة لِيُفَرِّقُوا بَيْن الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا اللَّه خَيْر بِلَا مَدّ لَالْتَبَسَ الِاسْتِفْهَام بِالْخَبَرِ وَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى هَذِهِ الْمَدَّة فِي قَوْله " أَطَّلَعَ " لِأَنَّ أَلِف الِاسْتِفْهَام مَفْتُوحَة وَأَلِف الْخَبَر مَكْسُورَة وَذَلِكَ أَنَّك تَقُول فِي الِاسْتِفْهَام أَطَّلَعَ ؟ أَفَتَرَى ؟ أَصْطَفَى ؟ أَسْتَغْفَرْت ؟ بِفَتْحِ الْأَلِف، وَتَقُول فِي الْخَبَر : اِطَّلَعَ، اِفْتَرَى، اِصْطَفَى، اِسْتَغْفَرَتْ لَهُمْ بِالْكَسْرِ، فَجَعَلُوا الْفَرْق بِالْفَتْحِ وَالْكَسْر وَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى فَرْق آخَر

### الآية 19:79

> ﻿كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [19:79]

وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا
 أَيْ سَنَزِيدُهُ عَذَابًا فَوْق عَذَاب

### الآية 19:80

> ﻿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [19:80]

وَيَأْتِينَا فَرْدًا
 أَيْ مُنْفَرِدًا لَا مَال لَهُ وَلَا وَلَد وَلَا عَشِيرَة تَنْصُرهُ

### الآية 19:81

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [19:81]

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا
 يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْش و " عِزًّا " مَعْنَاهُ أَعْوَانًا وَمَنَعَة يَعْنِي أَوْلَادًا وَالْعِزّ الْمَطَر الْجُود أَيْضًا قَالَهُ الْهَرَوِيّ وَظَاهِر الْكَلَام أَنَّ " عِزًّا " رَاجِع إِلَى الْآلِهَة الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُون اللَّه وَوَحَّدَ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَصْدَر أَيْ لِيَنَالُوا بِهَا الْعِزّ وَيَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنْ عَذَاب اللَّه فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ( كَلَّا ) أَيْ لَيْسَ الْأَمْر كَمَا ظَنُّوا وَتَوَهَّمُوا بَلْ يَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ أَيْ يُنْكِرُونَ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْأَصْنَام أَوْ تَجْحَد الْآلِهَة عِبَادَة الْمُشْرِكِينَ لَهَا كَمَا قَالَ :" تَبَرَّأْنَا إِلَيْك مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ " \[ الْقَصَص : ٦٣ \] وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْنَام جَمَادَات لَا تَعْلَم الْعِبَادَة " وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا " أَيْ أَعْوَانًا فِي خُصُومَتهمْ وَتَكْذِيبهمْ عَنْ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك يَكُونُونَ لَهُمْ أَعْدَاء اِبْن زَيْد يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ بَلَاء فَتُحْشَر آلِهَتهمْ وَتُرَكَّب لَهُمْ عُقُول فَتَنْطِق وَتَقُول : يَا رَبّ عَذِّبْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَبَدُونَا مِنْ دُونك و " كَلَّا " هُنَا يَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِمَعْنَى لَا وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون بِمَعْنَى حَقًّا أَيْ حَقًّا " سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ " وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك " كَلًّا سَيَكْفُرُونَ " بِالتَّنْوِينِ.
 وَرُوِيَ عَنْهُ مَعَ ذَلِكَ ضَمّ الْكَاف وَفَتْحهَا.
 قَالَ الْمَهْدَوِيّ " كَلَّا " رَدْع وَزَجْر وَتَنْبِيه وَرَدّ لِكَلَامٍ مُتَقَدِّم، وَقَدْ تَقَع لِتَحْقِيقِ مَا بَعْدهَا /و التَّنْبِيه عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ " كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى " \[ الْعَلَق : ٦ \] فَلَا يُوقَف عَلَيْهَا عَلَى هَذَا وَيُوقَف عَلَيْهَا فِي الْمَعْنَى الْأَوَّل فَإِنْ صَلَحَ فِيهَا الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا جَازَ الْوَقْف عَلَيْهَا وَالِابْتِدَاء بِهَا.

### الآية 19:82

> ﻿كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [19:82]

كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
 مَنْ نَوَّنَ " كَلًّا " مِنْ قَوْله :" كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ " مَعَ فَتْح الْكَاف فَهُوَ مَصْدَر كَلَّ وَنَصْبه بِفِعْلٍ مُضْمَر وَالْمَعْنَى كَلَّ هَذَا الرَّأْي وَالِاعْتِقَاد كَلَّا يَعْنِي اِتِّخَاذهمْ الْآلِهَة " لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا " فَيُوقَف عَلَى هَذَا عَلَى " عِزًّا " وَعَلَى " كَلًّا " وَكَذَلِكَ فِي قِرَاءَة الْجَمَاعَة لِأَنَّهَا تَصْلُح لِلرَّدِّ لِمَا قَبْلهَا وَالتَّحْقِيق لِمَا بَعْدهَا وَمَنْ رَوَى ضَمّ الْكَاف مَعَ التَّنْوِين فَهُوَ مَنْصُوب أَيْضًا بِفِعْلٍ مُضْمَر كَأَنَّهُ قَالَ : سَيَكْفُرُونَ " كُلًّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ " يَعْنِي الْآلِهَة.
 قُلْت : فَتَحَصَّلَ فِي " كَلَّا " أَرْبَعَة مَعَانٍ : التَّحْقِيق وَهُوَ أَنْ تَكُون بِمَعْنَى حَقًّا وَالنَّفْي وَالتَّنْبِيه وَصِلَة لِلْقَسَمِ وَلَا يُوقَف مِنْهَا إِلَّا عَلَى الْأَوَّل وَقَالَ الْكِسَائِيّ " لَا " تَنْفِي فَحَسْب و " كَلَّا " تَنْفِي شَيْئًا وَتُثْبِت شَيْئًا فَإِذَا قِيلَ أَكَلْت تَمْرًا قُلْت كَلَّا إِنِّي أَكَلْت عَسَلًا لَا تَمْرًا فَفِي هَذِهِ الْكَلِمَة نَفْي مَا قَبْلهَا، وَتَحَقُّق مَا بَعْدهَا وَالضِّدّ يَكُون وَاحِدًا وَيَكُون جَمْعًا كَالْعَدُوِّ وَالرَّسُول وَقِيلَ وَقَعَ الضِّدّ مَوْقِع الْمَصْدَر أَيْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ عَوْنًا فَلِهَذَا لَمْ يُجْمَع وَهَذَا فِي مُقَابَلَة قَوْله.
 " لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا " وَالْعِزّ مَصْدَر فَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُقَابَلَته ثُمَّ قِيلَ الْآيَة فِي عَبَدَة الْأَصْنَام فَأَجْرَى الْأَصْنَام مَجْرَى مَنْ يَعْقِل جَرْيًا عَلَى تَوَهُّم الْكَفَرَة وَقِيلَ فِيمَنْ عَبَدَ الْمَسِيح أَوْ الْمَلَائِكَة أَوْ الْجِنّ أَوْ الشَّيَاطِين فَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم

### الآية 19:83

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [19:83]

تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : تُزْعِجهُمْ إِزْعَاجًا مِنْ الطَّاعَة إِلَى الْمَعْصِيَة وَعَنْهُ تُغْرِيهِمْ إِغْرَاء بِالشَّرِّ اِمْضِ اِمْضِ فِي هَذَا الْأَمْر حَتَّى تُوقِعهُمْ فِي النَّار حَكَى الْأَوَّل الثَّعْلَبِيّ وَالثَّانِي الْمَاوَرْدِيّ وَالْمَعْنَى وَاحِد الضَّحَّاك تُغْوِيهِمْ إِغْوَاء مُجَاهِد تُشْلِيهِمْ إِشْلَاء وَأَصْله الْحَرَكَة وَالْغَلَيَان، وَمِنْهُ الْخَبَر الْمَرْوِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَلِجَوْفِهِ أَزِيز كَأَزِيزِ الْمِرْجَل مِنْ الْبُكَاء ) وَائْتَزَّتْ الْقِدْر اِئْتِزَازًا اِشْتَدَّ غَلَيَانهَا وَالْأَزّ التَّهْيِيج وَالْإِغْرَاء قَالَ اللَّه تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزًّا " أَيْ تُغْرِيهِمْ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْأَزّ الِاخْتِلَاط.
 وَقَدْ أَزَزْت الشَّيْء أَؤُزّهُ أَزًّا أَيْ ضَمَمْت بَعْضه إِلَى بَعْض قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ.

### الآية 19:84

> ﻿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [19:84]

إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
 قَالَ الْكَلْبِيّ : آجَالهمْ يَعْنِي الْأَيَّام وَاللَّيَالِي وَالشُّهُور وَالسِّنِينَ إِلَى اِنْتِهَاء أَجَل الْعَذَاب وَقَالَ الضَّحَّاك الْأَنْفَاس اِبْن عَبَّاس :( أَيْ نَعُدّ أَنْفَاسهمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا نَعُدّ سَنِيّهمْ ) وَقِيلَ الْخُطُوَات وَقِيلَ اللَّذَّات وَقِيلَ اللَّحَظَات وَقِيلَ السَّاعَات وَقَالَ قُطْرُب نَعُدّ أَعْمَالهمْ عَدًّا وَقِيلَ لَا تَعْجَل عَلَيْهِمْ فَإِنَّمَا نُؤَخِّرهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا رُوِيَ أَنَّ الْمَأْمُون قَرَأَ هَذِهِ السُّورَة فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَة وَعِنْده جَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ إِلَى اِبْن السَّمَّاك أَنْ يَعِظهُ فَقَالَ إِذَا كَانَتْ الْأَنْفَاس بِالْعَدَدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَدَد فَمَا أَسْرَعَ مَا تَنْفَد وَقِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى

حَيَاتك أَنْفَاس تُعَدّ فَكُلَّمَا  مَضَى نَفَس مِنْك اِنْتَقَصْتَ بِهِ جُزْءَايُمِيتك مَا يُحْيِيك فِي كُلّ لَيْلَة  وَيَحْدُوك حَادٍ مَا يُرِيد بِهِ الْهُزْءَا وَيُقَال : إِنَّ أَنْفَاس اِبْن آدَم بَيْن الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ أَلْف نَفَس اِثْنَا عَشَر أَلْف نَفَس فِي الْيَوْم وَاثْنَا عَشَر أَلْفًا فِي اللَّيْلَة وَاَللَّه أَعْلَم فَهِيَ تُعَدّ وَتُحْصَى إِحْصَاء وَلَهَا عَدَد مَعْلُوم وَلَيْسَ لَهَا مَدَد فَمَا أَسْرَعَ مَا تَنْفَد.

### الآية 19:85

> ﻿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا [19:85]

مَرَاكِبهمْ فَتَهْوِي بِهِمْ النُّوق حَتَّى تَنْتَهِي بِهِمْ إِلَى الْجَنَّة فَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلَائِكَة " سَلَام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ " \[ الزُّمَر : ٧٣ \] قُلْت : وَهَذَا الْخَبَر يَنُصّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرْكَبُونَ وَلَا يَلْبَسُونَ إِلَّا مِنْ الْمَوْقِف وَأَمَّا إِذَا خَرَجُوا مِنْ الْقُبُور فَمُشَاة حُفَاة عُرَاة غُرْلًا إِلَى الْمَوْقِف بِدَلِيلِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ ( يَأَيُّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه تَعَالَى حُفَاة عُرَاة غُرْلًا ) الْحَدِيث خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي سُورَة " الْمُؤْمِنِينَ " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَتَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس بِمَعْنَاهُ وَالْحَمْد لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَبْعُد أَنْ تَحْصُل الْحَالَتَانِ لِلسُّعَدَاءِ فَيَكُون حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَخْصُوصًا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة " وَفْدًا " عَلَى الْإِبِل اِبْن عَبَّاس ( رُكْبَانًا يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ مِنْ الْجَنَّة عَلَيْهَا رَحَائِل مِنْ الذَّهَب وَسُرُوجهَا وَأَزِمَّتهَا مِنْ الزَّبَرْجَد فَيُحْشَرُونَ عَلَيْهَا ) وَقَالَ عَلِيّ ( مَا يُحْشَرُونَ وَاَللَّه عَلَى أَرْجُلهمْ وَلَكِنْ عَلَى نُوق رِحَالهَا مِنْ ذَهَب وَنُجُب سُرُوجهَا يَوَاقِيت إِنْ هَمُّوا بِهَا سَارَتْ وَإِنْ حَرَّكُوهَا طَارَتْ ) وَقِيلَ يَفِدُونَ عَلَى مَا يُحِبُّونَ مِنْ إِبِل أَوْ خَيْل أَوْ سُفُن عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَاَللَّه أَعْلَم وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ " وَفْدًا " لِأَنَّ مِنْ شَأْن الْوُفُود عِنْد الْعَرَب أَنْ يَقْدَمُوا بِالْبِشَارَاتِ وَيَنْتَظِرُونَ الْجَوَائِز فَالْمُتَّقُونَ يَنْتَظِرُونَ الْعَطَاء وَالثَّوَاب

### الآية 19:86

> ﻿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا [19:86]

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا
 السَّوْق الْحَثّ عَلَى السَّيْر، و " وِرْدًا " عِطَاشًا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالْحَسَن وَالْأَخْفَش وَالْفَرَّاء وَابْن الْأَعْرَابِيّ : حُفَاة مُشَاة وَقِيلَ : أَفْوَاجًا وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ أَيْ مُشَاة عِطَاشًا كَالْإِبِلِ تَرِد الْمَاء فَيُقَال جَاءَ وِرْد بَنِي فُلَان الْقُشَيْرِيّ وَقَوْله ( وِرْدًا ) يَدُلّ عَلَى الْعَطَش لِأَنَّ الْمَاء إِنَّمَا يُورَد فِي الْغَالِب لِلْعَطَشِ وَفِي " التَّفْسِير " مُشَاة عِطَاشًا تَتَقَطَّع أَعْنَاقهمْ مِنْ الْعَطَش وَإِذَا كَانَ سَوْق الْمُجْرِمِينَ إِلَى النَّار فَحَشْر الْمُتَّقِينَ إِلَى الْجَنَّة.
 وَقِيلَ " وِرْدًا " أَيْ الْوُرُود كَقَوْلِك جِئْتُك إِكْرَامًا لَك أَيْ لِإِكْرَامِك أَيْ نَسُوقهُمْ لِوُرُودِ النَّار قُلْت وَلَا تَنَاقُض بَيْن هَذِهِ الْأَقْوَال فَيُسَاقُونَ عِطَاشًا حُفَاة مُشَاة أَفْوَاجًا قَالَ اِبْن عَرَفَة الْوِرْد الْقَوْم يَرِدُونَ الْمَاء، فَسُمِّيَ الْعِطَاش وِرْدًا لِطَلَبِهِمْ وُرُود الْمَاء كَمَا تَقُول قَوْم صَوْم أَيْ صِيَام وَقَوْم زَوْر أَيْ زُوَّار فَهُوَ اِسْم عَلَى لَفْظ الْمَصْدَر وَاحِدهمْ وَارِد وَالْوِرْد أَيْضًا الْجَمَاعَة الَّتِي تَرِد الْمَاء مِنْ طَيْر وَإِبِل وَالْوِرْد الْمَاء الَّذِي يُورَد وَهَذَا مِنْ بَاب الْإِيمَاء بِالشَّيْءِ إِلَى الشَّيْء الْوِرْد الْجُزْء \[ مِنْ الْقُرْآن \] يُقَال قَرَأْت وِرْدِي وَالْوِرْد يَوْم الْحُمَّى إِذَا أَخَذَتْ صَاحِبهَا لِوَقْتٍ فَظَاهِرُهُ لَفْظ مُشْتَرَك وَقَالَ الشَّاعِر يَصِف قَلِيبًا
 يَطْمُو إِذَا الْوِرْد عَلَيْهِ اِلْتَكَّا
 أَيْ الْوُرَّاد الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْمَاء

### الآية 19:87

> ﻿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:87]

وَقَالَ اِبْن مَسْعُود سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِأَصْحَابِهِ ( أَيَعْجِزُ أَحَدكُمْ أَنْ يَتَّخِذ كُلّ صَبَاح وَمَسَاء عِنْد اللَّه عَهْدًا ) قِيلَ يَا رَسُول اللَّه وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ ( يَقُول عِنْد كُلّ صَبَاح وَمَسَاء اللَّهُمَّ فَاطِر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة إِنِّي أَعْهَد إِلَيْك فِي هَذِهِ الْحَيَاة بِأَنِّي أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ وَحْدك لَا شَرِيك لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدك وَرَسُولك ( فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفْسِي ) فَإِنَّك إِنْ تَكِلنِي إِلَى نَفْسِي تُبَاعِدنِي مِنْ الْخَيْر وَتُقَرِّبنِي مِنْ الشَّرّ وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتِك فَاجْعَلْ لِي عِنْدك عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْم الْقِيَامَة إِنَّك لَا تُخْلِف الْمِيعَاد فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا طَابَعًا وَوَضَعَهَا تَحْت الْعَرْش فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الَّذِينَ لَهُمْ عِنْد اللَّه عَهْد فَيَقُوم فَيَدْخُل الْجَنَّة ).

### الآية 19:88

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا [19:88]

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا
 يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه.
 وَقَرَأَ يَحْيَى وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَعَاصِم وَخَلَف :" وُلْدًا " بِضَمِّ الْوَاو وَإِسْكَان اللَّام، فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع : مِنْ هَذِهِ السُّورَة قَوْله تَعَالَى : لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوُلْدًا " \[ مَرْيَم : ٧٧ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْله وَقَوْله :" أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وُلْدًا.
 وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذ وُلْدًا ".
 وَفِي سُورَة نُوح " مَاله وَوُلْدُهُ " \[ نُوح : ٢١ \] وَوَافَقَهُمْ فِي " نُوح " خَاصَّة اِبْن كَثِير وَمُجَاهِد وَحُمَيْد وَأَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب.
 وَالْبَاقُونَ فِي الْكُلّ بِالْفَتْحِ فِي الْوَاو وَاللَّام وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل الْعَرَب وَالْعُرْب وَالْعَجَم وَالْعُجْم قَالَ :

وَلَقَدْ رَأَيْت مَعَاشِرًا  قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدا وَقَالَ آخَروَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ فِي بَطْن أُمّه  وَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ وُلْد حِمَار وَقَالَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ النَّابِغَة :مَهْلًا فِدَاء لَك الْأَقْوَام كُلّهمْ  وَمَا أُثَمِّر مِنْ مَال وَمِنْ وَلَد فَفَتَحَ.
 وَقَيْس يَجْعَلُونَ الْوُلْد بِالضَّمِّ جَمْعًا وَالْوَلَد بِالْفَتْحِ وَاحِدًا قَالَ الْجَوْهَرِيّ الْوَلَد قَدْ يَكُون وَاحِدًا وَجَمْعًا وَكَذَلِكَ الْوُلْد بِالضَّمِّ وَمِنْ أَمْثَال بَنِي أَسَد وُلْدُك مَنْ دَمَّى عَقِبَيْك وَقَدْ يَكُون الْوُلْد جَمْع الْوَلَد مِثْل أُسْد وَأَسَد وَالْوِلْد بِالْكَسْرِ لُغَة فِي الْوُلْد النَّحَّاس وَفَرَّقَ أَبُو عُبَيْدَة بَيْنهمَا فَزَعَمَ أَنَّ الْوَلَد يَكُون لِلْأَهْلِ وَالْوَلَد جَمِيعًا قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا قَوْل مَرْدُود لَا يَعْرِفهُ أَحَد مِنْ أَهْل اللُّغَة وَلَا يَكُون الْوَلَد وَالْوُلْد إِلَّا وَلَد الرَّجُل، وَوَلَد وَلَده، إِلَّا أَنَّ وَلَدًا أَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب ; كَمَا قَالَمَهْلًا فِدَاء لَك الْأَقْوَام كُلّهمْ  وَمَا أُثَمِّر مِنْ مَال وَمِنْ وَلَد قَالَ أَبُو جَعْفَر وَسَمِعْت مُحَمَّد بْن الْوَلِيد يَقُول : يَجُوز أَنْ يَكُون وُلْد جَمْع وَلَد كَمَا يُقَال وَثَن وَوُثْن وَأَسَد وَأُسْد، وَيَجُوز أَنْ يَكُون وَلَد وَوُلْد بِمَعْنًى وَاحِد كَمَا يُقَال عَجَم وَعُجْم وَعَرَب وَعُرْب كَمَا تَقَدَّمَ.

### الآية 19:89

> ﻿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [19:89]

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا
 أَيْ مُنْكَرًا عَظِيمًا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا.
 قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْإِدّ وَالْإِدَّة الدَّاهِيَة وَالْأَمْر الْفَظِيع وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا " وَكَذَلِكَ الْآدّ مِثْل فَاعِل.
 وَجَمْع الْإِدَّة إِدَد.
 وَأَدَّتْ فُلَانًا دَاهِيَة تَؤُدُّهُ أَدًّا ( بِالْفَتْحِ ).
 وَالْإِدّ أَيْضًا الشِّدَّة.
 \[ وَالْأَدُّ الْغَلَبَة وَالْقُوَّة \] قَالَ الرَّاجِز :

نَضَوْنَ عَنِّي شِدَّة وَأَدًّا  مِنْ بَعْد مَا كُنْت صُمُلًّا جَلْدَا اِنْتَهَى كَلَامه.
 وَقَرَأَ أَبُو عَبْد اللَّه وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ " أَدًّا " بِفَتْحِ الْهَمْزَة النَّحَّاس يُقَال أَدَّ يَؤُدّ أَدًّا فَهُوَ آدّ وَالِاسْم الْإِدّ ; إِذَا جَاءَ بِشَيْءٍ عَظِيم مُنْكَر وَقَالَ الرَّاجِزقَدْ لَقِيَ الْأَقْرَان مِنِّي نُكْرَا  دَاهِيَة دَهْيَاء إِدًّا إِمْرَا عَنْ غَيْر النَّحَّاس الثَّعْلَبِيّ وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات " إِدًّا " بِالْكَسْرِ وَهِيَ قِرَاءَة الْعَامَّة " وَأَدًّا " بِالْفَتْحِ وَهِيَ قِرَاءَة السُّلَمِيّ و " آدّ " مِثْل مَادّ وَهِيَ لُغَة لِبَعْضِ الْعَرَب رُوِيَتْ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي الْعَالِيَة ; وَكَأَنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْ الثِّقَل \[ يُقَال \] : آدَهُ الْحِمْل يَئُودُهُ أَوْدًا أَثْقَلَهُ.

### الآية 19:90

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [19:90]

وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( هَدْمًا أَيْ تَسْقُط بِصَوْتٍ شَدِيد ) وَفِي الْحَدِيث ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْهَدّ وَالْهَدَّة ) قَالَ شِمْر قَالَ أَحْمَد بْن غِيَاث الْمَرْوَزِيّ الْهَدّ الْهَدْم وَالْهَدَّة الْخُسُوف.
 وَقَالَ اللَّيْث هُوَ الْهَدْم الشَّدِيد كَحَائِطٍ يُهَدّ بِمَرَّةٍ يُقَال هَدَّنِي الْأَمْر وَهَدَّ رُكْنِي أَيْ كَسَرَنِي وَبَلَغَ مِنِّي قَالَهُ الْهَرَوِيّ.
 الْجَوْهَرِيّ : وَهَدّ الْبِنَاء يَهُدّهُ هَدًّا كَسَرَهُ وَضَعْضَعَهُ وَهَدَّتْهُ الْمُصِيبَةُ أَيْ أَوْهَنَتْ رُكْنه وَانْهَدَّ الْجَبَلُ اِنْكَسَرَ.
 الْأَصْمَعِيّ : وَالْهَدّ الرَّجُل الضَّعِيف يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ إِذَا أَوْعَدَهُ إِنِّي لَغَيْر هَدّ أَيْ غَيْر ضَعِيف وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ الْهَدّ مِنْ الرِّجَال الْجَوَاد الْكَرِيم وَأَمَّا الْجَبَان الضَّعِيف فَهُوَ الْهِدّ بِالْكَسْرِ وَأَنْشَدَ

لَيْسُوا بِهِدِّينَ فِي الْحُرُوب إِذَا  تُعْقَد فَوْق الْحَرَاقِفِ النُّطُق وَالْهَدَّة صَوْت وَقْع الْحَائِط وَنَحْوه تَقُول هَدَّ يَهِدّ ( بِالْكَسْرِ ) هَدِيدًا وَالْهَادّ صَوْت يَسْمَعهُ أَهْل السَّاحِل يَأْتِيهمْ مِنْ قِبَل الْبَحْر لَهُ دَوِيّ فِي الْأَرْض وَرُبَّمَا كَانَتْ مِنْهُ الزَّلْزَلَة وَدَوِيُّهُ هَدِيدُهُ.
 النَّحَّاس :" هَدًّا " مَصْدَر لِأَنَّ مَعْنَى " تَخِرّ " تُهَدّ وَقَالَ غَيْره حَال أَيْ مَهْدُودَة

### الآية 19:91

> ﻿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا [19:91]

أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
 " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب عِنْد الْفَرَّاء بِمَعْنَى لِأَنَّ دَعَوْا وَمِنْ أَنْ دَعَوْا فَمَوْضِع " أَنْ " نَصْب بِسُقُوطِ الْخَافِض وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الْكِسَائِيّ قَالَ هِيَ فِي مَوْضِع خَفْض بِتَقْدِيرِ الْخَافِض وَذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك : حَدَّثَنَا مِسْعَر عَنْ وَاصِل عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : إِنَّ الْجَبَل لَيَقُول لِلْجَبَلِ يَا فُلَان هَلْ مَرَّ بِك الْيَوْم ذَاكِر لِلَّهِ ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ سُرَّ بِهِ ثُمَّ قَرَأَ عَبْد اللَّه " وَقَالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا " الْآيَة قَالَ أَفَتَرَاهُنَّ يَسْمَعْنَ الزُّور وَلَا يَسْمَعْنَ الْخَيْر ؟ ! قَالَ وَحَدَّثَنِي عَوْف عَنْ غَالِب بْن عَجْرَد قَالَ حَدَّثَنِي رَجُل مِنْ أَهْل الشَّام فِي مَسْجِد مِنًى قَالَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْض وَخَلَقَ مَا فِيهَا مِنْ الشَّجَر لَمْ تَكُ فِي الْأَرْض شَجَرَة يَأْتِيهَا بَنُو آدَم إِلَّا أَصَابُوا مِنْهَا مَنْفَعَة وَكَانَ لَهُمْ مِنْهَا مَنْفَعَة، فَلَمْ تَزَلْ الْأَرْض وَالشَّجَر كَذَلِكَ حَتَّى تَكَلَّمَ فَجَرَة بَنِي آدَم تِلْكَ الْكَلِمَة الْعَظِيمَة قَوْلهمْ " اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا " فَلَمَّا قَالُوهَا اِقْشَعَرَّتْ الْأَرْض وَشَاكَ الشَّجَر وَقَالَ اِبْن عَبَّاس اِقْشَعَرَّتْ الْجِبَال وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَشْجَار وَالْبِحَار وَمَا فِيهَا مِنْ الْحِيتَان فَصَارَ مِنْ ذَلِكَ الشَّوْك فِي الْحِيتَان وَفِي الْأَشْجَار الشَّوْك وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَكَعْب فَزِعَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال وَجَمِيع الْمَخْلُوقَات إِلَّا الثَّقَلَيْنِ وَكَادَتْ أَنْ تَزُول وَغَضِبَتْ الْمَلَائِكَة فَاسْتَعَرَتْ جَهَنَّم وَشَاكَ الشَّجَر وَاكْفَهَرَّتْ الْأَرْض وَجَدِبَتْ حِين قَالُوا " اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا " وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب لَقَدْ كَادَ أَعْدَاء اللَّه أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْنَا السَّاعَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى " تَكَاد السَّمَوَات يَتَفَطَّرَن مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا "
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَصَدَقَ فَإِنَّهُ قَوْل عَظِيم سَبَقَ بِهِ الْقَضَاء وَالْقَدَر وَلَوْلَا أَنَّ الْبَارِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَضَعهُ كُفْر الْكَافِر وَلَا يَرْفَعهُ إِيمَان الْمُؤْمِن وَلَا يَزِيد هَذَا فِي مُلْكه كَمَا لَا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ مُلْكه لَمَا جَرَى شَيْء مِنْ هَذَا عَلَى الْأَلْسِنَة وَلَكِنَّهُ الْقُدُّوس الْحَكِيم الْحَلِيم فَلَمْ يُبَالِ بَعْد ذَلِكَ بِمَا يَقُول الْمُبْطِلُونَ

### الآية 19:92

> ﻿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [19:92]

وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا
 نَفَى عَنْ نَفْسه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْوَلَد لِأَنَّ الْوَلَد يَقْتَضِي الْجِنْسِيَّة وَالْحُدُوث عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي " الْبَقَرَة " أَيْ لَا يَلِيق بِهِ ذَلِكَ وَلَا يُوصَف بِهِ وَلَا يَجُوز فِي حَقّه لِأَنَّهُ لَا يَكُون وَلَد إِلَّا مِنْ وَالِد يَكُون لَهُ وَالِد وَأَصْل وَاَللَّه سُبْحَانه يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَيَتَقَدَّس قَالَ

فِي رَأْس خَلْقَاء مِنْ عَنْقَاء مُشْرِفَة  مَا يَنْبَغِي دُونهَا سَهْل وَلَا جَبَل

### الآية 19:93

> ﻿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا [19:93]

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا
 " إِنْ " نَافِيَة بِمَعْنَى مَا أَيْ مَا كُلّ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا وَهُوَ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة مُقِرًّا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ خَاضِعًا ذَلِيلًا كَمَا قَالَ " وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ " \[ النَّمْل : ٨٧ \] أَيْ صَاغِرِينَ أَذِلَّاء أَيْ الْخَلْق كُلّهمْ عَبِيده فَكَيْفَ يَكُون وَاحِد مِنْهُمْ وَلَدًا لَهُ عَزَّ وَجَلَّ تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا و " آتِي " بِالْيَاءِ فِي الْخَطّ وَالْأَصْل التَّنْوِين فَحُذِفَ اِسْتِخْفَافًا وَأُضِيفَ
 وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْوَلَد مَمْلُوكًا لِلْوَالِدِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَشْتَرِيه فَيَمْلِكهُ وَلَا يَعْتِق عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا أَعْتَقَهُ وَقَدْ أَبَانَ اللَّه تَعَالَى الْمُنَافَاة بَيْن الْأَوْلَاد وَالْمِلْك فَإِذَا مَلَكَ الْوَالِد وَلَده بِنَوْعٍ مِنْ التَّصَرُّفَات عَتَقَ عَلَيْهِ وَوَجْه الدَّلِيل عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ الْوَلَدِيَّة وَالْعَبْدِيَّة فِي طَرَفَيْ تَقَابُل فَنَفَى أَحَدهمَا وَأَثْبَتَ الْآخَر وَلَوْ اِجْتَمَعَا لَمَا كَانَ لِهَذَا الْقَوْل فَائِدَة يَقَع الِاحْتِجَاج بِهَا وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح ( لَا يَجْزِي وَلَد وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيه فَيُعْتِقهُ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم فَإِذَا لَمْ يَمْلِك الْأَب اِبْنه مَعَ مَرْتَبَته عَلَيْهِ فَالِابْن بِعَدَمِ مِلْك الْأَب أَوْلَى لِقُصُورِهِ عَنْهُ
 ذَهَبَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي تَأْوِيل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ( مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْد ) أَنَّ الْمُرَاد بِهِ ذُكُور الْعَبِيد دُون إِنَاثهمْ فَلَا يَكْمُل عَلَى مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا فِي أُنْثَى وَهُوَ عَلَى خِلَاف مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ السَّلَف وَمَنْ بَعْدهمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن الذَّكَر وَالْأُنْثَى لِأَنَّ لَفْظ الْعَبْد يُرَاد بِهِ الْجِنْس كَمَا قَالَ تَعَالَى " إِنْ كُلّ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عَبْدًا " فَإِنَّهُ قَدْ يَتَنَاوَل الذَّكَر وَالْأُنْثَى مِنْ الْعَبْد قَطْعًا، وَتَمَسَّكَ إِسْحَاق بِأَنَّهُ حُكِيَ عَبْدَة فِي الْمُؤَنَّث
 رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَذَّبَنِي اِبْن آدَم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبه إِيَّايَ فَقَوْله لَيْسَ يُعِيدنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّل الْخَلْق بِأَهْوَن عَلَيَّ مِنْ إِعَادَته وَأَمَّا شَتْمه إِيَّايَ فَقَوْله اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا وَأَنَا الْأَحَد الصَّمَد لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَد ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \[ الْبَقَرَة \] وَغَيْرهَا وَإِعَادَته فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع حَسَن جِدًّا.

### الآية 19:94

> ﻿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [19:94]

وَعَدَّهُمْ عَدًّا
 تَأْكِيد أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَحَد مِنْهُمْ قُلْت وَوَقَعَ لَنَا فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانه الْمُحْصِي أَعْنِي فِي السُّنَّة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَاشْتِقَاق هَذَا الْفِعْل يَدُلّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفِرَايِينِيّ وَمِنْهَا الْمُحْصِي وَيَخْتَصّ بِأَنَّهُ لَا تَشْغَلهُ الْكَثْرَة عَنْ الْعِلْم مِثْل ضَوْء النُّور وَاشْتِدَاد الرِّيح وَتَسَاقُط الْأَوْرَاق فَيَعْلَم عِنْد ذَلِكَ أَجْزَاء الْحَرَكَات فِي كُلّ وَرَقَة وَكَيْفَ لَا يَعْلَم وَهُوَ الَّذِي يَخْلُق وَقَدْ قَالَ " أَلَا يَعْلَم مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير " \[ الْمُلْك : ١٤ \] وَوَقَعَ فِي تَفْسِير اِبْن عَبَّاس أَنَّ مَعْنَى " لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا " يُرِيد أَقَرُّوا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَشَهِدُوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ

### الآية 19:95

> ﻿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [19:95]

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
 أَيْ وَاحِدًا لَا نَاصِر لَهُ وَلَا مَال مَعَهُ يَنْفَعهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْم لَا يَنْفَع مَال وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيم " \[ الشُّعَرَاء : ٨٨ \] فَلَا يَنْفَعهُ إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَل وَقَالَ " وَكُلّهمْ آتِيه " عَلَى لَفْظ كُلّ وَعَلَى الْمَعْنَى آتَوْهُ وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّكُمْ لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ بِاسْتِعْبَادِ أَوْلَادكُمْ وَالْكُلّ عَبِيده فَكَيْفَ رَضِيتُمْ لَهُ مَا لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ وَقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ فِي مِثْل هَذَا فِي أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ بِالْبَنَاتِ وَيَقُولُونَ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَوْلهمْ الْأَصْنَام بَنَات اللَّه وَقَالَ " فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِل إِلَى اللَّه وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِل إِلَى شُرَكَائِهِمْ " \[ الْأَنْعَام : ١٣٦ \]

### الآية 19:96

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا [19:96]

رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ إِنِّي أُحِبّ فُلَانًا فَأَحِبّهُ فَيُحِبّهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاء فَيَقُول إِنَّ اللَّه يُحِبّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبّهُ أَهْل السَّمَاء قَالَ ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ إِنِّي أَبْغَض فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْل السَّمَاء إِنَّ اللَّه يُبْغِض فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَع لَهُ الْبَغْضَاء فِي الْأَرْض )

### الآية 19:97

> ﻿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [19:97]

لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا
 اللُّدّ جَمْع الْأَلَدّ وَهُوَ الشَّدِيد الْخُصُومَة وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " أَلَدّ الْخِصَام " \[ الْبَقَرَة : ٢٠٤ \] وَقَالَ الشَّاعِر

أَبِيت نَجِيًّا لِلْهُمُومِ كَأَنَّنِي  أُخَاصِم أَقْوَامًا ذَوِي جَدَل لُدَّا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْأَلَدّ الَّذِي لَا يَقْبَل الْحَقّ وَيَدَّعِي الْبَاطِل.
 الْحَسَن : اللُّدّ الصُّمّ عَنْ الْحَقّ قَالَ الرَّبِيع : صُمّ آذَان الْقُلُوب.
 مُجَاهِد : فُجَّارًا.
 الضَّحَّاك : مُجَادِلِينَ فِي الْبَاطِل.
 اِبْن عَبَّاس : شَدِيدًا فِي الْخُصُومَة.
 وَقِيلَ : الظَّالِم الَّذِي لَا يَسْتَقِيم وَالْمَعْنَى وَاحِد وَخُصُّوا بِإِنْذَارٍ لِأَنَّ الَّذِي لَا عِنَاد عِنْده يَسْهُل اِنْقِيَاده

### الآية 19:98

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [19:98]

هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
 فِي مَوْضِع نَصْب أَيْ هَلْ تَرَى مِنْهُمْ أَحَدًا وَتَجِد " أَوْ تَسْمَع لَهُمْ رِكْزًا " أَيْ صَوْتًا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره أَيْ قَدْ مَاتُوا وَحَصَّلُوا أَعْمَالهمْ وَقِيلَ حِسًّا قَالَهُ اِبْن زَيْد وَقِيلَ الرِّكْز مَا لَا يُفْهَم مِنْ صَوْت أَوْ حَرَكَة قَالَهُ الْيَزِيدِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة كَرِكْزِ الْكَتِيبَة وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة بَيْت لَبِيد

وَتَوَجَّسَتْ رِكْز الْأَنِيس فَرَاعَهَا  عَنْ ظَهْر غَيْب وَالْأَنِيس سَقَامهَا وَقِيلَ الصَّوْت الْخَفِيّ وَمِنْهُ رَكَزَ الرُّمْح إِذَا غَيَّبَ طَرَفه فِي الْأَرْض وَقَالَ طَرَفَة :وَصَادِقَتَا سَمْع التَّوَجُّس لِلسُّرَى  لِرِكْزٍ خَفِيٍّ أَوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّد وَقَالَ ذُو الرُّمَّة يَصِف ثَوْرًا تَسَمَّعَ إِلَى صَوْت صَائِد وَكِلَابإِذَا تَوَجَّسَ رِكْزًا مُقْفِر نَدِسٌ  بِنَبْأَةِ الصَّوْت مَا فِي سَمْعه كَذِب أَيْ مَا فِي اِسْتِمَاعه كَذِب أَيْ هُوَ صَادِق الِاسْتِمَاع وَالنَّدِس الْحَاذِق يُقَال نَدِس وَنَدُس كَمَا يُقَال حَذِر وَحَذُر وَيَقِظ وَيَقُظ، وَالنَّبْأَة الصَّوْت الْخَفِيّ وَكَذَلِكَ الرِّكْز وَالرِّكَاز الْمَال الْمَدْفُون.
 وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/19.md)
- [كل تفاسير سورة مريم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/19.md)
- [ترجمات سورة مريم
](https://quranpedia.net/translations/19.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
