---
title: "تفسير سورة مريم - روح المعاني - الألوسي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/301.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/301"
surah_id: "19"
book_id: "301"
book_name: "روح المعاني"
author: "الألوسي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة مريم - روح المعاني - الألوسي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/301)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة مريم - روح المعاني - الألوسي — https://quranpedia.net/surah/1/19/book/301*.

Tafsir of Surah مريم from "روح المعاني" by الألوسي.

### الآية 19:1

> كهيعص [19:1]

بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم كهيعص  أخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن ذلك فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كاف هاد عالم صادق، واختلفت الروايات عن ابن عباس، ففي رواية أنه قال : كبير هاد أمين عزيز صادق، وفي أخرى أنه قال : هو قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسماء الله تعالى، وفي أخرى أنه كان يقول : كهيعص وحم ويس وأشباه هذا هو اسم الله تعالى الأعظم، ويستأنس له بما أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي. وابن ماجه وابن جرير عن فاطمة بنت علي قالت : كان علي كرم الله تعالى وجهه : يقول ياكهيعص اغفر لي، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم قالوا كهيعص هو الهجاء المقطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء والعين من العزيز والصاد من المصور. وأخرج أيضاً عن محمد بن كعب نحو ذلك إلا أنه لم يذكر الياء، وقال الصاد من الصمد. 
وأخرج أيضاً عن الربيع بن أنس أنه قال في ذلك : يا من يجير ولا يجار عليه، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة أنه اسم من أسماء القرآن، وقيل : إنه اسم للسورة وعليه جماعة، وقيل حروف مسرودة على نمط التعديد ونسب إلى جمع من أهل التحقيق، وفوض البعض علم حقيقة ذلك إلى حضرة علام الغيوب. 
وقد تقدم تمام الكلام في ذلك وأمثاله في أول سورة البقرة فتذكر، وقرأ الجمهور كاف بإسكان الفاء، وروى عن الحسن ضمها وأمال نافع هاوياً بين اللفظين وأظهر دال صادر ولم يدغمها في الذال بعد وعليه الأكثرون. 
وقرأ الحسن بضم الهاء وعنه أيضاً ضم الياء وكسر الهاء، وعن عاصم ضم الياء وعنده أيضاً كسرهما، وعن حمزة فتح الهاء وكسر الياء، قال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن المقري الرازي في كتاب **«اللوامح »** : إن الضم في هذه الأحرف ليس على حقيقته وإلا لوجب قلب ما بعدهن من الألفات واوات بل المراد أن ينحي هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل الحجاز وهي التي تسمى ألف التفخيم ضد الأمارة، وهذه الترجمة كما ترجموا عن الفتحة الممالة المقربة من الكسر بالكسر لتقريب الألف بعدها من الياء انتهى، ووجه الإمالة والتفخيم أن هذه الألفات لما لم يكن لها أصل حملوها على المنقلبة عن الواو تارة، وعن الياء أخرى فجوز الأمران دفعاً للتحكم. 
وقرأ أبو جعفر بتقطيع هذه الحروف وتخليص بعضها من بعض واقتضى ذلك إسكان آخرهن، والتقاء الساكنين مغتفر في باب الوقف، وأدغم أبو عمرو دال صادر في الذال بعد. 
وقرأ حفص عن عاصم. وفرقة بإظهار النون من غير، والجمهور على إخفائها. واختلف في إعرابه فقيل على القول بأن كل حرف من اسم من أسمائه تعالى لا محل لشيء من ذلك ولا للمجموع من الأعراب، وقيل : إن كل حرف على نية الإتمام خبر لمبتدأ محذوف أي هو كاف هو هاد وهكذا أو الأول على نية الإتمام كذلك والبواقي خبر بعد خبر. وعلي ما روى عن الربعي قيل : هو منادي وهو اسم من أسمائه تعالى معناه الذي يجير ولا يجار عليه. وقيل لا محل له من الأعراب أيضاً وهو كلمة تقال في موضع نداء الله تعالى بذلك العنوان مثل ما يقال مهيم في مقام الاستفسار عن الحال وهو كما ترى، وعلى القول بأنه حروف مسرودة على نمط التعديد قالوا : لا محل له من الإعراب. 
ومن باب الإشارة في الآيات : كهيعص  \[ مريم : ١ \] هو وأمثاله على الصحيح سر من أسرار الله تعالى، وقيل في وجه افتتاح هذه السورة به : إن الكاف إشارة إلى الكافي الذي اقتضاه حال ضعف زكريا عليه السلام وشيخوخته وعجزه، والهاء إشارة إلى الهادي الذي اقتضاه عنايته سبحانه به وإراءة مطلوبه له، والياء إشارة إلى الواقي الذي اقتضاه حال خوفه من الموالي، والعين إشارة إلى العالم الذي اقتضاه إظهاره لعدم الأسباب، والصاد إشارة إلى الصادق الذي اقتضاه الوعد، والإشارة في القصتين إجمالاً إلى أن الله تعالى شأنه يهب بسؤال وغير سؤال. وطبق بعض أهل التأويل ما فيهما على ما في الأنفس فتكلفوا وتعسفوا.

### الآية 19:2

> ﻿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [19:2]

وقوله تعالى : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ  على هذه الأقوال خبر مبتدأ محذوف أي هذا المتلو  ذكر  الخ ويقال على الأخير المؤلف من جنس هذه الحروف المبسوطة مراداً به السورة  ذكر  الخ. وقيل مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليك  ذكر  الخ، وعلى القول بأنه اسم للسورة قيل محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا كهيعص أي مسمى به. وإنما صحت الإشارة إليه مع عدم جريان ذكره لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر صار في حكم الحاضر المشاهد كما قيل في قولهم هذا ما اشترى فلان. 
وفي  ذكر  وجهان كونه خبراً لمبتدأ محذوف وكونه مبتدأ خبره محذوف. وقيل محله الرفع على أنه مبتدأ و  ذكر  الخ خبره أي المسمى به ذكر الخ فإن ذكر ذلك لما كان مطلع السورة الكريمة ومعظم ما انطوت هي عليه جعلت كأنها نفس ذكره أو الإسناد باعتبار الاشتمال أو هو بتقدير مضاف أي ذو ذكر الخ أو بتأويل مذكور فيه رحمة ربك، وعلى القول بأنه اسم للقرآن قيل المراد بالقرآن ما يصدق على البعض ويراد به السورة والإعراب هو الاعراب وحينئذ لا تقابل بين القولين. وقيل المراد ما هو الظاهر وهو مبتدأ خبره  ذكر  الخ والإسناد باعتبار الاشتمال أو التقدير أو التأويل ؛ وقوله تعالى : عَبْدِهِ  مفعول لرحمة ربك على أنها مفعول لما أضيف إليه وهي مصدر مضاف لفاعله موضوع هكذا بالتاء لا أنها للوحدة حتى تمنع من العمل لأن صيغة الوحدة ليست الصيغة التي اشتق منها الفعل ولا الفعل دال على الوحدة فلا يعمل المصدر لذلك عمل الفعل إلا شذوذاً كما نص عليه النحاة. وقيل مفعول للذكر على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها كما يقال ذكرني معروفك أي بلغني. وقوله عز وجل : زَكَرِيَّا  بدل منه بدل كل من كل أو عطف بيان له أو نصب بإضمار أعني.

### الآية 19:3

> ﻿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [19:3]

وقوله تعالى شأنه : إِذْ نادى رَبَّهُ  ظرف لرحمة ربك وقيل لذكر على أنه مضاف لفاعله لا على الوجه الأول لفساد المعنى وقيل : هو بدل اشتمال من  زَكَرِيَّا  \[ مريم : ٢ \] كما قوله تعالى : واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً  \[ مريم : ١٦ \]. 
وقرأ الحسن. وابن يعمر كما حكاه أبو الفتح  ذَكرَ  \[ مريم : ٢ \] فعلاً ماضياً مشدداً و  رَحْمَةً  بالنصب على أنه كما في البحر مفعول ثان لذكر والمفعول الأول محذوف و  عَبْدِهِ  مفعول لرحمة وفاعل  ذكر  ضمير القرآن المعلوم من السياق أي ذكر القرآن الناس أن رحم سبحانه عبده، ويجوز أن يكون الفاعل ضميره عز وجل أي ذكر الله تعالى الناس ذلك، وجوز أن يكون  رَحْمَةِ رَبّكَ  مفعولاً ثانياً والمفعول الأول هو  عَبْدِهِ  والفاعل ضميره سبحانه أي ذكر الله تعالى عبده رحمته أي جعل العبد يذكر رحمته. وإعراب  زَكَرِيَّا  كما مر، وجوز أن يكون مفعولاً لرحمة والمراد بعده الجنس كأنه قيل ذكر عباده رحمته زكريا وهو كما ترى، ويجوز على هذا أن يكون الفاعل ضمير القرآن، وقيل يجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى والرحمة مفعولاً أولاً و  عَبْدِهِ  مفعولاً ثانياً ويرتكب المجاز أي جعل الله تعالى الرحمة ذاكرة عبده، وقيل : رَحْمَةً  نصب بنزع الخافض أي ذكر برحمة، وذكر الداني عن أبي يعمر أنه قرأ  ذكر  على الأمر والتشديد و  رَحْمَةً  بالنصب أي ذكر الناس رحمة أو برحمة ربك عبده زكريا. 
وقرأ الكلبي  ذَكَرَ  فعلاً ماضياً خفياً و  رَحْمَةِ رَبّكَ  بالنصب على المفعولية لذكر و  عَبْدِهِ  بالرفع على الفاعلية له. وزكريا عليه السلام من ولد سليمان بن داود عليهما السلام، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه آخر أنبياء بني إسرائيل وهو ابن آزر بن مسلم من طرية يعقوب، وأخرج إسحق بن بشر. وابن عساكر عن ابن عباس أنه ابن دان وكان من أبناء الأنبياء الذين يكتبون الوحي في بيت المقدس، وأخرج أحمد. وأبو يعلى. والحاكم وصححه. وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً أنه عليه السلام كان نجاراً. 
وجاء في اسمه خمس لغات. أولها : المد. وثانيها : القصر وقرئ بهما في السبع. وثالثها : زكرى بتشديد الياء. ورابعها : زكرى بتخفيفها. وخامسها : زكر كقلم وهو اسم أعجمي، والنداء في الأصل رفع الصوت وظهوره وقد يقال لمجرد الصوت بل لكل ما يدل على شيء وإن لم يكن صوتاً على ما حققه الراغب، والمراد هنا إذ دعا ربه  نِدَاء  أي دعاء  خَفِيّاً  مستوراً عن الناس لم يسمعه أحد منهم حيث لم يكونوا حاضرين. وكان ذلك على ما قيل في جوف الليل، وإنما أخفى دعاء عليه السلام لأنه أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد لتوقفه على مبادي لا يليق به تعاطيها في أوان الكبر والشيخوخة وعن غائلة مواليه، وعلى ما ذكرنا لا منافاة بين النداء وكونه خفياً بل لا منافاة بينهما أيضاً إذا فسر النداء برفع الصوت لأن الخفاء غير الخفوت ومن رفع صوته في مكان ليس بمرأى ولا مسمع من الناس فقد أخفاه، وقيل : هو مجاز عن عدم الرياء أي الإخلاص ولم ينافه النداء بمعنى رفع الصوت لهذا. 
وفي **«الكشف »** أن الأشبه أنه كناية مع إرادة الحقيقة لأن الخفاء في نفسه مطلوب أيضاً لكن المقصود بالذات الإخلاص، وقيل مستوراً عن الناس بالمخافة، ولا منافاة بناء على ارتكاب المجاز أو بناء على أن النداء لا يلزمه رفع الصوت ولذا قيل :" 
يا من ينادي بالضمير فيسمع " 
وكان نداؤه عليه السلام كذلك لما مر آنفاً أو لضعف صوته بسبب كبره كما قيل الشيخ صوته خفات وسمعه تارات، قيل : كان سنه حينئذ ستين سنة، وقيل خمساً وستين، وقيل سبعين، وقيل خمساً وسبعين، وقيل ثمانين، وقيل خمساً وثمانين، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل تسعاً وتسعين، وقيل مائة وعشرين وهو أوفق بالتعليل المذكور.

### الآية 19:4

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [19:4]

قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ العظم مِنّى 
وزعم بعضهم أنه أشير إلى كون النداء خفياً ليس فيه رفع بحذف حرفه في قوله تعالى : قَالَ رَبّ  والجملة تفسير للنداء وبيان لكيفيته فلا محل لها من الإعراب  إِنّي وَهَنَ العظم مِنّى  أي ضعف، وإسناد ذلك إلى العظم لما أنه عماد البدن ودعام الجسد فإذا أصابه الضعف والرخاوة تداعى ما وراءه وتساقطت قوته ؛ ففي الكلام كناية مبنية على تشبيه مضمر في النفس أو لأنه أشد أجزاء صلابة وقواماً وأقلها تأثراً من العلل فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ففي الكلام كناية بلا تشبيه، وأفرد على ما قاله العلامة الزمخشري وارتضاه كثير من المحققين لأن المفرد هو الدال على معنى الجنسية والقصد إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان القصد إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها حتى كأنه وقع من سامع شك في الشمول والإحاطة لأن القيد في الكلام ناظر إلى نفي ما يقابله وهذا غير مناسب للمقام، وقال السكاكي : إنه ترك جمع  العظام  إلى الإفراد لطلب شمول الوهن العظام فرداً فرداً ولو جمع لم يتعين ذلك لصحة وهنت العظام عند حصول الون لبعض منها دون كل فرد وهو مسلك آخر مرجوح عند الكثير وتحقيق ذلك في موضعه، وعن قتادة أنه عليه السلام اشتكى سقوط الأضراس ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى خبر يدل عليه فإن انفهامه من الآية مما لا يكاد يسلم، و  مِنّي  متعلق بمحذوف هو حال من العظم، ولم يقل عظمي مع أنه أخصر لما في ذلك من التفصيل بعد الإجمال ولأنه أصرح في الدلالة على الجنسية المقصودة هنا، وتأكيد الجملة لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونها. 
وقرأ الأعمش  وَهَنَ  بكسر الهاء، وقرئ بضمها أيضاً  واشتعل الرأس شَيْباً  شبه الشيب في البياض والإنارة بشواظ النار وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ففي الكلام استعارتان تصريحية تبعية في  اشتعل  ومكنية في الشيب، وانفكاكها عن التخييلية مما عليه المحققون من أهل المعاني على أنه يمكن على بعد القول بوجود التخييلية هنا أيضاً. وتكلف بعضهم لزعمه عدم جواز الانفكاك وعدم ظهور وجود التخييلية إخراج ما في الآية مخرج الاستعارة التمثيلية وليس بذاك، وأسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وأخرج مخرج التمييز للمبالغة وإفادة الشمول فإن إسناد معنى إلى ظرف ما اتصف به زمانياً أو مكانياً يفيد عموم معناه لكل ما فيه في عرف التخاطب فقولك : اشتعل بيته ناراً يفيد احتراق جميع ما فيه دون اشتعل نار بيته. 
وزعم بعضهم أن  شِيباً  نصب على المصدرية لأن معنى  واشتعل الرأس  شاب، وقيل هو حال أي شائباً وكلا القولين لا يرتضيهما كامل كما لا يخفى، واكتفى باللام عن الإضافة لأن تعريف العهد المقصود هنا يفيد ما تفيده، ولما كان تعريف  العظام  السابق للجنس كما علمت لم يكتف به وزاد قوله  مِنّي  وبالجملة ما أفصح هذه الجملة وأبلغها، ومنها أخذ ابن دريد قوله :واشتعل المبيض في مسوده  مثل اشتعال النار في جزل الغضاءوعن أبي عمرو أنه أدغم السين في الشين  وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً  أي لم أكن بدعائي إياك خائباً في وقت من أوقات هذا العمر الطويل بل كلما دعوتك استجبت لي، والجملة معطوفة على ما قبلها، وقيل حال من ياء المتكلم إذ المعنى واشتعل رأسي وهو غرب، وهذا توسل منه عليه السلام بما سلف منه تعالى من الاستجابة عند كل دعوة إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة من كبر السن وضعف الحال فإنه تعالى بعد ما عود عبده الإجابة دهراً طويلاً لا يكاد يخيبه أبداً لاسيما عند اضطراره وشدة افتقاره، وفي هذا التوصل من الإشارة إلى عظم كرم الله عز وجل ما فيه. 
وقد حكى أن حاتماً الطائي، وقيل معنى بن زائدة أتاه محتاج فسأله وقال : أنا الذي أحسنت إليه وقت كذا فقال : مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته، وقيل المعنى ولم أكن بدعائك أياي إلى الطاعة شقياً بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصاً فالكاف على هذا فاعل والأول أظهر وأولى وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لاسيما توسيطه بين كان وخبرها لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع. 
وقد جاء في بعض الآثار أن البعد إذا قال في دعائه : يا رب قال الله تعالى له : لبيك عبدي. وروى أن موسى عليه السلام قال يوماً في دعائه : يا رب فقال الله سبحانه وتعالى له : لبيك يا موسى فقال موسى : أهذا لي خاصة فقال الله تبارك وتعالى : لا ولكن لكل من يدعوني بالربوبية وقيل : إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع الله تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاته عز وجل.

### الآية 19:5

> ﻿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [19:5]

وَإِنّي خِفْتُ الموالي  هم عصبة الرجل على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ومجاهد، وعن الأصم أنهم بنو العم وهم الذين يلونه في النسب. وقيل : من يلي أمره من ذوي قرابته مطلقاً، وكانوا على سائر الأقوال شرار بني إسرائيل فخاف عليه السلام أن لا يحسنوا خلافته في أمته، والجملة عطف على قوله : إِنّي وَهَنَ العظم مِنّي  مترتب مضمونها على مضمونه فإن ضعف القوى وكبر السن من مبادي خوفه عليه السلام من يلي أمره بعد موته حسبما يدل عليه قوله  مِنْ  فإن المراد منه بإجماع من علمنا من المفسرين من بعد موتي، والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أي خفت فعل الموالي من ورائي أو جور المولى ؛ وقد قرئ كما في إرشاد العقل السليم كذلك، وجوز تعلقه بالموالي ويكفي في ذلك وجود معنى الفعل فيه في الجملة، فقد قالوا : يكفي في تعلق الظرف رائحة الفعل ولا يشترط فيه أن يكون دالاً على الحدوث كاسم الفاعل والمفعول حتى يتكلف له ويقال : إن اللام في الموالي على هذا موصول والظرف متعلق بصلته وإن مولى مخفف مولى كما قيل في معنى أنه مخفف معنى فإنه تعسف لا حاجة إليه، نعم قالوا في حاصل المعنى على هذا : خفت الذين يلون الأمر من ورائي، ولم يجوز الزمخشري تعلقه بخفت لفساد المعنى، وبين ذلك في «الكشف : بأن الجار ليس صلة الفعل لتعديه إلى المحذور بلا واسطة فتعين أن يكون للظرفية على نحو خفت الأسد قبلك أو من قبلك وحينئذ يلزم أن يكون الخوف ثابتاً بعد موته وفساده ظاهر. وبعضهم رأى جواز التعلق بناء على أن كون المفعول في ظرف مصحح لتعلق ذلك الظرف بفعله كقولك : رميت الصيد في الحرم إذا كان الصيد فيه دون رميك والظاهر عدم الجواز فافهم، وقال ابن جني : هو حال مقدرة من  خِفْتُ الموالي  وعن ابن كثير أنه قرأ  وَمِنْ  بالقصر وفتح الياء كمعصاء. 
وقرأ الزهري  خِفْتُ الموالى  بسكون الياء. وقرأ عثمان بن عفان. وابن عباس. وزيد بن ثابت. وعلي بن الحسين. وولداه محمد. وزيد. وسعيد بن العاص. وابن جبير. وأبو يعمر. وشبيل بن عزرة. والوليد بن مسلم لابن عامر  خِفْتُ  بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر تاء التأنيث  الموالى  بسكون الياء على أن  خِفْتُ  من الخفة ضد الثقل ومعنى  مِن ورائي  كما تقدم : والمراد وإني قل الموالي وعجزوا عن القيام بأمور الدين من بعدي أو من الخفوف بمعنى السير السريع ومعنى  مِن ورائي  من قدامي وقبلي، والمراد وإني مات القادرون على إقامة مراسم الملة ومصالح الأمة وذهبوا قدامي ولم يبق منهم من به تقو واعتضاد فيكون محتاجاً إلى العقب لعجز مواليه عن القيام بعده بما هو قائم به أو لأنهم ماتوا قبله فبقي محتاجاً إلى يعتضد به، وتعلق الجار والمجرور على الوجه الثاني بالفعل ظاهر، وأما على الوجه الأول فإن لوحظ أن عجزهم وقلتهم سيقع بعده لا أنه واقع وقت دعائه صح تعلقه بالفعل أيضاً وإن لم يكن كذلك تعلق بغير ذلك. 
 وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا  أي لا تلد من حين شبابها إلى شيبها، فالعقر بالفتح والضم والعقم، ويقال عاقر للذكر والأنثى  فَهَبْ لي مِن لَّدُنْكَ  كلا الجارين متعلق بهب واللام صلة له ومن لابتداء الغاية مجازاً، وتقديم الأول لكون مدلوله أهم عنده، وجوز تعلق الثاني بمحذوف وقع حالاً من المفعول الآتي. وتقدم الكلام في لدن، والمراد أعطني من محض فضلك الواسع وقدرتك الباهرة بطريق الاختراع لا بواسطة الأسباب العادية، وقيل المراد أعطني من فضلك كيف شئت  وَلِيّاً  أي ولداً من صلبي وهو الظاهر. ويؤيده قوله تعالى في سورة آل عمران حكاية عنه عليه السلام  قَالَ رَبّ هَبْ لي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً  وقيل إنه عليه السلام طلب من يقوم مقامه ويرثه ولداً كان أو غيره، وقيل : إنه عليه السلام أيس أن يولد له من امرأته فطلب من يرثه ويقوم مقامه من سائر الناس وكلا القولين لا يعول عليه. وزعم الزمخشري أن  مِن لَّدُنْكَ  تأكيد لكونه ولياً مرضياً ولا يخفى ما فيه. وتأخير المفعول عن الجارين لإظهار كمال الاعتناء بكون الهبة له على ذلك الوجه البديع مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما بعده من الوصف فتأخيرها عن الكل وتوسيطهما بين الموصوف والصفة مما لا يليق بجزالة النظم الكريم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ما ذكره عليه السلام من كبر السن وضعف القوى وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عليه السلام عن حصول الولد بتوسط الأسباب العادية واستيهابه على الوجه الخارق للعادة. 
وقيل لأن ذلك موجب لانقطاع رجائه عن حصول الولد منها وهي في تلك الحال واستيهابه على الوجه الذي يشاؤه الله تعالى، وهو مبني على القول الثاني في المراد من  هَبْ لي مِن لَّدُنْكَ  والأول أولى. 
ولا يقدح فيما ذكر أن يكون هناك داع آخر إلى الإقبال على الدعاء من مشاهدته عليه السلام للخوارق الظاهرة في حق مريم كما يعرب عنه قوله تعالى : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ  \[ آل عمران : ٣٨ \] الآية. وعدم ذكره ههنا للتعويل على ما ذكر هنالك كما أن عدم ذكر مقدمة الدعاء هنالك للاكتفاء بذكرها ههنا، والاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من السنن التنزيلية

### الآية 19:6

> ﻿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [19:6]

وقوله : يرثني وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ  صفة لوليا كما هو المتبادر من الجمل الواقعة بعد النكرات، ويقال : ورثه وورث منه لغتان كما قيل، وقيل من للتبعيض لا للتعدية، وآل الرجل خاصته الذين يؤل إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، ويعقوب على ما روى عن السدي هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم فإن زكريا من ولد هرون وهو من ولدي لاوي بن يعقوب وكان متزوجاً باخت مريم بنت عمران وهي من ولد سليمان بن داود عليهما السلام وهو من ولد يهوذ بن يعقوب أيضاً. وقال الكلبي : ومقاتل : هو يعقوب بن ماثان وأخوه عمران بن ماثان أبو مريم. وقيل : هو أخو زكريا عليه السلام والمراد من الوراثة في الموضعين العلم على ما قيل. 
وقال الكلبي : كان بنو ماثان رؤس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا عليه السلام رئيس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده الحبورة ويرث من بني ماثان ملكهم فتكون الوراثة مختلفة في الموضعين وأيد ذلك بعدم اختيار العطف على الضمير المنصوب والاكتفاء بيرث الأول، وقيل الوراثة الأولى وراثة النبوة والثانية وراثة الملك فتكون مختلفة أيضاً إلى أن قوله : واجعله رَبّ رَضِيّاً  أي مرضياً عندك قولاً وفعلاً، وقيل راضياً والأول أنسب يكون على هذا تأكيداً لأن النبي شأنه أن يكون كذبك، وعلى ما قلنا يكون دعاء بتوفيقه للعمل كما أن الأول متضمن للدعاء بتوفيقه للعلم فكأنه طلب أن يكون ولده عالماً عاملاً، وقيل : المراد اجعله مرضياً بين عبادك أي متبعاً فلا يكون هناك تأكيد مطلقاً، وتوسيط  رَبّ  بين مفعولي الجعل على سائر الأوجه للمبالغة في الاعتناء بشأن ما يستدعيه. 
واختار السكاكي أن الجملتين مستأنفتان استئنافاً بيانياً لأنه يرد أنه يلزم على الوصفية أن لا يكون قد وهب لزكريا عليه السلام من وصف لهلاك يحيى عليه السلام قبل هلاكه لقتل يحيى عليه السلام قبل قتله. وتعقب ذلك في **«الكشف »** بأنه مدفوع بأن الروايات متعارضة والأكثر على هلاك زكريا قبله عليهما السلام، ثم قال : وأما الجواب بأنه لا غضاضة في أن يستجاب للنبي بعض ما سأل دون بعض ألا ترى إلى دعوى نبينا صلى الله عليه وسلم في حق أمته حيث قال عليه الصلاة والسلام :" وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها " وإلى دعوة إبراهيم عليه السلام في حق أبيه فإنما يتم لو كان المحذور ذلك وإنما المحذور لزوم الخلف في خبره تعالى فقد قال سبحانه وتعالى في الأنبياء : فاستجبنا لَهُ  \[ الأنبياء : ٧٦، ٨٤، ٨٨، ٩٠ \] وهو يدل على أنه عليه السلام أعطى ما سأل من غير تفرقة بين بعض وبعض وكذلك سياق الآيات الأخر. 
ولك أن تستدل بظاهر هذه الآية على ضعف رواية من زعم أن يحيى هلك قبل أبيه عليهما السلام، وأما الايراد بأن ما اختير من الحمل على الاستئناف لا يدفع المحذور لأنه وصل معنوي فليس بشيء لأن الوصل ثابت ولكنه غير داخل في المسؤول لأنه بيان العلة الباعثة على السؤال ولا يلزم أن يكون علة السؤال مسؤلة انتهى. 
وأجاب بعضهم بأنه حيث كان المراد من الوراثة هنا وراثة العلم لا يضر هلاكه قبل أبيه عليهما السلام لحصول الغرض وهو أخذ ذلك وإفاضته على الغير بحيث تبقى آثاره بعد زكريا عليه السلام زماناً طويلاً ولا يخفى أن المعروف بقاء ذات الوارث بعد الموروث عنه. 
وقرأ أبو عمرو. والكسائي. والزهري. والأعمش. وطلحة. واليزيدي. وابن عيسى الأصفهاني. وابن محيصن. وقتادة بجزم الفعلين على أنهما جواب الدعاء ؛ والمعنى أن تهب لي ذلك يرثني الخ، والمراد أنه كذلك في ظني ورجائي، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس. وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهم والحسن. وابن يعمر. والجحدري. وأبو حرب بن أبي الأسود. وأبو نهيك  يَرِثُنِى  بالرفع  وأرث  فعلاً مضارعاً من ورث وخرج ذلك على أن المعنى يرثني العلم وأرث أنا به الملك من آل يعقوب وذلك بجعل وراثة الولي الملك وراثة لزكريا عليه السلام لأن رفعة الولد رفعة للوالد والواو لمطلق الجمع، وقال بعضهم : والواو للحال والجملة حال من أحد الضميرين، وقال **«صاحب اللوامح »** : فيه تقديم ومعناه فهب لي ولياً من آل يعقوب يرثني النبوة إن مت قبله وأرثه ماله إن مات قبلي وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً، ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه. وجماعة أنهم قرؤوا { يرثني وارث )برفع وارث، بزنة فاعل على أنه فاعل يرثني على طريقة التجريد كما قال أبو الفتح. وغيره أي يرثني ولي من ذلك الولي أو به فقد جرد من الولي ولياً كما تقول رأيت منه أو به أسداً، وعن الجحدري أنه قرأ  وأرث  بإمالة الواو، وقرأ مجاهد  أَوْ  تصغير وارث وأصله وويرث بواوين الأولى فاء الكلمة الأصلية والثانية بدل ألف فاعل لأنها تقلب واواً في التصغير كضويرب ولما وقعت الواو مضمومة قبل أخرى في أوله قلبت همزة كما تقرر في التصريف ونقل عنه أنه قال التصغير لصغيره فإنه عليه السلام تورث عنهم أموالهم لأن الوراثة حقيقية في وراثة المال ولا داعي إلى الصرف عن الحقيقة، وقد ذكر الجلال السيوطي في **«الذر المنثور »** عن ابن عباس. ومجاهد وعكرمة. وأبي صالح أنهم قالوا في الآية : يرثني مالي وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد. وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم قال في الآية : يرحم الله تعالى أخي زكريا ما كان عليه من ورثة وفي رواية ما كان عليه ممن يرث ماله، وقال بعضهم : إن الوراثة ظاهرة في ذلك ولا يجوز ههنا حملها على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله : يَعْقُوبَ واجعله رَبّ رَضِيّاً  ولا على وراثة العلم لأنه كسبي والموروث حاصل بلا كسب. 
ومذهب أهل السنة أن الأنبياء عليهم السلام لا يرثون مالاً ولا يورثون لما صح عندهم من الأخبار. 
وقد جاء ذلك أيضاً من طريق الشيعة فقد روى الكليني في الكافي عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر، وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعاً باعتراف الشيعة، والوراثة في الآية محمولة على ما سمعت ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في وراثة المال بل هي حقيقة فيما يعم وراثة العلم والمنصب والمال وإنما صارت لغلبة الاستعمال في عرف الفقهاء مختصة بالمال كالمنقولات العرفية ولو سلمنا أنها مجاز في ذلك فهو مجاز متعارف مشهور خصوصاً في استعمال القرآن المجيد بحيث يساوي الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا  \[ فاطر : ٣٢ \] وقوله تعالى : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب  \[ الأعراف : ١٦٩ \] وقوله تعالى : إِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ  \[ الشورى : ١٤ \] وقوله تعالى : إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ  \[ الأعراف : ١٢٨ \]  ولله ميراث السموات والأرض  \[ آل عمران : ١٨٠ \] قولهم لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة قلنا : الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب ودون تأويله خرط القتاد، والآثار الدالة على أنهم يورثون المال لا يعول عليها عند النقاد، وزعم البعض أنه لا يجوز حمل الوراثة هنا على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله : واجعله رَبّ رَضِيّاً  قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه. وزعم أن كسبية الشيء تمنع من كونه موروثاً ليس بشيء فقد تعلقت الوراثة بما ليس بكسبي في كلام الصادق، ومن ذلك أيضاً ما رواه الكليني في الكافي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : إن سليمان ورث داود وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ورث سليمان عليه السلام فإن وراثة النبي صلى الله عليه وسلم سليمان عليه السلام لا يتصور أن تكون وراثة غير العلم والنبوة ونحوهما، ومما يؤيد حمل الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال أنه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم المتغير الفاني واتصلت بالعالم الباقي ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة لاسيما جناب زكريا عليه السلام فإنه كان مشهوراً بكمال الانقطاع والتجرد فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الكلف والحزن والخوف ويستدعي من حضرة الحق سبحانه وتعالى ذلك النحو من الاستدعاء وهو يدل على كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا، وقالت الشيعة : إنه عليه السلام خاف أن يصرف بنو عمه ماله بعد موته فيما لا ينبغي فطلب لو الوارث المرضي لذلك، وفيه أن ذلك مما لا يخاف منه إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال ذلك الآخر فصرفه على ذمته صواباً أو خطأ ولا مؤاخذة على الميت من ذلك الصرف بل لا عتاب أيضاً مع أن دفع هذا الخوف كان ميسراً له عليه السلام بأن يصرفه قبل موته ويتصدق به كله في سبيل الله تعالى ويترك بني عمه الأشرار خائبين لسوء أحوالهم وقبح أفعالهم. 
وللأنبياء عليهم السلام عند الشيعة خبر بزمن موتهم وتخيير فيه فما كان له خوف موت الفجأة أيضاً فليس قصده عليه السلام من مسألة الولد سوى إجراء أحكام الله تعالى وترويج الشريعة وبقاء النبوة في أولاده فإن ذلك موجب لتضاعف الأجر إلى حيث شاء الله تعالى من الدهر، ومن أنصف لم يتوقف في قبول ذلك والله تعالى الهادي لأقوم المسالك.

### الآية 19:7

> ﻿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [19:7]

يَا زَكَرِيَّا  على إرادة القول أي قيل له أو قال الله تعالى يا زكريا  إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى  لكن لا بأن يخاطبه سبحانه وتعالى بذلك بالذات بل بواسطة الملك كما يدل عليه آية أخرى على أن يحكي عليه السلام العبارة عنه عز وجل على نهج قوله تعالى : قُلْ يا عِبَادِي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ  \[ الزمر : ٥٣ \] الآية وهذا جواب لندائه عليه السلام ووعد بإجابة دعائه كما يفهمه التعبير بالبشارة دون الإعطاء أو نحوه وما في الوعد من التراخي لا ينافي التعقيب في قوله تعالى : فاستجبنا لَهُ  \[ الأنبياء : ٩٠ \] الآية لأنه تعقيب عرفي كما في تزوج فولد له ولأن المراد بالاستجابة الوعد أيضاً لأن وعد الكريم نقد، والمشهور أن هذا القول كان إثر الدعاء ولم يكن بين البشارة والولادة إلا أشهر، وقيل : إنه رزق الولد بعد أربعين سنة من دعائه، وقيل : بعد ستين. والغلام الولد الذكر، وقد يقال للأنثى : غلامة كما قال :
تهان لها الغلامة والغلام \*\*\*
وفي تعيين اسمه عليه السلام تأكيد للوعد وتشريف له عليه السلام، وفي تخصيصه به حسبما يعرب عنه قوله تعالى : لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً  أي شريكاً له في الاسم حيث لم يسم أحد قبله بيحيى على ما روي عن ابن عباس. وقتادة. والسدي. وابن أسلم مزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام، وهذا كما قال الزمخشري شاهد على أن الأسماء النادرة التي لا يكاد الناس يستعملونها جديرة بالأثرة وإياها كانت العرب تنحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم :شنع الأسامي مسبلي أزر  حمر تمس الأرض بالهدبوقيل للصلت بن عطاء : كيف تقدمت عند البرامكة وعندهم من هو آدب منك ؟ فقال : كنت غريب الدار غريب الاسم خفيف الجرم شحيحاً بالإشلاء فذكر مما قدمه كونه غريب الاسم ؛ وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر. وغيرهما عن مجاهد أن  سَمِيّاً  بمعنى شبيهاً. وروي عن عطاء. وابن جبير مثله أي لم نجعل له شبيهاً حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية، فقد أخرج أحمد. والحكيم. والترمذي في **«نوادر الأصول »**. والحاكم. وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أوهم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام لم يهم بخطيئة ولم يعملها " والأخبار في ذلك متظافرة، وقيل : لم يكن له شبيه لذلك ولأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر. 
وقيل لأنه كان كما وصف الله تعالى  مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين  \[ آل عمران : ٣٩ \] فيكون هذا إجمالاً لذلك وإنما قيل للشبيه سمي لأن المتشابهين يتشاركان في الاسم. 
ومن هذا الإطلاق قوله تعالى : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  \[ مريم : ٦٥ \] لأنه الذي يقتضيه التفريع، والأظهر أنه اسم أعجمي لأنه لم تكن عادتهم التسمية بالألفاظ العربية فيكون منعه الصرف على القول المشهور في مثله للعلمية والعجمة، وقيل إنه عربي ولتلك العادة مدخل في غرابته وعلى هذا فهو منقول من الفعل كيعمر ويعيش وقد سموا بيموت وهو يموت بن المزرع بن أخت الجاحظ ووجه تسميته بذلك على القول بعربيته قيل الإشارة بأنه يعمر، وهذا في معنى التفاؤل بطول حياته، وكان في ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام يرث حسبما سأل زكريا عليه السلام، وقيل : سمي بذلك لأنه حي به رحم أمه. وقيل لأنه حي بين شيخ فان وعجوز عاقر، وقيل لأنه يحيا بالحكمة والعفة، وقيل لأنه يحيا بإرشاد الخلق وهدايتهم، وقيل لأنه يستشهد والشهداء أحياء، وقيل غير ذلك، ثم لا يخفى أنه على العربية والعجمة يختلف الوزن والتصغير كما بين في محله.

### الآية 19:8

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [19:8]

قَالَ  استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال عليه السلام حينئذٍ ؟ فقيل قال : رَبّ  ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى إليه بواسطة الملك للمبالغة في التضرع والمناجاة والجد في التبتل إليه عز وجل، وقيل لذلك والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم أن علمه تعالى بما يصدر عنه متوقف على توسطه كما أن علم البشر بما يصدر عنه تعالى متوقف على ذلك في عامة الأوقات ؛ ولا يخفى أن الاقتصار على الأول أولى  أنى يَكُونُ لِي غلام  كلمة  إِنّي  بمعنى كيف أو من أين، وكان إما تامة وأنى واللام متعلقان بها، وتقديم الجار على الفاعل لما مر غير مرة أي كيف أو من أين يحدث لي غلام، ويجوز أن يتعلق اللام بمحذوف وقع حالاً من  غُلاَمٌ  أي أنى يحدث كائناً لي غلام أو ناقصة واسمها ظاهر وخبرها إما أنى و  لي  متعلق بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى نصب على الظرفية، وقوله تعالى : وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا  حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً  حال منه مؤكدة للاستبعاد إثر تأكيد، ومن للابتداء العلي، والعتي من عتى يعتو اليبس والقحول في المفاصل والعظام. 
وقال الراغب : هو حالة لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها، وقيل إلى رياضتها وهي الحالة المشار إليها بقول الشاعر :
ومن العناء رياضة الهرم \*\*\* وأصله عتوو كقعود فاستثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها ثم انقلبت الثانية أيضاً لاجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون وكسرت العين اتباعاً لما بعدها أي كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابي فكيف وهي الآن عجوز وقد بلغت أنا من أجل كبر السن يبساً وقحولاً أو حالة لا سبيل إلى إصلاحها وقد تقدم لك الأقوال في مقدار عمره عليه السلام إذ ذاك. وأما عمر امرأته فقد قيل إنه كان ثماني وتسعين. 
وجوز أن تكون  مِنْ  للتبعيض أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتياً، وجعلها بعضهم بيانية تجريدية وفيه بحث والجار والمجرور إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً من  عِتِيّاً  وهو نصب على المفعولية وأصل المعنى متحد مع قوله تعالى في آل عمران حكاية عنه بلغني الكبر والتفاوت في المسند إليه لا يضر فإن ما بلغك من المعاني فقد بلغته نعم بين الكلامين اختلاف من حيثية أخرى لا تخفى فيحتاج اختيار كل منهما في مقام إلى نكتة فتدبر ذاك، وكذا وجه البداءة ههنا بذكر حال امرأته عليه السلام على عكس ما في تلك السورة. 
 وفي إرشاد العقل السليم لعل ذلك لما أنه قد ذكر حاله في تضاعيف دعائه وإنما المذكور ههنا بلوغه أقصى مراتب الكبر تتمة لما ذكر قبل وأما هنا لك فلم يسبق في الدعاء ذكر حاله فلذلك قدمه على ذكر حال امرأته لما أن المسارعة إلى بيان قصور شأنه أنسب اه. 
وقال بعضهم : يحتمل تكرر الدعاء والمحاورة واختلاف الأسلوب للتفنن مع تضمن كل ما لم يتضمنه الآخر فتأمل والله تعالى الموفق، والظاهر أنه عليه السلام كان يعرف من نفسه أنه لم يكن عاقراً، ولذلك ذكر الكبر ولم يذكر العقر وإنما قال عليه السلام ما ذكر مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى لاسيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في سورة آل عمران استعظاماً لقدرة الله تعالى واعتداداً بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محض فضل الله تعالى ولطفه مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة ولم يكن ذلك استبعاداً كذا قيل. 
وقيل : هو استبعاد لكنه ليس راجعاً إلى المتكلم بل هو بالنسبة إلى المبطلين، وإنما طلب عليه السلام ما يزيل شوكة استبعادهم ويجلب ارتداعهم من سيء عادتهم، وذلك مما لا بأس به من النبي خلافاً لابن المنير، نعم أورد على ذلك أن الدعاء كان خفياً عن المبطلين. 
وأجيب بأنه يحتمل أنه جهر به بعد ذلك إظهاراً لنعمة الله تعالى عليه وطلباً لما ذكر فتذكر، وقيل : هو استبعاد راجع إلى المتكلم حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة، وكان قد نسي عليه السلام دعاءه وهو بعيد جداً. 
وقال في **«الانتصاف »** : الظاهر والله تعالى أعلم أن زكريا عليه السلام طلب ولداً على الجملة وليس في الآية ما يدل أنه يوجد منه وهو هرم ولا إنه من زوجته وهي عاقر ولا أنه يعاد عليهما قوتهما وشبابهما كما فعل بغيرهما أو يكون الولد من غير زوجته العاقر فاستبعد الولد منهما وهما بحالهما فاستخبر أيكون وهما كذلك فقيل له  كذلك  \[ مريم : ٩ \] أي يكون الولد وأنتما كذلك. وتعقب بأن قوله : فَهَبْ لي مِن لَّدُنْكَ  ظاهر في أنه طلب الولد وهما على حالة يستحيل عادة منهما الولد. 
والظاهر عندي كونه استبعاداً من حيث العادة أو هو بالنسبة إلى المبطلين وهو كما في **«الكشف »** أولى. وقرأ أكثر السبعة  عِتِيّاً  بضم العين. وقرأ ابن مسعود بفتحها وكذا بفتح صاد  صِلِيّاً  \[ مريم : ٧٠ \] وأصل ذلك كما قال ابن جني رداً على قول ابن مجاهد لا أعرف لهما في العربية أصلاً ما جاء من المصادر على فعيل نحو الحويل والزويل. وعن ابن مسعود أيضاً. ومجاهد أنهما قرآ  عسيا  بضم العين وبالسين مكسورة. وحكى ذلك الداني عن ابن عباس. والزمخشري عن أبي، ومجاهد وهو من عسا العود يعسو إذا يبس.

### الآية 19:9

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [19:9]

قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  قرأ الحسن  وَهُوَ على هَيّنٌ  بالواو، وعنه أنه كسر ياء المتكلم كما في قول النابغة :علي لعمرو نعمة بعد نعمة  لوالده ليست بذات عقاربونحو ذلك قراءة حمزة  وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ  \[ إبراهيم : ٢٢ \] بكسر الياء، والكاف إما رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وضمير  قَالَ  للرب عز وجل لا للملك المبشر لئلا يفك النظم، وذلك إشارة إلى قول زكريا عليه السلام، والخطاب في  قَالَ رَبُّكِ  له عليه السلام لا لنبينا صلى الله عليه وسلم بدليل السابق واللاحق، وجملة  هُوَ عَلَىَّ هين  مفعول  قَالَ  الثاني وجملة الأمر كذلك مع جملة  قَالَ رَبُّكِ  الخ مفعول  قَالَ  الأول وإن لم يتخلل بين الجملتين عاطف كما في قوله تعالى : وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  \[ هود : ٤١ \] وقوله سبحانه وتعالى : قَالُواْ أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا  \[ المؤمنون : ٨٢، ٨٣ \] الآية وكم وكم، وجيء بالجملة الأولى تصديقاً منه تعالى لزكريا عليه السلام وبالثانية جواباً لما عسى يتوهم من أنه إذا كان ذلك في الاستبعاد بتلك المنزلة وقد صدقت فيه فأنى يتسنى فهي في نفسها استئنافية لذلك، ولا يحسن تخلل العاطف في مثل هاتين الجملتين إذا كان المحكي عنه قد تكلم بهما معاً من غير عاطف ليدل على الصورة الأولى للقول بعينها، وكذلك لا يحسن إضمار قول آخر لأنه يكون استئنافاً جواباً للمحكي له فلا يدل على أنه الاستئناف أيضاً في الأول إلا بمنفصل أما لو تكلم بهما في زمانين أو بدون ذلك الترتيب فالظاهر العطف أو الاستئناف بإضمار القول. 
ثم لو كان الاقتصار في جواب زكريا عليه السلام على  هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  من دون إقحام  قَالَ رَبُّكِ  لكان مستقيماً لكن إنما عدل إليه للدلالة على تحقيق الوعد وإزالة الاستبعاد بالكلية على منوال ما إذا وعد ملك بعض خواصه ما لا يجد نفسه تستأهل ذلك فأخذ يتعجب مستبعداً أن يكون من الملك بتلك المنزلة فحاول أن يحقق مراده ويزيل استبعاده فأما أن يقول لا تستبعد أنه أهون شيء علي على الكلام الظاهر وإما أن يقول لا تستبعد قد قلت إنه أهون شيء على إشارة منه إلى أنه وعد سبق القول به وتحتم وإنه من جلالة القدر بحيث لا يرى في إنجازه لباغيه كائناً من كان وقعاً فكيف لمن استحق منه لصدق قدمه في عبوديته إجلالاً ورفعاً، وهذا قول بلسان الإشارة يصدق وإن لم يكن قد سيق منه نطق به لأن المقصود أن علو المكانة وسعة القدرة وكمال الجود يقضي بذلك قيل : أولاً أولاً ثم إذا أراد ترشيح هذا المعنى عدل عن الحكاية قائلاً : قد قال من أنت غرس نعمائه أنه أهون شيء على ثم إذا حكى الملك القصة مع بعض خلصائه كان له أن يقول : قلت لعبدي فلان كيت وكيت قال : إني وليت قلت قال من أنت الخ وأن يقول بدله قال سيد فلان له ويسرد الحديث فهذا وزان الآية فيما جرى لزكريا عليه السلام وحكى لنبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل والسلام، وقد لاح من هذا التقرير أن فوات نكتة الإقحام مانع من أن يجعل المرفوع من صلة  قَالَ  الثاني والمجموع صله الأول، والظاهر في توجيه قراءة الحسن على هذا أن جملة  هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  عطف على محذوف من نحو أفعل وأنا فاعل، ويجوز أن يقال وربما أشعر كلام الزمخشري بإيثاره أنه عطف على الجملة السابقة نظراً إلى الأصل لما مر من أن  قَالَ  مقحم لنكتة فكأنه قيل الأمر كذلك وهو على ذلك يهون علي، وأما نصب بقال الثاني وهي الكاف التي تستعمل مقحمة في الأمر العجيب الغريب لتثبيته وذلك إشارة إلى مبهم يفسر ما بعده أعني  هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  وضمير **«قال »** للرب كما تقدم والخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً أي قال رب زكريا له قال ربك مثل ذلك القول العجيب الغريب هو على هين علي أن  قَالَ  الثاني مع ما في صلته مقول القول الأول وإقحام القول الثاني لما سلف ولا ينصب الكاف بقال الأول وإلا لكان  قَالَ  ثانياً تأكيداً لفظياً لئلا يقع الفصل بين المفسر والمفسر بأجنبي وهو ممتنع إذ لا ينتظم أن يقال : قال رب زكريا قال ربك ويكون الخطاب لزكريا عليه السلام والمخاطب غيره كيف وهذا النوع من الكلام يقع فيه التشبيه مقدماً لاسيما في التنزيل الجليل من نحو  وكذلك جعلناكم أُمَّةً  \[ البقرة : ١٤٣ \]  كذلك الله يفعل ما يشاء  \[ آل عمران : ٤٠ \] إلى غير ذلك، وهذا الوجه لا يتمشى في قراءة الحسن لأن المفسر لا يدخله الواو ولا يجوز حذفه حتى يجعل عطفاً عليه لأن الحذف والتفسير متنافيان، وجوز على احتمال النصب أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من وعد الله تعالى إياه عليه السلام بقوله : إِنَّا نُبَشّرُكَ  \[ مريم : ٧ \] الخ أي قال ربه سبحانه له قال ربك مثل ذلك أي مثل ذلك القولب العجيب الذي وعدته وعرفته وهو  إِنَّا نُبَشّرُكَ  الخ، وأداة التشبيه مقحمة كما مر فيكون المعنى وعد ذلك وحققه وفرغ منه فكن فارغ البال من تحصيله على أوثق بال ثم قال : هو على هين أي قال ربك هو على هين فيضمر القول ليتطابقا في البلاغة، ولأن قوله مثل ذلك مفرد فلا يحسن أن تقرن الجملة به وينسحب عليه ذلك القول بعينه بل إنما يضمر مثله استئنافاً إيفاءاً بحق التناسب. 
وإن شئت لم تنوه ليكون محكياً منتظماً في سلك  قَالَ رَبُّكِ  منسحباً عليه القول الأول أي قال رب زكريا له هو على هين لأن الله تعالى هو المخاطب لزكريا عليه السلام أفلا منع من جعله مقول القول الأول من غير إضمار لأن القولين أعني قال ربك مثل ذلك هو على هين صادران معاً محكيان على حالهما. ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى أعني الملك تعين إضمار القول لامتناع أن يكون هو على هين من مقوله فلا ينسحب عليه الأول. وأما على قراءة الحسن فإن جعل عطفاً على  قَالَ رَبُّكِ  لم يحتج إلى إضمار لصحة الانسحاب وإن أريد تأكيده أيضاً قدر القول لئلا تفوت البلاغة ويكون التناسب حاصلاً، وجعله عطفاً ما بعد  قَالَ  الثاني من دون التقدير يفوت به رعاية التناسب لفظاً فإن ما بعده مفرد والملاءمة معنى لما عرفت أن لا قول على الحقيقة. والمعنى قال ربه قد حقق الموعود وفرغ عنه فلا بد من تقديره على  هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  ليفيد تحقيقه أيضاً. ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى تعين الإضمار لعدم الانسحاب دونه فافهم، وهذا ما حققه صاحب الكشف وقرر به عبارة الكشاف بأدنى اختصار، ثم ذكر أن خلاصة ما وجده من قول الأفاضل أن التقدير على احتمال أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الوعد قال رب زكريا له قال ربك قولاً مثل قوله سبحانه وتعالى السابق عدة في الغرابة والعجب فاتجه له عليه السلام أن يسأل ماذا قلت يا رب وهو مثله فيقول : هو على هين أي قلت أو قال ربك. والأصل على هذا التقدير قلت قولاً مثل الوعد في الغرابة فعدل إلى الالتفات أو التجريد أياً شئت تسميه لفائدته المعلومة. وليس في الإتيان بأصل القول خروج عن مقتضى الظاهر إذ لا بد منه لينتظم الكلام وذلك لأن المعنى على هذا التقدير ولا تعجب من ذلك القول وانظر إلى مثله واعجب فقد قلناه. وكذلك يتجه لنبينا صلى الله عليه وسلم السؤال فيجاب بأنه قال له ربه هو على هين وصحة وقوعه جواباً عن سؤال نبينا عليه الصلاة والسلام وهو الأظهر على هذا الوجه لأن الكلام معه، وإذ قد صح أن يجعل جواباً له جاز إضمار القول لأنه جواب له صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه خوطب به زكريا عليه السلام أيضاً وجاز أن لا يضمر لأن المخاطب لهما واحد والخطاب مع نبينا صلى الله عليه وسلم وعلم من ضرورة المماثلة أنه قيل لزكريا أيضاً هذه المقالة ولو كان الحاكي والقائل الأول مختلفين في هذه الصورة لم يكن بد من إضماره لأنه إذا قال عمرو لبكر ماذا قال زيد لخالد مما يماثل مقالته السابقة له ؟ فيقول : إنك محبب مرضي وجب أن يكون التقدير قال زيد لخالد هذه المقالة لا محالة، ولا بعد في تنزيل كلام الزمخشري عليه، وهذا ما لوح إليه صاحب التقريب وآثره الإمام الطيبي وفيه فوات النكتة المذكورة في  قَالَ رَبُّكِ  ثم إنه إن لم يكن سبق القول كان كذباً من حيث الظاهر إذ ليس من القول بلسان الإشارة إلى أن يؤول بأنه مستقبل معنى، هذا والكلام مسوق لما يزيل الاستبعاد ويحقق الموعود المرتاد وفي ذلك التقدير خروج عنه إلى معنى آخر ربما يستلزم هذا المعنى تبعاً وما سيق له الكلام ينبغي أن يجعل الأصل انتهى. 
وهو كلام تحقيق وتدقيق لا يرشد إليه إلا توفيق، وفي الآية وجه آخر هو ما أشار إليه صاحب الانتصاف، و  هَيّنٌ  فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب، والمراد أني كامل القدرة على ذلك إذا أردته كان. 
  وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً  تقرير لما قبل، والشيء هنا بمعنى الموجود أي ولم تك موجوداً بل كنت معدوماً، والظاهر أن هذا إشارة إلى خلقه بطريق التوالد والانتقال في الأطوار كما يخلق سائر أفراد الإنسان، وقال بعض المحققين : المراد به ابتداء خلق البشر، إذ هو الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالد المعتاد فكأنه قيل : وقد خلقتك من قبل في تضاعيف خلق آدم ولم تك إذ ذاك شيئاً أصلاً بل كنت عدماً بحتاً، وإنما لم يقل : وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ولم يك شيئاً مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على حاله عليه السلام لتأكيد الاحتجاج وتوضيح منهاج القياس من حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السلام من العدم لأنه عليه السلام أبدع أنموذجاً منطوياً على سائر احاد الجنس فكان إبداعه على ذلك الوجه إبداعاً لكل أحد من فروعه كذلك، ولما كان خلقه عليه السلام على هذا النمط الساري إلى جميع ذريته أبدع من أن يكون مقصوراً على نفسه كما هو المفهوم من نسبه الخلق المذكور إليه وأدل على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته وكان عدم زكريا حينئذٍ أظهر عنه وكان حاله أولى بأن يكون معياراً لحال ما بشر به نسب الخلق المذكور إليه كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله تعالى : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم  \[ الأعراف : ١١ \] توفية لمقام الامتنان حقه انتهى، ولا يخلو عن تكلف، وجوز أن يكون الشيء بمعنى المعتد به وهو مجاز شائع، ومنه قول المتنبي :وضاقت الأرض حتى كان هاربهم  إذا رأى غير شيء ظنه رجلاًوقولهم : عجبت من لا شيء وليس بشيء إذ يأباه المقام ويرده نظم الكلام. وقرأ الأعمش. وطلحة. وابن وثاب. وحمزة. والكسائي  خلقناك .

### الآية 19:10

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [19:10]

قَالَ رَبّ اجعل لي ءايَةً  أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ووقوع الخبر، وكان هذا السؤال كما قال الزجاج لتعريف وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه وهو أمر خفي لا يوقف عليه لاسيما إذا كانت زوجته ممن انقطع حيضها لكبرها وأراد أن يطلعه الله تعالى ليتلقى تلك النعمة الجليلة بالشكر من حيث حدوثها ولا يؤخره إلى أن تظهر ظهوراً معتاداً، وقيل : طلب ذلك ليزداد يقيناً وطمأنينة كما طلب إبراهيم عليه السلام كيفية إحياء الموتى لذلك والأول أولى، وبالجملة لم يطلبه لتوقف منه في صدق الوعد ولا لتوهم أن ذلك من عند غير الله تعالى، ورواية هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تصح لعصمة الأنبياء عليهم السلام عن مثل ذلك. وذكر أن هذا السؤال ينبغي أن يكون بعدما مضى بعد البشارة برهة من الزمان لما روي أن يحيى كان أكبر من عيسى عليهما السلام بستة أشهر أو بثلاث سنين ولا ريب في أن دعاءه عليه السلام كان في صغر مريم لقوله تعالى : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ  \[ آل عمران : ٣٨ \] وهي إنما ولدت عيسى عليه السلام وهي بنت عشر سنين أو بنت ثلاث عشرة سنة، والجعل إبداعي واللام متعلقة به، والتقديم على  ءايَةً  الذي هو المفعول لما تقدم مراراً أو بمحذوف وقع حالاً من  ءايَةً  وقيل : بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين أولهما  ءايَةً  وثانيهما الظرف وتقديمه لأنه لا مسوغ لكون  ءايَةً  مبتدأ عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديم الظرف فلا يتغير حالهما بعد ورود الناسخ. 
 قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ الناس  أن لا تقدر على تكليمهم بكلامهم المعروف في محاوراتهم. 
 روي عن أبي زيد أنه لما حملت زوجته عليه السلام أصبح لا يستطيع أن يكلم أحداً وهو مع ذلك يقرأ التوراة فإذا أراد مناداة أحد لم يطقها  ثلاث لَيَالٍ  مع أيامهن للتصريح بالأيام في سورة آل عمران والقصة واحدة، والعرب تتجوز أو تكتفي بأحدهما عن الآخر كما ذكره السيرافي، والنكتة في الاكتفاء بالليالي هنا وبالأيام ثمة على ما قيل أن هذه السورة مكية سابقة النزول وتلك مدنية والليالي عندهم سابقة على الأيام لأن شهورهم وسنيهم قمرية إنما تعرف بالأهلة ولذلك اعتبروها في التاريخ كما ذكره النحاة فأعطى السابق للسابق، والليال جمع ليل على غير قياس كأهل وأهال أو جمع ليلاة ويجمع أيضاً على ليايل. 
 سَوِيّاً  حال من فاعل  تُكَلّمَ  مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة لا لاعتقال اللسان بمرض أي يتعذر عليك تكليمهم، ولا تطيقه حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح ما بك شائبة بكم ولا خرص وهذا ما عليه الجمهور، وعن ابن عباس أن  سَوِيّاً  عائد على الليالي أي كاملات مستويات فيكون صفة لثلاث. وقرأ ابن أبي عبلة. وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  أَن لا تُكَلّمَ  بالرفع على أن المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن أي أنه لا تكلم.

### الآية 19:11

> ﻿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:11]

فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب  أي من المصلى كما روي عن ابن زيد أو من الغرفة كما قيل، وأصل المحراب كما قال الطبرسي : مجلس الأشراف الذي يحارب دونه ذباً عن أهله، ويسمى محل العبادة محراباً لما أن العابد كالمحارب للشيطان فيه، وإطلاق المحراب على المعروف اليوم في المساجد لذلك وهو محدث لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ألف الجلال السيوطي في ذلك رسالة صغيرة سماها إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب. روي أن قومه كانوا من وراء المحراب ينتظرون أن يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم متغيراً لونه فأنكروه وقالوا : مالك ؟  فأوحى إِلَيْهِمْ  أي أومأ إليهم وأشار كما روي عن قتادة. وابن منبه. والكلبي. والقرطبي وهو إحدى الروايتين عن مجاهد، ويشهد له قوله تعالى : إِلاَّ رَمْزًا  \[ آل عمران : ٤١ \] وروي عن ابن عباس كتب لهم على الأرض. 
 أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً  وهو الرواية الأخرى عن مجاهد لكن بلفظ على التراب بدل على الأرض وقال عكرمة : كتب علي ورقة. وجاء إطلاق الوحي على الكتابة في كلام العرب ومنه قول عنترة :كوحي صحائف من عهد كسرى  فأهداها لأعجم طمطمى**وقول ذي الرمة :**سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها  بقية وحي في بطون الصحائفو  أن  إما مفسرة أو مصدرية فتقدر قبلها الباء الجارة. والمراد بالتسبيح الصلاة مجازاً بعلاقة الاشتمال وهو المروى عن ابن عباس. وقتادة. وجماعة. و  بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ظرفا زمان له. والمراد بذلك كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية صلاة الفجر وصلاة العصر، وقال بعض : التسبيح على ظاهره وهو التنزيه أي نزهوا ربكم طرفي النهار، ولعله عليه السلام كان مأموراً بأن يسبح شكراً ويأمر قومه. 
وقال صاحب التحرير والتحبير : عندي في هذا معنى لطيف وهو أنه إنما خص التسبيح بالذكر لأن العادة جارية أن كل من رأى أمراً عجب منه أو رأى فيه بديع صنعة أو غريب حكمة يقول : سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله فلما رأى حصول الولد من شيخ وعاقر عجب من ذلك فسبح وأمر بالتسبيح اه. 
 فأمرهم بالتسبيح إشارة إلى حصول أمر عجيب، وقيل : إنه عليه السلام كان قد أخبر قومه بما بشر به قبل جعل العلامة فلما تعذر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بشر به من الأمر العجيب فسروا بذلك. 
وقرأ طلحة  أن سبحوه  بهاء الضمير عائدة إلى الله تعالى، وروى ابن غزوان عن طلحة  أن سبحن  بنون مشددة.

### الآية 19:12

> ﻿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [19:12]

يا يحيى  على تقدير القول وكلام آخر حذف مسارعة إلى الأنباء بإنجاز الوعد الكريم أي فلما ولد وبلغ سنا يؤمر مثله فيه قلنا يا يحيى  خُذِ الكتاب  أي التوراة، وادعى ابن عطية الإجماع على ذلك بناءً على أن ال للعهد ولا معهود إذ ذاك سواها فإن الإنجيل لم يكن موجوداً حينئذٍ وليس كما قال بل قيل : له عليه السلام كتاب خص به كما خص كثير من الأنبياء عليهم السلام بمثل ذلك، وقيل : المراد بالكتاب صحف إبراهيم عليه السلام، وقيل : المراد الجنس أي كتب الله تعالى : بِقُوَّةٍ  بجد واستظهار وعمل بما فيه، وقائل ذلك هو الله تعالى على لسان الملك كما هو الغالب في القول للأنبياء عليه السلام، وأبعد التبريزي فقدر قال له أبوه حين ترعرع ونشأ : يا يحيى الخ، ويزيده بعداً قوله تعالى : وءاتيناه الحكمة صَبِيّاً . 
أخرج أبو نعيم. وابن مردويه. والديلمي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك : أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين، وجاء في رواية أخرى عنه مرفوعاً أيضاً قال الغلمان ليحيى بن زكريا عليهما السلام : اذهب بنا نلعب فقال : أللعب خلقنا، اذهبوا نصلي فهو قوله تعالى : وءاتيناه الحكمة صَبِيّاً  والظاهر أن الحكم على هذا بمعنى الحكمة، وقيل : هي بمعنى العقل، وقيل معرفة آداب الخدمة، وقيل الفراسة الصادقة وقيل النبوة وعليه كثير قالوا : أوتيها وهو ابن سبع سنين أو ابن ثلاث أو ابن سنتين ولم ينبأ أكثر الأنبياء عليهم السلام قبل الأربعين، والجملة عطف على قلنا المقدر.

### الآية 19:13

> ﻿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا [19:13]

وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا  عطف على  الحكم  \[ مريم : ١٢ \] وتنوينه للتفخيم وهو في الأصل من حن إذا ارتاح واشتاق ثم استعمل في الرحمة والعطف، ومنه الحنان لله تعالى خلافاً لمن منع إطلاقه عليه عز وجل، وإلى تفسيره بالرحمة هنا ذهب الحسن. وقتادة. والضحاك. وعكرمة. والفراء. وأبو عبيدة وهو رواية عن ابن عباس، ويروى أنه أنشد في ذلك لابن الأرزق قول طرفة :أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا  حنانيك بعض الشر أهون من بعضوأنشد سيبويه قول المنذر بن درهم الكلبي :وأحدث عهد من أمينة نظرة  على جانب العلياء إذ أنا واقفتقول حنان ما أتى بك ههنا  أذو نسب أم أنت بالحي عارفوالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي وآتيناه رحمة عظيمة عليه كائنة من جنابنا وهذا أبلغ من ورحمناه وروي هذا التفسير عن مجاهد، وقيل : المراد وآتيناه رحمة في قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما، وفائدة الوصف على هذا الإشارة إلى أن ذلك كان مرضياً لله عز وجل فإن من الرحمة والشفقة ما هو غير مقبول كالذي يؤدي إلى ترك شيء من حقوق الله سبحانه كالحدود مثلاً أو الإشارة إلى أن تلك الرحمة زائدة على ما في جبلة غيره عليه السلام لأن ما يهبه العظيم عظيم. وأورد على هذا أن الإفراط مذموم كالتفريط وخير الأمور أوسطها. ورد بأن مقام المدح يقتضي ذلك. ورب إفراط يحمد من شخص ويذم من آخر فإن السلطان يهب الألوف ولو وهبها غيره كان إسرافاً مذمُوماً. 
وعن ابن زيد أن الحنان هنا المحبة وهو رواية عن عكرمة أي وآتيناه محبة من لدنا، والمراد على ما قيل جعلناه محبباً عند الناس فكل من رآه أحبه نظير قوله تعالى : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى  \[ طه : ٣٩ \] وجوز بعضهم أن يكون المعنى نحو ما تقدم على القول السابق، وقيل : هو منصوب على المصدرية فيكون من باب  وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وَحِفْظاً  \[ فصلت : ١٢ \]. 
وجوز أن يجعل مفعولاً لأجله وأن يجعل عطفاً على  صَبِيّاً  \[ مريم : ١٢ \] وذلك ظاهر على تقدير أن يكون المعنى رحمة لأبويه وغيرهما، وعلى تقدير أن يكون وحناناً من الله تعالى عليه لا يجيء الحال وباقي الأوجه بحاله، ولا يخفى على المتأمل الحال على ما روى عن ابن زيد  وزكواة  أي بركة كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وهو عطف على المفعول، ومعنى إيتائه البركة على ما قيل جعله مباركاً نفاعاً معلماً للخير. وقيل : الزكاة الصدقة والمراد ما يتصدق به، والعطف على حاله أي آتيناه ما يتصدق به على الناس وهو كما ترى. 
وقيل : هي بمعنى الصدقة والعطف على الحال والمراد آتيناه الحكم حال كونه متصدقاً به على أبويه وروى هذا عن الكلبي. وابن السائب، وجوز عليه العطف على  حنانا  بتقدير العلية، وقيل : العطف على المفعول، ومعنى إيتائه الصدقة عليهما كونه عليه السلام صدقة عليهما، وعن الزجاج هي الطهارة من الذنوب ولا يضر في مقام المدح الاتيان بألفاظ ربما يستغني ببعضها عن بعض  وزكواة وَكَانَ تَقِيّا  مطيعاً متجنباً عن المعاصي وقد جاء في غير ما حديث أنه عليه السلام ما عمل معصية ولا هم بها. 
وأخرج مالك. وأحمد في الزهد، وابن المبارك. وأبو نعيم عن مجاهد قال : كان طعام يحيى بن زكريا عليهما السلام العشب وإنه كان ليبكي من خشية الله تعالى حتى لو كان القار على عينه لخرقه وقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه

### الآية 19:14

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا [19:14]

وَبَرّا بوالديه  كثير البر بهما والإحسان إليهما ؛ والظاهر أنه عطف على خبر  كان  \[ مريم : ١٣ \] وقيل هو من باب. 
علفتها تبناً وماء بارداً \*\*\* والمراد وجعلناه براً وهو يناسب نظيره حكاية عن عيسى عليه السلام، وقرأ الحسن. وأبو جعفر في رواية. وابن نهيك. وأبو مجلز  وَبَرّاً  في الموضعين بكسر الباء أي وذا بر  وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً  متكبراً متعالياً عن قبول الحق والإذعان له أو متطاولاً على الخلق ؛ وقيل : الجبار هو الذي لا يرى لأحد عليه حقاً، وعن ابن عباس أنه الذي يقتل ويضرب على الغضب. 
وقال الراغب : هو في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها  عَصِيّاً  مخالفاً أمر مولاه عز وجل، وقيل : عاقاً لأبويه وهو فعول وقيل : فعيل، والمراد المبالغة في النفي لا نفي المبالغة.

### الآية 19:15

> ﻿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [19:15]

وسلام عَلَيْهِ  قال الطبري : أمان من الله تعالى عليه  يَوْمَ وُلِدَ  من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم  وَيَوْمَ يَمُوتُ  من وحشة فراق الدنيا وهو المطلع وعذاب القبر، وفيه دليل على أنه يقال للمقتول ميت بناء على أنه عليه السلام قتل لبغي من بغايا بني إسرائيل  وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً  من هول القيامة وعذاب النار. وجيء بالحال للتأكيد، وقيل للإشارة إلى أن البعث جسماني لا روحاني، وقيل للتنبيه على أنه عليه السلام من الشهداء. 
وقال ابن عطية : الأظهر أن المراد بالسلام التحية المتعارفة والتشريف بها لكونها من الله تعالى في المواطن التي فيها العبد في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله عز وجل، وجاء في خبر رواه أحمد في الزهد وغيره عن الحسن أن عيسى. ويحيى عليهما السلام التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى : ادع الله تعالى لي فأنت خير مني فقال له عيسى : بل أنت ادع لي فأنت خير مني سلم الله تعالى عليك وإنما سلمت على نفسي. 
وهذه الجملة كما قال الطيبي عطف من حيث المعنى على  ءاتيناه الحكم  \[ مريم : ١٢ \] كأنه قيل وآتيناه الحكم صبياً وكذا وكذا وسلمناه أو سلمنا عليه في تلك المواطن فعدل إلى الجملة الاسمية لإرادة الدوام والثبوت وهي كالخاتمة للكلام السابق.

### الآية 19:16

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [19:16]

ومن ثم شرع في قصة أخرى وذلك قوله تعالى :
 واذكر في الكتاب  الخ فهو كلام مستأنف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر عليه الصلاة والسلام بذكر قصة مريم إثر قصة زكريا عليه السلام لما بينهما من كمال الاشتباك والمناسبة. والمراد بالكتاب عند بعض المحققين السورة الكريمة لا القرآن كما عليه الكثير إذ هي التي صدرت بقصة زكريا عليه السلام المستتبعة لقصتها وقصص الأنبياء عليهم السلام المذكورين فيها أي واذكر للناس فيها  مَرْيَمَ  أي نبأها فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان. 
وقوله تعالى : إِذِ انتبذت  ظرف لذلك المضاف لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبئها عند انتباذها فقط بل كل ما عطف عليه وحكى بعده بطريق الاستئناف داخل في حيز الظرف متمم للبناء وجعله أبو حيان ظرفاً لفعل محذوف أي واذكر مريم وما جرى لها إذ انتبذت وما ذكرناه أولى. وقيل : هو ظرف لمحذوف وقع حالاً من ذلك المضاف، وقيل : بدل اشتمال من مريم لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه تفخيم لقصتها العجيبة. 
وتعقبه أبو البقاء بأن الزمان إذا لم يقع حالاً من الجثة ولا خبراً عنها ولا صفة لها لم يكن بدلاً منها. ورد بأنه لا يلزم من عدم صحة ما ذكر عدم صحة البدلية ألا ترى سلب زيد ثوبه كيف صح فيه البدلية مع عدم صحة ما ذكر في البدل وكون ذلك حال الزمان فقط غير بين ولا مبين. وقيل : بدل كل من كل على أن المراد بمريم قصتها وبالظرف الواقع فيه وفيه بعد. وقيل : إِذَا  بمعنى أن المصدرية كما في قوله لا أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني أي لعدم إكرامك لي. وهذا قول ضعيف للنحاة. والظاهر أنها ظرفية أو تعليلية إن قلنا به ويتعين على ذلك بدل الاشتمال. والانتباذ الاعتزال والانفراد. 
وقال الراغب يقال : انتبذ فلان اعتزل اعتزال من تقل مبالاته بنفسه فيما بين الناس. والنبذ : إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به. 
وقوله تعالى : مّنْ أَهْلِهَا  متعلق بانتبذت، وقوله سبحانه : مَكَاناً شَرْقِياً  قيل نصب على الظرف، وقيل مفعول به لانتبذت باعتبار ما في ضمنه من معنى الاتيان المترتب وجوداً واعتباراً على أصل معناه العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه. واختاره بعض المحققين أي اعتزلت وانفردت من أهلها وأتت مكاناً شرقياً من بيت المقدس أو من دارها لتتخلى هناك للعبادة، وقيل قعدت في مشرفة لتغتسل من الحيض محتجبة بحائط أو بجبل على ما روي عن ابن عباس أو بثوب على ما قيل وذلك قوله تعالى : فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً .

### الآية 19:17

> ﻿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [19:17]

فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً  وكونه شرقياً كان أمراً اتفاقياً. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه وما صرفهم عنه إلا قيل ربك  انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً  \[ مريم : ١٦ \] فلذلك صلوا قبل مطلع الشمس، وفي رواية إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة لأن مريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، وقد قدمنا عن بعض أنهم كانوا في زمن عيسى عليه السلام يستقبلون بيت المقدس وإنهم ما استقبلوا الشرق إلا بعد رفعه عليه السلام زاعمين أنه ظهر لبعض كبارهم فأمره بذلك، وجوز أن يكون اختاره الله تعالى لها مطلع الأنوار. وقد علم سبحانه أنه حان ظهور النور العيسوي منها فناسب أن يكون ظهور النور المعنوي في جهة ظهور النور الحسي وهو كما ترى، وروى أنه كان موضعها في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها وإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك عليه السلام في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر، وذلك قوله عز وجل : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  أي جبرائيل عليه السلام كما قاله الأكثر، وعبر عنه بذلك لأن الدين يحيا به وبوحيه فهو مجاز. والإضافة للتشريف كبيت الله تعالى. 
وجوز أن يكون ذلك كما تقول لحبيبك أنت روحي محبة له وتقريباً فهو مجاز أيضاً إلا أنه مخالف للأول في الوجه والتشريف عليه في جعله روحاً. وقال أبو مسلم : المراد من الروح عيسى عليه السلام لقوله تعالى : وَرُوحٌ مّنْهُ  \[ النساء : ١٧١ \] وضمير تمثل الآتي للملك وليس بشيء. وقرأ أبو حيوة. وسهل  رُوحَنَا  بفتح الراء، والمراد به جبريل عليه السلام أيضاً لأنه سبب لما فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله تعالى الذي هو عدة المقربين في قوله تعالى  فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ  \[ الواقعة : ٨٨، ٨٩ \] أو لأنه عليه السلام من المقربين وهم الموعودون بالروح أي مقربا أو ذا روحنا. 
وذكر النقاش أنه قرئ  رُوحَنَا  بتشديد النون اسم ملك من الملائكة عليهم السلام  فَتَمَثَّلَ لَهَا  مشتق من المثال وأصله أن يتكلف أن يكون مثال الشيء، والمراد فتصور لها  بَشَراً سَوِيّاً  سوى الخلق كامل البنية لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئاً، وقيل تمثل في صورة قريب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس وذلك لتستأنس بكلامه وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته إذ لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته، وما قيل من أن ذلك لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها فمع ما فيه من الهجنة التي ينبغي أن تنزه مريم عنها يكذبه قوله تعالى : قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ .

### الآية 19:18

> ﻿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [19:18]

قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ  فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة ميل ما إليه فضلاً عن الحالة المترتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة، نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لأن عادة الملك إذا تمثل أن يتمثل بصورة بشر جميل كما كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية رضي الله تعالى عنه أولاً بتلائها وسبر عفتها ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه وإرادة القائل أنه وقع كذلك ليكون مظنة لما ذكر فيظهر خلافه فيكون أقوى في نزاهتها بعيد جداً عن كلامه. 
وقال بعض المتأخرين : إن استعاذتها بالله تعالى تنبئ عن تهييج شهوتها وميلانها إليه ميلاً طبيعياً على ما قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام  وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ  \[ يوسف : ٣٣ \] فقد قيل : المراد بالصبوة فيه الميل بمقتضى الطبيعة وحكم القوة الشهوية ثم أنه لا ينافي عفتها بل يحققها لكونه طبيعياً اضطرارياً غير داخل تحت التكلف كما قيل في قوله تعالى : وَهمَّ بِهَا  \[ يوسف : ٢٤ \] ومع هذا قد استعاذ يوسف عليه السلام بما حكى الله تعالى عنه من قوله تعالى : قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاى  \[ يوسف : ٢٣ \] فدعوى أن الاستعاذة تكذب التهييج والميل الطبيعي كذب والقول بأنه يأبى ذلك مقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة ليس بشيء لأن خلق الإنسان من ماء واحد آثار القدرة الخارقة للعادة أيضاً. 
والأسباب في هذا المقام ليست بمرفوضة بالكلية كما يرشد إلى ذلك قصة يحيى عليه السلام. على أنه قد يدعى أن خلق شيء لا من شيء أصلاً محال فلا يكون من مراتب القدرة ومادة الجعل الإبداعي الأعيان الثابتة وهي قديمة اه، ولا يخلو عن بحث، وما ذكرناه في التعليل أسلم من القال والقيل فتدبر، ونصب  بَشَرًا  \[ مريم : ١٧ \] على الحالية المقدرة أو التميزي، وقيل على المفعولية بتضمين تمثل معنى اتخذ، واستشكل أمر هذا التمثل بأن جبريل عليه السلام شخص عظيم الجثة حسبما نطقت به الأخبار فمتى صار في مقدار جثة الإنسان يلزم أن لا يبقى جبريل أن تساقطت الأجزاء الزائدة على جثة الإنسان وأن تتداخل الأجزاء إن لم يذهب شيء وهو محال. وأيضاً لو جاز التمثل ارتفع الوثوق وامتنع القطع بأن هذا الشخص الذي يرى الآن هو زيد الذي رئي أمس لاحتمال التمثل، وأيضاً لو جاز التمثل بصورة الإنسان فلم لا يجوز تمثله بصورة أخرى غير صورة الإنسان، ومن ذلك البعوض ونحوه، ومعلوم أن كل مذهب يجر إلى ذلك فهو باطل، وأيضاً لو جاز ذلك ارتفع الوثوق بالخبر المتواتر كخبر مقاتلة النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر لجواز أن يكون المقاتل المتمثل به. 
وأجيب عن الأول بأنه لا يمتنع أن يكون لجبريل عليه السلام أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة فبالأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التمثل بشراً هذا عند القائلين بأنه جسم، وأما عند القائلين بأنه روحاني فلا استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغري. وعن الثاني بأنه مشترك الإلزام بين الكل فإن من اعترف بالصانع القادر يلزمه ذلك أيضاً إذ يجوز أن يخلق سبحانه مثل زيد مثلاً ومع هذا الجواز يرتفع الوثوق ويمتنع القطع على طرز ما تقدم. وكذا من لم يعترف، وأسند الحوادث إلى الاتصالات والتشكلات للفلكية يلزمه ذلك لجواز حدوث اتصال يقتضي حدوث مثل ذلك وحينئذ يمتنع القطع أيضاً، ولعله لما كان مثل ذلك نادراً لم يلزم منه قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس. 
وأجيب عن الثالث بأن أصل التجويز قائم في العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع. وهو الجواب عن الرابع كذا قال الإمام الرازي وعندي أن مسألة التمثل على القول بالجسمية مما ينبغي تفويض الأمر فيها إلى علام الغيوب ولا سبيل للعقل إلى الجزم فيها بشيء تنشرح له القلوب. وإنما ذكرته تعالى بعنوان الرحمانية تذكيراً لمن رأته بالرحمة ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه أو مبالغة للعياذة به تعالى واستجلاباً لآثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها. وما قيل من أن ذلك تذكير لمن رأت بالجزاء لينزجر فإنه يقال يا رحمن الآخرة ليس بشيء لأنه ورد رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما  إِن كُنتَ تَقِيّاً  شرط جوابه محذوف ثقة بدلالة السياق عليه أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله تعالى وتخشاه وتحتفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك كذا قدره الزمخشري. 
 وفي **«الكشف »** أنه أشار إلى أن وجه هذا الشرط مع أن الاستعاذة بالرحمن إن لم يكن تقيأ أولى أن أثر الاستجارة بالله تعالى أعني مكافته وأمنها منه إنما يتم ويظهر بالنسبة إلى المتقى، وفيه دلالة على أن التقوى مما تقتضي للمستعيذ بالله تعالى حق الذمام والمحافظة وعلى عظم مكان التقوى حيث جعلت شرطاً للاستعاذة لا تتم دونها وقال : إن كان يرجى إظهاراً لمعنى أن وإنها إنما أوثرت دلالة على أن رجاء التقوى كان فضلاً عن العلم بها. 
والحاصل أن التقوى لم تجعل شرط الاستعاذة بل شرط مكافته وأمنها منه وكنت عن ذلك بالاستعاذة بالله تعالى حثاً له على المكافة بألطف وجه وأبلغه وإن من تعرض للمستعيذ به فقد تعرض لعظيم سخطه انتهى. 
وقدر الزجاج إن كنت تقياً فتتعظ بتعويذي، والأولى عليه تتعظ بإسقاط الفاء لأن المضارع الواقع جواباً لا يقترن بالفاء فيحتاج إلى جعله مرفوعاً بتقدير مبتدأ، وقدر بعضهم فاذهب عني وبعضهم فلا تتعرض بي وقيل إنها أرادت إن كنت تقياً متورعاً فإني أعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك وكأنه أراد أنها استعاذت بهذا الشرط ليعلم استعاذتها بما يقابله من باب أولى، وقال الشهاب : الظاهر أن إن على هذا القول وصلية وفي مجيئها بدون الواو كلام، وذكر أن الجملة على هذا حالية والمقصود بها الالتجاء إلى الله تعالى من شره لا حثه على الانزجار وقيل نافية، والجملة استئناف في موضع التعليل أي ما كنت تقياً متورعاً بحضورك عندي وانفرادك بي وهو خلاف الظاهر، وأياً كان فالتقى وصف من التقوى، وقول من قال : إنه اسم رجل صالح أو طالح ليس بسديد.

### الآية 19:19

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا [19:19]

قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ  المالك لأمرك والناظر في مصلحتك الذي استعذت به ولست ممن يتوقع منه ما توهمت من الشر. روى عن ابن عباس أنها لما قالت : إني أعوذ  \[ مريم : ١٨ \] الخ تبسم جبريل عليه السلام وقال : قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ   لِأهَبَ لَكِ غلاما  أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في الدرع، ويجوز أن يكون حكاية لقوله تعالى بتقدير القول أي ربك الذي قال أرسلت هذا الملك لأهب لك، ويؤيده قراءة شيبة. وأبي الحسن. وأبي بحرية. والزهري. وابن مناذر. ويعقوب. واليزيدي. وأبي عمرو. ونافع في رواية ليهب بالياء فإن فاعله ضمير الرب تعالى. وما قيل : من أصل  \*ليهب  لأهب فقلبت الهمزة ياء لانكسار ما قبلها تعسف من غير داع له. 
وفي بعض المصاحب : أمرني أن أهل لك غلاماً  غلاما زَكِيّاً  طاهراً من الذنوب، وقيل : نبياً. وقيل : نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح فالزكا شامل للزيادة المعنوية والحسية. واستدل بعضهم برسالة الملك إليها على نبوتها. 
وأجيب : بأن الرسالة لمثل ذلك لا تستدعي النبوة.

### الآية 19:20

> ﻿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [19:20]

قَالَتْ أنى يَكُونُ لي غلام وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  أي والحال أنه لم يباشرني بالحلال رجل وإنما قيل بشر مبالغة في تنزهها من مبادئ الولادة  وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً  أي ولم أكن زانية، والجملة عطف على لم يمسسني داخل معه في حكم الحالية مفصح عن كون المساس عبارة عن المباشرة بالحلال وهو كناية عن ذلك كما في قوله تعالى : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ  \[ البقرة : ٢٣٧ \]  أَوْ لامستم النساء  \[ النساء : ٤٣ \] ونحوه كما قيل دخلتم بهن وبنى عليها. 
وأما الزنا فليس بقمن أن يكنى عنه لأن مقامه أما تطهير اللسان فلا كناية ولا تصريح وإما التقريع فحينئذ يستحق الزيادة على التصريح والألفاظ التي يظن أنها كناية فيه قد شاعت حتى صارت حقيقة صرحية فيه ومنها ما في الظن الكريم، ولا يرد على ذلك ما في سورة آل عمران من قولها  وَلَمْ يمسسني بَشَرٌ  مقتصرة عليه فإن غاية ما قيل فيه إنه كناية عن النكاح والزنا على سبيل التغليب، ولم يجعل كناية عن الزنا وحده، ولقائل أن يقول : أنه ثم كناية عن النكاح فقد كما هنا واستوعبت الأقسام ههنا لأنه مقام البسط واقتصرت على نفي النكاح ثم لعدم التهمة ولعلمها أنهم ملائكة ينادون لا يتخيلون فيها التهمة بخلاف هذه الحالة فإن جبريل عليه السلام كان قد أتاها في صورة شاب أمرد، ولهذا تعوذت منه ولم يكن قد سكن روعها بالكلية إلى أن قال : إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ  \[ مريم : ١٩ \] على أنه قيل : إن ما في آل عمران من الاكتفاء وترك الاكتفاء في هذه لأنه تقدم نزولها فهي محل التفصيل بخلاف تلك لسبق العلم، وقيل : المساس هنا كناية عن الأمرين على سبيل التغليب كما في تلك السورة  وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً  تخصيص بعد التعميم لزيادة الاعتناء بتنزيه ساحتها عن الفحشاء، ولذا آثرت كان في النفي الثاني فإن في ذلك إيذاناً بأن انتفاء الفجور لازم لها. 
وكأنها عليها السلام من فرط تعجبها وغاية استبعادها لم تلتفت إلى الوصف في قول الملك عليه السلام  لأهب لك غلاماً زكياً  \[ مريم : ١٩ \] النافي كل ريبة وتهمة ونبذته وراء ظهرها وأتت بالموصوف وحده وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه أي ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه الموانع بله الوصف، وهذا قريب من الأسلوب الحكيم. 
وبغى فعول عند المبرد وأصله بغوى فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسرت الغين اتباعاً ولذا لم تلحقه هاء التأنيث لأن فعولاً يستوي فيه المذكور والمؤنث وإن كان بمعنى فاعل كصبور، واعترضه ابن جني في كتاب التمام بأنه لو كان فعولاً قيل بغو كما قيل نهو عن المنكر ورد بأنه لا يقال على الشاذ وقد نصوا على شذوذ نهو لمخالفته قاعدة اجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون واختار أنه فعيل وهو على ما قال أبو البقاء بمعنى فاعل، وكان القياس أن تلحقه هاء التأنيث لأنه حينئذ ليس مما يستوي فيه المذكر والمؤنث كفعول، ووجه عدم اللحوق بأن للمبالغة التي فيه حمل على فعول فلم تلحقه الهاء، وقال بعضهم : هو من باب النسب كطالق ومثله يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقيل ترك تأنيثه لاختصاصه في الاستعمال بالمؤنث ويقال للرجل باغ وقيل فعيل بمنى مفعول كعين كحيل وعلى هذا معنى بغى يبغيها الرجال للفجور بها، وعلى القول بأنه بمعنى فاعل فاجرة تبغي الرجال، وأياً ما كان فهو للشيوع في الزانية صار حقيقة صريحة فيه فلا يرد أن اعتبار المبالغة فيه لا يناسب المقام لأن نفي الأبلغ لا يستلزم نفي أصل الفعل، ولا يحتاج إلى الجواب بالتزام أن ذلك من باب النسب أو بأن المراد نفي القيد والمقيد معاً أو المبالغة في النفي لا نفي المبالغة.

### الآية 19:21

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [19:21]

قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  اطلقوا الكلام في أنه نظير ما تقدم في قصة زكريا عليه السلام. وفي ****«الكشف »**** أنه لا يجري فيه تمام الأوجه التي ذكرها الزمخشري هناك لأن  قَالَ  أولاً فيه ضمير الرسول إليها فكذلك إن علق بالثاني يكون المعنى قال الرسول قال ربك كذلك ثم فسره بقوله : هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  أو المعنى مثل ذلك القول العجيب الذي سمعته ووعدتك قال ربك على إقحام الكاف ثم استأنف هو على هين ولا بد من إضمار القول لأن المخاطب لها جبريل عليه السلام وقوله : هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  كلام الحق تعالى شأنه حكاه لها. وإن علق بالأول يكون المعنى الأمر كذلك تصديقاً لها أو كما وعدت تحقيقاً له ثم استأنف قال ربك هو على هين لإزالة الاستبعاد أو لتقرير التحقيق ولا يبعد أن يجعل  قَالَ رَبُّكِ  على هذا تفسيراً وكذلك مبهماً انتهى. ولا أرى ما نقل عن ابن المنير هناك وجهاً هنا  وَلِنَجْعَلَهُ  تعليل لمعلل محذوف أي لنجعل وهب الغلام  ءايَةً  وبرهاناً  لِلنَّاسِ  جميعهم أو المؤمنين على ما روى عن ابن عباس يستدلون به على كمال قدرتنا  وَرَحْمَةً  عظيمة كائنة  مِنَّا  عليهم يهتدون بهدايته ويسترشدون بإرشاده فعلنا ذلك. 
وجوز أن يكون معطوفاً على علة أخرى مضمرة أي لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله آية الخ. قال في ****«الكشف »**** : إن مثل هذا يطرد فيه الوجهان ويرجح كل واحد بحسب المقام وحذف المعلل هنا أرجح إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف أيضاً فليس قبل ما يصلح فهو تطويل للمسافة. وهذه الجملة أعني العلة مع معللها معطوفة على قوله  هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  وفي إيثار الأولى اسمية دالة على لزوم الهون مزيلة للاستبعاد والثانية فعلية دالة على أنه تعالى أنشأه لكونه آية ورحمة خاصة لا لأمر آخر ينافيه مراداً بها التجدد لتجدد الوجود لينتقل من الاستبعاد إلى الاستحماد ما لا يخفى من الفخامة انتهى. 
ولا يرد أنه إذا قدر علة نحو لنبين جاز أن يكون ذلك متعلقاً بما يدل عليه  هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  من غير حذف شيء فلا يصح قوله لم يكن بد من معلل محذوف لظهور ما فيه. وما ذكره من العطف خالف فيه بعضهم فجعل الواو على الأول اعتراضية. ومن الناس من قال : إن  لنجعله  على قراءة  ليهب  \[ مريم : ١٩ \] عطف عليه على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وجوز أيضاً العطف على  لأهَبَ  \[ مريم : ١٩ \] على قراءة أكثر السبعة. ولا يخفى بعد هذا العطف على القراءتين  وَكَانَ  ذلك  أَمْراً مَّقْضِيّاً  محكماً قد تعلق به قضاؤنا الأزلي أو قدر وسطر في اللوح لا بد لك منه أو كان أمراً حقيقاً بمقتضى الحكمة والتفضل أن يفعل لتضمنه حكماً بالغة. وهذه الجملة تذييل إما لمجموع الكلام أو للأخير.

### الآية 19:22

> ﻿۞ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا [19:22]

فَحَمَلَتْهُ  الفاء فصيحة أي فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيبها فدخلت النفخة في جوفها فحملته. وروى هذا عن ابن عباس. وقيل : لم يدن عليه السلام بل نفخ عن بعد فوصل الريح إليها فحملت. وقيل : إن النفخة كانت في كمها وروى ذلك عن ابن جريج. وقيل كانت في ذيلها. وقيل كانت في فمها. 
واختلفوا في سنها إذ ذاك فقيل ثلاث عشرة سنة، وعن وهب ومجاهد خمس عشرة سنة، وقيل : أربع عشرة سنة، وقيل : اثنتا عشرة سنة، وقيل ؛ عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل، وحكى محمد بن الهيصم رئيس الهيصمية من الكرامية إنها لم تكن حاضت بعد، وقيل : إنها عليها السلام لم تكن تحيض أصلاً بل كانت مطهرة من الحيض. وكذا اختلفوا في مدة حملها ففي رواية عن ابن عباس أنها تسعة أشهر كما في سائر النساء وهو المروى عن الباقر رضي الله تعالى عنه لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب ذكرها في أثناء هذه القصة الغريبة. وفي رواية أخرى عنه أنها كانت ساعة واحدة كما حملته نبذته. واستدل لذلك بالتعقيب الآتي وبأنه سبحانه قال في وصفه : إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  \[ آل عمران : ٥٩ \] فإنه ظاهر في أنه عز وجل قال له كن فيكون فلا يتصور فيه مدة الحمل. وعن عطاء. وأبي العالية. والضحاك أنها كانت سبعة أشهر، وقيل. كانت ستة أشهر، وقيل : حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، والمشهور أنها كانت ثمانية أشهر، قيل : ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره عليه السلام. 
ونقل النيسابوري عن أهل التنجيم أن ذلك لأن الحمل يعود إلى تربية القمر فتستولى عليه البرودة والرطوبة وهو ظاهر في أن مر بي الحمل في أول الشهور منسوب إلى زحل والثاني إلى المشتري وهكذا إلى السابع وهو منسوب إلى القمر ثم ترجع النسبة إلى زحل ثم إلى المشتري : وفيها أيضاً أن جهال المنجمين يقولون إن النطفة في الشهر الأول تقبل البرودة من زحل فتجمد، وفي الثاني تقبل القوة النامية من المشتري فتأخذ في النمو، وفي الثالث تقبل القوة الغضبية من المريخ. وفي الرابع قوة الحياة من الشمس. وفي الخامس قوة الشهوة من الزهرة. وفي السادس قوة النطق من عطارد. وفي السابع قوة الحركة من القمر فتتم خلقة الجنين فإن ولد في ذلك الوقت عاش وإلا فإن ولد في الثامن لم يعش لقبوله قوة الموت من زحل وإن ولد في التاسع عاش لأنه قبل قوة المشتري. 
ومثل تلك الكلمات خرافات وكل امرأة تعرف أن النطفة إذا مضت عليها ثلاثة أشهر تتحرك. 
وقد ذكر حكماء الطبيعة أن أقل مدة الولادة ستة أشهر ومدة الحركة ثلث مدة الولادة فيكون أقلها شهرين ومن امتحن الاسقاط يعلم أن الخلقة تتم في أقل من خمسين يوماً انتهى. 
وكلام المتشرعين لا يخفى عليك في هذا الباب. 
وقد يعيش المولود لثمان إلا أنه قليل فليس ذلك من خواصه عليه السلام إن صح. ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال المضطربة المتناقضة بيد أني أميل إلى أولها والاستدلال للثاني ممال سمعت لا يخلو عن نظر. 
 فانتبذت بِهِ  أي فاعتزلت وهو في بطنها فالباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قوله تعالى : تَنبُتُ بالدهن  \[ المؤمنون : ٢٠ \] وقول المتنبي يصف الخيول :فمرت غير نافرة عليهم  تدوس بنا الجماجم والرؤساوالجار والمجرور ظرف مستقر وقع حالاً من ضميرها المستتر أي فانتبذت ملتبسة به  مَكَاناً قَصِيّاً  بعيداً من أهلها وراء الجبل، وأخرج عبد الله بن أمد في **«زوائد الزهد »** عن نوف أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وخرج قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد كان من أخبر الله تعالى به. 
وروى الثعلبي في **«العرائس »** عن وهب قال : إن مريم لما حملت كان معها ابن عمر لها يسمى يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكانا معاً يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم أن أحداً من أهل زمانهما أشد اجتهاداً وعبادة منهما وأول من علم أمرها يوسف فتحير في ذلك لعلمه بكمال صلاحها وعفتها وأنه لم تغب عنه ساعة فقال لها : قد وقع في نفسي شيء من أمرك لم أستطع كتمانه وقد رأيت الكلام فيه أشفى لصدري فقالت قل قولاً جميلاً فقال : يا مريم اخبريني هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر : فقالت ؟ نعم ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما على حدة أتقول : إن الله سبحانه لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى يستعين بالماء : قال ؟ لا أقول هذا ولكني أقول إن الله تعالى يقدر على ما يشاء بقول كن فيكون فقالت : ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زال ما يجده وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب فلما دنا نفاسها أوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فكان ما قص سبحانه، وقيل : انتبذت أقصى الدار وهو الأنسب بقصر مدة الحمل.

### الآية 19:23

> ﻿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [19:23]

فَأَجَاءهَا المخاض  أي الجأها كما قال الزمخشري وجماعة، وفي **«الصحاح »** أجأته إلى كذا بمعنى الجأته واضطررته إليه قال زهير بن أبي سلمى :وجار سار معتمداً عليكم  أجاءته المخافة والرجاءقال الفراء : أصله من جئت وقد جعلته العرب الجاء، وفي المثل شر ما يجيئك إلى مخة عرقوب انتهى، واختار أبو حيان أن المعنى جاء بها واعترض على الزمخشري وأطال الكلام بما لا يخفى رده و  المخاض  بفتح الميم كما في قراءة الأكثرين وبكسرها كما في رواية عن ابن كثير مصدر مخضت المرأة بفتح الخاء وكسرها إذا أخذها الطلق وتحرك الولد في بطنها للخروج، وقرأ الأعمش. وطلحة  فَأَجَاءهَا  بإمالة فتحة الجيم، وقرأ حماد بن سلمة عن عاصم  فاجأها  من المفاجأة وروي ذلك عن مجاهد ونقله ابن عطية عن شبيل بن عزرة أيضاً، وقال صاحب اللوامح : إن قراءته تحتمل أن تكون الهمزة فيها قد قلبت ألفا ويحتمل أن تكون بين بين غير مقلوبة. 
 المخاض إلى جِذْعِ النخلة  لتستند إليه عند الولادة كما روي عن ابن عباس. ومجاهد. وقتادة. والسدي أو لذلك ولتستر به كما قيل، والجذع ما بين العرق ومتشعب الأغصان من الشجرة، وقد يقال للغصن أيضاً : جذع، والنخلة معروفة. والتعريف إما للجنس فالمراد واحدة من النخل لا على التعيين أو للعهد فالمراد نخلة معينة ويكفي لتعينها تعينها في نفسها وإن لم يعلمها المخاطب بالقرآن عليه الصلاة والسلام كما إذا قلت أكل السلطان ما أتي به الطباخ أي طباخه فإنه المعهود، وقد يقال : إنها معينة له صلى الله عليه وسلم بأن يكون الله تعالى أراها له عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، وزعم بعضهم أنها موجودة إلى اليوم، والظاهر أنها كانت موجودة قبل مجيء مريم إليها وهو الذي تدل عليه الآثار، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها عليها السلام لما اشتد عليها الطلق نظرت إلى أكمة فصعدت مسرعة فإذا عليها جذع نخلة نخرة ليس عليها سعف. 
وقيل : إن الله تعالى خلقها له يومئذ وليس بذاك ؛ وكان الوقت شتاء، ولعل الله تعالى أرشدها إليها ليريها فيما هو أشبه الأشجار بالإنسان من آياته ما يسكن روعتها كأثمارها بدون رأس وفي وقت الشتاء الذي لم يعهد ذلك فيه ومن غير لقاح كما هو المعتاد، وفي ذلك إشارة أيضاً إلى أن أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإلى أن ولدها نافع كالثمرة الحلواء وانه عليه السلام سيحيي الأموات كما أحي الله تعالى بسببه الموات مع ما في ذلك من اللطف بجعل ثمرتها خرسة لها، والجار والمجرور متعلق بإجاءها، وعلى القراءة الأخرى متعلق بمحذوف وقع حالاً أي مستندة إلى جذع النخلة  قَالَتْ يا لَيْتَنِي مّتَّ  بكسر الميم من مات يمات كخاف يخاف أو من مات يميت كجاء يجيء. 
وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر. ويعقوب بضمها من مات يموت كقال يقول. 
 قَبْلَ هذا  الوقت الذي لقيت فيه ما لقيت أو قبل هذا الأمر. وإنما قالته عليها السلام مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل عليه السلام من الوعد الكريم استحياء من الناس وخوفاً من لائمتهم أو حذراً من وقوع الناس في المعصية بما يتكلمون فيها. وروي أنها سمعت نداء أخرج با من يعبد من دون الله تعالى فحزنت لذلك وتمنت الموت، وتمنى الموت لنحو ذلك مملا لا كراهة فيه. نعم يكره تمنيه لضرر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا. ففي صحيح مسلم. وغيره قال صلى الله عليه وسلم :**«لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل فإن كان لا بد متمنياً فليقل اللهم احيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي »** ومن ظن أن تمنيها عليها السلام ذلك كان لشدة الوجه فقد أساء الظن والعياذ بالله تعالى. 
 وَكُنتُ نَسْياً  أي شيئاً تافهاً شأنه أن ينسى ولا يعتد به أصلاً كخرقة الطمث. 
قرأ الأكثرون  نَسِيّاً  بالكسر. قال الفراء : هما لغتان في ذلك كالوتر والوتر والفتح أحب إلي. 
وقال الفارسي : الكسر أعلى اللغتين، وقال ابن الأنباري : هو بالكسر اسم لما ينسى كالنقض اسم لما ينقض وبالفتح مصدر نائب عن الاسم، وقرأ محمد بن كعب القرظي  نسئاً  بكسر النون والهمزة مكان الياء وهي قراءة نوف الأعرابي، وقرأ بكر بن حبيب السهمي. ومحمد بن كعب أيضاً في رواية  نسأ  بفتح النون والهمزة على أن ذلك من نسأت اللبن إذا صببت عليه ماء فاستهلك اللبن فيه لقلته فكأنها تمنت أن تكون مثل ذلك اللبن الذي لا يرى ولا يتميز من الماء، ونقل ابن عطية عن بكر بن حبيب أنه قرأ  نسا  بفتح النون والسين من غير همز كعصى  نَسْياً مَّنسِيّاً  لا يخطر ببال أحد من الناس. ووصف النسى بذلك لما أنه حقيقة عرفية فيما يقل الاعتداد به وإن لم ينس، وقرأ الأعمش. وأبو حعفر في رواية بكسر الميم اتباعاً لحركة السين كما قالوا : منتن باتباع حركة الميم لحركة التاء.

### الآية 19:24

> ﻿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [19:24]

فَنَادَاهَا  أي جبريل عليه السلام كما روي عن ابن عباس. ونوف. 
وقرأ علقمة فخاطبها. قال أبو حيان : وينبغي أن تكون تفسيراً، لمخالفتها سواد المصحف، وقرأ الحبر  فَنَادَاهَا مَلَكٌ   مِن تَحْتِهَا  وينبغي أن يكون المراد به جبريل عليه السلام ليوافق ما روي عنه أولاً. ومعنى  من تحتها  من مكان أسفل منها وكان واقفاً تحت الأكمة التي صعدتها مسرعة كما سمعت آنفاً، ونقل في البحر عن الحسن أنه قال : ناداها جبريل عليه السلام وكان في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت عليها وأقسم على ذلك. ولعله إنما كان موقفه عليه السلام هناك إجلالاً لها وتحاشياً من حضوره بين يديها في تلك الحال. والقول بأنه عليه السلام كان تحتها يقبل الولد مما لا ينبغي أن يقال لما فيه من نسبة ما لا يليق بشأن أمين وحي الملك المتعال، وقيل : ضمير  مِنْ تَحْتِهَا  من مكان أسفل منها وكان واقفاً تحت الأكمة التي صعدتها مسرعة كما سمعت آنفاً، ونقل في البحر عن الحسن أنه قال : ناداها جبريل عليه السلام وكان في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت عليها وأقسم على ذلك. ولعله إنما كان موقفه عليه السلام هناك إجلالاً لها وتحاشياً من حضوره بين يديها في تلك الحال. والقول بأنه عليه السلام كان تحتها يقبل الولد مما لا ينبغي أن يقال لما فيه من نسبة ما لا يليق بشأن أمين وحي الملك المتعال، وقيل : ضمير  تَحْتِهَا  للنخلة، واستظهر أبو حيان كون المنادي عيسى عليه السلام والضمير لمريم والفاء فصيحة أي فولدت غلاماً فانطقه الله تعالى حين الولادة فناداها المولود من تحتها. 
وروي ذلك عن مجاهد. ووهب. وابن جبير. وابن جرير. وابن زيد. والجبائي. ونقله الطبرسي عن الحسن أيضاً، وقرأ الابنان والأبوان. وعاصم. والجحدري. وابن عباس والحسن في رواية عنهما  مِنْ  بفتح الميم بمعنى الذي فاعل نادى و  تَحْتِهَا  ظرف منصوب صلة لمن والمراد به إما عيسى أو جبريل عليهما الصلاة والسلام  أَلاَّ تَحْزَنِي  أي ألا تحزني على أن أن، مفسرة أو بأن لا تحزني على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار  قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ  بمكان أسفل منك، وقيل : تحت أمرك إن أمرت بالجري جري وإن أمرت بالإمساك أمسك وهو خلاف الظاهر  سَرِيّاً  أي جدولاً كما أخرجه الحاكم في مستدركه عن البراء وقال : إنه صحيح على شرط الشيخين وذكره البخاري تعليقاً موقوفاً عليه وأسنده عبد الرزاق. وابن جرير. وابن مردويه في تفاسيرهم عنه موقوفاً عليه أيضاً ولم يصح الرفع كما أوضحه الجلال السيوطي. 
وعلى ذلك جاء قول لبيد يصف عيرا وأتانا :فتوسطا عرض السرى فصدعا  مسجورة متجاوزا قلامها**وأنشد ابن عباس قول الشاعر :**سهل الخليقة ماجد ذو نائل  مثل السرى تمده الأنهاروكان ذلك على ما روي عن ابن عباس جدولاً من الأردن أجراه الله تعالى منه لما أصابها العطش. وروي أن جبريل عليه السلام ضرب برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى جدولاً، وقيل : فعل ذلك عيسى عليه السلام وهو المروى عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه، وقيل : كان ذلك موجوداً من قبل إلا أن الله تعالى نبهها عليه. وما تقدم هو الموافق لمقام بيان ظهور الخوارق والمتبادر من النظم الكريم. وسمى الجدول سرياً لأن الماء يسري فيه فلامه على هذا المعنى ياء، وعن الحسن. وابن زيد. والجبائي أن المراد بالسرى عيسى عليه السلام وهو من السرو بمعنى الرفعة كما قال الراغب أي جعل ربك تحتك غلاماً رفيع الشأن سامي القدر، وفي الصحاح هو سخاء في مروءة وإرادة الرفعة أرفع قدراً ولامه على هذا المعنى واو. والجملة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهي عنه. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتأكيد التعليل وتكميل التسلية.

### الآية 19:25

> ﻿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [19:25]

وَهُزِّي إِلَيْك  أي إلى جهتك. والهز تحريك يميناً وشمالاً سواء كان بعنف أولا أو تحريك بجذب ودفع وهو مضمن معنى الميل فلذا عدى بإلي أو أنه مجاز عنه أو اعتبر في تعديته ذلك لأنه جزء معناه كذا قيل. 
ومنع أبو حيان تعلقه بهزي وعلل ذلك بأنه قد تقرر في النحو أن الفعل لا يعدى إلى الضمير المتصل وقد رفع الضمير المتصل وليس من باب ظن ولا فقد ولا عدم وهما لمدلول واحد فلا يقال : ضربتك وزيد ضربه على معنى ضربت نفسك وضرب نفسه. والضمير المجرور عندهم كالضمير المنصوب فلا يقال : نظرت إليه وزيد نظر على معنى نظرت إلى نفسك ونظر إلى نفسه. ومن هنا جعلوا على في قوله :
هون عليك فإن الأمور \*\*\* بكف الإله مقاديرها
**اسماً كما في قوله :**
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها \*\*\* وجعل الجار والمجرور هنا متعلقاً بمحذوف أي أعني إليك كما قالوا في سقيا لك ونحوه مما جيء به للتبيين. وأنت تعلم أنهم قالوا بمجيء إلى للتبيين لكن قال ابن مالك. وكذا صاحب القاموس : إنها المبينة لفاعلية مجرورها بعدما يفيد حباً أو يغضاً من فعل تعجب أو اسم تفضيل وما هنا ليس كذلك. وقال في الاتقان : حكى ابن عصفور في شرح أبيات الإيضاح عن ابن الأنباري أن إلى تستعمل اسماً فيقال : انصرفت من إليك كما يقال غدوت من عليه وخرج عليه من القرآن  أَنزَلْنَا إِلَيْكَ  وبه يندفع إشكال أبي حيان فيه انتهى. 
وكان عليه أن يبين ما معناها على القول بالاسمية، ولعلها حينئذ بمعنى عند فقد صرح بمجيئها بهذا المعنى في القاموس وأنشد :
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره \*\*\* أشهى إلى من الرحيق السلسل
لكن لا يحلو هذا المعنى في الآية، ومثله ما قيل إنها في ذلك اسم فعل، ثم أن حكاية استعمالها اسماً إذا صحت تقدح في قول أبي حيان : لا يمكن أن يدعي أن إلى تكون اسماً لا جماع النحاة على حرفيتها. ولعله أراد اجماع من يعتد به منهم في نظره. والذي أميل إليه في دفع الاشكال أن الفعل مضمن معنى الميل والجار والمجرور متعلق به لا بالفعل الرافع للضمير وهو مغزى بعيد لا ينبغي أن يسارع إليه بالاعتراض على أن في القلب من عدم صحة نحو هذا التركيب للقاعدة المذكورة شيئاً لكثرة مجيء ذلك في كلامهم. ومنه قوله تعالى : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  \[ الأحزاب : ٣٧ \] والبيت المار آنفاً. وقول الشاعر :
دع عنك نهبا صيح في حجراته \*\*\* ولكن حديثاً ما حديث الرواعل
وقولهم : اذهب إليك وسر عنك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع. 
وتأويل جميع ما جاء لا يخلو عن تكلف فتأمل وأنصف، ثم الفعل هنا منزل منزلة اللازم كما في قول ذي الرمة :
فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها \*\*\* إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلى
فلذا عدى بالباء أي افعلي الهز  بِجِذْعِ النخلة  فالباء للآلة كما في كتبت بالقلم. وقيل هو متعد والمفعول محذوف والكلام على تقدير مضاف أي هزي الثمرة بهز جذع النخلة ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن هز الثمرة لا يخلو من ركاكة، وعن المبرد أن مفعوله  رُطَباً  الآتي والكلام من باب التنازع. وتعقب بأن الهز على الرطب لا يقع إلا تبعاً فجعله أصلاً وجعل الأصل تبعاً حيث أدخل عليه الباء للاستعانة غير ملائم مع ما فيه من الفصل بجواب الأمر بينه وبين مفعوله ويكون فيه أعمال الأول وهو ضعيف لاسيما في هذا المقام. 
وما ذكر من التعكيس وارد على ما فيه التكلف وهو ظاهر، وما قيل من أن الهز وان وقع بالأصالة على الجذع لكن المقصود منه الثمرة فلهذه النكتة المناسبة جعلت أصلاً لأن هز الثمرة ثمرة الهز لا يدفع الركاكة التي ذكرناها مع أن المفيد لذلك ما يذكر في جواب الأمر. وجعل بعضهم  بِجِذْعِ النخلة  في موضع الحال على تقدير جعل المفعول  رُطَباً  أو الثمرة أي كائنة أو كائناً بجذع النخلة وفيه ثمرة ما لا تسمن ولا تغنى، وقيل الباء مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  \[ البقرة : ١٩٥ \] وقول الشاعر :
هن الحرائر لا ربات أخمرة \*\*\* سود المحاجر لا يقرأن بالسور
والوجه الصحيح الملائم لما عليه التنزيل من غرابة النظم كما في الكشف هو الأول، وقول الفراء : إنه يقال هزه وهز به إن أراد أنهما بمعنى كما هو الظاهر لا يلتفت إليه كما نص عليه بعض من يعول عليه  تساقط  من ساقطت بمعنى أسقطت، والضمير المؤنث للنخلة ورجوع الضمير للمضاف إليه شائع، ومن أنكره فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً. 
وجوز أبو حيان أن يكون الضمير للجذع لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه كما في قوله تعالى : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة  \[ يوسف : ١٠ \] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقية، وقول الشاعر :
كما شرقت صدر القناة من الدم \*\*\*
وتعقب بأنه خلاف الظاهر وإن صح. وقرأ مسروق. وأبو حيوة في رواية  تُسْقِطَ  بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف. وفي رواية أخرى عن أبي حيوة أنه قرأ كذلك إلا أنه بالياء من تحت. وقوله تعالى : عَلَيْكِ رُطَباً  في جميع ذلك نصب على المفعولية وهو نضيج البسر واحدته بهاء وجمع شاذاً على أرطاب كربه وأرباع، وعن أبي حيوة أيضاً أنه قرأ  تُسْقِطَ  بالتاء من فوق مفتوحة وضم القاف، وعنه أيضاً كذلك إلا أنه بالياء من تحت فنصب  رُطَباً  على التمييز، وروي عنه أنه رفعه في القراءة الأخيرة على الفاعلية. 
وقرأ أبو السمال  تتساقط  بتاءين. وقرأ البراء بن عازب  يساقط  بالياء من تحت مضارع أساقط. وقرأ الجمهور  النخلة تساقط  بفتح التاء من فوق وشد السين بعدها ألف وفتح القاف، والنصب على هذه الثلاثة على التمييز أيضاً. 
وجوز في بعض القراآت أن يكون على الحالية الموطئة وإذا أضمر ضمير مذكر على إحدى القراآت فهو للجذع، وإذا أضمر ضمير مؤنث فهو للنخلة أوله على ما سمعت  جَنِيّاً  أي مجنياً ففعيل بمعنى مفعول أي صالحاً للاجتناء. وفي القاموس ثم جنى جنى من ساعته. وعليه قيل المعنى رطباً يقول من يراه هو جني وهو صفة مدح فإن ما يجنى أحسن مما يسقط بالهز وما قرب عهده أحسن مما بعد عهده، وقيل فعيل بمعنى فاعل أي رطباً طرياً، وكان المراد على ما قيل إنه تم نضجه. 
وقرأ طلحة بن سليمان  جَنِيّاً  بكسر الجيم للاتباع. ووجه التذكير ظاهر. وعن ابن السيد أنه قال في شرح أدب الكاتب. كان يجب أن يقال جنية إلا أنه أخرج بعض الكلام على التذكير وبعضه على التأنيث، وفيه نظر. روي عن ابن عباس أنه لم يكن للنخلة إلا الجذع ولم يكن لها رأس فلما هزته إذ السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع يخرج من بين السعف ثم أخضر فصار بلحاً ثم أحمر فصار زهواً ثم رطباً كل ذلك في طرفة عين فجعل الرطب يقع بين يديها وكان برنيا، وقيل عجوة وهو المروى عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه. 
والظاهر أنها لم تحمل سوى الرطب، وقيل كان معه موز، وروي ذلك عن أبي روق. وإنما اقتصر عليه لغاية نفعه للنفساء، فعن الباقر رضي الله تعالى عنه لم تستشف النفساء بمثل الرطب إن الله أطعمه مريم في نفاسها وقالوا : ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل، وقيل : المرأة إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب، وذكر أن التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك وفي أمرها بالهز إشارة إلى أن السعي في تحصيل الرزق في الجملة مطلوب وهو لا ينافي التوكل وما أحسن ما قيل :
ألم تر أن الله أوحى لمريم \*\*\* وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه \*\*\* إليها ولكن كل شيء له سبب

### الآية 19:26

> ﻿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [19:26]

فَكُلِى  من ذلك الرطب  واشربي  من ذلك السرى. وقيل : من عصير الرطب وكان في غاية الطراوة فلا يتم الاستدلال بذكر الشرب على تعين تفسير السرى بالجدول وما ألطف ما أرشد إليه النظم الكريم من إحضار الماء أولاً والطعام ثانياً ثم الأكل ثالثاً والشرب رابعاً فإن الاهتمام بالماء أشد من الاهتمام بالأكل لاسيما ممن يريد أن يأكل ما يحوج إلى الماء كالأشياء الحلوة الحارة، والعادة قاضية بأن الأكل بعد الشرب ولذا قدم الأكل على الشرب حيث وقع، وقيل : قدم الماء لأنه أصل في النفع ونفعه عام للتنظيف ونحوه، وقد كان جارياً وهو أظهر في إزالة الحزن وأخر الشرب للعادة. وقيل قدم الأكل ليجاور ما يشاكله وهو الرطب. 
والأمر قيل يحتمل الوجوب والندب. وذلك باعتبار حالها، وقيل هو للإباحة  وَقَرّى عَيْناً  وطيبي نفساً وارفضي عنها ما أحزنك. وقرئ بكسر القاف وهي لغة نجدوهم يفتحون عين الماضي ويكسرون عين المضارع وغيرهم يكسرهما وذلك من القر بمعنى السكون فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره ويشهد له قوله تعالى : تَدورُ أَعْيُنُهُمْ  \[ الأحزاب : ١٩ \] من الحزن أو بمعنى البرد فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة. ويشهد له قولهم قرة العين وسخنتها للمحبوب والمكروه. وتسليتها عليها السلام بما تضمنته الآية من إجراء الماء وإخراج الرطب من حيث أنهما أمران خارقان للعادة فكأنه قيل لا تحزني فإن الله تعالى قدير ينزه ساحتك عما يختلج في صدور المتقيدين بالأحكام العادية بأن يرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك بما أظهر لهم من البسائط العنصرية والمركبات النباتية ما يخرق العادات التكوينية، وفرع على التسلية الأمر بالأكل والشرب لأن الحزين قد لا يتفرغ لمثل ذلك وأكد ذلك بالأمر الأخير. ومن فسر السرى برفيع الشأن سامي القدر جعل التسلية بإخراج الرطب كما سمعت وبالسرى من حيث أن رفعة الشأن مما يتبعها تنزيه ساحتها فكأنه قيل لا تحزني فإن الله سبحانه قد أظهر لك ما ينزه ساحتك قالا وحالا. 
وقد يؤيد هذا في الجملة بما روي عن ابن زيد قال : قال عيسى عليه السلام لها لا تحزني فقالت : كيف لا أحزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة فأي شيء عذري عند الناس ليتني مت قبل هذا فقال لها عليه السلام : أنا أكفيك الكلام  فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً  أي آدمياً كائناً من كان. وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه ابن الرومي  ترئن  بالإبدال من الياء همزة. وزعم ابن خالويه أن هذا لحن عند أكثر النحويين. 
وقال الزمخشري : إنه من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق وذلك لتآخ بين الهمزة وحروف اللين في الابدال. 
وقرأ طلحة. وأبو جعفر. وشيبة  فَإِمَّا تَرَيِنَّ  بسكون الياء وفتح النون خفيفة. قال ابن جنى : هي شاذة وكان القياس حذف النون للجازم كما في قول الأفوه الأودي :أما ترى رأسي أزري به  مأس زمان ذي انتكاس مؤوس فقولي  له إن استنطقك  إني نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً  وقرأ زيد بن على رضي الله تعالى عنه  صِيَاماً  والمعنى واحد أي صمتا كما في مصحف عبد الله. وقرأ به أنس بن مالك. فالمراد بالصوم الإمساك وإطلاقه على ما ذكر باعتبار أنه بعض أفراده كإطلاق الإنسان على زيد وهو حقيقة. وقيل اطلاقه عليه مجاز والقرينة التفريع الآتي وهو ظاهر على ذلك. وقال بعضهم : المراد به الصوم عن المفطرات المعلومة وعن الكلام وكانوا لا يتكلمون في صيامهم وكان قربة في دينهم فيصح نذره. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه فهو منسوخ في شرعنا كما ذكره الجصاص في كتاب الأحكام. وروي عن أبكي بكر رضي الله تعالى عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم فقال : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. 
وفي شرح البخاري لابن حجر عن ابن قدامة أنه ليس من شريعة الإسلام. وظاهر الأخبار تحريمه فإن نذره لا يلزمه الوفاء به ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنفية لما فيه من التضييق وليس في شرعنا وإن كان قربة في شرع من قبلنا. فتردد القفال في الجواز وعدمه ناشئ من قلة الإطلاع، وفي بعض الآثار ما يدل ظاهره على أن نذر الصمت كان من مريم عليها السلام خاصة. فقد أخرج ابن أبي حاتم عن حارثة بن مضرب قال : كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر ثم جلسا فقال القوم. ما لصاحبك لم يسلم ؟ قال : إنه نذر صوماً لا يكلم اليوم انسيا فقال له ابن مسعود : بئس ما قلت إنما كانت تلك المرأة قالت ذلك ليكون عذراً لها إذا سئلت وكانوا ينكرون أن يكون وله من غير زوج إلا زنا فكلم وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإنه خير لك. والظاهر على المعنى الأخير للصوم أنه باعتبار الصمت فيه فرع قوله تعالى : فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً  أي بعد أن أخبرتكم بنذري فتكون قد نذرت إن لا تلكم انسيا بغير هذا الأخبار فلا يكون مبطلا له لأنه ليس بمندور ويحتمل أن هذا تفسير للنذر بذكر صيغته. وقالت فرقة : امرت أن تخبر بنذرها بالإشارة قيل : وهو الأظهر. قال الفراء : العرب تسمى كل ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأن طريق وصل ما لم يأكد بالمصدر فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام. ويفهم من قوله تعالى : إِنسِيّاً  دون أحداً أن المراد فلن أكلم اليوم انسيا وإنما أكلم الملك وأناجي ربي. وإنما أمرت عليها السلام بذلك على ما قاله غير واحد لكراهة مجادلة السفهاء والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام فإنه نص قاطع في قطع الطعن. 
ومن باب الإشارة وفي نذر الصوم والمراد به الصمت إشارة إلى ترك الانتصار للنفس فكأنه قيل لها عليها السلام : اسكتي ولا تنتصري فإن في كلامك وانتصارك لنفسك مشقة عليك وفي سكوتك إظهار ما لنا فيك من القدرة فلزمت الصمت فلما علم الله سبحانه صدق انقطاعها إليه أنطق جل وعلا عيسى عليه السلام ببراءتها.

### الآية 19:27

> ﻿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [19:27]

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ  أي جاءتهم مع ولدها حاملة إياه على أن الباء للمصاحبة ولو جعلت للتعدية صح أيضاً. والجملة في موضع الحال من ضمير مريم أو من ضمير ولدها. وكان هذا المجيء على ما أخرج سعيد بن منصور. وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين يوماً حين طهرت من نفاسها قيل : إنها حنت إلى الوطن وعلمت أن ستكفي أمرها فأتت به فلما دخلت عليهم تباكوا، وقيل : هموا يرجمها حتى تلكم عيسى عليه السلام. وجاء في رواية عن الحبر أنها لما انتبذت من أهلها وراء الجبل فقدوها من محرابها فسألوا يوسف عنها فقال : لا علم لي بها وإن مفتاح باب محرابها عند زكريا فطلبوا زكريا وفتحوا الباب فلم يجدوها فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل : إني رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي هي من تحته فانطلقوا إليه فلما رأتهم قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به ثم كان ما كان. فظاهر الآية والأخبار أنها جاءتهم به من غير طلب منهم، وقيل : أرسلوا إليها لتحضري إلينا بولدك وكان الشيطان قد أخبرهم بولادتها فحضرت إليهم به فلما رأوهما  قَالُواْ يا مَرْيَم لَقَدْ جِئْتَ  فعلت  شَيْئاً فَرِيّاً  قال قتادة : عظيماً، وقيل : عجيبا. وأصله من فرى الجلد قطعه على وجه الإصلاح أو الإفساد، وقيل : من أفراه كذلك. واختير الأول لأن فعيلا إنما يصاغ قياساً من الثلاثي. وعدم التفرقة بينه وبين المزيد في المعنى هو الذي ذهب إليه صاحب القاموس. 
وفي الصحاح عن الكسائي أن الفرى القطع على وجه الإصلاح والإفراء على وجه الإفساد. وعن الراغب مثل ذلك. وقيل الإفراء عام. وإياً ما كان فقد استعير الفرى لما ذكر في تفسيره. وفي البحر أنه يستعمل في العظيم من الأمر شراً أو خيراً قولاً أو فعلاً، ومنه في وصف عمر رضي الله تعالى عنه فلم أر عبقرياً يفري فريه، وفي المثل جاء يفري الفرى. ونصب  شَيْئاً  على أنه مفعول به. وقيل على أنه مفعول مطلق أي لقد جئت مجيئاً عجيباً، وعبر عنه بالشيء تحقيقاً للاستغراب. 
وقرأ أبو حيوة فيما نقل ابن عطية  فَرِيّاً  بسكون الراء وفيما نقل ابن خالويه  فرأ  بالهمزة.

### الآية 19:28

> ﻿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [19:28]

يَا أخْتَ هارون  استئناف لتجديد التعيير وتأكيد التوبيخ. وليس المراد بهرون أخا موسى بن عمران عليهما السلام لما أخرج أحمد. ومسلم. والترمذي. والنسائي. والطبراني. وابن حبان. وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران فقالوا : أرأيت ما تقرأون  فَأَرْسِلْ إلى هارون  وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال :«ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم «بل هو على ما روي عن الكلبي أخ لها من أبيها. وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد عن قتادة قال : هو رجل صالح في بني إسرائيل. وروي عنه أنه قال ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفاً من بني إسرائيل كلهم يسمى هارون. والأخت على هذا بمعنى المشابهة وشبهوها به تهكماً أو لما رأوا قبل من صلاحها، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه رجل طالح فشبهوها به شتماً لها. وقيل : المراد له هارون أخو موسى عليهما السلام، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم أيضاً عن السدى. وعلي بن أبي طلحة. وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة فوصفها بالأخوة لكونها وصف أصلها. وجوز أن يكون هارون مطلقاً على نسله كهاشم. وتميم، والمراد بالأخت أنها واحدة منهم كما يقال أخا العرب وهو المروى عن السدى. 
 مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً  تقرير لكون ما جاءت به فريا أو تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. وفيه دليل على أن الفروع غالباً تكون زاكية إذا زكت الأصول وينكر عليها إذا جاءت بضد ذلك. وقرأ عمر بن بجاء التيمي الشاعر الذي كان يهاجي جريراً  مَا كَانَ أباك امرؤ سُوء  بجعل الخبر المعرفة والاسم النكرة. وحسن ذلك قليلاً وجود مسوغ الابتداء فيها وهو الإضافة.

### الآية 19:29

> ﻿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [19:29]

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ  أي إلى عيسى عليه السلام أن كلموه. قال شيخ الإسلام : والظاهر أنها بينت حينئذ نذرها وأنها بمعزل من محاورة الإنس حسبما أمرت ففيه دلالة على أن المأمور به بيان نذرها بالإشارة لا بالعبارة والجمع بينهما مما لا عهد به  قَالُواْ  منكرين لجوابها، وفي بعض الآثار أنها لما أشارت إليه أن كلموه قالوا : استخفافها بنا أشد من زناها حاشاها ثم قالوا : كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ في المهد صَبِيّاً  قال قتادة : المهد حجر أمه، وقال عكرمة : المرباة أي المرجحة، وقيل : سريره. وقيل : المكان الذي يستقر عليه. واستشكلت الآية بأن كل من يكلمه الناس كان في المهد صبياً قبل زمان تكليمه فلا يكون محلاً للتعجب والإنكار. 
وأجاب الزمخشري عن ذلك بوجهين، الأول أن كان الإيقاع مضمون لجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة والدال عليه أن الكلام مسوق للتعجب فيكون المعنى كيف نكلم من كان بالأمس وقريباً منه من هذا الوقت في المهد وغرضهم من ذلك استمرار حال الصبي به لم يبرح بعد عنه ولو قيل : من هو في المهد لم يكن في تلك الوكادة من حيث السابق كالشاهد على ذلك، ومن على هذا موصولة يراد بها عيسى عليه السلام. الثاني أن يكون  نُكَلّمُ  حكاية حال ماضية ومن موصوفة، والمعنى كيف نكلم الموصوفين بأنهم في المهد أي ما كلمناهم إلى الآن حتى نكلم هذا، وفي العدول عن الماضي إلى الحال إفادة التصوير والاستمرار. وهذا كما في الكشف وجه حسن ملائم. 
وقال أبو عبيدة : كان زائدة لمجرد التأكيد من غير دلالة على الزمان و  صَبِيّاً  حال مؤكدة والعامل فيها الاستقرار، فقول ابن الأنباري. إن كان نصبت هنا الخبر والزائدة لا تنصبه ليس بشيء، والمعنى كيف نكلم من هو في المهد الآن حال كونه صبياً، وعلى قول من قال : إن كان الزائدة لا تدل على حدث لكنها تدل على زمان ماض مقيد به ما زيدت فيه كالسيرافي لا يندفع الإشكال بالقول بزيادتها. 
وقال الزجاج : الأجود أن تكون من شرطية لا موصولة ولا موصوفة أي من كان في المهد فكيف نكلمه وهذا كما يقال كيف أعظم من لا يعمل بموعظتي والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء فلا إشكال في ذلك، ولا يخفى بعده.

### الآية 19:30

> ﻿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [19:30]

قَالَ  استئناف مبني على سؤال نشأ من سياق النظم الكريم كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك ؟ فقيل : قال عيسى عليه السلام  إني عَبْدُ الله  روى أنه عليه السلام كان يرضع فلما سمع ما قالوا ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته فقال ما قال، وقيل إن زكريا عليه السلام أقبل عليه يستنطقه فقال ذلك وذكر عبوديته لله تعالى أولاً لأن الاعتراف بذلك على ما قيل أول مقامات السالكين. وفيه رد على من يزعم ربوبيته، وفي جميع ما قال تنبيه على براءة أمه لدلالته على الاصطفاء والله سبحانه أجل من أن يصطفي ولد الزنا وذلك من المسلمات عندهم، وفيه من إجلال أمه عليهما السلام ما ليس في التصريح، وقيل لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بما ذكر إلا مبرأة مصطفاة. 
واختلف في أنه بعد أن تكلم بما ذكر هل بقي يتكلم كعادة الرجال أو لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان وعده عليه السلام في عداد الذين تكلموا في المهد ثم لم يتكلموا إلى وقت العادة ظاهر في الثاني  الكتاب  الظاهر أنه الإنجيل. وقيل التوراة. وقيل مجموعهما  وجعلني نَبِيّاً . 
ومن باب الإشارة وذكر أنه عليه السلام طوى كل وصف جميل في مطاوي قوله : إني عَبْدُ الله  \[ مريم : ٣٠ \] وذلك لما قلوا من أنه لا يدعى أحد بعبد الله إلا إذا صار مظهراً لجميع الصفات الإلهية المشير إليها الاسم الجليل، وجعل على هذا قوله : آتاني الكتاب  \[ مريم : ٣٠ \] الخ كالتعليل لهذه الدعوى. وذكروا أن العبد مضافاً إلى ضميره تعالى أبلغ مدحاً مما ذكر وأن صاحب ذلك المقام هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وكأن مرادهم أن العبد مضافاً إلى ضميره سبحانه كذلك إذا لم يقرن بعلم ك  عبده زكريا  وإلا فدعوى الاختصاص لا تتم فليتدبر.

### الآية 19:31

> ﻿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [19:31]

وَجَعَلَنِي  مع ذلك  مُبَارَكاً  قال مجاهد نفاعاً ومن نفعه إبراء الأكمه والأبرص. وقال سفيان : معلم الخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. وعن الضحاك قاضياً للحوائج، والأول أولى لعمومه، والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما في القضاء المحتوم أو بجعل ما في شرف الوقوع لا محالة كالذي وقع. وقيل أكمله الله تعالى عقلاً واستنبأه طفلاً وروي ذلك عن الحسن. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس أن عيسى عليه السلام درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه وذلك قوله : آتاني الكتاب  \[ مريم : ٣٠ \]  أَيْنَ مَا كُنتُ  أي حيثما كنت. وفي **«البحر »** أن هذا شرط وجزاؤه محذوف تقديره جعلني مباركاً وحذف لدلالة ما تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون معمولاً لجعلني السابق لأن أين لا تكون إلا استفهاماً أو شرطاً والأول لا يجوز هنا فتعين الثاني واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله وإنما هو معمول للفعل الذي يليه. 
 وأوصاني بالصلاة والزكاة  أي أمرني بهما أمراً مؤكداً. والظاهر أن المراد بهما ما شرع في البدن والمال على وجه مخصوص. وقيل المراد بالزكاة زكاة الفطر. وقيل المراد بالصلاة الدعاء وبالزكاة تطهير النفس عن الرذائل، ويتعين هذا في الزكاة على ما نقل عن ابن عطاء الله وإن كان منظوراً فيه من أنه لا زكاة على الأنبياء عليهم السلام لأن الله تعالى نزههم عن الدنيا فما في أيديهم لله تعالى ولذا لا يورثون أو لأن الزكاة تطهير وكسبهم طاهر. وقيل لا يتعين لأن ذلك أمر له بإيجاب الزكاة على أمته وهو خلاف الظاهر، وإذا قيل يحمل للزكاة على الظاهر فالظاهر أن المراد  أوصاني  بأداء زكاة المال أن ملكته فلا مانع من أن يشمل التوقيت بقوله سبحانه : مَا دُمْتُ حَيّاً  مدة كونه عليه السلام في السماء، ويلتزم القول بوجوب الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام هناك كذا قيل. 
وأنت تعلم أن الظاهر المتبادر من المدة المذكورة مدة كونه عليه الصلاة والسلام حياً في الدنيا على ما هو المتعارف وذلك لا يشمل مدة كونه عليه السلام في السماء، ونقل ابن عطية أن أهل المدينة. وابن كثير. وأبا عمرو قرأوا  دمْتُ  بكسر الدال ولم نجد ذلك لغيره نعم قيل إن ذلك لغة.

### الآية 19:32

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [19:32]

وَبَرّاً بِوَالِدَتِي  عطف على  مُبَارَكاً  \[ مريم : ٣١ \] على ما قال الحوفي وأبو البقاء، وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعداً للفصل بالجملة ومتعلقها اختار إضمار فعل أي وجعلني باراً بها، قيل هذا كالصريح في أنه عليه السلام لا والد له فهو أظهر الجمل في الإشارة إلى براءتها عليها السلام. وقرئ  بِراً  بكسر الباء ووجه نصبه نحو ما مر في القراءة المتواترة، وجعل ذاته عليه السلام براً من باب فإنما هي إقبال وإدبار، وجوز أن يكون النصب بفعل في معنى  أوصاني  أي وألزمني أو وكلفني براً فهو من باب :
علفتها تبناً وماءً بارداً \*\*\* وأقرب منه على ما في **«الكشف »** لأنه مثل زيداً مررت به في التناسب وإن لم يكن من بابه. 
وجوز أن يكون معطوفاً على محل  بالصلاة  كما قيل في قراءة  أَرْجُلِكُمْ  بالنصب، وقيل إن أوصى قد يتعدى للمفعول الثاني بنفسه كما وقع في **«البخاري »** أوصيناك ديناً واحداً، والظاهر أن الفعل في مثل ذلك مضمن معنى ما يتعدى بنفسه، وحكى الزهراوي. وأبو البقاء أنه قرئ  \*وبر  بكسر الباء والراء وهو معطوف على الصلاة والزكاة قولاً واحداً، والتنكير للتفخيم  وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً  أي لم يقض على سبحانه بذلك في علمه الأزلي، وقد كان عليه السلام في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ولم يتخذ مسكناً، وكان عليه السلام يقول : سلوني فإني لين القلب صغير في نفسي. 
ومن باب الإشارة وذكر ابن عطاء في قوله تعالى : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً  \[ مريم : ٣٢ \] إن الجبار الذي لا ينصح والشقي الذي لا ينتصح نعوذ بالله سبحانه من أن يجعلنا كذلك.

### الآية 19:33

> ﻿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [19:33]

والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً  تقدم الكلام في وجه تخصيص هذه المواطن بالذكر فتذكر فما في العهد من قدم. والأظهر بل الصحيح أن التعريف للجنس جيء به تعريضاً باللعنة على متهمي مريم وأعدائها عليها السلام من اليهود فإنه إذا قال جنس السلام على خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم، ونظيره قوله تعالى : والسلام على مَنِ اتبع الهدى  \[ طه : ٤٧ \] يعني أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنة لنحو هذا من التعريض. والقول بأنه لتعريف العهد خلاف الظاهر بل غير صحيح لا لأن المعهود سلام يحيى عليه الصلاة والسلام وعينه لا يكون سلاماً لعيسى عليه الصلاة والسلام لجواز أن يكون من قبيل  هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ  \[ البقرة : ٢٥ \] بل لأن هذا الكلام منقطع عن ذلك وجوداً وسرداً فيكون معهوداً غير سابق لفظاً ومعنى على أن المقام يقتضي التعريض ويفوت على ذلك التقدير لأن التقابل إنما ينشأ من اختصاص جميع السلام به عليه كذا في **«الكشف »** والاكتفاء في العهد به لتصحيحه بذكره في الحكاية لا يخفى حاله وسلام يحيى عليه السلام قيل لكونه من قول الله تعالى أرجح من هذا السلام لكونه من قول عيسى عليه السلام، وقيل هذا أرجح لما فيه من إقامة الله تعالى إياه في ذلك مقام نفسه مع إفادة اختصاص جميع السلام به عليه السلام فتأمل. 
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  يَوْمَ وُلِدْتُّ  بتاء التأنيث وإسناد الفعل إلى والدته.

### الآية 19:34

> ﻿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [19:34]

ذلك  إشارة إلى من فصلت نعوته الجليلة. وفيه إشارة إلى علو رتبته وبعد منزلته وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره ونزوله منزلة المحسوس المشاهد. وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : عِيسَى  وقوله سبحانه : ابن مَرْيَمَ  صفة عيسى أو خبر بعد خبر أو بدل أو عطف بيان والأكثرون على الصفة. والمراد ذلك هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني حيث جعل موصوفاً بأضداد ما يصفونه كالعبودية لخالقه سبحانه المضادة لكونه عليه السلام إلهاً وابناً لله عز وجل فالحصر مستفاد من فحوى الكلام، وقيل : هو مستفاد من تعريف الطرفين بناءً على ما ذكره الكرماني من أن تعريفهما مطلقاً يفيد الحصر، وهو على ما فيه مخالف لما ذكره أهل المعاني من أن ذلك مخصوص بتعريف المسند باللام أو بإضافته إلى ما هي فيه ك  تلك آيات الكتاب  \[ يونس : ١ \] على ما في بعض شروح الكشاف. وقيل استفادته من التعريف على ما ذكروه أيضاً بناءً على أن عيسى مؤول بالمعرف باللام أي المسمى بعيسى وهو كما ترى فعليك بالأول. 
 قَوْلَ الحق  نصب على المدح. والمراد بالحق الله تعالى وبالقول كلمته تعالى، وأطلقت عليه عليه السلام بمعنى أنه خلق بقول كن من غير أب. وقيل : نصب على الحال من عيسى، والمراد بالحق والقول ما سمعت. 
وقيل : نصب على المصدر أي أقول قول الحق. وقيل : هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة منصوب بأحق محذوفاً وجوباً. وقال شيخ الإسلام : هو مصدر مؤكد لقال إني عبد الله الخ وقوله سبحانه : ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ  اعتراض مقرر لمضمون ما قبله وفيه بعد. و  الحق  في الأقوال الثلاثة بمعنى الصدق. والإضافة عند جمع بيانية وعند أبي حيان من إضافة الموصوف إلى الصفة. 
وقرأ الجمهور  قَوْلَ  بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، والضمير المقدر للكلام السابق أو لتمام القصة. وقيل : صفة لعيسى أو بدل من أو خبر بعد خبر لذلك أهو الخبر وعيسى بدل أو عطف بيان. والمراد في جميع ذلك كلمة الله تعالى. وقرأ ابن مسعود  قَالَ الحق . وقال الله برفع  قَالَ  فيهما. 
وعن الحسن  قَوْلَ الحق  بضم القاف واللام. والقول والقال والقول بمعنى واحد كالرهب والرهب والرهب. ونص أبو حيان على أنها مصادر. وعن ابن السكيت القال وكذا القيل اسم لا مصدر. وقرأ طلحة. والأعمش في رواية  قَالَ الحق  برفع لام  قَالَ  على أنه فعل ماض ورفع  الحق  على الفاعلية، وجعل  ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ  على هذا مقول القول أي قال الله تعالى ذلك الموصوف بما ذكر عيسى ابن مريم  الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ  أي يشكون أو يتنازعون فيقول اليهود : هو ساحر وحاشاه ويقول النصارى : ابن الله سبحان الله عما يقولون. 
والموصول صفة القول أو الحق أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي الخ وذلك بحسب اختلاف التفسير والقراءة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه. والسلمي. وداود بن أبي هند. ونافع في رواية. والكسائي كذلك  تَمْتَرُونَ  بتاء الخطاب.

### الآية 19:35

> ﻿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [19:35]

مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سبحانه  أي ما صح وما تستقام له جل شأنه اتخاذ ذلك وهو تكذيب للنصارى وتنزيه له عز وجل عما افتروه عليه تبارك وتعالى وقوله جل وعلا : إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ  تبكيت له ببيان أن شأنه تعالى شأنه إذا قضى أمراً من الأمور أن يوجد بأسرع وقت فمن يكون هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد وهو من أمارات الاحتياج والنقص. وقرأ ابن عامر  فَيَكُونُ  بالنصب على الجواب.

### الآية 19:36

> ﻿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [19:36]

وقوله تعالى : وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه  عطف على ما قال الواحدي على قوله  إِنّي عَبْدُ الله  \[ مريم : ٣٠ \] فهو من تمام قول عيسى عليه السلام تقريراً لمعنى العبودية والآيتان معترضتان، ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقرأ أبي بغير واو. 
والظاهر أنه على هذا بتقدير القول خطاباً لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد إن الله الخ. وقرأ الحرميان. وأبو عمرو  وَأَنْ  بالواو وفتح الهمزة. وخرجه الزمخشري على حذف حرف الجر وتعلقه باعبدوه أي ولأنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه وهو كقوله تعالى : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً  \[ الجن : ١٨ \] وهو قول الخليل وسيبويه. 
وأجاز الفراء أن يكون أن وما بعدها في تأويل مصدر عطفاً على  الزكواة  ( مريم ٣١ ) أي وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي وربكم الخ. وأجاز الكسائي أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف أي والأمر أن الله ربي وربكم. 
وحكى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء أنه عطف على  أمْراً  من قوله تعالى : إِذَا قَضَى أَمْرًا  \[ مريم : ٣٥ \] أي إذ قضى أمراً وقضى أن الله ربي وربكم وهو تخبيط في الإعراب فلعله لا يصح عن أبي عمرو فإنه من الجلالة في علم النحو بمكان، وقيل : إنه عطف على \[ مريم : ٣٠ \] وأكثر الأقوال كما ترى. وفي حرف أبي رضي الله تعالى عنه أيضاً  وبأن  بالواو وباء الجر وخرجه بعضهم بالعطف على الصلاة أو الزكاة وبعضهم بأنه متعلق باعبدوه أي بسبب ذلك فاعبدوه، والخطاب إما لمعاصري عيسى عليه السلام وإما لمعاصري نبينا صلى الله عليه وسلم  قَبْلَ هذا  أي ما ذكر من التوحيد  صراط مُّسْتَقِيمٍ  لا يضل سالكه

### الآية 19:37

> ﻿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [19:37]

وقوله تعالى : فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ  لترتيب ما بعدها على ما قبلها تنبيهاً على سوء صنيعهم بجعلهم ما يوجب الاتفاق منشأ للاختلاف فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام مع كونها نصوصاً قاطعة في كونه عبد الله تعالى ورسوله قد اختلف اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط فالمراد بالأحزاب اليهود والنصارى وهو المروى عن الكلبي، ومعنى  مِن بَيْنِهِمْ  أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين، و  بَيْنَ  ظرف استعمل اسماً بدخول من عليه. 
ونقل في **«البحر »** القول بزيادة من. وحكى أيضاً القول بأن البين هنا بمعنى البعد أي اختلفوا فيه لبعدهم عن الحق فتكون سببية ولا يخفى بعده، وقيل : المراد بالأحزاب فرق النصارى فإنهم اختلفوا بعد رفعه عليه السلام فيه فقال : نسطور هو ابن الله تعالى عن ذلك أظهره ثم رفعه، وقال يعقوب : هو الله تعالى هبط ثم صعد وقال ملكاً : هو عبد الله تعالى ونبيه، وفي الملل والنحل أن الملكانية قالوا : إن الكلمة يعني أقنوم العلم اتحدت بالمسيح عليه السلام وتدرعت بناسوته. 
وقال أيضاً : إن المسيح عليه السلام ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم وقد ولدت مريم إلهاً قديماً أزلياً والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معاً، وقد قدمنا من أمر النصارى ما فيه كفاية فليتذكر، وقيل المراد بهم المسلمون واليهود والنصارى. 
وعن الحسن أنهم الذين تحزبوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما قص عليهم قصة عيسى عليه السلام اختلفوا فيه من بين الناس، قيل : إنهم مطلق الكفار فيشمل اليهود والنصارى والمشركين الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم وغيرهم ؛ ورجحه الإمام بأنه لا مخصص فيه، ورجح القول بأنهم أهل الكتاب بأن ذكر الاختلاف عقيب قصة عيسى عليه السلام يقتضي ذلك، ويؤيده قوله تعالى : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ  فالمراد بهم الأحزاب المختلفون، وعبر عنهم بذلك إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحكم، وإذا قيل بدخول المسلمين أو الملكانية وقيل : إنهم قالوا بأنه عليه السلام عبد الله ونبيه. في الأحزاب، فالمراد من الذين كفروا بعض الأحزاب أي فويل للذين كفروا منهم  مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ  أي من مشهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء وهو يوم القيامة أو من وقت شهوده أو مكان الشهود فيه أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد الملائكة والأنبياء عليهم السلام عليهم وألسنتهم وسائر جوارحهم بالكفر والفسوق أو من وقت الشهادة أو من مكانها. 
وقيل : هو ما شهدوا به في حق عيسى عليه السلام وأمه وعظمه لعظم ما فيه أيضاً كقوله تعالى : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ  \[ الكهف : ٥ \]. وقيل هو يوم قتل المؤمنين حين اختلف الأحزاب وهو كما ترى. والحق أن المراد بذلك اليوم يوم القيامة.

### الآية 19:38

> ﻿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [19:38]

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ  تعجيب من حدة سمعهم وأبصارهم يومئذٍ. ومعناه أن أسماعهم وأبصارهم  يَوْمَ يَأْتُونَنَا  للحساب والجزاء أي يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعد أن كانوا في الدنيا صماً وعمياً. 
وروي ذلك عن الحسن. وقتادة. وقال علي بن عيسى : هو وعيد وتهديد أي سوف يسمعون ما يخلع قلوبهم ويبصرون ما يسود وجوههم. وعن أبي العالية أنه أمر حقيقة للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه. والجار والمجرور على الأولين في موضع الرفع على القول المشهور. وعلى الأخير في محل نصب لأن  أَسْمِعْ  أمر حقيقي وفاعله مستتر وجوباً. وقيل : في التعجب أيضاً إنه كذلك. والفاعل ضمير المصدر  لكن الظالمون اليوم  أي في الدنيا  في ضلال مُّبِينٍ  لا يدرك غايته حيث اغفلوا الاستماع والنظر بالكلية. ووضع  الظالمين  موضع الضمير للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم. 
والاستدراك على ما نقل عن أبي العالية يتعلق بقوله تعالى : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ.

### الآية 19:39

> ﻿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [19:39]

وَأَنذِرْهُمْ  أي الظالمين على ما هو الظاهر. وقال أبو حيان : الضمير لجميع الناس أي خوفهم  يَوْمَ الحسرة  يوم يتحسر الظالمون على ما فرطوا في جنب الله تعالى. وقيل : الناس قاطبة، وتحسر المحسنين على قلة إحسانهم  إِذْ قُضِىَ الأمر  أي فرغ من الحساب وذهب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وذبح الموت ونودي كل من الفريقين بالخلود. 
وعن السدي. وابن جريج الاقتصار على ذبح الموت، وكان ذلك لما روى الشيخان. والترمذي
عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رأوه ثم ينادي مناد يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم : هذا الموت وكلهم قد رأوه فيذبح بين الجنة والنار ثم يقول : يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ وأنذرهم »** الآية. 
وفي رواية عن ابن مسعود أن يوم الحسرة حين يرى الكفار مقاعدهم من الجنة لو كانوا مؤمنين، وقيل : حين يقال لهم وهم في النار  اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ  \[ المؤمنون : ١٠٨ \] وقيل : حين يقال  وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون  \[ يس : ٥٩ \]. 
وقال الضحاك : ذلك إذا برزت جهنم ورمت بالشرر، وقيل : المراد بذلك يوم القيامة مطلقاً، وروي ذلك عن ابن زيد وفيه حسرات في مواطن عديدة، ومن هنا قيل : المراد بالحسرة جنسها فيشمل ذلك حسرتهم فيما ذكر وحسرتهم عند أخذ الكتب بالشمائل وغير ذلك والمراد بقضاء الأمر الفراغ من أمر الدنيا بالكلية ويعتبر وقت ذلك ممتداً، وقيل : المراد بيوم الحسرة يوم القيامة كما روي عن ابن زيد إلا أن المراد بقضاء الأمر الفراغ مما يوجب الحسرة، وجوز ابن عطية أن يراد بيوم الحسرة ما يعم يوم الموت. 
وأنت تعلم أن ظاهر الحديث السابق وكذا غيره كما لا يخفى على المتتبع قاض بأن يوم الحسرة يوم يذبح الموت وينادي بالخلود. ولعل التخصيص لما أن الحسرة يومئذٍ أعظم الحسرات لأنه هناك تنقطع الآمال وينسد باب الخلاص من الأهوال. ومن غريب ما قيل : إن المراد بقضاء الأمر سد باب التوبة حين تطلع الشمس من مغربها وليس بشيء، و  إِذْ  على سائر الأقوال بدل من  يَوْمٍ  أو متعلق بالحسرة والمصدر المعرف يعمل بالمفعول الصريح عند بعضهم فكيف بالظرف، وقوله تعالى : وَهُمْ في غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  قال الزمخشري : متعلق بقوله تعالى شأنه : فِى ضلال مُّبِينٍ  عن الحسن، ووجه ذلك بأن الجملتين في موضع الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور أي مستقرون في ذلك وهم في تينك الحالتين، واستظهر في الكشف العطف على قوله تعالى : الظالمون في ضلال مُّبِينٍ  \[ مريم : ٣٨ \] أي هم في ضلال وهم في غفلة ؛ وعلى الوجهين تكون جملة  أَنذَرَهُمْ  معترضة والواو اعتراضية، ووجه الاعتراض أن الإنذار مؤكد ما هم فيه من الغفلة والضلال، وجوز أن يكون ذلك متعلقاً بأنذرهم على أنه حال من المفعول أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين. وتعقب بأنه لا يلائم قوله تعالى : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  \[ النازعات : ٤٥ \] وقال في **«الكشف »** : أنه غير وارد لأن ذلك بالنسبة إلى النفع وهذا بالنسبة إلى تنبيه الغافل لبيان أن النفع في الآخرة وهذه وظيفة الأنبياء عليهم السلام عن آخرهم، ثم لو سلم لا مناقضة كما في قوله تعالى : وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين  \[ الذاريات : ٥٥ \] كيف وقد تكرر هذا المعنى في القرآن إلى قوله تعالى : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ فَهُمْ غافلون  \[ يس : ٦ \] وأما إن قوله سبحانه : وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  نفي مؤكد يشتمل على الماضية والآتية فلا يسلم لو جعل حالاً ولو سلم فقد علم جوابه مما سبق وما على الرسول إلا البلاغ. 
نعم لا نمنع أن الوجه الأول أرجح وأشد طباقاً للمقام، وحاصل المعنى على الأخير أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها للإنذار.

### الآية 19:40

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [19:40]

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا  لا يبقى لأحد غيره تعالى ملك ولا ملك فيكون كل ذلك له تعالى استقلالاً ظاهراً وباطناً دون ما سواه وينتقل إليه سبحانه انتقال الموروث من المورث إلى الوارث، وهذا كقوله تعالى : لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار  \[ غافر : ١٦ \] أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك توفي الوارث لإرثه واستيفائه إياه  وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  أي يردون إلى الجزاء لا إلى غيرنا استقلالاً أو اشتراكاً. وقرأ الأعرج  تُرْجَعُونَ  بالتاء الفوقية. وقرأ السلمي. وابن أبي إسحاق. وعيسى بالياء التحتية مبنياً للفاعل، وحكى عنهم الداني أنهم قرؤوا بالتاء الفوقية والله تعالى أعلم.

### الآية 19:41

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:41]

واذكر  عطف على  أَنذَرَهُمْ  \[ مريم : ٣٩ \] عند أبي السعود، وقيل : على اذكر السابق، ولعله الظاهر  في الكتاب  أي هذه السورة أو في القرآن  إِبْرَاهِيمَ  أي اتل على الناس قصته كقوله تعالى : واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبراهيم  \[ الشعراء : ٦٩ \] وإلا فذاكر ذلك في الكتاب هو الله تعالى كما في ****«الكشاف »**** : ، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام لكونه الناطق عنه تعالى ومبلغ أوامره ونواهيه وأعظم مظاهره سبحانه ومجاليه كأنه الذاكر في الكتاب ما ذكره ربه جل وعلا ومناسبة هذه الآية لما قبلها اشتمالها على تضليل من نسب الألوهية إلى الجماد اشتمال ما قبلها على ما أشار إلى تضليل من نسبها إلى الحي والفريقان وإن اشتركا في الضلال إلا أن الفريق الثاني أضل. 
ويقال على القول الأول في العطف : إن المراد أنذرهم ذلك واذكر لهم قصة إبراهيم عليه السلام فإنهم ينتمون إليه صلى الله عليه وسلم فعساهم باستماع قصته يقلعون عما هم فيه من القبائح  إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً  أي ملازم الصدق لم يكذب قط  نَّبِيًّا  استنبأه الله تعالى وهو خبر آخر لكان مقيد للأول مخصص له أي كان جامعاً بين الوصفين. 
ولعل هذا الترتيب للمبالغة في الاحتراز عن توهم تخصيص الصديقية بالنبوة فإن كل نبي صديق، وقيل : الصديق من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، وفي ****«الكشاف »**** الصديق من أبنية المبالغة والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أي كان مصدقاً بجميع الأنبياء وكتبهم وكان نبياً في نفسه كقوله تعالى : بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين  \[ الصافات : ٣٧ \] أو كان بليغاً في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق ومصدق الله تعالى بآياته ومعجزاته حري أن يكون كذلك انتهى. 
وفيه إشارة إلى أن المبالغة تحتمل أن تكون باعتبار الكم وأن تكون باعتبار الكيف ولك أن تريد الأمرين لكون المقام مقام المدح والمبالغة، وقد ألم بذلك الراغب، وأما أن التكثير باعتبار المفعول كما في قطعت الحبال فقد عده في **«الكشف »** من الأغلاط فتأمل، واستظهر أنه من الصدق لا من التصديق، وأيد بأنه قرئ  إِنَّهُ كَانَ صادقا  وبأنه قلما يوجد فعيل من مفعل والكثير من فاعل، وفسر بعضهم النبي هنا برفيع القدر عند الله تعالى وعند الناس. 
والجملة استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر فإن وصفه عليه السلام بذلك من دواعي ذكره وهي على ما قيل اعتراض بين المبدل منه وهو إبراهيم والبدل وهو إذ في قوله تعالى : إِذْ قَالَ  وتعقبه صاحب الفرائد بأن الاعتراض بين البدل والمبدل منه بدون الواو بعيد عن الطبع، وفيه منع ظاهر، وفي **«البحر »** أن بدلية إذ من  إبراهيم  \[ مريم : ٤١ \] تقتضي تصرفها والأصح أنها لا تتصرف وفيه بحث. 
ومن باب الإشارة في الآيات : واذكر فِي الكتاب إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً  \[ مريم : ٤١ \] أمر للحبيب أن يذكر الخليل وما من الله تعالى به عليه من أحكام الخلة ليستشير المستعدين إلى التحلي بما أمكن لهم منها. والصديق على ما قال ابن عطاء القائم مع ربه سبحانه على حد الصدق في جميع الأوقات لا يعارضه في صدقه معارض بحال، وقال أبو سعيد الخزاز : الصديق الآخذ بأتم الحظوظ من كل مقام سنى حتى يقرب من درجات الأنبياء عليهم السلام، وقال بعضهم : من تواترت أنوار المشاهدة واليقين عليه وأحاطت به أنوار العصمة. 
وقال القاضي : هو الذي صعدت نفسه تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضة إلى أوج العرفان حتى اطلع على الأشياء وأخبر عنها على ما هي عليه، ومقام الصديقية قيل : تحت مقام النبوة ليس بينهما مقام. 
وعن الشيخ الأكبر قدس سره إثبات مقام بينهما وذكر أنه حصل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. والمشهور بهذا الوصف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وليس ذلك مختصاً به، فقد أخرج أبو نعيم في المعرفة. وابن عساكر. وابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الصديقون ثلاثة، حبيب النجار مؤمن آل يس الذي قال : قَالَ يا قوم اتبعوا المرسلين ، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال : أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ الله  وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه وهو أفضلهم.

### الآية 19:42

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [19:42]

إِذْ قَالَ  وتعقبه صاحب الفرائد بأن الاعتراض بين البدل والمبدل منه بدون الواو بعيد عن الطبع، وفيه منع ظاهر، وفي ****«البحر »**** أن بدلية إذ من  إبراهيم  \[ مريم : ٤١ \] تقتضي تصرفها والأصح أنها لا تتصرف وفيه بحث، وقيل : إذ ظرف لكان وهو مبني على إن كان الناقصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلافية، وقيل : ظرف لِ  نبياً  \[ مريم : ٤١ \] أي منبئ في وقت قوله : لأبيه  وتعقب بأنه يقتضي أن الاستنباء كان في ذلك الوقت، وقيل : ظرف لِ  صديقاً  \[ مريم : ٤١ \]، وفي ****«البحر »**** لا يجوز ذلك لأنه قد نعت الأعلى رأى الكوفيين، وفيه أن  نَبِيّاً  خبر كما ذكرنا لا نعت، نعم تقييد الصديقية بذلك الوقت لا يخلو عن شيء. 
وقيل ظرف لصديقاً نبياً وظاهره أنه معمول لهما معاً، وفيه أن توارد عاملين على معمول واحد غير جائز على الصحيح، والقول بأنهما جعلا بتأويل اسم واحد كتأويل حلو حامض بمز أي جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء عليهم السلام حين خاطب أباه لا يخفى ما فيه، والذي يقتضيه السياق ويشهد به الذوق البدلية وهو بدل اشتمال، وتعليق الذكر بالأوقات مع أن المقصود تذكير ما وقع فيها من الحوادث قد مر سره مراراً فتذكر. 
 يَا أَبَت  أي يا أبي فإن التاء عوض من ياء الإضافة ولذلك لا يجمع بينهما إلا شذوذاً كقوله : يا أبتي أرقني القذان، والجمع في يا أبتا قيل بين عوضين وهو جائز كجمع صاحب الجبيرة بين المسح والتيمم وهما عوضان عن الغسل وقيل المجموع فيه عوض، وقيل : الألف للإشباع وأنت تعلم حال العلل النحوية. 
وقرأ ابن عامر. والأعرج. وأبو جعفر  \*يا أبت  بفتح التاء، وزعم هارون أن ذلك لحن والحق خلافه وفي مصحف عبد الله  واأبت  بوا بدل ياء والنداء بها في غير الندبة قليل، وناداه عليه السلام بذلك استعطافاً له. 
وأخرج أبو نعيم. والديلمي عن أنس مرفوعاً حق الوالد على ولده أن لا يسميه إلا بما سمى إبراهيم عليه السلام به أباه يا أبت ولا يسميه باسمه، وهذا ظاهر في أنه كان أباه حقيقة، وصحح جمع أنه كان عمه وإطلاق الأب عليه مجاز  يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ  ثناءك عليك عند عبادتك له وجؤارك إليه  وَلاَ يَبْصِرُ  خضوعك وخشوعك بين يديه أولاً يسمع ولا يبصر شيئاً من المسموعات والمبصرات فيدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً، وما موصولة وجوزوا أن تكون نكرة موصوفة  وَلاَ يُغْنِى  أي لا يقدر على أن يغني  عَنكَ شَيْئاً  من الأشياء أو شيئاً من الاغناء فهو نصب على المفعولية أو المصدرية. ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق ليس له من هاج لئلا يركب متن المكابرة والعناد ولا ينكب بالكلية عن سبيل الرشاد حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه فضلاً عن عبادته التي هي الغاية القاصية من التعظيم مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب ونبه على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل لداعية صحيحة وغرض صحيح والشيء لو كان حياً مميزاً سميعاً بصيراً قادراً على النفع والضر لكن كان ممكناً لاستنكف ذو العقل السليم عن عبادته وإن كان أشرف الخلائق لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبية فما ظنك بجماد مصنوع ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر. ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق المبين لما أنه لم يكن محظوظاً من العلم الإلهي مستقلاً بالنظر السوي مصدراً لدعوته بما مر من الاستعطاف حيث قال : ياأبت إني قَدْ جاءني مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ 
ومن باب الإشارة  إِذْ قَالَ لأبيه يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  \[ مريم : ٤٢ \] " 
الخ فيه من لطف الدعوة إلى اتباع الحق والإرشاد إليه ما لا يخفى. وهذا مطلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لاسيما إذا كان ذلك مع الأقارب ونحوهم.

### الآية 19:43

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [19:43]

ياأبت إني قَدْ جاءني مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ  ولم يسم أباه بالجهل المفرط وإن كان في أقصاه ولا نفسه بالعلم الفائق وإن كان كذلك بل أبرز نفسه في صورة رقيق له يكون أعرف بأحوال ما سلكاه من الطريق فاستماله برفق حيث قال : فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً  أي مستقيماً موصلاً إلى أسنى المطالب منحياً عن الضلال المؤدي إلى مهاوي الردى والمعاطب. وقوله : جاءني  ظاهر في أن هذه المحاورة كانت بعد أن نبىء عليه السلام، والذي جاءه قيل العلم بما يجب لله تعالى وما يمتنع في حقه وما يجوز على أتم وجه وأكمله. وقيل : العلم بأمور الآخرة وثوابها وعقابها. وقيل : العلم بما يعم ذلك ثم ثبطه عما هو عليه بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل ببيان أنه مع عرائه عن النفع بالمرة مستجلب لضرر عظيم فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان لما أنه الآمر به فقال : ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان .

### الآية 19:44

> ﻿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا [19:44]

ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان  فإن عبادتك الأصنام عبادة له إذ هو الذي يسولها لك ويغريك عليها. 
وقوله : إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً  تعليل لموجب النهي وتأكيد له ببيان أنه مستعص على من شملتك رحمته وعمتك نعمته. ولا ريب في أن المطيع للعاصي عاص وكل من هو عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه، وللإشارة إلى هذا المعنى جيء بالرحمن. وفيه أيضاً إشارة إلى كمال شناعة عصيانه. وفي الاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته لأنه ملاكها أو لأنه نتيجة معاداته لآدم عليه السلام فتذكيره داع لأبيه عن الاحتراز عن موالاته وطاعته، والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير.

### الآية 19:45

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [19:45]

وقوله : يا أبت إِنّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن  تحذي من سوء عاقبة ما هو فيه من عبادة الأصنام والخوف كما قال الراغب توقع المكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة فهو غير مقطوع فيه بما يخاف. ومن هنا قيل : إن في اختياره مجاملة. وحمله الفراء. والطبري على العلم وليس بذاك. وتنوين  عَذَاب  على ما اختاره السعد في المطول يحتمل التعظيم والتقليل أي عذاب هائل أو أدنى شيء منه وقال لا دلالة للفظ المس وإضافة العذاب إلى الرحمن على ترجيح الثاني كما ذكره بعضهم لقوله تعالى : لَمَسَّكُمْ في مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  \[ النور : ١٤ \] ولأن العقوبة من الكريم الحليم أشد اه. 
واختار أبو السعود أنه للتعظيم، وقال : كلمة من متعلقة بمضمر وقع صفة للعذاب مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وإظهار الرحمن للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب كما في قوله عز وجل : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم  \[ الانفطار : ٦ \] انتهى، وفي **«الكشف »** أن الحمل على التفخيم  في عَذَابِ  كما جوزه صاحب المفتاح مما يأباه المقام أي لأنه مقام إظهار مزيد الشفقة ومراعاة الأدب وحسن المعاملة وإنما قال  مّنَ الرحمن  لقوله أولاً  كَانَ للرحمن عَصِيّاً  \[ مريم : ٤٤ \] وللدلالة على أنه ليس على وجه الانتقام بل ذلك أضياً رحمة من الله تعالى على عباده وتنبيه على سبق الرحمة الغضب وإن الرحمانية لا تنافي العذاب بل الرحيمية على ما عليه الصوفية فقد قال المحقق القونوي في تفسير الفاتحة. الرحيم كما بينا لأهل اليمين والجمال والرحمن الجامع بين اللطف والقهر لأهل القضية الأخرى والجلال إلى آخر ما قال، وأيد الحمل على التفخيم بقوله : فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً  أي قريناً تليه ويليك في العذاب فإن الولاية للشيطان بهذا المعنى إنما تترتب على مس العذاب العظيم. وأجيب عن كون المقام مقام إظهار مزيد الشفقة وهو يأبى ذلك بأن القسوة أحياناً من الشفقة أيضاً كما قيل :

فقسا ليزدجروا ومن يك حازما  فليقس أحياناً على من يرحموقد تقدم هذا مع أبيات أخر بهذا المعنى، ويكفى في مراعاة الأدب والمجاملة عدم الجزم باللحوق. والمس وإن كان مشعراً بالقلة عند الجلة لكن قالوا : إن الكثرة والعظمة باعتبار ما يلزمه ويتبعه لا بالنظر إليه في نفسه فإنه غير مقصود بالذات وإنما هو كالذوب مقدمة للمقصود فيصح وصفه بكل من الأمرين باعتبارين. وكأني بك تختار التفخيم لأنه أنسب بالتخويف وتدعى أنه ههنا من معدن الشفقة فتدبر وجوز أن يكون  فَتَكُونُ  الخ مترتباً على مس العذاب القليل والولي من الموالاة وهي المتابعة والمصادقة. والمراد تفريع الثبات على حكم تلك الموالاة وبقاء آثارها من سخط الله تعالى وغضبه، ولا مانع من أن يتفرع من قليل أمر عظيم. ثم الظاهر أن المراد بالعذاب عذاب الآخرة وتأوله بعضهم بعذاب الدنيا وأراد به الخذلان أو شيئاً آخر مما أصاب الكفرة في الدنيا من أنواع البلاء وليس بذاك، وزعم بعضهم أن في الكلام تقديماً وتأخيراً والأصل إني أخاف أن تكون ولياً للشيطان أي تابعاً له في الدنيا فيمسك عذاب من الرحمن أي في العقبى وكأنه أشكل عليه أمر التفريع فاضطر لما ذكر وقد أغناك الله تعالى عن ذلك بما ذكرنا.

### الآية 19:46

> ﻿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [19:46]

قَالَ  استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل فماذا قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائح الواجبة القبول فقيل ؟ قال مصراً على عناده مقابلاً الاستعطاف واللطف بالفظاظة والغلظة : أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلهتي يا إِبْرَاهِيمَ  اختار الزمخشري كون  راغب  خبراً مقدماً  الحق وَأَنتَ  مبتدأ وفيه توجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجيب. وذهب أبو البقاء وابن مالك وغيرهما إلى أن  أَنتَ  فاعل الصفة لتقدم الاستفهام وهو مغن عن الخبر وذلك لئلا يلزم الفصل بين  أَرَاغِبٌ  ومعموله وهو  عَنْ آلِهَتِي  بأجنبي هو المبتدأ وأجيب بأن  عَنْ  متعلق بمقدر بعد أنت يدل عليه أراغب. 
وقال **«صاحب الكشف »** : المبتدأ ليس أجنبياً من كل وجه لاسيما والمفصول ظرف والمقدم في نية التأخير والبليغ يلتفت لفت المعنى بعد أن كان لما يرتكبه وجه مساغ في العربية وإن كان مرجوحاً. ولعل سلوك هذا الأسلوب قريب من ترجيح الاستحسان لقوة أثره على القيا، ولا خفاء أن زيادة الإنكار إنما نشأ من تقديم الخبر كأنه قبل أراغب أنت عنها لا طالب لها راغب فيها منبهاً له على الخطأ في صدوفه ذلك ولو قيل : أترغب لم يكن من هذا الباب في شيء انتهى، ورجح أبو حيان إعراب أبي البقاء ومن معه بعدم لزوم الفل فيه وبسلامة الكلام عليه عن خلاف الأصل في التقديم والتأخير، وتوقف البدر الدماميني في جواز ابتدائية المؤخر في مثل هذا التركيب وإن خلا عن فصل أو محذور آخر كما في أطالع الشمس وذلك نحو أقائم زيد للزوم التباس المبتدأ بالفاعل كما في ضرب زيد فإنه لا يجوز فيه ابتدائية زيد. وأجاب الشمني بأن زيداً في الأول يحتمل أمرين كل منهما بخلاف الأصل وذلك إجمال لا لبس بخلافه في الثاني فتأمل  لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأرْجُمَنَّكَ  تهديد وتحذير عما كان عليه من العظة والتذكير أي والله لئن لم تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها والدعوة إلى ما دعوتني إليه لأرجمنك بالحجارة على ما روى عن الحسن، وقيل : باللسان والمراد لأشتمنك وروى ذلك عن ابن عباس. وعن السدي. والضحاك. وابن جريج، وقدر بعضهم متعلق النهي الرغبة عن الآلهة أي لئن لم تنته عن الرغبة عن آلهتي لأرجمنك وليس بذاك  واهجرني  عطف على محذوف يدل عليه التهديد أي فاحذرني وارتكني وإليك ذهب الزمخشري. 
ولعل الداعي لذلك وعدم اعتبار العطف على المذكور أنه لا يصح أو لا يحسن التخالف بين المتعاطفين إنشائية وإخبارية، وجواب القسم غير الاستعطافي لا يكون إنشاء وليست الفاء في فاحذرني عاطفة حتى يعود المجذور. 
ومن الناس من عطف على الجملة السابقة بناء على تجويز سيبويه العطف مع التخالف في الاخبار والإنشاء والتقدير أوقع في النفس  مَلِيّاً  أي دهراً طويلاً عن الحسن. ومجاهد. وجماعة، وقال السدي : أبداً وكأنه المراد، وأصله على ما قيل من الإملاء أي الإمداد وكذا الملاوة بتثليث الميم وهي بمعناه ومن ذلك الملوان الليل والنهار ونصبه على الظرفية كما في قول مهلهل :فتصدعت صم الجبال لموته  وبكت عليه المرملات ملياًوأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه فسره بطولاً ولم يذكر الموصوف فقيل هو نصب على المصدرية أي هجراً ملياً، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن المعنى سالماً سوياً والمراد قادراً على الهجر مطيقاً له وهو حينئذ حال من فاعل  اهجرني  أي اهجرني ملياً بالهجران والذهاب عني قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح، وكأنه على هذا من تملي بكذا تمتع به ملاوة من الدهر.

### الآية 19:47

> ﻿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [19:47]

قَالَ  استئناف كما سلف  سلام عَلَيْكَ  توديع ومتاركة على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة فإن ترك الإساءة للمسيء إحسان أي لا أصيبك بمكروه بعد ولا أشافهك بما يؤذيك، وهو نظير ما في قوله تعالى : لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين  في قوله، وقيل : هو تحية مفارق، وجوز قائل هذا تحية الكافر وأن يبدأ بالسلام المشروع وهو مذهب سفيان بن عيينة مستدلاً بقوله تعالى : لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم  \[ الممتحنة : ٨ \] الآية، وقوله سبحانه : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم  \[ الممتحنة : ٤ \] الآية، وما استدل به متأول وهو محجوج بما ثبت في **«صحيح مسلم »** :" لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام " وقرئ  سَلاَماً  بالنصب على المصدرية والرفع على الابتداء  سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  أي استدعيه سبحانه أن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة ويهديك إلى الإيمان كما يلوح به تعليل قوله : واغفر لأبى  بقوله : إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين  \[ الشعراء : ٨٦ \] كذا قيل فيكون استغفاره في قوة قوله : ربي اهده إلى الإيمان وأخرجه من الضلال. 
 والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبين تحتم أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه كما أنه لا رب في عدم جوازه عند تبين ذلك لما فيه من طلب المحال فإن ما أخبر الله تعالى بعدم وقوعه محال وقوعه ولهذا تبين له عليه السلام بالوحي على أحد القولين المذكورين في سورة التوبة أنه لا يؤمن تركه أشد الترك فالوعد والإنجاز كانا قبل التبين وبذلك فارق استغفاره عليه السلام لأبيه استغفار المؤمنين لأولي قرابتهم من المشركين لأنه كان بعد التبين ولذا لم يؤذنوا بالتأسي به عليه السلام في الاستغفار، قال العلامة الطيبي : إنه تعالى بين للمؤمنين إن أولئك أعداء الله تعالى بقوله سبحانه : لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة  \[ الممتحنة : ١ \] وأن لا مجال لإظهار المودة بوجه ما ثم بالغ جل شأنه في تفصيل عداوتهم بقوله عز وجل : إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ  \[ الممتحنة : ٢ \] ثم حرضهم تعالى على قطيعة الأرحام بقوله سبحانه  لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم وَلاَ أولادكم يَوْمَ القيامة  \[ الممتحنة : ٣ \] ثم سلاهم عز وجل بالتأسي في القطيعة بإبراهيم عليه السلام وقومه بقوله تبارك وتعالى : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبراهيم والذين مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برآء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ  إلى قوله تعالى شأنه : إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأبيه لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  \[ الممتحنة : ٤ \] فاستثنى من المذكور ما لم يحتمله المقام كما احتمله ذلك المقام للنص القاطع يعني لكم التأسي بإبراهيم عليه السلام مع هؤلاء الكفار في القطيعة والهجران لا غير فلا تجاملوهم ولا تبدوا لهم الرأفة والرحمة كما أبدى إبراهيم عليه السلام لأبيه في قوله سأستغفر لك لأنه لم يتبين له حينئذ أنه لا يؤمن كما بدا لكم كفر هؤلاء وعداوتهم انتهى. 
واعترض بأن ما ذكر ظاهر في أن الاستغفار الذي وقع من المؤمنين لأولى قرابتهم فنهوا عنه لأنه كان بعد التبين كان كاستغفار إبراهيم عليه السلام بمعنى طلب التوفيق للتوبة والهداية للإيمان، والذي اعتمده كثير من العلماء أن قوله تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِي والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ  \[ التوبة : ١١٣ \] الآية نزل في استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب بعد موته وذلك الاستغفار مما لا يكون بمعنى طلب الهداية أصلاً وكيف تعقل الهداية بعد الموت بل لو فرض استغفاره عليه الصلاة والسلام له كان قبل الموت لا يتصور أيضاً أن يكون بهذا المعنى لأن الآية تقتضي أنه كان بعد تبين أنه من أصحاب الجحيم، وإذا فسر بتحتم الموت على الكفر كان ذلك دعاء بالهداية إلى الإيمان مع العلم بتحتم الموت على الكفر ومحاليته إذا كانت معلومة لنا بما مر فهي أظهر شيء عنده صلى الله عليه وسلم بل وعند المقتبسين من مشكاته عليه الصلاة والسلام، وهو اعتراض قوي بحسب الظاهر وعليه يجب أن يكون استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه بذلك المعنى في حياته لعدم تصور ذلك بعد الموت وهو ظاهر. 
وقد قال الزمخشري في جواب السؤال بأنه كيف جاز له عليه السلام أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك ؟ قالوا : أراد اشتراط التوبة عن الكفر وقالوا إنما استغفر له بقوله : واغفر لأبى  \[ الشعراء : ٨٦ \] لأنه وعده أن يؤمن، واستشهدوا بقوله تعالى : وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأبيه إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ  \[ التوبة : ١١٤ \] ثم قال : ولقائل أن يقول : الذي منع من الاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع ويدل على صحته أنه استثنى قول إبراهيم عليه السلام  لاَسْتَغْفِرَنَّ  لك في آية  قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبراهيم  \[ الممتحنة : ٤ \] الخ عما وجبت فيه الاسوة ولو كان بشرط الإيمان والتوبة لما صح الاستثناء، وأما كون الوعد من أبيه فيخالف الظاهر الذي يشهد له قراءة الحسن وغيره  وَعَدَهَا أَبَاهُ  \[ التوبة : ١١٤ \] بالباء الموحدة، قال في **«الكشف »** : واعترض الإمام حديث الاستثناء بأن الآية دلت على المنع من التأسي لا أن ذلك كان معصية فجاز أن يكون من خواصه ككثير من المباحات التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم وليس بشيء لأن الزمخشري لم يذهب إلى أن ما ارتكبه إبراهيم عليه السلام كان منكراً بل إنما هو منكر علينا لورود السمع. 
واعترض **«صاحب التقريب »** بأن نفي اللازم ممنوع فإن الاستثناء عما وجبت فيه الأسوة دل على أنه غير واجب لا على أنه غير جائز فكان ينبغي عما جازت في الأسوة بدل عما وجبت الخ والآية لا دلالة فيها على الوجوب. 
والجواب أن جعله مستنكراً ومستثنى يدل على أنه منكر لا الاستثناء عما وجبت فيه فقط وإنما أتى الاستنكار لأنه مستثنى عن الأسوة الحسنة فلو اؤتسى به فيه لكان أسوة قبيحة، وأما الدلالة على الوجوب فبينة من قوله تعالى آخراً : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الاخر  \[ الممتحنة : ٦ \] كما تقرر في **«الأصول »**. 
والحاصل أن فعل إبراهيم عليه السلام يدل على أنه ليس منكراً في نفسه وقوله تعالى : مَا كَانَ للنبي والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ  \[ التوبة : ١١٣ \] الخ يدل على أنه الآن منكر سمعاً وأنه كان مستنكراً في زمن إبراهيم عليه السلام أيضاً بعدما كان غير منكر ولذا تبرأ منه وهو ظاهر إلا أن الزمخشري جعل مدرك الجواز قبل النهي العقل وهي مسألة خلافية وكم قائل أنه السمع لدخوله تحت بر الوالدين والشفقة على أمة الدعوة بل قيل : إن الأول مذهب المعتزلة وهذا مذهب أهل السنة انتهى مع تغيير يسير. 
واعترض القول بأنه استنكر في زمن إبراهيم عليه السلام بعدما كان غير منكر بأنه لو كان كذلك لم يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام فعله لعمه أبي طالب. وأجيب بجواز أنه لم يبلغه إذ فعل عليه الصلاة والسلام، والتحقيق في هذه المسألة أن الاستغفار للكافر الحي المجهول العاقبة بمعنى طلب هدايته للإيمان مما لا محذور فيه عقلاً ونقلاً وطلب ذلك للكافر المعلوم أنه قد طبع على قلبه وأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن وعلم أن لا تعليق في أمره أصلاً مما لا مساغ له عقلاً ونقلاً، ومثله طلب المغفرة للكافر مع بقائه على الكفر على ما ذكره بعض المحققين، وكان ذلك على ما قيل لما فيه من إلغاء أمر الكفر الذي لا شيء يعدله من المعاصي وصيرورة التكليف بالإيمان الذي لا شيء يعدله من الطاعات عبثاً مع ما في ذلك مما لا يليق بعظمة الله عز وجل، ويكاد يلحق بذلك فيما ذكر طلب المغفرة لسائر العصاة مع البقاء على المعصية إلا أن يفرق بين الكفر وسائر المعاصي، وأما طلب المغفرة للكافر بعد موته على الكفر فلا تأباه قضية العقل وإنما يمنعه السمع وفرق بينه وبين طلبها للكافر مع بقائه على الكفر بعدم جريان التعليل السابق فيه ويحتاج ذلك إلى تأمل. 
واستدل على جواز ذلك عقلاً بقوله صلى الله عليه وسلم لعمه :" لا أزال أستغفر لك ما لم أنه " فنزل قوله تعالى : مَا كَانَ للنبي والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ  \[ التوبة : ١١٣ \] الآية، وحمل قوله تعالى : مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم  \[ التوبة : ١١٣ \] على معنى من بعدما ظهر لهم أنهم ماتوا كفاراً والتزم القول بنزول قوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  \[ النساء : ٤٨ \] بعد ذلك وإلا فلا يتسنى استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه بعد العلم بموته كافراً وتقدم السماع بأن الله تعالى لا يغفر الكفر، وقيل لا حاجة إلى التزام ذلك لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام ولوفور شفقته وشدة رأفته قد حمل الآية على أنه تعالى لا يغفر الشرك إذا لم يشفع فيه أو الشرك الذي تواطأ فيه القلب وسائر الجوارح وعلم من عمه أنه لم يكن شركه كذلك فطلب المغفرة حتى نهى صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك فتأمل، فالمقام محتاج بعد إلى كلام والله تعالى الموفق. 
 إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيّاً  بليغاً في البر والإكرام يقال حفي به إذا اعتنى بإكرامه. والجملة تعليل لمضمون ما قبلها، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل مع الاهتمام. 
ومن باب الإشارة قال : سلام عليك  \[ مريم : ٤٧ \] هذا سلام الأعراض عن الأغيار وتلطف الأبرار مع الجهال، قال أبو بكر بن طاهر : أنه لما بدا من آزر في خطابه عليه السلام ما لا يبدو إلا من جاهل جعل جوابه السلام لأن الله تعالى قال : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً  \[ الفرقان : ٦٣ \]

### الآية 19:48

> ﻿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [19:48]

وَأَعْتَزِلُكُمْ  الظاهر أنه عطف على  سَأَسْتَغْفِرُ  \[ مريم : ٤٧ \] والمراد أتباعد عنك وعن قومك  وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  بالمهاجرة بديني حيث لم تؤثر فيكم نصائحي. 
يروى أنه عليه السلام هاجر إلى الشام، وقيل إلى حران وهو قريب من ذلك وكانوا بأرض كوثا. وفي هجرته هذه تزوج سارة ولقي الجبار الذي أخدم سارة هاجر، وجوز حمل الاعتزال على الاعتزال بالقلب والاعتقاد وهو خلاف الظاهر المأثور  وادعوا رَبّى  أي أعبده سبحانه وحده كما يفهم من اجتناب غيره تعالى من المعبودات وللتغاير بين العبادتين غوير بين العبارتين، وذكر بعضهم أنه عبر بالعبادة أولاً لأن ذلك أوفق بقول أبيه  أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي  \[ مريم : ٤٦ \] مع قوله فيما سبق : يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ  \[ مريم : ٤٢ \] الخ، وعبر ثانياً بالدعاء لأنه أظهر في الاقبال المقابل للاعتزال. 
وجوز أن يراد بذلك الدعاء مطلقاً أو ما حكاه سبحانه في سورة الشعراء وهو قوله : رَبّ هَبْ لي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين  \[ الشعراء : ٨٣ \] وقيل لا يبعد أن يراد استدعاء الولد أيضاً بقوله : رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين  \[ الصافات : ١٠٠ \] حسبما يساعده السياق والسباق  عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا  خائباً ضائع السعي. وفيه تعريض بشقاوتهم في عبادة آلهتهم. وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع ومراعاة حسن الأدب والتنبيه على حقيقة الحق من أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوب وأن العبرة بالخاتمة وذلك الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا يخفى. 
ومن باب الإشارة  وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  \[ مريم : ٤٨ \] أي أهاجر عنكم بديني، ويفهم. منه استحباب هجر الأشرار. 
وعن أبي تراب النخشبي صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، وقد تضافرت الأدلة السمعية والتجربة على أن مصاحبتهم تورث القسوة وتثبط عن الخير.  وأدعوا رَبّي عَسَى أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا  \[ مريم : ٤٨ \] فيه من الدلالة على مزيد أدبه عليه السلام مع ربه عز وجل ما فيه، ومقام الخلة يقتضي ذلك فإن من لا أدب له لا يصلح أن يتخذ خليلاً.

### الآية 19:49

> ﻿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [19:49]

فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  بالمهاجرة إلى ما تقدم  وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ  بدل من فارقهم من أبيه وقومه الكفرة لكن لا عقيب المهاجرة. والمشهور أن أول ما وهب له عليه السلام من الأولاد إسماعيل عليه السلام لقوله تعالى : فبشرناه بغلام حَلِيمٍ  \[ الصافات : ١٠١ \] بقوله : رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين  \[ الصافات : ١٠٠ \] وكان من هاجر فغارت سارة فحملت بإسحق عليه السلام فلما كبر ولد له يعقوب عليه السلام. 
ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله ههنا لبيان كمال عظم النعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبياء ولهما أولاد وأحفاد أو لو شأن خطير وذوو عدد كثير مع أنه سبحانه أراد أن يذكر إسماعيل عليه السلام بفضله على الانفراد. وروى أنه عليه السلام لما قصد الشام أتى أولاً حران وتزوج سارة وولدت له إسحق وولد لإسحاق يعقوب. والأول هو الأقرب الأظهر  وَكُلاًّ  أي كل واحد من إسحق ويعقوب أو منهما ومن إبراهيم عليه السلام وهو مفعول أول لقوله تعالى : جَعَلْنَا نَبِيّاً  قدم عليه للتخصيص لكن لا بالنسبة إلى من عداهم بل بالنسبة إلى بعضهم أي كل واحد منهم  جَعَلْنَا نَبِيّاً  لا بعضهم دون بعض، ولا يظهر في هذا الترتيب على الوجه الثاني في  كَلاَّ  كون إبراهيم عليه السلام نبياً قبل الاعتزال. 
ومن باب الإشارة  فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ  \[ مريم : ٤٩ \] كأن ذلك كان عوضاً عمن اعتزل من أبيه وقومه لئلا يضيق صدره كما قيل : ولما اعتزل نبينا صلى الله عليه وسلم الكون أجمع ما زاغ البصر وما طغى عوض عليه الصلاة والسلام بأن قال له سبحانه : إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  \[ الفتح : ١٠ \]. 
**«واذكر »** أيها الحبيب **«في الكتاب موسى »** الكليم **«إنه كان مخلصاً »** لله تعالى في سائر شؤونه، قال الترمذي : المخلص على الحقيقة من يكون مثل موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر على السلام ليتأدب به فلم يسامحه في شيء ظهر له منه.

### الآية 19:50

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [19:50]

وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا  قال الحسن : النبوة. 
 ولعل ذكر ذلك بعد ذكر جعلهم أنبياء للإيذان بأن النبوة من باب الحرمة التي يختص بها من يشاء. وقال الكلبي : هي المالي والولد. وقيل : هو الكتاب والأظهر أنه عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤت أحد من العالمين  وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً  تفتخر بهم الناس ويثنون عليهم استجابة لدعوته عليه السلام بقوله : واجعل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاخرين  \[ الشعراء : ٨٤ \] وزيادة على ذلك. والمراد باللسان ما يوجد به من الكلام فهو مجاز بعلاقة السببية كاليد في العطية ولسان العرب لغتهم. ويطلق على الرسالة الرائعة كما في قول أعشى باهلة :
إني أتتني لسان لا أسر بها \*\*\*
**ومنه قول الآخر :**
ندمت على لسان كان مني \*\*\*
وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم وإن محامدهم لا تخفى كأنها نار على علم على تباعد الاعصار وتبدل الدول وتغير الملل والنحل، وخص بعضهم لسان الصدق بما يتلى في التشهد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم والعموم أولى.

### الآية 19:51

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:51]

واذكر فِي الكتاب موسى  قيل قدم ذكره على إسماعيل عليهما السلام لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب عليه السلام. وقيل : تعجيل لاستجلال أهل الكتاب بعدما فيه استجلاب العرب. 
 إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً  موحداً أخلص عبادته عن الشرك والرياء أو أسلم وجهه لله عز وجل وأخلص عن سواه. 
وقرأ الكوفيون. وأبو رزين. ويحيى. وقتادة  مُخْلِصاً  بفتح اللام على أن الله تعالى أخلصه  وَكَانَ رَسُولاً  مرسلاً من جهة الله تعالى إلى الخلق بتبليغ ما يشاء من الأحكام  نَبِيّاً  رفع القدر على كثير الرسل عليهم السلام أو على سائر الناس الذين أرسل إليهم فالنبي من النبوة بمعنى الرفعة. ويجوز أن يكون من النبأ وأصله نبىء أي المنبئ عن الله تعالى بالتوحيد والشرائع ورجح الأول بأنه أبلغ قيل ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :**«لست بنبيء الله تعالى بالهمزة ولكن نبي الله تعالى »** لمن خاطبه بالهمز وأراد أن يغض منه. والذي ذكره الجوهري أن القائل أراد أنه عليه الصلاة والسلام أخرجه قومه من نبأ فأجابه صلى الله عليه وسلم بما يدفع ذلك الاحتمال. ووجه الاتيان بالنبي بعد الرسول على الأول ظاهر ووجه ذلك على الثاني موافقة الواقع بناء على أن المراد أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه سبحانه. 
واختار بعضهم أن المراد من كلا اللفظين معناهما اللغوي وأن ذكر النبي بعد الرسول لما أنه ليس كل مرسل نبياً لأنه قد يرسل بعطية أو مكتوب أو نحوهما.

### الآية 19:52

> ﻿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [19:52]

وناديناه مِن جَانِبِ الطور الأيمن  الطور جبل بين مصر ومدين والأيمن صفة لجانب لقوله تعالى في آية أخرى : جَانِبِ الطور الأيمن  \[ طه : ٨٠ \] بالنصب أي ناديناه من ناحيته اليمنى من اليمين المقابل لليسار. والمراد به يمين موسى عليه السلام أي الناحية التي تلي يمينه إذ الجبل نفسه لا ميمنة له ولا ميسرة. ويجوز أن يكون الأيمن من اليمن وهو البركة وهو صفة لجانب أيضاً أي من جانبه الميمون المبارك. 
وجوز على هذا أن يكون صفة للطور والأولى أولى، والمراد من ندائه من ذلك ظهور كلامه تعالى من تلك الجهة، والظاهر أنه عليه السلام إنما سمع الكلام اللفظي، وقال بعض : إن الذي سمعه كان بلا حرف ولا صوت وأنه عليه السلام سمعه بجميع أعضائه من جميع الجهات وبذلك يتيقن أن المنادي هو الله تعالى، ومن هنا قيل : إن المراد ناديناه مقبلاً من جانب الطور المبارك وهو طور ما وراء طور العقل، وفي الاخبار ما ينادي على خلافه  وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً  تقريب تشريف مثل حاله عليه السلام بحال من قربه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته ورفع الوسائط بينه وبينه،  ونجيا  فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجالس ونديم بمعنى منادم من المناجاة المسارة بالكلام ونصبه على الحالية من أحد ضميري موسى عليه السلام في ناديناه وقربناه أي ناديناه أو قربناه حال كونه مناجياً، وقال غير واحد، مرتفعاً على أنه من النجو وهو الارتفاع. 
فقد أخرج سعيد بن منصور. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن جبرائيل عليه السلام أردفه حتى سمع صرير القلم والتوراة تكتب له أي كتابة ثانية وإلا ففي الحديث الصحيح الوارد في شأن محاجة آدم وموسى عليهما السلام أنها كتبت قبل خلق آدم عليه السلام بأربعين سنة، وخبر رفعه عليه السلام إلى السماء حتى سمع صرير القلم رواه غير واحد وصححه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلى ذلك لا يكون المعراج مطلقاً مختصاً بنبينا صلى الله عليه وسلم بل المعراج الأكمل، وقيل معنى  وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً  بصدقه وروى ذلك عن قتادة ولا يخفى بعده
ومن باب الإشارة : وناديناه مِن جَانِبِ الطور الأيمن وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً  \[ مريم : ٥٢ \] قالوا النداء بداية والنجوى نهاية، النداء مقام الشوق والنجوى مقام كشف السر.

### الآية 19:53

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [19:53]

وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا  أي من أجل رحمتنا له  أَخَاهُ  أي معاضدة أخيه وموازرته إجابة لدعوته بقوله  واجعل لي وزيراً من أهلي هرون أخي  \[ طه : ٢٩، ٣٠ \] لا نفسه عليه السلام لأنه كان أكبر من موسى عليه السلام سنا فوجوده سابق على وجوده وهو مفعول  وَهَبْنَا  وقوله تعالى : هارون  عطف بيان له، وقوله سبحانه  نَبِيّاً  حال منه، ويجوز أن تكون من للتبعيض قيل وحينئذ يكون  أَخَاهُ  بدل بعض من كل أو كل من كل أو اشتمال من من، وتعقب بأنها إن كانت اسماً مرادفة لبعض فهو خلاف الظاهر وإن كانت حرفاً فإبدال الاسم من الحرم مما لم يوجد في كلامهم، وقيل : التقدير وهبنا له شيئاً من رحمتنا فأخاه بدل من شيئاً المقدر وأنت تعلم أن الظاهر هو كونه مفعولاً. 
ومن باب الإشارة  وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هارون نَبِيّاً  \[ مريم : ٥٣ \] قيل : علم الله تعالى ثقل الأسرار على موسى عليه السلام فاختار له هارون مستودعاً لها فهارون عليه السلام مستودع سر موسى عليه السلام.

### الآية 19:54

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:54]

واذكر فِي الكتاب إسماعيل  الظاهر أنه ابن إبراهيم عليهما السلام كما ذهب إليه الجمهور وهو الحق، وفصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه عليهم السلام لإبراز كمال الاعتناء بأمره بإيراده مستقلاً، وقيل : إنه إسماعيل بن حزقيل بعثه الله تعالى إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه سبحانه وفوض أمرهم إليه عز وجل في العفو والعقوبة وروى ذلك الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه وغالب الظن أنه لا يصح عنه  إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  تعليل لموجب الأمر، وإيراده عليه السلام بهذا الوصف لكمال شهرته بذلك. 
وقد جاء في بعض الاخبار أنه وعد رجلاً أن يقيم له بمكان فغاب عنه حولاً فلما جاءه قال له : ما برحت من مكانك فقال : لا والله ما كنت لأخلف موعدي، وقيل : غاب عنه اثني عشر يوماً، وعن مقاتل ثلاثة أيام، وعن سهل بن سعد يوماً وليلة والأول أشهر ورواه الإمامية أيضاً عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ؛ وإذا كان هو الذبيح فناهيك في صدقه أنه وعد أباه الصبر على الذبح بقوله : ستجدني إِن شَاء الله مِنَ الصابرين  \[ الصافات : ١٠٢ \] فوفى. 
وقال بعض الأذكياء طال بقاؤه : لا يبعد أن يكون ذلك إشارة إلى هذا الوعد والصدق فيه من أعظم ما يتصور. 
 وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً  الكلام فيه كالكلام في السابق بيد أنهم قالوا هنا : إن فيه دلالة على أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة مستقلة فإن أولاد إبراهيم عليهم السلام كانوا على شريعته وقد اشتهر خلافه بل اشترط بعضهم فيه أن يكون صاحب كتاب أيضاً والحق أنه ليس بلازم، وقيل : إن المراد بكونه صاحب شريعة أن يكون له شريعة بالنسبة إلى المبعوث إليهم وإسماعيل عليه السلام كذلك لأنه بعث إلى جرهم بشريعة أبيه ولم يبعث إبراهيم عليه السلام إليهم ولا يخفى ما فيه. 
ومن باب الإشارة  واذكر في الكتاب إسماعيل إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  \[ مريم : ٥٤ \] بالصبر على بذل نفسه أو بما وعد به استعداده من كمال التقوى لربه جل وعلا والتحلي بما يرضيه سبحانه من الأخلاق.

### الآية 19:55

> ﻿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [19:55]

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكواة  اشتغالاً بالأهم وهو أن يبدأ الرجل بعد تكميل نفسه بتكميل من هو أقرب الناس إليه قال الله تعالى : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين  \[ الشعراء : ٢١٤ \].  وأمُرْ أهْلَكَ بالصَّلاَةِ  \[ طه : ١٣٢ \]  قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً  \[ التحريم : ٦ \] أو قصدا إلى تكميل الكل بتكميلهم لأنهم قدوة يؤتسى بهم. 
وقال الحسن : المراد بأهله أمته لكون النبي بمنزلة الأب لأمته، ويؤيد ذلك أن في مصحف عبد الله وكان يأمر قومه والمراد بالصلاة والزكاة قيل معناهما المشهور، وقيل : المراد بالزكاة مطلق الصدقة، وحكى أنه عليه السلام كان يأمر أهله بالصلاة ليلاً والصدقة نهاراً، وقيل المراد بها تزكية النفس وتطهيرها  وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً  لاستقامة أقواله وأفعاله وهو اسم مفعول وأصله مرضوو فأعل بقلب واوه ياء لأنها طرف بعد واو ساكنة فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وقلبت الضمة كسرة. 
وقرأ ابن أبي عبلة  مرضوا  من غير إعلال، وعن العرب أنهم قالوا : أرض مسنية ومسنوة وهي التي تسقى بالسواني.

### الآية 19:56

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:56]

واذكر فِى الكتاب إِدْرِيسَ  هو نبي قبل نوح وبينهما على ما في **«المستدرك »** عن ابن عباس ألف سنة وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث ابن آدم عليه السلام، وعن وهب بن منبه أنه جد نوح عليه السلام، والمشهور أنه جد أبيه فإنه ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو أول من نظر في النجوم والحساب وجعل الله تعالى ذلك من معجزاته على ما في **«البحر »** وأول من خط بالقلم وخاط الثياب ولبس المخيط وكان خياطاً وكانوا قبل يلبسون الجلود وأول مرسل بعد آدم، وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة وأول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة فقاتل بني قابيل، وعن ابن مسعود أنه إلياس بعث إلى قومه أن يقولوا لا إله إلا الله ويعملوا ما شاؤوا فأبوا وأهلكوا والمعول عليه الأول وإن روى القول بأنه الياس بن أبي حاتم بسند حسن عن ابن مسعود، وهذا اللفظ سرياني عند الأكثرين وليس مشتقاً من الدرس لأن الاشتقاق من غير العربي مما لم يقل به أحد وكونه عربياً مشتقاً من ذلك يرده منع صرفه، نعم لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلقب به لكثرة دراسته  إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً  هو كما تقدم.

### الآية 19:57

> ﻿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [19:57]

وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً  هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى كما روي عن الحسن وإليه ذهب الجبائي. وأبو مسلم، وعن أنس. وأبي سعيد الخدري. وكعب. ومجاهد السماء الرابعة، وعن ابن عباس. والضحاك السماء السادسة وفي رواية أخرى عن الحسن الجنة لا شيء أعلا من الجنة، وعن النابغة الجعدي أنه لما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر الذي آخره :بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا  وإنا لنرجوا فوق ذلك مظهراقال عليه الصلاة والسلام له : إلى أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قال إلى الجنة يا رسول الله قال : أجل إن شاء الله تعالى. 
وعن قتادة أنه عليه السلام يعبد الله تعالى مع الملائكة عليهم السلام في السماء السابعة ويرتع تارة في الجنة حيث شاء، وأكثر القائلين برفعه حسا قائلون بأنه حي حيث رفع، وعن مقاتل أنه ميت في السماء وهو قول شاذ. وسبب رفعه على ما روي عن كعب وغيره أنه مر ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال : يا رب إني مشيت يوماً في الشمس فأصابني منها ما أصابني فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف فقال : يا رب خلقتني لحمل الشمس فماذا الذي قضيت فيه قال : إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته قال : يا رب فاجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلة فأذن له حتى أتى إدريس ثم إنه طلب منه رفعه إلى السماء فأذن الله تعالى له بذلك فرفعه، وأخرج ابن المنذر عن عمر مولى عفرة يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إن إدريس كان نبياً تقياً زكياً وكان يقسم دهره على نصفين ثلاثة أيام يعلم الناس الخير وأربعة أيام يسيح في الأرض ويعبد الله تعالى مجتهداً وكان يصعد من عمله وحده إلى السماء من الخير مثل ما يصعد من جميع أعمال بني آدم وأن ملك الموت أحبه في الله تعالى فأتاه حين خرج للسياحة فقال له : يا نبي الله إني أريد أن تأذن لي في صحبتك فقال له إدريس وهو لا يعرفه : إنك لن تقوى على صحبتي قال : بلى أني أرجو أن يقويني الله تعالى على ذلك فخرج معه يومه ذلك حتى إذا كان من آخر النهار مرا براعي غنم فقال ملك الموت : يا نبي الله إنا لا ندري حيث نمسي فلو أخذنا جفرة من هذه الغنم فافطرنا عليها فقال له : لا تعد إلى مثل هذا أتدعوني إلى أخذ ما ليس لنا من حيث نمسي يأتينا الله تعالى برزق فلما أمسى أتاه الله تعالى بالرزق الذي كان يأتيه فقال لملك الموت تقدم فكل فقال : لا والذي أكرمك بالنبوة ما اشتهى فأكل وحده وقاما جميعاً إلى الصلاة ففتر إدريس ونعس ولم يفتر الملك ولم ينعس فعجب منه وصغرت عنده عبادته مما رأى ثم أصبحا فساحا فلما كان آخر النهار مرا بحديقة عنب فقال له مثل ما قال أولاً فلما أمسيا أتاه الله تعالى بالرزق فدعاه إلى الأكل فلم يأكل وقاما إلى الصلاة وكان من أمرهما ما كان أولاً فقال له إدريس : لا والذي نفسي بيده ما أنت من بني آدم فقال : أجل لست منهم وذكر له أنه ملك الموت فقال : أمرت في بأمر فقال : لو أمرت فيك بأمر ما ناظرتك ولكني أحبك في الله تعالى وصحبتك له فقال له : إنك معي هذه المدة لم تقبض روح أحد من الخلق قال : بلى إني معك وإني أقبض نفس من أمرت بقبض نفسه في مشارق الأرض ومغاربها وما الدنيا كلها عندي إلا كمائدة بين يدي الرجل يتناول منها ما شاء فقال له : يا ملك الموت أسألك بالذي أحببتني له وفيه إلا قضيت لي حاجة أسألكها فقال : سلني يا نبي الله فقال : أحب أن تذيقني الموت ثم ترد على روحي فقال : ما أقدر إلا أن أستأذن فاستأذن ربه تعالى فأذن له فقبض روحه ثم ردها الله تعالى إليه فقال له ملك الموت : يا نبي الله كيف وجدت الموت ؟ قال : أعظم مما كنت أحدث وأسمع ثم سأله رؤية النار فانطلق إلى أحد أبواب جهنم فنادى بعض خزنتها فلما علموا أنه ملك الموت ارتعدت فرائصهم وقالوا : أمرت فينا بأمر فقال لو أمرت فيكم بأمر ما ناظرتكم ولكن نبي الله تعالى إدريس سألني أن تروه لمحة من النار ففتحوا له قدر ثقب المخيط فأصابه ما صعق منه فقال ملك الموت : اغلقوا فغلقوا وجعل يمسح وجه إدريس ويقول : يا نبي الله تعالى ما كنت أحب أن يكون هذا حظك من صحبتي فلما أفاق سأله كيف رأيت ؟ قال : أعظم مما كنت أحدث وأسمع ثم سأله أن يريه لمحة من الجنة ففعل نظير ما فعل قبل فلما فتحوا له أصابه من بردها وطيبها وريحانها ما أخذ بقلبه فقال : يا ملك الموت إني أحب أن أدخل الجنة فآكل أكلة من ثمارها وأشرب شربة من مائها فلعل ذلك أن يكون أشد لطلبتي ورغبتي فدخل وأكل وشرب فقال له ملك الموت : أخرج يا نبي الله تعالى قد أصبت حاجتك حتى يردك الله عز وجل مع الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة فاحتضن بساق شجرة من أشجارها وقال : ما أنا بخارج وإن شئت أن أخاصمك خاصمتك فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت قاضه الخصومة فقال له : ما الذي تخاصمني به يا نبي الله تعالى فقال إدريس : قال الله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت  \[ آل عمران : ٥٨١ \] وقد ذقته وقال سبحانه : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  \[ مريم : ١٧ \] وقد وردتها وقال جل وعلا لأهل الجنة  وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ  \[ الحجر : ٨٤ \] أفأخرج من شيء ساقه الله عز وجل إلي فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت خصمك عبدي إدريس وعزتي وجلالي إن في سابق علمي أن يكون كذلك فدعه فقد احتج عليك بحجة قوية »** الحديث والله تعالى أعلم بصحته وكذا بصحة ما قبله من خبر كعب، وهذا الرفع لاقتضائه علو الشأن ورفعة القدر كان فيه من المدح ما فيه وإلا فمجرد الرفع إلى مكان عال حسا ليس بشيء :فالنار يعلوها الدخان وربما  يعلو الغبار عمائم الفرسانوادعى بعضهم أن الأقرب أن العلو حسي لأن الرفعة المقترنة بالمكان لا تكون معنوية ؛ وتعقب بأن فيه نظراً لأنه ورد مثله بل ما هو أظهر منه كقوله :وكن في مكان إذا ما سقطت  تقوم ورجلك في عافيةفتأمل
ومن باب الإشارة  واذكر في الكتاب إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيَّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً  \[ مريم : ٥٦، ٥٧ \] وهو نوع من القرب من الله تعالى به عليه السلام. 
وقيل : السماء الرابعة والتفضل عليه بذلك لما فيه من كشف بعض أسرار الملكوت أولئك الذين أنعم الله عليهم بما لا يحيط نطاق الحصر به من النعم الجليلة.

### الآية 19:58

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ [19:58]

أولئك  إشارة إلى المذكورين في السورة الكريمة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى : الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم  أي بفنون النعم الدينية الدنيوية حسبما أشير إليه مجملاً خبره على ما استظهره في البحر، والحصر عند القائل به إضافي بالنسبة إلى غير الأنبياء الباقين عليهم الصلاة والسلام لأنهم معروفون بكونهم منعماً عليهم فينزل الانعام على غيرهم منزلة العدم، وقيل : يقدر مضاف أي بعض الذين أنعم الله عليهم وقوله تعالى : مّنَ النبيين  بيان للموصول، وقيل : من تبعيضية بناءً على أن المراد أولئك المذكورون الذين أنعم الله تعالى عليهم بالنعم المعهودة المذكورة هنا فيكون الموضوع والمحمول مخصوصاً بمن سمعت وهم بعض النبيين وعموم المفهوم المراد من المحمول في نفسه ومن حيث هو في الذهن لا ينافي أن يقصد به أمر خاص في الخارج كما لا يخفى ؛ واختير حمل التعريف في الخبر عن الجنس للمبالغة كما في قوله تعالى : ذلك الكتاب  \[ البقرة : ٢ \]، والمحذور مندفع بما ذكرنا و  مِنْ  في قوله سبحانه : مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ  قيل بيانية والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور السابق والمجرور بدل من المجرور بإعادة الجار وهو بدل بعض من كل بناء على أن المراد ذريته الأنبياء وهي غير شاملة لآدم عليه السلام ولا يخفى بعده، وقيل : هي تبعيضية لأن المنعم عليه أخص من الذرية من وجه لشمولها بناءً على الظاهر المتبادر منها غير من أنعم عليه دونه ولا يضر في ذلك كونها أعم منها من وجه لشموله آدم والملك. ومؤمني الجن دونها  وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ  أي ومن ذرية من حملناهم معه عليه السلام خصوصاً وهم من عدا إدريس عليه السلام لما سمعت من أنه قبل نوح. وإبراهيم عليه السلام كان بالإجماع من ذرية سام بن نوح عليهما السلام  وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم  وهم الباقون. 
  وإسرائيل  عطف على  إِبْرَاهِيمَ  أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب عليه السلام وكان منهم موسى وهارون وزكريا. ويحيى. وعيسى. عليهم السلام، وفي الآية دليل على أن أولاد البنات من الذرية لدخول عيسى عليه السلام ولا أب له، وجعل إطلاق الذرية عليه بطريق التغليب خلاف الظاهر  وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينا  عطف على قوله تعالى : مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ  ومن للتبعيض أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق واخترناهم للنبوة والكرامة. 
وجوز أن يكون عطفاً على قوله سبحانه : مّنَ النبيين . ومن للبيان وأورد عليه أن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال : المراد ممن جمعنا له بين النبوة والهداية والاجتباء للكرامة وهو خلاف الظاهر، وقوله تعالى : إِذَا تتلى عَلَيْهِم ءايات الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً  استئناف مساق لبيان خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له سبحانه مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله عز سلطانه. 
وقيل : خبر بعد خبر لاسم الإشارة، وقيل : إن الكلام انقطع عند قوله تعالى : وإسرائيل ، وقوله سبحانه : وَمِمَّنْ هَدَيْنَا  خبر مبتدأ محذوف وهذه الجملة صفة لذلك المحذوف أي وممن هدينا واجتبينا قوم إذا تتلى عليهم الخ، ونقل ذلك عن أبي مسلم، وروى بعض الإمامية عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قال : نحن عنينا بهؤلاء القوم، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر جداً وحال روايات الإمامية لا يخفى على أرباب التمييز، وظاهر صنيع بعض المحققين اختيار أن يكون الموصول صفة لاسم الإشارة على ما هو الشائع فيما بعد اسم الإشارة وهذه الجملة هي الخبر لأن ذلك امدح لهم، ووجه ذلك ظاهر عند من يعرف حكم الأوصاف والأخبار، وسجداً جمع ساجد وكذا بكيا جمع باك كشاهد وشهود وأصله بكوى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وحركت الكاف بالكسر لمناسبة الياء وجمعه المقيس بكاة كرام ورماة إلا أنه لم يسمع على ما في **«البحر »** وهو مخالف لما في **«القاموس »** وغيره، وجوز بعضهم أن يكون مصدر بكى كجلوساً مصدر جلس وهو خلاف الظاهر، نعم ربما يقتضيه ما أخرجه ابن أبي الدنيا في البكاء. وابن جرير. وابن أبي حاتم. والبيهقي في الشعب عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال : هذا السجود فأين البكى، وزعم ابن عطية أن ذلك متعين في قراءة عبد الله. ويحيى. والأعمش. وحمزة. والكسائي  بكيا  بكسر أوله وليس كما زعم لأن ذلك اتباع، وظاهر أنه لا يعين المصدرية. ونصب الاسمين على الحالية من ضمير  خَرُّواْ  أي ساجدين وباكين والأول حال مقدرة كما قال الزجاج، والظاهر أن المراد من السجود معناه الشرعي والمراد من الآيات ما تضمنته الكتب السماوية سواء كان مشتملاً على ذكر السجود أم لا وسواء كان متضمناً لذكر العذاب المنزل بالكفار أم لا، ومن هنا استدل بالآية على استحباب السجود والبكاء عند تلاوة القرآن. 
وقد أخرج ابن ماجه. وإسحاق بن راهويه. والبزار في مسنديهما من حديث سعيد بن أبي وقاص مرفوعاً " أتلوا القرآن وأبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا " وقيل : المراد من السجود سجود التلاوة حسبما تعبدنا به عند سماع بعض الآيات القرآنية فالمراد بآيات الرحمن آيات مخصوصة متضمنة لذكر السجود، وقيل : المراد منه الصلاة وهو قول ساقط جداً، وقيل : المراد منه الخشوع والخضوع، والمراد من الآيات ما تضمن العذاب المنزل بالكفار وهذا قريب من سابقه، ونقل الجلال السيوطي عن الرازي أنه استدل بالآية على وجوب سجود التلاوة وهو كما قال الكيا : بعيد، وذكروا أنه ينبغي أن يدعو الساجد في سجدته بما يليق بآياتها فههنا يقول : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك، وفي آية الإسراء اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك، وفي آية تنزيل السجدة اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك ورحمتك وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وقرأ عبد الله. وأبو جعفر. وشيبة. وشبل بن عباد. وأبو حيوة. وعبد الله بن أحمد العجلي عن حمزة. وقتيبة في رواية. وورش في رواية النحاس. وابن ذكوان في رواية التغلبي  يتلى  بالياء التحتية لأن التأنيث غير حقيقي ولوجود الفاصل. 
ومن باب الإشارة  أُولَئِكَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين  مما كشف لهم من آياته تعالى، وقد ذكر أن القرآن أعظم مجلى لله عز وجل. 
 وَبُكِيّاً  \[ مريم : ٥٨ \] من مزيد فرحهم بما وجدوه أو من خوف عدم استمرار ما حصل لهم من التجلي :ونبكي إن نأوا شوقاً إليهم  ونبكي إن دنوا خوف الفراق

### الآية 19:59

> ﻿۞ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [19:59]

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ  أي جاء بعدهم عقب سوء فإن المشهور في الخلف ساكن اللام ذلك والمشهور في مفتوح اللام ضده، وقال أبو حاتم : الخلف بالسكون الأولاد الجمع والواحد فيه سواء وبالفتح البدل ولداً كان أو غيره، وقال النضر بن شميل : الخلف بالتحريك والإسكان القرن السوء أما الصالح فالتحريك لا غير، وقال ابن جرير : أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام وفي الذم بتسكينها وقد يعكس، وعلى استعمال المفتوح في الذم جاء قول لبيد :ذهب الذين يعاش في أكنافهم  وبقيت في خلف كجلد الأجرب أضَاعُوا الصَّلاةَ  وقرأ عبد الله. والحسن. وأبو رزين العقيلي. والضحاك. وابن مقسم  الصلوات  بالجمع وهو ظاهر، ولعل الأفراد للاتفاق في النوع، وإضاعتها على ما روي عن ابن مسعود. والنخعي. والقاسم بن مخيمرة. ومجاهد. وإبراهيم. وعمر بن عبد العزيز تأخيرها عن وقتها، وروى ذلك الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، واختار الزجاج أن إضاعتها الاختلال بشروطها من الوقت وغيره، وقيل : إقامتها في غير جماعة، وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أن إضاعتها تركها، وقيل : عدم اعتقاد وجوبها، وعلى هذا الآية في الكفار وعلى ما قبله لا قطع، واستظهر أنها عليه في قوم مسلمين بناءً على أن الكفار غير مكلفين بالفروع إلا أن يقال : المراد أن من شأنهم ذلك فتدبر، وعلى ما قبلهما في قوم مسلمين قولاً واحداً. 
والمشهور عن ابن عباس. ومقاتل أنها في اليهود، وعن السدي أنها فيهم وفي النصارى، واختير كونها في الكفرة مطلقاً لما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً وعليه بنى حسن موقع حكاية قول جبريل عليه السلام الآتي، وكونها في قوم مسلمين من هذه الأمة مروى عن مجاهد. وقتادة. وعطاء. وغيرهم قالوا : إنهم يأتون عند ذهاب الصالحين يتبادرون بالزنا ينزو بعضهم على بعض في الأزقة كالأنعام لا يستحيون من الناس ولا يخافون من الله تعالى : واتبعوا الشهوات  وانهمكوا في المعاصي المختلفة الأنواع، وفي **«البحر »**  الشهوات  عام في كل مشتهى يشغل عن الصلاة وعن ذكر الله تعالى، وعد بعضهم من ذلك نكاح الأخت من الأب وهو على القول بأن الآية فيما يعم اليهود لأن من مذهبهم فيما قيل ذلك وليس بحق. والذي صح عنهم أنهم يجوزون نكاح بنت الأخ وبنت الأخت ونحوهما، وعن علي كرم الله تعالى وجهه من بني المشيد وركب المنظور ولبس المشهور  فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً  أخرج ابن جرير. والطبراني. وغيرهما من حديث أبي أمامة مرفوعاً أنه نهر في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهل النار وفيه لو أن صخرة زنة عشر عشراوات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام، ويعلم منه سر التعبير بسوف يلقون. 
 وأخرج جماعة من طرق عن ابن مسعود أنه قال : الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات، وحكى الكرماني أنه آبار في جهنم يسيل إليها الصديد والقيح. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن الغي السوء، ومن ذلك قول مرقش الأصغر :فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره  ومن يغو لا يعدم على الغي لائماًوعن ابن زيد أنه الضلال وهو المعنى المشهور، وعليه قيل المراد جزاء غي. وروي ذلك عن الضحاك واختاره الزجاج، وقيل : المراد غياً عن طريق الجنة. وقرئ فيما حكى الأخفش  يُلْقُون  بضم الياء وفتح اللام وشد القاف.

### الآية 19:60

> ﻿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [19:60]

إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صالحا  استثناء منقطع عند الزجاج. وقال في **«البحر »** : ظاهره الاتصال، وأيد بذكر الإيمان كون الآية في الكفرة أو عامة لهم ولغيرهم لأن من آمن لا يقال إلا لمن كان كافراً إلا بحسب التغليظ، وحمل الإيمان على الكامل خلاف الظاهر، وكذا كون المراد إلا من جمع التوبة والإيمان، وقيل : المراد من الإيمان الصلاة كما في قوله تعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم  \[ البقرة : ١٤٣ \] ويكون ذكره في مقابلة إضاعة الصلاة وذكر العمل الصالح في مقابلة اتباع الشهوات  فَأُوْلَئِكَ  المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح  يَدْخُلُونَ الجنة  بموجب الوعد المحتوم، ولا يخفى ما في ترك التسويف مع ذكر أولئك من اللطف. 
وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو. وأبو بكر. ويعقوب  يَدْخُلُونَ  بالبناء للمفعول من أدخل. وقرأ ابن غزوان عن طلحة **«سيدخلون »** بسين الاستقبال مبنياً للفاعل  وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً  أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً أو لا ينقصون شيئاً من النقص، وفيه تنبيه على أن فعلهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم. واستدل المعتزلة بالآية على أن العمل شرط دخول الجنة. وأجيب بأن المراد  يَدْخُلُونَ الجنة  بلا تسويف بقرينة المقابلة وذلك بتنزيل الزمان السابق على الدخول لحفظهم فيه عما ينال غيرهم منزلة العدم فيكون العمل شرطاً لهذا الدخول لا للدخول مطلقاً، وأيضاً يجوز أن يكون شرطاً لدخول جنة عدن لا مطلق الجنة، وقيل هو شرط لعدم نقص شيء من ثواب الأعمال وهو كما ترى، وقيل غير ذلك. واعترض بعضهم على القول بالشرطية بأنه يلزم أن لا يكون من تاب وآمن ولم يتمكن من العمل الصالح يدخل الجنة. وأجيب بأن ذلك من الصور النادرة والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب فتأمل.

### الآية 19:61

> ﻿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [19:61]

جنات عَدْنٍ  بدل من  الجنة  \[ مريم : ٦٠ \] بدل البعض لاشتمالها عليها اشتمال الكل على الجزء بناءً على ما قيل : إن  جنات عَدْنٍ  علم لإحدى الجنات الثمان كعلمية بنات أوبر. وقيل : إن العلم هو جنة عدن إلا أنه أقيم الجزء الثاني بعد حذف الأول مقام المجموع كما في شهر رمضان فكان الأصل جنات جنة عدن. والذي حسن هذه الإقامة أن المعتبر علميته في المنقول الإضافي هو الجزء الثاني حتى كأنه نقل وحده كما قرر في موضعه من كتب النحو المفصلة. وفي **«الكشف »** إذا كانت التسمية بالمضاف والمضاف إليه جعلوا المضاف إليه في نحوه مقدر العلمية لأن المعهود في كلامهم في هذا الباب الإضافة إلى الأعلام والكنى فإذا أضافوا إلى غيرها أجروه مجراها كأبي تراب ألا ترى أنهم لا يجوزون إدخال اللام في ابن داية وأبي ترابي ويوجبونه في نحو امرىء القيس وماء السماء كل ذلك نظراً إلى أنه لا يغير من حاله كالعلم إلى آخر ما فيه. 
ويدل على ذلك أيضاً منعه من الصرف في بنات أوبر. وأبي قترة. وابن داية إلى غير ذلك فجنات عدن على القولين معرفة أما على الأول فللعلمية، وأما على الثاني فللإضافة المذكورة وإن لم يكن عدن في الأصل علماً ولا معرفة بل هو مصدر عدن بالمكان يعدن ويعدن أقام به. واعتبار كون عدن قبل التركيب علماً لإحدى الجنات يستدعي أن تكون الإضافة في  جَنَّةُ عَدْنٍ  من إضافة الأعم مطلقاً إلى الأخص بناءً على أن المتبادر من الجنة المكان المعروف لا الأشجار ونحوها وهي لا تحسن مطلقاً بل منها حسن كشجر الأراك ومدينة بغداد ومنها قبيح كإنسان زيد ولا فارق بينهما إلا الذوق وهو غير مضبوط. 
وجوز أن يكون **«عدن »** علماً للعدن بمعنى الإقامة كسحر علم للسحر وأمس للأمس وتعريف **«جنات »** عليه ظاهر أيضاً، وإنما قالوا ما قالوا تصحيحاً للبدلية لأنه لو لم يعتبر التعريف لزم إبدال النكرة من المعرفة وهو على رأي القائل لا يجوز إلا إذا كانت النكرة موصوفة وللوصفية بقوله تعالى : التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ  وجوز أبو حيان اعتبار  جنات عَدْنٍ  نكرة على معنى جنات إقامة واستقرار وقال : إن دعوى إن عدنا علم لمعنى العدن يحتاج إلى توقيف وسماع من العرب مع ما في ذلك مما يوهم اقتضاء البناء. وكذا دعوى العلمية الشخصية فيه. وعدم جواز إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة شيء قاله البغداديون وهم محجوجون بالسماع. ومذهب البصريين جواز الإبدال وإن لم تكن النكرة موصوفة **«١ »** وقال أبو علي : يجوز ذلك إذا كان في إبدال النكرة فائدة لا تستفاد من المبدل منه مع أنه لا تتعين البدلية لجواز النصب على المدح، وكذا لا يتعين كون الموصول صفة لجواز الإبدال اه بأدنى زيادة. 
وتعقب إبدال الموصول بأنه في حكم المشتق. وقد نصوا على أن إبدال المشتق ضعيف. ولعل أبا حيان لا يسلم ذلك. ثم إنه جوز كون  جنات عَدْنٍ  بدل كل. وكذا جوز كونه عطف بيان. وجملة  لاَ يُظْلَمُونَ  \[ مريم : ٦٠ \] على وجهي البدلية. والعطف اعتراض أو حال. وقرأ الحسن. وأبو حيوة. وعيسى بن عمر. والأعمش. وأحمد بن موسى عن أبي عمرو  جنات عَدْنٍ  بالرفع، وخرجه أبو حيان على أنه خبر مبتدأ محذوف أي تلك جنات، وغيره على أنها مبتدأ والخبر الموصول. وقرأ الحسن بن حي. وعلي بن صالح  جنات عَدْنٍ  بالنصب والإفراد ورويت عن الأعمش وهي كذلك في مصحف عبد الله. 
وقرأ اليماني. والحسن في رواية. وإسحاق الأزرق عن حمزة  جَنَّةُ عَدْنٍ  بالرفع والإفراد والعائد إلى الموصول محذوف أي وعدها الرحمن، والتعرض لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعدها وإنجازه لكما سعة رحمته سبحانه وتعالى، والباء في قوله عز وجل : بالغيب  للملابسة وهي متعلقة بمضمر هو حال من العائد أو  مِنْ عِبَادِهِ  أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين بالغيب أي غائبة عنهم غير حاضرة أو غائبين عنها لا يرونها أو للسببية وهي متعلقة بوعد أي وعدها إياهم بسبب تصديق الغيب الإيمان به، وقيل : هي صلة  عِبَادِهِ  على معنى الذين يعبدونه سبحانه بالغيب أي في السر وهو كما ترى  أَنَّهُ  أي الرحمن، وجوز كون الضمير للشأن  كَانَ وَعْدُهُ  أي موعوده سبحانه وهو الجنات كما روي عن ابن جريج أو موعوده كائناً ما كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً كما قيل، وجوز إبقاء الوعد على مصدريته وإطلاقه على ما ذكر للمبالغة. 
والتعبير بكان للإيذان بتحقق الوقوع أي كان ذلك  مَأْتِيّاً  أي يأتيه من وعد له لا محالة، وقيل : مَأْتِيّاً  مفعول بمعنى فاعل أي آتيا، وقيل : هو مفعول من أتى إليه إحساناً أي فعل به ما يعد إحساناً وجميلاً والوعد على ظاهره. ومعنى كونه مفعولاً كونه منجزاً لأن فعل الوعد بعد صدوره وإيجاده إنما هو تنجيزه أي إنه كان وعده عباده منجزاً.

### الآية 19:62

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:62]

لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً  فضول كلام لا طائل تحته بل هو جار مجرى اللغاء وهو صوت العصافير ونحوها من الطير. والكلام كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها، وفيه تنبيه على أن اللغو مما ينبغي أن يجتنب عنه في هذه الدار ما أمكن، وعن مجاهد تفسير اللغو بالكلام المشتمل على السب، والمراد لا يتسابون والتعميم أولى  إِلاَّ سلاما  استثناء منقطع، والسلام إما بمعناه المعروف أي لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم السلام عليهم أو تسليم بعضهم على بعض أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص أي لكن يسمعون كلاماً سالماً من العيب والنقص، وجوز أن يكون متصلاً وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قوله :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم  بهن فلول من قراع الكتائبوهو يفيد نفي سماع اللغو بالطريق البرهاني الأقوى. والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة، وقيل : اتصال الاستثناء على أن معنى السلام الدعاء بالسلامة من الآفات وحيث أن أهل الجنة أغنياء عن ذلك إذ لا آفة فيها كان السلام لغواً بحسب الظاهر وإن لم يكن كذلك نظراً للمقصود منه وهو الإكرام وإظهار التحابب، ولذا كان لائقاً بأهل الجنة. 
 وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  وارد على عادة المتنعمين في هذه الدار، أخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال : كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة فمن أصاب أكلتين سمي فلان الناعم فأنزل الله تعالى هذا يرغب عباده فيما عنده، وروي نحو ذلك عن الحسن، وقيل : المراد دوام رزقهم ودروره وإلا فليس في الجنة بكرة ولا عشي لكن جاء في بعض الآثار أن أهل الجنة يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، وأخرج الحكيم الترمذي في **«نوادر الأصول »** من طريق أبان عن الحسن. وأبي قلابة قالا :" جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هل في الجنة من ليل ؟ قال : وما هيجك على هذا ؟ قال : سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب  وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  فقلت : الليلة من البكرة والعشي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام ". 
ومن باب الإشارة  وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  \[ مريم : ٦٢ \] قيل : الرزق ههنا مشاهدة الحق سبحانه ورؤيته عز وجل وهذا لعموم أهل الجنة وأما المحبوبون والمشتاقون فلا تنقطع عنهم المشاهدة لمحة ولو حجبوا لماتوا من ألم الحجاب

### الآية 19:63

> ﻿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [19:63]

تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً  استئناف جيء به لتعظيم شأن الجنة وتعيين أهلها فاسم الإشارة مبتدأ  والجنة  خبر له والموصول صفة لها والجملة بعده صلته والعائد محذوف أي نورثها، وبذلك قرأ الأعمش. وقرأ الحسن. والأعرج. وقتادة. ورويس. وحميد. وابن أبي عبلة. وأبو حيوة. ومحبوب عن أبي عمرو  التي نُورِثُ  بفتح الواو وتشديد الراء والمراد نبقيها على من كان تقياً من ثمرة تقواه ونمتعه بها كما نبقى على الوارث مال مورثه ونمتعه به فالإيراث مستعار للإبقاء، وإيثاره على سائر ما يدل على ذلك كالبيع والهبة لأنه أتم أنواع التمليك من حيث أنه لا يعقب بفسح ولا استرجاع ولا إبطال، وقيل : يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال : ليس من أحد الأوله في الجنة منزل وأزواج فإذا كان يوم القيامة ورث الله تعالى المؤمن كذا وكذا منزلا من منازل الكفار وذلك قوله تعالى : تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ  الآية، ولا يخفى أن هذا إن صح فيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس وإلا فقد قيل عليه : إنه ضعيف لأنه يدل على أن بعض الجنة موروث والنظم الجليل يدل على أنها كلها كذلك ولأن الإيراث ينبئ عن ملك سابق لا على فرضه مع أنه لا داعي للفرض هنا لكن تعقب بأنه يكفي في الإيراث كون الموروث كان موجوداً لكن بشرط التقوى بناء على ما ذهب إليه بعضهم في قوله تعالى : جنات عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ  \[ مريم : ٦١ \] حيث قال : المراد من العباد ما يعم المؤمن التقي وغيره ووعد غير المؤمن اتقي مشروط بالإيمان والتوقى، نعم اختار الأكثرون أن المراد من العباد هناك المتقون والمراد منهم هنا الأعم، والمراد من التقي من آمن وعمل صالحاً على ما قيل، ولا دلالة في الآية على أن غيره لا يدخل الجنة مطلقاً، وأخرج ابن أبي حاتم عن داود بن أبي هند أنه الموحد فتذكر ولا تغفل.

### الآية 19:64

> ﻿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [19:64]

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ  حكاية قول جبرائيل صلوات الله تعالى وسلامه عليه، فقد روي أنه احتبس عنه صلى الله عليه وسلم أياما حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر عليه الصلاة والسلام كيف يجيب حتى حزن واشتد عليه ذلك وقال المشركون : إن ربه ودعه وقلاه فلما نزل قال له عليه الصلاة والسلام : يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال : إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست وأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الضحى قاله غير واحد، فهو من عطف القصة على القصة على ما قاله الخفاجي. وفي الكشف وجه وقوع ذلك هذا الموقع أنه تعالى لما فرغ من أقاصيص الأنبياء عليهم السلام تثبيتاً له صلى الله عليه وسلم وذنب بما أحدث بعدهم الخلوف واستثنى الإخلاف وذكر جزاء الفريقين عقب بحكاية نزول جبريل عليه السلام وما رماه المشركون به من توديع ربه سبحانه إياه زيادة في التسلية وإن الأمر ليس على ما زعم هؤلاء الخلوف وأدمج فيه مناسبته لحديث التقوى بما دل على أنهم مأمورون في حركة وسكون منقادون مفوضون لطفاً له ولأمته صلى الله عليه وسلم ولهذا صرح بعده بقوله تعالى : فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ  \[ مريم : ٦٥ \] وفيه انك لا ينبغي أن تكترث بمقالة المخالفين إلى أن تلقى ربك سعيداً، وعطف عليه مقالة الكفار بياناً لتباين ما بين المقالتين وما عليه الملك المعصوم والإنسان الجاهل الظلوم فهو استطراد شبيه بالاعتراض حسن الموقع انتهى، ولا يأبى ما تقدم في سبب النزول ما أخرجه أحمد. والبخاري. والترمذي. والنسائي. وجماعة في سببه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال :**«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت  وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ  »** لجواز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أثناء محاورته السابقة أيضاً واقتصر في كل رواية على شيء مما وقع في المحاورة، وقيل : يجوز أن يكون النزول متكرراً نعم ما ذكر في التوجيه إنما يحسن على بعض الروايات السابقة في المراد بالخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. 
وقال بعضهم : إن التقدير هذا، وقال جبريل : وما نتنزل الخ وبه يظهر حسن العطف ووجهه انتهى وتعقب بأنه لا محصل له. وحكى النقاش عن قوم أن الآية متصلة بقول جبريل عليه السلام أولاً  إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لأِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً  \[ مريم : ١٩ \] وهو قول نازل عن درجة القبول جداً، والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل يقال نزلته فتنزل، وقد يطلق بمعنى النزول مطلقاً كما يطلق نزل بمعنى أنزل، وعلى ذلك قوله :فلست لإنسى ولكن لملأك  تنزل من جو السماء يصوبإذ لا أثر للتدرج في مقصود الشاعر، والمعنى ما نتنزل وقتاً غب وقت إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته سبحانه، وقرأ الأعرج  وما يتنزل  بالياء والضمير للوحي بقرينة الحال، وسبب النزول والكلام لجبريل عليه السلام، وقيل : إن الضمير له عليه السلام والكلام له عز وجل أخبر سبحانه أنه لا يتنزل جبريل إلا بأمره تعالى قائلاً : لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا  ما قدامنا من الزمان المستقبل  وَمَا خَلْفَنَا  من الزمان الماضي  وَمَا بَيْنَ ذلك  المذكور من الزمان الحال فلا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره سبحانه ومشيئته عز وجل، وقال ابن جريج : ما بين الأيدي هو ما مر من الزمان قبل الإيجاد وما خلف هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة وما بين ذلك هو مدة الحياة، وقال أبو العالية : ما بين الأيدي الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى وما خلف ذلك الآخرة من وقت البعث وما بين ذلك ما بين النفختين وهو أربعون سنة، وفي كتاب التحرير والتحبير ما بين الأيدي الآخرة وما خلف الدنيا ورواه العوفي عن ابن عباس وبه قال ابن جبير. وقتادة ومقاتل. وسفيان، وقال الأخفش : ما بين الأيدي هو ما قبل الخلق وما خلف هو ما بعد الفناء وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة فلما آت على هذه الأقوال من الزمان. 
وقال صاحب الفنيان : ما بين أيدينا السماء وما خلفنا الأرض وما بين ذلك ما بين الأرض والسماء، وقيل : ما بين الأيدي الأرض وما خلف السماء وقيل : ما بين الأيدي المكان الذي ينتقلون إليه وما خلف المكان الذي ينتقلون منه وما بين ذلك المكان الذي هم فيه فالما آت من الأمكنة، واختار بعضهم تفسيرها بما يعم الزمان والمكان، والمراد أنه تعالى المالك لكل ذلك فلا ننتقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه عز وجل. 
وقال البغوي : المراد له علم ما بين أيدينا الخ أي فلا نقدم على ما لم يكن موافق حكمته سبحانه وتعالى :
واختار بعضهم التعميم أي له سبحانه ذلك ملكاً وعلماً  وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  أي تاركاً أنبياءه عليهم السلام ويدخل صلى الله عليه وسلم في ذلك دخولاً أولياً أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ولم يكن عن ترك الله تعالى لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة بالغة، وقيل : النسيان على ظاهره يعني أنه سبحانه لإحاطة علمه وملكه لا يطرأ عليه الغفلة والنسيان حتى يغفل عنك وعن الإيحاء إليك وإِنما كان تأخير الإيحاء لحكمة علمها جل شأنه، واختير الأول لأن هذا المعنى لا يجوز عليه سبحانه فلا حاجة إلى نفيه عنه عز وجل مع أن الأول هو الأوفق لسبب النزول. 
ورجح الثاني بأنه أوفق بصيغة المبالغة فإنها باعتبار كثرة من فرض التعلق به وهي أتم على الثاني مع ما في ذلك من إبقاء اللفظ على حقيقته، وكثيراً ما جاء في القرآن نفي ما لا يجوز عليه سبحانه وتعالى وفيه نظر، نعم لا شبهة في أن المتبادر الثاني وأمر الأوفقية لسبب النزول سهل، وفي إعادة اسم الرب المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بعلة الحكم ما لا يخفى، وقال أبو مسلم. وابن بحر : أول الآية إلى  وَمَا بَيْنَ ذلك  من كلام المتقين حين يدخلون الجنة والتنزل فيه من النزول في المكان، والمعنى وما نحل الجنة ونتخذها منازل إلا بأمر ربك تعالى ولطفه وهو سبحانه مالك الأمور كلها سالفها ومترقبها وحاضرها فما وجدنا وما نجده من لطفه وفضله، وقوله سبحانه : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  تقرير من جهته تعالى لقوله أي وما كان سبحانه تاركاً لثواب العاملين أو ما كان ناسياً لأعمالهم والثواب عليها حسبما وعد جل وعلا، وفيه أن حمل التنزل على ما ذكر خلاف الظاهر. وأيضاً مقتضاه بأمر ربنا لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في الوجه الأول غير ظاهر إلا أن يكون حكاه الله تعالى على المعنى لأن ربهم وربه واحد ولو حكى على لفظهم لقيل ربنا، وإنما حكى كذلك ليجعل تمهيداً لما بعده، وكون ذلك خطاب جماعة المتقين لواحد منهم بعيد وكذا **«وما كان ربك نسيا »** إذ لم يقل ربهم. وأيضاً لا يوافق ذلك سبب النزول بوجه، وكأن القائل إنما اختاره ليناسب الكلام ما قبله ويظهر عطفه عليه. وقد تحقق أنا في غنى عن ارتكابه لهذا الغرض.

### الآية 19:65

> ﻿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [19:65]

وقوله تعالى : رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا  بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن من بيده ملكوت السموات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحة عظمته وجلاله الغفلة والنسيان أو ترك وقلاء من اختاره واصطفاه لتبليغ رسالته، و **«رب »** خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السموات الخ أو بدل من  رَبَّكَ  في قوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  \[ مريم : ٦٤ \] والفاء في قوله سبحانه  فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ  لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما، وقيل : من كونه تعالى غير تارك له عليه الصلاة والسلام أو غير ناس لأعمال العاملين، والمعنى فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية الكاملة فاعبده الخ فإن إيجاب معرفته سبحانه كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفت أنه عز وجل لا ينساك أو لا ينسى أعمال العاملين فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ولا تحزن بإبطاء الوحي وكلام الكفرة فإنه سبحانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا والآخرة. 
وجوز أبو البقاء أن يكون  رَبّ السموات  مبتدأ والخبر  فاعبده  والفاء زائدة على رأي الأخفش وهو كما ترى. 
وجوز الزمخشري أن يكون قوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  \[ مريم : ٦٤ \] من تتمة كلام المتقين على تقدير أن يكون  رَبّ  خبر مبتدأ محذوف ولم يجوز ذلك على تقدير الابدال لأنه لا يظهر حينئذ ترتب قوله سبحانه : فاعبده  الخ عليه لأنه من كلام الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا بلا شك، وجعله جواب شرط محذوف على تقدير ولما عرفت أحوال أهل الجنة وأقوالهم فأقبل على العمل لا يلائم كما في الكشف فصاحة التنزيل للعدول عن السبب الظاهر إلى الخفي، وتعدية الاصطبار باللام مع أن المعروف تعديته بعلى كما في قوله تعالى : واصطبر عليها  \[ طه : ١٣٢ \] لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمبارز : اصطبر لقرنك أي أثبت له فيما يورد عليك من شداته، وفيه إشارة إلى ما يكابد من المجاهدة وأن المستقيم من ثبت لذلك ولم يتزلزل وشمة من معنى رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. 
 هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  أي مثلا كما جاء في رواية جماعة عن ابن عباس. ومجاهد. وابن جبير. وقتادة وأصله الشريك في الاسم، وإطلاقه على ذلك لأن الشركة في الاسم تقتضي المماثلة، وقال ابن عطية : السمى على هذا بمعنى المسامى والمضاهي، وأبقاه بعضهم على الأصل، واستظهر أن يراد ههنا الشريك في اسم خاص قد عبر عنه تعالى بذلك وهو رب السموات والأرض، وقيل : المراد هو الشريك في الاسم الجليل فإن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلا، وقيل : المراد هو الشريك فيما يختص به تعالى كالاسم الجليل والرحمن، ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً ؛ وقيل : هو الشريك في اسم الاله، والمراد بالتسمية التسمية على الحق وأما التسمية على الباطل فهي كلا تسمية، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك قال : السمى الولد وأنشد له قول الشاعر :

أما السمى فأنت منه مكثر  والمال مال يغتدي ويروحوروي ذلك أيضاً عن الضحاك، وأياً ما كان فالمراد بإنكار العلم ونفيه إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجه وآكده، والجملة تقرير لوجوب عبادته عز وجل وإن اختلف الاعتبار حسب اختلاف الأقوال فتدبر. 
وقرأ الاخوان. وهشام. وعلي بن نصر. وهارون كلاهما عن أبي عمرو. والحسن. والأعمش والأعمش وعيسى. وابن محيصن  هتعلم  بإدغام اللام في التاء وهو على ما قال أبو عبيدة لغة كالإظهار وأنشدوا لذلك قول مزاحم العقيلي :فذرذا ولكن هتعين متيما  على ضوء برق آخر الليل ناصبومن باب الإشارة  رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  \[ مريم : ٦٥ \] مثلا يلتفت إليه ويطلب منه شيء، وقال الحسين بن الفضل : هل يستحق أحد أن يسمى باسم من أسمائه تعالى على الحقيقة

### الآية 19:66

> ﻿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [19:66]

وَيَقُولُ الإنسان إِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً  أخرج ابن النذر عن ابن جريج أنها نزلت في العاصي بن وائل، عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل : في أبي جهل، وعن الكلبي في أبي بن خلف أخذ عظاماً باليا فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول : زعم فلان أنا نبعث بعد أن نموت ونكون مثل هذا إن هذا شيء لا يكون أبداً فأل في  الإنسان  على ما قيل للعهد والمراد به أحد هؤلاء الأشخاص، وقيل : المراد بالإنسان جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون للبعث. 
وقال غير واحد : يجوز أن تكون أل للجنس ويكون هناك مجاز في الطرف بأن يطلق جنس الإنسان ويراد بعض أفراده كما يطلق الكل على بعض أجزائه أو يكون هناك مجاز في الإسناد بأن يسند إلى الكل ما صدر عن البعض كما يقال : بنو فلان قتلوا قتيلاً والقاتل واحد منهم، ومن ذلك قوله :
فسيف بني عبس وقد ضربوا \*\*\*
نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
واعترض هذا بأنه يشترط لصحة ذلك الإسناد رضا الباقين بالفعل أو مساعدتهم عليه حتى يعد كأنه صدر منهم، ولا شك أن بقية أفراد الإنسان من المؤمنين لم يرضوا بهذا القول. وأجاب بعض مشترطي ذلك للصحة بأن الإنكار مركوز في طبائع الكل قبل النظر في الدليل فالرضا حاصل بالنظر إلى الطبع والجبلة. 
وقال الخفاجي : الحق عدم اشتراط ذلك لصحته وإنما يشترط لحسنه نكتة يقتضيها مقام الكلام حتى يعد الفعل كأنه صدر عن الجميع فقد تكون الرضا وقد تكون المظاهرة وقد تكون عدم الغوث والمدد ولذا أوجب الشرع القسامة والدية وقد تكون غير ذلك، وكأن النكتة هنا انه لما وقع بينهم إعلان قول لا ينبغي أن يقال مثله وإذا قيل لا ينبغي أن يترك قائله بدون منه أو قتل جعل ذلك بمنزلة الرضا حثا لهم على إنكاره قولاً أو فعلاً انتهى. 
وقيل : لعل الحق أن الإسناد إلى الكل هنا للإشارة إلى قلة المؤمنين بالبعث على الوجه الذي أخبر به الصادق  وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين  \[ يوسف : ١٠٣ \] فتأمل، وعبر بالمضارع إما استحضار للصورة الماضية لنوع غرابة، وإما لإفادة الاستمرار التجددي فإن هذا القول لا يزال يتجدد حتى ينفخ في الصور، والهمزة للإنكار وإذا ظرف متعلق بفعل محذوف دل عليه  أَخْرَجَ  ولم يجوزوا تعلقه بالمذكور لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبله، وعد ابن عطية توسط سوف مانعاً من العمل أيضاً، ورد عليه بقوله :فلما رأته آمنا هان وجدها  وقالت أبونا هكذا سوف يفعلوغير ذلك مما سمع، ونقل عن الرضي أنه جعل إذاً هنا شرطية وجعل عاملها الجزاء وقال : إن كلمة الشرط تدل على لزوم الجزاء للشرط، ولتحصيل هذا الغرض عمل في إذا جزاؤه مع كونه بعد حرف لا يعمل ما بعده فيما قبله كالفاء في  فَسَبّحْ  \[ الحجر : ٩٨ \] وإن في قولك : إذا جئتني فإني مكرم ولام الابتداء في قوله تعالى : أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ، ومختار الأكثرين أن إذا هنا طرفية، وما ذكره الرضي ليس بمتفق عليه، وتحقيق ذلك في كتب العربية، وفي الكلام معطوف محذوف لقيام القرينة عليه أي ائذا ما مت وصرت رميماً لسوف الخ. 
واللام هنا لمجرد التوكيد، ولذا ساغ اقترانها بحرف الاستقبال، وهذا على القول بأنه إذا دخلت المضارع خلصته للحال، وأما على القول بأنها لا تخلصه فلا حاجة إلى دعوى تجريدها للتوكيد لكن الأول هو المشهور وما في  إِذَا مَا  للتوكيد أيضاً. والمراد من الإخراج الإخراج من الأرض أو من حال الفناء والخروج على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز عن الانتقال من حال إلى أخرى، وإيلاء الظرف همزة الإنكار دون الإخراج لأن ذلك الإخراج ليس بمنكر مطلقاً وإنما المنكر كونه وقت اجتماع الأمرين فقدم الظرف لأنه محل الإنكار، والأصل في المنكر أن يلي الهمزة، ويجوز أن يكون المراد إنكار وقت ذلك بعينه أي إنكار مجيء وقت فيه حياة بعد الموت يعني أن هذا الوقت لا يكون موجوداً وهو أبلغ من إنكار الحياة بعد الموت لما أنه يفيد إنكاره بطريق برهاني، وبعضهم لم يقدر معطوفاً واعتبر زمان الموت ممتدا لا أول زهوق الروح كما هو المتبادر، وقيل : لا حاجة إلى جميع ذلك لأنهم إذا أحالوه في حالة الموت علم احالته إذا كانوا رفاتاً بالطريق الأولى، وأيا ما كان فلا اشكال في الآية. 
وقرأ جماعة منهم ابن ذكوان بخلاف عنه  إِذَا  بدون همزة الاستفهام وهي مقدرة معه لدلالة المعنى على ذلك، وقيل : لا تقدير والمراد الأخبار على سبيل الهزء والسخرية بمن يقول ذلك. وقرأ طلحة بن مصرف  سأخرج  بسين الاستقبال وبغير لام، وعلى ذلك تكون إذاً متعلقة بالفعل المذكور على الصحيح، وفي رواية أخرى عنه  لسأخرج  بالسين واللام. وقرأ الحسن. وأبو حيوة  كَمَا أَخْرَجَ  مبنياً للفاعل.

### الآية 19:67

> ﻿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [19:67]

أَوْ لاَ يَذْكُرُ الإنسان  من الذكر الذي يراد به التفكر، والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار بأن الإنسانية من دواعي التفكر فيما جرى عليه من شؤون التكوين المانعة عن القول المذكور وهو السر في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان على ما قيل. والهمزة للإنكار التوبيخي وهي على أحد المذهبين المشهورين في مثل هذا التركيب داخلة على محذوف معطوف عليه ما بعد والتقدير ههنا أيقول ذلك ولا يذكر  أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ  أي من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه، وقيل : أي من قبل بعثه  وَلَمْ يَكُ شَيْئاً  أي والحال أنه لم يكن حينئذ موجوداً فحيث خلقناه وهو في تلك الحالة المنافية للخلق بالكلية مع كونه أبعد من الوقوع فلأن نبعثه بإعادة ما عدم منه وقد كان متصفاً بالوجود في وقت على ما اختاره بعض أهل السنة أو بجمع المواد المتفرقة وإيجاد مثل ما كان فيها من الاعراض على ما اختاره بعض آخر منهم أيضاً أولى وأظهر فما له لا يذكره فيقه فيما يقع فيه من النكير، وقيل : إن العطف على  يقول  \[ مريم : ٦٦ \] المذكور سابقاً. والهمزة لإنكار الجمع لدخولها على الواو المفيدة له، ولا يخل ذلك بصدارتها لأنها بالنسبة إلى جملتها فكأنه قيل، أيجمع بين القول المذكور وعدم الذكر : ومحصله أيقول ذلك ولا يذكر أنا خلقناه الخ. 
وقرأ غير واحد من السبعة  يَذَّكَّر  بفتح الذال والكاف وتشديدهما، وأصله يتذكر فادغم التاء في الذال وبذلك قرى أبي.

### الآية 19:68

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [19:68]

فَوَرَبّكَ  اقسامه باسمه عزت أسماؤه مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتحقيق الأمر بالإشعار بعلته وتفخيم شأنه عليه الصلاة والسلام ورفع منزلته  لَنَحْشُرَنَّهُمْ  أي لنجمعن القائلين ما تقدم بالسوق إلى المحشر بعد ما أخرجناهم أحياء، وفي القسم على ذلك دون البعث إثبات له على أبلغ وجه وآكده كأنه أمر واضح غني عن التصريح به بعد بيان إمكانه بما تقدم من الحجة البالغة وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال، وكون الضمير للكفرة القائلين هو الظاهر نظراً إلى السياق وإليه ذهب ابن عطية. وجماعة. ولا ينافي ذلك إرادة الواحد من الإنسان كما لا يخفى. 
واستظهر أبو حيان أنه للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم  والشياطين  معطوف على الضمير المنصوب أو مفعول معه. روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين كانوا يغوونهم كل منهم مع شيطانه في سلسلة، ووجه ذلك على تقدير عود الضمير للناس أنهم لما حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا معهم جميعاً على طرز ما قيل في نسبة القول إلى الجنس، وقيل : يحسر كل واحد من الناس مؤمنهم وكافرهم مع قرينه من الشياطين ولا يختص الكافر بذلك. وقد يستأنس له بما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً **«ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن قالوا : وإياك يا رسول الله قال : وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير »**  ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً  باركين على الركب، وأصله جثوو بواوين فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين فكسرت الثاء للتخفيف فانقلبت الواو الأول ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فاجتمعت واو وياء وسبقت احداهما بالسكون فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء وكسرت الجيم اتباعاً لما بعدها. 
وقرأ غير واحد من السبعة بضمها وهو جمع جاث في القراءتين، وجوز الراغب كونه مصدراً نظير ما قيل في بكى وقد مر، ولعل إحضار الكفرة بهذه الحال إهانة لهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من الشدة. 
 وقال بعضهم : إن المحاسبة تكون حول جهنم فيجثون لمخاصمة بعضهم بعضاً ثم يتبرأ بعضهم من بعض، وقال السدى : يجثون لضيق المكان بهم فالحال على القولين مقدرة بخلافه على ما تقدم. وقيل : إنها عليه مقدرة أيضاً لأن المراد الجثى حول جهنم، ومن جعل الضمير للكفرة وغيرهم قال : إنه يحضر السعداء والأشقياء حول جهنم ليرى السعداء ما نجاهم الله تعالى منه فيزدادوا غبطة وسروراً وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم بهم ويجثون كلهم ثم لما يدهمهم من هول المطلق أو لضيق المكان أو لأن ذلك من توابع التواقف للحساب والتقاول قبل الوصول إلى الثواب والعقاب، وقيل : إنهم يجثون على ركبهم إظهاراً للذل في ذلك الموطن العظيم، ويدل على جثى جميع أهل الموقف ظاهر قوله تعالى : وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً  \[ الجاثية : ٢٨ \] لكن سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما هو ظاهر في عدم جثى الجميع من الأخبار والله تعالى أعلم، والحال قيل : مقدرة، وقيل : غيره مقدرة إلا أنه أسند ما للبعض إلى الكل، وجعلها مقدرة بالنسبة إلى السعداء وغير مقدرة بالنسبة إلى الأشقياء لا يصح، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر  جِثِيّاً  بجماعات على أنه جمع جثوة وهو المجموع من التراب والحجارة أي لنحضرنهم جماعات.

### الآية 19:69

> ﻿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا [19:69]

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ  أي جماعة تشايعت وتعاونت على الباطل أو شاعت وتبعت الباطل على ما يقتضيه كون الآية في الكفرة أو جماعة شاعت ديناً مطلقاً على ما يقتضيه كونها في المؤمنين وغيرهم  أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً  أي نبوا عن الطاعة وعصياناً، وعن ابن عباس جراءة، وعن مجاهد كفرا، وقيل : افتراء بلغة تميم، والجمهور على التفسير الأول، وهو على سائر التفاسير مصدر وفيه القراءتان السابقتان في  جثيا  \[ مريم : ٦٨ \]. 
وزعم بعضهم أنه فيهما جمع جاث وهو خلاف الظاهر هنا، والنزع الاخراج كما في قوله تعالى : وَنَزَعَ يَدَهُ  \[ الأعراف : ١٠٨ \] والمراد استمرار ذلك أي إنا نخرج ونفرز من كل جماعة من جماعات الكفر أعصاهم فأعصاهم إلى أن يحاط بهم فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم وذلك قوله تعالى : ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً

### الآية 19:70

> ﻿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا [19:70]

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً  فالمراد بالذين هم أولى المنتزعون باعتبار الترتيب، وقد يراد بهم أولئك باعتبار المجموع فكأنه قيل : ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وهم أولى بالصلى من بين سائر الصالين ودركاتهم أسفل وعذابهم أشد ففي الكلام إقامة المظهر مقام المضمر، وفسر بعضهم النزع بالرمي من نزعت السهم عن القوس أي رميته فالمعنى لنرمين فيها الأعصى فالأعصى من كل طائفة من تلك الطوائف ثم لنحن أعلم بتصليتهم ؛ وحمل الآية على البدء بالأشد فالأشد مروى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. 
وجوز أن يراد بأشدهم عتيا رؤساء الشيع وأئمتهم لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالاً مضلين قال الله تعالى : الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ  \[ النحل : ٨٨ \]  وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  \[ العنكبوت : ١٣ \]. 
وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن قتادة وعليه لا يجب الاستمرار والإحاطة. وأورد على القول بالعموم أن قوله تعالى : أَشَدَّ عِتِيّاً  \[ مريم : ٦٩ \] يقتضي اشتراك الكل في العتى بل في أشديته وهو لا يناسب المؤمنين، وأجيب عنه بأن ذلك من نسبة ما للبعض إلى الكل والتفضيل على طائفة لا يقتضي مشاركة كل فرد فرد فإذا قلت : هو أشجع العرب لا يلزمه وجود الشجاعة في جميع أفرادهم، وعلى هذا يكون في الآية إيماء إلى التجاوز عن كثير حيث خص العذاب بالأشد معصية، و  أَيُّهُم  \[ مريم : ٦٩ \] مفعول  ننزعن  وهو اسم موصول بمعنى الذي مبني على الضم محله النصب و  أَشَدَّ  \[ مريم : ٦٩ \] خبر مبتدأ محذوف أي هو أشد والجملة صلة والعائد المبتدأ و  على الرحمن  \[ مريم : ٦٩ \] متعلق بأشد  وعتيا  تمييز محول عن المبتدأ، ومن زعم أنه جمع جعله حالا، وجوز في الجار أن يكون للبيان فهو متعلق بمحذوف كما في سقيا لك، ويجوز بعتيا، أما إن كان وصفاً فبالاتفاق، وأما إذا كان مصدراً فعند القائل بجواز تقدم معمول المصدر لاسيما إذا كان ظرفاً، وكذا الكلام في  ووصى بِهَا  من قوله تعالى : هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً  فإنه جوز أن يكون الجار للبيان وأن يكون متعلقاً بأولى وأن يكون متعلقاً بصليا، وقد قرئ بالضم والكسر، وجوز فيه المصدرية والوصفية، وهو على الوصفية حال وعلى المصدرية تمييز على طرز ما قيل في  عِتِيّاً  \[ مريم : ٦٩ \] إلا أنه جوز فيه أن يكون تمييزاً عن النسبة بين  أُوْلِى  والمجرور وقد أشير إلى ذلك فيما مر. 
والصلى من صلى النار كرضى وبها قاسى حرها، وقال الراغب : يقال صلى بالنار وبكذا أي بلى به، وعن الكلبي أنه فسر الصلى بالدخول، وعن ابن جريج أنه فسره بالخلود، وليس كل من المعنيين بحقيقي له كما لا يخفى، ثم ما ذكر من بناء أي هنا هو مذهب سيبويه، وكان حقها أن تبنى في كل موضع كسائر الموصولات لشبهها الحرف بافتقارها لما بعدها من الصلة لكنها لما لزمت الإضافة إلى المفرد لفظاً أو تقديراً وهي من خواص الأسماء بعد الشبه فرجعت إلى الأصل في الأسماء وهو الأعراب ولأنها إذا أضيفت إلى نكرة كانت بمعنى كل وإذا أضيفت إلى معرفة كانت بمعنى بعض فحملت في الإعراب على ما هي بمعناه وعادت هنا عنده إلى ما هو حق الموصول وهو البناء لأنه لما حذف صدر صلتها ازداد نقصها المعنوي وهو الإبهام والافتقار للصلة بنقص الصلة التي هي كجزئها فقويت مشابهتها للحرف، ولم يرتض كثير من العلماء ما ذهب إليه
قال أبو عمرو الجرمي : خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول : لأضربن أيهم قائم بالضم، وقال أبو جعفر : النحاس ما علمت أحداً من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه في هذه المسألة. 
وقال الزجاج : ما تبين أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما فإنه يقول بإعراب أي إذا أفردت عن الإضافة فكيف يبنيها إذا أضيفت. وقد تكلف شيخنا علاء الدين أعلا الله تعالى مقامه في عليين للذب عن سيبويه في ذلك بما لا يفي بمؤنة نقله، وقد ذكرنا بعضاً منه في حواشينا على شرح القطر للمصنف. 
نعم يؤيد ما ذهب إليه سيبويه من المفعولية قراءة طلحة بن مصرف. ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء. وزائدة عن الأعمش  أَيُّهُم  بالنصب لكنها ترد ما نقل عنه من تحتم البناء إذا أضيفت وحذف صدر صلتها، وينبغي إذا كان واقفاً على هذه القراءة أن يقول بجواز الأمرين فيها حينئذ، وقال الخليل : مفعول  ننزعن  \[ مريم : ٦٩ \] موصول محذوف وأي هنا استفهامية مبتدأ وأشد خبره والجملة محكية بقول وقع صلة للموصول المحذوف أي لننزعن الذين يقال فيهم : أيهم أشد، وتعقب بأنه لا معنى لجعل  النزع  لمن يسأل عنه بهذا الاستفهام، وأجيب بأن ذلك مجاز عن تقارب أحوالهم وتشابهها في العتو حتى يستحق أن يسأل عنها أو المراد الذين يجاب بهم عن هذا السؤال، وحاصله لننزعن الأشد عتيا وهو مع تكلفه فيه حذف الموصول مع بعض الصلة وهو تكلف على تكلف ومثله لا ينقاس، نعم مثله في الحذف على ما قيل قول الشاعر :ولقد أبيت من الفتاة بمنزل  فأبيت لا حرج ولا محروموذهب الكسائي. والفراء إلى ما قاله الخليل إلا أنهما جعلا الجملة في حل نصب بننزعن، والمراد لننزعن من يقع في جواب هذا السؤال، والفعل معلق بالاستفهام، وساغ تعليقه عندهما لأن المعنى لننادين وهما يريان تعليق النداء وإن لم يكن من أفعال القلوب وإلى ذلك ذهب المهدوي، وقيل : لما كان النزع متضمناً معنى الإفراز والتمييز وهو مما يلزمه العلم عومل معاملة العلم فساغ تعليقه. 
ويونس لا يرى التعليق مختصاً بصنف من الأفعال بل سائر أصناف سواء في صحة التعليق عنده، وقيل : الجملة الاستفهامية استئنافية والفعل واقع على  كُلّ شِيعَةٍ  \[ مريم : ٦٩ \] على زيادة من في الاثبات كما يراه الأخفش أو على معنى لننزعن بعض كل شيعة بجعل  مِنْ  مفعولاً لتأويلها باسم، ثم إذا كان الاستئناف بيانياً واقعاً في جواب من المنزوعون ؟ احتيج إلى التأويل كأن يقال : المراد الذين يقعون في جواب  أيهم أشد  \[ مريم : ٦٩ \] أو نحو ذلك، وإذا كانت أي على تقدير الاستئناف ووقوع الفعل على ما ذكر موصولة لم يحتج إلى التأويل إلى أن في القول بالاستئناف عدولاً عن الظاهر من كون الكلام جملة واحدة إلى خلاف الظاهر من كونه جملتين. 
ونقل بعضهم عن المبرد أن  أَيُّهُم  \[ مريم : ٦٩ \] فاعل  شِيعَةٍ  \[ مريم : ٦٩ \] لأن معناه يشيع، والتقدير لننزعن من كل فريق يشيع أيهم هو أشد، وأي على هذا على ما قال أبو البقاء. ونقل عن الرضي بمعنى الذي، وفي **«البحر »** قال المبرد : أيهم متعلق بشيعة فلذلك ارتفع، والمعنى من الذي تشايعوا أيهم أشد كأنهم يتبادرون إلى هذا. ويلزمه أن يقدر مفعولاً لننزعن محذوفاً، وقدر أيضاً في هذا المذهب من الذين تشايعوا أيهم أشد على معنى من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد، قال النحاس : وهذا قول حسن انتهى، وهو خلاف ما نقل أولاً، ولعمري أن ما نسب إلى المبرد أولاً وأخيراً أبرد من يخ، وقيل : إن الجملة استفهامية وقعت صفة لشيعة على معنى لننزعن من كل شيعة مقول فيهم أيهم أشد أي من كل شيعة متقاربي الأحوال، ومن مزيدة والنزع الرمي، وحكى أبو بكر بن شقير أن بعض الكوفيين يقول في أيهم معنى الشرط تقول : ضربت القوم أيهم غضب، والمعنى إن غضبوا أو لم يغضبوا قال أبو حيان : فعلى هذا يكون التقدير هنا إن اشتد عتوهم أو لم يشتد انتهى وهو كما ترى، والوجه الذي ينساق إليه الذهن ويساعده اللفظ والمعنى هو ما ذهب إليه سيبويه ومدار ما ذهب إليه في أي من الأعراب والبناء هو السماع في الحقيقة، وتعليلات النحويين على ما فيها إنما هي بعد الوقوع، وعدم سماع غيره لا يقدح في سماعه فتدبر.

### الآية 19:71

> ﻿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [19:71]

وَإِن مّنكُمْ  التفات إلى خطاب الإنسان سواء أريد منه العموم أو خصوص الكفرة لإظهار مزيد الاعتناء بمضمون الكلام. وقيل : هو خطاب للناس وابتداء كلام منه عز وجل بعدما أتم الغرض من الأول فلا التفات أصلاً. ولعله الأسبق إلى الذهن لكن قيل يؤيد الأول قراءة ابن عباس. وعكرمة. وجماعة  وَإِنَّ مِنْهُمْ  أي وما منكم أحد  إِلاَّ وَارِدُهَا  أي داخلها كما ذهب إلى ذلك جمع كثير من سلف المفسرين وأهل السنة، وعلى ذلك قول تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  \[ الأنبياء : ٩٨ \]. وقوله تعالى في فرعون : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار وَبِئْسَ الورد المورود  \[ هود : ٩٨ \]. 
واحتج ابن عباس بما ذكر على ابن الأزرق حين أنكر عليه تفسير الورود بالدخور وهو جحار على تقدير عموم الخطاب أيضاً فيدخلها المؤمن إلا أنها لا تضره على ما قيل، فقد أخرج أحمد. والحكيم الترمذي. وابن المنذر. والحاكم وصححه. وجماعة عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن. وقال آخر : يدخلونها جميعاً ثم ينجى الله تعالى الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه فذكرت له فقال : وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا يبق بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم عليه السلام حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم ثم ينجى الله تعالى الذين اتقوا " وقد ذكر الإمام الرازي لهذا الدخول عدة فوائد في **«تفسيره »** فليراجع. 
وأخرج عبد بن حميد. وابن الأنباري. والبيهقي عن الحسن الورود المرور عليها من عير دخول، وروى ذلك أيضاً عن قتادة وذلك بالمرور على الصراط الموضوع على متنها على ما رواه جماعة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويمر المؤمن ولا يشعر بها بناء على ما أخرج ابن أبي شيبة. وعبد بن حميد. والحكيم. وغيرهم عن خالد بن معدان قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا : ربنا ألم تعدنا أن نرد النار قال : بلى ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة، ولا ينافي هذا ما أخرجه الترمذي. والطبراني. وغيرهما عن يعلى ابن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" تقول النار للمؤمن : يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " لجواز أن لا يكون متذكراً هذا القول عند السؤال أو لم يكن سمعه لاشتغاله، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال في الآية : ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها وورود المشركين أن لا يدخلوها، ولا بد على هذا من ارتكاب عموم المجاز عند من لا يرى جواز استعمال اللفظ في معنيين، وعن مجاهد أن ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم :
 " الحمى من فيح جهنم " ولا يخى خفاء الاستدلال به على المطلوب. 
واستدل بعضهم على ذلك بما أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحابه وعكا وأنه معه فقال عليه الصلاة والسلام :" إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة وفيه خفاء أيضاً " والحق أنه لا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم في الدنيا النار في الآخرة، وقصارى ما يدل عليه أنه يحفظ من ألم النار يوم القيامة، وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور والقرب كما في قوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ  \[ القصص : ٢٣ \] واختار بعضهم أن المراد حضورهم جاثين حواليها، واستدل عليه بما ستعلمه إن شاء الله تعالى، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى : أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  \[ الأنبياء : ١٠١ \] لأن المراد مبعدون عن عذابها، وقيل : المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريباً منها  كَانَ  أي ورودهم إياها  على رَبِّكَ حَتْماً  أمراً واجباً كما روى عن ابن عباس، والمراد بمنزلة الواجب في تحتم الوقوع إذ لا يجب على الله تعالى شيء عند أهل السنة  مَّقْضِيّاً  قضى بوقوعه البتة. 
وأخرج الخطيب عن عكرمة أن معنى كان حتماً مقضياً كان قسماً واجباً، وروى ذلك أيضاً عن ابن مسعود. والحسن. وقتادة، قيل : والمراد منه إنشاء القسم، وقيل : قد يقال : إن  على رَبِّكَ  المقصود منه اليمين كما تقول : لله تعالى على كذا إذ لا معنى له إلا تأكد اللزوم والقسم لا يذكر إلا لمثله، وعلى ورد في كلامهم كثيراً للقسم كقوله :على إذا ما جئت ليلى أزورها  زيارة بيت الله رجلان حافياًفإن صيغة النذر قد يراد بها اليمين كما صرحوا به، ويجوز أن يكون المراد بهذه الجملة القسم كقولهم : عزمت عليك إلا فعلت كذا انتهى، ويعلم مما ذكر المراد من القسم فيما أخرجه البخاري. ومسلم. والترمذي. والنسائي. وابن ماجه. وغيرهم عن أبي هريرة قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم ". وقال أبو عبيدة. وابن عطية وتبعهما غير واحد : إن القسم في الخبر إشارة إلى القسم في المبتدأ أعني  وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ، وصرح بعضهم أن الواو فيه للقسم، وتعقب ذلك أبو حيان بأنه لا يذهب نحوي إلى أن مثل هذه الواو واو قسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار وهو لا يجوز إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما في قوله :
والله ما ليلى ينام صاحبه \*\*\*
وقال أيضاً : نص النحويون على أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو بأن وأين ذلك في الآية، وجعل ابن هشام تحلة القسم كناية عن القلة وقد شاع في ذلك، ومنه قوله كعب :تخذي على يسرات وهي لاحقة  ذوابل مسهن الأرض تحليلفإن المعنى مسهن الأرض قليل كما يحلف الإنسان على شيء ليفعلنه فيفعل منه اليسير ليتحلل به من قسمه ثم قال : إن فيما قاله جماعة من المفسرين من أن القسم على الأصل وهو إشارة إلى قوله تعالى : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  الخ نظراً لأن الجملة لا قسم فيها إلا إن عطفت على الجمل التي أجيب بها القسم من قوله تعالى : فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ  إلى آخرها وفيه بعد انتهى. والخفاجي جوزا الحالية والعطف، وقال : حديث البعد غير مسموع لعدم تخلل الفاصل وهو كما ترى، ولعل الأسلم من القيل والقال جعل ذلك مجازاً عن القلة وهو مجاز مشهور فيما ذكر، ولا يعكر على هذا ما أخرجه أحمد. والبخاري في تاريخه. والطبراني. وغيرهم عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله تعالى متطوعاً لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم فإن الله تعالى يقول : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  »**. فإن التعليل صحيح مع إرادة القلة من ذلك أيضاً فكأنه قيل : لم ير النار إلا قليلاً لأن الله تعالى أخبر بورود كل أحد إياها ولا بد من وقوع ما أخبر به ولولا ذلك لجاز أن لا يراها أصلاً. 
ومن باب الإشارة  وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً  \[ مريم : ٧١ \] وذلك لتظهر عظمة قهره جل جلاله وآثار سطوته لجميع خلقه عز وجل ثم ننجى الذين اتقوا جزاء تقواهم

### الآية 19:72

> ﻿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [19:72]

ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا  بالإخراج منها على ما ذهب إليه الجمع الكثير  وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً  على ركبهم كما روى عن ابن عباس. ومجاهد. وقتادة. وابن زيد، وهذه الآية ظاهرة عندي في أن المراد بالورود الدخول وهو الأمر المشترك. 
وقال بعضهم : إنها دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وذلك لأن ننجي.  وَنُذُرِ  تفصيل للجنس فكأنه قيل ننجي هؤلاء ونترك هؤلاء على حالهم الذي احضروا فيه جاثين، ولا بد على هذا من أن يكون التقدير في حواليها، وأنت تعلم أن الظاهر عدم التقدير والجثو لا يوجب ذلك، وخولف بين قوله تعالى : اتقوا  وقوله سبحانه : الظالمين  ليؤذن بترجيح جانب الرحمة وأن التوحيد هو المنجي والإشراك هو المردى فكأنه قيل : ثم ننجي من وجد منه تقوى ما وهو الاحتراز من الشرك ونهلك من اتصف بالظلم أي بالشرك وثبت عليه، وفي إيقاع  نَّذْرٍ  مقابلاً لننجي إشعار بتلك اللطيفة أيضاً، قال الراغب : يقال فلان يذر الشيء أي يقذفه لقلة اعتداده به. ومن ذلك قيل لقطعة اللحم التي لا يعتد بها وذر، وجيء بثم للإيذان بالتفاوت بين فعل الخلق وهو ورودهم النار وفعل الحق سبحانه وهو النجاة والدمار زماناً ورتبة قاله العلامة الطيبي طيب الله تعالى ثراه، والذي تقتضيه الآثار الواردة في عصاة المؤمنين أن يقال : إن التنجية المذكورة ليست دفعية بل تحصل أولاً فأولاً على حسب قوة التقوى وضعفها حتى يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة من خير وذلك بعد العذاب حسب معصيته وما ظاهره من الأخبار كخبر جابر السابق إن المؤمن لا تضره النار مؤول بحمل المؤمن على المؤمن الكامل لكثرة الأخبار الدالة على أن بعض المؤمنين يعذبون. 
ومن ذلك ما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمماً ثم تدركهم الرحمة فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغناء في حميل السيل »** ومن هنا حظر بعض العلماء أن يقال في الدعاء : اللهم اغفر لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم جميع ذنوبهم أو اللهم لا تعذب أحداً من أملا محمد صلى الله عليه وسلم هذا، وقال بعضهم : إن المراد من التنجية على تقدير أن الخطاب خاص بالكفرة أن يساق الذين اتقوا إلى الجنة بعد أن كانوا على شفير النار وجيء بثم لبيان التفاوت بين ورود الكافرين النار وسوق المذكورين إلى الجنة وأن الأول للإهانة والآخر للكرامة، وأنت تعلم أن الذين يذبه بهم إلى الجنة من الذين اتقوا من غير دخول في النار أصلاً ليسوا إلا الخواص. 
والمعتزلة خصوا الذين اتقوا بغير أصحاب الكبائر وأدخلوهم في الظالمين واستدلوا بالآية على خلودهم في النار وكانوا ظالمين. 
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس. وابن مسعود. وأبي رضي الله تعالى عنهم. والجحدري. ومعاوية بن قرة. ويعقوب  ثُمَّ  بفتح الثاء أي هناك. وابن أبي ليلى  ثمه  بالفتح مع هاء السكت وهو ظرف متعلق بما بعده. وقرأ يحيى. والأعمش. والكسائي. وابن محصين. ويعقوب  ثُمَّ نُنَجّى  بتخفيف الجيم. وقرئ  ينجي  وينجي بالتشديد والتخفيف مع البناء للمفعول، وقرأت فرقة  نجى  بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه  ننحى  بحاء مهملة، وهذه القراءة تؤيد بظاهرها تفسير الورود بالقرب والحضور. 
ومن باب الإشارة  ونذر الظالمين فيها جثيا  \[ مريم : ٧٢ \] جزاء ظلمهم، وهذه الآية كم أجرت من عيون العيون العيون. 
فعن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه أنه كان يبكي ويقول : قد علمت أني وارد النار ولا أدري كيف الصدر الصدر بعد الورود، وعن الحسن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يقول الرجل لصاحبه : هل أتاك أنك وارد ؟ فيقول : نعم فيقول : هل أتاك أنك خارج ؟ فيقول لا فيقول : ففيم الضحك إذن ؟

### الآية 19:73

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [19:73]

وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ  الآية إلى آخرها حكاية لما قالوا عند سماع الآيات الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم أي وإذا تتلى على المشركين  ءاياتنا  التي من جملتها الآيات السابقة  بينات  أي ظاهرات الإعجاز تحدي بها فلم يقدر على معارضتها أو مرتلات الألفاظ ملخصات المعنى مبينات المقاصد إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً، والوجه كما في **«الكشاف »** أن يكون  بينات  حالاً مؤكدة لمضمون الجملة وإن لم يكن عقدها من اسمين لأن المعنى عليه. 
وقرأ أبو حيوة. والأعرج. وابن محيصن  وَإِذَا يتلى  بالياء التحية لأن المرفوع مجازي التأنيث مع وجود الفاصل  قَالَ الذين كَفَرُواْ  أي قالوا. ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له أو قال الذين مردوا منهم على الكفر وأصروا على العتو والعناد وهم النضر بن الحرث وأتباعه الفجرة فإن الآية نزلت فيهم. واللام في قوله تعالى : لِلَّذِينَ ءامَنُواْ  للتبليغ كما في قلت له كذا إذا خاطبته به، وقيل لام الأجل أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، ورجح الأول بأن قولهم ليس في حق المؤمنين فقط كما ينطق به قوله تعالى : أَىُّ الفريقين  أي المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا : أينا  خَيْرٌ  نحن أو أنتم  مَقَاماً  أي مكاناً ومنزلاً، وأصله موضع القيام ثم استعمل لمطلق المكان. وقرأ ابن كثير. وابن محيصن. وحميد. والجعفي. وأبو حاتم عن أبي عمرو  مَقَاماً  بضم الميم وأصله موضع الإقامة، والمراد به أيضاً المنزلة والمكان فتتوافق القراءتان. 
وجوز في البحر احتمال المفتوح والمضمون للمصدرية على أن الأصل مصدر قام يقوم، والثاني مصدر أقام يقيم، ورأيت في بعض المجموعات كلاماً ينسب لأبي السعود عليه الرحمة في الفرق بين المقام بالفتح والمقام بالضم وقد سأله بعضهم عن ذلك بقوله :يا وحيد الدهر يا شيخ الأنام  نبتغي فرق المقام والمقاموهو أن الأول يعني المفتوح الميم موضع قيام الشيء أعم من أن يكون قيامه فيه بنفسه أو بإقامة غيره ومن أن يكون ذلك بطريق المكث فيه أو بدونه، والثاني موضع إقامة الغير إياه أو موضع قيامه بنفسه قياماً ممتداً، فإن كان الفعل الناصب ثلاثياً فمقتضى المقام هو الأول، وكذا إن كان رباعياً ولم يقصد بيان كون المقام موضع قيام المضاف إليه بإقامة غيره أو موضع قيامه الممتد، وأما إذا قصد ذلك فمقتضاه الثاني كما إذا قلت : أقيمت تاء القسم مقام الواو تنبيهاً على أنها خلف عن الباء التي هي الأصل من أحرم القسم. 
ومقامات الكلمات كلها وإن كانت منوطة بوضع الواضع لكن مقامها المنوط بأصل الوضع لكونه مقاماً أصلياً لها قد نزل منزلة موضع قيامها بأنفسها وجعل مقامها المنوط بالاستعمال الطارئ جارياً مجرى المقام الاضطراري لذوات الاختيار، هذا إذا كان المقام ظرفاً أو إذا كان مصدراً ميمياً والفعل الناصب رباعي فحقه ضم الميم انتهى المراد منه. 
وأنت تعلم أنه في هذا المقام ليس منصوباً على الظرفية ولا على المصدرية بل منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ على ما قيل : أي الفريقين مقامه خير  وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  أي مجلساً ومجتمعاً، وفي **«البحر »** هو المجلس الذي يجتمع فيه لحادثة أو مشورة. وقيل : مجلس أهل الندى أي الكرم. وكذا النادي يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويلبسون مفاخر الملابس ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين الذين لا يقدرون على ذلك إذا تليت عليهم الآيات، قال الإمام : ومرادهم من ذلك معارضة المؤمنين كأنهم قالوا : لو كنتم على الحق وكنا على الباطل كان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل وأعداه المعرضين عن خدمته في العز والراحة لكن الكفار كانوا في النعمة والراحة والمؤمنين كانوا بعكس ذلك فعلم أن الحق ليس مع المؤمنين، وهذا مع ظهور أنه قياس عقيم ناشئ من رأسي سقيم نقضه الله تعالى وأبطله بقوله سبحانه :

### الآية 19:74

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [19:74]

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءياً 
وحاصله أن كثيراً ممن كان أعظم نعمة منكم في الدنيا كعاد وثمود وأضرابهم من الأمم العاتية قد أهلكهم الله تعالى فلو دل حصول نعمة الدنيا للإنسان على كونه مكرماً عند الله تعالى وجب أن لا يهلك أحداً من المتنعمين في الدنيا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى كأنه قيل فلينظر هؤلاء أيضاً مثل ذلك، و  كَمْ  خبرية للتكثير مفعول  أَهْلَكْنَا ، وقدمت لصدارتها، وقيل : استفهامية والأول هو الظاهر و  مّن قَرْنٍ  بيان لإبهامها. والقرن أهل كل عصر، وقد اختلف في مدته وهو من قرن الدابة سمي به لنقدمه، ومنه قرن الشمس لأول ما يطلع منها. و  هُمْ أَحْسَنُ  في حيز النصب على ما ذهب إليه الزمخشري وتبعه أبو البقاء صفة لكم ورده أبو حيان بأنه قد صرح الأصحاب بأن كم سواء كان خبرية أو استفهامية لا توصف ولا يوصف بها، وجعله صفة  قَرْنٍ  وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفراد كثيرة ولو أفرد الضمير لكان عربياً أيضاً. ولا يرد عليه كما قال الخفاجي : كمن من رجل قام وكم من قرية هلكت بناء على أن الجار والمجرور يتعين تعلقه بمحذوف هو صفة لكم كما ادعى بعضهم أن الرضي أشار إليه لأنه يجوز في الجار والمجرور أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب فما ادعى غير مسلم عنده، و  أَثَاثاً  تمييز وهو متاع البيت من الفرش والثياب وغيرها واحدها أثاثة، وقيل : لا واحد لها وقيل : الأثاث ماجد من المتاع والخرثي ما قدم وبلى، وأنشد الحسن بن علي الطوسي :تقادم العهد من أم الوليد بنا  دهراً وصار أثاث البيت خرثياًوالرئى المنظر كما قال ابن عباس. وغيره، وهو فعل بمعنى مفعول من الرؤية كالطحن والسقي. وقرأ الزهري. وأبو جعفر. وشيبة. وطلحة في رواية الهمداني. وأيوب. وابن سعدان. وابن ذكوان. وقالون  ريا  بتشديد الياء من غير همز فاحتمل أن يكون من ذلك على قلب الهمزة ياء وإدغامها. واحتمل أن يكون من الري ضد العطش والمراد به النضارة والحسن. وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش  ريئا  بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب ووزنه فلعا، وقرئ  رياء  بيداء بعدها ألف بعدها همزة حكاها اليزيدي. ومعناها كما في **«الدر المصون »** مراءاة بعضهم بعضاً. 
وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما  ريا  بحذف الهمزة والقصر فتجاسر بعض الناس وقال : هي لحز، وليس كذلك بل خرجت على وجهين أحدهما أن يكون الأصل  ريا  بتشديد الياء فخفف بحذف إحدى الياءين وهي الثانية لأنها التي حصل بها الثقل ولأن الآخر محل التغيير وذلك كما حذفت في لاسيما. والثاني أن يكون الأصل  ريئا  بياء ساكنة بعدها همزة فنقلت حركة الهمزة إلى الياء ثم حذفت على القاعدة المعروفة. 
وقرأ ابن عباس أيضاً. وابن جبير. ويزيد البربري. والأعصم المكي  زيا  بالزاي وتشديد الياء وهو المحاسن المجموعة يقال : زواه زيا بالفتح أي جمعه، ويراد منه الأثاث أيضاً كما ذكره المبرد في قول الثقفي :أشاقتك الظعائن يوم بانوا  بذي الزي الجميل من الأثاثوالظاهر في الآية المعنى الأولى.

### الآية 19:75

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا [19:75]

قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة  الخ أمر منه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية على المؤمنين ببيان مآل أمر الفريقين إما على وجه كلي متناول لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللذة الفانية المبتهجين بها على أن من على عممها، وإما على وجه خاص بهم على أنها عبارة عنهم. ووصفهم بالتمكن في الضلالة لذمهم والإشعار بعلة الحكم أي من كان مستقراً في الضلالة مغموراً بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور  فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً  أي يمد سبحانه له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال والتمكن من التصرفات فالطلب في معنى الخبر، واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير كما ينبئ عنه قوله تعالى : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ  \[ فاطر : ٣٧ \] فيكون حاصل المعنى من كان في الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مداً، وجوز أن يكون ذلك للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً  \[ آل عمران : ١٧٨ \] وحاصل المعنى من كان في الضلالة فعاده الله تعالى أن يمد له ويستدرجه ليزداد إثماً، وقيل : المراد الدعاء بالمد إظهاراً لعدم بقاء عذر بعد هذا البيان الواضح فهو على أسلوب  رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ  \[ يونس : ٨٨ \] إن حمل على الدعاء، قال في **«الكشف »** : الوجه الأول أوفق بهذا المقام، والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المدمن أحكامها  حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ  إلى آخرها غاية للمد وجمع الضمير في الفعلين باعتبار معنى من كما أن الأفراد في الضميرين الأولين باعتبار لفظها، وما اسم موصول والجملة بعده صلة والعائد محذوف أي الذي يوعدونه، واعتبار ما مصدرية خلاف الظاهر. 
وقوله تعالى : إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة  بدل من  مَا  وتفصيل للموعود على طريقة منع الخلو، والمراد بالعذاب الدنيوي بغلبة المؤمنين واستيلائهم عليهم، والمراد بالساعة قيل : يوم القيامة وهو الظاهر. 
وقيل : ما يشمل حين الموت ومعاينة العذاب ومن مات فقد قامت قيامته وذلك لتتصل الغاية بالمغيا فإن المد لا يتصل بيوم القيامة، وأجيب بأن أمر الفاصل سهل لأن أمور هذه الدنيا لزوالها وتقضيها لا تعد فاصلة كما قيل : ذلك في قوله تعالى : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  \[ نوح : ٢٥ \] وقوله تعالى : فَسَيَعْلَمُونَ  جواب الشرط وهما في الحقيقة الغاية إن قلنا : إن المجموع هو الكلام أو مفهومه فقط إن قلنا : إنه هو الكلام والشرط قيد له، و  حتى  عند ابن مالك جارة وهي لمجرد الغاية لا جارة ولا عاطفة عند الجمهور وهكذا هي كلما دخلت على إذا الشرطية وهي منصوبة بالشرط أو الجزاء على الخلاف المشهور، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والمراد حتى إذا عاينوا ما يوعدون من العذاب الدنيوي أو الأخروي فقط فسيعلمون حينئذ  مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً  من الفريقين بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون أنهم شر مكاناً لا خير مقاماً، وفي التعبير بالمكان هنا دون المقام المقبر به هناك مبالغة في إظهار سوء حالهم  وَأَضْعَفُ جُنداً  أي فئة وأنصاراً لا أحسن ندياً، ووجه التقابل أن حسن الندى باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم. 
وقيل : إن المراد من الندى هناك من فيه كما يقال المجلس العالي للتعظيم وليس المراد أن له ثمة جنداً ضعيفاً كلا  وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً  \[ الكهف : ٤٣ \] وإنما ذكر ذلك رداً لما كانوا يزعمونه من أن لهم أعواناً من شركائهم، والظاهر أن من موصولة وهي في محل نصب مفعول  يَعْلَمُونَ  وتعدى إلى واحد لأن العلم بمعنى المعرفة، وجملة  هُوَ شَرٌّ  صلة الموصول. وجوز أبو حيان كونها استفهامية والعلم على بابه والجملة في موضع نصب سادة مسد المفعولين وهو عند أبي البقاء فصل لا مبتدأ. 
وجوز الزمخشري وظاهر صنيعه اختياره أن يكون ما تقدم غاية لقول الكفرة  أي الفريقين خَيْرٌ  \[ مريم : ٧٣ \] الخ. 
وقوله تعالى : كَمْ أَهْلَكْنَا  \[ مريم : ٧٤ \] الخ  َقُلْ مَن كَانَ  الخ جملتان معترضتان للإنكار عليهم أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عن أما العذاب في الدنيا بأيدي المؤمنين وإما يوم القيامة وما ينالهم فيهم من الخزي والنكال فحينئذ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وتعقبه في البحر بأنه في غاية البعد لطول الفصل بين الغاية والمغيا مع أن الفصل بجملتي اعتراض فيه خلاف أبي علي فإنه لا يجيزه، وأنت تعلم أيضاً بعد إصلاح أمر انقطاع القول حين الموت وعدم امتداده إلى يوم القيامة أن اعتبار استمرار القول وتكرره لا يتم بدون اعتبار استمرار التلاوة لوقوع القول في حيز جواب إذا وهو كما ترى. 
ومن باب الإشارة  قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً  \[ مريم : ٧٥ \] لما افتخروا بحظوظ الدنيا التي لا يفتخر بها إلا ذوو الهمم الدنية رد الله تعالى عليهم بأن ذلك استدراج ليس بإكرام والإشارة فيه أن كل ما يشغل عن الله تعالى والتوجه إليه عز وجل فهو شر لصاحبه.

### الآية 19:76

> ﻿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [19:76]

وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى  كلام مستأنف سيق لبيان حال المهتدين إثر بيان حال الضالين كما اختاره أبو السعود، واختار الزمخشري وتبعه أبو البقاء أنه عطف على موضع  فَلْيَمْدُدْ  \[ مريم : ٧٥ \] الخ ولم يجوزه أبو حيان سواء كان  فَلْيَمْدُدْ  دعاء أو خبراً في صورة الطلب لأنه في موضع الخبر إن كانت من موصولة، وفي موضع الجزاء أن كانت شرطية وموضع المعطوف موضع المعطوف عليه والجملة التي جعلت معطوفة خالية من ضمير يربط الخبر بالمبتدأ والجواب بالشرط، وقيل عليه أيضاً : إن العطف غير مناسب من جهة المعنى كما أنه غير مناسب من جهة الإعراب إذ لا يتجه أن يقال : من كان في الضلالة يزيد الله الذي اهتدوا هدى. وأجيب عن هذا بأن المعنى من كان في الضلالة زيد في ضلالته وزيد في هداية أعدائه لأنه مما يغيظه وعما سبق بأن من شرطية لا موصولة. واشتراط ضمير يعود من الجزاء على اسم الشرط غير الظرف ممنوع وهو غير متفق عليه عند النحاة كما في **«الدر المصون »** مع أنه مقدر كما سمعت ولا يخفى أن هذا العطف لا يخلو عن تكلف، واختار البيضاوي أنه عطف على مجموع قوله تعالى : مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ  \[ مريم : ٧٥ \] الخ ليتم التقابل فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يجيبهم عن قولهم للمؤمنين  أي الفريقين  \[ مريم : ٧٣ \] الخ فليأت بذكر القسمين أصالة. قال الطيبي : فكأنه قيل : من كان في الضلالة من الفريقين فليمهله الله تعالى وينفس في مدة حياته ليزيد في الغي ويجمع الله تعالى له عذاب الدارين ومن كان في الهداية منهما يزيد الله تعالى هدايته فيجمع سبحانه له خير الدارين. وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم وفيه معنى قول حسان :أتهجوه ولست له بكفء  فشركما لخير كما فداءفي الدعاء والاحتراز عن المواجهة، وفي ****«الكشف »**** أن هذا أولى مما اختاره الزمخشري  والباقيات الصالحات  قد تقدمت الأقوال المأثورة في تفسيرها، واختير أنها الطاعات التي تبقى فوائدها وتدوم عوائدها لعموم وكلها  خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا  بمعناه المتعارف، وقيل : عائدة مما متع به الكفرة من النعم المخدجة الفنية التي يفتخرون بها  وَخَيْرٌ  من ذلك أيضاً  مَّرَدّاً  أي مرجعاً وعاقبة لأن عاقبتها المسرة الأبدية والنعيم المقيم وعاقبة ذلك الحسرة السرمدية والعذاب الأليم. وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطف والتشريف ما لا يخفى. وتكرير الخير لمزيد الاعتناء ببيان الخيرية وتأكيد لها. وفي الآية على ما ذكره الزمخشري ضرب من التهجم بالكفرة حيث أشارت إلى تسمية جزائهم ثواباً. والمفاضلة على ما قال على طريقة الصيف أحر من الشتاء أي أبلغ في حره من الشتاء في برده وليست على التهمكم لأنك لو قلت : النار خير من الزمهرير أو بالعكس تهكماً كان التهكم على بابه في المفضل والمفضل عليه وذلك مما لا يتمش فيما نحن فيه. 
وحاصل ما أراده أن المراد ثواب هؤلاء أبلغ من ثواب أولئك أي عقابهم. وقول **«صاحب التقريب »** فيه : إنه غير معلوم جوابه كيف لا وقد سبقت الرحمة الغضب وفي الجنة من الضعف والأفضال ما لا يقادر قدره والنار من عدله تعالى، وقوله : إنه غير مناسب لمقام التهديد مع ما فيه من المنع يرد عليه أن الكلام مبني على التقابل وأنه على المشاكلة في قولهم : أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وأحسن نديا  \[ مريم : ٣٧ \] فوعد هؤلاء ليس لمجرد تهديد أولئك بل مقصود لذاته قاله في ****«الكشف »****. 
وقال صاحب الفرائد : ما قاله الزمخشري بعيد عن الطبع والاستعمال وليس في كلامهم ما يشهد له، ويمكن أن يقال : المراد ثواب الأعمال الصالحة في الآخرة خير من ثوابهم في الدنيا وهو ما حصل لهم منها من الخير بزعمهم ومما أوتوا من المال والجاه والمنافع الحاصلة منهما اه، ورد إنكاره له بأن الزجاج ذكره في قوله تعالى : أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التي وَعِدَ المتقون  \[ الفرقان : ١٥ \] وأن له نظائر. والبعد عن الطبع في حيز المنع. 
وقال بعض المحققين : إن أفعل في الآية للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى الزيادة المطلقة كما قيل في يوسف عليه السلام أحسن إخوته وهي إحدى حالاته الأربع التي ذكرها بعض علماء العربية، فالمعنى أن ثوابهم ومردهم متصف بالزيادة في الخيرية على المتصف بها بقطع النظر عن هؤلاء المفتخرين بدنياهم فلا يلزم مشاركتهم في الخيرية فتأمل. والجملة على ما ذهب إليه أبو السعود على تقديري الاستئناف والعطف فيما قبلها مستأنفة واردة من جهته تعالى لبيان فضل أعمال المهتدين غير داخلة في حيز الكلام الملقن لقوله سبحانه : عِندَ رَبّكَ ، وقال العلامة الطيبي : الذي يقتضيه النظم الكريم أن هذه الجملة تتميم لمعنى قوله سبحانه : وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى  ومشتملة على تسلية قلوب المؤمنين مما عسى أن يختلج فيها من مفاخرة الكفرة شيء كما أن قوله تعالى : حتى إِذَا رَأَوْاْ – إلى- جُنداً  \[ مريم : ٧٥ \] تتميم لوعيدهم، وكلاهما من تتمة الأمر بالجواب عن قولهم : أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  \[ مريم : ٧٣ \]، وجعل التعبير بخير وارداً على طريق المشاكلة. وما ذكره من كون ذلك من تتمة الجواب هو المنساق إلى الذهن إلا أن ظاهر الخطاب يأباه وقد يتكلف له، ولعلنا قد أسلفنا في هذه السورة ما ينفعك في أمره فتذكر.

### الآية 19:77

> ﻿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [19:77]

أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بئاياتنا  أي بآياتنا التي من جملتها آيات البعث. أخرج البخاري. ومسلم. والترمذي. والطبراني. وابن حبان. وغيرهم عن خباب بن الأرت قال : كنت رجلاً قيناً وكان لي على العاصي بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال : لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت : لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله تعالى : أَفَرَأَيْتَ  الخ. 
وفي رواية أن خباباً قال له لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً ولا ميتاً ولا إذا بعثت فقال العاصي : فإذا بعثت جئتني الخ، وفي رواية أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوه يتقاضون ديناً لهم عليه فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات ؟ قالوا : بلى قال : موعدكم الآخرة والله لأوتين مالاً وولداً ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فنزلت، وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة، وقد كانت له أقوال تشبه ذلك، وقال أبو مسلم : هي عامة في كل من له هذه الصفة، والأول هو الثابت في كتب الصحيح، والهمزة للتعجيب من حال ذلك الكافر والإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يجب أن ترى ويقضي منها العجب، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقها أن يؤمن بها كل من وقف عليها  وَقَالَ  مستهزأ بها مصدراً كلامه باليمين الفاجرة والله  لأَوتَيَنَّ  في الآخرة واردة في الدنيا كما حكاه الطبرسي عن بعضهم تأباه الأخبار الصحيحة إلا أن يحمل الإيتاء على ما قيل على الإيتاء المستمر إلى الآخرة أي لأوتين إيتاء مستمراً  مَالاً وَوَلَدًا  والمراد انظر إليه فتعجب من حالته البديعة وجرأته الشنيعة، وقيل : إن الرؤية مجاز عن الإخبار من إطلاق السبب وإرادة المسبب، والاستفهام مجاز عن الأمر به لأن المقصود من نحو قولك : ما فعلت أخبرني فهو إنشاء تجوز به عن إنشاء آخر والفاء على أصلها. 
والمعنى أخبر بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك الذين قالوا : أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً  \[ مريم : ٧٣ \] الآية، وقيل : عقيب حديث من قال : أَإِذَا مَا مِتُّ  \[ مريم : ٦٦ \] الخ، وما قدمنا في معنى الآية هو الأظهر واختاره العلامة أبو السعود. 
وتعقب الثاني بقوله : أنت خبير بأن المشهور استعمال  أَرَأَيْتَ  في معنى أخبرني بطريق الاستفهام جارياً على أصله أو مخرجاً إلى ما يناسبه من المعاني لا بطريق الأمر بالإخبار لغيره وإرادة أخبرني هنا مما لا يكاد يصح كما لا يخفى. 
وقيل : المراد لأوتين في الدنيا ويأباه سبب النزول، قال العلامة : إلا أن يحمل على الإيتاء المستمر إلى الآخرة فحينئذٍ ينطبق على ذلك. وقرأ حمزة. والكسائي. والأعمش. وطلحة. وابن أبي ليلى. وابن عيسى الأصبهاني  وَلَدًا  بضم الواو وسكون اللام فقيل : هو جمع ولد كأسد وأسد وأنشدوا له قوله :
ولقد رأيت معاشرا \*\*\* قد ثمروا مالاً وولداً
وقيل هو لغة في ولد كالعرب والعرب، وأنشدوا له قوله :
فليت فلاناً كان في بطن أمه \*\*\* وليت فلاناً كان ولد حمار
والحق أنه ورد في كلام العرب مفرداً وجمعاً وكلاهما صحيح هنا. وقرأ عبد الله. ويحيى بن يعمر  وَلَدًا  بكسر الواو وسكون اللام وهو بمعنى ذلك.

### الآية 19:78

> ﻿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:78]

وقوله تعالى : أَطَّلَعَ الغيب  رد لكلمته الشنعاء وإظهار لبطلانها إثر ما أشير إليه بالتعجيب منها، فالجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وقيل : إنها في محل نصب واقعة موقع مفعول ثان لأرأيت على أنه بمعنى أخبرني وهو كما ترى، والهمزة للاستفهام، والأصل أأطلع فحذفت همزة الوصل تخفيفاً، وقرئ  أَطَّلَعَ  بكسر الهمزة وحذف همزة الاستفهام لدلالة أم عليها كما في قوله :
بسبع رمين الجمر أم بثمان \*\*\* والفعل متعد بنفسه وقد يتعدى بعلى وليس بلازم حتى تكون الآية من الحذف والإيصال، والمراد من الطلوع الظهور على وجه العلو والتملك ولذا اختير على التعبير بالعلم ونحوه أي أقد بلغ من عظمة الشأن إلى أن ارتقى علم الغيب الذي استأثر به العليم الخبير جل جلاله حتى ادعى علم أن يؤتى في الآخرة مالاً وولد وأقسم عليه، وعن ابن عباس أن المعنى أنظر في اللوح المحفوظ  أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً  قال لا إله إلا الله يرجو بها ذلك، وعن قتادة العهد العمل الصالح الذي وعد الله تعالى عليه الثواب، فالمعنى أعلم الغيب أم عمل عملاً يرجو ذلك في مقابلته. وقال بعضهم : العهد على ظاهره. والمعنى أعلم الغيب أم أعطاه الله تعالى عهداً وموثقاً وقال له : إن ذلك كائن لا محالة. 
ونقل هذا عن الكلبي، وهذه مجاراة مع اللعين بحسب منطوق مقاله كما أن كلامه كذلك، والتعرض لعنوان الرحمانية للإشعار بعلية الرحمة لإيتاء ما يدعيه.

### الآية 19:79

> ﻿كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [19:79]

كَلاَّ  ردع وزجر عن التفوه بتلك العظيمة، وفي ذلك تنبيه على خطئه. وهذا مذهب الخليل. وسيبويه. والأخفش. والمبرد. وعامة البصريين في هذا الحرف وفيه مذاهب لعلنا نشير إليها إن شاء الله تعالى، وهذا أول موضع وقع فيه من القرآن، وقد تكرر في النصف الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعاً ولم يجوز أبو العباس الوقف عليه في موضع. 
وقال الفراء : هو على أربعة أقسام، أحدها : ما يحسن الوقف عليه ويحسن الابتداء به. والثاني : ما يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء به، والثالث : ما يحسن الابتداء به ولا يحسن الوقف عليه، والرابع : ما لا يحسن فيه شيء من الأمرين، أما القسم الأول ففي عشرة مواضع ما نحن فيه وقوله تعالى : لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ  \[ مريم : ٨١، ٨٢ \] وقوله سبحانه : لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ  \[ المؤمنون : ١٠٠ \] وقوله عز وجل : الذين أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاء كَلاَّ  \[ سبأ : ٢٧ \] وقوله تبارك وتعالى : أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ  \[ المعارج : ٣٨، ٣٩ \] وقوله جل وعلا : أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ  \[ المدثر : ١٥، ١٦ \] وقوله عز اسمه : صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلاَّ  \[ المدثر : ٥٢، ٥٣ \] وقوله سبحانه وتعالى : رَبّى أَهَانَنِ كَلاَّ  \[ الفجر : ١٦، ١٧ \] وقوله تبارك اسمه : أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ  \[ الهمزة : ٣، ٤ \] وقوله تعالى شأنه : ثُمَّ يُنْجِيه كَلاَّ  \[ المعارج : ١٤، ١٥ \] فمن جعله في هذه المواضع رداً لما قبله وقف عليه ومن جعله بمعنى ألا التي للتنبيه أو بمعنى حقاً ابتدأ به وهو يحتمل ذلك فيها، وأما القسم الثاني ففي موضعين قوله جل جلاله حكاية  فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ قَالَ كَلاَّ  \[ الشعراء : ١٤، ١٥ \] وقوله عز شأنه : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ  \[ الشعراء : ٦١، ٦٢ \] وأما الثالث ففي تسعة عشر موضعاً قوله تعالى شأنه : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ  \[ المدثر : ٥٤ \]  كَلاَّ والقمر  \[ المدثر : ٣٢ \]  كَلاَّ بَلْ تُكَذّبُونَ بالدين  \[ الانفطار : ٩ \]  كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي  \[ القيامة : ٢٦ \]  كَلاَّ لاَ وَزَرَ  \[ القيامة : ١١ \]  كلاّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة  \[ القيامة : ٢٠ \]  كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ  \[ النبأ : ٤ \]  كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ  \[ عبس : ٢٣ \]  كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ  \[ المطففين : ١٤ \]  كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم  \[ الفجر : ١٧ \]  كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار  \[ المطففين : ٧ \]  كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار  \[ المطففين : ١٨ \]  كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ  \[ المطففين : ١٥ \]  كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض  \[ الفجر : ٢١ \]  كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى  \[ العلق : ٦ \]  كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ  \[ العلق : ١٥ \]  كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ  \[ العلق : ١٩ \] \[ التكاثر : ٣، ٥ \] لأنه ليس للرد في ذلك، وأما القسم الرابع ففي موضعين  ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ  \[ التكاثر : ٤ \]  ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ  \[ النبأ : ٥ \] فإنه لا حسن الوقف على ثم لأنه حرف عطف ولا على كلا لأن الفائدة فيما بعد، وقال بعضهم : إنه يحسن الوقف على كلاً في جميع القرآن لأنه بمعنى انته إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى : كَلاَّ والقمر  \[ المدثر : ٣٢ \] لأنه موصول باليمين بمنزلة قولك أي وربي  سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ  أي سنظهر إنا كتبنا قوله كقوله :إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة  ولم تجدي من أن تقري به بداًأي إذا انتسبنا علمت وتبين أني لست بابن لئيمة أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة الجاني وحفظها عليه فإن نفس كتبة ذلك لا تكاد تتأخر عن القول لقوله تعالى : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  \[ ق : ١٨ \] وقوله سبحانه جل وعلا : وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ  \[ الزخرف : ٨٠ \] فمبنى الأول تنزيل إظهار الشيء الخفي منزلة إحداث الأمر المعدوم بجامع أن كلاً منهما إخراج من الكمون إلى البروز فيكون استعارة تبعية مبنية على تشبيه إظهار الكتابة على رؤوس الأشهاد بإحداثها ومدار الثاني تسمية الشيء باسم سببه فإن كتبة جريمة المجرم سبب لعقوبته قطعاً قاله أبو السعود، وقيل : إن الكتابة في المعنى الثاني استعارة للوعيد بالانتقام وفيه خفاء، وقال بعضهم : لا مجاز في الآية بيد أن السين للتأكيد، والمراد نكتب في الحال ورد بأن السين إذا أكدت فإنما تؤكد الوعد أو الوعيد وتفيد أنه كائن لا محالة في المستقبل. وأما إنها تؤكد ما يراد به الحال فلا كذا قيل : فليراجع. 
وقرأ الأعمش  سيكتب  بالياء التحتية والبناء للمفعول والبناء للمفعول وذكرت عن عاصم  يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً  مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد أي نطول له من العذاب ما يستحقه أو نزيد عذابه ونضاعفه له من المدد يقال : مده وأمده بمعنى، وتدل عليه قراءة علي كرم الله تعالى وجهه  وَنَمُدُّ  بالضم وهو بهذا المعنى يجوز أن يستعمل باللام وبدونها ومعناه على الأول نفعل المدله وهو أبلغ من نمده وأكد بالمصدر إيذاناً بفرط غضب الله تعالى عليه لكفره وافترائه على الله سبحانه واستهزائه بآياته العظام نعوذ بالله عز وجل مما يستوجب الغضب.

### الآية 19:80

> ﻿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [19:80]

وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ  أي نسلب ذلك ونأخذه بموته أخذ الوارث ما يرثه، والمراد بما يقول مسماه ومصداقه وهو ما أوتيه في الدنيا من المال والولد يقول الرجل : أنا أملك كذا فتقول : ولي فوق ما تقول، والمعنى على المضي وكذا في  يقول  \[ مريم : ٧٩ \] السابق، وفيه إيذان بأنه ليس لما قال مصداق موجود سوى ما ذكر، وما إما بدل من الضمير بدل اشتمال وإما مفعول به أي نرث منه ما آتيناه في الدنيا  وَيَأْتِينَا  يوم القيامة  فَرْداً  لا يصحبه مال ولا ولد كان له فضلاً أي يؤتى ثمة زائداً، وفي حرف ابن مسعود  وَنَرِثُهُ مَا عِندَهُ وَيَأْتِينَا فَرْداً لا مَّال لَهُ وَلاَ وَلَداً  وهو ظاهر في المعنى المذكور، وقيل : المعنى نحرمه ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد ونعطيه لغيره من المستحقين، وروي هذا عن أبي سهل، وتفسير الإرث بذلك تفسير باللازم و  مَا يَقُولُ  مراد منه مسماه أيضاً والولد الذي يعطى للغير ينبغي أن يكون ولد ذلك الغير الذي كان له في الدنيا وإعطاؤه إياه بأن يجمع بينه وبينه حسبما يشتهيه وهذا مبني على أنه لا توالد في الجنة. 
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال جمع : منهم مجاهد. وطاوس. وإبراهيم النخعي : بعدم التوالد احتجاجاً بما في حديث لفيط رضي الله تعالى عنه الطويل الذي عليه من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادي على صحته، وقال فيه أبو عبد الله بن منده لا ينكره إلا جاحد أو جاهل، وقد خرجه جماعة من أئمة السنة من قوله : قلت يا رسول الله أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات ؟ قال صلى الله عليه وسلم :**«المصلحات للمصلحين تلذذونهن ويلذذنكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن لا تتوالد »** وبما روي عن أبي ذر العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إن أهل الجنة لا يكون لهم ولد »** وقالت فرقة بالتوالد احتجاجاً بما أخرجه الترمذي في جامعه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي »** وقال حسن غريب، وبما أخرجه أبو نعيم عن أبي سعيد أيضاً قيل يا رسول الله أيولد لأهل الجنة فإن الولد من تمام السرور ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :**«نعم والذي نفسي بيده وما هو إلا كقدر ما يتمنى أحدكم فيكون حمله ورضاعه وشبابه »** وأجابت عما تقدم بأن المراد نفى أن يكون توالد أو ولد على الوجه المعهود في الدنيا. 
وتعقب ذلك بأن الحديث الأخير ضعيف كما قال البيهقي. 
والحديث الأول قال فيه السفاريني : أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم عليه بالغرابة وأنه لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق التاجي. وقد اضطرب لفظه فتارة يروى عنه إذا اشتهى الولد وتارة أنه يشتهي الولد وتارة إن الرجل من أهل الجنة ليولد له وإذا قلنا بأن له على الرواية السابقة سنداً حسناً كما أشار إليه الترمذي فلقائل أن يقول : إن فيه تعليقاً بالشرط وجاز أن لا يقع، وإذا وإن كانت ظاهرة في المحقق لكنها قد تستعمل لمجرد التعليق الأعم. وأما الجواب عن الحديثين السابقين بما مر فأوهن من بيت العنكبوت كما لا يخفى، وبالجملة المرجح عند الأكثرين عدم التوالد ورجح ذلك السفاريني بعشرة أوجه لكن للبحث في أكثرها مجال والله تعالى أعلم. وقيل : المراد بما يقول نفس القول المذكور لا مسماه، والمعنى إنما يقول هذا القول ما دام حياً فإذا فبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله ويأتينا رافضاً له مفرد عنه. 
وتعقب بأن هذا مبني على صدور القول المذكور عنه بطريق الاعتقاد وأنه مستمر على التفوه به راج لوقوع مضمونه ولا ريب في أن ذلك مستحيل ممن كفر بالبعث وإنما قال ما قال بطريق الاستهزاء. 
وأجيب بأنا لا نسلم البناء على ذلك لجواز أن يكون المراد إنما يقول ذلك ويستهزئ ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين الاستهزاء بما ينكشف له ويحل به أو يقال : إن مبنى ما ذكر على المجاراة مع اللعين كما تقدم. 
قيل : المعنى نحفظ قوله لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نوله سؤله ولم نؤته متمناه فيجتمع عليه أمران تبعة قوله ووباله وفقد المطموع فيه، وإلى تفسير الإرث بالحفظ ذهب النحاس وجعل من ذلك **«العلماء وَرَثَةِ الانبياء »** أي حفظة ما قالوه، وأنت خبير بأن حفظ قوله قد علم من قوله تعالى : سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ . 
وفي **«الكشاف »** يحتمل أنه قد تمنى وطمع أن يؤتيه الله تعالى مالاً وولداً في الدنيا وبلغت به أشعبيته أن تألى على ذلك فقال سبحانه هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ويأتينا غداً فرداً بلا مال ولا ولد كقوله تعالى : لَّقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى  \[ الأنعام : ٩٤ \] فما يجدي عليه تمنيه وتأليه انتهى، ولا يخفى أنه احتمال بعيد جداً في نفسه ومن جهة سبب النزول، والتكلف لتطبيقه عليه لا يقر به كما لا يخفى و  فَرْداً  حال على جميع الأقوال لكن قيل. إنه حال مقدرة حيث أريد حرمانه عن المال والولد وإعطاء ذلك لمستحقه لأن الانفراد عليه يقتضي التفاوت بين الضال والمهتدي وهو إنما يكون بعد الموقف بخلاف ما إذا أريد غير ذلك مما تضمنته الأقوال لعدم اقتضائه التفاوت بينهما وكفاية فردية الموقف في الصحة وإن كانت مشتركة. 
وزعم بعضهم أن الحال مقدرة على سائر الأقوال لأن المراد دوام الانفراد عن المال والولد أو عن القول المذكور والدوام غير محقق عند الإتيان بل مقدر كما في قوله تعالى : ادخلوها خالدين  \[ الزمر : ٧٣ \] ولا يخفى ما فيه.

### الآية 19:81

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [19:81]

واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً  حكاية لجناية عامة للكل مستتبعة لضد ما يرجون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة الكافر المعهود واستتباعها لنقيض مضمونها أي اتخذ الكفرة الظالمون الأصنام أو ما يعمهم وسائر المعبودات الباطلة آلهة متجاوزين الله تعالى : لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  أي ليتعززوا بهم بأن يكونوا لهم وصلة إليه عز وجل وشفعاء عنده.

### الآية 19:82

> ﻿كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [19:82]

كَلاَّ  ردع لهم وزجر عن ذلك، وفيه إنكار لوقوع ما علقوا به أطماعهم الفارغة  سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم  أي ستجحد الآلهة عبادة أولئك الكفرة إياها وينطق الله تعالى من لم يكن ناطقاً منها فتقول جميعاً ما عبدتمونا كما قال سبحانه : وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون  \[ النحل : ٨٦ \] أو ستنكر الكفرة حين يشاهدون عاقبة سوء كفرهم عبادتهم إياها كما قال سبحانه : لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  \[ الأنعام : ٢٣ \]. 
ومعنى قوله تعالى : وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً  على الأول على ما قيل تكون الآلهة التي كانوا يرجون أن تكون لهم عزاً ضداً للعز أي ذلاً وهواناً أو أعواناً عليهم كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو أظهر من التفسير السابق، وكونهم أعواناً عليهم لأنهم يلعنونهم، وقيل : لأن عبادتهم كانت سبباً للعذاب. 
وتعقب بأن هذا لم يحدث يوم القيامة وظاهر الآية الحدوث ذلك اليوم والأمر فيه هين، وقيل : لأنهم يكونون آلة لعذابهم حيث يجعلون وقود النار وحصب جهنم وهذا لا يتسنى إلا على تقدير أن يراد بالآلهة الأصنام، وإطلاق الضد على العون لما أن عون الرجل يضاد عدوه وينافيه بإعانته له عليه، وعلى الثاني يكون الكفرة على الآلهة أي أعداء لها من قولهم : الناس عليكم أي أعداؤكم، ومنه اللهم كن لنا ولا تكن علينا ضداً أي منافين ما كانوا عليه كافرين بها بعدما كانوا يعبدونها فعليهم على ما قيل خبر يكون،  وضداً  حال مؤكدة والعداوة مرادة مما قبله، وقيل : إنها مرادة منه وهو الخبر و  سَوَاء عَلَيْهِمْ  في موضع الحال، وقد فسره بأعداء الضحاك وهو على ما نقل عن الأخفش كالعدو يستعمل مفرداً وجمعاً. 
وبذلك قال صاحب القاموس وجعل ما هنا جمعاً، وأنكر بعضهم كونه مما يطلق على الواحد والجمع، وقال : هو للواحد فقط وإنما وحد هنا لوحدة المعنى الذي يدور عليه مضادتهم فإنهم بذلك كالشيء الواحد كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي وهم يد على من سواهم، وقال صاحب الفرائد : إنما وحد لأنه ذكر في مقابلة قوله تعالى : عِزّاً  \[ مريم : ٨١ \] وهو مصدر يصلح لأن يكون جمعاً فهذا وإن لم يكن مصدراً لكن يصلح لأن يكون جمعاً نظراً إلى ما يراد منه وهو الذل، وهذا إذا تم فإنما يتم على المعنى الأول، وقد صرح في **«البحر »** أنه على ذلك مصدر يوصف به الجمع كما يوصف به الواحد فليراجع. وقرأ أبو نهيك هنا وفيما تقدم  كَلاَّ  بفتح الكاف والتنوين فقيل إنها الحرف الذي للردع إلا أنه نوى الوقف عليها فصار ألفها كألف الإطلاق ثم أبدلت تنويناً، ويجوز أن لا يكون نوى الوقف بل أجريت الألف مجرى ألف الإطلاق لما أن ألف المبنى لم يكن لها أصل ولم يجز أن تقع روياً ويسمى هذا تنوين الغالي وهو يلحق الحروف وغيرها ويجامع الألف واللام كقولك :أقلي اللوم عاذل والعتابن  وقولي إن أصبت لقد أصابنوليس هذا مثل  قَوَارِيرا  \[ الإنسان : ١٥ \] كما لا يخفى خلافاً لمن زعمه. وفي محتسب ابن جني أن  كَلاَّ  مصدر من كل السيف إذا نبا وهو منصوب بفعل مضمر من لفظه، والتقدير هنا كل هذا الرأي والاعتقاد كلا، والمراد ضعف ضعفاً، وقيل : هو مفعول به بتقدير حملوا  كَلاَّ  ويقال نظير ذلك فيما تقدم، وقال ابن عطية : هو نعت لآلهة، والمراد به الثقيل الذي لا خير فيه والإفراد لأنه بزنة المصدر وهو كما ترى، والأوفق بالمعنى ما تقدم وإن قيل فيه تعسف لفظي وإنه يلزم عليه إثبات التنوين خطا كما في أمثال ذلك. 
وحكى أبو عمرو الداني عن أبي نهيك أنه قرأ  كَلاَّ  بضم الكاف والتنوين وهي على هذا منصوبة بفعل محذوف دل عليه  سَيَكْفُرُونَ  على أنه من باب الاشتغال نحو زيداً مررت به أي يجحدون كلا أي عبادة كل من الآلهة ففيه مضاف مقدر وقد لا يقدر. وذكر الطبري عنه أنه قرأ  كُلٌّ  بضم الكاف والرفع وهو على هذا مبتدأ. والجملة بعده خبره.

### الآية 19:83

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [19:83]

أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين  قيضناهم وجعلناهم قرناء لهم مسلطين عليهم أو سلطناهم عليهم ومكناهم من إضلالهم  تَؤُزُّهُمْ أَزّاً  تغريهم وتهيجهم على المعاصي تهييجاً شديداً بأنواع التسويلات والوساوس فإن الأز والهز والاستفزاز أخوات معناها شدة الإزعاج، وجملة  تَؤُزُّهُمْ  إما حال مقدرة من الشياطين أو استئناف وقع جواباً عما نشأ من صدر الكلام كأنه قيل : ماذا تفعل الشياطين بهم ؟ فقيل تؤزهم الخ. والمراد من الآية تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تضمنته الآيات السابقة الكريمة من قوله سبحانه : وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ  \[ مريم : ٦٦ \] إلى هنا وحكته عن هؤلاء الكفرة الغواة والمردة العتاة من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل والتمادي في الغي والانهماك في الضلال والإفراط في العناد والتصميم على الكفر من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم والإجماع على مدافعة الحق بعد إيضاحه وانتفاء الشرك عنه بالكلية وتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم لا لأن هناك قصوراً في التبليغ أو مسوغاً في الجملة، وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي تذييل لتلك الآيات لما ذكر. وليس المراد منها تعجيبه عليه الصلاة والسلام من إرسال الشياطين عليهم كما يوهمه تعليق الرؤية به بل مما ذكر من أحوالهم من حيث كونها من آثار إغواء الشياطين كما ينبئ عن ذلك قوله سبحانه : تَؤُزُّهُمْ أَزّاً .

### الآية 19:84

> ﻿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [19:84]

فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ  بأن يهلكوا حسبما تقتضيه جناياتهم ويبيد عن آخرهم وتطهر الأرض من خباثاتهم، والفاء للإشعار بكون ما قبلها مظنة الوقوع المنهي عنه محوجة إلى النهي كما في قوله تعالى : إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة  \[ طه : ١١٧ \]. 
وقوله تعالى : إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً  تعليل لموجب النهي ببيان اقتراب هلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس نعدها عداً أي قليلة كما قيل في قوله تعالى : دراهم مَعْدُودَةٍ  \[ يوسف : ٢٠ \] ولا ينافي هذا ما مر من أنه يمد لمن كان في الضلالة أي يطول لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند الله عز وجل، وقيل : إن التعليل بما ذكر دل أن أنفاسهم وأيامهم تنته بانتهاء العد ولا شك أنها على كثرتها يستوفي إحصاؤها في ساعة فعبر بهذا المعنى عن القليل فكأنه قيل : ليس بينك وبين هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة كأنها في سرعة تقضيها الساعة التي تعد فيها لوعدت، وهذا ليس مبنياً على أن كل ما يعد فهو قليل انتهى، والأول هو الظاهر وهذا أبعد مغزى، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك آخر العدد فراق أهلك آخر العدد دخول قبرك، وعن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد ولله تعالى در من قال :إن الحبيب من الأحباب مختلس  لا يمنع الموت بواب ولا حرسوكيف يفرح بالدنيا ولذتها  فتى يعد عليه اللفظ والنفسوقيل : المراد إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها.

### الآية 19:85

> ﻿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا [19:85]

يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن  أي ركباناً كما أخرجه جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة. وابن أبي حاتم. وابن مردويه من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهة قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقلت : يا رسول الله هل الوفد إلا الركب ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :**«والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد البصر وينتهون إلى باب الجنة »** الحديث، وهذه النوق من الجنة كما صرح به في حديث أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد. وغيره موقوفاً على علي كرم الله تعالى وجهه، وروي عن عمرو بن قيس أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن، ويروى أنه يركب كل منهم ما أحب من إبل أو خيل أو سفن تجيء عائمة بهم، وأصل الوفد جمع وافد كالوفود والأوفاد والوفد من وفد إليه وعليه يفد وفداً ووفوداً ووفادة وإفادة قدم وورد. 
 وفي النهاية الوفد هم القوم يجتمعون ويردون البلاد واحدهم وافد وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك، وقال الراغب : الوفد والوفود هم الذين يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج، ومنه الوفد من الإبل وهو السابق لعيرها، وهذا المعنى الذي ذكره هو المشهور، ومن هنا قيل : إن لفظة الوفد مشعرة بالإكرام والتبجيل حيث آذنت بتشبيه حالة المتقين بحالة وفود الملوك وليس المراد حقيقة الوفادة من سائر الحيثيات لأنها تتضمن الانصراف من الموفود عليه والمتقون مقيمون أبداً في ثواب ربهم عز وجل. والكلام على تقدير مضاف أي إلى كرامة الرحمن أو ثوابه وهو الجنة أو إلى دار كرامته أو نحو ذلك، وقيل : الحشر إلى الرحمن كناية عن ذلك فلا تقدير، وكان الظاهر الضمير بأن يقال يوم نحشر المتقين إلينا إلا أنه اختير الرحمن إيذاناً بأنهم يجمعون من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة إلى من يرحمهم. قال القاضي : ولاختيار الرحمن في هذه السورة شأن، ولعله أن مساق الكلام فيها لتعداد النعم الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها فكأنه قيل : هنا يوم نحشر المتقين إلى ربهم الذي غمرهم من قبل برحمته وشملهم برأفته وحاصله يوم نحشرهم إلى من عودهم الرحمة وفي ذلك من عظيم البشارة ما فيه، وقد قابل سبحانه ذلك بقوله جل وعلا :
ومن باب الإشارة  يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا  \[ مريم : ٨٥ \] ركبانا على نجائب النور، وقال ابن عطاء : بلغني عن الصادق رضي الله عنه أنه قال : ركبانا على متون المعرفة

### الآية 19:86

> ﻿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا [19:86]

وَنَسُوقُ المجرمين  كما تساق البهائم  إلى جَهَنَّمَ وِرْداً  أي عطاشاً كما روي عن ابن عباس. وأبي هريرة. والحسن. وقتادة. ومجاهد، وأصله مصدر ورد أي سار إلى الماء، قال الراجز :ردي ردي ورد قطاة صما  كدرية أعجبها برداً لماوإطلاقه على العطاش مجاز لعلاقة اللزوم لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش، وجوز أن يكون المراد من الورد الدواب التي ترد الماء والكلام على التشبيه أي نسوقهم كالدواب التي ترد الماء، وفي **«الكشف »** في لفظ الورد تهكم واستخفاف عظيم لاسيما وقد جعل المورد جهنم أعاذنا الله تعالى منها برحمته فلينظر ما بين الجملتين من الفرق العظيم. وقرأ الحسن. والجحدري  يحْشَرُ المتقون ويساق المجرمون  ببناء الفعلين للمفعول. 
واستدل بالآية على أن أهوال القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون مكرمين فكيف ينالهم بعد ذلك شدة ؛ وفي **«البحر »** الظاهر أن حشر المتقين إلى الرحمن وفداً بعد انقضاء الحساب وامتياز الفريقين وحكاه ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي وذكر ذلك النيسابوري احتمالاً بحثاً في الاستدلال السابق. 
وأنت تعلم أن ذلك لا يتأتى على ما سمعت في الخبر المروى عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه صريح في أنهم يركبون عند خروجهم من القبور وينتهون إلى باب الجنة وهو ظاهر في أنهم لا يحاسبون. 
وقال بعضهم : إن المراد بالمتقين الموصوفون بالتقوى الكاملة ولا يبعد أن يدخلوا الجنة بلا حساب فقد صحت الأخبار بدخول طائفة من هذه الأمة الجنة كذلك، ففي **«الصحيحين »** عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال :" عرضت على الأمم يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي ليس معه أحد والنبي معه الرهط فرأيت سواداً كثيراً فرجوت أن يكون أمتي فقيل : هذا موسى وقومه ثم قيل : انظر فرأيت سواداً كثيراً فقيل : هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكر أصحابه فقالوا : أما نحن فولدنا في الشرك ولكن قد آمنا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء أبناؤنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " والحديث. 
وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعين ألفاً وثلاث حثيات من حثيات ربي " 
وأخرج الإمام أحمد. والبزار. والطبراني عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : هلا استزدته ؟ قال قد استزدته فأعطاني هكذا وفرج بين يديه وبسط باعيه وحثى » قال هشام : هذا من الله عز وجل لا يدري ما عدده ؛ وأخرج الطبراني. والبيهقي عن عمرو بن حزم الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال :**«احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً لا يخرج إلا إلى صلاة مكتوبة ثم يرجع فلما كان اليوم الرابع خرج إلينا صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله احتبست عنا حتى ظننا أنه حدث حدث قال : لم يحدث الأخير إن ربي وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً لا حساب وإني سألت ربي في هذه الثلاث أيام المزيد فوجدت ربي ماجداً كريماً فأعطاني مع كل واحد سبعين ألفاً »** الخبر إلى غير ذلك من الأخبار وفي بعضها ذكر من يدخل الجنة بغير حساب بوصفه كالحامدين الله تعالى شأنه في السراء والضراء وكالذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع وكالذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى وكالذي يموت في طريق مكة ذاهباً أو راجعاً وكطالب العلم والمرأة المطيعة لزوجها والولد البار بوالديه وكالرحيم الصبور وغير ذلك، ووجه الجمع بين الأخبار ظاهر ويلزم. على تخصيص المتقين بالموصوفين بالتقوى الكاملة دخول عصاة المؤمنين في المجرمين أو عدم احتمال الآية على بيان حالهم، واستدل بعضهم بالآية على ما روى من الخبر على عدم إحضار المتقين جثياً حول جهنم فما يدل على العموم مخصص بمثل ذلك فتأمل والله تعالى الموفق، ونصب  يَوْمٍ  على الظرفية بفعل محذوف مؤخر أي يوم نحر ونسوق نفعل بالفريقين من الأفعال ما لا يحيط ببيانه نطاق المقال، وقيل : على المفعولية بمحذوف مقدم خوطب به سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أي اذكر لهم بطريق الترغيب والترهيب يوم نحشر الخ، وقيل : على الظرفية بِ  نعد  \[ مريم : ٨٤ \] باعتبار معنى المجازاة، وقيل : بقوله سبحانه وتعالى : سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم  \[ مريم : ٨٢ \]. 
وقيل بقوله جل وعلا  يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً  \[ مريم : ٨٢ \] وقيل : بقوله تعالى شأنه : لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة .

### الآية 19:87

> ﻿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:87]

لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة  والذي يقتضيه مقام التهويل وتستدعيه جزالة التنزيل أن ينتصب بأحد الوجهين الأولين ويكون هذا استئنافاً مبيناً لبعض ما في ذلك اليوم من الأمور الدالة على هوله، وضمير الجمع لما يعم المتقين والمجرمين أي العباد مطلقاً وقيل : للمتقين، وقيل : للمجرمين من أهل الإيمان وأهل الكفر  والشفاعة ، على الأولين مصدر المبنى للفاعل وعلى الثالث ينبغي أن يكون مصدر المبني للمفعول. 
وقوله تعالى : إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً  استثناء متصل من الضمير على الأول ومحل المستثنى إما الرفع على البدل أو النصب على أصل الاستثناء، والمعنى لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم إلا من اتصف منهم بما يستأهل معه أن يشفع وهو المراد بالعهد، وفسره ابن عباس بشهادة أن لا إله إلا الله والتبري من الحول والقوة عدم رجاء أحد إلا الله تعالى، وأخرج ابن أبي شيبة. وابن أبي حاتم. والطبراني. وابن مردويه. والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه قرأ الآية وقال : إن الله تعالى يقول يوم القيامة :**«من كان له عني عهد فليقم فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عهداً عندك تؤديه إلى يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد »**، وأخرج ابن أبي شيبة عن مقاتل أنه قال : العهد الصلاح، وروى نحوه عن السدي. وابن جريج، وقال الليث : هو حفظ كتاب الله تعالى، وتسمية ما ذكر عهداً على سبيل التشبيه، وقيل : المراد بالعهد الأمر والإذن من قولهم : عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يملك العباد أن يشفعوا إلا من أذن الله عز وجل له بالشفاعة وأمره بها فإنه يملك ذلك، ولا يأبى  عِندَ  الاتخاذ أصلاً فإنه كما يقال : أخذت الإذن في كذا يقال : اتخذته، نعم في قوله تعالى : عِندَ الرحمن  نوع إباء عنه مع أن الجمهور على الأول، والمراد بالشفاعة على القولين ما يعم الشفاعة في دخول الجنة والشفاعة في غيره ونازع في ذلك المعتزلة فلم يجوزوا الشفاعة في دخول الجنة والاخبار تكذبهم، فعن أبي سعيد الخدري قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الرجل من أمتي ليشفع للفئام من الناس فيدخلون الجنة بشفاعته وإن الرجل ليشفع للرجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته، وجوز ابن عطية أن يراد بالشفاعة الشفاعة العامة في فصل القضاء وبمن اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم وبالعهد الوعد بذلك في قوله سبحانه وتعالى : عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا  \[ الإسراء : ٧٩ \] وهو خلاف الظاهر جداً، وعلى الوجه الثاني في ضمير الجمع الاستثناء من الشفاعة بتقدير مضاف وهو متصل أيضاً. وفي المستثنى الوجهان السابقان أي لا يملك المتقون الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ عند الرحمن عهداً، والمراد به الإيمان، وإضافة المصدر إلى المفعول. وقيل : المستثنى منه محذوف على هذا الوجه أي لا يملك المتقون الشفاعة لأحد إلا من اتخذ الخ أي إلا لمن اتصف بالإيمان. وجوز أن يكون الاسثناء من الشفاعة بتقدير المضاف على الوجه الأول في الضمير أيضاً، وأن يكون المصدر مضافاً لفاعله أو مضافاً لمفعوله. وجوز عليه أيضاً أن يكون المستثنى منه محذوفاً كما سمعت، وعلى الوجه الثالث الاستثناء من الضمير وهو متصل أيضاً، وفي المستثنى الوجهان أي لا يملك المجرمون أن يشفع لهم إلا من كان مؤمناً فإنه يملك أن يشفع له. وقيل : الاستثناء على تقدير رجوع الضمير إلى المجرمين منقطع لأن المراد بهم الكفار، وحمل ذلك على العصاة والكفار بعيد كما قال أبو حيان، والمستثنى حينئذ لازم النصف عند الحجازيين جائز نصبه وإبداله عند تميم. 
وجوز الزمخشري أن تكون الواو في  لاَّ يَمْلِكُونَ  علامة الجمع كالتي في أكلوني البراغيث والفاعل  مَنِ اتخذ  لأنه في معنى الجمع. وتعقبه أبو حيان بقوله : لا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميراً، وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنها لغة ضعيفة، وأيضاً فالواو والألف والنون التي تكون علامات لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف إما أن يأتي بلفظ مفرد يطلق على جمع أو مثنى فيحتاج في إثباته إلى نقل، وإما عود الضمائر مثناة ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب فيمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال ذلك إلا بسماع انتهى. وتعقبه أيضاً ابن المنير بأن فيه تعسفاً لأنه إذا جعل الواو علامة لمن ثم أعاد على لفظها بالإفراد ضمير  اتخذ  كان ذلك إجمالاً بعد إيضاح وهو تعكيس في طريق البلاغة التي هي الإيضاح بعد الاجمال والواو على إعرابه وإن لم تكن عائدة على من إلا أنها كاشفة لمعناها كشف الضمير العائد لها ثم قال : فتنبه لهذا النقد فإنه أروج من النقد. 
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
انتهى، ومنه يعلم القول بجواز رجوع الضمير لها أولاً باعتبار معناها وثانياً باعتبار لفظها لا يخلو عن كدر.

### الآية 19:88

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا [19:88]

وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً  حكاية لجناية القائلين عزيز ابن الله. وعيسى ابن الله. والملائكة بنات الله من اليهود والنصارى والعرب تعالى شأنه عما يقولون علواً كبيراً إثر حكاية جناية من عبد ما عبد من دونه عز وجل بطريق عطف القصة على القصة فالضمير راجع لمن علمت وإن لم يذكر صريحاً لظهور الأمر. 
وقيل : راجع للمجرمين. وقيل : للكافرين. وقيل : للكافرين. وقيل : للظالمين. وقيل : للعباد المدلول عله بذكر الفريقين المتقين والمجرمين. وفيه إسناد ما للبعض إلى الكل مع أنهم لم يرضوه وقد تقدم البحث فيه.

### الآية 19:89

> ﻿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [19:89]

وقوله تعالى : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً  رد لمقالتهم الباطلة وتهويل لأمرها بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب المنبئ عن كمال السخط وشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح وتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجهل والجرأة، وقيل : لا التفات والكلام بتقدير قل لهم لقد جئتم الخ، والإد بكسر الهمزة كما في قراءة الجمهور وبفتحها كما قرأ السلمي العجب كما قال ابن خالويه. وقيل : العظيم المنكر والإدة لشدة وأدنى الأمر وآدنى اثقلني وعظم على. وقال الراغب : الاد المنكر فيه جلبة من قولهم : ادت الناقة تئد أي رجعت حنينها ترجيعاً شديداً. وقيل : الإد بالفتح مصدر وبالكسر اسم أي فعلتم أمراً عجيباً أو منكراً شديداً لا يقادر قدره فإن جاء وأتى يستعملان بمعنى فعل فيتعديان تعديته. وقال الطبرسي : هو من باب الحذف والإيصال أي جئتم بشيء إد.

### الآية 19:90

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [19:90]

تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ  في موضع الفة لِ  إدَّا  \[ مريم : ٨٩ \] أو استئناف لبيان عظم شأنه في الشدة والهول، والتفطر على ما ذكره الكثي التشقق مطلقاً، وعلى ما يدل عليه كلام الراغب التشقق طولاً حيث فسر الفطر وهو منه بالشق كذلك، وموارد الاستعمال تقتضي عدم التقييد بما ذكر. نعم قيل : إنها تقتضي أن يكون الفطر من عوارض الجسم الصلب فإنه يقال : إنا مفطور ولا يقال : ثوب مفطور بل مشقوق، وهو عندي في أعراف الرد والقبول وعليه يكون في نسبة التفطر إلى السموات والانشقاق إلى الأرض في قوله تعالى : وَتَنشَقُّ الأرض  إشارة إلى أن السماء أصلب من الأرض، والتكثير الذي تدل عليه صيغة التفعل قيل في الفعل لأنه الأوفق بالمقام، وقيل : في متعلقه ورجح بأنه قد قرأ أبو عمرو. وابن عامر. وحمزة وأبو بكر عن عاصم. ويعقوب. وأبو بحرية. والزهري. وطلحة. وحميد. واليزيدي. وأبو عبيد  ينفطرن  مضارع انفطر وتوافق القراءتين يقتضي ذلك، وبأنه قد اختير الانفعال في تنشق الأرض حيث لا كثرة في المفعول ولذا أول  مِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ  \[ الطلاق : ١٢ \] بالأقاليم ونحوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ووجهه بعضهم اختلاف الصيغة على القول بأن التكثير في الفعل بأن السموات لكونها مقدسة لم يعص الله تعالى فيها أصلاً نوعاً ما من العصيان لم يكن لها ألف ما بالمعصية ولا كذلك الأرض فهي تتأثر من عظم المعصية ما لا تتأثر الأرض. 
وقرأ ابن مسعود  يتصدعن  قال في **«البحر »** : وينبغي أن يجعل ذلك تفسيراً لا قراءة لمخالفته سواد المصحف المجمع عليه ولرواية الثقات عنه أنه قرأ كالجمهور انتهى. ولا يخفى عليك أن في ذلك كيفما كان تأييداً لمن ادعى أن الفطر من عوارض الجسم الصلب بناء على ما في **«القاموس »** من أن الصدع شق في شيء صلب. 
وقرأ نافع. والكسائي. وأبوحيوة. والأعمش  بالكافرين يَكَادُ  بالياء من تحت  وَتَخِرُّ الجبال  تسقط وتنهد  هَدّاً  نصب على أنه مفعول مطلق لتخر لأنه بمعنى تنهد كما أشرنا إلينا وإليه ذهب ابن النحاس. وجوز أن يكون مفعولاً لا مطلقاً لتنهد مقدراً. والجملة في موضع الحال، وقيل : هو مصدر بمعنى المفعول منصوب على الحال من هد المعتدى أي مهدودة. وجوز أن يكون مفعولاً له أي لأنها تنهد على أنه م هد اللازم بمعنى انهدم ومجيئه لازماً مما صرح به أبو حيان وهو إمام اللغة. والنحو فلا عبرة ممن أنكره، وحينئذ يكون الهد من فعل الجبال فيتحد فاعل المصدر والفعل المعلل به، وقيل : إنه ليس من فعلها لكنها إذا هدها أحد يحصل لها الهد فصح أن يكون مفعولاً له، وفي الكلام تقرير لكون ذلك إداً والكيدودة فيه على ظاهرها من مقاربة الشيء. 
وفسرها الأخفش هنا. وفي قوله تعالى : أَكَادُ أُخْفِيهَا  \[ طه : ١٥ \] بالإرادة وأنشد شاهداً على ذلك قول الشاعر :كادت وكدت وتلك خير إرادة  لو عاد من زمن الصبابة ما مضىولا حجة له فيه، والمعنى إن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها بحيث لو تصور بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفرقت أجزاؤها من شدتها أو أن حق تلك الكلمة لو فهمتها تلك الجمادات العظام أن تتفطر وتنشق وتخر من فظاعتها، وقيل : المعنى كادت القيامة أن تقوم فإن هذه الأشياء تكون حقيقة يوم القيامة، وقيل : الكلام كناية عن غضب الله تعالى على قائل تلك الكلمة وأنه لولا حلمه سبحانه وتعالى لوقع ذلك وهلك القائل وغيره أي كدت أفعل ذلك غضباً لولا حلمي. 
وأخرج ابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن الشكر فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكدن أن يزلن منه تعظيماً لله تعالى وفيه إثبات فهم لتلك الأجرام والأجسام لائق بهن. وقد تقدم ما يتعلق بذلك. وفي **«الدر المنثور »** في الكلام على هذه الآية، أخرج أحمد في الزهد. وابن المبارك. وسعيد بن منصور. وابن أبي شيبة. وأبو الشيخ في العظمة وابن أبي حاتم. والطبراني. والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عون عن ابن مسعود قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم أحد ذاكر لله تعالى فإذا قال : نعم استبشر قال عون : أفلا يسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن الخير هن للخير أسمع وقرأ  وَقَالُواْ  \[ مريم : ٨٨ \] الآيات اه وهو ظاهر في الفهم. 
وقال ابن المنير : يظهر لي في الآية معنى لم أره لغيري وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد استعار لدلالة هذه الأجرام على وجوده عز وجل موصوفاً بصفات الكمال الواجبة له سبحانه أن جعلها مسبحة بحمده قال تعالى : تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  \[ الإسراء : ٤٤ \] ومما دلت عليه السموات والأرض والجبال بل وكل ذرة من ذراتها أن الله تعالى مقدس عن نسبة الولد إليه :
وفي كل شيء له آية \*\*\*
تدل على أنه واحد
فالمعتقد نسبة الولد إليه عز وجل قد عطل دلالة هذه الموجودات على تنزيه الله تعالى وتقديسه فاستعير لإبطال ما فيها من روح الدلالة التي خلقت لأجلها إبطال صورها بالهد والانفطار والانشقاق اه. 
 واعترض عليه بأن الموجودات إنما تدل على خالق قادر عالم حكيم لدلالة الأثر على المؤثر والقدرة على المقدور وإتقان العمل يدل على العمل والحكمة وأما دلالتها على الوحدانية فلا وجه له ولا يثبت مثله بالشعر. ورد بأنها لو لم تدل جاء حديث التمانع كما حققه المولى الخيالي في **«حواشيه »** على شرح عقائد النسفي للعلامة الثاني
وقال بعضهم : إنها تدل على عظم شأنه تعالى وأنه لا يشابهه ولا يدانيه شيء فلزم أن لا يكون له شريك ولا ولد لأنه لو كان كذلك لكان نظيراً عز وجل. ولذا عبر عن هذه الدلالة بالتسبيح والتنزيه. 
ولعل ما أشرنا إليه أولى وأدق، وليس مراد من نسب الولد إليه عز وجل إلا الشرك فتأمل، والجمهور على أن الكلام لبيان بشاعة تلك الكلمة على معنى أنها لو فهمتها الجمادات لاستعظمتها وتفتت من بشاعتها. ونحو هذا مهيع للعرب، قال الشاعر :لما أتى خبر الزبير تواضعت  سور المدين والجبال الخشع**وقال الآخر :**فاصبح بطن مكة مقشعرا  كان الأرض ليس بها هشام**وقال الآخر :**ألم تر صدعاً في السماء مبينا  على ابن لبيني الحرث بن هشامإلى غير ذلك وهو نوع من المبالغة ويقبل إذا اقترن بنحو كاد كما في الآية الكريمة، وقد بين ذلك في محله.

### الآية 19:91

> ﻿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا [19:91]

أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً  بتقدير اللام التعليلية. ومحله بعد الحذف نصب عند سيبويه وجر عند الخليل والكسائي، وهو علة للعلية التي تضمنها  مِنْهُ  لكن باعتبار ما تدل عليه الحال أعني قوله تعالى :

### الآية 19:92

> ﻿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [19:92]

وَمَا ينبغي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً  وقيل : علة لتكاد الخ، واعترض بأن كون لِ  تَكَادُ  \[ مريم : ٩٠ \] الخ معللاً بذلك قد علم من  مِنْهُ  \[ مريم : ٩٠ \] فيلزم التكرار. وأجيب بما لا يخلو عن نظر. وقيل : علة لِ  هدَّا  \[ مريم : ٩٠ \] وهو علة للخرور، وقيل ليس هناك لام مقدرة بل أن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالإبدال من الهاء من منه كما في قوله :على حالة لو أن في القوم حاتما  على جوده لضن بالماء حاتمبجر حاتم بالإبدال من الهاء في وجوده، واستبعده أبو حيان للفصل بجملتين بين البدل والمبدل منه، وقيل : المصدر مرفوع على أنه خبر محذوف أي الموجب لذلك دعاؤهم للرحمن ولداً وفيه بحث. وقيل : هو مرفوع على أنه فاعل هدا ويعتبر مصدراً مبنياً للفاعل أي هدها دعاؤهم للرحمن ولداً. وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعداً لأن الظاهر كون هذا المصدر تأكيدياً والمصدر التأكيدي لا يعمل ولو فرض غير تأكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا كان أمراً كضربا زيداً أو بعد استفهام كاضربا زيداً وما هنا ليس أحد الأمرين وما جاء عاملاً وليس أحدهما كقوله :
وقوفاً بها صحبي على مطيهم \*\*\* نادر. والتزام كون ما هنا من النادر لا يدفع البعد. ولعل ما ذكرناه أدق الأوجه وأولاها فتدبر والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. و  دَّعَوَا  عند الأكثرين بمعنى سموا. والدعاء بمعنى التسمية يتعدى لمفعولين بنفسه كما في قوله :دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن  أخاها ولم أرضع لها بلبانوقد يتعدى للثاني بالباء فيقال دعوت ولدي بزيد واقتصر هنا على الثاني وحذف الأول دلالة على العموم والإحاطة لكل ما دعى له عز وجل ولداً من عيسى. وعزير عليهما السلام. وغيرهما. وجوز أن يكون من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله صلى الله عليه وسلم :**«من ادعى إلى غير مواليه »** وقول الشاعر :أنا بني نهشل لا ندعى لاب  عنه ولا هو بالابناء يشرينافيتعدى لواحد، والجار والمجرور جوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من  وَلَدًا  وأن يكون متعلقاً بما عنده، وجملة  مَا يَنبَغِي  حال من فاعل  دَّعَوَا ، وقيل : من فاعل  قَالُواْ  \[ مريم : ٨٨ \]،  وينبغي  مضارع انبغى مطاوع بغي بمعنى طلب وقد سمع ماضيه فهو فعل متصرف في الجملة، وعده ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وغلطه في ذلك أبو حيان، ويمكن أن يقال : مراده أنه لا يتصرف تاماً،  وَأَنْ يَتَّخِذِ  في تأويل مصدر فاعله، والمراد لا يليق به سبحانه اتخاذ الولد ولا يتطلب له عز وجل لاستحالة ذلك في نفسه لاقتضائه الجزئية أو المجانسة واستحالة كل ظاهرة، ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه وأين ذلك ممن هو مبدأ النعم وموالي أصولها وفروعها.

### الآية 19:93

> ﻿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا [19:93]

وقد أشير إلى ذلك بقوله سبحانه : إِن كُلُّ مَن في السموات والأرض  أي ما منهم أحد من الملائكة والثقلين  إِلا آتِى الرحمن عَبْداً  أي إلا وهو مملوك له تعالى يأوي إليه عز وجل بالعبودية والانقياد لقضائه وقدره سبحانه وتعالى فالإتيان معنوي، وقيل : هو حسي، والمراد إلا ءاتى محل حكمه وهو أرض المحشر منقاداً لا يدعى لنفسه شيئاً مما نسبوه إليه وليس بذاك كما لا يخفى، و  مِنْ  موصولة بمعنى الذي و  كُلٌّ  تدخل عليه لأنه يراد منه الجنس كما قيل في قوله تعالى  والذي جَاء بالصدق  \[ الزمر : ٣٣ \] وقوله :
وكل الذي حملتني أتحمل \*\*\* وقيل : موصوفة لأنها وقعت بعد  كُلٌّ  نكرة وقوعها بعد رب في قوله :

رب من أنضجت غيظاً صدره  قد تمنى لي موتاً لم يطعورجح في البحر الأول بأن مجيئها موصوفة بالنسبة إلى مجيئها موصولة قليل : وقرأ عبد الله. وابن الزبير وأبو حيوة. وطلحة. وأبو بحرية. وابن أبي عبلة. ويعقوب  ءات  بالتنوين  مُّقْتَدِرِ الرحمن  بالنصب على الأصل. 
ونصب  عَبْداً  في القراءتين على الحال. واستدل بالآية على أن الوالد لا يملك ولده وأنه يعتق عليه إذا ملكه. 
ومن باب الإشارة  إِن كُلُّ مَن في السموات والأرض إِلا آتِى الرحمن عَبْداً  \[ مريم : ٩٣ \] فقيراً ذليلاً منقاداً مسلوب الأنانية بالكلية

### الآية 19:94

> ﻿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [19:94]

لَقَد  حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يكاد يخرج أحد منهم من حيطة علمه وقبضة قدرته جل جلاله. 
 أحصاهم وَعَدَّهُمْ عَدّاً  أي عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده تعالى بمقدار.

### الآية 19:95

> ﻿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [19:95]

وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً  أي منفرداً من الأتباع والأنصار منقطعاً إليه تعالى غاية الانقطاع محتاجاً إلى إعانته ورحمته عز وجل فكيف يجانسه ويناسبه ليتخذه ولداً وليشرك به سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقيل : أي كل واحد من أهل السموات والأرض العابدين والمعبودين آتيه عز وجل منفرداً عن الآخر فينفرد العابدون عن الآلهة التي زعموا أنها أنصار أو شفعاء والمعبودون عن الأتباع الذين عبدوهم وذلك يقتضي عدم النفع وينتفي بذلك المجانسة لمن بيده ملكوت كل شيء تبارك وتعالى، وفي  ءاتِيهِ  من الدلالة على إتيانهم كذلك البتة ما ليس في يأتيه فلذا اختير عليه وهو خبر  كُلُّهُمْ  وكل إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم أو كل الناس فالمنقول أنه يجوز عود الضمير عليه مفرداً مراعاة للفظه فيقال كلكم ذاهب، ويجوز عوده عليه جمعاً مراعاة لمعناه فيقال : كلكم ذاهبون. 
وحكى إبراهيم بن أصبغ في كتاب رؤس المسائل الاتفاق على جواز الأمرين، وقال أبو زيد السهيلي : إن كلا إذا ابتدئ به وكان مضافاً لفظاً أي إلى معرفة لم يحسن إلا أفراد الخبر حملاً على المعنى لأن معنى كلكم ذاهب مثلاً كل واحد منكم ذاهب وليس ذلك مراعاة للفظ وإلا لجاز القوم ذاهب لأن كلا من كل والقوم اسم جمع مفرد اللفظ اه وفي البحر يحتاج في إثبات كلكم ذاهبون بالجمع إلى نقل عن العرب. والزمخشري في تفسير هذه الآية استعمل الجمع وحسن الظن فيه أنه وجد ذلك في كلامهم، وإذا حذف المضاف إليه المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان ولا كلام في ذلك.

### الآية 19:96

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا [19:96]

إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً  أي مودة في القلوب لإيمانهم وعملهم الصالح، والمشهور أن ذلك الجعل في الدنيا. فقد أخرج البخاري. ومسلم. والترمذي. وعبد بن حميد. وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إذا أحب الله تعالى عبداً نادى جبريل إني قد أحببت فلاناً فأحبه فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في الأرض فذلك قول الله تعالى : إِنَّ الذين ءامَنُواْ  الآية »** والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن الموعود من آثارها، والسين لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم سبحانه ذلك، ثم نجزه حين كثر الإسلام وقوى بعد الهجرة، وذكر أن الآية نزلت في المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعد سبحانه أن يجعل لهم محبة في قلب النجاشي. 
وأخرج ابن جرير. وابن المنذر. وابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما هاجر إلى المدينة وجد في نفسه على فراق أصحاب بمكة منهم شيبة بن ربيعة. وعقبه بن ربيعة. وأمية بن خلف فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذا تكون الآية مدنية، وأخرج ابن مردويه. والديلمي عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه : قل اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين وداً فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وكان محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه يقول : لا تجد مؤمناً إلا وهو يحب علياً كرم الله تعالى وجهه وأهل بيته. 
وروى الإمامية خبر نزولها في علي كرم الله تعالى وجهه عن ابن عباس. والباقر. وأيدوا ذلك بما صح عندهم أنه كرم الله تعالى وجهه قال : لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ولو صببت الدنيا بجملتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني ما أحبني وذلك أنه قضى فانقضي على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق »** والمراد المحبة الشرعية التي لا غلو فيه، وزعم بعض النصارى حبه كرم الله تعالى وجهه، فقد أنشد الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي لابن إسحق النصراني الرسغني :عدي وتيم لا أحاول ذكرهم  بسوء ولكني محب لهاشم وما تعتريني في علي ورهطهإذا ذكروا في الله لومة لائم يقولون ما بال النصارى تحبهم  وأهل النهي من أعرب وأعاجم فقلت لهم إني لأحسب حبهمسرى في قلوب الخلق حتى البهائم \*\*\*
وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ثبت كذبك، وأظن أن نسبة هذه الأبيات للنصراني لا أصل لها وهي من أبيات الشيعة بيت الكذب، وكم لهم مثل هذه المكايد كما بين في التحفة الإثني عشرية، والظاهر أن الآية على هذا مدنية أيضاً. ثم العبرة على سائر الروايات في سبب النزول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. 
وذهب الجبائي إلى أن ذلك في الآخرة فقيل في الجنة إذ يكونون إخواناً على سرر متقابلين، وقيل : حين تعرض حسناتهم على رؤس الأشهاد وأمر السين على ذلك ظاهر. ولعل أفراد هذا الوعد من بين ما سيولون يوم القيامة من الكرامات السنية لما أن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تباغض وتضاد وتقاطع وتلاعن، وذكر في وجه الربط أنه لما فصلت قبائح أحوال الكفرة عقب ذلك بذكر محاسن أحوال المؤمنين، وقد يقال فيه بناء على أن ذلك في الآخرة : إنه جل شأنه لما أخبر بإتيان كل من أهل السموات والأرض إليه سبحانه يوم القيامة فرداً آنس المؤمنين بأنه جل وعلا يجعل لهم ذلك اليوم وداً، وفسره ابن عطية على هذا الوجه بمحبته تعالى إياهم وأراد منها إكرامه تعالى إياهم ومغفرته سبحانه وتعالى ذنوبهم، وجوز أن يكون الوعد يجعل الود في الدنيا والآخرة ولا أراه بعيداً عن الصواب. ولا يأبى هذا ولا ما قبله التعرض لعنوان الرحمانية لجواز أن يدعى العموم فقد جاء يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. 
وقرأ أبو الحرث الحنفي  وُدّاً  بفتح الواو وقرأ جناح بن حبيش  وُدّاً  بكسرها وكل ذلك لغة فيه وكذا في الوداد. 
ومن باب الإشارة  إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً  \[ مريم : ٩٦ \] في القلوب المفطورة على حب الله تعالى وذلك أثر محبته سبحانه لهم، وفي الحديث **«لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به »** الخ، ولا يشكل على هذا أنا نرى كثيراً من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ممقوتين لأن الذين يقتنونهم قد فطرت قلوبهم على الشر وإن لم يشعروا بذلك، ومن هنا يعلم أن بغض الصالحين علامة خبث الباطل  رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ  \[ الحشر : ١٠ \] وقيل : معنى  سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً  \[ مريم : ٩٦ \] سيجعل لهم لذة وحلاوة في الطاعة، والأخبار تؤيد ما تقدم والله تعالى أعلم وله الحمد على اتمام تفسير سورة مريم ونسأله جل شأنه التوفيق لإتمام تفسير سائر سور كتابه المعظم بحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم.

### الآية 19:97

> ﻿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [19:97]

فَإِنَّمَا يسرناه  أي القرآن بأن أنزلناه  بِلَسَانِكَ  أي بلغتك وهو في ذلك مجاز مشهور والباء بمعنى على أو على أصله وهو الإلصاق لتضمين  يَسَّرْنَا  معنى أنزلنا أي يسرناه منزلين له بلغتك، والفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم كأنه قيل : بعد إيحاء هذه السورة الكريمة بلغ هذا المنزل وأبر به وأنذر فإنما يسرناه بلسانك العرب المبين  لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين  المتصفين بالتقوى لامتثال ما فيه من الأمر والنهي أو الصائرين إليها على أنه من مجاز الأول  وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً  لا يؤمنون به لجاجاً وعناداً، واللد جمع الألد وهو كما قال الراغب : الخصم الشديد التأبي، وأصله الشديد اللديد أي صفحة العنق وذلك إذا لم يمكن صرفه عما يريده. 
وعن قتادة اللد ذو الجدل بالباطل الآخذون في كل لديد أي جانب بالمراء، وعن ابن عباس تفسير اللديا بالظلمة، وعن مجاهد تفسيره بالفجار، وعن الحسن تفسيره بالصم، وعن أبي صالح تفسيره بالعوج وكل ذلك تفسير باللازم ؛ والمراد بهم أهل مكة كما روي عن قتادة.

### الآية 19:98

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [19:98]

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ  وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ضمن وعيد هؤلاء القوم بالإهلاك وحث له عليه الصلاة والسلام على الإنذار أي قرناً كثيراً أهلكنا قبل هؤلاء المعاندي  هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ  استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والاستفهام في معنى النفي أي ما تشعر بأحد منهم. 
وقرأ أبو حيولا. وأبو حرية. وابن أبي عبلة. وأبو جعفر المدني  تُحِسُّ  بفتح التاء وضم الحاء  أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً  أي صوتاً خفياً وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز للمال المدفون، وخص بعضهم الركز بالصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم، والأكثرون على الأول، وخص الصوت الخفي لأنه الأصل الأكثر ولأن الأثر الخفي إذا زال فزوال غيره بطريق الأولى. 
والمعنى أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا ترى منهم أحداً ولا تسمع منهم صوتاً خفياً فضلاً عن غيره، وقيل : المعنى أهلكناهم بالكلية بحيث لا ترى منهم أحداً ولا تسمع من يخبر عنهم ويذكرهم بصوت خفي، والحاصل أهلكناهم فلا عين ولا خبر، والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب. 
وقرأ حنظلة **«تسمع »** مضارع اسمعت مبنياً للمفعول والله تعالى أعلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/19.md)
- [كل تفاسير سورة مريم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/19.md)
- [ترجمات سورة مريم
](https://quranpedia.net/translations/19.md)
- [صفحة الكتاب: روح المعاني](https://quranpedia.net/book/301.md)
- [المؤلف: الألوسي](https://quranpedia.net/person/4400.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/301) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
