---
title: "تفسير سورة مريم - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/346"
surah_id: "19"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة مريم - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة مريم - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/19/book/346*.

Tafsir of Surah مريم from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 19:1

> كهيعص [19:1]

كهيعص  قرأ بفتح الهاء وكسر الياء حمزة، وبكسرهما عاصم، وبضمهما الحسن.

### الآية 19:2

> ﻿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [19:2]

وقرأ الحسن **«ذَكَّرَ رَحمَةَ رَبِّكَ »** أي : هذا المتلوّ من القرآن ذَكَّرَ رحمةَ ربكَ وقرئ :**«ذَكّرْ »** على الأمر.

### الآية 19:3

> ﻿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [19:3]

راعى سنة الله في إخفاء دعوته، لأنّ الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى، لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن نداء لا رياء فيه، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في إبَّان الكبرة والشيخوخة. أو أسره من مواليه الذين خافهم. أو خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ : صوته خفات، وسمعه تارات. واختلف في سنّ زكريا عليه السلام، فقيل : ستون، وخمس وستون، وسبعون، وخمس وسبعون، وخمس وثمانون.

### الآية 19:4

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [19:4]

قرئ **«وهن »** بالحركات الثلاث، وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحَّده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصداً إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها \[ واشتعل الرأس شيبا \]. إدغام السين في الشين عن أبي عمرو. شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ، باشتعال النار ؛ ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس : اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. توسل إلى الله بما سلف له \[ معه \] من الاستجابة. وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال : أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا. فقال : مرحباً بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته.

### الآية 19:5

> ﻿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [19:5]

كان مواليه - وهم عصبته إخوته وبنو عمه - شرار بني إسرائيل، فخافهم على الدين أن يغيروه ويبدّلوه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقباً من صلبه صالحاً يقتدى به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه : مِن وَرَائِى  بعد موتي. وقرأ ابن كثير :**«من وراي »** بالقصر، وهذا الظرف لا يتعلق ب ( خفت ) لفساد المعنى، ولكن بمحذوف. أو بمعنى الولاية في الموالي : أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي. أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي. وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم **«خَفَّتِ الموالي من ورائي »** وهذا على معنيين، أحدهما : أن يكون  وَرَائِى  بمعنى خلفي وبعدي، فيتعلق الظرف بالموالي : أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بوليّ يرزقه. والثاني : أن يكون بمعنى قدامي، فيتعلق بخفت، ويريد أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد  مِن لَّدُنْكَ  تأكيد لكونه ولياً مرضياً، بكونه مضافاً إلى الله تعالى وصادرا من عنده، وإلا - فهب لي ولياً يرثني - كاف، أو أراد اختراعاً منك بلا سبب لأني وامرأتي لا نصلح للولادة.

### الآية 19:6

> ﻿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [19:6]

يَرِثُنِى وَيَرِثُ  الجزم جواب الدعاء، والرفع صفة. ونحوه : رِدْءاً يُصَدّقُنِى  \[ القصص : ٣٤ \] وعن ابن عباس والجحدري : يرثني وأرث آل يعقوب، نصب على الحال. وعن الجحدري : أُو يرث، على تصغير وأرث، وقال غليم صغير. وعن علي رضي الله عنه وجماعة : وارث من آل يعقوب : أي يرثني به وارث، ويسمى التجريد في علم البيان، والمراد بالإرث إرث الشرع والعلم، لأنّ الأنبياء لا تورّث المال. وقيل : يرثني الحبورة وكان حبراً، ويرث من آل يعقوب الملك. يقال : ورثته وورثت منه لغتان. وقيل **«من »** للتبعيض لا للتعدية، لأنّ آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وكان زكريا عليه السلام من نسل يعقوب بن إسحاق. وقيل : هو يعقوب بن ماتان أخو زكريا. وقيل : يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوان من نسل سليمان بن داود.

### الآية 19:7

> ﻿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [19:7]

سَمِيّاً  لم يسمّ أحد ب ( يحيى ) قبله، وهذا شاهد على أنّ الأسامي السنع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز، حتى قال القائل في مدح قوم :سُنْعُ الأَسَامِي مُسْبِلِي أُزُرٍ  حُمْرٍ تَمَسُّ الأَرْضَ بِالْهدْبِوقال رؤبة للنسابة البكري - وقد سأله عن نسبه - : أنا ابن العجاج ؛ فقال : قصرت وعرفت. وقيل : مثلاً وشبيها عن مجاهد، كقوله : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  \[ مريم : ٦٥ \] وإنما قيل للمثل **«سَميّ »** لأنّ كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سميّ لصاحبه، ونحو :**«يحيى »** في أسمائهم **«يعمر، ويعيش »** إن كانت التسمية عربية ؛ وقد سموا بيموت أيضاً وهو يموت ابن المزرَّع، قالوا : لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان حصوراً.

### الآية 19:8

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [19:8]

أي كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد لاختلال أحد السببين، أفحين اختل السببان جميعاً أُرزقه ؟
فإن قلت : لم طلب أولاً وهو وامرأته على صفة العتيّ والعقر، فلما أسعف بطلبته استبعد واستعجب ؟ قلت : ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقاناً ويرتدع المبطلون، وإلا فمعتقد زكريا أولاً وآخراً كان على منهاج واحد : في أنّ الله غني عن الأسباب، أي بلغت عتياً : وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال : عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية. أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتياً. وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي بكسر العين، وكذلك  صِلِيّاً  \[ مريم : ٧٠ \] وابن مسعود بفتحهما فيهما. وقرأ أبيّ ومجاهد **«عُسِيًّا »**.

### الآية 19:9

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [19:9]

كذلك  الكاف رفع، أي الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ  قَالَ رَبُّكَ  أو نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره  هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  ونحوه : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ  \[ الحجر : ٦٦ \] وقرأ الحسن **«وهو علي هين »**، ولا يخرج هذا إلا على الوجه الأول : أي الأمر كما قلت، وهو على ذلك يهون علي. ووجه آخر : وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله، لا إلى قول زكريا. و**«قال »** محذوف في كلتا القراءتين : أي قال هو عليّ هين قال وهو عليّ هين، وإن شئت لم تنوه، لأن الله هو المخاطب، والمعنى : أنه قال ذلك ووعده وقوله الحق  وقد خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً  لأن المعدوم ليس بشيء. أو شيئاً يعتد به، كقولهم : عجبت من لا شيء، وقوله :
إذَا رَأَى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلاً \*\*\*
وقرأ الأعمش والكسائي وابن وثّاب **«خلقناك »**.

### الآية 19:10

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [19:10]

أي اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به. قال : علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه، وأنت سليم الجوارح سويّ الخلق ما بك خرس ولا بكم. دل ذكر الليالي هنا، والأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن.

### الآية 19:11

> ﻿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:11]

أوحى : أشار عن مجاهد، ويشهد له  إِلاَّ رَمْزًا  \[ آل عمران : ٤١ \] وعن ابن عباس : كتب لهم على الأرض  سَبّحُواْ  صلوا، أو على الظاهر، وأَنْ : هي المفسرة.

### الآية 19:12

> ﻿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [19:12]

أي خذ التوراة بجد واستظهار بالتوفيق والتأييد ( الحكم ) الحكمة. ومنه :
وَآحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ \*\*\*
يقال حكم حكماً كحلم \[ حلماً \]، وهو الفهم للتوراة والفقه في الدين عن ابن عباس. وقيل : دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي فقال : ما للعب خلقنا، عن الضحاك. وعن معمر : العقل، وقيل النبوّة، لأنّ الله \[ تعالى \] أحكم عقله في صباه وأوحى إليه.

### الآية 19:13

> ﻿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا [19:13]

حنانا  رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفاً وشفقة. أنشد سيبويه :وَقَالَتْ حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ ههُنَا  أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنْتَ بِالحَيِّ عَارِفُوقيل : حنانا من الله عليه. وحنّ : في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله **«حنان »** كما قيل :**«رحيم »** على سبيل الاستعارة. والزكاة : الطهارة، وقيل الصدقة، أي : يتعطف على الناس ويتصدّق عليهم.

### الآية 19:14

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا [19:14]

يقال حكم حكما كحلم، وهو الفهم للتوراة والفقه في الدين عن ابن عباس. وقيل: دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبى فقال: ما للعب خلقنا، عن الضحاك. وعن معمر: العقل، وقيل النبوّة، لأنّ الله أحكم عقله في صباه وأوحى إليه.
 \[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٣ الى ١٤\]
 وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤)
 حَناناً رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفا وشفقة. أنشد سيبويه:

وقالت حنان ما أتى بك هاهنا  أذو نسب أم أنت بالحي عارف **«١»** وقيل: حنانا من الله عليه. وحنّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله **«حنان»** كما قيل **«رحيم»** على سبيل الاستعارة. والزكاة: الطهارة، وقيل الصدقة، أى:
 **يتعطف على الناس ويتصدّق عليهم:**
 \[سورة مريم (١٩) : آية ١٥\]
 وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
 (١).وأحدث عهد من أمينة نظرة  على جانب العلياء إذ أنا واقففقالت حنان ما أتى بك هاهنا  أذو نسب أم أنت بالحي عارف لمنذر بن درهم الكلبي، يقول: وأقرب عهد: أى لقاء ورؤية لأمينة محبوبتى تصغير آمنة، هو نظرة منى لها بجانب تلك البقعة، إذ أنا واقف هناك: أى حين وقوفي بها. وفيه إشعار بأنه كان واقفا يترقب رؤيتها، فلما رأته هي قالت له: حنان أى أمرى حنان ورحمة لك، وهو من المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ لنيابة الخبر عن الفعل، لأنه مصدر محول عن النصب. وقولها **«ما أتى بك هاهنا»** استفهام تعجبي. أذو نسب: أى أأنت ذو نسب أم أنت عارف بهذا الحي؟ ويجوز أن **«أذو نسب»** بدل من ما الاستقامية: أى الذي حملك على المجيء هنا أو الذي ذلك عليه صاحب قرابة من الحي أى معرفتك به؟ ويجوز أن الاستفهام حقيقى حكته على لسان غيرها، لتلقنه الجواب بقولها:
 أذو نسب...
 الخ، مع معرفتها سبب مجيئه وهو حبها، ربما يسأله أحد من أهلها فيجيبه بأحد هذين الجوابين.

### الآية 19:15

> ﻿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [19:15]

سلم الله عليه في هذه الأحوال، قال ابن عيينة : إنها أوحش المواطن.

### الآية 19:16

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [19:16]

إِذِ  بدل من  مَرْيَمَ  بدل الاشتمال، لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها. وفيه أنّ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا، لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. والانتباذ : الاعتزال والانفراد، تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس، أو من دارها معتزلة عن الناس.

### الآية 19:17

> ﻿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [19:17]

وقيل : قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئاً. أو حسن الصورة مستوي الخلق، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه. ودلّ على عفافها وورعها أنها تعوّذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها وسبراً لعفتها. وقيل : كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب، فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك. وقيل : قام بين يديها في صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس. وقيل : إنّ النصارى اتخذت المشرق قبله لانتباذ مريم مكاناً شرقياً الروح : جبريل، لأنّ الدين يحيا به وبوحيه. أو سماه الله روحه على المجاز محبة له وتقريباً، كما تقول لحبيبك : أنت روحي. وقرأ أبو حيوة :**«رَوْحنا »** بالفتح ؛ لأنه سبب لما فيه رَوح العباد، وإصابة الرَّوح عند الله الذي هو عدّة المقرّبين في قوله : فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ  \[ الواقعة : ٨٩ \] أو لأنه من المقرّبين وهم الموعودون بالروح، أي مقرّبنا وذا روحنا.

### الآية 19:18

> ﻿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [19:18]

أرادت إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة \[ به \]، فإني عائذة به منك كقوله تعالى : بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  \[ هود : ٨٦ \].

### الآية 19:19

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا [19:19]

أي إنما أنا رسول من استعذت به  لأهَبَ لَكِ  لأكون سبباً في هبة الغلام بالنفخ في الروع. وفي بعض المصاحف : إنما أنا رسول ربك أمرني أن أهب لك. أو هي حكاية لقول الله تعالى.

### الآية 19:20

> ﻿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [19:20]

جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه، كقوله تعالى : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ  \[ البقرة : ٢٣٧ \]  أَوْ لامستم النساء  \[ النساء : ٤٣ \] والزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه : فجربها وخبث بها وما أشبه ذلك، وليس بقمين أن تراعى فيه الكنايات والآداب. والبغيّ : الفاجرة التي تبغي الرجال، وهي فعول عند المبرد **«بغوي »** فأدغمت الواو في الياء. وقال ابن جني في كتاب التمام : هي فعيل، ولو كانت فعولاً لقيل :**«بغوّ »** كما قيل : فلان نهوّ عن المنكر.

### الآية 19:21

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [19:21]

وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً  تعليل معلله محذوف أي : ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه : وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  \[ الجاثية : ٢٢ \] وقوله : وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارض وَلِنُعَلّمَهُ  \[ يوسف : ٢١ \].  مَّقْضِيّاً  مقدراً مسطوراً في اللوح لا بدّ لك من جريه عليه. أو كان أمراً حقيقاً بأن يكون ويقضي لكونه آية ورحمة. والمراد بالآية : العبرة والبرهان على قدرة الله \[ تعالى \]. وبالرحمة : الشرائع والألطاف، وما كان سبباً في قوّة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جدير بالتكوين.

### الآية 19:22

> ﻿۞ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا [19:22]

عن ابن عباس : فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل : كانت مدّة الحمل ستة أشهر. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك : سبعة أشهر. وقيل : ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى عليه الصلاة والسلام. وقيل : ثلاث ساعات. وقيل : حملته في ساعة، وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس : كانت مدة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته. وقيل : حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل : بنت عشر، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وقالوا : ما من مولود إلا يستهلّ غيره  فانتبذت بِهِ  أي اعتزلت وهو في بطنها، كقوله :
تَدُوسُ بِنَا الجْمَاجِمَ وَالتَّرِيبَا \*\*\*
أي تدوس الجَماجم ونحن على ظهورها، ونحوه قوله تعالى : تَنبُتُ بالدهن  \[ المؤمنون : ٢٠ \] أي تنبت ودهنها فيها : الجار والمجرور في موضع الحال  قَصِيّاً  بعيداً من أهلها وراء الجبل. وقيل : أقصى الدار. وقيل : كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف، فلما قيل : حملت من الزنا، خاف عليها قتل الملك، فهرب بها فلما كان ببعض الطريق حدّثته نفسه بأن يقتلها، فأتاه جبريل فقال \[ له \] : إنه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها.

### الآية 19:23

> ﻿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [19:23]

فَأَجَاءهَا  أجاء : منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول : جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول : بلغته وأبلغنيه. ونظيره **«آتي »** حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل : أتيت المكان وآتانيه فلان. قرأ ابن كثير في رواية **«المِخَاضُ »** بالكسر. يقال : مخضت الحامل مخاضا ومِخاضاً، وهو تمخض الولد في بطنها. 
طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وكان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف لا يخلو : إمّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق، كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس، فإذا قيل : جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخل. وإمّا أن يكون تعريف الجنس، أي : جذع هذه الشجرة خاصة، كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو حرسة النفساء الموافقة لها. ولأن النخلة أقل شيء صبراً على البرد، وثمارها إنما هي من جمارها، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها. \[  قَالَتْ ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا  \] قرىء **«مِتُّ »** بالضم والكسر، يقال : مات يموت ومات يمات. النسيّ : ما من حقه أن يطرح وينسى، كخرقة الطامث ونحوها، كالذبح : اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى : وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ  \[ الصافات : ١٠٧ \] وعن يونس : العرب إذا ارتحلوا عن الدار قالوا : انظروا أنساءكم، أي : الشيء اليسير نحو العصا والقدح والشظاظ، تمنت لو كانت شيئاً تافها لا يؤبه له، من شأنه وحقه أن ينسى في العادة وقد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه، وذلك لما لحقها من فرط الحياء والتشوّر من الناس على حكم العادة البشرية، لا كراهة لحكم الله، أو لشدّة التكليف عليها إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة وبضدّ ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام : أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به عيباً يعاب به ويعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. وقرأ ابن وَثَّاب والأعمش وحمزة وحفص **«نسياً »** بالفتح. قال الفراء : هما لغتان كالوتر والوتر، والجسر والجسر. ويجوز أن يكون مسمى بالمصدر. كالحمل. وقرأ محمد بن كعب القرظي **«نسأ »** بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء، ينسؤه أهله لقلته ونزارته. وقرأ الأعمش **«منسيا »** بالكسر على الإتباع، كالمغيرة والمنخر.

### الآية 19:24

> ﻿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [19:24]

مِن تَحْتِهَا  هو جبريل عليه السلام. قيل : كان يقبل الولد كالقابلة. وقيل : هو عيسى، وهي قراءة عاصم وأبي عمرو. وقيل : تَحْتِهَا  أسفل من مكانها، كقوله : تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار  \[ البقرة : ٢٥ \] وقيل : كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها لا تحزني وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص **«مِنْ تحتها »** وفي ناداها ضمير الملك أو عيسى. وعن قتادة : الضمير في تحتها للنخلة. وقرأ علقمة : فخاطبها من تحتها. 
سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن السريّ فقال :**«هُوَ الجدولُ »** قال لبيد :فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ فَصَدَّعَا  مَسْجُورَةً مُتَجَاوِر قُلاَّمهَاوقيل : هو من السرو. والمراد : عيسى وعن الحسن : كان والله عبداً سرياً. 
فإن قلت : ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسري والرطب ؟ قلت : لم تقع التسلية بهما من حيث أنهما طعام وشراب، ولكن من حيث أنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة، وأن مثلها مما قرفوها به بمعزل، وأن لها أموراً إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا واعتادوا، حتى يتبين لهم أنّ ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها.

### الآية 19:25

> ﻿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [19:25]

تساقط  فيه تسع قرآت :******«تساقط »****** بإدغام التاء. و**«تتساقط »** بإظهار التاءين. و******«تساقط »****** بطرح \[ التاء \] الثانية. و**«يساقط »**، بالياء وإدغام التاء. و******«تساقط »****** و****«تسقط »**** و****«يسقط »****، و****«تسقط »****، و****«يسقط »**** التاء للنخلة، والياء للجذع. ورطباً تمييز أو مفعول على حسب القراءة. وعن المبرد : جواز انتصابه ب ( هزّي ) وليس بذاك. والباء في  بِجِذْعِ النخلة  صلة للتأكيد، كقوله تعالى : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  \[ البقرة : ١٩٥ \] أو على معنى : افعلي الهزّ به، كقوله :
يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلي \*\*\*
قالوا : التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقالوا : كان من العجوة. وقيل : ما للنفساء خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل، وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب. عن طلحة بن سليمان  جَنِيّاً  بكسر الجيم للإتباع، أي جمعنا لك في السريّ والرطب فائدتين، إحداهما : الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر ؛ لكونهما معجزتين.

### الآية 19:26

> ﻿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [19:26]

وهو معنى قوله : فَكُلِى واشربى وَقَرّى عَيْناً  أي وطيبي نفساً ولا تغتمي وارفضي عنك ما أحزنك وأَهَمَّكِ. وقرئ و**«قِرِّي »** : بالكسر لغة نجد  فَإِمَّا تَرَيِنَّ  بالهمز : ابن الرومي. عن أبي عمرو : وهذا من لغة من يقول : لبأت بالحج، وحلأت السويق، وذلك لتآخٍ بين الهمزة وحرف اللين في الإبدال  صَوْماً  صمتاً. وفي مصحف عبد الله : صمتاً. وعن أنس بن مالك مثله. وقيل : صياماً، إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، وقد **«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومِ الصمت »**، لأنه نسخ في أمته، أمرها الله بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع البشر المتهمين لها في الكلام لمعنيين، أحدهما : أن عيسى صلوات الله عليه يكفيها الكلام بما يبريء به ساحتها. والثاني : كراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم. وفيه أن السكوت عن السفيه واجب. ومن أذل الناس : سفيه لم يجد مسافها. قيل : أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة. وقيل : سوغ لها ذلك بالنطق  إِنسِيّاً  أي أكلم الملائكة دون الإنس.

### الآية 19:27

> ﻿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [19:27]

الفريّ : البديع، وهو من فري الجلد.

### الآية 19:28

> ﻿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [19:28]

يا اأخت هارون  كان أخاها من أبيها من أمثل بني إسرائيل. وقيل : هو أخو موسى صلوات الله عليهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" إنَّما عنوا هارونَ النبي " وكانت من أعقابه في طبقة الإخوة، بينها وبينه ألف سنة وأكثر. وعن السدي : كانت من أولاده. وإنما قيل : يا أخت هارون، كما يقال : يا أخا همدان، أي : يا واحداً منهم. وقيل : رجل صالح أو طالح في زمانها، شبهوها به، أي : كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به، ولم ترد إخوة النسب، ذكر أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمي هارون تبركا به وباسمه، فقالوا : كنا نشبهك بهارون هذا، وقرأ عمر بن لجأ التيمي **«ما كان أباك امرؤ سوء »** وقيل احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار، فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى تعلت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال : يا أماه، أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك. وقيل : هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام. فتركوها.

### الآية 19:29

> ﻿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [19:29]

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ  أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل : كان المستنطق لعيسى زكريا عليه السلام. وعن السدي : لما أَشارت إليه غضبوا وقالوا : لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها. وروي أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته. وقيل : كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان  كَانَ  لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو ههنا لقريبه خاصة، والدال عليه مبنى الكلام، وأنه مسوق للتعجب. ووجه آخر : أن يكون  نُكَلّمُ  حكاية حال ماضية، أي : كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبياً في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا.

### الآية 19:30

> ﻿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [19:30]

أنطقه الله أوّلاً بأنه عبد الله رداً لقول النصارى و  الكتاب  هو الإنجيل. واختلفوا في نبوّته، فقيل : أعطيها في طفوليته : أكمل الله عقله، واستنبأه طفلاً نظراً في ظاهر الآية. وقيل : معناه إنّ ذلك سبق في قضائه. أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد.

### الآية 19:31

> ﻿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [19:31]

وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نفَّاعَا حيثُ كنتُ " وقيل : معلماً للخير.

### الآية 19:32

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [19:32]

وقرئ **«وَبِرَّاً »** عن أبي نهيك، جعل ذاته برا لفرط بره. أو نصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني ؛ لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها واحد.

### الآية 19:33

> ﻿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [19:33]

والسلام عَلَىَّ  قيل : أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك : جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا، والمعنى : ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إليّ. والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضاً باللعنة على متهمي مريم عليها السلام، وأعدائها من اليهود. وتحقيقه أن اللام للجنس، فإذا قال : وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضدّه عليكم. ونظيره قوله تعالى : والسلام على مَنِ اتبع الهدى  \[ طه : ٤٧ \] يعني أنّ العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد، فهو مئنة لنحو هذا من التعريض.

### الآية 19:34

> ﻿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [19:34]

قرأ عاصم وابن عامر  قَوْلَ الحق  بالنصب. وعن ابن مسعود **«قالُ الحق »** وقال الله. وعن الحسن :**«قُولُ الحق »**، بضم القاف، وكذلك في الأنعام  قَوْلُهُ الحق  \[ الأنعام : ٧٣ \] والقول والقال والقول بمعنى واحد، كالرَّهْبِ والرَّهَبِ والرُّهْبِ. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله، وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الثبات والصدق، كقولك : هو عبد الله حقاً. والحق لا الباطل، وإنما قيل لعيسى **«كلمة الله »** و**«قول الحق »** لأنه لم يولد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله **«كن »** من غير واسطة أب، تسمية للمسبب باسم السبب، كما سمى العشب بالسماء، والشحم بالندا. ويحتمل إذا أريد بقول الحق \[ عيسى، أن يكون الحق \] اسم الله عز وجل، وأن يكون بمعنى الثبات والصدق، ويعضده قوله : الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ  أي أمره حق يقين وهم فيه شاكون  يَمْتَرُونَ  يشكون. والمرية : الشك. أو يتمارون : يتلاحون، قالت اليهود : ساحر كذاب، وقالت النصارى : ابن الله وثالث ثلاثة. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه :**«تمترون »**، على الخطاب. وعن أبيّ بن كعب :**«قول الحق الذي كان الناس فيه يتمرون »**.

### الآية 19:35

> ﻿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [19:35]

كذب النصارى وبكتهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، وأنه مما لا يتأتى ولا يتصور في العقول وليس بمقدور عليه، إذ من المحال غير المستقيم أن تكون ذاته كذات من ينشأ منه الولد، ثم بيّن إحالة ذلك بأن من إذا أراد شيئاً من الأجناس كلها أوجده ب ( كن )، كان منزها من شبه الحيوان الوالد. والقول ههنا مجاز، ومعناه : أنّ إرادته للشيء يتبعها كونه لا محالة من غير توقف، فشبه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل.

### الآية 19:36

> ﻿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [19:36]

قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح إن ومعناه : ولأنه ربي وربكم فاعبدوه، كقوله : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً  \[ الجن : ١٨ \] والأستار وأبو عبيد بالكسر على الابتداء. وفي حرف أبيّ **«إن الله »**، بالكسر بغير واو، و**«بأن الله »**، أي : بسبب ذلك فاعبدوه.

### الآية 19:37

> ﻿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [19:37]

الأحزاب  اليهود والنصارى عن الكلبي. وقيل النصارى لتحزبهم ثلاث فرق : نسطورية ويعقوبية وملكانية. وعن الحسن : الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس  مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ  أي من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف. أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال. أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل : هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه.

### الآية 19:38

> ﻿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [19:38]

لا يوصف الله تعالى بالتعجب وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعمياً في الدنيا. وقيل : معناه التهديد بما سيسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدع قلوبهم أوقع الظاهر أعني الظالمين موقع الضمير : إشعاراً بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ويسعدهم. والمراد بالضلال المبين : إغفال النظر والاستماع.

### الآية 19:39

> ﻿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [19:39]

قُضِىَ الأمر  فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه سُئلُ عنه - أي عن قضاءِ الأمرِ- فقال :**« حين يُذبحُ الكبشُ والفريقان ينظران »** وإذ بدل من يوم الحسرة. أو منصوب بالحسرة. 
 وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ  متعلق بقوله في ضلال مبين عن الحسن. وأنذرهم : اعتراض. أو هو متعلق بأنذرهم، أي : وأنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين يحتمل أنه يميتهم ويخرب ديارهم، وأنه يفني أجسادهم ويفني الأرض ويذهب بها.

### الآية 19:40

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [19:40]

الولد، ثم بين إحالة ذلك بأن من إذا أراد شيئا من الأجناس كلها أوجده بكن، كان منزها من شبه الحيوان الوالد. والقول هاهنا مجاز، ومعناه: أنّ إرادته للشيء يتبعها كونه لا محالة من غير توقف، فشبه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل.
 \[سورة مريم (١٩) : آية ٣٦\]
 وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)
 قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن. ومعناه: ولأنه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً والأستار وأبو عبيد بالكسر على الابتداء. وفي حرف أبىّ: إن الله، بالكسر بغير واو، وبأن الله، أى: بسبب ذلك **«١»** فاعبدوه.
 \[سورة مريم (١٩) : آية ٣٧\]
 فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)
 الْأَحْزابُ اليهود والنصارى عن الكلبي. وقيل النصارى لتحزبهم ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية. وعن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أى من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف. أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال. أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه.
 \[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠\]
 أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
 لا يوصف الله تعالى بالتعجب وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعميا في الدنيا. وقيل: معناه التهديد بما سيسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدع قلوبهم. أوقع الظاهر أعنى الظالمين موقع الضمير: إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين يجدى عليهم ويسعدهم. والمراد بالضلال المبين: إغفال النظر والاستماع قُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبي صلى

 (١). قوله **«وبأن الله أى بسبب ذلك»** لعله: أى بأن الله. ويمكن أنه عطف على أن الله، ويكون في حرف أبى القراءتان. (ع) (٢- كشاف- ٣)

### الآية 19:41

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:41]

الصدّيق : من أبنية المبالغة. ونظيره الضحيك والنطيق. والمراد، فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل أي : كان مصدقاً بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبياً في نفسه، كقوله تعالى : بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين  \[ الصافات : ٣٧ \] أو كان بليغاً في الصدق، لأن ملاك أمر النبوة الصدق، ومصدق الله بآياته ومعجزاته حريّ أن يكون كذلك، وهذه الجملة وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله، أعني إبراهيم.

### الآية 19:42

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [19:42]

و  إِذْ قَالَ  نحو قولك : رأيت زيداً، ونعم الرجل أخاك. ويجوز أن يتعلق إذ ب ( كان ) أو ب ( صديقاً نبياً )، أي : كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات. والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه إياهم، كقوله : واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبراهيم  \[ الشعراء : ٦٩ \] وإلا فالله عز وجل هو ذاكره ومورده في تنزيله. التاء في  يا أبت  عوض من ياء الإضافة، ولا يقال : يا أبتي، لئلا يجمع بي العوض والمعوض منه. وقيل : يا أبتا، لكون الألف بدلاً من الياء، وشبه ذلك سيبويه بأينق، وتعويض الياء فيه عن الواو الساقطة. انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورّطاً فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقل وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة التي ليس بعدها غباوة : كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصحاً في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا، حدّث أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم **« أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام : إنك خليلي، حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه : أُظله تحت عرشي، وأُسكنه حظيرة القدس، وأُدنيه من جَواري »** وذلك أنه طلب منه أولا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه وتناهيه، لأن المعبود لو كان حياً مميزاً، سميعاً بصيراً، مقتدراً على الثواب والعقاب، نافعاً ضاراً، إلا أنه بعض الخلق : لاستخفّ عقل من أهله للعبادة ووصفه بالربوبية، ولسجل عليه بالغيّ المبين والظلم العظيم وإن كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة كالملائكة والنبيين قال الله تعالى : وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُون  \[ آل عمران : ٨٠ \] وذلك أن العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحق، إلا لمن له غاية الإنعام : وهو الخالق الرازق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، الذي منه أصول النعم وفروعها. فإذا وجهت إلى غيره - وتعالى علواً كبيراً أن تكون هذه الصفة لغيره - لم يكن إلا ظلماً وعتواً وغياً وكفراً وجحوداً، وخروجاً عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى جماد ليس به حس ولا شعور ؟ فلا يسمع - يا عابده - ذكرك له وثناءك عليه، ولا يرى هيئات خضوعك وخشوعك له. فضلاً أن يغني عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها.

### الآية 19:43

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [19:43]

ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال : إن معي طائفة من العلم وشيئاً منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أُنجك من أن تضل وتتيه.

### الآية 19:44

> ﻿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا [19:44]

ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه : بأن الشيطان - الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوّك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزي ونكال وعدو أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم - هو الذي ورّطك في هذه الضلالة وأمرك بها وزينها لك، فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذرّيته كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه.

### الآية 19:45

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [19:45]

ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة وبما يجرُّه ما هو فيه من التبعة والوبال، ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق له وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال : أخاف أن يمسك عذاب، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، وذلك أن رضوان الله أكبر من الثواب نفسه، وسماه الله تعالى المشهود له بالفوز العظيم حيث قال : ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم  \[ التوبة : ٧٢ \] فكذلك ولاية الشيطان التي هي معارضة رضوان الله، أكبر من العذاب نفسه وأعظم، وصدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله : يا أبت  توسلاً إليه واستعطافاً ف  مَا  في  مَا لاَ يَسْمَعُ  و  مَا لَمْ يَأْتِكَ  يجوز أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في  لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ  منسي غير منوي، كقولك : ليس به استماع ولا إبصار  شَيْئاً  يحتمل وجهين، أحدهما : أن يكون في موضع المصدر، أي : شيئاً من الغناء، ويجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين. والثاني : أن يكون مفعولاً به من قولهم : أغن عني وجهك  إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ  فيه تجدد العلم عنده.

### الآية 19:46

> ﻿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [19:46]

لما أطلعه على سماجة صورة أمره، وهدم مذهبه بالحجج القاطعة، وناصحه المناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات، أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل  يا أبت  ب ( يا بنيّ )، وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله : أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى يا إبراهيم  لأنه كان أهمّ عنده وهو عنده أعني، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته، وأن آلهته، ما ينبغي أن يرغب عنها أحد. وفي هذا سلوان وثلج لصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه  لأَرْجُمَنَّكَ  لأرمينك بلساني، يريد الشتم والذمّ، ومنه ( الرجيم ) المرميّ باللعن. أو لأقتلنك، من رجم الزاني. أو لأطردنك رمياً بالحجارة. وأصل الرجم : الرمي بالرجام  مَلِيّاً  زمانا طويلاً من الملاوة : أو ملياً بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب، حتى لا تقدر أن تبرح. يقال : فلان مليّ بكذا، إذا كان مطيقاً له مضطلعاً به. 
فإن قلت : علام عطف  واهجرني  ؟ قلت : على معطوف عليه محذوف يدل عليه  لأَرْجُمَنَّكَ  أي فاحذرني واهجرني، لأن  لأَرْجُمَنَّكَ  تهديد وتقريع.

### الآية 19:47

> ﻿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [19:47]

قَالَ سلام عَلَيْكَ  سلام توديع ومتاركة، كقوله تعالى : لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين  \[ القصص : ٥٥ \] وقوله : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً  \[ الفرقان : ٦٣ \] وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح \[ له \] والحال هذه. ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له. ألا ترى أنه وعده الاستغفار. 
فإن قلت : كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك ؟ قلت : قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب. وقالوا : إنما استغفر له بقوله : واغفر لأَِبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين  \[ الشعراء : ٨٦ \] لأنه وعده أن يؤمن. واستشهدوا عليه بقوله تعالى : وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ  \[ التوبة : ١١٤ \] ولقائل أن يقول : إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته قوله تعالى : إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  \[ الممتحنة : ٤ \] فلو كان شارطاً للإيمان لم يكن مستنكراً ومستثنى عما وجبت فيه الأسوة. وأمّا ( عن موعدة وعدها إياه ) فالواعد هو إبراهيم لا آزر، أي : ما قال :( واغفر لأبي ) إلا عن قوله :( لأستغفرنّ لك ) وتشهد له قراءة حماد الراوية : وعدها أباه. والله أعلم  حَفِيّاً  الحفيّ : البليغ في البر والإلطاف، حفي به وتحفى به.

### الآية 19:48

> ﻿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [19:48]

وَأَعْتَزِلُكُمْ  أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام. \[ وأدعو ربي \] المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها ومن وسائطها. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :**« الدعاءُ هُوَ العبادةُ »** ويدل عليه قولُه تعالى : فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء. عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله : عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا  مع التواضع لله بكلمة  عَسَى  وما فيه من هضم النفس.

### الآية 19:49

> ﻿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [19:49]

ما خسر على الله أحد ترك الكفار الفسقة لوجهه، فعوّضه أولاداً مؤمنين أنبياء.

### الآية 19:50

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [19:50]

مِن رَّحْمَتِنَا  هي النبوّة عن الحسن. وعن الكلبي : المال والولد، وتكون عامّة في كل خير ديني ودنيوي أوتوه. لسان الصدق : الثناء الحسن. وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية. قال :
إنِّي أتَتْنِي لِسَانٌ لاَ أُسَرُّ بِهَا \*\*\*
يريد الرسالة. ولسان العرب : لغتهم وكلامهم. استجاب الله دعوته  واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الآخرين  \[ الشعراء : ٨٤ \] فصيره قدوة حتى ادّعاه أهل الأديان كلهم. وقال عز وجل : مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم  \[ الحج : ٧٨ \] و  مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً  \[ البقرة : ١٣٥ \]،  ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا  \[ النحل : ١٢٣ \] وأعطى ذلك ذرّيته فأعلى ذكرهم وأثنى عليهم، كما أعلى ذكره وأثنى عليه.

### الآية 19:51

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:51]

المخلص - بالكسر - : الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء. أو أخلص نفسه وأسلم وجهه لله. وبالفتح : الذي أخلصه الله. الرسول : الذي معه كتاب من الأنبياء : والنبيّ الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب كيوشع.

### الآية 19:52

> ﻿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [19:52]

الأيمن من اليمين : أي من ناحيته اليمنى. أو من اليمن صفة للطور، أو للجانب. شبهه بمن قربه بعض العظماء للمناجاة، حيث كلمه بغير واسطة ملك. وعن أبي العالية قرّبه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة.

### الآية 19:53

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [19:53]

مِن رَّحْمَتِنَا  من أجل رحمتنا له وترأفنا عليه : وهبنا له هرون. أو بعض رحمتنا، كما في قوله : وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا . و  أَخَاهُ  على هذا الوجه بدل. و  هارون  عطف بيان، كقولك : رأيت رجلاً أخاك زيداً. وكان هرون أكبر من موسى، فوقعت الهبة على معاضدته وموازرته كذا عن ابن عباس رضي الله عنه.

### الآية 19:54

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:54]

ذكر إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد وإن كان ذلك موجوداً في غيره من الأنبياء، تشريفاً له وإكراماً، كالتلقيب بنحو : الحليم، والأوّاه، والصدّيق ؛ ولأنه المشهور المتواصف من خصاله عن ابن عباس رضي الله عنه : أنه وعد صاحباً له أن ينتظره في مكان، فانتظره سنة. وناهيك أنه وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى، حيث قال : سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين  \[ الصافات : ١٠٢ \].

### الآية 19:55

> ﻿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [19:55]

كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى من سائر الناس  وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين  \[ الشعراء : ٢١٤ \]،  وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة  \[ طه : ١٣٢ \]،  قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  \[ التحريم : ٦ \] ألا ترى أنهم أحق بالتصدّق عليهم ؛ فالإحسان الديني أولى. وقيل : أَهْلَهُ  أمته كلهم من القرابة وغيرهم ؛ لأنّ أمم النبيين في عداد أهاليهم. وفيه أنّ من حق الصالح أن لا يألو نصحاً للأجانب فضلاً عن الأقارب والمتصلين به، وأن يحظيهم بالفوائد الدينية ولا يفرط في شيء من ذلك.

### الآية 19:56

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:56]

قيل : سمي إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عزّ وجل، وكان اسمه أخنوخ، وهو غير صحيح ؛ لأنه لو كان أفعيلاً من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، فكان منصرفاً ؛ فامتناعه من الصرف دليل العجمة. وكذلك إبليس أعجمي. وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات. ويجوز أن يكون معنى  إِدْرِيسَ  في تلك اللغة قريباً من ذلك، فحسبه الراوي مشتقاً من الدرس.

### الآية 19:57

> ﻿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [19:57]

وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً . المكان العلي : شرف النبوّة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه **« إنه رفع إلى السماء الرابعة »** وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إلى السماء السادسة. وعن الحسن رضي الله عنه : إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة. وعن النابغة الجعدي : أنه لما أنشد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر الذي آخره :بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَسَنَاؤُنَا  وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَاقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« إلى أينَ يا أبا لَيلَى »** قالَ : إلى الجنةِ.

### الآية 19:58

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ [19:58]

أولئك  إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس عليه السلام. و**«من »** في  مّنَ النبيين  للبيان مثلها في قوله تعالى في آخر سورة الفتح  وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً  \[ الفتح : ٢٩ \] لأن جميع الأنبياء منعم عليهم. ومن الثانية للتبعيض، وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح. وإبراهيم عليه السلام من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ذرية سام بن نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم. وموسى وهارون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل. وكذلك عيسى ؛ لأنّ مريم من ذرّيته  وَمِمَّنْ هَدَيْنَا  يحتمل العطف على ( من ) الأولى والثانية. إن جعلت الذين خبراً لأولئك كان  إِذَا تتلى  كلاماً مستأنفاً. وإن جعلته صفة له كان خبراً. قرأ شبل بن عباد المكي **«يتلى »** بالتذكير ؛ لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل البكي : جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اتْلُوا القرآنَ وابكُوا. فإنْ لمَ تبكُوا فَتَباكَوا " وعن صالح المري رضي الله عنه : قرأتُ القرآنَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : هِذِهِ القراءةُ يا صالحُ، فأينَ البكاءُ  ؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قرأتُم سجدةَ سبحانَ فلا تعجلُوا بالسجودِ حتى تبكُوا، فإنْ لم تبكِ عينُ أحدكم فليبكِ قلبُهُ. وعن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :" إن القرآنَ أُنْزِلَ بحزنٍ فإذَا قرأتمُوهُ فتحازَنُوا " وقالوا : يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها، فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة سبحان قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك. وإن قرأ هذه قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.

### الآية 19:59

> ﻿۞ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [19:59]

خلفه : إذا عقبه، ثم قيل في عقب الخير **«خلف »** بالفتح، وفي عقب السوء : خلف، بالسكون، كما قالوا **«وعد »** في ضمان الخير، و**«عيد »** في ضمان الشر. عن ابن عباس رضي الله عنه : هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن إبراهيم ومجاهد رضي الله عنهما : أضاعوها بالتأخير. وينصر الأول قوله : إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ  يعني الكفار. وعن علي رضي الله عنه في قوله : واتبعوا الشهوات  من بني الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور. وعن قتادة رضي الله عنه : هو في هذه الأمة. وقرأ ابن مسعود والحسن والضحاك رضي الله عنهم :**«الصلوات »** بالجمع. 
كل شر عند العرب : غيّ، وكل خير : رشاد. قال المرقش :

فَمَنْ يَلْقَ خَيْراً تَحْمَدِ النَّاسَ أمْرَهُ  وَمَنْ يَغْوَ لاَ يَعْدَمْ عَلَى الغَيِّ لاَئِمَاوعن الزجاج : جزاء غيّ، كقوله تعالى : يَلْقَ أَثَاماً  \[ الفرقان : ٦٨ \] أي مجازاة أثام. أو غياً عن طريق الجنة. وقيل :**«غيّ »** واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها. وقرأ الأخفش **«يلقون »**.

### الآية 19:60

> ﻿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [19:60]

قرئ :**«يدخلون »** **«ويدخلون »** أي لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه، بل يضاعف لهم، بياناً لأن تقدّم الكفر لا يضرهم إذا تابوا من ذلك، من قولك : ما ظلمك أن تفعل كذا، بمعنى : ما منعك، أو لا يظلمون البتة، أي شيئاً من الظلم.

### الآية 19:61

> ﻿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [19:61]

لما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك : أبصرت دارك القاعة والعلالي. و**«عدن »** معرفة علم، بمعنى العدن وهو الإقامة، كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس - فيمن لم يصرفه - أعلاماً لمعاني : الفينة والسحر، والأمس، فجرى مجرى العدن لذلك. أو هو علم لأرض الجنة ؛ لكونها مكان إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال ؛ لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها بالتي. وقرئ **«جنات عدن »** **«وجنةُ عدن »** بالرفع على الابتداء. أي : وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة. أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها. أو بتصديق الغيب والإيمان به. قيل في  مَأْتِيّاً  مفعول بمعنى فاعل. والوجه أنّ الوعد هو الجنة وهم يأتونها. أو هو من قولك : أتى إليه إحساناً، أي : كان وعده مفعولاً منجزاً.

### الآية 19:62

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:62]

اللغو : فضول الكلام ومالا طائل تحته. وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائه، حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها. وما أحسن قوله سبحانه  وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  \[ الفرقان : ٧٢ \]  وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين  \[ القصص : ٥٥ \] نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا، أي : إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله :

وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُم  بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِأو لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، على الاستثناء المنقطع. أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة. ودار السلام : هي دار السلامة، وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. 
من الناس من يأكل الوجبة. ومنهم من يأكل متى وجد - وهي عادة المنهومين. ومنهم من يتغدى ويتعشى - وهي العادة الوسطى المحمودة، ولا يكون ثم ليل ولا نهار، ولكن على التقدير ؛ ولأن المتنعم عند العرب من وجد غداء وعشاء. وقيل : أراد دوام الرزق ودروره، كما تقول : أنا عند فلان صباحاً ومساء وبكرة وعشياً، يريد : الديمومة، ولا تقصد الوقتين المعلومين.

### الآية 19:63

> ﻿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [19:63]

نُورِثُ  وقرئ **«نورّث »** استعارة، أي : نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال المورّث ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة، فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورّث الوارث المال من المتوفي. وقيل : أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا.

### الآية 19:64

> ﻿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [19:64]

وَمَا نَتَنَزَّلُ  حكاية قول جبريل صلوات الله عليه حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وسلم. روي
أنه احتبس أربعين يوماً. وقيل : خمسة عشر يوماً، وذلك حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فلم يدر كيف يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه، فشق ذلك عليه مشقة شديدة وقال المشركون : ودّعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبي صلى الله عليه وسلم :**«أبطأت حتى ساء ظني واشتقتُ إليكَ. قال : إنّي كنتُ أشوقَ ولكني عبدُ مأمورٌ، إذا بُعثتُ نزلتُ، وإذا حُبْستُ احتبستُ »** وأنزل الله سبحانه هذه الآية وسورة الضحى. والتنزل على معنيين : معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله :فَلَسْتَ لإِنِسي وَلَكِنْ لِمَلأَكٍ  تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُلأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، وبمعنى التدريج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله، وعلى ما يراه صواباً وحكمة، وله ما قدامنا  وَمَا خَلْفَنَا  من الجهات والأماكن  وَمَا بَيْنَ ذلك  وما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومكان إلى مكان إلا بأمر المليك ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون، وما يحدث ويتجدد من الأحوال، لا يجوز عليه الغفلة والنسيان، فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا رأى ذلك مصلحة وحكمة، وأطلق لنا الإذن فيه. وقيل : ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة، وما بين ذلك : ما بين النفختين وهو أربعون سنة. وقيل : ما مضى من أعمارنا وما غبر منها، والحال التي نحن فيها. وقيل : ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا. وقيل : الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض، والمعنى : أنه المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلا صادراً عما توجبه حكمته ويأمرنا به ويأذن لنا فيه. وقيل : معنى  وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  وما كان تاركاً لك، كقوله تعالى : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى  \[ الضحى : ٣ \] أي : ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به. وأما احتباس الوحي فلم يكن عن ترك الله لك وتوديعه إياك، ولكن لتوقفه على المصلحة، وقيل : هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، أي : وما ننزل الجنة إلا بأن مَنَّ الله علينا بثواب أعمالنا وأمرنا بدخولها، وهو المالك لرقاب الأمور كلها السالفة. والمترقبة والحاضرة، اللاطف في أعمال الخير والموفق لها والمجازي عليها، ثم قال الله تعالى - تقريراً لقولهم - : وما كان ربك نسياً لأعمال العاملين غافلاً عما يجب أن يثابوا به، وكيف يجوز النسيان والغفلة على ذي ملكوت السماء والأرض وما بينهما ؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فحين عرفته على هذه الصفة، فأقبل على العمل واعبده : يثبك كما أثاب غيرك من المتقين. وقرأ الأعرج رضي الله عنه **«وما يتنزل »** بالياء على الحكاية عن جبريل عليه السلام والضمير للوحي. وعن ابن مسعود رضي الله عنه :**«إلا بقول ربك »** يجب أن يكون الخلاف في النسي مثله في البغي.

### الآية 19:65

> ﻿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [19:65]

رَبُّ السماوات والأرض  بدل من ربك، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو رب السموات والأرض  فاعبده  كقوله :
وَقَاَئِلَةٍ خَوْلاَنُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ \*\*\*
وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون  وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  \[ مريم : ٦٤ \] من كلام المتقين، وما بعده من كلام رب العزة. 
فإن قلت : هلا عدّي  وَاْصْطَبِر  بعلى التي هي صلته، كقوله تعالى : واصطبر عَلَيْهَا  \[ طه : ١٣٢ \] ؟ قلت : لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب : اصطبر لقرنك، أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته أريد أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق، فاثبت لها ولاتهن، ولا يضق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل الكتاب إليك الأغاليط، وعن احتباس الوحي عليك مدة وشماتة المشركين بك. أي : لم يسم شيء بالله قط، وكانوا يقولون لأصنامهم آلهة، والعزى إله وأما الذي عوض فيه الألف واللام من الهمزة، فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسمى أحد الرحمن غيره. ووجه آخر : هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتدّ بها كلا تسمية. وقيل : مثلاً وشبيهاً، أي : إذا صح أن لا معبود يوجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده، لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها وتكاليفها.

### الآية 19:66

> ﻿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [19:66]

يحتمل أن يراد بالإنسان الجنس بأسره، وأن يراد بعض الجنس وهم الكفرة. 
فإن قلت : لم جازت إرادة الأناسي كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك ؟ قلت : لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم، صح إسناده إلى جميعهم، كما يقولون : بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنما القاتل رجل منهم. قال الفرزدق :

فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وَقَدْ ضَرَبُوا بِهِ  نَبَا بِيَدَيْ وَرْقَاءَ عَنْ رَأْسِ خَالِدِفقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله :**«نبا بيدي ورقاء »** وهو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي. 
فإن قلت : بم انتصب  إِذَا  وانتصابه ب ( أخرج ) ممتنع لأجل اللام ؛ لا تقول : اليوم لزيد قائم ؟ قلت : بفعل مضمر يدل عليه المذكور. 
فإن قلت : لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال ؟ قلت : لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا أَلله للتعويض واضمحلّ عنها معنى التعريف. و**«ما »** في  أَءِذَا مَا  للتوكيد أيضاً، فكأنهم قالوا : أحقاً أنا سنخرج أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك ؟ على وجه الاستنكار والاستبعاد. والمراد الخروج من الأرض، أو من حال الفناء. أو هو من قولهم : خرج فلان عالماً، وخرج شجاعاً : إذا كان نادراً في ذلك، يريد : سأخرج حياً نادراً على سبيل الهزؤ. وقرأ الحسن وأبو حيوة :**«لسوف أخرج »** وعن طلحة بن مصرف رضي الله عنه **«لسأخرج »** كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه **«ولسيعطيك »** وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم، فهو كقولك للمسيء إلى المحسن : أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه.

### الآية 19:67

> ﻿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [19:67]

الواو عطفت  أَوَلاَ يَذْكُرُ  على  يَقُولُ  ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف، يعني : أيقول ذاك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى فإن تلك أعجب وأغرب وأدلّ على قدرة الخالق ؟ ؟ حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود، ثم أوقع التأليف مشحوناً بضروب الحكم التي تحار الفطن فيها، من غير حذو على مثال واقتداء بمؤلف. ولكن اختراعاً وإبداعاً من عند قادر جلت قدرته ودقت حكمته. وأما الثانية فقد تقدمت نظيرتها وعادت لها كالمثال المحتذى عليه، وليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية وتركيبها، ورّدها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفكيك والتفريق. وقوله تعالى : وَلَمْ يَكُ شَيْئاً  دليل على هذا المعنى، وكذلك قوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  \[ الروم : ٢٧ \] على أن رب العزّة سواء عليه النشأتان، لا يتفاوت في قدرته الصعب والسهل، ولا يحتاج إلى احتذاء على مثال ؛ ولا استعانة بحكيم، ولا نظر في مقياس، ولكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعاً في بحر معاندته، وكشفاً عن صفحة جهله. القراء كلهم على  لا يذكر  بالتشديد إلا نافعاً وابن عامر وعاصماً رضي الله عنهم، فقد خففوا. وفي حرف أبيّ **«يتذكر »**  مِن قَبْلُ  من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه.

### الآية 19:68

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [19:68]

في إقسام الله تعالى باسمه تقدست أسماؤه مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفخيم لشأن رسول الله ورفع منه، كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله تعالى : فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ  \[ الذاريات : ٢٣ \] والواو في  والشياطين  يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى مع، وهي بمعنى **«مع »** أوقع. والمعنى : أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة. 
فإن قلت : هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسيّ على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين ؟ قلت : إذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين. فقد حشروا مع الشياطين كم حشروا الكفرة. 
فإن قلت : هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء ؟ قلت : لم يفرّق بينهم وبينهم في المحشر، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم، وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا لذلك غبطة إلى غبطة وسروراً إلى سرور، ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم. 
فإن قلت : ما معنى إحضارهم جثياً ؟ قلت : أما إذا فسر الإنسان بالخصوص، فالمعنى أنهم يقبلون من المحشر إلى شاطىء جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف، جثاة على ركبهم، غير مشاة على أقدامهم، وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثوّ. قال الله تعالى : وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً  \[ الجاثية : ٢٨ \] على العادة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات، من تجاثي أهلها على الركب، لما في ذلك من الاستيفاز والقلق وإطلاق الحبا وخلاف الطمأنينة. أو لما يدهمهم من شدّة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم، فيحبون على ركبهم حبواً. وإن فسر بالعموم، فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطيء جهنم، على أن ( جثياً ) حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين ؛ لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التوصل إلى الثواب والعقاب.

### الآية 19:69

> ﻿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا [19:69]

والمراد بالشيعة - وهي **«فعلة »** كفرقة وفتية - الطائفة التي شاعت، أي تبعت غاوياً من الغواة. قال الله تعالى : إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا  \[ الأنعام : ١٥٩ \] يريد : نمتاز من كل طائفة من طوائف الغيّ والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم.

### الآية 19:70

> ﻿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا [19:70]

فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب. نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم. أو أراد بالذين هم أولى به صلياً : المنتزعين كما هم، كأنه قال : ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء، وهم أولى بالصلي من بين سائر الصالين، ودركاتهم أسفل، وعذابهم أشدّ. ويجوز أن يريد بأشدّهم عتياً : رؤساء الشيع وأئمتهم، لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالاً ومضلين. قال الله تعالى : الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ  \[ النحل : ٨٨ \]،  وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  \[ العنكبوت : ١٣ \] واختلف في إعراب  أَيُّهُمْ أَشَدُّ  فعن الخليل أنه مرتفع على الحكاية. تقديره : لننزعنّ الذين يقال فيهم أيهم أشد، وسيبويه على أنه مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به لأعرب. وقيل : أيهم هو أشد. ويجوز أن يكون النزع واقعاً على  مِن كُلِّ شِيعَةٍ ، كقوله سبحانه : وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا  \[ مريم : ٥٠ \] أي لننزعن بعض كل شيعة، فكأنّ قائلاً قال : من هم ؟ فقيل : أيهم أشد عتياً. وأيهم أشد : بالنصب عن طلحة بن مصرِّف وعن معاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء. 
فإن قلت : بم يتعلق على والباء، فإنّ تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه ؟ قلت : هما للبيان لا الصلة. أو يتعلقان بأفعل، أي : عتوّهم أشدّ على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم : هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا.

### الآية 19:71

> ﻿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [19:71]

وَإِن مِّنكُمْ  التفات إلى الإنسان، يعضده قراءة ابن عباس وعكرمة رضي الله عنهما :**«وإن منهم »** أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، فإن أريد الجنس كله فمعنى الورود دخولهم فيها وهي خامدة، فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم.

### الآية 19:72

> ﻿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [19:72]

عن ابن عباس رضي الله عنه : يردونها كأنها إهالة. وروي دواية. وعن جابر بن عبد الله. أنه سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ فقال :" إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ قالَ بعضُهُمْ لبعضٍ : أليسَ قدْ وعدَنَا رَبنا أنْ نردَ النارَ، فيقالُ لَهُمْ : قدْ وردتمُوها وهي خامدةٌ " وعنه رضي الله عنه أنه سُئِل عن هذه الآية ؟ فقال : سمعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الورودُ الدخولُ، لا يبقَى بَرٌ ولا فاجرٌ إلاَّ دخلها، فتكونُ على المؤمنِينَ برَداً وسلامَاً كَما كانَتْ على إبراهيمَ، حتَّى إنَّ للنارِ ضجيجَاً مِنْ بردهِا " وأما قوله تعالى : أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  \[ الأنبياء : ١٠١ \] فالمراد عن عذابها. وعن ابن مسعود والحسن وقتادة : هو الجواز على الصراط ؛ لأنّ الصراط ممدود عليها. وعن ابن عباس : قد يرد الشيءُ الشيءَ ولا يدخله، كقوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ  \[ القصص : ٢٣ \] ووردت القافلة البلد، وإن لم تدخله ولكن قربت منه. وعن مجاهد : ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا، بقوله عليه الصلاة والسلام :" الحمّى من فيح جهنم " وفي الحديث " الحمّى حظ كل مؤمن من النار " ويجوز أن يراد بالورود : جثوّهم حولها. وإن أريد الكفار خاصة، فالمعنى بيِّن. 
الحتم : مصدر حتم الأمر إذا أوجبه، فسمى به الموجب، كقولهم : خلق الله، وضرب الأمير، أي : كان ورودهم واجباً على الله، أوجبه على نفسه وقضى به، وعزم على أن لا يكون غيره  ثُمّ نُنَجِّي ا لَّذِينَ ا تَّقَواْ  قرىء  نُنَجِّى  و**«ننجى »** و****«ينجى »**** و****«ينجى »**** على ما لم يسم فاعله. إن أريد الجنس بأسره فهو ظاهر، وإن أريد الكفرة وحدهم فمعنى  ثُمَّ نُنَجِّى الذين اتقوا  أنّ المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار، لا أنهم يواردونهم ثم يتخلصون. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس والجحدري وابن أبي ليلى **«ثَمَّ ننجى »** بفتح الثاء، أي هناك. وقوله : وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً  دليل على أنّ المراد بالورود الجثوّ حواليها، وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد تجاثيهم، وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين.

### الآية 19:73

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [19:73]

بينات  مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني : مبينات المقاصد : إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً. أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججاً وبراهين. والوجه أن تكون حالاً مؤكدة كقوله تعالى : وَهُوَ الحق مُصَدّقًا  \[ البقرة : ٩١ \] لأن آيات الله لا تكون إلا واضحة وحججاً  لِلَّذِينَ ءامنوا اْ  يحتمل أنهم يناطقون المؤمنين بذلك ويواجهونهم به، وأنهم يفوهون به لأجلهم وفي معناهم، كقوله تعالى : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ  \[ الأحقاف : ١١ \]. قرأ ابن كثير **«مقاماً »** بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل، والباقون بالفتح وهو موضع القيام، والمراد المكان والموضع. والندىّ : المجلس ومجتمع القوم، وحيث ينتدون. والمعنى : أنهم إذا سمعوا الآيات وهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وذلك مبلغهم من العلم، قالوا : أيّ الفريقين من المؤمنين بالآيات والجاحدين لها أوفر حظاً من الدنيا حتى يجعل ذلك عياراً على الفضل والنقص، والرفعة والضعة ؟ ويروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة، ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم.

### الآية 19:74

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [19:74]

كَمْ  مفعول  أَهْلَكْنَا  و  مِّن  تبيين لإبهامها، أي : كثيراً من القرون أهلكنا، وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. و  هُمْ أَحْسَنُ  في محل النصب صفة ل ( كم ). ألا ترى أنك لو تركت  هُمْ  لم يكن لك بدّ من نصب  أَحْسَنُ  على الوصفية. 
الأثاث : متاع البيت. وقيل : هو ماجدَّ من الفرش. والخرثي : ما لُبسَ منها. وأنشد الحسن بن علي الطوسي :تَقَادَمَ الْعَهْدُ مِنْ أُمِّ الْوَلِيدِ بَنَا  دَهْراً وَصَارَ أثَاثُ الْبَيْتِ خُرْثِيَّاقرىء على خمسة أوجه  رِءْياً  وهو المنظر والهيئة فعل بمعنى مفعول، من رأيت **«وريئاً »** على القلب كقولهم : راء في رأي ****«ورياً »**** على قلب الهمزة ياء والإدغام، أو من الريّ الذي هو النعمة والترفه، من قولهم : ريان من النعيم. ****«ورياً »**** على حذف الهمزة رأساً، ووجهه أن يخفف المقلوب وهو **«رئياً »** بحذف همزته وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها **«وزياً »** واشتقاقه من الزيّ وهو الجمع ؛ لأن الزيّ محاسن مجموعة، والمعنى : أحسن من هؤلاء.

### الآية 19:75

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا [19:75]

أي مدّ له الرحمن، يعني : أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضالّ، ويقال له يوم القيامة  أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ  \[ فاطر : ٣٧ \] أو كقوله تعالى : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً  \[ آل عمران : ١٧٨ \] أو  مَن كَانَ فِى الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً  في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدّة حياته. في هذه الآية وجهان، أحدهما : أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي قالوا : أيّ الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.  حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ  أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين  إِمَّا العذاب  في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً وإظهار الله دينه على الدين كله على أيديهم. وإما يوم القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال، فحينئذ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً، لا خير مقاماً وأحسن ندياً. وأن المؤمنين على خلاف صفتهم. والثاني : أن تتصل بما يليها. والمعنى : أن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم، والخذلان لاصق بهم لعلم الله بهم، وبأن الألطاف لا تنفع فيهم وليسوا من أهلها. والمراد بالضلالة : ما دعاهم من جهلهم وغلوّهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه. ولا ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة ومقدّماتها. 
فإن قلت :( حتى ) هذه ما هي ؟ قلت : هي التي تحكى بعدها الجمل ألا ترى الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله : إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ. . . فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً  في مقابلة  خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم. والنديّ : المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم. والجند : هم الأنصار والأعوان.

### الآية 19:76

> ﻿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [19:76]

وَيَزِيدُ  معطوف على موضع ( فليمدد ) ؛ لأنه واقع موقع الخبر، تقديره : من كان في الضلالة مدّ أو يمدّ له الرحمن. ويزيد : أي يزيد في ضلال الضالّ بخذلانه، ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه  والباقيات الصالحا تُ  أعمال الآخرة كلها. وقيل : الصلوات. وقيل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أي هي خَيْرٌ ثَوَاباً من مفاخرات الكفار  وَخَيْرٌ مَّرَدّاً  أي مرجعاً وعاقبة، أو منفعة، من قولهم : ليس لهذا الأمر مردّ :
وَهَلْ يَرُدُّ بُكاى زَنْدَا \*\*\*
فإن قلت : كيف قيل خير ثواباً كأنّ لمفاخراتهم ثواباً، حتى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه ؟ قلت : كأنه قيل : ثوابهم النار. على طريقة قوله :
فَأَعْتَبُوا بِالصَّيْلَم ِ\*\*\*
**وقوله :**شَجْعَاءَ جِرَّتُهَا الذَّمِيلُ تَلُوكُهُ  أُصُلاً إذَا رَاحَ الْمُطِيُّ عِرَاثَا**وقوله :**
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ \*\*\*
ثم بنى عليه خير ثواباً. وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له : عقابك النار. 
فإن قلت : فما وجه التفضيل في الخير كأن لمفاخرهم شركاً فيه ؟ قلت : هذا من وجيز كلامهم، يقولون : الصيف أحرّ من الشتاء، أي : أبلغ \[ في حَرِّه \] من الشتاء في برده.

### الآية 19:77

> ﻿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [19:77]

لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقاً إلى الإحاطة بها علماً وصحة الخبر عنها، استعملوا **«أرأيت »** في معنى **«أخبر »** والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب، كأنه قال : أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

### الآية 19:78

> ﻿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:78]

أَطَّلَعَ الغيب  من قولهم : أطلع الجبل : إذا ارتقى إلى أعلاه وطلع الثنية. قال جرير :
لاَقَيْتُ مُطَّلَعَ الْجِبَالِ وُعُورَا \*\*\*
ويقولون : مرّ مطلعاً لذلك الأمر، أي عالياً له مالكاً له، ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول : أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار. والمعنى : أن ما ادعى أن يؤتاه وتألى عليه لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الطريقين : إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إلى ذلك ؟ قرأ حمزة والكسائي :****«ولداً »**** وهو جمع ولد، كأسد في أسد. أو بمعنى الولد كالعرب في العرب. وعن يحيى بن يعمر :****«ولداً »**** بالكسر. وقيل في العهد : كلمة الشهادة. وعن قتادة : هل له عمل صالح قدّمه فهو يرجو بذلك ما يقول ؟ وعن الكلبي : هل عهد الله إليه أنه يؤتيه ذلك ؟ عن الحسن رحمه الله : نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاصي بن وائل. قال خباب بن الأرت : كان لي عليه دين فاقتضيته، فقال : لا والله حتى تكفر بمحمد. قلت : لا والله لا أكفر بمحمد حياً ولا ميتاً ولا حين تبعث. قال : فإني إذا مت بعثت ؟ قلت : نعم. قال : إذا بعثت جئتني وسيكون لي ثمَّ مال وولد فأعطيك وقيل :«صاغ له خباب حلياً فاقتضاه الأجر، فقال : إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك ثَمَّ فإني أوتى مالاً وولداً حينئذ.

### الآية 19:79

> ﻿كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [19:79]

كَلاَّ  ردع وتنبيه على الخطأ أي : هو مخطئ فيما يصوّره لنفسه ويتمناه فليرتدع عنه. 
فإن قلت : كيف قيل : سَنَكْتُبُ  بسين التسويف، وهو كما قاله كتب من غير تأخير، قال الله تعالى : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  \[ ق : ١٨ \] ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله، على طريقة قوله :
إذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لِئيمَةٌ \*\*\*
أي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. والثاني : أن المتوعد يقول للجاني : سوف أنتقم منك، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر، فجرد ههنا لمعنى الوعيد.  وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً  أي نطوّل له من العذاب ما يستأهله ونعذبه بالنوع الذي يعذب به الكفار المستهزئون. أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد. يقال : مده وأمده بمعنى، وتدل عليه قراءة عليّ بن أبي طالب :( ونمد له ) بالضم، وأكد ذلك بالمصدر، وذلك من فرط غضب الله، نعوذ به من التعرّض لما نستوجب به غضبه.

### الآية 19:80

> ﻿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [19:80]

وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ  أي نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ونعطيه من يستحقه. والمعنى مسمى ما يقول. ومعنى  مَا يَقُولُ  وهو المال والولد. يقول الرجل : أنا أملك كذا، فتقول له : ولي فوق ما تقول، ويحتمل أنه قد تمنى وطمع أن يؤتيه الله في الدنيا مالاً وولداً، وبلغت به أشعبيته أن تألىَّ على ذلك في قوله : لأُوتَيَنَّ  لأنه جواب قسم مضمر، ومن يتألَّ على الله يكذبه، فيقول الله عز وجل : هب أنا أعطيناه ما اشتهاه، إما نرثه منه في العاقبة ويأتينا فرداً غداً بلا مال ولا ولد، كقوله عز وجل : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى. . . .  الآية \[ الأنعام : ٩٤ \] فما يجدي عليه تمنيه وتأليه. ويحتمل أن هذا القول إنما يقوله ما دام حياً، فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضاً له منفرداً عنه غير قائل له، أو لا ننسى قوله هذا ولا نلغيه، بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به  وَيَأْتِينَا  على فقره ومسكنته  فَرْداً  من المال والولد، لم نوله سؤله ولم نؤته متمناه، فيجتمع عليه الخطبان : تبعة قوله ووباله، وفقد المطموع فيه. فرداً على الوجه الأول : حال مقدرة نحو  فادخلوها خالدين  \[ الزمر : ٧٣ \] لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

### الآية 19:81

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [19:81]

أي ليتعززوا بآلهتهم حيث يكونون لهم عند الله شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من العذاب.

### الآية 19:82

> ﻿كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [19:82]

كَلاَّ  ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة. وقرأ ابن نهيك **«كلا »**  سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ  أي سيجحدون كلا سيكفرون بعبادتهم، كقولك : زيداً مررت بغلامه. وفي محتسب ابن جني : كلا بفتح الكاف والتنوين، وزعم أن معناه كل هذا الرأي والاعتقاد كلا. ولقائل أن يقول : إن صحت هذه الرواية فهي ( كلا ) التي هي للردع، قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قواريراً. والضمير في  سَيَكْفُرُونَ  للآلهة، أي : سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون : والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون. قال الله تعالى : وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون  \[ النحل : ٨٦ \] أو للمشركين : أي ينكرون لسوء العاقبة أن يكونوا قد عبدوها. قال الله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  \[ الأنعام : ٢٣ \]  عَلَيْهِمْ ضِدّاً  في مقابلة  لَهُمْ عِزّاً  والمراد ضدّ العز وهو الذل والهوان، أي : يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه، كأنه قيل : ويكونون عليهم ذلاً، لا لهم عزاً أو يكونون عليهم عوناً، والضدّ : العون. يقال من أضدادكم : أي أعوانكم وكأن العون سمي ضداً لأنه يضادّ عدوّك وينافيه بإعانته لك عليه. 
فإن قلت : لم وحد ؟ قلت : وحد توحيده قوله عليه الصلاة والسلام :" وهم يدٌ على من سواهم " لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم ومعنى كون الآلهة عوناً عليهم : أنهم وقود النار وحَصَبُ جهنم، ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها وإن رجعت الواو في سيكفرون ويكونون إلى المشركين، فإن المعنى : ويكونون عليهم - أي أعداءهم - ضداً، أي : كفرة بهم، بعد أن كانوا يعبدونها.

### الآية 19:83

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [19:83]

الأز، والهزّ، والاستفزاز : أخوات، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج، أي : تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات. والمعنى : خلينا بينهم وبينهم ولم نمنعهم ولو شاء لمنعهم قسراً، والمراد تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار، وأقاويلهم، وملاحتهم، ومعاندتهم للرسل، واستهزاؤهم بالدين : من تماديهم في الغيِّ وإفراطهم في العناد، وتصميمهم على الكفر، واجتماعهم على دفع الحق بعد وضوحه وانتفاء الشكّ عنه، وإنهماكهم لذلك في اتباع الشياطين وما تسوِّل لهم.

### الآية 19:84

> ﻿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [19:84]

عجلت عليه بكذا : إذا استعجلته منه، أي : لا تعجل عليهم بأن يهلكوا ويبيدوا، حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم، وتطهر الأرض بقطع دابرهم، فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، كأنها في سرعة تقضيها الساعة التي تعدّ فيها لو عدّت. ونحوه قوله تعالى : وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ  \[ الأحقاف : ٣٥ \]،  كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ  \[ الأحقاف : ٣٥ \] وعن ابن عباس رضي الله عنه : أنه كان إذا قرأها بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك. وعن ابن السَّمَّاك : أنه كان عند المأمون فقرأها، فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد.

### الآية 19:85

> ﻿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا [19:85]

نصب  يَوْمَ  بمضمر، أي يوم  نَحْشُرُ  ونسوق : نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. أو اذكر يوم نحشر. ويجوز أن ينتصب ب ( لايملكون ). ذكر المتقون بلفظ التبجيل. وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته وخصهم برضوانه وكرامته، كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عندهم، وعن عليّ رضي الله عنه : ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكنهم على نوق رحالها ذهب، وعلى نجائب سروجها ياقوت.

### الآية 19:86

> ﻿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا [19:86]

وذكر الكافرون بأنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. والورود : العطاش لأنّ من يرد الماء لايرده إلا لعطش وحقيقة الورد : المسير إلى الماء، قال :

رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطَاةٍ صَمَّا  كُدْرِيَّةٍ أعْجَبَهَا بَرْدُ الْمَافسمى به الواردون. وقرأ الحسن **«يحشر المتقون »**، و**«يساق المجرمون »**.

### الآية 19:87

> ﻿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:87]

الواو في  لاَّ يَمْلِكُونَ  إن جعل ضميراً فهو للعباد، ودل عليه ذكر المتقين والمجرمين لأنهم على هذه القسمة. ويجوز أن تكون علامة للجمع، كالتي في **«أكلوني البراغيث »** والفاعل  مَنِ اتخذ  لأنه في معنى الجمع، ومحل  مَنِ اتخذ  رفع على البدل، أو على الفاعلية. ويجوز أن ينتصب على تقدير حذف المضاف، أي إلا شفاعة من اتخذ. والمراد : لا يملكون أن يشفع لهم، واتخاذ العهد : الاستظهار بالإيمان والعمل. وعن ابن مسعود أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم. " أَيعجزُ أحدُكُمْ أَنْ يتخذَ كلَّ صباحٍ ومساءٍ عندَ اللَّهِ عهداً، قالوا : وكيفَ ذَلَكَ ؟ قالَ :«يقولُ كلَّ صباحٍ ومساءٍ : اللهمَّ فاطرَ السمواتِ والأرضِ عالمَ الغيبِ والشهادةِ إنِّي أعهدُ إليْكَ بأنِّي أشهدُ أَنْ لاَ إله إلاَّ انتَ وحدَكَ لا شريكَ لكَ وأَنَّ محمداً عبدك ورسولُكَ، وأنَّكَ إِنْ تكلني إلى نفسِي تقرّبُني منَ الشرِّ وتباعدوني منَ الخيرِ، وأَنِّي لاَ أثِقُ إلاَّ برحمتِكُ فاجعلْ لي عنَدكَ عهَداً توفينيهِ يومَ القيامَةِ إِنِّكَ لا تخلفُ المعيادَ. فإذَا قالَ ذَلَكَ طُبَعَ عليهِ بطابعٍ ووضعَ تحتَ العرشِ، فإذَا كَانَ يومَ القيامةِ نادَى منادٍ : أينَ الذِينَ لَهمُ عندَ الرحمن عهدٌ، فيدخلونَ الجنة " وقيل : كلمة الشهادة. أو يكون مِنْ عهد الأمير إلى فلان بكذا. إذا أمره به، أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها. وتعضده مواضع في التنزيل : وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السماوات لاَ تُغْنِى شفاعتهم شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَاء ويرضى  \[ النجم : ٢٦ \]،  وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ  \[ سبأ : ٢٣ \]، و  يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً  \[ طه : ١٠٩ \].

### الآية 19:88

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا [19:88]

عبدك ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي تقرّبنى من الشر وتباعدني من الخير، وأنى لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد، فيدخلون الجنة، **«١»** وقيل: كلمة الشهادة. أو يكون من **«عهد الأمير إلى فلان بكذا»** إذا أمره به، أى لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها. وتعضده مواضع في التنزيل وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى، وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا.
 \[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩١\]
 وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١)
 قرئ إِدًّا بالكسر والفتح. قال ابن خالويه: الإدّ والأدّ: العجب. وقيل: العظيم المنكر. والإدّة: الشدّة. وأدنى الأمر وآدنى: أثقلنى وعظم علىّ إدّا تَكادُ قراءة الكسائي ونافع بالياء. وقرئ **«ينفطرن»** **«٢»** الانفطار من فطره إذا شقه. والتفطر، من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه. وقرأ ابن مسعود: ينصدعن، أى تهد هدّا، أو مهدودة، أو مفعول له، أى: لأنها تهدّ. فإن قلت: ما معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟
 ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن الله سبحانه يقول:
 كدت أفعل هذا بالسماوات والأرض **«٣»** والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا منى على من

 (١). أخرجه الثعلبي قال: روى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود- فذكره بتمامه، وروى ابن مردويه في تفسير الأحزاب من طريق عوف بن عبد الله عن رجل من بنى سليم عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، قال قال رسول الله ﷺ **«العهد أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض- الحديث أصغر مما ذكر»** ورواه الحاكم من وجه آخر عن عون عن ابن ماجة عن الأسود عن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً قال الله تعالى يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فليقم، قال فقلنا: فعلمنا يا أبا عبد الرحمن قال: فاقرؤا:
 اللهم فاطر السموات والأرض- فذكره مختصرا، وفي الباب عن أبى بكر رضى الله عنه، أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر في السادس والسبعين بعد المائة.
 (٢). قوله **«وقرئ ينفطرن»** يفيد أن القراءة المشهورة **«يتفطرن»** بالتاء. (ع)
 (٣). قال محمود: **«معناه: كدت أهدّ السموات وأفطر الأرض... الخ»** قال أحمد: ويظهر لي وراءها معنى آخر والله أعلم، وذلك أن الله تعالى قد استعار لدلالتها على وجوده عز وجل موصوفا بصفات الكمال الواجبة له، أن جعلها تسبح بحمده. قال تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ومما دلت عليه السموات والأرض والجبال بل وكل ذرة من ذراتها: أن الله تعالى مقدس عن نسبة الولد إليه:
 وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد
 فالمعتقد نسبة الولد إلى الله تعالى قد عطل دلالة هذه الموجودات على تنزيه الله وتقديسه، فاستعير لابطال ما فيها من روح الدلالة التي خلقت لأجلها، إبطال صورها بالهد والانفطار والانشقاق «فسبحان من قسم عباده، فجعل العباد، تستلذ فتسبح بتسبيح داود، يكاد ينهد لمقاله من هو عن باب التوفيق مطرود مردود.

تفوّه بها، لولا حلى ووقارى، وأنى لا أعجل بالعقوبة كما قال إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً. والثاني: أن يكون استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها، وتصويرا لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات: أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخرّ. وفي قوله لَقَدْ جِئْتُمْ وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة، وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على الله، والتعرّض لسخطه، وتنبيه على عظم ما قالوا. في أَنْ دَعَوْا ثلاثة أوجه: أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في منه، كقوله:

على حالة لو أنّ في القوم حاتما  على جوده لضنّ بالماء حاتم **«١»** ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل، أى: هذا لأن دعوا، علل الخرور بالهدّ، والهدّ بدعاء الولد للرحمن. ومرفوعا بأنه فاعل هذا، أى هدها دعاء الولد للرحمن. وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات من الفائدة أنه هو الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره، من قبل أنّ أصول النعم وفروعها منه: خلق العالمين، وخلق لهم جميع ما معهم، كما قال بعضهم: فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه. فمن أضاف إليه ولدا فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن. هو من دعا بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين، فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني، طلبا للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدا. أو من دعا بمعنى نسب، الذي مطاوعه ما في قوله عليه السلام **«من ادعى إلى غير مواليه «٢»** » وقول الشاعر:
 إنّا بنى نهشل لا ندّعى لأب **«٣»**
 أى لا ننتسب إليه.
 (١). تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة ٤٣٨ فراجعه إن شئت اه مصححه.
 (٢). لم أره بلفظ **«من ادعي»** وإنما هو عند مسلم بلفظ **«انتمى»** أخرجه من حديث على بن أبى طالب رفعه **«من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه- الحديث»**
 (٣).إنا بنى نهشل لا ندعى لأب  عنه ولا هو بالأبناء يشرينايكفيه إن نحن متنا أن يسر بنا  وهو إذا ذكر الآباء يكفينا لبشامة بن حزن النهشلي، ويقال: ادعى فلان في بنى هاشم ولهم وإليهم، أى: انتسب إليهم وادعى عنهم إذا انتسب لغيرهم. وعدل عنهم يقول: إنا لا ننتسب لأب غير نهشل، وبنى نهشل: نصب على الاختصاص يفيد المدح ولا هو يشرينا، أى يبيعنا ويستبدلنا بأبناء غيرنا، ثم قال: يكفيه منا سروره بنا إن متنا ولحقناه، حيث أوجبنا له ولنا الثناء الجميل من شجاعتنا وحسن خصالنا. و **«إن»** بمعنى **«إذا»** لأن الموت لا شك فيه. ويروى **«أن يسب»** بباء، ولعل معناه: لا مسبة له غير موتنا في القتال، يعنى: إن كان ذلك مسبة وليس كذلك، ويمكن أن تعبيره بالكفاية ليفيد أنه مستغن عن المدح من جهة أبنائه عند التفاخر. وعند عد مآثر الآباء لا نحتاج لغيره، فننتسب له لنشرف بشرفه.

### الآية 19:89

> ﻿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [19:89]

قرئ **«إِدَّا »** بالكسر والفتح. قال ابن خالويه : الإدّ والأدّ : العجب. وقيل : العظيم المنكر. والإدّة : الشدّة. وأدنَي الأمر وآدني : أثقلني وعظم عليّ إدّاً.

### الآية 19:90

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [19:90]

**«يكادُ »** قراءة الكسائي ونافع بالياء. وقرىء **«ينفطرن »** الانفطار : مِنْ فطره إذا شقه. والتفطر : من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه. وقرأ ابن مسعود :**«ينصدعن »** أي تهدّ هدّاً، أو مهدودة، أو مفعول له : أي : لأنها تهدّ. 
فإن قلت : ما معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال ؟ ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : أن الله سبحانه يقول : كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوّه بها، لولا حلمي ووقاري، وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال : إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً  \[ فاطر : ٤١ \] والثاني : أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها، وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات : أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخرّ وفي قوله  لَقَدْ جِئْتُمْ  وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة، وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على الله، والتعرّض لسخطه، وتنبيه على عظم ما قالوا.

### الآية 19:91

> ﻿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا [19:91]

في  أَن دَعَوْا  ثلاثة أوجه : أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه، كقوله :

غَلَى حَالَةٍ لَوْ أَنَّ فِي الْقَوْمِ حَاتِمَاً  عَلَى جُوِدِهِ لَضَنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمُومنصوباً بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل، أي : هذا لأن دعوا، علل الخرور بالهدّ، والهدّ بِدُعَاءِ الولد للرحمن. ومرفوعاً بأنه فاعل هدّاً، أي هدها دعاء الولد للرحمن. وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات من الفائدة أنه هو الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره. من قبل أنّ أصول النعم وفروعها منه : خلق العالمين، وخلق لهم جميع ما معهم، كما قال بعضهم : فلينكشف عن بصرك غطاؤه. فأنت وجميع ما عندك عطاؤه. فمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن. هو من دعا بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين، فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني، طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولداً. أو من دعا بمعنى نسب، الذي مطاوعه ما في قوله عليه السلام. " مَنْ ادَّعى إلى غيرِ مواليه " وقول الشاعر :
إنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لاَ نَدَّعِي لأبٍ \*\*\*
أي لا ننتسب إليه.

### الآية 19:92

> ﻿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [19:92]

انبغى : مطاوع **«بغي »** إذا طلب، أي : ما يتأتى له اتخاذ الولد وما يتطلب لو طلب مثلاً، لأنه محال غير داخل تحت الصحة. أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها. وأما التبني فلا يكون إلا فيما هو من جنس المتبنى، وليس للقديم سبحانه جنس، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

### الآية 19:93

> ﻿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا [19:93]

موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة، وقوعها بعد رب في قوله :
رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظاً صَدْرَهُ \*\*\*
وقرأ ابن مسعود وأبوحيوة **«آت الرحمن »** على أصله قبل الإضافة. الإحصاء الحصر والضبط يعني : حصرهم بعلمه وأحاط بهم.

### الآية 19:94

> ﻿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [19:94]

وَعَدَّهُمْ عَدّاً  الذين اعتقدوا في الملائكة وعيسى وعزير أنهم أولاد الله، كانوا بين كفرين، أحدهما : القول بأن الرحمن يصح أن يكون والداً. والثاني : إشراك الذين زعموهم لله أولاداً في عبادته، كما يخدم الناس أبناء الملوك خدمتهم لآبائهم، فهدم الله الكفر الأول فيما تقدم من الآيات ؛ ثم عقبه بهدم الكفر الآخر. والمعنى : ما من معبود لهم في السموات والأرض من الملائكة ومن الناس إلا وهو يأتي الرحمن، أي : يأوي إليه ويلتجيء إلى ربوبيته عبداً منقاداً مطيعاً خاشعاً خاشياً راجياً، كما يفعل العبيد وكما يجب عليهم، لا يدعي لنفسه ما يدعيه له هؤلاء الضلال. ونحوه قوله تعالى : أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ  \[ الإسراء : ٥٧ \] وكلهم متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره وهو مهيمن عليهم محيط بهم ويجمل أمورهم وتفاصيلها وكيفيتهم وكميتهم ؛ لا يفوته شيء من أحوالهم.

### الآية 19:95

> ﻿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [19:95]

وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفرداً ليس معه من هؤلاء المشركين أحد وهم برآء منهم.

### الآية 19:96

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا [19:96]

قرأ جناح بن حبيش **«وِدّاً »** بالكسر، والمعنى : سيحدث لهم في القلوب مودّة ويزرعها لهم فيها من غير تودّد منهم ولا تعرّض للأسباب التي توجب الود ويكتسب بها الناس مودات القلوب، من قرابة أو صداقة أو اصطناع بمبرة أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منه ابتداء اختصاصاً منه لأوليائه بكرامة خاصة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً لهم وإجلالا لمكانهم. والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا دجا الإسلام. وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم \[ الله \] إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم. وروي أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه :" يا عليُّ قلْ : اللهمَّ اجعلْ لِي عندَكَ عهدَاً، واجعلْ لِي في صدورِ المؤمنينَ مودّة " فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ يا جبريلُ : قدْ أحببْتُ فلانَاً فأحبُّهُ، فيحبُّهُ جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، إنَّ اللَّهَ قدْ أحبَّ فلانَاً فأحبُّوهُ، فيحبّهُ أهلُ السماءِ، ثمَّ يضعُ لَهُ المحبة في أهلِ الأرضِ " وعن قتادة : ما أقبلَ العبدُ إلى اللَّهِ إلاَّ أقبلَ اللَّهُ بقلوبِ العبادِ إليه.

### الآية 19:97

> ﻿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [19:97]

هذه خاتمة السورة ومقطعها، فكأنه قال : بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر، فإنما أنزلناه  بِلِسَانِكَ  أي بلغتك وهو اللسان العربي المبين، وسهلناه وفصلناه  لِتُبَشِّرَ بِهِ  وتنذر. واللّد : الشداد الخصومة بالباطل، الآخذون في كل لديد ؛ أي في كل شق من المراء والجدال لفرط لجاجهم، يريد أهل مكة.

### الآية 19:98

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [19:98]

وقوله : وَكَمْ أَهْلَكْنَا  تخويف لهم وإنذار. وقرئ **«تَحُسُّ »** من حسه إذا شعر به. ومنه الحواس والمحسوسات. وقرأ حنظلة **«تُسمع »** مضارع أسمعت. والركز : الصوت الخفي. ومنه : ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. والركاز : المال المدفون.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/19.md)
- [كل تفاسير سورة مريم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/19.md)
- [ترجمات سورة مريم
](https://quranpedia.net/translations/19.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
