---
title: "تفسير سورة مريم - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/349.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/349"
surah_id: "19"
book_id: "349"
book_name: "محاسن التأويل"
author: "جمال الدين القاسمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة مريم - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/349)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة مريم - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي — https://quranpedia.net/surah/1/19/book/349*.

Tafsir of Surah مريم from "محاسن التأويل" by جمال الدين القاسمي.

### الآية 19:1

> كهيعص [19:1]

بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص ، سلف في أول سورة البقرة الكلام على هذه الأحرف، المبتدأ بها. وأولى الأقوال بالصواب أنها أسماء للسورة المبتدأ بها. وكونها خبر مبتدأ محذوف. أي : كهيعص ، أي مسمى به.

### الآية 19:2

> ﻿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [19:2]

وقوله تعالى : ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ، مبتدأ خبره محذوف. أي فيما يتلى عليك. أو خبر محذوف. أي هذا المتلو ذكرها. و  زكريا  والد يحيى عليهما السلام. بدل من  عبده  أو عطف بيان له. قال المهايمي : أي ذكر الله لنا ما رحم به زكريا عليه السلام بمقتضى كمال ربوبيته. فأعطاه ولدا كاملا في باب النبوة. فبشره بنفسه تارة وبملائكته أخرى. وتولى تسميته ولم يشرك فيها من تقدمه. وذكرها لنا كبير هبة لنا، في تعريف مقام النبوة، وقدرة الله وعنايته بصفوته.

### الآية 19:3

> ﻿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [19:3]

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا  ظرف ل  رحمة  أو بدل اشتمال من  زكريا  والنداء في الأصل رفع الصوت وظهوره. والمراد به الدعاء. وقد راعى أدب الدعاء، وهو إخفاؤه، لكونه أبعد عن الرياء، وأدخل في الإخلاص.

### الآية 19:4

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [19:4]

**ثم فسر الدعاء بقوله :**
 قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( ٤ ) . 
 قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي  أي ضعف. قال الزمخشري : وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن. وبه قوامه، وهو أصل بنائه. فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته. ولأنه أشد ما فيه وأصلبه. فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحده. لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، المنبئة عن شمول الوهن بكل فرد من أفراده. وقرئ  وهن  بكسر الهاء وضمها  وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  قال الزمخشري : شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذ منه كل مأخذ – باشتعال النار. ثم أخرجه مخرج الاستعارة. ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا. فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. وظاهره أن فيه استعارتين مبنيتين على تشبيهين : أولاهما تصريحية تبعية في  اشتعل  بتشبيه انتشار المبيض في المسود باشتعال النار، كما قال ابن دريد في ( مقصورته ) :إما ترى رأسي حاكى لونه  طرة صبح تحت أذيال الدجاواشتعل المبيض في مسوده  مثل اشتعال النار في جزل الغضاوالثاني مكنية : بتشبيه الشيب، في بياضه، وإنارته، باللهب. وهذا بناء على أن المكنية قد تنفك عن التخييلية، وعليه المحققون من أهل المعاني. وقيل : إن الاستعارة هنا تمثيلية. فشبه حال الشيب بحال النار، في بياضه وانتشاره : وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ، أي ولم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت لم أعود منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط. وهذا توسل منه إلى الله تعالى بما سلف له معه من الاستجابة، إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة، من كبر السن وضعف الحال. فإنه تعالى بعد ما عود عبده بالإجابة دهرا طويلا، لا يكاد يخيبه أبدا. لاسيما عند اضطراره وشدة افتقاره. 
**تنبيه :**
استفيد من هذه الآيات آداب الدعاء وما يستحب فيه. فمنها الإسرار بالدعاء، لقوله  خَفِيًّا  ومنها استحباب الخضوع في الدعاء وإظهار الذل والمسكنة والضعف لقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  ومنها التوسل إلى الله تعالى بنعمه وعوائده الجميلة لقوله : وَلَمْ أَكُن  الخ كما قدمنا.

### الآية 19:5

> ﻿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [19:5]

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ( ٥ ) . 
 يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( ٦ ) . 
 وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي  أي الذين يلون أمر رهطي من بعد موتي، لعدم صلاحية أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت أقوم به، من الإرشاد ووعظ العباد، وحفظ آداب الدين. والتمسك بهديه المتين  وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا  أي لا تلد من حين شبابها  فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ  أي هب لي ولدا، يلي من الأمر ما كنت إليه وارثا، لي ولآل يعقوب، في العلم والنبوة. وفي قوله  من لدنك  إعلام بأنه من محض الفضل وخرق العادة. لعدم صلاحية زوجه للحمل. وتنويه به لكونه مضافا إلى الله تعالى، وصادرا من عنده و  آل يعقوب  أولاده الأنبياء، عليهم السلام. 
 وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا  أي مرضيا عندك قولا وفعلا.

### الآية 19:6

> ﻿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [19:6]

الهاء وضمها وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً قال الزمخشريّ: شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ- باشتعال النار.
 ثم أخرجه مخرج الاستعارة. ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس.
 وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا. فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. وظاهره أن فيه استعارتين مبنيتين على تشبيهين: أولاهما تصريحية تبعية في (اشتعل) بتشبيه انتشار المبيضّ في المسودّ باشتعال النار، كما قال ابن دريد في (مقصورته).

إمّا ترى رأسي حاكى لونه  طرّة صبح تحت أذيال الدجاواشتعل المبيضّ في مسودّه  مثل اشتعال النّار في جزل الغضا والثانية مكنية. بتشبيه الشيب، في بياضه وإنارته، باللهب. وهذا بناء على أن المكنية قد تنفك عن التخييلية، وعليه المحققون من أهل المعاني. وقيل: إن الاستعارة هنا تمثيلية. فشبه حال الشيب بحال النار، في بياضه وانتشاره وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا أي ولم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت لم أعوّد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردّني قط. وهذا توسل منه إلى الله تعالى بما سلف له معه من الاستجابة، إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة، من كبر السن وضعف الحال. فإنه تعالى بعد ما عوّد عبده بالإجابة دهرا طويلا. لا يكاد يخيبه أبدا. لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره.
 **تنبيه:**
 استفيد من هذه الآيات آداب الدعاء وما يستحبّ فيه. فمنها الإسرار بالدعاء، لقوله (خفيّا) ومنها استحباب الخضوع في الدعاء وإظهار الذل والمسكنة والضعف لقوله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ومنها التوسل إلى الله تعالى بنعمه وعوائده الجميلة لقوله: وَلَمْ أَكُنْ إلخ كما قدمنا.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥ الى ٦\]
 وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
 وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي أي الذين يلون أمر رهطي من بعد موتي، لعدم صلاحية أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت أقوم به، من الإرشاد ووعظ

### الآية 19:7

> ﻿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [19:7]

ثم بين تعالى استجابة دعاء زكريا بقوله سبحانه :
 يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ( ٧ ) . 
 يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا  أي مثلا وشبيها. وعن ابن عباس :( لم تلد العواقر قبله مثله ). وروي أنه لم يعص، ولم يهم بمعصية قط.

### الآية 19:8

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [19:8]

( ٨ )  قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( ٨ ) . 
 قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا  أي حالة لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها. وقيل : إلى رياضته. وهي الحال المشار إليها بقول الشاعر :
\* ومن العناء رياضة الهرم \*
قاله الراغب.

### الآية 19:9

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [19:9]

( ٩ )  قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ( ٩ ) . 
 قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا  أي من إنسان ونطفة وعلقة وعناصر، ثم وجدت. 
قال الزمخشري : فإن قلت : لم طلب أولا، وهو وامرأته على صفة العتي والعقر، فلما أسعف بطلبته استبعد واستعجب ؟ قلت : ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقانا، ويرتدع المبطلون. وإلا فمعتقد زكريا أولا وآخرا، كان على منهاج واحد، في أن الله غني عن الأسباب. انتهى. 
وقال أبو السعود : إنما قاله عليه السلام، مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينية بقدرة الله، لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في سورة آل عمران، استعظاما لقدرة الله تعالى، وتعجيبا منها، واعتدادا بنعمته تعالى عليه في ذلك، بإظهار أنه من محض لطف الله عز وعلا وفضله. مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة، لا استبعادا له. وقيل : كان ذلك منه استفهاما عن كيفية حدوثه. أي : أيكون الولد ونحن كذلك ؟ فقيل : كذلك. أي يكون الولد وأنتما كذلك.

### الآية 19:10

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [19:10]

قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ( ١٠ ) . 
 قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً  أي علامة تدلني على تحقق المسئول ووقوع الحمل، ليطمئن قلبي  قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا  أي : أن لا تقدر على تكليمهم، حال كونك سويا، بلا مرض في بدنك، ولا في لسانك. 
**لطيفة :**
إنما ذكر ( الليالي ) هنا، و ( الأيام ) في آل عمران، للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس، والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام بلياليها. والعرب تتجوز أو تكتفي بأحدهما عن الآخر. والنكتة في الاكتفاء ب ( الليالي ) هنا وب ( الأيام ) ثم، أن هذه السورة مكية سابقة النزول. وتلك مدنية. والليالي عندهم سابقة على الأيام. لأن شهورهم وسنيهم قمرية، إنما تعرف بالأهلة. ولذلك اعتبروها، في التاريخ، كما ذكره النحاة، فأعطى السابق للسابق.

### الآية 19:11

> ﻿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:11]

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( ١١ ) . 
 فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ  أي مصلاه أو غرفته  فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ  أي أشار إليهم رمزا  أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  أي صلوا لله طرفي النهار.

### الآية 19:12

> ﻿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [19:12]

**وقوله تعالى :**
 يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( ١٢ ) 
 يَا يَحْيَى  استئناف، طوى قبله جمل كثيرة، مسارعة إلى الإنباء بإنجاز الوعد الكريم. وهو وجود هذا الغلام المبشر به، وتعليمه التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا. فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم عليه وعلى والديه. أي قلنا : يا يحيى   خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ  أي تعلم التوراة بجد وحرص واجتهاد.  وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا  أي الحكمة وفهم التوراة والعلم والاجتهاد في الخير، وهو صبي.

### الآية 19:13

> ﻿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا [19:13]

**وقوله تعالى :**
 وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ( ١٣ ) . 
 وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ( ١٤ ) . 
 وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا  أي وآتيناه حنانا : وهو التحنن والتعطف والشفقة. وتنوينه للتفخيم. أي رحمة عظيمة يشفق بها على الخلق. أو حنانا من الله عليه  وَزَكَاةً  أي طهارة من الذنوب، وعصمة بليغة منها { وَكَانَ تَقِيًّا

### الآية 19:14

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا [19:14]

وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا } أي متكبرا عاقا لهما، أو عاصيا لربه.

### الآية 19:15

> ﻿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [19:15]

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( ١٥ ) . 
 وَسَلَامٌ عَلَيْهِ  أي من الله  يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا  أي ليستقبل النعيم الأبدي. و ( السلام ) بمعنى السلامة والأمان من الآفات. وفيه معنى التحية والتشريف. وفي ذكر الأحوال الثلاث، زيادة في العناية به، صلوات الله وسلامه عليه.

### الآية 19:16

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [19:16]

**وقوله تعالى :**
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ( ١٦ ) . 
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ  أي القرآن  مَرْيَمَ  أي نبئها  إِذِ انتَبَذَتْ  أي اعتزلت وانفردت  مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا  أي شرقي بيت المقدس. لئلا يشغلوها عن العبادة.

### الآية 19:17

> ﻿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [19:17]

فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ( ١٧ ) . 
 فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا  أي لئلا تحجبها رؤية الخلق عن أنوار الحق  فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  أي جبريل المنسوب إلى مقام عظمتنا، لغاية كماله، لينفخ فيها  فَتَمَثَّلَ لَهَا  أي فتصور لرؤيتها  بَشَرًا سَوِيًّا  أي سوي الخلق، كامل، الصورة.

### الآية 19:18

> ﻿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [19:18]

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ( ١٨ ) . 
 قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ  أي أعتصم به منك. إنما خافته لانفرادها في خلوتها، وظنها أنه يريدها على نفسها. وفي ذلك من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه  إِن كُنتَ تَقِيًّا  أي تتقي الله تعالى، وتبالي بالاستعاذة به. وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة السياق عليه. أي فإني عائذة به. أو فلا تتعرض لي. وإنما ذكرته بالله تعالى، لأن المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولا بالله عز وجل.

### الآية 19:19

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا [19:19]

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ( ١٩ ) . 
 قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ  أي لا تخافي ولا تتوقعي ما توهمت. فإني رسول ربك الذي استعذت به، بعثني إليك  لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا  أي لأكون سببا في هبته. و ( الزكي ) الطاهر من الذنوب أو النامي على الخير.

### الآية 19:20

> ﻿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [19:20]

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( ٢٠ ) . 
 قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا  أي تعجبت من هذا وقالت : كيف يكون لي غلام، أي على أي صفة يوجد مني، ولست بذات زوج ولا يتصور مني الفجور ؟. 
قال الزمخشري : جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه. كقوله تعالى : من قبل أن تمسوهن   أو لامستم النساء  والزنى ليس كذلك. إنما يقال فيه :( فجر بها، وخبث بها ) وما أشبه ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. وإنما اقتصر في سورة آل عمران على قوله : ولم يمسسني بشر  لكون هذه السورة. متقدمة النزول عليها. فهي محل التفصيل. بخلاف تلك. فلذا حسن الاكتفاء فيها. وقيل : جعل المس ثم. كناية عنهما، على سبيل التغليب. و ( البغي ) الفاجرة التي تبغي الرجال. ووزنه ( فعول ) ولذا لم تلحقه التاء، لأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإن كانت بمعنى فاعل كصبور. أو فعيل بمعنى فاعل، ولم تلحقه التاء لأنه للمبالغة. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:21

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [19:21]

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ( ٢١ ) . 
 قَالَ  أي الملك  كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ  أي برهانا يستدلون به على كمال قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع خلقهم. فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى. وخلق حواء من ذكر بلا أنثى. وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر. فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه  وَرَحْمَةً مِّنَّا  أي عليك بهذه الكرامة، وعلى قومك بالهداية والدعاء إلى عبادة الله وتوحيده، فيهتدون بهديه ويسترشدون بإرشاده. وقوله : وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا  من تتمة كلام جبريل لمريم. يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته. أو من خبره تعالى لنبيه صلوات الله عليه. وأنه كنى به عن النفخ في فرجها. كما قال تعالى : ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا  وقال : والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا . 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:22

> ﻿۞ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا [19:22]

فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ( ٢٢ ) . 
 فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا  أي لما صارت حاملا به، اعتزلت بسببه مكانا بعيدا من قومها، فرارا من القالة. وقد روي عن السلف أن جبريل لما قال لها، عن الله تعالى، ما قال، مما تقدم، استسلمت لقضاء الله تعالى فاطمأنت إلى قوله. فدنا منها فنفخ في جيب درعها. فسرت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بإذن الله تعالى. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:23

> ﻿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [19:23]

فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ( ٢٣ ) . 
 فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ  أي : فألجأها ألم الولادة إلى الاستناد بالجذع لتعتمد عليه وتستتر به. و ( أجاء ) – قال الزمخشري – منقول من ( جاء ) إلى أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. وقرئ ( المخاض ) بكسر الميم وكلاهما مصدر ( مخضت المرأة ) إذا تحرك الولد في بطنها للخروج  قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا  أي الحمل  وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا  أي شيئا تافها، شأنه أن ينسى ولا يعتد به. منسيا لا يخطر على بال أحد. وهو نعت للمبالغة. وإنما قالت ذلك، لما عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد. فلحقها فرط الحياء وخوف اللائمة إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة، وبضد ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام – قال الزمخشري : لأنه مقام دحض، فلما تثبت عليه الأقدام، أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر، تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به – عيبا به ويعنف بسببه. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:24

> ﻿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [19:24]

فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( ٢٤ ) . 
 فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا  أي من مكان أسفل منها، تحت أكمة، وهو جبريل. وقيل : هو عيسى، وقرئ  من  بفتح الميم موصولة  أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا  أي سيدا رفيعا، وقيل : نهرا يسري. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:25

> ﻿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [19:25]

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ( ٢٥ ) . 
 وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا  أي حضر أوان اجتنائه. قال الزمخشري : فإن قلت : ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسري والرطب ! قلت : لم تقع التسلية بهما من حيث أنهما طعام وشراب، ولكن من حيث أنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة، والبعد من الريبة، وأمن مثلها، مما قرفوها به، بمعزل. وأن لها أمور إلهية خارجة عن العادات، خارقة لما ألفوا واعتادوا، حتى يتبين لهم أن ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:26

> ﻿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [19:26]

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ( ٢٦ ) . 
 فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا  أي بالكمال والولد المبارك، الموجود بالقدرة، الموهوب بالعناية. قال الزمخشري : أي جمعنا لك في السري والرطب فائدتين : إحداهما الأكل والشرب والثانية سلوة الصدر، لكونهما معجزتين. وهو معنى قوله : فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا  أي وطيبي نفسا ولا تغتمي. وارفضي عنك ما أحزنك وأهمك  فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا  أي من المحجوبين عن الحقائق بظواهر الأسباب، الذين لا يفهمون قولك ولا يصدقون بحالك. لوقوفهم مع العادة واحتجابهم عن نور الحق. فإذا سألوك  فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا  أي لا تكلميهم في أمرك شيئا. ولا تماديهم فيما لا يمكنهم قبوله. وإنما أمرت بذلك لكراهة مجادلة السفهاء، والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام. فإنه نص قاطع في براءة ساحتها، فقوله : صوما  أي صمتا. وقوله : فلن أكلم  الخ تفسير للنذر بذكر صيغته. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:27

> ﻿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [19:27]

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ( ٢٧ ) . 
 فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا  أي عظيما منكرا. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:28

> ﻿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [19:28]

يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( ٢٨ ) . 
 يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا  استئناف لتجديد التعبير، وتأكيد التوبيخ، وتقرير لكون ما جاءت به فريا. و  هارون  هو النبي الشهير، صلوات الله عليه يعنون أنها مثله في الصلاح. لأن الأخ والأخت يستعمل بمعنى ( المشابه ) كثيرا. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:29

> ﻿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [19:29]

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( ٢٩ ) . 
 فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، قَالُوا  منكرين لجوابها  كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا  ولم يعهد تكليم عاقل لصبي في المهد. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:30

> ﻿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [19:30]

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( ٣٠ ) . 
 وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ( ٣١ ) . 
 قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ  أنطقه الله بذلك. أولا تحقيقا للحق في شأنه وتنزيها لله تعالى عن الولد، ردا على من يزعم ربوبيته ونبوته  آتَانِيَ الْكِتَابَ  أي الإنجيل
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:31

> ﻿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [19:31]

وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ  أي كثير الخير حيثما وجدت. أبلغ وحي ربي لتقويم النفوس وكبح الشهوات والأخذ بما هو مناط السعادات. والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة، إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم، أو جعل الآتي، لا محالة، كأنه وجد  وأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا  أي أمرني بالعبادة وإنفاق المال مدة حياتي. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:32

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [19:32]

وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا  أي مستكبرا عن طاعته وأمره

### الآية 19:33

> ﻿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [19:33]

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا \* ذَلِكَ  أي الذي فصلت نعوته الجليلة وخصائصه الباهرة  عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  أي ما لا يصفه به النصارى. وهو تكذيب لهم، فيما يزعمونه، على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني. حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه  قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ \* مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ  أي : ومن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد ؟ وهذا كقوله تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون \* الحق من ربك فلا تكن من الممترين  ثم أشار إلى تتمة كلام عيسى من الأمر بعبادته تعالى وحده، بقوله سبحانه : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ  أي قويم. من اتبعه رشد وهدي. ومن خالفه ضل وغوى. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات في فوائد القصة :**
الأول : لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه وجد منه في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها عيسى عليهما السلام من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء قدير. و ( مريم ) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنها تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم في سورة آل عمران. 
الثاني : استدل بقوله تعالى : فأرسلنا إليها روحنا  من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها : يا ليتني مت قبل هذا  على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى : وهزي إليك بجذع النخلة  على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه أشار القائل :ألم تر أن الله قال لمريم  وهزي إليك الجذع يتساقط الرطبولو شاء أحنى الجذع من غير\*\*\* هزه إليها. ولكن كل شيء له سبب
وفي الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله تعالى : فأشارت إليه  بعد  فلن أكلم اليوم إنسيا  على أن الحالف ( لا يتكلم أو لا يكلم فلانا ) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه الزمخشري، قال : ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي قوله تعالى : ما كان أبوك أمرأ سوء  معنى قولهم في المثل : من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. 
الثالث : نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى : والسلام علي  الخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه سلامة في النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة : وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. 
الرابع : قال القاشاني : وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأمر من الخيال في الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، لهذء القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا ( قلبا ) والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيونية والطبيعية وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقدة ومني الأنثى بالقوة المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من الذي ينفصل من كليتها اليسرى. فإذا اجتمعا في الرحم، كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام المنفصل في الكلية اليمنى ؟، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الولد هذا. وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن، وبغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. 
ثم قال في قوله تعالى : وكان أمرا مقضيا  في اللوح مقدرا في الأزل. وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا  فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه بنطفتها. والحق أنه روح القدس. لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال : لأهب لك غلاما زكيا . واتصال روح عيسى عليه السلام بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، واستقرارها فيه، ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. 
الخامس : التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك يشكل بشكل البشر. 
قال إمام الحرمين : تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه. ثم يعيده إليه بعد. 
وجزم ابن عبد السلام : بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد بمفارقته الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. 
وقال البلقيني : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا جمع بعد أن كان منتفشا. فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. كذا قال ابن حجر في ( فتح الباري ). 
ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث بدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فيه نص قاطع. وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في مواضع عديدة. 
السادس : قال بعضهم : أصل كلمة ( عيسى ) يسوع. فحرفه اليهود إلى ( عيسو ) تهكما فحوله العرب إلى ( عيسى ) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ---

### الآية 19:34

> ﻿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [19:34]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا \* ذَلِكَ  أي الذي فصلت نعوته الجليلة وخصائصه الباهرة  عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  أي ما لا يصفه به النصارى. وهو تكذيب لهم، فيما يزعمونه، على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني. حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه  قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ \* مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ  أي : ومن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد ؟ وهذا كقوله تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون \* الحق من ربك فلا تكن من الممترين  ثم أشار إلى تتمة كلام عيسى من الأمر بعبادته تعالى وحده، بقوله سبحانه : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ  أي قويم. من اتبعه رشد وهدي. ومن خالفه ضل وغوى. 
خ٣٦---

### الآية 19:35

> ﻿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [19:35]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا \* ذَلِكَ  أي الذي فصلت نعوته الجليلة وخصائصه الباهرة  عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  أي ما لا يصفه به النصارى. وهو تكذيب لهم، فيما يزعمونه، على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني. حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه  قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ \* مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ  أي : ومن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد ؟ وهذا كقوله تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون \* الحق من ربك فلا تكن من الممترين  ثم أشار إلى تتمة كلام عيسى من الأمر بعبادته تعالى وحده، بقوله سبحانه : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ  أي قويم. من اتبعه رشد وهدي. ومن خالفه ضل وغوى. 
خ٣٦---

### الآية 19:36

> ﻿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [19:36]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا \* ذَلِكَ  أي الذي فصلت نعوته الجليلة وخصائصه الباهرة  عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  أي ما لا يصفه به النصارى. وهو تكذيب لهم، فيما يزعمونه، على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني. حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه  قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ \* مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ  أي : ومن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد ؟ وهذا كقوله تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون \* الحق من ربك فلا تكن من الممترين  ثم أشار إلى تتمة كلام عيسى من الأمر بعبادته تعالى وحده، بقوله سبحانه : وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ  أي قويم. من اتبعه رشد وهدي. ومن خالفه ضل وغوى. 
خ٣٦---

### الآية 19:37

> ﻿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [19:37]

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ . 
 فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ  أي اختلف قول أهل الكتاب في عيسى، بعد بيان أمره ووضوح حاله. وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فأصرت اليهود منهم على بهت أمه وقرفه بالسحر. وانقسمت النصارى في أمره انقساما يفوت الحصر. وكله ضلال وشرك وكفر. وقد هدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه. وهذا من فضله تعالى ومنه : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ  يعني بالذين كفروا، المختلفين. عبر عنهم بالموصول إيذانا بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم. وفي  مشهد  ستة أوجه. لأنه مصدر ميمي أو اسم زمان أو مكان. وعلى كل فهو إما من ( الشهود ) أي الحضور أو ( الشهادة ). وهذا معنى قول الزمخشري : أي في شهودهم هول الحساب والجزاء إلى يوم القيامة. أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف. أو من وقت الشهود. أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال. أو من مكان الشهادة أو وقتها. 
وقيل : معناه ما شهدوا به في عيسى وأمه. فعظمه لعظم ما فيه أيضا. كقوله : كبرت كلمة تخرج من أفواههم } وفيه وعيد لهم وتهديد شديد. وذلك لأنه لا أظلم ممن كذب بالحق لما جاءه.

### الآية 19:38

> ﻿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [19:38]

**وقوله تعالى :**
 أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ( ٣٨ ) . 
 أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا  تعجب من حدة سمعهم وأبصارهم يومئذ. ومعناه أن أسماعهم وأبصارهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء جدير بأن يتعجب منهما بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا. والآية كقوله تعالى لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا  الآية أي يقولون ذلك حين لا يجدي عنهم شيئا. ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لأجدى  لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ  أي في الدنيا  فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ  لإغفالهم الاستماع والنظر. فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون. قال الزمخشري : أوقع الظاهر أعني ( الظالمين ) موقع الضمير، إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر، حين يجدي عليهم ويسعدهم. 
**تنبيه :**
إنما أول التعجب في الآية بما ذكر، وأنه مصروف للعباد الذين يصدر منهم التعجب، لأن صدوره من الله تعالى محال. إذ هو كيفية نفسانية تنشأ عن استعظام ما لا يدرى سببه. ولذا قيل : إذا ظهر السبب بطل العجب. والمعنى تعجبوا من سمعهم وإبصارهم حيث لا ينفعهم ذلك. فهي كقوله تعالى : فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد  أفاده الشهاب. 
وهذه طريقة المتكلمين في تأويل ما يشترك في الإضافة إليه تعالى وإلى خلقه من الصفات المروية. 
وطريقة السلف المحققين إثبات ما ورد به السمع مع نفي التشبيه. إذ لا اتحاد بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فما يضاف إليه تعالى هو على النحو الذي يجب أن يكون عليه جل جلاله فما يقدر في حق المخلوقين من الصفات مستلزما للمحال لا يجب أن يكون في حقه تعالى مستلزما لذلك. كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا، يستلزم من النقص والحاجة، ما يجب تنزيه الله عنه. وكذلك الوجود والقيام بالنفس فينا. يستلزم احتياجا إلى خالق يجعلنا موجودين. والله منزه في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا. فنحن وصفاتنا وأفعالنا. مقرونون بالحاجة إلى الغير. والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن نخلو عنه. وهو سبحانه، الغني له أمر ذاتي لا يمكن أن يخلو عنه. فهو بنفسه حي قيوم واجب الوجود، ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء. فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا وما اتصفنا به من الكمال، من العلم والقدرة وغير ذلك، هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان، لم يجب أن لا يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال، وأن لا يقدر ولا يعلم. لكون ذلك ملازما للحاجة فينا. فكذلك كل ما جاء به السمع من الصفات، إذا قدر أنه في حقنا ملازم لحاجة وضعف، لم يجب أن يكون في حق الله تعالى ملازما لذلك. هذا ما قرره الإمام تقي الدين بن تيمية في خلال بعض فتاويه. وكلامه هذا بمثابة القاعدة الكلية لأمثال هذا الموضوع. فاحفظه.

### الآية 19:39

> ﻿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [19:39]

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ  أي فرغ من الحساب وفصل بين أهل الجنة والنار، وصار كل إلى ما صار إليه مخلدا فيه  وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ  أي وهم اليوم مستغرقون في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة  وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  أي لا يصدقون به اليوم وسيعاينونه.

### الآية 19:40

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [19:40]

القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٩ الى ٤٠\]
 وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
 وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وفصل بين أهل الجنة والنار، وصار كلّ إلى ما صار إليه مخلدا فيه وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ أي وهم اليوم مستغرقون في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون به اليوم وسيعاينونه. ثم أمر تعالى رسوله أن يتلوا عليهم نبأ إبراهيم لكونهم ينتمون إليه فيعتبروا في توحيد الخالص، فقال سبحانه:
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٤٢\]
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢)
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً بليغ التصديق بما يجب لله من الوحدانية والتنزيه نَبِيًّا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ أي متلطّفا في دعوته إلى التوحيد ونهيه عن عبادة الأصنام يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
 أي فلا يدفع ضرّا ولا يجلب نفعا.
 قال أبو السعود: ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج، وأقوم سبيل. واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق جميل. لئلا يركب متن المكابرة والعناد. ولا ينكب، بالكلية، عن محجة الرشاد. حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل، من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي الغاية القاصية من التعظيم. مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام، والإنعام العام. الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب. ونبه على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل، لداعية صحيحة وغرض صحيح. والشيء لو كان حيّا مميزا سميعا بصيرا، قادرا على النفع والضر، مطيقا بإيصال الخير والشر، لكن كان ممكنا، لاستنكف العقل السليم عن عبادته. وإن كان أشرف الخلائق. لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبة. فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر، ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر؟.

### الآية 19:41

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:41]

ثم أمر تعالى رسوله أن يتلو عليهم نبأ إبراهيم لكونهم ينتمون إليه فيعتبروا في توحيده الخالص، فقال سبحانه :
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا  بليغ التصديق بما يجب لله من الوحدانية والتنزيه  نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ  أي متلطفا في دعوته إلى التوحيد ونهيه عن عبادة الأصنام : يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا  أي فلا يدفع ضرا ولا يجلب نفعا. 
قال أبو السعود : ولقد سلك عليه السلام في دعوته، أحسن منهاج، وأقوم سبيل. واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق جميل. لئلا يركب متن المكابرة والعناد. ولا ينكب، بالكلية، عن محجة الرشاد. حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل، من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي الغاية القاصية من التعظيم. مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام، والإنعام العام. الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب. ونبه على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل، لداعية صحيحة وغرض صحيح. والشيء لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا، قادرا على النفع والضر، مطيقا بإيصال الخير والشر، لكن كان ممكنا ؛ لاستنكف العقل السليم عن عبادته. وإن كان أشرف الخلائق، لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبة. فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر، ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر ؟

### الآية 19:42

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [19:42]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١:ثم أمر تعالى رسوله أن يتلو عليهم نبأ إبراهيم لكونهم ينتمون إليه فيعتبروا في توحيده الخالص، فقال سبحانه :
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا  بليغ التصديق بما يجب لله من الوحدانية والتنزيه  نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ  أي متلطفا في دعوته إلى التوحيد ونهيه عن عبادة الأصنام : يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا  أي فلا يدفع ضرا ولا يجلب نفعا. 
قال أبو السعود : ولقد سلك عليه السلام في دعوته، أحسن منهاج، وأقوم سبيل. واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق جميل. لئلا يركب متن المكابرة والعناد. ولا ينكب، بالكلية، عن محجة الرشاد. حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل كل عاقل، من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي الغاية القاصية من التعظيم. مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام، والإنعام العام. الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب. ونبه على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل، لداعية صحيحة وغرض صحيح. والشيء لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا، قادرا على النفع والضر، مطيقا بإيصال الخير والشر، لكن كان ممكنا ؛ لاستنكف العقل السليم عن عبادته. وإن كان أشرف الخلائق، لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبة. فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر، ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر ؟---

### الآية 19:43

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [19:43]

يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ( ٤٣ ) . 
 يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ  أي وحق القاصر اتباع الإنسان الكامل : فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا  أي معتدلا لا إفراط فيه بعبادة من لا يستحق، ولا تفريط بترك عبادة من يستحق، وكذا في باب الأخلاق والأعمال. قال المهايمي : أي وإن كان حق الابن اتباع الأب في العرف، لكنه باطل. لأن الحق اتباع الصواب. 
قال الزمخشري : ثنى عليه السلام بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا. فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق. ولكنه قال : إن معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي. فلا تستنكف. وهب أني وإياك في مسير، وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه.

### الآية 19:44

> ﻿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا [19:44]

ثلث عليه السلام بتثبيطه ونهيه عما كان عليه، بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل، ببيان أنه مع عرائه عن النفع بالمرة، مستجلب لضرر عظيم، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان. لما أنه الآمر به والمسول له، وقوله : إن الشيطان  الخ تعليل لموجب النهي وتأكيد له، ببيان أنه مستعص على ربك الذي أنعم عليك بفنون النعم. ولا ريب في أن المطيع للعاصي عاص. والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير. 
والاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته، لأنه ملاكها. والتعرض لعنوان الرحمانية، لإظهار كمال شناعة عصيانه. أفاده أبو السعود.

### الآية 19:45

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [19:45]

يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن  لكونك عصيته وواليت عدوه، فيقطع رحمته عنك، كما قطعها عن الشيطان  فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا  أي مقارنا له ومشاركا معه في عذابه. 
قال الزمخشري : ربع عليه السلام بتخويفه سوء العاقبة، وبما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال. ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له، وان العذاب لاصق به، ولكنه قال : أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ  فذكر الخوف والمس ونكر العذاب. وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه، أكبر من العذاب. وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله : يا أبت  توسلا إليه واستعطافا.

### الآية 19:46

> ﻿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [19:46]

**وقوله تعالى :**
 قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( ٤٦ ) . 
 قَالَ  أي أبوه، مصرا على عناده لفرط غلوه في الضلال  أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ  أي : أمعرض ومنصرف أنت عنها. وإنما قدم الخبر على المبتدأ، لأنه كان أهم عنده. وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة، على ضرب من التعجب. كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل، فضلا عن ترغيب الغير عنها. وفيه تسلية للرسول صلوات الله عليه، عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه. 
وقوله : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ  تهديد متناه. أي لئن لم تنته عن القول فيها، وعن نصحك، لأرجمنك بالحجارة  وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا  أي تباعد عني زمانا طويلا.

### الآية 19:47

> ﻿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [19:47]

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ( ٤٧ ) . 
 قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا  أي مبالغا في اللطف بي. وفي جوابه بقوله عليه السلام : سَلَامٌ عَلَيْكَ  مقابلة السيئة بالحسنة. كما قال تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما  أي لا أصيبك بمكروه بعد. ولكن سأدعو ربي أن يغفر لك. كما قال : واغفر لأبي  قال الزمخشري : وفي الآية دليل على جواز متاركة المنصوح، والحال هذه. ويجوز أن يكون دعا له بالسلامة، استمالة له. ألا ترى أنه وعده بالاستغفار ؟. 
وفي ( الإكليل ) : استدل بعضهم بالآية على جواز ابتداء الكافر بالسلام. 
وقال ابن كثير : قد استغفر إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام. وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق في قوله : ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب  وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام. وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك. حتى أنزل الله تعالى : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله  إلى قوله : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به. ثم بين الله تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  إلى قوله : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم .

### الآية 19:48

> ﻿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [19:48]

**وقوله :**
 وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا ( ٤٨ ) . 
 وَأَعْتَزِلُكُمْ  أي أتباعد عنك وعن قومك بالهجرة : وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } أي من أصنامكم. 
قال الزمخشري : المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها ومن وسائطها. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :( الدعاء هو العبادة ). ويدل عليه قوله تعالى : فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله   وَأَدْعُو رَبِّي  أي أعبده وحده  عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا  أي خائبا ضائع السعي. وفيه تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم، مع التواضع لله بكلمة  عسى ، وما فيه من هضم النفس ومراعاة حسن الأدب، والتنبيه على أن الإجابة والإثابة بطريق التفضل منه تعالى.

### الآية 19:49

> ﻿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [19:49]

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ( ٤٩ ) . 
 فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ  وذلك بالمهاجرة إلى الشام  وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا  أي جعلنا له بنين وحفدة، أنبياء، قرت عينه بهم في حياته. بدل من فارقهم من أقربائه الكفرة الفجرة.

### الآية 19:50

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [19:50]

**وقوله تعالى :**
 وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( ٥٠ ) . 
 وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا  أي ما عرف فيهم من النبوة والذرية وسعة الرزق وحوزة الأرض المقدسة  وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا  أي ثناء حسنا. عبر ب ( اللسان ) عما يوجد باللسان. كما عبر ب ( اليد ) عما يطلق باليد وهي العطية. وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو، للدلالة على أنهم أحقاء بما يثني عليهم، وأن مجاهدتهم لا تخفى.

### الآية 19:51

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:51]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ( ٥١ ) . 
 وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ( ٥٢ ) . 
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا  بكسر اللام أي أخلص العبادة عن الشرك، وأسلم وجهه لله. وقرئ بفتحه. أي أخلصه الله، أي اصطفاه، كما قال : إني اصطفيتك على الناس   وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا

### الآية 19:52

> ﻿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [19:52]

وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ( ٥٢ ) . 
وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ } أي من جانبه الأيمن من موسى، حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، فرآها تلوح فقصدها فوجدها ثمة. فنودي عندها  وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا  أي مناجيا، أي كليما. إذ كلمناه بلا واسطة.

### الآية 19:53

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [19:53]

وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ( ٥٣ ) . 
 وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا  ليشد أزره في أداء الرسالة.

### الآية 19:54

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:54]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ( ٥٤ ) . 
 وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ( ٥٥ ) . 
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ  وهو ابن إبراهيم عليهما السلام. وإنما فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه، لإبراز كمال الاعتناء بأمره، بإيراده مستقلا. وقوله : إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ  تعليل للأمر. وإيراده عليه السلام بهذا الوصف، وإن شاركه فيه بقية الأنبياء، تشريفا له وإكراما. ولأنه المشهور من خصاله. وناهيك أنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فوفى به حيث قال : ستجدني إن شاء الله من الصابرين  وهذا أعظم ما يتصور فيه. وفيه تنبيه بعظم هذه الخلة. ولذا كان ضدها نفاقا، كما صرحت به الأخبار. { وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا

### الآية 19:55

> ﻿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [19:55]

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ( ٥٥ ) . 
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ } أي كان يبدأ أهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم. ولأنهم أولى من سائر الناس : وأنذر عشيرتك الأقربين ،  وأمر أهلك بالصلاة ،  قوا أنفسكم وأهليكم نارا ، ألا ترى أنهم أحق بالتصدق عليهم ؟ فالإحسان الديني أولى. أفاده الزمخشري : وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا  ؟أي لاتصافه بالنعوت الجليلة منها ما ذكر.

### الآية 19:56

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:56]

**وقوله تعالى :**
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ( ٥٦ ) . 
 وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ( ٥٧ ) . 
 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا \* وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا  هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى. فالعلو معنوي. أو رفعه بجسده حيا إلى السماء. قال الشهاب : قيل : والثاني أقرب لأن الرفعة المقترنة بالمكان لا تكون معنوية، وفيه نظر لأنه ورد مثله بل ما هو أظهر منه كقوله :وكن في مكان إذا ما سقطت  تقوم ورجلاك في عافيةانتهى. ومما يؤيد الثاني ما روي في ( الصحيحين ) عن أنس في حديث المعراج ؛ ( أنه صلوات الله عليه رأى إدريس في السماء الرابعة ). وإدريس هو إلياس الآتي ذكره في سورة الصافات. ويسمى في التوراة إيليا. ولرفعه إلى السماء فيها نبأ عجيب، قد يكون التنزيل الكريم في هذه الآية أشار إليه والله أعلم.

### الآية 19:57

> ﻿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [19:57]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٧:ت٥٧---

### الآية 19:58

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ [19:58]

**وقوله تعالى :**
 أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ( ٥٨ ) . 
 أُوْلَئِكَ  إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس عليه السلام. وما فيه من معنى البعد، للإشعار بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل. وقوله تعالى : الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم } أي بفنون النعم الدينية والدنيوية : مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا  أي هديناهم للحق واجتبيناهم للنبوة والكرامة : إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا  أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة. مع ما لهم من علو الرتبة. وسمو الزلفى عنده تعالى. وفي الآية استحباب السجود والبكاء عند سماع التلاوة. 
قال ابن كثير : أجمع العلماء على مشروعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، واتباعا لمنوالهم. 
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم :( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة مريم فسجد. وقال : هذا السجود فأين البكي ).

### الآية 19:59

> ﻿۞ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [19:59]

ولما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره ذكر من نبذ دعوتهم ممن خلفهم، وما سينالهم بقوله سبحانه :
 فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( ٥٩ ) . 
 فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ  وقرئ  الصلوات  بالجمع أي المتضمنة للسجود والأذكار، المستدعية للبكاء. وإذا أضاعوها، فهم لما سواها من الواجبات أضيع. لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد  وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ  أي فأتوا بما ينافي البكاء والأمور المرضية من الأخلاق والأعمال، من الانهماك في المعاصي التي هي بريد الكفر  فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  أي شرا. قال الزمخشري : كل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد. قال المرقش :

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره  ومن يغو لا يعدم على الغي لائماأي من فعل خيرا، يحمد الناس أمره. ومن يفعل الشر لا يعمد اللوائم على فعله. وقيل : أراد الشاعر بالخير المال، وبالغي الفقر. أي ومن يفتقر. ومنه القائل :والناس من يلق خيرات قائلون له  ما يشتهي. ولأم المخطئ الهبلأي الثكل، ويجوز أن يكون المعنى جزاء غي. كقوله تعالى : يلق أثاما  أي شرا وعقابا. فأطلق عليه كما أطلق الغي على مجازاته المسببة عنه، مجازا. أو  غيا  ضلالا عن طريق الجنة. فهو بمعناه المشهور.

### الآية 19:60

> ﻿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [19:60]

إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ( ٦٠ ) . 
 جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( ٦١ ) . 
 إِلَّا مَن تَابَ  أي من ترك الصلوات واتباع الشهوات : وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا \* جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ } متعلق بمضمر العائد إلى الجنات. أو من  عباده  أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين بالغيب. أي غائبة عنهم غير حاضرة. أو غائبين عنها لا يرونها، وإنما آمنوا بها بمجرد الأخبار. أو بمضمر هو سبب للوعد. أي وعدها إياهم بسبب إيمانهم، أفاده أبو السعود  إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا  أي لا يخلفه.

### الآية 19:61

> ﻿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [19:61]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ( ٦٠ ) . 
 جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( ٦١ ) . 
 إِلَّا مَن تَابَ  أي من ترك الصلوات واتباع الشهوات : وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا \* جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ } متعلق بمضمر العائد إلى الجنات. أو من  عباده  أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين بالغيب. أي غائبة عنهم غير حاضرة. أو غائبين عنها لا يرونها، وإنما آمنوا بها بمجرد الأخبار. أو بمضمر هو سبب للوعد. أي وعدها إياهم بسبب إيمانهم، أفاده أبو السعود  إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا  أي لا يخلفه. ---

### الآية 19:62

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:62]

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( ٦٢ ) . 
 تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ( ٦٣ ) . 
 لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا  أي لا يسمعون فيها فضول كلام لا طائل تحته. وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها. قال الزمخشري رحمه الله. فيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائه. حيث نزه الله عن الدار التي لا تكليف فيها. وما أحسن قوله سبحانه : وإذا مروا باللغو مروا كراما   وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين  نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا. 
ومعنى  إلا سلاما  أي تسليما. وهو تسليم الملائكة عليهم، أو بعضهم على بعض، على الاستثناء المنقطع كما قال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما \* إلا قيلا سلاما سلاما  { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا

### الآية 19:63

> ﻿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [19:63]

تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا } وهم المتصفون بشعب الإيمان، المسرودة في مواضع شتى من آي القرآن.

### الآية 19:64

> ﻿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [19:64]

ولما قص سبحانه من أنباء الأنبياء عليهم السلام ما قص، مثبتا له، وعقبه بما أحدثه الخلف وذكر جزاءهم – عقبه بحكاية نزول جبريل عليه السلام، ردا لما زعمه المشركون من أنه كان يقلوه فلا يزوره، تسلية له صلى الله عليه وسلم، وإعلاما بأن الحال ليس على ما زعمه هؤلاء الخلف. فقال سبحانه : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( ٦٤ ) . 
 أي ينسى شيئا ما، بل لا يفيض علما ولا ينزل ملكا إلا لحكمة يستعد لها الحال، أي فليس عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن لتركه تعالى لك وتوديعه إياك. وفي إعادة اسم ( الرب ) المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق، مضافا إلى ضميره عليه السلام، من تشريفه وإشعار بعلة الحكم، ما لا يخفى.

### الآية 19:65

> ﻿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [19:65]

**وقوله تعالى :**
 رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( ٦٥ ) . 
 رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا  أي من التوابع والنجيمات والسحب وغير ذلك. قال بعض علماء الفلك : الآية تدل على أن السماوات أكثر من سبع. وأن ذكر السبع ليس للحصر كما قدمناه في البقرة، من أن السماوات عني بها الكواكب، والأرض كوكب منها. قال أبو السعود : الآية بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى. فإن من بيده ملكوت السماوات والأرض وما بينهما، كيف يتصور أن يحوم حول ساحة سبحاته الغفلة والنسيان. وهو خبر محذوف. أو بدل من  ربك  : ف  اعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه  أي اثبت لها على الدوام. وقوله : ِ  هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا  أي مثلا وكفؤا، فتلتفت إليه وتقبل بوجهك نحوه، فيفيض عليك مطلوبك. والجملة تقرير لوجوب عبادته وحده. أي إذا صح أن لا مثل له، ولا يستحق العبادة غيره، لم يكن بد من التسليم لأمره والقيام بعبادته، والاصطبار على مشاقها.

### الآية 19:66

> ﻿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [19:66]

وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( ٦٦ ) . 
 وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا  أي يقول بطريق الإنكار والاستبعاد : أأخرج حيا بعد ما لبثت في القبر مدة.

### الآية 19:67

> ﻿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [19:67]

أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ( ٦٧ ) . 
 أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا  أي قبل جعله ترابا ونطفة. وكان عدما صرفا لا وجود له في العيان. فلا تبعد إعادته. 
قال أبو السعود : وفي الإظهار موضع الإضمار، زيادة التقرير بأن الإنسانية من دواعي التفكر في ما جرى عليه من شؤون التكوين المنحية بالقلع عن القول المذكور. وهو السر في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان. أي ما أعجب الإنسان في إنكاره وعدم تذكره لما ذكر، وهو الذي أعطى العقل لينظر في العواقب، وأنعم عليه بخلق السماوات والأرض وما بينهما، ليعرف المنعم فيشكره، ويعبده فيجازى على فعله.

### الآية 19:68

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [19:68]

( ٦٨  فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( ٦٨ ) . 
 فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ  أي لنحشرن المنكرين للبعث مع الشياطين الذين أغووهم وأضلوهم عن الحق : ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا  جمع ( جاث ). من ( جثا ) إذا قعد على ركبتيه. وذلك لهول المطلع. فلا يستطيعون قياما. كقوله تعالى : وترى كل أمة جاثية .

### الآية 19:69

> ﻿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا [19:69]

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ( ٦٩ ) . 
 ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا  أي لنخرجن إلى النار، من كل فرقة، الذي هو أشد على الرحمن، الذي رحمه بإنزال الكتاب وإرسال الرسول وتعريف مضار الشهوات بالعقل والنقل،  عِتِيًّا  أي جراءة، بإيثار الشهوات على أمره وعدم مبالاته به.

### الآية 19:70

> ﻿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا [19:70]

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ( ٧٠ ) . 
 ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا  وهم المنتزعون. فإنهم أولى الشيع. إذ ضلوا وأضلوا، لأجل لذات الدنيا وشهواتها. فصاروا أولى بالصلي بها. فيخصون بعذاب مضاعف.

### الآية 19:71

> ﻿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [19:71]

وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ( ٧١ ) . 
 وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا  أي ليس أحد منكم، من بر وفاجر، إلا وهو يردها.  كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا  أي حكما جزما مقطوعا به.

### الآية 19:72

> ﻿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [19:72]

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ( ٧٢ ) . 
 ثُمَّ  أي بعد الورود والإحضار للتعريف : نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا  أي لا يمكنهم التجاوز عنها. 
قال الزمخشري : فيه دليل على أن المراد بالورود، الجثو حواليها. وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة، بعد تجاثيهم. وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين.

### الآية 19:73

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [19:73]

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( ٧٣ ) . 
 وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا  أي موضعا ومكانا  وَأَحْسَنُ نَدِيًّا  أي مجتمعا للقوم، والمعنى أن هؤلاء الكفرة إذا تليت عليهم آياته تعالى بينة الحجة واضحة البرهان على مقاصدها، أعرضوا وأخذوا يحتجون على فضل ما هم عليه بكونهم أوفر حظا من الدنيا، لكونهم أحسن منازل وأرفع دورا وأعمر نديا وأكثر طارقا وواردا، أي فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين مختفون في دار الأرقم بن أبي الأرقم على الحق ؟ كما قال تعالى مخبرا عنهم : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه  وقال قوم نوح : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون  وقال تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين .

### الآية 19:74

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [19:74]

**وكذلك رد عليهم شبهتهم بقوله سبحانه :**
 وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ( ٧٤ ) . أي متاعا  وَرِئْيًا  أي منظرا وهيئة، من عظم الجاه، فما أغنى عنهم من عذاب الله شيئا. كما قال تعالى عن قوم فرعون المغرقين : كم تركوا من جنات وعيون \* وزروع ومقام كريم  و  وَرِئْيًا  فعل بمعنى مفعول كالطحن.

### الآية 19:75

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا [19:75]

قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ( ٧٥ ) . 
 قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا  أي من كان مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور. وهم المذكورون قبل، ومن شاكلهم،  فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ  أي يمد له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال. وإخراجه على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة، لقطع المعاذير. كما ينبئ عنه قوله تعالى : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  أو للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما  وقيل المراد به الدعاء بالمد والتنفيس والإمهال. أي فأمهله الله فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله، إما بعذاب يصيبه، وإما الساعة بغتة. وقد بين سبحانه غاية المد بقوله :
 حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا . أي فئة وأنصارا.

### الآية 19:76

> ﻿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [19:76]

وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ  أي الأعمال التي تبقى فوائدها  خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا  أي مرجعا. وتكرير ( الخير ) لمزيد الاعتناء ببيانه.

### الآية 19:77

> ﻿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [19:77]

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ( ٧٧ ) . 
 أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ  أي في الآخرة : مَالًا وَوَلَدًا  أي انظر إلى هذا القائل المجترئ على الغيب، ما أكفره !

### الآية 19:78

> ﻿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:78]

أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ( ٧٨ ) . 
 أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا  أي بذلك، لأنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين.

### الآية 19:79

> ﻿كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [19:79]

كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ( ٧٩ ) . 
 وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ( ٨٠ ) . 
 كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ  أي نحفظه عليه للمؤاخذة به  وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا  بمضاعفته له، جزاء لاستهزائه

### الآية 19:80

> ﻿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [19:80]

وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ  أي ننزع عنه ما آتيناه من مال وولد، فلا يبقيان له حتى يمكنها قطع العذاب عنه  وَيَأْتِينَا فَرْدًا  أي في الحشر، لا يصحبه مال ولا ولد. فما يجدي عليه تمنيه وتأليه. 
وقد روى البخاري : عن خباب رضي الله عنه، قال :( كنت قينا – حدادا – في الجاهلية بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفا، فجئت أتقاضاه فقال. لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قلت : لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال : فذرني حتى اموت، ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك. فنزلت الآية ). قال ابن عباس :( فضرب الله مثله في القرآن ).

### الآية 19:81

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [19:81]

وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( ٨١ ) . 
 وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا  أي ليتعززوا بهم، بأن يكونوا لهم وصلة إليه عز وجل، وشفعاء عنده.

### الآية 19:82

> ﻿كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [19:82]

كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( ٨٢ ) . 
 كَلَّا  ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا  سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ  أي ستجحد الآلهة استحقاقهم للعبادة  وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا  أي يريدون إهلاكهم، إذا أوقعوهم في هلاك دعوى الشرك. كما قال تعالى : ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون \* وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين . وقال تعالى : وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك، فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون  قيل : المراد بالآلهة من عبد من ذوي العلم. لإطلاق ضمير العقلاء عليهم ونطقهم. وقيل : الأصنام. بأن يخلق الله فيهم قوة النطق، فيطلق عليهم ما يطلق على العقلاء. وقيل : الأعم منهما، وهو الأظهر.

### الآية 19:83

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [19:83]

أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( ٨٣ ) . 
 أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ  أي بأن سلطناهم عليهم ومكناهم من إضلالهم. أو قيضناهم لهم يغلبون عليهم  تَؤُزُّهُمْ أَزًّا  أي تغريزهم وتهيجهم على المعاصي، بالتسويلات وتحبيب الشهوات، تهيجا شديدا. 
قال الزمخشري : الأز والهز والاستفزاز أخوات، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج والمراد تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار، وأقاويلهم وملاحاتهم ومعاندتهم للرسل، واستهزاؤهم واجتماعهم على دفع الحق بعد وضوحه وانتفاء الشك عنه، وانهماكهم لذلك في اتباع الشياطين وما تسول لهم. فهذه الآية كالتذييل لما قبلها

### الآية 19:84

> ﻿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [19:84]

**وقوله تعالى :**
 فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( ٨٤ ) . 
 فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ  أي بوقوع العذاب بهم لتطهر الأرض منهم. و ( الفاء ) للإشعار بكون ما قبلها مظعة لوقوع المنهي عنه، محوجة إلى النهي. يقال : عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه وقوله تعالى : إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا  تعليل لموجب النهي ببيان اقتراب هلاكهم. أي إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، ونحوه قوله تعالى : ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار . 
قال الشهاب : العد كناية عن القلة. وقلته لتقضيه وفنائه، كما قال المأمون ( ما كان ذا عدد، ليس له مدد، فما أسرع ما نفد ) ولا ينافي هذا ما مر من أنه يمد لمن كان في الضلالة. أي يطول. لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم. وهو قليل باعتبار عاقبته وعند الله. ولله در القائل :إن الحبيب من الأحباب مختلس  لا يمنع الموت بواب ولا حرسوكيف يفرح بالدنيا ولذتها  فتى يعد عليه اللفظ والنفس

### الآية 19:85

> ﻿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا [19:85]

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ( ٨٥ ) . 
 يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا  أي وافدين عليه. وأصل الوفود القدوم على العظماء للعطايا والاسترفاد. ففيه إشارة إلى تبجيلهم وتعظيمهم، المزور والزائر.

### الآية 19:86

> ﻿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا [19:86]

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ( ٨٦ ) . 
 وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا  أي عطاشا. وفي ذكرهم بالسوق إشعار بإهانتهم واستخفافهم. كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. والورد : الذهاب إلى الماء، ويطلق على الذاهبين إليه.

### الآية 19:87

> ﻿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:87]

**وقوله تعالى :**
 لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ( ٨٧ ) . 
 لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا  الضمير لأصنامهم المتقدم ذكرها في قوله  واتخذوا من دون الله آلهة  رد على عابديهم في دعواهم أنهم شفعاؤهم عند الله. واتخاذ العهد هو الإيمان والعمل الصالح. أي لكن من آمن وعمل صالحا فإنه يشفع للعصاة على ما وعد الله تعالى. وجوز أن يكون ( العهد ) بمعنى الإذن والأمر. يقال : أخذت الإذن في كذا واتخذته بمعنى. من باب ( عهد الأمير إلى فلان بكذا ) إذا أمره به. أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة، المأذون له فيها، وتعضده مواضع في التنزيل : وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى   ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له   يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا  ونحو هذه الآية قوله تعالى : ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون

### الآية 19:88

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا [19:88]

ولما قرر تعالى في هذه السورة عبودية عيسى عليه السلام، وذكر خلقه من مريم بلا أب، عطف عليه حكاية جنايتهم من دعوى البنوة له، مهولا لأمرها. وكذا جناية أمثالهم من اليهود والعرب ممن يسمي بعض المخلوقات ابنا أو بنتا له، تعالى وتقدس – عطف قصته على قصته بقوله : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا \* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا  أي عظيما منكرا. وفي رد مقالتهم وتهويل أمرها بطريق الالتفات، إشعار بشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع، والتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجراءة والجهل.

### الآية 19:89

> ﻿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [19:89]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٨:ولما قرر تعالى في هذه السورة عبودية عيسى عليه السلام، وذكر خلقه من مريم بلا أب، عطف عليه حكاية جنايتهم من دعوى البنوة له، مهولا لأمرها. وكذا جناية أمثالهم من اليهود والعرب ممن يسمي بعض المخلوقات ابنا أو بنتا له، تعالى وتقدس – عطف قصته على قصته بقوله : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا \* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا  أي عظيما منكرا. وفي رد مقالتهم وتهويل أمرها بطريق الالتفات، إشعار بشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع، والتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجراءة والجهل. ---

### الآية 19:90

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [19:90]

**ثم وصف شدة شأن مقولهم بقوله سبحانه :**
 تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ  أي يشققن  وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن  أي لأن  دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا  وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج. وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك، كما قال : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا \* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  أي مملوكا له يأوي إليه بالعبودية والذل.

### الآية 19:91

> ﻿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا [19:91]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:**ثم وصف شدة شأن مقولهم بقوله سبحانه :**
 تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ  أي يشققن  وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن  أي لأن  دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا  وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج. وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك، كما قال : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا \* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  أي مملوكا له يأوي إليه بالعبودية والذل. ---

### الآية 19:92

> ﻿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [19:92]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:**ثم وصف شدة شأن مقولهم بقوله سبحانه :**
 تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ  أي يشققن  وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن  أي لأن  دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا  وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج. وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك، كما قال : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا \* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  أي مملوكا له يأوي إليه بالعبودية والذل. ---

### الآية 19:93

> ﻿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا [19:93]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:**ثم وصف شدة شأن مقولهم بقوله سبحانه :**
 تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ  أي يشققن  وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن  أي لأن  دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا  وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج. وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك، كما قال : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا \* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  أي مملوكا له يأوي إليه بالعبودية والذل. ---

### الآية 19:94

> ﻿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [19:94]

لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا  أي حصرهم وأحاط بهم إحاطة لا يخرج بها أحد عن حيطة علمه وقبضة قدرته

### الآية 19:95

> ﻿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [19:95]

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  أي منفردا مجردا، من الأتباع والأنصار، وعمن زعم أنه له من الشفعاء. فإنهم منهم براء.

### الآية 19:96

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا [19:96]

ولما فصل مساوئ الكفرة تأثره بمحاسن البررة، فقال سبحانه :
 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ( ٩٦ ) . 
 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا  أي يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، من غير تعرض للأسباب التي تكسب الود. كذا قالوا في تأويله. وقال أبو مسلم : معناه انه يهب لهم ما يحبون. قال : والود والمحبة سواء. آتيت فلانا محبته. وجعل لهم ما يحبون وجعلت له وده. ومن كلامهم : وددت لو كان كذا. أي أحببت. فمعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة. ثم قال أبو مسلم : وهذا القول الثاني أولى لوجوه : أحدها – كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين ؟ وثانيها – أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن جعله إنعاما في حق المؤمنين ؟ وثالثها – أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم. 
فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. انتهى. وقد حاول الرازي التمويه في اختيار الأول والجواب عن الثاني. والحق أحق.

### الآية 19:97

> ﻿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [19:97]

**وقوله تعالى :**
 فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا ( ٩٧ ) . 
 فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ  أي سهلنا هذا القرآن بلغتك  لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ  أي الذين اتقوا عقاب الله، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، بالجنة  وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا  أي تخوف بهذا القرآن عذاب الله قومك من بني قريش. فإنهم أهل لدد وجدل بالباطل. لا يقبلون الحق ( واللدد ) شدة الخصومة. والباء في قوله  بِلِسَانِكَ  بمعنى ( على ). أي على لغتك. أو ضمن ( التيسير ) معنى الإنزال ) أي يسرنا القرآن، منزلين له بلغتك، ليسهل تبليغه وفهمه وحفظه. 
قال الزمخشري : هذه خاتمة السورة ومقطعها. فكأنه قال : بلغ هذا المنزل، أو بشر به وأنذر، فإنما أنزلناه الخ، أي فالفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم. 
وقال الرازي : بين به بهذا، عظيم موقع هذه السورة، لما فيها من التوحيد والنبوة، والحشر والنشر، والرد على فرق المضلين المبطلين. وأنه يسر ذلك لتبشير المتقين وإنذار من خالفهم، وقد ذكرهم بأبلغ وصف سيء وهو اللدد. لأن الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه.

### الآية 19:98

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [19:98]

ثم إنه تعالى ختم هذه السورة بموعظة بليغة، فقال تعالى :
 وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ( ٩٨ ) . 
 وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ  أي قوم لد، مثل هؤلاء، إهلاكا عظيما  هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ  أي تشعر به وتراه  أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا  أي صوتا خفيا. والمعنى أنهم بادوا وهلكوا وخلت منهم دورهم وأوحشت منهم منازلهم. وكذلك هؤلاء صائرون إلى ما صاروا إليه أولئك، إن لم يتداركوا بالتوبة.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/19.md)
- [كل تفاسير سورة مريم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/19.md)
- [ترجمات سورة مريم
](https://quranpedia.net/translations/19.md)
- [صفحة الكتاب: محاسن التأويل](https://quranpedia.net/book/349.md)
- [المؤلف: جمال الدين القاسمي](https://quranpedia.net/person/8623.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/349) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
