---
title: "تفسير سورة مريم - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/19/book/37"
surah_id: "19"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة مريم - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة مريم - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/19/book/37*.

Tafsir of Surah مريم from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 19:1

> كهيعص [19:1]

كهيعص  بإمالة الهاءِ والياء وإظهار الدال، وقرئ بفتح الهاء وإمالةِ الياء وبتفخيمهما وبإخفاء النونِ قبل الصادِ لتقاربهما، وقد سلف أن ما لا تكون من هذه الفواتح مفردةً ولا موازِنةً لمفرد فطريقُ التلفظ بها الحكايةُ فقط ساكنةُ الأعجاز على الوقف، سواءٌ جعلت أسماءً للسور أو مسرودةً على نمط التعديد، وإن لزمها التقاءُ الساكنين لكونه مغتفراً في باب الوقف قطعاً فحق هذه الفاتحة الكريمةِ أن يوقف عليها جرياً على الأصل، وقرئ بإدغام الدال فيما بعدها لتقاربهما في المخرج، فإن جُعلت اسماً للسورة على ما عليه إطباقُ الأكثر فمحلُّه الرفعُ، إما على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ والتقديرُ هذا كهيعص أي مسمًّى به وإنما صحت الإشارةُ إليه مع عدم جرَيانِ ذكرِه لأنه باعتبار كونِه على جناح الذكر صار في حكم الحاضِر المشاهَدِ، كما يقال : هذا ما اشترى فلان، أو على أنه مبتدأٌ خبرُه :

### الآية 19:2

> ﻿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [19:2]

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ  أي المسمّى به ذكرُ رحمة الخ، فإن ذكرَها لمّا كان مطلَعَ السورةِ الكريمة ومعظمَ ما انطوت هي عليه جُعلت كأنها نفسُ ذكرها، والأولُ هو الأولى لأن ما يجعل عنواناً للموضوع حقُّه أن يكون معلومَ الانتساب إليه عند المخاطبِ، وإذ لا علمَ بالتسمية من قبل فحقُّها الإخبارُ بها كما في الوجه الأول، وإن جُعلت مسرودةً على نمط التعديدِ حسبما جنَح إليه أهلُ التحقيقِ فذكرُ الخ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ما ينبئ عنه تعديدُ الحروف كأنه قيل : المؤلَّفُ من جنس هذه الحروف المبسوطةِ مراداً به السورةُ ذكرُ الرحمة الخ، وقيل : هو مبتدأٌ قد حُذف خبرُه أي فيما يتلى عليك ذكرُها، وقرئ ذكَّر رحمةَ ربك على صيغة الماضي من التذكير أي هذا المتلوُّ ذكّرها، وقرئ اذكُرْ على صيغة الأمر، والتعرضُ لوصف الربوبية المنْبئةِ عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام للإيذان بأن تنزيلَ السورة عليه عليه الصلاة والسلام تكميلٌ له عليه السلام، وقوله تعالى : عَبْدِهِ  مفعولٌ لرحمة ربك على أنها مفعولٌ لما أضيف إليها، وقيل : للذكر على أنه مصدرٌ أضيف إلى فاعله على الاتساع، ومعنى ذكرِ الرحمةِ بلوغُها وإصابتُها، كما يقال : ذكرني معروفُ فلان أي بلغني، وقوله عز وعلا : زَكَرِيَّا  بدل منه أو عطف بيان له.

### الآية 19:3

> ﻿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [19:3]

إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً  ظرفٌ لرحمة ربك، وقيل : لذِكرُ على أنه مضافٌ إلى فاعله اتساعاً لا على الوجه الأولِ لفساد المعنى، وقيل : هو بدلُ اشتمالٍ من زكريا كما في قوله : واذكر في الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت  ولقد راعى عليه الصلاة والسلام حسنَ الأدب في إخفاء دعائِه، فإنه مع كونه بالنسبة إليه عز وجل كالجهر أدخلُ في الإخلاص وأبعدُ من الرياء وأقربُ إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولدِ لتوقّفه مبادئ لا يليق به تعاطيها في أوان الكِبَر والشيخوخة وعن غائلة مواليه الذين كان يخافهم، وقيل : كان ذلك من عليه السلام لضَعف الهرم، قالوا : كان سنُّه حينئذ ستين، وقيل : خمساً وستين، وقيل : سبعين، وقيل : خمساً وسبعين، وقيل : أكثرَ منها كما مر في سورة آل عِمرانَ.

### الآية 19:4

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [19:4]

قَالَ  جملةٌ مفسِّرةٌ لنادى لا محلَّ لها من الإعراب  رَبّ إني وَهَنَ العظم مِنّى  إسنادُ الوهن إلى العظم لِما أنه عمادُ البدن ودِعامُ الجسد فإذا أصابه الضَّعفُ والرخاوة أصاب كلَّه، أو لأنه أشدُّ أجزائه صلابةً وقِواماً وأقلُّها تأثراً من العلل فإذا وهَن كان ما وراءه أوهنَ، وإفرادُه للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهْنِ لكل فردٍ من أفراده، ومنّي متعلقٌ بمحذوف هو حالٌ من العظم، وقرئ وهِن بكسر الهاء وبضمها أيضاً، وتأكيدُ الجملة لإبراز كمال الاعتناءِ بتحقيق مضمونها  واشتعل الرأس شَيْباً  شبّه عليه الصلاة والسلام الشيبَ في البياض والإنارة بشُواظ النار، وانتشارَه في الشعر وفُشوَّه فيه وأخذَه منه كلَّ مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مُخرجَ الاستعارةِ ثم أَسند الاشتعالَ إلى محل الشعرِ ومنبِتِه، وأخرجه مُخرج التمييز وأطلق الرأسَ اكتفاءً بما قيّد به العظمَ، وفيه من فنون البلاغة وكمالِ الجزالةِ ما لا يخفى، حيث كان الأصلُ اشتعل شيبُ رأسي فأسند الاشتعالَ إلى الرأس كما ذُكر لإفادة شمولِه لكلها، فإن وِزانَه بالنسبة إلى الأصل وزانُ اشتعل بيتُه ناراً بالنسبة إلى اشتعل النارُ في بيته، ولزيادة تقريرِه بالإجمال أولاً والتفصيلِ ثانياً ولمزيد تفخيمِه بالتنكير، وقرئ بإدغام السينِ في الشين  وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً  أي ولم أكن بدعائي إياك خائباً في وقت من أوقات هذا العمُر الطويلِ، بل كلما دعوتُك استجبتَ لي، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها أو حالٌ من ضمير المتكلم إذِ المعنى واشتعل الرأسُ شيباً، وهذا توسلٌ منه عليه السلام بما سلف منه من الاستجابة عند كلِّ دعوة إثرَ تمهيدِ ما يستدعي الرحمةَ ويستجلب الرأفةَ من كِبَر السّنِّ وضَعفِ الحال، فإنه تعالى بعد ما عوّد عبدَه بالإجابة دهراً طويلاً لا يكاد يُخيّبه أبداً لاسيما عند اضطرارِه وشدة افتقارِه، والتعرضُ في الموضوعين لوصف الربوبيةِ المنْبئة عن إضافة ما فيه صلاحُ المربوبِ، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لاسيما توسيطُه بين كان وخبرها لتحريك سلسلةِ الإجابةِ بالمبالغة في التضرّع، ولذلك قيل : إذا أراد العبدُ أن يُستجابَ له دعاؤُه فليدعُ الله تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه.

### الآية 19:5

> ﻿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [19:5]

وَإِنّي خِفْتُ المواليَ  عطف على قوله تعالى : إني وَهَنَ العظم  مترتبٌ مضمونُه على مضمونه فإنه ضَعفَ القُوى وكِبَر السنِّ من مبادئ خوفه عليه السلام مِمّن يلي أمرَه بعد موته، ومواليه بنو عمه وكانوا أشرارَ بني إسرائيلَ فخاف أن لا يُحسِنوا خلافتَه في أمته ويبدّلوا عليهم دينَهم، وقوله : مِن ورائي  أي بعد موتي متعلقٌ بمحذوف ينساق إليه الذهنُ، أي فِعلَ الموالي من بعدي أو جَوْرَ الموالي وقد قرئ كذلك، أو بما في الموالي من معنى الوِلاية، أي خِفتُ الذين يلون الأمرَ من ورائي لا بخِفْتُ لفساد المعنى، وقرئ ورايَ بالقصر وفتح الياء، وقرئ خفّت الموالي من ورائي أي قلوا وعجَزوا عن القيام بأمور الدين بعدي، أو خفّت الموالي القادرون على إقامة مراسمِ الملة ومصالحِ الأمة من خفَّ القومُ أي ارتحلوا مسرعين أي درَجوا قُدّامي ولم يبقَ منهم من به تَقوَ واعتضادٌ، فالظرفُ حينئذ متعلقٌ بِخفّتْ  وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا  أي لا تلد من حينِ شبابها.  فَهَبْ لي مِن لَّدُنْكَ  كلا الجارّين متعلقٌ بهب لاختلاف معنييهما، فاللام صلةٌ له ومِنْ لابتداء الغاية مجازاً، وتقديمُ الأول لكون مدلولِه أهمَّ عنده ويجوز تعلّقُ الثاني بمحذوف وقع حالاً من المفعول، ولدن في الأصل ظرفٌ بمعنى أولِ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرهما من الذوات، وقد مر تفصيلُه في أوائل سورة آل عمران، أي أعطِني من محض فضلِك الواسعِ وقدرتِك الباهرةِ بطريق الاختراعِ لا بواسطة الأسباب العادية  وَلِيّاً  أي ولداً من صُلبي، وتأخيرُه عن الجارَّين لإظهار كمالِ الاعتناءِ بكون الهبةِ له على ذلك الوجه البديعِ مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر، فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر تبقى النفسُ مستشرِفةً له فعند ورودِه لها يتمكن عندها فضلُ تمكنٍ، ولأن فيه نوعَ طولٍ بما بعده من الوصف فتأخيرُهما عن الكل أو توسيطُهما بين الموصوف والصفة مما لا يليق بجزالة النظمِ الكريم، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما ذكرَه عليه الصلاة والسلام من كِبَر السنِّ وضَعف القُوى وعقرِ المرأة موجبٌ لانقطاع رجائِه عليه السلام عن حصول الولدِ بتوسط الأسبابِ العادية واستيهابِه على الوجه الخارِق للعادة، ولا يقدح في ذلك أن يكون هنا داعٍ آخرُ إلى الإقبال على الدعاء المذكورِ من مشاهدته عليه السلام للخوارق الظاهرةِ في حق مريمَ كما يُعرب عنه قوله تعالى : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ  الآية، وعدمُ ذكرِه هاهنا للتعويل على ذكره هناك كما أن عدمَ ذكر مقدمةِ الدعاء هناك للاكتفاء بذكره هاهنا، فإن الاكتفاءَ بما ذكر في موطن عما تُرك في موطن آخرَ من النكت التنزيلية.

### الآية 19:6

> ﻿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [19:6]

وقوله تعالى : يرثني  صفةٌ لولياً، وقرئ هو وما عطف عليه بالجزم جواباً للدعاء، أي يرثني من حيث العلمُ والدينُ والنبوةُ فإن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام لا يورِّثون المالَ، قال صلى الله عليه وسلم :**« نحن معاشرَ الأنبياءِ لا نورَث، ما تركنا صدقةٌ »** وقيل : يرثني الحُبورة وكان عليه السلام حِبْراً. 
 وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ  يقال : ورِثه وورِث منه لغتان، وآلُ الرجل خاصّته الذين يؤُول إليه أمرُهم للقرابة أو الصُّحبة أو الموافقة في الدين، وكانت زوجةُ زكريا أختَ أمِّ مريمَ، أي ويرث منهم الملكَ، قيل : هو يعقوبُ بنُ إسحاقَ بن إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام، وقال الكلبي ومقاتل : هو يعقوبُ بنُ ماثانَ أخو عمرانَ بنِ ماثان من نسل سليمانَ عليه السلام، وكان آلُ يعقوب أخوالَ يحيى بنِ زكريا، قال الكلبي : كان بنو ماثانَ رؤوسَ بني إسرائيلَ وملوكَهم، وكان زكريا رئيسَ الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولدُه حبورتَه ويرثَ من بني ماثان ملكَهم، وقرئ ويرث وارثَ آلِ يعقوب على أنه حالٌ من المستكن في يرث، وقرئ أو يرث آل يعقوب بالتصغير ففيه إيماءٌ إلى وراثته عليه السلام لما يرثه في حالة صِغَره، وقرئ وارثٌ من آل يعقوب على أنه فاعلُ يرثني على طريقة التجريد أي يرثني به وارثٌ، وقيل : من للتبعيض إذ لم يكن كلُّ آل يعقوبَ عليه السلام أنبياءَ ولا علماءَ  واجعله رَبّ رَضِيّاً  مرضياً عندك قولاً وفعلاً، وتوسيطُ ربِّ بين مفعولي اجعَلْ للمبالغة في الاعتناء بشأن ما يستدعيه.

### الآية 19:7

> ﻿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [19:7]

يَا زَكَرِيَّا  على إرادة القولِ أي قال تعالى : يَا زَكَرِيَّا   إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى  لكن لا بأن يخاطِبه عليه الصلاة والسلام بذلك بالذات، بل بواسطة الملَك على أن يحكيَ له عليه الصلاة والسلام هذه العبارةَ عنه عز وجل على نهج قوله تعالى : قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ  الآية، وقد مر تحقيقُه في سورة آل عمران، وهذا جوابٌ لندائه عليه الصلاة والسلام ووعدٌ بإجابة دعائِه، لكن لا كما هو المتبادرُ من قوله تعالى : فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى  الخ، بل بعضاً حسبما تقتضيه المشيئةُ الإلهية المبنية على الحِكَم البالغة فإن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا مستجابي الدعوةِ لكنهم ليسوا كذلك في جميع الدعواتِ، ألا يرى إلى دعوة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام في حق أبيه وإلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال :**« وسألته أن لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعض فمنعنيها »** وقد كان من قضائه عز وعلا أن يهبَه يحيى نبياً مرضياً ولا يرثه، فاستجيب دعاؤُه في الأول دون الثاني حيث قتل قبلَ موت أبيه عليهما الصلاة والسلام على ما هو المشهورُ، وقيل : بقي بعده برهةً فلا إشكال حينئذ، وفي تعيين اسمِه عليه الصلاة والسلام تأكيدٌ للوعد وتشريفٌ له عليه الصلاة والسلام، وفي تخصيصه به عليه السلام حسبما يُعرب عنه قوله تعالى : لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً  أي شريكاً له في الاسم حيث لم يُسمَّ أحدٌ قبله بيحيى، مزيدُ تشريفٍ وتفخيم له عليه الصلاة والسلام، فإن التسميةَ بالأسامي البديعة الممتازة عن أسماء سائرِ الناس تنويهٌ بالمسمّى لا محالة، وقيل : سميًّا شبيهاً في الفضل والكمالِ كما في قوله تعالى : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  فإن المتشاركين في الوصف بمنزلة المتشاركين في الاسم، قالوا : لم يكن له عليه الصلاة والسلام مِثْلٌ في أنه لم يعصِ الله تعالى ولم يهُمَّ بمعصية قط وأنه ولد من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر وأنه كان حَصوراً، فيكون هذا إجمالاً لما نزل بعده من قوله تعالى : مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيّا مّنَ الصالحين  والأظهرُ أنه اسمٌ أعجميٌّ وإن كان عربياً فهو منقول عن الفعل كيعمَرَ ويَعيشَ، قيل : سمي به لأنه حيِيَ به رحِمُ أمِّه أو حيِيَ دينُ الله تعالى بدعوته.

### الآية 19:8

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [19:8]

قَالَ  استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا قال عليه الصلاة والسلام حينئذ : فقيل : قال : رَبّ  ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابِه تعالى إليه بتوسط الملَك، للمبالغة في التضرع، والمناجاة والجِدِّ في التبتل إليه تعالى، والاحترازِ عما عسى يُوهم خطابُه للملك من توهُّم أن علمَه تعالى بما يصدُر عنه متوقِّفٌ على توسطه، كما أن علمَ البشرِ بما يصدر عنه سبحانه متوقِّفٌ على ذلك في عامة الأوقات  أنى يَكُونُ لِي غلام  كلمة أنى بمعنى كيف أو من أين، وكان إما تامةٌ وأنى واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجار على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويقِ إلى ما أُخّر، أي كيف أو من أين يحدث لي غلامٌ ؟ ويجوز أن تتعلق اللامُ بمحذوف وقع حال من غلامٌ إذ لو تأخر لكان صفةً له أي أنى يحدث كائناً لي غلام، أو ناقصةٌ اسمُها ظاهرٌ وخبرُها إما أنى ولي متعلقٌ بمحذوف كما مر، أو هو الخبر وأنى نصبٌ على الظرفية، وقوله تعالى : وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا  حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً  حالٌ منه مؤكدةٌ للاستبعاد إثرَ تأكيد، أي كانت امرأتي عاقراً لم تلِدْ في شبابها وشبابي فكيف وهي الآن عجوزٌ وقد بلغتُ أنا من أجل كِبَر السنِّ جساوة وقحولاً[(١)](#foonote-١) في المفاصل والعِظام، أو بلغتُ من مدارج الكِبَر ومراتبه ما يسمى عِتيًّا من عتا يعتو وأصله عُتُووٌ كقعود فاستُثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قلبت الثانية أيضاً لاجتماع الواو والياء وسبْقِ إحداهما بالسكون وكُسرت العينُ إتباعاً لها لما بعدها، وقرئ بضمها. ولعل البداءة هاهنا بذكر حال امرأتِه على عكس ما في سورة آل عمرانَ لِما أنه قد ذُكر حالُه في تضاعيف دعائِه وإنما المذكورُ هاهنا بلوغُه أقصى مراتبِ الكِبَر تتمةً لما ذكر قبل، وأما هنالك فلم يسبِقْ في الدعاء ذكرُ حاله فلذلك قدّمه على ذكر حال امرأتِه لِما أن المسارعةَ إلى بيان قصورِ شأنه أنسبُ، وإنما قاله عليه الصلاة والسلام مع سبق دعائِه بذلك وقوةِ يقينه بقدرة الله لاسيما بعد مشاهدتِه للشواهد المذكورة في سورة آلِ عمران استعظاماً لقدرة الله تعالى وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محضِ لطفِ الله عز وعلا وفضله مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلةِ عادة لا استبعاداً له. وقيل : إنما قاله ليُجابَ بما أجيب به فيزدادَ المؤمنون إيقاناً ويرتدعَ المبطلون، وقيل : كان ذلك بطريق الاستبعادِ حيث كان بين الدعاء والبِشارة ستون سنة وكان قد نسِيَ دعاءه، وهو بعيد. 
١ الجساوة: اليباس والصلابة والخشونة. والقحول : يباس الجلد والجدب..

### الآية 19:9

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [19:9]

قَالَ  استئناف كما مر مبنيٌّ على سؤال نشأ مما سلف، والكافُ في قوله تعالى : كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ  مقحمةٌ كما في : مثلُك لا يبخل محلُّها إما النصبُ على أنه مصدرٌ تشبيهيُّ لقال الثاني وذلك إشارةٌ إلى مصدره الذي هو عبارةٌ عن الوعد السابقِ لا إلى قول آخرَ شُبِّه هذا به، وقد مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  وقولُه تعالى : هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  جملةٌ مقرِّرةٌ للوعد المذكورِ دالةٌ على إنجازه داخلةٌ في حيز قال الأول، كأنه قيل : قال الله عز وجل مثلَ ذلك القولِ البديع، قلت : أي مثلَ ذلك الوعدِ الخارقِ للعادة وعدتُ وهو علي خاصةً هيِّنٌ وإن كان في العادة مستحيلاً، وقرئ وهو علي هينٌ فالجملة حينئذ حالٌ من ربك والياء عبارةٌ عن ضميره كما ستعرفه أو اعتراضٌ، وعلى كل حالٍ فهي مؤكدةٌ ومقرِّرةٌ لما قبلها، ثم أُخرج القولُ الثاني مُخرجَ الالتفات جرياً على سنن الكبرياء لتربية المهابةِ وإدخال الروعةِ، كقول الخلفاء : أميرُ المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم، أُسند إلى اسم الربِّ المضاف إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريفاً له وإشعاراً بعلة الحُكم، فإن تذكيرَ جرَيانِ أحكامِ ربوبيتِه تعالى عليه الصلاة والسلام من إيجاده من العدم وتصريفِه في أطوار الخلقِ من حال إلى حال شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ كمالَه اللائقَ به، مما يقلَع أساسَ استبعاده عليه الصلاة والسلام لحصول الموعودِ ويورثه عليه الصلاة والسلام الاطمئنانَ بإنجازه لا محالة، ثم التُفت من ضمير الغائبِ العائدِ إلى الرب إلى ياء العظمةِ إيذاناً بأن مدارَ كونه هيّناً عليه سبحانه هو القدرةُ الذاتيةُ لا ربوبيتُه تعالى له عليه الصلاة والسلام خاصة وتمهيداً لما يعقُبه، وقيل : ذلك إشارةٌ إلى مبهم يفسّره قولُه تعالى : هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  على طريقة قوله تعالى : وقضينا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هؤلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ  ولا يخرج هذا الوجهُ على القراءة بالواو لأنها لا تدخل بين المفسِّر والمفسَّر. وإما الرفع على أنه مبتدأ محذوفٌ وذلك إشارةٌ إلى ما تقدم من وعده تعالى، أي قال عز وعلا :**« الأمرُ كما وعدتُ »** وهو واقعٌ لا محالة، وقوله تعالى : قَالَ رَبُّكِ  الخ، استئنافٌ مقرِّر لمضمونه والجملةُ المحكية على القراءة الثانية معطوفةٌ على المحكية الأولى، أو حالٌ من المستكن في الجار والمجرور أياً ما كان، فتوسيطُ قال بينهما مُشعرٌ بمزيد الاعتناءِ بكل منهما والكلامُ في إسناد القولِ إلى الرب ثم الالتفاتِ إلى التكلم كالذي مر آنفاً، وقيل : ذلك إشارةٌ إلى ما قاله زكريا عليه الصلاة والسلام، أي قال تعالى :**« الأمرُ كما قلت »** تصديقاً له فيما حكاه من الحالة المباينةِ للولادة في نفسه وفي امرأته، وقوله تعالى : قَالَ رَبُّكِ  الخ، استئنافٌ مَسوقٌ لإزالة استبعادِه بعد تقريره، أي قال تعالى :
**« هو مع بعده في نفسه عليّ هيّنٌ »** والقراءة الثانية أَدخلُ في إفادة هذا المعنى على أن الواو للعطف، وأما جعلُها للحال فمُخِلٌّ بسِداد المعنى لأن مآلَه تقريرُ صعوبته حال سهولتِه عليه تعالى مع أن المقصودَ بيانُ سهولتِه عليه سبحانه مع صعوبته في نفسه، وقوله تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً  جملةٌ مستأنَفةٌ مقررة لما قبلها، والمرادُ به ابتداءُ خلق البشرِ إذ هو الواقعُ إثرَ العدم المحضِ لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالدِ المعتادِ، وإنما لم يُنسَبْ ذلك إلى آدمَ عليه الصلاة والسلام وهو المخلوقُ من العدم حقيقةً بأن يقال : وقد خلقتُ أباك أو آدمَ من قبل ولم يك شيئاً مع كفايته في إزالة الاستبعادِ بقياس حالِ ما بُشّر به على حاله عليه الصلاة والسلام لتأكيد الاحتجاجِ وتوضيح منهاجِ القياس حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظٌّ من إنشائه عليه الصلاة والسلام من العدم، إذ لم تكن فطرتُه البديعةُ مقصورةً على نفسه به كانت أنموذجاً منطوياً على فطرية سائر آحادِ الجنس انطواءً إجمالياً مستتبعاً لجريان آثارِها على الكل، فكان إبداعُه عليه الصلاة والسلام على ذلك الوجه إبداعاً لكل أحد من فروعه كذلك، ولمّا كان خَلقُه عليه الصلاة والسلام على هذا النمطِ الساري إلى جميع أفراد ذريته أبدعَ من أن يكون ذلك مقصوراً على نفسه كما هو المفهومُ من نسبة الخلقِ المذكور إليه وأدلَّ على عظم قدرتِه تعالى وكمال علمِه وحكمتِه، وكان عدمُ زكريا حينئذ أظهرَ عنده وأجلى وكان حالُه أولى بأن يكون معياراً لحال ما بشر به نُسب الخلقُ المذكور إليه، كما نسب الخَلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبين في قوله تعالى : وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم  توفيةً لمقام الامتنان حقَّه، فكأنه قيل : وقد خلقتُك من قبل في تضاعيف خلقِ آدمِ ولم تكن إذ ذاك شيئاً أصلاً بل عدماً بحتاً ونفياً صِرْفاً. هذا وأما حملُ الشيء على المعتدّ به أي ولم تكن شيئاً معتداً به فيأباه المقام ويردّه نظمُ الكلام، وقرئ خلقناك.

### الآية 19:10

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [19:10]

قَالَ رَبّ اجعل لي آيَةً  أي علامةً تدلني على تحقق المسؤولِ ووقوعِ الحبَل، ولم يكن هذا السؤالُ منه عليه الصلاة والسلام لتأكيد البِشارة وتحقيقِها كما قيل فإن ذلك مما لا يليق بمنصِب الرسالة، وإنما كان ذلك لتعريف وقت العُلوق حيث كانت البشارةُ مطلقةً عن تعيينه وهو أمرٌ خفيٌّ لا يوقف عليه، فأراد أن يُطلعَه الله تعالى عليه لتلقِّي تلك النعمةِ الجليلةِ بالشكر من حين حدوثِها ولا يؤخّرَه إلى أن تظهر ظهوراً معتاداً، وقد مرت الإشارةُ في تفسير سورة آل عمران إلى أن هذا السؤالَ ينبغي أن يكون بعد ما مضى بعد البشارة بُرهةٌ من الزمان، لما روي أن يحيى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاث سنين، ولا ريب في أن دعاءَ زكريا عليه الصلاة والسلام كان في صِغَر مريمَ لقوله تعالى : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ  وهي إنما ولدت عيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنتُ عشرِ سنين أو بنتُ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، والجعلُ إبداعيٌّ واللامُ متعلقة به وتقديمُها على المفعول به لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر، أو بمحذوف وقع حالاً من آيةً إذ لو تأخر لكان صفةً لها، وقيل : بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين أولُهما آيةً وثانيهما الظرفُ، وتقديمُه لأنه لا مسوِّغَ لكون آيةً مبتدأً عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديمِ الظرف فلا يتغير حالُهما بعد ورودِ الناسخ. 
 قَالَ آيَتُكَ أَن لا تُكَلّمَ الناس  أي لا تقدر على أن تكلمهم بكلام الناسِ مع القدرة على الذكر والتسبيح  ثلاث لَيَالٍ  مع أيامهن للتصريح بها في سورة آل عمران  سَوِيّاً  حال من فاعل تكلم مفيدٌ لكون انتفاءِ التكلم بطريق الاضطرار دون الاختيار أي تُمنع الكلامَ فلا تطيق به حال كونك سوى الخلق سليمَ الجوارحِ ما بك شائبةُ بَكَم ولا خَرَس.

### الآية 19:11

> ﻿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:11]

فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب  أي من المصلّى أو من الغرفة وكانوا من وراء المحرابِ ينتظرونه أن يفتح لهم البابَ فيدخلوه ويصلّوا إذْ خرج عليهم متغيِّراً لونُه فأنكروه وقالوا : ما لك ؟  فأوحى إِلَيْهِمْ  أي أومأ إليهم لقوله تعالى : إِلاَّ رَمْزًا  وقيل : كتب على الأرض وأنْ في قوله تعالى : أَن سَبّحُواْ  إما مفسرةٌ لأوحى أو مصدريةٌ والمعنى أن صلّوا أو بأن صلوا  بُكْرَةً وَعَشِيّاً  هما ظرفا زمانٍ للتسبيح. 
عن أبي العالية : أن المرادَ بهما صلاةُ الفجر وصلاةُ العصر، أو نزِّهوا ربكم طرفي النهار ولعله كان مأموراً بأن يسبِّح شكراً ويأمرَ قومه بذلك.

### الآية 19:12

> ﻿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [19:12]

يَا يحيى  استئناف طُويَ قبله جملٌ كثيرةٌ مسارعةً إلى الإنباء بإنجاز الوعدِ الكريم أي قلنا : يا يحيى  خُذِ الكتاب  التوراةَ  بِقُوَّةٍ  أي بجد واستظهار بالتوفيق  وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً  قال ابن عباس رضي الله عنهما : الحكمُ النبوةُ استنبأه وهو ابنُ ثلاثِ سنين، وقيل : الحُكمُ الحِكمةُ وفهمُ التوراة والفقهُ في الدين. روي أنه دعاه الصبيانُ إلى اللعب، فقال : ما لِلَّعب خُلقنا.

### الآية 19:13

> ﻿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا [19:13]

وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا  عطف على الحُكم وتنوينُه للتفخيم وهو التحنّنُ والاشتياق، ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافيةِ، أي وآتيناه رحمةً عظيمةً عليه كائنة من جنابنا أو رحمةً في قلبه وشفقةً على أبويه وغيرِهما  وزكاة  أي طهارةً من الذنوب أو صدقةً تصدقنا به على أبويه أو وفقناه للتصدق على الناس  وَكَانَ تَقِيّا  مطيعاً متجنباً عن المعاصي.

### الآية 19:14

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا [19:14]

وَبَرّا بوالديه  عطف على تقياً أي بارًّا بهما لطيفاً بهما محسناً إليهما  وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً  متكبراً عاقاً لهما أو عاصياً لربه.

### الآية 19:15

> ﻿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [19:15]

وسلام عَلَيْهِ  من الله عز وجل  يَوْمَ وُلِدَ  من أن يناله الشيطانُ بما ينال به بني آدم  وَيَوْمَ يَمُوتُ  من عذاب القبر  وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً  من هول القيامةِ وعذاب النار.

### الآية 19:16

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [19:16]

واذكر في الكتاب  كلامٌ مستأنَفٌ خوطب به النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأُمر بذكر قصة مريمَ إثرَ قصةِ زكريا لما بينهما من كمال الاشتباكِ، والمرادُ بالكتاب السورةُ الكريمة لا القرآنُ إذ هي التي صُدّرت بقصة زكريا المستتبعةِ لذكر قصتها وقصصِ الأنبياء المذكورين فيها أي واذكر للناس  مَرْيَمَ  أي نَبأَها فإن الذكرَ لا يتعلق بالأعيان وقوله تعالى : إِذِ انتبذت  ظرف لذلك المضافِ لكن لا على أن يكون المأمورُ به ذكرَ نبئها عند انتباذِها فقط، بل كلَّ ما عُطف عليه وحُكيَ بعده بطريق الاستئنافِ، داخلٌ في حيز الظرف متممٌ للنبأ. وقيل : بدلُ اشتمال من مريم على أن المراد بها نبأُها فإن الظروفَ مشتملةٌ على ما فيها، وقيل : بدلُ الكل على المرادَ بالظرف ما وقع فيه، وقيل : إذ بمعنى أن المصدرية كما في قولك : أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني فهو بدلُ اشتمالٍ لا محالة وقوله تعالى : مّنْ أَهْلِهَا  متعلق بانتبذت وقوله : مَكَاناً شَرْقِياً  مفعولٌ له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيانِ المترتبِ وجوداً واعتباراً على أصل معناه العاملِ في الجار والمجرور، وهو السرُّ في تأخيره عنه أي اعتزلت وانفردت منهم وأتت مكاناً شرقياً من بيت المقدِس أو من دارها لتتخلّى هنالك للعبادة، وقيل : قعدت في شرُفة لتغتسل من الحيض محتجبةً بحائط أو بشيء يستُرها وذلك قوله تعالى : فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا .

### الآية 19:17

> ﻿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [19:17]

فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً  وكان موضعُها المسجدَ فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها وإذا طهُرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها الملَكُ عليه الصلاة والسلام في صورة آدميَ شابّ أمردَ وضيءِ الوجه جعْدِ الشعر وذلك قوله تعالى : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  أي جبريلَ عليه الصلاة والسلام عبرّ عنه بذلك توفيةً للمقام حقَّه، وقرئ بفتح الراء لكونه سبباً لما فيه روحُ العباد الذي هو عُدّةُ المقربين في قوله تعالى :
 فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ   فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً  سويَّ الخلقِ كاملَ البُنية لم يفقِدْ من حِسان نعوتِ الآدمية شيئاً، وقيل : تمثل في صورة تِرْبٍ لها اسمُه يوسفُ من خدم بيتِ المقدس وذلك لتستأنسَ بكلامه وتتلقّى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى، إذ لو بدا لها على الصورة الملَكيةِ لنفرَتْ منه ولم تستطع مفاوضتَه. وأما ما قيل من أن ذلك لتهييج شهوتِها فتنحدر نطفتُها إلى رحمها فمع مخالفته لمقام بيانِ آثارِ القدرة الخارقةِ للعادة يكذبه قوله تعالى : قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إن كنت تقيا . فإنه شاهد عدْلٌ بأنه لم يخطُر ببالها شائبةُ ميل ما إليه فضلاً عما ذُكر من الحالة المترتبة على أقصى مراتبِ الميل والشهوة، نعم كان تمثيلُه على ذلك الحسنِ الفائقِ والجمالِ الرائقِ لابتلائها وسبْر عِفّتها، ولقد ظهر منها من الورع والعَفافِ ما لا غايةَ وراءه، وذكرُه تعالى بعنوان الرحمانيةِ للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلابِ آثارِ الرحمةِ الخاصة التي هي العصمةُ مما دهِمَها وقوله تعالى : إِن كُنتَ تَقِيّاً  أي تتقي الله تعالى وتبالي بالاستعاذة به، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدلالة السياقِ عليه أي فإني عائذةٌ به أو فتعوّذْ بتعوذي أو فلا تتعرّضْ لي.

### الآية 19:18

> ﻿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [19:18]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً  وكان موضعُها المسجدَ فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها وإذا طهُرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها الملَكُ عليه الصلاة والسلام في صورة آدميَ شابّ أمردَ وضيءِ الوجه جعْدِ الشعر وذلك قوله تعالى : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  أي جبريلَ عليه الصلاة والسلام عبرّ عنه بذلك توفيةً للمقام حقَّه، وقرئ بفتح الراء لكونه سبباً لما فيه روحُ العباد الذي هو عُدّةُ المقربين في قوله تعالى :
 فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ   فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً  سويَّ الخلقِ كاملَ البُنية لم يفقِدْ من حِسان نعوتِ الآدمية شيئاً، وقيل : تمثل في صورة تِرْبٍ لها اسمُه يوسفُ من خدم بيتِ المقدس وذلك لتستأنسَ بكلامه وتتلقّى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى، إذ لو بدا لها على الصورة الملَكيةِ لنفرَتْ منه ولم تستطع مفاوضتَه. وأما ما قيل من أن ذلك لتهييج شهوتِها فتنحدر نطفتُها إلى رحمها فمع مخالفته لمقام بيانِ آثارِ القدرة الخارقةِ للعادة يكذبه قوله تعالى : قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إن كنت تقيا . فإنه شاهد عدْلٌ بأنه لم يخطُر ببالها شائبةُ ميل ما إليه فضلاً عما ذُكر من الحالة المترتبة على أقصى مراتبِ الميل والشهوة، نعم كان تمثيلُه على ذلك الحسنِ الفائقِ والجمالِ الرائقِ لابتلائها وسبْر عِفّتها، ولقد ظهر منها من الورع والعَفافِ ما لا غايةَ وراءه، وذكرُه تعالى بعنوان الرحمانيةِ للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلابِ آثارِ الرحمةِ الخاصة التي هي العصمةُ مما دهِمَها وقوله تعالى : إِن كُنتَ تَقِيّاً  أي تتقي الله تعالى وتبالي بالاستعاذة به، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدلالة السياقِ عليه أي فإني عائذةٌ به أو فتعوّذْ بتعوذي أو فلا تتعرّضْ لي. ---

### الآية 19:19

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا [19:19]

قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ  يريد عليه الصلاة والسلام أني لست ممن يُتوقّع منه ما توهّمتِ من الشر، وإنما أنا رسولُ ربك الذي استعذتِ به  لأَهَبَ لَكِ غلاما  أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في الدِّرْع، ويجوز أن يكون ذلك حكاية لقوله تعالى ويؤيده القراءة بالياء، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتسليتِها والإشعارِ بعلة الحكم، فإن هبةَ الغلامِ لها من أحكام تربيتها، وفي بعض المصاحفِ أمرَني أن أهبَ لك غلاماً  زَكِيّاً  طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح.

### الآية 19:20

> ﻿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [19:20]

قَالَتْ أنى يَكُونُ لي غلام  كما وصفت  وَلَمْ يمسسني بَشَرٌ  أي والحال أنه لم يباشرْني بالنكاح رجلٌ، وإنما قيل بشرٌ مبالغةً في بيان تنزُّهها من مبادئ الولادة  وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً  عطف على لم يمسَسْني داخلٌ معه في حكم الحالية مفصِحٌ عن كون المِساس عبارةً عن المباشرة بالنكاح أي ولم أكن فاجرةً تبغي الرجالَ، وهي فَعولٌ بمعنى الفاعل أصلها بغُويٌ فأدغمت الواوُ بعد قلبها ياء في الياء وكسرت الغين للياء، وقيل : هي فعيل بمعنى الفاعل، وإلا لقيل : بَغُوٌّ كما يقال : فلان نَهُوٌّ عن المنكر، وإنما لم تلحَقْه التاءُ لأنها من باب النسب كطالق أو بمعنى المفعول أي يبغيها الرجالُ للفجور بها.

### الآية 19:21

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [19:21]

قَالَ  أي الملَكُ تقريراً لمقالته وتحقيقاً لها  كذلك  أي الأمرُ كما قلتُ لك، وقوله تعالى : قَالَ رَبُّكِ  الخ، استئنافٌ مقرِّر له أي قال ربك الذي أرسلني إليك : هُوَ  أي ما ذكرتُ لك من هبة الغلامِ من غير أن يمسَّك بشرٌ أصلاً  عَلَىَّ  خاصة  هَيّنٌ  وإن كان مستحيلاً عادة لما أني لا أحتاج إلى الأسباب والوسائطِ، وقوله تعالى : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لّلْنَّاسِ  إما علةٌ لمعلَّلٍ محذوف أي ولنجعل وهْبَ الغلام آيةً لهم وبرهاناً يستدلون به على كمال قدرتِنا نفعل ذلك، أو معطوفٌ على علة أخرى مضمَرةٍ أي لنبين به عِظَمَ قدرتِنا ولنجعله آية الخ، والواو على الأول اعتراضيةٌ والالتفاتُ إلى نون العظمة لإظهار كمالِ الجلالةِ  وَرَحْمَةً  عظيمةً كائنة  مِنَّا  عليهم يهتدون بهدايته ويسترشدون بإرشاده.  وَكَانَ  ذلك  أَمْراً مَّقْضِيّاً  مُحكماً قد تعلق به قضاؤنا الأزليُّ أو قُدّر وسُطّر في اللوح لا بد من جريانه عليك البتةَ، أو كان أمراً حقيقاً بأن يقضى ويُفعلَ لتضمنّه حِكَماً بالغة.

### الآية 19:22

> ﻿۞ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا [19:22]

فَحَمَلَتْهُ  بأن نفخ جبريلُ عليه الصلاة والسلام في دِرعها فدخلت النفخةُ في جوفها، قيل : إنه عليه الصلاة والسلام رفع دِرعَها فنفخ في جيبه فحمَلت، وقيل : نفخ عن بُعد فوصل الريحُ إليها فحملت في الحال، وقيل : إن النفخةَ كانت في فيها وكانت مدةُ حملها سبعةَ أشهر، وقيل : ثمانيةً، ولم يعِشْ مولود وُضع لثمانية أشهر غيرُه، وقيل : تسعةَ أشهرٍ، وقيل : ثلاثَ ساعات، وقيل : ساعة كما حملت وضعتْه وسنُّها حينئذ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، وقيل : عشرُ سنين وقد حاضت حيضتين  فانتبذت بِهِ  أي فاعتزلت وهو في بطنها كما في قوله :\[ الوافر \]تدوس بنا الجماجمَ والتّريبا[(١)](#foonote-١) . . . . . . . .فالجارُّ والمجرور في حيز النصب على الحالية أي فانتبذت ملتبسةً به  مَكَاناً قَصِيّاً  بعيداً من أهلها وراء الجبل، وقيل : أقصى الدارِ وهو الأنسبُ لقِصرَ مدة الحمل. 
١ لم نهتد إلى نسبة هذا الشطر. والتريب: التراب..

### الآية 19:23

> ﻿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [19:23]

فَأَجَاءهَا المخاض  أي فألجأها وهو في الأصل منقول من جاء لكنه لم يستعمل في غيره كآتي في أعطي، وقرئ المِخاض بكسر الميم وكلاهما مصدرُ مخِضَت المرأةُ إذا تحرك الولدُ في بطنها للخروج  إلى جِذْعِ النخلة  لتستتر به وتعتمد عليه عند الوِلادة وهو ما بين العِرْق والغصن، وكانت نخلةً يابسةً لا رأس لها ولا خُضرة وكان الوقت شتاءً، والتعريفُ إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثمةَ غيرُها وكانت كالمتعالم عند الناس، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليُريَها من آياتها ما يسكّن رَوْعتها ويطعمها الرُّطَبَ الذي هو خُرْسةُ النُّفَساءِ الموافقةُ لها  قَالَتْ يا ليتنى مّتَّ  بكسر الميم من مات يمات كخِفت، وقرئ بضمها من مات يموت  قَبْلَ هذا  أي هذا الوقتِ الذي لقِيتُ فيه ما لقِيت، وإنما قالته مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريلَ عليه السلام من الوعد الكريم، استحياءً من الناس وخوفاً من لائمتهم، أو حِذاراً من وقوع الناس في المعصية بما تكلموا فيها، أو جرياً على سَنن الصالحين عند اشتدادِ الأمر عليهم كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تِبْنةً من الأرض فقال :**« يا ليتنى هذه التبنةُ ولم أكن شيئاً »**، وعن بلال أنه قال :**« ليت بلالاً لم تلده أمُّه »**  وَكُنتُ نَسْياً  أي شيئاً تافهاً شأنُه أن يُنسى ولا يُعتدَّ به أصلاً، وقرئ بالكسر، قيل : هما لغتان في ذلك كالوتر، وقيل : هو بالكسر اسمٌ لما يُنسى كالنِّقْض اسمٌ لما يُنقض وبالفتح مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ مبالغةً، وقرئ بهما مهموزاً من نسأتُ اللبن إذا صببتُ عليه الماء فصار مستهلَكاً فيه، وقرئ نساً كعصاً  مَّنسِيّاً  لا يخطُر ببال أحد من الناس وهو نعتٌ للمبالغة، وقرئ بكسر الميم إتباعاً له بالسين.

### الآية 19:24

> ﻿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [19:24]

فَنَادَاهَا  أي جبريلُ عليه السلام  مِن تَحْتِهَا  قيل : إنه كان يقبل الولد، وقيل : من تحتها أي من مكان أسفلَ منها تحت الأكمة، وقيل : من تحت النخلة، وقيل : ناداها عيسى عليه السلام، وقرئ فخاطبها مَنْ تحتَها بفتح الميم  أَن لا تحزني  أي لا تحزني، على أن **«أنْ »** مفسرةٌ، أو بأن لا تحزني على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار  قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ  أي بمكان أسفل منك، وقيل : تحت أمرِك إنْ أمرْتِ بالجري أُجريَ وأن أمرت بالإمساك أُمسِك  سَرِيّاً  أي نهراً صغيراً حسبما روي مرفوعاً، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن جبريلَ عليه السلام ضرب برجله الأرضَ فظهرت عينُ ماء عذبٍ فجرى جدْولاً. وقيل : فعله عيسى عليه السلام. وقيل : كان هناك نهر يابسٌ أجرى الله عز وجل فيه الماءَ حينئذ كما فعل مثلَه بالنخلة، فإنها كانت نخلةً يابسة لا رأسَ لها ولا ورق فضلاً عن الثمر وكان الوقت شتاءً، فجعل الله لها إذ ذاك رأساً وخُوصاً وثمراً، وقيل : كان هناك ماءٌ جارٍ. والأول هو الموافقُ لمقام بيان ظهورِ الخوارق والمتبادرُ من النظم الكريم، وقيل : سرياً أي سيداً نبياً رفيعَ الشأن جليلاً وهو عيسى عليه السلام، فالتنوينُ للتفخيم والجملةُ للتعليل لانتفاء الحزْنِ المفهوم من النهي عنه، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتأكيدِ التعليل وتكميلِ التسلية.

### الآية 19:25

> ﻿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [19:25]

وهزي  هزُّ الشيء تحريكُه إلى الجهات المتقابلة تحريكاً عنيفاً متدارِكاً، والمرادُ هاهنا ما كان منه بطريق الجذبِ والدفعِ لقوله تعالى : إِلَيْكَ  أي إلى جهتك والباء في قوله عز وعلا : بِجِذْعِ النخلة  صلةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ  الخ، قال الفراء : تقول العرب : هَزّه وهزّ بِه وأخذ الخطامَ وأخذ بالخطام، أو لإلصاق الفعل بمدخولها أي افعلي الهزَّ بجذعها  تساقط  أي تُسقِطِ النخلة  عَلَيْكَ  إسقاطاً متواتراً حسب تواترِ الهزِّ، وقرئ تُسقِطْ ويُسقِط من الإسقاط بالتاء والياء، وتتساقطْ بإظهار التاءين، وتَساقطْ بطرح الثانية، وتسّاقَطْ بإدغامها في السين، ويَسّاقط بالياء كذلك، وتسقُطْ ويسقُطْ من السقوط على أن التاء في الكل للنخلة والياء للجذع، وقوله تعالى : رُطَباً  على القراءات الأُوَل مفعولٌ وعلى الست البواقي تمييزٌ، وقوله تعالى : جَنِيّاً  صفةٌ له وهو ما قُطع قبل يَبْسه فعل بمعنى مفعول، أي رطباً مجنياً أي صالحاً للاجتناء، وقيل : بمعنى فاعل أي طرياً طيباً، وقرئ جِنياً بكسر الجيم للإتباع.

### الآية 19:26

> ﻿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [19:26]

فَكُلِي واشربي  أي ذلك الرطبَ وماءَ السَّريِّ أو من الرطب وعصيرِه  وَقَرّى عَيْناً  وطِيبي نفساً وارفضي عنها ما أحزنك وأهمك، فإنه تعالى قد نزّه ساحتَك عما اختلج في صدور المتعبدين بالأحكام العادية بأن أظهر لهم من البسائط العنصريةِ والمركباتِ النباتية ما يخرِق العاداتِ التكوينيةَ ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرِك، وقرئ وقِرّي بكسر القاف وهي لغة نجد واشتقاقُه من القرار، فإن العينَ إذا رأت ما يسرّ النفسَ سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القَرّ فإن دمعةَ السرور باردةٌ ودمعةَ الحُزن حارة، ولذلك يقال : قُرّة العين وسُخْنةُ العين للمحبوب والمكروه  فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً  أي آدمياً كائناً مَنْ كان، وقرئ تَرئِنّ على لغة من يقول : لبّأْتُ بالحج لما بين الهمزة والياءِ من التآخي  فقولي  له إن استنطقك  إني نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً  أي صمتاً وقد قرئ كذلك، أو صياماً وكان صيامُهم بالسكوت  فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً  أي بعد أن أخبرتُكم بنذري وإنما أكلم الملائكةَ وأناجي ربي، وقيل : أُمِرت بأن تخبرَ بنذرها بالإشارة وهو الأظهرُ، قال الفراء : العربُ تسمِّي كلَّ ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصَل ما لم يؤكَّد بالمصدر، فإذا أُكّد لم يكن إلا حقيقةَ الكلام، وإنما أمرت بذلك لكراهة مجادلةِ السفهاء ومناقلتهم والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام، فإنه نصٌّ قاطعٌ في قطع الطعن.

### الآية 19:27

> ﻿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [19:27]

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا  أي جاءتهم مع ولدها راجعة إليهم عندما طهرت من نفاسها  تَحْمِلُهُ  أي حاملةً له  قَالُواْ  مؤنبين لها  يا مريم لَقَدْ جِئْتَ  أي فعلت  شَيْئاً فَرِيّاً  أي عظيماً بديعاً منكراً من فرَى الجلدَ أي قطعه، أو جئتِ مجيئاً عجيباً عبر عنه بالشيء تحقيقاً للاستغراب.

### الآية 19:28

> ﻿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [19:28]

يا أخت هارون  استئنافٌ لتجديد التعييرِ وتأكيدِ التوبيخ عنَوا به هارونَ النبيَّ عليه السلام، وكانت مِن أعقاب مَن كان معه في طبقة الأخوة، وقيل : كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة، وقيل : هو رجلٌ صالح أو طالح كان في زمانهم شبّهوها به، أي كنت عندنا مثله في الصلاح أو شتموها به  مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً  تقريرٌ لكون ما جاءت به فِرّياً منكراً وتنبيهٌ على أن ارتكابَ الفواحش من أولاد الصالحين أفحشُ.

### الآية 19:29

> ﻿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [19:29]

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ  أي إلى عيسى عليه السلام أنْ كلّموه، والظاهر أنها حينئذ بينت نذرَها وأنها بمعزل من محاورة الإنس حسبما أُمرت، ففيه دَلالةٌ على أن المأمورَ به بيانُ نذرها بالإشارة لا بالعبارة، والجمعُ بينهما مما لا عهدَ به  قَالُواْ  منكرين لجوابها  كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ في المهد صَبِيّاً  ولم نعهَد فيما سلف صبياً يكلمه عاقل، وقيل :( كان ) لإيقاع مضمونِ الجملة في زمان ماضٍ مبهمٍ صالحٍ لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصة بدليل أنه مَسوقٌ للتعجب، وقيل : هي زائدة والظرفُ صلة مَنْ وصبياً حال من المستكنّ فيه أو هي تامة أو دائمة كما في قوله تعالى : وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً .

### الآية 19:30

> ﻿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [19:30]

قَالَ  استئنافٌ مبنيّ على سؤال نشأ من سياق النظمِ الكريم، كأنه قيل : فماذا كان بعد ذلك ؟ فقيل : قال عيسى عليه السلام : إني عَبْدُ الله  أنطقه الله عز وجل بذلك آثرَ ذي أثيرٍ تحقيقاً للحق وردًّا على من يزعُم ربوبيته، قيل : كان المستنطِقُ لعيسى زكريا عليهما الصلاة والسلام، وعن السدي رضي الله عنه : لما أشارت إليه غضِبوا وقالوا : لَسُخرَيتُها بنا أشدُّ علينا مما فعلت، وروي أنه عليه السلام كان يرضَع فلما سمع ذلك ترك الرَّضاعَ وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار إليهم بسبابته فقال ما قال الخ، وقيل : كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان  آتاني الكتاب  أي الإنجيلَ  وجعلني نَبِيّاً .

### الآية 19:31

> ﻿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [19:31]

وجعلني  مع ذلك  مُبَارَكاً  نفّاعاً معلِّماً للخير، والتعبيرُ بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتومِ أو بجعل ما في شرف الوقوعِ لا محالة واقعاً، وقيل : أكمله الله عقلاً واستنبأه طفلاً  أَيْنَمَا كُنتُ  أي حيثما كنت  و أوصاني بالصلاة  أي أمرني بها أمراً مؤكداً  والزكاة  زكاةِ المال إن ملكتُه أو بتطهير النفسِ عن الرذائل  مَا دُمْتُ حَيّاً  في الدنيا.

### الآية 19:32

> ﻿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [19:32]

وَبَرّاً بوالدتي  عطفٌ على مباركاً أي جعلني بارًّا بها، وقرئ بالكسر على أنه مصدرٌ وصف به مبالغةً، أو منصوبٌ بمضمر دل عليه أوصاني، أي وكلفني بَرًّا، ويؤيده القراءةُ بالكسر والجر عطفاً على الصلاة والزكاة والتنكيرُ للتفخيم  وَلَمْ يجعلني جَبَّاراً شَقِيّاً  عنيداً لله تعالى لفَرْط تكبّره.

### الآية 19:33

> ﻿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [19:33]

والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً  كما هو على يحيى، على أن التعريفَ للعهد والأظهرُ أنه للجنس والتعريضِ باللعن على أعدائه، فإن إثباتَ جنسِ السلام لنفسه تعريضٌ بإثبات ضدِّه لأضداده كما في قوله تعالى : والسلام على مَنِ اتبع الهدى  فإنه تعريضٌ بأن العذابَ على من كذّب وتولى.

### الآية 19:34

> ﻿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [19:34]

ذلك  إشارةٌ إلى من فُصّلت نعوتُه الجليلةُ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على علو مرتبتِه وبُعد منزلتِه وامتيازِه بتلك المناقبِ الحميدةِ عن غيره ونزولِه منزلةَ المشاهَد المحسوس  عِيسَى ابن مَرْيَمَ  لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيبٌ لهم فيما يزعُمونه على الوجه الأبلغِ والمنهاج البرهانيِّ حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه  قَوْلَ الحق  بالنصب على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لقال : إني عبد الله الخ، وقوله تعالى : ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ  اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هو قولُ الحق الذي لا ريب فيه، والإضافةُ للبيان والضميرُ للكلام السابق لتمام القصة، وقيل : صفةُ عيسى أو بدلُه أو خبرٌ ثانٍ ومعناه كلمةُ الله، وقرئ قالَ الحقِّ وقول الحق فإن القولَ والقال في معنى واحد  الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ  أي يشكون أو يتنازعون، فيقول اليهودُ : ساحرٌ، والنصارى : ابنُ الله، وقرئ بتاء الخطاب.

### الآية 19:35

> ﻿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [19:35]

مَا كَانَ للَّهِ  أي ما صح وما استقام له تعالى  أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سبحانه  تكذيبٌ للنصارى وتنزيهٌ له تعالى عما بَهتوه وقوله تعالى : إِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  تبكيتٌ لهم ببيان أن شأنه تعالى إذا قضى أمراً من الأمور، أن يعلِّق به إرادتَه فيكونَ حينئذ بلا تأخير، فَمْن هذا شأنُه كيف يُتوهّم أن يكون له ولد وقرئ فيكونَ بالنصب على الجواب.

### الآية 19:36

> ﻿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [19:36]

وقوله تعالى : وَإِنَّ الله ربّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه  من تمام كلامِ عيسى عليه السلام، قيل : هو عطف على قوله : إني عَبْدُ الله  داخلٌ تحت القولِ وقد قرئ بغير واو، وقرئ بفتح الهمزة على حذف اللام أي ولأنه تعالى ربي وربُّكم فاعبُدوه كقوله تعالى : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً  وقيل : معطوفٌ على الصلاة  هذا  أي الذي ذكرتُه من التوحيد  صراط مُّسْتَقِيمٍ  لا يضِلُّ سالكُه.

### الآية 19:37

> ﻿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [19:37]

والفاء في قوله تعالى : فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ  لترتيب ما بعدها على ما قبلها تنبيهاً على سوء صنيعِهم بجعلهم ما يوجب الاتفاقَ منشأً للاختلاف، فإن ما حُكي من مقالات عيسى عليه السلام مع كونها نصوصاً قاطعةً في كونه عبدَه تعالى ورسولَه قد اختلفت اليهودُ والنصارى بالتفريط والإفراط، أو فرّق النصارى، فقالت النُّسطوريةُ : هو ابنُ الله، وقالت اليعقوبيةُ : هو الله هبط إلى الأرض ثم صعِد إلى السماء تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وقالت الملكانية : هو عبدُ الله ونبيُّه. 
 فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ  وهم المختلفون عبّر عنهم بالموصول إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحُكم  مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ  أي من شهود يومٍ عظيمِ الهول والحساب والجزاء وهو يومُ القيامة، أو من وقت شهودِه أو من مكان الشهود فيه أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو أن يشهد عليهم الملائكةُ والأنبياءُ عليهم السلام وألسنتُهم وآذانُهم وأيديهم وأرجلُهم وسائرُ آرابِهم[(١)](#foonote-١) بالكفر والفسوق، أو من وقت الشهادة أو من مكانها، وقيل : هو ما شِهدوا به في حق عيسى وأمِّه عليهما السلام.

١ أي سائر أعضائهم..

### الآية 19:38

> ﻿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [19:38]

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ  تعجّبٌ من حِدّة سمعِهم وأبصارِهم يومئذ، ومعناه أن أسماعَهم وأبصارهم  يَوْمَ يَأْتُونَنَا  للحساب والجزاء أي يوم القيامة جديرٌ بأن يُتعجَّب منها بعد أن كانوا في الدنيا صُمًّا عُمياً، أو تهديدٌ بما سيسمعون ويُبصرون يومئذ، وقيل : أُمر بأن يُسمِعَهم ويُبصرهم مواعيدَ ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه، والجارُّ والمجرورُ على الأول في موقع الرفعِ وعلى الثاني في حيز النصب  لكن الظالمون اليوم  أي في الدنيا  في ضلال مُّبِينٍ  لا تُدرك غايتُه حيث أغفلوا الاستماعَ والنظرَ بالكلية، ووضعُ الظالمين موضعَ الضمير للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم.

### الآية 19:39

> ﻿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [19:39]

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة  أي يوم يتحسر الناسُ قاطبةً، أما المسيءُ فعلى إساءته وأما المحسنُ فعلى قلة إحسانِه  إِذْ قُضِىَ الأمر  أي فُرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال :**« حين يجاء بالموت على صورة كبشٍ أملحَ فيذبح والفريقان ينظرون، فينادي المنادي يا أهلَ الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهلَ النار خلود فلا موت، فيزداد أهلُ الجنة فرحاً إلى فرح وأهلُ النار غمًّا إلى غم »** وإذ بدلٌ من يومَ الحسرة أو ظرفٌ للحسرة فإن المصدرَ المعرّفَ باللام يعمل في المفعول الصريح عند بعضِهم فكيف بالظرف  وَهُمْ في غَفْلَةٍ  أي عما يُفعل بهم في الآخرة  وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  وهما جملتان حاليتان من الضمير المستتر في قوله تعالى : في ضلال مُّبِينٍ  أي مستقرون في ذلك وهم في تينك الحالتين، وما بينهما اعتراضٌ، أو من مفعول أنذِرْهم أي أنذرهم غافلين غيرَ مؤمنين فيكون حالاً متضمنةً لمعنى التعليل.

### الآية 19:40

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [19:40]

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا  لا يبقى لأحد غيرِنا عليها وعليهم مُلكٌ ولا مَلِك، أو نتوفى الأرضَ ومن عليها بالإفناء والإهلاك توَفيَ الوارثِ لإرثه  وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ  أي يُردّون للجزاء لا إلى غيرنا استقلالاً أو اشتراكاً.

### الآية 19:41

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:41]

واذكر  عطف على أنذِرْهم  في الكتاب  أي في السورة أو في القرآن  إِبْرَاهِيمَ  أي اتلُ على الناس قصته وبلِّغها إياهم كقوله تعالى : واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبراهيم  فإنهم ينتمون إليه عليه السلام فعساهم باستماع قصته يُقلِعون عما هم فيه من القبائح  إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً  ملازماً للصدق في كل ما يأتي ويذر، أو كثيرَ التصديق لكثرة ما صدّق به غيوبَ الله تعالى وآياتِه وكتبَه ورسلَه، والجملةُ استئنافٌ مسَوقٌ لتعليل موجبِ الأمر فإن وصفه عليه السلام بذلك من دواعي ذكرِه  نَبِيّاً  خبرٌ آخرُ لكان مقيدٌ للأول مخصِّصٌ له كما ينبئ عنه قوله تعالى : مّنَ النبيين والصديقين  الآية، أي كان جامعاً بين الصدّيقية والنبوة ولعل هذا الترتيبَ للمبالغة في الاحتراز عن توهم تخصيصِ الصدّيقية بالنبوة فإن كلَّ نبيَ صديقٌ.

### الآية 19:42

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [19:42]

إِذْ قَالَ  بدلُ اشتمالٍ من إبراهيمَ وما بينهما اعتراضٌ مقررٌ لما قبله أو متعلق بكان أو بنبياً، وتعليقُ الذكر بالأوقات مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيها من الحوادث قد مر سرُّه مراراً، أي كان جامعاً بين الأثَرتين حين قال  لأَبِيهِ  آزرَ متلطفاً في الدعوة مستميلاً له  يا أبت  أي يا أبي فإن التاء عوضٌ عن ياء الإضافة ولذلك لا يجتمعان، وقد قيل : يا أبتا لكون الألف بدلاً من الياء  لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ  ثناءَك عليه عند عبادتِك له وجؤارِك إليه  وَلاَ يَبْصِرُ  خضوعَك وخشوعَك بين يديه، أو لا يسمع ولا يبصر شيئاً من المسموعات والمُبصَرات فيدخُل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً  وَلاَ يُغْنِى  أي لا يقدر على أن يغنيَ  عَنكَ شَيْئاً  في جلب نفعٍ أو دفع ضُرّ، ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسنَ منهاجٍ وأقومَ سبيل، واحتج بحسن أدبٍ وخلقٍ جميل لئلا يركبَ متنَ المكابرة والعناد ولا يُنكّبَ بالكلية عن مَحَجّة الرشاد، حيث طَلب منه علةَ عبادتِه لِما يستخفّ به عقلُ كل عاقل من عالم وجاهلٍ ويأبى الركونّ إليه، فضلاً عن عبادته التي هي الغايةُ القاصية من التعظيم مع أنها لا تحِقّ إلا لمن له الاستغناءُ التامُّ والإنعامُ العام : الخالقِ الرازقِ المحيي المميتِ المثيبِ المعاقب، ونبّه على أن العاقل يجب أن يفعل كلَّ ما يفعل لداعيةٍ صحيحة وغرضٍ صحيح، والشيءُ لو كان حياً مميّزاً سميعاً بصيراً قادراً على النفع والضرِّ مطيقاً بإيصال الخير والشر لكن كان ممكِناً لاستنكف العقلُ السليمُ عن عبادته، وإن كان أشرفَ الخلائق لما يراه مِثْلَه في الحاجة والانقيادِ للقدرة القاهرةِ الواجبة، فما ظنُّك بجماد مصنوع من حجر أو شجر ليس له من أوصاف الإحياءِ عينٌ ولا أثرٌ ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديَه إلى الحق المبين، لِما أنه لم يكن محفوظاً من العلم الإلهي مستقلاً بالنظر السويّ مصدّراً لدعوته بما مر من الاستمالة والاستعطاف حيث قال : يا أبت إني قَدْ جاءني مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ فاتبعني أهدك صراطا سويا .

### الآية 19:43

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [19:43]

يا أبت إني قَدْ جاءني مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ  ولم يسِمْ أباه بالجهل المُفرِط وإن كان في أقصاه ولا نفسَه بالعلم الفائق وإن كان كذلك، بل أبرز نفسه في صورة رفيقٍ له أعرفَ بأحوال ما سلكاه من الطريق، فاستماله برفق حيث قال : فاتبعني أَهْدِكَ صراطا سَوِيّاً  أي مستقيماً موصلاً إلى أسنى المطالب منجياً عن الضلال المؤدّي إلى مهاوي الردى والمعاطب، ثم ثبّطه عما كان عليه بتصويره بصورة يستنكرها كلُّ عاقل ببيانِ أنه مع عرائه عن النفع بالمرة مستجلبٌ لضرر عظيم، فإنه في الحقيقة عبادةُ الشيطان لِما أنه الآمرُ به.

### الآية 19:44

> ﻿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا [19:44]

فقال : يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان  فإن عبادتك للأصنام عبادةٌ له إذ هو الذي يسولها لك ويغريك عليها وقوله : إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً  تعليلٌ لموجب النهي وتأكيدٌ له ببيان أنه مستعصٍ على ربك الذي أنعم عليك بفنون النعم، ولا ريب في أن المطيعَ للعاصي عاصٍ وكلُّ مَن هو عاصٍ حقيقٌ بأن يسترد منه النعم وينتقم منه، والإظهارُ في موضع الإضمار لزيادة التقريرِ، والاقتصارُ على ذكر عصيانه من بين سائر جناياتِه لأنه مَلاكُها أو لأنه نتيجةُ معاداتِه لآدمَ عليه السلام وذريته، فتذكيرُه داعٍ لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته والتعرضُ لعنوان الرحمانية لإظهار كمالِ شناعة عصيانِه.

### الآية 19:45

> ﻿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [19:45]

وقوله : يا أبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن  تحذيرٌ من سوء عاقبةِ ما كان عليه من عبادة الشيطان وهو ابتلاؤُه بما ابتُليَ به معبودُه من العذاب الفظيع، وكلمةُ مِن متعلقةٌ بمضمر وقع صفةً للعذاب مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وإظهارُ الرحمن للإشعار بأن وصفَ الرحمانية لا يدفع حلولَ العذاب كما في قوله عز وجل : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم   فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً  أي قريناً له في اللعن المخلّد، وذكرُ الخوف للمجاملة وإبرازِ الاعتناء بأمره.

### الآية 19:46

> ﻿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [19:46]

قَالَ  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل : فماذا قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائحَ الواجبةَ القَبولِ ؟ فقيل : قال مُصرًّا على عِناده : أَرَاغِبٌ أَنتَ عَن آلهتي يا إبراهيم  أي أمُعرضٌ ومنصرفٌ أنت عنها بتوجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجب، كأن الرغبةَ عنها مما لا يصدر عن العاقل فضلاً عن ترغيب الغير عنها وقوله : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ  تهديدٌ وتحذير عما كان عليه من العِظة والتذكير أي والله لئن لم تنته عما كنت عليه من النهي عن عبادتهم لأرجُمنك بالحجارة، وقيل : باللسان  واهجرني  أي فاحذَرْني واتركني  مَلِيّاً  أي زماناً طويلاً أو ملياً بالذهاب مطيقاً به.

### الآية 19:47

> ﻿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [19:47]

قَالَ  استئناف كما سلف  سلام عَلَيْكَ  توديعٌ ومُتارَكةٌ على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة، أي لا أصيبك بمكروه بعدُ ولا أشافهك بما يؤذيك ولكن  سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  أي أستدعيه أن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة ويهديَك إلى الإيمان، كما يلوح به تعليلُ قوله تعالى : واغفر لأبي  بقوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين  والاستغفارُ بهذا المعنى للكافر قبل تبين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه وإنما المحظورُ استدعاءُ المغفرة له مع بقائه على الكفر فإنه مما لا مساغَ له عقلاً ولا نقلاً، وأما الاستغفارُ له بعد موته على الكفر فلا تأباه قضيةُ العقل وإنما الذي يمنعه السمعُ، ألا يرى إلى أنه عليه السلام قال لعمه أبي طالب : لا أزال أستغفر لك ما لم أُنهَ عنه فنزل قوله تعالى : مَا كَانَ للنبي والذين آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ  الآية، والاشتباه في أن هذا الوعدَ من إبراهيمَ عليه السلام، وكذا قولُه : لأستغفرن لك وما ترتب عليهما من قوله : واغفر لأبي  الآية، إنما كان قبل انقطاعِ رجائِه عن إيمانه لعدم تبيّن أمرِه لقوله تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  كما مر في تفسير سورة التوبة، واستثناؤه عما يؤتسى به في قوله تعالى : إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأبيه لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  لا يقدح في جوازه لكن لا لأن ذلك كان قبل ورودِ النهي أو لموعِدة وعدها إياه كما قيل، لِما أن النهيَ إنما ورد في شأن الاستغفارِ بعد تبيّن الأمرِ وقد كان استغفارُه عليه السلام قبل التبيُّن فلم يتناولْه النهيُ أصلاً، وأن الوعدَ بالمحظور لا يرفع حظرَه بل لأن المرادَ بما يؤتسى به ما يجب الائتساءُ به حتماً لوجود الوعيدِ على الإعراض عنه بقوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد  فاستثناؤه عن ذلك إنما يفيد عدمَ وجوبِ استدعاء الإيمان للكافر الموجوِّ إيمانُه لاسيما وقد انقطع ذلك عند ورودِ الاستثناء وذلك مما لا يتردد فيه أحدٌ من العقلاء، وأما عدمُ جوازه قبل تبيّن الأمرِ فلا دِلالةَ للاستثناء عليه قطعاً، وتوجيهُ الاستثناءِ إلى العِدَة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفارِ بقوله : واغفر لأبي  الآية، لأنها كانت هي الحاملةَ له عليه السلام عليه، وتخصيصُ تلك العِدَة بالذكر دون ما وقع هاهنا لورودها على نهج التأكيدِ القسَميّ، وأما جعلُ الاستغفارِ دائراً عليها وترتيبُ التبرُّؤ على تبيّن الأمرِ فقد مر تحقيقُه في تفسير سورة التوبة. وقوله : إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً  أي بليغاً في البِرّ والإلطاف تعليلٌ لمضمون ما قبله.

### الآية 19:48

> ﻿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [19:48]

وَأَعْتَزِلُكُمْ  أي أتباعد عنك وعن قومك  وَمَا تَدْعُون مِن دُونِ الله  بالمهاجَرة بديني حيث لم تؤثّرْ فيكم نصائحي. 
 وَأَدْعُو ربّي  أعبدُه وحده، وقد جُوّز أن يراد به دعاؤُه المذكورُ في تفسير سورةِ الشعراء، ولا أن يبعُد أ يُرادَ به استدعاءُ الولد أيضاً بقوله : رَبّ هَبْ لي مِنَ الصالحين  حسبما يساعده السباق والسياق  عسى أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء ربّي شَقِيّا  أي خائباً ضائعَ السعي، وفيه تعريضٌ بشقائهم في عبادة آلهتِهم، وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضعِ ومراعاة حسنِ الأدب والتنبيهِ على حقيقة الحقِّ من أن الإجابةَ والإثابةَ بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوبِ، وأن العبرةَ بالخاتمة وذلك من الغيوب المختصّةِ بالعليم الخبير ما لا يخفى.

### الآية 19:49

> ﻿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [19:49]

فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  بالمهاجرة إلى الشام  وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ  بدلَ مَنْ فارقهم من أقربائه الكفرة لكن لا عَقيبَ المهاجرة فإن المشهورَ أن الموهوبَ حينئذ إسماعيلُ عليه السلام لقوله تعالى : فبشرناه بغلام حَلِيمٍ  إثرَ دعائِه بقولِه : رَبّ هَبْ لي مِنَ الصالحين  ولعل ترتيبَ هِبتهما على اعتزاله هاهنا لبيان كمالِ عِظَم النّعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة مَن اعتزلهم من الأهل والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبياء لهما أولادٌ وأحفادٌ أوُلو شأنٍ خطير وذوو عددٍ كثير. هذا وقد روي أنه عليه السلام لما قصد الشام أتى أولاً حَرّان وتزوج بسارةَ وولدت له إسحاقَ ووُلد لإسحاقَ يعقوبُ والأولُ هو الأقربُ الأظهر  وَكُلاًّ  أي كلَّ واحد منهما أو منهم وهو مفعولٌ أولٌ لقوله تعالى : وَجَعَلْنَا نَبِيّاً  لا بعضَهم دون بعض.

### الآية 19:50

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [19:50]

وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا  هي النبوةُ، وذكرُها بعد ذكر جعلِهم نبياً للإيذان بأنها من باب الرحمةِ، وقيل : هي المالُ والأولادُ وما بُسط لهم من سَعة الرزقِ، وقيل : هو الكتابُ والأظهر أنها عامةٌ لكل خير ديني ودنيويَ أُوتوه مما لم يُؤتَه أحدٌ من العالمين  َجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً  يفتخر بهم الناسُ ويثنون عليهم استجابةً لدعوته بقوله : اجعل لي لِسَانَ صِدْقٍ في الآخرين  والمرادُ باللسان ما يوجد به من الكلام ولسانُ العرب لغتُهم، وإضافتُه إلى الصدق ووصفُه بالعلو للدلالة على أنهم أحِقّاءُ بما يثنون عليهم وأن محامِدَهم لا تخفى على تباعد الأعصارِ وتبدُّل الدول وتحوُّل المِلل والنِحَل.

### الآية 19:51

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:51]

واذكر في الكتاب موسى  قُدّم ذكرُه على ذكر إسماعيلَ لئلا ينفصِل عن يعقوبَ عليهما السلام  إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً  موحّداً أخلصَ عبادتِه عن الشرك والرياء، أو أسلم وجهَه لله تعالى وأخلص نفسَه عما سواه، وقرئ مخلَصاً على أن الله تعالى أخلصه  وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً  أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قُدّم رسولاً مع كونه أخلصَ وأعلى.

### الآية 19:52

> ﻿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [19:52]

و ناديناه مِن جَانِبِ الطور الأيمن  الطورُ جبلٌ بين مصرَ ومدْيَنَ، والأيمنُ صفةٌ للجانب أي ناديناه من ناحيته اليُمنى من اليمين وهي التي تلي يمينَ موسى عليه السلام، أو من جانبه الميمونِ من اليُمن ومعنى ندائِه منه أنْ تمثّل له الكلامُ من تلك الجهة  وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً  تقريبَ تشريفٍ، مُثّل حالُه عليه السلام بحال من قرّبه الملِكُ لمناجاته واصطفاه لمصاحبته ونجياً أي مناجياً حالٌ من أحد الضميرين في ناديناه أو قربناه، وقيل : مرتفعاً لما روي أنه عليه السلام رُفع في السماوات حتى سمع صَريفَ القلم.

### الآية 19:53

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [19:53]

وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا  أي من أجل رحمتِنا ورأفتِنا له أو بعضِ رحمتنا  أَخَاهُ  أي معاضَدةَ أخيه ومؤازرَتَه إجابةً لدعوته بقوله : واجعل لي وَزِيراً مّنْ أهلي هارون أخي  لا نفسَه لأنه كان أكبرَ منه عليهما السلام، وهو على الأول مفعولٌ لوهبنا وعلى الثاني بدلٌ وقوله تعالى : هارون  عطف بيان له وقوله تعالى : نَبِيّاً  حال منه.

### الآية 19:54

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [19:54]

واذكر في الكتاب إسماعيل  فُصّل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه لإبراز كمال الاعتناءِ بأمره بإيراده مستقلاً وقوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  تعليلٌ لموجب الأمر، وإيرادُه عليه السلام بهذا الوصف لكمال شهرتِه به وناهيك أنه وعَدَ الصبرَ على الذبح بقوله : ستجدني إِن شَاء الله مِنَ الصابرين  فوفّى  وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً  فيه دِلالةٌ على أن الرسولَ لا يجب أن يكون صاحبَ شريعةٍ، فإن أولادَ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كانوا على شريعته.

### الآية 19:55

> ﻿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [19:55]

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة  اشتغالاً بالأهم وهو أن يُقْبل الرجلُ بالتكميل على نفسه مَنْ هو أقربُ الناس إليه قال تعالى : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين   وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة   قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  وقصد إلى تكميل الكل بتكميلهم لأنهم قدوةٌ يؤتسى بهم، وقيل : أهلُه أمتُه فإن الأنبياءَ عليهم السلام آباءُ الأمم  وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً  لاتصافه بالنعوت الجليلةِ التي من جملتها ما ذكر من خصاله الحميدة.

### الآية 19:56

> ﻿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [19:56]

واذكر في الكتاب إِدْرِيسَ  وهو سِبطُ شَيْثٍ وجدُّ أبي نوحٍ فإنه نوحُ بنُ لمك بن متوشلح بنِ أُخنوخ وهو إدريسُ عليه السلام، واشتقاقُه من الدّرس يُرده منعُ صرفِه. نعم لا يبعُد أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلُقّب به لكثرة دراسته. روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفةً وأنه أولُ من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب  إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً  ملازماً للصدق في جميع أحوالِه  نَبِيّاً  خبرٌ آخرُ لكان مخصّصٌ للأول، إذ ليس كلُّ صدّيق نبياً.

### الآية 19:57

> ﻿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [19:57]

وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً  هو شرفُ النبوة و الزلفى عند الله عز وجل، وقيل : علوُّ الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا كما في قوله تعالى : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  وقيل : الجنة، وقيل : السماءُ السادسةُ أو الرابعة. روي عن كعب وغيره في سبب رفعِ إدريسَ عليه السلام أنه سُئل ذاتَ يوم في حاجة فأصابه وهَجُ الشمس، فقال : يا رب إني قد مشَيتُ فيها يوماً وقد أصابني منها ما أصابني، فكيف من يحمِلها مسيرةَ خمسِمائة عام في يوم واحد ؟ اللهم خففْ عنه من ثِقَلها وحرِّها، فلما أصبح المَلَك وجد من خفة الشمس وحرِّها ما لا يُعرف، فقال : يا رب ما الذي قضيت فيه ؟ قال :**« إن عبدي إدريسَ سألني أن أخففَ عنك حَملَها وحرَّها فأجبتُه »** قال : يا رب اجعل بيني وبينه خُلّةً، فأذِن الله تعالى له فرفعه إلى السماء.

### الآية 19:58

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ [19:58]

أولئك  إشارةٌ إلى المذكورين في السورة الكريمة وما فيه من معنى البُعد للإشارة بعلوّ رُتَبهم وبُعد منزلتِهم في الفضل وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم  صفتُه أي أنعم عليهم بفنون النِعَم الدينيةِ والدنيويةِ حسبما أشير إليه مجملاً وقوله تعالى : مّنَ النبيين  بيان للموصول وقوله تعالى : مِن ذُرّيَّةِ آدم  بدلٌ منه بإعادة الجارِّ ويجوز أن تكون كلمةُ ( من ) فيه للتبعيض لأن المنعَمُ عليهم أعمُّ من الأنبياء وأخصُّ من الذرية. 
 وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ  أي ومن ذرية مَنْ حملنا معه خصوصاً وهم مَنْ عدا إدريسَ عليه السلام، فإن إبراهيمَ كان من ذرية سامِ بنِ نوح  وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم  وهم الباقون  وإسرائيل  عطفٌ على إبراهيمَ أي ومن ذرية إسرائيلَ وكان منهم موسى وهارونُ وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وفيه دليلٌ على أن أولادَ البناتِ من الذرية  وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينا  أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق واجتبيناهم للنبوة والكرامة، وقوله تعالى : إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً  خبرٌ لأولئك ويجوز أن يكون الخبرُ هو الموصولُ، وهذا استئنافاً مَسوقاً لبيان خشيتِهم من الله تعالى وإخباتِهم له مع ما لهم من علوّ الرتبة وسمُوّ الطبقة في شرف النسَب وكمالِ النفس و الزُلفى من الله عز سلطانه، وسجّداً وبُكياً حالان من ضمير خروا أي ساجدين باكين. عن النبي صلى الله عليه وسلم :**« اتلوا القرآن وابكُوا فإن لم تبكُوا فتباكوا »** والبُكِيُّ جمع باكٍ كالسُّجّد جمع ساجد، وأصله بُكُويٌ فاجتمعت الواوُ والياء وسُبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواوُ ياء وأُدغمت الياءُ في الياء، وحُرّكت الكافُ بالكسر المجانس للباء، وقرئ يُتلى بالياء التحتانيةِ لأن التأنيثَ غيرُ حقيقي، وقرئ بِكِيّاً بكسر الباء للإتباع، قالوا : ينبغي أن يدعوَ الساجد في سجدته بما يليق بآياتها فهنا يقول : اللهُم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك وفي آية الإسراء يقول اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وفي آية التنزيل السجدة يقول اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

### الآية 19:59

> ﻿۞ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [19:59]

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ  يقال : لعَقِب الخير خلفٌ بفتح اللام ولعقِب الشرِّ خلْفٌ بالسكون أي فعقَبهم وجاء بعدهم عَقِبُ سوءٍ  أَضَاعُواْ الصلاة  وقرئ الصلواتِ أي تركوها أو أخّروها عن وقتها  واتبعوا الشهوات  من شرب الخمر واستحلالِ نكاحِ الأختِ من الأب والانهماكِ في فنون المعاصي. وعن علي رضي الله عنه عندهم مِنْ بناء المشيَّد وركوبِ المنظور ولُبس المشهور  فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً  أي شراً فإن كلَّ شر عند العرب غيٌّ وكل خير رشادٌ كقوله :\[ الطويل \]فمن يلقَ خيراً يحمَدِ الناسُ أمرَه  ومن يغْوِ لا يعدَمْ على الغي لائما[(١)](#foonote-١)وعن الضحاك جزاءَ غيَ كقوله تعالى : يَلْقَ آثاما  أو غياً عن طريق الجنة، وقيل :**« غَيٌّ وادٍ في جهنمَ تستعيذ منه أوديتُها »**
١ البيت للمرقش الأصغر في ديوانه ص ٥٦٥؛ ولسان العرب (غوى)؛ وشرح اختيارات المفضل ص ١١٠٤؛ وتاج العروس (غوي)؛ وبلا نسبة في كتاب العين ٢/٢٣٨؛ ومقاييس اللغة ٤/١٩٢؛ والمخصص ٦/١٧٠..

### الآية 19:60

> ﻿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [19:60]

وقوله تعالى : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالحا  يدل على أن الآيةَ في حق الكفرة  فَأُوْلَئِكَ  إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البُعد لما مرّ مراراً، أي فأولئك المنعوتون بالتوبة والإيمانِ والعمل الصالح  يَدْخُلُونَ الجنة  بموجب الوعدِ المحتوم وقرئ يُدْخَلون على البناء للمفعول. 
 وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً  أي لا يُنقَصون من جزاء أعمالِهم شيئاً، أو لا ينقصون شيئاً من النقص، وفيه تنبيهٌ على أن كفرَهم السابقَ لا يضرهم ولا ينقُص أجورَهم.

### الآية 19:61

> ﻿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [19:61]

جنات عَدْنٍ  بدلٌ من الجنةَ بدلَ البعض لاشتمالها عليها وما بينهما اعتراضٌ أو نصبٌ على المدح، وقرئ بالرفع على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هي أو تلك جنات الخ. أو مبتدأ خبرُه التي وعد الخ، وقرئ جنة عدْنَ نصباً ورفعاً، وعدْنُ علمٌ لمعنى العَدْن وهو الإقامةُ كما أن فيْنةَ وسحرَ وأمسَ فيمن لم يصرِفها أعلامٌ لمعاني الفينةِ وهي الساعة التي أنت فيها والسحرِ والأمسِ فجرى لذلك مجرى العدْن، أو هو علمٌ لأرض الجنة خاصةً ولولا ذلك لما ساغ إبدالُ ما أضيف إليه من الجنة بلا وصفٍ عند غير البصريين ولا صفةٍ بقوله تعالى : التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ  وجعلُه بدلاً منه خلافُ الظاهر فإن الموصولَ في حكم المشتقّ وقد نصّوا على أن البدَل بالمشتق ضعيفٌ، والتعرضُ لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعدَها وإنجازَه لكمال سَعةِ رحمته والباء في قوله تعالى : بالغيب  متعلقةٌ بمضمر هو حالٌ من المضمر العائدِ إلى الجنات أو من عباده، أي وعدها إياهم ملتبسةً أو ملتبسين بالغيب، أي غائبةً عنهم غيرَ حاضرة أو غائبين عنها لا يرَوْنها وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار، أو بمضمر هو سببُ الوعدِ أي وعدها إياهم بسبب إيمانِهم. 
 إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ  أي موعدُه كائناً ما كان فيدخل فيه الجناتُ الموعودةُ دخولاً أولياً، ولما كانت هي مثابةً يُرجَع إليها قيل : مَأْتِيّاً  أي يأتيه مَنْ وُعِد له لا محالة بغير خُلْف، وقيل : هو مفعولٌ بمعنى فاعل، وقيل : مأتياً أي مفعولاً مُنجَزاً من أتى إليه إحساناً أي فعَلَه.

### الآية 19:62

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [19:62]

لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً  أي فضولَ كلامٍ لا طائلَ تحته وهو كنايةٌ عن عدم صدورِ اللغوِ من أهلها، وفيه تنبيهٌ على أن اللغوَ مما ينبغي أن يُجتنَب عنه في هذه الدارِ ما أمكن  إِلاَّ سلاما  استثناءٌ منقطِعٌ أي لكن يسمعون تسليمَ الملائكة عليهم أو تسليمَ بعضهم على بعض، أو متصلٌ بطريق التعليقِ بالمُحال أي لا يسمعون لغواً ما إلا سلاماً فحيث استحال كونُ السلامِ لغواً استحال سماعُهم له بالكلية كما في قوله :\[ الطويل \]ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم  بهنّ فُلولٌ من قراع الكتائبِ[(١)](#foonote-١)أو على أن معناه الدعاءُ بالسلامة وهم أغنياءُ عنه فهو من باب اللغو ظاهراً وإنما فائدتُه الإكرامُ وقوله تعالى : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  واردٌ على عادة المتنعّمين في هذه الدار، وقيل : المرادُ دوامُ رزقِهم ودُرورُه وإلا فليس فيها بكرةٌ ولا عشيٌّ. 
١ البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٤٤؛ والأزهية ص ١٨٠؛ وإصلاح المنطق ص ٢٤؛ وخزانة الأدب ٣/٣٢٧؛ والدرر ٣/١٧٣؛ وشرح شواهد المغني ص ٣٤٩؛ والكتاب ٢/٣٢٦؛ ومعاهد التنصيص ٣/١٠٧؛ وهمع الهوامع ١/٢٣٢..

### الآية 19:63

> ﻿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [19:63]

تِلْكَ الجنة  مبتدأٌ وخبرٌ جيء به لتعظيم شأنِ الجنةِ وتعيينِ أهلِها، فإن ما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِها وعلوِّ رتبتها  التي نُورِثُ  أي نورثها  مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً  أي نُبقيها عليهم بتقواهم ونمتّعهم بها كما نُبقي على الوارث مالَ مُورِّثه ونمتّعه به، والوِراثةُ أقوى ما يستعمل في التملك والاستحقاق من الألفاظ من حيث إنها لا تُعقَبُ بفسخ ولا استرجاعٍ ولا إبطالٍ، وقيل : يُورَّث المتقون من الجنة المساكنَ التي كانت لأهل النار لو آمنوا وأطاعوا زيادةً في كرامتهم، وقرئ نورّث بالتشديد.

### الآية 19:64

> ﻿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [19:64]

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ  ( حكايةٌ لقول جبريلَ حين استبطأه رسولُ الله عليهما الصلاة والسلام لما سئل عن أصحاب الكهفِ وذي القرنين والروح، فلم يدرِ كيف يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه أربعين يوماً أو خمسةَ عشرَ فشق ذلك عليه مشقةً شديدة، وقال المشركون : وَدَّعَه ربُّه وقلاه ثم نزل ببيان ذلك ) وأنزل الله عز وجل هذه الآيةَ وسورةَ الضحى، والتنزّل النزولُ على مَهل لأنه مطاوعٌ للتنزيل وقد يطلق على مطلق النزولِ كما يطلق التنزيلُ على الإنزال، والمعنى وما ننزِل وقتاً غَبَّ وقتٍ إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمتُه، وقرئ وما يَتنزَّل بالياء والضمير للوحي  لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك  وهو ما نحن فيه من الأماكن والأزمنة ولا ننتقل من مكان إلى مكان ولا نتنزّل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. 
 وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  أي تاركاً لك يعني أن عدمَ النزول لم يكن إلا لعدم الأمر به لحكمة بالغةٍ فيه، ولم يكن لتركه تعالى لك وتوديعِه إياك كما زعمَتِ الكفرة، وفى إعادة اسمِ الربّ المُعربِ عن التبليغ إلى الكمال اللائقِ مضافاً إلى ضميره عليه السلام من تشريفه والإشعارِ بعلة الحكمِ ما لا يخفى، وقيل : أولُ الآية حكايةُ قولِ المتقين حين يدخُلون الجنة مخاطِباً بعضُهم بعضاً بطريق التبجّح والابتهاج، والمعنى وما نتنزّل الجنةَ إلا بأمر الله تعالى ولطفه وهو مالكُ الأمورِ كلِّها سالِفها ومُتَرقَّبِها وحاضرِها فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضلِه وقوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  تقريرٌ لقولهم من جهة الله تعالى أي وما كان ناسياً لأعمال العاملين وما وعدهم من الثواب عليها.

### الآية 19:65

> ﻿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [19:65]

وقوله تعالى : رَبّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا  بيانٌ لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن مَن بيده ملكوتُ السماوات والأرض وما بينهما كيف يُتصوَّر أن يحوم حول ساحتِه سبحانه الغفلةُ والنسيانُ ؟ وهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو بدلٌ من ربك، والفاء في قوله تعالى : فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ  لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى ربَّ السماوات والأرض وما بينهما، وقيل : من كونه تعالى غيرَ تارك له عليه السلام أو غيرَ ناس لأعمال العاملين، والمعنى : فحين عرفتَه تعالى بما ذُكر من الربوبية الكاملةِ فاعبده الخ، فإن إيجابَ معرفته تعالى كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفتَ أنه تعالى لا ينساك أو لا ينسى أعمالَ العاملين كائناً مَنْ كان فأقبِلْ على عبادته واصطبرْ على مشاقّها ولا تحزن بإبطال الوحي وهُزْؤ الكفرةِ، فإنه يراقبك ويراعيك ويلطُف بك في الدنيا والآخرة. 
وتعديةُ الاصطبار باللام لا بحرف الاستعلاء كما في قوله تعالى : واصطبر عَلَيْهَا  لتضمينه معنى الثباتِ للعبادة فيما تورِد عليه من الشدائد والمشاقّ، كقولك للمبارز : اصطبرُ لِقَرنك أي اثبُت له فيما يورِد عليك من شدائده  هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً  السمِيُّ الشريكُ في الاسم والظاهرُ أن يراد به هاهنا الشريكُ في اسم خاص قد عُبِّر عنه تعالى بذلك وهو ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، والمرادُ بإنكارُ العلم ونفيُه إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجهٍ وآكَدِه، فالجملةُ تقريرٌ لما أفاده الفاء من علّية ربوبيته العامةِ لوجوب عبادتِه بل لوجوب تخصّصها به تعالى ببيان استقلالِه عز وجل بذلك الاسمِ وانتفاءِ إطلاقِه على الغير بالكلية حقاً أو باطلاً. 
وقيل : المرادُ هو الشريكُ في الاسم الجليلِ فإن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسمّوا الصنم بالجلالة أصلاً، وقيل : هو الشريكُ في اسم الإله والمرادُ بالتسمية التسميةُ على الحق، فالمعنى هل تعلم شيئاً يسمى بالاستحقاق إلها ؟ وأما التسميةُ على الباطل فهي كلا تسميةٍ، فتقريرُ الجملة لوجوب العبادة حينئذ باعتبار ما في الاسمين الكريمين من الإشعار باستحقاق العبادةِ فتدبر.

### الآية 19:66

> ﻿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [19:66]

وَيَقُولُ الإنسان  المرادُ به إما الجنسُ بأسره وإسنادُ القول إلى الكل لوجود القولِ فيما بينهم وإن لم يقله الجميع، كما يقال : بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتلُ واحدٌ منهم وإما البعضُ المعهودُ منهم وهم الكفرةُ أو أُبيُّ بنُ خلف فإنه أخذ عظاماً باليةً ففتّها وقال : يزعُم محمد أنا نبعث بعد ما نموت ونصير إلى هذه الحال، أي يقول بطريق الإنكار والاستبعاد : أئذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً  أي أُبعث من الأرض، أو من حال الموت، وتقديمُ الظرف وإيلاؤه حرفَ الإنكار لما أن المنكرَ كونُ ما بعد الموت وقت الحياة، وانتصابُه بفعل دل عليه أُخرجُ لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها وهي هاهنا مخلَصةٌ للتوكيد مجرّدةٌ عن معنى الحال، كما خلَصت الهمزةُ واللامُ للتعويض في يا ألله فساغ اقترانُها بحرف الاستقبال، وقرئ إذا ما مِتّ بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

### الآية 19:67

> ﻿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [19:67]

أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان  من الذكر الذي يراد به التفكرُ، والإظهارُ في موقع الإضمار لزيادة التقريرِ والإشعارِ بأن الإنسانيةَ من دواعي التفكرِ فيما جرى عليه من شؤون التكوينِ المُنْحِية بالقلع عن القول المذكور، وهو السرُّ في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان، والهمزةُ للإنكار التوبيخيِّ والواوُ لعطف الجملة المنفيةِ على مقدّر يدلُّ عليه يقول، أي أيقول ذلك ولا يذكر  أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ  أي من قبلِ الحالة التي هو فيها وهي حالةُ بقائِه  وَلَمْ يَكُ شَيْئاً  أي والحالُ أنه لم يكن حينئذ شيئاً أصلاً، فحيث خلقناه وهو في تلك الحالةِ المنافيةِ للخلق بالكلية مع كونه أبعدَ من الوقوع فلأَنْ نَبعثَه بجمع الموادِّ المتفرِّقة وإيجادِ مثلِ ما كان فيها من الأعراض أَوْلى وأظهرُ، فما له لا يذكُره فيقعَ فيما يقع فيه من النكير ! وقرئ يذّكّر ويتذكر على الأصل.

### الآية 19:68

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [19:68]

فَوَرَبّكَ  إقسامُه باسمه عزّت أسماؤه مضافاً إلى ضميره عليه السلام لتحقيق الأمرِ بالإشعار بعلّيته وتفخيمِ شأنِه عليه الصلاة والسلام ورفع منزلتِه  لَنَحْشُرَنَّهُمْ  لنجمعَن القائلين بالسَّوق إلى المحشر بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياءً، ففيه إثباتٌ للبعث بالطريق البرهانيّ على أبلغ وجهٍ وآكَدِه كأنه أمرٌ واضحٌ غنيٌّ عن التصريح به، وإنما المحتاجُ إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال  والشياطين  معطوفٌ على الضمير المنصوبِ أو مفعول معه. روي أن الكفرةَ يُحشرون مع قرنائهم من الشياطين التي كانت تُغْويهم، كلٌّ منهم مع شيطانه في سلسلة، وهذا وإن كان مختصاً بهم لكن ساغ نسبتُه إلى الجنس باعتبار أنهم لما حُشروا وفيهم الكفرةُ مقرونين بالشياطين فقد حشروا معهم جميعاً كما ساغ نسبةُ القولِ إلى المحكيّ إليه مع كون القائل بعضَ أفراده  ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً  ليرى السعداءُ ما نجاهم الله تعالى منه فيزدادوا غِبطةً وسروراً وينالَ الأشقياءُ ما ادخّروا لِمَعادهم عُدّةً ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتِهم بهم، والجِثيُّ جمع جاثٍ من جثا إذا قعد على ركبتيه، وأصلُه جُثُوْوٌ بواوين فاستُثقل اجتماعُهما بعد ضمتين فكسرت الثاءُ للتخفيف فانقلبت الواوُ ياءً وأُدغمت فيها الياء الأولى وكُسرت الجيم إتباعاً لما بعدها وقرئ بضمها، ونصبُه على الحالية من الضمير البارز أي لنُحضرنهم حول جهنم جاثين على رُكَبهم لما يدهَمُهم من هول المطلَعِ أو لأنه من توابع التواقُفِ للحساب قبل التواصُل إلى الثواب والعقاب، فإن أهلَ الموقف جاثون كما ينطِق به قوله تعالى : وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً  على ما هو المعتادُ في مواقف التقاول، وإن كان المرادُ بالإنسان الكفرةَ فلعلهم يساقون من الموقف إلى شاطئ جهنم جُثاةً إهانةً بهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من الشدة.

### الآية 19:69

> ﻿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا [19:69]

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ  أي من كل أمةٍ شايعت ديناً من الأديان  أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً  أي مَنْ كان منهم أعصى و أعتى فنطرَحهم فيها، وفي ذكر الأشدّ تنبيهٌ على أنه تعالى يعفو عن بعضٍ من أهل العصيان. وعلى تقدير تفسير الإنسانِ بالكفرة فالمعنى إنا نميز من كل طائفةٍ منهم أعصاهم فأعصاهم وأعتاهم فأعتاهم فنطرحهم في النار على الترتيب أو نُدخل كلاًّ منهم طبقتَها اللائقةَ به. وأيُّهم مبنيٌّ على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يُبنى كسائر الموصولاتِ لكنه أُعرب حملاً على كلٍ وبعض للزوم الإضافة، وإذا حُذف صدرُ صلتِه زاد نقصُه فعاد إلى حقه، وهو منصوبُ المحل بننزعنّ ولذلك قرئ منصوباً، ومرفوعٌ عند غيره بالابتداء على أنه استفهاميٌّ وخبرُه أشدُّ والجملةُ محكيةٌ، والتقديرُ لننزعَنّ من كل شيعةٍ الذين يقال لهم أيُّهم أشدُّ، أو مُعلّقٌ عنها لننزعن لتضمّنه معنى التمييزِ اللازمِ للعلم، أو مستأنفةٌ والفعل واقعٌ على كل شيعة كقوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا  و ( على ) للبيان فيتعلق بمحذوف كأنّ سائلاً قال : على مَنْ عتَوا ؟ فقيل : على الرحمن، أو متعلقٌ بأفعل وكذا الباءُ في قوله تعالى  ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً  أي هم أولى بالنار وهم المنتزَعون، ويجوز أن يراد بهم وبأشدِّهم عِتيًّا رؤساءُ الشِيَع فإن عذابَهم مضاعفٌ لضلالهم وإضلالهم، والصِّليُّ كالعِتيّ صيغةً وإعلالاً وقرئ بضم الصاد. .

### الآية 19:70

> ﻿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا [19:70]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٩: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ  أي من كل أمةٍ شايعت ديناً من الأديان  أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً  أي مَنْ كان منهم أعصى و أعتى فنطرَحهم فيها، وفي ذكر الأشدّ تنبيهٌ على أنه تعالى يعفو عن بعضٍ من أهل العصيان. وعلى تقدير تفسير الإنسانِ بالكفرة فالمعنى إنا نميز من كل طائفةٍ منهم أعصاهم فأعصاهم وأعتاهم فأعتاهم فنطرحهم في النار على الترتيب أو نُدخل كلاًّ منهم طبقتَها اللائقةَ به. وأيُّهم مبنيٌّ على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يُبنى كسائر الموصولاتِ لكنه أُعرب حملاً على كلٍ وبعض للزوم الإضافة، وإذا حُذف صدرُ صلتِه زاد نقصُه فعاد إلى حقه، وهو منصوبُ المحل بننزعنّ ولذلك قرئ منصوباً، ومرفوعٌ عند غيره بالابتداء على أنه استفهاميٌّ وخبرُه أشدُّ والجملةُ محكيةٌ، والتقديرُ لننزعَنّ من كل شيعةٍ الذين يقال لهم أيُّهم أشدُّ، أو مُعلّقٌ عنها لننزعن لتضمّنه معنى التمييزِ اللازمِ للعلم، أو مستأنفةٌ والفعل واقعٌ على كل شيعة كقوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا  و ( على ) للبيان فيتعلق بمحذوف كأنّ سائلاً قال : على مَنْ عتَوا ؟ فقيل : على الرحمن، أو متعلقٌ بأفعل وكذا الباءُ في قوله تعالى  ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً  أي هم أولى بالنار وهم المنتزَعون، ويجوز أن يراد بهم وبأشدِّهم عِتيًّا رؤساءُ الشِيَع فإن عذابَهم مضاعفٌ لضلالهم وإضلالهم، والصِّليُّ كالعِتيّ صيغةً وإعلالاً وقرئ بضم الصاد.. ---

### الآية 19:71

> ﻿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [19:71]

وَإِن مّنكُمْ  التفاتٌ لإظهار مزيدِ الاعتناءِ بمضمون الكلامِ، وقيل : هو خطابٌ للناس من غير التفاتٍ إلى المذكور، ويؤيد الأولَ أنه قرئ وإن منهم أي منكم أيها الإنسانُ  إِلاَّ وَارِدُهَا  أي واصلُها وحاضرٌ دونها يمرّ بها المؤمنون وهي خامدةٌ وتنهار بغيرهم. وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال :**« إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قال بعضُهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا أن نرِدَ النار ؟ فيقال لهم : قد وردتُموها وهي خامدةٌ »** وأما قولُه تعالى : أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  فالمرادُ الإبعادُ عن عذابها، وقيل : ورودُها الجوازُ على الصراط الممدودِ عليها  كَانَ  أي ورودُهم إياها  على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً  أي أمراً محتوماً أوجبه الله عز وجل على ذاته وقضى أنه لا بد من وقوعه البتةَ، وقيل : أقسم عليه.

### الآية 19:72

> ﻿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [19:72]

ثُمَّ نُنَجّي الذين اتقوا  الكفرَ والمعاصيَ مما كانوا عليه من حال الجُثُوّ على الركب على الوجه الذي سلف فيُساقون إلى الجنة، وقرئ نُنْجي بالتخفيف ويُنْجي، وينجَى على البناء للمفعول، وقرئ ثَمةَ نُنجّي بفتح الثاء أي هناك ننجيهم  وَّنَذَرُ الظالمين  بالكفر والمعاصي  فِيهَا جِثِيّاً  منهاراً بهم كما كانوا، قيل : فيه دليلٌ على أن المراد بالورود الجثُوُّ حواليها وأن المؤمنين يفارقون الفجرةَ بعد تجاثيهم حولها ويُلقى الفجرةُ فيها على هيئاتهم.

### الآية 19:73

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [19:73]

وقوله تعالى : وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ  الآية إلى آخرها حكايةٌ لما قالوا عند سماعِ الآياتِ الناعية عليهم فظاعةَ حالِهم ووخامةَ مآلِهم، أي وإذا تتلى على المشركين  آياتنا  التي من جملتها هاتيك الآياتُ الناطقةُ بحسن حالِ المؤمنين وسوءِ حال الكفرةِ وقوله تعالى : بينات  أي مِرتّلاتِ الألفاظ مبيَّناتِ المعاني بنفسها أو ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام أو بيِّناتِ الإعجاز، حالٌ مؤكدةٌ من آياتنا  قَالَ الذين كَفَرُواْ  أي قالوا، ووضعُ الموصولِ موضعَ الضمير للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادّين له، أو قال الذين مرَدوا منهم على الكفر ومرَنوا على العتوّ والعِناد وهم النضْرُ بنُ الحارثِ وأتباعُه الفجرةُ واللام في قوله تعالى : لِلَّذِينَ آمَنُواْ  للتبليغ كما في مثل قوله تعالى : وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ  وقيل : لامُ الأجْل كما في قوله تعالى : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ  أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، والأولُ هو الأولى لأن قَبولَهم ليس في حق المؤمنين فقط كما ينطِق به قوله تعالى : أي الفريقين  أيُّ المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا : أينا  خَيْرٌ  نحن أو أنتم  مَقَاماً  أي مكاناً، وقرئ بضم الميم أي موضِعَ إقامةٍ ومنزلٍ  وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  أي مجلِساً ومجتمَعاً. يروى أنهم كانوا يرجّلون شعورَهم ويدهنونها ويتطيبون ويتزينون بالزينة الفاخرةِ ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين، يريدون بذلك أن خيريّتَهم حالاً وأحسنيّتَهم مآلاً مما لا يقبل الإنكارَ وأن ذلك لكرامتهم على الله سبحانه وزُلْفاهم عنده، إذ هو العيارُ على الفضل والنقصانِ والرفعة والضَّعة وأن من ضرورته هوانَ المؤمنين عليه تعالى لقصور حظِّهم العاجلِ، وما هذا القياسُ العقيمُ والرأيُ السقيم إلا لكونهم جهَلةً لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وذلك مبلغُهم من العلم فرُدَّ عليهم ذلك من جهته تعالى بقوله : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا .

### الآية 19:74

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [19:74]

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا  أي كثيراً من القرون التي كانت أفضلَ منهم فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم من الأمم العاتيةِ قبل هؤلاء أهلكناهم بفنون العذاب، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا بهم ما فعلنا، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى، كأنه قيل : فلينتظِرْ هؤلاءِ أيضاً مثلَ ذلك ( فكم ) مفعولُ أهلكنا و ( من قرن ) بيانٌ لإبهامها، وأهلُ كل عصرٍ قَرنٌ لمن بعدهم لأنهم يتقدّمونهم، مأخوذٌ من قَرْن الدابة وهو مقدّمها وقوله تعالى : هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً  في حيز النصبِ على أنه صفةٌ لِكم وأثاثاً تمييزُ النسبة وهو متاعُ البيت، وقيل : هو ما جدّ منه، والخُرْثيُّ ما لُبس منه ورثّ والرِئْيُ المنظرُ، فِعْلٌ من الرؤية لما يُرَى، كالطِّحْن لما يُطحَن، وقرئ رِيًّا على قلب الهمزة ياءً وإدغامِها أو على أنه من الرِّيّ وهو النعمةُ والتُّرفةُ، وقرئ ريئاً على القلب ورِيَا بحذف الهمزة وزَيا بالزاي المعجمة من الزَّيّ وهو الجمعُ فإنه عبارةٌ عن المحاسن المجموعة.

### الآية 19:75

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا [19:75]

قُلْ مَن كَانَ في الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً  لما بيّن عاقبةَ أمرِ الأمم المهلَكة مع ما كان لهم من التمتع بفنون الحظوظِ العاجلة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب هؤلاء المفتخِرين بما لهم من الحظوظ ببيان مآلِ أمر الفريقين، إما على وجه كليَ متناولٍ لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللَّذة الفانية المبتهجين بها على أن ( مَن ) على عمومها، وإما على وجه خاصَ بهم على أنهم عبارةٌ عنهم ووصفُهم بالتمكن لذمهم والإشعارِ بعلة الحُكم، أي مَنْ كان مستقراً في الضلالة مغموراً بالجهل والغَفلةِ عن عواقب الأمورِ فليمدُد له الرحمن أي يمُدّ له ويُمهِله بطول العمُرِ وإعطاءِ المال والتمكينِ من التصرفات، وإخراجُه على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحِكمة لقطع المعاذير كما ينبئ عنه قوله عز وجل : أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ  أو للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى : إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً  وقيل : المرادُ به الدعاءُ بالمد والتنفيس، واعتبارُ الاستقرارِ في الضلال لما أن المد لا يكون إلا للمُصِرّين عليها إذ رُبّ ضالَ يهديه الله عز وجل، والتعرضُ لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكام الرحمة الدنيوية، وقوله تعالى :
 حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ  غايةٌ للمدّ الممتدِّ لا لقول المفتخِرين كما قيل، إذ ليس فيه امتدادٌ بحسب الذات وهو ظاهرٌ ولا استمرارٌ بحسب التكرار لوقوعه في حيّز جوابِ إذا، وجمعُ الضمير في الفعلين باعتبار معنى مَنْ كما أن الإفرادَ في الضميرين الأولين باعتبار لفظِها وقوله تعالى : إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة  تفصيلٌ للموعود بدلٌ منه على سبيل البدل فإنه إما العذابُ الدنيويُّ بغلَبة المسلمين واستيلائِهم عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسْراً، وإما يومُ القيامة وما لهم فيه من الخزي والنَّكالُ على منع الخلوّ دون منع الجمعِ، فإن العذابَ الأخرويَّ لا ينفك عنهم بحال وقوله تعالى : فَسَيَعْلَمُونَ  جوابُ الشرط والجملةُ محكيةٌ بعد حتى، أي حتى إذا عاينوا ما يوعَدون من العذاب الدنيويِّ أو الأخرويِّ فقط فسيعلمون حينئذ  مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً  من الفريقين بأن يشاهدوا الأمرَ على عكس ما كانوا يقدّرونه فيعلمون أنهم شرٌ مكاناً لا خيرٌ مقاماً  وَأَضْعَفُ جُنداً  أي فئةً وأنصاراً لا أحسنُ ندِياً كما كانوا يدّعونه، وليس المرادُ أن له ثمّةَ جنداً ضعفاءَ كلا  وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً  وإنما ذُكر ذلك رداً لما كانوا يزعمون أن لهم أعواناً من الأعيان وأنصاراً من الأخيار ويفتخرون بذلك في الأندية والمحافل.

### الآية 19:76

> ﻿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [19:76]

وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى  كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حال المهتدين إثرَ بيانِ حال الضالين، وقيل : عطفٌ على فليمدُدْ لأنه في معنى الخبر حسبما عرفته كأنه قيل : مَن كان في الضلالة يمُده الله ويزيد المهتدين هدايةً كقوله تعالى : والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  وقيل : عطفٌ على الشرطية المحكية بعد القول كأنه لما بين أن إمهالَ الكافر وتمتيعَه بالحياة ليس لفضله عقّب ذلك ببيان أن قصورَ حظّ المؤمنِ منها ليس لنقصه، بل لأنه تعالى أراد به ما هو خيرٌ من ذلك وقوله تعالى : والباقيات الصالحات خَيْرٌ  على تقديرَي الاستئنافِ والعطف كلامٌ مستأنفٌ وارد من جهته تعالى لبيان فضل أعمالِ المهتدين غيرُ داخل في حيز الكلام الملقّن لقوله تعالى : عِندَ رَبّكَ  أي الطاعات التي تبقى فوائدُها وتدوم عوائدُها ومن جملتها ما قيل من الصلوات الخمس، وما قيل من قول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خيرٌ عند الله تعالى، والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره لتشريفه عليه السلام  ثَوَاباً  أي عائدةً مما يَتمتّع به الكفرةُ من النعم المُخدَجةِ[(١)](#foonote-١) الفانية التي يفتخرون بها لاسيما ومآلُها النعيمُ المقيمُ، ومآلُ هذه الحسرةِ السرمدية والعذاب الأليم كما أشير إليه بقوله تعالى : وَخَيْرٌ مَّرَدّاً  أي مرِجعاً وعاقبةً، وتكريرُ الخيرِ لمزيد الاعتناءِ ببيان الخيريةِ وتأكيدٌ لها وفي التفصيل مع أن ما للكفرة بمعزل من أن يكون له خيريّةٌ في العاقبة تهكّمٌ بهم. 
١ نعمة مخدجة: ناقصة. ولعل نقصها متأت من كونها فانية..

### الآية 19:77

> ﻿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [19:77]

أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بآياتنا  أي بآياتنا التي من جملتها آياتُ البعث، نزلت في العاص بنِ وائلٍ كان لخبّابٍ بنِ الأرتّ عليه مالٌ فاقتضاه فقال : لا، حتى تكفرَ بمحمد، قال : لا والله لا أكفرُ به حياً ولا ميْتاً ولا حين بُعِثتُ، قال : فإذا بُعثت جئني فيكونُ لي ثمّةَ مالٌ وولدٌ فأعطِيَك، وفي رواية قال : لا أكفر به حتى يُميتك ثم تُبعثَ، فقال : إني لميِّتٌ ثم مبعوثٌ ؟ قال : نعم، قال : دعني حتى أموتَ وأُبعث فسأوتى مالاً وولداً فأقضيَك فنزلت. فالهمزةُ للتعجيب من حاله والإيذانِ بأنها من الغرابة والشناعةِ بحيث يجب أن تُرى ويُقضَى منها العجب، ومن فرّق بين ألم ترَ و أرأيتَ بعد بيان اشتراكِهما في الاستعمال لقصد التعجيبِ بأن الأولَ يعلّق بنفس المتعجبِ منه، فيقال : ألم ترَ إلى الذي صنع كذا بمعنى انظُرْ إليه فتعجَّبْ من حاله، والثاني يعلّق بمثل المتعجَّب منه، فيقال : أرأيتَ مثْلَ الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يُرى له مِثْلٌ فقد حفِظ شيئاً وغابت عنه أشياءُ، وكأنه ذهب عليه قوله عز وجل : أرأيت الذي يُكَذّبُ بالدين  والفاءُ للعطف على مقدّر يقتضيه المقام أي أنظَرْتَ فرأيتَ الذي كفر بآياتنا الباهرةِ التي حقُّها أن يؤمِنَ بها كلُّ من يشاهدها  وَقَالَ  مستهزئاً بها مصدّراً لكلامه باليمين الفاجرةِ : والله  لأُوتَيَنَّ  في الآخرة  مَالاً وَوَلَدًا  أي انظُر إليه فتعجّبْ من حالته البديعةِ وجُرْأتِه الشنيعة، هذا هو الذي يستدعيه جزالةُ النظمِ الكريم وقد قيل : إن أرأيت بمعنى أخبِرْ والفاءُ على أصلها والمعنى أخبِرْ بقصة هذا الكافرِ عقيبَ حديثِ أولئك الذين قالوا :
 أي الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً  الآية، وأنت خبيرٌ بأن المشهورَ استعمالُ أرأيت في معنى أخبرني بطريق الاستفهامِ جارياً على أصله أو مُخْرَجاً إلى ما يناسبه من المعاني لا بطريق الأمر بالإخبار لغيره، وقرئ وُلْداً على أنه جمع وَلد كأُسْد جمعُ أسد أو على لغة فيه كالعُرْب والعَرَب.

### الآية 19:78

> ﻿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:78]

وقوله تعالى : اطَّلَعَ الغيب  ردٌّ لكلمته الشنعاء وإظهارٌ لبطلانها إثرَ ما أشير إليه من التعجب منها، أي قد بلغ من عظمة الشأنِ إلى أن قد ارتقى إلى علم الغيب الذي يستأثر به العليمُ الخبير حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالاً وولداً وأقسم عليه  أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً  بذلك فإنه لا يُتوصَّل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين، والتعرضُ لعنوان الرحمانية للإشعار بعلية الرحمةِ لإيتاء ما يدّعيه، وقيل : العهدُ كلمةُ الشهادة، وقيل : العملُ الصالح فإن وعدَه تعالى بالثواب عليهما كالعهد وهذا مجاراةٌ مع اللعين بحسب منطوقِ مقالِه كما أن كلامَه مع خبّاب كان كذلك.

### الآية 19:79

> ﻿كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا [19:79]

وقوله تعالى : كَلاَّ  ردعٌ له عن التفوّه بتلك العظيمةِ وتنبيهٌ على خطْأته  سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ  أي سنُظهر أنا كتبنا قوله، كقوله :

إذا ما انتسبْنا لم تلِدْني لئيمةٌ  \[ ولم تجدني من أن تقري بها بدا \][(١)](#foonote-١)أي يتبينُ أني لم تلدني لئيمة، أو سننتقم منه انتقامَ مَنْ كتب جريمةَ الجاني وحفِظها عليه، فإن نفسَ الكَتَبة لا تكاد تتأخر عن القول، كقوله عز وعلا : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  فمبنى الأولِ تنزيلُ إظهارِ الشيءِ الخفيِّ منزلةَ إحداثِ الأمرِ المعدومِ بجامع أن كلاًّ منهما إخراجٌ من الكمُون إلى البروز فيكون استعارةً تبعيةً مبنية على تشبيه إظهارِ الكتابةِ على رؤوس الأشهاد بإحداثها، ومدارُ الثاني تسميةُ الشيء باسم سببِه فإن كتابةَ جريمةِ المجرمِ سببٌ لعقوبته قطعاً  وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً  مكانَ ما يدّعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد، أي نطوّل له من العذاب ما يستحقه أو نزيد عذابه ونضاعفه له لكُفره وافترائِه على الله سبحانه وتعالى واستهزائِه بآياته العِظام، ولذلك أُكّد بالمصدر دَلالةً على فرط الغضب. 
١ البيت لزائد بن صعصعة الفقعسي في حاشية الأمير علي المغني ١/٢٥؛ وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٢٠٥؛ وشرح شذور الذهب ص ٤٤٠؛ وشرح شواهد المغني ص ٨٩؛ ومغني اللبيب ص ٢٦..

### الآية 19:80

> ﻿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [19:80]

وَنَرِثُهُ  بموته  مَا يَقُولُ  أي مسمَّى ما يقول ومصداقَه وهو ما أوتيه في الدنيا من المال والولد، وفيه إيذانٌ بأنه ليس لما يقوله مصداقٌ موجودٌ سوى ما ذكر أي ننزِع عنه ما آتيناه  وَيَأْتِينَا  يوم القيامة  فَرْداً  لا يصحبه مالٌ ولا ولدٌ كان له في الدنيا فضلاً أن يؤتى ثمةَ زائداً، وقيل : نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ونعطيه ما يستحقه ويأباه معنى الإرث، وقيل : المرادُ بما يقول نفسُ القول المذكور لا مسمّاه، والمعنى إنما يقول هذا القولَ ما دام حياً فإذا قبضناه حُلْنا بينه وبين أن يقوله ويأتينا رافضاً له منفرداً عنه، وأنت خبير بأن ذلك مبنيٌّ على أن صدورَ القول المذكورِ عنه بطريق الاعتقادِ وأنه مستمرٌّ على التفوّه به راجٍ لوقوع مضمونِه، ولا ريب في أن ذلك مستحيلٌ ممن كفر بالبعث وإنما قال ما قال بطريق الاستهزاء وتعليقِ أداءِ دَيْنه بالمُحال.

### الآية 19:81

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [19:81]

واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً  حكايةٌ لجناية عامةٍ للكل مستتبِعةٌ لضدّ ما يرجُون ترتّبه عليها إثرَ حكاية مقالةِ الكافرِ المعهودِ واستتباعِها لنقيض مضمونِها، أي اتخذوا الأصنامَ آلهةً متجاوزين الله تعالى  لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  أي ليُعزَّزوا بهم بأن يكونوا لهم وصلةً إليه عز وجل وشفعاءَ عنده.

### الآية 19:82

> ﻿كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [19:82]

كَلاَّ  ردعٌ لهم عن ذلك الاعتقادِ وإنكارٌ لوقوع ما علّقوا به أطماعَهم الفارغة  سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم  أي ستجحد الآلهةُ بعبادتهم لها بأن يُنطِقَها الله تعالى وتقولَ : ما عبدتمونا، أو سينكر الكفرةُ حين شاهدوا سوءَ عاقبة كفرهم عبادتَهم لها كما في قوله تعالى : والله رَبّنَا مَا كُنا مُشْرِكِينَ  ومعنى قوله تعالى : وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً  على الأول تكون الآلهةُ التي كانوا يرجون أن تكون عِزاً ضدّاً للعز أي ذلاً وهُوناً، أو تكون عوناً عليهم وآلةً لعذابهم حيث تُجعل وَقودَ النار وحصَبَ جهنم، أو حيث كانت عبادتُهم لها سبباً لعذابهم، وإطلاقُ الضدِّ على العَون لما أن عَونَ الرجل يُضادُّ عدوَّه وينافيه بإعانته له عليه، وعلى الثاني يكون الكفرةُ ضداً وأعداءً للآلهة كافرين بها بعد أن كانوا يحبونها كحب الله ويعبُدونها. وتوحيدُ الضدِّ لوَحدة المعنى الذي عليه تدور مُضادّتُهم فإنهم بذلك كشيء واحدٍ كما في قوله عليه السلام :**« وهم يدٌ على مَنْ سواهم »** وقرئ كَلاًّ بفتح الكاف والتنوين على قلب الألفِ نوناً في الوقف قلْبَ ألفِ الإطلاق في قوله :\[ الوافر \]أقِليِّ اللومَ عاذِلَ والعِتابَن  وقولي إن أصبتُ لقد أصابنْ[(١)](#foonote-١)أو على معنى كَلَّ هذا الرأيُ كلاًّ، وقرئ كلاّ على إضمار فعل يفسّره ما بعده أي سيجحدون، كلاّ سيكفرون الخ. 
١ البيت لجرير في ديوانه ص ٨١٣؛ وخزانة الأدب ١/٦٩؛ والخصائص ٢/٦؛ والدرر ٥/١٧٦؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/٣٤٨؛ وسر صناعة الإعراب ص ٤٧١؛ وشرح الأشموني ١/١٢، وشرح شواهد المغني ٢/٧٦٢؛ وشرح المفصل ٩/٢٩؛ والكتاب ٤/٢٠٥؛ والمقاصد النحوية ١/٩١؛ وهمع الهوامع ٢/٨٠..

### الآية 19:83

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [19:83]

أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين  تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما نطَقت به الآياتُ الكريمةُ السالفةُ وحكتْه عن هؤلاء الكفرةِ الغُواة والمَرَدةِ العُتاةِ من فنون القبائِح من الأقاويل والأفاعيلِ، والتمادي في الغي، والانهماكِ في الضلال، والإفراطِ في العِناد، والتصميمِ على الكفر من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يثنيهم، والإجماعِ على مدافعة الحقّ بعد اتضاحِه وانتفاءِ الشك عنه بالكلية، وتنبيهٌ على أن جميعَ ذلك منهم بإضلال الشياطينِ وإغوائِهم لا لأن مسوِّغاً ما في الجملة، ومعنى إرسالِ الشياطينِ عليهم إما تسليطُهم عليهم وتمكينُهم من إضلالهم وإما تقييضُهم لهم، وليس المرادُ تعجيبَه عليه السلام من إرسالهم عليهم كما يوهمه تعليقُ الرؤية به، بل مما ذُكر من أحوال الكفرةِ من حيث كونُها من آثار إغواءِ الشياطينِ كما ينبئ عنه قوله تعالى : تَؤُزُّهُمْ أَزّاً  فإنه إما حالٌ مقدّرةٌ من الشياطين أو استئنافٌ وقع جواباً عما نشأ من صدر الكلامِ، كأنه قيل : ماذا يفعل الشياطينُ بهم حينئذ ؟ فقيل : تؤزّهم أي تُغريهم وتُهيّجهم على المعاصي تهييجاً شديداً بأنواع الوساوسِ والتسويلات، فإن الأزَّ والهزّ والاستفزازَ أخواتٌ معناها شدةُ الإزعاج.

### الآية 19:84

> ﻿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [19:84]

فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ  أي بأن يُهلَكوا حسبما تقتضيه جناياتُهم ويَبيدوا عن آخرهم وتطهُرَ الأرض من فساداتهم، والفاء للإشعار بكون ما قبلها مَظِنّةً لوقوع المنهيِّ مُحوِجةً إلى النهي كما في قوله تعالى : إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة  وقوله تعالى : إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً  تعليلٌ لموجب النهي ببيان اقترابِ هلاكهم أي لا تستعجلْ بهلاكهم فإنه لم يبقَ لهم إلا أيامٌ وأنفاسٌ نعدّها عداً.

### الآية 19:85

> ﻿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا [19:85]

يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين  منصوبٌ على الظرفية بفعل مؤخّرٍ قد حُذف للإشعار بضيق العبارةِ عن حصره وشرحِه لكمال فظاعةِ ما يقع فيه من الطامّة والدواهي العامة، كأنه قيل : يوم نحشر المتقين أي نجمعهم  إِلَى الرحمن  إلى ربهم الذي يغمرُهم برحمته الواسعة  وَفْداً  وافدين عليه كما يفد الوفودُ على الملوك منتظِرين لكرامتهم وإنعامِهم.

### الآية 19:86

> ﻿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا [19:86]

وَنَسُوقُ المجرمين  كما تُساق البهائم  إلى جَهَنَّمَ وِرْداً  عِطاشاً فإن مَنْ يرد الماءَ لا يورِدُه إلا العطشُ، أو كالدوابّ التي ترِد الماءَ نفعل بالفريقين من الأفعال ما لا يخفى ببيانه نطاقُ المقال، وقيل : منصوبٌ على المفعولية بمضمر مقدمٍ خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أي اذكر لهم بطريق الترغيبِ والترهيبِ يوم نحشر الخ، وقيل : على الظرفية لقوله تعالى : لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا .

### الآية 19:87

> ﻿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [19:87]

لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة  والذي يقتضيه مقامُ التهويلِ وتستدعيه جزالةُ التنزيل أن ينتصبَ بأحد الوجهين الأولَين ويكونُ هذا استئنافاً مبيناً لبعض ما فيه من الأمور الدالةِ على هوله، وضميرُه عائداً إلى العباد المدلولِ عليهم بذكر الفريقين لانحصارهم فيهما، وقيل : إلى المتقين خاصة، وقيل : إلى المجرمين من الكفرة وأهلِ الإسلام، والشفاعةُ على الأولين مصدرٌ من المبنيّ للفاعل وعلى الثالث ينبغي أن تكون مصدراً من المبنيّ للمفعول وقوله تعالى : إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً  على الأول استثناءٌ متصلٌ مِن لا يملكون، ومحلُّ المستثنى إما الرفعُ على البدل أو النصبُ على أصول الاستثناءِ والمعنى لا يملك العبادُ أن يشفعوا لغيرهم إلا من استعَدّ له بالتحلّي بالإيمان والتقوى أو من أُمر بذلك، من قولهم : عهدِ الأميرُ إلى فلان بكذا إذا أمرَه به، فيكون ترغيباً للناس في تحصيل الإيمانِ والتقوى المؤدِّي إلى نيل هذه الرتبةِ، وعلى الثاني استثناءٌ من الشفاعة على حذف المضافِ والمستثنى منصوبٌ على البدل أو على أصل الاستثناءِ، أي لا يملك المتقون الشفاعةَ إلا شفاعةَ من اتخذ العهد بالإسلام فيكون ترغيباً في الإسلام، وعلى الثالث استثناءٌ مِنْ لا يملكون أيضاً والمستثنى مرفوعٌ على البدل أو منصوبٌ على الأصل والمعنى لا يملك المجرمون أن يَشفع لهم إلا مَنْ كان منهم مسلماً.

### الآية 19:88

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا [19:88]

وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً  حكايةٌ لجناية اليهودِ والنصارى ومن يزعُم من العرب أن الملائكةَ بناتُ الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً إثرَ حكاية عبَدةِ الأصنام بطريق عطفِ القصة على القصة.

### الآية 19:89

> ﻿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [19:89]

وقوله تعالى : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً  ردٌّ لمقالتهم الباطلةِ وتهويلٌ لأمرها بطريق الالتفاتِ المنبئ عن كمال السخطِ وشدةِ الغضب المُفصِح عن غاية التشنيعِ والتقبيحِ، وتسجيلٌ عليهم بنهاية الوقاحةِ والجهل والجراءة، والإدُّ بالكسر والفتح العظيمُ المنكر، والإدّةُ الشدةُ وأدَني الأمرُ وآدَني أثقلني وعظُم عليّ، أي فعلتم أمراً منكراً شديداً لا يقادَر قدرُه، فإن جاء وأتى يستعملان في معنى فعَلَ فيُعدَّيان تعدِيتَه.

### الآية 19:90

> ﻿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [19:90]

وقوله تعالى : تَكَادُ السماوات  الخ، صفةٌ لإدًّا أو استئنافٌ لبيان عِظَم شأنه في الشدة والهول، وقرئ يكاد بالتذكير  يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ  يتشقّقن مرةً بعد أخرى من عِظم ذلك الأمر، وقرئ ينفطرْن والأولُ أبلغُ لأن تفعّل مطاوِعُ فعّل، وانفعلَ مطاوعُ فَعَل ولأن أصل التفعّل التكلف. 
 وَتَنشَقُّ الأرض  أي تكاد وتنشقّ الأرض  وَتَخِرُّ الجبال  أي تسقُط وتتهدم، وقوله تعالى : هَدّاً  مصدرٌ مؤكّدٌ لمحذوف هو حالٌ من الجبال أي تُهدّ هدًّا أو مصدرٌ من المبنيّ للمفعول مؤكّدٌ لتخِرُّ على غير المصدر لأنه حينئذ بمعنى التهدّم والخرُور، كأنه قيل : وتخِرّ الجبال خروراً أو مصدرٌ بمعنى المفعول منصوبٌ على الحالية أي مهدودةً، أو مفعول له أي لأنها تُهَدّ، وهذا تقريرٌ لكونه إدًّا والمعنى أن هَولَ تلك الكلمةِ الشنعاءِ وعِظمَها بحيث لو تَصوّرتْ بصورة محسوسة لم تُطِقْ بها هاتيك الأجرامُ العِظامُ وتفتتت من شدتها أو أن فظاعتَها في استجلاب الغضَبِ واستيجابِ السَّخَط بحيث لولا حِلْمُه تعالى لخُرِّب العالمُ وبُدِّدت قوائمُه غضباً على من تفوه بها.

### الآية 19:91

> ﻿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا [19:91]

أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً  منصوبٌ على حذف اللام المتعلقةِ بتكاد أو مجرورٌ بإضمارها، أي تكاد السماوات يتفطرّن والأرضُ تنشق والجبالُ تخِرّ لأَن دعَوا له سبحانه ولداً، وقيل : اللامُ متعلقةٌ بهدًّا، وقيل : الجملةُ بدلٌ من الضمير المجرورِ في منه كما في قوله :\[ الطويل \]\[ على حالة لو أن في القوم حاتما \]  على جوده لضنّ بالماء حاتِمُ[(١)](#foonote-١)وقيل : خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي الموجبُ لذلك أنْ دعوا الخ، وقيل : فاعلُ هدًّا أي هدّها دُعاءُ الولد، والأولُ هو الأولى ودعَوا من دعا بمعنى سمَّى المتعدّي إلى مفعولين، وقد اقتُصر على ثانيهما ليتناولَ كل ما دُعيَ له ولداً، أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعُه ادّعى إلى فلان أي انتسب إليه. 
١ البيت للفرزدق في ديوانه ٢/٢٩٧؛ ولسان العرب (حتم)؛ والمقاصد النحوية ٤/١٨٦؛ وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص ٣١٧؛ وشرح المفصل ٣/٦٩؛ واللمع ص ١٧٤..

### الآية 19:92

> ﻿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [19:92]

وقوله تعالى : وَمَا ينبغي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً  حالٌ من فاعل قالوا أو دعَوا، مقرّرةٌ لبطلان مقالتهم واستحالةِ تحقق مضمونها، أي قالوا : اتخذ الرحمن ولداً أو أنْ دَعوا للرحمن ولداً، والحال أنه ما يليق به تعالى اتخاذُ الولد ولا يُتطلب له لو طُلب مثلاً لاستحالته في نفسه، ووضعُ الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلة الحُكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمةٌ أو مُنعَمٌ عليه، فكيف يتسنى أن يجانس من هو مبدأُ النعمِ ومولى أصولِها وفروعِها حتى يتوهَّم أن يتخذه ولداً ؟ وقد صرح له قومٌ به عز قائلاً : إِن كُلُّ مَن في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا .

### الآية 19:93

> ﻿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا [19:93]

إِن كُلُّ مَن في السماوات والأرض  أي ما منهم أحدٌ من الملائكة والثقلين  إِلاَّ آتى الرحمن عَبْداً  إلا وهو مملوكٌ له يأوي إليه بالعبودية والانقيادِ، وقرئ آتٍ الرحمن على الأصل.

### الآية 19:94

> ﻿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [19:94]

لَّقَدْ أحصاهم  أي حصَرهم وأحاط بهم بحيث لا يكاد يخرج منهم أحدٌ من حِيطة علمِه وقبضة قدرتِه وملكوتِه  وَعَدَّهُمْ عَدّاً  أي عد أشخاصَهم وأنفاسَهم وأفعالَهم وكلُّ شيء عنده بمقدار.

### الآية 19:95

> ﻿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [19:95]

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً  أي كلُّ واحدٍ منهم آتٍ إياه تعالى منفرداً من الأتباع والأنصار، وفي صيغة الفاعلِ من الدِلالة على إتيانهم كذلك البتةَ ما ليس في صيغة المضارعِ لو قيل : يأتيه، فإذا كان شأنُه تعالى وشأنُهم كما ذكر فأنى يُتوهم احتمالُ أن يتخذ شيئاً منهم ولداً ! !

### الآية 19:96

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا [19:96]

إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  لما فُصّلت قبائحُ أحوالِ الكفرة عُقّب ذلك بذكر محاسنِ أحوالِ المؤمنين  سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً  أي سيُحدث لهم في القلوب مودّةً من غير تعرضٍ منهم لأسبابها سوى ما لهم من الإيمان والعملِ الصالحِ، والتعرضُ لعنوان الرحمانيةِ لِما أن الموعودَ من آثارها. وعن النبي عليه الصلاة والسلام :**« إذا أحبّ الله عبداً يقول لجبريلَ عليه السلام : إني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه، فيُحِبّه جبريل ثم ينادي في أهل السماء : إن الله أحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهلُ السماء ثم يوضع له المحبةُ في الأرض »**. والسينُ لأن السورةَ مكيةٌ وكانوا إذ ذاك ممقوتين بين الكفرة فوعدهم ذلك ثم أنجزه حين ربا الإسلامُ، أو لأن الموعودَ في القيامة حين تُعرض حسناتُهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغِلّ الذي كان في الدنيا، ولعل إفرادَ هذا بالوعد من بين ما سيُؤْتَون يوم القيامة من الكرامات السنية لِما أن الكفرةَ سيقع بينهم يومئذ تباغضٌ وتضادٌّ وتقاطُعٌ وتلاعن.

### الآية 19:97

> ﻿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [19:97]

فَإِنَّمَا يسرناه  أي القرآنَ  بِلسَانِكَ  بأن أنزلناه على لغتك والباء بمعنى على، وقيل : ضُمّن التيسيرُ معنى الإنزالِ أي يسرنا القرآنَ منزِلين له بلغتك، والفاءُ لتعليل أمرٍ ينساق إليه النظمُ الكريم، كأنه قيل بعد إيحاءِ السورةِ الكريمة : بلِّغْ هذا المنزلَ أو بشر به وأنذر فإنما يسرناه بلسانك العربي المبين. 
 لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين  أي الصائرين إلى التقوى بامتثال ما فيه من الأمر والنهي  وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً  لا يؤمنون به لجَاجاً وعِناداً، واللُّد جمعُ الألد وهو الشديدُ الخصومة اللَّجوجُ المعانِدُ.

### الآية 19:98

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [19:98]

وقوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ  وعدٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ضمن وعيدِ الكفرة بالإهلاك وحثٌّ له عليه الصلاة والسلام على الإنذار، أي قَرْناً كثيراً أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين وقوله تعالى : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ  استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، أي هل تشعُر بأحد منهم وترى  أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً  أي صوتاً خفيفاً، وأصلُ الرِكْز هو الخفاءُ ومنه رَكَز الرمحَ إذا غَيَّب طرفه في الأرض، والرِّكازُ المالُ المدفونُ المخفيُّ، والمعنى أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا يُرى منهم أحدٌ ولا يسمع منهم صوتٌ خفيّ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/19.md)
- [كل تفاسير سورة مريم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/19.md)
- [ترجمات سورة مريم
](https://quranpedia.net/translations/19.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/19/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
