---
title: "تفسير سورة البقرة - اللباب في علوم الكتاب - ابن عادل الحنبلي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/169.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/169"
surah_id: "2"
book_id: "169"
book_name: "اللباب في علوم الكتاب"
author: "ابن عادل الحنبلي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة البقرة - اللباب في علوم الكتاب - ابن عادل الحنبلي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/169)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة البقرة - اللباب في علوم الكتاب - ابن عادل الحنبلي — https://quranpedia.net/surah/1/2/book/169*.

Tafsir of Surah البقرة from "اللباب في علوم الكتاب" by ابن عادل الحنبلي.

### الآية 2:1

> الم [2:1]

إن قيل : إن الحروف المقطّعة في أوائل السور أسماء حروف التهجِّي، بمعنى أن الميم اسم ل " مَهْ "، والعين ل " عَهْ "، وإن فائدتها إعلامهم بأن هذا القرآن منتظمٌ من جنس ما تنتظمون من كلامكم، ولكن عجزتم عنه، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب، وإنما جيء بها لهذه الفائدة، فألقيت كأسماء الأعداد ونحو :" واحد اثنان "، وهذا أصح الأقوال الثلاثة، أعني أن في الأسماء التي لم يقصد الإخبار عنها ولا بها ثلاثة أقوال :
أحدها : ما تقدم. 
والثاني : أنها معربة، بمعنى أنها صالحة للإعراب، وإنما فات شرطه وهو التركيب، وإليه مال الزمخشري رحمه الله. 
والثالث : أنها موقوفة أي لا معربة ولا مبنيةٌ. 
أو إن قيل : إنها أسماء السور المفتتحة بها، أو إنها بعض أسماء الله - تعالى - حذف بعضها، وبقي منها هذه الحروف دالّة عليها وهو رأي ابن عَبّاس - رضي الله تعالى عنهما - كقوله : الميم من " عليهم "، والصاد من " صادق "، فلها حينئذ محلّ من الإعراب ويحتمل الرفع والنصب والجر :
فالرفع على أحد وجهين : إما بكونها مبتدأ، وإما بكونها خبراً كما سيأتي بيانه مفصلاً إن شاء الله تعالى. 
والنصب على أحد وجهين أيضاً : إما بإضمار فعلٍ لائقٍ، تقديره : اقرءوا :" الم "، وإما بإسقاط حرف القسم ؛ كقول الشاعر :\[ الوافر \]

إِذا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ  فَذَاكَ أَمَانَةَ اللهِ الثَّرِيدُ[(١)](#foonote-١)يريد : وأَمَانَةِ اللهِ. 
وكذلك هذه الحروف أقسم الله بها. 
وقد رد الزَّمَخْشَرِيّ هذا الوجه بما معناه : أنّ القرآن في : ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ  \[ ص : ١ \] والقلم في
 ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ  \[ القلم : ١ \] محلوف بهما لظهور الجرّ فيهما، وحينئذ لا يخلو أن تُجْعَل الواو الداخلة عليها للقسم، أو للعطف، والأول يلزم منه محذور، وهو الجمع بين قسمين على مقسم قال :\[ وهم يستكرهون \][(٢)](#foonote-٢) ذلك. 
والثاني ممنوع، لظهور الجَرّ فيما بعدها، والفرض أنك قدرت المعطوف عليه من مَحَلّ نصب، وهو رَدّ واضح، إلا أن يقال : هي في محلّ نصب إلا فيما ظهر فيه الجر \[ فيما بعده \][(٣)](#foonote-٣) كالموضعين المتقدمين ؛  حم وَالْكِتَابِ  \[ الزخرف : ١-٢ \]، و ق وَالْقُرْآنِ  \[ ق : ١ \] ولكن القائل بذلك لم يفرق بين موضع وموضع، فالرد لازم كله. 
والجَرّ من وجهٍ واحدٍ، وهو أنها مقسم بها، حذف حرف القسم، وبقي عمله كقولهم :" اللهِ لأفعلنَّ " أجاز ذلك الزمخشري، وأبو البقاء رحمهما الله، وهذا ضعيف ؛ لأن ذلك من خصائص الجَلاَلَة المعظمة لا يشاركها[(٤)](#foonote-٤) فيه غيرها. 
فتخلص مما تقدم أن في " الم " ونحوها ستة أوجه وهي : أنها لا محل لها من الإعراب، أَوْ لَهَا محل، وهو الرفع بالابتداء، أو الخبر. 
والنَّصْب بإضمار فعل، أو حذف حرف القسم. 
والجَرّ بإضمار حرف القسم[(٥)](#foonote-٥). 
### فصل في الحروف المقطعة


سئل الشعبي[(٦)](#foonote-٦) - رحمه الله تعالى - عن هذه الحروف فقال : سرّ الله، فلا تطلبوه. 
وروى أبو ظِبْيَانَ[(٧)](#foonote-٧) عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال : عجزت العلماء عن إدْرَاكِهَا، وقال الشعبي وجماعة رحمهم الله سائر حروف التهجّي في أوائل السور من المتشابهة الذي استأثر الله بعلمه، وهي سرّ القرآن ؛ فنحن نؤمن بظاهرها، ونَكِلُ العلمَ فيها إلى الله تعالى. 
قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه :" في كل كتاب سِرّ، وسرُّ الله - تعالى - في القرآن أوائل السور ". 
ونقل ابنُ الخَطِيْبِ رحمه الله أن المتكلمين أنكروا هذا القول، وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لاَ يَكُونُ مفهوماً للخلق، واحتجوا عليه بآيات منها :
قوله تبارك وتعالى : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  \[ محمد : ٢٤ \] بالتدُّبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم، فكيف يأمر بالتدبّر فيه. 
وكذا قوله : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً  \[ النساء : ٨٢ \] فكيف يأمر بالتدبُّر لمعرفة نفي التَّنَاقض والاختلاف، وهو غير مفهوم للخلق ؟
ومنها قوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ  \[ الشعراء : ١٩٣- ١٩٥ \]، فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول - عليه السلام - منذراً به، وأيضاً قوله : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ  يدلّ على أنه نازلٌ بلغة العَرَبِ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مفهوماً. 
ومنها قوله تعالى : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ  \[ النساء : ٨٣ \]، والاستنباط منه لا يمكن إلاّ مع الإحاطة بمعناه. 
ومنها قوله تعالى : تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ  \[ النحل : ٨٩ \]. 
وقوله تعالى : مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ  \[ الأنعام : ٣٨ \]. 
وقوله تعالى : هُدًى لِّلنَّاسِ  \[ البقرة : ١٨٥ \]،  هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  \[ البقرة : ٢ \]، وغير المعلوم لا يكون هُدًى. 
وقوله تعالى : وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ  \[ يونس : ٥٧ \] وكل هذه الصفات لا تحصر في غير المعلوم. 
وقوله تبارك وتعالى : قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ  \[ المائدة : ١٥ \]. 
وقوله تعالى : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  \[ العنكبوت : ٥١ \] فكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكره مع أنه غير مفهوم ؟
وقوله تعالى : هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ  \[ إبراهيم : ٥٢ \]، فيكف يكون بلاغاً ؟ وكيف يقع به الإنذار، مع أنه غير معلوم ؟
وقال في آخر الآية : وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ، وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً. 
وقوله تعالى : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  \[ الإسراء : ٩ \] فكيف يكون هاديا، مع أنه غير معلوم، ومن الأخبار قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" إنِّي تَركْتُ فيكم ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ به لن تَضِلُّوا بَعْدِي أبداً كتابَ الله وسُنَّتي " [(٨)](#foonote-٨) فكيف يمكن التمسُّك به وهو غير معلوم ؟
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- أنه -عليه الصلاة والسّلام- قال :" عليكم بكتاب الله - فيه نَبَأُ ما قبلكم، وخبر مَنْ بَعْدَكم، وحُكْم ما بينكم هو الفَصْلُ ليس بالهَزْلِ، من تركه من جَبَّار قَصَمَهُ الله تعالى. ومن اتَّبَعَ الهدى في غيره أضَلّه الله - تعالى - هو حَبْلُ الله المتين، والذكر الحكيم، والصِّراط المستقيمُ، هو الذي لا تزيغُ به الأهواء، ولا تشبع به العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرَّد ولا تنقضي عَجَائبه، مَنْ قَالَ به صَدَقَ، ومن حكم به عَدَل، ومن خاصم به فَلَج، ومن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صِرَاط مستقيم " [(٩)](#foonote-٩). 
ومن المعقول أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العِلْم إلاّ به لكانت المُخَاطبة به نحو مُخَاطبة العرب باللّغة الزنجية، ولما لم يَجُزْ ذلك فكذا هذا. 
وأيضاً المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المُخَاطبة عبثاً وسفهاً، وهو لا يليق بالحكيم. 
وأيضاً أنَّ التَّحدِّي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التَّحدِّي به. 
واحتجّ مخالفوهم بالآية، والخَبَرِ، والمعقول. 
أما الآية فهو أن المُتشَابه من القرآن، وأنه غير معلوم ؛ لقوله تَعَالَى : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ  \[ آل عمران : ٧ \] والوقف هاهنا، لوجوه :
أحدها : أن قوله تَعَالَى :" والراسخون في العلم " لو كان معطوفاً على قوله تعالى " إِلاَّ الله " لبقي قوله :" يقولون آمنا به " منقطعاً عنه، وإنه غير جائزٍ ؛ لأنه لا يقال : إنّه حال، لأنا نقول : فحينئذ يرجع إلى كُلّ ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلاً : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا  وهذا كفر. 
وثانيها : أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنّهم لما عرفوه بالدّلالة لم يكن الإيمان به إلاّ كالإيمان بالمُحْكَم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مَدْحٍ. 
وثالثها : أن تأويلها[(١٠)](#foonote-١٠) كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذمًّا، لكن قد جعله ذمًّا حيث قال : فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ  \[ آل عمران : ٧ \] وأما الخبر فروي أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال :" إنَّ من العلم كهيئة المَكْنُون لا يعلمه إلاّ العُلَماء بالله تعالى فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرّة بالله " [(١١)](#foonote-١١). 
ولأن القول بأن هذه الفَوَاتح غير معلومة مروي عن أكابر الصَّحابة رضي الله عنهم فوجب أن يكون حقًّا، لقوله عليه الصلاة والسلام :" أَصْحَابي كالنُّجُوم بأيّهم اقْتَدَيْتُمُ اهتديتم " [(١٢)](#foonote-١٢). 
وأما المعقول فهو أنَّ الأفعال التي كلّفنا الله تعالى بها قسمان : منها ما يعرف وَجْه الحكمة فيه على الجُمْلة بعقولنا كالصَّلاة والزكاة والصَّوم، فإنَّ الصَّلاة تضرُّع محضٌ، وتواضعُ للخالق، والزكاة سَعْي في دَفْعِ حاجة الفقير، والصّوم سعي في كسر الشهوة. 
ومنها ما لا يعرف وَجْهُ الحكمة فيها على الجملة بعقولنا كأفعال الحَجّ في رَمْيِ الجَمَرَات، والسَّعي بين الصفا والمروة، والرَّمل، والاضْطِبَاع. 
ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله - تعالى - أن يأمر عباده بالنوع الأول، فكذا يحسن الأمر بالنوع الثاني ؛ لأنّ الطَّاعة في النوع الأول، تدلُّ على كمال الانقياد والتسليم، لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وَجْهِ المصلحة فيه. 
أما الطاعة في النوع الثاني، فإِنها تدلّ على كمال الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون \[ الأمر \] كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمر الله - تعالى - تارةً أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارةً بما لا نقف على معناه، ويكون المَقْصُود من ذلك ظهور الانقياد والتَّسليم. 
القول الثَّاني : قول من زعم أنَّ هذه الفَوَاتح معلومةٌ، واختلفوا فيه، وذكروا وجوهاً :
الأوّل : أنها أسماء السّور، وهو قول أكثر المتكلّمين، واختيار الخليل وسيبويه رحمهما الله تعالى. 
قال القَفّال - رحمه الله تعالى - وقد سّمت العرب هذه الحروف أشياء فسموا ب " لام " : والد حارثة بن لام الطَّائي، وكقولهم للنَّخاس :" صاد "، وللنقد :" عين "، وللسحاب :" غين ". 
وقالوا : جبل " قاف "، وسموا الحوت :" نوناً ". 
الثاني : أنها أسماء الله تَعَالى، روي عن علي - رضي الله تَعَالى عنه - أنه كان يقول : يا حم عسق. 
الثالث : أنها أبعاض أسماء الله تَعَالى. 
قال سعيد بن جبير رحمه الله : قوله :" الر، حم، ونون " مجموعها هو اسم الرحمان، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البَوَاقي. 
الرابع : أنها أسماء القرآن، وهو قول الكَلْبِيّ[(١٣)](#foonote-١٣) - رحمه ا١ - ينظر الكتاب: ٣/٦١، ٤٩٨، شرح المفصل: ٩/٩٢، ١٢/١٠٤٢، اللسان: أدم، المخصص: ١٣/١١٦، الأصول لابن السراج: ١/٤٣٣، شرح الجمل لابن عصفور: ١/٥٣٢، الكشاف: ١/٢٤، الدر: ١/٨٨، ولسان العرب (أدم)..
٢ - في أ: فهم يكرهون..
٣ - سقط في ب..
٤ - في أ: يشركها..
٥ - حرف الهجاء كـ "ص"، و"ن"، و"ق"، تجوز فيه الحكاية؛ لأنها حروف، فتحكى كما هي، والإعراب جعلها أسماء لحروف الهجاء، وعلى هذا يجوز فيها الصرف وعدمه؛ بناء على تذكير الحرف وتأنيثه، وسواء في ذلك أضيف إليه سورة أم لا؛ نحو: قرأت صاد أو سورة صاد بالسكون والفتح منونا وغير منون.
 من هذه الأحرف في أوائل السور ما وازن الأعجمي كـ "حميم" و"وطسين" و"يس" - فأوجب ابن عصفور فيه الحكاية؛ لأنها حروف مقطعة، وجوّز الشلوبين فيه ذلك - والإعراب غير مصروف؛ لموازنته هابيل وقابيل وقد قرئ يسين بنصب النون، وسواء في جواز الأمرين أضيف إليه سورة أم لا، ومن هذه الحروف المركب كـ "طسم"، فإن لم يضف إليه سورة، ففيه رأي ابن عصفور والشلوبين فيما قبله، ورأي ثالث: وهو البناء للجزأين على الفتح؛ كـ "خمسة عشر"، وإن أضيف إليه سورة لفظا أو تقديرا، ففيه الرأيان، ويجوز على الإعراب فتح النون وإجراء الإعراب على الميم؛ كـ "بعلبك"، وإجراؤه على النون مضافا لما بعده، وعلى هذا في "ميم" الصرف وعدمه؛ بناء على تذكير الحرف وتأنيثه، أما "كهيعص وحمعسق" فلا يجوز فيهما إلا الحكاية سواء أضيف إليهما سورة أم لا، ولا يجوز فيهما الإعراب؛ لأنه لا نظير لهما في الأسماء المعربة، ولا تركيب المزج؛ لأنه لا يركبه أسماء كثيرة وأجاز يونس في "كهيعص" أن تكون كلمة مفتوحة والصاد مضمومة؛ ووجهه أنه جعله اسما أعجميا، وأعربه وإن لم يكن له نظير في الأسماء المعربة.
 انظر همع الهوامع: (١/٣٥)، والارتشاف: (١/٤٤٤).
٦ - عامر بن شراحيل الحميري الشعبي أبو عمرو الكوفي، الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر روى عنه وعن علي وابن مسعود، ولم يسمع منهم، وعن أبي هريرة وعائشة وجرير وابن عباس وخلق قال: أدركت خمسمائة من الصحابة، وعنه ابن سيرين والأعمش وشعبة وجابر الجعفي وخلق، قال أبو مجلز ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه، قال الشعبي ما كتبت سوداء في بيضاء، قال يحيى بن بكير: توفي سنة ثلاث ومائة.
 - تنظر ترجمته في تهذيب الكمال: ٢/٦٤٣، تهذيب التهذيب: ٥/٦٥ (١١٠)، تقريب التهذيب: ١/٣٨٧ (٤٦)، خلاصة تهذيب الكمال: ٢/٢٢، الكاشف: ٤/٥٤، تاريخ البخاري الكبير: ٦/٤٥٠، تاريخ البخاري الصغير: ١/٢٤٣، ٢٥٣، الجرح والتعديل: ٦/١٨٠٢، الوافي بالوفيات: ١٦/٥٨٧، والحلية: ٤/٣١٠..
٧ - الحصين بن جندب بن عمرو بن الحارث الجنبي بفتح الجيم أبو ظبيان الكوفي عن حذيفة وسلمان وعلي وطائفة، وعنه ابن قابوس وحصين بن عبد الرحمان وسماك وعطاء وثقه ابن معين. قال ابن سعد: توفي سنة تسعين.
 ينظر تهذيب الكمال: ١/٢٩٧، تهذيب التهذيب: ٢/٣٧٩، تقريب التهذيب: ١/١٨٢، خلاصة تهذيب الكمال: ١/٢٣٣، الكاشف: ١/٢٣٦، تاريخ البخاري الكبير: ٣/٣..
٨ - أخرجه أبو داود في السنن (١/٥٨٥ - ٥٨٩) مطولا عن جابر بن عبد الله كتاب المناسك باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (١٩٠٥).
 وابن ماجه في السنن (٢/١٠٢٢ - ١٠٢٧) مطولا عن جابر بن عبد الله كتاب المناسك (٢٥) باب حجة رسول الله ت (٨٤) حديث رقم (٣٠٧٤) - وأحمد في المسند (٣/٢٦)..
٩ - أخرجه أحمد في المسند (١/٩١) بلفظ مقارب عن علي بن أبي طالب والدارمي في السنن (٢/٤٣٥) كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن..
١٠ - في أ: تأويله..
١١ - ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١/١٠٣ وابن كثير في التفسير ٦/٣٥٧ - والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ١/١١٥ والزبيدي في الإتحاف ١/١٦٦، ٢/٦٦. 
 والهندي في كنز العمال حديث رقم ٨٩٤٢، وعزاه للديلمي عن أبي هريرة..
١٢ - ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال حديث رقم ١٥١١، ٢٢٩٩، وابن حجر في لسان الميزان ٢/٤٨٨، ٥٩٤ - والعجلوني في كشف الخفاء ١/١٤٧ - والزبيدي في الإتحاف ٢/٢٢٣ والحديث رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/٩١) عن جابر مرفوعا وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول..
١٣ - محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي أبو الفضل الكوفي. عن أبي صالح باذام والشعبي وغيرهما. وعنه ابن المبارك وابن فضيل ويزيد بن هارون وخلف.
 قال ابن عدي: رضوه في التفسير. وقال أبو حاتم: أجمعوا على ترك حديثه، واتهمه جماعة بالوضع، قال مُطَيَّن: مات سنة ١٤٦هـ.
 ينظر الخلاصة: ٢/٤٠٥ (٦٢٤٢)..

### الآية 2:2

> ﻿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2:2]

قوله : ذَلِكَ الْكِتَابُ . 
يجوز في " ذلك " أن تكون مبتدأ ثانياً، و " الكتاب " خبره، والجملة خبر " الم، وأغنى الربط باسم الإشَارة، ويجوز أن يكون " الم " مبتدأ. 
و " ذلك " خبره، و " الكتاب " صفة ل " ذلك "، أو بدل منه، أو عطف بيان، وأن يكون " الم " مبتدأ، و " ذلك " مبتدأ ثانٍ، و " الكتاب " : إما صفة له، أو بدل منه، أو عطف بيان له. 
و " لا ريب فيه " \[ خبر \][(١)](#foonote-١) عن المبتدأ الثاني، وهو خبره خبر عن الأول. 
ويجوز أن يكون " الم " خبر مبتدأه مضمر، تقديره :" هذا الم "، فتكون جملة مستقلة بنفسها، ويكون " ذلك " مبتدأ ثانياً، و " الكتاب " خبره. 
ويجوز أن يكون صفة له، أو بدلاً، أو بياناً، و " لا ريب فيه " هو الخبر عن " ذلك " أو يكون " الكتاب " خبراً ل " ذلك "، و " لا ريب فيه " خبر ثان، وفيه نظر من حيث إنه تعدّد الخبر، وأحدهما جملة، لكن الظاهر جوازه ؛ كقوله تعالى : فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى  \[ طه : ٢٠ \]، إذا قيل بأن " تسعى " خبر. 
وأما إن جُعِلَ صفة فلا[(٢)](#foonote-٢). 
و " ذلك " اسم إشارة : الاسم منه " ذا "، و " اللاَّم " للبعد، و " الكاف " للخطاب، ولها ثلاث رُتَب :
دُنْيَا : ولها المُجَرّد من اللام والكاف نحو :" ذا وذي " و " هذا وهذي ". 
وَوُسْطَى : ولها المتّصل بحرف الخطاب، نحو " ذاك وذيك وتيك ". 
وقُصْوَى : ولها المتّصل ب " اللام " و " الكاف " نحو :" ذلك وتلك ". 
ولا يجوز أن تأتي ب " اللام " إلاّ مع " الكاف "، ويجوز دخول حرف التَّنبيه على سائر أسماء الإشارة إلاّ مع " اللاَّم "، فيمتنع للطول. 
وبعض النحويين لم يذكر إلاّ رتبتين : دُنْيَا وغيرها[(٣)](#foonote-٣). واختلف النحويون في " ذا " هل هو ثلاثي الوضع أم أصله حرف واحد ؟
الأول قول البصريين، ثم اختلفوا على عينه ولامه ياء، فيكون من باب " حيي "، أو غينه واو ولامه ياء فيكون من باب " غويت " ثم حذفت لامه تخفيفاً، وقلبت العين ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وهذا كله على سبيل التّمرين. 
وأيًّا فهذا مبني، والمبني لا يدخله تصريف، وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيماً للمُشَار إليه ومنه :\[ الطويل \]

أَقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ  تَأَمَّلْ خُفَافاً إِنَّنِي أنا ذَلِكَا[(٤)](#foonote-٤)أو لأنه لما نزل من السَّماء إلى الأرض أشير إليه بإشارة البعيد. 
أو لأنه كان موجوداً به بنبيّه عليه الصلاة والسلام. 
أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدّره في اللَّوح المحفوظ. 
وفي عبارة المفسرين أشير بذلك إلى الغائب يعنون البعيد، وإلا فالمشار إليه لا يكون إلا حاضراً ذِهْناً أو حِسّاً، فعبروا عن الحاضر ذِهْناً بالغائب أي حسّاً وتحريراً لقول ما ذكرته لك. وقال الأصَمّ وابن كيْسَان[(٥)](#foonote-٥) : إن الله - تعالى - أنزل قبل سورة " البقرة " سوراً كذب بها المشركون، ثم أنزل سورة " البقرة " فقال :" ذلك الكتاب " يعني ما تقدم " البقرة " من السور لا شك فيه. 
قال ابن الخَطِيب رحمه الله تعالى : سلّمنا أن المُشَار إليه حاضر، لكن لا نسلّم أن لفظة " ذلك " لا يشار بها إلا إلى البعيد. 
بيانه : أن " ذلك " و " هذا " حرف إشارة، وأصلهما " ذا " لأنه حرف الإشارة، قال تعالى : مَّن ذَا الَّذِي  \[ البقرة : ٢٤٥ \]. 
ومعنى " ها " تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا، أي : تَنَبَّهْ أيّها المُخَاطب لما أشرت إليه، فإنه حاضر معك[(٦)](#foonote-٦) بحيث تَرَاه، وقد تدخل " الكاف " على " ذَا " للمخاطبة، و " اللام " لتأكيد معنى الإشارة، فقيل :" ذلك "، فكأن المتكلّم بالغ في التنبيه لتأخّر المُشَار إليه عنه، فهذا يدلّ على أن لفظة " ذلك " لا تفيد البُعْد في أصل الوَضْع، بل اختص في العُرْف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، فصارت كالدابة، فإنها مختصة في العرف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدبّ على الأرض. 
وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ها هنا على مقتضى الوضع اللّغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، وحينئذ لا يفيد البُعْد، ولأجل هذه المُقَارنة قام كلّ واحد من اللَّفْظَين مقام الآخر. 
قال تعالى : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ  إلى قوله : وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ  \[ ص : ٤٥-٤٨ \] ثم قال : هَذَا ذِكْرٌ  \[ ص : ٤٩ \] وقال : وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ  \[ ص : ٥٢-٥٣ \]. 
وقال : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ  \[ ق : ١٩ \]. 
وقال تعالى : فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُوْلَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى  \[ النازعات : ٢٤-٢٥ \]. 
وقال تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ  \[ الأنبياء : ١٠٥ \] وقال تعالى : إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً  \[ الأنبياء : ١٠٦ \]. 
وقال : فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى  \[ البقرة : ٧٣ \] \[ أي هكذا يحيي الموتى \][(٧)](#foonote-٧). 
وقال : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى  \[ طه : ١٨ \] أي ما هذه التي بيمينك. 
و " الكتاب " في الأصل مصدر ؛ قال تعالى : كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  \[ النساء : ٢٤ \] وقد يراد به المكتوب، قال الشاعر :\[ الطويل \]بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رأَيْتُ صَحِيفَةً  أَتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا[(٨)](#foonote-٨)ومثله \[ الوافر \]تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي وفِيهاَ  كِتَابٌ مِثْلُ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ[(٩)](#foonote-٩)وأصل هذه المادة الدّلالة على الجَمْعِ، ومنه كتيبة الجَيْش، وكَتَبْتُ القربة، وكَتَبْتُ القربة : خَرَزْتُها، وَالكُتَبة -بضم " الكاف " الخرزة، والجمع كَتَب، قال :\[ البسيط \]وَفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا  مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الْكُتَبُ[(١٠)](#foonote-١٠)وكَتَبْتُ الدَّابة \[ إذا جَمَعْتَ بين شُفْرَي رَحِمِها بِحَلْقَةٍ أَو سَيْرٍ \][(١١)](#foonote-١١) قال الشاعر :\[ البسيط \]لاَ تَأْمَنَنَّ فَزَارِيَّا حَلَلْتَ بِهِ  عَلَى قَلُوصِكَ واكتُبْهَا بِأسْيَارِ[(١٢)](#foonote-١٢)والكتابة عرفاً ضمّ بعض حروف الهجاء إلى بعض. 
قال ابن الخطيب :" واتفقوا على أنَّ المراد من الكتاب القرآن، قال تبارك وتعالى : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ 
\[ ص : ٢٩ \]. 
**والكتاب جاء في القرآن على وجوه :**
أحدها : الفرض  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ  \[ البقرة : ١٧٨ \]،  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ  \[ البقرة : ١٨٣ \]،  إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً  \[ النساء : ١٠٣ \]. 
ثانيها : الحُجَّة والبُرْهان : فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  \[ الصافات : ١٥٧ \] أي : بِبُرْهانكم وحجّتكم. 
ثالثها : الأَجَل : وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ  \[ الحجر : ٤ \] أي : أَجَل. 
رابعها : بمعي مُكَاتبة السيد عبده : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  \[ النور : ٣٣ \] وهذا المصدر " فِعَال " بمعنى " المُفَاعلة " كالجِدَال والخِصَام والقِتَال بمعنى : المُجَادلة والمُخَاصمة والمُقَاتلة. 
والكتاب - هنا - المُرَاد به القرآن، وله أسماء :
أحدها : الكِتَاب كما تقدم. 
وثانيها : القُرْآن : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً  \[ الزخرف : ٣ \]،  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  \[ البقرة : ١٨٥ \]. 
وثالثها : الفُرْقَان : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ  \[ الفرقان : ١ \]. 
ورابعها : الذِّكْر، والتَّذْكِرَة، والذِّكْرَى : وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ  \[ الأنبياء : ٥٠ \]،  وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ  \[ الحاقة : ٤٨ \] وقوله تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ  \[ الذاريات : ٥٥ \]. 
وخامسها : التَّنْزِيل : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ  \[ الشعراء : ١٩٢ \]. 
وسادسها : الحديث : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ  \[ الزمر : ٢٣ \]. 
وسابعها : المَوْعِظَة : قَدْ جَاءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ  \[ يونس : ٥٧ \]. 
وثامنها : الحُكْم، والحِكْمَة، والحَكِيم، والمُحْكَم : وَكَذلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً  \[ الرعد : ٣٧ \]،  حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ  \[ القمر : ٥ \]،  يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ  \[ يس : ١-٢ \]،  كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ  \[ هود : ١ \]. 
وتاسعها : الشِّفَاء : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ  \[ الإسراء : ٨٢ \]. 
وعاشرها : الهُدَى، والهَادِي  هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  \[ البقرة : ٢ \]، 
 إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  \[ الإسراء : ٩ \]، 
 قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ  \[ الجن : ١-٢ \]. 
**وذكروا له أسماء أُخَر منها :**
 " الصِّرَاط المستقيم، والعِصْمَة، والرَّحْمَة، والرُّوح، والقَصَص، والبَيَان، والتِّبْيَان، والمُبِين، والبَصَائر، والفَصْلُ، والنُّجُوم، والمَثَاني، والنّعْمَة، والبُرْهَان، والبَشِير، والنَّذِير، والقَيِّم، والمُهَيْمِن، والنور، والحق، والعزيز، والكريم، والعظيم، والمبارك ". 
قوله تعالى : لاَ رَيْبَ فِيهِ . 
يجوز أن يكون خبراً كما تقدّم بيانه. 
قال بعضهم : هو خبر بمعنى النّهي، أي : لا ترتابوا فيه كقوله تعالى : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ  \[ البقرة : ١٩٧ \] أي : لا ترفثوا ولا تفسقوا. 
قرأ[(١٣)](#foonote-١٣) ابن كثير :" فِيهِ " بالإشباع في الوَصْلِ، وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلاً ما لم يَلِهَا ساكن، ثم إن كان السَّاكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسر ياء، وإنْ كان غيرها يشبعها بالضم واواً، ووافقه حفص[(١٤)](#foonote-١٤) في قوله : فِيهِ مُهَاناً  \[ الفرقان : ٦٩ \] فأشبعه. 
ويجوز أن تكون هذه الجملة في محلّ نصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، و " لا " نافية للجنس محمولة في العمل على نقيضها. " إِنَّ "، واسمها معرب ومبني :
فيبنى إذا كان مفرداً نكرة على ما كان ينصب به، وسبب بنائه تضمنّه معنى الحرف، وهو " من " الاسْتِغْرَاقِيَّة يدلّ عليه ظهورها في قول الشاعر :\[ الطويل \]فَقَامَ يَذُودُ النَّاس عَنْهَا بِسَيْفِهِ  فَقَالَ أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى هِنْدِ[(١٥)](#foonote-١٥)وقيل : بني لتركُّبه معها تركيب خمسةَ عَشَرَ، وهو فاسد وبيانه في غير هذا الكتاب. وزعم الزَّجَّاج أن حركة " لاَ رَجُلَ " ونَحْوِه حركة إعراب، وإنما حذف التنوين تخفيفاً، ويدل على ذلك الرجوع إلى هذا الأصل في الضرورة كقوله :\[ الوافر \]أَلاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللهُ خَيْراً  يَدُلُّ عَلَى مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ[(١٦)](#foonote-١٦)ولا دليل له لأن التقدير : أَلاَ تَرَوْنَنِي رَجُلاً ؟
فإن لم يكن مفرداً - وأعني به المضاف والشبيه به - أُعْرِبَ نَصْباً نحو :" لا خيراً من زيد "، ولا عمل لها في المعرفة ألبتة، وأما نحو قوله :\[ الطويل \]تُبَكِّي عَلَى زيْدٍ وَلاَ زَيْدَ مِثْلُهُ  بَرِيءٌ مِنَ الْحُمَّى سَلِيمُ الجَوَانِحِ[(١٧)](#foonote-١٧)وقول الآخر :\[ الوافر \]
أَرَى الْحَاجَاتِ عِنْدَ أَبِي خُبَيْبٍ \*\*\* نَكِدْنَ وَلاَ أُمَيَّةَ فِي الْ١ - سقط في ب..
٢ - ثبت في أ: وقرأ عبد الله ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه هو الخبر وتأليف هذا ظاهر..
٣ - ذهب أكثر النحويين إلى أن الإشارة ثلاثة مراتب: قربى؛ ولها المجرد، ووسطى؛ ولها ذو الكاف، وبعدى؛ ولها ذو الكاف واللام وصححه ابن الحاجب، واختلف على هذا في مرتبة أولئك بالمد، فقيل: هؤلاء وسطى كأولاد وقيل: للبعدى؛ كأولالك. قال أبو حيان: ويستدل للأول بقوله:يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا  من هؤليائكن الضال والسمر. لأن هاء التثنية لا تصحب ذا البعيد، وصحح ابن مالك أن لاسم الإشارة مرتبتين، وقال: إنه ظاهر من كلام المتقدمين، ونسبه الصفار إلى سيبويه، واحتج له ابن مالك بأن المشار شبيه بالمنادى، والنحويون مجمعون على أن المنادى ليس له إلا مرتبتان؛ فلحق بنظيره؛ وبأن الفراء نقل أن بني تميم ليس من لغتهم استعمال اللام مع الكلام، والحجازيين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام؛ فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له إلا مرتبتان، وبأن القرآن لم يرد فيه المجرد من اللام دون الكاف، فلو كان له مرتبة أخرى، لكان القرآن غير جامع لوجوه الإشارة، فإنه لو كانت المراتب ثلاثة، لم يكتف في التثنية والجمع بلفظين وهي وجوه حسنة، إلا أن دعوى الإجماع في الأول مردودة بما ذكرناه - انظر همع الهوامع: (١/٧٥ - ٧٦)..
٤ - البيت لخُفاف بن ندبة، ينظر الأغاني: ٢/١٢٩، الخزانة: ٢/٤٧١، معاني القرآن: ١/٢٩، النكت والعيون: ١/٦٧، الدر: ١/٩١..
٥ - محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن المعروف بابن كيسان. عالم بالعربية من أهل بغداد أخذ عن المبرد وثعلب، من كتبه المهذب في النحو، غريب الحديث، معاني القرآن، المختار في علل النحو توفي في ٢٩٩هـ. 
 ينظر إرشاد الأريب: ٦/٢٨، معجم المطبوعات: ٢٢٩، نزهة الألبا: ٣٠١، شذرات الذهب: ٢/٢٣٢، كشف الظنون: ١٧٠٣، الأعلام: ٥/٣٠٨..
٦ - في ب: لك..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر مجمع البيان: ١/٧٤، معاني الفراء: (١/٢١٢)، الدر: ١/٩١..
٩ - البيت لمسلم بن معبد الوالبي. ينظر خزانة الأدب: ٢/٣٠٨، ٣١٢، القرطبي: ١/١١٢، والدر المصون: ١/٩١..
١٠ - البيت لذي الرمة. ينظر ديوانه: ٢١، مقاييس اللغة: ٥/١٥٨، اللسان (شلل وغرق وكتب)، القرطبي: ١/١١٢، الدر: ١/٩١..
١١ - سقط في أ..
١٢ - البيت لسالم بن دارة. ينظر خزانة الأدب: ٦/٥٣١، ٩/٥٤٢، مقاييس اللغة: ٥/١٥٨، الشعر والشعراء: ١/٤٠١، الكامل: ٣/٨٦، اللسان (كتب)، القرطبي: (١/١١٢)، الدر: (١/٩٢)..
١٣ - انظر حجة القراءات: ٨٣، والحجة للقراء السبعة: ١/١٧٧..
١٤ - حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي بالولاء أبو عمر ويعرف بحفيص: ولد سنة ٩٠هـ، قارئ أهل الكوفة بزاز نزل بغداد وجاور بمكة وكان أعلم أصحاب عاصم بقراءته، وهو ابن امرأته وربيبه ومن طريقه قراءة أهل المشرق، ينظر الأعلام: ٢/٢٦٤ (٣٠٨٢)، غاية النهاية: ١/٢٥٤، ميزان الاعتدال: ١/٢٦١، تهذيب التهذيب: ٢/٤٠٠..
١٥ - ينظر أوضح المسالك: ٢/١٣، وتخليص الشواهد: ص٣٩٦، والجنى الداني: ص ٢٩٢، والدرر: ٢/٢٢١، وشرح الأشموني: ١/١٤٨، وشرح التصريح: ١/٢٣٩، وشرح ابن عقيل: ص ٢٥٥، ولسان العرب (ألا)، (لا) ومجالس ثعلب: ص ١٧٦ والمقاصد النحوية: ٢/٣٣٢، وهمع الهوامع: ١/١٤٦، وشرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ لابن مالك (٢٥٥) تحقيق عدنان عبد الرحمان الدوري - مطبعة العاني - بغداد (١٣٩٧هـ١٩٧٧م) وشرح الكافية الشافية: (١/٥٢٢) وشرح ألفية ابن الناظم: (١٨٦)..
١٦ - البيت لعمرو بن قعاس، أو قنعاس المرادي المذحجي.
 ينظر الكتاب: ٢/٣٠٨، النوادر: ٥٦، شرح المفصل: ٧/٥، ٩/٨٠، الخزانة: ١/٤٥٩، ٣/١١٢، ١٥٦، ٤/٤٧٧، العيني: ٢/٣٦٦، ٣/٣٥٢، الهمع: ١/٥٨، شرح شواهد المغني: ٧٧، ٢١٩، الأشموني: ٢/١٦، التهذيب: ٤/٣٤٢، ارتشاف الضرب: ٢/١٧٨، إصلاح المنطق لابن السكيت: ٤٣١، معجم مقاييس اللغة: ٢/٦٨، الخزانة: ٣/٥١، ٥٤، (٤/٨٩ ـ ١٨٣، ١٩٥، ٢٦٨)، (١١/١٩٣)، شرح الألفية لابن الناظم: ١٩٣، الدر: ١/٩٠..
١٧ - البيت لجرير. ينظر ديوانه: ٨٠، الخزانة: ٢/٩٨، الهمع: ١/١٤٥، الدرر: ١/٢٢٤، المقرب: ١/١٨٩، شرح الكافية الشافية: ١/٥٣١، الدر: ١/٩٠..

### الآية 2:3

> ﻿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [2:3]

" الذين " يحتمل الرفع والنصب والجر، والظاهر الجر، وهو من ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه نعت ل " المتقين ". 
والثاني : بدل. 
والثالث : عطف بيان. 
**وأما الرفع فمن وجهين :**
أحدهما : أنه خبر مبتدأ محذوف على معنى القطع، وقد تقدم. 
والثاني : أنه مبتدأ، وفي خبره قولان : أحدهما :" أولئك " الأولى. 
والثاني :" أولئك " الثانية، والواو زائدة، وهذان القولان منكران ؛ لأنه قوله :" والذين يؤمنون " يمنع كونه " أولئك " الأولى خبراً، ووجود الواو يمنع كون " أولئك " الثانية خبراً أيضاً. 
وقولهم : الواو زائدة لا يلتفت إليه. 
والنصب على القطع. 
و " يؤمنون " صلة وعائد. 
قال الزمخشري :" فإذا كان موصولاً كان الوقف على " المتقين " حسناً غير تام، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً ". 
وهو مضارع علامة رفعه " النون " ؛ لأنه أحد الأمثلة الخَمْسَةِ وهي عبارة عن كل فعل مضارع اتصل به " ألف " اثنين، أو " واو " جمع، أو " ياء " مخاطبة، نحو :" يؤمنان - تؤمنان - يؤمنون - تؤمنون - تؤمنين ". 
والمضارع معرب أبداً، إلاّ أن يباشر نون توكيد أو إناث، على تفصيل يأتي إن شاء الله - تعالى - في غُضُون هذا الكتاب. 
وهو مضارع " أمن " بمعنى : صدق، و " آمن " مأخوذ من " أمن " الثلاثي، فالهمزة في " أمن " للصّيرورة نحو :" أعشب المكان " أي : صار ذا عُشْب. 
أو لمطاوعة فعل نحو :" كبه فأكب "، وإنما تعدى بالباء، لنه ضمن معنى اعترف، وقد يتعدّى باللام كقوله تعالى : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا  \[ يوسف : ١٧ \]،  فَمَا آمَنَ لِمُوسَى  \[ يونس : ٨٣ \] إلاَّ أن في ضمن التعدية باللام التّعدية بالباء، فهذا فرق ما بين التعديتين. وأصل " يؤمنون " :" يؤأمنون " بهمزتين :
الأولى : همزة " أفْعَل ". 
والثاني فاء الكلمة، حذفت الأولى ؛ لأن همزة " أَفْعَل " تحذف بعد حرف المُضَارعة، واسم فاعله، ومفعوله نحو :" أكرم " و " يكرم " و " أنت مُكْرِم، ومُكْرَم ". 
وإنما حذفت ؛ لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان، وذلك إذا كان حرف المُضَارعة همزة نحو :" أنا أكرم "، الأصل : أأكرم بهمزتين، الأولى : للمضارعة والثانية : همزة " أفعل "، فحذفت الثانية ؛ لأن بها حصل الثّقل ؛ ولأن حرف المضارعة أولى بالمحافظة عليه، ثم حصل باقي الباب على ذلك طَرْداً للباب. 
ولا يجوز ثبوت همزة " أفعل " في شيء من ذلك إلا في ضرورة ؛ كقوله :\[ الرجز \]

فَإِنَّهُ أَهْلٌ لأَنْ يُؤَكْرَمَا[(١)](#foonote-١) . . . . . . . . . . . . . . . .وهمزة " يؤمنون " - وكذلك كل همزة ساكنة - يجوز أن تبدل بحركة ما قبلها، فتبدل حرفاً مجانساً نحو :" راس " و " بير " و " يومن "، فإن اتفق أن يكون قبلها همزة أخرى وجب البدل نحو :" إيمان " و " آمن ". 
### فصل


قال بعضهم : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلاً للحسنات وتاركاً للسيئات، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب وهو قوله :" الذين يؤمنون ". 
وإما أن يكون فعل الجوارح، أساسه الصَّلاة والصدقة ؛ لأن العبادة إما أن تكون بدنية، وأصلها الصَّلاة، أو مالية وأصلها الزكاة، ولهذا سمى الرسول عليه الصلاة والسلام :" الصَّلاَة عِمَاد الدِّين، والزَّكَاة قَنْطَرَة الإسْلاَم " [(٢)](#foonote-٢). أما التَّرْك فهو داخل في الصَّلاة، لقوله تعالى : إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  \[ العنكبوت : ٤٥ \] واختلف الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع على أربع فرق :
الفرقة الأولى : قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب، والجوارح، والإقرار باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث. 
أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله، وبكل ما وضع عليه دليلاً عقلياً، أو نقلياً من الكتاب والسُّنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً. 
فقالوا : مجموع هذه الأشياء هو الإيمان، وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، أما المعتزلة فقد اتفقوا على أنَّ الإيمان إذا عدي بالباء، فالمراد به التصديق ؛ إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال : فلان آمن بكذا إذا صَلّى وصام، بل يقال : فلان آمن بالله كما يقال : صام وصلّى لله، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة. 
أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى، فقد اتفقوا على أنه منقولٌ من المُسَمَّى اللغوي - الذي هو التصديق - إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه :
أحدها : أن الإيمان عبارةٌ عن فعل كل الطَّاعات، سواء كانت واجبة أم مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال، أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن عَطَاءٍ[(٣)](#foonote-٣)، وأبي الهذيل[(٤)](#foonote-٤)، والقاضي عبد الجبار بن أحمد[(٥)](#foonote-٥). 
وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي[(٦)](#foonote-٦) وأبي هاشم[(٧)](#foonote-٧). 
وثالثها : أن الإيمان عبارة عن \[ اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد. ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد. 
فالمؤمن عند الله كل من اجتنب \][(٨)](#foonote-٨) كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النّظام[(٩)](#foonote-٩)، ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمناً عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها. 
**وأما أهل الحديث فذكروا وجهين :**
الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حِدَةِ، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلاّ إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. 
وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعد كُفْر على حِدَةٍ، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجُحُود والإنكار ؛ لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب[(١٠)](#foonote-١٠). 
والثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها، وهو إيمان واحد، وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه. 
ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل. 
الفرقة الثانية الذين قالوا : الإيمان باللِّسان والقَلْب معاً، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب :
الأول : أن الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامّة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين :
أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه[(١١)](#foonote-١١) المعرفة، فمنهم من فَسّرها بالاعتقاد الجازم - سواء كان اعتقاداً تقليدياً، أو كان علماً صادراً عن الدليل - وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلّد مسلم. 
ومنهم من فسرها بالعلم الصادر من الاستدلال. 
وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقيق الإيمان عِلْمٌ بماذا ؟ قال بعض المتكلّمين : هو العلم بالله، وبصفاته على سبيل الكمال والتمام، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كلّ طائفة على تكفير من عداها من الطوائف. 
وقال أهل الإنصاف : المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد عليه الصَّلاة والسلام، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم، أو عالماً بذاته، وبكونه مرئياً أو غير مرئي، لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان. 
القول الثاني : أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً، وهو قول بشر بن غياث المَرِيسِي[(١٢)](#foonote-١٢)، وأبي الحسن الأشعري[(١٣)](#foonote-١٣)، والمراد من التصديق بالقلب الكَلاَم القائم بالنفس. 
القول الثالث : قول جماعة من الصُّوفية : الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب. 
الفرقة الثالثة الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء اختلفوا على قولين :
أحدهما : أن الإيمان معرفة الله بالقَلْبِ، حتى إن من عرف الله بقلبه، ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يُقرَّ بِهِ فهو مؤمن كامل الإيمان، وهو قول جهم بن صَفْوَان[(١٤)](#foonote-١٤). 
وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلةٍ في حَدّ الإيمان. 
وحكى الكعبي[(١٥)](#foonote-١٥) عنه : أنّ الإيمان معرفة الله مع معرفة كلّ ما علم بالضَّرورة كونه من دين محمد. 
ثانيهما : أنّ الإيمان مُجَرَّد التصديق بالقَلب، وهو قول الحسين بن الفَضْلِ البَجَلي. 
الفرقة الرابعة الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، وهم فريقان :
الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً، لا أنها داخلةٌ في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدِّمشقي[(١٦)](#foonote-١٦)، والفضل الرقاشي، وإن كان الكعبي قد أنكر كونه ل " غيلان ". 
الثاني : أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن المُنَافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا، وحكم الكافرين في الآخرة، فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع. 
و " بالغيب " متعلّق ب " يؤمنون "، ويكون مصدراً واقعاً موقع اسم الفاعل، أو اسم المفعول، وفي هذا الثاني نظر ؛ لأنه من " غاب " وهو لازم، فكيف يبنى منه اسم مفعول حتى يقع المصدر موقعه ؟ إلا أن يقال : إنه واقع موقع اسم مفعول من " فَعَّلَ " مضعفاً متعدياً، أي : المُغَيَّب، وفيه بعد. وقال الزمخشري[(١٧)](#foonote-١٧) : يجوز أن يكون مخففاً من " فَيْعِل " نحو :" هَيِّن " من " هَيْن "، و " مَيِّت " من " مَيْت ". وفيه نظر ؛ لأنه لا ينبغي أن يدعى ذلك فيه حتى يسمع مثقلاً كنظائره، فإنها سمعت مخففةً ومثقلةً، ويبعد أن يقال : التزم التخفيف في هذا خاصّة. ويجوز أن تكون " الباء " للحال فيتعلّق بمحذوف أي : يؤمنون متلبسين بالغيب عن المؤمن به، و " لغيب " حينئذ مصدر على بابه. 
### فصل في معنى " يؤمنون بالغيب " 


**في قوله " يؤمنون بالغيب " قولان :**
الأول : قول أبي مسلم الأصفهاني[(١٨)](#foonote-١٨) أن قوله :" يؤمنون بالغيب " صفة المؤمنين معناه : أنهم يؤمنون بالله حال الغيبة كما يؤمنون به حال الحضور، لا كالمنافقين الذين إِذَا لَقُوا الَّذِيْنَ آمَنُوا، قَالُوا : آمَنّا : وَإذَا خَلوا إِلَى شَيَاطِيْنِهِمْ قَالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ ". 
نظيره قوله : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ  \[ يوسف : ٥٢ \]، وذلك مدح للمؤمنين بأن ظاهرهم موافق لباطنهم ومباين لحال المُنَافقين. 
الثاني : وهو قول جمهور المُفَسّرين أن الغيب هو الَّذي يكون غائباً عن الحاسّة، ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما هو عليه دليل، وإلى ما ليس عليه دليل. 
فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغَيْبِ الذي دل عليه بأن يتفكروا، ويستدلوا فيؤمنوا به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله - تعالى - وبصفاته والعلم بالآخرة، والعلم بالنبوة، والعلم بالأحكام بالشرائع، فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقّة يصلح أن يكون سبباً لاستحقاق الثَّنَاء العظيم. 
**واحتج أبو مسلم بأمور :**
الأول : أن قوله :{ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَم١ - هذا شطر بيت من الرجز لأبي حيان الفقعسي. ينظر المقتضب: (٢/٩٨)، الخصائص: (١/١٤٥)، الخزانة: (٢/٣١٦)، المخصص: (١٦/١٠٨)، الهمع: (٢/٢١٨)، الدرر: (٢/٢٣٩)، المنصف: (١/٢٣٧، ١٩٢)، التبصرة: (٢/٧٥١)، والإنصاف: (١/١١)، وارتشاف الضرب: (١/١١٨)، والأصول: (٢/٣١٦)، واللسان (كرم)، الصحاح (كرم)، الدر: (١/٩٦)..
٢ - الحديث ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (١/٢٧٨) رقم (١٣٧٢) وعزاه لأبي نعيم في عواليه عن علي بن أبي طالب.
 وأورده برقم (١٨٨٨٩) بلفظ الصلاة عماد الدين وعزاه للبيهقي في "الشعب" عن عمر بن الخطاب.
 وأورده بلفظ: الصلاة عمود الدين رقم (١٨٨٩٠) وعزاه لأبي نعيم الفضل بن دكين في "الصلاة" عن عمر.
 وأورده بلفظ "الصلاة عماد الدين والجهاد سنام العمل والزكاة تثبت ذلك". رقم (١٨٨٩١) وعزاه للديلمي في "مسند الفردوس" عن علي بن أبي طالب..
٣ - واصل بن عطاء الغزال، أبو حنيفة من موالي بني ضبّة أو بني مخزوم رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين ولد في ٨٠هـ.
 له تصانيف منها أصناف المرجئة، المنزلة بين المنزلتين، معاني القرآن، الجهل. توفي في ١٣١هـ.
 ينظر المقريزي: ٢/٣٤٥، وفيات الأعيان: ٢/١٧٠، مروج الذهب: ٢/٢٩٨، أمالي المرتضى: ١/١١٣، تاريخ الإسلام للذهبي: ٥/٣١١، مرآة الجنان: ١/٢٧٤، النجوم الزاهرة: ١/٣١٣ - ٣١٤، لسان الميزان: ٦/٢١٤، شذرات الذهب: ١/١٨٢، مقاتل الطالبين: ٢٩٣، رغبة الآمل: ٧/٨٨، الأعلام: ٨/١٠٨..
٤ - محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي مولى عبد القيس أبو الهذيل العلاف. من أئمة المعتزلة ولد في البصرة سنة ١٣٥ هـ واشتهر بعلم الكلام. قال المأمون: أطل أبو الهذيل على الكلام كإطلال الغمام على الأنام. له مقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات، وكان حسن الجدل قوي الحجة سريع الخاطر كف بصره في آخر عمره وتوفي بـ "سامرا" سنة ٢٣٥هـ - ينظر الأعلام: ٧/١٣١ (٦١٥)، تاريخ بغداد: ٣/٣٦٦، لسان الميزان: ٥/٤١٣، وفيات الأعيان: ١/٤٨٠..
٥ - عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل، القاضي أبو الحسن الهمداني. قاضي الري وأعمالها، وكان شافعي المذهب، وهو مع ذلك شيخ الاعتزال، وله المصنفات الكثيرة في طريقتهم وفي أصول الفقه، قال ابن كثير: ومن أجل مصنفاته وأعظمها كتاب "دلائل النبوة" في مجلدين، أبان فيه عن علم وبصيرة جيدة. مات سنة ٤١٥.
 انظر ط. ابن قاضي شهبة: ١/١٨٣، تاريخ بغداد: ١١/١١٣، شذرات الذهب: ٣/٢٢، ولسان الميزان: ٣/٣٨٦، الأعلام: ٤/٤٧..
٦ - محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي أبو علي، من أئمة المعتزلة، رئيس علماء الكلام في عصره ولد ٢٣٥هـ إليه نسبة الطائفة الجبائية، له تفسير حافل رد عليه الأشعري. وله مقالات انفرد بها في المذهب. توفي سنة ٣٠٣.
 ينظر المقريزي: ٢/٣٤٨، وفيات: ١/٤٨٠، البداية والنهاية: ١١/١٢٥، اللباب: ١/٢٠٨، مفتاح السعادة: ٢/٣٥، الأعلام: ٦/٢٥٦..
٧ - عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من أبناء أبان مولى عثمان: عالم بالكلام، من كبار المعتزلة، له آراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت "البهشمية" نسبة إلى كنيته "أبي هاشم"، وله مصنفات منها "الشامل" في الفقه، و"تذكرة العالم"، و"العدة" في أصول الفقه.
 انظر المقريزي: ٢/٣٤٨، وفيات الأعيان: ١/٢٩٢، البداية والنهاية: ١١/١٧٦، الأعلام: ٤/٧..
٨ - سقط في أ..
٩ - إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظامي من أئمة المعتزلة في لسان الميزان أنه متهم بالزندقة، وكان شاعرا أديبا بليغا وذكروا أن له كتبا كثيرا في الفلسفة والاعتزال ولمحمد عبد الهادي أبي ريدة كتاب "إبراهيم بن سيار النظام" توفي ٢٣١هـ.
 ينظر تاريخ بغداد: ٦/٩٧، أمالي المرتضى: ١/١٣٢، اللباب: ٣/٢٣٠، خطط المقريزي: ١/٣٤٦، سفينة البحار: ٢/٥٩٧، الأعلام: ١/٤٣..
١٠ - عبد الله بن سعيد بن كُلاّب، أبو محمد القطان: متكلم من العلماء يقال له "ابن كُلاب". قال السبكي: وكلاب بضم الكاف وتشديد اللام، قيل: لقب بها لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه كما يجتذب الكُلاب الشيء. له كتب، منها "الصفات" و"خلق الأفعال" و"الرد على المعتزلة" توفي سنة ٢٤٥هـ..
١١ - في أ: تلك..
١٢ - بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمان المريسي العدوي بالولاء أبو عبد الرحمان فقيه معتزلي عارف بالفلسفة يرمى بالزندقة، وقال برأي الجهمية وللدارمي كتاب "النقض على بشر المريسي" في الرد على مذهبه. توفي ٢١٨هـ.
 ينظر وفيات الأعيان: ١/٩١، النجوم الزاهرة: ٢٢٨، تاريخ بغداد: ٧/٥٦، ميزان الاعتدال: ١/١٥، الجواهر المضية: ١/١٦٤، اللباب: ٣/١٢٨، الأعلام: ٢/٥٥..
١٣ - علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري، إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، والذاب عن الدين، والمصحح لعقائد المسلمين، مولده سنة ستين ومائتين، وقيل سنة سبعين. كانت المعتزلة قدر رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري فحجرهم في أقماع السمسم. قال الخطيب البغدادي: أبو الحسن الأشعري، المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة، والرافضة، والجهمية، والخوارج وسائر أصناف المبتدعة. توفي سنة ٣٢٤هـ وقيل ٣٢٠ هـ وقيل ٣٣٠هـ.
 ينظر الأعلام: ٥/٦٩، تاريخ بغداد: ١١/٣٤٦، وفيات الأعيان: ٢/٤٤٦، ابن قاضي شبهة: ١/١١٣..
١٤ - جهم بن صفوان السمرقندي، أبو محرز، من موالي بني راسب: رأس "الجهمية" قال الذهبي: الضالّ المبتدع، هلك في زمان صغار التابعين وقد زرع شرا عظيما. كان يقضي في عسكر الحارث بن سريج، الخارج على أمراء خراسان، فقبض عليه نصر بن سيار، فطلب جهم استبقاءه، فقال نصر: "لا تقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت" وأمر بقتله سنة ١٢٨هـ.
 ينظر ميزان الاعتدال: ١/١٩٧، الأعلام: ٢/١٤١..
١٥ - عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي، من بني كعب، البلخي الخراساني، أبو القاسم: أحد أئمة المعتزلة. كان رأس طائفة منهم تسمى "الكعبية" وله آراء ومقالات في الكلام انفرد بها، وهو من أهل "بلخ"، أقام بـ "بغداد" مدة طويلة، له كتب، منها: "التفسير" و"تأييد مقالة أبي الهذيل"، وصنّف في "الكلام" كتبا كثيرة وانتشرت كتبه ببغداد. ولد سنة ٢٧٣هـ وتوفي سنة ٣١٩هـ.
 انظر تاريخ بغداد: ٩/٣٨٤، المقريزي: ٢/٣٤٨، الأعلام: ٤/٦٥..
١٦ - غيلان بن مسلم الدمشقي، أبو مروان: كاتب، من البلغاء، تنسب إليه فرقة "الغيلانية" من القدرية، وهو ثاني من تكلم في القدر ودعا إليه، لم يسبقه سوى معبد الجهني، قال الشهرستاني: كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد، وفي الإمامة أنها تصلح في غير قريش، ناظره الأوزاعي فأفتى الأوزاعي بقتله، فصلب على باب كيسان بـ "دمشق".
 انظر الملل والنحل: ١/٢٢٧، مفتاح السعادة: ٢/٣٥، الأعلام: ١/١٢٤..
١٧ - ينظر الكشاف: ١/٣٩..
١٨ - محمد بن بحر الأصفهاني، أبو مسلم: والده من أهل أصفهان. معتزلي من كبار الكتاب، كان عالما بالتفسير، وبغيره من صنوف العلم، وله شعّر، ولي أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسي، من كتبه "جامع التأويل" في التفسير، و"الناسخ والمنسوخ" وغيرهما. ولد سنة ٢٥٤هـ، وتوفي سنة ٣٢٢هـ.
 أنظر إرشاد الأريب: ٦/٤٢٠، الأعلام: ٦/٥٠..

### الآية 2:4

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [2:4]

" والَّذِين " عطف على " الذين " قبلها، ثم لك اعتباران :
أحدهما : أن يكون من باب عطف بعض الصفات على بعض كقوله :\[ المتقارب \]
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وابْنِ الْهُمَامِ \*\*\* وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ[(١)](#foonote-١)
وقوله :\[ السريع \]
يَا وَيْحَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصْ \*\*\* صَابِحِ فَالغَانِمِ فَالآيِبِ[(٢)](#foonote-٢)
يعني : أنهم جامعون بين هذه الأوصاف إن قيل : إن المراد بها واحد. 
الثاني : أن يكونوا غيرهم. 
وعلى كلا القولين، فيحكم على موضعه بما حكم على موضع " الَّذِين " المتقدمة من الإعراب رفعاً ونصباً وجرًّا قطعاً وإتباعاً كما مر تفصيله. 
ويجوز أن يكون عطفاً على " المتّقين "، وأن يكون مبتدأ خبره " أولئك "، وما بعدها إن قيل : إنهم غير " الذين " الأولى. و " يؤمنون " صلة وعائد. 
و " بما أنزل " متعلّق به و " ما " موصولة اسمية، و " أنزل " صلتها، وهو فعل مبني للمفعول، لعائد هو الضَّمير القائم مقام الفاعل، ويضعف أن يكون نكرة موصوفة وقد منع أبو البقاء[(٣)](#foonote-٣) ذلك قال : لأن النكرة الموصوفة لا عموم فيها، ولا يكمل الإيمان إلا بجميع ما أنزل. 
و " إليك " متعلّق ب " أنزل "، ومعنى " إلى " انتهاء الغاية، ولها معان أخر :
المُصَاحبة : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  \[ النساء : ٢ \]. 
والتبيين : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ  \[ يوسف : ٣٣ \]. 
وموافقة اللام و " في " و " من " : وَالأَمْرُ إِلَيْكِ  \[ النمل : ٣٣ \] أي : لك. 
وقال النابغة :\[ الطويل \]
فَلاَ تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأَنَّنِي \*\*\* إِلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ الْقَارُ أَجْرَبُ[(٤)](#foonote-٤)
وقال الآخر :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* أَيُسْقَى فَلاَ يُرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا[(٥)](#foonote-٥)
أي : لا يروى منّي، وقد تزاد ؛ قرئ :" تَهْوَى إليهم " \[ إبراهيم : ٣٧ \] بفتح الواو. 
و " الكاف " في محل جر، وهي ضمير المُخَاطب، ويتّصل بها ما يدل على التثنية والجمع تذكيراً وتأنيثاً ك " تاء " المُخَاطب. 
ويترك أبو جعفر، وابن كثير، وقالون[(٦)](#foonote-٦)، وأبو عمرو، ويعقوب كل مَدّة تقع بين كلمتين، والآخرون يمدونها. 
و " النزول " الوصول والحلول من غير اشتراط عُلُوّ، قال تعالى : فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ  \[ الصافات : ١٧٧ \] أي حلّ ووصل. 
قال ابن الخطيب : والمراد من إنزال الوَحْي[(٧)](#foonote-٧)، وكون القرآن منزلاً، ومنزولاً به - أن جبريل سمع في السماء كلام الله - تعالى - فنزل على الرسول به، كما يقال : نزلت رسالة الأمير من القَصْر، والرسالة لا تنزل ولكن المستمع يسمع الرسالة من عُلوّ، فينزل ويؤدي في سفل، وقول الأمير لا يُفَارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل، ويؤدي بلفظ نفسه، ويقال : فلان ينقل الكلام إذا سمع وحدث به في موضع آخر. 
فإن قيل : كيف سمع جبريل كلام الله تعالى ؛ وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم ؟
قلنا : يحتمل أن يخلق الله - تعالى - له سمعاً لكلامه، ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم، ويجوز أن يكون الله - تعالى - خلق في اللَّوح المحفوظ كتابةً بهذا النظم المخصوص، فقرأه جبريل - عليه السلام - فحفظه، ويجوز أن يخلق الله أصواتاً مقطّعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص، فيتلقّفه جبريل - عليه السلام - ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدّية لمعنى ذلك الكلام القديم.

### فصل في معنى فلان آمن بكذا


قال ابن الخطيب[(٨)](#foonote-٨) : لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدّي ب " الباء "، فالمراد منه التصديق. 
فإذا قلنا : فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به، فلا يكون المراد منه أنه صام وصلى، فالمراد بالإيمان - هاهنا - التصديق، لكن لا بُدّ معه من المعرفة ؛ لأن الإيمان - ها هنا - خرج مخرج المدح، والمصدق مع الشّك لا يأمن أن يكون كاذباً، فهو إلى الذَّم أقرب. 
و " ما " الثانية وَصِلَتُهَا عطف " ما " الأولى قبلها، والكلام عليها وعلى صِلَتِهَا كالكلام على " ما " التي قبلها، فتأمله. 
واعلم أن قوله :" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ " عام يتناول كل من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، أو لم يكن مؤمناً بهما، ثم ذكر بعد ذلك هذه الآية وهي قوله : والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ  \[ البقرة : ٤ \] يعني : التوراة والإنجيل ؛ لأن في هذا التخصيص مزيدَ تشريف لهم كما في قوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  \[ البقرة : ٩٨ \]، ثم في تخصيص عبد الله بن سلام[(٩)](#foonote-٩)، وأمثاله بهذا التشريف ترغيبٌ لأمثاله في الدِّين، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذكر العام. 
و " من قبلك " متعلّق ب " أنزل "، و " من " لابتداء الغاية، و " قبل " ظرف زمان يقتضي التقدم، وهو نقيض " بعد "، وكلاهما متى نُكّر، أو أضيف أعرب، ومتى قطع عن الإضافة لفظاً، وأريدت معنى بني على الضم، فمن الإعراب قوله :\[ الوافر \]
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلاً \*\*\* أَكَادُ أَغَصُّ بِالمَاءِ الْقَرَاحِ[(١٠)](#foonote-١٠)
وقال الآخر :\[ الطويل \]
وَنَحْنُ قَتَلْنَا الأُسْدَ أُسْدَ خَفِيَّةٍ \*\*\* فَمَا شَرِبُوا بَعْداً عَلَى لَذَّةٍ خَمْرَا[(١١)](#foonote-١١)
ومن البناء قوله تعالى : لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ 
\[ الروم : ٤ \] وزعم بعضهم أن " قبل " في الأصل وصف نَابَ عن موصوفه لزوماً. 
فإذا قلت :" قمت قبل زيد " فالتقدير : قمت \[ زماناً قبل زمان قيام زيد، فحذف هذا كله، وناب عنه قبل زيد \][(١٢)](#foonote-١٢)، وفيه نظر لا يخفى على متأمله. 
واعلم أن حكم " فوق وتحت وعل وأول " حكم " قبل وبعد " فيما تقدّم. 
وقرئ[(١٣)](#foonote-١٣) :" بِمَا أَنْزلَ إِلَيْكَ " مبنياً للفاعل، وهو الله - تعالى - أو جبريل، وقرئ أيضاً[(١٤)](#foonote-١٤) :" بِمَا أُنْزِلّ لَيْك " بتشديد اللام، وتوجيهه أن يكون سكن آخر الفعل كما سكنه الأخر في قوله :\[ الرمل \]
إِنَّمَا شِعْرِيَ مِلْحٌ \*\*\* قدْ خُلِطْ بِجُلْجُلاَنِ[(١٥)](#foonote-١٥)
بتسكين " خُلط " ثم حذف همزة " إليك "، فالتقى مِثْلاَن، فأدغم لامه. 
و " بالآخرة " متعلّق ب " يوقنون "، و " يوقنون " خبر عن " هم "، وقدّم المجرور ؛ للاهتمام به كما قدم المنفق في قوله : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  لذلك، وهذه جملة اسمية عطفت على الجملة الفعلية قبلها فهي صلَةٌ أيضاً، ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر بخلاف : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  ؛ لأن وصفهم بالإيقان بالآخرة أوقع من وصفهم بالإنفاق من الرزق، فناسب التأكيد بمجيء الجملة الاسمية، أو لئلا يتكرّر اللفظ لو قيل :" ومما رزقناكم هم ينفقون ". 
والمراد من الآخرة : الدَّار الآخرة، وسميت الآخرة آخرة، لتأخرها وكونها بعد فناء الدنيا. 
والآخرة تأنيث آخر مقابل ل " أول "، وهي صفة في الأصل جرت مجرى الأسماء، والتقدير : الدار الآخرة، أو النشأة الآخرة، وقد صرح بهذين الموصوفين، قال تعالى : وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ  \[ الأنعام : ٣٢ \] وقال : ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ  \[ العنكبوت : ٢٠ \]. 
و " يوقنون " من أيقن بمعنى : استيقن، وقد تقدّم أن " أفعل " \[ يأتي \][(١٦)](#foonote-١٦) بمعنى :" استفعل " أي : يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان وهو العلم. 
وقيل : اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكًّا فيه، فلذلك لا تقول : تيقّنت وجود نفسي، وتيقنت أن السماء فوقي، ويقال ذلك في العلم الحادث، سواء أكان ذلك العلم ضرورياً أو استدلالياً. 
وقيل : الإيقان واليقين علم من استدلال، ولذلك لا يسمى الله موقناً ولا علمه يقيناً، إذ ليس علمه عن استدلال. 
وقرئ[(١٧)](#foonote-١٧) :" يُؤْقِنُون " بهمز الواو، وكأنهم جعلوا ضمّة الياء على الواو لأن حركة الحرف بين بين، والواو المضمومة يطرد قبلها همزة بشروط :
منها ألاّ تكون الحركة عارضة، وألاّ يمكن تخفيفها، وألاّ يكون مدغماً فيها، وألاّ تكون زائدة ؛ على خلاف في هذا الأخير، وسيأتي أمثلة ذلك في سورة " آل عمران " عند قوله : وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ  \[ آل عمران : ١٥٣ \]، فأجروا الواو السَّاكنة المضموم ما قبلها مُجْرَى المضمومة نفسها ؛ لما ذكرت لك، ومثل هذه القراءة قراءةُ قُنْبُلٍ " بالسُّؤْقِ " \[ ص : ٣٣ \] و " على سُؤْقِهِ " \[ الفتح : ٢٩ \] وقال الشاعر :\[ الوافر \]
أَحَبُّ المُؤْقِدَيْنِ إِلَيَّ مُؤْسَى \*\*\* وَجَعْدَةُ إِذْ أَضَاءَهُمَا الْوَقُودُ[(١٨)](#foonote-١٨)
بهمز " المؤقدين ". 
وجاء بالأفعال الخمسة بصيغة المضارع دلالة على التجدُّد والحدوث، وأنهم كل وقت يفعلون ذلك. 
وجاء ب " أنزل " ماضياً، وإن كان إيمانهم قبل تمام نزوله تغليباً للحاضر المنزول على ما لم ينزل ؛ لأنه لا بُدّ من وقوعه، فكأنه نزل من باب قوله : أَتَى أَمْرُ اللَّهِ 
\[ النحل : ١ \]، بل أقرب منه ؛ لنزول بعضه. 
### فصل فيما استحق به المؤمنون المدح


قال ابن الخطيب[(١٩)](#foonote-١٩) : إنه - تعالى- مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أنه لا يمدح المرء بتيقّن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلاّ إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب، والسؤال، وإدخال المؤمنين الجَنّة، والكافرين النار. 
روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال :" يا عجباً كل العَجَب من الشَّاك في الله وهو يرى خَلْقَهُ، وعجباً ممن يعرف النَّشْأَةَ الأولى ثم ينكر النَّشْأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البَعْثَ والنشور، وهو \[ في[(٢٠)](#foonote-٢٠) \] كل يوم وليلة يموت ويَحْيَا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنّة، ما فيها من النعيم، ثم يسعى لدار الغرور ؛ وعجباً من المتكبر الفخور، وهو يعلم أن أوله نطفةٌ مَذِرَةٌ، وآخره جيفة قَذرة " [(٢١)](#foonote-٢١). 
١ - ينظر الإنصاف: (٢٧٦)، الخزانة: (١/٤٥١)، الكشاف: (١/٤١)، القطر: (٢٩٥)، وقطر الندى: (٤١٧)، القرطبي: (١، ٢٧٢)، البحر: (٥/٢١٣)، الدر: (١/٩٨).
 واستشهد به على جواز عطف أحد الخبرين على الآخر بالواو، مع اتصاف مجموع المبتدأ بكل واحد من الخبرين؛ تقول: زيد كريم شجاع، وزيد كريم وشجاع؛ كما يعطف بعض الأوصاف على بعض؛ كما في الشاهد؛ حيث عطف ابن الهمام "وليث الكتيبة" على الصفة الأولى وهي "القرم".
 وكذا ما هو بمنزلته؛ في رجوع الضمير من كل واحد من الخبرين إلى مجموع المبتدأ، نحو: هذا أبيض وأسود وهذا حلو حامض، وأما إذا لم يرجع ضمير كل واحد إلى مجموع المبتدأ، نحو: هما عالم وجاهل، فلابد من الواو؛ لأن المبتدأ مفكوك تقديرا، أي: أحدهما عالم والآخر جاهل..
٢ - البيت لامرئ القيس. ينظر الحماسة: (١/٩٢)، الخزانة: (٢/٣٣١)، وأمالي الشجري: (٢/٢١٠)، الهمع: (٢/١١٩)، الدرر: (٢/١٥٠)، المغني (١/١٦٣)، الخزانة: (٥/١٠٧)، الكشاف: (١/١٣٣)، الدر: (١/٩٩)، سمط اللآلي: ٥٠٤، معجم الشعراء: ٢٠٨، الجنى الداني: ٦٥..
٣ - ينظر الإملاء: ١/١٣..
٤ - ينظر ديوانه: (٢٨)، الخزانة: ٤/١٣٧، أمالي ابن الشجري: ٢/٢٦٨، الهمع: ٢/٢٠، الدرر: ٢/١٣، الدر: ١/٩٩، وأدب الكتاب: ص ٥٠٦، وخزانة الأدب: ٩/٤٦٥، والجنى الداني: ص٣٨٧، وشرح شواهد المغني: ص ٢٢٣، جمهرة اللغة: ص ٧٩٨، ورصف المباني ص: ٨٣، وجواهر الأدب: ص ٣٤٣ وشرح الأشموني: ٢/٢٨٩، ومغني اللبيب: ص ٧٥..
٥ - عجز بيت لعمرو بن أحمر الباهلي وصدره:
 تقول وقد عاليت بالكور فوقها \*\*\*..................
 ينظر المغني: ٧٩، والأشموني: ٢/٢١٤، والدرر: ٢/١٣، والهمع: ٢/٢٠، والجنى الداني: ٣٨٨، والدر المصون: ١/١٠٠..
٦ - عيسى بن ميناء بن وردان بن عيسى المدني مولى الأنصاري أبو موسى أحد القراء المشهورين من أهل المدينة مولدا ووفاة، انتهت إليه الرياسة في علوم العربية والقراءة في زمانه بالحجاز، وكان أصم يقرأ عليه القرآن وهو ينظر إلى شفتي القارئ فيرد عليه اللحن والخطأ، و"قالون" لقب دعاه به نافع القارئ لجودة قراءته، ومعناه بلغة الروم جيد.
 ينظر الأعلام: ٥/١١٠ (٨٤٤)، النجوم الزاهرة: ٢/٢٣٥، غاية النهاية: ١/٦١٥..
٧ - قال في "الأساس": "أوحى إليه: وأومى إليه بمعنى، ووحيت إليه؛ وأوحيت: إذا كلمته بما تخفيه عن غيره، وأوحى الله إلى أنبيائه؛ وأوحى إلى النحل".
 وفي القاموس المحيط: "الوحي: الإشارة والكتابة؛ والمكتوب والرسالة؛ والإلهام والكلام الخفي؛ وكل ما ألقيته لغيرك".
 وقال الراغب: "أصل الوحي: الإشارة السريعة؛ ولتضمن السرعة قبل: أمر وحي، يعني: سريع، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعويض؛ وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب؛ وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله - تعالى - عن زكريا - عليه السلام -: "فخرج على قومه من المحراب؛ فأوحى إليهم: أن سبّحوا بكرة وعشيا" أي: أشار إليهم ولم يتكلم.
 ومنه: الإلهام الغزيري؛ كالوحي إلى النحل، قال تعالى: وأوحى ربك إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، الطاهر الروح؛ كالوحي إلى "أم موسى"؛ ومنه ضده؛ وهو وسوسة الشيطان، قال -تعالى -: "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم"، وقال: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدو شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا".
 فالخلاصة في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع؛ وهم أعم من أن يكون بإشارة أو كتابة أو رسالة؛ أو إلهام غريزي؛ أو غير غريزي، وهو بهذا المعنى لا يختص بالأنبياء؛ ولا بكونه من عند الله سبحانه.
 وأما في الشرع: فيطلق ويراد به: المعنى المصدري، ويطلق ويراد به: المعنى الحاصل بالمصدر، ويطلق ويراد به: الموحى به.
 ويعرف من الجهة الأولى: بأنه "إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم، من شرع أو كتاب، بواسطة أو غير واسطة" فهو أخص من المعنى اللغوي؛ لخصوص مصدره ومورده؛ فقد خص المصدر بالله سبحانه؛ وخص المورد بالأنبياء.
 ويعرف من الجهة الثانية: بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من عند الله؛ سواء أكان الوحي بواسطة أم بغير واسطة.
 ويعرف من الجهة الثالثة: بأنه ما أنزله الله على أنبيائه؛ وعرفهم به من أنباء الغيب، والشرائع، والحكم، ومنهم من أعطاه كتابا، ومنهم من لم يُعطه"
 ينقسم الوحي باعتبار معناه المصدري إلى ما يأتي:
 ١ -تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب؛ إما في اليقظة: وذلك مثل ما حدث لموسى عليه السلام؛ قال تعالى: "وكلم الله موسى تكليما"؛ ومثل ما حدث لنبينا "محمد" - صلوات الله وسلامه عليه - ليلة الإسراء والمعراج.
 ولأهل السنة قولان في الكلام المسموع: فقيل: هو الكلام النفسي القديم المجرد عن الحروف والأصوات، وقيل: هو كلام لفظي يخلقه الله، بحيث يعلم سامعه أنه موجه إليه من قبل الله، والقائلون بهذا لا ينكرون صفة "الكلام".
 أما الثاني فواضح، وأما الأول فلا استحالة فيه؛ لأن الثابت أن النبي قد خص بمزايا وخصائص لم توجد في غيره من أفراد نوعه، وأن نفسه بأصل فطرتها - مستعدة لما لم تستعد له نفوس غيره، فلا مانع إذا أن يسمع الكلام النفسي بطريقة غير مألوفة، ولا معروفة لنا، ويكون ذلك من خوارق النواميس العادية المعروفة لنا.
 وأما في المنام: كما في حديث "معاذ" مرفوعا: "أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟.." الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه وقال: حسن صحيح.
 ٢ - الإلهام أو القذف في القلب: بأن يلقي الله، أو الملك الموكل بالوحي في قلب نبيه ما يريد، مع تيقنه: أن ما ألقي إليه من قبل الله تعالى؛ وذلك مثل ما ورد في حديث: "إن روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" رواه الحاكم وصححه، عن ابن مسعود.
 ٣ - الرؤيا في المنام: ورؤيا الأنبياء وحيٌ؛ وذلك مثل رؤية إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - أن يذبح ابنه، ورؤية نبينا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - في منامه: أنهم سيدخلون البلد الحرام وقد كان. وفي الحديث الصحيح، الذي رواه "البخاري": "أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح..".
 ٤ - تعليم الله أنبياءه بوساطة ملك، والمختص بذلك من ملائكة الله هو أمين الوحي "جبريل" عليه السلام، وهذا القسم بعرف بـ "الوحي الجلي".
 وقد بين الله سبحانه - هذه الأقسام بقوله: "وما كان لبشر أن يكلمه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي - بإذنه - ما يشاء إنه عليّ حكيم"؛ إذ المراد بالوحي في الآية: الإلهام أو المنام؛ لمقابلته للقسمين الآخرين: التكليم من وراء حجاب أو بواسطة رسول.
 والوحي الذي بوساطة جبريل.. له حالات ثلاث:
 أن يأتي جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، وهذه الحالة نادرة وقليلة، وقد ورد عن السيدة "عائشة": "أن النبي لم ير "جبريل" على هذه الحالة إلا مرتين: مرة في الأرض، وهو نازل من غار "حراء"، ومرة أخرى في السماء، عند "سدرة المنتهى" ليلة المعراج" رواه أحمد.
 أن يأتي جبريل في صورة رجل كدحية الكلبي، أو أعرابي مثلا، ويراه الحاضرون ويسمعون من قوله، ولا يعرفون هويته، ولكن النبي يعلم علم اليقين أنه جبريل؛ وذلك كما في حديث جبريل الطويل في الصحيحين، وحديث أم سلمة، ورؤيتها رجلا على صورة دحية الكلبي، فظنته هو، حتى بيّن النبي لها أنه جبريل.
 ج- أن يأتي على صورة الملكية، وفي هذه الحالة لا يرى، ولكن يصحب مجيئه صوت كصلصلة الجرس، أو دوي كدوي النحل؛ وقد دل على هاتين الحالتين حديث سؤال "الحارث بن هشام" النبي صلى الله عليه وسلم: عن كيفية مجيء الوحي إليه؟ وهو في صحيح البخاري كما تقدم.
 والوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقيني ضروري من الموحى إليه؛ بأن ما ألقي إليه حاق من عند الله ليس من خطرات النفس ولا نزعات الشيطان، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية، كالجوع، والعطش والحب، والبغض.
 ينظر المدخل في علوم القرآن: ص ٨٣ - ٨٧.
٨ - ينظر الرازي: ٢/٣٠..
٩ - عبد الله بن سلام مخفف ابن الحارث الإسرائيلي اليوسفي أبو يوسف حليف القواقل الخزرجي. أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وشهد فتح بيت المقدس مع عمر وروى خمسة وعشرين حديثا اتفقا على حديث وانفرد بآخر شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ونزل فيه (وشهد شاهد من بني إسرائيل) وقوله تعالى: ومن عنده علم الكتاب وعنه ابنه يوسف وأبو هريرة وأنس. اتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وأربعين بالمدينة. رضي الله عنه.
 ينظر الخلاصة: ٢/٦٤ (٣٥٥٧)، تهذيب الكمال: ٢/٦٤، تهذيب التهذيب: ٥/٢٣٩ (٤٣٧)، تقريب التهذيب: ١/٤٢٢ (٣٧٠)..
١٠ - هو لعبد الله بن يعرب بن معاوية ونسبه أبو عبيدة ليزيد بن الصعق.
 ينظر همع الهوامع: (١/٢١٠)، المفصل: (٤/٨٨)، الأشموني: (١/٢٦٩)، الدرر: (١/١٧٦)، ابن يعيش: (٤/٨٨)، شرح الأشموني: (٢/٢٦٩)، شرح ابن عقيل: (٣/٧٣)، شرح الألفية للمرادي: (٢/٢٧٨)، وشرح الألفية لابن الناظم: (٤٠١)، وشرح الكافية الشافية: (٢/٩٦٥)، وارتشاف الضرب: (٢/٥١٤)، ومعاني القرآن: (٢/٣٢٠)، الدر: (١/١٠٠)..
١١ - البيت نسب إلى رجل من بني عقيل. ينظر الهمع: (١/٢٠٩)، الأشموني: (٢/١٦٩)، الدرر: (١/١٧٦)، شرح الكافية الشافية: (٢/٩٦٥)، وشرح الألفية: (٤٠١)، والتصريح: (٢/٥٠٢)، والهمع: (١/٢٠٩، ٢١٠)، وخزانة الأدب: (٦/٥٠١، ٥٠٦، ٥٠٩) والدر: (١/١٠٠)، وإصلاح المنطق: ١٤٦، أوضح المسالك: ٣/١٥٨، لسان العرب (بعد، خفا)، المقاصد النحوية: ٣/٤٣٦..
١٢ - سقط في أ..
١٣ - انظر البحر المحيط: ١/١٦٦، والمحرر الوجيز: ١/٨٦. وقرأ بها النخعي وأبو حيوة ويزيد بن قطيب..
١٤ - انظر البحر المحيط: ١/١٦٦..
١٥ - البيت لوضاح اليماني: ينظر اللسان: (جلل)، التهذيب: ١/٤٩١، البحر: ١/١٦٧، الدر: ١/١٠٠..
١٦ - سقط في ب..
١٧ - قرأ بها أبو حية النمري. انظر الشواذ: (١٠)، البحر المحيط: ١/١٦٧..
١٨ - البيت لجرير. ينظر ديوانه: (٢٨٨)، المحتسب: (١/٤٧)، الخصائص: (٢/١٧٥)، المغني: (٢/٦٨٤)، الكشاف: (١/٤٣)، شرح الشافية للرضي: (٣/٢٠٦)، والمقرب: (٥٢٠)، والممتنع: (١/٩١، ٣٤٢)، (٢/٥٦٥)، البحر: (١/١٦٧)، الدر: (١/١٠١) والأشباه والنظائر: ٢/١٢، ٨/٧٤، وشرح شواهد المغني: ٢/٩٦٢، والمحتسب: ١/٤٧، وسر صناعة الإعراب: ١/٧٩، وشرح شافية ابن الحاجب: ص ٢٠٦..
١٩ - ينظر الفخر الرازي: ٢/٣١..
٢٠ - سقط في أ..
٢١ - الحديث ذكره الرازي في: "تفسيره": (٢/٣١) ولا أراه يصح..

### الآية 2:5

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2:5]

" أولئك " مبتدأ، خبره الجار والمجرور بعده أي : كائنون على هُدًى، وهذه الجملة : إما مستأنفة، وإما خبر عن قوله : الذي يؤمنون إما الأولى وإما الثانية، ويجوز أن يكون " أولئك " وحده خبراً عن " الذين يؤمنون " أيضاً إما الأولى أو الثانية، ويكون " على هُدًى " في هذا الوجه في محلّ نصب على الحال، هذا كله إذا أعربنا " الذين يؤمنون " مبتدأ أما إذا جعلناه غير مبتدأ، فلا يخفى حكمه مما تقدم. 
ويجوز أن يكون " الذين يؤمنون " مبتدأ و " أولئك " بدل أو بَيَان، و " على هدى " الخبر. 
و " أولئك " : اسم إشارة يشترك فيه جماعة الذُّكور والإناث، وهو مبني على الكَسْرِ ؛ لشبهه بالحرف في الافتقار. 
وقيل :" أولاء " كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو :" هم " و " الكاف " للخطاب، كما في حرف " ذلك "، وفيه لغتان : المد والقصر : ولكن الممدود للبعيد، وقد يقال :" أولالك " قال :\[ الطويل \]

أُولاَلِكَ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أُشَابَةً  وَهَلْ يَعِظُ الضِّلِّيلَ إِلاَّ أُولاَلِكَا[(١)](#foonote-١)وعند بعضهم : المقصور للقريب والممدود للمتوسّط، و " أولالك " للبعيد، وفيه لغات كثيرة، وكتبوا " أولئكَ " بزيادة " واو " قبل " اللام ". 
قيل : للفرق بينها وبين " إليك ". 
و " الهدى " الرشد والبيان والبَصِيرة. 
و " مِنْ رَبِّهِمْ " في محل جر صفة ل " هدى " و " مِنْ " لابتداء الغاية، ونكر " هدى " ليفيد إبهامه التَّعظيم كقوله :\[ الطويل \]فَلاَ وَأَبِي الطَّيْرِ الْمُرِبَّةِ بِالضُّحَى  عَلَى خَالِدٍ لَقَدْ وَقَعْتُ عَلَى لَحْمِ[(٢)](#foonote-٢)وروي " من ربهم " بغير غُنّة، وهو المشهور، وبغُنّة، ويروى على أبي عمرو، و " أولئك " مبتدأ، و " هم " مبتدأ ثانٍ، و " المفلحون " خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون " هم " فصلاً أو بدلاً، و " المفلحون " الخبر. 
وفائدة الفصل : الفرق بين الخبر والتابع، ولهذا سمي فصلاً، ويفيد - أيضاً - التوكيد. 
**قال ابن الخطيب : يفيد فائدتين :**
إحداهما : الدلالة على أن " الوارد " بعده خبر لا صفة. 
والثاني : حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلت لإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلاّ في الإنسان. 
وقد تقدم أنه يجوز أن يكون " أولئك " الأولى، أو الثّانية خبراً عن " الذين يؤمنون "، وتقدم تضعيف هذين القولين. وكرر " أولئك " تنبيهاً على أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى ثبت لهم بالفلاح، فجعلت كل واحدة من الأُثْرَتَيْنِ في تميزهم بها عن غيرهم بمثابة لو انفردت لكانت مميزة عن حدّها، وجاء هنا بالواو بين جملة قوله تعالى : أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ  \[ الأعراف : ١٧٩ \] لأن الخبرين - هنا - متغايران، فاقتضى ذلك العطف، وأما تلك الآية الكريمة، فإن الخبرين فيها شيء واحد ؛ لأن التسجيل[(٣)](#foonote-٣) عليهم بالغَفْلَةِ، وتشبيههم بالأنعام[(٤)](#foonote-٤) معنى واحد، فكانت عن العَطْف بمعزل. 
قال الزمخشري : وفي اسم الإشارة الذي هو " أولئك " إيذانٌ بأن ما يراد عقبه، والمذكورين قبله أهل لاكتسابه من أجل الخِصَال التي عددت لهم، كقول حاتم :\[ الطويل \]وَلِلَّهِ صُعْلُوكٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٥)](#foonote-٥)ثم عدَّد له فاضلة، ثم عقَّب تعديدها بقوله :\[ الطويل \]فَذَلِكَ إِنْ يَهْلِكْ فَحُسْنَى ثَنَاؤُهُ  وَإِنْ عَاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفاً مُذَمَّمَا[(٦)](#foonote-٦)و " الفلاح " أصله : الشقُّ ؛ ومنه قوله :\[ الرجز \]إِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلِحُ[(٧)](#foonote-٧) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .ومنه قول بكر بن النّطاح[(٨)](#foonote-٨) :\[ الكامل \]لاَ تَبْعَثَنَّ إِلَى رَبِيعة غَيْرَهَا  إِنَّ الْحَدِيدَ بِغَيْرِهِ لا يُفْلَحُ[(٩)](#foonote-٩)ويعبر به عن الفوز، والظفر بالبغية وهو مقصود الآية ؛ ويراد به البقاء قال :\[ الرجز \]لَوْ أَنَّ حَيَّا مُدْرِكُ الفَلاَحِ  أَدْرَكَهُ مُلاَعِبُ الرِّمَاحِ[(١٠)](#foonote-١٠)وقال :\[ الطويل \]نَحُلُّ بِلاَداً كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا  ونَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ[(١١)](#foonote-١١)وقال :\[ المنسرح \]لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُوم سَعَهْ  والْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لاَ فَلاَحَ مَعَهْ[(١٢)](#foonote-١٢)والمُفْلج - بالجيم - مثله، ومعنى التعريف في " المُفْلِحون " الدلالة على أن المتقين هم الناس أي : أنهم الذين إذا حصلت صفةُ المفلحين فهم هم كما تقول لصاحبك : هل عرفت الأسد، وما جُبِلَ عليه من فرط الإقدام ؟ إن زيداً هو هو. 
### فصل فيمن احتج بالآية على مذهبه


هذه الآية يتمسّك بها الوعيدية والمُرْجِئة. 
**أما الوعيديّة فمن وجهين :**
الأول : أن قوله : وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  يقتضي الحصر، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحاً، وذلك يوجب القطع بوعيد تارك الصَّلاة والزكاة. 
الثاني : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة[(١٣)](#foonote-١٣) لذلك الحكم، فيلزم أن تكون علّة الفلاح في فعل الإيمان والصلاة والزكاة، فمن أخلّ بهذه الأشياء لم تحصل له علّة الفلاح، فوجب ألا يحصل الفلاح. 
وأما المُرْجئة : فقد احتجّوا بأن الله حكم بالفَلاَح على الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية، فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحاً، وإن زَنَى وشَرِبَ الخَمْرَ وسَرَقَ، وإذا ثبت تحقق العفو في هذه الطائفة ثبت في غيرهم ضرورة ؛ لأنه لا قائل بالفرق. 
قال ابن الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : والجواب أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر، فيتساقطان. 
والجواب عن قول الوعيدية : أن قوله :" أولئك هم المفلحون " يدل على أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل الفلاح، ونحن نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملاً في الفلاح، وهو غير جازمٍ بالخلاص من العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفاً. 
وعن الثاني : أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تَعَالى. 
والجواب عن قول المرجئة : أنّ وصفهم بالتقوى يكفي لنَيْلِ الثواب ؛ لأنه يتضمّن اتقاء المعاصي، واتقاء ترك الواجبات، والله أعلم. 
١ - البيت للأعشى ينظر شرح المفصل: ١٠/٦، ونوادر أبي زيد: ص ١٥٤، وإصلاح المنطق: ص ٣٨٢، والدرر: ١/٢٣٥، وسر صناعة الإعراب: ١/٣٢٢، وشرح التصريح: ١/١٢٩، والصاحبي في فقه اللغة: ص ٤٨، واللامات: ص ١٣٢، والمنصف: ١/١٦٦، ٣/٢٦، وهمع الهوامع: ١/٧٦، الدر المصون: ١/١٠١..
٢ - البيت لأبي خراش الهذلي ينظر في خزانة الأدب: ٥/٧٥، ٧٦، ٧٨، ٨١، ١١/٤٧، وشرح أشعار الهذليين: ٣/١٢٢٦، ومجالس ثعلب: ص ١٥١، ٢١٢، ولأبي ذؤيب الهذلي في خزانة الأدب: ٥/٨٥، ٦/٢٠٨، الكشاف: ١/٤٥، الدر: ١/١٠١.
 .
٣ - في أ: التمثيل..
٤ - في أ: بالبهائم..
٥ - جزء بيت وتمامه:................ يساور همه  ويمضي على الأحداث والدهر مقدما ينظر ديوانه: (٤٥)، والخزانة: ٣/١٢٥، الكشاف: ١/٤٤، والدر المصون: ١/١٠٢..
٦ - ينظر البيت في الخزانة: ٣/١٢٥، الكشاف: ١/٤٤، والدر المصون: ١/١٠٢..
٧ - عجز بيت وصدره:قد علمت خيلك أني الصحصح ...................... ينظر اللسان: (فلح)، مجمع الأمثال: ١/٨، والدر المصون: ١/١٠٢..
٨ - بكر بن النطاح الحنفي، أبو وائل، شاعر غزل، من فرسان بني حنيفة، من أهل اليمامة، انتقل إلى بغداد في زمن الرشيد، واتصل بأبي دلف العجلي، فجعل له رزقا سلطانيا عاش به إلى أن توفي، ورثاه أبو العتاهية بقوله:مات النطاح أبو وائل  بكر، فأضحى الشعر قد ماتا. توفي سنة ١٩٢هـ.
 انظر فوات الوفيات: ١/٧٩، البداية والنهاية: ١٠/٢٠٨، الأعلام: ٢/٧١..
٩ - ينظر الدر المصون: ١/١٠٢..
١٠ - البيت للبيد بن ربيعة، ينظر ديوانه: (٣٣٣)، المغني: (١/٢٧٠)، (٤٣٥)، الهمع: (١/١٣٩)، الدرر: (١/١١٥)، القرطبي: (١/١٢٧)، الدر: (١/١٠٢)..
١١ - البيت للبيد بن ربيعة. ينظر ديوانه: ٥٧، مجاز القرآن: ١/٣٠، القرطبي: ١/١٢٧، الدر: ١/١٠٢..
١٢ - البيت للأضبط بن قريع. ينظر القرطبي: (١/١٢٧)، المحرر الوجيز: (١/١٨٦)، الدر: ٠١/١٠٢)..
١٣ - العلّة تأتي بكسر العين وبفتحها:
 أما بالكسر: فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال: اعتلّ العليل علة صعبة؛ من علّ يعل، واعتلّ، أي: مرض فهو عليل، وأما بالفتح: فإنها تأتي بمعنى الضرّة: وبنو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى، وإنما سميت الزوجة الثانية علّة؛ لأنها تعل بعد صاحبتها؛ ومن العلل الذي يعنى به: الشربة الثانية عند سقي الإبل، والأولى منها تسمى النهل.
 ويقال: هذا علة لهذا، أي: سبب، وفي حديث عائشة: "فكان عبد الرحمان يضرب رجلي بعلة الراحلة"، أي: بسببها.
 أما العلة عند علماء الأصول؛ فلها تعريفات كثيرة منها:
 **الأول: أنه يراد بها:**
 الوصف المؤثر في الأحكام لجعل الشارع لا لذاته، ومما سار على ضرب هذا التعريف الإمام الغزالي، وبعض الأصوليين. قال حجة الإسلام - قدس الله سره ونوّر ضريحه -: والعلة في الأصل: عبارة عما يتأثر المحلّ بوجوده؛ ولذلك سمي المرض علة، وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق.
 وقال أيضا: العلة عبارة عن موجب الحكم؛ والموجب: ما جعله الشرع موجبا، مناسبا كان أو لم يكن، وهي كالعلل العقلية في الإيجاب، إلا أن إيجابها بجعل الشارع إياها موجبة لا بنفسها.
 وقال أيضا: والعلّة موجبة؛ أما العقلية فبذاتها، وأما الشرعية فبجعل الشرع إياها موجبة، على معنى إضافة الوجوب إليها؛ كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله - تعالى -.
 والثاني: أنه يراد بها: المعرف للحكم، والذين صاروا إلى هذا التعريف يجعلونها بهذا المعنى - علما - على الحكم، فمتى ما وجد المعنى المعلّل به، عرف الحكم حتى إن بعضهم صرّح بكونها كذلك؛ فقال: ما جعل علما على حكم النص، وعنوا بقولهم: "علما": الأمارة والعلامة؛ وبهذا تكون العلة أمارة على وجود الحكم في الفرع والأصل معا، أو علامة على وجوده في الفرع فقط؛ كما يرى بعض الأصوليين. كما أنهم أيضا أشاروا إلى أن العلّة غير مؤثر حقيقة، بل المؤثر في الحقيقة هو الله -تعالى - ويردّون بذلك على من يقول: إنها هي المؤثّر.
 وممن ذهب إلى هذا التعريف: الإمام البيضاوي، وكثير من علماء الأحناف، وبعض فقهاء الحنابلة.
 والثالث: أن العلة هي الوصف المؤثّر بذاته في الحكم.
 وبعبارة أخرى: هي الموجب للحكم بذاته؛ بناء على جلب المصالح، أو دفع المفاسد التي قصدها الشارع، وهذا التعريف ذكره الأصوليون عن جماهير المعتزلة.
 قال أبو الحسين البصري في المعتمد: وأما العلة في اصطلاح الفقهاء: فهي ما أثّرت حكما شرعيا، وإنما يكون الحكم شرعيا إذا كان مستفادا من الشرع.
 ينظر الصحاح للجوهري: ٥/١٧٧٣، تهذيب اللغة للأزهري: ١/١٠٥، ترتيب القاموس: ٣/٣٥٠، لسان العرب: ٤/٣٠٧٩ - ٣٧٨٠. البحر المحيط للزركشي: ٥/١١١، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٣/١٨٥، نهاية السول للإسنوي: ٤/٥٣، منهاج العقول للبدخشي: ٣/٥٠، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري: ص ١١٤، التحصيل من المحصول للأرموي: ٢/٢٢٢، المستصفى للغزالي: ٢/٢٨٧، ٣٣٥، حاشية البناني: ٢/٢٣١، الآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٤/٣٢، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني: ص ٤٧، حاشية العطار على جمع الجوامع: ٢/٢٧٢، المعتمد لأبي الحسين: ٢/٢٤٦، التحرير لابن الهمام: ص ٤٣١، تيسير التحرير لأمير بادشاه: ٣/٣٠٢، كشف الأسرار للنسفي: ٢/٢٨١، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ٢/٢١٧، شريح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: ٢/٦٢، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين: ص ٢٤٣، ميزان الأصول للسمرقندي: ٢/٨٢٥، إرشاد الفحول للشوكاني: ص٢١٠، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج: ٣/١٤١..
١٤ - ينظر الفخر الرازي: ٢/٣٣..

### الآية 2:6

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:6]

اعلم أن الحروف لا أَصْلَ لها في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى، فاقتضى كونه عاملاً. 
أما المُشَابهة في اللفظ فلأنه تركّب من ثلاثة أحرف انفتح آخرها، ولزمت الأسماء كالأفعال، وتدخل نون الوقاية نحو " إنّني وكأنّني " كما تدخل على الفعل نحو :" أعطاني وأكرمني "، وأما المعنى فلأنه[(١)](#foonote-١) يفيد معنى في الاسم، فلما اشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل. 
روى ابن الأنباري " أن الكِنْدِيّ " [(٢)](#foonote-٢) المتفلسف ركب إلى المبرد وقال : إني أجد في كلام العرب حشواً، أجد العرب تقول :" عبد الله قائم "، ثم يقولون :" إنَّ عبد الله قائم " ثم يقولون :" إِنّ عبد الله لقائم ". 
فقال المبرد : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ : فقولهم :" عبد الله قائم " إخبار عن قيامه، وقولهم :" إن عبد الله قائم " جواب عن سؤال سائل، وقولهم :" إن عبد الله لقائم " جواب عن إنكار منكر لقيامه. 
واحتج عبد القاهر على صحّة قوله بأنها إنما تذكر جواباً لسؤال سائلٍ بقوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ  \[ الكهف : ٨٣ \] إلى أن قال : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ ، وقوله : نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ  \[ الكهف : ١٣ \]، وقوله : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ  \[ الشعراء : ٢١٦ \]. 
قال عبد القاهر : والتحقيق أنّها للتأكيد، فإذا كان الخبر ليس يظنّ المخاطب خلافه لم يحتج إلى " إن "، وإنما يحتاج إليها إذا ظنّ السامع الخلاف، فأما دخوله اللاّم معها في جواب المنكر، فلأن الحاجة إلى التأكيد أشد. 
فإن قيل : فلم لا دخلت " اللام " في خبرها في قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ  \[ المؤمنون : ١٦ \]، وأدخل " اللام " في خبرها في قوله قبل ذلك : ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ  \[ المؤمنون : ١٥ \]، وهم كانوا يتيقنون الموت، فلا حاجة إلى التأكيد، فكانوا ينكرون البعث فكانت الحاجة لدخول " اللام " على البعث أشد ليفيد التأكيد. 
فالجواب : أن التأكيد حصل أولاًَ بقوله : خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ  \[ المؤمنون : ١٢- ١٤ \]. 
فكان ذكر هذه السبع مراتب في خلق الإنسان أبلغُ في التأكيد من دخول " اللام " على خبر " إن "، فلذلك استغنى عن دخول " اللام " على خبر " إن "، وهي تنصب الاسم، وترفع الخبر خلافاً للكوفيين بأن رفعه بما كان قبل دخولها. 
وتقرير الأول أنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ أو الخبر معاً، وتنصبهما معاً، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل ؛ لأنهما كانا مرفوعين قبل دخولهما، فلم يظهر للعمل أثر ألبتة، ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الاسمين، فلا معنى للاشتراك، والفرع لا يكون أقوى من الأصل. 
والثاني - أيضاً - باطل، لأنه مخالف لعمل الفِعْلِ، لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خُلُوه عما يرفعه. 
والثالث - أيضاً - باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع ؛ لأن الفعل يعمل في الفاعل أولاً بالرفع ؛ ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف ها هنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع. 
ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعيّن الرابع، وهي أنها تنصب الاسم، وترفع الخبر، وهذا مما ينبّه على أن هذه الحروف لَيْسَتْ أصلية في العمل ؛ لأنّ تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل. 
وتخفّف " إن " فتعمل وتهمل، ويجوز فيها أن تباشر الأفعال، لكن النواسخ غالباً تختص بدخول " لام " الابتداء في خبرها، أو معمولة المقدم عليها، أو اسمها المؤخّر، ولا يتقدم خبرها إلا ظرفاً أو مجروراً، وتختص - أيضاً - بالعَطْفِ على محل اسمها، ولها ولأخواتها أحكام كثيرة. 
و " الذين " اسمها و " كفروا " صلة وعائد، و " لا يؤمنون " خبرها، وما بينهما اعتراض، و " سواء " مبتدأ، و " أنذرتهم " وما بعده في قوة التَّأويل بمفرد هو الخبر، والتقدير : سواء عليهم الإنذار وعدمه، ولم يحتج هنا إلى رَابِطٍ ؛ لأنّ الجملة نفس المبتدأ، ويجوز أن يكون " سواء " خبراً مقدماً، و " أنذرتهم " بالتأويل المذكور مبتدأ مؤخر تقديره : الإنذار وعدمه سواء. 
قال ابن الخَطِيْبِ[(٣)](#foonote-٣) : اتفقوا على أنّ الفِعْل لا يخبر عنه ؛ لأن قوله :" خرج ضرب " ليس بكلام منتظم، وقد قدحوا فيه بوجوه :
أحدها : أنّ قوله : أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ  فعل، وقد أخبر عنه بقوله : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ، ونظيره  ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ  فاعل " بَدَا " هو " يسجننه ". 
وثانيها : أن المخبر عنه بأنه فعل لا بد وأن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل. 
فإن قيل : المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم. 
قلنا : فعلى هذا المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل اسماً كان هذا الخبر كذباً ؛ والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً ؛ لأن الاسم لا يكون فعلاً، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه. 
وثالثها : أنا إذا قلنا : الفعل لا يخبر عنه، فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أَنَّا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه، وهذا خطأ، وإن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه. ثم قال هؤلاء : لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجةٌ إلى ترك الظاهر[(٤)](#foonote-٤). 
أما جمهور النحويين فقالوا : لا يجوز الإخبار عن الفعل، فلا جرم كان التقدير : سواء عليهم إنذارك وعدمه. 
وهذه الجملة يجوز أن تكون معترضة بين اسم " إن " وخبرها، وهو " لا يؤمنون " كما تقدم، ويجوز أن تكون هي نفسها خبراً ل " إن "، وجملة " لا يؤمنون " في محل نصب على الحال، أو مستأنفة، أو تكون دعاءً عليهم بعد الإيمان - وهو بعيد - أو تكون خبراً بعد خبر على رأي من يجوز ذلك. 
ويجوز أن يكون " سواء " وحده خبر " إن "، و " أأنذرتهم " وما بعده بالتأويل المذكور في محل رفع بأنه فاعل له، والتقدير : استوى عندهم الإنذار وعدمه. 
و " لا يؤمنون " على ما تقدّم من الأوجه أعني : الحال والاستئناف والدعاء والخبرية. 
والهمزة في " أأنذرتهم " الأصل فيها الاستفهام، وهو - هنا - غير مراد، إذ المراد التسوية، و " أنذرتهم " فعل وفاعل ومفعول. 
و " أم " - هنا - عاطفة وتسمى متصلةً، ولكونها متصلة شرطان :
أحدهما : أن يتقدمها همزة استفهام أو تسوية لفظاً أو تقديراً. 
والثاني : أن يكون ما بعدها مفرداً أو مؤولاً بمفرد كهذه الآية، فإن الجملة فيها بتأويل مفرد كما تقدم، وجوابها أحد الشَّيئين أو الأشياء، ولا تجاب ب " نعم " ولا ب " لا "، فإن فقد الشرط سميت منقطعة ومنفصلة، وتقدر ب " بل والهمزة "، وجوابها " نعم " أو " لا " ولها أحكام أخر[(٥)](#foonote-٥). 
و " لم " حرف جزم معناه نفي الماضي مطلقاً خلافاً لمن خصَّها بالماضي المنقطع، ويدلّ على ذلك قوله تعالى : وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً  \[ مريم : ٤ \]  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  \[ الإخلاص : ٣ \]. وهذا لا يتصور فيه الانقطاع، وهي من خواصّ صيغ المضارع إلاّ أنها تجعله ماضياً في المعنى كما تقدم. وهل قلبت اللفظ دون المعنى أو المعنى دون اللفظ ؟
قولان : أظهرهما الثاني : وقد يحذف مجزومها كقوله :\[ الكامل \]

إِحْفَظْ وَدِيعَتَك الَّتِي اسْتُودِعْتَهَا  يَوْمَ الأَعَازِبِ، إِنْ وَصَلْتَ، وَإِنْ لَمِ[(٦)](#foonote-٦)و " الكفر " أصله : الستر ؛ ومنه :" الليل الكَافِرُ " ؛ قال :\[ الرجز \]فَوَرَدَتْ قَبْلَ انْبِلاَجِ الْفَجْرِ  وَابْنُ ذُكَاءٍ كَامِنٌ فِي كَفْرِ[(٧)](#foonote-٧)وقال \[ الكامل \]فَتَذَكَّرَا ثَقَلاً رَثِيداً بَعْدَما  أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا فِي كَافِرِ[(٨)](#foonote-٨)والكفر - هنا - الجحود. وقال آخر :\[ الكامل \]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا[(٩)](#foonote-٩)قال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ " الكفر " في القرآن على أربعة أَضْرُبٍ :
الأول : الكُفْر بمعنى ستر التوحيد وتغطيته قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ  ؟
الثاني : بمعنى الجُحُود قال تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  \[ البقرة : ٨٩ \]. 
الثالث : بمعنى كفر النّعمة، قال تعالى : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ  \[ إبراهيم : ٧ \] أي : بالنعمة، ومثله : وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ  \[ البقرة : ١٥٢ \] وقال تعالى : أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ  \[ النمل : ٤٠ \]. 
الرابع : البراءة، قال تعالى : إِنَّا بُرَآؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ  \[ الممتحنة : ٤ \] أي : تبرأنا منكم، وقوله : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ  \[ العنكبوت : ٢٥ \]. 
و " سواء " اسم معنى الاستواء، فهو اسم مصدر، ويوصف على أنه بمعنى مستوٍ، فيحتمل حينئذ ضميراً، ويرفع الظاهر، ومنه قولهم :" مررت برجل سواء والعدم " برفع " العدم " على أنه معطوفٌ على الضمير المستكنّ في " سواء "، وشذ عدم بمعنى :" مثل "، تقول :" هما سِيّان " بمعنى : مِثْلان، قال :\[ البسيط \]مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا  وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ سِيَّانِ[(١٠)](#foonote-١٠)على أنه قد حكي سواءان. وقال الشاعر :\[ الطويل \]وَلَيْلٍ تَقُولُ النَّاسُ فِي ظُلُماتهِ  سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ الْعُيُونِ وَعُورُهَا[(١١)](#foonote-١١)ف " سواء " خبر عن جمع هو " صحيحات "، وأصله : العدل ؛ قال زهير :\[ الوافر \]أَرُونَا سُبَّةً لا عَيْبَ فِيهَا  يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيْها السَّوَاءُ[(١٢)](#foonote-١٢)أي : يعدل بيننا العدل. وليس هو الظرف الذي يستثنى به في قولك :" قاموا سواء زيد " وإن شاركه لفظاً. 
ونقل ابن عطية عن الفارسي فيه اللغات الأربع المشهورة في " سوى " المستثنى به، وهذا عجيب فإن هذه اللغات في الظرف لا في " سواء " الذي بمعنى الاستواء. 
وأكثر ما تجيء بعده الجملة المصدرية بالهمزة المُعَادلة ب " أم " كهذه الآية، وقد تحذف للدلالة كقوله تعالى : فَاصْبِرُواْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ  \[ الطور : ١٦ \] أي : أصبرتم أم لم تصبروا، وقد يليه اسم الاستفهام معمولاً لما بعده كقول علقمة :\[ الطويل \]سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَيَّ حِينٍ أَتَيْتَهُ  أَسَاعَةَ نَحْسٍ تُتَّقى أَمْ بأَسْعَدِ[(١٣)](#foonote-١٣)ف " أي حين " منصوب ب " أتيته "، وقد يعرى عن الاستفهام، وهو الأصل ؛ نحو :\[ الطويل \]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سَوَاءٌ صَحِيْحاتُ الْعُيُونِ وَعُورُهَا[(١٤)](#foonote-١٤)### فصل في استعمالات " سواء " 


**وقد ورد لفظ " سواء " على وجوه :**
الأول : بمعنى :١ - في ب: فلا..
٢ - يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي أبو يوسف فيلسوف العرب والإسلام في عصره وأحد أبناء الملوك من كندة نشأ في البصرة وانتقل إلى بغداد فتلعم واشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك، قال ابن جلجل "ولم يكن في الإسلام غيره احتذى في تواليفه حذو أرسطاطاليس" من كتبه: رسالة في التنجيم، والقول في النفس. ينظر الأعلام: ٨/١٩٥ (١٧٦٩)، ابن خلكان: ٢/٣٠٩، هدية العارفين: ٢/٥٣٦..
٣ - ينظر الفخر الرازي: ٢/٣٨..
٤ - سقط في أ..
٥ - "أم" حرف عطف، وهي نوعان: متصلة وهي قسمان:
 الأول: أن يتقدم عليها همزة التسوية، نحو: سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم \[البقرة: ٦\].
 الثاني: أن يتقدم عليها همزة يُطلب بها وبأم التعيين، نحو: الذكرين حرّم أم الأنثيين \[الأنعام: ١٤٤\].
 وسميت في القسمين متصلة، لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى أيضا: "معادلة"؛ لمعادلتها للهمزة في إفادة التسوية في القسم الأول، والاستفهام في الثاني.
 **ويفترق القسمان من أربعة أوجه:**
 أحدها وثانيها: أن الواقعة بعد همزة التسوية جواباً؛ لأن المعنى معهما ليس على الاستفهام؛ لأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب، لأنه خبر، وليست تلك كذلك، الاستفهام منها على حقيقته.
 والثالث والرابع: أن الواقعة بهد همزة التسوية لا تقع إلا بين الجملتين، ولا تكون الجملتان معها إلا في تأويل المفردين، وتكون الجملتان فعليتين واسميتين ومختلفتين، نحو: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون، و"أم" الأخرى تقع بين المفردين، وهو الغالب فيها، نحو: أأنتم أشد خلقا أم السماء وبين جملتين ليستا في تأويلهما.
 **النوع الثاني: منقطعة وهي ثلاثة أقسام:**
 مسبوقة بالخبر المحض نحو تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه \[السجدة: ٢، ٣\].
 ومسبوقة بالهمزة لغير الاستفهام، نحو: ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها \[الأعراف: ١٩٥\]؛ إذ الهمزو في ذلك للإنكار، فهي بمنزلة النفي، والمتصلة لا تقع بعده.
 ومسبوقة باستفهام بغير الهمزة، نحو: قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور \[الرعد: ١٦\].
 ومعنى "أم" المنقطعة الذي لا يفارقها الإضراب، ثم تارة تكون له مجردا وتارة تضمن مع ذلك استفهاما إنكاريا.
 فمن الأول: أم هل تستوي الظلمات والنور \[الرعد: ١٦\] لأنه لا يدخل الاستفهام على استفهام.
 ومن الثاني: أم له البنات ولكم البنون \[الطور: ٣٩\]، تقديره: بل ألهُ البنات؛ إذ لو قدّرت الإضراب المحض، لزم المحال. انظر الإتقان: (٢/١٦ – ١٦٤ – ١٦٥)..
٦ - البيت لإبراهيم بن هرمة ينظر ديوانه: ١٩١، والمغني ٣١٠، وشرح شواهده: ٦٨٢، وخزانة الأدب: ٩/٨، والعيني: ٤/٤٤٣، والتصريح: ٢/٢٤٧، والهمع: ٢/٥٦، والأشموني: ٤/٦، والأشباه والنظائر: ٢/٧٣..
٧ - البيت لحميد الأرقط. ينظر إصلاح المنطق: (١٢٦)، القرطبي: (١/١٢٨)، الدر: (١/١٠٤)..
٨ - البيت لثعلبة بن صُعَير العدويّ، ينظر المحتسب: (٢/٢٣٤)، المفضليات: (٢٥٧)، الطبري: (١/١٤٣)، المحرر الوجيز: (١/٨٧)، القرطبي: (١/١٢٨)، الدر: (١/١٠٤)..
٩ - عجز بيت للبيد بن ربيعة وصدره:يعلو طريقة متنها متواتر .................... ينظر ديوانه: (٣٠٩)، القرطبي: ١/١٢٨، والمحرر الوجيز: ١/٨٧، والطبري: ١/١٤٣، والدر المصون: ١/١٠٤..
١٠ - البيت لكعب بن مالك ينظر ديوانه: ص ٢٨٨، وشرح أبيات سيبويه: ٢/١٤٩، ١٠٩، وله أو لعبد الرحمان بن حسان في خزانة الأدب: ٩/٤٩، ٥٢، وشرح شواهد المغني: ١/١٧٨، ولعبد الرحمان بن حسان في خزانة الأدب: ٢/٣٦٥، ولسان العرب (بجل)، والمقتضب: ٢/٧٢، ومغني اللبيب: ١٠/٥٦، والمقاصد النحوية: ٤/٤٣٣، ونوادر أبي زيد: ص ٣١، ولحسان بن ثابت في الدرر: ٥/٨١، والكتاب: ٣/٦٥، وليس في ديوانه، والأشباه والنظائر: ٧/١١٤، وأوضح المسالك: ٤/٢١٠، والخصائص: ٢/٢٨١، وسر صناعة الإعراب: ١/٢٦٤، ٢٦٥، وشرح شواهد المغني: ١/٢٨٦، وشرح المفصل: ٩/٢، ٣، والمحتسب: ١/١٩٣، والمقرب: ١/٢٧٦، والمنصف: ٣/١١٨، وهمع الهوامع: ٢/٦٠..
١١ - البيت للأعشى ينظر ديوانه: ص ٤٢٣، ولمضرس بن ربعي، الحماسة الشجرية: ٢/٧١٠، خزانة الأدب: ٥/١٨، ديوان المعاني: ١/٣٤٣، لسان العرب (سوج)، الطبري: (١/١٤٤)، البحر المحيط: (١/١٧١)، والجامع لأحكام القرآن: (١/١٨٤)، الدر المصون: (١/١٠٤)..
١٢ - ينظر ديوانه: (٢٠)، الحجة: (١/١٨٤)، ومجمع البيان: (١/٨٩)، الدر المصون: (١/١٠٤)..
١٣ - البيت لزهير بن أبي سلمى. ينظر ديوانه: ص (٢٣٢)، ورصف المباني: ص ٤٦، والمقتضب: ٣/٢٨٨، ومجمع البيان: (١/٩٢)، الدر المصون: ١/١٠٥..
١٤ - تقدم برقم (١٥٠)..

### الآية 2:7

> ﻿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:7]

اعلم أنه - تعالى - لما بيَّن في الآية الأولى أنَّهُمْ لا يؤمنون أخبر في هذه الآية السَّبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم. 
واعلم أن الختم والكَتْم أخوان وهو : الاشتياق بالشَّيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية ؛ لئلا يتوصّل إليه، ومنه : الخَتْم على الباب. 
 " على قلوبهم " متعلّقة ب " ختم "، و " على سمعهم " يحتمل عطفه على " قلوبهم "، وهو الظاهر، للتصريح بذلك، أعني : نسبة الختم إلى السمع في قوله تعالى : وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ  \[ الجاثية : ٢٣ \] ويحتمل أن يكون خبراً مقدماً، وما بعده عطف عليه. 
و " غشاوة " مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خَبرُها ظرفاً، أو حرف جر تاماً، وقدم عليها جاز الابتداء بها، \[ ويكون تقديم الخبر حينئذ واجباً ؛ لتصحيحه الابتداء بالنكرة \][(١)](#foonote-١)، والآية من هذا القبيل، وهذا بخلاف قوله تعالى : وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ  \[ الأنعام : ٢ \] ؛ ويبتدأ بما بعده، وهو " وعلى أبصارهم غشَاوَةٌ " ف " على أبصارهم " خبر مقدم، و " غِشَاوة " مبتدأ مؤخر. 
وعلى الاحتمال الثاني يوقف على " قلوبهم "، وإنما كرر حرف الجر ؛ ليفيد التأكيد ويشعر ذلك بتَغَايُرِ الختمين، وهو : أن ختم القلوب غير ختم الأسماع. 
وقد فرق النحويون بين " مررت بزيد وعمرو " وبين " مررت بزيد وبعمرو " فقالوا في الأول هو ممرور واحد، وفي الثاني هما ممروران، وهو يؤيد ما قُلْتُهُ، إلا أن التعليل بالتأكيد يشمل الإعرابين، أعني : جعل " وعلى سمعهم " معطوفاً على قوله :" على قلوبهم "، وجعله خبراً مقدماً. 
وأما التعليل بتغاير الختمين فلا يجيء إلا على الاحتمال الأول، وقد يُقَال على الاحتمال الثاني أن تكرير الحرف يُشعر بتغاير الغِشَاوتين، وهو أنَّ الغشاوة على السَّمع غير الغِشَاوة على البَصَرِ، كما تقدم ذلك في الختمين. 
وقرئ[(٢)](#foonote-٢) : غِشَاوة بالكسر والنصب، وبالفتح والنصب وبالضَّم والرفع، وبالكسر والرفع - و " غشوة " بالفتح والرفع والنصب - و " عشاوة " بالعين المهملة، والرفع من العَشَا. 
**فأما النصب ففيه ثلاثة أوجه :**
الأول : على إضمار فعل لائق، أي : وجعل على أبصارهم غِشَاوة، وقد صرح بهذا العامل في قوله تعالى : وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً  \[ الجاثية : ٢٣ \]. 
والثاني : الانتصاب على إسقاط حرف الجر، ويكون " على أَبْصَارهم " معطوفاً على ما قبله، والتقدير : ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم بغشاوة، ثم حذف الجر، فانتصب ما بعده ؛ كقوله :\[ الوافر \]

تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا  كَلاَمُكُم عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ[(٣)](#foonote-٣)أي : تمرون بالدِّيَار، ولكنه غير مقيس. 
والثالث : أن يكون " غشاوة " اسماً وضع موضع المصدر الملاقي ل " خَتَمَ " في المعنى ؛ لأن الخَتْمَ والتغشية يشتركان في معنى السّتر، فكأنه قيل :" وختم تغشية " على سبيل التأكيد، فهو من باب " قعدت جلوساً "، وتكون " قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة ". 
وقال الفَارِسِيّ : قراءة الرفع الأولى، لأن النَّصب إما أن تحمله على ختم الظاهر، فَيَعْرِضُ من ذلك أنك حُلْتَ بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدلّ عليه " ختم "، تقديره : وجعل على أبصارهم غشاوة، فهذا الكلام من باب :\[ الكامل \]يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا  مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحا[(٤)](#foonote-٤)وقوله :\[ الرجز \]عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً  حتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا[(٥)](#foonote-٥)ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سَعَةٍ، ولا اختيار. 
واستشكل بعضهم هذه العبارة، وقال : لا أدري ما معنى قوله ؛ لأن النصب إما أن تحمله على " خَتَم " الظاهر، وكيف تحمل " غشاوة " المنصوب على " ختم " الذي هو فعل هذا ما لا حمل فيه ؟
قال : اللّهم إلا أن يكون أراد أن قوله تعالى :" ختم الله على قلوبهم " دعاء عليهم لا خَبَر، ويكون " غشاوة " في معنى المصدرية المَدْعُو به عليهم القائم مقام الفعل، فكأنه قيل : وغَشَّى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفاً على " ختم " عطف المصدر النائب مناب فعله في الدّعاء، نحو :" رحم الله زيداً وسُقياً له " فتكون إذ ذاك قد حُلْت بين " غشاوة " المعطوف وبين " خَتَمَ " المعطوف عليه بالجار والمجرور. وهو تأويل حسن، إلاّ أن فيه مناقشة لفظيةً ؛ لأن الفارسي ما ادّعى الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه إنما ادعى الفصل بين حرف العطف والمعطوف به أي بالحرف، فتحرير التأويل أن يقال : فيكون قد حُلْت بين غشاوة وبين حرف العطف بالجار والمجرور. 
والقراءة المشهورة بالكسر ؛ لأن الأشياء التي تدلّ على الاشتمال تجيء أبداً على هذه الزِّنَة كالعِصَابة والعِمَامَة. 
والغِشَاوة فِعَالة : الغطاء من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لِمَا يشتمل على الشيء، ومنه غشي عليه، وَالغِشْيَان كناية عن الجِمَاع. 
و " القلب " أصله المصدر، فسمي به هذا العضو الصَّنَوْبَرِي ؛ لسرعة الخواطر إليه وتردُّدها عليه، ولهذا قال :\[ البسيط \]مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلاَّ مِنْ تَقَلُّبِهِ  فَاحْذَرْ عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ[(٦)](#foonote-٦)ولما سمي به هذا العضو التزموا تفخيمه فرقاً بينه وبين أصله، وكثيراً ما يراد به العقل ويطلق أيضاً على لُبّ كل شيء وخالصه. 
و " السمع " و " السماع " مصدران ل " سمع "، وقد يستعمل بمعنى الاستماع ؛ قال :\[ البسيط \]وَقَدْ تَوَجَّسَ رِكْزاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ  بِنَبْأَةِ الصَّوْتِ مَا فِي سَمْعِهِ كَذِبُ[(٧)](#foonote-٧)أي : ما في استماعه. و " السِّمْع " - بالكسر - الذِّكْر بالجميل، وهو - أيضاً - ولد الذئب من الضَّبُع، ووحد وإن كان المراد به الجمع كالذي قبله وبعده ؛ لأنه مصدر حقيقة، يقال : رَجُلان صَوْم، ورجال صوم، ولأنه على حذف مضاف، أي : مواضع سمعهم، أو حواس سمعهم، أو يكون كني به عن الأُذُن، وإنما وحَّده لفهم المعنى ؛ كقوله \[ الوافر \]كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا  فَإِنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ[(٨)](#foonote-٨)أي : بطونكم. 
ومثله قال سيبويه :" إنه وإن وُحِّد لفظ السمع إلاَّ أن ذكر ما قبله وما بعده بلفظ الجمع دليل على إرادة الجمع ". 
ومنه أيضاً قال تَعَالى : يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  \[ البقرة : ٢٥٧ \]،  عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ  \[ ق : ١٧ \] ؛ قال الراعي. بِهَا جِيَفُ الْحَسْرى فأمّا عِظَامُهَا  فَبِيضٌ وأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ[(٩)](#foonote-٩)أي : جلودها. 
وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ[(١٠)](#foonote-١٠) :" أسماعهم ". 
قال الزمخشري : واللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الخَتْم، وفي حكم التَّغْشِيَةِ، إلاّ أن الأولى دخولها في حكم الختم ؛ لقوله تعالى : وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً  \[ الجاثية : ٢٣ \]. 
و " الأبصار " : جمع بصر، وهو نور العين الذي يدرك به المرئيات. 
قالوا : وليس بمصدر لجمعه، ولقائل أن يقول : جمعه لا يمنع كونه مصدراً في الأصل، وإنما سهل جَمْعَهُ كَوْنُهُ سمي به نور العين، فَهُجِرَت فيه معنى المصدرية، كما تقدم في قلوب جمع قَلْب. 
وقد قلتم : إنه في الأصل مصدر ثم سمي به، ويجوز أن يكنى به عن العَيْن، كما كني بالسمع عن الأذن، وإن كان السَّمع في الأصل مصدراً كما تقدم. 
وقرأ أبو عمرو والكِسَائي[(١١)](#foonote-١١) :" أبصارهم " بالإِمَالَةِ، وكذلك كلّ ألف بعدها مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها. 
ويميل حمزة منها ما تكرر فيه الراء " كالقرار " ونحوه، وزاد الكسائي إمالة  جَبَّارِينَ  \[ المائدة : ٢٢ \]، و الْجَوَارِ  \[ الشورى : ٣٢ \]، و بَارِئِكُمْ  \[ البقرة : ٥٤ \]، و  مَنْ أَنصَارِي  \[ آل عمران : ٥٢ \]، و نُسَارِعُ  \[ المؤمنون : ٥٦ \] وبابه، وكذلك يميل كل ألف هي بمنزلة لام الفعْل، أو كانت علماً للتأنيث مثل : الْكُبْرَى  \[ طه : ٢٣ \]، و الأُخْرَى  \[ الزمر : ٤٢ \]، ولام الفعل مثل : يَرَى  \[ البقرة : ١٦٥ \]، و افْتَرَى  \[ آل عمران : ٩٤ \] يكسرون الراء منها. 
و " الغشاوة " : الغطاء. قال :\[ الطويل \]تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ  فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا[(١٢)](#foonote-١٢)وقال :\[ البسيط \]هَلاَّ سَأَلْتِ بَنِي ذُبْيَانَ مَا حَسبِي  إِذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ الْبَرِمَا[(١٣)](#foonote-١٣)وجمعها " غِشاءٌ "، لما حذفت الهاء قلبت الواو همزة. 
وقيل :" غشاوي " مثل " أداوي ". 
قال الفارسي : لم أسمع من " الغشاوة " فعلاً متصرفاً ب " الواو "، وإذا لم يوجد ذلك، وكان معناها معنى ما " اللام " منه " الياء "، وهو غشي بدليل قولهم :" الْغِشْيَان "، و " الغشاوة " من غشي ك " الجِبَاوة " من جبيت في أن " الواو " كأنها بدل من " الياء "، إذْ لم يُصَرَّفْ منه فعل كما لم يُصَرَّف منه الجباوة. وظاهر عبارته أن " الواو " بدل من " الياء "، و " الياء " أصل بدليل تصرف الفعل منها دون مادة " الواو ". 
والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين " غ ش و "، و " غ ش ي "، ثم تصرفوا في إحدى المادتين، واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب " الواو " " ياء " من غير سبب، وأيضاً " الياء " أخف من " الواو "، فكيف يقلبون الأخف للأثقل ؟
و " لهم " خبر مقدم فيتعلّق بمحذوف، و " عذاب " مبتدأ مؤخر، و " عظيم " صفة. والخبر - هنا - جائز التقديم ؛ لأن للمبتدأ مسوغاً وهو وصفه ونظيره : وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ  \[ الأنعام : ٢ \] من حيث الجواز. 
والعذاب في الأَصْلِ : الاستمرار، ثم سمي به كلّ استمرار أَلَمٍ. 
وقيل : أصله : المَنْع، وهذا هو الظَّاهر، ومنه قيل للماء : عَذَب ؛ لأنه يمنع العطش، والعذاب يمنع من الجريمة. 
 " عظيم " اسم فاعل من " عَظُمَ "، نحو : كريم من " كَرُم " غير مذهوب به مذهب الزمان، وأصله أن توصف به الأجرام، ثم قد توصف به المعاني. 
وهل هو و " الكبير " بمعنى واحد أو هو فوق " الكبير " ؛ لأن العظيم يقابل الحقير، والكبير يقابل الصغير، والحقير دون الصغير ؟ قولان. 
و " فعيل " له معانٍ كثيرة، يكون اسماً وصفة، والاسم مفرد وجمع، والمفرد اسم معنى، واسم عين، نحو :" قميص وظريف وصهيل وكليب جمع كلب ". 
والصفة مفرد " فُعَلَة " ك " غَزِي " يجمع على " غُزَاة " ومفرد " فَعَلَة " ك " سَرِي " يجمع على " سَرَاة ". 
ويكون اسم فاعل من " فَعُلَ " نحو : عظيم من عَظُم كما تقدم. 
ومبالغةً في " فَاعِل "، نحو " عليم من عالم ". 
وبمعنى " أَفْعَل " ك " شميط " بمعنى :" أشمط "، و " مَفْعُول " ك " جريح " بمعنى : مجروح، و " مُفْعِل " ك " سَمِيع " بمعنى :" مُسْمِع "، و " مُفْعَل "، ك " وَلِيْد " بمعنى : مُولَد، و " مُفَاعِل "، ك " جَلِيس " بمعنى : مُجَالِس، و " مُفْعَل "، ك " بَدِيع " بمعنى : مُبْتَدِع، و " مُتَفَعِّل " ك :" سَعِيْر " بمعنى :" مُتَسَعِّر "، و " مُسْتَفْعِل " ك " مَكِين " بمعنى :" مُسْتَمْكن ". 
و " فَعْل " ك " رطيب " بمعنى :" رَطْب "، و " فَعَل " ك " عجيب " بمعنى :" عجب " و " فِعَال " ك " ١ - سقط في أ..
٢ - رواه المفضل الضبي عن عاصم يعني - غِشاوة -، وبالضم والرفع قرأ الحسن وزيد بن علي، وقرأ أبو جعفر بفتح الغين.
 انظر الشواذ: ٢، والحجة للقراء السبعة: ١/٢٩١، وإعراب القراءات: ١/٦١، البحر المحيط: ١/١٧٧، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٧٧، والقرطبي: ١/١٣٤..
٣ - البيت لجرير ينظر ديوانه: ص ٢٧٨، والأغاني: ٢/١٧٩، وتخليص الشواهد: ص ٥٠٣، وخزانة الأدب: ٩/١١٨، ١١٩، ١٢١، والدرر: ٥/١٨٩، وشرح شواهد المغني: ١/٣١١، ولسان العرب (مرر)، والمقاصد النحوية: ٢/٤٦٠، وشرح ابن عقيل: ص ٢٧٢، وشرح المفصل: ٨/٨، ٩/١٠٣، ومغني اللبيب: ١/١٠٠، ٢/٤٧٣، والمقرب: ١/١١٥، الأشباه والنظائر: ٦/١٤٥، ٨/٥٢، همع الهوامع: ٢/٨٣، الدر المصون: (١/١٠٦)..
٤ - البيت لعبد الله بن الزبعرى. ينظر الخصائص: (٢/٤٣١)، أمالي ابن الشجري: (٢/٢٣١)، الإنصاف: (٢/٦١٢)، شرح المفصل: (٢/٥٠)، الكامل: (١/٣٣٤)، مجاز القرآن: (٢/٦٨)، تأويل المشكل: (٢١٤)، شرح القصائد العشر: (٢٤٧)، المقتضب: (٢/٥٠)، معاني القرآن: (١/٤٨)، ومجمع البيان: (١/٩٤)، والحجة: (١/٢٣٣)، والمقتصد في شرح الإيضاح: (١/٦٦٢)، وشرح ديوان الحماسة: (٣/١١٤٧)، المخصص: (١٤/٢٣٢)، ودرة الغواص: (٨٩)، واللسان (مسح، قلد، جمع) وخزانة الأدب: (٢/٣١)، (٣/١٤٢)، (٩/١٤٢)، البحر المحيط: (١/١٧٧)، الدر: (١/١٠٧)..
٥ - البيت لذي الرمة وليس في ديوانه. ينظر الخصائص: ٢/٣٢١، شرح المفصل لابن يعيش: ٢/٨، الهمع: ٢/١٣٠، الإنصاف: ٢/٦١٣، معاني الفراء: ١/١٤، ٣/١٢٤، الدرر: ٢/١٦٩، العيني: ٣/١٠١، تأويل مشكل القرآن: (٢١٣)، شرح المفضليات: ١/١٢٦، ابن الشجري: ٢/٣٢١، أوضح المسالك: ١/٢٩٨، المغني: ٢/٦٣٢، اللسان (قد)، والدر المصون: ١/١٠٧..
٦ - ينظر الدر المصون: ١/١٠٨، واللسان (قلب) ورواية العجز:
 ........................ \*\*\* والرأي يصرف بالإنسان أطوارا..
٧ - البيت لذي الرمة ينظر ديوانه: (٨٩)، واللسان (نبا)، والدر المصون: ١/١٠٨..
٨ - البيت من شواهد الكتاب: ١/٢١٠، أمالي ابن الشجري: ١/١٠٨، والمحتسب: ٢/٨٧، شرح المفصل: ٥/٨، والهمع: ١/٥٠، والدر المصون: ١/١٠٨..
٩ - البيت لعقلمة بن عبدة. ينظر ديوانه: (٤٠)، والكتاب: ١/٢٠٩، المفضليات: (٣٩٤)، والدر المصون: ١/١٠٨..
١٠ - قرأ بها ابن أبي عبلة. انظر الكشاف: ١/٥٣، والدر المصون: ١/١٠٨، والقرطبي: ١/١٣٣..
١١ - وقرأ بالإمالة أيضا ورش انظر حجة القراءات: ٨٧، وإعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه: ١/٦٠، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٧٦..
١٢ - البيت للحارث بن الخالد المخزومي، ينظر مجاز القرآن: ١/٣١، القرطبي: ١/١٣٤، الطبري: ١/٢٦٥، واللسان (غشا)، والدر المصون: ١/١٠٨..
١٣ - البيت للنابغة، ينظر ديوانه: ١١٢، الطبري: ١/١٤٨، المحرر: ١/١٨، القرطبي: ١/١٣٤، الدر: ١/١٠٩..

### الآية 2:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [2:8]

" من الناس " خبر مقدم، و " من يقول " مبتدأ مؤخر، و " مَنْ " تحتمل أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة أي : الذي يقول، أو فريق يقول، فالجملة على الأول لا محل لها ؛ لكونها صلة، وعلى الثاني محلها الرفع ؛ لكونها صفة للمبتدأ. 
واستضعف أبو البقاء أن تَكُونَ موصولة، قال : لأن " الذي " يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام. 
وهذا منه غير مسلم ؛ لأنّ المنقول أنّ الآية نزلت في قومٍ بأعيانهم كعبد الله بن أبي ورهطه. 
وقال الزمخشري : إن كانت أل للجنس كانت " منْ " نكرة موصوفة كقوله : مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ  \[ الأحزاب : ٢٣ \]. 
وإن كانت للعَهْد كانت موصولة، وكأن قصد مناسبة الجنس للجنس، والعهد للعهد، إلا أن هذا الذي قاله غير لازم، بل يجوز أن تكون " أل " للجنس، وتكون " منْ " موصولة، وللعهد، و " منْ " نكرة موصوفة. 
وزعم الكِسَائِيّ أنها لا تكون نكرة إلاّ في موضع تختص به النكرة ؛ كقوله :\[ الرمل \]
رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظاً صَدْرَهُ \*\*\* لَوْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتاً لَمْ يُطَعْ[(١)](#foonote-١)
وهذا الذي قاله هو الأكثر، إلا أنها قد جاءت في موضع لا تختصّ به النكرة ؛ قال :\[ الكامل \]
فَكَفَى بِنَا فَضْلاً عَلَى مَنْ غَيْرُنَا \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢)](#foonote-٢)
و " من " تكون موصولة، ونكرة موصوفة كما تقدّم، وشرطية واستفهامية. 
وهل تقع نكرة غير موصوفة، أو زائدة ؟ فيه خلاف. واستدل الكسَائي على زيادتها بقول عنترة :\[ الكامل \]
يَا شَاةَ منْ قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ \*\*\* حَرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ[(٣)](#foonote-٣)
ولا دليل فيه، لجواز أن تكون موصوفة ب " قَنَصٍ " إما على المبالغة، أو على حذف مضاف، وتصلح للتثنية والجمع والواحد. 
فالواحد كقوله : وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ  \[ الأنعام : ٢٥ \] والجمع كقوله : وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ  \[ يونس : ٤٢ \]، والسبب فيه أنه موحّد اللفظ مجموع المعنى. و " مِنْ " في " من الناس " للتبعيض، وقد زعم قومٌ أنها لِلْبَيَانِ وهو غَلَطٌ ؛ لعدم تقدم ما يتبين بها. و " النَّاس " اسم جمع لا واحد له من لَفْظِهِ، ويرادفه " أَنَاسِيّ " جمع إنسان أو إنسي، وهو حقيقة في الآدميين، ويطلق على الجِنّ مجازاً. 
واختلف النحويون في اشتقاقه : فمذهب سيبويه والفراء أن أصله همزة ونون وسين، والأصل : أناس اشتقاقاً من الأُنس، قال :\[ الطويل \]
وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلاَّ لأُنْسِهِ \*\*\* وَلاَ الْقَلْبُ إِلاَّ أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ[(٤)](#foonote-٤)
لأنه أنس ب " حواء ". 
وقيل : بل أنس بربه ثم حذفت الهمزة تخفيفاً ؛ يدلّ على ذلك قوله :\[ الكامل \]
إِنَّ الْمَنَايَا يَطَّلِعْ \*\*\* نَ عَلَى الأُنَاسِ الآمِنِينَا[(٥)](#foonote-٥)
وقال آخر :\[ الطويل \]
وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ \*\*\* وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ[(٦)](#foonote-٦)
وقال آخر :\[ الطويل \]
وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ \*\*\* دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ[(٧)](#foonote-٧)
وذهب الكسائي إلى أنه من " نون وواو وسين " والأصل :" نوس " فقلبت " الواو " " ألفاً " لتحركها، وانفتاح ما قبلها، والنَّوسُ : الحركة. 
وذهب بعضهم إلى أنه من " نون وسين وياء "، والأصل " نسي "، ثم قلبت " اللام " إلى موضع العين، فصار :" نيس " ثم قلبت " الياء " " ألفاً " لما تقدم في " نوس "، قال : سموا بذلك لنسيانهم ؛ ومنه الإنسان لنسيانه ؛ قال :\[ البسيط \]
فَإِنْ نَسِيتَ عُهُوداً مِنْكَ سَالِفةً \*\*\* فَاغْفِرْ فَأَوَّلُ نَاسٍ أَوَّلُ النَّاسِ[(٨)](#foonote-٨)
ومثله :\[ الكامل \]
لا تَنْسَيَنْ تِلْكَ الْعُهُودَ فَإِنَّمَا \*\*\* سُمِّيتَ إِنْسَاناً لإِنَّكَ نَاسِي[(٩)](#foonote-٩)
فوزنه على القول الأول :" عَال "، وعلى الثاني :" فَعَلٌ "، وعلى الثالث :" فَلَعٌ " " بالقَلْبِ ". و " يقول " : فعل مضارع، وفاعله ضمير عائد على :" من ". 
والقول حقيقةً : اللفظ الموضوعُ لمعنى، ويطلق على اللَّفْظِ الدَّال على النسبة الإسنادية، وعلى الكلام النَّفساني أيضاً، قال تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ  \[ المجادلة : ٨ \]. وتراكيبه السّتة وهي :" القول "، و " اللوق "، و " الوقل "، و " القلو "، و " اللّقو "، و " الولق " تدل على الخفّة والسرعة، وإن اختصت بعض هذه المواد بمعانٍ أخر. 
و " القول " أصل تعديته لواحد نحو :" قُلْتُ خطبة "، وتحكي بعده الجمل، وتكون في محل نصب مفعولاً بها، إلا أن يُضَمَّنَ معنى الظن، فيعمل عمله بشروط عند غير " بني سُلَيْمٍ " ؛ كقوله :\[ الرجز \]
مَتَى تقُولُ الْقُلُصَ الرَّوَاسِمَا \*\*\* يُدْنِينَ أُمَّ قَاسِمٍ وَقَاسِمَا[(١٠)](#foonote-١٠)
وبغير شرط عندهم، كقوله :\[ الرجز \]
قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا \*\*\* هَذَا لَعَمْرُ اللهِ إِسْرَائِينَا[(١١)](#foonote-١١)
و " آمنا " فعل وفاعل، و " بالله " متعلّق به، والجملة في محلّ نصب بالقول، وكررت " الباء " في قوله :" وباليوم "، للمعنى المتقدّم في قوله : وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ  \[ البقرة : ٧ \]. 
فإن قيل : الخبر لا بدّ وأن يفيد غير ما أفاد المبتدأ، ومعلوم أنّ الذي يقول كذا هو من الناس لا من غيرهم ؟
فالجواب : أنّ هذا تفصيل معنوي، لأنه تقدّم ذكر المؤمنين، ثم ذكر الكَافرين، ثم عقب بذكر المُنافقين، فصار نظير التَّفصيل اللَّفظي، نحو قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ  \[ البقرة : ٢٠٤ \]،  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي  \[ لقمان : ٦ \]، فهو في قوّة تفصيل النَّاس إلى مؤمن، وكافر، ومنافق. 
وأحسن من هذا أن يقال : إنَّ الخبر أفاد التَّبعيض المقصود ؛ لأنَّ النَّاس كلهم لم يقولوا ذلك، وهم غير مؤمنين، فصار التقدير : وبعض الناس يقول كَيْتَ وكَيْت. 
واعلم أن " مَنْ " وأخواتها لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، فإن أريد بها غير ذلك، فَلَكَ أن تراعي لفظها مَرّة، ومعناها أخرى، فتقول : جاء مَنْ قام وقعدوا، والآية الكريمة كذلك روعي اللفظ أولاً فقيل :" من يقول "، والمعنى ثانياً في " آمنا ". 
وقال ابن عطية[(١٢)](#foonote-١٢) : حسن ذلك ؛ لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلّم من لفظ جمع إلى توحيد. 
فلو قلت :" ومن الناس من يقومون " وتتكلّم لم يجز. 
وفي عبارة ابن عطية نظر، وذلك لأنّه منع مِنْ مُرَاعاة اللَّفظ بعد مُرَاعاة المعنى، وذلك جائز، إلا أنَّ مراعاة اللّفظ أولاً أولى، يرد عليه قول الشَّاعر :\[ الخفيف \]
لَسْتُ مِمَّنْ يَكُعُّ أَوْ يَسْتَكِينُو \*\*\* نَ إِذَا كَافَحَتْه خَيْلُ الأَعَادِي[(١٣)](#foonote-١٣)
وقال تعالى : وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ  \[ الطلاق : ١١ \] إلى أن قال :
 " خَالِدينَ "، فراعى المعنى، ثم قال :" قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً "، فراعى اللفظ بعد مُرَاعاة المعنى، وكذا راعى المعنى في قوله :" أو يستكينون "، ثم راعى اللفظ في :" إذا كافحته "، وهذا الحمل جاز فيها في جميع أحوالها، أعني من كونها موصولة وشرطية، واستفهامية. 
أما إذا كانت موصوفة فقال الشيخ أثير الدين أبو حَيّان :" ليس في محفوظي[(١٤)](#foonote-١٤) من كلام العرب مُرَاعاة المعنى يعني فتقول : مررت بمن محسنون لك ". 
و " الآخر " صفة ل " اليوم "، وهذا مقابل الأوّل، ومعنى اليوم الآخر : أي عن الأوقات المحدودة. 
ويجوز أن يُرَاد به الوقت الَّذي لا حَدّ له، وهو الأبد القائم الذي لا انقطاع له، والمراد بالآخر : يوم القيامة. 
 " وما هم بمؤمنين " " ما " : نافية، ويحتمل أن تكون هي الحِجَازية، فترفع الاسم وتنصب الخبر، فيكون " هم " اسمها، و " بمؤمنين " خبرها، و " الباء " زائدة تأكيداً. 
وأن تكون التَّمِيْمِيّة، فلا تعمل شيئاً، فيكون " هم " مبتدأ، و " بمؤمنين " الخبر، و " الباء " زائدة أيضاً. 
وزعم أبو علي الفَارِسِيّ، وتبعه الزمخشري أن " الباء " لا تزاد في خبرها إلاّ إذا كانت عاملة، وهذا مردود بقول الفَرَزْدَقِ[(١٥)](#foonote-١٥)، وهو تميمي :\[ الطويل \]
لَعَمْرُكَ مَا مَعْنٌ بِتَارِكِ حَقِّهِ \*\*\* وَلاَ مُنْسِىءٌ مَعْنٌ وَلاَ مُتَيَسِّرُ[(١٦)](#foonote-١٦)
إلا أنّ المختار في " ما " أن تكون حِجَازية ؛ لأنه لما سقطت " الباء " صرح بالنصب قال الله تعالى : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ  \[ المجادلة : ٢ \]  مَا هَذَا بَشَراً  \[ يوسف : ٣١ \]، وأكثر لغة " الحجاز " زيادة الباء في خبرها، حتى زعم بعضهم أنه لم يحفظ النصب في غير القرآن، إلاّ قول الشاعر :\[ الكامل \]
وَأَنَا النَّذِيرُ بِحَرَّةٍ مُسْوَدَّةٍ \*\*\* تَصِلُ الْجُيوشُ إِلَيْكُمُ أَقْوَادَهَا
أَبْنَاؤُهَا مُتَكَنِّفُونَ أَبَاهُمُ \*\*\* حَنِقُو الصُّدُورِ وَمَا هُمُ أَوْلاَدَهَا[(١٧)](#foonote-١٧)
وأتى الضمير في قوله : وما هم بمؤمنين  جمعاً اعتباراً للمعنى كما تقدّم في قوله :" آمنا ". فإن قيل : لم أتي بخبر " ما " اسم فاعل غير مقيّد بزمان، ولم يؤت بعدها بجملة فعلية حتى يطابق قولهم :" آمنّا " : فيقال : وما آمنوا ؟
فالجواب : أنه عدل عن ذلك ليفيد أن الإيمان منتف عنهم في جميع الأوقات، فلو أتى به مطابقاً لقولهم :" آمنا " فقال : وما آمنوا لكان يكون نفياً للإيمان في الزمن الماضي فقط، والمراد النَّفي مطلقاً أي : أنهم ليسوا ملتبسين بشيء من الإيمان في وقتٍ من الأوقات.

### فصل في سبب نزول الآية


قال ابن عباس - رضي الله عنه - إنما نزلت في مُنَافقي أَهْلِ الكتاب، كعبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قُشَيْرٍ، وجدّ بن قيس وأصحابهم، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق، ويقولون : إنا لنجد نَعْتَهُ وصفته في كتابنا، ولم يكونوا كذلك إذا خَلاَ بعضهم إلى بعض. 
### فصل في حقيقة النفاق


قال ابن الخَطِيْبِ[(١٨)](#foonote-١٨) : الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلّص إلا بتقسيم، وهو أنّ أحوال القلب أربعة :
وهي أن تعتقد مستنداً لدليل وهو العلم، أو تعتقد لا عن دليل لكن تقليد، أو تعتقد لا عن دليل ولا تقليد وهو الجهل، أو يكون حال القلب عن هذه الأحوال كلها. 
وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار، والإنكار، والسكوت. 
فأما الأول : وهو أن يحصل العرفان القلبي، فإما أن ينضم إليه الإقرار باللسان، فإن كان الإقرار اختيارياً، فصاحبه مؤمن حقًّا، بالاتفاق. 
وإن كان اضطراريًّا فهذا يجب أن يعد منافقاً ؛ لأنه بقلبه منكر مكذب لموجب الإقرار. 
فإن كان منكراً بلسانه عارفاً بقلبه، فهذا الإنكار إنْ كان اضطرارياً كان مسلماً ؛ لقوله تعالى : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ  \[ النحل : ١٠٦ \]، وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً. 
وإن كان عارفاً بقلبه، وكان ساكتاً، فهذا السكوت إن كان اضطرارياً كما إذا خاف ذكره باللسان، فهو مسلم حقًّا، أو كما إذا عرف الله بالدليل، ثم لما تمّم بالنظر مات فهو مؤمن قطعاً ؛ لأنه أتى بما كلف به، ولم يجد زَمَانَ الإقرار، فكان معذوراً فيه، وإن كان السّكوت اختيارياً، فهذا محل البحث، فميل الغَزَالي إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه الصَّلاة والسل١ - البيت لسويد بن أبي كاهل. ينظر خزانة الأدب: ٦/٢٣، ٢٥٢، والدرر: ١/٣٠٢، والأغاني: ١٣/٩٨، وشرح اختيارات المفضل: ص ٩٠١، وشرح شواهد المغني: ٢/٧٤٠، والشعر والشعراء: ١/٤٢٨، الأشموني: ٢/٧٠، وشرح شذور الذهب: ص ١٧٠، وشرح المفصل: ٤/١١، ومغني اللبيب: ١/٣٢٨، الأمالي الشجرية: ٢/١٦٩، معاني القرآن: ١٩٨، الهمع: ١/٩٢، ٢/٢٦، الدر: ١/١١٠..
٢ - تقدم برقم (١٢)..
٣ - ينظر ديوانه: ص ٢١٣، والأزهية: ص ٧٩، ١٠٣، ولسان العرب (شوه)، وخزانة الأدب: ٦/١٣٠، ١٣٢، وشرح شواهد المغني: ١/٤٨١، وشرح المفصل: ٤/١٢، والأشباه والنظائر: ٤/٣٠٠، خزانة الأدب: ١/٣٢٩، المغني: ١/٣٢٩، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور: ٢/٤٥٨، الضرائر لابن عصفور: ٨١، ارتشاف الضرب: ١/٥٤٦، الدر: ١/١١٠..
٤ - ينظر القرطبي: ١/١٣٥، الدر: ١/١١٠..
٥ - تقدم برقم (٢٩)..
٦ - البيت للأخنس بن شهاب التغلبي. ينظر المفضليات: ٢٠٨، ابن يعيش: ٨/٥٨، شرح ديوان الحماسة: ٢/٧٢٨، اللسان والتهذيب (سرب)، شرح المفضليات: ٢/٧٦٥، إصلاح المنطق: ٢٠١، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور: ١/٦٢٢، ٢/١٣، الدر: ١/١١١..
٧ - البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه: ٢٥٦، وجمهرة اللغة: ٢٣٢، وخزانة الأدب: ٦/١٥٩، و١٦، والدرر: ٦/٢٨٣، وسمط اللآلي: ١٩٩، وشرح شواهد الشافية: ٨٥، وسرح شواهد المغني: ١/١٥٠، ولسان العرب \[خوخ\]، والمعاني الكبير: ٨٥٩ و١٢٠٦، مغني اللبيب: ١/١٣٦ و ١٩٧، الإنصاف: ١/١٣٩، وخزانة الأدب: ١/٩٤، وديوان المعاني: ١/١٨٨، وشرح الأشموني: ٣/٧٠٦، وشرح شافية ابن الحاجب: ١/١٩١، شرح شواهد المغني: ١/٤٠٢ و٢/٥٣٧، شرح المفصل: ٥/١١٤، مغني اللبيب: ١/٤٨ و٢/٦٢٦، همع الهوامع: ٢/١٨٥. شرح جمل الزجاجي لابن عصفور: ٢/٢٨٩، الدر: ١/١١١، روح المعاني: ١/٢٧١..
٨ - ينظر تفسير القرطبي: ١/١٣٥، الدر: ١/١١١..
٩ - البيت لأبي تمام. ينظر ديوانه: ٢/٢٤٥، القرطبي: ١/١٣٥، الدر: ١/١١١..
١٠ - هذا البيت لهدبة بن خشرم. ينظر الهمع: (١/١٥٧)، شرح ابن عقيل: (٤٤٧) (١٣٤)، شذور الذهب (٤٥٤)، (١٩٧)، الدرر: (١/١٣٩)، الشعر والشعراء: (٢/٦٩١)، والمقرب: (١/٣٢٣)، وشرح الألفية: (٢١٢) وشرح الأشموني: (٢/٣٦)..
١١ - ينظر الدرر: ١/١٣٩، المخصص: ١٣/٢٨٢، اللسان (يمن)، الدر: ١/١١١..
١٢ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٩٠..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/١٨٣، الدر: ١/١١٢..
١٤ - في أ: مخطوطي..
١٥ - همّام بن غالب بن صعصعة التميمية الدارمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق: شاعر، من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة، كما يقال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس، يشبه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى، زهير في الجاهليين والفرزدق في الإسلاميين، لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه، توفي سنة ١١٠هـ.
 انظر ابن خلكان: ٢/١٩٦، الأعلام: ٨/٩٣..
١٦ - ينظر البيت في ديوانه: (٢٧٠)، الكتاب: (١/٦٣)، أمالي القالي: (٣/٨٢)، الخزانة: (١/١٨١)، الهمع: (١/١٢٨)، الدر: (١/١٠٢) شرح أبيات مغني اللبيب: ٤/٢٧١، وشرح الكافية الشافية: (١/٤٣٦)، والدر المصون: ١/١١٢. ووضع الظاهر مقام المضمر إن كان في معرض التفخيم، جاز قياسا؛ كقوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة" أي: ما هي، وإن لم يكن في معرض التفخيم، فعند "سيبويه" يجوز في الشعر؛ بشرط أن يكون بلفظ الأول، أي: في خبر المبتدأ وغيره؛ كالشاهد الذي معنا بجر "منسئ"، فإذا رفعته فهو غير مقدم على المبتدأ، وإن لم يكن بلفظ الأول، لم يجُز عنده، وقال الأخفش: يجوز، وإن لم يكن بلفظ الأول، في الشعر كان أو في غيره.
 كما استشهد بهذا البيت على زيادة الباء في خبر ما التميمية؛ وكذلك العطف إن شئت على الموضع؛ كقول الفرزدق السابق، وهو تميمي..
١٧ - البيتان لعديّ بن الرقاع. ينظر شرح ابن عقيل: ١/٣٠٢، البحر المحيط: ١/١٨٣، الدر: ١/١١٣..
١٨ - ينظر الرازي: ٢/٥٣..

### الآية 2:9

> ﻿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [2:9]

قوله :" يخادعون " هذه الجملة الفعلية يحتمل أنْ تكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدّر هو : ما بالهم قالوا : آمنا وما هم بؤمنين ؟
فقيل : يخادعون الله، ويحتمل أن تكون بدلاً من الجملة الواقعة صلة ل " من " وهي " يقول "، ويكون هذا من بدل الاشْتِمَالِ ؛ لأن قولهم كذا مشتمل على الخداع، فهو نظير قوله :\[ الرجز \]
إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبَايِعَا \*\*\* تُؤْخَذَ كَرْهاً أَوْ تَجِيءَ طَائِعَا[(١)](#foonote-١)
وقول الآخر :\[ الطويل \]
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا \*\*\* تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا[(٢)](#foonote-٢)
ف " تؤخذ " بدل اشتمال من " تبايع "، وكذا " تُلْمِم " بدلٌ من " تَأْتِنَا ". وعلى هذين القولين، فلا مَحَلّ لهذه الجملة من الإعراب. 
والجمل التي لا مَحَلّ لها من الإعراب أربع لا تزيد على ذلك - وإن توهّم بعضهم ذلك - وهي : المبتدأ والصِّلة والمُعْترضة والمفسّرة، وسيأتي تفسيرها في مواضعها[(٣)](#foonote-٣). 
ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالاً من الضَّمير المستكن في \[ " يقول " تقديره : ومن الناس من يقول حال كونهم مخادعين. 
وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير المستكن \][(٤)](#foonote-٤) في " بمؤمنين "، والعامل فيها اسم الفاعل. 
وقد ردّ عليه بعضهم بما معناه : أن هذه الآية الكريمة نظير :" ما زيد أقبل ضاحكاً "، قال : وللعرب في مثل هذا التركيب طريقان :
أحدهما : نفي القيد وحده، وإثبات أصل الفعل، وهذا هو الأكثر، والمعنى : أن الإقبال ثابت، والضحك منتفٍ، وهذا المعنى لا يتصوّر إرادته في الآية، أعني : نفي الخِدَاع، وثبوت الإيمان. 
الطريق الثاني : أن ينتفي القَيْدُ، فينتفي العامل فيه، فكأنه قيل في المثال السابق : لم يقبل، ولم يضحك، وهذا المعنى - أيضاً - غير مراد بالآية الكريمة قطعاً، أعني : نفي الإيمان والخداع معاً، بل المعنى على نَفْي الإيمان، وثبوت الخداع، ففسد جعلها حالاً من الضمير في " بمؤمنين ". 
والعجب من أبي البَقَاءِ كيف استشعر هذا الإشكال، فمنع من جعل هذه الجملة في محل جر صفة ل " مؤمنين " ؟ قال : لأن ذلك يوجب نفي خِدَاعهم، والمعنى على إثبات الخداع، ثم جعلها حالاً من ضمير " بمؤمنين "، ولا فرق بين الحال والصفة في هذا. 
و " الخداع " أصله : الإخفاءُ، ومنه الأَخْدَعَان : عِرْقان مُسْتَبْطنان في العُنُقِ، ومنه مخدع البيت، وخَدَع الضَّبُّ خِدْعاً : إذا توارى في جُحْرِه، وطريق خادع وخديع : إذا كان مخالفاً للمقصد، بحيث لا يفطن له ؛ فمعنى يخادع[(٥)](#foonote-٥) : أي يوهم صاحبه خلاف ما يريد به المَكْروه. 
وقيل : هو الفساد أي يفسدون ما أَظْهَرُوا من الإيمان بما أَضمروا من الكُفْرِ قال الشاعر :\[ الرمل \]
أَبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ \*\*\* طَيِّبُ الرِّيقِ إِذَا الرِّيقُ خَدَعْ[(٦)](#foonote-٦)
أي : فسد. 
ومعنى " يُخَادعون الله " أي : من حيث الصورة لا من حيث المَعْنَى. 
وقيل : لعدم عرفانهم بالله - تعالى - وصفاته ظنّوه ممن يُخَادَع. 
وقال الزَّمخشري : إن اسم الله - تعالى - مُقْحَم، والمعنى : يخادعون الذين آمنوا، ويكون من باب : أعجبني زيد وكرمه. والمعنى : أعجبني كرم زيد، وإنَّما ذكر " زيد " توطئةً لذكر كرمه. 
وجعل ذلك نظير قوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ 
\[ التوبة : ٦٢ \]،  إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  \[ الأحزاب : ٥٧ \]، وهذا منه غير مُرْضٍ ؛ لأنه إذا صح نسبة مخادعتهم إلى الله - تعالى - بالأوجه المتقدّمة، فلا ضرورة تدعو إلى ادعاء زيادة اسم الله تعالى. 
وأما " أعجبني زيد وكرمه "، فإن الإعجاب أسند إلى " زيد " بجملته، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزاً لهذه الصفة من بين سائر الصفات للشرف، فصار من حيث المعنى نظيراً لقوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  \[ البقرة : ٩٨ \]. 
والمصدر " الْخِدْع " بكسر الخاء، ومثله : الخديعة. 
**و " فَاعَلَ " له معانٍ خمسة :**
المشاركة المعنوية نحو : ضارب زيد عمراً. 
وموافقة المجرد نحو :" جاوزت زيداً " أي : جُزْتُه. 
وموافقة " أفعل " متعدياً نحو :" باعدت زيداً وأبعدته ". 
والإغناء عن " أفعل " نحو :" واريت الشيء ". 
وعن المجرد نحو : سافرت وقاسيت وعاقبت، والآية " فَاعَل " فيها يحتمل المعنيين الأوّلَيْن. 
أما المشاركة فالمُخَادعة منهم لله - تعالى - تقدم معناها، ومخادعة الله إياهم من حيث إنه أجرى عليهم أَحْكام المسلمين في الدنيا، وَمُخَادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا أمر الله - تعالى - فيهم، وأما كونه بمعنى المُجَرَّد، فيبينه قراءة ابن مسعود وأبي حَيَوَةَ[(٧)](#foonote-٧) " يَخْدَعُونَ ". وقرأ أبو عمرو والحرميان[(٨)](#foonote-٨) " وَمَا يُخَادِعُونَ " كالأولى، والباقون " وَمَا يَخْدَعُونَ "، فيحتمل أن تكون القراءتان بمعنى واحد، أي : يكون " فَاعَلَ " بمعنى " فَعَل "، ويحتمل أن تكون المُفَاعلة على بابها، أعني صدورها من اثنين، فهم يُخَادعون أنفسهم، حيث يُمَنُّونَها الأباطيل، وأَنْفُسهمْ تخادعهم تمنِّيهم ذلك، فكأنها مُحَاورة بين اثنين، ويكون هذا قريباً من قول الآخر :\[ المنسرح \]
لَمْ تَدْرِ مَا لاَ ؟ وَلَسْتَ قَائِلَهَا \*\*\* عُمْرَكَ ما عِشْتَ آخِرَ الأَبَدِ
وَلَمْ تُؤَامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِياً \*\*\* فِيهَا وَفِي أُخْتِهَا وَلَمْ تَلِدِ[(٩)](#foonote-٩)
وقال آخر :\[ الطويل \]
يُؤَامِرُ نَفْسَيْهِ وفِي الْعَيْشِ فُسْحَةٌ \*\*\* أَيَسْتَوْقِعُ الذُّوبَانَ أَمْ لاَ يَطُورُهَا[(١٠)](#foonote-١٠)
قال الزمخشري[(١١)](#foonote-١١) : الاقتصار ب " خادعت " على وجهه أن يُقَال : عنى به " فعلت "، إلا أنه على وزن " فاعلت "، لأن الزِّنَةَ في أصلها للمغالبة، والفعل متى غولب فيه جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مُغَالب لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة أبي حيوة المتقدمة. 
وقرئ[(١٢)](#foonote-١٢) :" وَمَا يُخَدِّعُونَ "، ويُخَدَّعَونَ من خَدَّعَ مشدداً. 
و " يَخَدِّعُونَ " بفتح الياء والتشديد ؛ الأصل يختدعون، فأدغم. 
وقرئ[(١٣)](#foonote-١٣) :" وما يُخْدَعُونَ "، " ويُخَادَعُونَ " على لفظ ما لم يسم فاعله، وتخريجها على أن الأصل " وَمَا يُخْدَعُونَ إِلاَّ عَنْ أنفسهم " فلما حذف الجَرّ انتصب على حَدّ :\[ الوافر \]
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(١٤)](#foonote-١٤)
 " إلا أنفسهم " " إلا " في الأصل حرف استثناء و " أنفسهم " مفعول به، وهذا استثناء مفرغ، وهو : عبارة عما افتقر فيه ما قبل " إلا " لما بعدها، ألا ترى أن " يخادعون " يفتقر إلى مفعول ؟ ومثله :" ما قام إلا زيد "، ف " قام " يفتقر إلى فاعل، والتَّام بخلافه، أي : ما لم يفتقر فيه ما قيل " إلا " لما بعدها، نحو : قام القوم إلاّ زيداً، وضربت القوم إلا بكراً، فقام قد أخذ فاعله، وضربت أخذ مفعوله، وشرط الاستثناء المُفَرَّغ أن يكون بعد نفي، أو شبهة كالاستفهام والنهي. 
وأن قولهم : قرأت إلاّ يوم كذا، فالمعنى على نفي مؤول تقديره : ما تركت القراءة إلاَّ يوماً، هذا ومثله : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ 
\[ التوبة : ٣٢ \] و وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ  \[ البقرة : ٤٥ \]. 
وللاستثناء أحكام كثيرة تأتي مفصّلة في مواضعها إن شاء الله تعالى. 
والنَّفسُ : هنا ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  \[ المائدة : ١١٦ \]، " وَمَا يَشْعُرُونَ " هذه الجملة الفعلية يحتمل ألا يكون لها محلّ من الإعراب ؛ لأنها استئناف، وأن يكون لها محلّ، وهو النصب على الحال من فاعل " يخدعون " والمعنى : وما يرجع وَبَال خداعهم إلاَّ على أنفسهم غير شاعرين بذلك، ومفعول " يشعرون " محذوف للعلم به، تقديره : وما يشعرون أن وَبَالَ خداعهم راجع على أنفسهم، واطّلاع الله عليهم. 
والأحسن ألا يقدّر مفعول ؛ لأن الغرض نفي الشعور عنه ألبتة من غير نظر إلى مُتَعلَّقه، والأوّل يسمى حذف الاختصار، ومعناه : حذف الشيء بدليل. 
والثاني يسمى حذف الاقتصار، وهو حذف الشيء لا لدليل. 
والشُّعور : إدراك الشيء من وجه يدقّ، وهو مشتقّ من الشَّعَر لدقّته. 
وقيل : هو الإدراك بالحاسّة مشتقّ من الشِّعَار، وهو ثوب يلي الجَسَد، ومنه مشاعر الإنسان أي : حواسّه الخمسة التي يشعر بها.

### فصل في حد الخديعة


اعلم أن الخديعة مذمومة. 
قال ابن الخطيب :" وَحَدُّهَا هي إظهار ما يوهم السّلامة والسّداد، وإبطال ما يقتضي الإضرار بالغير، أو التخلّص منه، فهو بمنزلة النِّفَاق في الكفر والرِّياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين ؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغُرُورِ والإساءة، كما يوجب المُخَالصة في العبادة ". 
### فصل في امتناع مخادعة الله تعالى


مخادعة الله - تعالى - ممتنعة من وجهين :
أحدهما : أنه يعلم الضَّمائر والسرائر، فلا يصح أن يُخَادَع. 
والثاني : أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم، فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله، فثبت أنه لا يمكن إجْراءُ هذا اللفظ على ظاهره، فلا بُدّ من التأويل، وهو من وجهين :
الأول : أنه - تعالى - ذكر نفسه، وأراد به الرسول على عادته في تَفْخِيْمِ أمره، وتعظيم شأنه. 
قال : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ  \[ الفتح : ١٠ \]. 
والمنافقون لما خادعوا \[ الله ورسوله \][(١٥)](#foonote-١٥) قيل : إنهم يخادعون الله. 
الثاني : أن يقال : صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يُخَادع، وصورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده من الكَفَرةِ صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فأجروا أحكامه عليهم. 
### فصل في بيان الغرض من الخداع في الآية


**الغرض من ذلك الخداع وجوه :**
الأول : أنهم ظنوا أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه يجرونهم في التَّعْظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان. 
الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي - عليه الصلاة والسلام - أَسْرَاره، والاطِّلاع على أسرار المؤمنين، فينقلونها إلى الكفار. 
الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أَحْكَام الكفار، كالقَتْلِ وغيره. 
الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغَنَائم. 
فإن قيل : فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى نبيه كَيفية مَكْرِهِمْ وخداعهم، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذلك هتكاً لسترهم ؟
قلنا : هو قادر على استئصال " إبليس " وذريته ولكنه - تعالى - أبقاهم وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو. 
وقوله : وما يَخْدَعُونَ إلا أنفسهم  فيه وجهان :
الأول : أنه - تعالى - يجازيهم على ذلك، ويعاقبهم عليه، فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلاّ أنفسهم. 
والثاني : ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أن وَبَالَ ذلك راجع إليهم في الدنيا ؛ لأن الله - تعالى - كان يدفع ضرر خِدَاعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم، وهو كقوله : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الل١ - ينظر البيت في الكتاب: (١/١٥٦). والأصول: (٢/٤٨) وشرح الألفية لابن عقيل: (٣/٢٥٣) وشرح الألفية لابن الناظم: (٥٦٣) وشرح الأشموني: (٣/١٣١)، والتصريح: (٢/١٦١) والخزانة: (٥/٢٠٣، ٢٠٤)، والدر المصون: (١/١١٣)..
٢ - البيت لعبيد الله بن الحر الجعفي. ينظر الكتاب: (٣/٨٦)، شرح المفصل: (٧/٥٣)، الدرر: (٢/١٦٦)، الخزانة: (٣/٦٦٠)، والإنصاف: (٢/٥٨٣)، والهمع: (٢/١٢٨)، وشرح الأشموني: (٣/١٣١)، القرطبي: (١/٢٦١)، والدر المصون: (١/١١٣)..
٣ - الأولى: الابتدائية، وتسمى أيضا: المستأنفة؛ كالجمل المفتتح بها السور والجملة المنقطعة عما قبلها، نحو: مات فلان -رحمه الله -.
 الثانية: المعترضة بين شيئين؛ لإفادة الكلام تقوية وتحسينا؛ كقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار [البقرة: ٢٤]، وقال: فالحق والحق أقول لأملأن [ص: ٨٤]، فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم [الواقعة: ٧٥]، وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر [النحل: ١٠١].
 الثالثة: التفسيرية؛ وهي الفضلة الكاشفة لحقيقة ما تليه، نحو: وأسرّوا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشرك مثلكم [الأنبياء: ٢١]، فجملة الاستفهام مفسرة للنجوى، إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: ٥٩]، فخلقه وما بعده تفسير لمثل آدم، هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله [الصف: ١٠]، فجملة "تؤمنون" تفسير لـ "تجارة".
 الرابعة: المجاب بها القسم، نحو: يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين [يس: ١ - ٣].
 الخامسة: الواقعة جوابا لشرط غير جازم مطلقا، نحو: جواب لو ولولا ولما وكيف، أو جازم ولم يقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية، نحو: إن تقم أقم، وإن قمت قمت، أما الأول: فلظهور الجزم في لفظ الفعل، وأما الثاني: فلأن المحكوم لموضعه بالجزم الفعل لا الجملة بأسرها.
 السادسة: الواقعة صلة لاسم أو حرف، نحو: جاء الذي قام أبوه، وأعجبني أن قمت، فالذي في موضع رفع والصلة لا محل لها، ومجموع "أن قمت" في موضع رفع، لا "أن" وحدها؛ لأن الحرف لا إعراب له لفظا ولا محلا، ولا "قمت" وحدها.
 السابعة: التابعة لما لا محل له، نحو: قام زيد ولم يقم عمرو، إذا قدرت الواو عاطفة.
 ينظر الأشباه والنظائر: ٢/٢١ - ٢٣..
٤ - سقط في أ..
٥ - في أ: مخادع..
٦ - البيت لسويد بن أبي كاهل. ينظر المفضليات: ١٩١، اللسان: خدع، الحجة: ١/٢٣٤، زاد المسير لابن الجوزي: ١/٣٠، الدر: ١/١١٤..
٧ - انظر الدر المصون: ١/١١٤..
٨ - انظر شرح طيبة النشر للنويري: ٤/٣، والعنوان في القراءات: ٦٨، والحجة للقراء السبعة: ١/٣١٢، وإعراب القراءات: ١/٦٣، وحجة القراءات: ٨٧، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٧٧، وشرح شعلة على الشاطبية: ٢٥٧..
٩ - ينظر الحجة لأبي علي الفارسي: ١/٢٣٨، المحرر الوجيز: ١/٩١٠، الدر: ١/١١٤..
١٠ - البيت لرجل من فزارة. ينظر الحجة: ١/٢٣٨، البحر: ١/١٨٦، المحرر الوجيز: ١/٩١، الدر: ١/١١٤..
١١ - ينظر الكشاف: ١/٥٨..
١٢ - وهي قراءة قتادة ومورق العجلي. انظر: البحر المحيط: ١/١٨٥، والقرطبي: ١/١٣٨، والمحرر الوجيز: ١/٩٠..
١٣ - قرأ بها الجارود بن أبي سبرة وأبو طالوت عبد السلام بن شداد. انظر البحر المحيط: ١/١٨٥، والمحرر الوجيز: ١/٩٠، والدر المصون: ١/١١٥..
١٤ - تقدم برقم (١٥٩)..
١٥ - في أ: الرسول..

### الآية 2:10

> ﻿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [2:10]

" في قلوبهم مرض " الجار والمجرور خبر مقدّم واجب التقديم لما تقدّم ذكره في قوله تعالى : وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ  \[ البقرة : ٧ \]. والمشهور تحريك الراء من " مرض ". 
وَرَوَى الأصمعي[(١)](#foonote-١) عن أبي عمرو سكونها، وهما لغتان في مصدر مَرِضَ يَمْرَضُ. 
 " والمرض " : الفتور. 
وقيل : الفساد. 
وقيل : صفة توجب وقوع الخَلَلِ في الأفْعال الصادرة عن الفاعل، ويطلق على الظلمة ؛ وأنشدوا :\[ البسيط \]

فِي لَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ  فَما يُحِسُّ بِهِ نَجْمٌ وَلاَ قَمَرُ[(٢)](#foonote-٢)أي : لظلمتها، ويجوز أن يكون أراد ب " مَرِضَتْ " فَسَدْت، ثم بين جهة الفَسَادِ بالظُّلمة. 
قوله : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً . 
هذه جملة فعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، متسبّبة عنها، بمعنى أنَّ سبب الزِّيَادة حصول المرض في قلوبهم، إذ المراد بالمرض هنا الغِلّ والحسد لظهور دين الله تعالى. 
و " زاد " يستعمل لازماً ومتعدياً لاثنين ثانيهما غير الأول ك " أَعْطَى وكَسَا "، فيجوز حذف مفعوليه، وأحدهما اختصاراً واقتصاراً، تقول :" زاد المال " فهذا لازم، و " زدت زيداً أجراً " ومنه :
 وَزِدْنَاهُمْ هُدًى  \[ الكهف : ١٣ \]،  فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً  \[ البقرة : ١٠ \] و " زدت زيداً " ولا تذكر ما زدته، و " زدت مالاً " ولا تذكر من زدته. 
وألف " زاد " منقلبة عن ياء ؛ لقولهم :" يزيد ". 
وقرأ ابن عامر وحمزة[(٣)](#foonote-٣) :" فزادهم " بالإمالة. 
وزاد حمزة إمالة " زاد " حيث وقع، و زَاغَ  \[ النجم : ١٧ \]  وَخَابَ 
\[ إبراهيم : ١٥ \]، و طَابَ  \[ النساء : ١٣ \]، و " حَاقَ " \[ الأنعام : ١٠ \]، والآخرون لا يميلونها. 
### فصل في أوجه ورود لفظ المرض


**ورد لفظ " المرض " على أربعة أوجه :**
الأول : الشّك كهذه الآية. 
الثاني : الزِّنَا قال تعالى : فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ  \[ الأحزاب : ٣٢ \]. 
الثالث : الحَرَجُ قال تعالى : أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ  \[ النساء : ١٠٢ \]. 
الرابع : المرض بعينه. 
قوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  نظيره قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ 
\[ البقرة : ٧ \] وقد تقدّم. و " أليم " هنا بمعنى : مُؤْلِم، كقوله :\[ الوافر \]ونَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاَتٍ  يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ[(٤)](#foonote-٤)ويجمع على " فُعَلاَء " ك :" شريف وشرفاء "، و " أفْعَال " مثل :" شريف وأشراف "، ويجوز أن يكون " فعيل " : هُنَا للمُبَالغة محولاً من " فَعِل " بكسر العَيْنِ، وعلى هذا تكون نسبة الألم إلى العَذَابِ مجازاً، لأنّ الألم حلّ بمن وقع به العذاب لا بالعذاب، فهو نظير قولهم :" شِعْرٌ شَاعِر ". 
و بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ  متعلّق بالاستقرار المقدر في " لهم "، أي : استقر لهم عَذَابٌ أليم بسبب تكذيبهم. 
و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، أي : بكونهم يكذبون، وهذا على القول بأن ل " كان " مصدراً، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قول الشاعر :\[ الطويل \]بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سَادَ في قوْمِهِ الفَتَى  وَكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ[(٥)](#foonote-٥)فقد صَرّح بالكون، ولا جائز أن يكون مصدر " كان " التَّامة لنصبه الخبر بعدها، وهو " إياه " على أنَّ للنظر في هذا البيت مجالاً ليس هذا موضعه. 
وعلى القول بأن لها مصدراً لا يجوز التصريح به معها، لا تقول :" كان زيد قائماً كوناً "، قالوا : لأن الخبر كالعوض من المصدر، ولا يجمع بين العوض والمُعَوَّض منه، وحينئذ فلا حَاجَةَ إلى ضمير عائد على " ما " ؛ لأنها حرف مصدري على الصحيح، خلافاً للأخفش وابن السّراجِ في جعل المصدرية اسماً. 
ويجوز أن تكون " ما " بمعنى " الذي "، وحينئذ فلا بُدّ من تقدير عائدٍ أي : بالذي كانوا يكذبونه، وجاز حَذْفُ العائد لاستكمال الشُّروط، وهو كونه منصوباً متصلاً بفعل، وليس ثمَّ عائد آخر. 
وزعم أبو البَقَاءِ أن كون " ما " موصولةً اسميةً هو الأظهر، قال : لأنّ الهاء المقدرة عائدة على " الَّذِي " لا على المصدر. وهذا الَّذِي قاله غير لازم، إذ لقائل أن يقول : لا نسلّم أنه لا بُدَّ من هاءٍ مقدّرة حتى يلزم جعل " ما " اسمية، بل من قرأ  يَكْذِبُونَ  مخففاً فهو عنده غير متعدٍّ لمفعول، ومن قرأه مشدداً فالمفعول محذوف لفهم المعنى أي : بما كانوا يكذبون الرَّسول والقرآن، أو يكون المشدّد بمعنى المخفّف، وقرأ الكوفيون[(٦)](#foonote-٦) : يَكْذِبُونَ  بالفتح والتَّخفيف، والباقون بالضَّم والتشديد. 
و " يكذّبون " مضارع " كذَّب " بالتشديد، وله معانٍ كثيرة : الرَّمي بكذا، ومنه الآية الكريمة والتعدية نحو :" فَرَّحْتُ زيداً ". 
والتكثير نحو :" قَطَّعْتُ الأثواب ". 
والجعل على صفة نحو :" قَطَّرْتُه " أي : جعلته مقطراً ؛ ومنه :\[ السريع \]قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا  مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا[(٧)](#foonote-٧)والتسمية نحو :" فَسَّقْتُهُ " أي : سميته فاسقاً
والدعاء له نحو :" سَقَّيْتُهُ " أي قلت له :" سَقَاكَ الله ". 
أو الدعاء عليه نحو :" عَقَّرتُه " أي قلت : عَقْراً لك. 
والإقامة على الشيء نحو :" مَرَّضتُه " والإزالة نحو :" قَذَّيْتُ عينه " أي : أزلت قَذَاها. 
والتوجّه نحو :" شَرَّقَ وغَرَّبَ "، أي : توجّه نحو الشرق والغرب. 
واختصار الحكاية نحو :" أمَّنَ " قال : آمين. 
وموافقة " تَفَعَّلَ " و " فَعَلَ " مخففاً نحو : وَلَّى بمعنى تولّى، وقَدَّرَ بمعنى قَدَر، والإغناء عن " تَفَعَّلَ " و " فَعَلَ " مخففاً نحو " حَمَّرَ " أي تكلم بلغة " حمير "، قالوا :" مَنْ دخل ظَفَارِ حَمَّرَ وعَرَّدَ في القِتَال " هو بمعنى عَرَدَ مخففاً، وإن لم يلفظ به. 
و " الكذب " اختلف النَّاس فيه، فقائل : هو الإخبار عن الشيء بخير ما هو عليه ذهناً وخارجاً، وقيل : بغير ما هو عليه في الخارج، سواء وافق اعتقاد المتكلّم أم لا. 
وقيل : الإخبار عنه بغير اعتقاد المتكلّم سواء وافق ما في الخارج أم لا، والصّدق نقيضه. 
### فصل في معنى الآية


قال المفسرون : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  شكّ ونفاق  فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً  ؛ لأن الآيات كانت تنزل آيةً بعد آيةٍ، كلما كفروا بآيةٍ ازدادوا كفراً ونفاقاً، وذلك معنى قوله : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ  \[ التوبة : ١٢٥ \] والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رجساً عند نزولها حين كفروا بها قبل ذلك، وهو كقوله تعالى : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً  \[ نوح : ٦ \] والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده، وقال : فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً  \[ فاطر : ٤٢ \]. 
قالت المعتزلة : لو كان المراد من المرض - هاهنا - الكفر والجَهْل لكان قوله : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً  محمولاً على الكُفْرِ والجَهْلِ، فيلزم أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجهل. 
قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجَهْلِ لوجوه :
أحدها : أنّ الكفار كانوا في غَايَة الحرص على الطَّعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان ؟
وثانيها : أنه - تعالى - ذكر هذه الآيات في معرض الذَّم لهم على كُفْرِهِمْ، فكيف يذمّهم على شيء خلقه الله فيهم. 
وثالثها : قوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  فإن كان الله خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأيّ ذنب لهم حتَّى يعذبهم ؟
ورابعها : أنه - تعالى - أضافه إليهم بقوله : بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ  وبأنهم يفسدون في الأرض، وأنهم هم السّفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شَيَاطينهم قالوا : إنا معكم، وإذا ثبت هذا فلا بُدّ من التأويل، وهو من وجوه :
الأول : يحمل المرض على الغَمّ، لأنه يقال : مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى : أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا إثبات أمر النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -، واستعلاء شأنه يوماً فيوماً، وذلك يؤدي إلى زوال رياستهم، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - مَرَّ بعبد الله بن أُبَيّ على حِمَارٍ، فقال له : نَحّ حمارك يا مُحَمّد فقد آذانا رِيْحُهُ، فقال له بعض الأنصار، اعْذُرْهُ يا رسول الله، فإنه كان مؤملاً أن نُتَوِّجَهُ الرياسةَ قبل أن تقدم علينا[(٨)](#foonote-٨)، فهؤلاء لمَّا اشتدَّ عليهم الغَمّ وصفهم الله بذلك فقال : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً  أي : زادهم غمًّا على غَمِّهِمْ. 
وثانيها : المراد من زيادة المرض زيادة منع الألطاف فيكون بسبب ذلك المَنْع خاذلاً لهم. 
الثالث : أنَّ العرب تصف فتور النَّظر بالمرض يقولون : جاريةٌ مريضةُ الطرف. 
قال جرير :\[ البسيط \]إِنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرْفِهَا مَرَضٌ  قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلاَنَا[(٩)](#foonote-٩)فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النِّية ؛ لأن قلوبهم كانت قويةً على المُحَاربة، والمُنَازعة، والمخاصمة، ثم انكسرت شوكتهم، فأخذوا في النِّفَاق بسبب ذلك الخوف، والانكسار، فقال تعالى : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً  أي : زادهم الانْكِسَارَ والجُبْنَ والضعف، وحقق الله ذلك بقوله : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ  \[ الأحزاب : ٢٦ \]. 
الرابع : أن يحمل المرض على أَلَم القلب ؛ لأنَّ المُبْتَلَى بالحَسَدِ والنِّفَاقِ، ومشاهدة ما يكره ربما صار ذلك سبباً لتغيير مِزَاَجِهِ، وتألُّم قلبه، وحَمْلُ اللَّفْظِ على هذا الوَجْهِ حَمْلٌ له على حقيقته، فكان أولى. 
وقوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ  صريح أن كذبهم علّة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً. 
فأما ما يروى عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أنه كذب ثلاث كذبات[(١٠)](#foonote-١٠)، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته الكذب سمي به. 
والمراد بكذبهم قولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين. 
١ - عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي؛ رواية العرب وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان ولد ١٢٢هـ.
 كان الرشيد يسميه شيطان الشعر، قال الأخفش: ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعي وتصانيفه كثيرة منها الإبل مطبوع، الأضداد مخطوط، خلق الإنسان مطبوع وغيرها توفي سنة ٢١٦هـ.
 ينظر السيرافي: ٥٨، جمهرة الأنساب: ٢٣٤، وابن خلكان: (١/٢٨٨)، تاريخ بغداد: ١٠/٤١، نزهة الألبا: ١٥٠، طبقات النحويين، الأعلام: ٤/١٦٢..
٢ - ينظر البحر المحيط: ١/١٨١، والدر المصون: ١/١١٦..
٣ - انظر شرح طيبة النشر: ٤/٤، والعنوان: ٦٨، والحجة للقراءات السبعة: ١/٣٢٠، وحجة القراءات: ٨٨، وإعراب القراءات: ١/٦٥، وإتحاف: ١/٣٧٨..
٤ - البيت لذي الرمة. ينظر ديوانه: ٦٧٧، الأضداد: ٨٤، اللسان (شمردل) الطبري: ١/١٥٦، القرطبي: ١/١٣٩، الدر: ١/١١٦..
٥ - ينظر البيت في شرح ابن عقيل: (١/٢٧٠)، (٦٤)، الأشموني (١/٢٣١)، الهمع: (١/١١٤)، الدرر: (١/٨٣)، وارتشاف الضرب: (٢/٧٥)، وشرح الألفية لابن الناظم: (١٣٢)، والتصريح: (١/١٨٧)، والدر المصون: (١/١١٦)، أوضح المسالك: ١/٢٣٩، المقاصد النحوية: ٢/١٥..
٦ - وبها قرأ: عاصم، وحمزة، والكسائي، وكذا خلق، ووافقهم الحسن والأعمش. انظر حجة القراءات: ٨٨، والحجة: ١/٣٢٩، والعنوان في القراءات السبع: ٦٨، وإعراب القراءات: ١/٦٥، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٧٨، وشرح شعلة: ص ٢٥٨، وشرح طيبة النشر: ٤/٤..
٧ - البيت لعمرو بن معد يكرب ينظر ديوانه: ص ١٦٧، والأغاني: ١٥/١٦٩، وشرح أبيات سيبويه: ٢/١٩٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ص ٤١١، والكتاب: ٢/٣٥٣، وله أو للفرزدق ينظر شرح شواهد المغني: ٢/٧١٩، الأشباه والنظائر: ٧/٢٤٣، وتخليص الشواهد: ص ١٨٤، وشرح المفصل: ٣/١٠١، ١٠٣، ولسان العرب (قطر)، ومغني اللبيب: ١/٣٠٩، دلائل الإعجاز: ٣٣٧، الدر: ١/١١٧..
٨ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٢/٥٨)..
٩ - ينظر ديوانه: ص ١٦٣، وشرح شواهد المغني: ٢/٧١٢، والمقاصد النحوية: ٣/٤٦٤، والمقتضب: ٢/١٧٣، وبلا نسبة في شرح المفصل: ٥/٩..
١٠ ينظر تفسير زاد المسير لابن الجوزي: ٤/٢٥٨، ٥/٣٦٠..

### الآية 2:11

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [2:11]

" إذا " ظرف زمان مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تكون إلاّ في الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه، فلذلك لم تجزم إلا في شِعْرٍ ؛ لمخالفتها أدوات الشرط ؛ فإنها للأمر المحتمل، فمن الجزم قوله :\[ البسيط \]

تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لِي  نَاراً إِذَا خَمَدَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدِ[(١)](#foonote-١)وقال آخر :\[ الكامل \]وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى  وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ[(٢)](#foonote-٢)وقال الآخر :\[ الطويل \]إِذَا قَصُرَتْ أَسْيَافُنَا كَانَ وَصْلُهَا  خُطَانَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِبِ[(٣)](#foonote-٣)فقوله :" فَنُضَارب " مجزوم لعطفه على محل قوله " كان وصلها ". 
وقال الفرزدق :\[ الطويل \]فَقَامَ أَبُو لَيْلَى إِلَيْهِ ابْنُ ظَالِمٍ  وَكَانَ إذَا مَا يَسْلُلِ السَّيْفَ يَضْرِبِ[(٤)](#foonote-٤)وقد تكون للزمن الماضي ك :" إذ " كما قد تكون " إذ " للمستقبل ك " إذا ". 
فمن مجيء " إذا " ظرفاً لما مَضَى من الزمان واقعةً موقع " إذ " قوله تعالى : وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ  \[ التوبة : ٩٢ \]، وقوله : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا  \[ الجمعة : ١١ \]، قال به ابن مالك، وبعض النحويين. 
ومن مجيء " إذ " ظرفاً لما يستقبل من الزمان قوله تعالى : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ  \[ غافر : ٧٠ \]. 
وتكون للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذ باقية على زمانيتها، أو صارت ظرف مكان أو حرفاً ؟
ثلاثة أقوال : أصحُّها الأول استصحاباً للحال، وهل تتصرف أم لا ؟
الظاهر عدم تصرفها، واستدلّ من زعم تصرفها بقوله تعالى في قراءة[(٥)](#foonote-٥) من قرأ : إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً  \[ الواقعة : ١ -٤ \] بنصب " خافضة رافعة "، فجعل " إذا " الأولى مبتدأ، والثانية خبرها. 
والتقدير : وَقْتُ وقوع الواقعة وقت رجّ الأرض، وبقوله : حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا  \[ الزمر : ٧١ \]، و حَتَّى إِذَا كُنتُمْ  \[ يونس : ٢٢ \] فجعل " حتى " حرف جر، و " إذا " مجرورة بها، وسيأتي تحقيق ذلك في مواضعه. ولا تُضَاف إلاَّ الجُمَلِ الفعلية خلافاً للأخفش. 
وقوله :" قيل " فعل ماضٍ مبني للمفعول، وأصله :" قَوَلَ " ك :" ضرب "، فاستثقلت الكسرة على " الواو "، فنقلت إلى " القاف " بعد سَلْبِ حركتها، فسكنت " الواو " بعد كسرة، فقلبت " ياء "، وهذه أفصح اللغات، وفيه لغة ثانية، وهي الإشمام، والإشمام عبارة عن جعل الضّمة بين الضم والكَسْرِ. 
ولغة ثالثة وهي : إخلاص الضم، نحو :" قُولَ وبُوعَ "، قال الشاعر :\[ الرجز \]لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتُ  لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ[(٦)](#foonote-٦)وقال الآخر :\[ الرجز \]حُوكَتْ عَلَى نَولَيْنِ إذْ تُحَاكُ  تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ وَلاَ تُشَاكُ[(٧)](#foonote-٧)وقال الأخفش :" ويجوز " قُيُل " بضم القاء والياء "، يعني مع الياء ؛ لأن الياء تضم أيضاً. وتجيء هذه اللغات الثلاث في " اختار " و " انقاد "، و " ردّ " و " حَبّ " ونحوها، فتقول :" اختير " بالكسر، والإِشْمَام، و " اختور "، وكذلك :" انقيد "، و " انقود "، و " رَدَّ "، و " رِدَّ "، وأنشدوا :\[ الطويل \]وَمَا حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا  وَلاَ قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ[(٨)](#foonote-٨)بكسر حاء " حل ". 
وقرئ :" وَلَوْ رِدُّوا " \[ الأنعام : ٢٨ \] بكسر الراء. 
والقاعدة فيما لم يسم فاعله أن يُضَمّ أول الفعل مطلقاً ؛ فإن كان ماضياً كسر ما قبل آخره لفظاً نحو :" ضرب "، أو تقديراً نحو :" قيل "، و " اختير ". 
وقد يضم ثاني الماضي أيضاً إذا افتتح بتاء مُطَاوعة نحو :" تُدُحْرج الحجر "، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو :" انْطُلِقَ بزيد " واعلم أن شرط جواز اللغات الثلاث في " قيل "، و " غيض "، ونحوهما ألا يلتبس، فإن التبس عمل بمقتضى عدم اللَّبْس، هكذا قال بعضهم، وإن كان سيبويه قد أطلق جواز ذلك، وأشَمّ الكسائي[(٩)](#foonote-٩) : قِيلَ  \[ البقرة : ١١ \]،  وَغِيضَ  \[ هود : ٤٤ \]،  وَجِاْىءَ  \[ الزمر : ٦٩ \]، 
 وَحِيلَ  \[ سبأ : ٥٤ \]  وَسِيقَ الَّذِينَ  \[ الزمر : ٧١ \] و سِيءَ بِهِمْ  \[ هود : ٧٧ \]، و سِيئَتْ وُجُوهُ  \[ الملك : ٢٧ \]، وافقه هشام في الجميع، وابن ذكوان في " حِيْل " وما بعدها، ونافع في " سيء " و " سيئت "، والباقون بإخلاص الكسر في الجميع. 
والإشْمَام له معان أربعة في اصطلاح القراء سيأتي ذلك في قوله :
 لاَ تَأْمَنَّا  \[ يوسف : ١١ \] إن شاء الله تعالى. 
و " لهم " جار ومجرور متعلّق ب " قيل "، و " اللاَّم " للتبليغ، و " لا " حرف نهي يجزم فعلاً واحداً، و " تفسدوا " مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف النون ؛ لأنه من الأمثلة الخمسة. 
و " في الأرض " متعلّق به، والقائم مقام الفاعل هو الجُمْلَةُ من قوله :" لا تفسدوا " لأنه هو القول في المعنى، واختاره الزمخشري. 
والتقدير : وإذا قيل لهم هذا الكلام، أو هذا اللّفظ، فهو من باب الإسناد اللَّفْظي. 
وقيل : القائم مقام الفاعل مضمر، تقديره : وإذا قيل لهم هو، ويفسّر هذا المضمر سياق الكلام كما فسّره في قوله : حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ  \[ ص : ٣٢ \]. 
والمعنى :" وإذا قيل لهم قول سديد " فأضمر هذا القول الموصوف، وجاءت الجملة بعده مفسّرة، فلا موضع لها من الإعراب، فإذا أمكن الإسناد المعنوي لم يعدل إلى اللَّفْظِيّ، وقد أمكن ذلك بما تقدّم. وهذا القول سبقه إليه أبو البَقَاءِ، فإنه قال :" والمفعول القائم مَقَام الفاعِلِ مصدر، وهو القول، وأضمر ؛ لأن الجملة بعد تفسّره، ولا يجزز أن يكون " لا تفسدوا " قائماً مقام الفاعل ؛ لأن الجملة لا تكون فاعلاً، فلا تقوم مقام الفاعل ". 
وقد تقدم جواب ذلك من أن المعنى : وإذا قيل لهم هذا اللفظ، ولا يجوز أن يكون " لهم " قائم مقام الفاعل إلاَّ في رأي الكوفيين والأخفش، إذ يجوز عندهم إقامة غير المفعول به مع وجوده. 
**وتلخصّ من هذا :**
أنَّ جملة قوله :" لا تفسدوا " في مَحَلّ رفع على قول الزَّمخشري، ولا محلّ لها على قول أبي البَقَاءِ ومن تبعه، والجملة من قوله :" قيل " وما في حَيّزه في محل خفضٍ بإضافة الظرف إليه. 
والعامل في " إذا " جوابها، وهو " قالوا "، والتقدير : قالوا : إنما نحن مصلحون، وقت قول القائم لهم : لا تفسدوا. 
وقال بعضهم : الذي نختاره أن الجُمْلَةَ الَّتي بعدها وتليها ناصبة لها، وأنَّ ما بعده ليس في مَحَلّ خَفْضٍ بالإضافة ؛ لأنها أداة شرط، فحكمها حكم الظروف التي يُجَازى بها، فكما أنك إذا قلت :" متى تَقُمْ أَقُمْ " كان " متى " منصوباً بفعل الشرط، فكذلك إذا قال هذا القائل. 
والذي يفسد مذهب الجمهور جواز قولك :" إذا قمت فعمرو قائم " ووقوع " إذا " الفُجَائية جواباً لها، وما بعد " الفاء ". 
و " إذا " الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو اعتراض ظاهر. 
وقوله : إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  " إنَّ " حرف مكفوف ب " ما " الزائدة عن العمل، ولذلك تليها الجملة مطلقاً، وهي تفيد الحَصْرَ عند بعضهم. 
وأبعد من زعم أنّ " إنما " مركبة من " إنَّ " التي للإثبات، و " ما " التي للنفي، وأنّ بالتركيب حدث معنى يفيد الحَصْرَ. 
واعلم أن " إن " وأخواتها إذا وَلِيَتْهَا " ما " الزائدة بطل عملها، وذهب اختصاصها بالأسماء كما مَرَّ، إلا " لَيْتَ " فإنه يجوز فيها الوجهان سماعاً، وأنشدوا قول النابعة :\[ البسيط \]
قَالَتْ : أَلاَ لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنَا  إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ، فَقَدِ[(١٠)](#foonote-١٠)برفع " الحَمَام " ونصبه، فأما إعمالها فلبقاء اختصاصها، وأمّا إهمالها فلحملها على أَخَوَاتِهَا، على أنه قد روي عن سيبويه في البيت أنها معملة على رواية الرفع أيضاً، بأن تجعل " ما " موصولة بمعنى " الذي "، كالتي في قوله تعالى : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ  \[ طه : ٦٩ \] و " هذا " خبر مبتدأ محذوف هو العائد، و " الحَمَام " نعت لهذا، و " لنا " خبر ل " ليت "، وحُذِفَ العائد وإن لم تَطُل الصلة. 
والتقدير : ألا ليت الذي هو \[ هذا \][(١١)](#foonote-١١) الحمام كَائِنٌ لنا، وهذا أولى من أن يدعي إهمالها، لأن المقتضى للإعمال - وهو الاختصاص - باقٍ. 
وزعم بعضهم أنّ " ما " الزائدة إذا اتَّصلت ب " إنَّ " وأخواتها جاز الإعمال في الجميع. 
و " نحن " مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للمتكلم، ومن معه أو المعظّم نفسه، و " مصلحون " خبره، والجملة في محل نَصْبٍ، لأنها محكية ب " قالوا ". 
والجملة الشرطية وهي قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ  عطف على صلة " من "، وهي " يقول "، أي : ومن النَّاس من يقول، ومن النَّاس من إذا قيل لهم : لا تفسدوا في الأرض قالوا : وقيل : يجوز أن تكون مستأنفةً، وعلى هذين القولين، فلا مَحَلّ لها من الإعراب لما تقدم، ولكنها جزء كلام على القول الأول، وكلام مستقل على القول الثاني، وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن تكون معطوفةً على " يكذبون " الواقع خبراً ل " كانوا "، فيكون محلّها النصب. 
وردّ بعضهم عليهما بأن هذا الذي أجازاه على أَحَدِ وجهي " ما " من قوله : بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ  خطأ، وهو : أن تكون موصولةً بمعنى " الذي "، إذْ لا عائد فيها يعود على " ما " المَوْصُولة، وكذلك إذا جعلت مصدريةً، فإنها تفتقر إلى العائد عند الأَخْفَشِ، وابن السراج. والجواب عن هذا أنهما لا يُجِيْزَانِ ذلك ألا وهما يعتقدان " ما " موصولة حرفية. 
وأما مذهب الأخفش وابن السراج فلا يلزمهما القول به، ولكنه يُشْكِلُ على أبي البَقَاءِ وحده، فإنه يستضعف كون " ما " مصدرية كما تقدم. 
### فصل في أوجه ورود لفظ الفساد


**ورد لفظ " الفساد " على ثلاثة أوجه :**
الأول : بمعنى العِصْيَان كهذه الآية. 
الثاني : بمعنى الهَلاَكِ قال تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا  \[ الأنبياء : ٢٢ \] أي : أهلكتا. 
الثالث : بمعنى السحر قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ  \[ يونس : ٨١ \]. 
### فصل في بيان من القائل


منهم من قال : إن ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال : هو الرسول، ومنهم من قال : بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل. 
والأقرب أن ذلك القائل كان مشافهاً لهم بذلك الكلام، فإما أن يكون الرسول - عليه الصلاة والسلام - بلغه عنهم النفاق، ولم يقطع بذلك، فنصحهم فأجابوا بما يحقّ إيمانهم، وأنهم في الصَّلاح بمنزلة سَائِرِ المؤمنين، وإما أنْ يكون بعض من يلقون إليه الفَسَاد كان لا يقبله منهم، وكان ينقلب واعظاً لهم قائلاً لهم : لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ  \[ البقرة : ١١ \] فإن قيل : إنما كانوا يخبرون الرَّسول بذلك ؟
قلنا : نعم، كانوا إذا عوقبوا عادوا إلى إظهار الإسلام، وكذبوا النَّاقلين عنهم، وحلفوا بالله عليه كما قال - تعالى - عنهم : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ  \[ التوبة : ٧٤ \]. وقيل هذا الكلام لليهود. 
و " الفساد " خروج الشيء عن كونه منتف١ - البيت للفرزدق. ينظر ديوانه: (٢١٦)، الكتاب: (١/٤٣٤)، شرح المفصل: (٧/٤٧)، والمقتضب: (٢/٥٥)، والأمالي الشجرية: (١/٢٣٣)، وشرح الأشموني: (٤/١٣)، والدر المصون: (١/١١٧)، والأزمنة والأمكنة: ١/٢٤١، وخزانة الأدب: ٧/٢٢..
٢ - البيت لعبد قيس بن خفاف. ينظر الدرر: ٣/١٠٢، وشرح اختيارات المفصل: ١٥٥٨، شرح شواهد المغني: ١/٢٧١، ولسان العرب: \[كرب\]، والمقاصد البحرية: ٢/٢٠٣، ولحارثة بن بدر الغداني في أمالي المرتضى: ١/٣٨٣، الأشباه والنظائر: ١/٣٣٥، وشرح الأشموني: ٣/٥٨٣، مغني اللبيب: ١/٩٣، وشرح الأشموني ٣/٥٨٣، مغني اللبيب: ١/٩٣، همع الهوامع: ١/٢٠٦..
٣ - البيت لشهم بن مرة. ينظر الكتاب: ١/٤٣٤، المفضليان: ٢٠٧، الأمالي الشجرية: ١/١٣٣، ابن يعيش: ٤/٩٧، ٧/٧٤، ولقيس بن الخطيم في ديوانه: ٨٨، المقتضب: ٢/٥٥، حروف المعاني: ٦٣، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور: ٢/٢٠٤، خزانة الأدب: ٧/٢٥، ٢٧..
٤ - ينظر ديوانه: ١/٤١، ابن يعيش: ٨/٢٣٤، خزانة الأدب: ٣/١٨٥، الدر: ١/١١٨..
٥ - ستأتي في سورة الواقعة (٣)..
٦ - البيت لرؤبة. ينظر ملحقات ديوانه: (١/٢٠٦)، شرح المفصل: (٧/٧٠)، الهمع: (١/٢٤٨)، الدرر: (١/٢٠٦)، مغني اللبيب: (٢/٣٩٣)، والتصريح: (١/٢٩٤)، شرح الكافية الشافية: (٢/٨١٩)، وشرح ابن عقيل: (٢/١١٥)، وشرح الألفية لابن الناظم: (٢٣٣)، وشرح الأشموني: (٢/٦٣)، وشرح شواهد المغني: (٢/٨١٩)، والدر المصون: (١/١١٨)..
٧ - البيت لرؤبة وليس في ديوانه. ينظر أوضح المسالك: ١/٣٨٧، الأشموني: ٢/٦٣، الهمع: ١/١٢٥، شرح الكافية الشافية: ٢/٦٥، شرح ابن عقيل: ٢/١١٤..
٨ - البيت للفرزدق ينظر ديوانه: ٢/٢٩، والكتاب: ٤/١١٨، وشرح أبيات سيبويه: ٢/٣٨١، ولسان العرب \[حلل\]، والمحتسب: ١/٣٤٦، المنصف: ١/٢٥٠، وجمهرة أشعار العرب: ص ٨٨٧، معاني الأخفش: ١/١٩٨، الدر المصون: ١/١١٨..
٩ - انظر شرح طيبة النشر: ٤/٤، وحجة القراءات: ٨٩، والحجة: ١/٣٤٠، وإتحاف: ١/٣٧٩، وإعراب القراءات: ١/٦٧، والعنوان: ٦٨، وشرح الطيبة: ٢٥٩، وشرح شعلة: ٢٥٩.
 وقد قرأ بالإشمام أيضا هشام، وهو لغة قيس وعقيل ومن وافقهم..
١٠ - ينظر ديوانه: ١٦، المقرب: ١/١١٠، الخصائص: ١٢/٤٦٠، الخزانة: ٤/٢٩٧، المغني: ٧٥، الدرر: ١/٢٢١، الكتاب: ٢/١٣٧، الأمالي الشجرية: ٢/١٤٢، ٢٤١، الإنصاف: ١/٤٧٩، ابن يعيش: ٨/٥٤، الأزهية: ١١٤، شذور الذهب: ٣٤٣، قطر الندى: ٢١٠، شرح الألفية لابن الناظم: ١٧٤، شرح الكافية الشافية: ١/٤٨٠، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور: ١/٢٥١، ٦٢٢، ٢/١٣، التصريح: ١/٢٢٥، الهمع: ١/٦٥، ١٤٣، شرح الأشموني: ١/٣٨٤، مجاز القرآن: ١/٣٥، ٢/٥٨، الدر: ١/١٢٠، والأغاني: ١١/٣١، والإنصاف: ٢/٤٧٩، وتخليص الشواهد: ص ٣٦٢، وتذكرة النحاة: ص ٣٥٣، ورصف المباني: ص ٢٩٩، ٣١٦، ٣١٨، وشرح شواهد المغني: ١/٧٥، ٢٠٠، ٢/٦٩٠، واللمع: ص ٣٢٠، ومغني اللبيب: ١/٦٣، ٢٨٦، ٣٠٨ والمقاصد النحوية: ٢/٢٤٥، وأوضح المسالك: ١/٣٤٩، وشرح قطر الندى: ص ١٥١ ولسان العرب (قدد)..
١١ - سقط في أ..

### الآية 2:12

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [2:12]

وقوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ  " ألا " حرف تنبيه، واستفتاح، وليست مركّبة من همزة الاستفهام و " لا " النافية، بل هي بَسيطَةٌ، ولكنها لفظ مشترك بين التَّنبيه والاستفتاح، فتدخل على الجُمْلَة اسميةً كانت أو فعليةً، وبين العرض والتخصيص، فتختصّ بالأفعال لفظاً أو تقديراً، وتكون النافية للجنس دخلت عليها همزة الاستفهام، ولها أحكام تقدّم بعضها عند قوله تعالى : لاَ رَيْبَ فِيهِ 
\[ البقرة : ٢ \]، وتكون للتَّمَنِّي، فتجري مجرى " ليت " في بعض أحكامها. 
وأجاز بعضهم أن تكون جواباً بمعنى " بَلَى " يقول القائل : ألم يقم زيد ؟ فتقول :" ألا " بمعنى :" بلى قد قام " وهو غريب. 
و " إنّهم " إنّ واسمها، و " هم " تحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أنْ تكون تأكيداً لاسم " إنَّ " ؛ لأن الضَّمير المنفصل المرفوع يجوز أن يؤكد به جميع ضروب الضَّمير المتصل. 
وأن تكون فصلاً، وأن تكون مبتدأ. 
و " المفسدون " خبره، والجملة خبر ب " إن ". 
وعلى القولين الأوّلين يكون " المفسدون " وحده خبراً ل " إن "، وجيء في هذه الجملة بضروب من التأكيد منها : الاستفتاح والتنبيه، والتَّأكيد ب " إن "، والإتيان بالتأكيد، والفَصْل بالضَّمير، وبالتعريف في الخبر مبالغةً في الرد عليهم فيما ادّعوه من قولهم : إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  ؛ لأنهم أخرجوا الجواب جملةً اسمية مؤكدةً ب " إنما " ليدلّوا بذلك على ثُبُوت الوَصْفِ لهم، فرد الله عليهم بأبلغ وآكد مما ادعوه. 
وقوله : وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ  الواو عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. 
و " لكن " معناها الاستدراك[(١٢)](#foonote-١٢)، وهو معنى لا يُفَارقها، وتكون عاطفةً في المفردات[(١٣)](#foonote-١٣)، ولا تكون إلاّ بين ضدّين، أو نقيضين، وفي الخلافين خلاف، نحو :" ما قام زيد لكن خرج بكر "، واستدلّ بعضهم على ذلك بقوله طَرَفَةَ :\[ الطويل \]

وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ لِبَيْتِهِ  وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ[(١٤)](#foonote-١٤)فقوله :" متى يسترفد القوم أرفد " ليس ضدًّا ولا نقيضاً لما قبله، ولكنه خلافه. 
قال بعضهم : وهذا لا دليل فيه على المدّعى، لأن قوله :" لستُ بحلاّل التِّلاَع لبيته " كنايةٌ عن نفي البُخْلِ أي : لا أحلّ التِّلاَع لأجل البُخْل. 
وقوله :" متى يسترفد القوم أرفد " كناية عن الكَرَمِ، فكأنه قال : لست بخيلاً ولكن كريماً، فهي - ها هنا - واقعةٌ بين ضدّين. 
ولا تعمل مخففة خلافاً ل " يونس " [(١٥)](#foonote-١٥)، ولها أحكام كثيرة. 
ومعنى الاسْتِدْرَاك في هذه الآية يحتاج إلى تأمل ونظر، وذلك أنهم لما نهوا عن اتخاذ مثل ما كانوا يتعاطونه من الإفساد، فقابلوا ذلك بأنهم مصلحون في ذلك، وأخبر - تعالى - بأنهم هم المفسدون كانوا حقيقين بأن يعلموا أن ذلك كما أخبر - تعالى - وأنهم لا يدعون بأنهم مصلحون، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فَاتَهُمْ من عدم الشعور بذلك. 
ومثله قولك :" زيد جاهل، ولكن لا يعلم "، وذلك لأنه من حيث اتّصف بالجهل، وصار الجهل وصفاً قائماً به كان ينبغي أن يعلم بهذا الوَصْف من نفسه ؛ لأن الإنسان له أن يعلم ما اشتملت عليه نفسه من الصفات، فاستدركت عليه أنَّ هذا الوصف القائم به لا يعلمه مُبَالغة في جهله. 
ومفعول " يشعرون " محذوف : إمّا حذف اختصار، أي : لا يشعرون بأنهم مفسدون، وإما حذف اقتصار، وهو الأحسن، أي : ليس لهم شعور ألبتة.

### الآية 2:13

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [2:13]

الكلام عليها كالكلام على التي قبلها. 
و " آمنوا " فعل وفاعل، والجملة في محل رفع لقيامها مقام الفاعل على ما تقدم في  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ  \[ البقرة : ١١ \] والأقوال هناك تعود هُنَا. والكاف في قوله " كما آمن " في محلّ نصب. 
وأكثر المعربين يجعلون نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير : آمنوا إيماناً كإيمان النَّاس، وكذلك يقولون في :" سير عليه حثيثاً " : أي سيراً حثيثاً وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه في هذا ونحوه أن يكون منصوباً على الحال من المصدر والمضمر المفهوم من الفعل المتقدم. 
وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاَّ في مواضع محصورة، ليس هذا منها، فتلك المواضع : أن تكون الصفة خاصة بالموصوف، نحو :" مررت بكاتب ". 
أو واقعة خبراً نحو :" زيد قائم ". 
أنو حالاً نحو :" جاء زيد راكباً ". 
أو صفة لظرف نحو :" جلست قريباً منك ". 
أو مستعملة استعمال الأسماء، وهذا يحفظ ولا يُقَاس عليه، نحو :" الأبْطَح والأَبْرَق " وما عدا هذه المَوَاضع لا يجوز فيها حذف المَوْصُوف ؛ ألا ترى أنَّ سيبويه منع لا ماء ولو بارداً، وإن تقدّم ما يدلُّ على الموصوف، وأجاز :" إلا ماء ولو بارداً " ؛ لأنه نصب على الحال. 
و " ما " مصدرية في محل جَرّ بالكاف، و " آمَنَ النَّاسُ " صلتها. 
واعلم أنَّ " ما " المصدرية توصَلُ بالماضي أو المضارع المتصرّف، وقد شَذَّ وصلها بغير المتصرف في قوله :\[ الطويل \]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بِمَا لَسْتُمَا أَهْلَ الخِيَانَةِ، والغَدْرِ[(١)](#foonote-١)وهل توصل بالجمل الاسمية ؟ خلاف، واستدل على جوازه بقوله :\[ الكامل \]وَاصِلْ خَلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ  فَلأَنْتَ أَوْ هُوَ عَنْ قَلِيلٍ ذَاهِبُ[(٢)](#foonote-٢)وقال الآخر :\[ البسيط \]أَحْلاَمُكُمْ لِسَقَامِ الجَهْلِ شَافِيَةٌ  كَمَا دِمَاؤُكُمُ تَشْفِي مِنَ الكَلَبِ[(٣)](#foonote-٣)وقول الآخر :\[ الوافر \]فإِنَّ الحُمْرَ مِنْ شَرِّ المَطَايَا  كَمَا الحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تَمِيمِ[(٤)](#foonote-٤)إلاّ أن ذلك يكثر فيها إذا أفهمت الزمان ؛ كقوله :\[ الكامل \]وَاصِلْ خَلِيلَكَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٥)](#foonote-٥)البيت. 
وأجاز الزَّمخشري وأبو البقاء أن تكون " ما " كافّة ل " الكاف " عن العمل. 
مثلها في قولك : ربما قدم زيد، ولا ضرورة تدعو إلى هذا ؛ لأن جعلها مصدريةً مبقٍ ل " الكاف " على ما عهد لها من العمل، بخلاف جعلها كافة. 
والألف واللام في " النَّاس " تحتمل أن تكون للجنس، وفيها وجهان. 
أحدهما : المراد " الأوس " و " الخزرج " ؛ لأن أكثرهم كانوا مسلمين، وهؤلاء المنافقون كانوا منهم، وكانوا قليلين، ولفظ العموم قد يُطْلق على الأكثر. 
والثاني : المُرَاد جميع المؤمنين ؛ لأنهم هم النَّاس ؛ لكونهم أعطوا الإنسانية حقَّهَا ؛ لأن فضل الإنسان على سَائِرِ الحيوان بالعَقْلِ المرشد. 
وتحتمل أن تكون " الألف " و " اللام " للعهد، فيكون المراد : كما آمن الرسول ومن معه، وهم ناسٌ معهودون، أو عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. 
### فصل في أوجه ورود لفظ الناس


**ورد لفظ " النَّاس " على سبعة أوجه :**
الأول : المُرَاد به عبد الله بن سلام، وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب. 
الثاني : المُرَاد به النَّبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  \[ النساء : ٥٤ \]. 
أي : يحسدون النبي - عليه الصلاة والسلام - على النِّسَاء. 
الثَّالث : الناس : المؤمنون خاصّة قال تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ  \[ آل عمران : ٩٧ \]، ومثله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ  \[ البقرة : ٢١ \]. 
الرابع والخامس : كُفّار قريش، وزيد بن مسعود، قال تعالى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ  يعني نَعِيم المكّي : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ 
\[ آل عمران : ١٧٣ \]. 
السادس : آدم - عليه الصلاة والسَّلام - قال تعالى : ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ  \[ البقرة : ١٩٩ \] يعني : آدم عليه الصلاة والسلام. 
السابع : الرِّجَال ؛ قال تعالى : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ  \[ غافر : ٥٧ \] يعني : الرجال. 
### فصل في إعراب الآية


الهمزة في " أنؤمن " للإنكار، والاستهزاء، ومَحَلّ " أنؤمن " النصب ب " قالوا " وقوله : كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ  القول في " الكاف " و " ما " كالقول فيهما فيما تقدّم، و " الألف " و " اللام " في " السفهاء " تحتمل أن تكون للجنس أو للعهد، وأبعد من جعلها للغَلَبَة كالعيّوق ؛ لأنه لم يغلب هذا الوصف عليهم، بحيث إذا قيل : السفهاء فيهم منهم ناس مخصوصون، كما يفهم من العيوق كوكب مخصوص. 
والسَّفه : الخِفّة، يقال : ثوب سفيه أي : خفيف النَّسْج، ويقال : سفهت الرِّيح الشيء : إذا حَرَّكته ؛ قال ذو الرمّة :\[ الطويل \]جَرَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِيَاحٌ تَسَفَّهَتْ  أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ[(٦)](#foonote-٦)وقال أبو تمام :\[ الوافر \]سَفِيهُ الرُّمْحِ جَاهِلُهُ إذَا مَا  بَدَا فَضْلُ السَّفِيهِ عَلَى الحَلِيمِ[(٧)](#foonote-٧)أراد سريع الطَّعن بالرُّمْحِ خفيفه، وإنما قيل لبذيء اللسان : سفيه ؛ لأنه خفيف الهداية. 
وقال عليه الصلاة والسلام :" شَارِبُ الخَمْرِ سَفِيهٌ " [(٨)](#foonote-٨) لقلة عقله. 
وقيل : السفيه : الكَذّاب الذي يعمل بخلاف ما يعلم، وإنما سمّى المنافقون المسلمين بالسُّفهاء، لأن المُنَافقين كانوا من أهل الرياسة، وأكثر المسلمين كانوا فقراء، وكان عند المنافقين أن دين محمد باطلٌ، والباطل لا يقبله إلا السَّفيه، فلهذا نسبوهم إلى السَّفاهة، ثم إنّ الله - تعالى - قلب عليهم هذا القول فقال :" أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ " لوجوه :
أحدها : أنَّ من أعرض عن الدّليل، ثم نسب المتمسّك به إلى السَّفَاهة، فهو السَّفيه. 
وثانيها : أنَّ من باع آخرته بِدُنْيَاهُ فهو السَّفيه. 
وثالثها : أنَّ من عادى محمداً صلى الله عليه وسلم فقد عادى الله، وذلك هو السَّفيه. 
والكلام على قوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ  كالكلام على قوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ 
\[ البقرة : ١٢ \]. 
وقرأ أهل " الشام " و " الكوفة " [(٩)](#foonote-٩) " السّفهاء أَلاَ " بتحقيق الهمزتين، وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا، والآخرون يحققون الأولى، ويليّنون الثانية في المختلفتين طلباً للخفّة فإن كانتا متّفقتين مثل : هَؤُلاءِ إِن  \[ البقرة : ٣١ \]، و أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ 
\[ الأحقاف : ٣٢ \]، و جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ  \[ هود : ١٠١ \] قرأها أبو عمرو والبزي[(١٠)](#foonote-١٠) عن ابن كثير بهمزة واحدةٍ. 
وقرأ أبو جعفر، وورش، ويعقوب[(١١)](#foonote-١١) : بِتَحْقِيق الأولى وتَلْيين الثانية. 
وقرأ قَالُون[(١٢)](#foonote-١٢) : بتليين الأولى، وتحقيق الثانية، لأن ما يستأنف أولى بالهمزة ممّا يسكت عليه. 
### فصل في نظم الآية


إنما قال هناك :" ولكن لا يشعرون "، وقال ها هنا :" ولكن لا يعلمون " لوجهين :
أحدهما : أن المثبت لهم - هناك - الإفساد، وهو مما يدرك بأدنى تأمّل، لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج إلى فِكْرٍ كثير، فنفى عنهم ما يدرك بالمشاعر، وهي الحواسّ مبالغة في تجهيلهم، وهو أنَّ الشعور الذي قد ثبت للبهائم مَنْفِيّ عنهم، والمثبت - هنا - هو السَّفه والمصدر به هو الأمر بالإيمان، وذلك مما يحتاج إلى إِمْعَان فكرٍ ونَظَرٍ، فإنه مُفْضٍ إلى الإيمان والتصديق، ولم يقع منهم المأمور به وهو الإيمان، فناسب ذلك نفي العلم عنهم. 
الوجه الثاني : أن السَّفه خفّة العقل والجَهْل بالأمور ؛ قال :\[ السريع \]نَخَافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلاَمُنَا  فَنَجْهَلَ الجَهْلَ مَعَ الجَاهِلِ[(١٣)](#foonote-١٣)والعلم نقيض الجَهْل فقابله بقوله : لاَّ يَعْلَمُونَ  \[ البقرة : ١٣ \] ؛ لأن عدم العلم بالشيء جهل به. 
### فصل في تعلق الآية بما قبلها


قال ابن الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : لما نهاهم في الآية الأولى عن الفساد في الأرض، ثم أمرهم في هذه الآية بالإيمان دلّ على أن كمال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين، وهو تركه ما لا يَنْبَغِي، وفعل ما ينبغي. 
وقوله : آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ  أي : إيماناً مقروناً بالإخلاص بعيداً عن النفاق. 
ولقائل أن يستدلّ بهذه الآية على أنّ مجرد الإقرار إيمان، فإنه لو لم يَكُنْ إيماناً لما تحقّق مُسَمّى الإيمان إلاَّ إذا حصل بالإخلاص، فكان قوله :" آمنوا " كافياً في تحصل المطلوب، وكان ذكر قوله : كَمَا آمَنَ النَّاسُ  لغواً. 
١ - عجز بيت، وصدره:أليس أميري، في الأمور، بأنتما ...................... ينظر الجنى الداني: ص ٣٣٢، والمغني: ٣٣٩، وشرح شواهده: ٧١٧، والعيني: ١/٤٢٢ - ٤٢٣، والدر المصون: ١/١٢٢..
٢ - ينظر الدرر المصون: (١/١٢٢).
٣ - البيت للكميت بن زيد ينظر الدرر: ١/٢٥٢، ومعاهد التنصيص: ٣/٨٨، تذكرة النحاة: ص ٥١، وهمع الهوامع: ١/٨١، الدر المصون: ١/١٢٢..
٤ - البيت لزياد الأعجم. ينظر ديوانه: ص ٩٧، وخزانة الأدب: ١٠/٢٠٤، ٢٠٦، ٢٠٨، ٢١١، ٢١٣، والمقاصد النحوية: ٣/٣٤٦، والأزهية: ص ٧٧، الحيوان: ١/٣٦٣، وشرح الأشموني: ٢/٢٩٨، وشرح ابن عقيل: ص ٣٧٠، والأمالي الشجرية: (٢/٢٣٥)، والكافية الشافية: (٢/٨١٩)، الدر المصون: (١/١٢٢)..
٥ - تقدم قريبا..
٦ - ينظر ديوانه: ص ٧٥٤، وخزانة الأدب: ٤/٢٢٥، وشرح أبيات سيبويه: ١/٥٨، والكتاب: ١/٥٢، ٦٥، والمحتسب: ١/٢٣٧، والمقاصد النحوية: ٣/٣٦٧، لسان العرب: (صدر)، (سفه)، الخصائص: ٢/٤١٧، وشرح الأشموني: ٢/٣١٠، شرح ابن عقيل: ص ٣٨٠، وشرح عمدة الحافظ: ص ٨٣٨، والأشباه والنظائر: ٥/٢٣٩..
٧ - ينظر البيت في ديوانه: ٣/١٦١، الفخر الرازي: ٢/٦٢..
٨ - لم أجده في المصادر الحديثية بهذا اللفظ وقد ذكره الفخر الرازي في تفسيره (٢/٦٢)..
٩ - انظر حجة القراءات: ٩١، وإعراب القراءات: ١/٦٩، وشرح الطيبة: ٤/٩، وإتحاف: ٣٧٩. وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر..
١٠ - انظر تفصيل ذلك في حجة القراءات: ٩٠، وما بعدها، والبحر المحيط: ١/٢٠٠، والحجة للقراء السبعة: ١/٣٥٨، وما بعدها..
١١ - وقرأ بها ابن كثير. انظر إعراب القراءات: ١/٦٩، وحجة القراءات: ٩٢..
١٢ - ينظر الحاشية قبل السابقة..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٢٠١، والدر المصون: ١/١٢٣..
١٤ - ينظر الرازي: ٢/٦١..

### الآية 2:14

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [2:14]

" إذا " منصوب ب " قالوا " الذي هو جواب لها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، و " لقوا " فعل وفاعل، والجملة في محلّ خفض بإضافة الظّرف إليها. 
وأصل " لقوا " : لقيوا بوزن " شربوا " فاستثقلت الضمة على " الياء " التي هي " لام " الكلمة، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان : لام الكلمة وواو الجمع، ولا يمكن تحريك أحدهما، فحذف الأول وهو " الياء "، وقلبت الكسرة التي على القاف ضمّة ؛ لتجانِسَ واو الضمير، فوزن " لَقُوا " :" فَعُوا "، وهذه قاعدة مطّردة نحو :" خشوا "، و " حيوا ". وقد سمع في مصدر " لقي " أربعة عشر وزناً :" لُقْياً وَلِقْيَةً " بكسر الفاء وسكون العَيْن، و " لقاء ولقاءة " بفتحها أيضاً مع المَدّ في الثلاثة، و " لَقَى " و " لُقَى " بفتح الفاء وضمّها، و " لُقْيَا " بضم الفاء، وسكون العين و " لِقِيًّا " بكسرها والتشديد و " لُقِيًّا " بضم الفاء، وكسر العَيْنِ مع التشديد، و " لُقْيَاناً وَلِقْيَاناً " بضم الفاء وكسرها، و " لِقْيَانَةً " بكسر الفاء خاصّة، و " تِلْقَاء ". 
وقرأ أبو حنيفة - رحمه الله - :" وَإِذَا لاَقُوا ". 
و " الَّذِينَ آمَنُوا " مفعول به، و " قالوا " جواب " إذا "، و " آمَنَّا " في محل نصب بالقول. 
قال ابن الخطيب :" والمراد بقولهم :" آمنا " : أخلصنا بالقلب ؛ لأن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم مما كانوا يحتاجون إلى بَيَانِهِ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، وأيضاً فيجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإنما كانوا يظهرون لهم التَّكذيب بالقلب ". 
وقوله : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ  تقدّم نظيره، والأكثر نظيره، والأكثر في " خَلاَ " أن يتعدّى بالباء، وقد يتعدّى ب " إلى "، وإنما تعدّى في هذه الآية ب " إلى " لمعنى بديع، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين :
أحدهما : الانفراد. 
والثاني : السُّخرية والاستهزاء، تقول :" خلوت به " أي : سخرت منه، وهو من قولك : خَلاَ فلان بعرض فلان أي : يَعْبَثُ به. 
وإذا تعدّى ب " إلى " كان نصًّا في الانفراد فقط، أو تقول : ضمن " خلا " معنى " صرف " فتعدّى " إلى "، والمعنى : صرفوا خَلاَهم إلى شَيَاطينهم، أو تضمّن معنى " ذهبوا وانصرفوا " ومنه :" القرون الخالية ". 
وقيل :" إلى " - هنا - بمعنى " مع "، كقوله : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  \[ النساء : ٢ \]. 
وقيل : هي هنا بمعنى " الباء "، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين، وأما البصريون فلا يُجِيزون التجوّز في الحروف ؛ لضعفها. 
وقيل المعنى : وإذا خلوا رجعوا إلى شياطينهم. ف " إلى " على بابها. 
والأصل في خَلَوا : خَلَوُوا، فقلبت " الواو " الأولى التي هي " لام " الكلمة " ألفاً " لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فبقيت ساكنة وبعدها " واو " الضمير ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما، وهو " الألف "، وبقيت الفتحة دالةً عليها. 
و " شياطينهم " : جمع شيطان، جمع تكسير، وقد تقدّم القول في اشتقاقه، فوزن شياطين : إما " فَعَالِيل " أو " فَعَالِين " على حسب القولين المتقدّمين في الاستعاذة، والفصيح في شياطين وبابه أن يعرب بالحركات ؛ لأنه جمع تَكْسير، وفي لغةٌ رديئة، وهي إجراؤه إجراء الجمع المذكر السالم، سمع منهم :" لفلان البستان حوله البُسْتَانُون ". 
وقرئ شاذًّا : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطون  \[ الشعراء : ٢١٠ \]. 
وشياطينهم : رؤساؤهم وكَهَنَتُهُمْ. 
قال ابن عباس : وهم خمسة نفر من اليهود : كَعْبُ بن الأشرف ب " المدينة "، وأبو بردة ب " الشام " في بني أسلم، وعبد الدار في " جهينة "، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء ب " الشام " ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له[(١)](#foonote-١). 
وقال مجاهد : شياطينهم : أصحابهم من المنافقين والمشركين[(٢)](#foonote-٢). 
قوله : إِنَّا مَعَكُمْ  " إنّ " واسمها و " معكم " خبرها، والأصل في " إنا " :" إننا " لقوله تعالى : إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً  \[ آل عمران : ١٩٣ \]، وإنما حذفت نُونَي " إنّ " لما اتصلت بنون " نا "، تخفيفاً. 
وقال أبو البقاء[(٣)](#foonote-٣) :" حذفت النون الوُسْطَى على القول الصحيح، كما حذفت في " إن " إذا خففت ". 
و " مَعَ " ظرف والضمير بعده في محلّ خفض بإضافته إليه وهو الخبر - كما تقدم - فيتعلّق بمحذوف وهو ظرف مكان، وفهم الظرفية منه قلق. 
قالوا : لأنه يدلّ على الصحبة، ومن لازم الصحبة الظَّرفية، وأما كونه ظرف مكان، لأنه يخبر به عن الجُثَثِ نحو :" زيد معك "، ولو كان ظرف زمان لم يَجُزْ فيه ذلك. 
واعلم أن " مع " لا يجوز تسكين عينها إلا في شعر كقوله :\[ الوافر \]

فَرِيشِي مِنْكُمُ وَهَوَايَ مَعْكُمْ  وَإِنْ كَانَتْ زَيَارَتُكُمْ لِمَامَا[(٤)](#foonote-٤)وهي حينئذ على ظرفيتها خلافاً لمن زعم أنها حينئذ حرف جَرّ، وإن كان النَّحاس ادّعى الإجماع في ذلك، وهي من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد تقطع لفظاً، فتنتصب حالاً غالباً، تقول : جاء الزيدان معاً أي : مصطحبين، وقد تقع خبراً، قال الشاعر :\[ الطويل \]حَنَنْتَ إلى رَيَّا وَنَفْسُكَ بَاعَدَتْ  مَزَارَكَ مِنْ رَيَّا وَشَعْبَاكُمَا مَعَا[(٥)](#foonote-٥)ف " شَعْبَاكُمَا " مبتدأ، و " مَعاً " خبره، على أنه يحتمل أن يكون الخبر محذوفاً، و " مَعاً " حال. 
واختلفوا في " مع " حال قطعها عن الإضافة ؛ هل هي من باب المقصور نحو :" عصى " و " رحا "، أو المنقوص نحو :" يد " و " دم " ؟ قولان :
الأوّل : قول يونس، والأخفش. 
والثاني : قول الخليل وسيبويه، وتظهر فائدة ذلك إذا سمّي به
فعلى الأول تقول :" جاءني معاً "، و " رأءَت معاً " و " مررت بمعاً ". 
وعلى الثاني :" جاءني معٌ " و " رأيت مَعاً " و " مررت بمَعٍ " ك " يَدٍ "، ولا دليل على القول الأوّل في قوله :" وشعباكما معاً " ؛ لأن معاً منصوب على الظَّرف النائب عن الخبر، نحو :" زيد عندك " وفيها كلام كثير. 
### فصل في نظم الآية


لم كانت مُخَاطبتهم للمؤمنين بالجملة الفعلية ومخاطبة شياطينهم بالجملة الاسمية محققة ب " إن " ؟
قال ابن الخطيب : الجواب : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين ؛ لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم، لا في ادعاء أنهم في الدَّرجة الكاملة منه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة، لأن القول الصادر عن النّفاق والكراهة قلّما يحصل معه المبالغة، وإما لعلمهم بأن ادِّعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع إخوانهم، فكانوا يقولونه عن الاعتقاد، ويعلمون أنّ المستمعين يقبلون ذلك منهم، فلا جَرَمَ كان التأكيد لائقاً به. واختلفوا في قائل هذا القول أَهُم كُلّ المُنَافقين، أو بعضهم ؟
فمن حمل الشَّيَاطين على كبار المُنَافقين، فحمل هذا القول على أنه من صغارهم، فكانوا يقولون للمؤمنين :" آمنا " وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا :" إنا معكم "، ومن قال : المراد بالشّياطين الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كُلّ المُنَافقين. 
وقوله : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  كقوله : إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  \[ البقرة : ١١ \]، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها ؛ إذ هي جواب لرؤسائهم، كأنهم لما قالوا لهم :" إنَّا مَعكُمْ " توجّه عليهم سؤال منهم، وهو : فما بالكم مع المُؤْمنين تُظَاهرونهم على دينهم، فأجابوهم بهذه الجملة. 
وقيل : محلّها النصب، لأنها بدلٌ من قوله :" إنَّا مَعَكُمْ ". 
وقياس تخفيف همزة " مستهزؤون " ونحوه أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ، أي بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها وهو " الواو "، وهو رأي سيبويه، ومذهب الأخفش قلبها " ياء " محضة. 
وقد وقف حمزة على  مُسْتَهْزِءُونَ  و فَمَالِئُونَ  \[ الصافات : ٦٦ \] و لِيُطْفِئُواْ  \[ الصف : ٨ \] و لِّيُوَاطِئُواْ  \[ التوبة : ٣٧ \] و  وَيَسْتَنبِئُونَكَ 
\[ يونس : ٥٣ \] و الْخَاطِئِينَ  \[ يوسف : ٢٩ \] و الْخَاطِئُونَ  \[ الحاقة : ٣٧ \]، و مُّتَّكِئِينَ  \[ الكهف : ٣١ \] و مُتَّكِئُونَ  \[ يس : ٥٦ \]، و الْمُنشِئُونَ  \[ الواقعة : ٧٢ \] بحذف صورة الهَمْزَةِ اتباعاً لرسم المُصْحَفِ. 
وقولهم : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  توكيد لقولهم :" إنَّا مَعَكُمْ ". 
١ - أخرجه الواحدي في "الوسيط" (١/٩٠)..
٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٧٠) وعزاه لابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد. وهو عند الطبري في "تفسيره" (١/٢٩٨)..
٣ - ينظر الإملاء: ١/٢٠..
٤ - البيت لجرير ينظر ديوانه: ص ٢٢٥، وللراعي النميري في ملحق ديوانه: ص ٣٣١، وينظر الكتاب: ٢/٤٢٨٧، أوضح المسالك: ٣/١٤٩، ولسان العرب (معع)، وشرح ابن عقيل: ص ٣٩٥، وشرح الأشموني: ٢/٣٢٠، ورصف المباني: ص ٣٢٩، والجنى الداني: ص ٣٠٦، ومعاني القرآن: (١/٥٤)، والأمالي الشجرية: (١/٢٤٥)، (٢/٢٥٤)، ابن يعيش: (٢/١٢٨)، (٥/١٣٨)، وشرح الكافية الشافية: (٢/٩٥١)، وارتشاف الضرب: (٢/٢٦٧)، وشرح الألفية لابن الناظم: (٣٩٩)، والتصريح: (٢/٤٨، ١٩٠)، ومجمع البيان: (١/١١٠)، والدر المصون: (١/١٢٤) شرح أبيات سيبويه: ٢/٢٩١، المقاصد النحوية: ٣/٤٣٢..
٥ - البيت للصمة القشيري ينظر الأغاني: ٦/٨، ٩، وأمالي القالي: ١/١٩٠، وسمط اللآلي: ص ٤٦١، وشرح ديوان الحماسة: ص ١٢١٥، والمقاصد النحوية: ٣/٤٣١، العيني: (٣/٤٣١)، شرح الألفية لابن الناظم: (٣٩٩)، والدر المصون: (١/١٢٤)..

### الآية 2:15

> ﻿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [2:15]

وقوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئ بِهِمْ  الله : رفع بالابتداء، و " يستهزئ " : جملة فعلية في محلّ رفع خبر، و " بِهِمْ " متعلّق به، ولا محل لهذه الجملة لاستئنافها. 
و " يَمُدُّهُمْ " يتركهم ويُمْهِلُهُمْ، وهو في محلّ رفع أيضاً لعطفه على الخَبَرِ، وهو " يستهزئ ". و " يَعْمَهُونَ " في مَحَلّ الحال من المفعول في " يَمُدُّهُمْ "، أو من الضمير في " طغيانهم "، وجاءت الحال من المُضَاف إليه ؛ لأنَّ المُضَاف مصدر. 
و " في طُغْيَانِهِمْ " يحتمل أن يتعلّق ب " يمدهم "، أو ب " يعمهون "، وقدّم عليه، إلاَّ إذا جعل " يعمهون " حالاً من الضَّمير في " طغيانهم "، فلا يتعلّق به حينئذ، لفساد المعنى. 
وقد منع أبو البَقَاءِ أن يكون " في طغيانهم "، و " يعمهون " حَالَيْن من الضَّمير في " يمدهم " معللاً ذلك بأن العاملَ الواحدَ لا يعمل في حالين، وهذا على رأي من منع ذلك. 
وأما من يجيز تعدُّد الحال مع عدم تعدُّد صاحبها فيجيز ذلك، إلاّ أنه في هذه الآية ينبغي أن يمنع من ذلك لا لما ذكره أبو البَقَاءِ، بل لأن المعنى يأبى جَعْلَ هذا الجار والمجرور حالاً ؛ إذ المعنى منصب على أنه متعلّق بأحد الفعلين، أعني :" يمدّهم "، أو " يعمهون " لا بمحذوف على أنه حال. 
والمشهور : فتح " الياء " من " يمدهم ". 
وقرئ شاذاً[(٦)](#foonote-٦) :" يُمِدُّهُمْ " بضم الياء. 
فقيل : الثلاثي[(٧)](#foonote-٧) والرُّباعي بمعنى واحدٍ تقول :" مدّه " و " أمدّه " بكذا. 
وقيل :" مدّه " إذا زاده عن جِنْسِهِ، و " أمدّه " إذا أراده من غير جِنْسِهِ. 
وقيل : مدّه في الشَّرِّ لقوله تعالى : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً  \[ مريم : ٧٩ \]، وأمدّه في الخير لقوله تعالى : وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ  \[ نوح : ١٢ \]  وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ  \[ الطور : ٢٢ \]،  أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ  \[ آل عمران : ١٢٤ \] إلا أنه يعكر على هذين الفرقين أنه قرئ : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ  \[ الأعراف : ٢٠٢ \] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيه ضم " الياء " أنه بمنزلة قوله تعالى : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ  \[ آل عمران : ٢١ \]،  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى  \[ الليل : ١٠ \] يعني أبو علي - رحمه الله - بذلك أنه على سبيل التهكُّم. 
وأصل المدد الزيادة. 
وقال الزمخشري[(٨)](#foonote-٨) : فإن قلت : لم زعمت أنه من المَدَد دون المَدّ في العُمُر والإمْلاَء والإمْهَال ؟
قلت : كفاك دليلاً على ذلك قراءة ابن كثير، وابن محيصن[(٩)](#foonote-٩) :" ويمدهم " وقراءة نافع[(١٠)](#foonote-١٠) : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ  \[ الأعراف : ٢٠٢ \] على أنَّ الذي بمعنى أَمْهَلَ إنما هو مَدّ له ب " اللام " كأملى له. 
والاستهزاء لغةً : السخرية واللّعب ؛ يُقَال : هَزِئَ به، واستهزأ، قال :\[ الرجز \]
قَدْ هَزِئَتْ مِنِّي أُمُّ طَيْسَلَهْ \*\*\* قالَتْ : أَرَاهُ مُعْدِماً لاَ مَالَ لَهْ[(١١)](#foonote-١١)
وقيل : أصله الانتقام ؛ وأنشد :\[ الطويل \]

قَدِ اسْتَهْزَؤُوا مِنْهُمْ بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ  سَرَاتُهُمُ وَسْطَ الصَّحَاصِحِ جُثَّمُ[(١٢)](#foonote-١٢)فعلى هذا القول الثَّاني نسبة الاستهزاء إليه - تعالى - على ظاهرها. 
وأما على القول الأول فلا بد من تأويل وهو من وجوه :
الأول : قيل : المعنى : يجازيهم على استهزائهم فسمى العقوبة باسم الذَّنب ليزدوج الكَلاَم، ومنه : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ  \[ الشورى : ٤٠ \]، 
 فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ  \[ البقرة : ١٩٤ \]. 
وقال : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  \[ النساء : ١٤٢ \]،  وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ  \[ آل : عمران : ٥٤ \]. 
وقال عليه الصلاة والسلام :" اللَّهُمَّ إنّ فلاناً هَجَاني، وهو يعلم أني لَسْتُ بِشَاعِرٍ، اللّهم فاهْجُهُ، اللهم فالْعَنْهُ عَدَدَ ما هَجَانِي " [(١٣)](#foonote-١٣) ؛ وقال عليه الصلاة والسَّلام :" تَكَلَّفُوا من الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ فإنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا " [(١٤)](#foonote-١٤) ؛ وقال عمرو بن كلثوم :\[ الوافر \]أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا  فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا[(١٥)](#foonote-١٥)وثانيها : أنَّ ضرر استهزائهم بالمُؤْمنين راجعٌ إليهم، وغير ضَارّ بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم. 
وثالثها : أنّ من آثار الاستهزاء حُصُول الهَوَان والحَقَارة، فذكر الاستهزاء، والمراد حُصُول الهَوَان لهم فعبّر بالسَّبب عن المُسَبَّب. 
ورابعها : أنَّ استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أَحْكَامِهِ في الدُّنْيا ما لهم عند اللهِ خلافها في الآخرة، كما أنهم أَظْهَرُوا \[ للنَّبي و \][(١٦)](#foonote-١٦) المؤمنين أمراً مع أنَّ الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا ضعيف ؛ لأنه - تعالى - لما أظهر لهم أحكام الدُّنيا، فقد أظهر الأدلّة الواضحة بما يعاملون به في الدَّار الآخرة، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا. 
وخامسها : أن الله - تعالى - يُعَاملهم مُعَاملة المُسْتَهْزِئ في الدُّنيا والآخرة، أما في الدنيا، فلأنه أطلع الرسول على أَسْرَارِهِمْ لِمُبَالغتهم في إخْفَائها، وأمّا في الآخرة فقال ابنُ عَبَّاس : هو أن يفتح لهم باباً من الجنة، فإذا رأوه المُنافقون خرجوا من الجَحِيمِ متوجّهين إلى الجنة، فإذا وصلوا إلى باب الجنة، فهناك يغلق دونهم الباب، فذلك قوله تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [(١٧)](#foonote-١٧) \[ المطففين : ٣٤ \] وقيل : هو أن يُضْرَبَ للمؤمنين نورٌ يَمْشون به على صراط، فإذا وصل المنافقون إليه حِيلَ بينهم وبينه، كما قال تَعَالَى : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ \[ الحديد : ١٣ \] الآية. 
فإن قيل : هلا قيل : إن الله يستهزئ بهم ليكون مطابقاً لقوله : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  \[ البقرة : ١٤ \] ؟
والجواب : أنَّ " يستهزئ " يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم  أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ  \[ التوبة : ١٢٦ \]. 
و " الطُّغيان " : الضلال مصدر طَغَى يَطْغَى طِغْياناً وطُغْيَاناً بكسر الطَّاء وضمها. وبكسر الطَّاء قرأ زيد بن علي[(١٨)](#foonote-١٨)، ولام " طغى " قيل : ياء. وقيل : واو، يقال : طَغَيْتُ وطَغَوْتُ، وأصل المادّة مُجَاوزة الحَدّ، ومنه : طغى الماء. 
و " العَمَهُ " : التردُّد والتحيُّر، وهو قريب من العَمَى، إلا أن بينهما عموماً وخصوصاً، لأن العَمَى يطلق على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعَمَهُ لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي، يقال : عَمِهَ عَمَهاً وَعَمَهَاناً فهو عَمِهٌ وعَامِهٌ. 
### فصل في الرد على المعتزلة


قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه :
أحدها : قوله تعالى : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ  \[ الأعراف : ٢٠٢ \] أضاف ذلك الغيّ إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله. 
وثانيهما : أن الله - تعالى - ذمّهم على هذا الطغيان، فلو كان فعلاً لله - تعالى - فكيف يذمهم عليه ؟
وثالثها : لو كان فعلاً لله - تعالى - لبطلت النبوة، وبطل القرآن، فكان الاشتغال بتفسيره عَبَثاً. 
ورابعها : أنه - تعالى - أضاف الطّغيان إليهم بقوله : فِي طُغْيَانِهِمْ ، ولو كان من الله لما أضافه إليهم فظهر أنه إنما أضافه إليهم ليعلم أنه - تعالى - غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المَدّ إلى الشَّياطين أطلق الغيّ، ولم يقيده بالإضافة في قوله :
 وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ  إذا ثبت هذا، فلا بُدَّ من التأويل، وهو من وجوه :
أحدها : قال الكَعْبِيّ وأبو مسلم الأصفهاني : إن الله - تعالى - لَمَّا منحهم أَلْطافَهُ التي منحها للمؤمنين، وخَذَلَهُمْ بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مُظْلِمَةً بتزايد الرَّيْن فيها، وكتزايد النور في قلوب المؤمنين، فسمى ذلك النور مدداً، وأسنده إلى الله تعالى، لأنه مسبّب عن فعله بهم. 
وثانيها : أن يحمل على منع القَسْرِ والإِلْجَاءِ. 
وثالثها : أن يسند فعل الشيطان إلى الله - تعالى - لأنه بتمكينه، وإقْدَاره، والتَّخلية بينه وبين إغواء عباده. 
ورابعها : قال الجُبَّائي : ويمدهم أي يمد عمرهم، ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون، وهذا ضعيف من وجهين :
الأول : ما بَيَّنَا أنه لا يجوز في اللُّغة تفسير " ويمدهم " بالمَدّ في العمر. 
الثاني : هَبْ أنه يصحّ ذلك، ولكنه يفيد أنه - تعالى - يمد عمرهم بغرض أن يكونوا في طُغْيَانهم يعمهون، وذلك يفيد الإشكال. 
أجاب القَاضِي عن ذلك بأنه ليس المُرَاد أنه - تعالى - يمدّ عمرهم بغرض أن يكونوا في الطغيان، بل المراد أنه - تعالى - يبقيهم، ويلطف بهم الطَّاعة، فيأبون إلاَّ أن يعمهوا.

### الآية 2:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [2:16]

" أولئك " : رفع بالابتداء و " الذين " وصلته خبره. 
وقوله تعالى : فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ  هذه الجملة عطف على الجملة الواقعة صلة، وهي :" اشتروا ". 
وزعم بعضهم أنها خبر المُبْتَدَأ، وأنَّ الفاء دخلت في الخَبَرِ لما تضّمنه الموصول من معنى الشَّرْط، فيصير نظير قوله تعالى : الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ  \[ البقرة : ٢٧٤ \]، ثم قال : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ . وهذا وهم ؛ لأن " الذين " ليس مبتدأ حتى يدّعي دخول الفاء في خبره، بل هو خَبَرٌ عن " أولئك " كما تقدّم. فإن قيل : يكون الموصول مبتدأ ثانياً، فتكون الفاء دخلت في خبره. 
قلنا : يلزم من ذلك عدم الربط بين المبتدأ والجملة الواقعة خبراً عنه، وأيضاً فإنَّ الصّلة ماضية معنى. 
فإن قيل : يكون " الَّذين " بدلاً من " أولئك " فالجَوابَ يصير الموصول مخصوصاً لإبداله من مخصوص، والصّلة أيضاً ماضية. 
فإن قيل :" الذين " صفة ل " أولئك "، ويصير نظير قولك :" الرجل الذي يأتيني فله درهم ". 
قلنا : يرد بما رد به السؤال الثَّاني، وبأنه لا يجوز أن يكون وصفاً له ؛ لأنه أعرف منه، ففسد هذا القَوْلُ. 
والمشهور ضمّ واو " اشتروا " لالتقاء الساكنين، وإنما ضمت تشبيهاً بتاء الفاعل. 
وقيل : للفرق بين واو الجَمْعِ والواو الأصلية نحو : لَوِ اسْتَطَعْنَا 
\[ التوبة : ٤٢ \]. 
وقيل : لأن الضمة - هنا - أخفّ من الكسرة ؛ لأنّها من جنس الواو. 
وقيل : حركت بحركة الياء المحذوفة، فإن الأصل :" اشتريوا " كما سيأتي. 
وقيل : هي للجمع فهي مثل :" نحن ". وقرئ بكسرها[(١)](#foonote-١) على أصل التقاء الساكنين، وبفتحها ؛ لأنها أخف. 
وأجاز الكسائي همزها تشبيهاً لها ب " أَدْؤُر " و " أَثْؤب " وهو ضعيف ؛ لأن ضمها غير لازم. 
وقال أبو البَقَاءِ :" ومنهم من يَخْتَلِسُهَا، فيحذفها لالتقاء السَّاكنين ؛ وهو ضعيف جدًّا، لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدلّ عليها ". 
وأصل اشتروا : اشتريوا : فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، ثم حذفت لالتقاء السَّاكنين، وبقيت الفتحة دالّةً عليها. 
وقيل : بل حذفت الضَّمَّة من الياء فسكنت، فالتقى سَاكِنَانِ، فحذفت الياء لالتقائها ساكنةً مع " الواو ". 
فإن قيل : واو الجمع قد حركت، فينبغي أن يعود السَّاكن المحذوف ؟
فالجواب : أنَّ هذه الحركة عارضةٌ فهي في حكم السَّاكن، ولم يجئ ذلك إلاَّ في ضرورة الشعر ؛ وأنشد الكِسَائيُّ :
يَا صَيَاحِ لَمْ تَنَامِ العَشِيَّا \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢)](#foonote-٢)
فأعاد الألف لما حركت الميم حركةً عارضةً. 
و " الضَّلالة " مفعوله، وهي : الجور عن القَصْدِ، وفقد الاهتداء، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. 
و " بالهدى " متعلّق ب " اشتروا " والباء هنا للعوض، وهي تدخل على المتروك أبداً. 
فأما قوله تعالى : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ  \[ النساء : ٧٤ \]، فإنَّ ظاهره أن الآخرة هي المأخوذةُ لا المتروكة. 
فالجواب ما قاله الزَّمَخْشَرِيّ :" أن المراد ب " المشترين " المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النِّفَاق، ويخلصوا الإيمان بالله - تعالى - ورسوله، ويجاهدوا في الله حَقّ الجهاد، فحينئذ دخلت " الباء " على المتروك ". 
والشِّراء - هاهنا - مَجَاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لما تركوا الهدى، وآثروا الضلالة، جُعِلُوا بمنزلة المُشْترين لها بالهُدَى، ثم رشح هذا المجاز بقوله تعالى : فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ  فأسند الرِّبْحَ إلى التِّجَارة، والمعنى : فما ربحوا في تِجَارتهم ؛ ونظير هذا التَّرْشيح قول الآخر :\[ الطويل \]. 
بَكَى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ \*\*\* وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ[(٣)](#foonote-٣)
لما أسند البكاء إلى الخَزّ من أجل هذا الرجل - وهو رَوْح - وإنكاره لجلده مجازاً رَشّحه بقوله :" وَعَجّت المَطَارف من جُذَام " أي : استغاثت الثياب من هذه القبيلة. وقول الآخر :\[ الطويل \]. 
وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنُ دَايةٍ \*\*\* وَعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْرِي[(٤)](#foonote-٤)
لما جعل " النَّسْرَ " عبارة عن الشَّيب، و " ابن داية " وهو الغُرَاب عبارة عن الشباب، مجازاً رَشّحه بذكر التعشُّش في الوَكْرِ، وقول الآخر :\[ الوافر \]. 
فَمَا أُمُّ الرُّدَيْنِ وَإنْ أَدَلَّتْ \*\*\* بِعَالِمَةٍ بأَخلاَقِ الكِرَامِ
إِذَا الشَّيْطانُ قَصَّعَ في قَفَاهَا \*\*\* تَنَفَّقْنَاهُ بِالحَبْلِ التُّؤَامِ[(٥)](#foonote-٥)
لما قال :" قَصّع في قفاها " أي : دخل من القاصعاء، وهي : جُحر من جِحَرَة اليَرْبُوعِ رشّحه بقوله :" تنفّقناه " أي : أخرجناه من النافقاء، وهي – أيضا – من جحرة اليربوع فكذا هنا لما ذكر هنا لما ذكر سبحانه الشَّر، أتبعه بما يُشَاكله، وهو الربح تمثيلاً لخسارتهم. 
والربح : الزيادة على رأس المال. 
وقوله : وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ  هذه الجملة معطوفةٌ على قوله : فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ . 
والمهتدي : اسم فاعل من اهتدى، و " افتعل " هنا للمُطَاوعة، ولا يكون " افتعل " للمطاوعة إلا من فعل متعدٍّ. 
وزعم بعضهم أنه يجيء من اللاَّزم، واستدل على ذلك بقول الشاعر :\[ الزجر \]. 
حَتَّى إذَا اشْتَالَ سُهَيْلٌ في السَّحَرْ \*\*\* كَشُعْلَةِ القَابِسِ تَرْمِي بالشَّرَرْ[(٦)](#foonote-٦)
قال : ف " اشْتَال " افتعل لمُطَاوعة " شال "، وهو لازم، وهذا وهم ؛ لأن " افتعل " هنا ليس للمُطَاوعة، بل بمعنى " فَعَل " المجرد. 
ومعنى الآية أنهم ما كانوا مهتدين من الضلالة، وقيل : مُصِيبين في تِجَارتهم ؛ لأنّ المقصود من التِّجَارة سلامةُ رأس المال، والربح، وهؤلاء أضاعوا الأمرين ؛ لأنّ رأس مالهم هو العَقْل الخالي عن المانع، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة مانعةً من الاشتغال بطلب العقائد الحقة. 
فهؤلاء مع أنهم لم يربحوا فقد أفسدوا رأس المال، وهو العقل الهادي إلى العقائد الحقّة. 
وقال قتادة :" انتقلوا من الهُدَى إلى الضَّلالة، ومن الطاعة إلى المعصية، ومن الجَمَاعة إلى الفُرْقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنّة إلى البِدْعَةِ ".

١ - وهو قراءة ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، وقرأ بالفتح قعنب أبو السمّال العدوي، انظر المحرر الوجيز: ١/٩٨، والبحر المحيط: ١/٢٠٤، والقرطبي: ١/١٤٧..
٢ - ينظر الدر المصون: ١/١٢٧..
٣ - البيت لحميدة بنت النعمان. ينظر الكتاب: (٢/٢٥)، والمقتضب: (٣/٣٦٤)، وشرح جمل الزجاجي: (١/٢٦٤)، والمخصص: (١٧/٤٠) والاقتضاب: (١١٧، ٢٠٦)، البحر المحيط: (١/٢٠٥)، الدر المصون: (١/١٢٦)..
٤ - البيت لابن المعتز. ينظر ديوانه: ٢/٤٣، شواهد الكشاف: ٤/٣٩٤، الدر: ١/١٢٨..
٥ - ينظر البيتان في الكشاف: ١/٧١، الدر المصون: ١/١٢٨..
٦ - ينظر البيت في الممتع: (١٩٣)، المنصف: (١/٧٥)، واللسان مادة (شول)، البحر المحيط: (١/١٩٥)، روح المعاني: (١/١٦٢)، والدر المصون: (١/١٢٨)..

### الآية 2:17

> ﻿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [2:17]

اعلم أن المقصود من ضرب المِثَال أنه يؤثر في القَلْبِ ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المَثَلِ تشبيه الخَفِيّ بالجَلِيّ والغائب بالشاهد، فيتأكّد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل، وذلك هو النهاية في الإيضاح في الترغيب في الإيمان لذا مثل بالظّلمة، فإذا أخبرت عن ضعف أمر ومثّلته بِنَسْجِ العنكبوت كان ذلك أبلغ في وقعه في القلب بالخبر مجرداً. 
قوله :" مثلهم " مبتدأ و " كمثل " جار ومجرور خبره، فيتعلّق بمحذوف على قاعدة الباب، ولا مُبَالاة بخلاف من يقول : إنّ " كاف " التشبيه لا تتعلّق بشيء، والتقدير : مثلهم مستقر كَمَثَلِ. وأجاز أبو البقاء[(١)](#foonote-١) وابن عطية[(٢)](#foonote-٢) أن تكون " الكاف " اسماً هي الخبر، ونظيره قول الشاعر :\[ البسيط \]. 
أَتَنْتَهُونَ ؟ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ \*\*\* كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ[(٣)](#foonote-٣)
وهذا مذهب الأخفش : يجيز أن تكون " الكاف " اسماً مطلقاً. 
وأما مذهب سيبويه فلا يُجِيزُ ذلك إلا في شعر، وأمّا تنظيره بالبيت فليس كما قال ؛ لأنّ في البيت نضطر إلى جعلها اسماً لكونها فاعلة، بخلاف الآية. 
والذي ينبغي أن يقال : إن " كاف " التشبيه لها ثلاثة أحوال :
حال يتعيّن فيها أن تكون اسماً، وهي ما إذا كانت فاعلة، أو مجرورة بحرف، أو إضافة. مثال الفاعل :\[ البسيط \]
أَتَنْتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى. . . . . . . . . . \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٤)](#foonote-٤)
البيت. 
ومثال جَرِّها بحرف قول امرئ القَيْسِ :\[ الطويل \]
وَرُحْنَا بكَابْنِ المَاءِ يُجْنَبُ وَسْطَنَا \*\*\* تَصَوَّبُ فِيهِ العَيْنُ طَوْراً وَتَرْتَقِي[(٥)](#foonote-٥)
وقوله :\[ الوافر \]
وَزَعْتُ بِكَالْهِرَاوَةِ أَعْوَجِيٍّ \*\*\* إذَا وَنَتِ الرِّكَابُ جَرَى وَثابَا[(٦)](#foonote-٦)
ومثال جَرِّها بالإضافة قوله :\[ السريع أو الرجز \]
فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ[(٧)](#foonote-٧) \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
وحال يتعيّن أن تكون فيها حرفاً، وهي الواقعة صلة، نحو : جاء الذي كزيد ؛ لأن جعلها اسما يستلزم حذف عائد مبتدأ من غير طول الصِّلة، وهذا ممتنع عند البصريين. وحال يجوز فيها الأمران، وهي ما عدا ذلك نحو :" زيد كعمرو ". 
وأبعد من جعلها زائدة في الآية الكريمة، أي : مثلهم مثل الذي، ونظّره بقوله :" فَصُيِّرُوا مثل كعصف " كأنه جعل المثل والمثل بمعنى واحد، والوجه أن المثل - هنا - بمعنى القصّة والتقدير : صفتهم وقصتهم كقصّة المستوقد، فليست زائدةً على هذا التأويل، وهذا جواب عن سؤال أيضاً، وهو أن يقال : قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ  يقتضي تشبيه مثلهم مثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المُسْتَوْقِدِ حتّى شَبّه أحدهما بالآخر ؟
فالجواب : أن يقال : استعير المثل للقصّة وللصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل : قصّتهم العجيبةُ كقصّة الذي استوقد ناراً، وكذا قوله : مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ  \[ الرعد : ٣٥ \] أي فيما قصصنا عليه من العَجَائب قصّة الجنّة العجيبة. 
 وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى  \[ النحل : ٦٠ \] أي : الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. 
 مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ  \[ الفتح : ٢٩ \] أي : وصفهم وشأنهم المتعجّب منه، ولكن المَثَل - بالفتح - في الأصل بمعنى مثل ومثيل نحو : شِبْه وشَبَه وشَبِيه. وقيل : بل هي في الأصل الصِّفة. 
وأما المثل في قولهم :" ضرب مثلاً " فهو القول السَّائر الذي فيه غرابةٌ من بعض الوجوه، ولذلك حوفظ في لفظه فلم يغير. 
و " الذي " : في محلّ خفض بالإضافة، وهو موصول للمفرد المذكّر، ولكن المراد به - هنا - جمع ولذلك روعي مَعْنَاه في قوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ  فأعاد الضمير عليه جمعاً، والأولى أن يقال : إنَّ " الذي " وقع وصفاً لشيء يفهم الجمع، ثم حذف ذلك الموصوف للدّلالة عليه. 
والتقدير : ومثلهم كمثل الفريق الذي استوقد، أو الجمع الذي اسْتَوْقَدَ ؛ ويكون قد روعي الوصف[(٨)](#foonote-٨) مرة، فعاد الضمير عليه مفرداً في قوله : اسْتَوْقَدَ نَاراً  و " حوله "، والموصوف أخرى فعاد الضمير عليه مجموعاً في قوله :" بنورهم "، و " تركهم ". 
وقيل : إنَّ المنافقين ذاتهم لم يشبهوا بذات المُسْتوقد، وإنما شبهت قصّتهم بقصّة المستوقد، ومثله قوله : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ  \[ الجمعة : ٥ \]، وقوله : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ  \[ محمد : ٢٠ \]. 
وقيل : المعنى : ومثل كل واحد منهم كقوله : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً 
\[ غافر : ٦٧ \] أي : يخرج كلّ واحد منكم. ووهم أبو البقاء، فجعل هذه الآية من باب ما حذفت منه النُّون تخفيفاً، وأنّ الأصْل :" الذين " ثم خففت بالحذف، وكأنه مثل قوله تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ  \[ التوبة : ٦٩ \]، وقول الشاعر :\[ الطويل \]
وَإِنَّ الَّذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ \*\*\* هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ[(٩)](#foonote-٩)
والأصل :" كالذين خَاضُوا " " وإنَّ الذين حانت ". وهذا وَهْم ؛ لأنه لو كان من باب ما حذفت النون منه لوجب مُطَابقة الضمير جمعاً كما في قوله تعالى : كَالَّذِي خَاضُواْ  و " دِمَاؤُهُمْ "، فلما قال تعالى : اسْتَوْقَدَ  بلفظ الإفراد تبيّن أحد الأمرين المتقدّمين : إمّا بصلة من باب وقوع المفرد موقع الجمع ؛ لأن المراد به الجنس، أو أنه من باب ما وقع فيه من صفة لموصوف يفهم الجمع. 
وقال الزمخشري ما معناه : إنَّ هذه الآية مثل قوله تعالى : كَالَّذِي خَاضُواْ ، واعتل لتسويغ ذلك بأمرين. 
أحدهما : أن " الذي " لما كان وصلةً لوصف المعارف ناسب حذف بعضه لاستطالته، قال :" ولذلك نهكوه بالحذف، فحذفوا ياءه ثم كسرته، ثم اقتصروا منه على اللاَّم في أسماء الفاعلين والمفعولين ". 
والأمر الثاني : أنّ جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون، إنما ذلك علامةٌ لزيادة الدّلالة، ألا ترى أنَّ سائر المَوْصُولاَتِ لَفْظُ الجَمْعِ والمفرد فيهن سواء ؟
**وهذا القول فيه نظر من وجهين :**
أحدهما : أن قوله ظاهر في جَعْلِ هذه الآية من باب حذف نون " الذين "، وفيه ما تقدّم من أنه كان ينبغي أن يُطَابق الضمير جمعاً كما في الآية الأخرى التي نظر بها. 
والوجه الثاني : أنه اعتقد كون الموصول بقيته " الذي "، وليس كذلك، بل " أل " الموصولة اسم موصول مستقلّ، أي : غير مأخوذ من شيء، على أنَّ الراجح من جهة الدَّليل كون " أل " الموصولة حرفاً لا اسماً كما سيأتي. 
وليس لمرجّح أن يرجّح قول الزمخشري بأنهم قالوا : إنَّ الميم في قولهم :" مُ الله " بقية " أيمن "، فإذا انتهكوا " أيمن " بالحذف حتى صار على حرف واحد، فأولى أن يقال بذلك فيما بقي على حرفين، لأن " أل " زائدة على ماهية " الذي "، فيكونون قد حذفوا جميع الاسم، وتركوا ذلك الزائد عليه، بخلاف " ميم " " أيمن "، وأيضاً فإن القول بأن " الميم " بقية " أيمن " قول ضعيف مردود يأباه قول الجُمْهُور. 
وفي " الَّذي " لُغَاتٌ، أشهرها ثبوت الياء ساكنةً وقد تُشَدَّد مكسورة مطلقاً، أو جاريةً بوجوه الإعراب، كقوله :\[ الوافر \]
وَلَيْسَ المَالُ فَاعْلَمْهُ بِمَالٍ \*\*\* وَإِنْ أَرْضَاكَ إلاَّ لِلَّذِيِّ
يَنَالُ بِهِ العَلاَءَ وَيَصْطَفِيهِ \*\*\* لأَقْرَبِ أَقْرَبَيْهِ وَلِلْقَصِيِّ[(١٠)](#foonote-١٠)
فهذا يحتمل أن يكون مبنيًّا، وأن يكون معرباً. وقد تُحْذَفُ ساكناً ما قبلها ؛ كقول الآخر :\[ الطويل \]
فَلَمْ أَرَ بَيْتاً كَانَ أَحْسَنَ بَهْجَةً \*\*\* مِنَ اللَّذْ بِهِ مِنْ آلِ عَزَّةَ عَامِرُ[(١١)](#foonote-١١)
أو مكسوراً ؛ كقوله :\[ الرجز \]
واللَّذِ لَوْ شَاءَ لَكَانَتْ بَرَّا \*\*\* أَوْ جَبَلاً أَشَمَّ مُشْمَخِرَّا[(١٢)](#foonote-١٢)
ومثل هذه اللغات في " التي " أيضاً. 
قال بعضهم :" وقولهم : هذه لغات ليس بجيِّد ؛ لأن هذه لم ترد إلاّ ضرورةً، فلا ينبغي أن تسمى لغاتٍ ". 
و " استوقد " :" استفعل " بمعنى " أَفْعَل "، نحو :" استجاب " بمعنى " أَجَابَ "، وهو رأي الأخفش وعليه قول الشاعر :\[ الطويل \]
وَدَاعٍ دَعَا : يَا مَنْ يُجِيبُ إلى الهُدَى \*\*\* فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ[(١٣)](#foonote-١٣)
أي : فلم يجبه. 
وقيل : بل السّين للطلب، ورجّح قول الأخفش بأن كونه للطَّلب يستدعي حذف جملة، ألا ترى أن المعنى : استدعوا ناراً فأوقدوها، فلما أضاءت ؛ لأن الإضاءة لا تنشأ عن الطلب إنما تنشأ عن الإيقاد. 
والفاء في قوله :" فَلَمَّا " للسبب. 
وقرأ ابن السَّميفع :" كمثل الذين " بلفظ الجمع، واستوقد بالإقراد، وهي مُشْكلة، وقد خرجوها على أوجه أضعف منها وهي التوهّم، أي : كأنه نطق ب " مَنْ " ؛ إذ أعاد ضمير المفرد على الجمع كقولهم، " ضربني وضربت قومك " أي : ضربني من، أو يعود على اسم فاعل مفهوم من " استوقد "، والعائد على الموصول مَحْذوف، وإن لم يكمل شرط الحذف، والتقدير : استوقدها مستوقدٌ لهم. 
وهذه القراءة تقوّي قول من يقول : إنّ أصل " الذي " :" الذين "، فحذفت النون. 
و " لَمَّا " حرف وجوب لوجوب هذا مذهب سيبويه. 
وزعم الفارسي وتبعه أبو البقاء، أنها ظرف بمعنى " حين "، وأن العامل فيها جوابها، وقد ردّ عليه بأنها أجيبت ب " ما " النافية، و " إذا " الفُجَائية، قال تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً 
\[ فاطر : ٤٢ \]. 
وقال تعالى : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  \[ العنكبوت : ٦٥ \]، و " ما " النافية، و " إذا " الفُجَائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما، فانتفى أن تكون ظرفاً. 
وتكون " لما " أيضاً جازمة لفعل واحدٍ، معناها نَفْي الماضي المتّصل بزمن الحال، ويجوز حذف مجزومها ؛ قال الشاعر :\[ الوافر \]
فَجِئْتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاً ولَمَّا \*\*\* فَنَادَيْتُ القُبُورَ فَلَمْ يُجِبْنَهْ[(١٤)](#foonote-١٤)
وتكون بمعنى " إلاّ " قال تعالى : وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  \[ الزخرف : ٣٥ \] في قراءة من قرأ بالتَّشديد[(١٥)](#foonote-١٥). 
و " أضاء " : يكون لازماً ومتعدياً، فإن كان متعدياً، ف " ما " مفعول به، وهي موصولة، و " حوله " ظرف مكان مخفوض به، صِلةٌ لها، ولا يتصرّف، وبمعناه : حَوَال ؛ قال الشاعر :\[ الرجز \]. 
وأَنَا أَمْشِي الدَّأَلَى حَوَالَكَا[(١٦)](#foonote-١٦) \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . 
ويُثَنَّيان ؛ قال عليه الصلاة والسلام :" اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا " [(١٧)](#foonote-١٧). 
ويجمعان على " أَحْوَال ". 
ويجوز أن تكون " ما " نكرة موصوفة، و " حوله " صفتها، وإن كان لازماً، فالفاعل ضمير " النار " أيضاً، و " ما " زائدة، و " حوله " منصوب على الظرف العامل فيه " أضاء ". 
وأجاز الزمخشري أن تكون " ما " فاعلة موصولة، أو نكرة موصولة، وأُنِّثَ الفعل على المعنى، والتقدير : فلما أضاءت الجهةُ التي حوله أو جهةٌ حوله. 
وأجاز أبو البقاء فيها أيضاً أن تكون منصوبة على الظرف، وهي حينئذ : إما بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، والتقدير : فلما أ

١ - البيت للأعشى ينظر ديوانه: ١١٣، والأشباه والنظائر: ٧/٢٧٩، والجنى الداني: ٨٢، وخزانة الأدب: ٩/٤٥٣ و٤٥٤، ١٠/١٧٠، والدرر: ٤/١٥٩، وسر صناعة الإعراب: ١/٢٨٣، شرح شواهد الإيضاح: ٢٣٤، وشرح المفصل: ٨/٤٣، ولسان العرب \[دنا\]، والمقاصد النحوية: ٣/٢٩١، والخصائص: ٢/٣٦٨، ورصف المباني: ١٩٥، أمالي ابن الشجري: (٢/٢٢٩) والأصول: (١/٤٣٩) وشرح جمل الزجاجي: (١/٤٧٨)، وشرح الألفية لابن الناظم: (٣٦٩)، والدر المصون: ١/١٢٨، المحرر: ١/٩٩، والبحر المحيط: ١/٢٠٩، وروح المعاني: (١/١٦٣)..
٢ - ينظر الإملاء: ١/٢٠..
٣ - تقدم برقم (٢٢٠)..
٤ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٩٩..
٥ - ينظر ديوانه ص ١٧٦، وأدب الكاتب: ص ٥٠٥، وخزانة الأدب: ١٠/١٦٧، ١٧١، ورصف المباني: ص ١٩٦، وأمالي ابن الشجري: (٢/٢٩٩)، والاقتضاب: (٤٢٩)، وشرح جمل الزجاجي: (١/٤٧٨)، والجامع لأحكام القرآن: (١/١٤٨)، والدر المصون: (١/١٢٩)..
٦ - البيت لابن غادية السلمي ينظر الاقتضاب: ص ٤٢٩، وأدب الكاتب: ص ٥٠٥، ولسان العرب (وثب)، (ثوب)، والمقرب: ١/١٩٦، وجمهرة اللغة: ص ١٣١٨، ورصف المباني: ص ١٩٦، وسر صناعة الإعراب: ص ٢٨٦، شرح جمل الزجاجي: ١/٤٧٨، المخصص: ١٤/٦٤، الدر المصون: ١/١٢٩..
٧ - البيت لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٨١؛ وخزانة الأدب: ١٠/١٦٨، ١٧٥، ١٨٤، ١٨٩؛ وشرح التصريح ١/٢٥٢، وشرح شواهد المغني ١/٥٠٣، والمقاصد النحوية ٢/٤٠٢، ولحميد الأرقط في الدرر ٢/٢٥٠، والكتاب ١/٤٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/٥٢، والجنى الداني ص ٩٠؛ وخزانة الأدب ٧/٧٣؛ ورصف المباني ص ٢٠١؛ وسر صناعة الإعراب ص ٢٩٦، وشرح الأشموني ١/١٥٨؛ ولسان العرب ٩/٢٤٧ (عصف)؛ ومغني اللبيب ١/١٨٠؛ والمقتضب ٤/١٤١، ٣٥٠، وهمع الهوامع ١/١٥٠، والدر المصون ١/١٢٩..
٨ - في أ: الموصوف..
٩ - تقدم برقم (٧٩)..
١٠ - ينظر الأمالي الشجرية: (٢/٣١٥). والأزهية: (٢٩٣)، والإنصاف: (٢/٦٧٥)، وشرح جمل الزجاجي: (١/١٧٠)، والهمع: (١/٨٢)، الخزانة: (٢/٤٩٧)، والدرر: (٢/٥٥)، واللسان (لذا)، ورصف المباني: (٧٦)، والدر المصون: (١/١٣٠)..
١١ - ينظر البيت في الإنصاف: (٦٧١)، الدرر (١/٥٦)، والهمع: (١/٨٢)، والدر المصون: (١/١٣٠)..
١٢ - ينظر الأمالي الشجرية: ١/٣٠٥، الإنصاف: ٢/٦٧٦، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور: ١/١٧٠. اللمع: ١/٨٢، خزانة الأدب: ٥/٥٠٥، الدرر: ١/٥٦، الخزانة: ٢/٤٩٨، الدر: ١/١٣٠..
١٣ - البيت لكعب بن سعد الغنوي ينظر الأصمعيات ٩٦، معاني القرآن للأخفش ١/٢٠٨، مجاز القرآن ١/٦٧، ١١٢، ٢٤٥، ٣٦٢، والعجز في أدب الكاتب ٤١٩..
١٤ - ينظر خزانة الأدب: ١٠/١١٣، ١١٧، والدرر: ٤/٢٤٥، ٥/٦٩، والأشباه والنظائر: ٤/١١٣، ولسان العرب (لمم)، وشرح الأشموني: ٣/٥٧٦، وشرح شواهد المغني: ٢/٦٨١، ومغني اللبيب: ١/٢٨٠، وهمع الهوامع: ٢/٥٧، والصاحبي في فقه اللغة: ص ١٤٩، الكافية الشافية: ٣/١٥٧٧، الدر: ١/١٣١..
١٥ - ستأتي في الزخرف (٥٣)..
١٦ - البيت لضب. ينظر الكتاب: ١/١٧٦، الكامل: ٣٧٤، أمالي الزجاجي: ١٣٠، المخصص: ١٣/٢٢٦، ٢٣٣، الهمع: ١/٤١، الدرر: ١/١٥، الدر: ١/١٣١..
١٧ - أخرجه البخاري في الصحيح (٢/٤٧)، كتاب الجمعة باب الاستسقاء في الجمعة حديث رقم (٩٣٣)، (٢/٧٧) كتاب الاستسقاء باب الاستسقاء في المسجد حديث رقم (١٠١٣)، (١٠١٤)، (١٠١٥)، (٨/٤٥) كتاب الأدب باب التبسم والضحك حديث رقم (٦٠٩٣)، (٨/١٣٤) كتاب الدعوات باب الدعاء غير مستقبل القبلة حديث رقم (٦٣٤٢).
 ومسلم في الصحيح (٢/٦١٢، ٦١٤) كتاب الاستسقاء (٩) باب الدعاء في الاستسقاء (٢) حديث رقم (٨/٨٩٧).
 والنسائي في السنن (٣/١٦٠، ١٦١، ١٦٢، ١٦٦، ١٦٧).
 وابن ماجه في السنن حديث رقم (١٢٦٩).
 وأحمد في المسند (٣/١٠٤، ١٨٧، ١٩٤، ٢٦١، ٢٧١) (٤/٢٣٦) - والبيهقي في السنن (٣/٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦)، (٤/٢٢١) - وابن سعد (١/١/١٧)، (١/٢/٤٢) وابن أبي شيبة (١٠/٢١٩)، (١١/٤٨١) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (١٤٢٣)، (١٧٨٩) وعبد الرزاق في مصنفه حديث رقم (٤٩١٠)، (٤٩١١) والطبراني في الكبير (١٠/٣٤٦)..

### الآية 2:18

> ﻿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [2:18]

الجمهور على رفعها على أنّها خبر مبتدأ محذوف، هم صم بكم، ويجيء فيه الخلاف المَشْهُور في تعدُّد الخبر، فمن أجاز ذلك حمل الآية عليه من غير تأويل، ومن منع ذلك قال : هذه الأخبار : وإن تعدّدت لفظاً، فهي متحدة معنى ؛ لأن المعنى : هم غير قائلين للحق بسبب عَمَاهُمْ وَصَمَمِهِمْ، فيكون من باب :" هذا حُلْوٌ حَامِضٌ " أي : مُزٌّ، وهذا أعسر أيسر أي : أضبط، وقول الشاعر :\[ الطويل \]

يَنَامُ بإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ ويَتَّقِي  بِأُخْرَى الأَعَادِي، فَهُوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ[(١)](#foonote-١)أي : متحرّز. 
أو يقدر لكل خبر مبتدأ تقديره : هم صُمّ، هم بُكْمٌ، هم عُمْيٌ. 
والمعنى : أنهم جامعون لهذه الأوصاف الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن تكون هذه الآية من باب ما تعدّد فيه الخبر لتعدّد المبتدأ، كقولك : الزيدون فقهاء شعراء كاتبون، فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن بعضهم فقهاء، وبعضهم شعراء، وبعضهم كاتبون، وأنهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضهم اختصّ بالفقه، والبعض الآخر اختصّ بالشعر، والآخر بالكتابة. 
وقرأ بعضهم[(٢)](#foonote-٢) " صمًّا بكماً عمياً " بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه :
**أحدها : أنه حالٌ، وفيه وجهان :**
أحدهما : هو حال من الضمير المنصوب في " تركهم ". 
والثاني : من المرفوع في " لا يُبْصِرُون ". 
الثاني : النَّصْب على الذَّم كقوله : حَمَّالَةَ الْحَطَبِ  \[ المسد : ٤ \] وقول الآخر :سَقَوْنِي الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفُونِي  عُدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورِ[(٣)](#foonote-٣)أي : أذمُ عُدَاة الله. 
الثالث : أن يكون منصوباً ب " ترك "، أي : صمَّا بكماً عمياً. 
والصّمم : داء يمنع من السَّمَاع، وأصله من الصَّلابة، يقال : قناة صَمّاء : أي : صلبة. 
وقيل : أصله من الانسداد، ومنه : صممت القَارُورَة أي : سددتها. 
والبَكَمُ : داءٌ يمنع الكلام. 
وقيل : هو عدم الفَهْمِ. 
وقيل : الأبكم من وُلِدَ أَخْرَسَ. 
وقوله : فهم لا يرجعون  جملة خبرية معطوفة على الجملة الخبرية قبلها. 
وقيل : بل الأولى دعاء عليهم بالصَّمم، ولا حاجة إلى ذلك. 
وقال أبو البقاء : وقيل : فهم لا يرجعون حال، وهو خطأ ؛ لأن " الفاء " ترتب، والأحوال لا ترتيب فيها. 
و " رجع " يكون قاصراً ومتعدياً باعتبارين، وهذيل تقول :: " أرجعه غيره "، فإذا كان بمعنى " عاد " كان لازماً، وإذا كان بمعنى " أعاد " كان متعدياً، والآية الكريمة تحتمل التَّقديرين، فإن جعلناه متعدياً، فالمفعول محذوف، تقديره لا يرجعون جواباً، مثل قوله : إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ  \[ الطارق : ٨ \]، وزعم بعضهم أنه يضمَّن معنى " صار "، فيرفع الاسم، وينصب الخبر، وجعل منه قوله عليه الصلاة والسلام :" لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِب بَعْضُكُم رِقابَ بَعْضٍ " [(٤)](#foonote-٤). 
ومن منع جريانه مجرى " صار " جعل المنصوب حالاً. 
### فصل في المراد بنفي السمع والبصر عنهم. 


لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون، وينطقون، ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يَبْقَ إلاّ تشبيه حالهم لشدة تمسُّكهم بالعناد، وإعراضهم عن سماع القرآن، وما يظهره الرسول من الأدلّة والآيات بمن هو أصمّ في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكّن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأَبْكَمِ، وإذا لم ينتفع بالأدلّة، ولم يبصر طريق الرشد، فهو بمنزلة الأعمى. 
وقوله : فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ  أي : من التمسُّك بالنفاق فهم مستمرون على نفاقهم أبداً. 
وقيل : لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضَّلالة بعد أن اشتروها. 
وقيل : أراد أنّهم بمنزلة المتحيّرين الّذين بقوا خامدين في مَكَانِهِمْ لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرّون ؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه ؟
١ - البيت لحميد بن ثور ينظر ديوانه: ص ١٠٥، وأمالي المرتضى: ٢/٢١٣، وخزانة الأدب: ٤/٢٩٢، والشعر والشعراء: ١/٣٩٨، والمقاصد النحوية: ٢/٥٦٢، تخليص الشواهد: ص ٢١٤، وشرح الأشموني: ١/١٠٦، وشرح ابن عقيل: ص ١٣٢، الدر المصون: ١/١٣٤..
٢ - وهي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة أم المؤمنين.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٠١، والبحر المحيط: ١/٢١٧، والقرطبي: ١/١٤٩..
٣ - البيت لعروة بن الورد ينظر ديوانه: ص ٥٨، الأغاني: ٣/٣٦، ٣٨، الكتاب: ٢/٧٠، لسان العرب (نسأ)، أمالي المرتضى: ١/٢٠٦، مجالس ثعلب: ٢/٤١٧، وشرح أبيات سيبويه: (١١٧)، القرطبي: (١/١٣٩)، الدر المصون: (١/١٣٤)..
٤ - أخرجه البخاري في الصحيح (١/٦٨) كتاب العلم باب الإنصات للعلماء حديث رقم (١٢١)، (٣/٤) كتاب الحج باب الخطبة أيام منى حديث رقم (١٧٣٩)، (١٧٤١)، (٦/١٤) كتاب المغازي باب حجة الوداع حديث رقم (٤٤٠٥) ومسلم في الصحيح (١/٨١ - ٨٢) كتاب الإيمان (١) باب بيان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا (٢٩) حديث رقم (١١٨/٦٥).
 وأبو داود في السنن حديث رقم (٤٦٨٦).
 والترمذي في السنن حديث رقم (٢١٩٣).
 والنسائي في السنن (٧/١٢٦، ١٢٧).
 وابن ماجه في السنن حديث رقم (٣٩٤٢)، (٣٩٤٣).
 وأحمد في المسند (١/٢٣٠، ٤٠٢)، (٢/١٠٤) - والبيهقي في السنن (٥/١٤٠، ١٦٦)، (٦/٩٢)، (٨/١٨٩).
 والطبراني في الكبير (٢/٣٤٨، ٣٨٣)، (٨/١٦١)، (١٠/١٩٢)، (١٢/٢٨٢، ٣٥٩، ٣٦٢، ٤١٦) - وابن عدي في الكامل (٧/٢٥٩٣) والحاكم في المستدرك (١/٩٣) - وذكره المنذري في الترغيب (١/١٣٢) - وابن حجر في فتح الباري (١/٢١٧)، (١٠/٥٥٣)، (١٢/١٩١)، (١٣/٢٦) - والسيوطي في الدر المنثور (٣/٢٠، ٢٣٥)..

### الآية 2:19

> ﻿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [2:19]

اعلم أنّ هذا مثل ثانٍ للمنافقين، وكيفية المشابهة من وجوه :
أحدها : أنه إذا حصل السحاب والرعد والبرق، واجتمع مع ظلمة السّحاب ظلمة الليل، وظلمة المَطَرِ عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصَّوَاعق حَذَرَ الموت، وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مَشَوْا فيه، وإذا ذهب بَقَوا في ظلمة عظيمة، فوقفوا متحيّرين ؛ لأنّ من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذَهَبَ عنه تشتدّ حيرته، وتعظم الظُّلمة في عينيه أكثر من الذي لم يزل في الظلمة، فشبّه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدِّين بهؤلاء الذين وصفهم، إذا كانوا لا يرون طريقاً، ولا يهتدون. 
وثانيها : أن المَطَرَ وإن كان نافعاً إلاّ أنه لما وجد في هذه الصُّورة مع هذه الأحوال الضَّارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافعٌ للمنافقين لو وافقه الباطن، فإذا فقد منه الإخلاص، وحصل معه النفاق كان ضرراً في الدِّينِ. 
وثالثها : أن من هذا حاله، فقد بلغ النهاية في الحَيْرَةِ لاجتماع أنواع الظلمات، وحصول أنواع المَخَافَةِ، فحصلت في المنافقين نهاية الحَيْرَةِ في الدين، ونهاية الخوف في الدنيا ؛ لأنّ المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يزال الخَوْفُ في قلبه مع النفاق. 
ورابعها : المراد من الصَّيِّب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هي الأشياء الشَّاقة على المنافقين من التكاليف كالصَّلاة والصوم وترك الرِّيَاسات، والجهاد مع الآباء والأمّهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع شدّة استنكافهم عن الانقياد، فكأنّ الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المَطَرِ الصَّيِّب[(١)](#foonote-١) الذي \[ هو \][(٢)](#foonote-٢) أشَدُّ الأشياء نفعاً بسبب هذه الأُمُور المُقَارنة، كذلك هؤلاء. والمراد من قوله : كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ  أنّه متى حصل لهم شيء من المَنَافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم، وحصول الغنائم، فإنهم يرغبون في الدِّين. 
قوله : وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ  أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع، فحينئذ يكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه.

### فصل في " أو " 


**في " أ " خمسة أقوال :**
أظهرها : أنها للتفصيل بمعنى : أنَّ الناظرين في حال هؤلاء منهم من يشبههم بحال المُسْتَوْقد، ومنهم من يشبههم بأَصْحَاب[(٣)](#foonote-٣) صَيِّبٍ هذه صفته. 
قال ابن الخطيب :" والثاني أبلغ ؛ لأنه أدلُّ على فرط الحيرة ". 
والثاني : أنها للإبهام، أي : أن الله أَبْهَمَ على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء. 
والثالث : أنها للشَّك، بمعنى : أنَّ الناظر يشكُّ في تشبيههم. 
الرابع : أنها للإباحة. 
الخامس : أنها للتخيير، قالوا : لأن أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها، فاستعيرت للتساوي في غير الشك كقولك :" جالس الحسن أو ابن سيرين " يريد أنهما سيّان، وأن يجالس أيهما شاء، ومنه قوله تعالى : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً  \[ الإنسان : ٢٤ \]، أي : الإثم والكفر متساويان في وجوب عصيانهما، وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين :
أحدهما : كونها بمعنى " الواو " ؛ وأنشدوا :\[ البسط \]
نَال الخِلاَفَةَ أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً \*\*\* كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ[(٤)](#foonote-٤)
وقال تعالى : تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ 
\[ النور : ٦١ \]. 
وقال :\[ الطويل \]
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ \*\*\* لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا[(٥)](#foonote-٥)
قال ابن الخطيب[(٦)](#foonote-٦) : وهذه الوجوه مطردة في قوله : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً  \[ البقرة : ٧٤ \]. 
المعنى الثاني : كونها بمعنى :" بل " ؛ قال تعالى : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  \[ الصافات : ١٤٧ \] وأنشدوا :\[ الطويل \]
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى \*\*\* وَصُورَتِهَا أوْ أَنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ[(٧)](#foonote-٧)
أي : بل أنت. 
و " كصيب " معطوف على " كَمَثَلِ "، فهو في محل رفع، ولا بد من حذف مضافين ؛ ليصح المعنى، التقدير يراد :" أو كمثل ذوي صيّب " ولذلك رجع عليه ضمير الجمع في قوله : يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم ، لأن المعنى على تشبيههم بأصحاب الصَّيِّب لا بالصيب نفسه. 
و " الصَّيب " المَطَرُ سمي بذلك لنزوله، يقال : صاب يصوب إذا نزل ؛ ومنه : صوَّب رأسه : إذا خفضه ؛ قال \[ الطويل \]
فَلَسْتُ لإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلأَكٍ \*\*\* تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ[(٨)](#foonote-٨)
وقال آخر :\[ الطويل \]
فَلاَ تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمَّرٍ \*\*\* سَقَتْكِ رَوَايَا المُزْنِ حَيْثُ تَصُوبُ[(٩)](#foonote-٩)
وقيل : إنه من صَابَ يَصُوب : إذا قصد، ولا يقال : صَيّب إلا للمطر الجَوَاد، كان - عليه الصلاة والسلام - يقول :" اللهم اجعله صَيِّباً هَنِيئاً " [(١٠)](#foonote-١٠) أي : مطراً جواداً، ويقال أيضاً للسحاب : صَيّب ؛ قال الشماخ :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* وَأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّبِ[(١١)](#foonote-١١)
وتنكير " صيب " يدلّ على نوع زائد من المطر شديد هائلٍ كما نكرت " النَّار " في التمثيل الأول. 
وقرئ " كصائب "، والصَّيب أبلغ. 
واختلف في وزن " صَيِّب ". 
فقد ذهب البصرون أنه " فَيْعِل "، والأصل : صَيْوِب أدغم ك " مَيّت " و " هَيّن "، والأصل : مَيوت وهَيْوِن. 
وقال بعض الكوفيين : وزنه " فَعِيل " والأصل : صَوِيب بزنة طويل. 
قال النحاس : وهذا خطأ ؛ لأنه كان ينبغي أن يصح ولا يُعَلّ كطويل، وكذا أبو البقاء. 
وقيل وزنه :" فَعْيِل " فقلب وأُدغم. 
واعلم أنه إذا قيل بأن الجملة من قوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ  استئنافية، ومن قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  إنها من وصف المنافقين كانتا جملتي اعتراض بين المتعاطفين، أعني قوله :" كَمَثَل " و " كَصَيِّبٍ " وهي مسألة خلاف منعها الفارسي ورد عليه بقول الشاعر :\[ الوافر \]
لَعَمْرِكَ والخُطُوبُ مُغَيِّرَاتٌ \*\*\* وَفِي طُولِ المُعَاشَرَةِ التَّقَالِي
لَقَدْ بَالَيْتُ مَظْعَنَ أُمِّ أَوْفَى \*\*\* وَلَكِنْ أُمُّ أَوْفَى لا تُبَالِي[(١٢)](#foonote-١٢)
ففصل بين القسم، وهو " لعمرك " وبين جوابه، وهو " لَقَدْ بَالَيْتُ " [(١٣)](#foonote-١٣) بجملتين إحداهما :" والخطوب مغيرات ". 
والثانية :" وفي طول المُعَاشرة التَّقالي ". 
**و " من السماء " يحتمل وجهين :**
أحدهما : أن يتعلّق ب " صيب " ؛ لأنه يعمل عمل الفعل، والتقدير : كمطر يَصُوب من السماء، و " مِنْ " لابتداء الغاية. 
والثَّاني : أن يكون في محلّ جر صفة ل " صيب "، فيتعلّق بمحذوف، وتكون " من " للتبغيض، ولا بُدّ حينئذ من حذف مضاف تقديره : كصيّب كائن من أمطار السَّماءِ. 
والسماء : هذه المطلّة، وهي في الأصل كل ما عَلاكَ من سَقْفٍ ونحوه، مشتقة من السُّمو، وهو الإرتفاع، والأصل : سَمَاو، وإنما قُلبت الواو همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة وهو بدل مُطّرد، نحو :" كساء ورداء "، بخلاف " سقاية وشقاوة " لعدم تطرف حرف العلّة، ولذلك لما دخلت عليها تاء التأنيث صحَّت ؛ نحو :" سماوة ". 
قال الشاعر :\[ الرجز \]
طَيَّ اللَّيَالِي زُلَفاً فَزُلَفَا \*\*\* سَمَاوَةَ الهِلاَلِ حَتَّى احْقَوْقَفَا[(١٤)](#foonote-١٤)
والسماء مؤنث قال تعالى : إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ  \[ الانفطار : ١ \] وقد تذكَّر ؛ قال تعالى : السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ  \[ المزمل : ١٨ \] ؛ وأنشد :\[ الوافر \]
وَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءَ إلَيْهِ قَوْماً \*\*\* لَحِقْنَا بَالسَّمَاءِ مَعَ السَّحَابِ[(١٥)](#foonote-١٥)
فأعاد الضَّمير من قوله :" إلَيْهِ " على " السَّمَاء " مذكَّراً، ويجمع على " سَمَاوَاتٍ، وأَسْمِيَة، وَسُمِيّ "، والأصل " فعول "، إلا أنه أعلّ إعلال " عِصِيّ " بقلب الواوين ياءين، وهو قلب مطّرد في الجمع، ويقلّ في المفرد نحو : عتا - عُتِيًّا، كما شذ التصحيح في الجمع قالوا :" إنكم لتنظرون في نُحُوٍّ كثيرة "، وجمع أيضاً على " سماء "، ولكن مفرده " سَمَاوة "، فيكون من باب تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ويدلّ على ذلك قوله :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*. . . . . . . . . . فَوْقَ سَبْعِ سَمَائِيَا[(١٦)](#foonote-١٦)
ووجه الدّلالة أنه مُيِّز به " سَبْع " ولا تُمَيَّزُ هي وأخواتها إلاّ بجمع مجرور. 
وفي قوله :" من السَّمَاءِ " ردّ على من قال : إن المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأَرْض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدّة برد الهواء، ثم ينزل مرة أخرى، فذاك هو المطر ؛ فأبطل الله هذا المذهب بأن بَيّن أن الصَّيب نزل من السَّمَاء، وقال : وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً  \[ الفرقان : ٤٨ \]. 
وقال : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ  \[ النور : ٤٣ \]. 
قوله : فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ  \[ البقرة : ١٩ \] يحتمل أربعة أوجه :
أحدها : أن يكون صفة ل " صَيّب ". 
الثاني : أن يكون حالاً منه، وإن كان نكرة لتخصصه، إما بالعمل في الجار بعده، أو بصفة بالجار بعده. 
الثالث : أن يكون حالاً من الضمير المُسْتَكِنّ في " من السماء " إذا قيل : إنه صفة ل " صَيّب "، فيتعلّق في التقادير الثلاثة بمحذوف، إلاّ أنه على القول الأوّل في محلّ جر لكونه صفة لمجرور، وعلى القولين الأخيرين في مَحَلّ نَصْب على الحال. 
و " ظلمات " على جميع هذه الأقوال فاعل به ؛ لأنَّ الجار والمجرور والظرف متى اعتمدا على موصوف، أو ذي حالٍ، أو ذي خبر، أو على نَفْي، أو استفهام عملا عمل الفعل، والأخفش يُعْمِلُهُمَا مطلقاً كالوصف، وسيأتي تحرير ذلك. 
الرابع : أن يكون خبراً مقدماً، و " ظلمات " مبتدأ، والجملة تحتمل وجهين :
الأول : الجر على أنها صفة ل " صيب ". 
والثاني : النَّصْب على الحال، وصاحب الحال يحتمل أن يكون " كصيب "، وإن كان نكرة لتخصيصه بما تقدّمه، وأن يكون الضَّمير المستكن في " من السَّماء " إذا جعل وصفاً ل " صيّب "، والضمير في " فيه " ضمير " الصيب "، واعلم أن جعل الجار صفة أو حالاً، ورفع " ظلمات " على الفاعلية به أَرْجَحُ من جعل  فِيهِ ظُلُمَاتٌ  جملة برأسها في محلّ صفة أو حال ؛ لأنّ الجار أقرب إلى المفرد من الجملة، وأصل الصفة والحال أن يكونا مفردين. 
و " رَعْدٌ وبَرْقٌ " : معطوفان على " ظلمات " بالاعتبارين المتقدّمين، وهما في الأصْل مصدران تقول : رَعَدَتِ السماء تَرْعَدُ رَعْداً، وبَرَقَتْ بَرْقاً. 
قال أبو البقاء : وهما على ذلك مُوَحَّدَتَانِ هنا يعني على المصدرية ويجوز أن يكونا بمعنى الرَّاعد والبارق، نحو : رجل عَدْل. 
والظاهر أنهما في الآية ليس المُرَاد بهما المصدر، بل جعلا اسماً \[ للهز واللمعان \]. 
والبرق : اللَّمَعَان، وهو مقصود الآية، ولا حاجة حينئذ إلى جعلهما بمعنى اسم فَاعِلٍ. 
وقال علي وابن عباس -رضي الله عنهما - وأكثر المفسرين : الرعد : اسم ملك يسوق السَّحاب، والبرق : لَمَعَانُ سَوْطٍ من نور ١ - في أ: المصب..
٢ - سقط في أ..
٣ - في أ: بحال..
٤ - البيت لجرير ينظر ديوانه: ص ٤١٦، الأزهية: ص ١١٤، خزانة الأدب: ١١/٦٩، والدرر: ٦/١١٨، شرح التصريح: ١/٢٨٣، شرح شواهد المغني: ١/١٩٦، مغني اللبيب: ١/٦٢، ٧٠، المقاصد النحوية: ٢/٤٨٥، ٤/١٤٥، وأوضح المسالك: ٢/١٢٤، والجنى الداني: ص ٢٣٠، وشرح الأشموني: ١/١٧٨، وشرح ابن عقيل: ص ٤٩٩، وشرح عمدة الحافظ: ٦٢٧، شرح قطر الندى: ص ١٨٤، همع الهوامع: ٢/١٣٤، النكت والعيون: ١/١٤٥، الدر المصون: ١/١٣٥..
٥ - البيت لتوبة بن الحمير ينظر خزانة الأدب: ١١/١٨، مغني اللبيب: ١/٦٢، شرح شواهد المغني: ١/١٩٤، الأزهية: ص ١١٤، أمالي المرتضى: ٢/٥٧، الدرر: ٦/١١٧، وبلا نسبة ورد في همع الهوامع: ٢/١٣٤، لسان العرب (أوا) وصف المباني: ص ١٣٢، ٤٢٧..
٦ - ينظر الفخر الرازي: ٢/٧١..
٧ - البيت لذي الرمة. ينظر ملحقات ديوانه: (٨٥٧)، والخصائص: (٢/٤٥٨)، والإنصاف: (٤٧٨)، المحتسب: (١/٩٩)، الخزانة: (٤/٤٢٣) ومعاني القرآن: (١/٧٢)، والأزهية: (١٢١)، وحروف المعاني: (٥٢)، واللسان (أوى). وشرح جمل الزجاجي: (١/٢٣٥) والأضداد (٢٨٢)، والدر المصون: (١/١٣٥)..
٨ - البيت لعقلمة الفحل ينظر صلة ديوانه ص: ١١٨، ولمتمم بن نويرة ينظر ديوانه: ص ٨٧، وشرح أشعار الهذليين: ١/٢٢٢، أو لرجل من عبد القيس أو لأبي وجزة، او لعلقمة في المقاصد النحوية: ٤/٥٣٢، وينظر لسان العرب (صوب)، (ألك)، (لأك)، (ملك)، والكتاب: ٤/٣٨٠، وشرح شواهد الشافية: ص ٢٨٧، وشرح شافية ابن الحاجب: ٢/٣٤٦، وجمهرة اللغة: ص ٩٨٢، وأمالي ابن الحاجب: ص ٨٤٣، والأشباه والنظائر: ٨/٦٩، والاشتقاق: ص ٢٦، وإصلاح المنطق: ص ٧١، والمنصف: ٢/١٠٢، والمفضليات: (٣٩٤)، جمل الزجاجي (٦٠)، ومعاني الزجاج (١/٨٠)، مجاز القرآن (١/٣٣) والتهذيب (ألك)، الطبري (١/١٨٢) القرطبي: (١/١٨٢)، المحرر الوجيز: (١/١١٦)، والأمالي الشجرية: (٢/٢٠، ٢٩٢)، والدر المصون: (١/١٣٥)..
٩ - البيت لعلقمة. ينظر ديوانه: (٣٤)، أمالي ابن الشجري: (٢/٢٠)، والمفضليات: (٣٩٢)، القرطبي: (١/١٥١)، النكت والعيون: (١/٨١)، والدر المصون: (١/١٣٥)..
١٠ - أخرجه النسائي في السنن (٣/١٦٤) عن عائشة ولفظه اللهم اجعلها صبيا نافعا كتاب الاستسقاء (١٧) باب القول عند المطر (١٥) حديث رقم (١٥٢٣).
 وابن ماجه في السنن (٢/١٢٨٠) كتاب الدعاء باب ما يدعو به الرجل إذا رأى السحاب والمطر حديث رقم (٣٨٩٠).
 وأحمد في المسند (٦/٩٠) - وابن أبي شيبة (١٠/٢١٩) وابن عساكر (٢/٤٠٩).
 وذكره الزبيدي في الإتحاف (٥/١٠٤) والهندي في كنز العمال حديث رقم (٢٣٥٥١)..
١١ - عجز بيت للشماخ ينظر ديوانه: (٤٣٢)، وذكره الشيخ محمد عليان المرزوقي في حاشيته على تفسير الكشاف وذكر صدره:
 عفا آية نسج الجنوب مع الصبا \*\*\*.....................
 وقيل للنابغة الذبياني، وقيل للهيثم بن خوار. ينظر الكشاف: ١/٨١، البحر المحيط: ١/٢١٨، والرازي: ٢/١٧٢..
١٢ - البيت لزهير بن أبي سلة ينظر ديوانه: ٣٤٢، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٢١، واللامات: ٨٤، مغني اللبيب: ٢/٣٩٥، والدر المصون: (١/١٣٦)..
١٣ - في أ: بالبيت..
١٤ - البيت للعجاج. ينظر ديوانه: (٢/٢٣٢)، والكتاب: (١/٣٥٩)، والتهذيب واللسان (حقف)، مجاز القرآم: (١/٣٠)، وغريب القرآن: (٢١٠)، والبحر المحيط: (١/٢١٨)، والدر المصون: (١/١٣٦)..
١٥ - ينظر البيت في إعراب ثلاثين سورة (٩٨)، البحر: (١/٢١٩)، الدر المصون: (١/١٣٦)، روح المعاني: (١/١٧١)..
١٦ - جزء من عجز بيت لأمية بن أبي الصلت وتمام البيت:
 له ما رأت عين البصير وفوقه \*\*\* سماء الإله.................
 ينظر ديوانه: (٧٠)، والكتاب: ٢/٥٩، والمقتضب: (١/١٤٤)، الخصائص: (١/٢١١)، الخزانة (١/١١٨)، والمخصص: ٩/٣، والمنصف: (٢/٦٦، ٦٨)، واللسان (سما)، والمذكر والمؤنث للمبرد: ١٢١٠ والأصول: ٢/٩٣، وما ينصرف وما لا ينصرف: ١١٥، والسيرافي: ١/١٣٨.
 والشاهد فيه - سمائيا -؛ حيث حرك الياء في الجر ضرورة، ويضاف إلى هذا ضرورتان أخريان: جمع "سماء" على "فعائل"؛ كشمال وشمائل، والمستعمل فيها "سماوات"، والأخرى: أنه لم يغيرها إلى الفتح والقلب، فيقول: "سمايا"؛ كما يقال: خطايا..

### الآية 2:20

> ﻿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:20]

" يكاد " مضارع " كاد "، وهي لمقاربة الفعل، تعمل عمل " كان " إلا أن خبرها لا يكون مضارعا، وشذ مجيئه اسما صريحا ؛ قال \[ الطويل \]

فأُبتَ إلى فهمٍ وما كدت آيباً  وكم مثلها فارقتها وهي تصفرُ[(٣١)](#foonote-٣١)والأكثر في خبرها تجرّده من " أن "، عكس " عسى "، وقد شذّ اقترانه بها ؛ قال رؤبة :\[ الرجز \]. 
قد كاد من طول البِلى أن يمحَصَا[(٣٢)](#foonote-٣٢)
لأنها لمقاربة الفعل، و " أن " تخلص للاستقبال، فتنافيا. 
واعلم أن خبرها - إذا كانت هي مثبتة - منفي في المعنى، لأنها للمقاربة. 
فإذا[(٣٣)](#foonote-٣٣) قلت :" كاد زيد يفعل " كان معناه : قارب الفعل إلا أنه لم يفعل، فإذا نُفيت، انتفى خبرها بطريق الأولى ؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى ؛ ولهذا كان قوله تعالى : لم يكد يراها  \[ النور : ٤٠ \] أبلغ من أن لو قيل : لم يرها، لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها ؟
وزعم جماعة منهم ابن جنّي، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي ؛ حتى ألغز بعضهم فيها ؛ فقال :\[ الطويل \]
أنحويّ هذا العصر ما هلي لفظة \*\*\* جرت في لساني جرهم وثمودإذا نفيت -والله أعلم- أُثبتت  وإن أُثبتت قامت مقام جحود[(٣٤)](#foonote-٣٤)وحكوا عن ذي الرمة أنه لما أنشد قوله :\[ الطويل \]إذا غير النّأي المحبّين لم يكد  رسيسُ الهوى من حب مَيّة يبرحُ[(٣٥)](#foonote-٣٥)عيب عليه ؛ لأنه قال :" لم يكد يبرح "، فيكون قد برح، فغيره إلى قوله :" لم يزل "، أو ما هو بمعناه. 
والذي غر هؤلاء قوله تعالى : فذبحوها وما كادوا يفعلون  \[ البقرة : ٧١ \] قالوا :" فهي هنا منفية "، وخبرها مثبت في المعنى ؛ لأن الذبح وقع لقوله :" فذبحوها "، والجواب عن هذه الآية من وجهين :
أحدهما : أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي : ذبحوها في وقت، وما كادوا يفعلون في وقت آخر. 
والثاني : أنه عبر بنفي مقاربة الفعل عن شدة تعنّتهم، وعسرهم في الفعل. 
وأما ما حكوه عن ذي الرمة، فقد غلّط الجمهور ذا الرمة في رجوعه عن قوله الأول، وقالوا :" هو أبلغ وأحسن مما \[ غيره إليه \][(٣٦)](#foonote-٣٦) ". 
واعلم أن خبر " كاد " وأخواتها - غير " عسى " – لا يكون فاعله إلا ضميرا عائدا على اسمها ؛ لأنها للمقاربة أو للشروع، بخلاف " عسى "، فإنها للترجي ؛ تقول :" عسي زيد أن يقوم أبوه "، ولا يجوز ذلك في غيرها، فأما قوله :\[ الطويل \]وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِميَّةَ نَاقَتِي  فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهْوَأَسْقِيهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ  تُكَلِّمُني أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهْ[(٣٧)](#foonote-٣٧)فأتى بالفاعل ظاهراً، فقد حمله بعضهم على الشُّذُوذ، وينبغي أن يقال : إنما جاز ذلك ؛ لأن الأحجار والملاعب هي عبارة عن الرَّبْعِ، فهي هو، فكأنه قيل : حتَّى كادَ يكلِّمُني ؛ ولكنه عبّر \[ عنه \][(٣٨)](#foonote-٣٨) بمجموع أجزائه. 
وأما قول الآخَرِ :\[ البسيط \]وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا ما قُمْتُ يُثْقِلُني  ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرِوكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً  فَصِرْتُ أَمْشي عَلَى أُخْرَى مِنَ الشَّجَرِ[(٣٩)](#foonote-٣٩)فأتى \[ بفاعل \][(٤٠)](#foonote-٤٠) \[ خبر \][(٤١)](#foonote-٤١) جعل ظاهراً، فقد أجيب عنه بوجهين :
أحدهما : أنه على حذْف مضاف، تقديره : وقد جعل ثوبي إذا ما قمت يثقلني. 
والثاني : أنه من باب[(٤٢)](#foonote-٤٢) إقامة السَّبب مقام المُسَبَّبِ، فإن نهوضه كذا متسبَّب عن إثقال ثوبه إيَّاه، والمعنى : وقد جعلت أنهض نَهْضَ الشارب الثَّمل لإثقال ثوبي إيَّاي. 
ووزن " كَادَ كَوِد " بكسر العين، وهي من ذوات الواو ؛ ك " خَافَ " يَخَافُ، وفيها لغةٌ أخرَى : فتح عينها، فعلى هذه اللُّغة تضم فاؤها إذا أسندت إلى تاء المتكلّم وأخواتها، فتقول :" كُدْتُ، وكُدْنَا " ؛ مثل : قُلْتُ، وقُلْنَا، وقد تنقل كسر عينها إلى فائها مع الإسناد إلى ظاهر، كقوله :\[ الطويل \]وَكِيدَ ضِبَاعُ القُفِّ يَأْكُلْنَ جُثَّتي  وَكِيدَ خِرَاشٌ عِنْدَ ذَلِكَ يَيْتَمُ[(٤٣)](#foonote-٤٣)ولا يجوز زيادتها خلافاً \[ للأخفش \][(٤٤)](#foonote-٤٤)، وسيأتي إن شاء الله هذا كله في " كاد " الناقصة. 
أمّا " كاد " التامة بمعنى " مَكَرَ " فوزنها فَعَل بفتح العَيْن من ذوات " الياء " ؛ بدليل قوله : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ  \[ الطارق : ١٥، ١٦ \]. 
و " البرق " اسمها، و " يخطف " خبرها ويقال : خَطِفَ يَخْطَفُ \[ بكسر عين الماضي، وفتح المضارع، وخطَفَ يَخْطِفُ \][(٤٥)](#foonote-٤٥) عكس اللغة الأولى وفيه تراكيب كثيرة، والمشهور منها الأولى. 
الثانية : يخطِف بكسر الطاء، قرأها مجاهد[(٤٦)](#foonote-٤٦). 
الثالثة : عن الحسن بفتح " الياء والخاء والطاء "، مع تشديد " الطاء "، والأصل :" يَخْتَطِفُ "، فأبدلت " تاء " الافتعال " طاء " للإدغام. 
الرابعة : كذلك، إلاّ أنه بكسر[(٤٧)](#foonote-٤٧) الطاء على \[ أنه \][(٤٨)](#foonote-٤٨) أصل التقاء السَّاكنين. 
الخامسة : كذلك، إلا أنه بكسر " الخاء " إتباعاً لكسرة الطاء. 
السَّادسة : كذلك إلا أنه بكسر الياء أيضاً إتباعاً للخاء. 
السابعة :" يختطف " على الأصْل. 
الثامنة : يَخْطِّف بفتح الياء، وسكون الخاء، وتشديد الطاء \[ وهي رديئة لتأديتها إلى التقاء ساكنين. 
التاسعة : بضمّ الياء، وفتح الخاء، وتشديد الطاء \][(٤٩)](#foonote-٤٩) مكسورة، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية. 
العاشرة :" يَتَخَطَّفُ " عن أُبَيّ من قوله : وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ  \[ العنكبوت : ٦٧ \]. 
و " الخَطْف " : أخذ شيء بسرعة، وهذه الجملة - أعني قوله :" يَكَادُ البرق يخطف " لا محلّ لها، لأنه استئناف كأنه قيل : كيف يكون حالهم مع ذلك البرق ؟ فقيل : يكاد يخطف، ويحتمل أن تكون في محلّ جر صفة ل " ذوي " المحذوفة : التقدير : كذوي صيِّب كائدٍ البرق يخطف. 
قوله : كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ . 
 " كُلَّ " نصب على الظرف ؛ لأنها أضيفت إلى " ما " الظرفية، والعامل فيها جوابها، وهو " مشوا ". 
وقيل :" ما " نكرة موصوفة ومعناها الوقت أيضاً، والعائد محذوف تقديره : كل وقت أضاء لهم فيه، ف " أضاء " على الأول لا مَحَلّ له ؛ لكونه صلةً، ومحلّه الجر على الثاني. 
و " أضاء " يجوز أن يكون لازماً. 
وقال المُبَرِّدُ :" هو متعدّ، ومفعوله محذوف أي : أضاء لهم البَرْقُ الطريق " ف " الهاء " في " فيه " تعود على البَرْقِ في قول الجمهور، وعلى الطَّريق المحذوف في قول المُبَرّد. 
و " فيه " متعلّق ب " مشوا "، و " في " على بابها أي : إنه محيط بهم. 
وقيل : بمعنى الباء، ولا بد من حذفٍ على القولين : أي : مشوا في ضوئه : أي بضوئه، ولا محل لجملة قوله :" مشوا " ؛ لأنها مستأنفة، كأنه جواب لمن يقول : كيف يمضون[(٥٠)](#foonote-٥٠) في حالتي ظهور البرق وخفائه ؟
والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصَّيِّب، وما هم فيه من غاية التحيُّر والجهل بما يأتون، وما يذرون. 
واعلم أن " كلّ " من ألفاظ العموم[(٥١)](#foonote-٥١)، وهو اسم جمع لازم للإضافة، وقد يحذف ما يُضَاف إليه، وهل تنوينه حينئذ تنوين عوض، أو تنوين صرفٍ ؟ قولان :
والمضاف إليه " كل " إن كان معرفة وحذف، بقيت على تعريفها، فلهذا انتصب[(٥٢)](#foonote-٥٢) عنها الحال، ولا يدخلها الألف واللام، وإن وقع ذلك في عبارة بعضهم، وربما انتصب حالاً، وأصلها أن تستعمل توكيداً ك " أجمع "، والأحسن استعمالها مبتدأ، وليس كونها مفعولاً بها مقصوراً على السماع، ولا مختصّاً بالشعر، خلافاً لزاعم ذلك. 
وإذا أضيفت إلى نكرة أو معرفة بلام الجنس حسن أن تلي العواملة اللفظية، وإذا أضيفت إلى نكرة تعين اعتبار تلك النكرة فيما لها من ضمير وغيره، تقول :" كل رجال أَتَوْكَ، فأكرمهم "، ولا يجوز أن تراعي لفظ " كل " فتقول :" كلُّ رجالٍ أتاكَ، فأكْرِمه "، و " كلُّ رجلٍ أتاكَ، فأكْرِمه " ولا تقول " كلُّ رجلٍ أتَوْك، فأكْرِمْهم " ؛ اعتباراً بالمعنى، فأما قوله :\[ الكامل \]جَادَتْ عَلَيْه كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ  فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ[(٥٣)](#foonote-٥٣)فراعى المعنى، فهو شاذّ لا يقاس عليه. 
وإذا أضيفت إلى معرفة فوجهان، سواء كانت بالإضافة لفظاً ؛ نحو : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً  \[ مريم : ٩٥ \] فراعَى لفظ " كُل ". 
أو معنى نحو : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ  \[ العنكبوت : ٤٠ \] فراعى لفظها، وقال : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ  \[ النمل : ٨٧ \] فراعى المعنى. 
وقول بعضهم :" إن كلما " تفيد التكرار " ليس ذلك من وضعها، وإنما استفيد من العموم التي دلّت عليه. 
فإنك إذا قلت :" كلما جئتني أكرمتك " كان المعنى أكرمك[(٥٤)](#foonote-٥٤) في كل فرد \[ فرد \][(٥٥)](#foonote-٥٥) من جيئاتك إلَيّ. 
وقرأ ابن أبي عبلة[(٥٦)](#foonote-٥٦) " ضَاءَ " ثلاثياً، وهي تدل على أن الرباعي لازم. 
وقرئ[(٥٧)](#foonote-٥٧) :" وَإِذَا أُظْلِمَ " مبنياً للمفعول، وجعله[(٥٨)](#foonote-٥٨) الزمخشري دالاًّ على أن " أظلم " متعدٍّ، واستأنس أيضاً بقول حَبيبٍ :\[ الطويل \]هُمَا أَظْلَمَا حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا  ظَلاَمَيْهِمَا عَنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ[(٥٩)](#foonote-٥٩)ولا دليل في الآيَةِ ؛ لاحتمالِ أنَّ أصله، " وإذَا أَظْلَمَ اللَّيْلُ عليهم "، فلما بني للمفعول حذف الليل، وقام " عَلَيْهِم " مقامه، وأما بينت حبيب فمولّد. 
وإنما صدرت الجملة الأولى ب " كلّما " والثانية ب " إذا "، قال الزمخشري :" لأنهم حراصٌ على وجود ما هَمّهم به، معقود من إمكان المشي وتأتِّيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقُّفُ والتَّحبُّسُ " [(٦٠)](#foonote-٦٠) وهذا هو الظاهر، إلاَّ أن من النحويين من زعم أن " إذا " تفيد التكرار أيضاً ؛ وأنشد :\[ البسيط \]إِذَا وَجَدْتُ أُوَارَ الحُبِّ في كَبِدِي  أَقْبَلْتُ[(٦١)](#foonote-٦١) نَحْوَ سِقَاءِ القَوْمِ أَبْتَرِدُ[(٦٢)](#foonote-٦٢)قال :" معناه معنى " كلما " ". 
قوله :" قَامُوا " أي وقفوا أو ثبتوا[(٦٣)](#foonote-٦٣) في مكانهم، ومنه :" قامت السوق ". 
قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ . 
 " لو " حرف لما كان سيقع[(٦٤)](#foonote-٦٤) لوقوع غيره، هذه عبارة سيبويه وهي أولى من عبارة غيره، وهي حرف امتناع لامتناع لصحة العبارة الأولى في نحو قوله تعالى : لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي 
\[ الكهف : ١٠٩ \]. 
وفي قوله عليه السلام :" نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْب، لو لم يَخفِ الله لم يَعْصِهِ " [(٦٥)](#foonote-٦٥) وعدم صحّة الثانية في ذلك كما سيأتي محرراً، ولفساد قولهم :" لو كان إنساناً لكان حيواناً " ؛ إذْ لا يلزمُ من امتناع الإنْسَانِ امتناعُ الحيوان، ولا يجزم بها خلافاً لقَوْم، فأما قوله :\[ الرمل \]لو يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ  لاَحِقُ الآطَالِ نَهْدٌ ذُو خُصَلْ[(٦٦)](#foonote-٦٦)وقولُ الآخر :\[ البسيط \]تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ  إِحْدىَ نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا[(٦٧)](#foonote-٦٧)فمن تسكين المتحرك ضرورةً. وأكثر ما تكون شرطاً في الماضي، وقد تأتي بمعنى " إِنْ " ؛ كقوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ  \[ النساء : ٩ \] وقوله :\[ الطويل \]وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ  عَلَيّ وَدُوني جَنْدَلٌ وَصَفَائِحُ\[ لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشَاشَةِ أَوْ زَقَا  إِلَيهَا صَدًى مِنْ جَانِبِ القَبْرِ صَائِحُ \][(٠)](#foonote-٠)

### الآية 2:21

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:21]

اعلم أنه - تعالى - لما بين أحكام الفِرَقِ الثلاث - أعني المؤمنين والكفار والمنافقين - أقبل عليهم بالخطاب وهو من باب " الالتفات ". 
 " يا " حرف نداء وهي أم الباب. 
وزعم بعضهم أنها اسم فعل، وقد تحذف نحو : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا  \[ يوسف : ٢٩ \]. 
وينادى بها المندوب والمستغاث. قال أبو حيان[(١)](#foonote-١) :" وعلى كثرة وقوع النداء في القرآن لم يقع نداء إلاَّ بها ". 
وزعم بعضهم أن قراءة[(٢)](#foonote-٢) : أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ  \[ الزمر : ٩ \] بتخفيف الميم أن الهمزة فيه للنداء، وهو غريب، وقد يراد بها مجرد التنبيه فيليها الجمل الاسمية والفعلية، قال تعالى : أَلاَ يَا اسْجُدُواْ  \[ النمل : ٢٥ \] بتخفيف أَلاَ ؛ وقال الشاعر :\[ الطويل \]
أَلاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَةِ سِنْجَالِ \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٣)](#foonote-٣)
وقال آخر :\[ البسيط \]
يا لَعْنَةُ اللهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِمُ \*\*\* وَالصَّالِحِينَ عَلَى سمْعَانَ مِنْ جَارِ[(٤)](#foonote-٤)
و " أي " اسم منادى في محلّ نصب، ولكنه بني على " الضم " ؛ لأنه مفرد معرفة، وزعم الأخفش أنها هنا موصولة، وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلةٌ، والتقدير :" يا الَّذِين هُمُ النَّاس "، والصحيح الأول، والمرفوع بعدها صفة لها، \[ والمشهور \][(٥)](#foonote-٥) : يلزم رفعه، ولا يجوز نصبه على المحلّ خلافاً للمازني. 
و " ها " زائدة للتنبيه لازمة لها، والمشهور فتح هَائِهَا، ويجوز ضمُّها إتباعاً للياء، وقد قرأ ابن عامر[(٦)](#foonote-٦) بذلك في بعض المواضع نحو  أَيُّهُ المُؤْمِنُونَ  \[ النور : ٣١ \] والمرسوم يساعده. 
ولا توصف " أي " هذه إلا بما فيه الألف واللام، أو بموصول هما فيه، أو باسم إشارة نحو : يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ  \[ الحجر : ٦ \] وقال الشاعر :\[ الطويل \]
ألاَ أَيُّهَذَا النَّابِحُ السِّيدَ إِنَّنِي \*\*\* عَلَى نَأْيهَا مُسْتَبْسِلٌ مِنْ وَرَائِهَا[(٧)](#foonote-٧)
وفسر بعضهم يا زيد : أنادي زيداً، وأخاطب زيداً، وهو خطأ من وجوه :
أحدها : أن قوله :" أنادي زيداً " خبر يحتمل الصدق والكذب، وقوله : يا زيد لا يحتملهما. 
وثانيها : أن قولنا :" يا زيد " يقتضي أن زيداً منادى في الحال، و " أنادي زيداً " لا يقتضي ذلك. 
وثالثها : أن قولنا :" يا زيد " يقتضي صيرورة زيد خاطباً هذا الخطاب، و " أنادي زيداً " لا يقتضي ذلك ؛ لأنه لا يمكن أن يخبر إنساناً آخر بأن أنادي زيداً. 
ورابعها : أن قولنا : أنادي زيداً إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء. 
واعلم أن " يا " حرف وضع في أصله لنداء البعيد، وإن كان لنداء القريب، \[ لكن بسبب أمر مهم جدًّا، وأما نداء القريب فله :" أي " والهمزة \][(٨)](#foonote-٨) ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب، تنزيلاً له منزلة البعيد. 
فإن قيل : فلم يقول الداعي :" يا رب "، " يا الله " وهو أقرب إليه من حبل الوريد ؟
قلنا : هو استبعاد لنفسه من مَظَانّ الزُّلْفَى، إقراراً على نفسه بالتقصير. 
و " أي " وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن " ذو " الذي وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم، فافتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلا بد وأن يردفه اسم جنس، أو ما جرى مجراه، ويتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء. 
و ل " أي " معانٍ أخر كالاستفهام، والشرط، وكونها موصولة، ونكرة موصوفة لنكرة، وحالاً لمعرفة. و " النَّاس " صفة " أي "، أو خبر مبتدأ محذوف حسب ما تقدم من الخلاف. 
و " اعبدوا ربكم " جملة أمرية لا محلّ لها ؛ لأنها ابتدائية. 
 " الَّذِي خَلَقكُمْ " فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : نصبه على النَّعت ل " ربكم ". 
الثَّاني : نصبه على القطع. 
الثالث : رفعه على القطع أيضاً. وقد تقدّم معناه.

### فصل في تقسيم ورود النداء في القرآن الكريم


قال ابن عبَّاس رضي الله عنه : يا أَيُّهَا النَّاسُ  خطاب لأهل " مكة " و يا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا  لأهل " المدينة " [(٩)](#foonote-٩)، ورد على قوله هذه الآية بأن البقرة مدنية. 
وقال غيره : كلّ ما كان في القرآن من قوله :" يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني. 
وأما قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ  فمنه مكّي، ومنه \[ مدني \][(١٠)](#foonote-١٠) وهذا خطاب عام ؛ لأنه لفظ جمع معرف، فيفيد العموم، لكنه مخصوص في حقّ ما لا يفهم، كالصَّبي، والمجنون، والغافل، ومن لا يقدر، لقوله تعالى : لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  \[ البقرة : ٢٨٦ \]. 
ومنهم من قال : إنه مخصوص في حق العبيد، لأنّ الله - تعالى - أوجب عليهم طاعة مواليهم، واشتغالهم بطاعة المولى كمنعهم عن الاشتغال بالعبادات، والأمر الدَّال على وجوب طاعة المولى أخصّ من الأمر الدَّال على وجوب العبادة، والخاصّ مقدّم على العام، والكلام على هذا مذكور في أصول الفقه. 
قال ابن الخطيب : قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ  يتناول جميع الناس الموجودين في ذلك العصر، فهل يتناول الَّذين سيوجدون بعد ذلك أم لا ؟
قال :" والأقرب أنه لا يتناولهم ؛ لأن قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ  خطاب مُشَافهة، وخطاب المُشَافهة مع المعدوم لا يجوز "، وأيضاً فالذين سيوجدون ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً، فلا يدخل تحت قوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ . 
فإن قيل : فوجب أن يتناول أحداً من الَّذين وجدوا بعد ذلك الزمان، وإنه باطل قطعاً. 
قلنا : لو لم يجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك، إلاَّ أنا عرفنا بالتَّوَاتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حَقّ من سيوجد بعد ذلك إلى قيام السَّاعة ؛ فلهذه الدلالة المنفصلة أوجبنا العموم. 
### فصل في المراد بالعبادة في القرآن


قال ابن عبَّاس رضي الله عنه :" كلّ ما ورد في القُرْآن من العبادة فمعناها التوحيد ". 
وقال ابن الخطيب[(١١)](#foonote-١١) : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ  أمر كلّ واحد بالعبادة، فهل يفيد أمر الكلّ بكل عبادة ؟ الحقّ لا ؛ لأن قوله : اعْبُدُواْ  معناه : أدخلوا هذه الماهية[(١٢)](#foonote-١٢) في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد هذه الماهيّة في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود ؛ لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية، لأن هذه العبادة عبارة عن العِبَادَةِ مع قيد كونها هذه، ومتى وجد المركب فقد وجد فيه قيده، فالآتي بفرد من أفراد العبادة أتى بالعبادة، وأتى بتمام ما اقتضاه قولنا :" اعْبُدُوا "، وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة. 
### فصل في قول منكري التكليف


ذكر ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) عن منكري التكليف أنهم لا يجوِّزون ورود الأمر من الله - تعالى - بالتكاليف لوجوه :
منها أنَّ الَّذي ورد به التكليف : إما أن يكون قد علم الله في الأزل[(١٤)](#foonote-١٤) وقوعه، أو علم أنه لا يقع، أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأوّل كان واجب الوقوع، فلا فائدة في الأمر به، وإن علم أنه لا يقع كان ممتنع الوقوع، فكان الأمر به أمراً بإيقاع الممتنع، وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولاً بالجهل على الله، وهو محال. 
وأيضاً فورود الأمر بالتكاليف إمَّا أن يكون لفائدة، أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فإما أن يعود إلى المعبود، أو إلى العابد[(١٥)](#foonote-١٥)، أمّا إلى المعبود فمحال ؛ لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره، ولأنا نعلم بالضرورة أنّ الإله العالي على الدَّهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده. وإن كانت الفائدة تعود إلى العابد[(١٦)](#foonote-١٦) فمحال ؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللَّذَّة ودفع الألم، وهو - سبحانه وتعالى - قادر على تحصيل كلّ ذلك للعبد، من غير واسطة هذه المشاق، فيكون توسّطها عبثاً، والعبث غير جائز على الحكيم. وأيضاً إنَّ العبد غير موجد لأفعاله ؛ لأنه غير عالم بتفاصيلها، ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجداً له، وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه، فإن أمره بذلك الفعل حالة ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره حالة ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال، وكل ذلك باطل. 
**وأجاب ابن الخطيب بوجهين :**
أحدهما : أن أَصْحَابَ هذه الشّبه، أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التَّكليف، فهذا التكليف ينفي التكليف، وإنه متناقض. 
والثاني : أن عندنا يحسن من الله كل شيء، سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره ؛ لأنه - تعالى - خالقٌ مالكٌ، والمالك لا اعتراض عليه في فِعْلِهِ. 
والخَلْق اختراع الشَّيء على غير مِثَالٍ سبق، وهذه الصِّفة ينفرد بها الباري تعالى، ويُطْلَقُ أيضاً على " التقْدِيرِ " ؛ قال زُهَيْر :\[ الكامل \]
وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ \*\*\* ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي[(١٧)](#foonote-١٧)
وقال الحَجَّاج :" ما خَلَقْتُ إلاَّ فَرَيْتُ وَلاَ وَعَدْتُ إلاَّ وَفَيْتُ " وهذه الصّفة لا يختص بها الله تعالى، وقد غلط أبو عبد الله البصري في أنه لا يطلق اسم " الخَالِقِ " على الله - تعالى ؛ قال :" لأنه مُحَالٌ، وذلك أن التقدير والتسوية في حقِّ اللهِ ممتنعانِ، لأنهما عبارة عن التفكُّر والظَّن "، وكأنه لم يسمع قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ  \[ الحشر : ٢٤ \]  اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  \[ الزمر : ٦٢ \]، وكأنَّه لا يعلَم أن الخَلْق يكون عبارة عن الإنشاء والاختراع. 
قوله : وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  محلّه العطف على المنصوب في " خلقكم " و " من قبلكم " صلة " الذين "، فيتعلّق بمحذوف على ما تقرر. و " من " لابتداء الغاية، واستشكل بعضهم وقوع " من قبلكم " صلة من حيث إن كل ما جاز أن يخبر به جاز أن يقع صلة، و " من قبلكم " ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة إلا بتأويل، فكذلك الصّلة. 
قال : وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف صح الإخبار والوصل به تقول :" نحن في يوم طيب "، فيكون التقدير هنا - والله أعلم - " والَّذِين كانوا من زمان قبل زمانكم ". 
وقال أبو البَقَاءِ[(١٨)](#foonote-١٨) : والتقدير :" والذين خلقهم من قبل خلقكم، فحذف الخلق، وأقام الضمير مقامه ". 
وقرأ زيد بن علي :" والَّذِينَ مَنْ قَبْلَكُمْ " - بفتح الميم -. 
قال الزمخشري[(١٩)](#foonote-١٩) : ووجهها على إشكالها أن يقال : أقحم الموصول الثاني بين الأوّل وَصِلَتِهِ تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله :\[ البسيط \]
يَا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لاَ أَبَا لَكُمُ \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢٠)](#foonote-٢٠)
تيْماً الثاني بين الأوَّل، وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافَةِ بين المضاف والمضاف إلَيْه في نَحْو :" لاَ أَبَا لَكَ " قيل : هذا الذي قاله مذْهَبٌ لبعضهم ؛ ومنه قوله :\[ الطويل \]
مِنَ النَّفَرِ اللاَّءِ الَّذِينَ إذَا هُمُ \*\*\* يَهَابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا[(٢١)](#foonote-٢١)
ف " إذا " وجوبها صلةُ " اللاَّء "، ولا صلةَ للذين ؛ لأنه توكيد للأول، إلا أن بعضهم يرد هذا القول، ويجعله فاسداً من جهة أنه لا يؤكد الحرف إلا بإعادة ما اتّصل به، فالموصول أولى بذلك، وخرج الآية والبيت على أن " مَنْ قَبْلَكُمْ " صلةٌ للموصول الثَّاني، والموصول الثَّاني وصلته خبر لمبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة الأول ١ - محمد بن يوسف بن علي بن حيان بن يوسف، الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر النحوي اللغوي، أثير الدين أبو حيان الأندسي، الجياني، الغرناطي، ثم المصري. ولد في ٦٥٢ قرأ العربية علي رضي الدين القسنطيني، وبهاء الدين ابن النحاس وغيرهما، سمع نحوا من أربعمائة شيخ، وكان ظاهريا فانتحى إلى الشافعية، له مصنفات منها "البحر المحيط في التفسير" والنهر من البحر، و"شرح التسهيل" "وارتشاف الضرب". سمع منه الأئمة العلماء، وأضر قبل موته بقليل توفي بالقاهرة في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. 
 انفرط ابن قاضي شهبة: ٣/٦٧، الأعلام: ٨/٢٦، ط. السبكي: ٦/٣١، الدرر الكامنة: ٤/٣٠٢..
٢ - ستأتي في الزمر آية (٩)..
٣ - صدر بيت للشماخ بن ضرار وعجزه:
 .................... \*\*\* وقبل منايا غاديات وآجال
 ينظر ديوانه: (٤٥٦) وهو من شواهد الكتاب: (٢/٣٠٧)، ابن يعيش: (٨/١١٥)، الدر المصون: (١/١٤٤)..
٤ - ينظر البيت في أمالي ابن الحاجب: ص ٤٤٨، الإنصاف: ١/١١٨، الجنى الداني: ص ٣٥٦، خزانة الأدب: ١١/١٩٧، جواهر الأدب: ص ٢٩٠، الدرر: ٣/٢٥، ٥/١١٨، رصف المباني: ص٣، ٤، شرح أبيات سيبويه: ٢/٣١، شرح شواهد المغني: ٢/٧٩٦، شرح المفصل: ٢/٢٤، ٤٠، الكتاب: ٢/٢١٩، اللامات: ص٣٧، ومغني اللبيب: ص ٢/٣٧٣، المقاصد النحوية: ٤/٢٦١، همع الهوامع: ١/١٧٤، ٢/٧٠، والكامل: (٤٧)، السمط: (٥٤٦)، والدر المصون: (١/١٤٥)..
٥ - سقط في أ..
٦ - ستأتي في النور ٣١..
٧ - البيت للفضل بن الأخضر. ينظر الحماسة: (١/٣٠١)، المقرب: (١/١٧٦)، والدر المصون: (١/١٤٥)..
٨ - سقط في أ..
٩ - ذكر هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" (١/٧٣) عن ابن مسعود وعزاه للبزار والحاكم وابن مردويه.
 وعزاه أيضا لأبي عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر وأبي الشيخ في "التفسير" عن علقمة..
١٠ - سقط في أ..
١١ - ينظر الرازي: ٢/٧٧..
١٢ - الماهية: تطلق غالبا على الأمر المتعقل، مع قطع النظر عن الوجود الخارجي؛ والأمر المتعقل من حيث إنه مقولٌ في جواب "ما هو" يسمى: ماهيّة؛ ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى: حقيقة؛ ومن حيث إنه محلّ الحوادث: جوهرا. انظر التعريفات للجرجاني: ص (٢٠٥)..
١٣ - ينظر الرازي: ٢/٧٨..
١٤ - في أ: الأولى..
١٥ - في أ: العباد..
١٦ - في أ: العباد..
١٧ - ينظر البيت في ديوانه: (٩٤)، المحرر الوجيز: (١/١١٤)، الرازي: (١/٨٩)، روح المعاني: (١/١٨٤)، والقرطبي: (١/١٥٧)، والدر المصون: (١/١٤٦).
١٨ - ينظر الإملاء: ١/٢٣..
١٩ - صدر بيت وعجزه:
 ................... \*\*\* لا يلقينكم في سوءة عمر
 ينظر ديوانه: (٢١١)، المقتضب: (٤/٢٢٩)، الخصائص: (١/٣٤٥)، النوادر: (١٣٩)، الأزهية: (٢٤٧)، العيني: (٤/٢٤٠)، أمالي ابن الشجري: (٣/٨٣)، والكشاف: (١/٩١)، والدر المصون: (١/١٤٦)..
٢٠ - ينظر الكشاف: ١/٩١..
٢١ - البيت لأبي الربيس ينظر في خزانة الأدب: ٦/٧٨، ٧٩، ٨٠، ٨٣، ٨٦، ٨٧، ٨٩، ولسان العرب (لوى)، الأشباه والنظائر: ٤/٣٠٨، والحيوان: ٣/٤٨٦، والعقد الفريد: ٥/٣٤٣، الدر المصون: (١/١٤٦)..

### الآية 2:22

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:22]

قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ  يحتمل النصب والرَّفع، فالنصب من خمسة أوجه :
أحدها : أن يكون نصبه على القطع. 
الثاني : أنه نعت لربكم. 
الثالث : أنه بدل منه. 
الرابع : أنه مفعول ل " تتقون "، وبه قال أبو البقاء. 
الخامس : أنه نعت النعت، أي : الموصول الأول، لكن المختار أن النعت لا ينعت، بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتاً للأول، إلا أن يمنع مانع فيكون نعتاً للنعت، نحو قولهم :" يا أيها الفارس ذو الجمة " [(١)](#foonote-١) فذو الجمة نعت للفارس لا ل " أي " ؛ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره. 
**والرَّفع من وجهين :**
أحدهما وهو الأصح : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو الذي جعل. 
والثاني : أنه مبتدأ، وخبره قوله بعد ذلك : فلا تجعلوا لله، وهذا فيه نظر من وجهين :
أحدهما : أنّ صلته ماضية فلم يشبه الشرط، فلا يزاد في خبره " الفاء ". 
الثاني : عدم الرابط، إلا أن يقال بمذهب الأخفش، وهو أن يجعل الربط مكرر الاسم الظَّاهر إذا كان بمعناه نحو :" زيد قام أبو عبد الله " إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضَّمير، كأنه قال : الَّذي جعل لكم، فلا تجعلوا له أنداداً. 
و " الذي " كلمة موضوعة للإشارة إلى المفرد[(٢)](#foonote-٢) عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك[(٣)](#foonote-٣) : ذهب الرجل الذي أبوه منطلق، فأبوه منطلق قضية معلومة، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الَّذي، وهو يحقّق قولهم : إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل. 
وإذا ثبت هذا فقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً  يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشاً، والسّماء بناءً، وذلك تحقيق قوله تعالى : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  \[ لقمان : ٢٥ \]. 
**و " جعل " فيها وجهان :**
أحدهما : أن تكون بمعنى " صَيَّر " فتتعدى لمفعولين فيكون " الأرض " مفعولاً أول، و " فراشاً " مفعولاً ثانياً. 
والثاني : أن يكون بمعنى " خلق " فيتعدّى لواحد وهو " الأرض " ويكون " فراشاً " حالاً. 
و " السماء بناء " عطف على " الأرض فراشاً " على التقديرين المتقدمين، و " لكم " متعلق بالجعل أي : لأجلكم، والفراش : قيل : البساط، وقيل : مثلها. 
وقيل : ما يوطأ، ويُقعد عليه. 
واعلم أنه - تعالى - ذكر ها هنا أنه جعل الأرض فراشاً، ونظيره قوله : أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً 
\[ النمل : ٦١ \] وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً  \[ طه : ٥٣ \]. 
واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور :
قال ابن الخطيب[(٤)](#foonote-٤) : أحدها : كونها ساكنة ؛ فإنها لو كانت متحركة لم يمكن الانتفاع بها لما تقرر في المعقولات. 
الثاني : ألا تكون في غاية الصَّلابة كالحجر ؛ فإن النّوم عليه والمشي مما يؤلم البدن، وأيضاً لو كانت الأرض من الذَّهب مثلاً لتعذّرت الزراعة ولتعذّر حفرها، وتركيبها لما يراد. 
وألاَّ تكون في غاية اللين كالماء الذي تغوص فيه الرِّجْل. 
الثالث : ألاّ يكون في غاية اللّطافة والشفافية ؛ فإن الشفّاف لا يستقر النور عليه، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن بالشمس فكان يبرد جدًّا، فجعل كيفية لونه أخضر ليستقر النور عليه، فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات. 
الرابع : أن تكون بارزةً من الماء ؛ لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطةً بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا، فقلب[(٥)](#foonote-٥) الله طبيعة الأرض وأخرج بعض أجزائها \[ من المياه \][(٦)](#foonote-٦) كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا. 
ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً ألا تكون كرة واستدل بهذه الآية، وهذا بعيد ؛ لأن الكرة إذا عظمت جدًّا كانت القطعة منها كالسطح[(٧)](#foonote-٧) في إمكان الاستقرار عليه، والذي يؤيده كون الجبال أوتاداً للأرض ويمكن الاستقرار عليها، فها هنا أولى. 
فَصْلٌ في منافع الأرض وصفاتها
فأولها : الأشياء المتولّدة فيها من المعادن، والنبات، والحيوان، والآثار العلوية والسّفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى. 
وثانيها : اختلاف بقاع الأرض، فمنها أرض رخوة، وصلبة، ورملة، وسبخة، وحرّة، قال تعالى : وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ  \[ الرعد : ٤ \]. 
وقال تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً  \[ الأعراف : ٥٨ \]. 
وثالثها : اختلاف طعمها وروائحها. 
ورابعها : اختلاف ألوانها فأحمر، وأبيض، وأسود، ورمادي، وأغبر، قال تعالى : وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ  \[ فاطر : ٢٧ \]. 
وخامسها : انصداعها بالنبات، قال تعالى : وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ 
\[ الطارق : ١٢ \]. 
وسادسها : كونها خازنةً للماء المنزل، قال تعالى : وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ  \[ المؤمنون : ١٨ \]. 
وسابعها : العيون والأنهار العظام. 
وثامنها : ما فيها من المَفَاوِزِ والفَلَواتِ  وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا  \[ ق : ٧ \]. 
وتاسعها : أن لها طبع الكرم ؛ لأنك تدفع إليها حبّة وهي تردها عليك سبعمائة  كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ  \[ البقرة : ٢٦١ \]. 
وعاشرها : حَبَاتها بعد موتها  وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا 
\[ يس : ٣٣ \]. 
الحادي عشر : ما فيها من الدَّواب المختلفة الألوان والصّور والخلق  وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ  \[ البقرة : ١٦٤ \]. 
الثانية عشرة : ما فيها من النبات المختلف ألوانه، وأنواعه، ومنافعه : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  \[ ق : ٧ \]. 
وفي اختلاف ألوانها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم : كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ  \[ طه : ٥٤ \] ومطعوم البشر، فمنها الطعام ومنها الإدام، ومنها الرَّوَاء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحَلاَوَةِ والحموضة، ومنها كسوة البشر ؛ لأن الكسوة إمّا نباتية وهي القطن والكتان، وإما حيوانية وهي الشَّعَر والصُّوف، والأَبْرَيْسَم، والجلود، وهي من الحيوانات التي بثَّهَا الله في الأرض، فالمطعوم من الأرض، والملبوس من الأرض ؛ ثم قال : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  \[ النحل : ٨ \]. 
وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا نعلمها نحن، والله \[ تعالى عالم بها \][(٨)](#foonote-٨). 
فَصْلٌ
قال بعضهم : السَّماء أفضل من الأرض لوجوه :
أحدها : أن السَّماء متعبَّد الملائكة، وما فيها بقعة عُصي الله فيها. 
وثانيها : لما أتى آدم - عليه الصلاة والسلام - في الجَنّة بتلك المعصية قيل : اهبط من الجنة، وقال الله :" لا يسكن في جواري من عَصَاني ". 
وثالثها : وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً  \[ الأنبياء : ٣٢ \] وقوله :
 تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً  \[ الفرقان : ٦١ \] ولم يذكر في الأرض مثل ذلك. 
ورابعها : في أكثر الأمر ورد ذكر السَّماء مقدماً على الأرض في الذكر. 
**وقال آخرون : بل الأرض أفضل ؛ لوجوه :**
أحدها : أنه - تعالى - وصف بقاعاً في الأرض بالبركة  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً  \[ آل عمران : ٩٦ \]،  فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ  \[ القصص : ٣٠ \]  إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  \[ الإسراء : ١ \]. 
ووصف أرض " الشام " بالبركة فقال : مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا  \[ الأعراف : ١٣٧ \]. 
ووصف جملة الأرض بالبركة فقال : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ  \[ فصلت : ٩ \] إلى قوله : وَبَارَكَ فِيهَا  \[ فصلت : ١٠ \]. 
فإن قيل : فأي بركةٍ في الفَلَواتِ الخالية، والمَفَاوزِ المُهْلِكَةِ ؟
قلنا : إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومَسَاكن النَّاس إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركة قال تعالى : وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ 
\[ الذاريات : ٢٠ \] وهذه الآيات وإن كانت حاصلةً لغير المؤمنين، لكن لمَّا لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للمؤمنين تشريفاً لهم كما قال : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  \[ البقرة : ٢ \]. 
وثانيها : أنه - سبحانه - خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ  \[ طه : ٥٥ \] ولم يخلق من السماء شيئاً، لأنه قال : وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً  \[ الأنبياء : ٣٢ \]. 
وثالثها : أن الله - تعالى - أكرم نبيّه، فجعل الأرض كلها مسجداً، وجعل ترابها طهوراً. 
فَصْلٌ في فَضْلِ السَّمَاءِ
**وهو من وجوه :**
الأول : أن الله - تعالى - زيَّنَهَا بسبعة أشياء : بالمصابيح  وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ  \[ الملك : ٥ \]. 
وبالقمر  وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً  \[ نوح : ١٦ \] وبالشمس : وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً  \[ نوح : ١٦ \]. 
وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم، فهذه السَّبعة ثلاثة منها ظاهرة، وأربعة مثبتة[(٩)](#foonote-٩) بالدلائل السَّمعية[(١٠)](#foonote-١٠). 
الثاني : أنه - تعالى - سمّاها بأسماء تدلّ على عظم شأنها سماء، وسقفاً محفوظاً، وسبعاً طباقاً، وسبعاً شداداً، ثم ذكر عاقبة أمرها فقال : وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ  \[ المرسلات : ٩ \]،  وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ 
\[ التكوير : ١١ \]،  إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ  \[ الانفطار : ١ \]، و إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ  \[ الانشقاق : ١ \]،  يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 
\[ الأنبياء : ١٠٤ \]،  تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ  \[ المعارج : ٨ \]،  يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً  \[ الطور : ٩ \].  فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ  \[ الرحمان : ٣٧ \]. 
وذكر مبدأها فقال : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ  \[ فصلت : ١١ \] وقال : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا  \[ الأنبياء : ٣٠ \] فهذا الاستقصاء والتشديد في كيفية حدوثها وفنائها يدلُّ على أنه - سبحانه وتعالى - خلقها لحكمة بالغة على ما قال : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً 
\[ ص : ٢٧ \]. 
الثَّالث : أنه - تعالى - جعل السَّماء قِبْلَةَ الدعاء، فالأيدي تُرفع إليها، والوجوه تتوجّه نحوها، وهي منزل الأنوار، ومحل الضياء والصّفاء، والطهارة، والعصمة من الخلل والفَسَاد. 
والبناء : مصدر " بنيت "، وإنما قلبت " الياء " همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة، وقد يراد به المفعول، و " أنزل " عطف على " جعل " و " من السماء " متعلّق به، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أن تكون حالاً من " ما " ؛ لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها نصبت حالاً، وحينئذ معناها التبعيض، وثَمَّ مضاف محذوف أي : من مياه السماء ماء. 
وأصل " ماء " موه بدليل قولهم :" مَاهَتِ الرَّكِ

١ - في أ: الجهة..
٢ - في أ: الفرد..
٣ - في أ: كقوله..
٤ - ينظر الرازي: ٣/٩٤..
٥ - في أ: فغلّب..
٦ -سقط في ب..
٧ - في أ: كالمسطح.
٨ - في ب: أعلم..
٩ - في أ: مبينة..
١٠ - في أ: السبعة..

### الآية 2:23

> ﻿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:23]

اعلم أنه سبحانه لما أقام الدلائل القاطعة على إثبات الصّانع، وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدلُّ على[(١)](#foonote-١) النبوة، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً. واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين :
الأول : ألا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة :
إما أن يكون مساوياً لكلام الفصحاء، أو زائداً على كلام الفصحاء بقدر لا ينقض[(٢)](#foonote-٢) العادة، أو زائداً عليه بقدر ينقض العادة، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث. 
وإنما قلنا : إنهما باطلان ؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يأتوا \[ بمثل سورة منه \][(٣)](#foonote-٣) إما مجتمعين، أو منفردين، فإذا[(٤)](#foonote-٤) وقع التَّنَازع، فالشهود والحكام مزيلون الشبهة وذلك نهاية الاحتجاج ؛ لأنه كان من معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقلبون الحق، فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، فلما لم يأتوا بمثلها علمنا عجزهم عنها، فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأنَّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً، فهو إذن تفاوت ناقص للعادة، فوجب أن يكون معجزاً. 
واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة، تدلُّ على أنه أبلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية لها :
أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات مثل وصف بعير، أو فرس، أو جارية، أو ملك، أو ضربة[(٥)](#foonote-٥)، أو طعنة أو وصف حرب، أو وصف غارة، وليس في القرآن شيء من هذا، فكان يجب على هذا ألا يحصل فيه شيء من الفصاحة، التي اتفقت العرب في كلامهم عليها. 
وثانيها : أنه - تعالى - راعي فيه \[ طريقة \][(٦)](#foonote-٦) الصِّدق، وتنزَّه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب، ولزم الصدق زكي[(٧)](#foonote-٧) شعره، ألا ترى لبيد بن ربيعة، وحسان بن ثابت لما أسلما زكي شعرهما، \[ ولم يكن شعرهما \][(٨)](#foonote-٨) الإسلامي في الوجوه كشعرهما في الجاهلية، والقرآن مع لزوم الصدق وتنزُّهه عن الكذب بلغ الغاية في الفصاحة كما ترى. 
وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح في القصيدة كلها، إنما هو بيت أو بيتان والباقي ليس كذلك، وأما القرآن فكله فصيح، فعجز الخلق عن بعضه كما عجزوا عن جملته. 
ورابعها : أن كل من وصف شيئاً بشعر، فإن كرره لم يكن كلامه الثَّاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وأما القرآن ففيه تكرار كثير، وهو في غاية الفَصَاحة، ولم يظهر التفاوت أصلاً. 
وخامسها : أنهم قالوا : شعر امرئ القيس يحسن عند الطَّرب، وذكر النِّسَاء، وصفة الخَيْلِ، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى[(٩)](#foonote-٩) عند الطَّلَبِ، ووصف الخَمْرِ، وزهير عند الرَّغْبَةِ والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فَنٍّ، ويضعف كلامه في غيره، والقرآن جاء فصيحاً في كل الفنون. 
وسادسها : أن القرآن أصل للعلوم كلها، فعلم الكلام كلّه في القرآن، وعلم الفقه مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه، وعلم النحو، واللغة، وعلم الزهد في الدُّنيا، وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق. 
وأما الطريق الثاني : أن يقول : القرآن لا يخلو إما أن يكون بالغاً في الفصاحة إلى حَدّ الإعجاز، أو لم يكن، فإن كان الأول ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني كانت المُعَارضة على هذا التقدير ممكنة، فعدم إتيانهم بالمُعَارضة، مع توفُّر داعيهم على الإتيان بها، أمر خارق للعادة، فكان ذلك معجزاً، فثبت أنَّ القرآن معجز على جميع الوجوه. 
 " إن " حرف شرط يجزم فعلين : شرطاً وجزاءً، فلا تقول :" إن غربت الشمس ". 
فإن قيل : فكيف قال هاهنا : وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ ، وهذا خطاب مع الكفار، والله تَعَالَى يعلم أنهم في ريب، وهم يعلمون ويقرون أنهم في ريب، ومع ذلك فالتعليق حسن. 
فالجواب : الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع العربية مبنيّة على خصائص الخلق، والله - تعالى - أنزل القرآن بلغة العرب، وعلى منوالهم، فكل ما كان في لغة العرب حسناً نزل القرآن على ذلك الوجه، وما كان نسخاً في لسان العرب لم ينزل في القرآن، فثبت بهذا أن كل ما جاء في العادة مشكوكاً فيه بين الناس، حسن تعليقه، سواء كان من قبل الله - تعالى - أو من قبل غيره، وسواء كان معلوماً للسَّامع أو المتكلّم أم لا، وكذلك حسن قولك : إن كان زيد في الدار فأكرمه، مع أنك تعلم أن زيداً في الدار ؛ لأن حصول زيد في الدار، شأنه أن يكون في العادة مشكوكاً فيه، ولا يكون إلاَّ في المحتمل وقوعه، وهي أم الباب ؛ فلذلك يحذف مجزومها كثيراً، وقد يحذف الشَّرط والجزاء معاً ؛ قال :\[ الرجز \]
قَالَتْ بَنَاتُ العَمِّ : يا سَلْمَى وَإِنْ \*\*\* كَانَ فَقِيراً مُعْدماً قَالَتْ : وَإِنْ[(١٠)](#foonote-١٠)
أي : وإن كان فقيراً تزوجته. 
وتكون " إن " نافية فتعمل وتهمل، وتكون مخففة وزائدة باطِّراد وعدمه، وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى " إذا "، وبعضهم أن تكون بمعنى " قد "، ولها أَحْكَام كثيرة. 
و " في ريب " خبر كان، فيتعلّق بمحذوف، ومحل " كان " الجزم، وهي وإن كانت ماضية لفظاً فهي مستقبلة معنى. 
وزعم المبرد أنَّ ل " كان " الناقصة حكماً مع " إنْ "، ليس لغيرها من الأفعال الناقصة، فزعم أنّه لقوة " كان " أنّ " إنْ " الشرطية لا تقلب معناها إلى الاستقبال، بل تكون على مَعْنَاها من المُضِيّ، وتبعه في ذلك أبو البَقَاءِ، وعلل ذلك بأن كثيراً استعملوها غير دالّة على حدث[(١١)](#foonote-١١)، وهذا مردود عند الجمهور، لأن التعليق إنما يكون في المستقبل، وتأولوا ما ظاهره غير ذلك نحو : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ  \[ يوسف : ٢٦ \] إما بإضمار " يكن " بعد " إن "، وإما على التبيين، والتقدير :" إن يكن قميصه، أو إن يتبين كونه قميصه " ولما خفي هذا المعنى على بعضهم جعل " إن " هنا بمنزلة " إذ " وقوله :" في ريب " مجاز من حيث إنه جعل الريب ظرفاً محيطاً بهم، بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم. 
و " مِمَّا " يتعلّق بمحذوف ؛ لأنه صفة لريب، فهو في محل جَرّ، و " من " للسَّببية، أو لابتداء الغاية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن تتعلّق ب " ريب " أي : إن ارتبتم من أجل، ف " من " هُنا للسَّببية، و " ما " موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي : نزلناه[(١٢)](#foonote-١٢)، والتضعيف في " نَزّلنا " هنا للتعدية مرادفاً لهمزة التعدي، ويدلّ عليه قراءة[(١٣)](#foonote-١٣) " أنزلنا " بالهمز، وجعل الزمخشري التضعيف هنا دالاًّ على نزوله منجماً في أوقات مختلفة. 
قال بعضهم :" وهذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا، هو الَّذي يعبر عنه بالتكثير أي يفعل مرة بعد مرة، فيدل على ذلك بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة " قال :" وذهل[(١٤)](#foonote-١٤) عن قاعدة، وهي أن التضعيف الدّال على ذلك من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدّية قبل التضعيف غالباً نحو :" جَرَّحْتُ زِيْداً، وفَتَّحْتُ الباب "، ولا يقال " جَلَّس زيدٌ " و " نَزَّل " \[ لأنه \][(١٥)](#foonote-١٥) لم يكن متعدياً قبل التضعيف، وإنَّ ما جعله متعدياً تضعيفه ". 
وقوله :" غالباً " لأنه قد جاء التضعيف دالاًّ على الكثرة في اللاَّزم قليلاً نحو :" مَوَّت المال "، وأيضاً فالتضعيف الدَّال على الكثرة لا يجعل القاصر متعدياً، كما تقدم في " مَوَّتَ المال " و " نَزَّل " كان قاصراً، فصار بالتضعيف متعدياً، فدلّ على أنَّ تضعيفه للنقل لا للتكثير، وأيضاً كان يحتاج قوله تعالى : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً  \[ الفرقان : ٣٢ \] إلى تأويل، وأيضاً فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه التكثير، نحو قوله تعالى : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ  \[ الأنعام : ٣٧ \]،  لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً  \[ الإسراء : ٩٥ \] إلا بتأويل بعيد جدًّا، إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول \[ آية، ولا أنه علق تكرير نزول \][(١٦)](#foonote-١٦) مَلَك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض. 
وفي قوله : نَزَّلْنَا  التفات من الغيبة إلى التكلّم ؛ لأن قبله : اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ  فلو جاء الكلام عليه لقيل :" مما نزّل عَلَى عَبْدِهِ " ولكن التفت للتفخيم. 
و " عَلَى عَبْدِنَا " متعلّق ب " نَزَّلْنَا " وعُدِّي ب " على " لإفادتها الاستعلاء، كأن المنزل تمكّن من المنزول[(١٧)](#foonote-١٧) عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها دون " إلى " فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط، والإضافة في " عبدنا " تفيد التشريف ؛ كقوله :\[ السريع \]

يَا قَوْمِ قَلْبي عِنْدَ زَهْرَاءِ  يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِيلاَ تَدْعُنِي إلاَّ بِيَا عَبْدَهَا  فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي[(١٨)](#foonote-١٨)وقرئ[(١٩)](#foonote-١٩) " عبادنا " فقيل : المراد النبي - عليه الصلاة والسلام - وأمته ؛ لأن جدوى[(٢٠)](#foonote-٢٠) المنزل حاصل لهم. 
وقيل : المراد بهم جميع الأنبياء عليهم السلام. 
والعبد : مأخوذ من التعبد، وهو التذلل ؛ قال طَرَفَةُ :\[ الطويل \]إِلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّها  وأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ[(٢١)](#foonote-٢١)أي : المذلَّل. 
ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمّي بها أشرف الخطط سمَّى نبيه عبداً. 
قوله : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ  جواب الشرط، والفاء هنا واجبة ؛ لأن ما بعدها لا يصحّ أن يكون شرطاً بنفسه، وأصل " فأتوا " " إأْتِيُوا " مثل : اضربوا، فلهمزة الأولى همزة وصل أُتي بها للابتداء بالسَّاكن، والثَّانية فاء الكلمة، فلما اجتمع همزتان، وجب قلب ثانيهما ياءً على حَدّ " إيمان " وبابه، واستثقلت " الضمة " على " الياء " التي هي " لام " الكلمة فقدرت، فسكنت " الياء "، وبعدها " واو " الضمير ساكنة، فحذفت " الياء " لالتقاء ساكنين، وضُمّت " التاء " للتجانُسِ، فوزن " ايتوا " :" افعوا "، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداءً، أما في الدَّرْج فإنه يُسْتَغْنَى عنها، وتعودُ الهمزةُ التي هي " فاءُ " الكلمة ؛ لأنّها إنّما قُلِبَتْ ياءً للكسرِ الذي كان قبلها، وقد زال نحو :" فأتوا " وبابه، وقد تحذف الهمزة التي هي " فاء " الكلمة في الأمر كقوله :\[ الطويل \]فَإِنْ نَحْنُ لَمْ نَنْهَضْ لَكُمْ فَنَبَرَّكُمْ  فَتُونَا فَعَادُونَا إذاً بَالجَرَائِمِ[(٢٢)](#foonote-٢٢)يريد : فأتونا كقوله : فأتوا. 
قال ابن كيسان :" وهو أمر معناه التعجيز ؛ لأنه - تعالى - علم عجزهم عنه ". 
و " بسورة " متعلّق بأتُوا، والسورة واحدة السُّوَر، وهي طائفة من القُرْآن. 
وقيل : السُّورة الدَّرجة الرفيعة، قال النابغة :\[ الطويل \]أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سُورَةً  تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ[(٢٣)](#foonote-٢٣)وسميت سورة القرآن بذلك ؛ لأن قارئها يشرف بها وترفعه، أو لرفعة شأنها، وجلالة محلّها في الدِّين، وإن جعلت واوها منقلبة عن " الهمزة "، فيكون اشتقاقها من " السُّؤْر "، وهو البقية، والفضلة ؛ ومنه :" أَسْأَرُوا في الإِنَاءِ " ؛ قال الأعشى :\[ المتقارب \]
فَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرتْ١ - في أ: على أن..
٢ - في ب: ينتقص..
٣ - في أ: بسورة مثله..
٤ - في أ: فإن..
٥ - في ب: حكومة..
٦ - سقط في أ..
٧ - في أ: زال..
٨ - سقط في أ..
٩ - ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي. أبو بصير، المعروف بأعشى قيس ويقال له أعشى بكر بن وائل والأعشى الكبير من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات كان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس غزير الشعر يسلك فيه كل مسلك وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعرا منه وكان يغني بشعره فسمي "صناجة العرب" لقب بالأعشى لضعف بصره وعمي في أواخر أيامه. مولده ووفاته في قرية "منفوحة" باليمامة قرب مدينة "الرياض" وفيها داره وبها قبره.
 ينظر الأعلام: ٧/٣٤١ (٢٨٣٢)، خزانة البغدادي: ١/٨٤ - ٨٦..
١٠ - البيت لرؤبة. ينظر ملحقات ديوانه :(١٨٦)، المقرب: (١/٢٧٧)، شرح شواهد المغني :(٩٣٦)، المغني: (٢/٦٤٩)، رصف المباني: (١٠٦)، ضرائر الشعر: (١٨٥)، التصريح: (١٩٥٨)، الدر المصون: (١/١٥١)..
١١ - في أ: حذف..
١٢ - في أ: أنزلناه..
١٣ - وقرأ بها يزيد بن قطيب. انظر البحر المحيط: ١/٢٤٤، والدر المصون: ١/٢٥١..
١٤ - في أ: وذهب..
١٥ - سقط في ب..
١٦ - سقط في أ..
١٧ - في أ: المنزّل..
١٨ - ينظر البحر: (١/٢٤٥)، القرطبي: (١/١٦١)، وروح المعاني: (١/١٩٣)، والدر المصون: (١/١٥٢)..
١٩ - انظر الكشاف: ١/٩٧، والبحر المحيط: ١/٢٤٥، والدر المصون: ١/١٥٤..
٢٠ - في أ: حدوث..
٢١ - ينظر ديوانه: (٣١)..
٢٢ - ينظر البيت في البحر: ١/٢٤٢، ضرائر الشعر: ص (١٠٠)، والدر المصون: (١/١٥٢)..
٢٣ - ينظر ديوانه: (١٢٨)، روح المعاني: (١/٣٤)، الدر المصون: (١/١٥٣)، البحر المحيط: ١/٢٤٢، والمصون: (١٥٤)..

### الآية 2:24

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [2:24]

قوله : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ  " إن " الشرطية داخلة على جملة " لم تفعلوا " و " تفعلوا " مجزوم ب " لم "، كما تدخل " إن " الشرطية على فعل منفي ب " لا " نحو : إِلاَّ تَفْعَلُوهُ  \[ الأنفال : ٧٣ \]، فيكون لم تفعلوا في محل جزم بها. 
وقوله :" فاتقوا " جواب الشَّرط، ويكون قوله : وَلَن تَفْعَلُواْ  جملة معترضة بين الشرط وجزائه[(٣٧)](#foonote-٣٧). 
وقال جماعة من المفسّرين : معنى الآية : وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، \[ ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النَّار، وفيه نظر لا يخفى، وإنما قال تعالى : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ \][(٣٨)](#foonote-٣٨) وَلَن تَفْعَلُواْ  فعبر بالفعل عن الإتيان ؛ لأن الفعل يجري مجرى الكناية، فيعبر به عن كل فعل، ويغني عن طول ما تكنى به. 
وقال الزمخشري[(٣٩)](#foonote-٣٩) :" لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاسْتُطِيعَ أن يقال : فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا بسورة من مثله ". 
قال أبو حيان :" ولا يلزم ما قال ؛ لأنه لو قال :" فإن لم تأتوا ولن تأتوا " كان المعنى على ما ذكر، ويكون قد حذف ذلك اختصاراً، كما حذف اختصاراً مفعول " لم تفعلوا، ولن تفعلوا " ألا \[ ترى \][(٤٠)](#foonote-٤٠) أن التقدير : فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة من مثله، ولن تفعلوا الإتيان بسورة من مثله ؟ ". 
فإن قيل : كيف دخلت " إن " على " لم " ولا يدخل عامل على عامل[(٤١)](#foonote-٤١) ؟
فالجواب : أَنَّ " إنْ " ها هنا غير عاملة في اللفظ، ودخلت على " لم " كما تدخل على الماضي، لأنها لا تعمل في " لم " كما لم تعمل في الماضي، فمعنى " إن لم تفعلوا " إن تركتم الفعل. 
و " لَنْ " حرف نصف معناه نفي المستقبل، ويختص بصيغة المضارع ك " لَمْ " ولا يقتضي نفيُهُ التَّأبيدَ، وليس أقلَّ مدة من نفي " لاَ "، ولا نونُه[(٤٢)](#foonote-٤٢) بدلاً من ألف " لاَ "، ولا هو مركَّباً من " لاَ أَنْ " ؛ خلافاً للخليل، وزعم قومٌ أنها قد تجزم، منهم أبو عُبَيْدَة ؛ وأنشدوا :\[ الخفيف \]

لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ حَرْ  رَكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الحَلْقَهْ[(٤٣)](#foonote-٤٣)وقال النابغة :\[ البسيط \]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَلَنْ أُعْرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ[(٤٤)](#foonote-٤٤)ويمكن تأويل ذلك بأنه مما سُكِّن فيه للضَّرورة. 
قوله تعالى : فَاتَّقُواْ النَّارَ  هذا جواب الشرط كما تقدم، والكثير في لغة العرب :" اتَّقَى يَتَّقِي " على افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ، ولغة " تميم " و " أسد " تَقَى يَتْقِي : مثل : رَمَى يَرْمِي، فيسكنون ما بعد حرف المضارعة ؛ حكى هذه اللغة سيبويه، ومنهم من يحرك ما بعد حرف المضارعة ؛ وأنشدوا :\[ الوافر \]تَقُوهُ أَيُّهَا الفِتْيَانُ إنِّي  رَأَيْتُ اللهَ قَدْ غَلَبَ الجُدُودَا[(٤٥)](#foonote-٤٥)وقال آخر :\[ الطويل \]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تَقِ اللهَ فِينَا وَالكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو[(٤٦)](#foonote-٤٦)قوله تعالى : النَّارَ  مفعول به، و " الَّتي " صفتها، وفيها أربعُ اللغات المتقدِّمة، كقوله :\[ الكامل \]شُغِفَتْ بِكَ اللَّتْ تَيَّمَتْكَ فَمِثْلُ مَا  بِكَ مَا بِهَا مِنْ لَوْعَةٍ وَغَرَامِ[(٤٧)](#foonote-٤٧)وقال آخر :\[ الوافر \]فَقُلْ لِلَّتْ تَلُومُكَ إنَّ نَفْسِي  أَرَاهَا لاَ تُعَوَّذُ بَالتَّمِيمِ[(٤٨)](#foonote-٤٨)و " وقودها النَّاس والحجارة " جملة من مبتدأ وخبر، صلة وعائد، والألف واللام في " النار " للعهد. 
فإن قيل : الصِّلة مقررة، فيجب أن تكون معلومةً فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟
والجواب : لا يمتنع أن يتقدّم لهم بهذه الصّلة معهودة عند السامع بدليل قوله تعالى : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى  \[ النجم : ١٠ \] وقوله : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى  \[ النجم : ١٦ \] وقوله : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى  \[ النجم : ٥٤ \] وقال : فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ  \[ طه : ٧٨ \] إلا أنه خلاف المشهور أو لتقدم ذكرها في سورة التحريم - وهي مدينة بالاتفاق - وقد غلط الزمخشري في ذلك. 
والمشهور فتح واو الوقود، وهو اسم ما يوقد به. 
وقيل : هو مصدر كالوَلوع والقَبُول والوَضُوء والطَّهُور، ولم يجئ مصدر على " فَعُول " غير هذه الألفاظ فيما حكاه سيبويه. 
وزاد الكسائي : الوَزُوع. وقرئ[(٤٩)](#foonote-٤٩) شاذًّا في سورة " ق "  وَمَا مَسَّنَا مِن لَغُوبٍ  \[ ق : ٣٨ \] فتصير سبعة، وهناك ذكرت هذه القراءة، ولكن المشهور أن الوَقُود والوَضُوء والطَّهُور بالفتح اسم، وبالضم مصدر. 
وقرأ[(٥٠)](#foonote-٥٠) عيسى بن عمر بفتحها وهو مصدر. 
وقال ابن عطية : وقد حُكيا جميعاً في الحطب، وقد حكيا في المصدر. انتهى. 
فإن أريد اسم ما يوقد به فلا حاجة إلى تأويل، وإن أريد بهما المصدر فلا بد من تأويل، وهو إما المُبَالغة أي : جُعِلُوا نفس التوقد مبالغة في وضعهم بالعذاب، وإمَّا حذف مضاف، إمّا من الأول أي أصحاب توقدها، وإمّا من الثاني أي : يوقدها إحراق الناس، ثم حذف المُضَاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامه. والهاء في " الحِجَارة " لتأنيث الجمع. 
فَصْلٌ في تثنية " الَّتي " وجَمْعِهِ
**وفي تثنية " الّتي " ثلاث لغاتٍ :**
 " اللَّتَانِ "، و " اللَّتَا " بحذف النون، و " اللَّتَانّ " بتشديد النون، وفي جمعها خَمْسُ لُغَاتٍ :" اللاَّتي " - وهي لغة القرآن - و " اللاَّتِ " - بكسر التاء بلا ياء - و " اللَّوَاتي "، و " اللَّوَاتِ " - بلا ياء، وأنشد أبو عُبَيْدة :\[ الرجز \]مِنَ اللَّوَاتِي وَالَّتِي وَاللاَّتِ  زَعَمْنَ أَنِّي قَدْ كَبِرْتُ لِدَاتي[(٥١)](#foonote-٥١)و " اللَّوَاءِ " بإسقاط " التاء " حكاه الجوهريُّ. 
وزاد ابن الشَّجَرِيِّ :" اللاَّئي " بالهمز وإثبات " الياء "، و " اللاءِ " بكسر " الهمزة " وحذف " الياء " و " اللاّ " بحذف الهمزة، فإن جمعت الجمع، قلتَ في " اللاتي " :" اللواتي " وفي " اللائي " :" اللوائي ". 
قال الجوهريُّ : وتصغير " الَّتي " " اللَّتَيَّا " بالفتح والتشديد، قال الراجز :\[ الرجز \]بَعْدَ اللَّتَيَّا واللَّتَيَّا وَالَّتِي  إذَا عَلَتْهَا أَنْفُسٌ تَرَدَّتِ[(٥٢)](#foonote-٥٢)وبعض الشعراء أدخل على " الَّتي " حرْفَ النداء، وحروف النداء لا تدخلُ على ما فيه الألف واللام إلاَّ في قولنا :" يَا أَللَّه " وحده، فكأنه شبهها به ؛ من حيث كانت الألفُ واللاَّمُ غير مفارقتين لها، وقال :\[ الوافر \]مِنْ اجْلِكِ يَا الَّتي تَيَّمْتِ قَلْبِي  وَأَنْتِ بَخِيلَةٌ بِالوُدِّ عَنِّي[(٥٣)](#foonote-٥٣)ويقال :" وقع فُلاَنٌ في اللَّتَيَّا وَالَّتي " وهما اسمان من أسماء الداهِيَة. 
فَصْلٌ
قال ابن الخطيب[(٥٤)](#foonote-٥٤) : انتفاء إتيانهم بالسورة واجبٌ، فهلاَّ جيء ب " إذا " الذي للوجوب دون " إن " الذي[(٥٥)](#foonote-٥٥) للشك ؟ والجواب : من وجهين :
أحدهما : أنه ساق القول معهم على حسب حسابهم، وأنهم لم يكونوا بعد جازمين بالعجز عن المُعَارضة ؛ لاتكالهم على فصاحتهم، واقتدارهم على الكلام. 
والثَّاني : أنه تهكّم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة لمن هو دونه :" إن غلبتك لم أُبْقِ عليك "، وهو عالم أنه غالبه تهكماً به. فإن قيل : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله. والجواب : إذا ظهر عجزهم عن المُعَارضة صَحّ عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صَحّ ذلك ثم لزموا العِنَادَ استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله : فَاتَّقُواْ النَّارَ  قائماً مقام قوله : فاتركوا العناد، فأناب إبقاء النار منابه. 
و " الحجارة " روي عن ابن مسعود والفراء - رضي الله تعالى عنهما - أنها حجارة الكبريت[(٥٦)](#foonote-٥٦)، وخصّت بذلك ؛ لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدُّخَان، وشدّة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. 
وقيل : المراد بالحجارة الأصنام، لأنهم لما قرنوا أنفسهم بها في الدنيا حيث نحتوها أصناماً، وجعلوها أنداداً لله، وعبدوها من دونه قال تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  \[ الأنبياء : ٩٨ \] وفي معنى " الناس والحجارة " و " حصب جهنم " في معنى " وقودها ". 
ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشّفعاء، والشهداء الذين يشفعون لهم، ويستدفعون بها المضار عن أنفسهم جعلهم الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في تحسيرهم، ونحوه ما يفعل بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحُّوا بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. 
قال ابن الخطيب[(٥٧)](#foonote-٥٧) : والقول بأنها حجارة الكبريت تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدلّ على فساده ؛ لأن الغرض هُنَا تفخيم صفة النَّار، والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد، فلا يدلّ الإيقاد بها على قوة النار. 
أما لو حملنا على سائر الحجارة، دلّ على عظم أمر النار ؛ فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران، فكأنه قال : تلك النَّار نار بلغت لقوتها أن تتعلّق في أوّل أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدُّنيا. 
قال القرطبي :" وليس في قوله تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  \[ البقرة : ٢٤ \] دليلٌ على أنه ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع، مع كون الجن والشياطين فيها " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" كل مؤذٍ في النَّار " [(٥٨)](#foonote-٥٨) وفي تأويله وجهان :
أحدهما : كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. 
والثاني : أن كل ما يؤذي النَّاس في الدنيا من السِّباع والهوام وغيرها في النار معدّ لعقوبة أهل النار. 
وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي للكافرين خاصّة. 
روى مسلم " عن العباس بن عبد المطّلب[(٥٩)](#foonote-٥٩) - رضي الله عنه - قال : قلت : يا رسول الله، إنّ أبا طالب[(٦٠)](#foonote-٦٠) كان يحوطك وينصرك، فهل ينفعه ذلك ؟ قال :" نعم، وَجَدْتُهُ في غَمَرَاتٍ من النَّارِ فأخرجته إلى ضَحْضَاحٍ " [(٦١)](#foonote-٦١). 
وفي رواية :" ولَوْلاَ أَنَا لكان في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ من النار " ويدلُّ على هذا التأويل قوله : أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ . 
وقال ابن الخطيب[(٦٢)](#foonote-٦٢) : وليس فيها ما يدلُّ على أنه ليس هناك نيران أخر غير موصوفة بهذه الصِّفة، معدّة لفساق أهل الصلاة. 
قوله تعالى : أُعِدَّتْ  فعلٌ لما لم يسمَّ فاعلُهُ، والقائم مقام الفاعل ضمير " النَّارِ "، والتاء واجبةٌ، لأن الفعل أسند إلى ضمير المؤنَّث، ولا يلتفَتُ إلى قوله :\[ المتقارب \]فَلاَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا  وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا[(٦٣)](#foonote-٦٣)لأنه ضرورةٌ ؛ خلافاً لابن كَيْسَان. 
و " للكافرين " متعلّق به، ومعنى " أُعِِدَّتْ " : هُيِّئَتْ ؛ قال :\[ مجزوء الكامل \]أَعْدَدْتُ لِلْحَدَثَانِ سَا  بِغَةً وَعَدَّاءً عَلَنْدَى[(٦٤)](#foonote-٦٤)وقرئ[(٦٥)](#foonote-٦٥) :" أُعْتِدَتْ " من العَتَاد بمعنى العدة، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها، لكونها مستأنفة جواباً لمن قال : لمن أعدت[(٦٦)](#foonote-٦٦) ؟
وقال أبو البَقَاء : محلها النصب على الحال من " النار "، والعامل ف

### الآية 2:25

> ﻿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:25]

اعلَمْ : أنَّه - سبحانه وتعالى - لمَّا تكلَّم في التوحيد والنُّبوَّة، تكلَّم بعدهما في ذكر المَعَاد، وبيَّن عقاب[(١)](#foonote-١) الكافر، وثواب المُطيعِ، ومن عادة الله - تعالَى - أنه إذا ذَكَرَ الوَعِيدَ، أَنْ يعقبَهُ بذكْرِ الوَعْد. 
**وها هنا فُصُولٌ :**
الأوَّلُ : هذه الآياتُ صريحةٌ في أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقَتَانِ، لأنه - تعالى - \[ قال \][(٢)](#foonote-٢) في صفَة النَّار : أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ، وقال في صفَة الجَنَّة في آية أخْرَى : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  \[ آل عمران : ١٣٣ \]، وقال هاهنا : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ  وهذا إخبار عن وُقُوع هذا المُلْك وحُصُوله، وحُصُول المُلْك في الحالِ يقْتَضي حصُولَ المَمْلُوك في الحالِ ؛ فَدَلَّ على أنَّ الجنَّة والنَّار مخْلُوقَتَانِ. 
الثاني : مَجَامِعُ اللَّذَّاتِ : إما المَسْكن، أو المَطْعم، أو المَنْكَح. 
فوَصَفَ تعالى المَسْكَن بقولِهِ : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  والمَطْعَمَ بقوله : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً  والمَنْكَح بقوله : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ . 
ثم هذه الأشياءُ إنُ حصَلَتْ، وقارنَهَا خوْفُ الزوالِ، كان النَّعِيمُ مُنَغَّصاً، فبيَّن - تعالى - زوالَ هذا الخَوْف بقوله : وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ؛ فدَلَّت الآيةُ على كَمَال النَّعيم والسُّرور. 
الثالثُ : قولُهُ : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ  هذه الجملةُ معْطُوفة على ما قَبْلها، عَطَف جُمْلَةَ ثوابِ المُؤْمنين، على جملة ثَوَاب الكافرين، وجاز ذلك ؛ لأنَّ مذْهب سِيبَويهِ - وهو الصَّحيحُ - : أنَّه لا يشترطُ في عَطْفِ الجُمَلِ التَّوافُقُ معْنًى، بل تُعْطَف الطلبيَّة على الخَبَرية ؛ وبالعكس ؛ \[ بدليل \][(٣)](#foonote-٣) قوله :\[ الطويل \]
تُنَاغِي غَزَالاً عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَامِرٍ \*\*\* وَكَحِّلْ أَمَاقِيكَ الحِسَانَ بِإِثْمِدِ[(٤)](#foonote-٤)
وقولِ امْرِئ القَيْسِ :\[ الطويل \]
وإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ \*\*\* وَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ[(٥)](#foonote-٥)
وقال ابنُ الخَطِيبِ : ليس الَّذي اعتمد بالعَطْف هو الأَمْر، حتى يطلب له مشاكل من أمر ونهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة ثواب المؤمنين ؛ فهي معطوفة على جملة وَصْف عقاب الكافرين كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والضرب وَبَشِّرْ عمرر بالعفو والإطلاق. 
وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون عطفاً على " فاتَّقوا " ليعطف أمراً على أمر، وهذا قد رده أبو حيان بأن " فاتقوا " جواب الشرط، فالمعطوف يكون جواباً ؛ لأن حكمَه حكمُه، ولكن لا يصح ؛ لأن تبشيره للمؤمنين لا يترتب على قوله :" فإن لم تفعلوا ". 
وقرئ :" وبُشَِّرَ " \[ ماضياً \] مبنيًّا للمفعول. 
وقال الزمخشري :" وهو عَطْف على أعدت ". 
قيل : وهذا لا يتأتى على إعراب " أعدت " حالاً ؛ لأنها لا تصلح للحالية. 
وقيل : عطفها على " أعدت " فاسد ؛ لأن " أعدت " صلة " التي "، والمعطوف على الصلة صلة، ولا يصلح أن يقال :" الباء " التي بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنَّ لهم جنَّاتٍ، إلاَّ أن يعتقد أن قوله :" أُعِدَّتْ " مستأنفٌ، والظاهِرُ أنَّهُ من تمام الصلة، وأنَّهُ حالٌ من الضمير في " وقودها "، والمأمور بالبشارة يجوز أن يكون الرسولُ عليه السَّلامُ، وأن يكون كُلُّ سَامِعٍ، كما قال عليه السلام :
 " بَشِّر المَشَّائِينَ إلَى المَسَاجِدِ في الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يوم القِيَامَةِ " [(٦)](#foonote-٦)، لم يأمر بذلك أحداً بعينه، وإنَّما كل أحدٍ مأمور به. 
و " البِشارةُ " : أوّل خبرٍ من خيرٍ أو شَرٍّ ؛ قالوا : لأنَّ أثرها يظهرُ في البَشَرَةِ، وهي ظاهرُ جِلْدِ الإنْسَانِ ؛ وأنْشَدُوا :\[ الوافر \]
يُبَشِّرُنِي الغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي \*\*\* فَقُلْتُ لَهُ : ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ[(٧)](#foonote-٧)
وقال آخر :\[ الطويل \]
وَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي \*\*\* جَفَوْني وأَنَّ الوُدَّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ[(٨)](#foonote-٨)
وهذا رأى سيبويه[(٩)](#foonote-٩)، إلاَّ أنَّ الأكثر استعمالُهَا في الخير، وإن اسْتُعْمِلَتْ في الشَّرِّ فَبِقَيْدٍ ؛ كقوله تعالى : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ  \[ آل عمران : ٢١ \]، وإن أُطْلِقَتْ، كان للخَيْر. 
وقال البغويُّ :" البِشَارَةُ كل خبر صدقٍ ". 
وقال ابن الخطيب : إنَّها الخبرُ الذي يُظهِرُ السرور، ولهذا قال الفقهاءُ : إذا قال لعبيده : أيُّكم يُبَشِّرُنِي بقدوم فلان فهو حُرٌّ، فَبَشَّروه فُرَادَى، عَتقَ أولهم ؛ لأنَّهُ هو الذي أفاد خبره السرور. ولو قال مكان " بَشَّرَني " : أَخْبَرَنِي عَتَقُوا جميعاً ؟ لأنَّهم جميعاً أخبروه، وظاهِرُ كلام الزمخشري أنَّها تختص بالخير ؛ لأنَّهُ تَأَوَّلَ " فبشِّرهم بعذابٍ " على العكس في الكلامِ الذي يقصد به الزيادة في غيظ المُسْتَهْزَأ بَهِ وتَأَلُّمِهِ، كما يقول الرَّجُلُ لِعَدوِّه : أَبْشِرْ بقتل ذريتك ونَهْبِ مالك. 
والفِعْلُ منها بَشَرَ وبَشَّرَ مخففاً ومثقلاً، فالتثقيل للتكثير بالنسبة إلى البشيرة. 
وقد قرئ[(١٠)](#foonote-١٠) المضارعُ مخففاً ومشدّداً. 
وأمَّا الماضي فلم يقرأ به إلاَّ مثقلاً نحو  فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ  \[ هود : ٧١ \] وفيه لغةٌ أخرى : أَبْشَرَ مِثل أَكْرَمَ. 
وأنكر أبو حَاتِمٍ التخفيف، وليس بصواب لمجيء مضارعه. 
وبمعنى البِشارة : البُشُور والتَّبْشِير والإِبْشَار، وإن اختلفت أفعالُها، والبِشَارةُ أيضاً : الجَمَالُ، والبشيرُ : الجميلُ، وتَبَاشيرُ الفَجْرِ أَوائِلُهُ. 
وكون صلة " الَّذين " فعلاً ماضياً دون كونه اسم فاعل، دليلٌ على أنه يستحقُّ التبشير بفضل الله ممن وقع منه الإيمانُ، وتحقَّقَ به وبالأعمال الصالحة. 
و " الصَّالِحَاتُ " : جمع " صالحة "، وهي من الصفات التي جَرَتْ مجرى الأسماءِ في إيلائها العوامل ؛ قال :\[ البسيط \]
كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ \*\*\* مِنْ آلِ لأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِيني[(١١)](#foonote-١١)
وعلامةُ نصبه الكَسْرةُ ؛ لأنَّهُ من باب جمع المؤنث السالم نيابة عن الفتحةِ، التي هي أصلُ النَّصْبِ. 
قال معاذ[(١٢)](#foonote-١٢) :" العملُ الصالِحُ الذي فيه أربعة أشياء : العِلْمُ والنِّيَّهُ والصَّبْرُ والإخْلاصُ ". 
وقال عثمان بن عَفَّان :" أخلصوا الأعمال ". 
فَصْلٌ
قال ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) : هذه الآية تدلّ على أنَّ الأعمالَ غير داخلةٍ في الإيمان ؛ \[ لأنَّهُ لمَّا ذكر الإيمان \][(١٤)](#foonote-١٤)، ثمَّ عطف عليه العمل الصالح، فوجب التغير وإلا لزم التكرار، وهو خلاف الأصل. 
قوله : أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ . 
 " جنَّاتٍ " : اسم :" أنَّ ". و " لهم " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ولا يجوز تقديم خبر " أنَّ " وأخواتها إلاَّ ظرفاً أو حرف جرٍّ، و " أنَّ " وما في حيِّزها[(١٥)](#foonote-١٥) في محل جرٍّ عند الخليل والكسائي، ونصب عند سيبويه والفرَّاء ؛ لأنَّ الأصل : وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحذف حرف الجرِّ مع " أنَّ "، وهو حذفٌ مُطَّرِدٌ معها، ومع " أنَّ " الناصبة للمضارع، بشرط أَمْنِ اللَّبْسِ، بسبب طولهما بالصلةِ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرَِّ، جرى الخلافُ المذكورُ، فالخليلُ والكسائيُّ يقولان :" كأنَّ الحرف موجود، فالجرُّ بَاقٍ ". 
واستدلَّ الأخفشُ لهما بقول الشَّاعر :\[ الطويل \]
وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً \*\*\* إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ[(١٦)](#foonote-١٦)
فَعَطْفُ " دَيْنٍ " بالجرِّ على محلِّ " أنْ تَكُونَ " يُبِّينُ كونَها مجرورةً. 
قيل :" ويحتملُ أن يكون من باب عطفِ التَّوَهُّمِ، فلا دليلَ فيه ". 
والفرَّاءُ وسيبويه يقُولاَن : وجَدْنَاهُمْ إذا حذفوا حرفَ الجرِّ، نَصَبُوا ؛ كقولِهِ :\[ الوافر \]
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا \*\*\* كَلاَمُكُمْ عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ[(١٧)](#foonote-١٧)
أي : بالدِّيار، ولا يجوزُ الجَرُّ إلاَّ في نادرِ شِعرٍ ؛ كقوله :\[ الطويل \]
إِذَا قِيلَ : أيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ؟ \*\*\* أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ[(١٨)](#foonote-١٨)
أي : إلى كُلَيْبٍ ؛ وقول الآخر :\[ الكامل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* حَتَّى تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ[(١٩)](#foonote-١٩)
أي : إلى الأَعْلاَم. 
و " الجَنَّةُ " : البُسْتَانُ. 
وقيل : الأرضُ ذات الشَّجرِ، سُمّيت بذلك لسترها من فيها، ومنه " الجَنِينُ " لاستتاره، و " المِجَنُّ " : التُّرْس، وكذلك " الجُنَّة " لأنَّه يسترُ صَاحِبَهُ، و " الجِنَّةُ " لاستتارهم عن أَعْيُنِ النَّاسِ. 
قال الفرَّاءُ :" الجنَّةُ " ما فيه النخيل، و " الفردوس " : ما فيه الكرم. 
فإن قيل : لم نُكِّرت " الجنَّاتُ " وعُرِّفت " الأنهار " ؟ فالجواب : أنَّ " الجنَّة " اسم لدار الثَّواب كلها، وهي مشتملةٌ على جنّات كثيرة مُرَتبةٌ مراتبَ على استحقاقات العاملين، لكل طبقةٍ منهم جنةٌ من تلك الجنَّات. 
وأمَّا تعريف " الأنهار "، فالمرادُ به الجنس، كما يقال : لفلان بستانٌ فيه الماء الجاري والتين والعنب، يشيرُ إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى أنهارٍ مذكورةٍ في قوله : فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى  \[ محمد : ١٥ \]. 
قوله : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  هذه الجملة في محلّ نصبٍ، لأنَّها صفةٌ ل " جنَّات ". 
و " تَجْري " مرفوع لتجرُّدِه من الناصب والجازم، وعلامةُ رفعه ضمّةٌ مقدرةٌ في " الياء " استثقالاً، وكذلك تقدَّرُ في كُلِّ فَعْلٍ مُعْتَلٍّ نحو :" يَدْعو "، و " يَخْشَى "، إلاَّ أنَّها تُقَدَّرُ في " الأَلِفِ " تعذُّراً. 
 " من تحتها " أي : من تحت أَشْجَارها ومساكنها. 
وقيل : من تحتها أي : بأمرهم. 
كقول فرعون : تَجْرِي مِن تَحْتِي  \[ الزخرف : ٥١ \] أي : بأمري. 
و " الأنهارُ " جمعُ نَهَرٍ بالفتح، وهي اللّغةُ العالية، وفيه تسكين " الهاء " ولكن " أفعال " لا ينقاس في " فَعْل " السَّاكن العين، بل يحفظ نحو :" أَفْراخ "، و " أَزْنَاد "، و " أفراد ". 
و " النَّهرُ " : دونَ البحرِ، وفوق الجدول، وهل هو مجرى الماءِ، أو الماء الجاري نفسُه ؟
والأوَّلُ أظهرُ ؛ لأنَّه مشتقٌّ من " نَهَرْتَُ " أي : وَسَّعْتُ. 
قال قَيْسُ بن الخطِيمِ يصفُ طَعْنَةً :\[ الطويل \]
مَلَكْتُ بِهَا كَفَِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢٠)](#foonote-٢٠)
أي : وَسَّعْتُ. 
ومنه :" النَّهارُ " لاتِّساع ضوئِهِ، وإنَّما أُطْلِقَ على الماء مجازاً إطلاقاً للمحلِّ على الحالِّ. 
ومنه قوله عليه السَّلامُ :" ما أَنْهَرَ الدَّمَ " [(٢١)](#foonote-٢١) معناه : ما وَسَّعَ الذَّبْحَ ؛ حَتَّى يجري الدَّم كالنَّهْرِ، وجمعُ النَّهْرِ : نَهَرٌ وأَنْهَارٌ، وَنَهْرٌ نَهِرٌ : كثير الماء. 
قال أبو ذُؤَيب[(٢٢)](#foonote-٢٢) :\[ المتقارب \]
أَقَامَتْ بِهِ وَابْتَنَتْ خَ

١ - في أ: عذاب..
٢ - سقط في أ..
٣ - سقط في أ..
٤ - البيت لحسان بن ثابت. ينظر ديوانه: ص ١٣٤، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٧٢، شرح الأشموني: ٢/٤٣٤، ومغني اللبيب: ٢/٤٨٣، الدر المصون: (١/١٥٧)..
٥ - ينظر ديوانه: ٩، وخزانة الأدب: ٣/٤٤٨، ٥/٢٧٧ و ٢٨٠، والدر: ٥/١٣٩، وسر صناعة الإعراب: ١/٢٥٧، شرح أبيات سيبويه: ١/٤٤٩، وشرج شواهد المغني: ٢/٧٧٢، والكتاب: ٢/١٤٢، ولسان العرب \[عول\] \[هلل\]، والمنصف: ٣/٤٠، وشرح الأشموني: ٢/٤٣٤، شرح شواهد المغني: ٢/٨٧٢، مغني اللبيب: ٢/٣٥٠، همع الهوامع: ٤/٧٧، وشرح التبريزي على المعلقات: (٥٧)، والشنقيطي: (٥٩)، والمقتضب: ٤/٧٤، والدر المصون: ١/١٥٧..
٦ - أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في "الكبير" (١٢/٣٥٨) وابن عساكر: (٢/٥١) والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/٣٣) وقال: فيه العباس بن عامر الضبي ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله موثقون وأخرجه الترمذي (٢٢٣) وأبو داود (١/٢٢٠) وابن ماجه (٧٨١) عن بريدة الأسلمي مرفوعا بلفظ: بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
 وللحديث شواهد انظرها في "مجمع الزوائد" (١/٣/٣١)..
٧ - ينظر البحر المحيط: (١/٢٥٣)، الدر المصون: (١/١٥٧)..
٨ - البيت لسلمة بن يزيد الجعفي ينظر الدرر: ٤/١٨٢، سمط اللآلي: ص ٧٠٨، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ص ١٠٨١، المقاصد النحوية: ٣/٢٧٣، وليلى بنت سلمى في حماسة البحتري: ص ٣٧٤، ٣٧٤، همع الهوامع: ٢/٣٥، والدر المصون: ١/١٥٧..
٩ - ينظر الكتاب: ٢/١٠٧، ٢٢٧..
١٠ - انظر السبعة: ٢٠٥، والدر المصون: ١/١٥٧..
١١ - البيت للحطيئة. ينظر ديوانه: (٨٦)، الكشاف: ٤/٥٤٧، الدر المصون: ١/١٥٨..
١٢ - في أ: قتادة..
١٣ - ينظر الفخر الرازي: ٢/١١٧..
١٤ - سقط في أ..
١٥ - في أ: خبرها..
١٦ - البيت للفرزدق ينظر ديوانه: ١/٨٤، والكتاب: ٣/٢٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/١٠٣، ولسان العرب (حنطب)، وتخليص الشواهد: ص ٥١١، والدرر: ٥/١٨٣، وسمط اللآلي: ص ٥٧٢، وشرح شواهد المغني: ص ٨٨٥، والإنصاف: ص ٣٩٥، والمقاصد النحوية: ٢/٥٥٦، وبلا نسبة في شرح الأشموني: ١/١٩٧، ومغني اللبيب: ص ٥٢٦، وهمع الهوامع: ٢/٨١..
١٧ - تقدم برقم (١٥٩)..
١٨ - البيت للفرزدق ينظر ديوانه: ١/٤٢٠، وتخليص الشواهد: ص ٥٠٤، وخزانة الأدب: ٩/١١٣، ١١٥، والدرر: ٤/١٩١، وشرح التصريح: ١/٣١٢، وشرح شواهد المغني: ١/١٢، والمقاصد النحوية: ٢/٥٤٢، وأوضح المسالك: ٢/١٧٨، وشرح الأشموني: ١/١٩٦، وشرح ابن عقيل: ص ٣٧٤، ومغني اللبيب: ١/٦١، ٢/٦٤٣، وهمع الهوامع: ٢/٣٦، ٨١، والدر المصون: ١/١٥٨..
١٩ - عجز بيت وصدره:
 وكريمة من آل قيس ألفته \*\*\*................
 ينظر الهمع: (٢/٣٦)، الدر المصون: (٤/١٩٢)، شرح الأشموني: (٢/٣٠٠)، شرح ابن عقيل: ص (٣٧٥)، لسان العرب (ألف)، المقاصد النحوية: ٣/٣٤١، الدر المصون: (١/١٥٨)..
٢٠ - تقدم برقم (٤٩)..
٢١ - أخرجه البخاري (٥/١٥٥ - ١٥٦) "كتاب الشركة" باب قسمة الغنائم (٢٤٨٨، ٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٥٥٠٣، ٥٥٠٦، ٥٥٠٩، ٥٥٤٣، ٥٥٤٤) ومسلم (٣/١٥٥٩) (٢٢/١٩٦٨) وأبو داود (٢٨٢١) والترمذي (١/٢٨١) وابن ماجه (٣١٧٨، ٣١٨٣) والنسائي (٢/٢٠٦ - ٢٠٧) وأحمد (٤/١٤٠) وابن الجارود (٨٩٥) والبيهقي (٩/٢٤٦، ٢٤٧، ٢٨١).
 ومن حديث مري بن قطري عن عدي بن حاتم بلفظ: أنهر الدم بما شئت واذكر اسم الله عز وجل.
 أخرجه أبو داود (٢٨٢٤) والنسائي (٢/٢٠٦) وابن ماجه (٣١٧٧) والحاكم (٤/٢٤٠) وقال: صحيح على شرط مسلم..
٢٢ - خويلد بن خالد بن محرث أبو ذؤيب، من بني هذيل بن مدركة من مضر: شاعر فحل مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وسكن المدينة، واشترك في الغزو والفتوح، وعاش إلى أيام عثمان، قال البغدادي: هو أشعر هذيل من غير مدافعة، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة وفاته فأدركه وهو مسجى وشهد دفنه. ينظر الأعلام: ٢/٣٢٥ (٣٩٧٤)، الأغاني: ٦/٥٦، الشعر والشعراء: ٢٥٢، خزانة البغدادي: ١/٢٠٣..

### الآية 2:26

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [2:26]

اعلم أنَّه - تعالى - لَمَّا بَيَّنَ كون القرآن مُعْجزاً، أورد الكُفَّار هنا شبهةً قدحاً في ذلك، وهي أنَّهُ جاء في القرآن ذِكْرُ النَّحلِ، والعنكبوت، والنَّملِ، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفُصَحَاء، فاشتمالُ القرآن عليها يقدحُ في فصاحته، فَضْلاً عن كونه مُعْجزاً، وأجاب الله - تعالى - عنه بأنَّ صِغَر هذه الأَشْيَاء لا يقدح في فصاحةٍ، إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تَعَلُّق هذه الآية بما قبلها. 
روي عن ابن عبّاس - رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّه لما قال :
 يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ  \[ الحج : ٧٣ \] فطعن في أصنامهم، ثُمَّ شَبَّه عبادتها ببيت العَنْكَبُوت. 
قالت اليهود : أي قدر للذُّبَاب والعنكبوت حتَّى يَضْربَ اللهُ المَثَلَ بهما ؟ ! فنزلت هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
وقيل : إنَّ المُنَافقين طَعَنوا في ضرب الأمثالِ بالنَّار، والظلمات، والرَّعد، والبَرْق في قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً  \[ البقرة : ١٧ \] وقوله : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ . قالوا : اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرِبَ الأمثالَ، فأنزل اللهُ هذه الآية[(٢)](#foonote-٢)، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس. 
وروى عطاء عن ابن عبّاس أيضاً أنَّ هذا الطعن كان من المشركين[(٣)](#foonote-٣). 
فقال القَفَّالُ رحمه الله : الكُلُّ محتملٌ هاهنا. أمَّا اليهود، فلأنه قيل في آخر الآية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ  وهذا صفة اليهود ؛ لأنَّ الخطاب بالوفاءِ بالعهدِ إنَّمَا هو لبني إسرائيل، وأمَّّا الكفَّارُ والمنافقون فقد ذكروا في سورة " المدثر " : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً  \[ المدثر : ٣١ \]، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المُنَافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين، لأنَّ السورة مَكِّيَةٌ، فقد جُمِعَ الفريقان هاهنا. 
إذا ثبت هذا، فنقول : احتمال الكُلِّ هاهنا قائمٌ ؛ لأنَّ الكافرين والمُنافقين واليهود كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الَّذين كفروا. 
ثُمَّ قال القَفَّالُ :" وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب ؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه ". 
فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه
الحياء : تَغَيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم[(٤)](#foonote-٤)، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري : نقصت حياته، واعتلت مجازاً، كما يُقَالُ : نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ : إذَا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس[(٥)](#foonote-٥) القوة منتقص الحياة كما قالوا : فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله :" نَسِيَ وخَشِيَ وشظي " أي : أصيبَ نَسَاهُ، وهو " عرق " وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ. 
وقيل : مجاز عن الخِشْيَةِ ؛ لأنَّها أيْضاً من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا : أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحَقّرات، " قُوبِلَ " قولهم ذلك بقوله : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً  ؛ \[ ونظيره قول \][(٦)](#foonote-٦) أبي تمَّام :\[ الكامل \]

مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا  أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ[(٧)](#foonote-٧)لو لم يذكر بناء الدَّارِ لم يصحّ بناء الجار. 
وقيل : معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه ؛ خوفاً من مُوَاقعة[(٨)](#foonote-٨) القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي " صحيح مسلم " عن أم سلمة قالت :" جاءت أم سليم إلى النِّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ " [(٩)](#foonote-٩) المعنى لا يأمر بالحَيَاءِ فيه، ولا يمتنع من ذكره. 
قال ابن الخطيب :" القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص[(١٠)](#foonote-١٠) بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله : أن الحياء حالةٌ تَحْصُلُ للإنسان، ولكن لها مبدأ ومنتهى، أمَّا المبدأ فهو التغيُّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن يُنْسبَ إليه القبيح، وأمَّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياءُ في حقِّ الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل تركُ الفعلِ الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضبُ \[ له مقدّمةٌ \][(١١)](#foonote-١١) وهو غليان دم القَلْبِ وشهوة الانتقام[(١٢)](#foonote-١٢) وله[(١٣)](#foonote-١٣) غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - تعالى - بالغَضَبِ، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان دم القَلْبِ، بل المرادُ تلك النّهاية، وهي إنزال العقاب[(١٤)](#foonote-١٤)، فهذا هو القانون الكُلِّ في هذا الباب ". 
فَصْلٌ في تنزيه الخالق سبحانه
قال القاضي : ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال : إنَّهُ - تعالى - لا يوصفُ به، فأمَّا أن يقال :" لا يستحي " ويطلقُ عليه فمحالٌ ؛ لأنَّهُ يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - تعالى - في كتابه من قوله : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ  \[ البقرة : ٢٥٥ \]،  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  \[ الإخلاص : ٣ \] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ  \[ المؤمنون : ٩١ \]، وكذلك قوله تعالى : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ  \[ الأنعام : ١٤ \] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائز أن يُطْلقَ في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاَّ مع بيان أنَّ ذلك مُحَالٌ. 
ولقائلٍ أن يقولَ : لاَ شَكَّ أنَّ هذه الصِّفَات منتفيةٌ عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها يدلُّ على صحّتها عليه. 
فنقول : هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يَدُلُّ على ثبوته لغيره، لو قرنَ اللَّفظ بما يَدُلُّ على انتفاء الصِّحّة كان ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً. 
فَصْلٌ في إعراب الآية
قوله :" لا يستَحْيي " جملة في محلِّ الرفع خبراً ل " أن "، واستفعل هنا للإغناء عن الثُّلاثي المجرّد. 
وقال الزمخشري :" إنَّهُ مُوَافق له أي : قد ورد " حَيي "، و " استَحْيى " بمعنى واحد، والمشهور : اسْتَحْيَى يَسْتَحْيي فهو مستحيٍ ومُسْتَحْيًى منه من غير حَذْف ". 
قال القرطبي[(١٥)](#foonote-١٥) : و " يستحيي " أصله يَسْتَحْييُ عينه ولامه حرفا علة أعلّت " اللام " منه بأن استثقلت الضمةُ على " الياء " فسكنت، والجمعُ مستحيون ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل : اسْتَقَى يَسْتَقِي. 
وقرأ[(١٦)](#foonote-١٦) به ابن محيصن. 
ويروى عن ابن كثير، وهي لغة " تميم " و " بكر بن وائل "، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى " الحاء " فسكنت، ثم استثقلت الضَّمة على الثانية، فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمعُ مستحون ومستحين، قاله الجوهري. 
ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلفٌ فيه ؛ فقيل : عينُ الكلمة، فوزنُه يَسْتَفِل. 
وقيل : لامُه، فوزنه يَسْتَفِع، ثُمَّ نُقِلت حركةُ اللاَّم على القول الأوّل، وحركةُ العَيْن على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء ؛ ومن الحذف قولُه :\[ الطويل \]ألا تَسْتَحِي مِنَّا المُلُوكُ وَتَتَّقِي  مَحَارِمَنا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ[(١٧)](#foonote-١٧)وقال آخر :\[ الطويل \]إذا ما اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ  كَرَعْنَ بِسبْتٍ في إِنَاءٍ مِنَ الوَرْدِ[(١٨)](#foonote-١٨)و " استحيي " يتعدَّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جرٍّ تقول : استحييتُه وعليه :
إذا ما استحين الماء. . 
**واستحييت منه ؛ وعليه :**
أَلاّ تستحي مِنَّا الملوك. . 
فيحتمل أن يكون قد تعدَّى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل نصب قولاً واحداً، ويحتمل أن يكون تَعَدَّى إليه بحرف الجر المحذوف، وحينئذٍ يجري الخلافُ المتقدّم في قوله :" أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ". 
و " يَضْرِب " معناه : يُبَيِّن فيتعدَّى لواحدٍ. 
وقيل : معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو :" ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِناً ". 
وقال بعضهم :" لا يتعدَّى لاثنين إلاَّ مع المثل خاصة "، فعلى القول الأوّلِ يكونُ " مَثَلاً " مفعولاً و " ما " زائدة. 
وقال أبو مسلم الأصفهاني :" معاذ الله أنْ يكون في القرآن زيادة ". 
وقال ابن الخطيب[(١٩)](#foonote-١٩) : والأصح قول أبي مُسْلِمٍ ؛ لأن الله - تعالى - وصف القرآن بكونه : هدى وبَيَاناً، وكونه لَغْواً ينافي ذلك، فعلى هذا يكون " ما " صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعاً. ونظيره قولهم :" لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصيرٌ أَنْفَهُ " وقولُ امرىء القيس :\[ المديد \]وَحَدِيثُ الرَّكبِ يَوْمَ هُنَا  وَحَدِيثٌ مَّا عَلَى قِصَرِهْ[(٢٠)](#foonote-٢٠)وقال أبو البَقَاءِ : وقيل :" ما " نَكِرَةٌ موصوفةٌ، ولم يجعل بعوضة صفتها، بل جعلها بدلاً منها، وفيه نظرٌ ؛ إذ يحتاج أن يُقدِّر صفةً محذوفة ولا ضرورة إلى ذلك، فكان الأولى أن يجعل بعوضةً صفتها بمعنى أنَّهُ وصفها بالجنس المُنكَّرِ لإبهامِه، فهي في معنى " قليل "، وإليه ذهب الفرّاء والزَّجَّاجُ وثَعْلَبٌ، وتكون " ما " وصفتها حينئذٍ بدلاً من " مَثَلاً " و " بعوضة " بدلاً من " ما "، أو عطف بيان لها، إن قيل :" ما " صفة ل " مثلاً "، أو نعتٌ ل " ما " إن قيل : إنَّها بدلٌ من " مثلاً " كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من " مثلاً " أو عطف بيان له إن قيل : إن " ما " زائدة. 
وقيل :" بعوضة " هو المفعول، و " مثلاً " نُصِبَ على الحالِ قُدِّمَ على النكرةِ. 
وقيل : نُصِبَ على إسقاط الخافض، التقدير : ما بين بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ " بين " أعربت " بعوضة " بإعرابها، وتكون الفاء في قوله :" فما فوقها " بمعنى إلى، أي : إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفرّاء وغيرهم من الكوفيين ؛ وأنشدوا :\[ البسيط \]يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْناً إلَى قَدَمٍ  وَلاَ حِبَالَ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلُ[(٢١)](#foonote-٢١)أي : ما بين قَرْنٍ. 
وحَكَوْا :" له عشرون ما ناقةً فَجَمَلاً "، وعلى القول الثَّاني يكونُ " مثلاً " مفعولاً أوَّلَ، و " ما " تحتمل الوجهين المتقدمين، و " بعوضةً " مفعولٌ ثانٍ. 
وقيل : بعوضةً هي المفعولُ الأولُ، و " مَثَلاً " هو الثَّاني، ولَكِنَّهُ قُدِّم. 
وتلخَّص مما تقدَّم أنَّ في " ما " ثلاثة أوجه :
زائدة، صفة لما قبلَها، نكِرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في " مثلاً " ثلاثة أيضاً :
مفعول أوّل، أو مفعول ثان، أو حالٌ مقدّمة[(٢٢)](#foonote-٢٢)، ١ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٨٨) وعزاه لعبد الغني الثقفي في "تفسيره" والواحدي عن ابن عباس..
٢ - ذكره السيوط في "الدر المنثور" (١/٨٨) وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة..
٣ - أخرجه عبد الغني الثقفي في "تفسيره" والواحدي كما في "الدر المنثور" (١/٨٨) عن ابن عباس..
٤ - في أ: وقد تقدم..
٥ - في أ: منكس..
٦ - في ب: ونظيره بقوله..
٧ - ينظر البيت في ديوانه: ٣/٤٧، الكشاف: ١/١١٣، الدر المصون: ١/١٦٣..
٨ - في أ: موافقة..
٩ - أخرجه البخاري: (١/٤٦، ٨٠) ومسلم (١/١٧٢) والنسائي (١/٤٢)..
١٠ - في ب: ينتقص..
١١ - سقط في أ..
١٢ - في أ: الإقدام..
١٣ - في ب: عليه..
١٤ - في أ: العذاب..
١٥ - ينظر القرطبي: ١/١٦٨..
١٦ - وقرأ بها شبل بن عباد، ويعقوب، وهي لغة بني تميم. يجرونها مجرى يستبي. انظر الشواذ: ٤، والقراءات الشاذة للشيخ القاضي: ٢٤، والبحر المحيط: ١/٢٦٤، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٢..
١٧ - البيت لجابر بن حني التغلبي ينظر شرح اختيارات المفضل: ص ٩٥١، ولسان العرب (بوا)، (مكس)، والكتاب: ٣/٩٥، الدر المصون: ١/١٦٢..
١٨ - ينظر البيت في الكشاف: ١/١١٣، الدر المصون: ١/١٦٢..
١٩ - ينظر الرازي: ٢/١٢٤..
٢٠ - ينظر ديوانه: (١٠٣)، والدر المصون: ١/١٦٣..
٢١ - ينظر البيت في خزانة الأدب: ١١/٧، والدرر: ٦/٨٣، وشرح شواهد المغني: ١/٤٦٤، مغني اللبيب: ١/١٦٢٠، همع الهوامع: ٢/١٣١، الدر المصون: ١/١٦٣..
٢٢ - في أ: مقدرة..

### الآية 2:27

> ﻿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:27]

قوله :" الَّذِينَ يَنْقُضُونَ " فيه أربعة وجوه :
أحدها : أَنُ يكون نعتاً ل " الفاسقين ". 
والثاني : أَنَّهُ منصوبٌ على الذَّمِّ. 
والثالث : أَنَّهُ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره الجملة من قوله  أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . 
والرابع : أَنَّهُ خبر لمبتدأ محذوف أي : هم الفاسقون. والعهدُ[(١)](#foonote-١) في كلامهم على[(٢)](#foonote-٢) معانٍ :
منها الوصيَّةُ والضَّمان، والاكتفاء، والأمر. 
و " مِنْ بَعْدِ " متعلِّق ب " ينقضون "، و " من " لابتداء الغاية، وقيل : زائدة، وليس بشيء. والضميرُ في ميثاقه يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله تعالى، فهو على الأوّل مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وعلى الثَّاني مضافٌ للفاعل. 
و " الميثاقُ " العَهْدُ المؤكَّدُ باليمين مِفْعَال الوثاقةِ والمعاهدةِ، والجمع : المواثيق على الأصل ؛ لأن أصل مِيِثَاق : مِوْثَاق، صارت " الواو " " ياء " ؛ لانكسار ما قبلها وهو مصدرٌ ك " الميلاد " و " المِيعَاد " بمعنى الولادة، والوعد ؛ وقال ابن عطية[(٣)](#foonote-٣) : هو اسْمٌ في وضع المصدر ؛ كقوله :\[ الوافر \]

أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوتِ عَنِّي  وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا[(٤)](#foonote-٤)أي : إِعْطَائِكَ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمادة تَدُلُّ على الشَّدِّ والرَبْطِ، وجمعه مَوَاثِيق، ومَيَاثِق، أيضاً، ومَيَاثيق ؛ وأنشد ابن الأعرابيِّ :\[ الطويل \]حِمًى لاَ يَحُلُّ الدَّهْرُ إلاَّ بإِذْنِنَا  وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيَاثِقِ[(٥)](#foonote-٥)والمَوْثِق : المِيثَاق والمُواثَقَة والمُعَاهَدَة ؛ ومنه قوله تعالى : وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ  \[ المائدة : ٧ \]. 
فَصْلٌ في النقض
النقضُ إفسادُ ما أبرمته من بناءٍ أو حبل أو عهد، والرجوع به إلى الحالة الأولى. 
والنقاضة : ما نُقِضَ من حبل الشعر، والمُنَاقضةُ في القولِ : أَنْ يتكَلَّمَ بما يناقض معناه، والنَّقيضةُ في الشّعر ما ينقضُ به. 
والنِّقض : المَنْقُوض، واختلف النَّاسُ في هذا العَهْدِ، فقيل : هو الذي أخذه اللهُ على بني آدم - عليه السَّلام - حين استخرجهم من ظهره. 
قال المتكلمون :" هذا ساقطٌ " ؛ لأنَّه - تعالى - لا يحتج على العبادِ بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بالسَّهْوِ والنسيان وقيل : هو وصيَّةُ اللهِ - تعالى - إلى خلقه، وأمره إياهم بها أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل : بل نَصبَ الأدلّة على وحدانيته بالسماوات، والأرضِ، وسائر الصنعة، وهو بمنزلة العَهْدِ، ونقضهم ترك النَّظَر في ذلك. 
وقيل : هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوَّة محمد عليه السَّلام، ولا يكتموا أمره، فالآية على هذا في أَهْل الكتاب. 
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج : عهده جَلَّ وعَزَّ ما أخذه على النَّبيين ومَنْ تبعهم، ألاَّ يَكْفُرُوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ودليلُ ذلك : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ  إلى قوله : وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي  \[ آل عمران : ٨١ \] أي : عهدي. 
قوله : وَيَقْطَعُونَ  عطف على  يَنْقُضُونَ  فهي صلة أيضاً، و " ما " موصولة، و أَمَرَ اللهُ به  صلتها وعائدها. 
وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير عليها إلاَّ عند أبي الحَسَن وابن السراج وهي مفعولة ب " يَقْطَعُونَ " والقطع معروف، والمصدر - في الرّحم - القطيعة، يقال : قطع رحمه قطيعة فهو رجل قُطَعٌ وَقُطَعَةٌ، مثل " هُمَزَة "، وقَطَعْتُ الحبل قَطْعاً، وقطعت النهر قُطُوعاً، وقَطَعَت الطير قُطُوعاً، وقُطَاعاً، وقِطَاعاً إذا خرجت من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. 
وأصاب الناسَ قُطْعَةٌ : إذا قلت مياههم، ورجل به قُطْعٌ أي انبهار. 
قوله : مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ  " ما " في موضع نصب ب " يقطعون " و " أَنْ يُوصلَ " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : الجر على البدل من الضمير في " بِهِ " أي ما أمر الله بِوَصْلِهِ ؛ كقول امرئ القيس :\[ الطويل \]أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ  فَتَقْصُرُ عَنْهَا خُطْوَةٌ أَوْ تَبُوصُ[(٦)](#foonote-٦)أي : أمِنْ نَأْيِهَا. 
**والنصب وفيه وجهان :**
أحدهما : أنه بدل من " مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ " بدل اشتمال. 
والثاني : أنه مفعول من أجله، فقدره المَهْدوِيّ : كراهية أن يوصل، وقدره غيره : ألا يوصل. 
والرفع على أنه خبر مبتدأ \[ مضمر \][(٧)](#foonote-٧) أي : هو أن يوصل، وهذا بعيداً جداً، وإن كان أبو البقاء ذكره. 
واختلف في الشيء الذي أمر بوصله فقيل : صلة الأَرْحام، وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ  \[ محمد : ٢٢ \] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة. 
وقيل : أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا. وقيل : أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب بعضهم. وقيل : الإشارة إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله - تعالى - به أن يوصل، هذا قول الجمهور. 
وقيل : إن الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حَبْلَهُمْ بِحَبْلِ المؤمنين، فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار. 
وقيل : إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك. 
و " يُفْسِدُونَ " عطف على الصّلة أيضاً، و " في الأَرْضِ " متعلق به. 
والأظهر أن يراد به الفساد في الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم. 
وقيل : يعبدون غير الله، ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه - تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأَفَاعيل خسر فقال :" أُولِئَكَ هُمُ الخَاسِرُونَ " كقوله : وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 
\[ البقرة : ٥ \]، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر " الذِينَ يَنْقُضُونَ " إذا جعل مبتدأ. 
وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا مَحلّ لها حينئذ، و " هم " زائدة، ويجوز أن يكون " هم " مبتدأ ثان، و " الخَاسِرُونَ " خبره، والثاني وخبره خبر الأول. 
والخاسر : الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز. 
والخسران : النقصان، كان في ميزان أو غيره ؛ قال جرير :\[ الرجز \]إِنَّ سَلِيطاً فِي الخَسَارِ إِنَّهْ  أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ[(٨)](#foonote-٨)يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. 
قال الجوهري : وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته. 
والخَسَار والخَسَارَة والْخَيْسَرَى : الضَّلال والهلاك. فقيل للهالك : خاسر ؛ لأنه خسر نفسه، وأهله يوم القيامة، ومنع منزله من الجَنّة. 
### فصل


قال القرطبي : في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الوفاء بالعهد والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله - تعالى - من نقض عهده. 
وقد قال : أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ  \[ المائدة : ١ \] وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ  \[ الأنفال : ٥٨ \] فنهاه عن الغَدْرِ، وذلك لا يكون إلاَّ بنقض العهد، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. 
١ - في أ: العمل..
٢ - في ب: في..
٣ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١١٣..
٤ - البيت للقطامي ينظر ديوانه: ص ٣٧، وتذكرة النحاة: ص ٤٥٦، وخزانة الأدب: ٨/١٣٦، ١٣٧، والدرر: ٣/٦٢، وشرح التصريح: ٢/٦٤، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٤٩، وشرح عمدة الحافظ: ص ٦٩٥، ولسان العرب (عطا)، (رهف)، ومعاهد التنصيص: ١/١٧٩، والمقاصد النحوية: ٣/٥٠٥، والأشباه والنظائر: ٢/٤١١، وأوضح المسالك: ٣/٢١١، وشرح الأشموني: ٢/٣٣٦، وشرح شذورة الذهب: ص ٥٢٨، وشرح ابن عقيل: ص ٤١٤، وهمع الهوامع: ١/١٨٨، ٢/٩٥، والدر المصون: ١/١٦٨..
٥ - البيت لعياض بن درة الطائي ينظر لسان العرب (وثق)؛ والمقاصد النحوية: ٤/٥٣٧، ونوادر أبي زيد: ص ٦٥، وبلا نسبة في إصلاح المنطق: ص ١٣٨، والخصائص: ٣/١٥٧، وشرح الأشموني: ٣/٧١٥، وشرح شافية ابن الحاجب: ١/٢١٠، وشرح شواهد الشافية: ص ٩٥، وشرح المفصل: ٥/١٢٢، الدر المصون: ١/١٦٩..
٦ - ينظر ديوانه: ص ١٧٧، ولسان العرب (قصر)، (بوص)، رصف المباني: ص ٤٣٥، الدر المصون: ١/١٦٩..
٧ - سقط في أ..
٨ - ينظر البيت في ديوانه: (٥٩٨)، القرطبي: (١/٢٤٨)، الطبري: (١/٤١٧)، الدر المصون: (١/١٦٨)..

### الآية 2:28

> ﻿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:28]

اعلم أنه - تعالى - لما تكلَّم في دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد شَرَعَ في شَرْحِ النعم التي عمت جميع المكلفين. فالمراد بهذا الاستخبار التَّبْكيت والتعنيف. 
قوله :" كيف " استفهام يسأل به عن الأحوال، وبني لتضمنه معنى الهمزة، وبني على أخف الحركات، وكان سبيلها أنْ تكون ساكنةً ؛ لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب. 
وشذّ دخول حرف الجر عليها، قالوا :" على كيف تبيعُ الأَحْمَرَينِ ". 
وكونها شرطاً قليل، ولا يجزم بها خلافاً للكوفيين، وإذا أبدل منها اسم، أو وقع جواباً، فهو منصوبٌ إن كان بعدها فعل متسلّط عليها نحو كيف قمت. أصحيحاً أم سقيماً ؟ وكيف سرت ؟ فتقول : رَاشِداً، وإلا فمرفوعان نحو : كيد زيد ؟ أصحيح أم سقيم ؟ وإن وقع بعدها اسم مسؤول عنه بها، فهو مبتدأ، وهي خبر مقدم، نحو : كيف زيد ؟
وقد يحذف الفعل بعدها، قال تعالى : كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا  \[ التوبة : ٨ \] أي : كيف تُوَالُونَهُمْ ؟. 
وكيف في هذه الآية منصوبة على التشبيه بالظرف عند سيبويه، أي : في أي حالة تكفرون ؟ وعلى الحال عند الأخفش. أي : على أي حال تكفرون ؟ والعامل فيها على القولين " تكفرون "، وصاحب الحال الضمير في " تكفرون ". 
ولم يذكر أبو البقاء غير مذهب الأخفش، ثم قال : والتقدير : معاندين تكفرون ؟ وفي هذا التقدير نظر ؛ إذ يذهب معه معنى الاستفهام المقصُود به التعجّب، أو التوبيخ، أو الإنكار. 
قال الزمخشري[(١)](#foonote-١) بعد أن جعل الاستفهام للإنكار : وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كلّ موجود لاَ بُدَّ له من حالٍ، ومُحَالٌ أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني. 
وفي الكلام التفات من الغيبة في قوله " وأَما الَّذين كَفَروا " إلى آخره إلى الخطاب في قوله :" تَكْفُرُونَ " و " كُنْتُم ". 
وفائدته : أن الإنكار إذا توجّه إلى المخاطب كان أبلغ. 
وجاء " تَكْفُرُون " مضارعاً لا ماضياً ؛ لأن المنكر الدّوام على الكفر، والمُضَارع هو المشعر بذلك، ولئلا يكون ذلك توبيخاً لمن آمن بعد كفر. و " كَفَر " يتعدّى بحرف الجر نحو :" تَكْفُرُونَ باللهِ "  تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ  \[ آل عمران : ٧٠ \]  كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ  \[ فصلت : ٤١ \] وقد يتعدّى بنفسه في قوله تعالى : أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ  \[ هود : ٦٨ \] وذلك لما ضمن معنى جحدوا. 
فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب، وهم لم يكفروا بالله ؟
فالجواب أنهم \[ لما \][(٢)](#foonote-٢) لم يسمعوا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يصدقوه فيما جاء به، فقد أشركوا ؛ لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله، ومن يزعم أن القرآن من كلام البشر، فقد أشرك بالله، وصار ناقضاً للعَهْدِ.

### فصل في الرد على المعتزلة


قال المعتزلة : هذه الآية تدلّ على أن الكفر من قبل العباد من وجوه :
أحدها : أنه - تعالى - لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ  موبخاً لهم، كما لا يجوز أن يقول : كيف تَسْوَدُّونَ وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك كله من خلقه فيهم. 
وثانيها : إذا كان خلقهم أولاً للشقاء والنار، وما أراد بخلقهم إلاّ الكفر[(٣)](#foonote-٣) وإرادة الوقوع في النَّار، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم :" كيف تكفرون " ؟. 
وثالثها : أنه - تعالى - إذا قال للعبيد كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ، فهذا الكلام إما أن يكون موجهاً للحجّة على العبد، وطلباً للجواب منه، أو ليس كذلك، فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة، فيكون هذا الخطاب عبثاً، وإن ذكره لتوجيه الحجّة على العبد، فللعبد أن يقول : حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر. 
فالأول : أنك علمت بالكفر منّي، والعلم بالكفر يوجب الكفر. 
والثاني : أنك أردت الكفر مني، وهذه الإرادة موجبة له. 
والرابع : أنك خلقت فيّ قدرة موجبة للكفر. 
والخامس : أنك خلقت فيَّ إرادة موجبة للكفر. 
والسادس : أنك خلقت فيَّ قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر. 
ثم لما حصلت هذه الأسباب السّتة في حصول الكفر، فالإيمان متوقّف على حُصُول هذه الأسباب السّتة في طرف الإيمان، وهي بأسْرِهَا كانت مفقودةً، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً واحد منها مستقل \[ بالمنع من الإيمان \][(٤)](#foonote-٤) ومع قيام هذه الأَسْبَاب الكثيرة كيف يعقل أن يقال : كيف تكفرون بالله ؟ وآيات أخر تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. 
والجواب عن هذا أنّ الله - سبحانه - علم أن لا يكون، فلو وجد \[ لانقلب عليه \][(٥)](#foonote-٥) جهلاً، وهو محال، ووقوعه محال، وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحةً للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلاّ لمرجح، وذلك المرجّح إن كان من العبد عاد السؤال، وإن كان من الله، فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر، وإذا حصل ذلك المرجح وجب، وعلى هذا يعقل قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ  قاله ابن الخطيب. 
قوله : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ  " الواو " :" واو " الحال، وعلامتها أن يصلح موضعها " إذ ". \[ والجملة في \][(٦)](#foonote-٦) موضع نَصْبٍ على الحال، ولا بد من إضمار " قد " ليصح وقوع الماضي حالاً. 
وقال الزمخشري[(٧)](#foonote-٧) : فإن قلت : كيف صح أن يكون حالاً، وهو ماض ؟
قلت : لم تدخل " الوا " على " كُنتُمْ أَمْوَاتاً " وحده، ولكن على جملة قوله :" كُنتُمْ أَمْوَاتاً " إلى " تُرْجَعُونَ " كأنه قيل : كيف تكفرون بالله، وقصتكم[(٨)](#foonote-٨) هذه، وحالكم أنكم كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، ثم يميتكم بعد هذه الحَيَاة ثم يحييكم بعد الموت، ثم يُحَاسبكم ؟. 
ثم قال : فإن قلت : بعض القصّة ماض، وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقع حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالاً ؟
قلت : هو العلم بالقصّة كأنه قيل : كيف تكفرون، وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها ؟. 
قال أبو حيان ما معناه : هذا تكلّف، يعني تأويله هذه الجملة بالجملة الاسمية. قال : والذي حمله على ذاك اعتقاده أن الجمل مندرجةٌ في حكم الجملة الأولى، قال : ولا يتعيّن، بل يكون قوله تعالى :" ثُمَّ يُمِيتُكُمْ " وما بعده جملاً مستأنفة أخبر بها - تعالى - لا داخلة تحت الحال، ولذلك غاير بينها وبين ما قبلها من الجمل بحرف العطف، وصيغة الفعل السَّابقين لها في قوله : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ . 
و " الفاء " في قوله " فأحياكم " على بابها من التَّعْقيب، و " ثُمَّ " على بابها من التَّرَاخي ؛ لأن المراد بالموت الأول العدم السابق، وبالحَيَاة الأولى الخَلْق، وبالموت الثاني المَوْت المعهود، وبالحياة الثانية الحياة للبعث، فجاءت الفاء، و " ثم " على بابهما من التَّعقيب والتراخي على هذا التفسير، وهو أحسن الأقوال. 
ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد[(٩)](#foonote-٩)، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن البعث. 
قال ابن عطية : وهذا القول هو المُرَاد بالآية، وهو الذي لا مَحِيْدَ للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكُفّار لكونهم أمواتاً معدومين، ثم الإحياء في الدنيا، ثم الإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإِحْيَاءِ الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حُجّة عليها، والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم الدنيا. 
وقيل : لم يعتدّ بها كما لم يعتد بموت من أَمَاتَهُ في الدنيا، ثم أحياهُ في الدنيا. 
وقيل : كنتم أمَواتاً في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره كالذَّرِّ، ثم يميتكم موت الدنيا، ثم يبعثكم. 
وقيل : كنتم أمواتاً - أي نُطَفاً - في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حَيَاةَ النشر إلى الحَشْرِ وهي الحياة التي ليس بعدها موت. 
قال القرطبي : فعلى هذا التأويل هي ثلاث مَوْتَات، وثلاث إحْيَاءَات، وكونهم موتى في ظهر ابن آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفاً في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات. 
وقد قيل : إن الله - تعالى - أوجدهم قبل خلق آدم - عليه الصَّلاة والسّلام - كالهَبَاءُ، ثم أماتهم، فيكون هذا على خمس موتات، وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعُصَاة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلوا النَّار، لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أما أَهْلُ النَّارِ الَّذِين هم أهلها فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْن، ولكن ناس أصابَتْهُمُ النَّارُ بذنوبهم - أو قال بِخَطَايَاهم - فأماتهم الله إماتَةً حتى إذا كانوا فَحْماً أذن في الشَّفاعة، فجيء بهم ضَبَائر ضَبَائر، فَبُثُّوا على أنهار الجَنَّة ثم قيل : يا أهل الجَنّة أفيضوا عليهم فينبتون نَبَات الحِبَّة تكون في حَمِيْل السّيل " [(١٠)](#foonote-١٠) الحديث. 
قال : فقوله :" فأماتهم الله " حقيقة في الموت، لأنه أكّده بالمصدر، وذلك تكريماً لهم. 
وقيل : يجوز أن يكون " أماتهم " عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتاً على الحقيقة، والأول أصح، وقد أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكّد بالمصدر لم يكن مجازاً، وإنما هو على الحقيقة، كقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً  \[ النساء : ١٦٤ \]، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 
وقيل : المعنى : وكنتم أمواتاً بالخمول، فأحياكم بأن ذكرتم، وشرفتم بهذا الدين، والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. 
### فصل في أوجه ورود لفظ الموت


قال أبو العَبَّاس المقرئ : ورد لفظ " الموت " على خمسة أوجه :
الأول : بمعنى " النُّطْفة " كهذه الآية. 
الثاني : بمعنى " الكفر " قال تعالى : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ 
\[ الأنعام : ١٢٢ \] ومثله : وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ  \[ فاطر : ٢٢ \]. 
الثالث : بمعنى " الأرض التي لا نَبَات لها "، قال تعالى : وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا  \[ يس : ٣٣ \]. 
الرابع : بمعنى " الضّم " قال تعالى : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ  \[ النحل : ٢٠، ٢١ \]. 
الخامس : بمعنى " مفارقة الروح الجسد ". 
### فصل في أوجه ورود لفظ الحياة


الأول : بمعنى دخول الرُّوح في الجَسَدِ كهذه الآية. 
الثاني : بمعنى " الإسلام " قال تعالى : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ 
\[ الأنعام : ١٢٢ \] أي : هديناه إلى الإسلام. 
الثالث : بمعنى " صفاء القلب " قال تعالى : اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا  \[ الحديد : ١٧ \] أي يصفي القلوب بعد سَوَاداها. 
الرابع : بمعنى " الإنبات " قال تعالى : وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا  أي : أنبتناها. 
الخامس : بمعنى " حياة الأنفس " قال تعالى : يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي 
\[ الفجر : ٢٤ \]. 
السادس : بمعنى " العيش " قال تع١ - ينظر الكشاف: ١/١٢١..
٢ - سقط في ب..
٣ - في أ: للكفر..
٤ - في أ: بالإيمان..
٥ - في أ: ينقلب..
٦ - في أ: وجملة قسم..
٧ - ينظر الكشاف: ١/١٢١..
٨ - في أ: وقضيتكم..
٩ - ذكر هذه الآثار السيوطي في الدر المنثور: ١/٨٨..
١٠ - أخرجه مسلم في الصحيح: ١/١٧٢ - ١٧٣ كتاب الإيمان (١) باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (٨٢) حديث رقم (٣٠٦/١٨٥).
 وابن ماجه في السنن (٢/١٤٤١) كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة حديث رقم (٤٣٠٩) - وأحمد في المسند (٣/٥، ١١).
 والدارمي في السنن ٢/٣٣٢ - والحاكم في المستدرك (٣/٦١٩) وابن عساكر ٦/١١٠ - وذكره القرطبي في التفسير ١/٢٥٠، ٥/٥٤ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٩٥٢٩..

### الآية 2:29

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:29]

هذا هو النعمة الثانية التي عَمّت المكلفين بأسرهم. 
 " هو " مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للغائب المذكر، والمشهور تخفيفُ واوه وفتحها، وقد تشدد ؛ كقوله :\[ الطويل \]

وَإِنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا  وَهُوَ عَلَى مَنْ صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ[(١)](#foonote-١)وقد تسكن، وقد تحذف كقوله :\[ الطويل \]فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢)](#foonote-٢)والموصول بعده خبر عنه. و " لكم " متعلّق ب " خلق "، ومعناها السَّببية، أي : لأجلكم، وقيل : للملك والإباحة، فيكون تمليكاً خاصاً بما ينتفع به. 
وقيل : للاختصاص، و " ما " موصولة، و " في الأرض " صلتها، وهي في محلّ نصب مفعول به، و " جميعاً " حال من المفعول بمعنى " كلّ "، ولا دلالة لها على الاجتماع في الزَّمَان، وهذا هو الفَارِقُ بين قولك : جَاءُوا جميعاً و " جاءوا معاً " فإنّ " مع " تقتضى المُصَاحبة في الزمان، بخلاف " جميع " قيل : وهي - هُنَا - حال مؤكدة، لأن قوله : مَّا فِي الأَرْضِ  عام. 
### فصل في بيان أن الأصل في المنافع الإباحة


استدلّ الفُقَهَاء بهذه الآيةِ على أنّ الأصل في المَنَافع الإباحة. 
وقيل : إنها تدلُّ على حرمة أكل الطِّين، لأنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، وفيه نظر ؛ لأن تخصيص الشيء بالذِّكر لا يدلّ على نفي الحكم عما عَدَاه، وأيضاً فالمعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض، وما يجري مجرى البعض لها. 
وقد تقدّم تفسير الخلق، وتقدير الآية كأنه - سُبْحانه وتعالى - قال : كيف تكفرون بالله، وكنتم أمواتاً فأحياكم ؟ وكيف تكفرون بالله، وقد خلق لكم ما في الأرض جميعاً ؟
أو يقال : كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة، وقد أحياكم بعد موتكم، وقد خلق لكم كل ما في الأرض، فكيف يعجز عن إعادتكم ؟. 
قوله : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ . 
أصل " ثم " أن تقتضي تراخياً زمانياً، ولا زمان هنا، فقيل : إشارة إلى التراخي بين رُتْبَتَيْ خلق الأرض والسماء. 
وقيل : لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال أُخَر من جعل الجِبَال والبَرَكة، وتقدير الأقوات، كما أشار إليه في الآية الأخرى عطف ب " ثم " ؛ إذ بين خلق الأرض والاستواء إلى السماء تراخ. 
و " استوى " : معناه لغة : استقام واعتدل، من استوى العُودُ. 
وقيل : علا وارتفع ؛ قال الشاعر :\[ الطويل \]فَأوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ  وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى[(٣)](#foonote-٣)وقال تعالى : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ  \[ المؤمنون : ٢٨ \]. 
ومعناه هنا : قصد وعمل. وفاعل " اسْتَوَى " ضمير يعود على الله. 
وقيل : يعود على الدُّخَان نقله ابن عطية. 
**وهو غلط لوجهين :**
أحدهما : عدم ما يدلّ عليه. 
والثاني : أنه يرده قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ 
\[ فصلت : ١١ \]. 
و " إلى " حرف انتهاء على بَابها. 
وقيل : هي بمعنى " عَلَى " ؛ فتكون في المَعْنَى كقول الشاعر :\[ الرجز \]قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ  مَنْ غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ[(٤)](#foonote-٤)ومثله قوله الآخر :\[ الطويل \]فَلَمَّا عَلَوْنَا وَاسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمُ  تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِرِ[(٥)](#foonote-٥)وقيل : ثَمَّ مضاف محذوفٌ ضميره هو الفاعل، أي : استوى أمره، و " إلَى السَّمَاءِ " متعلّق ب " اسْتَوَى "، والضمير في " فَسَوَّاهُنّ " يعود على السَّمَاء، إما لأنها جمع " سماوة " كما تقدم، وإما لأنها اسم جنس يطلق على الجمع. 
وقال الزمخشري :" هُنَّ " ضمير مبهم، و " سَبْعَ سَمَاوَاتٍ " تفسيره، كقولهم :" رُبَّهُ رَجُلاً "، وقد رد عليه بأنه ليس من \[ المواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده ؛ لأن النحويين حصروا ذلك في سبع مواضع \][(٦)](#foonote-٦) :
ضمير الشأن، والمجرور ب " رب "، والمرفوع ب " نعم وبئس "، وما جرى مجراهما، وبأول المتنازعين، والمفسر بخبره، وبالمُبْدَل منه. 
ثم قال هذا المعترض : إلا أن يتخيل فيه أن يكون " سَبْعَ سَمَاواتٍ " بدلاً، وهو الذي يقتضيه تشبيهه ب " رُبَّهُ رَجَلاً " فإنه ضمير مبهم ليس عائداً على شيء قبله، لكن هذا يضعف بكون التقدير يجعله غير مرتبطٍ بما قبله ارتباطاً كلياً، فيكون أخبرنا بإخبارين :
أحدهما : أنه استوى إلى السماء. 
والثاني : أنه سوى سبع سماوات. 
وظاهر الكلام أن الذي استوى إليه هو المستوي بعينه. 
ومعنى تسويتهنّ : تعديل خلقهن، وإخلاؤه من العِوَجِ، والفُطُور وإتمام خَلْقهن. 
قوله :" سَبْعَ سَمَواتٍ " في نصبه خمسة أوجه :
أحسنها : أنه بدلٌ من الضمير في " فَسَوَّاهُنَّ " العائد على " السَّمَاءِ " كقولك، أخوك مررت به زيد. 
الثاني : أنه بدل من الضمير أيضاً، ولكن هذا الضمير يفسره ما بعده، وهذا يضعف بما ضعف به قول الزمخشري المتقدّم. 
الثالث : أنه مفعول به، والأصل، فسوَّى منهن سَبْعَ سموات، وشبهوه بقوله تعالى : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا 
\[ الأعراف : ١٥٥ \] أي : من قومه قاله أبو البقاء وغيره، وهذا ضعيف لوجهين :
أحدهما : بالنسبة إلى اللفظ. 
والثاني : بالنسبة إلى المعنى. 
أما الأول فلأنه ليس من الأفعال المتعدية لاثنين. 
أحدهما : بإسقاط الخافض ؛ لأنها محصورة في " أمر " و " اختار " وأخواتها. 
الثاني : أنه يقتضي أن يكون ثَمَّ سماوات كثيرة، سوى من جملتها سبعاً، وليس كذلك. 
الرابع : أن " سوى " بمعنى " صَيَّر " فيتعدّى لاثنين، فيكون " سَبْعَ " مفعولاً ثانياً، وهذا لم يثبت أيضاً، أعني جعل " سَوَّى " مثل " صَيَّر ". 
### فصل في هيئة السماوات السبع


اعلم أن القرآن - هاهنا - قد دلّ على سبع سماوات. 
وقال أصحاب الهيئة : أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزّهرة، ثم كرة الشَّمس، ثم كرة المرّيخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زُحَل، قالوا : لأن الكوكب الأسفل إذا مَرَّ بين أبصارنا، وبين الكوكب الأعلى، فإنهما يصيران ككوكب واحدٍ، ويتميز السَّاتر عن المَسْتُور بلونه الغَالب كَحُمْرَةِ المريخ، وصُفْرَة عطارد، وبَيَاض الزهرة، وزُرْقَة المُشْتري، وكدرة زُحَل، وكلّ كوكب فإنه يكسف الكوكب الذي فوقه. 
### فصل في الاستدلال على سبق خلق السماوات على الأرض


قال \[ بعض المَلاَحدة \][(٧)](#foonote-٧) : هذه الآية تدلّ على أن خلق الأرض قبل خلق السَّماء، وكذا قوله : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  \[ فصلت : ٩ \] إلى قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ  وقال في سورة " النازعات " : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا 
\[ النازعات : ٢٧ \] إلى أن قال : وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  \[ النازعات : ٣٠ \] وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء، وذكروا في الجواب وجوهاً :
أحدها : يجوز أن يكون خلق الأرض قبل السماء إلاّ أنه ما دَحَاهَا حتى خلق السماء ؛ لأن التدحية هي البَسْط. 
**ولقائل أن يقول : هذا مُشْكل من وجهين :**
الأول : أن الأرض جسم عظيم، فامتنع انفكاك خلقها عن التَّدْحية، وإذا كانت التَّدْحية متأخّرة عن خلق السماء كان خلقها لا مَحَالَةَ متأخراً عن خلق السماء. 
الثاني : أن قوله : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ  يدلّ على أن خلق الأرض، وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء، وخلق هذه الأشياء في الأرض لا يمكن إِلاَّ إذا كانت مدحوةً، فهذه الآية تدلُّ على كونها مدحوة قبل خلق السّماء، فيعود التَّنَاقض. 
والجواب الثاني : أن قوله : وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدّمة على خَلْقِ الأرض، وعلى هذا التَّقْدِير يزول التناقض. 
ولقائل أن يقول : قوله : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا  يقتضي أن يكون خلق السماء، وتسويتها مقدماً على تدحية الأرض، ولكن تَدْحِيَةَ الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض، وحينئذ يعود السؤال. 
والجواب الثالث وهو الصحيح أن قوله :" ثُمّ " ليس للترتيب هاهنا، وإنما هو على جِهَةِ تعديد النعم، على مثل قول الرَّجل لغيره : أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم وقعت الخُصُوم عنك، ولعلّ بعض ما أخره في الذكر قد تقدّم فكذا هاهنا، والله أعلم. 
فإن قيل : هل يَدُلّ التنصيص على سَبْعِ سماوات على نَفْي العدد الزائد ؟
قال ابن الخطيب[(٨)](#foonote-٨) : الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يَدُلّ على نفي الزائد. 
### فصل في إثبات سبع أَرْضين


ورد في التنزيل أن السماوات سبع، ولم يأت في التنزيل أن الأرضين سبع إلاَّ قوله  وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ  \[ الطلاق : ١٢ \] وهو محتمل للتأويل، لكنه وردت في أحاديث كثيرة صحيحة تدلّ على أن الأرضين سبع كما روي في " الصحيحين " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :" من ظَلَمَ قِيْد شِبْرٍ مِنَ الأَرض طُوِّقَهُ من سبع أرضين " [(٩)](#foonote-٩) إلى غير ذلك. 
وروى أبو الضحى - واسمه مسلم - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال :" الله الذي خَلَقَ سبع سَمَاواتٍ ومن الأرضِ مِثْلَهُنّ قال : سبع أرضين في كل أرض نَبِيّ كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم وعِيْسَى كعيسى " قال البيهقي : إسناد هذا عن ابن عَبَّاسٍ صحيح[(١٠)](#foonote-١٠) وهو شاذّ لا أعلم لأبي الضّحى عليه دليلاً[(١١)](#foonote-١١). 
و " السماء " تكون جمعاً ل " سماوة " في قول الأخفش، و " سماءة " في قول الزّجاج، وجمع الجمع " سَمَاوات " و " سماءات "، فجاء " سِوَاهن " إما على أن " السّماء " جمع، وإما على أنها مفرد اسم جنس، وقد تقدّم الكلام على " السَّماء " في قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ  \[ البقرة : ١٩ \]. 
قوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  هو : مبتدأ، و " عليم " خبره، والجار قبله يتعلّق به. 
واعلم انه يجوز تسكين هاء " هُو " و " هي " بَعْدَ " الواو " و " الفاء " و " لام " الابتداء و " ثُمّ " ؛ نحو : فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ  \[ البقرة : ٧٤ \]  ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  \[ القصص : ٦١ \]  لَهُوَ الْغَنِيُّ  \[ الحج : ٦٤ \]  لَهِيَ الْحَيَوَانُ 
\[ العنكبوت : ٦٤ \] وقرأ بها الكسائي وقالون عن نافع، تشبيهاً ل " هُو " ب " عَضُد " ول " هِي " ب " كَتِف "، فكما يجوز تسكين عين " عَضُد " و " كَتِف " يجوز تسكين هاء " هُو "، و " هِي " بعد الأحرف المذكورة ؛ إجراءً للمنفصل مجرى المتّصل، لكثرة دورها معها، وقد تسكن بعد كاف الجر ؛ كقوله :\[ الطويل \]
فَقُلْتُ لَهُمْ : مَا هُنَّ كَهْيَ فَكَيْفَ لِي  سُلُوٌّ وَلاَ أَنْفَكُّ صَبًّا مُتَيَّمَا[(١٢)](#foonote-١٢)وبعد همزة الاستفهام ؛ كقوله :\[ البسيط \]
فَقُمْتُ للطَّيْفِ مُرْتَاعاً فَأَرَّقَنِي \*\*\* فَقُلْتُ : أَهْيَ سَرَتْ أَمْ عَادَنِي حُلُمُ[(١٣)](#foonote-١٣)
وبعد " لكن " في قراءة ابن[(١٤)](#foonote-١٤) حَمْدُون[(١٥)](#foonote-١٥) : لكنَّ هْوَ اللَّه  \[ الكهف : ٣٨ \] وكذا في قوله : يُمِلَّ هُوَ  \[ البقرة : ٢٨٢ \]. فإن قيل عليم " فعيل " من " علم "، و " علم ١ - البيت لرجل من همدان ينظر في شرح التصريح: ١/١٤٨، والمقاصد النحوية: ١/٤٥١، تخليص الشواهد: ص ١٦٥، وأوضح المسالك: ١/١٧٧، وخزانة الأدب: ٥/٢٦٦، والجنى الداني: ص ٤٧٤، وشرح الأشموني: ١/٨١، والدرر: ٦/٢٣٩، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٤٢، وشرح المفصل: ٣/٩٦، ولسان العرب (ها)، ومغني اللبيب: ٢/٤٣٤، وهمع الهوامع: ١/٦١، ٢/١٥٧، والدر المصون: ١/١٧١..
٢ - جزء من صدر بيت للعجير السلولي وتمام البيت:................. قال قائل  لمن جمل رخو الملاط نجيب. ينظر خزانة الأدب: ٥/٢٥٧، ٢٦٠، ٩/٤٧٣، والدرر: ١/١٨٨، وشرح أبيات سيبويه: ١/٣٣٢، وشرح شواهد الإيضاح: ص ٢٨٤، ولسان العرب "هربد"، "ها"، والإنصاف: ص ٥١٢، والخصائص: ١/٦٩، ورصف المباني: ص ١٦، وشرح المفصل: ١/٦٨، ٣/٩٦، والدر المصون: ١/١٧١..
٣ - ينظر البيت في القرطبي: (١/٢٥٤)، الدر المصون: (١/١٧٢)..
٤ - ينظر البيت في رصف المباني: (٤٣١)، اللسان: (سوا)، البحر: (١/٣٨٠)، القرطبي: (١/١٧٦)، الزجاجي: (١/٥٠٩)، مجمع البيان: (١/١٥٧)، ديوان الحماسة للمرزوقي: (٣/١٥٤١)، الدر المصون: (١/١٧٢)..
٥ - ينظر البيت في القرطبي: (٣/٢٧٨)، مجمع البيان: (١/١٥٧)، البحر: (١/٢٨٠)، الدر المصون: (١/١٧٢)..
٦ - سقط في أ..
٧ - سقط في أ..
٨ - ينظر الفخر الرازي: ٢/١٤٦..
٩ - أخرجه البخاري في الصحيح (٤/٢٢٣) كتاب بدء الخلق باب في سبع أرضين حديث رقم (٣١٩٥)، (٣/٢٦١) كتاب المظالم باب إثم من ظلم شيئا حديث رقم ٤٥٣، ٢٤٥٢.
 ومسلم في الصحيح (٣/١٢٣١ – ١٢٣٢) كتاب المساقاة (٢٢) باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (٣٠) حديث رقم (١٢٤٢/١٦١٢) وأحمد في المسند ٦/٦٤، ٧٩، ٢٥٢ وذكره المنذري في الترغيب ٣/١٥ - وابن كثير في التفسير: ٨/١٨٢ والهندي في كنز العمال حديث رقم (٣٠٣٦٢)..
١٠ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٣٨) وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في "الشعب" و"الأسماء والصفات" وقال السيوطي: قال البيهقي: هذا إسناد صحيح لكنه شاذ ولا أعلم لأبي الضحى متابعا عليه..
١١ - في أ: مخالفاً..
١٢ - ينظر همع الهوامع: (١/٦١)، الدرر: (١/٣٧)، الدر المصون: (١/١٧٣)..
١٣ - البيت لزياد بن منقذ ينظر في خزانة الأدب: ٥/٢٤٤، ٢٤٥، والدرر: ١/١٩٠، وشرح التصريح: ٢/١٤٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ص ١٣٩٦، ١٤٠٢، وشرح شواهد الشافية ص ١٩٠، وشرح شواهد المغني: ١/١٣٤، ومعجم البلدان: ١/٢٥٦ (أمليح)، والمقاصد النحوية: ١/٢٥٩، ٤/١٣٧، أوضح المسالك: ٣/٣٧٠، والخصائص: ١/٣٠٥، ٢/٣٣٠، وشرح المفصل: ٩/١٣٩، ولسان العرب (هيا)، ومغني اللبيب: ١/٤١، وأمالي ابن الحاجب: ١/٤٥٦، الأشباه والنظائر ٢/١٢٧، همع الهوامع: ٢/١٣٢، الدر المصون: ١/١٧٣..
١٤ - قرأ بها زيد بن علي، وعمران بن عثمان أبو البرهسم الزبيدي.
 انظر غاية النهاية: ١/٦٠٤، والمحرر الوجيز: ١/١١٧، والبحر المحيط: ١/٢٨٩، والدر المصون: ١/١٧٧..
١٥ - محمد بن حمدون أبو الحسن الواسطي الحذّاء، وهم فيه صاحب "التجريد" فسماه عليًّا، ووهم فيه الهذلي فسمّاه عبد الله، ثقة ضابط، على قنبل - وراجع ابن عون، وسمع الحروف من شعيب بن أيوب الصريفيني، قرأ عليه أبو أحمد السامري عرضا، وروى عنه القراءة أبو بكر بن مجاهد. كان من أهل الثقة والإتقان والضبط، توفي سنة ٣١٠هـ. ينظر الغاية: ٢/١٣٥ (٢٩٨٣)..

### الآية 2:30

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:30]

هذه الآية دالّة على كيفية تنظيم الله - تعالى - لآدم عليه الصَّلاة والسلام، فيكون ذلك إنعاماً عامًّا على جميع بني آدم، فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامّة التي أوردها. 
 " إذ " ظرفُ زمانٍ ماض، يخلص المضارع للمضي، وبني لشبهه بالحَرْفِ في الوضع والافتقار، وتليه الجُمَل مطلقاً. 
قال المبرد : إذا جاء " إذ " مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ  \[ الأنفال : ٣٠ \] يريد : إذ مكروا، وإذا جاء مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ  \[ المائدة : ١١٦ \] وقد يبقى على مُضِيِّهِ كهذه الآية. 
وإذا كانت الجملة فعلية قبح تقديم الاسم، وتأخير الفعل نحو :" إذ زيد قام "، ولا يتصرّف إلا بإضافة الزمن إليه، نحو :" يومئذ " و " حينئذ "، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به أكثر المعربين، فإنهم يقدرون " ذكر وقت كذا "، ولا ظرف مكان، ولا زائداً، ولا حرفاً للتعليل، ولا للمفاجأة خلافاً لمن زعم ذلك. 
وقد تحذف الجملة المضاف هو إليها للعلم، ويعوض منها تنوين كقوله : وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ  \[ الواقعة : ٨٤ \] وليس كَسْرته - والحالةُ هذه - كسرة إعراب، ولا تنوينه تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسر لالتقاء السَّاكنين، والتنوين للعوض بدليل وجود الكسر، ولا إضافة ؛ قال الشاعر :\[ الوافر \]

نَهَيْتُكَ عَنْ طِلاَبِكَ أُمَّ عَمْرٍو  بِعَاقِبَةٍ وَأَنْتَ إِذٍ صَحِيحُ[(١)](#foonote-١)وللأخفش أن يقول : أصله :" وأنت حينئذ " فلما حذف المضاف بقي المُضَاف إليه على حاله، ولم يقم مقامه نحو : وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ 
\[ الأنفال : ٦٧ \] بالجر، إلا أنه ضعيف. 
و " قَالَ رَبُّكَ " : جملة فعلية في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها، واعلم أنّ " إذ " فيه تسعة أوجه، أحسنها أنه منصوب ب  قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا  أي : قالوا ذلك القول وَقْتَ قول الله عز وجل إني جاعل في الأرض خليفة، وهذا أسهل الأوجه. 
الثاني : أنه منصوب ب " اذكر " مقدراً، وقد تقدم أنه لا يتصرّف، فلا يقع مفعولاً. 
الثالث : أنه منصوب ب " خلقكم " المتقدّم في قوله : اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ  \[ البقرة : ٢١ \] والواو زائدة. وهذا ليس بشيء لطول الفصل. 
الرابع : أنه منصوب ب " قال " بعده، وهذا فاسد ؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف. 
الخامس : أنه زائد، ويُعْزَى لأبي عبيدة. 
السادس : أنه بمعنى " قد ". 
السابع : أنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف تقديره : ابتداء خلقكم وَقْتَ قول ربك. 
الثامن : أنه منصوب بفعل لائقٍ تقديره : ابتدأ خلقكم وَقْتَ قوله ذلك. 
وهذان ضعيفان، لأن وقت ابتداء الخَلْقِ ليس وقت القول، وأيضاً فإنه لا يتصرف. 
التاسع : أنه منصوب ب " أحياكم " مقدراً، وهذا مردودٌ باختلاف الوقتين أيضاً. 
و " للملائكة " متعلّق ب " قال " واللاَّم للتبليغ. و " ملائكة " جمع " مَلَك "، واختلف في " ملك " على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمه، هل هي أصلية أو زائدة ؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا. 
فقال بعضهم :" ملك " وزنه " فَعَلٌ " من المِلْك، وشذّ جمعه على " فَعَائلة "، فالشذوذ في جمعه فقط. 
وقال بعضهم : بل أصله " مَلأْك "، والهمزة فيه زائدة ك " شَمْأَل "، ثم نقلت حركة الهمزة إلى " اللام "، وحذفت الهمزة تخفيفاً، والجمع جاء على أصل الزيادة، فهذان قولان عند هؤلاء. 
**والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً :**
فمنهم من قال : هو مشتقٌّ من " أَلَكَ " أي : أرسل، ففاؤه همزة، وعينه لام ؛ ويدلّ عليه قوله :\[ المنسرح \]أَبْلِغْ أَبا دَخْتَنُوسَ مَألُكَةً  عَنِ الَّذِي قَدْ يُقَالُ مِلْكَذِب[(٢)](#foonote-٢)وقال الآخر :\[ الرمل \]وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ  بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ[(٣)](#foonote-٣)وقال آخر :\[ الرمل \]أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَألُكاً  أَنَّه قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي[(٤)](#foonote-٤)فأصل ملك : مألك، ثم قلبت العين إلى موضع " الفاء "، و " الفاء " إلى موضع " العين " على وزن " مَعْفَل " ثم نقلت حركة " الهمزة " إلى " اللام "، وحذفت " الهمزة " تخفيفاً، فيكون وزن ملك :" مَعَلاً " بحذف الفاء. 
ومنهم من قال : هو مشتقّ من " لأك " أي : أرسل أيضاً، ففاؤه لام، وعينه همزة، ثم نقلت حركة الهمزة، وحذفت كما تقدّم، ويدلّ على ذلك أنه قد نطق بهذا الأصل قال :\[ الطويل \]فَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لمَلأَكٍ  تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ[(٥)](#foonote-٥)ثم جاء الجمع على الأصل، فردّت الهمزة على كلا القولين، فوزن " ملائكة " على هذا القول " مَفَاعلة "، وعلى القول الذي قبله " مَعَافِلَة " بالقَلْب. 
وقيل : هو مشتقٌّ من :" لاَكَهُ - يَلُوكُه " إذا " أداره - يديره " ؛ لأن الملك يدير الرسالة في فِيْهِ، فأصل مَلْك : مَلْوَك، فنقلت حركة " الواو " إلى " اللام " الساكنة قبلها، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلب " ألفاً "، فصار : ملاكاً مثل :" مقام "، ثم حذفت الألف تخفيفاً، فوزنه :" مفل " بحذف العين، وأصل " ملائكة " :" ملاوكة "، فقلبت " الواو همزة "، ولكن شرط قلب الواو والياء همزة بعد ألف مفاعل أن تكون زائدة نحو :" عَجَائز " و " رَسَائل "، على أنه قد جاء ذلك في الأصل قليلاً قالوا :" مَصَائب " و " مَنَائِر "، وقرئ شاذًّا : مَعَائِشَ  \[ الأعراف : ١٠ \] بالهمز، فهذه خمسة أقوال. 
السّادس : قال النضر بن شُمَيْلٍ[(٦)](#foonote-٦) : لا اشتقاق ل " الملك " عند العرب " والهاء " في " ملائكة " لتأنيث الجمع، نحو :" صَلاَدمة ". 
وقيل : للمُبَالغة ك " عَلاّمة " و " نسَّابة "، وليس بشيء، وقد تحذف هذه الهَاء شذوذاً ؛ قال الشاعر :\[ الطويل \]أَبَا خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ[(٧)](#foonote-٧) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .### فصل في ماهية الملائكة


اختلفوا في ماهيّة الملائكة، وحقيقتهم، والضابط فيه أن يقال : إن المَلاَئكة ذوات قائمة بأنفسها، وهي إما متحيّزة، أو ليست بمتحيّزة، فإن كانت متحيّزة فهاهنا أقوال :
أحدها : أنها أجسام لطيفة هَوَائية تقدر على التشكُّل بأشكال مختلفةٍ مسكنها السماوات، وهذا قول أكثر المسلمين. 
الثاني : قول طوائف من عَبَدَةِ الأوثان : أن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسْعَادِ، والإِنْحَاسِ، فَالْمُسْعِدَات منها ملائكة الرَّحمة، والمنحسات منها مَلاَئكة العذاب. 
الثالث : قول معظم المَجُوس، والثنوية : وهو أن هذا العَالمَ مركّب من أصلين أزليين، وهما النور والظّلمة، وهُمَا في الحقيقة جَوْهَرَان شَفَّافان مُخْتَاران قادران، متضادا النّفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النُّور فاضل خيّر، نقيّ طيّب الريح، كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويَحْيَا ولا يبلى، وجوهر الظلمة على ضدّ ذلك. 
ثم إنَّ جوهر النور لم يزل يولد الأولياء، وهم الملائكة لا على سبيل التَّنَاكح، بل على سبيل تولّد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين على سبيل تولّد السَّفهِ من السفيه لا على سبيل التناكح. 
القول الثاني : وهو أنها ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيّزة، ولا بأجسام. فهاهنا قولان :
الأول : قول طوائف من النَّصَارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس النَّاطقة المفارقة لأبدانها على نَعْتِ الصفاء والخيرية، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيةً خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثةً كَدِرَةً فهي الشياطين. 
والثاني : قول الفَلاَسفة وهي أنها جَوَاهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيّزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس النَّاطقة البشرية، وأنها أكملُ قوةً منها، وأكثر علماً منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشَّمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إنَّ هذه الجَوَاهر على قسمين : منها ما هي بالنسبة إلى أجْرَام الأَفْلاَك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا عَلَى شَيْءٍ من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة الله، ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هُمُ الملائكة المُقَرَّبُون، ونسبتهم إلى الملائكة الَّذِين يدبرون السَّمَاوات، كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا النَّاطقة، فهذان القِسْمَان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعاً أُخَرَ من الملائكة، وهي الملائكة الأرضية المدبِّرة لأحوال هذا العالم السفليّ، ثم إن المدبرات لهذا العَالَم إن كانت خيرةً فهم الملائكة، وإن كانت شريرةً فهم الشياطين. 
### فصل في شرح كثرتهم


قال عليه الصلاة والسلام :" أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ ما فيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ، أو راكع " [(٨)](#foonote-٨). 
\[ وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البَرّ، وهؤلاء كلهم عُشْر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البَحْرِ، وهؤلاء كلّهم عشر ملائكة الأرض الموكّلين بها، وكلّ هؤلاء ملائكة سَمَاء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السَّماءِ الثانية وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السَّماء السَّابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكُرسي نَزْر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السّرادق الواحد من سُرَادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كلّ سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السَّمَاوات والأرضون وما فيها وما بينها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجد، أو راكع \][(٩)](#foonote-٩) وقائم، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتَّقديس، ثم كلّ هؤلاء في مُقَابلة الملائكة الذين يَحُومُونَ حول العرش كالقَطْرَةِ في البحر، ولا يعلم عَدَدَهُمْ إلا اللهُ تعالى، ثم مع هؤلاء ملائكة اللَّوْحِ الذين هم أشياع إسرافيل عليه السّلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السَّلام، ولا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، على ما قال : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ  \[ المدثر : ٣١ \]. 
وروي في بعض كتب التَّذكير أنه - عليه الصلاة والسلام - حين عرج به رأى ملائكة في مَوْضِعٍ بمنزلة سوق بعضهم يمشي تُجَاهَ بعض، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلَى أيْنَ يَذْهَبُونَ ؟ فقال جبريل عليه السَّلام : لا أَدْرِي إِلاّ أنِّي أراهُمْ مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سأل واحداً منهم وقيل له : مذ كم خلقت ؟ فقال : لا أدري غير أن الله - تعالى - يخلق كوكباً في كلّ أربعمائة ألف سنةٍ، فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خَلَقَنِي أربعمائة ألف مرة فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجلّ كماله. 
### فصل فيمن قيل له من الملائكة :" إني جاعل " 


اختلفوا في المَلاَئكة الَّذِين قال لهم :" إنِّي جاعلٌ لهم " كُلّ الملائكة، أو بعضهم ؟ فروى الضَّحَّاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة الذين \[ كانوا مُحَاربين \] مع " إبليس " ؛ لأن الله - تعالى - لما أس١ - ينظر البيت في ديوان الهذليين: (١/٦٨)، ابن يعيش: (٣/٢٩)، (٩/٣١)، الخصائص: (٢/٣٧٦)، مغني اللبيب: (١/٨٦)، الجنى الداني: (١٨٧)، شرح الأشموني: (١/٥٦)، خزانة الأدب: (٦/٥٣٩، ٥٤٣، ٥٤٤)، اللسان: شلل، الدر المصون: (١/١٧٤)..
٢ - ينظر الخصائص: (١/٣١١) (٣/٣٧٥) الأمالي الشجرية: (١/٩٧، ٣٨٦)، المفصل: (٨/٣٥)، (٩/١٠٠، ١١٦)، اللسان ألك، الدر المصون: (١/١٧٥)..
٣ - ينظر ديوان لبيد: (١٧٨)، الخصائص: (٣/٢٧٥)، المنصف: (٢/١١٤)، التبيان: (١/٤٦)، مجمع البيان: (١/١٥٩)، ابن الجوزي: (١/٥٨)، القرطبي: (١/٢٦٢)، الطبري: (١/٤٤٦)، اللسان: ألك، الدر المصون: (١/١٧٥)..
٤ - البيت لعدي بن زيد ينظر ديوانه: ص ٩٣، خزانة الأدب: ٨/٥١٣، الاشتقاق: ص ٢٦، والأغاني: ٢/٩٤، شرح شواهد المغني: ٢/٦٥٨، الشعر والشعراء: ١/٢٣٥، والمنصف: ٢/١٠٤، جمهرة اللغة ص ٩٨٢، الممتع في التصريف: ١/١١٩، المحتسب: ١/٤٤، مجمع البيان: ١/١٥٩، الزجاج: ١/٨٠، القرطبي: ١/٢٦٢، الطبري: ١/٤٢٦، الدر المصون: ١/١٧٥..
٥ - تقدم..
٦ - النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن: أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة، ولد بـ"مرو" (من بلاد خراسان) سنة ١٢٢هـ من مصنفاته: "الصفات" كبير، في صفات الإنسان والبيوت والجبال والإبل والغنم والطير والكواكب والزروع، و"كتاب السلاح" و"المعاني" و"غريب الحديث" و"الأنواء". وتوفي بـ "مرو" سنة ٢٠٣هـ.
 ينظر الأعلام: ٣٣٨، وفيات الأعيان: ٢/١٦١، غاية النهاية: ٢/٣٤١..
٧ - لم نهتد إلى قائله ولا إلى تمامه، وينظر المنصف: ٢/١٠٣، والبحر المحيط: ١/٢٨٤، الدرر: (١/٢٥١)، الدر المصون: (١/١٧٦)..
٨ - أخرجه الترمذي في السنن (٤/٤٨١ - ٤٨٢) كتاب الزهد (٣٧) باب (٩) قول النبي صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا حديث رقم (٢٣١٢) وقال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وابن ماجه في السنن ٢/١٤٠٢ كتاب الزهد (٣٧) باب الحزن والبكاء (١٩) حديث رقم ٤١٩٠ - وأحمد في المسند (٥/١٧٢، ١٧٣) وذكره المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/٥٣٦..
٩ - سقط في أ..

### الآية 2:31

> ﻿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:31]

اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة، فأجابهم على سبيل الإجمال بقوله : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . 
أراد الله تعالى أن يزيدهم بياناً، وأن يفصّل لهم ذاك المُجْمَل، فبين تعالى لهم من فضل آدم - عليه الصلاة والسلام - ما لم يكن معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كَمَال فَضْله، وقُصُورهم عنه في العلم، فيتأكّد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي.

### فصل في إعراب الآية


قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ  هذه الجملة يجوز ألاَّ يكون لها مَحَلّ من الإعراب، لاستئنافها، وأن يكون محلها الجر، لعطفها على " قَالَ رَبُّكَ ". 
و " علم " متعدّية إلى اثنين، وكانت قبل التضعيف متعديةً لواحد ؛ لأنها عرفانية، فتعدّت بالتضعيف لآخر، وفرقوا بين " علم " العِرْفانية واليَقِينيّة في التعدية، فإذا أرادوا أن يعدوا اليقينية عدوها بالهمزة ذكر ذلك " أبو علي الشّلوبين ". 
وفاعل " علم " يعود على الباري تَعَالى، و " آدم " مفعوله. 
وآدم - عليه الصلاة والسلام - كُنيته أبو البَشَر، وقيل : أبو محمد ذكره السُّهيلي، وقيل : كنيته في الأرض أبو البشر، وكنيته في الجنة أبو محمد. 
وأصله بهمزتين، لأنه " أفعل " إلا أنهم لَيَّنُوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها " واواً " فقلت :" أوادم " في الجمع ؛ لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن " الأخفش ". 
وفي " آدم " ستة أقوال : أرجحها أنه اسم أعجمي لا اشتقاق فيه، ووزنه " فَاعَل " كَنَظَائره نحو :" آزر " و " شالخ "، وإنّما مُنعَ من الصَّرف للعلمية والعُجْمة الشخصية. 
والثاني : أنه مشتقٌّ من " الأُدْمَةِ "، وهي حُمْرَةٌ تميل إلى السَّوَاد، واختلفوا في الأُدْمَةِ، فزعم " الضَّحاك " أنها السُّمرة، وزعم " النَّضْر " أنها البياض، وأن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أبيض، مأخوذ من قولهم : ناقة أَدْمَاء، إذا كانت بيضاء، وعلى هذا الاشتقاق جمعه " أَدْمٌ " و " أَوَادِمُ " ك " حُمَرٍ " و " أَحَامِرَ "، ولا ينصرف بوجه. 
الثالث : أنه مشتقٌ من أديم الأرض، وهو وجهها. ومنع من الصَّرف على هَذَيْنِ القولين للوزن والعلميّة. 
الرابع : أنه مشتقٌّ من أَدِيم أيضاً على هذا الوزن أعني وزن فاعل، وهذا خطأ، لأنه كان يبنغي أن ينصرف، لأن كونه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهو أديم الأرض جمعه " آدَمُون " فيلزم قائلو هذه المقالة صرفه. 
الخامس : أنه عِبْرِيّ من الإدام، وهو التراب. 
السّادس : قال " الطبري " : إنه في الأصل فعل رباعي مثل :" أكرم "، وسمي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جِهَته. 
والحاصل أن ادِّعاء الاشتقاق فيه بعيد ؛ لأن الأسماء الأعجمية لا يَدْخُلُهَا اشتقاق ولا تصريف. 
و " آدم " وإن كان مفعولاً لفظاً فهو فاعل معنى، و " الأسماء " مفعول ثانٍ، والمسألة من باب " أعطى وكَسَا "، وله أحكام تأتي إن شاء الله تعالى. 
وقرئ[(١)](#foonote-١) :" عُلَّمَ " مبنياً للمفعول و " آدمُ " رفع لقيامه مقام الفاعل. و " كُلَّهَا " تأكيد للأسماء تابع أبداً، وقد يلي العوامل كما تقدّم. 
وقوله : الأَسْمَاءَ كُلَّهَا  الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادِّعَاء حذف ؛ لأن المعنى : وعلم آدم الأسماء، ولم يبين لنا أسماء مخصوصة، بل دلّ قوله :" كلها " على الشُّمول، والحكمة حاصلة بتعلُّم الأسماء، وإن لم يعلم مسمياتها، أو يكون أطلق الأسماء، وأراد المسميات، فَعَلَى هذين الوجهين لا حَذْفَ. 
وقيل : لا بُدّ من حذف، واختلفوا فيه، فقيل : تقديره : أسماء المسميات، فحذف المُضَاف إليه للعلم. 
قال الزمخشري : وعوض منه " اللام "، كقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً  \[ مريم : ٤ \] ورجّح هذا القول بقوله : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ ،  فَلَمَّا أَنْبَأَهَمْ بَأَسْمَائِهِمْ  ولم يقل :" أَنْبِئُونِي بِهَؤُلاَءِ "، " فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بهِمْ " ولكن في قوله " وعوض منه اللام " نظر ؛ لأن الألف واللام لا تقوم مَقَامَ الإضافة عند البصريين. وقيل : تقديره : مسميات الأسماء، فحذف المُضَاف، وأقيم المُضَاف إليه مقامه، ورجح هذا القول بقوله :" ثُمَّ عَرَضَهُمْ " لأن الأسماء لا تجمع كذلك، فدلّ عوده على المسميات، ونحو هذه الآية قوله تعالى : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ  \[ النور : ٤٠ \]. 
تقديره : أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، فالهاء في " يغشاه " على " ذي " المحذوف. 
### فصل في المراد بالأسماء في الآية


اختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علّمها لآدم - عليه الصلاة والسلام - فقال ابن عباس، وعكرمه، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير : علمه أسماء جميع الأشياء كلّها جليلها وحقيرها[(٢)](#foonote-٢). 
وروى عاصم بن كليب عن سعد[(٣)](#foonote-٣) مولى الحَسَنِ بن علي قال :" كنت جالساً عند ابن عباس، فذكروا اسْمَ الآنِيَةِ وَاسْمَ السّوط، قال ابن عباس : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ". 
وروي عن ابن عَبَّاس، ومجاهد، وقتادة :" علمه أسماء كلّ شيء حتى القصْعَة والقصيعة وحتى الجَفنة والمِحْلب " وعن قتادة قال : علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم تعلم المَلائكة[(٤)](#foonote-٤)، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه. 
قال النَّحَّاس :" وهذا أحسن ما روي ". 
وقال الطبري " علمه أسماء الملائكة وذريّته " واختار هذا، ورجّحه بقوله :" ثم عرضهم ". 
وقال القتيبي " أسماء ما خلق في الأرض ". 
وقيل : أسماء الأجناس والأنواع. 
وقال الربيع بن أنس[(٥)](#foonote-٥) :" أسماء الملائكة ". 
وقيل : أسماء ذريّته. 
وقيل : أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. 
وقيل : صنعة كلّ شيء. 
وقال أصحاب التأويل : إن الله - عزّ وَجَلّ - علم آدم جميع اللُّغات، ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقة منهم بِلُغةٍ. 
### فصل في بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية ؟


قال " الأشعري " و " الجبائي " و " الكعبي " : اللُّغات كلها توفيقيةٌ، بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ، وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعةٌ[(٦)](#foonote-٦) لتلك المعاني : لقوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا . 
وقال " أبو هاشم " : إنه لا بد من تقدم لغة اصطلاحية، وأن الوضع لا بد وأن يكون مسبوقاً على الاصطلاح، واحتج بأمور :
أحدها : أنه لو حصل العلم الضروري بأنه - تعالى - وضع ذلك اللَّفظ لذلك المَعْنَى لصارت صفةُ الله معلومةً بالضرورة، مع أن ذاته معلومة بالاستدلال، وذلك مُحَال، ولا جائز أن يحصل لغير العاقل، لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللُّغَات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فالقول بالتوقيف فاسد. 
وثانيها : أنه - تعالى - خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدُّم لغة على ذلك التكلم. 
وثالثها : أن قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا  يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء، وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التَّعليم، وإذا كان كذلك كانت اللُّغات حاصلةً قبل ذلك التعليم. 
ورابعها : أن آدم - عليه الصَّلاة والسلام - لما تَحَدَّى الملائكة بعلم الأسماء، فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات على ذلك التعليم. 
### فصل في بيان هل كان آدم نبياً قبل المعصية ؟


قالت المعتزلة : إن علم آدم الأسماء معجزة دالّة على نبوّته - عليه الصلاة والسلام - والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حَوّاء، ولا يبعد أيضاً أن يكون إلى من توجّه التحدي إليهم من الملائكة ؛ لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرْسَال إلى الرسول، كبعثة إبراهيم - عليه الصلاة والسّلام - إلى لُوطٍ - عليه الصلاة والسّلام - واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقصٌ للعادة، فوجب أن يكون معجزاً، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت. 
ولقائل أن يقول : لا نسلم أن ذلك العلم ناقص للعادة ؛ لأن حصول العلم باللُّغة لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقصٍ للعادة. 
وأيضاً فإما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعةً لتلك المسميات، فحينئذ تحصل المُعَارضة، ولا تظهر المزية، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر من كون كلّ واحد من تلك الألفاظ اسماً لكل واحد من تلك المعاني ؟ واعلم أنه يمكن دفع هذا السُّؤال من وجهين :
الأول : ربّما كان لكل صِنْفٍ من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات، وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر، ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وإن آدم - عليه الصَّلاة والسلام - لما عَدّ عليهم جميع تلك اللُّغات بأسرها عرف كل صنف إصابته في تلك اللُّغة خاصّة، فعرفوا بهذه الطريق صدقه إلاّ أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها، فكان ذلك معجزاً. 
الثَّاني : لا يمتنع أن يقال : إنه - تعالى - عرفهم قبل ذلك أنهم إذا سمعوا من آدم - عليه الصلاة والسَّلام - أظهر فعلاً خارقاً للعادة، فَلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص ؟ وهما عندنا جائزان. 
واحتج من قطع بأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان نبياً في ذلك الوَقْتِ بوجوه :
أحدها : أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان لكان قد صدرت منه المعصية بعد النبوة، وذلك غير جائز. 
وثانيها : لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد، أو لا يكون مبعوثاً إلى أحد، وإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة والإنس والجن، والأَوّل باطل، لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر، ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف ؛ لأن الرسول متبوع، والأمّة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل، وأيضا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن، ولهذا قال الله تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً  \[ الأنعام : ٩ \] ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حَوّاء، وحواء ما عرفت التكليف إلا بواسطة آدم لقوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ  \[ البقرة : ٣٥ \] شافههما بهذا التكليف، وما جعل آدم واسطة، ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن ؛ لأنه ما كان في السماء أحد من الجنّ، ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد، لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ، فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة. 
وثالثها : قوله تعالى : ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ  \[ طه : ١٢٢ \] دليل على أنه إنما اجتباه ربه بعد الزّلة، فوجب أن يكون قبل الزَّلة غير مجتبى، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب ألا يكون رسولاً ؛ لأن الاجتباء والرسالة مُتَلاَزمان، لأن الاجتباء لا مَعْنَى له إلاّ التخصيص بأنواع التشريفات، وكل من جعله الله رسولاً، فقد خصّه بذلك لقوله تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  \[ الأنعام : ١٢٤ \]. 
قوله : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ . 
 " ثم " : حرف للتَّرَاخي كما تقدّم، والضَّمير في " عَرَضَهُمْ " للمسميات المقدّرة، أو لإطلاق ال١ - قرأ بها يزيد اليزيدي واليماني والحسن.
 انظر الشواذ: ٤، المحرر الوجيز: ١/١١٩، والبحر المحيط: ١/٢٩٤، والدر المصون: ١/١٨١، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٤..
٢ - ذكر هذه الآثار السيوطي في "الدر المنثور" ١/١٠٠ - ١٠١..
٣ - سعيد بن مبروز الطائي، بالولاء، أبو البحتري ثائر، من فقهاء أهل الكوفة.
 ثقة في الحديث، روى عن ابن عباس وطبقته. وثار على الحجّاج مع ابن الأشعث، فجاء القراء يؤمّرونه عليهم، فاعتذر بأنه من الموالي، ونصحهم بتأمير رجل من العرب، فأمّروا جهم بن زحر الخثعمي، ولما كانت وقعة "دير الجماجم" طعنه أحد رجال الحجاج برمح فقتله سنة٨٢هـ.
 انظر إيضاحات عن المسائل السياسية: ١٢٢، تاريخ الصحافة العربية: ٤/٤٢٠، الأعلام: ٣/٩٩..
٤ - انظر "الدر المنثور" (١/١٠٠/١٠١) للسيوطي و"جامع البيان" للطبري (١/٤٨٣، ٤٨٤، ٤٨٥)..
٥ - في ب: خيثم..
٦ - والخلاف في أن اللغات توفيقية، أو اصطلاحية، جعله بعضهم مفرّعاً على الخلاف في خلق الأفعال؛ ولهذا كان مذهب "الأشعري" هنا التوقيف؛ عملا بأصله في مسألة الكلام.
 وقال ابن الحاجب في أماليه: يتفرع عليه ما إذا ثبت في لغة العرب لفظ يطلقونه على الباري -تعالى -.
 فإن قلنا: إن الواضع الله لم يحتج إلى إذن من الشرع؛ لثبوت أن الله -تعالى - هو الواضع.
 وإن قلنا: إن الواضع العرب واحد أو جماعة، لم يكفنا إطلاق اللفظ؛ لجواز أن يطلقوا على الباري - تعالى - ما يمنع الشرع بعد وروده إطلاقه. انتهى.
 وهذا مردود؛ إذ لا يلزم من وضع اللغة الإذن في استعمالها، ألا ترى أن كلمة "كفر" موضوعة قطعا، ولا يتعلق بها إثم ولا عقاب؛ كسائر ما يكون لغوا ولا مهمَلاً.
 وأعلم أن القائلين بالتوقيف احتجّوا بالمنقول والمعقول:
 **أما المنقول: فمن وجوه ثلاثة:**
 الأول: "وعلّم آدم الأسماء كُلّها".
 وجه التمسك به: أن الله -تعالى - صرّح أنه علّم آدم الأسماء كلها، وعلّم، أي: أوجد فيه العلم؛ وذلك لأن التعليم تفعيل، وهو لإثبات الأثر الثلاثي المشتق منه، بالنقل عن أئمة اللغة، فيكون لإثبات العلم بالأسماء في آدم، ويلزم من ذلك التوقيف؛ وذلك لأن الأسماء بأسرها توفيقية، على ما صرّح به في الآية، وبيّنا وجه التمسك بها، فيلزم كون الأفعال والحروف أيضا توقيفية؛ لوجوه ثلاثة:
 أحدها: عدم القائل بالفصل؛ وذلك لأن من الناس من قال: تكون الأسماء والأفعال والحروف توفيقية، ومنهم من قال: تكون الجميع اصطلاحية، فالقول بكون الأسماء توقيفية دون الأفعال والحروف قول ثالث، وهو باطل بالإجماع.
 الثاني: أنه يتعذر الإعراب عن جميع المعاني التي في النفس بالأسماء وحدها، فلا بد من تعلّم الأفعال والحروف؛ ليحصل التمكن من التعبير عن جميع المعاني، فتكون الأسماء والأفعال والحروف توقيفية، وهو المطلوب.
 الثالث: هو أن الاسم مشتق من السّمة وهي العلامة، والأفعال والحروف علامات على مسمياتها، فيلزم من ذلك دخولها تحت قوله - تعالى -: "وعلّم آدم الأسماء كلّها".
 أما الأول: فإنه مذهب بعض أئمة العربية، ونحن نفرع على هذا المذهب.
 وأما الثاني: فظاهر، وأما تخصيص كل واحد من الاسمين باسم خاص، وهو الفعل والحرف، فذلك حادث وهو عُرْف النحاة، وأما الوضع الأول فهو ما ذكرناه.
 الوجه الثاني من الوجوه النقلية الدالة على التوقيف: قوله - تعالى -: إن هي إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
 وجه التمسك بالآية هو: أن الله - تعالى - ذمّهم على تسمية بعض الأشياء بما سمّوها به، ولولا أن تسمية غيرها من الله توقيف وإلا لما صح هذا الذم؛ لكون الكل اصطلاحا منهم.
 الثالث من الوجوه النقلية: قوله تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم.
 وجه التمسك بها: أن هذه الآية إنما سيقت للدلالة على كمال القدرة الأزلية، فبعد ذلك لا يخلو إما أن يكون المراد بها: اختلاف تأليفات الألسنة واختلاف صورها، أو اختلاف اللغات التي تجري على اللسان.
 **ووجه الحَصْر:**
 أن المراد من اللفظ إما الحقيقة أو المجاز قطعا، الأول: وهو الحقيقة، والثاني: وهو المجاز، وقد تعيّن بدليل تبادره إلى الذهن دون غيره من مجازات هذا اللفظ.
 وإذا ثبت المراد في أحدهما، فنقول: لا يجوز حمل اللفظ عليهما؛ لأنه حمل للفظ على الحقيقة والمجاز معا، وذلك لا يجوز؛ على ما سيأتي، فتعيّن الحمل على أحدهما دون آخر.
 وإذا ثبت ذلك، فنقول: الحمل على اللغات الجارية على الألسنة أولى من الحمل على الألسنة؛ لأن الاختلاف في اللغات أبلغ، وأكمل من الاختلاف في الألسنة؛ وذلك لأن صور الألسنة وأشكالها تتشابه جدا، ولا كذلك اللغات، فتكون دلالة اختلاف اللغات على ما سيقت الآية لأجله أبلغ وآكد، فتعيّن الحمل عليه.
 ونقل "ابن الحاجب" الحمل على اللغات بالاتفاق، فصار تقدير الكلام -والله أعلم -: "ومن آياته خلق اللغات"، وذلك هو التوقيف.
 **وأما المعقول فمن وجهين:**
 الأول: هو أن الاصطلاح لا يُتصور، إلا بأن المصطلح يُعرّف غيره ما اصطلح هو عليه، من الألفاظ التي وضعها، والمعاني التي وضع لها الألفاظ، ولا يمكن التعريف إلا بطريق، ولا طريق إلا الألفاظ والكتابة وأيّما كان فذلك الطريق لا يفيد لذاته؛ لما بيّنا أن دلالة الألفاظ ليست ذاتية، فتعين أن يكون الطريق هو: إما الوضع أو الاصطلاح، والكلام فيه كما في الأول، فيلزم التسلسل؛ وهو مُحال، أو التوفيق؛ وهو المطلوب.
 الوجه الثاني من وجهي المعقول: هو أن الألفاظ لو كانت اصطلاحية، لارتفع الأمان عن الشريعة؛ لأنها لعلها على خلاف الواقع بأن بُدّلت وغُيّرت، فلا يحصل لنا الوثوق بشيء من الأحكام المستفادة من الكتاب؛ لاحتمال أنها كانت في الأصل لمعنى والمراد ذلك المعنى، ثم غُيّرت ونحن نحملها على ما غُيّرت إليه دون الأول؛ لجهلنا به الآن.
 ولا يقال: هذا الاحتمال مُنقَدح، وإن قلنا بكونها توقيفية؛ لأنا نمنع ذلك؛ وذلك لأن طريق التوقيف هو العلم الضروري؛ بأن واضعا وضع هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني، ودخول التحريف فيه ممنوع؛ ولأن الوضع إذا كان من الله، فالله يصونه عن التغيير والتحريف غالبا.
 انظر البرهان لإمام الحرمين: ١/١٦٩، البحر المحيط للزركشي: ٢/٥، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ١/٧٠، سلاسل الذهب للزركشي: ص ١٦٣، التمهيد للإسنوي: ص ١٣٥، نهاية السول له: ٢/١١، زوائد الأصول له: ص ٢١١، منهاج العقول للبدخشي: ١/٢٢٠، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري: ص ٤١، التحصيل من المحصول للأرموي: ١/١٩٣، المنحول للغزالي: ص ٧٠، المستصفى له: ١/٣١٨، حاشية البناني: ١/٢٦٩، الإبهاج لابن السبكي: ١/١٩٤، الآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٢/٦٠، حاشية العطار على جمع الجوامع: ١/٣٥٢، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ١/٤٢، التحرير لابن الهمام: ص ١٦، تيسير التحرير لأمير بادشاه: ١/٤٩، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ١/١١٥، تقريب الوصول لابن جزي: ص ٧١، نشر البنود للشنقيطي: ١/١٠٤، فواتح الرحموت لابن نظام الدين الأنصاري: ١/١٧٧، شرح الكوكب المنير للفتوحي: ص ٢٨..

### الآية 2:32

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [2:32]

" سبحان " : اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل : بل هو مصدر ؛ لأنه سمع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة، وقد يفرد، وإذا أفرد، منع الصَّرف للتعريف، وزيادة الألف والنون ؛ كقوله :\[ السريع \]

أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ  سُبْحَان. . . . . . . . . . . . . . . [(١)](#foonote-١)وَقَدْ جَاءَ مُنَوَّناً كقوله :\[ البسيط \]سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ  وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ[(٢)](#foonote-٢)فقيل : صرف ضرورة. 
وقيل : هو بمنزلة " قَبْلُ " و " بعدُ " إن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن نكر أعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً لا اسم مصدر، لوروده منصرفاً. 
ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظْهَاره، وقد روي عن الكَسائِيّ أنه جعله مُنَادى تقديره : يا سُبْحَانك ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هُنَا - إلى المفعول ؛ لأن المعنى : نسبحك نحن. 
وقيل : بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزّهت وتباعدت من السُّوء. 
وسبحانك العامل فيه في مَحَلّ نصب بالقول. 
قوله : لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا  كقوله : لاَ رَيْبَ فِيهِ  و " إلاّ " حرف استثناء، و " ما " موصولة، و " علمتنا " صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون " علم " بمعنى " معلوم "، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي في محلّ نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبةً بالعلم الذي هو اسم " لا " ؛ لأنه إذا عمل كان معرباً. 
وقيل : في محلّ رفع على البَدَلِ من اسم " لا " على الموضع. 
وقال ابن عطية : هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم :" لا إله إلا الله "، وفيه نظر ؛ لأن الاستثناء إنَّمَا هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به. 
ونقل هو عن " الزّهراوي " : أن " ما " منصوبةٌ ب " علمتنا " بعدها، وهذا غير معقول ؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه ؟
قال أبو حيان : إلاّ أن يتكلّف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، وتكون " ما " شرطية، و " علمتنا " ناصب لها، وهو في محل جزم بها، والجواب محذوف، والتقدير :" لكن ما علمتنا علمناه ". 
قوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . 
### فصل


**الضمير يحتمل ثلاثة أوجه :**
أحدها : أن يكون تأكيداً لاسم " إنَّ " فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر " إنَّ "، وأن يكون فصلاً، وفيه الخلاف المشهور. 
وهل له محل من الإعراب أم لا ؟
وإذا قيل : إن له محلاًّ، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء[(٣)](#foonote-٣)، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي ؟
قوله :" الحكيم " خير ثانٍ أو صفة " العليم "، وهما " فعيل " بمعنى " فاعل " وفيهما من المُبالَغة ما ليس فيه. 
و " الحكيم " لغة : الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة ؛ وقال جَرِيرٌ :\[ الكامل \]أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ  إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا[(٤)](#foonote-٤)وقدم " العليم " على " الحكيم " ؛ لأنه هو المتّصل به في قوله :" وعلم "، وقوله :" لا عِلْمَ لنا " فناسب اتصاله به ؛ ولأن الحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العلم وأثر له، وكثيراً ما تقدّم صفة العلم عليها. 
والحكيم صفةُ ذاتٍ إن فسر بذي الحِكْمَةِ، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. 
وعن " ابن عباس " أن مراد الملائكة من " الحكيم " أنه هو الذي حكم بجعل آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفةً في الأرض[(٥)](#foonote-٥). 
### فصل


احتج أَهْلُ الإسلام بهذه الآية على أنه لا سَبِيْلَ إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصُّل إليها بعلم النجوم والكهانة، ونظيره قوله تعالى : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  \[ الأنعام : ٥٩ \] وقوله : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً  \[ الجن : ٢٦ \]. 
١ - تقدم برقم (٣٦٥)..
٢ - ينظر ديوان أمية بن أبي الصلت: (٣٠)، الخزانة: (٢٠/٣٧)، الشجري: (١/٣٤٨)، الدرر: (١/١٦٣)، المقتضب: (٣/٢١٧)، ابن يعيش: (١/٣٧، ١٢٠) (٤/٣٦)، الهمع: (١/١٨٩٠)، الدر المصون: (١/١٨٣)..
٣ - ينظر معاني القرآن: ١/١٤٨، ٢/٢٣٨..
٤ - ينظر ديوانه: (٥٠)، الكشاف: (٤/٣٣٦)، اللسان: حكم، الدر المصون: (١/١٨٤)..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/٦٧٥) والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٧٨.
 وأورده الشوكاني في "فتح القدير" (١/٦٥) وعزاه لابن جرير..

### الآية 2:33

> ﻿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:33]

قوله : يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بأسْمَائِهِمْ . 
آدم : مبني على الضم ؛ لأنه مفرد معرفة، وكل ما كان كذلك بُني على ما كان يرفع به، وهو في محلّ نصب لوقوعه موقع المَفْعول به، فإن تقديره : ادعوا آدم، وبني لوقوعه موقع المُضْمَرِ، والأصل : يا إياك كقولهم :" يَا إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ "، و " يا أَنْتَ " ؛ كقوله \[ الرجز \]
يَا أَبْجَرُ بْنَ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا \*\*\* أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتا
\*\*\* قَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَقَدْ أَسَأْتَا[(١)](#foonote-١) \*\*\*
و " يَا إِيَّاكَ " أقيس من " يا أنت " ؛ لأن الموضع موضع نصب، ف " إياك " أليق به، وتحرزت بالمفرد عن المضاف نحو : يا عبد الله، ومن الشبيه به، وهو عبارة عما كان الثَّانِي فيه من تمام معنى الأوّل نحو :" يا خيراً من زيد " و " يا ثلاثةً وثلاثين "، وبالمعرفة من النكرة المقصودة ؛ نحو قوله :\[ الطويل \]
فَيَا رَاكِباً إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ \*\*\* نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لاَ تَلاَقيَا[(٢)](#foonote-٢)
فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصباً. 
 " أنبئهم " فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور " أنبئهم " مهموز مضموماً، وقرئ[(٣)](#foonote-٣) بكسر الهاء. ويروى عن " ابن عامر "، كأنه أتبع الهاء لحركة " الباء "، ولم يعتد ب " الهمزة "، لأنها ساكنةٌ، فهي حاجز غير حَصِيْنٍ. 
وقرئ[(٤)](#foonote-٤) بحذف الهمزة، ورُويت عن " ابن كثير "، قال " ابن جنّيّ " هذا على إبدال الهمزة ياء، كما تقول : أنبيت كأعطيت، قال : وهذا ضعيف في اللّغة ؛ لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. 
وهذا من أبي الفَتْحِ غير مرضٍ، لأن البدل جاء في سَعَةِ الكلام، حكى " الأخفش " في " الأوسط " أنهم يقولون في أَخْطَأَت : أَخْطَيْت، وفي توضأت : توضيت. 
قال : وربما حَرّكوه إلى " الوا "، وهذا قليل قالوا :" رَفَوْت " في " رَفَأْت "، ولم أسمع " رَفَيْت ". 
إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلّة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجرى مجرى العلّة الأصلي أم ينظر إلى أصله ؟ ورتبوا على ذلك أحكاماً، ومن جملتها : هل يحذف جزماً كالحرف غير المبدل أم لا نظراً إلى أصله ؟ واستدل بعضهم على حذفه جزماً بقول زهير :\[ الطويل \]
جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقِبْ بِظُلْمِهِ \*\*\* سَرِيعاً وَإِلاَّ يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ[(٥)](#foonote-٥)
لأن أصله :" يبدأ " بالهمزة، فكذلك هذه الآية أُبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت حملاً للأمر على المجزوم. 
وقرئ :" أَنْبِيهُمْ " [(٦)](#foonote-٦) بإثبات " الياء " نظراً إلى " الهمزة " وهل تضم " الهاء " نظراً للأصل أم تكسر نظراً للصورة ؟
وجهان منقولان عن " حمزة " عند الوقف عليه. 
و " بِأَسْمَائِهِمْ " : متعلّق ب " أَنْبِئْهُمْ "، وهو المفعول الثاني كما تَقَدّم، وقد يتعدّى ب " عن " نحو :" أنبأته عن حاله "، وأما تعديته ب " من " في قوله : قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ  \[ التوبة : ٩٤ \] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. 
قوله : فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِِ . 
والمراد من هذا الغيب أنه كان عالماًَ بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدلّ على بطلان مذهب " هشام بن الحكم " في أنه لا يعلم الأشياء إلاَّ عند وقوعها، فإن قيل : قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  يدلّ على أنّ العبد قد يعلم الغيب ؛ لأن الإيمان بالشَّيء فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل من سواه فهم خَالُونَ عن علم الغيب. 
والجواب : ما تقدم في قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  \[ البقرة : ٣ \]. 
قوله : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ  " قال " جواب " فلما "، والهمزة للتقرير إذا دخلت على نفي قررته، فيصير إثباتاً كقوله : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ  \[ الشرح : ١ \] أي : قد شرحنا. 
و " لم " حرف جزم، و " أقل " : مجزوم بها حذفت عينه، وهي " الواو " لالتقاء الساكنين، و " لكم " متعلّق به، و " اللام " للتبليغ، والجُمْلَة من قوله :" إني أعلم " في محلّ نصب بالقول. 
وقد تقدم نظائر هذا التركيب. 
قوله : وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ  كقوله  أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  من كون " أعلم " فعلاً مضارعاً، و " أفعل " بمعنى " فاعل " أو " أفعل " تفضيل، وكون ما في محلّ نصب أو جر، وقد تقدم. 
والظاهر : أن جملة قوله :" وأعلم " معطوفة على قوله : إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ ، فتكون في محلّ نصب بالقول. 
وقال " أبو البقاء " [(٧)](#foonote-٧) : إنه مستأنف، وليس محكياً بالقول : ثم جوَّز فيه ذلك. 
و " تبدون " وزنه :" تفعون " ؛ لأن أصله : تبدوون مِثْل : تخرجون، فأعلّ بحذف " الواو " بعد سكونها، و " الإبداء " : الإظهار، و " الكَتْم " الإخفاء ؛ يقال : بَدَا يَبْدُو بَدَاء ؛ قال :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* بَدَا لَكَ فِي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ[(٨)](#foonote-٨)
وقوله : وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمونَ  عطف على " ما " الأولى بحسب ما تكون عليه من الإعراب. 
روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير : أن قوله :" ما تُبْدُون " أراد به قولهم : أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا  وبقوله : وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون  أراد به ما أسر " إبليس " في نفسه من الكبر وألاَّ يسجد. 
قال " ابن عطية " [(٩)](#foonote-٩) : وجاء " تكتمون " للجماعة، والكاتم واحدٌ في هذا القول على تجوّز العرب واتِّسَاعها، كما يقال لقوم قد جَنَى منهم واحد : أنتم فعلتم كذا، أي : منكم فاعله، وهذا مع قَصْد تعنيف، ومنه قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ  \[ الحجرات : ٤ \] وإنما ناداه منهم عُيَيْنَةُ. 
وقيل :" الأقرع " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وقيل : إِنِي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  من الأمور الغائبة، والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها، ولكن لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أنّ المصلحة في خلقها. 
وقيل إنه - تعالى - لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً قالوا : ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا الذي كَتَمُوا، ويجوز أن يكون هذا القول سرًّا أسروه بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. 
وقالت طائفة : الإبْدَاء والكَتْمُ المراد به العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع، وهذه الآية تدلّ على فضيلة العلم.

١ - ينظر الأبيات في التصريح: (٢/١٦٤)، الهمع: (١/١٧٤)، الدرر: (١/١٥١)، شرح الأشموني: (٣/١٣٥)، أوضح المسالك: (٣/٧٢)، الدر المصون: (١/١٨٤)..
٢ - البيت لعبد يغوث بن وقاص ينظر خزانة الأدب: ٢/١٩٤، ١٩٥، ١٩٧، والكتاب: ٢/٢٠٠، ولسان العرب (عرض)، والمقاصد النحوية: ٤/٢٠٦، والعقد الفريد: ٥/٢٢٩، وشرح التصريح: ٢/١٦٧، والأشباه والنظائر: ٦/٢٤٣، وشرح اختيارات المفضل: ص ٧٦٧، خزانة الأدب: ١/٤١٣، ٩/٢٢٣، والمقتضب: ٤/٤٢٠٤، ورصف المباني: ص ١٣٧، وشرح الأشموني: ٢/٤٤٥، وشرح شذور الذهب: ص ١٤٥، وشرح ابن عقيل: ص ٥١٥، وشرح قطر الندى: ص ٢٠٣، الدر المصون: ١/١٨٤..
٣ - ونسبها أبو علي الفارسي إلى ابن كثير، وقال: قال أحمد: هذا خطأ لا يجوز. انظر الحجة للقراء السبعة: ٢/٦ - ٧، والسبعة: ١٥٣، والبحر المحيط: ١/٢٩٨، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٦، والدر المصون: ١/١٨٤، وإعراب القراءات: ١/٨٢..
٤ - وهي قراءة ابن كثير من طريق القواس، وقراءة الحسن والأعرج.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٢٢، والبحر المحيط: ١/٢٩٨، والدر المصون: ١/١٨٤، والمحتسب: ١/٦٦..
٥ - ينظر ديوانه: ص ٢٤، وخزانة الأدب: ٣/١٧، ٧/١٣، والدرر: ١/١٦٥، وسر صناعة الإعراب: ٢/٧٣٩، وشرح شواهد الشافية: ص ١٠، وشرح شواهد المغني: ١/٣٨٥، والممتع في التصريف: ١/٣٨١، ٢/٤٥٨، وشرح شافية ابن الحاجب: ١/٢٦، والمقرب: ١/٥٠، وهمع الهوامع: ١/٥٢، الدر المصون: ١/١٨٤..
٦ - قرأ بها ابن أبي عبلة، انظر الشواذ: ٤، والبحر المحيط: ١/٢٩٨، والدر المصون: ١/١٨٥..
٧ - ينظر الإملاء: ١/٣٠..
٨ - عجز بيت لمحمد بن بشير العدوالي الخارجي وصدره:
 .................. \*\*\* لعلك والموعود حق لقاؤه
 ينظر الخصائص: (٣٦٨)، ابن الشجري: (٢/١٧)، الهمع: (١/٢٤٧)، الدرر: (١/٢٠٤)، الأغاني: (١٤/١٥)، التصريح: (١/٢٦٨)، اللسان: (بدا)، التاج: (بدا)، الدر المصون: (١/١٨٥)..
٩ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٢٣..
١٠ - الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي: صحابي من سادات العرب في الجاهلية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من بني دارم (من تيمم) فأسلموا، وشهد حنينا وفتح مكة والطائف وسكن المدينة، وكان من المؤلفة قلوبهم ورحل إلى دومة الجندل في خلافة أبي بكر وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتى اليمامة، واستشهد بالجوزجان وفي المؤرخين من يرى أن اسمه "فراس" وأن الأقرع لقب له لقرع كان برأسه وكان حكما في الجاهلية.
 ينظر الأعلام: ٢/٥ (٣٦)، الذيل على الكاشف: رقم ٨٦، تعجيل المنفعة: ٦١، تاريخ البخاري الصغير: ٥٩، أسد الغابة: ١/١٣٥، الإصابة: ١/١٠١..

### الآية 2:34

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [2:34]

العامل في " إذ " محذوف دلّ عليه قوله :" فَسَجَدُوا " تقديره : أطاعوا وانقادوا، فسجدوا ؛ لأن السجود ناشئ عن الانقياد. 
وقيل : العامل " اذكر " مقدراً. 
وقيل : زائدة وقد تقدّم ضعف هذين القولين. 
وقال " ابن عطية " :" وإذ قلنا " معطوف على " إذ " المتقدمة، ولا يصحّ هذا لاختلاف الوقتين. 
وقيل :" إذ " بدل من " إذ " الأولى، ولا يصحّ لما تقدّم، ولتوسّط حرف العَطْف، وجملة " قلنا " في محل خَفْضٍ بالظرف، ومنه التفات من الغيبة إلى التكلُّم للعظمة، و " اللام " للتَّبْليغ كنظائرها. 
والمشهور جَرّ تاء " الملائكة " بالحَرْف، وقرأ[(١)](#foonote-١) " أبو جعفر " بالضم إتباعاً لضمة " الجيم " ولم يعتد بالسَّاكن، وغلّطه الزَّجاج وخطأه الفارسي[(٢)](#foonote-٢)، وشبهه بعضهم بقوله تعالى : وَقَالَتُ اخْرُج  \[ يوسف : ٣١ \] بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح، لأن تلك حركة التقاء السَّاكنين، وهذه حركة إعراب، فلا يتلاعب بها، والمقصود هناك يحصل بأي حركة كانت. 
وقال الزمخشري : لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية إلاّ في لغة ضعيفة كقراءة[(٣)](#foonote-٣)  الْحَمْدِ لِلَّهِ  \[ الفاتحة : ٢ \] يعني بكسر الدال. 
قال الشيخ " شهاب الدين " : وهذا أكثر شذوذاً، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك من الضَّعف المتقدم ؛ لأن - هناك - فاصلاً، وإن كان ساكناً. 
وقال " أبو البقاء " : وهي قراءة ضعيفة جدًّا، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الرَّاوي لم يضبط عن \[ القارئ \] وذلك أن \[ القارئ \][(٤)](#foonote-٤) أشار إلَى الضَّم تنبيهاً على أنّ الهمزة المحذوفة مضمومةٌ في الابتداء، فلم يدرك الراوي هذه الإشارة، وقيل : إنه نَوَى الوَقْفَ على " التَّاء " ساكنة، ثم حركها بالضم إتباعاً لحركة الجيم، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوَقْفِ. 
ومثله ما روي عن امرأة رأت رجلاً مع نساء، فقالت :" أفي السَّوَتَنْتُنَّهْ " - نوت الوقف على " سوءة "، فسكنت التاء، ثم ألقت عليها حركة همزة " أنتن " فعلى هذا تكون هذه حركة السَّاكنين، وحينئذ تكون كقوله :" قَالَتُ : أخْرُجْ " وبابه، وإنما أكثر الناس توجيه هذه القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القَعْقَاع شيخ نافع شيخ أهل " المدينة " وترجمتهما مشهورة. 
و " اسجدوا " في محل نصب بالقول، و " اللام " في " لآدم " الظَّاهر أنها متعلّقة ب " اسجدوا "، ومعناها التعليل، أي : لأجله. 
وقيل : بمعنى " إلى " أي : إلى \[ جهته له \][(٥)](#foonote-٥) جعله قبلة لهم، والسجود لله. 
وقيل : بمعنى مع، لأنه كان إمامهم كذا نقل. 
وقيل : اللاَّم للبيان فتتعلّق بمحذوف، ولا حاجة إلى ذلك. 
و " فسجدوا " الفاء للتعقيب، والتقدير : فسجدوا له، فحذف الجار للعلم به، والسُّجود لغة : التذلُّل والخضوع، وغايته وضع الجَبْهَةِ على الأرض، وقال " ابن السكيت " :" هو الميل "، قال :" زيد الخيل " :\[ الطويل \]
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ \*\*\* تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ[(٦)](#foonote-٦)
يريد : أن الحوافر تطأ الأرض، فجعل بأثر الأُكْمِ للحوافر سجوداً ؛ وقال آخر :\[ المتقارب \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِهَا[(٧)](#foonote-٧)
وفرق بعضهم بين " سجد "، و " أسجد " ف " سجد " : وضع جبهته، وأسجد : أَمَال رأسه وَطأْطَأَ ؛ قال الشاعر :\[ المتقارب \]
فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسْجَدَتْ \*\*\* سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِها[(٨)](#foonote-٨)
وقال آخر :\[ الطويل \]
وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٩)](#foonote-٩)
يعني أن البعير طَأْطَأَ رأسَه لأجلها. 
ودَرَاهِمُ الأسجاد : دَرَاهِمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال :\[ الكامل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* وَافَى بِهَا كَدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ[(١٠)](#foonote-١٠)

### فصل في تعداد النعم العامة على بني آدم


اعلم أن هذا هو النعمة الرّابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه خصص آدم بالخلافة أولاً، ثم خصصه بالعلم ثانياً، ثم بلوغه في العلم إِلَى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، ثم ذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة. 
فإن قيل : الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله - تعالى - خلقه آدم بدليل قوله : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ  \[ ص : ٧١- ٧٢ \]، فظاهر هذه الآية يدلّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - لما صار حيًّا صار مسجود الملائكة ؛ لأن " الفاء " في قوله : فَقَعُوا  للتعقيب، وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء، ومناظرته مع الملائكة في ذلك الوَقْتِ حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. 
فالجَوَابُ : أجمع المسلمون على أن ذلك السُّجود ليس سُجُودَ عِبَادَةٍ، ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال :
الأول : أن ذلك السجود كان لله - تعالى - وآدم - عليه الصلاة والسلام - كان كالقِبْلَةِ، وطعنوا في هذا القول من وجهين :
الأول : أنه لا يقال : صلّيت للقبلة، بل يقال : صليت إِلَى القبلة، فلو كان - عليه الصّلاة والسلام - قبلة لقيل : اسْجُدوا إلى آدم. 
الثاني : أن " إبليس " قال : أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ  \[ الإسراء : ٦٢ \] أي : أن كونه مسجوداً يدلّ على أنه أعظم حالاً من السّاجد، ولو كان قِبْلَةً لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً - عليه الصلاة والسلام - كان يصلّي إلى الكعبة، ولم تَكُنِ الكعبة أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام. 
والجواب عن الأول : أنه كما يجوز أن يقال : صَلَّيْتُ إِلَى القبلة، جاز أن يقال : صَلَّيْتُ للقبلة ؛ قال تعالى : أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ  \[ الإسراء : ٧٨ \] والصّلاة لله لا للِدُّلُوك ؛ وقال حسان :\[ البسيط \]
مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الأَمْرَ مُنْصَرِفٌ \*\*\* عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَن أَبِي حَسَنِ
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ \*\*\* وَأَعْرَفَ النَّاسِ بالْقٌرْآنِ وَالسُّنَنِ[(١١)](#foonote-١١)
والجواب عن الثاني : لا نسلم أن التكرُّم حصل بمجرد ذلك السُّجود، بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر. 
والقول الثاني : أن السجدة كان لآدم تعظيماً له وتحيَّةً له كالسَّلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السَّالفة تفعل ذلك. 
قال قتادة : قوله : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً  \[ يوسف : ١٠٠ \] كانت تحيّة الناس يومئذ. 
الثَّالث : أنَّ السجود في أَصْلِ اللُّغة، هو الانقياد والخضوع، ومنه قوله تعالى : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  \[ الرحمان : ٦ \]. 
واعلم أن القول الأوّل ضعيف، لأن المقصود تعظيم آدم عليه الصلاة والسلام، وجعله مجرّد القِبْلَةِ لا يفيد تعظيم حاله. 
والقول الثالث : ضعيف أيضاً ؛ لأن السجود في عرف الشرع عبارة عن وضع الجَبْهَةِ على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك ؛ لأن الأصل عدم التغيير. 
فإن قيل : السجود عِبَادَةٌ، والعبادة لغير الله لا تجوز. 
فالجواب : لا نسلم أنه عِبَادَةٌ ؛ لأن الفعل قد يصير بالمُواضعة مفيداً كالقول، كقيام أحدنا للغير يُفِيْدُ من الإعظام ما يفيده القول، وما ذاك إلا للعادة، وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأَرْضِ وإلصاقه الجَبينَ بها مفيداً ضرباً من التعظيم، وإن لم يكن ذلك عِبَادَة، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبّد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته. 
### فصل في بيان أن الأنبياء أفضل من الملائكة


قال أكثر أهل السُّنة : الأنبياء أفضل من الملائكة. 
وقالت المعتزلة : الملائكة أَفْضَلُ من الأنبياء، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقِلاني \[ وأبي عبد الله الحليميّ \][(١٢)](#foonote-١٢). 
**وحجّة المعتزلة أمور :**
أحدها : قوله تعالى : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  \[ الأنبياء : ١٩ \] والمراد من هذه العِنْدِيَّة القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم. 
ولقائل أن يقول : إنه - تعالى - أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ  \[ القمر : ٥٥ \]. 
وأما في الدنيا فقال عليه الصَّلاة والسلام يقول الله سبحانه :" أَنا مَعَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لأَجْلِي ". 
وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم ؛ لأن كون الله - تعالى - عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله. 
وثانيها : قالوا : عبادات الملائكة أشَقّ من عبادات البشر، فيكونون أكثر ثواباً من عبادات البشر، فإن الملائكة سُكّان السماوات، وهي جَنَّات، وهم آمنون من المَرضِ والفقر، ثم إنهم مع استكمال أسباب النّعم لهم خاشعون وَجِلُونَ كأنهم مَسْجُونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنات، بل يقبلون على الطَّاعة الشاقة، ولا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المُتَطَاولة، ويؤيّده قصّة آدم - عليه الصّلاة والسلام - فإنه أطلق له الأكل في جميع مواضع الجنة، ثم إنه منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه. 
وثالثها : أن انتقال المكلّف من نوع عِبَادَةٍ إلى نوع آخر كالانتقال من بُسْتَان إلى بستان، أما الإقامة على نَوْعٍ واحدٍ، فإنها تورث المَشَقّة والمَلاَلَة، والملائكة كلّ واحد منهم مُوَاظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره، فكانت عبادتهم أَشَقّ، فيكون أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام :" أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا " [(١٣)](#foonote-١٣) أي : أَشَقُّهَا، وقوله لعائشة :" إنِّمَا أَجْرُكِ على قَدْرِ نَصبِكِ " [(١٤)](#foonote-١٤). 
ولقائل : أن يقول : في الوَجْه الأول لا نسلّم أن عبادة الملائكة أشقّ. 
أما قولهم : السماوات جنات. 
قلنا : نسلم، ولم قلتم بأن العبادة في المَوَاضع الطّيبة أشقّ من العبادة في المواضع الرَّديئة ؟ أكثر ما في الباب أنه تهيّأ لهم أسباب النعم، فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعةٌ على البشر، ومع هذا يرضون بقضاء الله، ولا تغيرهم تلك المِحَنُ عن المُوَاظبة على عبوديته، وهذا أعظم في العبودية. 
وأما قولهم : المُوَاظبة على نَوْعٍ واحدٍ من العبادة أشقّ. 
قلنا : لما اعتادوا نوعاً واحداً صاروا كالمَجْبُورين الذين لا يقدرون على خِلافِهِ ؛ لأنَّ العادة طبيعة خامسة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :" أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ كان يصوم يوماً ويُفْطر يوماً " [(١٥)](#foonote-١٥). 
ورابعها : قالوا : عبادات المَلاَئكة أَدْوَم ؛ لأن أَعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام :" أَفْضَلُ العُبَّاد من طال عمره، وحَسُنَ عمله " [(١٦)](#foonote-١٦). 
ولقائل أن يقول : إن نوحاً ولقمان والخَضِر - عليهم الصَّلاة والسلام - كانوا أطول عمراً من محمد - عليه الصلاة والسلام - فوجب أن يكونوا أفضل منه، وذلك باطل بالاتفاق. 
وخامسها : أنهم أسبق في كل العِبَادَاتِ فيكونون أفضل لقوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  \[ الواقعة : ١٠، ١١ \] ولقوله عليه الصلاة والسلام :" من سَنَّ سُنّةً حَسَنَة فله أَجْرُهَا وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " [(١٧)](#foonote-١٧). 
ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه الصلاة والسلام - أفض١ - وكذلك قرأ بها سليمان بن مهران، وقيل: هي لغة أزد شنوءة.
 انظر البحر المحيط: ١/٣٠٢، والدر المصون: ١/١٨٦، والمحرر الوجيز: ١/١٢٤، والقرطبي: ١/٢٠٠، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٧..
٢ - سقط في ب..
٣ - وهي قراءة الحسن. انظر البحر المحيط: ١/١٣١، والدر المصون: ١/٦٥، والمحتسب: ١/٣٧، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٦٣..
٤ - سقط في ب..
٥ - سقط في أ..
٦ - ينظر الصحاح: (٢/٤٨٣)، البحر: (١/٣٠٠)، المحرر الوجيز: (١/٢٣١)، الأضداد: (٢٥٧)، القرطبي: (١/٢٠٠)، اللسان "سجر"، الدر المصون: (١/١٨٧)..
٧ - عجز بيت لحميد بن ثور وصدره يأتي في الشاهد التالي وهو في ديوانه: ٩٦، الصحاح: (٢/٤٨٤)، إصلاح المنطق: (٢٤٧)، اللسان "سجد"، القرطبي (١/٢٠٠)، الدر المصون: (١/١٨٧)..
٨ - تقدم برقم (٣٧٩)..
٩ - هذا صدر بيت قاله أعرابي من بني أسد. ينظر الصحاح: (٢/٤٨٤)، القرطبي: (١/٢٠٠)، اللسان "سجد"، الدر المصون: (١/١٨٧)..
١٠ - عجز بيت للأسود بن يعفر وصدره:
 ................... \*\*\* من خمر ذي نطق أغن منطق
 ينظر الصحاح: (٢/٤٨٤)، القاموس المحيط: (١/٣١٠)، اللسان "سجد"، القرطبي: (١/٢٠٠)، الدر المصون: (١/١٨٧)..
١١ - ينظر الرازي: ٢/١٩٥..
١٢ - سقط في ب..
١٣ - ينظر الفائق في غريب الحديث للزمخشري: ١/٣١٩ عن ابن عباس أنه سئل أي الأعمال أفضل فقال أحمزها..
١٤ - أخرجه البخاري في الصحيح (٣/٧١٤ - ٧١٥) كتاب العمرة (٢٦) باب أجر العمرة على قدر النصب (٨) حديث رقم (١٧٨٧) وأحمد في المسند (٦/٤٣)..
١٥ - أخرجه مسلم في الصحيح: (٢/٨١٢) كتاب الصيام (١٣) باب النهي عن صوم الدهر وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم (٣٥) حديث رقم (١٨١/١١٥٩).
 والنسائي في السنن (٤/٢٠٩) كتاب الصيام (٢٢) باب صوم يوم وإفطار يوم (٧٦) حديث رقم (٢٣٨٨) وابن عساكر ٦/٤١٩ - وذكره ابن حجر في فتح الباري: ٤/٢٢١، وابن كثير في البداية والنهاية: ٢/١٦.
 والزبيدي في الإتحاف: ٤/٢٦١.
 والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٤١٦٠..
١٦ - أخرجه الترمذي في السنن (٤/٤٨٩) كتاب الزهد (٣٧) باب ما جاء في طول العمر للمؤمن (٢١)، (٢٢) حديث رقم (٢٣٢٩) عن عبد الله بن بسر وعبد الرحمان بن أبي بكر عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله أي الناس خير قال من طال عمره وحسن عمله قال فأي الناس شر؟ قال من طال عمره وساء عمله. حديث رقم ٢٣٣٠ قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
 وأخرجه أحمد في المسند (٤/١٨٨)، (٥/٤٠، ٤٣، ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٥٠) - والدارمي في السنن (٢/٣٠٨) والبيهقي في السنن (٣/٣٧١) - والحاكم في المستدرك (١/٣٣٩) - والطبراني في الصغير (٢/٢٠). وابن أبي شيبة (١٣/٢٥٤، ٢٥٦) وذكره المنذري في الترغيب ٤/٢٥٤..
١٧ - أخرجه مسلم في الصحيح (٢/٧٠٥) كتاب الزكاة (١٢) باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة (٢٠) حديث رقم (٦٩/١٠١٧) والترمذي في السنن حديث رقم ٢٦٧٥ وابن ماجه في السنن حديث رقم (٢٠٧). وأحمد في المسند (٤/٣٦١، ٣٦٢) - وابن أبي شيبة (٣/١٠٩) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (٢٤٧٧) - والبيهقي في السنن -(٤/١٧٦) - والطبراني في الكبير (٢/٣٥٨) - والدارمي في السنن (١/١٣١) - وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/٢٠١ والبيهقي في الزوائد ١/١٧٠، ١٧١..

### الآية 2:35

> ﻿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [2:35]

الجملة من قوله : وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  معطوفة على جملة " إذْ قُلْنَا " لا على " قلنا " وحده لاختلاف زمنيهما. 
و " أنت " توكيد للضمير المُسْتَكِنّ في " اسكن " ليصح العطف عليه[(١)](#foonote-١) " وزوجك " عطف عليه، هذا هو مذهب البَصْريين، أعني اشتراط الفعل بين المُتَعَاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيداً ؛ بل أي فصل كان، نحو : مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا  \[ الأنعام : ١٤٨ \]. 
وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل ؛ وأنشدوا :\[ الخفيف \]

قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى  كَنِعَاجِ الفَلاَ تَعَسَّفْنَ رَمْلا[(٢)](#foonote-٢)وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه، وقد منع بعضهم أن يكون " زوجك " عطفاً على الضمير المستكن في " اسكن "، وجعله من عطف الجُمَلِ، بمعنى أن يكون " زوجك " مرفوعاً بفعل محذوف، أي : وَلْتَسْكُنْ زَوْجُكَ، فحذف لدلالة " اسكن " عليه[(٣)](#foonote-٣)، ونظيره قوله : لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ  \[ طه : ٥٨ \] وزعم أنه مذهب سيبويه، وكان شبهته في ذلك أن من حَقّ المعطوف حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح هنا حلول " زوجك " محلّ الضمير لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكور نحو :" قُمْ واسْكُن " لا يكون إلا ضميراً مستتراً وكذلك فاعل يفعل، فكيف يصح وقوع الظاهر المضمر الذي قبله ؟ وهذا الذي يزعم ليس بشيء ؛ لأنَّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه ؛ ولأنه لا خلاف في صحّة " تقوم هند وزيد " ولا يصحّ مُبَاشرة " زيد " لا " تقوم " لتأنيثه. 
و " السُّكُون " و " السُّكْنَى " : الاستقرار، ومنه " المِسْكِينُ " لعدم حركته وتصرّفه، والسِّكين لأنها تقطع حركة المَذْبوح، والسَّكينة لأن بها يذهب القَلَقُ. 
وسكّان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسّكن : النار. 
قال الشاعر :\[ مشطور السريع \]. . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَانْ[(٤)](#foonote-٤)و " الجَنّ " : مفعول به لا ظرف، نحو :" سكنت الدَّار ". 
وقيل : هي ظَرْف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها ب " في " لكونها ظرف مكان مختصّ، وما بعد القول منصوب به. 
### فصل في بيان هل الأمر في الآية للإباحة أو لغير ذلك


اختلفوا في قوله :" اسكن " هل هو أمر أو إباحة ؟
فروي عن قتادة : أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابْتَلَى الملائكة بالسُّجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنّة يأكل منها حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة. 
وقال آخرون : إن ذلك إباحة. 
والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة وعلى تكليف، وهو النهي عن أَكْلِ الشجرة. 
قال بعضهم : قوله :" اسكن " تنبيه عن الخُرُوجِ ؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً ؛ لأن من أسكن رجلاً مَسْكناً له فإنه لا يملكه بالسُّكنى، وأن له أن يخرجه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان " الشَّعْبِيّ " يقول : إذا قال الرجل : داري لك سُكْنَى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال : داري هذه اسْكُنْهَا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مَاتَ، ونحو السُّكنى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكنى. 
قال " الحربي " : سمعت " ابن الأعرابي " يقول : لم يختلف العَرَبُ في أنّ هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العُمْرَى والرُّقْبَى والإفقار والإخْبَال والمِنْحَة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطْرَاق. 
### فصل في وقت خلق حواء


اختلفوا في الوَقْتِ الذي خلقت زوجته فيه، فذكر " السّدي " عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصَّحابة رضي الله عنهم : أن الله - تعالى - لما أخرج " إبليس " من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وَحْدَهُ ما كان معه مَنْ يستأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النَّوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقِّهِ الأيسر، ووضع مكانه لحماً، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وَجَدَ عند رأسه امرأةً قاعدةً فسألها ما أنت ؟ قالت : امرأة. قال : ولم خُلِقْتِ ؟ قالت لتسكن إليَّ فقالت الملائكة : لنجرب علمه من عنده، قال : امرأة، قيل : ولم سميت امرأة ؟ قال : لأنها من المرأء أخذت، فقالوا له : ما اسمها ؟ قال : حَوّاء، قالوا : ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حََيّ[(٥)](#foonote-٥). 
وعن " ابن عباس " رضي الله عنهما قال :" بعث الله جنداً من الملائكة، فحملوا آدم وحَوّاء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - على سَرِيْرٍ من ذهب كما يحمل الملوك، ولباسهما النور حتى أدخلا الجنّة ". 
فهذا الخبر يدلّ على أن حواء خلقت قبل إدخالهما الجنة. 
روى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال :" إنَّ المرأة خلقت من ضِلع الرَّجُل، فإذا أردت تَقْوِيمَهَا كَسَرْتَهَا، وإن تركتها انْتَفَعْتَ بها واسْتَقَامَتْ " [(٦)](#foonote-٦)، وهذا القول منقول " عن أبي بن كعب، وابن عباس، ووهب بن منبه، وسفيان بن عُيَيْنَةَ ". 
واختاره ابن قتيبة في " المَغَازي "، \[ والقاضي منذر بن سعيد البلوطي \][(٧)](#foonote-٧) وحكاه عن " أبي حنيفة " وأصحابه، وهو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. 
وفي رواية :" وإن أَعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاَهُ ؛ لن تستقيم لك على طَرِيقَةٍ واحدة، فإن اسْتَمْتََعْتَ بها، استمتعت وبها عِوَجٌ، وإن ذهبت تُقِيمُهَا كَسْرَتَهَا، وكَسْرُهَا طَلاَقُهَا " ؛ وقال الشاعر :\[ الطويل \]هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُهَا  أَلاَ إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَاأَتَجْمَعُ ضَعْفاً وَاقْتِداراً عَلَى الفَتَى  أَلَيْسَ عَجِيباً ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا[(٨)](#foonote-٨)### فصل في بيان خلافهم في الجنة المقصودة


اختلفوا في هذه الجنة هل كانت في الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السَّمَاء، فهل هي دار ثواب أو جنّة الخُلْدِ ؟
فقال أبو القاسم البَلْخِيّ، وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ كما في قوله : اهْبِطُواْ مِصْراً  \[ البقرة : ٦١ \] واحتجّا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغُرُورُ من " إبليس " ولما صحّ قوله : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ  \[ الأعراف : ٢٠ \]. 
وثانيها : أن من دخل هذه الجَنَّة لا يخرج منها لقوله تعالى : وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ  \[ الحجر : ٤٨ \]. 
وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله أن يصل إلى جنة الخلد. 
ورابعها : أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا  إلى أن قال : عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  \[ هود : ١٠٨ \] أي : غير مقطوع. 
وخامسها : لا نزاع في أن الله - تعالى - خلق آدم في الأَرْضِ، ولم يذكر في هذه القصّة أنه نقله إلى السماء، ولو كان - تعالى - قد نقله إلى السَّماء لكان أولى بالذكر ؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدلّ على أن ذلك لم يحصل، وذلك يوجب أن هذه الجنّة غير جنّة الخلد. 
وقال " الجُبَّائي " : أن تلك الجَنّة كانت في السَّمَاء السَّابعة، والدليل عليه قوله :" اهْبِطُوا مِنْهَا " ثم إنّ الإهباط الأول كان من السَّماء السَّابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان مِنَ السماء إلى الأرض. 
وقال أكثر العلماء : إنها دَارُ الثواب ؛ لأنَّ الألف واللام في لفظ الجَنّة لا يفيدان العموم ؛ لأن سكون جميع الجِنَان مُحَال، فلا بد من صرفها إلى المَعْهُود السّابق، وجنّة الخلد هي المعهودة بين المسلمين، فوجب صرف اللفظ إليها. 
وقال بعضهم : الكُلّ ممكن، والأدلّة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقُّف وترك القطع، والله أعلم. 
### فصل في إعراب الآية


قوله : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً  هذه الجملة عطف على " اسْكُن "، فهي في محلّ نصب بالقول، وأصل " كُلْ " :" اؤكل " بهمزتين : الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل : أوكُل بإبدال الثانية حرفاً مجانساً لحركة ما قبلها، إلاّ أن العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفاً، فاستغنت حينئذ عن همزة الوَصْلِ، فوزنه " عُلْ " ومثله :" خُذْ " و " مُرْ "، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها، فلا تقول : من " أَجَرَ - جُر " ولا تَرَدُّ العرب هذه الفاء في العَطْفِ، بل تقول :" قم وخذ وكل " إلاَّ " مُرْ "، فإن الكثير رَدّ فاءه بعد الواو والفاء، قال تعالى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ  \[ طه : ١٣٢ \]، وعدم الرد قليل. 
وحكى سيبويه " اؤكل " على الأصل، وهو شاذّ. 
وقال " ابن عطية " [(٩)](#foonote-٩) : حذفت النون من " كُلا " للأمر. 
وهذه العِبَارَةُ موهمةٌ لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج، وهو عند البصريين محمول على المجزوم، فإن سكن المجزوم سكن الأمر منه، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر. 
و " منها " متعلّق به، و " من " للتبعيض، ولا بُدّ من حذف مضاف أي : من ثمارها ويجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، وهو حسن. 
فإن قيل : ما الحكمة في عطفه هنا " وَكُلاَ " بالواو، وفي " الأعراف " بالفاء ؟
والجواب : كلّ فعل عطف عليه شيء، وكان الفعل بمنزلة الشَّرط، وذلك الشَّيء بمنزلة الجزاء، عطف الثَّاني على الأوّل بالفاء دون الواو، كقوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا 
\[ البقرة : ٥٨ \] فعطف " كلوا " على " ادخلوا " بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها، فالدُّخول موصل إلى الأَكْل، والأكل متعلّق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة " الأعراف " : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ  \[ الأعراف : ١٦١ \] فعطف " كلوا " على قوله :" اسكنوا " بالواو دون الفاء ؛ لأن " اسكنوا " من السُّكْنَى، وهو المقام مع طول اللّبْث والأكل لا يختص وجوده بوجوده ؛ لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه، وإن كان مجتازاً، فلما لم يتعلّق الثاني بالأول تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء. إذا ثبت هذا فقوله :" اسكن " يقال لمن أراد منه، الزم المَكَان الذي دخلته، فلا تنفك عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخله : اسكن هذا المكان يعني : ادخله واسكن فيه، فقوله في سورة البقرة : اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ  إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنّة، فكان المُرَادُ منه اللُّبْث والاستقرار، وقد بَيَّنَّا أن الأكل لا يتعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الواو، وفي سورة " الأعراف " هذا الأمر إنما ورد قبل دخول الجَنّة، فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأَكْلَ متعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الفاء، والله أعلم. 
و " رَغَداً " نعت لمصدر مَحْذوف، وقد تقدم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالاً. 
وقيل : هو مصدرٌ في موضع الحال أي : كُلاَ طَيِّبَيْنِ مُهَنَّأَيْنِ. 
وقرأ النَّخَعِي[(١٠)](#foonote-١٠) : وابن و١ - وحاصل المواضع التي يستكن فيها الضمير وجوبا، ونعني بواجب الاستتار: ما لا يحلّ محلّه الظاهر، وهي أربعة:
 الأول: فعل الأمر للواحد المخاطب؛ كافعل، فالتقدير: أنت، وهذا الضمير لا يجوز إبرازه؛ لأنه لا يحل محله الظاهر، فلا تقول: افعل زيد، فأما: افعل أنت، واسكن أنت، فـ "أنت" توكيد للضمير المستتر، وعلى ذكر المصنف - رحمه الله - فإن كان الأمر لواحدة، أو لاثنين، أو لجماعة، برز الضمير، نحو: اضربي، واضربا، واضربوا، واضربن.
 الثاني: الفعل المضارع الذي في أوله همزة، نحو: أوافق، والتقدير: (أنا)، فإن قلت: أوافق أنا، وكان (أنا) تأكيدا للضمير المستتر.
 الثالث: الفعل المضارع الذي في أوله النون، نحو: "نغتبط" أي: نحن.
 الرابع: الفعل المضارع الذي في أوله التاء لخطاب الواحد، نحو: تشكر (أي: أنت).
 **وقد جمع ذلك ابن مالك فقال:**ومن ضمير الرفع ما يستتر  كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر. انظر التصريح على التوضيح: (١/١٠٠ - ١٠١) وشرح ابن عقيل: (١/٩٥ - ٩٧)، والكتاب لسيبويه: (١/١٢٥)، وحاشية الصبان على الأشموني: (١/١١٢ - ١١٣)، وهمع الهوامع: (١/٦٢)، وشرح المفصل: (٨/٧٦)، وارتشاف الضرب: (٢/٦٥٧ - ٦٥٨)..
٢ - البيت لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ٤٩٨، شرح أبيات سيبويه ٢/١٠١، شرح عمدة الحافظ ٦٥٨، شرح المفصل ٣/٧٦، اللمع ١٨٤، ٢/٣٨٦، شرح الأشموني ٢/٤٢٩، شرح ابن عقيل ٥٠١، الكتاب ٢/٣٧٩، الدرر ٢/١٩١، الدر المصون ١/١٨٩..
٣ - إذا عطفت على الضمير المرفوع المستكن، أو البارز، فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا بالفصل بين المتعاطفين، بتوكيد بضمير منفصل، أو بغيره.
 وذهب الكوفيون وابن الأنباري: إلى أنه لا يشترط في ذلك الفصل، بل يجوز في الكلام قمت وزيد، وحكي عن أبي على إجازة ذلك من غير فصل، وفي كتاب سيبويه - حين ذكر انفصال بعض الضمائر: وكذلك (كنا وأنت ذاهبين) إلا أن الشرَّاح تأولوه، ولا يعتد عند البصريين بفصل كاف (رويدك)، بل يؤكد إذا عطفت على الضمير المرفوع في (رويدك)؛ فتقول: رويدك أنت وزيد. 
 ينظر ارتشاف الضرب: ٢/٦٥٨..
٤ - ينظر القرطبي: ١/٢٠٥..
٥ - أخرجه الطبري (١/٥١٣) رقم (٧١٠) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن عباس..
٦ - أخرجه مسلم في الصحيح ٠٢/١٠٩١) كتاب الرضاع (١٧) باب الوصية بالنساء (١٨) حديث رقم (٥٩، ١٤٦٩، ٦٠، ١٤٦٩).
 والترمذي في السنن حديث رقم (١١٨٨).
 والدارمي في السنن (٢/١٤٨)
 وابن حبان في الموارد حديث رقم (١٣٠٨)
 وابن أبي شيبة (٥/٢٧٦).
 والبخاري في الأدب المفترد (٧٤٧)..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر البيتان في القرطبي: ١/٢٠٨، والبيت الأول في اللسان (ضلع)..
٩ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٢٦..
١٠ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٢٧، والبحر المحيط: ١/٣٠٩، والدر المصون: ١/١٨٩، والقرطبي: ١/٢٠٨..

### الآية 2:36

> ﻿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [2:36]

المفعول في قوله :" فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطََانُ " واجب التقديم، لأنه ضمير متّصل، والفاعل ظاهر، وكل ما كان كذا فهذا حكمه. 
وقرأ " حمزة " [(١)](#foonote-١) :" فأَزَالَهُما " والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد، وذلك أن قراءة الجماعة " أزلهما " يجوز أن تكون من " زَلَّ عَنِ المَكَانِ " : إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة " حمزة "، ويدل عليه قول امرئ القيس :\[ الطويل \]

كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ  كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزَّلِ[(٢)](#foonote-٢)وقال أيضاً :\[ الطويل \]يَزِلُّ الغُلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ  وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ[(٣)](#foonote-٣)فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة " حمزة "، أو نرد قراءة " حمزة " إلى قراءة الجماعة بأن نقول : معنى أزالهما : أي صرفهما عن طاعة الله، فأوقعهما في الزَّلَّة ؛ لأن إغواءه وإيقاعه لهما في الزَّلَّة سبب للزوال، ويحتمل أن تفيد كل قراءة معنى مستقلاًّ، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعهما في الزَّلَّة، فيكون " زلّ " بمعنى : استزلّ، وقراءة " حمزة " تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما، ولا بُدَّ من المجاز في كِلْتَا القراءتين، لأن الزَّلَلَ أصله من زلّة القدم، فاستعمل هنا في زلّة الرأي والتنحية لا يقدر عليها الشَّيطان، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية. 
و " عنها " متعلّق بالفعل قبله، ومعنى " عن " هنا السَّببية إن أعدنا الضمير على " الشجرة " أي : أوقعهما في الزَّلَّة بسبب الشجرة. 
قال " الزَّمخشري " لفظة " عن " في هذه الآية كما في قوله : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي  \[ الكهف : ٨٢ \]. 
ويجوز أن تكون على بابها من المُجاوزة إن عاد الضمير على " الجنّة "، وهو الأظهر، لتقدّم ذكرها، وتجيء عليه قراءة " حمزة " واضحة، ولا تظهر قراءته كلّ الظُهور على كون الضمير ل " الشجرة ". 
قال " ابن عطيّة " [(٤)](#foonote-٤) فأما من قرأ " أزالهما " فإنه يعود على " الجنة " فقط. 
وقيل : الضَّمير للطاعة، أو للحالة، أو للسماء، وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة السياق عليهما. وهذا بعيد جدًّا. 
فإن قيل : إن الله - تعالى - قد أضاف الإزْلاَل إلى " إبليس " فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟
والجواب : أن قوله :" فأزلهما " أنهما عند وَسْوَسَتِهِ أتيا بذلك الفعل، وأضيف ذلك إلى " إبليس " كما في قوله تعالى : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلاَّ فِرَاراً  \[ نوح : ٦ \] قال تعالى حاكياً عن إبليس : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي  \[ إبراهيم : ٢٢ \]، هذا قول المعتزلة، والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه، وهو أن القادر على الفعل والترك مع التَّسَاوي يستحيل أن يكون موجداً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الدَّاعي إليه، والدَّاعي في حَقّ العبد عبارة عن علم أو ظن، أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحةٍ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبّه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك المنبّه ؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفَاعِلُ بالقوة فاعلاً بالفعل، فهكذا المَعْنَى انضاف - ها هنا - إلى الوسوسة. 
فإن قيل : كيف كانت الوَسْوَسَةُ ؟
فالجواب : هي التي حكى الله عنها في قوله : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ  \[ الأعراف : ٢٠ \] فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال تعالى : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ  \[ الأعراف : ٢١ \] فلم يصدقاه. 
والظاهر أنه بعد ذلك عَدَلَ إلى شيء آخر، وهو أنه شغلهما باستيفاء اللَّذَّت المُبَاحة حتى صارا مستغرقين فيها، فَحَصَلَ بسبب استغراقهما فيها نِسْيَان النهي، فعند ذلك حصل ما حصل، والله أعلم. 
### فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم


اختلفوا في أنه كيف تمكّن إبليس من وَسْوَسَةِ آدم عليه الصلاة والسلام مع أن إبليس كان خارج الجنّة، وآدم عليه الصَّلاة والسَّلام داخل الجنّة ؟ وذكروا فيه وجوهاً :
أحدها : ما روي عن وهب بن منبّه والسدي عن ابن عباس وغيره : أن إبليس أراد دخول الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى الحية بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد من الحيوانات، فابتلعته الحية وأدخلته الجَنَّة خفية من الخَزَنَةِ، فلما دخلت الحَيّة الجنة خرج إبليس من فيها واشتغل بالوَسْوَسَةِ، فلا جرم لعنت الحَيّة، وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدواً لبني آدم، وأمرنا بقتلها في الحِلّ والحَرَمِ[(٥)](#foonote-٥). 
قال ابن الخطيب[(٦)](#foonote-٦) : وهذا وأمثاله يجب ألا يلتفت إليه ؛ لأن إبليس لو قدر على الدخول في فَمِ الحيّة فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حَيّة ثم يدخل الجَنّة ؟ ولأن الحية لو فعلت ذلك، فلم عوقبت مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة ؟ وأيضاً فلما خرج من بطنها صارت في الجنة كانت الملائكة والخزنة يرونه. 
وثانيها : أن " إبليس " دخل الجَنَّة في صورة دَابّة، وهذا القول أقلّ فساداً من الأول. 
وثالثها : قال بعض أَهْل الأصول : لعلّ آدم وحَوّاء - عليهما السلام - كانا يخرجان إلى باب الجنة، وإبليس كان بقرب الماء يُوَسْوِسُ لهما. 
ورابعها : قال الحسن : كان إبليس في الأرض، وأوصل الوَسْوسَةَ إليهما في الجنّة. 
قال بعضهم : هذا بعيد ؛ لأن الوسوسة كلام خفيّ، والكلام الخفيّ لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السَّماء. 
واختلفوا في أن " إبليس " باشر خطابهما، أو أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. 
حجّة الأول : قوله تعالى : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ  \[ الأعراف : ٢١ \] وذلك يقتضي المُشَافهة، وكذا قوله : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  \[ الأعراف : ٢٢ \]. 
وحجّة الثاني : أن آدَمَ وحواء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - كان يعرفانه، ويعرفان ما عنده من العداوة والحَسَد، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة بعض أتباع إبليس. 
وقد يُجَاب عن هذا بأن إبليس لما خالف أمر ربّه ولعن لعلّه انتقل من تلك الصورة التي يُعْرَفُ بها إلى صورة أخرى، ولعلّ إبليس تشكّل لهما في صورة لا يعرفانها، فإن له قدرة التشكل، والله أعلم. 
### فصل في بيان أن آدم عصى ربه ناسياً


اختلفوا في صدور ذلك الفعل عن آدم - عليه الصلاة والسّلام - بعد النبوة، هل فعله ناسياً أو ذاكراً ؟
قال طائفة من المتكلّمين : فعله ناسباً، واحتجوا بقوله تعالى : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  \[ طه : ١١٥ \] ومثلوه بالصَّائم إذا أكل ناسياً، وهذا باطل من وجهين :
الأول : قوله تعالى : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ  \[ الأعراف : ٢٠ \]. 
وقوله : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ  يدلّ على أنه ما نسي النهي حال الإقدام. 
الثاني : أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل. 
أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل فلا يكون مكلفاً به لقوله تعالى : لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  \[ البقرة : ٢٨٦ \]. 
وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام :" رُفعَ عَنْ أمّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ ". 
وقد يجاب عن الأول بأنا لا نسلّم أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قَبِلاَ من إبليس ذلك الكلام وصَدّقاه ؛ لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في ذلك التصديق أعظم من أكل الشَّجرة ؛ لأن إبليس لما قال لهما : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ  الآية فقد ألقى إليهما سوء الظَّن بالله - تعالى - ودعاهما إلى ترك التَّسْليم لأمره، والرضا بحكمه، وأن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما، وأن الرب - تَعَالَى - قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المُعَاتبة في ذلك أشد، وأيضاً آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالماً بتمرد " إبليس "، وكونه مبغضاً له وحاسداً له، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوّه مع هذه القرائن، وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام. 
وأما الجواب الثاني : فهو أن العتاب إنما حصل على قلّة التحفُّظ من أسباب النسيان، وهذا الضرب من السَّهو موضوع عن المسلمين، وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خَطَرِهِمْ ومثّلوه بقوله : يا نسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ  \[ الأحزاب : ٣٢ \]، ثم قال : مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَف لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  \[ الأحزاب : ٣٠ \]. 
وقال عليه الصلاة والسلام :" أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأنبياءُ ثم الأوْلِيَاءُ ثم الأَمْثَلُ فالأَمْثَلُ " [(٧)](#foonote-٧)، ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم من التَّشْديدات في التَّكليف ما لم يَكُن على غيره. 
وذكر بعض المفسّرين أن حوّاء سقته الخَمْرَ، فسكر وفي أثناء السّكر فعل ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد ؛ لأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فكان مأذوناً له في تناول الخمر، ولقائل أن يقول : إن خمر الجَنَّة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة : لاَ فِيهَا غَوْلٌ  \[ الصافات : ٤٧ \]. 
القول الثاني : أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - فعله عامداً ؛ فها هنا قولان :
أحدهما : أن ذلك النهي نهي تَنْزِيِهٍ، لا نهي تحريم، وقد تقدم. 
الثاني : أنه تعمّد وأقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذَّنْبِ كبيرة، وهذا اختيار أكثر المعتزلة. 
وبيان خطأ الاجتهاد أنه لما قيل له : وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ 
\[ الأعراف : ١٩ \] فلفظ " هذه " يشار به إلى الشَّخص، وقد يشار به إلى النوع، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أخذ حريراً وذهباً بيده وقال :" هَذَانِ حَلاَلٌ لإنَاثِ أمّتِي حَرَامٌ على ذُكُورِهَا " وأراد به نوعهما، وتوضأ مرة وقال :" هذا وُضُوءٌ لا يقبل الله الصَّلاَةَ إلاَّ به " وأراد نوعه، فلما سمع آدم - عليه الصلاة والسلام - قوله : ولا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ  ظنّ أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، فكان مخطئاً في ذلك الاجتهاد ؛ لأن مراد الله - تعالى - النهي عن النوع لا عن الشخص. 
والاجتهاد في الفروع إذا كان خطأً لا يوجب استحقاق العقاب لاحتمال كونه صغيرةً مغفورة كما في شرعنا. 
فإن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه :
أحدها : أن كلمة " هذا " في أصل اللغة للإشارة إلى الشَّيء الحاضر، وهو لا يكون إلا شيئاً معيناً، فإن أشير بها إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، وأيضاً فلأنه - تعالى - لا تجوز الإشارة عليه، فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشَارَةِ إلى ذلك الشَّخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا مَحَالة، وإذا ثبت هذا فالمجتهد مكلف يحمل اللفظ على حقيقته، فآدم - عليه الصلاة والسلام - لما حمل لفظ " هذه " على المُعَيّن كان قد فعل١ - انظر الحجة للقراء السبعة: ٢/١٤، وطيبة النشر: ٤/١٨، والعنوان: ٦٩، وإعراب القراءات السبع وعللها: ١/٨١، والسبعة: ١٥٣، وحجة القراءات: ٩٤، وشرح شعلة: (٢٦١)، وإتحاف: ١/٣٨٨. وقرأ بها الحسن وأبو رجاء. انظر البحر المحيط: ١/٣١٣، والقرطبي: ١/٢١٣..
٢ - تقدم برقم (٢٣٤)..
٣ - ينظر الزجاجي: (٢/٤٤٥)، المعلقات للزوزني: (٢٥)، المقرب (٤٨٥)، التبريزي: (١١٦)، الشنقيطي: (٦٦)، الدر المصون: (١/١٩٣)..
٤ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٢٩..
٥ - أخرجه الطبري (١/٥٢٥ - ٥٢٦) عن وهب بن منبه وأخرجه أيضا (١/٥٢٧) عن ابن عباس وابن مسعود.
 وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/١٨٠) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن مسعود وعبد الرزاق عن ابن عباس وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس أيضا..
٦ - ينظر الرازي: ٣/١٥..
٧ - أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/١٣٣٤ كتاب الفتن (٣٦) باب الصبر على البلاء (٢٣) حديث رقم ٤٠٢٣ - والحاكم في المستدرك ٣/٤٤٣.
 والبخاري في التاريخ الكبير ٨/١١٥.
 وذكره الزبيدي في الإتحاف ٥/١١٦، ٨/١٢١، ٥٦٠، ٩/٥٢٣.
 والهندي في كنز العمال حديث رقم ٦٧٨٠، ٦٧٨١، ٦٨٣٠..

### الآية 2:37

> ﻿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:37]

الفاء في قوله :" فتلقى " عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها، و " تلقى " " تفعل " من اللِّقَاء بمعنى المجرّد. 
وله معانٍ أخر : مطاوعة " فعل " نحو :" كسرته فتكسر ". 
والتجنب نحو :" تجنب " أي : جانب الجَنْبَ. 
والتكلّف نحو : تحلّم. 
والصيرورة : تأَلَّم. 
والاتخاذُ : نحو : تَبَنَّيْتُ الصبي، أي : اتخذته ابناً. 
ومُوَاصلة العمل في مُهْلَة نحو، تجرّع وتفهم. 
ومُوَافقة استفعل نحو : تكبر. 
والتوقُّع نحو : تخوّف. 
والطَّلب نحو : تنجّز حاجته. 
والتكثير نحو : تغطَّيت بالثياب. 
والتلبُّس بالمُسَمَّى المُشْتَقّ منه نحو : تقمّص، أو العمل فيه نحو : تسحّر. 
والختل : نحو : تغفلته. 
وزعم بعضهم أن أصل " تَلَقَّى " :" تَلَقَّنَ " بالنون فأبدلت النون ألفاً، وهذا غلط ؛ لأن ذلك إنما ورد في المضعّف نحو " قَصَّيْتُ أظَافري " و " تَظَنَّيْتُ " و " أمليت الكتاب " في " قَصَصْتُ " و " تَظَنَّنْتُ "، و " أمْلَلْتُ " فأحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا. 
قال القَفَّال : أصل التلقِّي هو التعرُّض للقاء، ثم وضع في موضع الاستقبال للمتلقِّي، ثم يوضع القبول والأخذ، قال تعالى : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ  \[ النمل : ٦ \] ويقال : خرجنا نتلقى \[ الحاجَّ \][(١)](#foonote-١)، أي : نستقبلهم، وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يتلقّى الوحي، أي : يستقبله ويأخذه. 
وإذا كان هذا أصل الكلمة، وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه، فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوَصْفِ بذلك، فجاز أن يقال : تلقَّى آدمَ بالنَّصب على معنى جاءته عن الله - تعالى - كلمات، و " من ربه " متعلّق ب " تلقى "، و " من " لابتداء الغاية مجازاً. 
وأجاز أبو البَقَاءِ أن يكون في الأصل صفة ل " كلمات " فلما قدم انتصب حالاً، فيتعلّق بمحذوف، و " كلمات " مفعول به. 
وقرأ[(٢)](#foonote-٢) " ابن كثير " بنصب " آدم "، ورفع " كلمات "، وذلك أن مَنْ تلقَّاك فقد تلقيته، فتصبح نسبة الفعل إلى كلّ واحد. 
وقيل : لما كانت الكلمات سبباً في توبته جعلت فاعلة، ولم يؤنث الفعل على هذه القراءة وإن كان الفاعل مؤنثاً ؛ لأنه غير حقيقي، وللفصل أيضاً، وهذا سبيل كل فعلٍ فصل بينه وبين فاعله المؤنّث بشيء، أو كان الفاعل مؤنثاً مجازياً.

### فصل في الكلمات التي دعا بها آدم ربه


اختلفوا في تلك الكلمات ما هي ؟
فروى " سعيد بن جبير " رضي الله عنه أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال : يا ربّ ألم تخلقني بِيَدِكَ بلا وَاسِطَةٍ ؟ قال : بلى، قال : يا رب أَلَمْ تنفخ فِيَّ من رُوحِكَ ؟ قال : بلى. قال : ألم تُسْكني جنتك ؟ قال : بلى. قال : يا ربّ ألم تسبق رحمتك غَضَبَك ؟ قال : بلى. قال يا رب إن تُبْتُ وأصلحت تردّني إلى الجنة ؟ قال : بلى. فهو قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [(٣)](#foonote-٣). 
وزاد السّدى فيه : يا ربّ هل كنت كتبت علي ذنباً ؟ قال : نعم[(٤)](#foonote-٤). 
وقال النَّخعي : أتيت ابن عباس فقلت : ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه ؟ قال : علّم الله آدم وحواء أمر الحجّ فحجا، وهي الكلمات التي تقال في الحَجّ، فلما فرغا من الحجّ أوحى الله - تعالى – إليهما إني[(٥)](#foonote-٥) قبلت توبتكما. 
وروي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومجاهد، وقتادة في قوله تعالى : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [(٦)](#foonote-٦) \[ الأعراف : ٢٣ \]، وعن مجاهد أيضاً :" سبحانك اللَّهم لا إله إلاَّ أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم " [(٧)](#foonote-٧). 
وقالت طائفة : رأى مكتوباً على ساق العرش : محمد رسول الله، فتشفّع بذلك[(٨)](#foonote-٨). 
وعن ابن عباس، ووهب بن منبّه أن الكلمات سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت عملت سُوءاً، وظلمت نفسي \[ فاغفر لي إنك خير الغافرين، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سُوءاً، وظلمت نفسي \][(٩)](#foonote-٩) فتب عليّ إنك أنت التَّوَّاب الرحيم[(١٠)](#foonote-١٠). 
قالت عائشة رضي الله عنها : لما أراد الله أن يَتُوبَ على آدم، وطاف بالبيت سبعاً - والبيت حينئذ ربوة حمراء - فلما صلّى ركعتين استقبل البيت، وقال :" اللَّهم إنك تعلم سرِّي وعلانيتي، فأقبل مَعْذِرَتِي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللَّهُمّ إني أسألك إيماناً يُبَاشِرُ قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلاَّ ما كتبت لي ورضّني بما قسمت لي " فأوحى الله - تعالى - إلىَ آدم يا آدم قد غفرت لك ذنوبك، ولن يأتي أحد من ذريّتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني إلاَّ غفرت ذنبه، وكشفت هُمُومه وغمومه، ونزعت الفَقْرَ من عينيه، وجاءته الدُّنيا وهو لا يريدها[(١١)](#foonote-١١). 
قوله : فَتَابَ عَلَيْهِ  عطف على ما قبله، ولا بُدَّ من تقدير جملة قبلها أي : فقالها. و " الكلمات " جمع " كلمة " وهي : اللَّفظ الدَّالّ على معنى مفرد، وتطلق على الجمل المفيدة مجازاً تسمية للكلّ باسم الجزء كقوله تعالى : إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ  ثم فسرها بقوله : أَلاَّ نَعْبُدَ 
\[ آل عمران : ٦٤ \] إلى آخر الآية، وقال : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ  \[ المؤمنون : ١٠٠ \] يريد قوله : رَبِّ ارْجِعُونِ  إلى آخره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أَصْدَقُ كلمةٍ قالها شَاعِرٌ كلمة لَبِيد " [(١٢)](#foonote-١٢) وهو قوله :\[ الطويل \]أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ  وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ[(١٣)](#foonote-١٣)فسمى هذا البيت كلمةً، والتوبة : الرجوع، ومعنى وصف الله - تعالى - بذلك أنه عبارةٌ عن العَطْفِ على عباده، وإنقاذهم من العذاب. 
وقيل : قبول توبته. 
وقيل : خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسمى، وآخر الطَّاعات على جَوَارحه، ووصف العَبْدِ بها ظاهر ؛ لأنه يرجع عن المعصية إلى الطاعة. 
و " التوّاب الرحيم " صفتا مُبَالغة، ولا يختصَّان بالباري تعالى. 
قال تعالى : يُحِبُّ التَّوَّابِينَ  \[ البقرة : ٢٢٢ \]، ولا يطلق عليه " تائب "، وإن صرح بفعله مسند إليه تعالى. وقدم " التواب " على " الرحيم " لمناسبة " فتاب عليه "، ولأنه مناسب لختم الفواصل بالرحيم. 
وقوله : إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  نظير قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  \[ البقرة : ٣٢ \]. 
وأدغم أبو عمرو هاء " إنَّه " في هاء " هُو "، واعترض على هذا بأنّ بين المثلين ما يمنع من الإدغام وهو " الواو " ؛ وأجيب : بأن " الواو " وُصْلَةٌ زائدةٌ لا يعتدّ بها ؛ بدليل سقوطها في قوله :\[ الوافر \]لَهُ زَجلٌ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَادٍ  إذَا طَلَبَ الوَسِيقَةَ أَوْ زَمِيرُ[(١٤)](#foonote-١٤)وقوله :\[ البسيط \]أوْ مُعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِهِ  مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا[(١٥)](#foonote-١٥)والمشهور قراءة " إنه " بكسر " إن "، وقرئ[(١٦)](#foonote-١٦) بفتحها على تقدير لام العلّة، وقرأ[(١٧)](#foonote-١٧) الأعمش :" آدَم مِّنْ رَبِّهِ " مدغماً. 
### فصل في نظم الآية


قوله :" فتاب عليه " أي : قبل توبته، أو وفقه للتوبة، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم الجُمُعة. 
فإن قيل : لم قال " عليه " ولم يقل :" عليهما "، وحواء مُشَاركة له في الذنب. 
فالجواب : أنها كانت تبعاً له كما طوى حكم النِّسَاء في القرآن والسُّنة. 
وقيل : لأنه خصّه بالذكر في أوّل القصّة بقوله : اسْكُنْ  \[ البقرة : ٣٥ \]، فكذلك خصّه بالذكر في التلقّي. 
وقيل : لأن المرأة حرمة ومستورةٌ، فأراد الله السّتر بها، ولذلك لم يذكرها في القصّة في قوله : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى  \[ طه : ١٢١ \]. 
١ - في ب: الحجاج..
٢ - انظر حجة القراءات: ٩٤، والحجة للقراء السبعة: ٢/٢٣، وإعراب القراءات: ١/٨٢، والعنوان: ٦٩، وشرح الطيبة: ٤/١٩، وشرح شعلة: ٢٦١، وإتحاف: ١/٣٨٨..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/٥٤٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١١٦) وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في "التوبة" وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/٥٤٤)..
٥ - في ب: بأني..
٦ - أخرجه الطبري (١/٥٤٣) في تفسيره عن أبي العالية.
 وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "الشعب" عن قتادة كما في "الدر المنثور" (١/١١٧).
 وأخرجه الثعلبي من طريق عكرمة عن ابن عباس.
 وأخرجه ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (١/١١٧).
 وأخرجه الطبري (١/٥٤٥) عن مجاهد وزاد السيوطي نسبته في "الدر المنثور" (١/١١٨) لوكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
 وأخرجه هناد في الزهد عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (١/١١٨).
 وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن والضحاك كما في "الدر المنثور" (١/١١٨)..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/٥٤٥) وذكره ابن كثير في تفسيره (١/١٤٧)..
٨ - روي هذا مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/٦١٥) وقال: صحيح الإسناد.
 ورده الذهبي بقوله: بل موضوع.
 وأورده ابن كثير في تاريخه (٢/٣٢٣) وأقر كلام الذهبي.
 وأخرجه الطبراني في "الصغير" (٢٠٧).
 وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/٣٥٣): رواه الطبراني في "الأوسط والصغير" وفيه من لم أعرفهم..
٩ - سقط في ب..
١٠ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١١٨) وعزاه لعبد بن حميد عن عبد الله بن زيد والبيهقي في "الشعب" وابن عساكر عن أنس..
١١ - أخرجه الجندي وابن عساكر في "فضائل مكة" والطبراني عن عائشة كما ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١١٧)..
١٢ - أخرجه البخاري في الصحيح (٥/١٢٨) كتاب المناقب باب أيام الجاهلية حديث رقم (٣٨٤١) عن أبي هريرة.
 وابن ماجه في السنن (٢/٢٣٦) كتاب الأدب باب الشعر حديث رقم (٣٧٥٧) - وأحمد في المسند (٢/٣٣٩)، (٣/٢٤٨، ٣٩٣، ٤٥٨) - والبخاري في التاريخ الكبير (٧/٢٤٩) وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم ٤٧٨٦..
١٣ - ينظر في ديوانه: ٢٥٦، جواهر الأدب: ٣٨٢، خزانة الأدب: ٢/٢٥٥ و٢٥٧، الدرر: ١/٧١، ديوان المعاني: ١/١١٨، وسمط اللآلي: ٢٥٣، شرح الأشموني: ١/١١، شرح التصريح: ١/٢٩، شرح شذور الذهب: ٣٣٩، شرح شواهد المغني: ١/١٥٠ و١٥٣ و١٥٤ و٣٩٢، شرح المفصل: ٢/٧٨، العقد الفريد: ٥/٢٧٣، لسان العرب (رجز)، المقاصد النحوية: ١/٥ و٧ و٢٩١، أوضح المسالك: ٢/٢٨٩، رصف المباني: ٢٦٩، شرح قطر الندى: ٢٤٨، والدر المصون: ١/١٩٦..
١٤ - البيت للشماخ في ديوانه: ص ١٥٥ وينظر شرح أبيات سيبويه: ١/٤٣٧، والكتاب: ١/٣٠، لسان العرب (ها)، والدرر: ١/١٨١، الخصائص: ١/٣٧١، الإنصاف: ٢/٥١٦، الأشباه والنظائر: ٢/٣٧٩، خزانة الأدب: ٢/٣٨٨، ٥/٢٧٠، ٢٧١، والمقتضب: ١/٢٦٧، همع الهوامع: ١/٥٩، الدر المصون: ١/١٩٦..
١٥ - البيت لرجل من باهلة ينظر شرح أبيات سيبويه: ١/٤٢٢، الكتاب: ١/٣٠، الإنصاف: ٢/٥١٦، خزانة الأدب: ٥/٢٦٩، لسان العرب (عبر)، والمقتضب: ١/٣٨، المقرب: ٢/٢٠٤، الدر المصون: ١/١٩٦..
١٦ - قرأ بها أبو توفل بن أبي عقرب. انظر البحر المحيط: ١/٣١٩، والدر المصون: ١/١٩٦، والقرطبي: ١/٢٢٣..
١٧ - ونسبت إلى أبي عمرو، ويعقوب.
 انظر إتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٩..

### الآية 2:38

> ﻿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:38]

كرر قوله :" قلنا : اهبطوا " ؛ لأن الهبوطين مختلفان باعتبار تعلّقهما، فالهبوط الأوّل علّق به العداوة[(١)](#foonote-١)، والثاني علّق به إتيان الهدى. 
وقيل : لأن الهبوط الأول من الجنّة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. واستبعده بعضهم لوجهين :
الأول : لقوله : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ  \[ البقرة : ٣٦ \] وذكر هذا في الهبوط الثَّاني أولى. وهذا ضعيف ؛ لأنه يجوز أن يراد : ولكم في الأرض مستقرّ بعد ذلك. 
وثانيهما : أنه قال في الهُبُوطِ الثَّاني :" اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً "، والضمير في " منها " عائد إلى " الجنّة " وذلك يقتضي كون الهُبُوط الثاني من الجنّة. 
قال " ابن عطية " [(٢)](#foonote-٢) : وحكى " النَّقاش " أن الهبوط الثَّاني إنما هو من الجنّة إلى السّماء، والأولى في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو الآخر[(٣)](#foonote-٣) في الوقوع. 
وقيل : كرّر على سبيل التَّأكيد نحو قولك :" قم قم ". 
والضَّمير في " منها " يعود على الجَنّة، أو السَّماء. 
قال " ابن الخطيب " [(٤)](#foonote-٤) : وعندي فيه وجه ثَالِثٌ، وهو أن آدم لما أتيا بالزَّلَّة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، فأعاد الله الأمر بالهبوط مَرّةً ثانيةً ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزَّلَّة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة ؛ لأن الأمر به كان تحقيقاً للوَعْدِ المتقدّم في قوله : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [(٥)](#foonote-٥) \[ البقرة : ٣٠ \]. 
قوله :" جَمِيعاً " حال من فاعل " اهْبِطُوا " أي : مجتمعين : إما في زمان واحدٍ، أو في أزمنة متفرقة ؛ لأن المُرَاد الاشتراك في أصل الفعل، وهذا هو الفرق بين " جاءوا جميعاً "، و " جاءوا معاً "، فإن قوك :" معاً " يستلزم مجيئهم جميعاً في زمن واحد، لما دلّت عليه " مع " من الاصْطِحَاب بخلاف " جميعاً " فإنها لا تفيد إلا أنه لم يتخلّف أحد منهم عن المجيء من غير تعرُّض لاتحاد الزمان. 
و " جميع " في الأَصْلِ من ألفاظ التَّوكيد، نحو :" كل "، وبعضهم عدها معها. 
وقال :" ابن عطية " : و " جميعاً " حال من الضمير في " اهبطوا "، وليس بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه عوض منهما دالّ عليهما، كأنه قال : هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً، كأنه يعني أن الحال في الحقيقة محذوف، وأن " جميعاً " تأكيد له، إلاَّ أن تقديره بالمصدر ينفي جعله حالاً إلا بتأويل لا حَاجَةَ إليه. 
وقال بعضهم : التَّقْدِير : قلنا : اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعاً، فحذف الحال من الأول لدلالة الثَّاني عليه، وحذف العامل من الثاني لدلالة الأول عليه، وهذا تكلّف لم تدع إليه الضرورة. 
قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ  الفاء مرتبة معقبة. و " إمّا " أصلها : إن الشرطية زيدت عليها " ما " تأكيداً، و " يأتينكم " في مَحَلّ جزم بالشَّرْط ؛ لأنه بني لاتصاله بنون التوكيد. 
وقيل : بل هو معرب مطلقاً. 
وقيل : مبني مطلقاً. 
والصّحيح : التفصيل : إن باشرته كهذه الآية بني، وإلا أعرب، نحو : هل يَقُومَانِ ؟ وبني على الفَتْحِ طلباً للخفّة، وقيل : بل بني على السُّكون، وحرك بالفتح لالتقاء السَّاكنين. 
وذهب الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد " إن " الشَّرطية المؤكَّدة ب " ما " يجب تأكيده بالنون، قالا : ولذلك لم يأت التَّنْزيل إلاّ عليه، وذهب سيبويه إلى أنَّه جائز لا واجب ؛ لكثرة ما جاء به منه في الشعر غير مؤكَّد، فكثرة مجيئه غير مؤكَّد يدلُّ على عدم الوجوب ؛ فمن ذلك قوله :\[ الطويل \]

فَإِمَّا تَرَيْنِي كَابْنَةِ الرَّمْلِ ضَاحِياً  عَلَى رِقَّةٍ أخْفَىَ وَلاَ أَتَنَعَّلُ[(٦)](#foonote-٦)وقولُ الآخر :\[ البسيط \]يَا صَاحِ إمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ دِي جِدةٍ  فَمَا التَّخَلِّي عَنِ الخُلاَّنِ مِنْ شِيَمِي[(٧)](#foonote-٧)وقول الآخر :\[ المتقارب \]فَإِمَّا تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ  فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدَى بِهَا[(٨)](#foonote-٨)وقول الآخر :\[ الكامل \]زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أنَّنِي إمَّا أَمُتْ  يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي[(٩)](#foonote-٩)وقال المهدوي :" إما " هي " إن " التي للشرط زيدت عليها " ما " ليصحّ دخول " النّون " للتوكيد في الفعل، ولو سقطت " ما " لم تدخل النّون، و " ما " تؤكّد أول الكلام، والنون تؤكد آخره، وتبعه ابن عطية. 
وقال بعضهم : هذا الذي ذهبا إليه من أن النّون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت " إن " ب " ما " هو مذهب المُبَرّد والزَّجَّاج، وليس في كلامهما ما يدلُّ على لزوم " النُّون " كما ترى، غاية ما فيه أنهما اشترطا في صحّة تأكيده بالنون زيادة " ما " على " إن "، أما كون التوكيد لازماً، وغير لازم، فلم يتعرضا له، وقد جاء تأكيد الشرط بغير " إن " ؛ كقوله :\[ الكامل \]مَنْ يُثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآئِبٍ  أبَداً وَقَتلُ بَنِي قُتَيْبَةَ شَافِي[(١٠)](#foonote-١٠)و " مني " متعلق ب " يأتين " وهي لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن تكون في محل حال من " هدى " لأنه في الأصل صفة نكرة قدم عليها، وهو نظير ما تقدم في قوله : مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ  \[ البقرة : ٣٧ \]. و " هدى " فاعل، والفاء مع ما بعدها من قوله : فَمَن تَبِعَ  جواب الشرط الأول، والفاء في قوله : فَلاَ خَوْفٌ  جواب الثَّاني. وقد وقع الشَّرْط الثاني وجوابه جواب الأول، ونقل عن " الكسائي " أن قوله :" فَلاَ خَوْفٌ " جواب الشَّرطين معاً. قال " ابن عطية " بعد نقله عن " الكِسَائي " ذلك : هكذا حكي، وفيه نظر، ولا يتوجّه أن يخالف سيبويه هنا، وإنما الخِلاَفُ في نحو قوله : فأما إن كان من المقرّبين فرَوحٌ  \[ الواقعة : ٨٨، ٨٩ \] فيقول سيبويه : جواب أحد الشرطين محذوف، لدلالة قوله :" فروح " عليه. 
ويقول الكوفيون :" فروح " جواب الشرطين، وأما في هذه الآية، فالمعنى يمنع أن يكون " فلا خوف " جوابا للشرطين. 
وقيل : جواب الشرط الأول محذوف تقديره :" فإما يأتينكم مني هدى فاتبعوه "، وقوله :" فمن تبع " جملة مستقلة \[ وهو بعيد أيضا \][(١١)](#foonote-١١). 
### فصل في المراد بالهدى


اختلف في " الهدى " فقال " السدي " : كتاب الله، وقال قوم : الهدى الرسل، وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بهذا الكلام آدم وبنيه، فالرسل إلى آدم من الملائكة، وإلأة بنيه من البشر. 
وقيل : المراد من الهدى كل دلالة وبيان. 
وقيل : التوفيق للهداية. وفي قوله :" مني هدى " إشارة إلى أن أفعال العباد خلق الله تعالى. 
و " من " يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولة، ودخلت الفاء في خبرها تشبيها لها بالشرط، ولا حاجة إلى هذا، فإن كانت شرطية كان " تبع " في محل جزم، وكذا " فلا خوف " لكونهما شرطا وجزاء، وإن كانت موصولة فلا محل ل " تبع "، وإذا قيل بأنها شرطية فهي مبتدأ أيضا، وفي خبرها خلاف مشهور. 
والأصح أنه فعل الشرط، بدليل أنه يلزم عود ضمير من فعل الشرط اسم الشرط، ولا يلزم ذلك في الجواب، تقول :" من يقم أكرم زيدا "، فليس في " أكرم زيدا " ضمير يعود على " من " ولو كان خبرا للزم فيه ضمير. 
ولو قلت :" من يقم زيدا أكرمه " وأنت تعيد الهاء على " من " لم يجز، لخلوّ فعل الشرط من الضمير. 
وقيل : الخبر الجواب، ويلزم هؤلاء أن ياتوا فيه بعائد على اسم الشرط، فلا يجوز عندهم :" من يقم أكرم زيدا " ولكنه جائز، هذا ما أورده أبو البقاء. 
وسيأتي تحقيق القول في لزوم عود الضمير من الجواب إلى اسم الشرط عند قوله :{ قل من كان عدوا لجبريل " \[ البقرة : ٩٧ \]. 
وقيل : مجموع الشرط والجزاء هو الخبر، لأن الفائدة إنما تحصل بهما. 
وقيل : ما كان فيه ضمير عائد على المبتدأ، فهو الخبر والمشهور " هُدايَ "، وقرئ :" هُديَّ " بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة " هُذَيل "، يقولون في عَصَاي : عَصيَّ، وقال شاعرهم :\[ الكامل \]سبقُوا هَويَّ وأعنقُوا لهواهم  فتُخُرِّمُوا ولكلّ جنبٍ مصرعُ[(١٢)](#foonote-١٢)كأنهم لما لم يصلوا إلى ما تستحقه ياء المتكلم من كسر ما قبلها لكونه ألفا أتوا بما يجانس الكسرة، فقلبوا الألف ياء. 
نقل " النحاس " هذه العلة عن الخليل وسيبويه وهذه لغة مطردة عندهم إلا أن تكون الألف للتثنية، فإنهم يثبتونها نحو :" جاء مسلماي، وغلاماي ". 
قوله : فلا خوف عليهم  قد تقدم أنه يجوز أن يكون جوابا للشرط، فيكون في محل جزم، وأن يكون حبرا ل " من " إذا قيل بأنها موصولة، وهو أولى لمقابلته بالموصول في قوله : والذين كفروا  \[ البقرة : ٣٩ \]، فيكون في محل رفع، و " لا " يجوز أن تكون عاملة عمل " ليس " فيكون " خوف " اسمها، و " عليهم " في محل نصب خبرها، ويجوز أن تكون غير عاملة، فيكون " خوف " مبتدأ، و " عليهم " في محل رفع خبره، وهذا أولى مما قبله لوجهين :
أحدهما : أن عملها عمل " ليس " قليل، ولم يثبت إلا شيء محتمل، وهو قوله :\[ الطويل \]تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا  ولا وزرٌ مما قضى الله واقيَا[(١٣)](#foonote-١٣)والثاني : أن الجملة التي بعدها وهي " ولا هم يحزنون " تعين أن تكون " لا " فيها غير عاملة لأنها لا تعمل في المعارف، فجعلها غير عاملة فيه مشاكلة لما بعدها، وقد وهم بعضهم ؛ فجعلها عاملة في المعرفة ؛ مستدلا بقوله :\[ الطويل \]. وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا  سواها ولا في حبها متراخيا[(١٤)](#foonote-١٤)ف " أنا " اسمها و " باغيا " خبرها. 
قيل : ولا حجة فيه ؛ لأن " باغيا " حال عاملها محذوف هو الخبر في الحقيقة تقديره : ولا أنا أرى باغيا، أو يكون التقدير : ولا أرى باغياً، فلما حذف الفعل انفصل الضمير. 
وقرئ[(١٥)](#foonote-١٥) :" فلا خوف " بالرفع من غير تنوين، والأحسن فيه أن تكون الإضافة مقدرة، أي : خوف شيء. 
وقيل : لأنع على نية الألف واللام. 
وقيل : حذف التنوين تخفيفا، وقرأ الزهري، والحسن، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، ويعقوب :" فلا خوفَ " مبنيا على الفتح ؛ لأنها " لا " التبرئة، وهي أبلغ في النفي، ولكن الناس رجحوا قراءة الرفع. 
**قال " أبو البقاء " : لوجهين :**
أحدهما : أنه عطف عليه ما لا يجوز فيه إلا الرفع، وهو قوله :" ولا هم " لأنه معرفة، و " لا " لا تعمل في المعارف، فالأولى أن يجعل المعطوف عليه كذلك لتتشاكل الجملتان، ثم نظره بقولهم :" قام زيد وعمرا كلمته " يعني في ترجيح النصب في جملة الاشتغال للتشاكل. 
ثم قال : والوجه الثاني : من جهة المعنى، وذلك أن البناء يدل على نفي الخوف عنهم بالكلية، وليس المراد ذلك، بل المراد نفيه عنهم في الآخرة. 
فإن قيل : لم لا يكون وجه الرفع أن هذا الكلام مذكور في جزاء من اتبع الهدى، ولا يليق أن ينفي عنهم الخوف اليسر، ويتوهم بثبوت الخوف الكثير. 
قيل " الرفع يجوز أن يضمر معه نفي الكثير، تقديره : ولا خوف كثير عليهم، فيتوهم ثبوت القليل، وهو عكس ما قدر في السؤال، فبان أن الوجه في الرفع ما ذكرنا. 
قوله :" ولا هم يحزنون " تقدم أنه جملة منفية، وأن الصحيح أنها غير عاملة. و " يحزنون " في محل رفع خبر للمبتدأ، وعلى ذلك القول الضعيف يكون في محل نصب و " الخوف " : الذُّعر والفزع، يقال : خاف يخاف خوفا، فهو خائف، والأصل : خوف بوزن " علم " ويتعدى بالهمزة والتضعيف، قال تعالى : ونُخوّفهم  \[ الإسراء : ٦٠ \] ولا يكون إلا في الأ١ - في أ: العذاب..
٢ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٣١..
٣ - في ب: الأخير..
٤ - ينظر الفخر الرازي: ٣/٢٥..
٥ - في أ: قال الحكيم الترمذي: إن آدم – عليه السلام - لما أهبط إلى الأرض، جاء "إبليس" إلى السّباع، فأشلاهم على آدم ليؤذوه، وكان أشدهم عليه الكلب، فأُميتَ فؤاده، فروي أن جبريل -عليه السلام - أمره أن يضع يده على رأسه، فوضعها، فاطمأن إليه وألفه، فصار ممن يكرمه، ويحرس ولده، ويموت فؤاده، فيفزع من الآدميين، فلو رمي بمَدَرٍ، ولّى هاربا ثم يعود آلفا له، ففيه شعبة من "إبليس"، وفيه شعبة من مِسحة آدم - عليه السلام -، فهو بشعبة إبليس ينبح، ويهر، ويعدو على الآدمي، وبِمِسحَة آدم مات فؤاده، حتى ذلّ، وانقاد، وألف به وبولده، يحرسهم، ولهثه على كل أحواله من موت فؤاده. قلت: ولا أظن هذا ثابتاً..
٦ - البيت للشنفري. ينظر البحر المحيط: ١/٣٢١، شرح الأشموني: ٢/٤٩٧، والدر المصون: ١/١٩٧..
٧ - ينظر أوضح المسالك: ٤/٩٧، وخزانة الأدب: ١١/٤٣١، وشرح الأشموني: ٢/٤٩٧، وشرح التصريح: ٢/٢٠٤، والمقاصد النحوية: ٤/٣٣٩، الدر المصون: ١/١٩٧..
٨ - البيت للأعشى في ديوانه (٢٢١) وهو في الكتاب (٢/٤٦)، وابن يعيش (٥/٩٥)، (٩/٦/٤١)، الأمالي الشجرية (٢/٣٤٥)، الإنصاف (٢/٤٦٤)، التصريح (١/٢٧٨)، الأِموني (٢/٥٤)، (٣/٢١٦)، الدر المصون ١/١٩٨..
٩ - البيت لسلمى بن ربيعة ينظر الأصمعيات: (١٦١)، الحماسة: (١/٢٨٦)، النوادر: (١٢١)، ابن الشجري: (٢/٦٩)، الهمع: (٢/٦٣)، المفصل: (٥١٩)، الدرر: (٢/٧٩)، الدر المصون: (١/١٩٧)، والبحر المحيط: (١/٣٢١)..
١٠ - البيت لبنت مرة بن عاهان ينظر خزانة الأدب: ١١/٣٨٧، ٣٩٩، والدرر: ٥/١٦٣، ولبنت أبي الحصين ينظر شرح أبيات سيبويه: ٢/٢٦٢، وأوضح المسالك: ٤/١٠٧، وشرح الأشموني: ٢/٥٠٠، وشرح التصريح: ٢/٢٠٥، وشرح ابن عقيل: ص ٥٤٧، والكتاب: ٣/٥١٦، والمقتضب: ٣/١٤، والقاصد النحوية: ٤/٣٣٠، والمقرب: ٢/٧٤، وهمع الهوامع: ٢/٧٩، الدر المصون: ١/١٩٨..
١١ - سقط في ب..
١٢ - البيت لأبي ذؤيب في إنباه الرواة ١/٥٢، والدرر ٥/٥١، وسر صناعة الإعراب ٢/٧٠٠، وشرح أشعار الهذليين ١/٧، وشرح شواهد المغني ١/٢٦٢، وشرح قطر الندى ص ١٩١، وشرح المفصل ٣/٣٣، وكتاب اللامات ص ٩٨، ولسان العرب (هوا)؛ والمحتسب ١/٧٦، والمقاصد النحوية ٣/٤٩٣، وهمع الهوامع ٢/٥٣، وأوضح المسالك ٣/١٩٩، وجواهر الأدب ص ١٧٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٥٢، وشرح الأشموني ٢/٣٣١، والمقرب ١/٢١٧، الدر المصون ١/١٩٩..
١٣ - ينظر أوضح المسالك: ١/٢٨٩، وتخليص الشواهد: ص ٢٩٤، والجنى الداني: ص ٢٩٢، وجواهر الأدب: ص ٢٣٨، والدرر: ٢/١١١، وشرح الأشموني: ١/٢٤٧، وشرح التصريح: ١/١٩٩، وشرح شذور الذهب: ص ٥٦، وشرح شواهد المغني: ٢/٦١٢، وشرح ابن عقيل: ص ١٥٨، وشرح عمدة الحافظ: ص ٢١٦، وشرح قطر الندى: ص ١١٤، ومغني اللبيب: ١/٢٣٩، والمقاصد النحوية: ٢/١٠٢، وهمع الهوامع: ١/١٢٥، الدر المصون: ١/١٩٩..
١٤ - البيت للنابغة الجعدي: ينظر ديوانه: ص ١٧١، الأشباه والنظائر: ٨/١١٠، تخليص الشواهد: ص ٢٩٤، الجنى الداني: ص ٢٩٣، شرح التصريح: ١/١٩٩، شرح شواهد المغني: ٢/٦١٣، مغني اللبيب: ١/٢٤٠، المقاصد النحوية: ٢/١٤١، جواهر الأدب: ص ٢٤٧، شرح ابن عقيل: ص ١٥٩، همع الهوامع: ١/١٢٥، الدر المصون: ١/٢٠٠..
١٥ - قرأ بها ابن محيصن.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٣٢، والبحر المحيط: ١/٣٢٢، والدر المصون: ١/٢٠٠، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٩..

### الآية 2:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:39]

لما وعد الله من اتبع الهدى بالأَمْنِ من العَذَاب والحزن عقبه بذكر من أعدّ له العَذَاب مثال الذين كفروا. و " الذين " مبتدأ وما بعدها صلة وعائد، و " بآياتنا " متعلّق ب " كذبوا "، ويجوز أن تكون أن تكون الآية من باب الإعمال ؛ لأن " كفروا " يطلبها، ويكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوّل، والتَّقدير : والذين كفروا بنا وكَذّبوا بآياتنا. 
و " أولئك " مبتدأ ثان، و " أصحاب " خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون " أولئك " بدلاً من الموصول، أو عطف بيان له، و " أصحاب " خبر المبتدأ الموصول. وقوله : هم فيها خالدون  جملة اسمية في محلّ نصب على الحال للتَّصريح بذلك في مواضع قال تعالى : أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدينَ . 
وأجاز " أبو البقاء " : أن تكون حالاً من " النار " قال : لأن فيها ضميراً يعود عليها، ويكون العامل فيها معنى الإضافة، أو اللاَّم المقدرة. 
وقد عرف ما في ذلك، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر ل " أولئك " أيضاً، فيكون قد أخبر عنه بخبرين :
أحدهما : مفرد وهو " أصحاب ". 
والثاني : جملة، وقد عرف ما فيه من الخلاف. 
و " فيها " متعلّق ب " خالدون " قالوا : وقد حذف من الكلام الأوّل ما أثبت في الثاني، ومن الثاني ما أثبت في الأول، والتقدير : فمن تبع هُدَاي فلا خوف ولا حُزْن يلحقه، وهو صاحب الجَنَّة، ومن كفر وكذب لحقه الخَوْفُ والحزن، وهو صاحب النار ؛ لأنّ التقسيم يقتضي ذلك، ونظروه بقول الشَّاعر :\[ الطويل \]

وَإِنِّي لتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ  كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ[(١)](#foonote-١) " والآية " لغة : العلامة ؛ قال النابغَةُ :\[ الطويل \]تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا  لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ[(٢)](#foonote-٢)وسميت آية القرآن \[ آية \][(٣)](#foonote-٣) ؛ لأنه علامة لانفصال ما قبلها عما بعدها، وقيل : سُمِّيَتْ بذلك ؛ لأنها تجمع حروفاً من القرآن، فيكون من قولهم، " خَرَجَ بنُو فلاَنٍ بآيتِهِمْ " أي : بجماعتهم ؛ قال :\[ الطويل \]خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا  بِآيَاتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلاَ[(٤)](#foonote-٤)واختلف النحويون في وزنها : فمذهب " سيبويه والخليل " أنها " فَعَلَة " والأصل :" أَيَيَة " - بفتح العين - تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وهذا شاذّ ؛ لأنه إذا اجتمع حرفا عِلّة أعلّ الأخير ؛ لأنه محلّ التغيير نحو : هوى وحوى، ومثلها في الشّذوذ :" غَايَة، وطَايَة، وَرَايَة ". 
ومذهب " الكِسَائِيّ " أن أصلها :" آيِيَة " على وزن " فَاعِلَة "، فكان القياس أن يدغم فيقال : آية ك " دابّة "، إلاَّ أنه ترك ذلك تخفيفاً، فحذفوا عينها، كما خففوا " كَيْنُونة " والأصل :" كيّنونة " بتشديد الياء، وضعفوا هذا بأن " كيّنونة " أثقل فَنَاسب التَّخفيف بخلاف هذه. 
ومذهب " الفَرَّاء " أنها " فَعْلَة " بسكون العين، واختاره " أبو البَقَاء " قال : لأنها من تأيَّا القوم، إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع : آياء، فظهرت الياء الأولى، والهمزة الأخيرة بدل من ياء، ووزنه " أفعال " والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كانت عينها " واو " لقالوا في الجمع :" آواء " ثم إنهم قلبوا " الياء " الساكنة " ألفاً " على غير قياس. 
يعني : أن حرف العلّة لا يقلب حتى يتحرّك وينفتح ما قبله. 
وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها " آيِيَة " بكسر العَيْنِ مثل " نَبِقَة " فَأُعِلّ، وهو في الشُّذوذ كمذهب " سيبويه والخَليل ". 
وقيل : وزنها " فَعُلة " بضم العَيْن، وقيل : أصلها " أَيَاة " بإعلال الثاني، فقلبت : بأن قدمت الازم، وأخرت العين، وهو ضعيف. فهذه ستة مذاهب لا يسلم واحد منها من شذوذ. 
### فصل في معنى " الصحبة " 


الصّحبة : الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما، فإن كانت الملازمة والخُلْطة فهي كمال الصُّحبة. 
١ - البيت لأبي صخر الهذلي ينظر في الأغاني: ٥/٦٩، ١٧٠، خزانة الأدب: ٣/٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٧، ٢٦٠، الإنصاف: ١/٣٣٦، الدرر: ٣/٧٩، شرح أشعار الهذليين: ٢/٩٥٧، شرح التصريح: ١/٣٣٦، لسان العرب (رمث)، والمقاصد النحوية: ٢/٦٤٦، ٦٤٨، أوضح المسالك: ٢/٢٢٧، شرح الأشموني: ١/٢١٦، شرح شذور الذهب: ص٢٩٨، شرح ابن عقيل: ص ٣٦١، شرح قطر الندى: ص ٢٢٨، شرح المفصل: ٢/٦٧، المقرب: ١/٦٢، همع الهوامع: ١/١٩٤، الدر المصون: ١/٢٠١..
٢ - ينظر ديوانه: ص ٣١، وخزانة الأدب: ٢/٤٥٣، وشرح أبيات سيبويه: ١/٤٤٧، والصاحبي في فقه اللغة: ص ١١٣، والكتاب: ٢/٨٦، ولسان العرب (عشر)، والمقاصد النحوية: ٣/٤٠٦، ٤/٤٨٢، أوضح المسالك: ٤/٢٦١، وشرح التصريح: ٢/٢٧٦، وشرح شواهد الشافية: ص ١٠٨، والمقتضب: ٤/٣٢٢، والمقرب: ١/١٤٧، الدر المصون: ١/٢٠١..
٣ - سقط في أ..
٤ - البيت لبرج بن مسهر الطائي، ينظر القرطبي: ١/٤٨، والدر المصون: ١/٢٠١..

### الآية 2:40

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [2:40]

\[ اعلم \] أنه لما أقام دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد أولاً، ثم عقبها بذكر الإنعامات العامّة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصّة على أسلاف اليَهُودِ استمالةً لقلوبهم، وتنبيهاً على ما يدلّ على نبوة " محمّد عليه الصَّلاة والسَّلام " من حيث كونها إخباراً عن الغيب، موافقاً لما كان موجوداً في التَّوْراة والإنجيل من غير تعلّم، ولا تتلمُذِ. 
قوله :" يَا بَنِي " منادى منصوب وعلامة نصبه الياء ؛ لأنه جمع مذكّر سالم، وحذفت نونه للإضافة، وهو شبيه بجمع التَّكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب ببعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا في فعله المسند إليه تاء التأنيث، نحو :" قالت بنو فلان "، وقال الشاعر :\[ البسيط \]

٤٢٤- قَالَتْ بَنُو عَامرٍ خَالُوا بَنِي أَسَدٍ  يَا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّاراً لأَقْوَامِ[(١)](#foonote-١)وأعربوه بالحركات أيضاً إلحاقاً له به، قال الشاعر :\[ الوافر \]٤٢٥- وَكَانَ لَنَا أبُو حَسَنٍ عَليٌّ  أَباً بَرّاً وَنَحْنُ لَهُ بَنِينُ[(٢)](#foonote-٢)\[ فقد روي بَنِينُ \][(٣)](#foonote-٣) برفع النون، وهل لامه ياء ؛ لأنه مشتقّ من البناء ؛ لأن الابن من فرع الأب، ومبنيٌّ عليه، أو واو ؛ لقولهم : البُنُوَّة كالأُبُوَّة والأُخُوَّة ؛ قولان. 
الصَّحيح الأول، وأما البُنّوة فلا دلالة فيها ؛ لأنهم قد قالوا : الفُتُوَّة ولا خلاف أنها من ذوات " اليَاءِ ". 
إلا أن " الأخفش " رجّح الثاني بأن حذف الواو أكثر. 
واختلف في وزنه فقيل :" بَنَيٌ " بفتح العين، وقيل : بَنْيٌ - بسكونها، وقد تقدم أنه أحد الأسماء العَشْرة التي سكنت فاؤها وعوض من لامها همزة الوَصْل. 
و " إسرائيل " خفض بالإضافة، ولا ينصرف للعلمية والعُجْمة، وهو مركّب تركيب الإضافة مثل :" عبد الله " فإن " إِسْرَا " هو العبد بلغتهم، و " إيل " هو الله تعالى. وقيل :" إسْرا " هو مشتقّ من الأسْر، وهو القوّة، فكان معناه الذي قَوَّاه الله. 
وقيل " إسْرَا " هو صفوة الله، و " إيل " هو الله. 
وقال القَفّال : قيل : إن " إسرا " بالعبرانية في معنى إنسان، فكأنه قيل : رجل الله، فكأنه خطاب مع اليَهُودِ الذين كانوا بالمدينة. 
وقيل : إنه أسرى بالليل مهاجراً إلى الله. 
وقيل : لأنه أَسَرَ جِنِّيّاً كان يطفئ سِرَاجَ بَيْتِ المَقْدِسِ. 
قال بعضهم : فعلى هذا يكون بعض الاسم عربيّاً، وبعضه أعجميّاً، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور. 
وقرأ[(٤)](#foonote-٤) " أبو جعفر والأعمش " :" إسْرَايِل " بياء بعد الألف من غير همزة، وروي عن " وَرْش " " إسْرَائِل " بهمزة بعد الألف دون ياء، و " إسْرَأَل " بهمزة مفتوحة، و " إسْرَئِل " بهمزة مكسورة بين الراء واللام[(٥)](#foonote-٥)، و " إسْرَال " بألف محضة بين الراء واللام ؛ قال :\[ الخفيف \]٤٢٦- لاَ أَرَى مَنْ يُعِينُنِي في حَيَاتِي  غَيْرَ نَفْسِي إلاَّ بَنِي إسْرَالِ[(٦)](#foonote-٦)وروي قراءة غير نافع قرأ عن نافع. و " إسْرائيل " هذه مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ، عن ورش، و " إسْرَايل " من غير همز ولا مَدّ و " إسْرَائِين " أبدلوا من اللام نوناً ك " أُصَيْلاَن " في " أُُصَيْلاَل " ؛ قال :\[ الرجز \]٤٢٧- يَقُولُ أَهْلُ السُّوءِ لَمَّا جِينَا  هَذَا وَرَبِّ البَيْتِ إِسْرائِينَا[(٧)](#foonote-٧)وقال آخر :\[ الرجز \]٤٢٨- قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا  هَذَا لعَمْرُ اللَّهِ إٍسْرَائِينَا[(٨)](#foonote-٨)ويجمع على " أَسَارِيل ". وأجاز الكوفيون " أَسَارِلَة "، و " أَسَارل "، كأنهم يجيزون التعويض بالياء وعدمه، نحو :" فَرَازِنة " و " فَرَازين ". 
قال الصَّفار[(٩)](#foonote-٩) : لا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوله. 
قال ابن الجوزي[(١٠)](#foonote-١٠) : ليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنَّ له أسماء كثيرة. 
وقد قيل في المسيح إنه اسم علم لعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام غير مشتقّ، وقد سمَّاه الله تَعَالَى روحاً وكلمة، وكانوا يسمونه " أبيل الأبيلين "، ذكره " الجوهري ". 
وذكر " البيهقي " في " دلائل النبوة " عن " الخليل بن أَحْمد " : خمسة من الأنبياء ذوو اسمين، نبينا محمد وأحمد، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النُّون، وإلياس وذو الكِفْل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. 
قول : اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ . 
 " اذكروا " فعل وفاعل، و " نعمتي " مفعول. 
وقال " ابن الأنباري " : لا بدّ له من حذف مضاف تقديره : شكر نِعْمتي. 
و " الذكر " بضم الذال وكسرها بمعنى واحد، ويكونان باللِّسان والجِنَان. 
وقال " الكسائي " : هو بالكسر للسان، وبالضَّّم للقَلْب فضدّ المكسور : الصَّمت، وضد المضموم : النِّسْيان، وبالجملة فالذكر الذي محلّه القَلْب ضدّه النسيان، والذي محلّه اللسان ضده الصَّمت، سواء قيل : إنهما بمعنى واحد أم لا. 
و " الذَّكَر " بالفتح خلاف الأُنْثَى، و " الذِّكر " أيضاً الشرف ومنه قوله تعالى :
 وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  \[ الزخرف : ٤٤ \]. 
### فصل في النعمة


النعمة اسم لما ينعم به، وهي شبيهة ب " فِعْل " بمعنى " مفعول " نحو : ذبح ورعي، والمراد الجمع ؛ لأنها اسم جنس، قال الله تعالى :
 وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا  \[ النحل : ١٨ \]. 
قال " أبو العباس المقرئ " :" النِّعْمَة " بالكسر هي الإسلام، قال تعالى : وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أعداء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ 
\[ آل عمران : ١٠٣ \]. 
وقال : فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً  \[ الحجرات : ٨ \] يعني : الإسلام. 
وقال : رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ  \[ النمل : ١٩ \]. 
وقوله : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ  \[ آل عمران : ١٧١ \] أي : الإسلام. 
### فصل في حد النعمة


قال ابن الخطيب[(١١)](#foonote-١١) : حَدّ النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. 
وقيل : الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا : وإنما زدنا هذا ؛ لأن النعمة إن كانت حسنة يستحق بها الشكر، وإن كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر. 
قال : والحقّ أن هذا القيد غير معتبر ؛ لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان، وإن كان فعله محظوراً ؛ لأن جهة استحقاق الشكر غير جِهَةِ استحقاق الذَّم والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحقّ الشكر بإنعامه والذّم بمعصيته، فلم لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر كذلك ؟
واعلم أن نعم الله على العَبْدِ لا تتناهى، ولا تحصى كما قال تعالى :
 وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا  \[ إبراهيم : ٣٤ \]. 
فإن قيل : فإذا كانت النعم غير مُتَنَاهية، وما لا يتناهى لا يحصل به العلم في حق العبد، فكيف أمر بتذكرها في قوله : اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ  ؟
والجواب : أنها غير مُتَنَاهية بحسب الأشخاص والأنواع، إلاّ أنها متناهية بحسب الأجناس، وذلك يكفي في التذكّر الذي يفيد العلم بوجود الصَّانع الحكيم. 
### فصل في بيان هل لله نعمة على الكافر في الدنيا


اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا ؟
فمنهم من قال : هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدّية إلى الضرر في الآخرة لم تكن نعمة، فإن من جعل السّم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيِلاً إلى الضرر العظيم، ولهذا قال تعالى : وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ  \[ آل عمران : ١٧٨ \]. 
ومنهم من قال : إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدِّين، فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا \[ وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله \][(١٢)](#foonote-١٢). 
قال ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) : وهذا القول أصوب ويدلّ عليه وجوه :
أحدها : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ  \[ البقرة : ٢١ \] الآيات فأمر الكُلّ بطاعته لمكان هذه النعم، وهي نعمة الخلق والرزق. 
وثانيها : قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً  \[ البقرة : ٢٨ \] وذكره في معرض الامتنان، وشرح النعم، ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شَيْءٌ من النعم لما صَحّ ذلك. 
وثالثها : قوله : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  وهذا نصّ صريح ؛ لأنه خطاب لأهل الكتاب، وكانوا من الكفار، وكذا قوله تعالى : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  \[ البقرة : ٤٧ \] إلى قوله : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ  \[ البقرة : ٤٩ \]. 
ورابعها : قوله تعالى : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ  إلى قوله : وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً  \[ الأنعام : ٦ \]. 
وخامسها : قوله تعالى : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ 
\[ الأنعام : ٦٣ \] إلى قوله : ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ  \[ الأنعام : ٦٤ \]. 
وسادسها : قوله تعالى : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  \[ الأعراف : ١٠ \] وقال في قصة " إبليس " : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ  \[ الأعراف : ١٧ \]. 
وسابعها : قوله : وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ  \[ الأعراف : ٧٤ \] وقال : أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  \[ الأعراف : ١٤٠ \]. 
وثامنها : قوله : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ  \[ الأنفال : ٥٣ \]. 
وتاسعها : قوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ  \[ يونس : ٥ \]. 
وعاشرها : قوله : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ  \[ يونس : ٢٢ \] إلى قوله : يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ  \[ يونس : ٢٣ \]. 
واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لفظي ؛ لأنه لا نِزَاعَ في أن الحياة والعقل والسمع والبصر، وأنواع الرزق، والمنافع من الله تعالى إنما الخِلاَفُ في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المَضَارّ الأبدية، هل يطلق عليها في العرف اسم النعمة أم لا ؟ ومعلوم أن ذلك نِزَاعٌ في مجرّد عبارة. 
فَصْلٌ في النعم المخصوصة ببني إسرائيل
**وهي كثيرة منها :**
استنقذهم من فرعون وقومه، وخلّصهم من العبودية وأولادهم من القَتْلِ ونساءهم من الاستحياء، وخلصهم من البلاء، ومكنهم في الأرض، وجعلهم ملوكاً، وجعلهم الوَارِثين بعد أن كانوا عبيداً للقبط، وأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وأنزل عليهم \[ الكتب العظيمة، وجعل فيهم أنبياء، وآتاهم ما لم يُؤْت أحدا١ - البيت للنابغة الذبياني ينظر ديوانه: ص ٨٢، والإنصاف: ١/٣٣٠، وتذكرة النحاة: ص ٦٦٥، وخزانة الأدب: ٢/١٣٠-١٣٢، ١١/٣٣-٣٥، والدرر: ٣/١٩، وسر صناعة الإعراب: ١/٣٣٢، وشرح أبيات سيبويه: ٢/٢١٨، وشرح شواهد الإيضاح: ص ٤٥٨، والشعر والشعراء: ١/١٠١، والكتاب: ٢/٢٧٨، ولسان العرب (خلا)، وجواهر الأدب: ص ١١٥، ٢٢٨، والخصائص: ٣/ ١٠٦، ورصف المباني: ص ١٦٨، ٢٤٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٤٨٣، وشرح المفصل: ٣/٦٨، ٥/١٠٤، واللامات: ص ١٠٩، وهمع الهوامع: ١/١٧٣، الدر المصون: ١/٢٠٢..
٢ - البيت لأحد أولاد علي بن أبي طالب ينظر شرح التصريح: ١/٧٧، والمقاصد النحوية: ١/١٥٦، ولسعيد بن قيس الهمداني ينظر خزانة الأدب: ٨/٧٥، ٧٦، ٧٨، أوضح المسالك: ١/٥٥، وخزانة الأدب: ٨/٦٠، الدر المصون: ١/٢٠٢..
٣ - سقط في أ..
٤ - ورويت عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٣٣، والبحر المحيط: ١/٣٢٥، وجعل أبو حيان قراءة أبي جعفر بياءين بعد الألف، وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر.
 وانظر إتحاف فضلاء البشر: ١/٣٩٠، والدر المصون: ١/٢٠٢، والقرطبي: ١/٢٢٦..
٥ - ورويت هذه القراءة عن الحسن، وهي إحدى اللغات في كلمة "إسرائيل"، انظر المحتسب لابن جني: ١/٧٩-٨٠، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٩٠، والقرطبي: ١/٢٢٦..
٦ - البيت لأمية بن أبي الصلت ينظر ديوانه: (٥١)، البحر: (١/٣٢٥)، الدر المصون: (١/٢٠٣)..
٧ - ينظر البحر: (١/٣٢٦)، روح المعاني: (١/٢٤٢)..
٨ - تقدم برقم (١٧٨)..
٩ - القاسم بن علي بن محمد بن سليمان الأنصاري البطليوسي الشهير بالصفار شرح كتاب سيبويه مات بعد الثلاثين وستمائة. ينظر بغية الوعاة: ٢/٢٥٦..
١٠ - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله البكري من ولد الإمام أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الإمام أبو الفرج ابن الجوزي.
 البغدادي الحنبلي الواعظ، صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم من التفسير، والحديث، والفقه، والوعظ، والزهد، والتاريخ، وغير ذلك.
 قال الذهبي: كان مبرزا في التفسير، وفي الوعظ، وفي التاريخ، ومتوسطا في المذهب، وفي الحديث، له اطلاع تام على متونه، وأما الكلام على صحيحه وسقيمه فما له فيه ذوق المحدثين، ولا نقد الحفاظ المبرزين.
 تصانيفه كثيرة منها تفسيره المشهور بزاد المسير، وله جامع المسانيد وله كتاب المنتظم. ينظر البداية والنهاية: ١٣/٢٨، وردت ترجمته في البداية والنهاية: ١٣/٢٨، وتذكرة الحفاظ: ٤/١٣٣٢، وشذرات الذهب: ٤/٣٢٩، وطبقات الحفاظ: ٤٧٧، وطبقات القراء لابن الجزري" ١/٣٧٥، وطبقات المفسرين للداودي: ١/٢٧٠، والعبر: ٤/٢٩٧، وطبقات المفسرين للسيوطي ص ٥٠..
١١ - ينظر الفخر الرازي: ٣/٢٨..
١٢ - سقط في ب..
١٣ - ينظر الفخر الرازي: ٣/٣٠..

### الآية 2:41

> ﻿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [2:41]

قوله :" ما " يجوز أن تكون بمعنى " الذي "، والعائد محذوف، أي : بالذي أنزلته، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موقع المفعول أي :\[ بالمنزل \][(١)](#foonote-١). 
و " مصدقاً " نصب على الحال، وصاحبها العائد المَحْذُوف. 
وقيل : صاحبها " ما "، والعامل فيها " آمنوا "، وأجاز بعضهم أن تكون " ما " مصدرية من غير جعله المصدر واقعاً موقع مفعول به، وجعل " لما معكم " من تمامه، أي : بإنزالي لما معكم، وجعل " مصدقاً " حالاً من " ما " المجرورة باللاَّم قدمت عليها، وإن كان صاحبها مجروراً ؛ لأن الصَّحيح جواز تقديم حال المجرور بحرف الجر عليه ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٤٣١ فَإِنْ يَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ \*\*\* فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ[(٢)](#foonote-٢)
 " فِرْغاً " حال من " بِقَتْل "، وأيضاً فهذه " اللام " زائدة، فهي في حكم المطرح، و " مصدقاً " حال مؤكّدة ؛ لأنه لا تكون إلا كذلك. 
والظاهر أن " ما " بمعنى " الذي " وأن " مصدقاً " حال من عائد الموصول، وأن اللاّم في " لما " مقوية لتعدية " مصدقاً " ل " ما " الموصولة بالظَّرْفِ.

### فصل في بيان المخاطبين في الآية


اعلم أن المخاطبين بقوله :" وآمنوا " هم بنو إسرائيل لعطفه على قوله : اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ، ولقوله : مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ . 
وقوله :" بِمَا أَنْزَلت " فيه قولان :
أحدهما : أنه القرآن ؛ لأنه وصفه بكونه منزلاً، وبكونه مصدقاً لما معهم. 
والثاني : قال قَتَادَةُ : بما أنزلت من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التَّوراة، والإنجيل. 
ومن جعل " ما " مصدرية قدّرها ب " إنزالي لما معكم " يعني : التوراة. 
وقوله : مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ  فيه تفسيران :
أحدهما : أن في القرآن أنَّ موسى وعيسى حَقّ، والتوراة والإنجيل حَقّ، فالإيمان بالقرآن مؤكّد للإيمان بالتوراة والإنجيل. 
والثاني : أنه حصلت البِشَارَةُ بمحمد عليه الصَّلاة والسَّلام وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بالقرآن، وبمحمد تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيبٌ للتوراة والإنجيل. 
قال ابن الخطيب[(٣)](#foonote-٣) : وهذا التفسير يدلّ على نبوة محمد عليه الصَّلاة والسَّلام من وجهين :
الأول : أن شهادة كتب الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام لا تكون إلا حقّاً. 
والثاني : أنه عليه الصلاة والسَّلام لم يقرأ كتبهم، ولم يكن له معرفة بذلك إلاَّ من قبل الوحي. 
قوله : وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ . 
 " أول " خبر كان، وفيه أربعة أقوال :
أحدهما وهو مذهب سيبويه - : أنه " أفعل "، وأن فاءه وعينه واو، وتأنيثه " أُوْلَى "، وأصلها :" وُوْلَى "، فأبدلت الواو همزة وجوباً، وليست مثل " وُورِي " في عدم قلبها لسكون الواو بعدها، لأن واو " أُوْلَى " تحركت في الجمع في قولهم " أوْل "، فحمل المفرد على الجمع في ذلك، ولم يتصرف من " أول " فعل لاستثقاله. 
وقيل : هو من " وأل " إذا نجا، ففاؤه واو، وعينه همزة، وأصله :" أوأل " فخففت بأن قلبت الهمزة واواً، وأدغمت الواو الأولى فيها فصار :" أول "، وهذا ليس بقياس تخفيفه، بل قياسه أن تلقى حركة الهمزة على " الواو " الساكنة، وتحذف الهمزة، ولكنهم شبهوه ب " خَطِية وَبَرِية " وهو ضعيف، والجمع :" أوَائِل " و " أَوَالي " أيضاً على القلب. 
وقيل : هو من " آلَ يَئُولُ " إذا رجع، وأصله :" أَأْوَل " بهمزتين، الأولى زائدة والثانية فاؤه، ثم قلبت فأخرت الفاء بعد العين فصار :" أَوْأَل " بوزن " أَعْفَل "، ثم فعل به ما فعل في الوجه الذي قبله من القلب والإدْغَام، وهو أضعف منه. 
وقيل : هو " وَوّل " بوزن " فَوْعَل "، فأبدلت الواو الأولى همزة، وهذا القول أضعفها ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، والجمع " أوائل "، والأصل :" وواول " فقلبت الأولى همزة لما تقدم، والثالثة أيضاً لوقوعها بعد ألف الجمع، وإنما لم يجمع على " أواول " لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف الجمع. 
واعلم أن " أوّل " " أفعل " تفضيل، و " أفعل " التفضيل إذا أضيف إلى نكرة كان مفرداً مذكراً مطلقاً، ثم النكرة المضاف إليها " أفعل "، إما أن تكون جامدةً أو مشتقةً، فإن كانت جامدة طابقت ما قبلها نحو : الزّيدان أفضلُ رجلين، الزيدون أفضلُ رجال، الهندات أفضلُ نسوة. 
وأجاز المبرد إفرادها مطلقاً. 
وإن كانت مشتقة، فالجمهور أيضاً على وجوب المطابقة، نحو :" الزيدون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين "، وأجاز بعضهم المُطَابقة وعدمها ؛ أنشد الفراء :\[ الكامل \]
٤٣٢ وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طَاعِمٍ \*\*\* وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاع[(٤)](#foonote-٤)
فأفرد في الأول، وطابق في الثاني، ومنه عندهم : وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  \[ البقرة : ٤١ \]. 
إذا تقرر هذا، فكان ينبغي على قول الجمهور أن يجمع " كافر "، فأجابوا عن ذلك بأوجه :
أجودها : أن " أفْعَل " في الآية، وفي البيت مُضَاف لاسم مفرد مفهم للجمع حذف، وبقيت صفته قائمةً مقامه، فجاءت النكرة المضاف إليها " أفعل " مفردة اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقدير : ولا تكونوا أوّل فريق أو فَوْجٍ كافر، وكذا " فألأم فرق طاعم "، وقيل : لأنه في تأويل : أَوَّلَ من كَفر بِهِ . 
وقيل : لأنه في معنى : لا يكن كل واحد منكم أول كافر، كقولك : كَسَانَا حُلّة أي : كل واحد منَّا، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا، فلا يراد : ولا تكونوا أول كافر، بل آخر كافر ؛ لأن ذكر الشّيء ليس فيه دلالة على أن ما عداه بخلافه. 
وأيضاً فقوله : وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ  دليل على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور، وأيضاً فقوله : رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا 
\[ الرعد : ٢ \] لا يدلّ على وجود عَمَدٍ لا يرونها، وقوله : وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ  \[ آل عمران : ١٨١ \] لا يدلّ على وقوع قتل الأنبياء بحق. 
وقوله بعد هذه الآية : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً  \[ البقرة : ٤١ \] لا يدلّ على إبَاحَةِ ذلك بالثّمن الكثير، فكذا هاهنا، ولما اعتقد بعضهم أن لها مفهوماً احتاج إلى تأويل جعل " أول " زائداً، قال تقديره : ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بِشَيْءٍ، وقدّره بعضهم بأن ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديره : ولا تكونوا أوّل كافر به، ولا آخر كافر، ونصّ على الأول ؛ لأنه أفحش للابتداء به ؛ وهو نظير قوله :\[ الرمل \]
٤٣٣ مِنْ أُنَاسٍ لَيْسَ في أَخْلاَقِهِمْ \*\*\* عَاجِلُ الفُحْشِ وَلاَ سُوءُ الجَزَعْ[(٥)](#foonote-٥)
لا يريد أن فيهم فحشاً آجلاً، بل يريد لا فحش عندهم لا عاجلاً ولا آجلاً. والهاء في " به " تعود على " ما أنزلت ". 
وقيل : على " ما معكم ". 
وقيل : على الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لأن التنزيل يستدعي منزلاً إليه. 
وقيل : على النعمة ذهاباً بها إلى معنى الإحسان. 
فإن قيل : كيف جعلوا أوّل من كفر به، وقد سبقهم إلى الكُفْرِ به مشركو العرب ؟
**فالجواب : من وجوه :**
أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ؛ لأنهم كانوا هم المبشّرين بزمان محمد عليه الصَّلاة والسَّلام والمُسْتفتحين على الذين كفروا به، فلمّا بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ 
\[ البقرة : ٨٩ \]. 
وثانيها : المُرَاد : ولا تكونوا مثل أو كافر به، يعني : من أشرك من أهل " مكة "، أي أنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل، فلا تكونوا مثل من لم يعرفه، وهو مشرك لا كتاب له. 
وثالثها : ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب ؛ لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل، وإن كانت قريش كَفَرَتْ به قبل ذلك. 
ورابعها : ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم، أي : ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم ؛ لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تَكْذِيبَكُمْ بكتابكم. 
وخامسها : ولا تكونوا أوّل كافر به عند سَمَاعكم بذكره، بل تثبَّتوا فيه، وراجعوا عقولكم فيه. 
قوله : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً . 
 " بآياتي " متعلّق بالاشتراء وضمن الاشتراء معنى الاستبدال، فلذلك دخلت الباء على الآيات، وكان القياس دخولها على ما هو ثَمَن ؛ لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشترى به، لا أن يشترى، لكن لما دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك ؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلاً والمجرور بالباء زائلاً. 
وقد ظنّ بعضهم أن قولك :" بدلت الدِّرْهَمَ بالدينار " وكذا :" أبدلت " أيضاً أن الدينار هو الحاصل، والدرهم هو الزَّائل، وهو وهم ؛ ومن مجيء " اشترى " بمعنى " استبدل " قوله :\[ الجز \]
٤٣٤ كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا[(٦)](#foonote-٦) \*\*\*. . . 
وقول الآخر :\[ الطويل \]
٤٣٥ فَإِنْ تَزْعُمِيني كُنْتُ أَجْهَلُ فيكُمُ \*\*\* فَإِنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ[(٧)](#foonote-٧)
وقال المهدوي : دخول " الباء " على " الآيات " كدخولها على " الثَّمن "، وكذلك كل ما لا عَيْنَ فيه، وإذا كان في الكلام دَرَاهم أو دنانير دخلت الباء على الثمن، قاله الفرّاء، يعني أنه إذا لم يكن في الكلام دِرْهَمٌ ولا دينار صحّ أن يكون كلّ من العوضين ثمناً، ومثمناً، لكن يختلف ذلك بالنسبة إلى المُتَعَاقدين، فمن نسب الشراء إلى نفسه أدخل الباء على ما خرج منه، وزال عنه، ونصب ما حصل له، فتقول " اشتريت هذا الثَّوْبَ بهذا العبد ". 
وأما إذا كان ثَمّ دراهم أو دنانير كان ثمناً ليس إلا، نحو " اشتريت الثوب بالدرهم "، ولا تقول :" اشتريت الدِّرْهَمَ بالثوب ". 
وقدر بعضهم مضافاً فقال : بتعليم آياتي ؛ لأن الآيات نفسها لا يُشْتَرَى بها، ولا حَاجَةَ إلى ذلك ؛ لأن معناه الاستبدال كما تقدم. 
و " ثمناً " مفعول به، و " قليلاً " صفته. 
و " إيَّايَ فَاتَّقُونِ " كقوله : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  \[ البقرة : ٤٠ \]. 
وقال هنا :" فَاتَّقُونِ " وهناك :" فَارْهَبُونِ " لأن ترك المأمور به هناك معصية، وهي ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعَهْد، وهنا ترك الإيمان بالمنزل والاشتراء به ثمناً قليلاً كفر، فناسب ذكر الرهب هناك ؛ لأنه أخف يجوز العفو عنه لكونه معصية، وذكر التقوى هنا ؛ لأنه كفر لا يجوز العفو عنه ؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية لما هو كائن لا بُدّ منه. 
### فصل في الباعث على كفر زعماء اليهود


قال ابن عباس : إن رؤساء اليهود مثل كَعْب بن الأَشْرَف وحُيَي بن أَخْطَبَ وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهَدَايا، وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القَدْرُ المحتقر. 
قال القرطبي في تفسيره : هذه الآية وإن كانت خاصّة ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رِشْوَةً على تغيير حق، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعيّن عليه حتى يأخذ عليه أجراً، فقد دخل في مقتضى الآية. 
وروى أبو داود عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله ١ -في أ: بالمقول..
٢ -البيت لطليحة بن خويلد. ينظر المقاصد النحوية: ٣/ ١٥٤، إصلاح المنطق: ١٩، شرح الأشموني: ١/٢٤٩، شرح ابن عقيل: ٣٣١، شرح عمدة الحافظ، والمحتسب: ٢/١٤٨، والتهذيب: ٨/١١٠، (فرع) واللسان (فرع) والدر المصون: ١/٢٠٥..
٣ - ينظر الرازي: ٣/٣٩..
٤ - ينظر النوادر: (١٥٢)، معاني القرآن: (١/٣٣٣)، الطبري: (١/٥٦٢)، البحر: (١/٣٣٢)، مجمع البيان: (١/٢٠٨)، روح المعاني: (١/٢٤٥)، الدر المصون: (١/٢٠٦)..
٥ - البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من عينيته الشهيرة، ينظر شرح المفضليات للتبريزي: ٢/٨٨٦، والبحر المحيط: ١/ ٣٣٣، مجمع البيان: ١/٢١٠، الدر المصون: ١/٢٠٦..
٦ - ينظر الكشاف (١/١٣١)، البحر المحيط (١/٣٣٣)، الدر المصون (١/٢٠٦)..
٧ - البيت لأبي ذؤيب الهذلي في الأضداد: ١٠٧ و ١٨٦، وتخليص الشواهد : ٤٢٨، وخزانة الأدب: ١١/٢٤٩، والدرر: ٢/٢٤٢، شرح أبيات سيبويه: ١/ ٨٦ و ٣٥١، شرح أشعار الهذليين: ١/٩٠، شرح شواهد الإيضاح: ١١٩، شرح شواهد المغني: ٢/٦٧١، والكتاب: ١/١٢١، ولسان العرب \[زعم\]، مغني اللبيب: ٢/٤١٦، المقاصد النحوية: ٢/ ٣٨٨، شرح ابن عقيل: ٢١٤، همع الهوامع: ١/١٤٨، والدر المصون: ١/٢٠٧..

### الآية 2:42

> ﻿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:42]

أمر بترك الإغواء والإضلال وإضلال الغير له طريقان :
أحدهما : أن يكون الغير قد سمع دَلاَئِلَ الحق، فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش دلائل الحقّ عليه بالشبهات. 
والثاني : أن تخفي تلك الدَّلائل عنه، وتمنعه من الوصول إليها فقوله : وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ  إشارة إلى الأول، وقوله : وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ  إشارة إلى الثاني. 
والباء في قوله :" بالباطل " للإلصاق كقولك :" خلطت المَاءَ باللَّبَنِ "، أي : لا تخلطوا الحقّ بالباطل، فلا يتميز. 
وقال " الزمخشري " : إن كانت صلةً مثلها في قولك : لبست الشيء بالشَّيء، وخلطته به كان المعنى : ولا تَكْتُبُوا في التوراة ما ليس فيها فَيَخْتَلِطَ الحق المنزّل بالباطل الذي كتبتم. 
وإن كانت " باء " الاستعانة كالتي في قولك :" كتبت بالقَلَمِ " كان المعنى : ولا تجعلوا الحقَّ مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه. 
فأجاز فيها وجهين كما ترى، ولا يريد بقوله " صِلَة " أنها زائدة، بل يريد أنها موصلة للفعل كما تقدم. 
وقال " أبو حيان " :" وفي جعله إياها للاستعانة بُعْد، وصرف عن الظاهر من غير ضرورة "، ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحق ؟
وقال ابن الخطيب :\[ إنها " باء " الاستعانة \]. والمعنى : ولا تلبسوا الحَقّ بسبب الشبهات التي تُورِدُونَهَا على السَّامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصاً خفيةً يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يُجَادلون فيها، ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله : وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ، فهو المذكور في قوله : وَجَادَلُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ  \[ غافر : ٥ \]. 
و " اللَّبْسُ " : الخَلْط والمَزْج ؛ لقوله : لَبَسْتُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ خَلَطْتُ بَيِّنَهُ بمُشْكِلِهِ ؛ ومنه قوله الخَنْسَاءِ :\[ البسيط \]. 
٤٣٦ تَرَى الجَلِيسَ يَقُولُ الحَقَّ تَحْسَبُهُ \*\*\* رُشْداً وَهَيْهَاتَ فَانْظُرْ مَا بِهِ الْتَبَسَا
صَدِّقْ مَقَالَتَهُ وَاحْذَرْ عَدَاوَتَهُ \*\*\* وَالْبِسْ عَلَيْهِ أُمُوراً مِثْلَ مَا لَبَسَا 
وقال العَجَّاج :\[ الرجز \]
٤٣٧ \[ لَمَّا لَبَسْنَ الحَقَّ بِالتَّجَنِّي \*\*\* غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْداً مِنِّي \]
ومنه أيضاً :\[ البسيط \]
٤٣٨ وَقَدْ لَبَسْتُ لِهَذَا الأَمْرِ أَعْصُرَهُ \*\*\* حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ فَاشْتَعَلا
وفي فلان مَلْبَسٌ، أي مستمتع ؛ قال :\[ الطويل \]
٤٣٩ أَلاَ إِنَّ بَعْدَ العُدْمِ لِلْمَرْءِ قُنْوَةً \*\*\* وَبَعْدَ المَشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا
وقول الفَرَّاء وغيره :\[ الكامل \]
٤٤٠ وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِيبَةٍ \*\*\* حَتَّى إذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدِي
يحتمل أن يكون منه، وأن يكون من " اللِّبَاس "، والآية الكريمة تحتمل المعنيين، أي : لا تغطّوا الحق بالباطل. 
ولبس الهَوْدَج والكعبة : ما عليهما من " لِبَاس " بكسر اللام ولِبَاسُ الرجل زوجته، وزوجها لِبَاسُهَا. قال تعالى : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ  \[ البقرة : ١٨٧ \] وقال النابغة :\[ المتقارب \]
٤٤١ إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا \*\*\* تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِبَاسَا
و " اللَّبُوس " : كل ما يُلْبَس من ثياب ودرع ؛ قال تعالى : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ  \[ الأنبياء : ٨٠ \] ولاَبَسْتُ فلاناً حتى عرفت باطنه. 
و " الباطل " : ضد الحق، وهو الزائل ؛ كقول لَبِيدٍ :\[ الطويل \]
٤٤٢ أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بِاطِلُ \*\*\*. . . 
ويقال : بَطَل الشيءُ يَبْطُلُ بُطُولاً وبُطْلاً وبُطْلاَناً. 
و " البَطَل " : الشّجاع، سمي بذلك ؛ لأنه يبطل شجاعة غيره. 
وقيل : لأنه يبطل دمه فهو " فَعَل " بمعنى " مفعول ". 
وقيل : لأنه يبطل دم غيره فهو بمعنى " فاعل ". وقد بَطُلَ بالضَّم يَبْطُلُ بُطُولاً وبَطَالَةً، أي : صار شجاعاً ؛ قال النابغة :\[ البسيط \]
٤٤٣ لَهُمْ لِوَاءٌ بِكَفَّيْ مَاجِدٍ بَطَلٍ \*\*\* لاَ يَقْطَعُ الخَرْقَ إلاَّ طَرْفُهُ سَامِي
وبَطَل الأجيرُ بالفتح بِطَالة بالكَسْر : إذا تعطَّل، فهو بَطَّال، وذهب دمه بُطْلاً بالضم أي : هدراً.

### فصل في المراد من قوله تعالى :" الحق بالباطل " 


اختلفوا في المراد من قوله :" الحَقّ بِالبَاطِلِ " فروي عن " ابن عباس " وغيره : لا تخلطوا ما عندكم من الحَقّ في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل. 
وقال " أبو العالية " : قالت اليَهُود : محمد مبعوثٌ ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثته حق، وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. 
وقال " مجاهد " : لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. 
قوله :" وَتَكْتمُوا الحَقّ " فيه وجهان :
أحدهما، وهو الأظهر : أنه مجزوم بالعَطْفِ على الفعل قبله، نَهَاهم عن كل فعل على حِدَتِهِ، أي : لا تفعلوا هذا ولا هذا. 
والثاني : أنه منصوب بإضمار " أن " في جواب النهي بعد " الواو " التي تقتضي المعية، أي : لا تجمعوا بين لَبْسِ الحق بالباطل وكِتْمَانه، ومنه :\[ الكامل \]
٤٤٤ لا تَنْهَ عَنْ خُلُقِ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ \*\*\* عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
و " أن " مع ما في حيّزها في تأويل مصدر، فلا بد من تأويل الفعل الذي قبلها بمصدر أيضاً ليصبح عطف \[ الاسم \] على مثله، والتقدير : لا يكن منكم لَبْس الحق بالباطل وكتمانه، وكذا سائر نظائره. 
وقال " الكوفيون " : منصوب ب " واو " الصرف، وقد تقدم معناه، والوجه الأول أحسن ؛ لأنه نهي عن كل فعل على حِدَتِهِ، وأما الوجه الثاني فإنه نهي عن الجمع، ولا يلزم من النَّهْي عن الجمع بين الشَّيئين النهي عن كل واحد على حِدَتِهِ إلا بدليل خارجي. 
### فصل في المراد بالكتمان


قال " ابن عبَّاس " : يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه. 
وقال " محمد بن سِيرِينَ " : نزل عصابة من ولد هَارُونَ ب " يثرب " لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العَدُوّ عليهم، وتلك العصابة هم حَمَلَةُ التوراة يومئذ، فأقاموا ب " يثرب " يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظَهْرَانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء، وهم مؤمنون، وخلف الأبناء وأبناء الأبناء، فأدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفون، وهو معنى قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  \[ البقرة : ٨٩ \]. 
قوله : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحَالِ، وعاملها : إما " تلبسوا " أو " تكتموا " إلاّ أن عمل " تكتموا " أولى لوجهين :
أحدهما : أنه أقرب. 
والثاني : أن كتمان الحَقّ مع العلم به أبلغ ذمّاً، وفيه نوع مقابلة. 
ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال ؛ لأنه يستدعي الإضمار، ولا يجوز إضمار الحال ؛ لأنه لا يكون إلا نكرةً، ولذلك منعوا الإخبار عنه ب " الذي ". 
فإن قيل : تكون المسألة من باب الإعمال على معنى أنا حذفنا من الأوّل ما أثبتناه في الثاني من غير إضمار، حتى لا يلزم المَحْظور المذكور، والتقدير : ولا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون، ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون. 
فالجواب : أن هذا لا يقال : فيه إعمال، لأن الإعمال يستدعي أن يضمر في المهمل، ثم يحذف. 
وأجاز " ابن عطيَّة[(١)](#foonote-١) " ألا تكون هذه الجملة حالاً، فإنه قال :" ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عليه الصلاة والسلام، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، فعلى هذا لا تكون الجُمْلة في موقع الحال ". وفيما قاله نظر. 
وقرئ شاذاً :" وَتَكْتُمُونَ " بالرفع، وخرجوها على أنها حَالٌ، وهذا غير صحيح ؛ لأنه مضارع مثبت فمن حقه ألا يقترن بالواو، وما ورد من ذلك، فهو مؤول بإضمار مبتدأ قبله، نحو :" قُمْتُ وأَصُكُّ عَيْنَهُ "، وقول الآخر :\[ المتقارب \]
٤٤٥ فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ \*\*\* نَجَوْتُ وأرْهَنُهُمْ مَالِكَا
أي :" وأَنَا أَصُكُّ "، و " أَنَا أَرْهَنُهُمْ "، وكذا " وأنتم تكتمون "، إلا أنه يلزم منه إشكال آخر، وهو أنهم منهيُّون عن اللّبس مطلقاً، والحال قيد في الجملة السابقة، فيكون قد نهوا بقيد، وليس ذلك مراداً إلاّ أن \[ يقال : إنها حال لازمة، وقد قيّده " الزمخشري " ب " كاتمين "، فجعله حالاً، وفيه الإشكال المتقدّم، إلاّ أنه \] يكون أراد تفسير المعنى لا تفسير الإعراب، قال " ابن الخطيب[(٢)](#foonote-٢) " : وجواب الإشكال أنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أو باطل، وما لا يعرف كونه حقّاً وباطلاً لا يجوز الإقدام عليه بالنفي، ولا بالإثبات، بل يجب التوقّف فيه. وسبب ذكر هذا القيد أن الإقدام على الفعل الضَّار مع العلم بكونه ضارّاً أفحش من الإقدام عليه عند الجَهْلِ بكونه ضارّاً، فلما كانوا عالمين \[ بما \] في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح. 
ويجوز أن تكون جملة خبرية عطفت على جملة طلبية، كأنه تعالى نَعَى عليهم كتمهم الحقّ مع علمهم أنه حق. 
\[ ومفعول \] العلم غير مُرَاد ؛ لأن المعنى : وأنتم من ذوي العلم. 
وقيل : حذف للعلم به، والتقدير : تعلمون الحقّ من الباطل. 
وقدره " الزمخشري " :" وأنتم تعلمون في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون "، فجعل المفعول اللَّبْس والكَتْم المفهومين من الفعلين السابقين. وهو حسن. 
١ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٣٦..
٢ - ينظر الفخر الرازي: ٣/٤١..

### الآية 2:43

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [2:43]

أمرهم بالإيمان، ثم نهاهم عن لَبْس الحق بالباطل، وكِتْمَان دلائل النُّبوة، ثم ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشّرائع، وذكر من جملته ما هو كالأصل فيها، وهو الصَّلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية. 
قوله : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ  هذه الجُمْلَة وما بعدها عطف على الجملة قبلها عطف أمر على نهي. 
وأصل " أقيموا " :" أقْوِمُوا "، ففعل به ما فعل ب  وَيُقِيمُونَ  \[ البقرة : ٣ \] وقد تقدم الكلام عليها وعلى " الصًّلاة "، وأصل " آتوا " " ائْتِيُوا " بهمزتين مثل " أكْرِمُوا "، فقلبت الثانية ألفاً لسكونها بعد همزة مفتوحة، واستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان " الياء والواو "، فحذفت الياء ؛ لأنها أول وحركت التاء بحركتها. 
وقيل : بل ضمت تبعاً للواو، كما ضم آخر " اضربوا " ونحوه، ووزنه :" افعوا " بحذف اللام. 
وألف " الزكاة " منقلبة عن واو، لقولهم : زَكَوَات، وزَكَا يَزْكُو، وهي النحو. 
وقيل : الطهارة. 
وقيل : أصلها الثَّنَاء الجميل، ومنه : زكى القاضي الشُّهود، والزَّكَا : الزوج صار زوجاً بزيادة فرد آخر عليه، والخَسَا : الفرد، قال :\[ البسيط \]

٤٤٦ كَانُوا خَساً أَوْ زَكاً مِنْ دُونِ أرْبَعَةٍ  لَمْ يَخْلَقُوا وَجُدُودُ النَّاسِ تعْتَلِجُقوله : مَعَ الرَّاكِعِينَ  منصوب ب " ارْكَعُوا ". 
و " الركوع " : الطّمأنينة والانْحِنَاء، ومنه قوله :\[ الطويل \]٤٤٧ أُخَبِّرُ أخْبَارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ  أَدِبُّ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُوقيل : الخضوع والذِّلَّة ؛ ومنه :\[ المنسرح \]٤٤٨ وَلاَ تُهِينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ  تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ### فصل في عدم تأخير البيان عن الحاجة


قال ابن الخطيب : القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب، قالوا : إنما جاء في قوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ  بعد أن كان النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام وصف لهم أركان الصَّلاة وشرائطها، فكأنه تعالى قال : وأقيموا الصلاة التي عرفتموها، والقائلون بجواز التأخير قالوا : يجوز أن يراد الأمر بالصَّلاة، وإن كانوا لا يعرفون أن الصَّلاة ما هي ؟ ويكون المقصود أن يوطن السَّامع نفسه على الامتثال، وإن كان لا يعلم أن المأمور به، ما هو ؟ كما يقول السيد لعبده : إني آمرك غداً بشيء فلا بد وأن تفعله، ويكون غرضه منه بأن يعزم العَبْدُ في الحال على أدائه في الوقت الثاني. 
### فصل في أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع


قوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ  خطاب مع اليهود، وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام. 
فإن قيل : قوله : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ  أمر بالصَّلاة، وقوله : وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ  أمر بالصّلاة أيضاً، فيكون تكراراً. 
فالجواب : أن قوله : وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ  أي : صَلُّوا مع المصلِّين، ففي الأوّل أمر بإقامة الصَّلاة، وفي الثاني أمر بفعلها في الجماعة فلا تَكْرار. 
وقيل : إن اليهود لا ركوع في صلواتهم، فخصّ الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين. 
وقيل : الركوع : الخضوع، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم.

### الآية 2:44

> ﻿۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:44]

الهمزة في " أتأمرون " للإنكار والتَّوبيخ، أو للتعجُّب من حالهم. 
و " أمر " يتعدى لاثنين : أحدهما بنفسه، والآخر بحرف الجر، وقد يحذف، وقد جمع الشاعرُ بين الأمرين في قوله :\[ البسيط \]

٤٤٩ أَمْرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ  فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِو " الناس " مفعول أول، و " بالبر " مفعول ثانٍ، و " البر " سَعَةُ الخير من الصّلة والطاعة، ومنه :" البرّ " و " البَرِيّة " لسعتهما، والفعل منه :" بَرَّ يَبَرُّ "، على وزن " فَعِلَ يَفْعَلَ " ك " عَلِمَ يَعْلَمُ " ؛ قال :\[ الرجز \]٤٥٠ لاهُمَّ رَبِّ إنَّ بَكْراً دُونَكَا  يَبَرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَاأي : يطيعونك. 
و " البِرّ " أيضاً : ولد الثَّعْلب، وسوق الغَنَم، ومنه قولهم :" لا يعرفُ الهِرَّ مِنَ البِرِّ "، أي لا يعرف دُعَاءها من سوقها. 
و " البِرّ " أيضاً : الفؤادُ، قال :\[ الطويل \]٤٥١ أَكُونُ مَكَانَ البِرِّ مِنْهُ ودُونَهُ  وَأَجْعَلُ مَا لِي دُونَهُ وأُوَامِرُهْو " البَرّ " بالفتح الإجْلاَل والتعظيم، ومنه : ولد بَرّ بوالديه، أي يعظمهما، والله تعالى بَرّ لِسَعَةِ خيره على خَلْقِهِ، وقد يكون بمعنى الصدقِ كما يقال : بَرّ في يمينه أي : صدق ولم يَحْنَثْ ويقال : صَدَقْتُ وَبَرَرْتُ. 
قوله : وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ  داخل في حَيّز الإنكار، وأصل " تنسون " : تَنْسَيُون " فأُعلّ بحذف الياء بعد سكونها، وقد تقدّم في  اشْتَرُواْ  \[ البقرة : ١٦ \] فوزنه " تَفْعُون " والنسيان : ضد الذِّكْر، وهو السَّهو الحاصل بعد حصول العلم، وقد يطلق على التَّرك، ومنه :" نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ "، وقد يدخله التعليق حملاً على نقيضه، قال :\[ الطويل \]٤٥٢ وَمَنْ أَنْتُمُ إِنَّا نَسِينَا مَنَ أنْتُمُ  وَرِيحُكُمْ مِنْ أَيِّ رِيحِ الأَعَاصِرِ[(١)](#foonote-١)ويقال : رجل " نَسْيَان " \[ بفتح النون كثير النِّسْيَان ونسيت الشيء نِسْيَاناً، ولا يقال :" نَسَيَاناً " \] بالتحريك - لأن النَّسَيَان تثنية نَسَا العِرْق. 
و " الأَنْفُس " : جمع نَفْس. 
فإن قيل : النّسيان عبارة عن السّهو الحادث بعد حصول العلم، والنَّاسي غير مكلّف ومن لا يكون مكلفاً لا يجوز أن يذمّه الله تعالى على ما صدر منه، فالمراد بقوله : وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ  أنكم تغفلون عن حق أنفسكم، وتعدلون عما لها فيه من النَّفْعِ. 
قوله : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ  مبتدأ وخبر في محلّ نصب على حال، العامل فيها " تنسون ". 
و " التِّلاوة " : التتابع، ومنه تلاوة القرآن ؛ لأن القارئ يتبع كلماته بَعْضَها ببعض، ومنه : وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا  \[ الشمس : ٢ \] وأصل " تتلون " :" تتلوون " بواوين فاستثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الأولى فوزنه " تفعون ". 
ويقال : تلوته إذا تبعته تلواً، وتلوت القرآن تِلاَوَةَ. وتلوت الرجل تلواً إذا خذلته. والتَّلِيَّة والتُّلاوة[(٢)](#foonote-٢) : البقية، يقال : تليت[(٣)](#foonote-٣) لي من حقّي تلاوةً وتليةً أي بقيت. 
وأتليت : أبقيت. 
وتتليت حقّي إذا تتبعته حتى تستوفيه. 
قال " أبو زيد " :" تلي الرجل إذا كان بآخر رمق ". 
قوله : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  الهمزة للإنكار أيضاً، وهي في نية التأخير عن الفاء ؛ لأنها حرف عطف، وكذا تتقدّم أيضاً على " الواو " و " ثم " نحو :
 أَوَلاَ يَعْلَمُونَ  \[ البقرة : ٧٧ \]  أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ  \[ يونس : ٥١ \] والنِّيّة بها التأخير، ما عدا ذلك من حروف العطف فلا تتقدّم عليه، تقول :" ما قام زيد بل أقعد ؟ " هذا مذهب الجُمْهور. 
وزعم " الزَّمخشري " أن الهمزة في موضعها غير مَنْوِيّ بها التأخير، ويقدر قبل " الفاء " و " الواو " و " ثم " فعلاً محذوفاً، فاعطف عليه ما بعده فيقدر هنا : أتغفلون فلا تعقلون، وكذا  أَفَلَمْ يَرَوْاْ  \[ سبأ : ٩ \] أي : أعموا فَلَم يروا ؟
وقد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع يأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى. 
ومفعول " تعقلون " غير مراد ؛ لأن المعنى : أفلا يكون منكم عَقْل، وقيل تقديره : أفلا تعقلون قُبْحَ ما ارتكبتم من ذلك. 
والعَقْل : الإدراك المانع من الخطأ، وأصله المَنْع، ومنه العِقَال، لأنه يمنع البعير عن الحَرَكَةِ، وَعَقْل الدِّيَةِ، لأنه يمنع من قَتْلِ الجَانِي، والعَقْل أيضاً ثُوْب موشًّى ؛ قال علقمة :\[ البسيط \]٤٥٣ عَقْلاً وَرَقْماً يَظَلُّ الطَّيْرُ يَتْبَعُهُ  كَأَنَّهُ مِنْ دَمِ الأَجْوافِ مَدْمُومُ[(٤)](#foonote-٤)قال ابن فارس :" والعَقْل من شِيَاتِ الثياب ما كان نقشه طولاً، وما كان نقشه مستديراً فهو الرَّقم ". ولا محلّ لهذه الجملة لاستئنافها. 
### فصل في المراد بالبرّ في الآية


اختلفوا في المراد بالبرّ في هذا الموضع على وجوه :
أحدها : قال " السُّدّي " إنهم كانوا يأمرون النَّاس بطاعة الله، وينهونهم عن معصية الله، وهم يتركون الطّاعة، ويقدمون على المعصية[(٥)](#foonote-٥). 
وثانيها : قال " ابن جُرَيْجٍ " : إنهم كانوا يأمرون النَّاس بالصَّلاة والزكاة، وهم يتركونهما[(٦)](#foonote-٦). 
وثالثها : كان إذا جاءهم أحد في الخُفْية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : هو صادق فيما يقول، وأمره حقّ فاتبعوه، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهَدَايا والصّلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم. 
ورابعها : أن جماعة من اليهود كانوا قبل مَبْعَثِ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر فيكم، ويدعو إلى الحَقّ وكانوا يرغبونهم في اتباعه، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حَسَدُوهُ وكفروا به، فبكّتهم الله تعالى بسبب أنهم كانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه، وأعرضوا عن دينه، وهذا اختيار " أبي مُسْلِم ". 
وخامسها : قال " الزَّجَّاج " :" إنهم كانوا يأمرون الناس ببَذْلِ الصدقة، وكانوا يشحُّون بها، لأن الله تعالى وصفهم بقَسَاوَةِ القلوب، وأكل الربا والسُّحت ". 
### فصل في سبب هذا التعجب


**سبب هذا التعجُّب وجوه :**
الأوّل : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغَيْر إلى تحصيل المصلحة، وتحذيره عما يوقعه في المَفْسَدَةِ، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير. 
الثاني : أنّ من وعظ النَّاس، وأظهر علمه للخلق، ثم لم يَتَّعظ صار ذلك الوَعْظُ سبباً لرغبة الناس في المعصية ؛ لأن الناس يقولون : إنه مع هذا العلم لولا أنه مُطّلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، وإلاّ لما أقدم على المَعْصية، وإذا كان الوَاعِظ زاجراً عن المعصية، ويأتي بفعل يوجب الجَرَاءة على المعصية، فكأنه جمع بين المُتَناقضين، وذلك لا يليق بالعاقل. 
والثالث : أنّ من وعظ، فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب، والإقدام على المعصية مما يُنَفّر القلوب عن القبول. 
### فصل في دفع شبه المبتدعة في اشتراطهم العدالة في الأمر بالمعروف


قال :" القُرْطبي " :" احتجّت المبتدعة بقوله تعالى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ، وقوله تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  \[ الصف : ٣ \] على أنه يشترط فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يكون عدلاً. 
قال : وهذا استدلال سَاقِطٌ ؛ لأن الذم هاهنا إنما وقع على ارتكاب ما نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، ولا شك أن النهي عن المنكر ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، وأيضاً فإن العَدَالَة محصورة في القليل من الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. 
وذكر عن " ابن عبد البر " أنه قال : أجمع المسلمون على أنه لا يَجِبُ على كلّ من قدر على إزالة المنكر أن يغيره إذا لم يحصل له بتغييره إلا اللَّوم الذي لا يصل إلى الأذى. 
### فصل في ماهية العقل


قال بعض الفلاسفة : العَقْلُ جَوْهَرٌ لطيف في البَدَنِ ينبثّ شعاعه منه بمنزلة السِّرَاج في البيت، يفصل بين حَقَائق المعلومات. 
ومنهم من قال : إنه جَوْهَرٌ بسيط، ثم اختلفوا في محلّه. 
فقالت طائفة منهم : محلّه الدِّماغ ؛ لأن الدماغ محل الحسّ. 
ومنهم من قال : محله القلب ؛ لأن القلب معدن الحَيَاة، ومادّة الحواس. 
وقالت طائفة : محله القلب وله أشعة إلى الدماغ. 
وقال " أبو الحسن الأشعري وأبو إسحاق الإسفراييني " وغيرهما : العقل هو العِلْم. 
وقال " القاضي أبو بكر " : العَقْلُ علوم ضرورية بوجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. 
واختار " أبو المَعَالي " في " البُرْهان " أنه صفة يتأتى بها دَرْكُ العُلُوم. 
وقال " الشافعي " : العَقْلُ غريزةٌ. 
وقال " أبو العَبَّاس القلانسي " : العقل قوة التَّمييز. 
وحكي عن " المحاسبي " أنه قال : العَقْل أنوار وبصائر. 
### فصل في خلق أفعال العباد


احتجّت المعتزلة بهذه الآية على أنّ فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالوا قوله تعالى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ  إنما يصحّ، ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم، فأما إذا كان مخلوقاً فيهم على سبيل الاضطرار، فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟
والجواب : أنّ قدرته لما صلحت للضدين بأن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك مَحْض الاتفاق، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه، وإن حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البَحْث فيه، وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحاً، والآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع ؛ لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع، فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع، وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر، فيعود عليهم ما أوردوه، ثم الجواب الحَقِيقي عن الكل : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ  \[ الأنبياء : ٢٣ \]. 
١ - البيت لزياد الأعجم ينظر ديوانه: ص ٧٣، تذكرة النحاة: ص ٦٢٠، الدرر: ٢/ ٢٦٥، المقاصد النحوية: ٢/ ٢٤٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر: ٢/١٢١، تخليص الشواهد: ص ٤٥٤، حاشية يس: ١/ ٢٥٣، المحتسب ١/ ١٦٨، همع الهوامع: ١/١٥٥، الدر المصون: ١/٢١١..
٢ - زاد في أ: يضمان..
٣ - في أ: بقيت..
٤ - ينظر الديوان: (٥١)، المفضليات: (٣٩٧)، اللسان: عقل، الدر المصون: (١/٢١١)..
٥ - أخرجه الطبري في تفسيره (٢/٨)..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٨)..

### الآية 2:45

> ﻿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [2:45]

قوله : وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ  جملة أمرية عطف على ما قبلها من الأوامر، ولكن اعترض بينهما بهذه الجمل. 
وأصل " اسْتَعِينُوا " :" اسْتَعونُوا " ففعل فيه ما فعل في " نَسْتَعِين " وقد تقدم تحقيقه ومعناه. و " بالصبر " متعلّق به، والباء للاستعانة أو للسّببية، والمُسْتَعَان عليه محذوف ليعم جميع الأحوال المستعان عليها، واستعان يتعدّى بنفسه نحو : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  \[ الفاتحة : ٥ \]، ويجوز أن تكون الباء للحال، أي : مُلْتَبِسِينَ بالصبر. 
والظَّاهر أنه يتعدّى بنفسه وبالباء، تقول : استعنت الله واستعنت بالله، وقد تقدم أن السِّين للطلب. 
والصّبر : الحبس على المكروه ؛ ومنه :" قُتِلَ فُلاَنٌ صَبْراً " ؛ قال :\[ الوافر \]

٤٥٤ فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً  فَمَا نَيْلُ الخُلُودِ بِمُسْتَطَاعِو " المَصْبُورة " التي نهي عنها في الحديث هي المَحْبُوسة على الموت، وهي المجثمة. والصبر المأمور به هو الصَّبر على الطَّاعة، وعن المخالفة، وإذا صبر عن المَعَاصي فقد صبر على الطَّاعة. 
قال النحاسي :" ولا يقال لمن صبر على المصيبة : صابر إنما يقال : صابر على كذا ". ويرده قوله تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  \[ البقرة : ١٥٥ \] ثم قال : الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ  \[ البقرة : ١٥٦ \] الآية. 
### فصل في فضل الصلاة


خص الصلاة بالذكر من بين سائر العِبَادات تنويهاً بذكرها. 
وكان عليه الصلاة والسَّلام " إذا حَزَبَهُ أمر فَزَعَ إلى الصَّلاة " . 
ومنه ما روي عن عبد الله بن عَبَّاسِ أنه نُعي إليه أخوه قثم وقيل بنت له وهو في سَفَرٍ فاسْتَرجع وقال : عَوْرَةٌ سَتَرَها الله، ومُؤْنَةٌ كَفَاها الله، وأجْرٌ ساقه الله، ثم تَنَحَّى عن الطريق وصَلَّى، ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ : وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ . 
فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية. 
وقال قوم : هي الدعاء على عرفها في اللُّغة، فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ  \[ الأنفال : ٤٥ \] ؛ لأن الثبات هو الصبر، والذكر هو الدعاء. 
وقال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصَّوم، ومنه قيل لرمضان : شهر الصَّبْرِ، فجاء الصَّوم والصَّلاة على هذا القول في الآية متناسباً في أن الصِّيَام يمنع من الشَّهَوَات، ويزهد في الدنيا، والصَّلاة تنهى عن الفَحْشَاء والمُنْكَرِ، وتخشع، ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة. 
وإنما قدم الصَّبر على الصلاة ؛ لأن تأثير الصَّبر في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصَّلاة في حصول ما ينبغي. 
وقد وصف الله تعالى نفسه بالصَّبْرِ كما في حديث أبو موسى عن النبي صلى الله عليه سلم قال :" ليس أَحَدٌ أو ليس شيء أَصْبَرَ على أَذًى سمعه من اللَّه تعالى إنهم ليدعون له ولداً وإنه ليُعَافِيهمْ ويَرْزُقُهُمْ " أخرجه البُخَاري. 
قال العلماء : وَصْفُ الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحِلْمِ، ومعنى وصفه تعالى بالحِلْمِ هو تأخير العقوبة عن مستحقِّيها، ووصْفُهُ تعالى بالصَّبْرِ لم يرد في التنزيل، وإنما ورد في حديث أبي موسى وتأوله أهل السُّنة على الحِلْمِ، قاله " ابن فورك " وغيره. 
وجاء في أسمائه " الصبور " للمبالغة في الحِلْمِ عمن عَصَاه. 
قوله : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ  إن واسمها وخبرها، والضَّمير في " إنها " قيل : يعود على " الصلاة "، وإن تقدم شيئان ؛ لأنها أغلب منه وأهم، وهو نظير قوله : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا  \[ الجمعة : ١١ \] أعاد الضمير على التِّجَارة ؛ لأنها أهم وأغلب، كذا قيل، وفيه نظر ؛ لأن العطف ب " أو " فيجب الإفراد، لكن المراد أنه ذكر الأهم من الشَّيئين، فهو نظيرها من هذه الجهة. 
وقيل : يعود على الاستعانة المفهومة من الفعل نحو : اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  \[ المائدة : ٨ \]. 
وقيل : على العبادة المَدْلُول عليها بالصَّبر والصلاة، وقيل : هو عائد على الصبر والصَّلاة، وإن كان بلفظ المفرد، وهذا ليس بشيء. 
وقيل : حذف من الأول لدلالة الثاني عليه ؛ وتقديره : وإنه لكبيرٌ ؛ نحو قوله :\[ الخفيف \]٤٥٥ إنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعَرَ الأَسْ  وَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُوناولم يقل :" يُعَاصيا " ردّ إلى الشباب ؛ لأن الشعر داخل فيه، وكذا الصَّبر لما كان داخلاً في الصلاة عاد عليها كما قال : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  \[ التوبة : ٦٢ \]، ولم يقل : يرضوهما ؛ لأن رضا الرسول داخلٌ في رِضَا الله عَزّ وجلّ. 
وقيل : ردّ الكتابة إلى كل واحد منهما، لكن حذف اختصاراً، كقوله :
 وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً  \[ المؤمنون : ٥٠ \]، ولم يقل : آيتين، وقال الشاعر :\[ الطويل \]٤٥٦ فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ  فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُأراد :" لَغَرِيبَانِ ". 
وقيل : على إجابة محمد عليه الصَّلاة والسَّلام، لأنَّ الصبر والصَّلاة مما كان يدعو إليه، وقيل : على الكَعْبَةِ ؛ لأن الأمر بالصَّلاة إنما هو إليها. 
قوله :" لَكَبِيرَةٌ " : لشاقّة ثقيلة من قولك : كَبُرَ هذا عليَّ ؛ قال تعالى :
 كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ  \[ الشورى : ١٣ \]. 
و  إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ  استثناء مُفَرّع، وجاز ذلك وإن كان الكلام مثبتاً، لأنه في قوة النفي، أي : لا تسهل ولا تخفّ إلا على هؤلاء. 
و " عَلَى الخَاشِعِين " متعلّق ب " كبيرة " نحو :" كَبُرَ عليّ هذا " أي : عظم وشق. 
فإن قيل : إن كانت ثقيلةً على هؤلاء سهلةً على الخاشعين، فوجب أن يكون ثوابهم أكثر، وثواب الخاشعين أقلّ، وهذا باطل. 
فالجواب : ليس المراد أن الذي يلحقهم من التَّعب أكثر مما يلحق الخاشع، وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل عند صلاته جوارِحَهُ وقَلْبَهُ وسمعه وبصره، ولا يغفل عن تدبُّر ما يأتي من الذِّكر، والتذلُّل والخضوع، وإذا تذكّر الوعيد لم يخل من حَسْرَةٍ وغَمّ، وإذا ذكر الوَعْدَ فكمثل ذلك، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثِّقْلُ عليه بفعل صلاته أعظم، وإنما المراد بقوله هاهنا لثقيلة على من لم يَخْشَعْ من حيث لا يعتقد في فعلها ثواباً، ولا في تركها عقاباً، فيصعب عليه فعلها ؛ لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطَّبْعِ. 
و " الخشوع " : الخضوع، وأصله : اللِّينُ والسُّهولة، ومنه " الخُشْعَةُ " للرَّمْلَةِ، وقيل : قطعة من الأرض رخوة، وفي الحديث " كَانَتْ خُشْعَةً على المَاءِ ثم دُحِيَتْ بَعْدُ " أي : كانت الأرض لَيِّنَةً. 
وقال النابغة :\[ الطويل \]٤٥٧ رَمَادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لأْياً أُبَيِّنُهُ  ونُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُأي : عليه أثر الذُّل. 
وفرق بعضهم بين الخضوع والخشوع، فقال : الخضوع في البدن خاصّة، والخشوع في البَدَن والصّوت والبَصَرِ، فهو أعم منه.

### الآية 2:46

> ﻿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:46]

" الذين " يحتمل موضعه الحَرَكات الثلاث، فالجر على أنه تابع لما قبله نعتاً، وهو الظَّاهر، والرفع والنَّصْب على القطع، وقد تقدم معناه. 
وأصل الظَّن رجحان أحد الطرفين وأما هذه الآية ففيها أوجه :
أحدها : وعليه الأكثر أن الظَّن هاهنا بمعنى اليقين ؛ ومثله  أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ  \[ الحاقة : ٢٠ \] ؛ وقال تعالى : أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ  \[ المطففين : ٤ \]. 
وقال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّة :\[ الطويل \]
٤٥٨ فَقُلْتُ لَهُمْ :

 ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ  سَرَاتُهُمْ في الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِوقال أبو دُؤَاد :\[ الخفيف \]٤٥٩ رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتُهُ بِعزيمٍ  وغُيُوبٍ كَشَّفْتُهَا بِظُنُونِفاسْتُعْمِلَ الظَّن استعمال اليَقين \[ مجازاً، كما استعمل العِلْم استعمال الظّن ؛ كقوله : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ  \[ الممتحنة : ١٠ \] ولكن العرب لا تستعمل الظَّن استعمال اليقين \] إلاّ فيما لم يخرج إلى الحسّ والمشاهدة كالآيتين والبَيْت، ولا تجدهم يقولون في رجل حاضر : أظنّ هذا إنساناً. 
قائلو هذا القول قالوا : إن الظن هنا بمعنى العلم، قالوا : لأنّ الظن وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة، وذلك كفر والله تعالى مدح على \[ الظّن \]، والمدح على الكُفْرِ غير جائز، فوجب أن يكون المراد من الظن هاهنا العلم، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً، إلا أن العلم راجحٌ مانع من النقيض، والظن راجحُ غير مانع من النقيض، فلما اشتبها من هذا الوجه صَحّ إطلاق اسم أحدهما على الآخر، كما في الآية والبَيْت. 
والثاني : أن الظّن على بابه وفيه تأويلان :
أحدهما : أن تجعل مُلاَقَاة الرب مجازاً عن الموت ؛ لأن مُلاَقاة الرب سبب عن الموت، فأطلق المسبّب، وأراد السبب، وهو مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات : إنه لقي رَبَّهُ، فتقدير الآية : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو المَوْت في كل لَحْظَةٍ، فإن من كان متوقعاً للموت في كل لحظة، فإنه لا يفارق قلبه الخشوع. 
وثانيها : أنهم يظنون مُلاَقاة ثواب ربهم ؛ لأنهم ليسوا قاطعين بالثواب، دون العِقَاب، والتقدير : يظنون أنهم ملاقو ثَوَاب ربهم، ولكن يشكل على هذا عطف  وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  فإنه إذا أعدناه على الثَّوَاب المقدر، فيزول الإشْكَال أو يقال : إنه بالنسبة إلى الأوّل بمعنى الظَّن على بابه، وبالنِّسْبَة إلى الثَّاني بمعنى اليقين، ويكون قد جمع في الكلمة الوَاحِدَةِ بين الحقيقة والمجاز، وهي مسألة خلاف. 
وثالثها : قال المَهْدَوِيّ والمَاوَرْدِيّ وغيرهما : أن يضمر في الكلام " بذنوبهم "، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين ؛ لأن الإنسان الخاشع قد ينسى ظنه بيقينه وبأعماله. 
قال " ابن عطية " :" وهذا تعسُّف ". 
### فصل في أوجه ورود لفظ الظن


قال " أبو العباس المقرئ " : وقد ورد " الظَّن " في القرآن بإزاء خمسة معان :
الأول : بمعنى " اليقين " كهذه الآية، ومثله : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ  \[ الحاقة : ٢٠ \]، ومثله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ  \[ البقرة : ٢٤٩ \]. 
الثاني : بمعنى " الشَّك " قال تعالى : إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ 
\[ الجاثية : ٣٢ \]. 
الثالث : بمعنى " حسب " قال تعالى : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ  \[ الانشقاق : ١٤ \] أي : حسب ألا يرجع، ومثله : وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ  \[ فصلت : ٢٢ \]. 
الرابع : بمعنى " الإنكار " قال تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السماء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ  \[ ص : ٢٧ \] أي : إنكارهم. 
والخامس : بمعنى " الجَحْد " قال تعالى : وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ  \[ يونس : ٦٠ \] أي : وما جَحْدُهم. 
و " أن " وما في حَيّزها سادّة مسدّ المفعولين عند الجمهور، ومَسَدّ الأول والثاني محذوف عند " الأخفش "، وقد تقدّم تحقيقه. 
و " مُلاَقُو رَبِّهِمْ " من باب إضافة اسم الفاعل لمعموله إضافة تخفيف ؛ لأنه مستقبل، وحذفت النون للإضافة، والأصل :" مُلاَقُون ربّهم " والمُفَاعلة هنا بمعنى الثلاثي نحو : عَافَاكَ الله. 
قال " المهدوي " : قال " ابن عطية[(١)](#foonote-١) " : وهذا ضعيف ؛ لأن " لَقِيَ " يتضمن مَعْنَى " لاقَى ". كأنه يعني أن المادّة لذاتها تقتضي المُشَاركة بخلاف غيرها من " عَاقَبْت وطَارَقْت وعَافَاك ". 
وقد تقدم أن في الكلام حذفاً تقديره : ملاقو ثَوَاب ربهم وعقابه. 
قال " ابن عطية " :" ويصح أن تكون المُلاَقاة هاهنا بالرؤية التي عليها أهل السُّنة، وورد بها متواتر الحديث ". فعلى هذا الذي قاله لا يحتاج إلى حَذْفِ مضاف. 
و " أَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ " عطف على " أنهم " وما في حَيّزها، و " إليه " متعلّق ب " راجعون "، والضمير : إما للرَّبِّ سبحانه، أو للثواب كما تقدّم، أو للقاء المفهوم من قوله :" إنهم مُلاَقُوا ". 
ويجوز :" وإنهم " بالكسر على القطع. 
### فصل في رؤية الله تعالى


استدّل بعض العلماء بقوله :" مُلاَقُو رَبِّهِمْ " على جواز رؤية الله تعالى، قالت المعتزلة : لفظ اللِّقاء لا يفيد الرؤية، لقوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ  \[ التوبة : ٧٧ \]، وقوله : وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً 
\[ الفرقان : ٦٨ \]، وقوله : وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ  \[ البقرة : ٢٢٣ \] وهو يتناول المؤمن والكافر، والرؤية لا تثبت للكافر، وقوله عليه الصلاة والسلام :" من حَلَفَ على يَمِينٍ ليقتطع بها مَالَ امرئ مسلمٍ لَقِيَ الله وهو عَلَيْه غَضْبَان[(٢)](#foonote-٢) " وليس المراد رؤية الله ؛ لأن ذلك وصف لأهل النار، فعلمنا أن اللقاء ليس عبارةً عن الرؤية. وفي العرف قول المسلمين : من مات لَقِيَ الله، ولا يعنون أنه رأى الله، وأيضاً فاللقاء يراد به القُرْب، فإن الأمير إذا أذن للشَّخص في الدخول عليه يقول : لقيته، وإن كان ضريراً، وإذا منعه من الدُّخول يقول : ما لقيته، وإن كان قد رآه، ويقال : لقي فلان جهداً، وكل هذا يدلّ على أنّ اللقاء ليس عبارة عن الرُّؤية، وقال تعالى :
 فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  \[ القمر : ١٢ \] وهذا إنما يصحّ في حقّ الجسم، ولا يصح في \[ حق \] الله تعالى. 
قال ابن الخطيب : أجاب الأصحاب بأن اللقاء في اللُّغة : عبارة عن وصول أحد الجِسْمَيْن إلى الآخر بحيثُ يماسّه بمسطحه، يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسّه، واتصل به، ولما كانت المُلاَقاة بين الجسمين المدركين سبباً لحصول الإدراك بحيث لا يمتنع إجراء اللفظ عليه، وجب حمله على الإدراك ؛ لأن إطلاق لفظ السبب على معنى المسبّب من أقوى وجوه المجاز، فثبت أنه يجب حمل لفظ اللِّقَاء على الإدراك \[ أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصُّور بدليل يخصه، فوجب إجراؤه على الإدراك \] في البواقي. 
وعلى هذا التقرير زالت السُّؤالات. 
وأما قوله : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً  \[ التوبة : ٧٧ \] الآية. 
قلنا : لأجل الضرورة ؛ لأن المراد : إلى يوم يلقون جزاءه وحكمه، والإضمار على خلاف الدليل، فلا يُصَار إليه إلاّ عند الضرورة. 
وأما قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ  فلا ضرورة في صَرْفِ اللفظ عن ظاهره، ويمكن أن يقال ملاقاة كل أحد بحسبه، فالمؤمن من يلقى الله، وهو عنه راضٍ، فيثيبه، وينعم عليه بأنواع النعم : والكافر والحالف الكاذب يلقى الله، وهو عليه غضبان، فيعذبه بأنواع العِقَابِ، كما أن خاصّة الأمير يلقون الأمير، وهو راضٍ عنهم، فيعطيهم وينعم عليهم، وأما اللّص وقاطع الطريق إذا لقوا الأمير عاقبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم بما استحقوا، وشَتّان بين اللقاءين. 
١ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٣١٨..
٢ - أخرجه البخاري في الصحيح (٣/٢٢٢) كتاب المساقاة باب الخصومة.. حديث (٢٣٥٦)، (٢٣٥٧).
 وأخرجه مسلم في الصحيح (١/١٢٢-١٢٣) كتاب الإيمان (١) باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (٦١) حديث رقم (٢٢٠/١٣٨، ٢٢٢/١٣٨)..
 وابن ماجه في السنن (٢/٧٧٨) كتاب الأحكام باب من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالا- وأحمد في المسند (١/٤٤٢).
 والبيهقي في السنن (١٠/١٧٨، ٢٥٤٣)- والطبراني في الكبير (١٠/١٣٢) وذكره الهيثمي في الزوائد (٤/١٨٣)- والهندي في كنز العمال حديث رقم ٤٦٣٥٤..

### الآية 2:47

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:47]

أعاد الكلام توكيداً للحجّة عليهم، وتحذيراً من ترك اتباع محمد عليه الصلاة والسلام. 
قوله :" وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ " " أن " وما في حَيّزها في محلّ نصب لعطفها على المَنْصُوب في قوله :" اذْكُرُوا نِعْمَتي " أي : اذكروا نِعْمَتِي وتفضيلي إيَّاكم، والجار متعلّق به، وهذا من باب عطف الخَاصّ على العام ؛ لأن النعمة تشمل التَّفْضِيل. 
والفضل : الزيادة في الخير، واستعماله في الأصل التعدّي ب " على "، وقد يتعدَّى ب " عَنْ " إمَّا على التضْمِين، وإما على التجوُّز في الحذف ؛ كقوله :\[ البسيط \]

٤٦٠ لاَهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ  عَنِّي وَلاَ أَنْتَ دَيَّانِي فتَخْزُونِيوقد يتعدّى بنفسه ؛ كقوله :\[ الوافر \]٤٦١ وَجَدْنَا نَهْشَلاً فَضَلَتْ فُقَيْماً  كَفَضْلِ ابْنِ المَخَاضِ عَلَى الفَصِيلِفعدّاه بنفسه، وب " عن "، وفعله " فَضَل " بالفَتْحِ " يَفْضُل " بالضم ك :" قَتَل يَقْتُل ". 
وأما الذي معناه " الفَضْلَة " من الشيء، وهي : البقيّة فَفِعْلُه أيضاً كما تقدم. 
ويقال فيه أيضاً :" فَضِل " بالكسر " يَفْضَلُ " بالفتح ك :" عَلِم يَعْلَم "، ومنهم من يكسرها في الماضي، ويضمّها في المضارع، وهو من التَّدَاخل بين اللغتين. 
فإن قيل : قوله : أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  يلزم منه أن يكونوا أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام وذلك باطل. 
**والجواب من وجوه :**
أحدها : قال قوم : العالم عبارةٌ عن الجمع الكثير من النَّاس كقولك : رأيت عالماً من النَّاس، والمراد منه الكثرة، \[ وهذا \] ضعيف ؛ لأن لفظ العالم مشتقّ من العلم وهو الدليل، فكل ما كان دليلاً على الله تعالى فإنه عالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كلّ موجود سوى الله. 
وثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، فإن الشَّخص الذي لم يوجد بعد ليس من جملة العالمين، ومحمد عليه الصلاة والسلام ما كان موجوداً في ذلك الوَقْتِ، فما كان ذلك الوقت من العالمين، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أَفْضَلَ العالمين في ذلك الوَقْت كونهم أفضل من محمد، وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله تعالى : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ  \[ المائدة : ٢٠ \]، وقال : وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  \[ الدخان : ٣٢ \]، أراد به عالمي ذلك الزمان. 
وثالثها : قوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  عام في العالمين، لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة، فالآية تدلّ على أن بني إسرائيل فضّلوا على كل العالمين في أمرٍ ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كلّ العالمين في كل الأمور، بل لعلهم، وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد، فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر، وعند ذلك يظهر أنه لا يصحّ الاستدلال بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ  \[ آل عمران : ٣٣ \] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. 
تنبيه
قال :" ابن زَيْدٍ " : أراد به المؤمن منهم ؛ لأن عُصَاتهم مُسِخُوا قردةً وخنازير. وقال : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ  \[ المائدة : ٧٨ \]. 
### فصل في بيان أن خطاب الله لبني إسرائيل هو كذلك للعرب


جميع ما خوطب به بنو إسرائيل تنبيه للعرب، وكذلك أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد، قال تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ 
\[ يوسف : ١١١ \]، وقال تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ 
\[ الزمر : ١٨ \]. 
وروى قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : قد مضى والله بَنُو إسرائيل وما يغني ما تَسْمَعُونَ \[ عن \] غيركم. 
فإن قيل : لما \[ خصهم \] بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم العظيمة في الآخرة، كما قيل : إتمام المعروف خَيْرٌ من ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله : وَاتَّقُواْ يَوْماً  \[ البقرة : ٤٨ \]. 
والجواب :\[ أن \] المعصية مع عظيم النِّعمة تكون أقبح وأفحش، فلهذا حذرهم عنها.

### الآية 2:48

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:48]

" يوماً " مفعول به، \[ ولا بد من حذف \] مضاف أي : عذاب يوم أو هول يوم، وأجيز أن يكون منصوباً على الظرف، والمفعول محذوف تقديره : واتقوا العَذَاب في يومٍ صِفَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ. 
ومنع " أبو البقاء " كونه ظرفاً، قال :" لأن الأمر بالتقوى لا يقع في يوم القيامة ". 
والجواب عما قاله : أن الأمر بالحَذَرِ من الأسباب المؤدّية إلى العقاب في يوم القيامة. 
وأصل " اتَّقُوا " :" اوْتَقُوا "، ففعل به ما تقدم في  تَتَّقُونَ  \[ البقرة : ٢١ \]. قوله : لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ . 
التنكير في " نفس " و " شيئاً " معناه أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس مثلها شيئاً من الأشياء، وكذلك في " شَفَاعة " و " عَدْل ". 
قال الزمخشري : و " شيئاً " مفعول به على أن تجزي بمعنى " تقضي "، أي : لا تقضي نفسٌ عن غيرها شيئاً من الحُقُوق، ويجوز أن يكون في موضع مَصْدَر، أي : قليلاً من الجزاء كقوله : وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً  \[ مريم : ٦٠ \]، أي : شيئاً من الجزاء ؛ لأن الجزاء شيء، فوضع العام موضع الخاص. 
واجْتَزَأْتُ بالشَّيء اجْتِزَاءً : اكْتَفَيْتُ، قال الشاعر :\[ الوافر \]
٤٦٢ بأَنَّ الغَدْرَ في الأَقْوَامِ عَارٌ \*\*\* وَأَنَّ الحُرَّ يَجْزَأُ بِالكُرَاعِ
أي : يجتزئ به. 
والجملة في محلّ نصب صفة ل " يوماً "، والعائد محذوف، والتقدير : لا تَجْزِي فيه، ثم حذف الجار والمجرور، لأن الظروف يتّسع فيها ما لا يتّسع في غيرها، وهذا مذهب " سيبويه ". 
وقيل : بل حذف بعد حذف حَرْفِ الجَرّ، ووصول الفعل إليه فصار : لا تجزيه ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٤٦٣ وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وَعَامِراً \*\*\* قَلِيلٍ سِوَى الطَّعْنِ النَّهَالِ نَوَافِلُهْ
ويُعْزَى للأخفش، إلاّ أن " المهدوي " نقل أن الوجهين المتقدّمين جائزان عند الأخفش وسيبويه والزجاج ؛ ويدلّ على حذف عائد الموصوف إذا كان منصوباً قوله :\[ الوافر \]
٤٦٤ فَمَا أَدْرِي أَغَيَّرَهُمْ قَنَاء \*\*\* وَطُولُ الدَّهْرِ أَمْ مَالٌ أَصَابُوا ؟
أي : أصابوه، ويجوز عند الكوفيين أن يكون التقدير : يوماً يوم لا تَجْزي نفسٌ، فيصير كقوله تعالى : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ  \[ الانفطار : ١٩ \]، ويكون " اليوم " الثاني بدلاً من يوماً الأول، ثم حذف المُضَاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  \[ يوسف : ٨٢ \]، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير عائدٍ ؛ لأن الظرف متى أضيف إلى الجملة بعده لم يؤت له فيها بضمير، إلاّ في ضرورة شعر ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٤٦٥ مَضَتْ مائَةٌ لِعَامَ وُلِدْتُ فِيهِ \*\*\* وَسَبْعٌ بَعْدَ ذَاكَ وَحِجَّتَانِ
و " عن نفس " متعلّق ب " تجزي "، فهو في محلّ نصب به. 
قال " أبو البَقَاء " : يجوز أن يكون نصباً على الحال. 
و " الجزاء " : القضاء والمكافأة ؛ قال :\[ الرجز \]
٤٦٦ يَجْزِيهِ رَبُّ العَرْشِ عَنِّي إِذْ جَزَى \*\*\* جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلاَلِيِّ العُلا
و " الإجزاء " : الإغناء والكِفَايَة، أجزأني كذا : كفاني، قال :\[ الطويل \]
٤٦٧ وأَجْزَأْتَ أَمْرَ العَالَمِينَ وَلَمْ يَكُنْ \*\*\* لِيَجْزَأَ إلاَّ كَامِلٌ وَابْنُ كَامِلِ
وأجْزَأْتُ وجَزَأْتُ متقاربانِ. 
وقيل : إن الإِجْزَاء والجَزَاء بمعنًى، تقول فيه : جَزَيْتُهُ وأَجْزَيْتُهُ. 
وقد قرئ :" تُجْزِئ " بضم حرف المُضَارعة من " أجزأ ". 
قوله : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ  هذه الجملة عطف على ما قبلها، فهو صفة أيضاً ل " يوماً " والعائد " منها " عليه محذوف كما تقدم، ولا يقبل منها فيه شفاعة. 
و " شفاعة " مفعول لم يُسَمّ فاعله، فلذلك رُفِعَتْ. 
وقرئ :" يُقْبَل " بالتذكير والتأنيث، فالتأنيث للفظ، والتذكير لأنه مؤنّث مجازي، وحسنه الفصل. 
وقرئ :" ولا يَقْبَلُ " مبنياً للفاعل وهو " الله " تعالى. و " شَفَاعةً " نصبا مفعولاً به. " وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ " صفة أيضاً، والكلام فيه واضح. 
و " منها " متعلّق ب " يُقْبَل " و " يُؤْخَذ ". 
وأجاز أبو البقاء : أن يكون نصباً على الحال ؛ لأنه في الأصل صفة ل " شفاعة " و " عَدْل "، فلما قدم عليهما نصب على الحَالِ، ويتعلّق حينئذ بمحذوف، وهذا غير وَاضِحٍ، فإنّ المعنى منصب على تعلقه بالفعل، والضمير في " منها " يعود على " نفس " الثانية ؛ لأنها أقرب مذكور، ويجوز أن يعود الضَّمير الأول على الأولى، وهي النفس الجازية، والثاني يعود على الثَّانية، وهي المجزيّ عنها، وهذا مُنَاسب. 
و " الشَّفَاعة " مشتقة من الشَّفْع، وهو الزوج، ومنه " الشُّفْعَة " ؛ لأنها ضَمّ ملك إلى غيره، والشافع والمشفوع له ؛ لأن كلاًّ منهما يزوج نفسه بالآخر، ونَاقَةٌ شَفُوعٌ يجمع بين مَحْلَبَيْنِ في حَلْبَةٍ واحدة، وناقة شَافِعٌ : إذا اجتمع لها حَمْلٌ وَوَلَدٌ يَتْبَعُهَا. 
وَالعَدْل بالفتح الفِدَاء، وبالكَسْرِ : المِثْل، يقال : عَدْل وعَدِيل. 
وقيل : عَدْل بالفتح المساوي للشيء قيمةً وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، وبالكَسْرِ : المساوي له في جنسه وجِرْمِهِ. 
وحكى الطبري :" أن من العرب من يكسر الذي بمعنى الفِدَاء، وأما عِدْل واحد الأعدال فهو بالكسر لا غير ". وعَدْل واحد الشهود \[ فبالفتح لا غير، وأما قوله عليه السلام :" لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفاً وَعَدْلاً " \] فهو بالفتح أيضاً. وقيل : المراد ب " الصَّرْف " : النَّافلة، وب " العَدْل " : الفريضة. 
وقيل : الصَّرف : التوبة، والعَدْل : الفِدْيَة. 
قوله : وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ  جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على ما قبلها، وإنما أتى هنا بالجملة مصدّرة بالمبتدأ مخبراً عنه بالمُضَارع تنبيهاً على المُبَالغة والتأكيد في عدم النصرة. والضمير في قوله " وَلاَ هُمْ " يعود على " النَّفس " ؛ لأن المراد بها جنسُ الأنفس، وإنما عاد الضمير مذكراً، وإن كانت النفس مؤنثةً ؛ لأنّ المراد بها العباد والأَنَاسِيّ. 
قال الزمخشري :" كما تقول : ثلاثة أنفس ". يعني : إذا قصد به الذُّكُور ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٤٦٨ ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ \*\*\*. . . 
ولكن النُّحَاة نَصُّوا على أنه ضرورةٌ، فالأَوْلَى أن يعود على الكفار الذين اختصتهم الآية ؛ كما قال " ابن عطية ". 
و " النَّصْر " : العون، والأَنْصَار : الأَعْوَان، ومنه  مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ 
\[ آل عمران : ٥٢ \] والنّصر أيضاً الانتقام، انتصر زيد : انتقم، والنصر : الإتْيَان نَصَرْتُ أَرْضَ بني فلانِ : أتيتها ؛ قال الشاعر :\[ الطويل \]
٤٦٩ إذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ فَوَدِّعِي \*\*\* بِلاَدَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ
والنَّصْر : المطر، يقال : نصرت الأرض : مطرت. 
قال " القَفّال " : تقول العرب : أرض مَنْصورَة أي ممطورة، والغَيْثُ ينصر البلاد : إذا أنبتها، فكأنه أغاث أَهْلَهَا. 
وقيل في قوله : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ  \[ الحج : ١٥ \] أي : لن يرزقه الله، كما يرزق الغَيْثُ البِلادَ. 
والنَّصْر : العَطَاءُ ؛ قال :\[ الرجز \]
٤٧٠ إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا \*\*\* لَقَائِلٌ : يَا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرَا
ويتعدّى ب " على " قال تعالى : فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  \[ البقرة : ٢٨٦ \] وأما قوله : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ  \[ الأنبياء : ٧٧ \] فيحتمل التعدّي ب " من " ويحتمل أن يكون من التضمين. أي : نصرناه بالانتقام له منهم. 
فإن قيل : قوله : لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً  تفيد ما أفاده  وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ  فما المقصود من هذا التكرار ؟
فالجواب : أن قوله : لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ  أي : لا تتحمّل عنه غيره ما يلزمه من الجَزَاء. 
وأما النُّصْرَة فهو أن يحاول تخليصه من حكم المعاقب، فإن قيل : قدم في هذه الآية قَبُول الشفاعة على أخذ الفدية، وفي الآية التي قبل قوله : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ  \[ البقرة : ١٢٤ \] قدم قبول الفدية على ذكر الشَّفاعة فما \[ الحكم ؟ قال ابن الخطيب :\] فالجواب : أن من كان مَيْله إلى حبّ المال أشدّ من ميله إلى عُلُوّ النفس فإنه يقدّم \[ التمسُّك \] بالشافعين على إعطاء الفدية، ومن كان بالعَكْسِ يقدّم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين.

### فصل في سبب نزول الآية


ذكروا أن سبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ 
\[ المائدة : ١٨ \] وأبناء أنبيائه، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تُقْبَلُ فيه الشفاعات، ولا يؤخذ فيه فدية. 
وإنما خصّ الشّفاعة والفدية والنصر بالذِّكْرِ، لأنها هي المعاني التي اعتادها بَنُو آدم في الدنيا، فإنّ الواقع في الشِّدَّة لا يتخلَّص إلا بأن يشفع له، أو يفتدى، أو ينصر. 
### فصل في الشفاعة


أجمعت الأمّة على أنّ الشفاعة في الآخرة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم \[ اختلفوا في \] أن شفاعته عليه الصلاة والسلام \[ لمن \] تكون أي للمؤمنين المستحقّين للثواب أم لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟
فذهب المعتزلة إلى أنها للمستحقّين للثواب، وتأثير الشفاعة زيادة المَنَافع على ما استحقّوه. 
وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العقاب عن المستحقّين العقاب بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار، فإن دخلوا النار، فشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة. 
واتفقوا على أنها ليست للكفار.

### الآية 2:49

> ﻿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [2:49]

" إذ " في موضع نصب عطفاً على " نعْمَتي "، وكذلك الظُّروف التي بعده نحو : وَإِذْ وَاعَدْنَا  \[ البقرة : ٥١ \]،  وَإِذْ قُلْتُمْ  \[ البقرة : ٥٥ \]. وقرئ :\[ أَنْجَيْتُكُمْ \] على التوحيد. 
وهذا الخطاب للموجودين في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بُدّ من حذف مضاف، أي : أنجينا آباءكم، نحو : حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ 
\[ الحاقة : ١١ \] ؛ لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء، وأصل الإنْجَاء والنَّجَاة : الإلقاء على نَجْوَةٍ من الأرض، وهي المرتفع منها ليسلم من الآفات، ثم أطلق الإنْجاء على كل فَائِزٍ وخارج من ضِيْقٍ إلى سَعَةٍ، وإن لم يُلْقَ على نَجْوَةٍ. 
و " من آل " متعلّق به، و " من " لابتداء الغاية. 
و " آل " اختلف فيه على ثلاثة أقوال : فقال " سيبويه " \[ وأتباعه \] : إن أصله " أهل " فأبدلت الهاء همزة لقربها منها \[ - كما قالوا : ماء، وأصله ماه \]، ثم أبدلت الهمزة ألفاً، لسكونها بعد همزة مفتوحة نحو :" آمن وآدم " ولذلك إذا صُغِّرَ رجع إلى أصله \[ فتقول :" أُهَيْل ". 
قال أبو البقاء : وقال بعضهم :" أويل "، فأبدلت الألف واواً \]. 
ولم يرده إلى أصله، كما لم يردوا " عُيَيْداً " إلى أصله في التصغير يعني فلم يقولوا :" عُوَيْداً " لأنه من " عَادَ يَعُود "، قالوا : لئلا يلتبس بِعُودِ الخَشَبِ. وفي هذا نظر ؛ لأن النحاة قالوا : من اعتقد كونه من " أهل " صغره على " أُهَيْل "، ومن اعتقد كونه من " آل يَئُول " أي : رجع صَغّره على " أُوَيل ". 
وذهب " النحاس " إلى أن أصله " أَهْل " أيضاً، إلا أنه قلب الهاء ألفاً من غير أن يقلبها أولاً همزة، وتصغيره عنده على " أُهَيْلٍ ". 
وقال الكسَائِيُّ :" أُوَيْل " وقد تقدّم ما فيه. 
ومنهم من قال أصله :" أَوَلَ " مشتق من " آلَ يَئُول "، أي : رجع ؛ لأنّ الإنسان يرجع إلى آله، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وتصغيره على " أُوَيْل " نحو :" مَال " و " مُوَيْل " و " بَاب " و " بُوَيْب " ويعزى هذا للكسَائِيِّ. 
وجمعه :" آلُون " و " آلِين " وهذا شاذٌّ ك " أَهْلِين " ؛ لأنه ليس بصفة ولا عَلَمٍ. 
قال ابن كَيْسَان : إذا جمعتَ " آلاً " قُلْتَ :" آلُونَ "، فإن جمعت " آلاً " الذي هو \[ السَّراب \] قلت :" آوَال " ليس إلاّ ؛ مثل :" مَال وأَمْوَال ". 
واختلف فيه فقيل :" آل " الرجل قرابته كأهله. 
وقيل : من كان من شيعته، وإن لم يكن قريباً منه ؛ قال :\[ الطويل \]
٤٧١ فَلاَ تَبْكِ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ \*\*\* عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ وَآلُ أبِي بَكْرِ
ولهذا قيل : آل النبي من آمن به إلى آخر الدَّهْرِ، ومن لم يؤمن به فليس بآله، وإن كان نسيباً له، كأبي لَهَبٍ وأبي طالب، ونقل بعضهم أن " الرَّاغب " ذكر في " المفردات " أن " الآل " يطلق على الرَّجل نفسه. 
واختلف فيه النُّحَاة : هل يضاف إلى الضمير أم لا ؟
فذهب الكسائي، وأبو بكر الزبيدي، والنحاس إلى أن ذلك لا يجوز، فلا يجوز اللَّهم صَلِّ على محمَّد وآله، بل وعلى آل محمد، وذهب جَمَاعة، منهم ابن السِّيدِ إلى جوازه ؛ واستدلُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل فقيل : يا رسول الله من آلُكَ ؟ فقال :" آلِي كُلُّ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ[(١)](#foonote-١) " ؛ وأنشدوا قول \[ عبد المطلب \] :\[ الكامل \]
٤٧٢ لاَهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ \*\*\* نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلاَلَكْ
وانْصُرْ عَلَى آل الصَّلِي \*\*\* بِ وَعَابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ
\[ وقول نُدْبَة :\[ الطويل \]
٤٧٣ أَنَا الفَارِسُ الحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي \*\*\* وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا \]
واختلفوا أيضاً فيه : هل يُضَاف إلى غير العُقَلاَء فيقال : آل " المدينة " وآل " مكة " ؟
فمنعه الجمهور، وقال " الأخفش " : قد سمعناه في البُلْدَان، قالوا : أهل " المدينة " وآل " المدينة " ولا يضاف إلاّ إلى مَنْ له قَدْرٌ وخَطرٌ، فلا يقال : آل الإسْكَاف ولا آل الحَجّام، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة معنًى ولفظاً، وقد عرفت ما اختص به من الأحكام دون أصله الذي هو " أهل " هذا كلّه في " آل " مراداً به الأهل، أما " آل " الذي هو السَّراب فليس مما نحن فيه في شيء، وتصغيره " أُوَيْل " نحو :" مَال وَمُوَيْل " وتقدم جمعه. 
قوله : فِرْعَوْنَ  خفض بالإضافة، ولكنه لا ينصرف للعُجْمَةِ والتعريف. 
واختلف فيه : هل هو علم شخص، أو علم جنس ؛ فإنه يقال لكلّ \[ من \] ملك القِبْط و " مِصْر " : فرعون، مثل كِسْرَى لكل من ملك الفرس، وقَيْصَر \[ وهرقل \] لكل من ملك الروم، ويقال لكل من ملك " الهند " : نهمز، وقيل : يَعْفُور، ويقال لمن ملك الصَّابئة : نمْرُوذ، ولمن ملك البربر : جَالُوت، \[ ولمن ملك اليهود فيطون، والمعروف شالخ ولمن ملك فَرْغَانَة الإخشيد \]، ولمن ملك العرب من قبل العَجم النُّعْمَان ؛ ولمن ملك " الصين " يعفو، وهِرَقْل لكل من ملك الروم، والقَيْل لكل من ملك " حِمْيَر "، والنَّجَاشي لكل من ملك " الحبشة "، وبَطْلَيْمُوس لكل من ملك " اليونان " وتُبَّع لمن ملك " اليمن "، وخَاقَان لمن ملك التُّرك. 
وقال " الزمخشري " : وفرعون علم لمن ملك العَمَالقة كقيصر للروم، ولعُتُوّ الفراعنة اشتقوا منه تَفَرْعَنَ فلانٌ، إذا عَتَا وتَجَبَّرَ ؛ وفي مُلَحِ بعضهم :\[ الكامل \]
٤٧٤ قد جَاءَهُ الموسَى \[ الكَلُومُ \] فَزَادَ في \*\*\* أَقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ
وقال " المَسْعُودي[(٢)](#foonote-٢) " :" لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية ". 
وظاهر كلام " الجوهري " أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال :" والعُتَاة : الفَرَاعنة، وقد تَفَرْعَنَ، وهو ذو فَرْعَنَةٍ، أي دهاء ومكر ". 
وفي الحديث :" أخذنا فِرْعَون هذه الأُمّة " إلا أن \[ يريد \] معنى ما قاله الزمخشري المتقدم. 
واسم فرعون موسى : قَابُوس في قول أهل الكتاب، نقله وهب بن منبه وقال ابن إسحاق وَوَهْب :" اسمه الوليد بن مصعب بن الريان[(٣)](#foonote-٣)، ويكنى أبا مُرَّة ". وحكى ابن جريج " أن " اسمه مصعب بن رَيّان، وهو من بني عمْلِيق بن ولاد بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام. 
وذكر ابن الخطيب أن \[ ابن \] وهب قال : إن فرعون يوسف عليه الصَّلاة والسَّلام هو فرعون موسى، لقول موسى عليه الصَّلاة والسلام.  وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ  \[ غافر : ٣٤ \] وقال : هذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف " مصر "، وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة. 
وذكر النووي أن فرعون موسى عمر أكثر من أربعمائة سنة، فمشى قول ابن وهب. 
وقال محمد بن إسحاق :" هو غير فرعون يوسف وإن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد ". 
قوله : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ  هذه الجملة في محل نصب على الحال من " آل " أي : حال كونهم سَائِمِين، ويجوز أن تكون مستأنفة لمجرد الإخبار بذلك، وتكون حكاية حال ماضية، قال بمعناه ابن عطية، وليس بظاهر. 
وقيل : هو خبر لمبتدأ محذوف، أي : هم يسومونكم، ولا حَاجَةَ إليه أيضاً. 
و " كم " مفعول أول، و " سوء " مفعول ثان ؛ لأن " سَامَ " يعتدّى لاثنين ك " أعْطَى "، ومعناه أَوْلاَهُ كذا، وألزمه إياه ؛ ومنه قول عمرو بن كُلْثُومٍ :\[ الوافر \]
٤٧٥ إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً \*\*\* أَبَيْنَا أن نُقِرَّ الخَسْفَ فينا
قال الزمخشري :" وأصله من سَامَ السّلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب، ويزيدونكم عليه ". 
وقيل أصل السَّوم : الدوام، ومنه سَائِمَةُ الغَنَمِ لمداومتها الرعي. والمعنى : يديمون تعذيبكم. 
وسوء العذاب : أشدّه وأقطعه، وإن كان كله سيّئاً، كأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره. 
والسوء : كل ما يعم الإنسان من أمْرٍ دنيوي وأخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف، قال تعالى : أَسَاءُواْ السُّوأى  \[ الروم : ١٠ \]. 
\[ وأجاز بعضهم أن يكون " سوء " نعتاً لمصدر محذوف تقديره : يسومونكم سوماً سيئاً، كذا قدره. 
وقال أيضاً :\] " ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب "، كأنه يريد بذلك أنه منصوب على نوع المصدر نحو :" قعد جلوساً " ؛ لأن سوء العذاب نوع من السوم. 
قال أبو العباس المُقْرئ : ورد لفظ " السّوء " على خمسة عشر وجهاً :
الأول : بمعنى " الشدة " كهذه الآية، أي : شدة العذاب. 
الثاني : بمعنى " العَقْر " قال تعالى : وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ  \[ هود : ٦٤ \]. 
الثالث :" الزِّنا : قال تعالى : مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ  \[ يوسف : ٥١ \]. 
الرابع :" المَرَض " قال تعالى : تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ  \[ طه : ٢٢ \]. 
الخامس :" اللّعْنة " قال تعالى : إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ 
\[ النحل : ٢٧ \]. 
السادس :" العَذَاب " قال تعالى : لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ  \[ الزمر : ٦١ \]. 
السابع :" الشِّرْك " قال تعالى : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ  \[ النحل : ٢٨ \]. 
الثامن :" العِصْيَان " قال تعالى : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ 
\[ النحل : ١١٩ \]. 
التاسع :" الشَّتْم " قال تعالى : وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ 
\[ الممتحنة : ٢ \] أي : بالشَّتم، ومثله : لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ 
\[ النساء : ١٤٨ \] أي : الشَّتْم. 
العاشر :" الجُنُون " قال تعالى : إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ 
\[ هود : ٥٤ \] أي بجنون. 
الحادي عشر :" اليأس " قال تعالى : وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ  \[ الرعد : ٢٥ \] أي : يأس الدار. 
الثاني عشر :" المرض " قال تعالى : وَيَكْشِفُ السُّوءَ  \[ النمل : ٦٢ \] يعني المرض. 
الثالث عشر :" الفَقْر " قال تعالى : وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ  \[ الأعراف : ١٨٨ \] أي : الفقر. 
الرابع عشر :" الهَزِيمة " قال تعالى : فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ  \[ آل عمران : ١٧٤ \] أي : هزيمة. 
الخامس عشر :" السوء " : الصيد، قال تعالى : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ  \[ الأعراف : ١٦٥ \] أي : الصيد.

### فصل في السوء الذي ضرب على بني إسرائيل


قال " محمد بن إسحاق " : جعلهم خولاً وخدماً له، وصنفهم في \[ أعماله \][(٤)](#foonote-٤) فصنف يَبْنُون، وصنف يَحْرُثُون، وصنف يَزْرَعُون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن في فرع من أعماله، فإنه يضع عليه جزيةً يؤديها. 
وقال " السُّدي " : جعلهم في الأعمال الصَّعبة الشديدة مثل : كنس المَبْرز، وعمل الطِّين، ونحت الجِبَال. 
قوله : يُذَبِّحُونَ  هذه الجملة يُحْتَمَلُ أن تكون مفسّرة للجملة قبلها، وتفسيرها لها على وجهين :
أحدهما : أن تكون مستأنفةً، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب، كأنه قيل : كيف كان سومهم العذاب ؟ فقيل : يذبحون. 
الثاني : أن تكون بدلاً منها ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٤٧٦ مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بَنَا في دِيَارِنَا \*\*\*. . . [(٥)](#foonote-٥)
 وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ ١ - ذكره العجلوني "في كشف الخفاء" (١/١٧) وقال: قال السيوطي: لا أعرفه. والحديث رواه الديلمي كما في "كشف الخفاء" ولفظه آل محمد كل تقي وقرأ "إن أولياؤه إلا المتقون".
 ورواه الطبراني في "الأوسط" كما في "كنز العمال" (٥٦٢٤) عن أنس بن مالك ولفظه: آل محمد كل تقي..
٢ - علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي من ذرية عبد الله بن مسعود: مؤرخ، رحالة، بحاثة، من أهل بغداد أقام بمصر وتوفي فيها. قال الذهبي "عداده في أهل بغداد، نزل مصر مدة، وكان معتزليا" من تصانيفه "مروج الذهب" و "أخبار الزمان ومن أباده الحدثان" و "الاستذكار بما مر في سالف الأعصار" وأخبار الأمم من العرب والعجم وخزائن الملوك وسر العالمين.
 ينظر الأعلام: ٤/٢٧٧ (٢١٣٦)، فوات الوفيات: ٢/٤٥، لسان الميزان: ٤/٢٢٤، النجوم الزاهرة: ٣/٣١٥..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٣٨) وفي تاريخه (١/١٩٩) وعن ابن إسحاق: أن اسمه الوليد بن مصعب بن الريان..
٤ - في ب: الأعمال..
٥ - تقدم برقم (١٨٣)..

### الآية 2:50

> ﻿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:50]

" إذْ " في موضع نصب، و " الفَرْق " \[ والفَلْق[(١)](#foonote-١) \] واحد، وهو الفصل والتمييز، ومنه : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ  \[ الإسراء : ١٠٦ \] أي : فَصّلناه ومَيَّزْنَاه بالقرآن والبيان. 
والقرآن فُرْقان لتمييزه بين الحق والباطل. 
وقرأ الزُّهْرِي[(٢)](#foonote-٢) :" فَرَّقْنَا " بتشديد الراء. أي : جعلناه فرقاً. 
قوله :" بكم " الظاهر أن الباء على بابها من كونها داخلة على الآلة، فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشَّيئين بما توسط بينهما. 
وقال أبو البقاء : ويجوز أن تكون المعدية كقولك :" ذهبت بزيد "، فيكون التقدير : أفرقناكم البَحْر، ويكون بمعنى : وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ 
\[ الأعراف : ١٣٨ \]. وهذا أقرب من الأول. 
ويجوز أن تكون الباء للسببية أي : بسببكم، ويجوز أن تكون للحال من " البحر " أي : فرقناه ملتبساً بكم، ونظره الزمخشري بقوله :\[ الوافر \]
٤٨١-. . . \*\*\* تَدُوسُ بِنَا \[ الجَمَاجِمَ \][(٣)](#foonote-٣) والتَّرِيبَا[(٤)](#foonote-٤)
أي : تَدُوسُهَا ونحن راكبوها. 
قال أبو البقاء : أي : فرقنا البحر وأنتم به، فيكون إما حالاً مقدرة أو مقارنة، ولا حاجة إلى ذلك ؛ لأنه لم يكن مفروقاً إلا بهم حال كونهم سالكين فيه. 
وقال أيضاً : و " بكم " في موضع نصب مفعول ثانٍ ل " فَرَقْنَا " و " البحر " مفعول أول، والباء هنا في معنى اللام. 
وفيه نظر ؛ لأنه على تقدير تسليم كون الباء بمعنى اللام، فتكون لام العلّة، والمجرور بلام العلة لا يقال : إنه مفعول ثانٍ، لو قلت : ضربت زيداً لأجلك، لا يقول النحوي :" ضرب " يتعدّى لاثنين إلى أحدهما بنفسه، وللآخر بحرف الجر. 
و " البَحْر " أصله : الشِّق الواسع، ومنه " البَحِيْرة " لِشَقِّ أذنها، وفيه الخلاف المتقدّم في " النهر " في كونه حقيقة في الماء، أو في الأُخْدُود ؟
ويقال : فرس بَحْر أي : واسع الجَرْي، ويقال : أبْحَرَ الماء : ملح ؛ قال نُصَيْب :\[ الطويل \]
٤٨٢ وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَزَادَنِي \*\*\* إلَى مَرَضِي أنْ أبْحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ[(٥)](#foonote-٥)
والبَحْر يكنى إياه، وقد يطلق على العَذْب بحراً، وهو مختص بالماء المَلْح، وفيه خلاف. و " البَحْر " : البلدة، يقال : هذه بَحْرتنا، أي : بلدتنا. 
و " البحر " : السُّلال يصيب الإنسان. ويقولون : لقيته صَحْرَةً بَحْرَةً، أي : بارزاً مكشوفاً. 
قوله :" فأنجيناكم " أي : أخرجناكم منه، يقال : نجوت من كذا نِجَاءً، ممدوداً، ونَجَاةً، مقصوراً، والصدق مَنْجَاة، وأَنْجَيْت غيري ونَجَّيته، وقرئ بهما : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم  \[ البقرة : ٤٩ \] " فأنجيناكم ". 
قوله : وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ . 
 " الغَرَق " : الرسوب في الماء، يقال : غَرِقَ في الماء غَرَقاً، فهو غَرِقٌ وغَارِقٌ أيضاً، وأَغْرَقَ غَيْرَهُ وغَرَّقَهُ، فهو مُغَرَّقٌ وغَرِيقٌ ؛ قال أبو النَّجْمِ :\[ الرجز \]
٤٨٣ مِنْ بَيْن مَقْتُولٍ وطَافٍ غَارِقٍ[(٦)](#foonote-٦) \*\*\*. . . 
ويطلق على القتل بأي نوع كان ؛ قال الأعشى :\[ الطويل \]
٤٨٤. . . \*\*\* ألاَ لَيْتَ قَيْساً غَرَّقَتْهُ القَوابِلُ[(٧)](#foonote-٧)
وذلك أن القَابِلَةَ كانت تغرق المولود في دم السَّلَى عام القَحْطِ، ذكراً كان أو أنثى حتى يموت، فهذا الأصل، ثم جعل كل قتل تغريقاً، ومنه قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
٤٨٥ إذَا غَرَّقَتْ أرْبَاضُهَا ثِنْيَ بَكْرةٍ \*\*\* بِتَيْهَاءَ لَمْ تُصْبِحْ رَءُوماً سَلُوبُهَا[(٨)](#foonote-٨)
والأَرْبَاض : الحِبَال. والبَكْرَة : النَّاقة. وثِنْيُهَا : بطنها الثَّاني، وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب. 
قوله : وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من " آل فرعون " أي : وأنتم تنظرون إغْرَاقَكُم، والعامل " أغرقنا "، ويجوز أن يكون حالاً من مفعول " أنجيناكم ". 
والنَّظر يحتمل أن يكون بالبَصَرِ ؛ لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضاً لقربهم ؛ وقيل : إن آل فرعون طغوا على الماء، فنظروا إليهم. وأن يكون بالبصيرة والاعتبار. 
وقيل المعنى : وأنتم بحال من ينظر لو نظرتم، ولذلك لم يُذْكر له مفعول.

### فصل في البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه


قال بعض المفسرين : والبَحْرُ الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه هو " نيل مصر "، وقيل : بحر " قلزم " طرف من بحر " فارس ". 
وقال قتادة : بحر من وراء " مصر " يقال له " إسَافَة " واختلفوا هل تفرق البحر عرضاً أو طولاً ؟
فقيل : إنه \[ تفرق \][(٩)](#foonote-٩) عرضاً وأن بني إسرائيل خرجوا إلى البَرِّ الذي كانوا فيه أولاً. وهذا هو الظاهر وفيه جمع بين القولين، فإنهم دخلوا فيه أولاً عرضاً، ثم مشوا فيه طولاً، وخرجوا من بَرْ الطول، وتبعهم فرعون فالْتَطَم عليه البحر، فغرق هو وجنوده، وصار بنو إسرائيل في بَرّ الطول، وإلا فأي من يقابل بر " القلزم " خرجوا إليه حتى ذهبوا إلى " الطُّور ". 
ومن قال : إن البحر هو النيل فلا إشْكال ؛ لأنهم كانوا في " مصر القديمة "، وجاءوا إلى شاطئ النيل، فانفرق لهم، وخرجوا إلى بَرّ الشرق، وذهبوا إلى " برية الطور ". 
### فصل في نعم الله على موسى وقومه في تلك الواقعة


اعلم أن هذه الواقعة تضمّنت نعماً كثيرة في الدنيا والدين في حَقّ موسى عليه الصلاة والسلام وبني إسرائيل. 
أما نعم الدنيا فهي أنهم لما وقعوا إلى ذلك المَضِيقِ، ومن ورائهم فرعون وجنوده، وقُدَّامهم البحر، فإن توقّفوا أدركهم فرعون وأهلكهم، وإن ساروا أغرقوا، فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله تعالى نَجّاهم بغرق البحر، فلا نِعْمَةَ أعظم من ذلك، وأيضاً فإنهم شاهدوا هَلاَكَ أعدائهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وخلّصهم من أيديهم، ولو أنه تعالى خلّص موسى وقومه من تلك الحالة، وما أهلك فرعون لكان الخوف باقياً ؛ لأنهم رُبّما اجتمعوا واحتالوا على من أذاهم بحيلة، ولكن الله تعالى حَسَمَ عنهم مادة الخوف. 
وأما نعم الدِّين فهي أن قوم موسى لما شَاهَدُوا تلك المُعْجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشُّكُوك والشُّبُهَات، فإنّ دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصَّانع الحكيم، وعلى صدق موسى تُقَرِّب من العلم الضروري، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمُّل النظر الدقيق، والاستدلال، وأيضاً لما عاينوا ذلك صار داعياً لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى، والإقدام على تكذيب فرعون، وأيضاً أنهم عرفوا أنّ الأمور بيد الله، وأنه لم يكن في الدنيا أكمل ما كان لفرعون، ولا شدّة أكثر مما كانت لبني إسرائيل، ثم إنّ الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً، والذليل عزيزاً، وذلك يوجب انقطاع القَلْب عن عَلاَئق الدُّنيا، والإقبال بالكليّة على خدمة الخالق، والتوكُّل عليه في كل الأمور. 
فإن قيل : إن فرعون لما شاهد فَلْقَ البحر وكان عاقلاً فلا بد وأن يعلم أن ذلك من فعل قادرٍ عالمٍ مخالفٍ لسائر القادرين، فكيف بقي على الفكر ؟
والجواب : لعلّه اعتقد أن ذلك أيضاً السحر، كما قال حين ألقى موسى عصاه، وأخرج يده. 
يروى أن فرعون كان راكباً حصاناً، فلما أراد العُبُور في البحر خلف بني إسرائيل جَفل الحصان، فجاء جبريل على فَرَسٍ أنثى فتقدّمهم فتبعه الحصان، فلمّا اقتحموا البحر، وميكائيل خلفهم يَسُوقهم حتى لم يَبْقَ منهم أحد، وخرج جبريل وهم أولهم بالخروج أمر الله البحر فالْتَطَمَ عليهم. 
**واعلم أن هنا لطائف :**
أولها : أن كل نبي لأمّته نصيب مما أعطي نبيهم، فموسى عليه الصَّلاة السلام لما نُجِّي من الغَرَقِ حين ألقي في اليَمِّ، كذلك \[ نُجّيت \] أمته من الغَرَقِ. 
ثانيها : أن فرعون ادَّعى العلو والربوبية، فأغرق ونزل إلى الدَّرْك الأسفل. 
ثالثها : أنه لما ذبح أبناءهم، والذبح هو إنْهَار الدم، أغرقه الله في النَّهر. 
### فصل في فضل يوم عاشوراء


روى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم " المدينة "، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَا هَذا اليوم الذي تَصُومُونَهُ " فقالوا : هذا يوم عَظِيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فنحن أَحَقّ وأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ "، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه. وأخرجه البخاري أيضاً عن ابن عباس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه :" أَنْتُمْ أَحَقّ بموسى منهم فَصُومُوا ". 
فظاهر هذا أنه صلى الله عليه وسلم إنما صامه اقتداءً بموسى عليه السَّلام على ما أخبره اليَهُود، وليس كذلك، لما روته عائشة قالت :" كان يوم عَاشُورَاء تصومه قُرَيْشٌ في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم " المدينة " صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك صِيَامَ يوم عَاشُورَاء، فمن شاء صامه، ومن شاء تَرَكَه ". مُتَّفق عليه. 
فإن قيل : يحتمل أن تكون قريش إنما صامته ؛ لأن اليهود أخبروهم، وكانوا عندهم أصحاب عِلْمٍ، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في الجاهلية، أي ب " بمكة "، فلما قدم " المدينة "، ووجد اليهود يصومونه قال :" نَحْنُ أَحَقّ وأولى بموسى منكم "، فصامه اتِّبَاعاً لموسى. 
فالجواب : أن هذا مبني على أنه عليه الصلاة والسَّلام كان متعبداً بشريعة[(١٠)](#foonote-١٠) موسى عليه الصلاة والسلام، وليس كذلك. 
١ - في أ: والفالق..
٢ - انظر البحر المحيط: ١/٣٥٥، والمحرر الوجيز: ١/١٤١، والقرطبي: ١/٢٦٤..
٣ - في أ: الجماعة..
٤ - عجز بيت للمتنبي وصدره:
 فمرت غير نافرة عليهم.
 ينظر ديوانه: ١/٢٦٥، البحر المحيط: ١/٣٥٥، حاشية القطب على الكشاف: ٢/١٠٧١، الكشاف: ٤/٣٨٨، والدر المصون: ١/٢٢١..
٥ - ينظر ديوانه: ص٦٦، ولسان العرب (خرف) (بحر)، الأشباه والنظائر: ٥/١١٠، القرطبي: ١/٣٨٨، والدر المصون: ١/٢٢١..
٦ - ينظر القرطبي: ١/٣٨٨، الدر المصون: ١/٢٢١..
٧ - عجز بيت وصدره:
 أطورين في عام غزاة ورحلة.
 ينظر ديوانه: (١٨٣)، القرطبي: ١/٣٨٨، الدر المصون: ١/٢٢١..
٨ - ينظر ديوانه: (١/٧٠١)، إصلاح المنطق: (٧٢)، القرطبي: ١/ ٣٨٩، والدر المصون: ١/٢٢٢..
٩ - في أ: الفرق المقابل لهم، وقيل: لأنهم مشوا فيه، وعلى هذا فيكون قد تفرق....
١٠ - وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب:
 أحدها: أنه كان متعبدا بشرع قطعا، ثم اختلفوا: فقيل: كان على شريعة آدم- عليه السلام-؛ لأنه أول الشرائع. وقيل: نوح؛ لقوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا \[سورة الشورى: ١٣\] وقيل: إبراهيم؛ لقوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه \[سورة آل عمران: ٦٨\]، وحكاه الرافعي في "كتاب السير" عن صاحب "البيان"، وأقره. وقال الواحدي: إنه الصحيح قال ابن القشيري في "المرشد" وعزي للشافعي وقال الأستاذ أبو منصور: وبه نقول. وحكاه صاحب "المصادر" عن أكثر أصحاب أبي حنيفة، وإليه أشار أبو علي الجبائي، وقيل: على شريعة موسى. وقيل: عيسى؛ لأنه أقرب الأنبياء إليه؛ ولأنه الناسخ المتأخر، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني فيما حكاه الواحدي عنه. لكن قال ابن القشيري في "المرشد": ميل الأستاذ أبي إسحاق إلى أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان على شرع من الشرائع، ولا يقال: كان من أمة ذاك النبي؛ كما يقال: كان على شرعه. (انتهى). وقيل: كان متعبدا بشريعة كل من قبله، إلا ما نسخ واندرس، حكاه صاحب "الملخص". وقيل: يتعبد لا ملتزما دين واحد من المذكورين، حكاه النووي- رحمه الله تعالى- في زوائد "الروضة". وقيل: كان متعبدا بشرع، ولكنا لا ندري بشرع من تعبد، حكاه ابن القشيري.
 والمذهب الثاني: أنه لمن يكن قبل البعثة متعبدا بشيء منها قطعا، وحكاه في "المنخول" عن إجماع المعتزلة. وقال القاضي في "مختصر التقريب"، وابن القشيري: هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين. 
 ثم اختلفوا: فقالت المعتزلة بإحالة ذلك عقلا؛ إذ لو تعبد باتباع أحد، لكان عصى من مبعثه، بل كان على شريعة العقل، قال ابن القشيري: وهذا باطل؛ إذ ليس للعقل شريعة، وذهبت عصبة أهل الحق إلى أنه لم يقع، ولكنه ممتنع عقلا. قال القاضي: وهذا نرتضيه وننصره؛ لأنه لو كان على دين لنقل، ولذكره-عليه السلام-؛ إذ لا يظن به الكتمان، وعارض ذلك إمام الحرمين وقال: لو لم يكن على دين أصلا لنقل؛ فإن ذلك أبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي (قال): فقد تعارض الأمران، والوجه أن يقال: كانت العادة انخرقت في أمور الرسول- عليه الصلاة والسلام-، منها: انصراف هم الناس عن أمر دينه، والبحث عنه.
 والمذهب الثالث: التوقف. وبه قال إمام الحرمين، وابن القشيري، والكيا، والآمدي، والشريف المرتضى في "الذريعة"، واختاره النووي في "الروضة"؛ إذ ليس فيه دلالة عقل، ولا ثبت فيه نص ولا إجماع. وقال ابن القشيري في "المرشد": كل هذه أقوال متعارضة، وليس فيها دلالة قاطعة، والعقل يجوز ذلك، لكن أين السمع فيه؟! ثم الواقفية انقسموا: فقيل: نعلم أنه كان متعبدا ونتوقف في عين ما كان متعبدا به، ومنهم من توقف في الأصل؛ فجوز أن يكون وألا يكون.
 ينظر البحر المحيط للزركشي: ٦/٣٩، التمهيد للأسنوي: ٤٤١، المنخول للغزالي: ٢٣١، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني: ٣٦٩، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٥/١٤٩، إرشاد الفحول للشوكاني: ٢٣٩..

### الآية 2:51

> ﻿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:51]

قرأ أبو عمرو[(١)](#foonote-١) ويعقوب :" وَعَدْنَا " هنا، وما كان مِثْلَه ثلاثياً، وقرأ الباقون :" وَاعَدْنَا " بالألف، واختار أبو عبيد قراءة أبي عمرو، ورجّحها بأن المُوَاعدة إنما تكون من البَشَرِ، وأما الله عز وجل فهو المنفرد بالوَعْدِ والوَعِيدِ، على هذا وجدنا القرآن نحو : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ ،  وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ  \[ إبراهيم : ٢٢ \]،  وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ  \[ الأنفال : ٧ \]. 
ورجحه مكّي فقال : وأيضاً فإن ظاهر اللفظ فيه " وعد " من الله تعالى لموسى، وليس فيه " وَعْد " من موسى، فوجب حمله على الواحد، بظاهر النص. 
ثم ذكر جماعة جلّة من القراء عليها كالحَسَنِ، وأبي رجاء، وأبي جعفر، وشيبة، وعيسى بن عمر، وقتادة، وابن إسحاق، ورجّحه أبو حاتم أيضاً بأن قراءة العامة عندنا " وَعَدْنَا " بغير ألف ؛ لأن المُوَاعدة أكثر ما تكون بين المَخْلُوقين والمُتَكَافئين. 
وقد أجاب الناس عن قول أبي عبيد، وأبي حاتم، ومكي بأن " المُفَاعلة " هنا صحيحة، بمعنى أن موسى نزل قبوله لالتزام الوفاء بمنزلة الوعد منه، أو أنه وعد أن يفي بما كلفه ربه. 
وقال القفال :" ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله تعالى ويكون معناه يعاهد الله تعالى "، ومنه قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ + \[ التوبة : ٧٥ \] إلى أن قال : بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ  \[ التوبة : ٧٧ \]. 
وقال مكّي : المُوَاعدة أصلاً من اثنين، وقد تأتي بمعنى " فعل " نحو :" طَارَقْتُ النَّعْل " فجعل القراءتين بمعنى واحدٍ. 
وقال الكسائي : ليس قول الله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ  \[ النور : ٥٥ \] من هذا الباب في شيء ؛ لأن " واعدنا موسى " إنما هو من باب المُوَافاة، وليس من الوعد في شيء، وإنما هو من قولك :" موعدك يوم كذا "، و " موضع كذا ". والفصيح في هذا أن يقال :" واعدته "، قال تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ  \[ طه : ٥٩ \]. 
وقال الزجاج[(٢)](#foonote-٢) :" وَاعَدْنَا " بالألف جَيّد ؛ لأن الطَّاعة في القبول بمنزلة المُوَاعد، فمن الله وَعْد، ومن موسى قَبُول واتباع، فجرى مجرى المواعدة. 
وقال مكّي أيضاً :" والاختيار " واعدنا " بالألف ؛ لأنه بمعنى " وعدنا " في أحد معنييه ؛ ولأنه لا بُدَّ لموسى من وَعْد أو قَبُول يقوم مقام الوَعْدِ فتصحّ المُفَاعلة ". 
قال ابن الخَطِيب[(٣)](#foonote-٣) : الأقوى أن الله تعالى وعد الوَحْي، وهو وعد الله المجيء للميقات. 
قال الجوهري :" المِيعَادُ : المُوَاعدة والوقت والموضع ". 
ووعد يتعدّى لاثنين، ف " موسى " مفعول أول، و " أربعين " مفعول ثانٍ، ولا بد من حذف مضاف، أي : تمام أربعين، ولا يجوز أن ينتصب على الظَّرف، لفساد المعنى، وعلامة نصبه الياء ؛ لأنه جار مجرى جمع المذكر السَّالم، وهو في الأصل مفرد اسم جمع، سمي به هذا العَقْد من العدد، ولذلك أعربه بعضهم بالحركات ؛ ومنه في أحد القولين :\[ الوافر \]

٤٨٦ وَمَاذَا يَبْتَغِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي  وَقَدْ جَاوَزْتُ حَدَّ الأَرْبَعِينِ[(٤)](#foonote-٤)بكسر النون. 
و " ليلة " نصب على التَّمييز، والعقود التي هي من عشرين إلى تِسْعِين، وأحد عشر إلى تسعة عشر كلها تميز بواحد منصوب. 
و " موسى " هو موسى بن عِمْران بن يصهر بن قاهت بن لاوي بن يَعْقُوب بن إسْحَاق ابن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، اسم أعجمي غير منصرف، وهو في الأصل على ما يقال مركّب والأصل : مُوشَى بالشين لأن " ماء " بلغتهم يقال له :" مو " والشّجر يقال له :" شَا " فعربته العرب فقالوا : موسى. 
قالوا : إنما سمي به ؛ لأن أمه جعلته في التَّابوت حين خافت عليه من فِرْعون، وألقته في البحر، فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشْجَار عند بيت فرعون، فخرجت جَوَاري آسيَةَ امرأة فرعون يَغْسِلْنَ فوجدن التَّابوت، فأخذنه فسمي عليه الصلاة والسلام باسم المكان الَّذِي أصيب فيه وهو الماء والشجر، وليس لموسى اسم النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام اشتقاق ؛ لأنه أعجمي ؛ لأن بني إسرائيل والقْبط ما كانوا يتكلّمون بلغة العرب. 
ومنهم من قال : إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه، فقيل : هو " مفعل " من أَوْسَيْت رأسه : إذا حلقته فهو مُوسى، ك " أعطيته فهو مُعْطَى "، فمن جعل اسمه عليه مشتقاً قال : إنما سمي بذلك لِصَلَعِهِ. 
وقيل : مشتق من " مَاسَ يَمِيسُ " أي : يَتَبَخْتَرُ في مشيته ويتحرك، فهو " فعلى " وكان عليه الصلاة والسلام كذلك، فقلبت الياء واواً لانضمام ما قبلها ك " مُوقِن " من " اليَقِين ". 
والصحيح الأول، وهذا الاشتقاق إنما هو في مُوسى آلة الحَلْق. 
### فصل في قصة موسى بعد نجاة قومه


ذكر المفسرون أن موسى عليه الصلاة والسَّلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين آتيكم بكتاب من عند الله يبيّن لكم فيه ما يجب عليكم من الفِعْل والتَّرْكِ، فلما جاوز البحر، وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود، فخرج إلى الطُّور في سَبْعين من \[ أخيار \][(٥)](#foonote-٥) بني إسرائيل، وصعدوا الجبل، وواعدهم إلى تمام أربعين ليلةً، فعدوا فيما ذكر المفسرون وعشرين يوماً وعشرين ليلة، وقالوا : قد \[ أخلفنا \][(٦)](#foonote-٦) موعده. فاتّخذوا العجل. 
وقال أبو العالية :" بلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور ". 
فإن قيل : لم خصّ الليالي بالذِّكْر دون الأيّام ؟
قيل : لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قَبْلَهُ في الرتبة وقع بها التاريخ، فاللَّيَالي أول الشهور، والأيام تَبَعٌ لها، وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معيناً وقيل : لأن الظلمة سابقة على النُّور، فهي الأصل يؤيده قوله تعالى : وَآيَةٌ لَّهُمُ الْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ  \[ يس : ٣٧ \]. 
### فصل في معنى أربعين ليلة


قوله : أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  معناه : واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلةً كقولهم :" اليوم أربعون يوماً منذ خروج فلان " أي : تمام الأربعين، والحاصل أنه حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه كقوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  \[ يوسف : ٨٢ \] وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معيناً، وهو الثلاثون من ذي القِعْدَة، والعشر الأول من ذي الحجّة ؛ لأن موسى عليه السَّلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر. 
قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يكون المراد أنه وعد قَبْلَ هذه الأربعين أن يجيء إلى الجَبَل بعد انقضاء هذه الأربعين. 
قال : وهذا الاحتمال هو المؤيّد بالأخبار. فإن قيل : قوله هاهنا :" أربعين ليلة " يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين. 
وقوله في الأعراف : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  \[ الأعراف : ١٤٢ \] يفيد أن المُوَاعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين، فكيف التوفيق بينهما ؟ أجاب الحَسَن البَصْري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة، ثم بعد ذلك وعده بعشر، لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً، وهو كقوله : ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  \[ البقرة : ١٩٦ \]. 
قوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ  " اتَّخَذَ " يتعدّى لاثنين، والمفعول الثاني محذوف أي : اتخذتم العِجْلَ إلهاً، وقد يتعدّى لمفعول واحد إذا كان معناه " عمل " و " جعل " نحو : وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً  \[ البقرة : ١١٦ \]. 
وقال بعضهم :" تَخِذَ " و " اتَّخَذَ " يتعدّيان لاثنين ما لم يفهما كسباً، فيتعديان لواحد، واختلف في " اتَّخَذَ " فقيل : هو " افتعل " من الأَخْذِ، والأصل :" ائْتَخَذَ " الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة بعد أخرى، فوجب قلبها ياء ك " إيمان " فوقعت الياء فاء قبل تاء الافتعال، فأبدلت تاء، وأدغمت في تاء الافتعال ك " اتَّسَرَ " من " اليُسْرِ "، إلا أن هذا قليل في باب الهمز ؛ نحو :" اتَّكَلَ " من " الأَكْل "، و " اتَّزَر " من " الإزَار " ؛ وقال أبو عليٍّ : هو " افْتَعَل " من تَخِذَ يَتْخَذُ ؛ وأنشد :\[ الطويل \]٤٨٧ وَقَدَ تَخِذَتْ رِجْلِي إلَى جَنْبِ غَرْزِهَا  نَسِيفاً كَأُفْحُوصِ القطَاةِ المُطَرِّقِ[(٧)](#foonote-٧)وقال تعالى : لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [(٨)](#foonote-٨) \[ الكهف : ٧٧ \] وهذا أسهل القولين. 
والقُرّاءُ على إدغام الذَّال في التاء لقرب مخرجهما، وابن كثير، وعاصم[(٩)](#foonote-٩) في رواية حَفْص بالإظهار، وهذا الخلاف جارٍ في المفرد نحو :" اتَّخَذْتُ "، والجمع نحو :" اتَّخَذْتُم "، وأتى في هذه الجملة ب " ثم " دلالة على أن الاتِّخَاذ كان بعد المُوَاعدة بمهلة. 
وقال ابن الخطيب : لما أنعم عليهم بهذه النِّعْمَة، وأتوا عَقِيْبَ ذلك بأقبح أنواع الجهل والكُفْر، كان ذلك في محل التعجُّب، فهو كمن يقول : إني أحسنت إليك، وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسُّوء والإيذاء، ومثله :
 ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  \[ الأنعام : ١ \]،  ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ  \[ الأنعام : ٢ \] ؛  ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ  \[ البقرة : ٧٤ \]،  ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً 
\[ الجاثية : ٨ \]،  ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ  \[ البقرة : ٨٥ \]. 
قوله :" مِنْ بعْدِهِ " متعلّق ب " اتَّخَذَتُمْ "، و " مِنْ " لابتداء الغاية والضمير يعود على مُوسى، ولا بُدّ من حذف مضافٍ، أي : من بعد انطلاقه أو مُضِيّه. 
وقال ابن عطية :" يعود على موسى ". وقيل :" على انطلاقه للمتكلّم ". وقيل : على الوَعْدِ، وفي كلامه بعض مُنَاقشة، فإن قوله :" وقيل يعود على انطلاقه " يقتضي عوده على موسى من غير تقدير مضاف، وذلك غير مُتَصَوَّر. 
قوله :" وَأَنْتُم ظَالِمُونَ " جملة حالية من فاعل " اتَّخَذْتُمْ ". 
و " العِجْل " ولد البقرة، والعُجُول مثله، والجمع عَجَاجِيْل، والأنثى " عِجْلة "، عن أبي الحسن، وسمي العجل عِجْلاً لاستعجالهم عبادته، ذكره القُرْطبي، وفيه نظر ؛ لأن العِجْلَ ولد البقرة كان موجوداً قبل أن يتخذ بنو إسرائيل العِجْل. 
### فصل


قال أهل التَّفسير : لما ذهب موسى إلى الطُّور، وقال لأخيه هارون : اخلفني في قَوْمي، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحُلِيّ الذي استعاروه من القِبْطِ قال لهم هارون : إن هذه الثياب والحُلِيّ لا تحلّ لكم، وكان السَّامِرِيُّ من مسيره مع موسى عليه السلام إلى البحر ينظر إلى حافر دَابّة جبريل حين تقدم على فرعون في دخول البحر. 
قال بعض المفسرين : كان كلما نقل حافره يخضرّ مكانه نَبْتاً، فلهذا سمي فرس الحياة، ولا يصيب شيئاً إلا حَيي، فقال السّامريُّ :" إن لهذا النبت نَبَأً، فقبض منه قَبْضَةَ، وقيل : قبض من تراب حَافِرِهِ، فذلك قوله : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ  \[ طه : ٩٦ \]، ثم إن السَّامري أخذ ما كان معهم من الذَّهب، فصوَّر منه عِجْلا١ - وبها قرأ أبو جعفر، ووافقه اليزيدي وابن محصين.
 انظر شرح الطيبة: ٤/٢٣- ٢٤، وحجة القراءات: ٩٦، والعنوان: ٦٩، والحجة للقراء السبعة: ١/٥٦، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٩١، وشرح شعلة: ٢٦١..
٢ - ينظر معاني القرآن ١/١٠٤..
٣ - ينظر الفخر الرازي ٣/٦٩..
٤ - البيت لسحيم بن وثيل ينظر إصلاح المنطق: ص ١٥٦، وتخليص الشواهد: ص ٧٤، وتذكرة النحاة: ص ٤٨٠، وخزانة الأدب: ١/٦١، ٦٢، ٦٥، ٦٧، ٦٨، وحماسة البحتري: ص ١٣، والدرر: ١/١٤٠، وسر صناعة الإعراب: ٢/٦٢٧، وشرح التصريح: ١/٧٧، وشرح ابن عقيل: ص٢٤١، وشرح المفصل: ٥/١١، ولسان العرب (نجذ) (ربع)، والمقاصد النحوية: ١/١٩١، والأشباه والنظائر: ٧/٢٤٨، وأوضح المسالك: ١/٦١، وجواهر الأدب: ص ١٥٥، وشرح الأشموني: ١/ ٣٨، ٣٩، والمقتضب: ٣/ ٣٣٢، وهمع الهوامع: ١/٤٩، والأصمعيات: (١٩)، والدر المصون: ١/٢٢٢..
٥ - في ب: خيار..
٦ - في أ: خلفنا..
٧ - البيت للممزق العبدي ينظر لسان العرب (مخص)، (نسف)، (طرق)، والمقاصد النحوية: ٤/٥٩٠، والأشباه والنظائر ١/٢٦٠، وتذكرة النحاة: ص ١٤٦، وشرح شواهد الإيضاح: ص ٤٠٢، وشرح شواهد المغني: ٢/٦٨٠، والأصمعيات: ص ١٦٥، والحيوان: ٢/٢٩٨، وللمثقب العبدي في لسان العرب(حدب)، وجمهرة اللغة: ص ٣٨٨، ٥٤١، ٧٥٧، ٨٤٨، ١١٩٢، والخصائص: ٢/٢٨٧، والدر المصون: ١/٣٢٣..
٨ - وذلك في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، انظر السبعة: ٣٩٦..
٩ - وكذا أظهرها رويس، وأدغمها أبو بكر بن عياش عن عاصم مع الباقين.
 انظر الحجة للقراء السبعة: ٢/٦٨، والسبعة: ١٥٤، وإتحاف: ١/٣٩١..

### الآية 2:52

> ﻿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:52]

قوله : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ . 
و " العفو " المَحْوُ، ومنه :" عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ " أي : محا ذنوبكم، والعافية : لأنها تمحو السّقم، وعَفَتِ الريح الأَثَرَ ؛ قال :\[ الطويل \]
٤٨٨ فَتُوضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا \*\*\* لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ[(١٢)](#foonote-١٢)
وقيل : عَفَا كذا أي : كَثُرَ، ومنه " وأَعْفُوا اللِّحَى " فيكون من الأضداد. 
وقال ابن عطية :" العَفْوُ تَغطية الأثر، وإذهاب الحال الأوّل من الذَّنْبِ أو غيره، ولا يستعمل العَفْوُ بمعنى الصَّفح إلا في الذنب ". وهذا الذي قاله قريب من تَفْسِيْرِ الغُفْرَان ؛ لأن الغفر التغطية والسَّتر، ومنه : المغفر، ولكن قد فُرِّق بينهما بأن العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة، فيجتمع معها، وأمّا الغُفْرَانُ فلا يكون مع عقوبة. 
وقال الرَّاغب[(١٣)](#foonote-١٣) :" العَفُو " : القصد لتناول الشَّيء، يقال : عَفَاه واعْتَفَاهُ أي : قصده مُتَناولاً ما عنده، وعَفَتِ الريحُ التُّرابَ قصدتها متناولةً آثارها، وعَفَتِ الديار كأنها قصدت نحو البِلَى وعفا النَّبْت والشَّعْرُ قصد تناولَ الزِّيادة، وعفوتُ عنك كأنه قصد إِزَالَةَ ذَنْبِهِ صارفاً عنه، وأَعْفَيْتُ كذا، أي : تركته يعفو ويكثر، ومنه " أعْفُوا اللِّحَى " فجعل القصد قدراً مشتركاً في العَفْوِ، وهذا ينفي كونه من الأَضْدَادِ، وهو كلام حسن ؛ وقال الشاعر \[ الطويل \]
٤٨٩. . . \*\*\* إِذَا رَدَّ عَافِي الْقِدْر مَنْ يَسْتَعِيرُهَا[(١٤)](#foonote-١٤)
معناه : أن العَافِي هنا ما يبقى في القَدْرِ من المَرَقِ ونحوه، فإذا أراد أحد أن يستعير القِدْرَ يُعَلِّلُ صاحبها بالعَافي الذي فيها، فالعَافِي فاعل، ومن يستعيرها مَفْعُول، وهو من الإسناد المجازي ؛ لأن الرَّاد في الحقيقة صاحب القِدْرِ بسبب العافي.

### فصل في تفسير المعتزلة للعفو في الآية


قالت المعتزلة :" المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتَّوْبَة، وهي قتل بعضكم بَعْضاً ". 
قال ابن الخطيب[(١٥)](#foonote-١٥) : وهذا ضعيف من وجهين :
الأول : أن قبول التوبة وَاجبٌ عَقْلاً، ولو كان المُرَاد ذلك لما جاز عدُّه في معرض الإنعام، لأن أداء الواجب لا يُعَدّ من باب الإنعام، والمقصود من هذه الآيات تَعْدِيْدُ نِعَمِ الله تعالى عليهم. 
الثاني : أن العَفْوَ اسم لإسقاط العقاب المستحقّ ؛ وأمّا إسقاط ما يجب إسقاطه، وذلك لا يُسمَّى عَفْواً، ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم، فإذا ترك عذابه لم يكن الترك عفواً، فكذلك هاهنا. 
إذا ثبت هذا فنقول : لا شَكّ في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى : فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  وإذا كان كذلك دَلَّت الآية على أن قَبُولَ التوبة غير واجب عَقْلاً، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضاً أنه تعالى أسقط عُقُوبَةَ من يجوز عقابه عقلاً، وشرعاً، وذلك أيضاً خلاف قول المعتزلة، وإذا ثبت أنه عفا عن كفّار قوم موسى، فلأن يعفو عن فُسّاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم خير أمة أُخرجت للنَّاس كان أولى. 
قوله :" لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ". 
 " تَشْكُرُونَ " في محل رفع خبر " لعلّ "، وقد تقدّم تفسير الشكر عند ذكر الحمد. 
وقال الراغب[(١٦)](#foonote-١٦) : هو تصور النعمة وإظهارها. 
وقيل : هو مقلوب عن الكَشْر أي : الكَشْف، وهو ضدّ الكفر، فإنه تَغْطِيَةُ النعمة وقيل : أصله من " عَيْن شَكْرى " أي : ممتلئة، فهو على هذا الامتلاء من ذكر المنعم عليه. 
و " شَكَر " من الأفعال المتعدّية بنفسها تارةً، وبحرف الجرِّ أُخْرَى، وليس أحدهما أصلاً للآخَرِ على الصحيح، فمن المتعدِّي بنفسه قول عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ[(١٧)](#foonote-١٧) :\[ الطويل \]
٤٩٠ هُمُ جَمَعُوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَلَيْكُمُ \*\*\* فَهَلاَّ شَكَرْتَ الْقَوْمَ إِذْ لَمْ تُقَاتِلِ[(١٨)](#foonote-١٨)
ومن المتعدِّي بحرف الجر قوله تعالى : وَاشْكُرُواْ لِي  \[ البقرة : ١٥٢ \]، وسيأتي هنا تحقيقُهُ. 
### فصل في الرد على المعتزلة


قالت المعتزلة : إنه تعالى بَيَّن أنه عفا عنهم، ولم يؤاخذهم لكي يشكروا، وذلك يدلّ على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر. 
والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك، إنما شرط أن يحصل للشَّاكر داعية للشكر أولاً بهذا الشرط، والأول باطل ؛ إذ لو أراد ذلك بهذا الشَّرط، فإن كان هذا الشرط من العَمْدِ لزم افتقار الدَّاعية إلى داعية أخرى، وإن كان من الله بحيث خلق الله الدَّاعي حصل الشكر لا محالة، وحيث لم يخلق الدَّاعي استحال حُصُول الشكر، وذلك ضد قول المعتزلة، وإن أراد حصول الشُّكر منه من غير هذه الداعية، فقد أراد منه المُحَال ؛ لأن الفِعْلَ بدون الدواعي مُحَال. فثبت أن الإشكال واردٌ عليهم.

### الآية 2:53

> ﻿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:53]

" الكِتَاب " و " الفُرْقان " مفعول ثان ل " آتَيْنَا ". 
وهل المراد بالكتاب والفرقان شيء واحد، وهو التوراة ؟
كأنه قيل : الجامع بين كونه كتاباً مُنَزَّلاً، وفرقاناً يفرِّق بَيْن الْحَقِّ والْبَاطل، نحو : رَأَيْتُ الغَيْثَ واللَّيْثَ، وهو مِنْ باب قوله :\[ المتقارب \]
٤٩١- إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ \*\*\*. . . [(١)](#foonote-١)
أو لأنهم لمَّا اختلف اللفظ، جاز ذلك ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٤٩٢- فَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْه \*\*\* وَأَلْفى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنَا[(٢)](#foonote-٢)
وقوله :\[ الطويل \]
٤٩٣-. . . \*\*\* وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ[(٣)](#foonote-٣)
وقوله عنترة[(٤)](#foonote-٤) :\[ الكامل \]
٤٩٤-. . . \*\*\* أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الْهَيْثَمِ[(٥)](#foonote-٥)
قال النحاس[(٦)](#foonote-٦) :" هذا إنما يجوز في الشِّعر، فالأحسن أن يراد بالفُرْقَانِ ما علَّمه الله موسَى من الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل ". 
وقيل :" الواو زائدة "، و " الفرقان " نعت للكتاب أو " الكتابُ " التوراةُ، و " الفرقان " ما فرِّق به بين الكُفْرِ والإيمان، كالآيات من نحو : العَصَا واليَدِ أو ما فرّق به بين الحلال والحرام من الشرائع. 
و " الفُرْقَان " في الأَصل مصدر مثل الغُفْرَان. 
وقد تقدّم معناه في  فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ  \[ البقرة : ٥٠ \]. 
وقيل :" الفُرقَانُ " هنا اسم للقرآن، قالوا : والتقدير : ولقد آتينا موسى الكتاب، ومحمّداً الفرقان. 
قال النحاس[(٧)](#foonote-٧) : هذا خطأ في الإعراب والمعنى، أمّا الإعراب فلأن المعطوف على الشيء مثله، وهذا يخالفه، وأمّا المعنى فلقوله : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ  \[ الأنبياء : ٤٨ \]. وقال قُطْرب وزيد :" الفُرْقَانُ انْفِرَاقُ البَحْرِ له ". 
فإن قلت : هذا مذكور في قوله : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ  وأيضاً قوله بعد ذلك :" لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " لا يليق إلاّ بالكتاب ؛ لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى، فالجواب عن الأولى أنه تعالى لم يبين في قوله : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ  أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام، وفي هذه الآية بَيّن ذلك بالتنصيص. 
وعن الثاني : أن فَرْقَ البحر كان من الدَّلائل فلعلّ المُرَاد : آتينا موسى الكتاب ليستدلُّوا بذلك على وجود الصانع، وصدق موسى عليه السَّلام، وذلك هو الهِدَايَةُ، وأيضاً فالهدى قد يُرَادُ به الفَوْزُ والنَّجَاة ولم يُرَدْ به الدلالة، فكأنه تعالى بيّن أنه أتاهم الكتاب نعمةً من الدين والفرقان الذي جعل به نجاتهم من الخَصْمِ نعمةً عاجلةً. 
وقيل : الفرقان : الفَرَجُ من الكَرْب ؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط،  إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً  \[ الأنفال : ٢٩ \] أي : فَرَجاً ومَخْرَجاً وقيل : الحجّة والبَيَان، قاله ابن بحر. 
وقيل : الفُرْقَان الفَرْقُ بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، وغرق أولئك، ونظيره يوم الفُرْقَان، فقيل يعني به يوم بدر.

### فصل في الرد على المعتزلة


استدلت المعتزلة بقوله :" لعلكْم تهتدون " على أن الله أراد الاهتداء من الكُلّ، وذلك يبطل قول من يقول : أراد الكُفْرَ من الكافر. وأيضاً إذا كان هداهم أنه تعالى لم يخلق الاهتداء ممن يهتدي، والضلال ممن يضل، فما الفائدة في إنزال الكتاب والفرقان، ولقوله :" لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو كان الاهتداء \[ ولا كتاب لحصل \][(٨)](#foonote-٨) الاهتداء، ولو أنزل الكتاب، ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء، فيكف يجوز أن يقول : أنزلت \[ الكتاب \][(٩)](#foonote-٩) لكي تهتدوا ؟ وقد تقدّم مثل \[ هذا \][(١٠)](#foonote-١٠) الكلام. 
١ - تقدم برقم (١٢٨)..
٢ - البيت لعدي بن زيد ينظر ذيل ديوانه: ص ١٨٣، والأشباه والنظائر: ٣/٢١٣، وجمهرة اللغة: ص ٩٩٣، والدرر: ٦/٧٣، وشرح شواهد المغني: ٢/٧٧٦، ولسان العرب (مين)، والشعر والشعراء: ١/٢٣٣، ومعاهد التنصيص: ١/٣١٠، وبلا نسبة في مغني اللبيب: ١/٣٥٧، وهمع الهوامع: ٢/١٢٩، الدر المصون: ١/٢٢٥، وصوابه:
 فقددت الأديم لراهشيه
 انظر الشعر والشعراء: ١/٣٣..
٣ - عجز بين للحطيئة وصدره:
 ألا حبذا هند وأرض بها هند
 ينظر ديوانه: (٣٩)، شرح المفصل: ١/ ١٠، أمالي ابن الشجري: ٢/٣٦، الدرر: ٢/١١٥، شرح القصائد للتبريزي: (٣٢١)، روضة الفصاحة: (٦١)، الهمع: ٢/ ٨٨، والدر المصون: ١/٢٢٥..
٤ -عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي: أشهر فرسان العرب في الجاهلية، ومن شعراء الطبقة الأولى من أهل نجد، أمه حبشية اسمها زبيبة سرى إليه السواد منها، وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزهم نفسا، يوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة وكان مغرما بابنة عمه "عبلة" فقل أن تخلو له قصيدة من ذكرها، اجتمع في شبابه بامرئ القيس الشاعر وشهد حرب داحس والغبراء وعاش طويلا، وقتله الأسد الرهيص أو جبار بن عمرو الطائي في سنة ٢٢ ق هـ. نسب إليه "ديوان شعر" أكثر ما فيه مصنوع و"قصة عنترة" خيالية يعدها الإفرنج من بدائع آداب العرب.
 ينظر الأعلام: ٥/٩١ (٦٦٣)، الأغاني: ٨/٢٣٧، وخزانة الأدب للبغدادي: ١/٦٢، الشعر والشعراء: ٧٥..
٥ - عجز بيت من معلقة عنترة وصدره:
 حييت من طلل تقادم عهده
 ينظر ديوانه: (١٨٥)، شرح القصائد للتبريزي: (٣٢٠)، والشنقيطي: (١١١)، والدر المصون: ١/ ٢٢٥..
٦ - ينظر إعراب القرآن: ١/١٧٥..
٧ - ينظر إعراب القرآن: ١/١٧٥..
٨ - في أ: والكتاب يحصل..
٩ - سقط في أ..
١٠ - في ب: ذلك..

### الآية 2:54

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:54]

يا قوم " اعْلَمْ أن في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ستَّ لُغَات. 
أفصحها : حذفها مجتزئاً عنها بالكَسْرَةِ، وهي لغة القرآن. 
والثانية : ثبوت الياء ساكنة. 
الثالثة : ثبوتها مفتوحة. 
الرابعة : قلبها ألفاً. 
الخامسة : حذف هذه الألف، والاجتزاء عنها بالفتحة ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٤٩٥- وَلَسْتُ بِرَاجِعِ مَا فَاتَ مَنِّي \*\*\* بِلَهْفَ وَلاَ بِلَيْتَ وَلاَ لَوَ أنِّي
أي يقول : يا لَهْفَا. 
السَّادِسَةُ : بناء المضاف إليها على الضَّمّ تشبيهاً بالمفرد، نحو قراءة من قرأ : قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ  \[ الأنبياء : ١١٢ \]. 
قال بعضهم : لأن " يا قوم " في تقدير : يا أيها القوم والقوم : اسم جمع ؛ لأنه دالّ على أكثر من اثنين، وليس له واحد من لفظه، ولا هو على صيغة مختصّة بالتكسير، ومُفْرَدُهُ " رَجُل "، واشتقاقه من " قَامَ بالأَمْرِ يقومُ به "، قال تعالى  الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ  \[ النساء : ٣٤ \] والأصل في إطلاقه على الرجال ؛ ولذلك قوبل بالنِّسَاء في قوله تعالى :" لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ ". 
وقول زهير :\[ الوافر \]
٤٩٦- وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي \*\*\* أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءَ
وأما قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ  \[ الشعراء : ١٠٥ \] و  كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ 
\[ الشعراء : ١٦٠ \] والمكذبون رجال ونساء فإنما ذلك من باب التَّغْلِيب، ولا يجوز أن يطلق على النِّساء وحدهن ألبتة، وإن كانت عبادة بعضهم توهم ذلك.

### فصل في نظم الآية


في قوله :" يا قوم " لطيفة، وهي أنه أضاف القوم إلى نفسه، وأضاف نفسه إليهم إضافة اختلاط، وامتزاج، فكأنه منهم \[ وهم \] منه فَصَارَا كالجَسَدِ الواحد فهو مقيد لهم ما يريد لنفسه، وإنما يضرهم ما يضره وما ينفعهم ينفعه كقول القائل لغيره إذا نصحه : ما أُحِبُّ لك إلا ما أُحِبُّ لنفسي وذلك إشارة إلى اسْتِمَالَةِ قلوبهم إلى قَبُولِ دعواه، وطاعتهم له فيما أمرهم به، ونَهَاهُمْ عنه. 
قوله تعالى : بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ  الباء للسببية، متعلّقة ب " ظلمتم "، وقد تقدم الخلاف في مثل هذه لمادة. 
و " العِجْل " مفعول أوّل، والثَّاني محذوف أي : إلهاً كما تقدم، والمصدر هُنَا مضاف للفاعل، وهو أحسن الوجهين، فإن المصدر إذا اجتمع فاعله ومفعوله فالأولى إضافته إلى الفاعل ؛ لأنه رتبته التقديم، وهذا من الصور التي يجب فيها تقديم الفاعل. 
وأما  قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ  \[ الأنعام : ١٣٧ \] فسيأتي إن شاء الله تعالى. وتقدّم الكلام في " العِجْل ". 
قوله : إِلَى بَارِئِكُمْ  متعلّق ب " توبوا "، والمشهور كسر الهمزة ؛ لأنها حركة إعراب. وروي عن أبي عمرو ثلاثة أوجه أخر :
الاخْتِلاَس : وهو الإتيان بحركة خفية، والسكون المحض، وهذه قد طعن فيها جماعة من النحاة، ونسبوا راويها إلى الغَلَطِ على أبي عَمْرو. 
وقال سيبويه :" إنما اختلس أبو عمرو فظنَّه الراوي سَكَّن ولم يضبط ". 
وقال المبرِّد :" لا يجوز التسكين مع تَوَالِي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شِعْرِ، وقراءة أبي عمرو[(١)](#foonote-١) لحن ". 
وهذه جرأة من المبرد، وجهل بأشعار العرب، فإن السُّكونَ في حركات الإعراب قد ورد في الشعر كثيراً ؛ منه قول امرئ القيس :\[ السريع \]
٤٩٧- فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحقِبٍ \*\*\* إثْماً مِنَ اللَّهَ وَلاَ وَاغِلِ
فَسكَّن " أَشْرَبْ "، وقال جَرِير :\[ البسيط \]
٤٩٨-. . . \*\*\* وَنَهْرُ تِيرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ
وقال آخر :\[ السريع \]
٤٩٩- رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ مَا فِيهِمَا \*\*\* وَقَدْ بَدَا هَنْكِ مِنَ المِئْزَرِ
يريد :" هَنُك وتَعْرِفُكُم " فهذه حركات إعراب، وقد سُكّنت، وقد أنشد ابن عطية وغيره رَدّاً عليه قوله :\[ الرجز \]
٥٠٠- قَالَتْ سُلَيْمَى : اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا \*\*\*. . . 
وقول آخر :\[ الرجز \]
٥٠١- إِذَا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ : صَاحِبْ قَوِّمِ \*\*\*. . . 
وقول الآخر :\[ الرمل \]
٥٠٢- إِنَّمَا شِعْرِيَ شَهْدٌ \*\*\* قَدْ خُلِطْ بِجُلْجُلانِ
ولا يحسن ذلك ؛ لأنها حركات بناء، وإنما منع هو ذلك من حركات الإعراب، وقراءة أبي عمرو صحيحةٌ، وذلك أن الهمزة حرف ثقيلٌ، ولذلك اجتزئ عليها بجميع أنواع التخفيف، فاستثقلت عليها الحركة فقدِّرت، وهذه القراءة تشبه قراءة حمزة رحمه الله في قوله تعالى : وَمَكْرَ السَّيِّئ وَلاَ  فإنه سكن همزة " السّيِّئ " وصلاً، والكلام عليهما واحد، والذي حسنه هنا أنّ قبل كسرةِ الهمزةِ راءٌ مكسورةً، والراء حرف تكرير، فكأنه توالى ثلاث كسرات فحسن التَّسْكين، وليت المبرِّد اقتدى بسيبويه في الاعْتِذَار عن أبي عمرو. وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التَّخْفيف، ولذلك يدغم المثلين، والمتقاربين، ويُسَهِّل الهمزة، ويسكن نحو : يَنصُرْكُمُ  \[ آل عمران : ١٦٠ \] و  يَأْمُرُكُمْ  \[ البقرة : ٦٧ \] و  بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ  \[ الأنعام : ٥٣ \] على تفصيل معروف عند القُرَّاء، وروي عنه إبدالُ هذه الهمزة السَّاكنة ياءً، كأنه لم يعتدّ بالحركة المقدرة، وبعضهم ينكر ذلك عنه، فهذه أربع قراءات لأبي عمرو. 
وروى ابن عطية عن الزهري :" بَارِيكُمْ " بكسر الياء من غير همزة قال :" ورويت عن نافع ". 
قلت : من حق هذا القارئ أن يسكن الياء ؛ لأن الكسرة ثقيلةٌ عليها، ولا يجوز ظهورها إلاّ في ضرورة شعر ؛ كقول أبي طالب :\[ الطويل \]
٥٠٣- كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْزِي مُحَمَّداً \*\*\* وَلَمْ تَخْتَضِبْ سُمْرُ العَوَالِي بالدَّمِ
وقرأ قتادة :" فَاقْتَالُوا " وقال : هي من الاستِقَالة. 
قال ابن جنِّي : اقْتَالَ : افتعل، ويحتمل أن تكون عينها واواً ك " اقْتَادُوا " أو ياء ك " اقْتَاسَ "، والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة. 
ولكن قتادة ينبغي أن يُحْسَنَ الظنُّ به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجّة عنده. 
وقرئ أيضاً :" فَأَقِيلُوا أنفسكم " بالياء المُثَنَّاة التحتية، وهي موافقة للرسم أيضاً. 
 " والبارئ " : الخالق، برأ الله الخلق أي : خلقهم، وقد فرق بعضهم بين الخَالِقِ والبارئ، بأن البَارِئ هو المبدع المُحْدِث، والخالق هو المقدر النَّاقل من حال إلى حال، وأصل هذه المادّة يدلّ على الانفصال والتميز، ومنه : برأ المريض بُرْءاً وبَرْءاً وبَرَاءَةً، وبرئت أيضاً من الدَّيْن براءةً، والبَرِيّة : الخلق ؛ لأنهم انفصلوا من العَدَمِ إلى الوجود، إلاّ أنه لا يهمز. 
وقيل : أصله من البَرَى وهو التراب. وسيأتي تحقيق القولين إن شاء الله تعالى. 
قوله : فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ . 
قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها منقطعةٌ عما تقدم من التذكير بالنعم ؛ لأنها أمر بالقَتْلِ، والقتل لا يكون نعمة، وهذا ضعيف لوجوه :
أحدها : أن الله تعالى نبَّههم على عظم ذنبهم، ثم نبّههم على ما به يتخلّصون عن ذلك الذنب العظيم، وذلك من أعظم النعم في الدين، وإذا عدّد الله عليهم النعم الدنيوية، فتعديد النعم الدينية أولى، ثم إنّ هذه النعمة، وهي كيفية التَّوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدّمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضاً مع تمام النّعمة، فصار كل ما تضمّنته هذه الآية معدوداً في نعم الله تعالى، فجاز التذكير بها. 
وثانيها : أنه تعالى لما أمرهم بالقَتْلِ رفع ذلك الأمر عنهم قبل فَنَائِهِمْ بالكلية، فكان ذلك نعمة في حَقِّ الباقين والموجودين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم لأنه رفع القَتْلَ عن آبائهم، فكان نعمة في حقهم. 
وثالثها : أنه تعالى لما بين أنّ توبة أولئك ما تمّت إلا بالقَتْلِ مع أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم : لا حَاجَةَ بكم الآن في التوبة إلى القَتْلِ، بل إن رجعتم عن كفركم، وآمنتم قَبِلَ الله إيمانكم فكان بيان التَّشْديد في تلك التوبة تنبيهاً على أن توبة الحاضرين نعمة عظيمة لكونها سهلةٌ هيّنةً. 
ورابعها : أن فيه ترغيباً شديداً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في التوبة، فإن أمة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام لما رغبوا في تلك التَّوْبة مع \[ غاية \] مشقّتها على النفس، فلأن نرغب نحن في التوبة التي هي مُجَرّد الندم أولى. 
### فصل في كيفية قتل أنفسهم


أجمعوا على أنه لم يؤمر كلّ واحد من عبدة العِجْلِ بأن يقتل نفسه بِيَدِهِ، قال الزُّهرِي : لما قيل لهم :" فَتُوبُوا إلى بَارِئَكُمْ " قاموا صَفّين، وقتل بعضهم بعضاً، حتى قيل لهم : كفُّوا، فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحَيّ. 
وقيل : أرسل الله عليهم ظلاماً ففعلوا ذلك. 
وقيل : قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا، إذ لم يعبدوا العِجْل. وقيل : إن يُوشَعَ بن نُون خرج عليهم وهم مُحْتَبُونَ فقال : ملعون من حلّ حَبْوَتَهُ أم مَدّ طرفه إلى قاتله، أو اتَّقَاهُ بِيَدٍ أو رِجْلٍ. فلم يَحلّ أحد منهم حبْوَتَه حتى قتل منهم من قتل. ذكره النحاس وغيره. وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العِجْلَ بقتل أنفسهم على القول الأول لأنهم لم يغيروا المنكر، وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يُقَاتلوا من عبده. 
وهذه سُنّة الله في عباده، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام :" ما من قَوْمٍ يُعمل فيهم بالمَعَاصِي هم أعزُّ منهم وأمنع لا يُغَيِّرُون إلا عَمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ [(٢)](#foonote-٢) ". 
فإن قيل : التوبة لا تكون إلا للباري فما الفائدة في ذكره ؟
والجواب : كأنه قال : لما أذنبتم إلى الله وجب أن تتوبوا إلى الله. 
فإن قيل : كيف استحقُّوا القتل، وهم تابوا من الردَّة، والتائب من الردة لا يقتل ؟
والجواب : أن ذلك مما يختلف \[ بالشرائع \]. 
قوله : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ . 
قال بعضهم :" ذلكم " مفرد واقع موقع " ذانكم " المُثَنَّى ؛ لأنه قد تقدّم اثنان : التوبة، والقَتْل. 
قال أبو البقاء :" وهذا ليس بشيء ؛ لأن قوله :" فاقتلوا " تفسير للتوبة فهو واحد ". 
و " خير " " أفعل " تفضيل، وأصله : أَخْيَر، وإنما حذفت همزته تخفيفاً، ولا ترجع هذه الهمزة إلا في ضرورة ؛ قال :\[ الرجز \]
٥٠٤- بِلاَلٌ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ \*\*\*. . . 
ومثله :" شَرّ " لا يجوز " أَشَرّ " إلا في ندور، وقد قرئ : مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ  \[ القمر : ٢٦ \] وإذا بني من هذه المادة فعل تعجّب على " أَفْعَل "، فلا تحذف همزته إلا في ندور، كقولهم :" ما خَيْر اللبن للصحيح، وما شَرّه للمبطون " ف " خَيْر وشَرّ " قد خرجا عن نظائرهما في باب التَّفضيل والتعجُّب. 
و " خَيْر " أيضاً مخفف من " خَيْر " على " فَيْعل " ولا يكون من هذا الباب، ومنه : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ  \[ الرحمن : ٧٠ \]. 
قال بعضهم : مخفف من " خَيِّرات ". والمفضّل عليه محذوف للعلم به، أي : خير لكم من عدم التوبة. ول " أفعل " التفضيل أحكام كثيرة، وباقي منها ما يضطر إليه. 
قوله : فَتَابَ عَلَيْكُمْ  في الكلام حَذْفٌ، وهو : ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم، والفاء الأولى في قوله :" فَتُوبُوا " للسببية ؛ لأن الظلم سَبَبُ التوبة. 
والثانية للتعقيب ؛ لأن المعنى : فاعزموا على التَّوْبة، فا١ - يعني قراءة الاختلاس، ووافقه فيها ابن محيصن.
 وانظر فيها العنوان في القراءات السبع: ٦٩، وشرح الطيبة: ٤/ ٢٥، وحجة القراءات: ٩٧، والحجة للقراء السبعة: ٢/٧٧، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٣، وشرح شعلة: ٢٦٢..
٢ - أخرجه ابن ماجه في السنن (٢/١٣٢٩) كتاب الفتن (٣٦) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢٠) حديث رقم (٤٠٠٩) وأبو داود كتاب الملاحم بـ١٧ وأحمد (٤/٢٦٤) والبيهقي: ١٠/٩١..

### الآية 2:55

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:55]

قوله : لَن نُّؤْمِنَ  إنما تعّدى ب " اللام " دون " الباء " لأحد وجهين :
إمّا أن يكون التقدير : لن نؤمن لأجل قولك. 
وإما أن يضمن معنى الإقرار، أي : لن نقر لك بما ادعيته. 
وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام، لتقاربهما. 
وفرق بعضهم بين قوله : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ  وجعل الإيمان به بما جاء به، والإيمان له هو الاستسلام والانقياد. 
قوله : جَهْرَةً  فيها قولان :
أحدهما : أنها مصدر، وفيها حينئذ قولان :
أحدهما : أن ناصبها محذوف، وهو من لفظها تقديره : جهرتم جهرة، نقله " أبو البقاء ". 
والثاني : أنها مصدر من نوع الفعل، فتنتصب انتصاب " القرفصاء " من قولك، " قعد القُرْفُصَاء " فإنها نوع من الرؤية، وبه بدأ " الزمخشري ". 
والثَّاني : أنها مصدر واقع موقع الحال، وفيها حينئذ أربعة أقوال :
أحدها : أنه حَالٌ من فاعل " نرى "، أي : ذوي جَهْرَة، قاله " الزمخشري ". 
والثاني : أنها حال من فاعل " قُلْتم "، أي : قلتم ذلك مُجَاهرين، قاله " أبو البقاء ". وقال بعضهم : فيكون في الكلام تقديم وتأخير أي : قلتم جَهْرَةً : لن نؤمن لك، ومثل هذا لا يقال فيه تقديم وتأخير، بل أتي بمقول القول، ثم بالحال من فاعله، فهو نظير :" ضربت هنداً قائماً ". 
والثالث : أنها حال من اسم الله تعالى أي : نراه ظاهراً غير مستور. 
والرابع : أنها حال من فاعل " نؤمن "، نقله " ابن عطية "، ولا معنى له. والصحيح من هذه الأقوال هو الثاني. 
وقرأ " ابن عَبَّاس " : جَهَرَةً بفتح الهاء، وفيها قولان :
أحدهما : أنها لغة في " جَهْرَة ". 
قال " ابن عطية " :" وهي لغة " مسموعة " عند البصريين فيما فيه حرف الحَلْق ساكن قد انفتح ما قبله، والكُوفيون يُجِيزُونَ فيه الفتح، وإن لم يسمعوه " وقد تقدم تحريره. 
والثاني : أنها جمع " جَاهِر " نحو :" خَادِم وخَدَم "، والمعنى : حتى نرى الله كَاشِفِينَ هذا الأمر، وهي تؤيد كون " جَهرة " حالاً من فاعل " نرى ". 
و " الجَهْر " : ضد السِّرّ، وهو الكشف والظهور، ومنه : جَهَرَ بالقراءة أي : أظهرها. 
قال الزمخشري :" كأن الَّذِي يرى بالعين جاهر بالرُّؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها ". 
قوله : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ  قرأ عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم " الصَّعْقة " بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف، وهما لغتان.

### فصل في زمان هذه الواقعة


قال محمد بن إسحاق : هذه الواقعة قَبْلَ تكليفهم بالقَتْلِ لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام من الطُّور، فرأى ما هم عليه من عِبَادَةِ العِجْلِ، وقال لأخيه والسامري ما قال، وحرق العجل، وألقاه في البَحْرِ، واختار من قومه سبعين رجلاً، فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى :\[ أرنا ربك حتى \] يسمعنا كلامه، فسأل موسى عليه الصلاة والسلام فأجاب الله إليه، ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغَمَامِ، وتغشّى الجبل كله، ودنا من موسى ذلك الغَمَام، فدخل فيه فقال للقوم : ادخلوا وادعوا، وكان موسى عليه الصلاة والسلام متى كلمه ربه أوقع على جبهته نوراً ساطعاً لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله تعالى مع موسى يقول له : افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغَمَام الذي دخل فيه، فقال القوم بعد ذلك : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ  فماتوا جميعاً، وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو، ويقول : يا إلهي اخترت بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فأرجع إليهم، وليس معي منهم واحد، فما الذي يقولون لي ؟ فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى ردّ الله عليهم أرواحهم، وطلب تَوْبَةَ بني إسرائيل من عبادة العجل فقال :" لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم[(١)](#foonote-١) ". 
وقال " السُّدي " : لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناسٍ من بني إسرائيل يعتذرون من عبادتهم العِجْلَ، فاختار موسى سبعين رجلاً، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حَتَّى نرى الله جهرةً، فأخذتهم الصاعقة، وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل، فإني أمرتهم بالقَتْلِ، ثم اخترت من أنفسهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم، وليس معي منهم أحد فماذا أقول لهم ؟ فأحياهم الله تعالى فقاموا، ونظر كل واحد منهم إلى الآخر \[ كيف يحييه الله تعالى \]. 
### فصل


**في " الصَّاعقة " قولان :**
الأول : قال " الحَسَن وقتادة " : هي الموت، لقوله تعالى : فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ  \[ الزمر : ٦٨ \] وهذا ضعيف لوجوه :
أحدها : قوله تعالى : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ، ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصَّاعقة. 
وثانيها : قوله تعالى : وَخَرَّ موسَى صَعِقاً  \[ الأعراف : ١٤٣ \] أثبت الصَّاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً ؛ لأنه قال : أَفَاقَ، والإفاقة لا تكون عن الموت. 
وثالثها : أن الصَّاعقة وهي التي تصعق، وذلك إشارة إلى سبب الموت. 
والقول الثاني : الصَّاعقة هي سبب الموت، واختلفوا فيها. 
فقيل : هي نار وقعت من السماء فأحرقتهم. 
وقيل : صيحة جاءت من السماء. 
وقيل : أرسل الله جنوداً، فلما سمعوا حسّها خروا صَعِقِيْنَ ميتين يوماً وليلةً. 
قوله : وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  جملة حالية، والمعنى : وأنتم تنظرون موت بعضكم خلف بعض، أو : تنظرون إلى ما حَلّ بكم، أو : أنتم أعيتكم صَيْحَةٌ وتفكّر. 
١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٧٧) وفي تاريخه (١/٢٢١) وذكره ابن كثير في "تفسيره" (١/١٧٠) عن ابن إسحاق..

### الآية 2:56

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:56]

قوله : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ  \[ أحييناكم من بعد موتكم \]. 
قال قتادة : ماتوا وذهبت أرواحهم، ثم ردوا لاستيفاء آجالهم. 
قال النحاس :" وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبَعْثِ من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا ". 
قوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ما فعل بكم من البعث بعد الموت. 
وقيل : ماتوا موت هُمُودٍ يعتبر به الغير، ثم أرسلوا. 
وأصل البَعْث الإرسال. 
وقيل : بل أصله إثارة الشيء من محلِّه، يقال : بعثت الناقة : أثرتها، أي حركتها ؛ قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]

٥٠٥- وَفِتْيَانِ صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحْرَةٍ  فَقَامُوا جَمِيعاً بَيْنَ عَاثٍ وَنَشْوَانِوقال غيره :\[ الكامل \]٥٠٦- وَصَحَابَةٍ شُمِّ الأُنُوفِ بَعَثْتُهُمْ  لَيْلاً وَقَدْ مَالَ الكَرَى بِطُلاَهَاوقيل : بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ  علَّمناكم من بعد جهلكم. 
### فصل في اختلافهم في تكليف من بعث بعد موته


قال المَاوَرْدِيّ : اختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته، ومُعَاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين :
أحدهما : بقاء تكليفهم لئلا يَخْلُو عاقل من تعبد. 
الثاني : سقوط تكليفهم معتبراً بالاستدلال دون الاضطرار. 
والأول أَصَحّ، لقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، ولفظ : الشكر يتناول جميع الطاعات، لقوله تعالى : اعْمَلُواْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً  \[ سبأ : ١٣ \]. 
فإن قيل : كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم، ولو جاز ذلك جاز تكليف أهل الآخرة بعد البعث ؟
فالجواب : أنّ الذي منع من تكليف أهْل الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحْيَاء، وإنما المانع كونه اضطرهم يوم القِيَامَةِ إلى معرفته، وإلى معرفة لَذّات الجَنّة، وآلام النَّار، وبعد العلم الضروري لا تكليف، وإذا كان كذلك، فيكون مَوْتُ هؤلاء بمنزلة النَّوْمَ والإغماء.

### الآية 2:57

> ﻿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [2:57]

هذا هو الإنعام السابع المذكور في سورة " الأعراف "، وظاهر هذه الآية يدلّ على أن هذا الإضلال كان بعد البعث، لأنه تعالى قال : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  \[ البقرة : ٥٦ \]،  وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ  أي : وجعلنا الغَمَام يظلكم، وذلك في التِّيْهِ سخر الله تعالى لهم السحاب يظلّهم من الشمس، ونزل عليهم المَنّ وهو " التَّرنْجِبِين " بالتاء والراء من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. 
وقال " مجاهد " : هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طَعْمُهُ كالشّهد. 
وقال " وهب [(١)](#foonote-١) " : خبز الرقاق. وقال " السدي " : عَسَل كان يقع على الشجر من الليل. 
وقال " الزجاج " :" المَنّ : ما يمنّ الله عز وجل به مما لا تَعَبَ فيه ولا نصب ". 
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" الكَمَأةُ من المَنّ وماؤها شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ[(٢)](#foonote-٢) ". 
 " والسَّلْوَى " قال " ابن عباس " وأكثر المفسرين : هو طَائِرٌ يشبه السّماني. 
وقال أبو العالية ومقاتل : هو السّماني. 
وقال " عكرمة " : طير " الهِنْدِ " أكبر من العصفور. 
وقيل : السَّلوى : العسل نقله المؤرّج، وأنشد قول الهذليِّ :\[ الطويل \]

٥٠٧- وَقَسَمَها بِاللَّهِ جَهْداً لأَنْتُمُ  أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَاوغله " ابن عطية " وادّعى الإجماع على أن السَّلْوَى : طائر، وهذا غير مُرْضٍ، فإن " المؤرج " من أئمة اللغة والتفسير، واستدلّ ببيت الهذلي، وذكر أنه بلغة " كنانة ". وقال " الراغب " :" السَّلْوَى مصدر، أي : لهم بذلك التَّسلِّي ". 
قوله : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ  تقديره : وجعلنا الغمام يُظَلِّلُكُمْ. 
قال " أبو البقاء " : ولا يكون كقولك :" ظَلَّلْتُ زيداً يُظَلُّ " ؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون الغمام مستوراً بظل آخر. 
وقيل التقدير : بالغمام، وهذا تفسير معنى لا إعراب، لأن حذف الجر لا يَنْقَاس. 
### فصل في اشتقاق الغمام


الغمام : السَّحَاب، لأنه يغم وَجْه السماء، أي : يَسْتُرُهَا، وكل مستور مغموم أي مغطى. 
وقيل : الغمام : السَّحاب الأبيض خاصّة، ومثله : الغَيْمُ والغَيْن بالميم والنون وفي الحديث :" إنه لَيُغَانُ عَلىَ قَلْبِي[(٣)](#foonote-٣) ". 
وواحدته " غَمَامَةٌ " فهو اسم جنس. و " المَنّ " تقدم تفسيره، ولا واحد له من لفظه. 
والمَنّ أيضاً مقدار يوزن به، وهذا يجوز إبدال نونه الأخيرة حرف علّة، فيقال : مَناً مثل : عَصاً، وتثنيته : مَنَوَان، وجمعه : أمْنَاء. والسَّلْوَى تقدمت أيضاً، واحدتها : سَلْوَاةٌ ؛ وأنشدوا :\[ الطويل \]٥٠٧- وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ سَلْوَةٌ  كَمَا انْتَفَضَ السَّلْوَاةُ مِنْ بَلَلِ القَطرِفيكون من باب " قَمْح وقَمْحَة ". 
وقيل : سَلْوَى مفرد وجمعها : سَلاَوى ك " فَتْوَى وَفَتَاوَى " قاله " الكسائي ". 
وقيل : سلوى يستعمل للواحد والجمع ك : دِفْلَى. و " السُّلْوَانَةُ " بالضم خَرَزَةٌ كانوا يقولون : إذا صُبَّ عليها ماء المَطَرِ فشربه العاشق سَلاَ ؛ \[ قال :\[ الطويل \]٥٠٩- شَرِبْتُ عَلَى سُلْوَانَةٍ مَاءً مُزْنَةٍ  فَلاَ وَجَدِيدِ العَيْشِ يَا مَيُّ مَا أَسْلُو \]واسم ذلك الماء " السُّلْوان ". 
وقال بعضهم :" السُّلْوَان " دواء يُسْقَاه الحزين فَيَسْلُو، والأطباء يسمونه المُفَرِّح. 
يقال : سَلَيْتُ وسَلَوْت، لُغَتَان. وهو في سُلْوة من العيش، قاله " أبو زيد ". 
و " السَّلوى " عطف على " المَنّ " لم يظهر فيه الإعراب، لأنه مقصور، وهذا في المقصور كلّه ؛ لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. 
قال الخليل :" والألف حرف هَوَائِيّ لا مُسْتَقَرّ له، فأشبه الحركة، فاستحالت حركته ". 
وقال " الفراء " :" لو حركت الألف صارت همزة ". 
### فصل في سبب تقديم المن على السلوى


فإن قيل : المعهود تقديم الأهم \[ فالأهم \] والمأكول مقدّم على الفاكهة والحلوى ؛ لأن به قيام البِنْيَةِ، فالإنسان أول ما يأكل الغذاء، ثم بعد الشِّبع يتحلّى ويأكل الفاكهة وهاهنا قدم المَنّ وهو الحلوى على الغذاء وهو السلوى فما فائدته ؟
فالجواب : أن نزول الحَلْوَى من السماء أمر مخالف للعادة، فقدم لاستطعامه بخلاف الطيور المأكولة، فإنها ليست مخالفةً للعادة، فإنها مألوفةُ الأكل. 
 " كلوا " هذا على إضمار القول، أي : وقلنا لهم : كلوا، وإضمار القول كثير، ومنه قوله تعالى : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سلام عليكم  \[ الرعد : ٢٣ \] أي : يقولون سلام،  وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ  \[ الزمر : ٣ \] أي : يقولون : ما نعبدهم إلاّ.  فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ  \[ آل عمران : ١٠٦ \] أي : فيقال لهم : أكفرتم، وتقدم الكلام في كل تصريفه. 
قوله :" مِنْ طَيِّبَات " من : لابتداء الغاية، أو للتبعيض. 
وقال :" أبو البقاء " : أو لبيان الجِنْسِ. والمفعول محذوف، أي : كلوا شيئاً من طيبات. وهذا ضعيف ؛ لأنه كيف يبين شيء ثم يحذف. 
قوله :" مَا رَزَقْنَاكُم " يجوز في " ما " أن تكون بمعنى الَّذي، وما بعدها حاصلة لها، والعائد محذوف، أي : رَزَقْنَاكُمُوهُ، وأن تكون نكرة موصوفة. 
فالجملة لا محلّ لها على الأول، ومحلّها الجر على الثَّاني، والكلام في العَائِد كما تقدّم، وأن تكون مصدريةً، والجملة صلتها، ولم تَحْتَجْ إلى عائدٍ على ما عرف قبل ذلك، ويكون هذا المصدر واقعاً موقع المفعول، أي : من طيبات مرزوقنا. 
قوله :" أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ". 
 " أنفسهم " مفعول مقدم، و " يظلمون " في محل نصب خبر " كانوا " وقدّم المفعول إيذاناً باختصاص الظُّلم بهم، وأنه لا يتعدّاهم. 
والاستدراك في " لكن " واضح، ولا بُدّ من حذف جملة قبل قوله :" وَمَا ظَلَمُونَا "، فقدره ابن عطية : فعصوا، ولم يقابلوا النعم بالشكر. 
وقال " الزمخشري " : تقديره فظلمونا بأن كفروا هذه النعم، وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة " وَمَا ظَلَمُونَا " عليه. 
فإن قيل : قوله :" وَمَا ظَلَمُونَا " جملة خبرية، فكيف عطفت على قوله :" كلوا "، وهي جملة أمرية ؟. 
**فالجواب من وجهين :**
الأول : أن هذه جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بما قبلها. 
والثاني : أَنَّهَا معطوفة على الجملة القولية المحذوفة أي : وقيل لهم : كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما ظلمونا، فيكون قد عطف جملة خبرية على خَبَرِيّة. 
و " الظلم " : وضع الشيء في غير موضعه. 
وقوله :" كانوا " وكانت هذه عادتهم كقولك :" كان حاتم كريماً ". 
١ - في أ: مرة..
٢ - أخرجه البخاري (٦/٢٢) ومسلم في كتاب الأشربة ١٥٧ والترمذي (٢٠٦٦) وابن ماجه (٣٤٥٣) وأحمد (١/١٨٧، ١٨٨) والبيهقي (٩/٣٤٥) والحميدي رقم (٨١) والطبراني في "الأوسط" (١/١٢٥)..
٣ - أخرجه مسلم (٤/٢٠٧٥) رقم (٤١/٢٧٠٢) وأبو داود (١٥١٥) وأحمد (٤/٢١١) والبيهقي (٧/٥٢) والطبراني (١/٢٨٠) والبخاري في التاريخ الكبير (٢/١٣)..

### الآية 2:58

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [2:58]

هذا هو الإنعام الثَّامن، وحذفت الألف من " قلنا " لسكونها، وسكون الدال بعدها، والألف التي يبتدأ بها قبل الدّال ألف وصل ؛ لأنه من يدخل. 
قوله :" هَذِهِ الْقَرْيَةَ ". 
هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعول به، وذلك أنّ كل ظرف مكان مختصّ لا يتعدّى إليه الفعل إلاّ ب " في "، تقول : صلّيت في البيت ولا تقول : صلّيت البيت إلاّ ما استثني. 
ومن جملة ما استثني " دخل " مع كل مكان مختصّ، نحو :" دخلت البيت والسُّوق "، وهذا مذهب سيبويه وقال الأخفش : الواقع بعد " دَخَلت " مفعول به كالواقع بعد " هَدَمت " كقولك :" هَدَمت البيت " فلو جاء " دَخَل " مع الظرف تعدّى ب " في " نحو :" دخلت في الأمر " ولا تقول :" دَخَلْت الأمر "، وكذا لو جاء الظرف المختصّ مع غير " دخل " تعدّى ب " في " إلا ما شَذَّ ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٥١٠- جَزَى اللَّهُ \[ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ \] \*\*\* رَفِيقَيْنِ قَالاَ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
و " القرية " " المدينة "، وهي نعت ل " هذه "، أو عطف بَيَان كما تقدم، والقرية مشتقّة من قَرَيْتُ أي : جمعت، تقول : قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْض، أي : جَمَعْتُهُ، واسم ذلك الماء قِرى بكسر القاف و " المِقْرَاة " للحوض، وجمعها " مَقَارٍ "، قال :\[ الطويل \]
٥١١- عِظَامُ الْمَقَارِي ضَيْفَهُمْ لاَ يُفَزَّعُ \*\*\*. . . 
و " القَرْيَان " : اسم لمجتمع الماء، و " القَرْيَةُ " في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد يطلق عليهم مجازاً، وقوله تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ  \[ يوسف : ٨٢ \] يحتمل الوجهين. 
وقال الراغب :" إنها اسم للموضع وللناس جميعاً، ويُسْتَعْمَل في كل واحد منهما ". 
و " القِرْية " بكسر القاف في لغة " اليمن "، واختلف في تعيينها. 
فقال الجمهور : هي بيت المقدس. 
وقال ابن عباس :" أَرِيْحَا " وهي قرية الجَبَّارين، وكان فيها قوم من بَقِيَّةِ عَادٍ يقال لهم : العَمَالقة، ورئيسهم عوج بن علق. 
وقال " ابن كيسان " :" الشّام ". 
وقال الضحاك :" الرَّمْلَة " و " الأردنُّ "، و " فلسطين " و " تَدْمُرُ ". 
وقال مقاتل :" إيليا ". 
وقيل : بلقاء. 
وقيل :" مصر ". والصحيح الأول، لقوله من المائدة : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ  \[ المائدة : ٢١ \]. 
قوله : وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً  تقدّم الكلام على هذه المادة. 
قوله :" الْبَابَ سُجَّداً " حال من فاعل " ادْخُلُوا " وهو جمع " سَاجِد ". 
قال أبو البقاء :" وهو أبلغ من السجود "، يعني : أن جمعه على " فُعَّل " فيه من المُبَالغة ما ليس في جمعه على " فُعُول ". 
وأصل باب : بَوَبٌ، لقولهم : أَبْوَاب، وقد يجمع على " أَبْوِبة " ؛ لازدواج الكلام ؛ قال :\[ البسيط \]
٥١٢- هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ ولاج أَبْوِبَةٍ \*\*\* يَخْلِطُ بِالْجِدِّ مِنْهُ الْبِرَّ واللِّينا
ورواه الجَوهريُّ :\[ البسيط \]
٥١٣-. . . \*\*\* يَخْلِطُ بالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّيْنَا
ولو أفرده لم يجز، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام :" مرحباً بالقَوْمِ أو بالوفد غير خَزَايَا ولا نَدامَى[(١)](#foonote-١) ". 
وتَبَوَّبْتُ بَوَّاباً اتخذته. وأبواب مُبَوَّبة، كقولهم : أصناف مصنّفة، وهذا شيء من بابتك، أي : يصلح لك، وتقدّم معنى السجود. 
قوله :" وَقُولُوا " قال \[ ابن كثير \] الواو هنا حالية لا عاطفة، أي : ادخلوا سُجَّداً في حال قولكم حطّة. 
وأما قوله :" حطّة " قرئ بالرّفع والنصب، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : مسألتنا حطّة، أو أمرك حطة. 
قال :" الزمخشري " : والأصل النصب بمعنى : حُطّ عنا ذنوبنا حطّة، وإنما رفعت لتعطي مَعْنَى الثبات كقوله :\[ الرجز \]
٥١٤- يَشْكُو إِليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى \*\*\* صَبْرٌ جَمِيلٌ فكِلاَنَا مُبْتَلى
والأصل : صبراً عَلَيَّ، اصْبِرْ صبراً، فجعله من باب  سَلاَمٌ عَلَيْكُم  \[ الرعد : ٢٤ \] وتكن الجملة في محلّ نصب بالقول. 
وقال " ابن عطية " وقيل : أمروا أن يقولوها مرفوعة على هذا اللفظ. 
يعني : على الحكاية، فعلى هذا تكون هي وحَدْهَا من غير تقدير شيء في محلّ نصب بالقول، وإنما منع \[ النصب \] حركة الحكاية. 
وقال أيضاً : وقال عكرمة : أُمِرُوا أن يقولوا : لا إله إلا الله، لِتحطَّ بها ذنوبهم وحَكَى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال :" فعلى هذه الأقوال تقتضي النَّصب "، يعني أنه إذا كان المَعْنَى على أنّ المأمور به لا يتعيّن أن يكون بهذا اللَّفظ الخاصّ، بل بأيّ شيء يقتضي حطّ الخطيئة، فكان ينبغي أن ينتصب ما بعد القول مفعولاً به نحو : قيل لزيد خيراً، المعنى : قل له ما هو من جنس الْخُيُور. وقال النَّحّاس : الرفع أولى، لما حكي عن العرب في معنى " بَدَّل ". 
قال أحمد بن يحيى : يقال : بَدّلته أي غيرته، ولم أزل عينه، وأبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينه وشَخْصَهُ ؛ كقوله :\[ الرجز \]
٥١٥- عَزْلَ الأَمِيْرِ لِلأمِير الْمُبْدَلِ \*\*\*. . . 
وقال تعالى : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ  \[ يونس : ١٥ \]. 
وبحديث ابن مسعود قالوا : حطّةٌ تغير على الرَّفع يعني : أن الله تعالى قال : فبدَّلَ الذي يقتضي التَّغيير لا زَوَالَ العين، قال : وهذا المعنى يقتضي الرَّفع لا النصب. 
وقرأ ابن أبي عبلة : حطَّةً بالنصب وفيها وجهان :
أحدهما : أنها مصدر نائب عن الفعل، نحو : ضرباً زيداً. 
والثاني : أن تكون منصوبة بالقول، أي : قولوا هذا اللَّفظ بعينه، كما تقدم في وجه الرَّفع، فهي على الأوّل منصوبةٌ بالفعل المقدر، وذلك الفعل المقدر ومنصوبه في محل نصب بالقول، ورجح الزمخشري هذا الوجه. 
و " الحطّة " اسم الهَيْئَةِ من الْحَطِّ ك " الجِلْسَة " و " الْقِعْدَة ". 
وقيل : هي لفظة أمروا بها، ولا ندري معناها. 
وقيل : هي التَّوْبة، وأنشد :\[ الخفيف \]
٥١٦- فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّ \*\*\* هُ بِهَا ذَنْبَ عَبدِهِ مَغْفُورَا

### فصل في المراد بالباب


اختلفوا في " الباب " قال ابن عباس، ومجاهد، والضّحاك، وقتادة : إنه باب يدعى باب الحطّة من بيت المقدس، وحكى الأَصَمّ عن بعضهم أنه عنى بالباب جِهَةً من جهات القرية، ومدخلاً إليها. 
واختلفوا في " السُّجود "، فقال الحسن : أراد به نفس السُّجود، أي : إلصاق الوجه بالأرض، وهذا بعيد، لأن الظَّاهر يقتضي وجوب الدُّخول حال السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك. 
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنَّ المُراد به الركوع، لأنّ الباب كان صغيراً يحتاج الدَّاخل فيه إلَى الانحناء. 
قال ابن الخَطِيْبِ : وهذا بعيد ؛ لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركّعاً، فلا حاجة فيه إلى الأمر. 
وأجيب بأنه روي عن ابن عَبَّاس : أنهم دخلوا يزحفون على أَسْتاههمْ. 
وقيل : المراد بالسجود : الخضوع. وهو الأقرب ؛ لأنه لما تعذّر حمله على السجود الحقيقي وجب حمله على التواضع ؛ لأن التَّائب عن الذنب لا بُدّ وأن يكون خاضعاً. 
### فصل في تفسير " الحطة " 


وأما تفسير " الحطّة " فقال " القاضي " : إنه تعالى لما أمرهم بدخول الباب خاضعين أمرهم بأن يقولوا ما يَدُلّ على التوبة ؛ لأن التوبة صفةُ القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحدٌ بذنب، أو بمذهب خطأ، ثم تاب عن الذنب، أو أظهر له الحق، فإنه يلزم أن يعرف إخوانه الَّذِين عرفوا منه ذلك الذنب، أو ذلك المذهب، فتزول عنه التُّهْمَة في الثبات على الباطل، ويعودوا إلى مُوَالاته، فالحاصل أنه أمر القوم أن يدخلوا الباب على وَجْهِ الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم الْتِمَاسَ حَطّ الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح، والاستغفار باللِّسان. 
وقال " الأصَمّ " : هذه اللَّفظة من ألفاظ أهل الكتاب التي لا يعرف معناها في العربية. 
وقال أبو مسلم الأَصْفَهَاني : معناه : أمرنا حطّة، أي : أن نحطّ في هذه القرية، ونستقر فيها، ورد القاضي ذلك، وقال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خَطَايَاهُمْ متعلقاً به، ولكن قوله : وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ  يدلّ على أن غفران الخَطَايا كان لأجل قولهم حطّة، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم لما حطُّوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجدّاً مع التَّوَاضُع كان الغفران متعلقاً به. 
وقال معناه : اللَّهم حط عنا ذنوبنا، فإنّا إنما انحططنا لوجهك، وإرادة التذلل لك، فحطّ عنا ذنوبنا. 
### فصل في بيان التلفظ بالحطة أو بمعناها


اختلفوا هل كلّفوا بهذه اللفظة بعينها، أو بما يؤدي معناها ؟
روي عن ابن عباس : أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها، وفيه نظر ؛ لأن هذه اللفظة عربية، ولم يكونوا يتكلمون بالعربية، وأيضاً فإنما أمروا بأن يقولوا قولاً دالاًّ على التوبة والندم ؛ فلو قالوا : اللّهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً. 
قوله :" نَغْفِرْ " هو مجزوم في جواب الأمر، وقد تقدم الخلاف، هل الجازم نفس الجملة، أو شرط مقدر ؟ أي : يقولوا نغفر. 
وقرئ :" نَغْفِرْ " بالنون وهو جار على ما قبله \[ من قوله :\] " وإذ قلنا " و " تُغْفَر " بالتاء بالياء مبنيّاً للمفعول. 
و " خطاياكم " مفعول لم يسم فاعله، فالتَّاء لتأنيث الخَطَايا، والياء ؛ لأن تأنيثها غير حقيقي، وللفصل أيضاً ب " لكم ". 
وقرئ :" يغفر " مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى وهو في معنى القراءة الأولى، إلاّ أن فيه التفاتاً. 
و " لكم " متعلّق ب " نغفر ". 
وأدغم " أبو عمرو " الراء في اللاّم، والنحاة يستضعفونها، قالوا : لأن الرَّاء حرف تكرير فهي أقوى من اللام، والقاعدة أن الأضعف يدغم في الأقوى من غير عَكْسٍ، وليس فيها ضعف ؛ لأن انحراف اللاّم يقاوم تكرير الراء. وقد بَيَّن " أبو البَقَاءِ " ضعفه، وتقدم جوابه. 
قوله :" خطاياكم " : إما منصوب بالفعل قبله، أو مرفوع حسب ما تقدّم من القراءات، وفيها \[ أربعة \] أقوال :
أحدها : قول الخليل \[ أنّ \] أصلها " خَطَايئ " بياء بعد الألف، ثم همزة ؛ لأنها جمع " خطيئة " مثل :" صَحِيْفة وصَحَايف "، فلو تركت على حالها لوجب قَلْبُ الياء همزة ؛ لأن مدة " فَعَايل " يفعل بها كذا، على ما تقرر في التصريف، فضر من ذلك، لئلا تجتمع همزتان، بأن قلب فقدم اللام، وأخّر عنها المدّة فصارت :" خَطَائي "، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل في نفسه، وبعده ياء من جنس الكَسْرَةِ فقلبوا الكسرة فتحة، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلبت ألفاً، فصارت :" خَطَاءا " بهمز بين ألفين، فاستثقلوا ذلك، فإنّ الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء ؛ لأنها واقعة موقعها قبل القَلْبِ، فصارت " خَطَايَا " على وزن " فَعَالَى " ففيها أربعة أعمال : قلب، وإبدال الكسرة فتحة، وقلب الياء ألفاً، وإبدال الهمزة ياء، هكذا ذكر التصريفيون، وهو مذهب الخليل. 
الثاني : وعزاه " أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) " إليه أيضاً أنه :" خطائئ " بهمزتين : الأولى منهما مكسورة وهي المنقلبة عن الياء الزائدة في " خَطِيْئة " فهو مثل " صَحِيْفة " و " صَحَائف "، فاستثقلوا الجمع ١ - أخرجه البخاري في الصحيح (١/٣٦) كتاب الإيمان باب أداء الخمس... حديث رقم (٥٣)، (٨/٧٥) كتاب الأدب باب قول الرجل مرحبا... حديث رقم (٦١٧٦)، (١/٥٤) كتاب العلم باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (٨٧).
 ومسلم في الصحيح (١/٤٧-٤٨) كتاب الإيمان (١) باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (٦) حديث رقم (٢٤/١٧) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (٣٠٧)- والطبراني في الكبير (١٢/٢٢٥)، ٢٤٣- والبيهقي في السنن (٤/١٩٩)- وابن أبي شيبة (١٢/٢٠٢)..
٢ - ينظر الإملاء: ١/٣٨..

### الآية 2:59

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [2:59]

قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ . 
لا بُدّ في هذا الكلام من تأويل ؛ إذ الذّم إنما يتوجه عليهم إذا بدّلوا القول الذي قيل لهم، لا إذا بدَّلوا قولاً غيره. 
فقيل : تقديره : فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم ف " بدّل " يتعدّى لمفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، والمجرور بها هو المتروك، والمنصوب هو الموجود، كقول أبي النجم :\[ الرجز \]

٥١٧- وَبُدِّلَتْ والدَّهْرُ ذُو تَبَدُّلِ  هَيْفاً دَبُوراً بِالصَّبَا وَالشَّمْأَلِفالمتطوع عنها الصَّبا، والحاصل لها الهَيْفُ. 
قاله أبو البقاء وقال يجوز أن يكون " بدل " محمولاً على المعنى، تقديره : فقال الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ؛ لأن تبديل القول كان بقول " فَنَصْبُ " غير عنده في هذين القولين على النِّعت ل " قولاً ". 
وقيل : تقديره : فبدل الذين قولاً بغير الذي، فحذف الحرف، فانتصب " غير ". 
ومعنى التَّبْديل : التغيير كأنه قيل : فغيروا قولاً بغيره، أي جَاءُوا بقول آخر، فكان القول الذي أمروا به، كما يروا في القصّة أنهم قالوا : بدل حطّة حِنْطَة. 
والإبْدَال والتبديل والاستبدال : جعل الشيء مكان آخر، وقد يقال : التبديل : التغيير، وإن لم يأت ببدله. 
وقد تقدم الفرق بين بدل وأَبْدَلَ، وهو أن بدّل بمعنى غيّر من غَيْر إزالة العين، وأبدل تقتضي إزالة العين، إلا أنه قرئ : عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا 
\[ القلم : ٣٢ \]  فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا  \[ الكهف : ٨١ \] بالوجهين، وهذا يقتضي اتِّحَادهما معنى لا اختلافهما والبديل والبدل بمعنى واحد، وبدله غيره. 
ويقال : بِدْل وَبَدل كَشِبْه وَشَبَه، وَمِثْل وَمَثَل، وَنِكْل وَنَكَل \[ قال أبو عُبَيْدة : لم يسمع في فِعْل وفَعَل غير هذه الأربعة أحرف \]. 
### فصل في بيان التبديل


قال أبو مُسْلم : قوله :" فبدّل " يدلّ على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به لأجل أنهم أتوا له ببدل، ويدلّ عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المُخَالفة، قال تعالى :" سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ " إلى قوله : يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ 
\[ الفتح : ١٥ \] ولم يكن تبديلهم الخلاف في الفعل لا في القول، فكذا هاهنا لما أمروا بالتواضع، وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله. 
وقال جمهور المفسرين : إنَّ المراد بالتبديل أنهم أتوا ببدل له ؛ لأن التبديل مشتقّ من البدل، فلا بُدّ من حصول البدل، كما يقال : بدّل دِيْنَهُ أي : انتقل من دِيْنٍ إلى دين، ويؤيده قوله تعالى : قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ . 
### فصل في الباعث على تبديلهم


وقوله :" الَّذِيْنَ ظَلَمُوا " تنبيه على أن الباعث لهم على التبديل هو الظلم، واختلفوا هل هو مُطْلق الظلم، فيكونون كلهم بدلوا، أو الظالمون منهم هم الذين بدلوا، وهم الرؤساء والأشراف، وهذا هو الظاهر، لقوله في سورة " الأعراف " : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ  \[ الأعراف : ١٦٢ \] واختلفوا هل التقوا كلهم على الأشياء التي بَدّلوها، أو بدّل كلّ أناس منهم شيئاً، أو بدّلوا في كل وقت شيئاً ؟
فإن قيل : إنّهم قد بدّلوا القول والفعل، فلم خصّ القول بالتبديل ؟
فالجواب : أن ذكر تبديلهم القول يدلّ على تبديل الفعل كقوله : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ  \[ النحل : ٨١ \] أي : والبرد، فكأنه قال : بدّلوا القول والفعل، وأيضاً فقد يكون المراد بالقول المبدل هو الأمر، والأمر يشتمل القول المأمور به والفعل. 
**واختلفوا في ذلك القول :**
فروي عن ابن عَبّاس : أنّهم لم يدخلوا الباب سجداً، ولم يقولوا حطّة، بل دخلوا زَاحِفِيْنَ على اسْتَاههم قائلين حِنْطة. 
وقال ابن زيد : استهزؤوا بموسى وقالوا ما شاء موسى أن يلعب بنا لا لعب بنا حطة أي شيء حطة. 
وقال " مجاهد " : طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، ويركعوا، فدخلوا زَاحِفِيْنَ. 
وقيل لهم : قولوا حطة فقالوا : حطّاً شمقاً ما يعني حطة حمراء استخفافاً بأمر الله. 
قوله : فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ  أي : أضروا بأنفسهم، وأوسعوا في نقصان خيراتهم في الدين والدنيا. 
و " الرجز " : هو العذاب. 
### فصل في لغات الرجز


وفيه لُغة أخرى وهي ضمّ الراء، وقرئ بهما. 
وقيل : المضموم اسم صَنَمٍ، ومنه : وَالرُّجْزَ  \[ المدثر : ٥ \]. والرِّجْز والرِّجْس بالزاي والسين بِمَعْنًى ك : السُّدْغ والزُّدْغ. 
والصحيح أن الرِّجْزَ : الْقَذَر، والرَّجَز : ما يصيب الإبل، فترتعش منه، ومنه : بحر الرِّجَز في الشّعر. 
قوله :" مِنَ السَّمَاءِ " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون متعلقاً ب " أَنْزَلْنَا " و " من " لابتداء الغاية، أي : من جهة السماء، وهذا الوجه هو الظاهر. 
والثاني : أن يكون صفة ل " رِجْزاً " فيتعلّق بمحذوف، و " من " أيضاً للابتداء. 
وقوله : عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ  فأعادهم بذكرهم أولاً، ولم يقل :" عليهم " تنبيهاً على أن ظُلْمهم سبب في عقابهم، وهو من إيقاع الظاهر موقع المُضْمَر لهذا الغرض، وإيقاع الظاهر موقع المُضْمَر على ضربين : ضرب يقع بعد تمام الكلام كهذه الآية، وقول الخنساء :\[ المتقارب \]٥١٨- تَعَرَّقَنِي الدَّهْرُ \[ نَهْساً \] وَحَزَّا  \[ وَأَوْجَعَنِي \] الدَّهْرُ قَرْعاً وَغَمْزاأي : أصابتني نوائبه جُمَعُ. 
وضرب يقع في كلام واحد ؛ نحو قوله : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ 
\[ الحاقة : ١، ٢ \]. 
وقول الآخر :\[ الكامل \]٥١٩ - لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِباً  كَانَ الغُرَابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِوقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال :\[ الخفيف \]٥٢٠- لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ  نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَاقوله :" بِمَا كَانُوا " متعلِّق ب " أنْزَلْنَا " و " الباء " للسببية، و " ما " يجوز أن تكون مصدرية وهو الظّاهر أي : بسبب فِسْقِهِمْ، وأن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج المذكور في غير موضع، والأصل : يفسقونه، ولا يقوى جعلها نكرة موصولة. 
وقرأ " ابن وَثّاب[(٣)](#foonote-٣) " :" يَفْسِقُون " بكسر السين، وتقدم أنهما لُغَتَان. 
### فصل في تفسير الظلم


قال أبو مسلم : هذا الفِسْقُ هو الظلم المذكور في قوله : عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ  وفائدة التكرار التأكيد. 
قال ابن الخطيب : والحق أنه غيره ؛ لأن الظلم قد يكون من الصَّغائر، ولذلك قال بعض الأنبياء : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  \[ الأعراف : ٢٣ \] وقد يكون من الكَبَائر، قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  \[ لقمان : ١٣ \]، والفِسْق لا بُدّ وأن يكون من الكبائر، ويمكن أن يجاب عنه : بأن أبا مُسْلِمٍ لم يقل بأن الفسق مطلق الظلم، وإنما خصّه بظلم معين، وهو الذي وصفوا به في أوّل الآية، ويحتمل أنهم استحقُّوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل، فنزل الرِّجْزُ عليهم بالفِسْقِ الذي كانوا يفعلوه قبل التبديل، فيزول التكرار. 
احتجّ بعضهم بقوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ  على أنَّ ما ورد من الأذكار لا يجوز تبديله بغيره، وعلى هذا لا يجوز تحريم الصَّلاة بلفظ التَّعْظيم، ولا يجوز القراءة بالفارسية. 
وأجاب أبو بكر الرَّازِي :" بأنهم إنما استحقُّوا الذَّم لتبديلهم القول إلى قول يُضَاد معناه معنى الأول، فلهذا استوجبوا الذم، فأما تغيير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك ". 
قال ابن الخطيب :" والظَّاهر أن هذا بتناول كل من بدّل قولاً يقول آخر سواء اتَّفَقَا أو لم يتفقا ". 
فإن قيل : قال هنا :" وإذ قلنا "، وفي " الأعراف " : وَإِذْ قِيلَ  \[ الأعراف : ١٦١ \]. 
قيل : لأن سورة " الأعراف " مكية، و " البقرة " مدنية فأبهم القائل في الأولى وهي " الأعراف " ليكون لهم وَقْع في القلب، ثم بَيَّنَهُ في هذه السورة المدنية، كأنه قال : ذلك القائل هناك هو هذا. 
وقال هنا :" ادْخُلُوا "، وفي " الأعراف " :" اسْكُنُوا ". 
قال ابن الخطيب :" لأنّ الدخول مقدّم على السُّكْنَى ". 
وهذا يرد عليه، فإن " الأعراف " قبل " البقرة " ؛ لأنها مكية. 
وقال \[ هنا \] " فَكُلُوا " بالفاء، وفي " الأعراف " " وَكُلُوا " بالواو. 
والجواب ها هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً ، وفي " الأعراف "  فَكُلاَ . \[ ولم ذكر قوله :" رغداً " في " البقرة "، وحذفه في " الأعراف " ؟ لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنْعَام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً \]، وفي " الأعراف " لما لم يسند الفعل إلى نفسه \[ لا جرم \] لم يذكر الإنعام الأعظم. 
وقال هنا : وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ، وفي " الأعراف " قدّم المؤخر ؛ لأن الواو للجمع المطلق، وأيضاً يحتمل أن يكون بعضهم مذنباً، وبعضهم ليس بمذنب، فالمُذْنب يكون اشتغاله أولاً بالتوبة، ثم بالعبادة فكلفوا أن يقولوا أولاً " حطة " ثم يدخلوا الباب سُجَّداً، وأما الذي ليس بمذنب، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة أولاً، ثم \[ يذكروا \] التوبة ثانياً على سبيل هَضْم النفس، وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فكلفوا أن يدخلوا الباب سجداً أولاً، ثم يقولوا " حطة "، فذكر حكم كل قسم في سورة قاله ابن الخطيب. 
وفيه نظر ؛ لأن هذا القول إنما كان مَرّة واحدة. 
وقال هنا : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ  بالواو، وفي " الأعراف " بغير واو. 
وقال ابن الخطيب : لأنه ذكر في " الأعراف " أمرين : قول الحطة، وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب سجداً، وهو إشارة إلى العبادة، ثم ذكر جزاءين : قوله تعالى : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وهو واقع في مقابلة قول الحطّة، وقوله : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، وهو واقع في مُقَابلة دخول الباب سجداً، \[ فترك \] الواو يفيد توزيع كل واحد مِنَ الجَزَاءين على كل واحد من الشرطين. 
وأما في " البقرة " فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاءً واحداً لمجموع الفعلين. 
وقال هنا : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً ، وفي " الأعراف " زاد كلمة " منهم ". 
قال ابن الخطيب : لأنه تعالى قال : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ ، فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدّد صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم فلما انتهت القصّة قال : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ  \[ فذكر لفظة " مِنْهُمْ " في آخر القصّة كما ذكرها في أول القصة \] ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما هنا فلم يذكر في الآيات التي قبل قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ  تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص. 
وقال هنا : فَأَنزَلْنَا  وفي \[ سورة \] " الأعراف " : فَأَرْسَلْنَا ، وأتى بالمضمر دون الظاهر ؛ لأنه تعالى عدّد عليهم في هذه السُّورة نعماً جسيمة كثيرة، فكان توجيه الذّم عليهم، وتوبيخهم بكفرانها أَبْلَغ من حيث إنه لم يعدّد عليهم هناك ما عَدّد هنا. 
فلفظ " الإنزال " للعذاب أبلغ من لفظ " الإرسال ". 
وقال هنا : يَفْسُقُونَ ، وفي " الأعراف " :{ يَظْلِ

### الآية 2:60

> ﻿۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [2:60]

كسرت الذّال من " إذ " لالتقاء الساكنين، والسين للطلب على وجه الدعاء أي : سأل لهم السُّقْيَا، وألف " اسْتَسْقَى " منقلبة عن ياء ؛ لأنه من " السَّقْي "، وتقدَّم معنى " اسْتَفْعَلَ "، ويقال :" سَقَيْتُه " و " أَسْقَيْتُهُ "، بِمَعْنًى ؛ وأنشد :\[ الوافر \]
٥٢١- سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى \*\*\* نُمَيْراً وَالقَبَائِلَ مِنْ هِلاَلِ
وقيل :" سقيته " : أعطيته ما يشرب، " وأسقيته " : جعلت ذلك له يتناوله كيف شاء. 
و " الإسْقاء " أبلغ من " السَّقْي " على هذا. 
وقيل : أسقيته : دَلَلْتُه على الماء، وسيأتي عند قوله : نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ  \[ النحل : ٦٦ \] وسقى وأسقى متعدّيان لمفعولين، قال تعالى : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً  \[ الإنسان : ٢١ \] وقال : وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتاً  \[ المرسلات : ٢٧ \]. 
و " لِقَوْمِهِ " متعلّق بالفعل، واللام للعلّة، أي : لأجل، أو تكون للبيان لما كان المراد به الدعاء كالتي في قولهم :" سُقْياً لَكَ " فتتعلّق بمحذوف كنظيرتها. 
قوله : اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ  الإدغام هنا واجبٌ ؛ لأنه متى اجتمع مثلان في كلمتين ؛ أو كلمة أوّلهما ساكن وجب الإدغام نحو : اضرب بكراً، وألف " عصاك " منقلبة عن واو ؛ لقولهم في النّسب : عَصَوِيٌّ، وفي التثنية عَصَوَان ؛ قال :\[ الطويل \]
٥٢٢-. . . \*\*\* عَلَى عَصَوَيْهَا سَابِريٌّ مُشَبْرَقُ
والجمع :" عُصِيّ " " وَعِصِيّ " بضم العين وكسرها إتباعاً، و " أَعْصٍ " مثل :" زَمَنٍ " " وأَزْمُن "، والأصل :" عُصُوُو " و " أَعْصُو "، فأعلّ. وعَصَوْتُه بالعَصَا، وعَصَيْتُه بالسيف. و " ألقى عَصَاه " يعبر به عن بلوغ المنزل، قال :\[ الطويل \]
٥٢٣- فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى \*\*\* كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالإيَابِ المُسَافِرُ
وانشقت العَصَا بين القوم، أي : وقع الخلاف ؛ قال :\[ الطويل \]
٥٢٤- إذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ العَصَا \*\*\* فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
قال الفَرَّاء :" أوّل لحن سمع ب " العراق " هذه عَصَاتي "، يعني : بالتاء. 
وفي \[ المثل \] :" العَصَا من العُصَيَّة " أي : بَعْضُ الأمر من بَعْضٍ. 
و " الحَجَر " مفعول. و " أل " فيه للعَهْدِ. 
وقيل : للجنس، وهو معروف، وقياس جمعه في أدنى العدد " أَحْجَار " وفي التكثير :" حِجَارٌ وحِجَارَةٌ ". و " الحِجَارة " نادر، وهو كقولنا :" جَمَل وجِمَالة "، و " ذَكَر وذِكَارة " قاله ابن فارس والجَوْهري. 
وكيف يكون نادراً وفي القرآن : فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ  \[ البقرة : ٢٧ \]،  قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً  \[ الإسراء : ٥٠ \]،  تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ  \[ الفيل : ٤ \]،  وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً  \[ هود : ٨٢ \]. 
قوله : فَانفَجَرَتْ  " الفاء " عاطفة على محذوف لا بُدّ من تقديره : فضرب فانفجرت. قال ابن عصفور : إن هذه " الفاء " الموجودة هي الداخلة على ذلك الفعل المحذوف، والفاء الداخلة على " انْفَجَرَتْ " محذوفة، وكأنه يقول : حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، وحذفت " الفاء " الثانية لدلالة الأولى عليها. ولا حاجة إلى ذلك، بل يقال : حذفت الفاء، وما عطفته قبلها. 
وجعلها الزمخشري جواب شرط \[ مقدر \] قال :\[ أو \] فإن ضربت فقد انفجرت، قال :" وهي على هذا فاء فَصِيحة لا تقع إلا في كلام بليغ ". وكأنه يريد تفسير المعنى لا الإعراب. 
و " الانْفِجَار " : الانشقاق والتفتُّح، ومنه : الفَجْر لانشقاقه بالضَّوء. 
وفي " الأعراف " : فَانبَجَسَتْ  \[ الأعراف : ١٦٠ \] فقيل : هما بمعنى. 
وقيل :" الانْبِجَاس " أضيق ؛ لأنه يكون أولاً والانفجار ثانياً. 
وقيل : انبجس وتبجّس وتفجّر وتفتّق بمعنًى وَاحِدٍ. 
قوله : اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً  فاعل " انْفَجَرَتْ "، والألف علامة الرفع ؛ لأنه محمول على المُثَنّى، وليس بمثنى حقيقة، إذ لا واحد له من لفظه، وكذلك مذكره " اثنان "، ولا يضاف إلى تمييز، لاستغنائه بذكر المعدود " مثنى " تقول :" رجلان وامرأتان " ولا تقول :" اثنا رَجُل، ولا اثنتا امرأة " إلا ما جاء نادراً فلا يقاس عليه، قال :\[ الرجز \]
٥٢٥- كَأَنَّ خُصْيَيْهِ مِنَ التَّدَلْدُلِ \*\*\* ظَرْفُ عَجُوزٍ فِيهِ ثِنْتَا حَنْظَلِ
و " ثنتان " مثل " اثنتين "، وحكم اثنين واثنتين في العدد المركب أن يُعْرَبا بخلاف سائر أخواتهما، قالوا : لأنه حذف معهما ما يحذف في المعرب عند الإضافة، وهي النون، فأشبها المعرب فأعربا كالمثنى بالألف رفعاً والباء نصباً وجرًّا. 
وأما " عَشْرة " فمبني لتنزله منزلة تاء التأنيث، ولها أحكام كثيرة. 
و " عَيْناً " تمييز. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى :" عَشِرَة " بكسر الشين، وهي لغة تميم. 
قال النحَّاس :" وهذا عجيب، فإن لغة تميم " عشرة " بالكسر، وسبيلهم التخفيف، ولغة " عَشْرة " بالسكون، وسبيلهم التثقيل ". 
وقرأ الأعمش :" عَشَرَة " بالفتح. 
و " العَيْن " : اسم مشترك بين عَيْنِ الإنسان، وعَيْنِ الماء، وعين الرَّكيّة، وعَيْنِ الشمس، وعَيْنِ الذهب، وعين الميزان. 
والعين : سحابة تقبل من ناحية القبلة. والعين : المَطَر الدائم ستًّا أو خمساً. والعين : الثقب في المَزَادة، وبلد قليل العين، أي : قليل النَّاس. \[ وبها عين، محركة الياء \]. 
فإن قيل : إذا كانت العين لفظاً مشتركاً بين حقائق، فكيف وقعت هنا تمييزاً ؟
فالجواب : أن قوله :" وَإذِ اسْتَسْقَى "، وقوله :" فَانْفَجَرَتْ "، وقوله :" مَشْرَبَهُمْ " دليل على إرادة عين الماء، فاللفظ مع القرينة مميز، والعَيْن من الماء شبيهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها، كخروج الدَّمع من عين الحيوان. 
وقيل : لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبّهت به عين الماء ؛ لأنها أشرف ما في الأرض. 
قوله : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ  \[ الأعراف : ١٦٠ \] قد تقدّم الكلام على أنّ " أناس " أصل " النّاس ". 
وقال الزمخشري في سورة " الأعراف " :" إنه اسم جمع غير تكسير "، ثم قال :" ويجوز أن يكون الأصل الكسر، والتكسير، والضمة بدل من الكسرة، كما أبدلت في سُكَارى " من الفتحة وسيأتي البحث معه إن شاء الله تعالى. 
قوله : مَّشْرَبَهُمْ  مفعول ل " علم " بمعنى " عرف "، و " المَشْرَب " - هنا موضع الشُّرْب ؛ لأنه روي أنه كان لكل سِبْطٍ عَيْنٌ من اثنتي عشرة عيناً، لا يشاركه فيها سبط غيره. 
وقيل : هو نفس المشروب، فيكون مصدراً واقعاً موقع المفعول به، وضمير الجمع في قوله :" مشربهم " يعود على معنى " كُلُّ أُنَاسٍ ".

### فصل في بيان أن الاستسقاء كان في التِّيه


قال جمهور المفسرين : هذا الاستسقاء كان في التِّيْهِ ؛ لأن الله تعالى لما ظَلَّلَ عليهم الغمام، وأنزل عليهم المَنّ والسَّلْوَى، وجعل ثيابهم بحيث لا تَبْلَى، ولا تَتَّسِخ خافوا العَطَش، فأعطاهم الله الماء من ذلك الحَجَرِ، وأنكر أبو مسلم ذلك وقال : بل هو كلام مفرد بِذَاتِهِ، ومعنى الاسْتِسْقَاء طلب السُّقْيَا من المطر على عادة الناس إذا \[ أقحطوا \]، ويكون ما فعله الله من تَفْجِيرِ الحجر بالماء فوق الإجابة بالسُّقيا، \[ وإنزال الغيث \]. 
\[ وقال ابن الخطيب :\] وليس في الآية ما يدلّ على أحد القولين، وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التِّيْهِ ؛ لأن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النَّادر، وأيضاً روي أنهم كانوا يحملون الحَجَر معهم ؛ لأنه صار معدًّا لذلك، \[ فكما كان \] المَنّ والسّلوى ينزلا من كل غَدَاة، فكذلك الماء يتفجّر لهم في كل وقت، وذلك لا يليق إلا بأيّامهم في التِّيْهِ. 
### فصل في جنس الشجرة


اختلفوا في العَصَا، فقال الحسن : كانت عَصَا أخذها من بعض الأشجار وقيل : كانت من آسِ الجَنّة طولها عشرة أَذْرُع على طول موسى، ولها شُعْبَتَان تَتَّقِدَان في الظلمة، واسمه عليق، وكان آدم عليه الصلاة والسلام حمله معه من الجَنّة إلى الأرض، فتوارثه صَاغراً عن كَابِرٍ حتى وصل إلى شُعَيْب عليه الصلاة والسلام فأعطاه لموسى عليه الصلاة والسلام. 
والذي ينبغي أن يقال : إنها كانت بمقدار يصحّ أن يتوكّأ عليها، وأن تنقلب حَيَّةً عظيمة، وما زاد على ذلك لا دليل عليه. 
قال ابن الخطيب :" والسُّكوت عن هذه المباحث واجب ؛ لأنه ليس فيها نَصّ متواتر، ولا يتعلّق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظَّن المستفاد من أخبار الآحاد ". 
### فصل في المراد بالحجر


إن قلنا : الألف واللام في " الحَجَرِ " للعَهْد، فالإشارة إلى حَجَرٍ معلوم، روي أنه حجر طُوري مربّع قدر رأس الشَّاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، ينبع من كل وَجْه ثلاثة أعين لكل سِبْط عين تسيل في جدول إلى ذلك السّبط، فإذا نزلوا وضع في وسط محلّتهم. 
وقيل : بل كانوا يجدونه في كل مَرْحَلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا من \[ أعظم \] الإعجاز. 
وقال سعيد بن جُبَيْرٍ : هو الحَجَرُ الذي وضع عليه موسى ثَوْبَهُ حين اغتسل، فضربه حتى بَرَّأَهُ الله مما رموه به من الأُدْرَة، فقال له جبريل : فيقول الله تعالى لك : ارفع هذا الحَجَرَ، فإن لي فيه قدرة، ولك فيه مُعْجزة، فحمله في مخْلاَتِهِ. قال أبو روق : كان من \[ الكدّان \]، وقيل : من الرُّخَام. 
\[ فإن قلت \] : الألف واللام للجنس، فمعناه :\[ اضرب \] أي حجر كان. 
قال الحسن : لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال : وهذا أظهر في الحُجّة. وروي أنه كان يضره ضربةً واحدة، فيظهر فيه اثنتا عشر عيناً كل عين مثل ثَدْي المرأة فيعرق، وهو الانْبِجَاس، ثم ينفجر بالأنهار. 
قال عطاء : ثم يضربه ضربةً واحدة فَيَيْبَسُ. 
وقال عبد العزيز بن يحيى الكتاني : كان يضربه اثنتا عشرة ضربةً لكل عين ضربة. 
قال القرطبي : ما أوتي نبينا محمد عليه الصلاة والسلام من نَبْعِ الماء وانفجاره من بين أصابعه أعظم في المُعْجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار، ومعجزة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام يخرج الماء من بين لَحْمِ ودَمٍ !
وروى الأئمة الثقات عن عبد الله قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد ماءً فأتي بِتَوْرٍ فأدخل يده فيه، فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، ويقول :" حي على الطّهور [(١)](#foonote-١) ". 
قال الأعمش : حدثني سالم بن أبي الجَعْد، قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألفاً وخمسمائة. لفظ النَّسَائي. 
### فصل في وجوه الإعجاز في انفجار الحجر


والحكمة في جَعْلِ الماء اثنتي عشرة عيناً قطع التنازع والتَّشَاجر بينهم، وهذا الانفجار يدلّ على الإعجاز من وجوه. 
أحدها : أن نفس ظهور الماء معجزة. 
وثانيها : خروج الماء العطيم من الحجر الصغير. 
وثالثها : خروج الماء بِقَدْر حاجتهم. 
ورابعها : خروج الماء عند الضَّرْب بالعصا. 
وخامسها : خروج الماء بالضَّرب بعصا معينة. 
وسادسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه لا يمكن تحصيلها إلا بِقُدْرَةٍ تامة في كل الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات. 
قوله : كُلُواْ وَاشْرَبُواْ  هاتان ال١ - أخرجه النسائي (١/٦٠)، وأحمد (١/٤٦٠) والدارمي (١/١٥) وابن خزيمة (٢٠٤) وابن أبي شيبة (١١/٤٧٤) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤/١٢٩)..

### الآية 2:61

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [2:61]

" لن نَصْبِرَ " ناصب منصوب، والجملة في محلّ نصب بالقول، وتقدم الكلام على " لن ". 
قوله : طَعَامٍ وَاحِدٍ ، وإنما كان طعامين هما : المَنّ والسَّلْوَى ؛ لأن المراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، فأريد بالوحدة نفي التبديل لا الاختلاف، أو لأنهما ضرب واحد ؛ لأنهما من طعام أهل التلذُّذ والترف، ونحن أهل زِرَاعات لا نريد إلا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة، أو لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر، أو لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد. 
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كانوا يعجنون المَنّ والسّلوى، فيصير طعاماً واحداً. 
وقيل : لأن العرب تعبّر عن الاثنين بلفظ الواحد، وبلفظ الواحد عن الواحد، كقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ  \[ الرحمن : ٢٢ \]، وإنما يخرجان من المِلْحِ دون العَذْب. 
قال ابن الخطيب : ليس المراد أنه واحد في النوع، بل إنه واحد في المَنْهَجِ، كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغيّر عن نهجه. 
وقيل : كنوا بذلك عن الغنى، فكأنهم قالوا : لن نرضى أن نكون كلنا مشتركين في شيء واحد فلا يخدم بعضنا بعضاً، وكذلك كانوا أول من اتخذ الخدم والعبيد. و " الطعام " : اسم لكل ما يطعم من مأكول ومشروب، ومنه : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ  \[ البقرة : ٢٤٩ \]، وقد يختص ببعض المأكولات كاختصاصه بالبُرّ والتَّمْرِ في حديث الصَّدقة، أو صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير. والطَّعم بفتح الطاء المصدر أو ما يشتهى من الطعام أو ما يؤديه الذوق، تقول : طَعْمُهُ حُلْو وطَعْمُهُ مُرّ، وبضمها الشيء المطعوم كالأُكْلِ والأَكْل ؛ قال أبو خِرَاشٍ :\[ الطويل \]
٥٢٧- أَرُدُّ شُجَاعَ البَطْنِ لَوْ تَعْلَمِينَهُ \*\*\* وأُوثِرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بالطُّعْمِ
وأَغْتَبِقُ المَاءَ القَرَاحَ فَأَنْتَهِي \*\*\* إذَا الزَّادُ أَمْسَى للْمُزَلَّجِ ذَا طَعْمِ
أراد بالأول المطعوم، وبالثاني ما يُشْتَهَى منه، وقد يعبَّر به عن الإعطاء ؛ قال عليه السلام :" إِذا اسْتَطْعَمَكُمُ الإمام فَأَطْعِمُوُه[(١)](#foonote-١) " أي : إذا استفتح، فافتحوا عليه، وفلان ما يَطْعَمُ النومَ إلاَّ قائماً ؛ قال :\[ المتقارب \]
٥٢٨- نَعَاماً بِوَجْرَةَ صُفْرَ الْخُدُو \*\*\* دِ مَا تَطْعَمُ النَّوْمَ إِلاَّ صيَامَا
قوله :" فادع " اللّغة الفصيحة " ادْعُ ". 
بضم العين من " دَعَا يدعو ". 
ولغة بني عامر " فَادْعِ " بكسر العين قال أبو البقاء :" لالتقاء السَّاكنَيْنِ ؛ يُجْرُونَ المعتلَّ مُجْرَى الصَّحيح، ولا يراعون المحذُوفَ " يعني أن العَيْنَ ساكنةٌ، لأجل الأمر، والدَّالُ قبلها ساكنةٌ، فكسرت العين، وفيه نظرٌ، لأن القاعدة في هذا ونحوه أن يُكْسَر الأوَّل من الساكنين، لا الثاني، فيجوزُ أنْ يكُون من لُغتِهِمْ " دَعَا يَدْعِي، " مثل " رَمَى يَرْمِي "، والدُّعَاء هنا السُّؤال، ويكون هنا بمعنَى التَّسْمية ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٥٢٩- دَعَتْنِي أَخَاها أُمُّ عَمْرٍو \*\*\*. . . 
وقد تقدم، و " لنا " متعلّق به، واللام للعلة. 
قوله :" يُخْرِجْ " مجزوم في جواب الأمر. 
وقال بعضهم : مجزوم بلام الأمر مقدرة، أي " ليخرج "، وضعفه الزجاج وسيأتي الكلام على حذف لام الأمر إن شاء الله تعالى. 
والقراءة المشهورة " يُخْرِجْ " بضم " الياء " وكسر " الراء "، و " تُنْبِت " بضم " التاء " وكسر " الباء " وقرأ زيد بن علي " يَخْرُج " بفتح " الياء " وضم " الراء " و " تَنْبُت " بفتح " التاء " وضم " الباء ". 
قوله : مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ  مفعول " يخرج " محذوف عن سيبويه تقديره : مأكولاً مما، أو شيئاً ممّا تنبت الأرض. والجار يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله، ويكون " مِنْ " لابتداء الغاية، وأن تكون صفةً لذلك المفعول المحذوف، فيتعلّق بمضمر، أي : مأكولاً كائناً مما تنبته الأرض. 
و " مِنْ " للتبعيض، ومذهب الأخفش : أن " من " زائدة في المفعول، والتقدير : يخرج ما تُنْبِتُهُ الأرض ؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً. 
قال النَّحاس : وإنما دعى الحسن إلى زيادتها ؛ لأنه لم يجد مفعولاً ل " يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولاً و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف، أي : من الذي تُنْبته، أو من شيء تُنْبته، ولا يجوز جعلها مصدريّة ؛ لأن المفعول المحذوف لا يُوصَف بالإنبات ؛ لأن الإنبات مصدر، \[ والمُخْرج \] جوهر، وكذلك على مذهب الأخفش ؛ لأن المخرج جوهر لا إنبات. 
قوله :" مِنْ بَقْلِهَا " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون بدلاً من " ما " بإعادة العامل، و " من " معناها : بيان الجِنْس. 
والثاني : أن يكون في محلّ نصب على الحال من الضمير المحذوف العائد على " ما " أي : مما تُنْبته الأرض في حال كونه من بقلها، و " من " أيضاً للبيان. 
و " البَقْل " : كل ما تنبته الأرض من النَّجم، أي : ما لا سَاقَ له، وجمعه " بُقُول ". 
و " القِثَّاء " معروف، الواحدة : قِثَّاءة، فهو من باب قَمْح وقَمْحة، وفيها لغتان : المشهورة كسر القاف، وهي قراءة العامة، وقرأ يحيى بن وَثّاب، وطلحة بن مصرّف، والأشهب العُقَيْلِيُّ بضم القاف وهي لغة " تميم ". 
و " القِثَّاء " مُفْرَدُهُ وَجَمْعُهُ ممدود، تقول :" قِثَّاء " و " قِثَّاءة " وَ " دِبَّاءَ " وَ " دِبَّاءة "، وَ " دَاء " وَ " دَوَاء " والهمزة أصلٌ بنفسها في قولهم :" أَقْثَأَتِ الأرض "، أي : كثر قِثَّاؤها. ووزنها " فِعَّال "، ويقال في جمعها :" قَثَائِي "، مثل :" عِلْبَاء " و " عَلاَبِي ". 
قال بعضهم : إلا أن " قِثَّاء " من ذوات الواو، تقول " أَقْثَأْتُ القَوْمَ "، أي : أطمعتهم ذلك، وَقَثأْتُ القِدْرَ سَكَّنْتُ غليانَهَا بالماء. 
قال الجعدي :\[ الطويل \]
٥٣٠- تَفُورُ عَلَيْنَا قِدْرُهُمْ فَنُدِيمُهَا \*\*\* وَنَقْثَؤُهَا عَنَّا إِذَا حَمْيُهَا غَلاَ
وهذا وهم فاحش ؛ لأنه لما جعلها من ذوات الواو كيف يستدلّ عليه بقولهم :" أَقْثأت القوم " بالهمز، بل كان ينبغي أن يقال :" أَقْثَيْتُ " والأصل " أَقْثوْتُ " لكن لما وقعت الواو في بناء الأربعة قلبت ياء، ك " أَغْزَيْتُ " من الغَزْوِ، ولكان ينبغي أن يقال :" قَثَوْتُ القِدْرَ " بالواو، ولقال الشاعر :\[ نَقْثُوهَا \] بالواو. 
وَ " الْمَقْثَأة " و " الْمَقْثُؤَة " - بفتح الثاء وضمها : موضع " القِثَّاء ". 
و " الفُوم " : الثُوم وروي عن علقمة وابن مسعود أنه قرأ :" وثُومها "، وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما وفي مصحف عبد الله. والفاء تبدل من الثاء كما قالوا :" جدث وجدف " و " عَاثُور وعَافُور " و " مَغَافير ومَغَاثير "، ولكنه غير قياس. 
وعن ابن عباس الفُوم : الخُبْز، تقول العرب :" فَوِّمُوا لنا : أي : اخْتَبزُوا ". 
وقال ابن عباس أيضاً وعطاء وأبو مالك : هو الحِنْطَة وهي لغة قديمة، وأنشد ابن عباس لمن سأله عن " الفُومِ " :\[ الكامل \]
٥٣١- قَدْ كُنْتَ أَحْسِبُنِي كَأَغْنَى وَاحِدٍ \*\*\* \[ نَزَلَ \] الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ
وقال ابن دُرَيْدٍ " " الفُومَةُ السُّنْبُلَةُ "، وأنْشَد :\[ الوافر \]
٥٣٢- وَقَالَ رَبيئُهُمْ لم أَتَانَا \*\*\* بِكَفِّهِ فُومَةٌ أَوُ فُومَتَانِ[(٢)](#foonote-٢)
وقال القتيبي :" هو الحبوبُ كلها ". 
قال الكلبي والنضر بن شُمَيْل والكسَائي والمؤرج : الصّحيح أنه الثُّوم، لقراءة ابن عباس، ولكونه في مُصْحِف عبد الله بن مسعود وثُومها ؛ ولأنه لو كان المراد الحِنْطة لما جاز أن يقال لهم : أَتَسْتَبِْدِلُون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؛ لأن الحِنْطة أشرف الأطعمة، ولأنَّ الثوم أوفق للعَدَس والبَصَل من الحِنْطة وأنشد المؤرج لحسان :\[ المتقارب \]
٥٣٣- وَأَنْتُمْ أُنَاسٌ لِئَامُ الأُصُولِ \*\*\* طَعَامُكُمُ الْفُومُ وَالْحَوْقَلُ[(٣)](#foonote-٣)
يعني : الثوم والبصل ؛ وأنشد النضر لأمية بن أبي الصَّلْت :\[ البسيط \]
٥٣٤- كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ ظاهِرَةً \*\*\* فِيْها الْفَرَادِيسُ وَالْفُومَانُ وَالْبَصَلُ[(٤)](#foonote-٤)
الفَرَادِيس : واحدها فِرْدِيسٌ. وَكَوْمٌ مُفَرْدَسٌ، أي : مُعَرَّش. 
وقال بعضهم :" الفُوم : الحِمَّص لغة شامِيّة ". 
قوله :" وَعَدَسِهَا " العَدَس معروف، والعَدَسَة : بَثْرَةٌ تخرج بالإنسان، وربما قَتَلَتْ وعَدَسْ زجر للبِغَال ؛ قال :\[ الطويل \]
٥٣٥- عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَليْكِ إِمَارَةٌ \*\*\* نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ[(٥)](#foonote-٥)
والعدس : شدة الوَطْء، والكَدْح أيضاً، يقال : عدسه. وعدس في الأرض ذهب فيها، وعدست إليه المَنِيّة أي : سارت ؛ قال الكميت :\[ الطويل \]
٥٣٦- أُكَلِّفُهَا هَوْلَ الظَّلاَمِ وَلَمْ أَزَلْ \*\*\* أَخَا اللَّيْلِ مَعْدُوساً إِلَيَّ وَعَادِسَا
أي : يسار إليّ بالليل. وعدس لغة في حدس، قاله الجوهري. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عليكم بالعَدَسِ فإنه مُبَارك مُقَدّس، وإنه يرقق القَلْب ويكثر الدَّمْعَة فإنه بارك فيه سبعون نبياً آخرهم عِيْسَى ابن مريم ". 
اختلف العلماء في أكل البصل والثّوم \[ والكراث \][(٦)](#foonote-٦) وما له رائحة كريهة من البُقُول. 
فذهب الجمهور إلى الإبَاحَةِ، للأحاديث الثابتة في ذلك. 
وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب صلاة الفرض في الجَمَاعة إلى المَنْعِ ؛ لأن النبي عليه الصَّلاة والسَّلام سمّاها خبيثةً. 
وقال تعالى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ  \[ الأعراف : ١٥٧ \]. 
والصحيح الأول ؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام لبعض أصحابه :" كُلْ فإنِّي أُنَاجي من لا تُنَاجي ".

### فصل في لفظ أدنى


قوله :" أَتَسْتَبْدِلُون " ؛ وفي مصحف أُبي " أَتُبَدِّلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى "، وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو الظاهر قول الزجاج أن أصله :" أَدْنَوُ " من الدنو، وهو القرب، فقلبت الواو ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدُّنُوِّ في ذلك فيه وجهان :
أحدهما : أنه أقرب لقلّة قيمته وخَسَاسته. 
والثاني : أنه أقرب لكم ؛ لأنه في الدنيا بخلاف الذي هو خير، فإنه بالصبر عليه يحصل نفعه في الآخرة. 
والثاني : قول علي بن سليمان الأَخْفَش أن أصله :" أَدْنَأُ " مَهْمُوزاً من دَنَأَ يَدْنَأُ دَنَاءَة، وهي الشيء الخَسِيْس، إلا أنه خفّف همزته ؛ كقوله :\[ الكامل \]
٥٣٧-. . . \*\*\* فَارْعَيْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ الْمَرْتَعُ[(٧)](#foonote-٧)
ويدل عليه قراءة زهير[(٨)](#foonote-٨) \[ القرقبي \][(٩)](#foonote-٩) الكسائي[(١٠)](#foonote-١٠) :" أدنأ " بالهمز. 
الثالث : أن أصله : أَدْوَن من الشيء الدّون، أي : الرَّدِيء، فقلب بأن أخرت العين إلى موضع اللام، فصار : أَدْنُوُ، فأعلّ كما تقدم. ووزنه " أفلع "، وقد تقدم معنى الاستبدال. 
و " أدنى " خبر عن " هو "، والجملة صلة وعائد، وكذلك :" هو خير " صلة وعائد أيضاً. 
### فصل في معنى الآية


ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثّاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمَنّ والسَّلوى الذي هو خير ؟ من وجوه :
الأول : أنّ البقول لا خطر لها بالنسبة إلى المَنّ والسلوى، لأنهما طعام مَنّ الله به عليهم، وأم١ - موقوف على سيدنا علي كرم الله وجهه..
٢ - ينظر جمهرة اللغة: (٣/١٦٠)، مجاز القرآن: (١/٤١)، الجامع لأحكام القرآن: (١/٢٨٩)، اللسان (فوم)، والهاء في قوله: "بكفه" غير مشبعة..
٣ - ينظر القرطبي: ١/٢٨٩..
٤ - ينظر اللسان (فوم)، القرطبي: ١/٢٨٨..
٥ - البيت ليزيد بن مفرغ ينظر ديوانه: ص ١٧٠، وخزانة الأدب: ٦/٤١، ٤٢، ٤٨، ولسان العرب (حدس)، (عدس)، والمقاصد النحوية: ١/٤٤٢، ٣/٢١٦، وتخليص الشواهد: ص ١٥٠، وتذكرة النحاة: ص ٢٠، وجمهرة اللغة: ص ٦٤٥، وأدب الكاتب: ص ٤١٧، والإنصاف: ٢/٧١٧، والدرر: ١/٢٦٩، وشرح التصريح: ١/ ١٣٩، ٣٨١، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٥٩، وشرح المفصل: ٤/ ٧٩، والشعر والشعراء: ١/٣٧١، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب: ص ٣٦٢، ٤٤٧، وأوضح المسالك: ١/١٦٢، وخزانة الأدب: ٤/ ٣٣٣، ٦/٣٨٨، وشرح الأشموني: ١/٧٤، والمحتسب: ٢/٩٤، وشرح المفصل: ٢/١٦، ٤/٢٣، وشرح شذور الذهب: ص ١٩٠، وشرح قطر الندى: ص١٠٦، ومغني اللبيب: ٢/ ٤٦٢، وهمع الهوامع: ١/٨٤، القرطبي: ١/٢٩٠.
 ينظر ديوانه: (١٨٧)، القرطبي: (١/٢٩٠)، اللسان (عدس)..
٦ - سقط في ب..
٧ - عجز بيت للفرزدق وصدره:
 راحت بمسلمة البغال عشية
 ينظر ديوانه: (٥٠٨)، أمالي ابن الشجري: (١/٨٠)، الخصائص: (٣/١٥٢)، المحتسب: ٢/ ١٧٣، الكشاف: ٤/٤٤٥، الكتاب: (٣/٥٥٤)، المقتضب: (١/٢١٣)، الحجة: (١/٣٠١)، (٢/١٦٩)، شرح المفصل: (٤/١٢٢)، (٩/١١١ ـ ١١٣) وشرح الشافية للرضي: (٣/٤٧)، الدر المصون: (١/٢٤١)..
٨ - انظر البحر المحيط: ١/٣٩٦، والمحرر الوجيز: ١/١٥٣، والدر المصون: ١/٢٤١..
٩ - سقط في ب..
١٠ - زهير القرقبي النحوي، يعرف بالكسائي، له اختيار في القراءة يروى عنه، وكان في زمن عاصم، روى عنه الحروف نعيم بن ميسرة النحوي، ينظر غاية النهاية: ١/٢٩٥ (١٣٠١)..

### الآية 2:62

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:62]

قال ابن عباس : والمراد ب " الذين آمنوا " هم الذين آمنوا قبل \[ مبعث \] محمد بعيسى عليهما الصلاة والسلام مع البراءة عن أباطيل اليهود مثل قَسّ بن سَاعِدة، وبحيرى الراهب، وحبيب النَّجَّار، وزيد بن عمرو بن نُفَيل، وَورقَة بن نَوْفَل وسلمان الفَارِسي، وأبو ذر الغفاري، وخَطَر بن مَالِك، ووَفْد النجاشي، فكأنه قال : إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد، والذين كانوا على الأديان الباطلة كلّ من آمن منهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بالله واليوم الآخر ومحمد، فلهم أجرهم. 
وقال سفيان الثوري : المراد من قوله :" الذين آمنوا " هم المنافقون ؛ لأنهم يؤمنون باللِّسَان دون القَلْبِ، ثم اليهود والنصارى والصَّابئون، فكأنه قال : هؤلاء المُبطلون كل من آمن منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم أجرهم. 
وقال المتكلمون : المراد أنَّ الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله :" من آمَنَ بالله " يقتضي المستقبل، فكأنه قال : إن الذين آمنوا في الماضي، وثبتوا عليه في المستقبل. 
**و " هَادُوا " في ألفه قولان :**
أحدهما : أنه من واو، والأصل " هَادَ يَهُود " أي : تاب ؛ قال الشاعر \[ السريع \]
٥٤٩-. . . \*\*\* إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ
أي : تائب، ومنه سمي اليَهُود، لأنهم تابوا عن عبادة العِجْلِ، وقالوا :
 إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ  \[ الأعراف : ١٥٦ \] أي : تُبْنَا ورجعنا. 
\[ قاله \] ابن عباس. 
وقيل : هو من التهويد، وهو النطق في سكون ووَقَارٍ ؛ وأنشدوا :\[ الطويل \]
٥٥٠- وَخُودٌ مِنَ اللاَّئِي تَسَمَّعْنَ بِالضُّحَى \*\*\* قَرِيضَ الرُّدَافَى بِالغِنَاءِ المُهَوِّدِ
وقيل : من " الهَوَادَة "، وهي الخضوع. 
الثاني : أنها من ياء، والأصل :" هَادَ يَهِيد "، أي : تَحَرَّك، ومنه سمي اليهود ؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء. 
وقيل : سموا يهوداً نسبة ليَهُوذَا بالذال المعجمة وهو ابن يَعْقُوب عليه الصلاة والسلام، فغيَّرته العرب بالدّال المهملة، جرياً على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يَهُودِيّ، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يَهُود. 
وكل جمع منسوب إلى جنس، فهو بإسقاط ياء النسب ؛ كقولهم في " زِنْجِيّ " : زَنْجٌ، وفي " رُومِيّ " : رُوم أيضاً. وهيادا : إذا دخل في اليهودية، وتهوَّد إذا \[ نسبه إليهم \] وهوّد إذا دعا إلى اليهودية. 
والنَّصَارى جمع واحده " نَصْرَان "، و " نَصْرَانة " ك :" نَدْمَان ونَدمانة ونَدَامَى "، قاله سيبويه ؛ وأنشد :\[ الطويل \]
٥٥١- فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا \*\*\* كَمَا أَسْجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ
وقال عليه الصلاة والسلام :" فأبواه يُهَوِّدَانِهِ[(١)](#foonote-١) ". 
وقرأ أبو السمال ومجاهد :" هادَوْا " بفتح الدال، وإسكان الواو كأنها من المفاعلة، والأصل : هادَيُوا فأعلّ كنظائره. 
وقيل : سُمُّوا يهوداً لميلهم عن دين الإسلام، وعن دين موسى، فعلى هذا إنما سموا يهوداً بعد أنبيائهم. 
وقال ابن الأعرابي : يقال : هَادَ : إذا رجع من خير إلى شَرّ، ومن شَرّ إلى خير، وسمي اليهود بذلك لتخليطهم، وكثرة انتقالهم من مذاهبهم، نقله النووي في " التهذيب " عن الوَاحِدِيّ. 
وأنشد الطبري على " نَصْران " \[ قول الشاعر \] :\[ الطويل \]
٥٥٢- يَظَلُّ إِذَا دَارَ العِشَا مُتَحَنِّفاً \*\*\* وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ
قال سيبويه : إلا أنه لم يستعمل في الكلام إلا بياء النَّسَب. 
وقال الخليل :" واحد النصارى نَصْرِيّ، كمَهْرِيٍّ ومَهَارَى ". 
وقال الزمخشريُّ : الياء في " نَصْرانِيّ " للمبالغة كالتي في " أًحْمَرِيّ " و " نَصَارَى " نكرةٌ، ولذلك دخلت عليه أل، ووصف بالنكرة في قول الشاعر :\[ البسيط \]
٥٥٣- صَدَّتْ كَمَا صَدَّ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُ \*\*\* سَاقِي نَصَارَى قُبَيْلَ الفِصْحِ صُوَّامِ
وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها، وقياسه النَّصَارنيون. وسموا بذلك نسبة إلى قرية يقال لها :" نَاصِرة " كان ينزلها عيسى عليه الصلاة والسلام، قاله ابن عباس، وقَتَادة، وابن جُرَيْج. فنسب عيسى إليها، فقيل : عيسى الناصري، فلما نسب أصحابه إليه قيل : النَّصَارَى. 
قال الجوهري : و " نَصْران " قرية ب " الشَّام " ينسب إليها النصارَى. أو لأنهم كانوا يتناصرون ؛ قال الشاعر :\[ الرجز \]
٥٥٤ - لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا \*\*\* شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتي الإِزَارَا
كُنْتُ لَهُمْ من النَّصَارَى جَارَا \*\*\*. . . 
وقيل : لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال للحواريين : مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ  \[ آل عمران : ٥٢ \]. 
و " الصَّابئين " الجمهور على همزه، وقرأه نافع وشيبة والزهري بياء ساكنة غير مهموزة، وعن أبي جعفر بياءين خَالِصَتَيْنِ بدل الهمزة، فمن همزه جعله من صَبَأَ نابُ البعير أي : خرج، وصبأت النجوم : طلعت. 
وقال أبو علي : صَبَأْتُ على القوم إذا طَرَأْتُ عليهم. فالصَّابئ : التَّارك لدينه، كالصَّابئ الطارئ على القوم، فإنه تارك لأرضه، ومنتقل عنها. 
**ومن لم يهمز فإنه يحتمل وجهين :**
أحدهما : أن يكون مأخوذاً من المهموز فَأَبْدَلَ من الهمزة حرف علّة إما ياء أو واواً، فصار من باب المنقوص مثل :" قاضٍ أو غازٍ "، والأصل : صاب، ثم جمع كما يجمع القاضي أو الغازي، إلا أن سيبويه لا يرى قلب هذه الهمزة إلاَّ في الشعر، والأخفش وأبو زيد يريان ذلك مطلقاً. 
الثَّاني : أنه من باب " صَبَا. . يَصْبُو " إذا مال، ولذلك كانت العرب يسمون النبي صلى الله عليه وسلم صابئاً ؛ لأنه أظهر ديناً خلاف أديانهم، فالصَّابي كالغازي أصله :" صَابِوُا " فأعلّ كإعلال غازٍ، وأسند أبو عبيد إلى ابن عباس :" ما الصَّابون إنا هي الصابئون، والخَاطُون إنما هي الخاطئون ". فقد اجتمع في قراءة نافع همز " النبيين "، وترك همز " الصابئين ". \[ وقد عُلم أنّ العكس فيهما أفصح \].

### فصل في تفسير الصابئين


\[ وللمفسرين في تفسير " الصَّابئين " أقوال \] :
فقال مُجَاهد والحسن : هم طائفة بين اليَهُود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم. 
وقال السّدي : هم فرقة من أهل الكتاب \[ وقاله إسحاق بن راهويه. قال ابن المنذر \] :
وقال إسْحَاق : لا بأس بذبائح الصابئين ؛ لأنهم طائفة من أهل الكتاب. 
وقال أبو حنيفة : لا بأس بذبائحهم، ومناكحة نسائهم. 
وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النَّصَارى، إلاَّ أن قبلتهم نحو مهبّ الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه الصَّلاة والسَّلام. \[ نقله \] القرطبي. 
وقال قَتَادَةُ : قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات. 
وقال أيضاً : الأديان خمسة أربعة للشَّيطان، وواحد للرحمن، وهم : الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمَجُوس يعبدون النَّار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنَّصَارى، وقال : هم قبيلة نحو " الشام " بين اليهود والنَّصَارى، والمجوس لا دين لهم، وكان مجاهد لا يراهم من أهل الكِتَابِ، وهو منقول عن أبي حنيفة. 
وقال قتادة ومُقَاتل : هم قوم يقرون بالله عز وجل، ويعبدون الملائكة، ويقرون بالزَّبُور، ويصلون إلى الكعبة أخذوا من كلّ دين شيئاً. 
وقال \[ الكلبي \] :" هم قوم بين اليهود والنَّصارى يحلقون أوساط رؤوسهم، ويجبُّون مذاكيرهم ". وقال عبد العزيز بن يحيى : درجوا وانقرضوا. 
وقيل : هم الكلدانيون الذين جاءهم إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام رادًّا عليهم ومبطلاً لقولهم، وكانوا يعبدون الكواكب. 
قال ابن الخطيب : وهو الأقرب، ثم لهم قولان :
أحدهما : أنَّ الله خلق هذا العالم، وأمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قِبْلَةَ الصلاة، والدعاء والتعظيم. 
والثاني : أن الله سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب، وجعل الكواكب مدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر، والصحة والمرض، فيجب على البشر تعظيمها ؛ لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم. 
قوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً  آمن : صدق. و " من " في قوله :" مَنْ آمَنَ " في موضع نصب بدل من " الَّذِينَ آمَنُوا ". والفاء في قوله :" فَلَهُمْ " داخلة بسبب الإبهام الذي في " مَنْ ". 
وقيل : في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، و " آمن " في موضع جزم بالشرط، و " الفاء " جواب و " لَهُمْ أَجْرُهُمْ " خبر " من " والجملة كلها خبر " إن "، والعائد على " الذين " محذوف تقديره : من آمن منهم بالله، وحمل الضمير على لفظ " مَنْ " فأفرد، وعلى المعنى في قوله : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ  فجمع ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٥٥٥ أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إنْ عَرَضْتُمَا \*\*\* وقُولاَ لَهَا : عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا
وقال الفرزدق :\[ الطويل \]
٥٥٦ - تَعَالَ فإنْ عَاهَدْتَنِي لاَ تَخْونُنِي \*\*\* نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ
\[ فراعى المعنى \] وقد تقدم تحقيق ذلك \[ عند \] قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا  \[ البقرة : ٨ \] والأجر في الأصل مصدر يقال : أجره الله يَأْجُرُه أَجْراً، وقد يعبر به عن نفس الشيء المُجَازَى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين. 
والمراد بهذه العِنْدِيَّةِ أن أجرهم متيقّن جارٍ مجرى الحاصل عندهم. 
قوله : وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  فقيل : أراد زوال الخوف \[ عنهم \] في الدنيا. 
وقيل : الآخرة وهو أصح ؛ لأنه عامّ في النفي، وكذا قوله :" وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ "، وهذه لا تحصل في الدنيا ؛ لأنّ المكلف في الدنيا لا ينفك من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا، أو في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعَدَهُمْ في الآخرة بالأجر، ثم بين صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً من الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً ؛ لأنهم لو جوّزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الخوف العظيم. 
فإن قيل : فما الحكمة في قوله تعالى هاهنا :" الصَّابِئين " منصوبة، وفي " المائدة " : وَالصَّابِئُونَ  \[ المائدة : ٦٩ \] مرفوعة. وقال في الحج : وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ  \[ الحج : ١٧ \] فقدم " الصَّابئين " على " النصارى " في آية، وأخَّر " الصَّائبين " في الأخرى، فهل في ذلك حكمة ظاهرة. 
قال ابن الخَطِيب : إن أدركنا تلك الحكم فقد فُزْنَا بالكمال، وإن عجزنا أحلنا القصور على أفهامنا لا على كلام الحكيم. 
١ - أخرجه البخاري في الصحيح (٢/٢٠٨) كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين حديث رقم (١٣٨٥). 
 وأبو داود في السنن حديث رقم (٤٧١٤)، (٤٧١٦).
 وأحمد في المسند (٢/٣٣، ٢٧٥، ٢٨٢، ٣٩٣، ٤١٠، ٤٨١)، (٣/٣٥٣)- ومالك في الموطأ (١٩٢) كتاب الجنائز والحميدي في مسنده (١١١٣)- وأبو نعيم في الحلية (٩/٢٨٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/١٥٥، ٦/٢٩٨..

### الآية 2:63

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:63]

هذا هو الإنعام العاشر. 
والميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة. 
واختلفوا في ذلك الميثاق. 
قال الأصَمّ :\[ ما وعده الله القوم \] من الدَّلائل الدَّالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعُهُود ؛ لأنها لا تحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه ألبتة. وقال أبو مسلم : هو ما روى عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه الصَّلاة والسَّلام لما رجع إلى قومه بالألواح، قال لهم :" إن فيها كتاب الله تعالى " فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جَهْرَةً فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصَّاعقة، فَمَاتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، ثم قال لهم بعد ذلك : خذوا كتاب الله، فأبوا فرفع الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، \[ فأخذوه \] فرفع الطور هو الميثاق ؛ لأنه آية \[ باهرة \] عجيبةُ تبْهِرُ العقول، وتردّ المكذبَ إلى التصديق، والشَّاكَّ إلى اليقين، وأكدوا ذلك، وعرفوا أنه من قبله تعالى وأظهروا التوبة، وأعطوا العهد والميثاق ألاَّ يعودوا إلى ما كان منهم، وأن يقوموا بالتوراة، فكان هذا عهداً موثقاً. وروي عن عبد الله بن عباس : أن لله مِيثَاقَيْنِ. 
الأول : حين أخرجهم من صلب آدم، وأشهدهم على أنفسهم. 
والثاني : أنه ألزم النَّاس متابعة الأنبياء، وهو المراد من هذا العَهْدِ. 
قال ابن الخَطِيبِ :" وهذا ضعيف ". 
فإن قيل : لم قال :" ميثاقكم " ولم يقل :" مواثيقكم " ؟
**قال القَفَّال : لوجهين :**
أحدهما : أراد به الدلالة على أنّ كلّ واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال :
 يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  \[ غافر : ٦٧ \] أي : كل واحد منهم أخذ عليه ما أخذ على غيره، فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً. 
والثاني : أنه لو قال : مواثيقكم لأبهم أن يكون هُنَاك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد. 
قوله : وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ  نظيره : وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ  \[ الأعراف : ١٧١ \]. و " الواو " في قوله : وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ  واو عطف على تفسير ابن عباس، والمعنى : أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قَبُول الكتاب رفعنا عليهم الجبل. 
وعلى تفسير أبي مسلم ليست واو عطف ولكنها واو الحال، كما يقال :" فعلت ذلك والزمان زمان " فكأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطُّور فوقكم. 
وفوقكم ظرف مكان ناصبه " رفعنا "، وحكم " فوق " مثل حكم " تحت "، وقد تقدم الكلام عليه. 
قال أبو البقاء : ويَضْعُفُ أن يكون حالاً من " الطور " ؛ لأن التقدير يصير : ورفعنا الطور عالياً، وقد استفيد من " رفعنا ". وفي هذا نظر ؛ لأن المراد به علو خاص، وهو كونه عالياً عليهم لا مُطْلَقَ العلو حتى يصير : رفعناه عالياً كما قدره. قال :" لأن الجبل لم يكن فوقهم وقت الرفع، وإنما صار فوقهم بالرفع ". 
ولقائل أن يقول : لم لا تكون حالاً مقدرة، وقد قال هو في قوله : بِقُوَّةٍ  إنها حال مقدرة كما سيأتي. 
و " الطور " اسم \[ لكلّ \] جبل، وقيل :\[ لما \] أَنْبَتَ منها خاصة دون ما لم ينبت، وهل هو عربي أو سُرْيَانيّ قولان. 
وقيل : سمي بطور بن إسماعيل عليه الصلاة والسلام ؛ وقال العَجَّاج :\[ الرجز \]

٥٥٧ دَانَى جَنَاحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرّ  تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْوقال الخليل : الطُّور اسم جبل معلوم ؛ لأن التعريف تقتضي حمله على جبل معهود مسمى بهذا الاسم، وهو جبل المُنَاجاة. وقد يجوز أن ينقله الله إلى حيث هم، فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم. 
وقال ابن عباس : أمر الله جبلاً من جبال " فلسطين[(١)](#foonote-١) "، فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظُّلة، وبعث ناراً من قبل وجوههم، وأتاهم البحر الملح من خلفهم، وقيل لهم : خذوا ما آتيناكم، أي : اقبلوا ما أعطيناكم وإلاَّ رضختكم بهذا الجبل، وغرقتكم في هذا البحر، وأحرقتكم بهذه النار فلما رأوا أن لا مهرب منه قبلوا ذلك، وسجدوا خوفاً، وجعلوا يلاحظون الجبل، وهم سجود، فصارتْ سُنّة في اليهود لا يسجدون إلاَّ على أنصاف وجوههم. 
قوله :" خذوا " في محل نصب بقول مضمر، أي : وقلنا لهم : خذوا، وهذا القول مضمر يجوز أن يكون في محل نصب على الحال من فاعل " رفعنا " والتقدير : ورفعنا الطور قائلين لكم خذوا. وقد تقدّم أن خذ محذوف الفاء أن الأصل : اؤخذ، عند قوله : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً  \[ البقرة : ٣٥ \]. 
قوله : مَا آتَيْنَاكُم  مفعول " خذوا "، و " ما " موصولة بمعنى الذي لا نكرة موصوفة، والعائد محذوف أي : ما آتيناكموه. 
قوله :" بقوة " في محل نَصْبٍ على الحال، وفي صاحبها قولان :
أحدهما : أنه فاعل " خذوا " وتكون حالاً مقدرة، والمعنى : خذوا الذي آتيناكموه حال كونكم عازمين على الجدّ في العمل به. 
والثاني : أنه ذلك العائد المحذوف، والتقدير : خذوا الذي آتيناكموه في حال كونه مشدداً فيه أي : في العمل به، والاجتهاد في معرفته. 
قوله :" ما فيه " الضمير يعود على " ما آتيناكم " أي : اذكروا ما في الكتاب، واحفظوه وادرسوه، ولا تغفلوا عنه، ولا يحمل على الذكر الذي هو ضدّ النسيان ؛ لأنه ليس من فعل العبد، فلا يجوز الأمر به، وفي حرف " أُبَيٍّ " " واذَّكِرُوا " بذال مشددة وكسر الكاف، وفي حرف عبد الله " وتَذَكَّروا مَا فِيهِ " \[ ومعناه \] : اتّعظوا به. 
قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  أي : لكي تتقوا فتنجوا من الهلاك في الدنيا، والعذاب في العقبى. 
١ - (فلسطين) بالكسر، ثم الفتح؛ وسكون السين، وطاء مهملة، وآخره نون: آخر كور الشام من ناحية مصر، قصبتها بيت المقدس، ومن مشهور مدنها: عسقلان، والرملة، وغزة، وأرسوف، وقيسارية، ونابلس، وأريحا، وعمان، ويافا، وبيت جبرين، وهي أول أجناد الشام، أولها من ناحية الغرب "رفح"، وآخرها "اللجون" من ناحية الغور.
 وعرضه من البلقاء إلى أريحا ثلاثة أيام، و"زغر" ديار قوم لوط، وجبال الشراة إلى "أيلة" كله مضموم إلى جند فلسطين، وأكثرها جبال؛ والسهل فيها قليل.
 وقيل: إنها الأرض التي قال الله- تعالى-: "الأرض المقدسة التي كتب الله لكم"، و"الأرض التي باركنا فيها للعالمين".
 وقيل: فلسطين أيضا قرية بالعراق. ينظر مراصد الاطلاع: ٣/١٠٤٢.
 والآن قد تمالأ الصهاينة والعملاء الخونة فسلبوها إسلامها، ويكيدون في الظلام لأخذ قدسها المبارك، مسرى النبي- صلى الله عليه وسلم- فرد الله كيدهم في نحورهم، وسلم الله الأرض والقدس لدينه وعباده المسلمين..

### الآية 2:64

> ﻿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [2:64]

قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ  التولّي تفعل من الوَلْي، وأصله : الإعراض والإدبار عن الشَّيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأوامر والمعتقدات اتساعاً ومجازاً وذلك إشارة إلى ما تقدم من رفع الطُّور، وإيتاء التوراة. 
قال القَفَّال رحمه الله :" إنهم بعد قبول التوراة، ورفع الطور تولّوا عن التَّوْراة بأمور كثيرة، فحرّفوا التوراة وتركوا العمل بها، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بها وعصوا أمرهم ولعلّ فيها ما اختصّ به بعضهم دون البعض، ومنها ما عمله أوائلهم، ومنها ما فعله متأخروهم، ولم يزالوا في التِّيهِ مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى، ويعرضون عنه، ويلقونه بكلّ أذى، ويجاهرون بالمعاصي حتى لقد خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، وعوقبوا بالطاعون، وكلّ هذا مذكور في تراجم التوراة، ثم فعل متأخروهم ما لا خَفَاءَ به من تخريب " بيت المقدس "، وكفروا بالمسيح وهمّوا بقتله. والقرآن وإن لم يكن فيه بَيَانُ ما تولوا به عن التوراة، فالجملة معروفة من إخبار الله تعالى عن عِنَادِ أسلافهم، فلا عَجَبَ في إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصَّلاة والسَّلام من الكتاب والنبوة ". 
قوله : فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ  " لولا " هذه حرف امتناع لوجود، والظَّاهر أنها بسيطة. وقال أبو البَقَاءِ : هي مركّبة من " لو "، و " لا "، و " لو " قبل التركيب يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و " لا " للنفي، والامتناع نفي في المعنى، وقد دخل النفي ب " لا " على أحد امتناعي " لو " والامتناع نفي في المعنى، والنَّفي إذا دخل على النَّفي صار إيجاباً، فمن \[ ثمَّ \] صار معنى " لولا " هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره وهذا تكلُّف ما لا فائدة فيه، وتكون " لولا " أيضاً حرف تحضيض فتختص بالأفعال، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. 
و " لولا " هذه تختص بالمبتدأ، ولا يجوز أن يليها الأفعال، فإن ورد ما ظَاهِرُهُ ذلك أُوِّل ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٥٥٨ وَلَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً \*\*\* لَمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالي
وتأويله أن الأصل :" ولولا أن تحسبوا " فلما حذفت أن ارتفع الفعل ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٥٥٩- أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى \*\*\*. . . 
أي :" أَنْ أَحْضُرَ[(٢)](#foonote-٢) ". 
والمرفوع بعدها مبتدأ خلافاً للكسائي حيث رفعه بفعل مضمر، وللفراء حيث قال :" مرفوع بنفس لولا ". وخبره واجب الحذف للدلالة عليه وسد شيء مسده وهو جوابها والتقدير : ولولا فَضْل الله كائن أو حاصل، ولا يجوز أن يثبت إلا في ضرورة شعر، ولذلك لُحِّنَ المعرِّيُّ في قوله :\[ الوافر \]
٥٦٠ يُذِيبُ الرُّعْبُ مِنْهُ كُلَّ عَضْبٍ \*\*\* فَلَوْلاَ الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لسَالاَ
حيث أثبت خبرها بعدها، هكذا أطلقوا، وبعضهم فَصَّل فقال : إن كان خبر ما بعدها كوناً مطلقاً، فالحذف واجب، وعليه جاء التنزيل وأكثر الكلام، وإن كان كوناً مقيداً فلا يخلو إما أن يدلّ عليه دليل أوْ لا، فإن لم يدلَّ عليه دليل، وجب ذكره ؛ نحو قوله عليه الصَّلاة والسَّلام : لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ " [(٣)](#foonote-٣)، وقول الآخر :\[ الطويل \]
٥٦١ فَلَوْلاَ بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا \*\*\*. . . [(٤)](#foonote-٤)
وإن دلّ عليه دليل جاز الذِّكر والحذف نحو :" لولا زيد لَغُلِبْنَا " أي : شجاع، وعليه بيت المعرّي المتقدم. 
وقال أبو البَقَاءِ[(٥)](#foonote-٥) : ولزم حذف الخبر للعلم به، وطول الكَلاَم، فإن وقعت " أن " بعدها ظهر الخبر كقوله : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  \[ الصافات : ١٤٣ \] فالخبر في اللّفظ ل " أن "، وهذا الَّذِي قاله موهم، ولا تعلّق لخبر " أن " بالخبر المحذوف، ولا يغني عنه ألبتة فهو كغيره سواء، والتقدير : فلولا كونه مسبحاً حَاضِرٌ أو موجودٌ. فأي فائدة في ذكره لهذا ؟ \[ والخبر \][(٦)](#foonote-٦) يجب حذفه في صور أخرى تأتي مفصّلة إن شاء الله تعالى في مواضعها، وقد تقدم معنى الفضل عند قوله : فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  \[ البقرة : ٤٧ \]. 
قوله : لَكُنْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ  اللاَّم جواب " لولا "، واعلم أن جوابها إن كان مثبتاً، فالكثير دخول اللام كهذه الآية ونظائرها، ويقلّ حذفها ؛ قال :\[ البسيط \]
٥٦٢ لَوْلاَ الحَيَاءُ وَلَوْلاَ الدِّينُ عِبْتُكُمَا \*\*\* بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إذْ عِبْتُمَا عَوَرِي[(٧)](#foonote-٧)
وإن كان منفيًّا فلا يخلو : إما أن يكون حرف النَّفي " ما " أو غيرها، إن كان غيرها فترك اللام واجب نحو :" لولا زيد لم أقم، ولن أقوم "، لئلا يتوالى لامان، وإن كان ب " ما " فالكثير الحَذْف، ويقلّ الإتيان بها، وهكذا حكم جواب " لو " الامتناعية، وقد تقدم عند قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ  \[ البقرة : ٢٠ \]، ولا محلّ لجوابها من الإعراب. و " من الخاسرينَ " في محلّ نصب خبر " كان "، و " من " للتبعيض.

### فصل في تفسير فضل الله عليهم


**ذكر القَفَّال في تفسيره وجهين :**
الأول : لولا تفضل الله عليكم من إمهالكم، وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين، أي من الهالكين \[ الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم \][(٨)](#foonote-٨)، ومنه قوله تعالى : خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ  \[ الحج : ١١ \]. 
والثاني : أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ ، ثم قال : فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  رجوعاً بالكلام إلى أوله، أي : لولا لطف الله تعالى بكم برفع الجبل فوقكم لَدُمْتُمْ على ردّكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولولا ذلك لكنتم من الخاسرين ببقائكم على تلك الحالة حتى يتم. 
فإن قيل : كلمة " لولا " تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره، فهذا يقتضي أن انْتِفَاء الخسران من لوازم حُصُول فضل الله تعالى بحيث حصل الخُسْران وجب أن يحصل هناك لطف الله تعالى. 
وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية، وذلك خلاف قول المعتزلة. 
أجاب الكعبي بأنه تعالى سَوّى بين الكُلّ في الفضل، لكن بعضهم انتفع دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم لولا أن أباك \[ فضّلك \] لكنت فقيراً، هذا ضعيف ؛ لأن أهل اللّغة نصوا على أن " لولا " تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، وإذا ثبت هذا فكلام الكَعْبِي ساقط.

### الآية 2:65

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [2:65]

لما عدّد وجوه إنعامه عليهم شرح \[ إليهم \][(١)](#foonote-١) ما وجه إليهم من التشديدات. 
و " اللام " في \[ لقد \] جواب قسم محذوف تقديره : واللَّهِ لَقَد، وكذلك نظائرها. 
قال بعض المتأخرين لها نحو أربعين معنى قال : وجميع أقسام " اللام " التي هي حرف معنى يرجع عند التَّحقيق إلى قسمين : عاملة، وغير عاملة. 
فالعاملة قسمان : جارّة، وجازمة، وزاد الكوفيون النَّاصبة للفعل. 
وغير العاملة خمسة أقسام : لام ابتداء، ولام فارقة، ولام الجواب، ولام موطّئة، ولام التعريف عند من جعل حرف التعريف أحادياً. 
أما الجارة فلها ثلاثون قسماً مذكورة في كتب النحو. 
وأمّا الجازمة فلام الأمر، والدعاء والالْتِمَاس. وحركة هذه اللام الكسر. 
ونقل ابن مالك عن الفرّاء أن فتحها لغة، ويجوز إسكانها بعد الواو والفاء، وهو الأكثر. 
**وفي حذف لام الطلب وإبقاء عملها أقوال :**
وأما اللام \[ هنا فهي لام " كي " \][(٢)](#foonote-٢) عند الكوفيين، وعند البصريين لام جَرّ. 
ولام الجحود نحو : ما كان زيد لِيَذْهَبَ، ولام الصَّيرورة، وتسمى لام التَّعَاقُب، ولام المآل[(٣)](#foonote-٣) واللام الزائدة كقوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  \[ النساء : ٢٦ \] واللام بمعنى الفاء كقوله : رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ  \[ يونس : ٨٨ \] أي : فيضلوا. والكلام على هذه اللاَّمات ليس هذا موضعه، وإنما نبّهنا عليه، فيطلب من مكانه. 
و " قد " حرف تحقيق وتوقّع، وتفيد في المضارع التقليلَ إلاّ في أفعالِ الله تعالى فإنها للتحقيق، وقد تخرج المضارع إلى المُضِيِّ كقوله :\[ البسيط \]
٥٦٣ قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنَامِلُهُ \*\*\* كَأَنَّ أثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ[(٤)](#foonote-٤)
وهي أداة مختصّة بالفعل، وتدخل على الماضي والمضارع، وتحدث في الماضي التقريب من الحال. 
وفي عبارة بعضهم :" قد " حرف يصحب الأفعال، ويُقَرَّب الماضي من الحال، ويحدث تقليلاً في الاستقبال. 
والحاصل أنها تفيد مع الماضي أحد ثلاثة مَعَانٍ : التوقّع، التقريب، والتحقيق، ومع المضارع أحد أربعة معانٍ : التوقّع، والتقليل، والتكثير، والتحقيق. قال ابن مالك :" والدَّالة على التقليل تصرف المضارع "، وكذلك الدّالة على التكثير. وأما الدالة على التحقيق، فقد تصرفه إلى المُضِيِّ، ولا يلزم فيها ذلك، وهي مع الفعل كجزء منه، فلا يفصل بينهما بغير القسم ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٥٦٤ أخَالِدُ قَدْ وَاللّهِ - أَوْطَأْتَ عَشْوَةً \*\*\* وَمَا العَاشِقُ المَظْلُومُ فِينَا بِسَارِقِ[(٥)](#foonote-٥)
وإذا دخلت على الماضي، فيشترط أن يكون متصرفاً، وإذا دخلت على المضارع، فيشترط تجرّدهُ من جازم وناصب، وحرف تنفيس، وتكون اسماً بمعنى " حَسْب " ؛ نحو :" قَدْنِي دِرْهَمٌ "، أي : حَسْبِي، وتتّصل بها نون الوقاية مع ياء المتكلم غالباً، وقد جمع الشاعر بين الأمرين، قال :\[ الرجز \]
٥٦٥ قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبْيبَيْنِ قَدِي[(٦)](#foonote-٦) \*\*\*. . . 
والياء المتّصلة ب " قدني " في موضع نصب إن كان " قَدْني " اسم فعل، وفي موضع جرّ إن كانت بمعنى " حَسْب ". 
والياء في " قدي " تحتمل أن تكون بمعنى " حسبي "، ولم يأت بنون الوقاية على أحد الوجهين، وتحتمل أن تكون اسم فعل، وحذفت النون للضرورة، وتحتمل أن تكون اسم فعل، والياء للإطلاق. 
وإن كانت حرفاً جاز حذف الفعل بعدها، كقوله :\[ الكامل \]
٥٦٦ أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رَكَابَنَا \*\*\* لَمّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قِدِ[(٧)](#foonote-٧)
أي : قد زالت. 
وللقسم وجوابه أحكام تأتي إن شاء الله تعالى \[ مفصلة \][(٨)](#foonote-٨). 
و " عَلِمْتُم " بمعنى : عرفتم، فيتعدّى لواحد فقط. 
والفرق بين العِلْمِ والمَعْرفة أن العلم يستدعي معرفة الذات، وما هي عليه من الأحوال نحو :" علمت زَيداً قائماً أو ضاحكاً "، والمعرفة تستدعي معرفة الذَّات. 
وقيل : لأن المعرفة يسبقها جهل، والعلم قد لا يسبقه جهل، ولذلك لا يجوز إطلاق المعرفة عليه سبحانه وتعالى. 
و " الَّذِينَ اعْتَدَوا " الموصول وصِلَتُهُ في محصل نصب مفعول به، ولا حاجة إلى حذف مضاف كما قدره بعضهم، أي : أحكام الذين اعتدوا ؛ لأن المعنى عرفتم أشخاصهم وأعيانهم. 
وأصل " اعْتَدَوْا " :" اعْتَدَيُوا "، فأعلّ بالحذف، ووزنه " افْتَعَوْا "، وقد عرف تصريفه ومعناه. 
و " منكم " في محلّ نصب على الحال من الضمير في " اعتدوا "، ويجوز أن يكون من " الذين ". أي من المعتدين كائنين منكم. 
و " من " للتبعيض. 
و " في السَّبْتِ " متعلّق ب " اعتدوا "، والمعنى : في حكم السبت. 
وقال أبو البقاء : وقد قالوا :" اليوم السَّبت "، فجعلوا " اليوم " خبراً عن " السبت "، كما يقال :" اليوم القِتَال "، فعلى ما ذكرنا يكون في الكلام حذف، تقديره : في يوم السَّبْت، فالسّبت في الأصل مصدر " سَبَتَ " أي : قطع العمل. 
وقال ابن عطية : والسَّبْت : إما مأخوذ من " السُّبُوت " الذي هو الراحة والدَّعَة، وإما من " السَّبْت " وهو القَطْع ؛ لأن الأشياء فيه سبتت، وتمت خِلْقَتُهَا. 
ومنه قولهم : سبت رأسه أي : حلقه. 
وقال الزمخشري :" والسّبت مصدر \[ سبتت \] اليهود : إذا عظمت يوم السبت ". وفيه نظر، فإنّ هذا اللفظ موجود، واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليَهُود ذلك، اللّهم إلا \[ أن \][(٩)](#foonote-٩) يريد هذا السبت الخاصَّ المذكور في هذه الآية. 
والأصل فيه المصدر كما ذكرت، ثم سمي به هذا اليوم من الأسبوع، لاتفاق وقوعه فيه كما تقدم أن خلق الأشياء تَمّ وانقطع، وقد يقال : يوم السبت فيكون مصدراً. 
وإذا ذكر معه " اليوم "، أو مع ما أشبهه من أسماء الأزمنة مما يتضمّن عملاً وحدثاً جاز نصب " اليوم "، ورفعه، نحو :" اليوم الجمعة "، " اليوم العيد " كما يقال :" اليوم الاجتماع والعَوْد ". 
فإن ذكر مع " الأحد " وأخواته وجب الرفع على المشهور، وتحقيقها مذكور في \[ كتب \] النحو.

### فصل في قصة عدوانهم بالصيد


روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال : هؤلاء القوم كانوا في زمان دَاوُدَ عليه الصلاة والسلام ب " أيلة " على ساحل البحر بين " المدينة " و " الشام " وهو مكان يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السّنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سَبْت يجتمعون هناك حتى يخرجن بخراطيمهن من الماء لأمنها، فإذا مَضَى يوم السَّبت تفرقن، ولزمن قَعْرَ البحر فذلك قوله : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ  \[ الأعراف : ١٦٣ \] فعمد رجال فحفروا حِيَاضاً عند البحر، وشرعوا إليها الجَدَاول، فإذا كانت عشية يوم الجمعة فَتَحُوا تلك الجداول، فكانت الحيتان تدخل إلى الحِيَاض، فلا تطيق الخروج منها لبعد عُمْقِها، وقلّة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. 
وقيل : كانوا ينصبون الحَبَائل والشّصُوص يوم الجمعة، ويخرجونها يوم الأحد، وذلك هو اعتداؤهم، ففعلوا ذلك زماناً واشتغلوا وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العَهْدُ، ولم تنزل عقوبة قَسَتْ قلوبهم \[ وتجرءوا \][(١٠)](#foonote-١٠) على الذنب فاسْتَنّ الأبناء بِسُنَّة الآباء، واتخذوا الأموال، وقالوا : ما نرى السبت إلاّ وقد أحل لنا، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت، ونهوهم عن ذلك فلم ينتهوا، وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان، فما زادنا الله به إلا عِزًّا فقيل لهم : لا تفتروا فربما نزل بكم العَذَابُ، فانقسموا ثلاثة أصناف : صنف أَمْسَكَ وانتهى، وصنف ما أمسك ولم يَنْتَهِ، وصنف انتهكوا الحرمة فلما أبوا قَبُولَ النصح قال الناهون : والله لا ننساكم فقسموا القرية بجدار، ومكثوا على ذلك سنين، فلعنهم داود عليه الصلاة والسلام وغضب الله عز وجل عليهم لإصرارهم على المعصية، فخرج النَّاهون ذات يوم من بابهم، والمجرمون لم يفتحوا بابهم، ولم يخرج منهم أحد فلما أبطئوا تَسَوّروا عليهم الحائط، فإذا هم جميعاً قردة خاسئين. 
فإن قيل : إذا كانوا قد نهوا عن الاصْطِيَاد يوم السَّبت، فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السَّبت دون سائر الأيام ؟
فالجواب : أما على مذهب أهل السُّنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى. 
وأما على مذهب المعتزلة، فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب. 
و " قِردَةً خَاسِئِيْنَ " يجوز فيه أربعة أوجه :
أحدها : أن يكونا خبرين، قال الزَّمخشري :" أي : كونوا جامعين بين القِردَيّة والخسوء ". 
وهذا التقدير منه بناء على أن الخبر لا يتعدّد، فلذلك قدرهما بمعنى خبر واحد من باب :" هذا حُلْو حَامض " وقد تقدّم القول فيه. 
والثَاني : أن يكون " خاسئين " نعتاً ل " قردة " قاله أبو البقاء. وفيه نظر من حيث إنّ القردة غير عقلاء، وهذا جمع العقلاء. 
فإن قيل : المخاطبون عقلاء ؟ فالجواب : أنّ ذلك لا يفيد ؛ لأن التقدير عندكم حينئذ : كونوا مثل قردة من صفتهم الخُسوء، ولا تعلّق للمخاطبين بذلك، إلا أنه يمكن أن يقال : إنهم مشبَّهُون بالعقلاء كقوله : لِي سَاجِدِينَ  \[ يوسف : ٤ \] و  أَتَيْنَا طَائِعِينَ  \[ فصلت : ١١ \]. 
والثالث : أن يكون حالاً من اسم " كونوا "، والعامل فيه " كونوا "، وهذا عند من يجيز ل " كان " أن تعمل في الظروف \[ والأحوال \][(١١)](#foonote-١١) وفيه خلاف سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى عند قوله : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً  \[ يونس : ٢ \]. 
الرابع : وهو الأجود أن يكون حالاً من الضمير المُسْتكنّ في " قردة " ؛ لأنه في معنى المشتق أي : كونوا ممسوخين في هذه الحال. 
وجمع " فِعْل " على " فِعَلَة " قليل لا يَنْقَاس. 
ومادة " القرد " تدلّ على اللُّصوق والسكون، تقول : قَرَد بمكان كذا : أي : لصق به وسكن، ومنه : الصُّوف " الْقَرَد " أي : المتداخل، ومنه أيضاً :" القُرَادُ " هذا الحيوان المعروف ويقال :" خسأته فخَسَاً، فالمتعدي والقاصر سواء نحو : زاد وغاض وقيل : خسأته فخسئ وانخسأ، والمصدر " الخسوء " و " الْخَسْء ". 
وقال الكسائي :" خسأت الرجل خسأ، وخسأ هو خسوءاً "، ففرق بين المصدرين. 
والخسوء : الذّلة والصَّغار والطرد والبعد، ومنه : خسأت الكلب قال مجاهد وقتادة والربيع : وهي لغة " كنانة ". 
وقال أبو روق : يعني خرساً لقوله تعالى : اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ 
\[ المؤمنون : ١٠٨ \] والمراد من هذا الأمر سرعة التكوين لا نفس الأمر. روي عن مجاهد رضي الله عنه أن الله تعالى مسخ قلوبهم يعني : بالطَّبع والخَتْم، إلا أنه مَسَخَ صورهم لقوله : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً 
\[ الجمعة : ٥ \] وهذا مَجَاز ظاهر \[ مشهور \]. 
### فصل في المقصود من ذكر هذه القصة


**والمقصود من ذكر هذه القصّة أمران :**
الأول : إظهار معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كالخطاب لليهود الذي كانوا في زمانه، فلما أخبرهم عليه الصَّلاة والسَّلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب، ولم يخالط القوم دلّ ذلك على أنه إنما عرفه بالوحي. 
والثاني : أنه تعالى لما أخبرهم بما عاجل به أصحاب السّبت، فكأنه يقول لهم : لا تتمردوا ولا تغتروا بالإمهال، فينزل بكم ما نزل ب١ - سقط في أ..
٢ - سقط في أ..
٣ - في أ: لام المالك..
٤ - البيت لأخي يزيد بن عبد الله البجلي ينظر شرح شواهد المغني: ص ٤٨٨، تذكرة النحاة: ص ٧٦، ومغني اللبيب: ص ٢٨٤، ٣٩٣، وهمع الهوامع: ١/٢٤٨، ٥/٧٣، والجنى الداني: ص ٢٦٠، والدر: ١/٢٥١..
٥ - وهو أخو يزيد بن عبد الله البجلي. وقد لفق بعضهم بين صدر هذا البيت وعجز بيت للفرزدق. المغني ١٨٦ وشرح شواهده ٤٨٨-٤٨٩ وديوان الفرزدق ٥٦١، وقد أوطأت عشوة أي ركبت أمرا غير بين..
٦ - البيت لأبي بحدلة وقيل لحميد الأرقط. ينظر أمالي الشجري: (١/١٤)، النوادر: (٢٠٥)، شرح المفصل: (٣/٢٤)، شواهد المغني: (٤٨٧)، الإنصاف: (١٣١)، الخزانة: (٢/٤٤٩)، العيني: (١/٣٧٥)، الكتاب: (٢/٣٧١)، الأمالي الشجرية: (١/١٤)، ابن يعيش: (٣/١٢٤)، الجنى الداني: ٢٥٣، الهمع: (١/٦٢)، الأشموني: (١/١٢٥)، شرح التصريح: (١/١١٢)، ومصابيح المعاني: ص ٣٢١، الدر المصون: (١/٢٥١)..
٧ - البيت للنابغة. ينظر ديوانه: (٢٧)، شرح المفصل:(٨/٥)، الخصائص: (٢/٣٦١)، الخزانة: (٧/١٩٧)، الدرر: (١/١٢١)، الأشموني: (١/٣١)، المغني: (١/٢٧١)، التصريح: (١/٢٦)، الهمع: (١/١٤٣)، الجنى الداني: (٢٦٠)، الدر المصون: (١/٢٥١)..
٨ - سقط في ب..
٩ - في ب: أمد..
١٠ - في ب: تجروا..
١١ - سقط في ب..

### الآية 2:66

> ﻿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [2:66]

" فَجَعَلْنَاهَا " فعل وفاعل ومفعول. 
 " نَكَالاً " مفعول ثانٍ ل " جعل " التي بمعنى " صير "، والأول هو الضمير، وفيه أقوال :
أحدها : يعود على المَسْخَة. 
وقيل : على القرية، لأن الكلام يقتضيها كقوله : فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً  \[ العاديات : ٤ \] أي : بالمكان. 
وقيل : على العقوبة. 
وقيل : على الأمة. 
 " النكال " : المنع، ومنه : النّكل، والنِّكلْ : اسم للقيد من الحديد، واللِّجَام ؛ لأنه يُمنع به، وسمي العقاب نَكَالاً ؛ لأنه يُمنْع به غير المعاقب أن يفعل فِعْلَه، ويمنع المعاقب أن يعود إلى فَعله الأول. 
و " التنكيل " : إصابة الغير بالنِّكَال لِيُردَعَ غيره، ونَكَلَ عن كذا يَنْكلُ نُكُولاً : امتنع، وفي الحديث :" إنّ الله يحب الرُّجُلَ النِّكل[(١٤)](#foonote-١٤) " أي : القوي على الغرس. 
 " والْمَنْكَل " : مَا يُنكَّلُ به الإنسان، قال :\[ الرجز \]
٥٦٧ فَارْمِ عَلَى أَقْفَائِهِمْ بِمَنْكَلِ \*\*\*. . . 
والمعنى : أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء عقوبة رادعة لغيرهم. 
والضمير في " يَدَيْهَا " و " خلفها " كالضمير في " جَعَلْنَاهَا ". 
قال ابن الخطيب : لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون، لأن مَسْخَهُمْ ذكر في كتب الأولين، فاعتبروا بها، " ما يحضرها من \[ القرون \][(١٥)](#foonote-١٥) والأمم. وما خَلْفَهَا من بعدهم. 
وقال الحَسَنُ : عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعْلِ، وما بعده. 
و " مَوْعِظَةً " عطف على " نَكَالاً " وهي " مَفعِلَةٌ "، من الوَعْظ وهو التخويف. 
وقال الخليل :" التذكير بالخير فيما يرق له القلب ". 
والاسم :" العظة " ك " العِدَة " و " الزِّنَة " و " لِلْمُتَّقِينَ " متعلّق ب " موعظة "، واللام للعلّة، وخصّ المتّقين بالذِّكر وإن كانت موعظةً لجميع العالم البَرّ والفاجر ؛ لأن المنتفع بها هم المتقون دون غيرهم، ويجوز أن تكون اللام \[ مقوية \][(١٦)](#foonote-١٦) ؛ لأن " موعظة " فرع على الفعل في العمل فهو نظير  فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  \[ البروج : ١٦ \] فلا تعلّق لها لزيادتها، ويجوز أن تكون متعلّقة بمحذوف ؛ لأنها صفة ل " موعظة ". 
أي : موعظة كائنة للمتّقين، أي : يعظ المتقون بعضهم بعضاً.

### الآية 2:67

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [2:67]

في مناسبة هذه القصة لما قبلها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه تعالى لما عدد النعم المتقدمة على بني إسرائيل كإنزال المَنّ والسَّلْوَى، ورفع الطُّور، وغير ذلك ذكر بعده هذه النعم التي بها بيّن البريء من غيره وذلك من أعظم النعم. 
الثّاني : أنه تعالى لما حكى عنهم التَّشْديدات والتعنُّت كقولهم : أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً  \[ النساء : ١٥٣ \] وقولهم : لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ  \[ البقرة : ٦١ \]، وغير ذلك من التعنُّت ذكر بعده تعنتاً آخر، وهو تعنتهم في صفة البقرة. 
الثالث : ذكرها معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بهذه القصّة من غير تعلّم وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. 
هذه الآية متأخرة في المعنى دون التلاوة عن قوله : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً  \[ البقرة : ٧٢ \] وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. 
والجمهور على ضم الرَّاء في " يَأْمُرُكم " ؛ لأنه مضارع معرب مُجَرّد عن ناصب وجازم، وروي عن[(١)](#foonote-١) أبي عمرو سكونها سكوناً محضاً، واختلاس الحركة، وذلك لتوالي الحركات، لأن الراء حرف تكرير، فكأنها حرفان، وحركتها حركتان. 
وقيل : شبَّهها ب " عَضْد " فَسُكِّن أوسطه إجراء للمنفصل مجرى المتصل، وهذا كما تقدم في قراءة  بَارِئِكُمْ  \[ البقرة : ٥٤ \] وقد تقدم ذكر من استضعفها من النُّحَاة، وتقدّم ذكر الأجوبة عنه. 
ويجوز إبدال همزة " يَأمُرُكمْ " ألفاً، وهذا مطرد. 
و " يأمركم " هذه الجُمْلة في محلّ رفع خبر ل " إن "، و " إن " وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولاً بالقول، والقول وما في حيّزه في محلّ جرّ بإضافة الظرف إليه، والظرف معمول لفعل محذوف أي : اذكر. 
قوله : أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً  أن وما حيّزها مفعول ثانٍ ل " يأمركم "، فموضعها يجوز أن يكون نصباً، وأن يكون جرًّا على ما مضى من الخلاف، لأن الأصل على إسقاط حرف الجر أي بأن تَذْبَحُوا، ويجوز أن يوافق الخليل هنا على أن موضعها نصب ؛ لأن هذا الفعل يجوز حذف الباء معه، ولو لم تكن الباء في " أن " نحو :" أمرتك الخير ". 
و " البقرة " واحدة البقر، تقع على الذّكر والأنثى نحو :" حَمَامة "، والصِّفة تميز الذّكر من الأنثى، تقول : بقرة ذكر، وبقرة أنثى. 
وقيل : بقرة اسم للأنثى خاصّة من هذا الجنس مقابل الثور، نحو : نَاقَة وجَمَل، وأَتَان وحِمَار. 
وسمي هذا الجنس بذلك، لأنه يَبْقُر الأرض، أي : يشقّها بالحرث، ومنه : بَقَرَ بطنه، والباقر أبو جعفر[(٢)](#foonote-٢)، لشقِّه العلم، والجمع " بَقَر وَبَاقِر وَبَيْقُور وَبَقِير ". 
و " البَقِيرة " : ثوب يشقّ فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّين.

### فصل في قصة القتيل


روي عن ابن عباس وسائر المفسرين : أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له ليرثه، وقيل : لينكح زوجته، وقيل : إن ابن أخيه قتله ليتزوج ابنته، وكان امتنع من تزويجها له، فقتله ثم رماه في مجمع الطريق، ثم شكا ذلك إلى موسى عليه الصلاة والسلام فاجتهد موسى في أن يعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا : قل لربك " بَيِّنْه " فأوحى الله إليه أن يأمرهم بأن يذبحوا بقرة \[ فعجبوا \][(٣)](#foonote-٣) من ذلك، ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعينت لم يجدوها بذلك النَّعت إِلاَّ عند إنسان معيّن ولم يبعها إلاَّ بأضعاف ثمنها فاشتروها وذبحوها، وأمرهم موسى عليه الصَّلاة والسَّلام أن يأخذوا عُضْواً منها، فيضربوا به القتيل، ففعلوا فأحيا الله القتيل، وسمى لهم قاتلهم، وهو الذي ابتدأ بالشّكاية فقتلوه \[ فوراً \][(٤)](#foonote-٤). 
قوله :" أَتتَّخِذُنَا هُزواً " المفعول الثاني ل " أتتخذنا " هو " هُزواً "، وفي وقوع " هزواً " مفعولاً ثانياً ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه على حَذْف مضاف، أي : ذوي هزء. 
الثاني : أنه مصدر واقع موقع المفعول به، أي مهزوءاً بنا. 
الثالث : أنهم جعلوا نفس الهزء مُبَالغة. وهذا أولى. 
وقال الزمخشري[(٥)](#foonote-٥) : وبدأ ب " أَتَجْعَلُنَا " مكان هُزْءٍ، وهو قريب من هذا. وفي " هزواً " ستّ قراءات[(٦)](#foonote-٦)، المشهور منها ثلاث :" هُزُؤًا " بضمتين مع الهمز، و " هُزْءًا " بسكون الزَّاي مع الهمز وصلاً، وهي قراءة حمزة رحمه الله، فإذا وقف أبدلها واواً، وليس قياس تخفيفها، وإنما قياسه إلقاء حركتها على الساكن قبلها. 
وإنما اتبع رسْمَ المصحف، فإنها رسمت فيه " واو "، ولذلك لم يُبْدِلها في " جزءاً " واواً وقفاً لأنها لم تُرْسَم فيه واواً كما سيأتي، وقراءته أصلها الضم كقراءة الجماعة إلاّ أنه خُفِّفَ كقولهم في عنق : عُنْق. 
وقيل : بل هي أصل بنفسها ليست مخففةً من ضم. 
حكى مكّي عن الأخفش عن عيس بن عمر :" كل اسم ثلاثي أوله مضموم يجوز فيه لغتان : التخفيف والتثقيل ". 
و " هُزُواً " بضمتين مع الواو وصلاً ووقفاً، وهي قراءة حفص عن عاصم، كأنه أبدل الهمزة واواً تخفيفاً، وهو قياس مطرد في كل همزة مفتوحة مضموم ما قبلها نحو : جُوَن في جُؤَن، وحكم \[ كُفْواً \][(٧)](#foonote-٧) في قوله :
 وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ  \[ الإخلاص : ٤ \] حكم " هزواً " في جميع ما تقدم قراءةً وتوجيهاً. 
و " هْزاً " بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها، وهو أيضاً قياس مطرد. 
و " هُزْواً " بسكون العين مع الواو. و " هُزًّا " بتشديد الزاي من غير همزة، ويروى عن أبي جعفر \[ وتقدم معنى " الهزء " في أول سورة \][(٨)](#foonote-٨). 
وقال الثعلبي في تفسيره : قرئ :" هُزُؤًّا " و " كُفُؤًّا " مثقلات ومهموزات، وهي قراءة أبي عمرو وأهل " الشام " و " الحجاز " واختار الكسائي، وأبو عبيد، وأبو حاتم " هُزُوًّا " و " كُفُوًّا " مثقلات بغير همز قال : وكلّها لغات صحيحة فصيحة معناها : الاستهزاء. 
### فصل في الباعث على تعجبهم


القوم إنما قالوا ذلك ؛ لأنهم لما طلبوا من موسى عليه الصلاة والسَّلام تعيين القاتل، فقال موسى عليه الصّلاة والسلام : اذبحوا بقرة فلم يفرقوا، وبين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه الصَّلاَة والسَّلاَم يُدَاعبهم ؛ لأنه من المحتمل أن يكون عليه الصَّلاة والسَّلام أمرهم بذبح البقرة، ولم يعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة، وضربوا القتيل ببعضها يصير حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام بيّن لهم كيفية الحال إلاّ أنهم تعجّبوا من \[ أن \][(٩)](#foonote-٩) القتيل كيف يصير حيًّا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة، وظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء. 
نقل القرطبي عن المَاوَرْدَيّ قال :" وإنما أمروا والله أعلم بذبح بقرة دون غيرها ؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العِجْل ليُهَوِّن عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته ". 
وهذا المعنى علّة في ذبح البقرة، وليس بعلّة في جواب السَّائل، ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حَيّ، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. 
### فصل في بيان هل كفر قوم موسى بسؤالهم ذلك ؟


قال بعضهم : إن أولئك الأقوام كفروا بقولهم لموسى عليه الصلاة والسلام : أتتخذنا هزوًا، لأنهم إن قالوا لموسى ذلك لأنهم شكّوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت فهو كفر، وإن شكّوا في ذلك أن الذي أمرهم به موسى عليه الصلاة والسلام هل هو بأمر الله، فقد جَوّزوا الخيانة على موسى عليه الصَّلاة والسِّلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر، ومن الناس من \[ قال \][(١٠)](#foonote-١٠) : إنه لا يوجب الكفر لوجهين :
الأول : أن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه عليه الصَّلاة والسَّلام يداعبهم مُدَاعبة حقّه، وذلك لا يوجب الكفر. 
والثاني : أن معنى قوله :" أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً " أي : ما أعجب هذا الجواب، كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء. 
قوله :" أَعُوذُ بِاللَّهِ " تقدم إعرابه في الاستعاذة. 
وهذا جواب لاستفهامهم في المعنى، كأنه قال لا أهزأ مستعيذاً بالله من ذلك فإن الهازئ جاهل، فلم يستعذ موسى عليه الصلاة والسلام من الشَّيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذ من السَّبب الموجب له، كما يقول : أعوذ باللَّه من عدم العَقْل ؛ وغلبة الهَوَى، والحاصل أنه أطلق اسم السّبب على المسبب مجازاً. 
ويحتمل أن يكون المراد " أعوذ باللَّه أن أَكُونَ من الجَاهِلِين " بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد، والوعيد العظيم، فإني متى علمت ذلك امتنع إقْدَامي على الاستهزاء. 
وقال بعضهم : إن نفس الهزوّ قد يسمى جهلاً وجهالة، فقد روي عن بعض أهل اللُّغة أن الجَهْل ضدّ الحلم، كما قال بعضهم : إنه ضدّ العلم. 
قوله :" أَنْ أَكُونَ " أي من أن[(١١)](#foonote-١١) أكون، فيجيء فيه الخلاف المعروف. 
و " مِنَ الْجَاهِلِيْنَ " خبرها، وهو أبلغ من قولك : أن أكون جاهلاً. فإن المعنى أنْ انتظم في سلك قوم اتصفوا بالجهل. 
١ - انظر البحر المحيط: ١/٤١٤، والدر المصون: ١/٢٥٣، والقرطبي: ١/٣٠١..
٢ - محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، لأنه بقر العلم، أي شقه وعرف ظاهره وخفيه، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، ولد سنة ٥٦هـ، عرض على أبيه زين العابدين وروى عنه وعن جابر وابن عمر، سئل عن أبي بكر وعمر فقال: تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى. توفي سنة ١١٨هـ، وقيل غير ذلك.
 ينظر غاية النهاية: ٢/٢٠٢..
٣ - في ب: فتعجبوا..
٤ - في أ: قودا..
٥ - ينظر الكشاف: ١/١٤٨..
٦ - انظر الكلام عن هذه القراءات في:
 الكشف: ١/٢٤٧، والسبعة: ١٥٧، وحجة القراءات: ١٠٠، ١٠١، والشواذ: ٦، والحجة: ٢/١٠٠- ١٠٤، والعنوان: ٦٩، وشرح شعلة: ٢٦٥، وشرح الطيبة: ٤/٣٣، ٣٥، وإتحاف: ١/ ٣٩٧..
٧ - في ب: كفئا..
٨ - في أ: قراءة حفص عن عاصم..
٩ - سقط في ب..
١٠ - في ب: يقول..
١١ - في ب: بأن..

### الآية 2:68

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [2:68]

قوله :" قَالُوا : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ " ف " يبيّن " مجزوم على جواب الأمر كقوله : فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا  \[ البقرة : ٦١ \]. 
قوله :" مَا هِيَ "، " ما " استفهامية في محلّ رفع بالابتداء، تقديره : أي شيء هي ؟ وما \[ الاستفهامية \][(١٢)](#foonote-١٢) يطلب بها شرح الاسم تارة، نحو : ما العَنْقَاء ؟ وماهية المسمى أخرى، نحو : ما الحركة ؟. 
وقال السكاكي[(١٣)](#foonote-١٣) :" يسأل ب " ما " عن الجنس، تقول : ما عندك ؟ أي : أيّ أجناس الأشياء عندك ؟ وجوابه " كتاب " ونحوه، أو عن الوصف، تقول : ما زيد ؟ وجوابه :" كريم "، وهذا هو المراد في الآية. 
و " هي " ضمير مرفوع منفصل في محلّ رفع خبراً ل " ما " والجملة في محلّ نصب ب " يبيّن " ؛ لأنه معلّق عن الجملة بعده، وجاز ذلك، لأنه شبيه بأفعال القلوب. 
قوله :" لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ " لا " نافية "، و " فارض " صفة ل " بقرة ". 
واعترض ب " لا " بين الصفة والموصوف، نحو :" مررت برجل لا طويل ولا قصير ". 
وأجاز أبو البقاء : أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي : لا هي فَارِضٌ. 
وقوله :" ولا بِكْر " مثل ما تقدّم. 
وتكررت " لا " لأنها متى وقعت قبل خبر، أو نعت، أَو حال وجب تكريرها تقول :" زيد لا قائم ولا قاعد "، و " مررت به لا ضحاكاً ولا باكياً ". 
ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلافاً للمبرِّد وابن كَيْسَان ؛ فمن ذلك :\[ الطويل \]
٥٦٨ وَأَنْتَ امْرُؤٌ مِنَّا خُلِقُتَ لِغَيْرنا \*\*\* حَيَاتُكَ لاَ نَفْعٌ ومَوْتُكَ فَاجِعُ
وقوله :\[ الطويل \]
٥٦٩ قَهَرْتُ الْعِدَا لاَ مُسْتَعِيناً بِعُصْبَةٍ \*\*\* وَلَكِنْ بَأَنْواعِ الْخَدائِعِ وَالمَكْرِ
فلم يكررها في الخبر، ولا في الحال. 
و " الفارض " : المُسِنّة الهَرِمَة، قال الزمخشريُّ : كأنها سميْت بذلك ؛ لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي : قَطَعَتْهَا وبلغت آخرها ؛ قال :\[ الطويل \]
٥٧٠ لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فَارِضاً \*\*\* تُسَاقُ إِلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ
ويقال لكل ما قَدُمَ : فارض ؛ قال \[ الرجز \]
٥٧١ شَيَّبَ أَصْدَاعِيْ فَرَأْسِي أَبْيَضُ \*\*\* مَحَامِلٌ فِيهَا رِجَالٌ فُرَّضُ
أي : كبار قدماء. 
وقال آخر :\[ الرجز \]
٥٧٢ يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضِ \*\*\* لَهُ قُرُوءٌ كَقُروءِ الْحَائِضِ
وقال الرَّاغب : سميت فارضاً ؛ لأنها تقطع الأرض، والْفَرْضُ في الأصل القطع، وقيل : لأنها تحمل الأعمال الشاقة. 
وقيل : لأن فريضة البقر تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ، قال : فعلى هذا تكون الفارض اسماً إسلاميّاً. 
وقيل :" الفَارِضُ " : التي ولدت بطوناً كثيرة فيتسّع جوفها لذلك ؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، نقله القرطبي عن بعض المتأخرين. ويقال : فَرَضَتْ تَفْرِضُ بالفتح فُرُوضاً. 
وقيل : فَرُضَتْ بالضم أيضاً. 
وقال المفضَّل بن سَلَمَةَ : الفارض : المُسِنَّة. و " البِكْر " : ما لم تحمل. 
وقيل : ما ولَدَتْ بطناً واحداً، وذلك الولد بِكْرٌ أيضاً. قال : الرجز \]
٥٧٣ يَا بِكْرَ بَكْرَين وَيَا خِلْبَ الْكَبِدْ \*\*\* أَصْبَحْتَ مِنِّي كِذِرَاع مِنْ عَضُدْ
و " البِكْر " من الحيوان : من لم يطرقه فحل، و " البَكْر " - بالفتح - الْفَتِيُّ من الإِبِل، والبَكَارة بالفتح المصدر. 
وقال المفضَّل بن سلمة : البِكْر : الشابة. 
قال القفال - رحمه الله تعالى : اشتقاق البكر يدل على الأول، ومنه الباكورة لأول الثمرة، ومنه : بُكْرَة النهار، ويقال : بكرت عليه البارحة، إذا جاء في أول الليل. 
والأظهر أنها هي التي لم تلد ؛ لأن المعروف من اسم البكر من إناث بني آدم : ما لم يَنْزُ عليها الفحل. 
قوله : عَوَانٌ صفة ل " بقرة "، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف أي : هي عَوانٌ كما تقدم في  لاَّ فَارِضٌ  \[ البقرة : ٦٨ \] والعوان : النَّصَف، وهو التوسُّط بين الشيئين، وذلك أقوى ما يكون وأحسنه ؛ قال :\[ الوافر \]
٥٧٤-. . . \*\*\* نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارِ وَعُون
وقال الشاعر يصف فرساً :\[ الطويل \]
٥٧٥ كُمَيْتِ بَهِيمِ اللَّونِ لَيْسَ بِفَارِضٍ \*\*\* وَلاَ بِعَوانٍ ذَاتِ لَوْنٍ مُخَصَّفِ
 " فرس أخصف " إذا ارتفعَ الْبَلَق من بطنه إلى جنبه، ويقال للنخلة الطويلة : عوان، وهي فيما زعموا لغة عَانِيَة، حكاه القرطبي. 
وقيل : هي التي ولدت مرة بعد أخرى ومنه " الحرب العوان " أي التي جاءت بعد حرب أخرى ؛ قال زهير :\[ الطويل \]
٥٧٦ إِذَا لَحِقَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرَّةٌ \*\*\* ضَرُوسٌ تُهِرُّ النَّاسَ أَنْيَابُهَا عُصْلُ
والعُوْن بسكون الواو الجمع، وقد بضم ضرورة كقوله :\[ السريع \]
٥٧٧-. . . \*\*\* في الأَكُفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ
بضم الواو. ونظيره في الصحيح " قَذال وقُذُل " و " حِمَار وحُمُر ". 
قوله :" بين ذلك " صفة ل " عوان " \[ فهي \] في محلّ رفع، ويتعلق بمحذوف، أي : كائن بين ذلك، و " بين " إنما تضاف لشيئين فصاعداً، وجاز أن تضاف هنا إلى مفرد ؛ لأنه يشار به إلى المُثَنَّى والمجموع ؛ كقوله :\[ الرمل \]
٥٧٨- إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى \*\*\* وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ
كأنه قيل : بين ما ذكر من الفارض والبكر. قال الزمخشري :
فإن قلت : كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو لإشارة المذكر ؟
قلت : لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم، وقال : وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة : قلت لرؤبة في قوله :\[ الرجز \]
٥٧٩- فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ \*\*\* كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَولِيعُ الْبَهَقْ
إن أردت الخطوط فقل : كأنها، وإن أردت السواد والبَلَق فقل : كأنهما، فقال : أردتُ : ذَاكَ وذَلِكَ. والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها، وجمعها، وتأنيثها ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء " الذي " بمعنى الجمع واحتج بعض العلماء بقوله :" عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ " على جواز الاجتهاد، واستعمال غلبة النَّص في الأحكام، إذ لا يعلم أنها بين الفَارِض والبِكْر إلا من طريق الاجتهاد. 
قوله : مَا تُؤْمَرونَ  " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والعائد محذوف تقديره : تؤمرون به، فحذفت الباء، وهو حذف مطرد، فاتصل الضمير فحذفت " الهاء "، وليس هو نظير : كَالَّذِي خَاضُواْ  \[ التوبة : ٦٩ \] فإن الحذف هناك غير مقيس. 
ويضعف أن تكون " ما " نكرة موصوفة. 
قال أبو البقاء : لأن المعنى على العموم، وهو ب " الذي " أشبه، ويجوز أن تكون مصدرية أي : أمركم بمعنى مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر ك " ضَرْب الأمير " قاله الزمخشري. 
و " تؤمرون " مبني للمفعول، و " الواو " قائم مقام الفاعل، ولا محلّ لهذه الجملة لوقوعها صلة.

### فصل في الغاية من وصف البقرة


والمقصود كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصَّغيرة تكون ناقصة ؛ لأنها لم تصل إلى حالة الكمال، والمُسِنّة صارت ناقصةً ؛ لتجاوزها حَدّ الكمال، والمتوسط هو الذي يكون في حال الكمال. قاله الثعلبي.

### الآية 2:69

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [2:69]

قوله : مَا لَوْنُهَا  كقوله :" مَا هِيَ ". 
وقرأ الضحاك :" لونها " بالنصب. 
وقال أبو البقاء : لو قرئ :" لَوْنهَا " بالنصب لكان له وَجْهٌ، وهو أن تكون " ما " زائدة كهي في قوله : أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ  \[ القصص : ٢٨ \] ويكون التقدير : يبين لنا لَوْنَهَا وهذا تجديد للأمر، وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت، وهذا يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ويدل على أن الأمر على الفور ؛ لأنه تعالى ذمهم على التأخير بقوله : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ  \[ البقرة : ٧١ \]. 
واستدل بعضهم على أن الأمر على التراخي ؛ لأنه تعالى لم يعنفهم على التأخير والمُرَاجعة في الخطاب، قاله القرطبي عن ابن خُوَيْزِمَنْداد. 
قال الثعلبي : وقرأ الضحاك :" لونَهَا " بالنصب. 
وأما " ما هي " فابتداء وخبر لا غَيْرُ، إذ لا يمكن جعل " ما " زائدة ؛ لأن " هي " لا يصح أن يكون مفعول " يبين " يعني : أنها بصيغة الرفع، وهذا ليس من مواضع زيادة " ما " فلا حاجة إلى هذا. 
واللَّوْن عبارة عن الحُمْرة والسَّوَاد ونحوهما، واللَّوْن أيضاً - النَّوْع، وهو الدَّقَل نوع من النخل. 
قال الأَخْفَشُ :" هو جماعة واحدها لِينَة " وفلان يَتَلَوَّنُ، أي : لا يثبتُ على حال ؛ قال الشاعر :\[ الرمل \]

٥٨٠ كُلَّ يَوْمٍ تَتَلَوَّنْ  غَيْرُ هَذَا بِكَ أَجْمَلْو " صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا " يجوز أن يكون " فاقع " صفة، و " لونها " فاعل به، وأن يكون خبراً مقدماً و " لونها " مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ذكرهما أبو البقاء. 
وفي الوجه الأول نظر، وذلك أن بعضهم ذكر أن هذه التوابع للألوان لا تعمل عمل الأفعال. 
فإن قيل : يكون العمل ل " صفراء " لا ل " فاقع " كما تقول :" مررت برجل أبيض ناصع لونه " ف " لونه " مرفوع ب " أبيض " لا ب " ناصع ". 
فالجواب : أن ذلك هاهنا ممنوع من جهة أخرى، وهو أن " صفراء " مؤنّث اللفظ، ولو كان رافعاً ل " لَوْنُها " لقيل : أصفر لونها، كما تقول : مررت بامرأة أصفر لونها، ولا يجوز : صفراء لونها ؛ لأن الصفة كالفعل، إلاَّ أن يقال : إنه لما أضيف إلى مؤنث اكتسب منه التأنيث، فعومل معاملته كما سيأتي. 
ويجوز أن يكون " لونها " مبتدأ و " تَسُرُّ " خبره، وإنما أنث الفعل لاكتسابه بالإضافة معنى التأنيث ؛ كقوله :\[ الطويل \]٥٨١- مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ  أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّياحِ النَّوَاسِمِوقول الآخر :\[ الطويل \]٥٨٢- وَتَشْرَقُ \[ بَالقَوْلِ \] الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ  كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمأنّث فعل المَرِّ والصَّدْرِ لما أضيفا لمؤنث، وقرئ : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ  \[ يوسف : ١٠ \]. 
وقيل : لأن المراد باللَّون هنا الصُّفرة، وهي مؤنّثة، فحمل على المعنى في ذلك، ويقال : أصفر فاقع، وأبيض ناصع، ويَقِقٌ ولَهِقٌ ولِهَاقٌ، وأخضر ناضر، وأحمر قانئ، وأسود حالك وحائك وَحُلْكُوك، ودَجُوجِيٌّ وغِرْبِيبٌ، وبَهِيم. 
وقيل :" البهيم الخالص من كل لون ". 
وبهذا يظهر أن " صفراء " على بابها من اللون المعروف لا سَوْدَاء كما قاله بعضهم : فإن الفُقُوع من صفة الأصفر خاصّة، وأيضاً فإنه مجاز بعيد، ولا يستعمل ذلك إلا في الإبل لِقُرْبِ سوادها من الصّفرة، كقوله تعالى : كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ  \[ المرسلات : ٣٣ \] وقال \[ الخفيف \]٥٨٣- تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وتِلْكَ رِكَابِي  هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِفإن قيل : هلاّ قيل : صفراء فاقعة ؟ وأي فائدة في ذلك اللون ؟
فالجواب : فائدته التأكيد ؛ لأن اللون اسم للهَيْئَةِ، وهي الصّفرة، فكأنه قال : شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جدّ جدّه. 
وعن وهب : إذا نظرت إليها خُيِّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جِلْدِهَا، فمعنى قوله :" تَسُرُّ النَّاظِرِينَ " أي : يعجبهم حسنها وصَفَاءُ لونها، لأن العين تسر بالنظر إلى الشيء الحسن. 
قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : من لبس نعلاً صفراء قلّ همه ؛ لأن الله تعالى يقول : صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ . 
قال الكسائي ؛ يقال : فَقَع لونها يَفْقَعُ فُقُوعاً، إذا خَلَصَت صفرته، والإفْقَاع : سوء الحال، وفَوَاقِعُ الدهر : بَوَائِقُه، وفَقَّع بأصابعه : إذا صوَّت، ومنه حديث ابن عباس :" نَهَى عن التَّفقيع في الصلاة "، وهي الفرقعة، وهي غَمْزُ الأصابع حتى تُنْقِض، قاله القرطبي. 
واختلفوا هل كانت جميعها صفراء حتى قُرونها وأظلافها، أو الصفرة المعتادة ؟ قولان. وفي قوله :" فاقع " لطيفة، وهي أنه وصفها باسم الفاعل الذي هو نعت للدوام والاستمرار. يعني : في الماضي والمستقبل. 
وفي قوله :" تَسُرُّ " لطيفةٌ، وهي أنه أتى بصيغة المضارع وهو يقتضي التجدُّد والحدوث، بخلاف الماضي. 
وفي قوله :" النَّاظرين " آية لطيفة، وهي أنه أتى بصيغة الجمع المُحَلّى بالألف واللام، ليعمّ كلّ ناضر منفردين ومجتمعين. 
وقيل : المراد بالنظر نظر البصر للمرء والمرأة أو المراد به النظر بعين اليقين، وهو التفكر في المخلوقات. 
قوله : تَسُرُّ النَّاظِرِينَ  جملة في محل رفع صفة ل " بقرة " أيضاً، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون خبراً عن " لونها " بالتأويلين المذكورين. 
و " السرور " لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقّعه، ومنه \[ السرير \] الذي يُجْلس عليه إذا كان لأولي النعمة، وسرير الميت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك.

### الآية 2:70

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [2:70]

قوله : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِيَ  تقرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد، ليزدادوا بياناً لوصفها، وفي مصحف عبد الله :" سل لنا ربك يبين لنا ما هي ؟ وما صفتها ". قوله : إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا  البَقَر : اسم إن، وهو اسم جنس كما تقدم. 
وقرأ محمد ذو الشامة الأموي :" إنّ البَاقِرَ " وهو جمع البَقَر ك " الجَامِل " جماعة الجَمَل ؛ قال الشاعر :\[ الكامل \]
٥٨٤- مَا لِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ عَهْدِكَ مُوحِشاً \*\*\* خَلِقاً كَحَوْضِ البَاقِرِ المُتَهَدِّمِ
قال قطرب :" يقال لجمع البقرة : بَقَر وبَاقِر وبَاقُور وبَيْقُور ". 
وقال الأَصْمَعِيّ :" الباقر " جمع باقرة، قال : ويجمع بقر على بَاقُورة، حكاه النّحاس. 
قال القرطبي : والباقر والبقر والبيقور والبقير لُغَات بمعنى واحد والعرب تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في " تشابه ". 
و " تشابه " جملة فعلية في محلّ رفع خبر ل " إن "، وقرئ :" تَشَّابَهُ " مشدَّداً ومخفَّفاً، وهو مضارع الأصل :" تَتَشَابَهُ " بتاءين، فَأُدْغِمَ تارةً، وحذف منه أخرَى، وكلا الوجهين مقيس. 
وقرئ أيضاً :" يَشَّابَهُ " بالياء من تحت، \[ وأصله : يَتَشَابَهُ فأدغم أيضاً، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزان ؛ لأن فاعله اسم جنس \] وفيه لغتان : التذكيرُ والتأنيثُ، قال تعالى : أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ  \[ الحاقة : ٧ \] فَأَنَّث، و
 أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ  \[ القمر : ٢٠ \] فذكر، وقيل : ذكر الفعل لتذكير لفظ " البقرة " ؛ كقوله : أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ . 
وقال المبرِّد : سئل سِيبَوَيْهِ عن هذه الآية، فقال :" كل جمع حروفه أقل من حروف وَاحِدِه، فإن العرب تذكره " ؛ واحتج بقول الأعشى :\[ البسيط \]
٥٨٥- وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ \*\*\* \[ وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أيُّهَا الرَّجُلُ \]
ولم يقل :" مرتحلون ". 
وفي " تشابه " قراءات :" تَشَابَهَ " بتخفيف الشين وفتح الباء والهاء، وهي قراءة العامة. و " تَتَشَابَه " بتاءين على الأصل. 
و " تَشَّبَّه " بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصل : تَتَشَبَّهُ. 
و " تَشَابَهَتْ " على وزن " تَفَاعلت " وهو في مصحف أُبَيّ كذلك أَنّثه لتأنيث البقرة. 
و " مُتَشَابِهَة " و " مُتَشَبِّهة " على اسم الفاعل من تشابه وتشبّه. وقرئ :" تَشَبَّهَ " ماضياً. 
وقرأ ابن أبي إسحاق :" تَشَّابَهَتْ " بتشديد الشين، قال أبو حاتم : هذا غلط، لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلاّ في المضارع. . وهو معذور في ذلك. 
وقرئ :" تَشَّابَهَ " كذلك، إلا أنه بطرح تاء التأنيث، ووجهها على إشكالها أن يكون الأصل : إن البقرة تشابهت، فالتاء الأولى من البقرة و \[ التاء \] الثانية من الفعل، فلما اجتمع مثلان أدغم نحو : الشجرة تمايلت، إلاّ أنه يُشكِل أيضاً في تَشَّابَه من غير تاء ؛ لأنه كان يجب ثبوت علامة التأنيث. 
وجوابه : أنه مثل :\[ المتقارب \]
٥٨٦-. . . \*\*\* وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
مع أن ابن كيسان لا يلتزم ذلك في السّعَةِ. 
وقرأ الحسن :" تَشَابَهُ " بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشين أراد : تتشابه. 
وقرأ الأعرج :" تَشَّابَهُ " بفتح التاء وتشديد الشين وضمّ الهاء على معنى : تتشابه. 
وقرأ مجاهد :" تَشَّبَّه " كقراءة الأعرج، إلا أنه بغير ألف. ومعنى الآية :\[ التلبيس \] والتشبه. 
قيل : إنما قالوا :" إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا " أي : اشتبه أمره علينا، فلا نهتدي إليه ؛ لأن وجوه البقر \[ تتشابه \] يريد : أنها يشبه بعضها بعضاً، ووجوه البقر تتشابه. 
قوله : إِن شَاءَ اللَّهُ  هذا شرط جوابه محذوف لدلالة " إنْ "، ما في حيّزها عليه، والتقدير : إن شاء الله هِدَايتنا للبقرة، اهتدينا، ولكنهم أخرجوه في جملة اسمية مؤكدة بحرفي تأكيد مبالغة في طلب الهِدَاية، واعترضوا بالشرط تيمُّناً بمشيئة الله تعالى. و " المهتدون " اللام : لام الابتداء داخلة على خبر " إن ". 
وقال أبو البقاء : جواب الشرط " إن " وما عملت فيه عند سيبويه. 
وجاز ذلك لما كان الشرط متوسطاً، وخبر " إنَّ " هو جواب الشرط في المعنى، وقد وقع بعده، فصار التقدير : إن شاء الله هدايتنا اهتدينا. 
وهذا الذي قاله لا يجوز، فإنه متى وقع جواب الشرط ما لا يصلح أن يكون شرطاً وجب اقترانه بالفَاءِ، وهذه الجملة لا تصلح أن تقع شرطاً، فلو كانت جواباً لزمتها الفاء، ولا تحذف إلا ضرورة، ولا جائز أن يريد أبو البقاء أنه دالّ على الجواب، وسماه جواباً مجازاً ؛ لأنه جعل ذلك مذهباً للمبرد مقابلاً لمذهب سيبويه فقال : وقال المبرد : والجواب محذوف دلت عليه الجملة ؛ لأن الشرط معترض، فالنية به التأخير، فيصير كقولك : أنت ظالم إن فعلت. 
وهذا الذي نقله عن المبرد هو المنقول عن سيبويه، والذي نقله عن سيبويه قريبٌ مما نقل عن الكوفيين وأبي زيد من أنه يجوز تقديم جواب الشَّرْط عليه، وقد ردّ عليهم البصريون بقول العرب :" أنت ظالم إن فعلت ". 
إذ لو كان جواباً لوجب اقترانه بالفاء لما ذكرت ذلك. 
وأصل " مُهْتَدُون " :" مُهْتَدِيُون "، فأعلّ بالحذف، وهو واضح.

### فصل في الاستثناء بالمشيئة


قال الحسن رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَقُولُوا : إنْ شَاءَ اللَّهُ لَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا أَبَداً [(١٤)](#foonote-١٤) ". 
واعلم أن التلفّظ بهذه الكلمة مندوب إليه في كلّ عمل يراد تحصيله، قاله تعالى : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ  \[ الكهف : ٢٣، ٢٤ \]. 
وفيه استعانة بالله وتفويض الأمور إليه، والاعتراف بقدرته. 
### فصل في الإرادة الكونية


احتج أهل السُّنة بهذه الآية على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى. 
وعند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك، فقد أراد اهتداءهم لا مَحَالَة، وحينئذ لا يبقى لقولهم :" إنْ شاء الله " فائدة. 
قال ابن الخطيب : أما على قول أصحابنا، فإن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد، فحينئذ يبقى لقولهم :" إن شاء الله " فائدة. 
### فصل في مذهب المعتزلة في المشيئة


احتج المعتزلة بهذه الآية على أن مشيئة الله تعالى محدثة من وجهين :
الأول : أن دخول حرف " إن " يقتضي الحدوث. 
الثاني : أنه تعالى علّق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلم لم يكن حصول الاهتداء أزليًّا وجب ألاّ تكون مشيئة الاهتداء أزلية. 
### فصل في تقدير المشيئة


ذكر القفال في تقدير هذه المشيئة وجوهاً :
أحدها : وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيل أوصافها المميزة لها عن غيرها. 
وثانيها : وإنا إن شاء الله تعريفها إيَّانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها. 
وثالثها : وإنا إن شاء الله على هدى، أي : في استقصائنا في السّؤال عن أوصاف البقر، أي إنّا لسنا على ضلالة فيما نفعل من هذا البحث. 
ورابعها : إنا بمشيئة الله نَهْتَدِي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما تمتاز به عن غيرها. 
قال القرطبي : وفي هذا الاستثناء إنابةٌ وانقياد، ودليل نَدَم على عدم موافقة الأمر. وتقدير الكلام : وإنما لمهتدون إن شاء الله. 
فقدم على ذكر الاهتداء اهتماماً به.

### الآية 2:71

> ﻿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [2:71]

قوله : إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ  المشهور " ذَلُولٌ " بالرفع على أنها صفة ل " بقرة "، وتوسطت " لا " للنفي كما تقدم في " لاَ فَارِض "، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي : لا هي ذلول، والجملة من هذا المبتدأ أو الخبر في \[ محل \] رفع صفة ل " بقرة ". 
وقرئ :" لاَ ذَلُولَ " بفتح اللام على أنها " لا " التي للتَّبرئة والخبر محذوف تقديره : لا ذلولَ ثَمَّ أو ما أشبهه، وليس المعنى على هذه القراءة، ولذلك قال الأخفس :" لا ذلول نعت، ولا يجوز نصبه ". 
و " الذَّلُول " : التي ذُلِّلَت بالعمل، يقال : بقرة ذَلُول بَيِّنَةُ الذِّل بكسر الذال، ورجل ذَلِيل : بين الذُّل بضمّها، وقد تقدم عند قوله : الذِّلَّةُ  \[ البقرة : ٦١ \]. 
\[ قوله \] : تُثِيرُ الأَرْضَ  في هذه الجملة أقوال كثيرة :
أظهرها : أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكن في " ذلول " تقديره : لا تُذَلُّ حال إثارتها. 
وقال ابن عطية : وهي عند قوم جملة في موضع الصفة ل " بقرة " أي : لا ذلولٌ مثيرة. 
وقال أيضاً :" ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال ؛ لأنها نكرة ". 
أما قوله : في موضع الصفة فإنه يلزم منه أن البقرة كانت مثيرة للأرض، وهذا لم يقل به الجمهور، بل قال به بعضهم، وسيأتي إن شاء الله. 
وأما قوله : لا يجوز أن تكون حالاً يعني من " بقرة " ؛ لأنها نكرة. 
فالجواب : أنَّا لا نسلم أنها حال من " بقرة "، بل من الضمير في " ذلول " كما تقدم، أو تقول : بل هي حال من النكرة ؛ لأن النكرة قد وصفت وتخصصت بقوله :" لا ذَلُول "، وإذا وصفت النكرة ساغ إتيان الحال منها اتفاقاً. 
وقيل : إنها مستأنفة، \[ واستئنافها على وجهين :
أحدهما : أنها خبر مبتدأ محذوف، أي : هي تثير. 
والثاني : أنها مستأنفة \] بنفسها من غير تقدير مبتدأ، بل تكون جملة فعلية ابْتُدِئ بها لمجرد الإخبار بذلك. وقد منع من القول باستئنافها جماعة منهم الأَخْفَشُ عليّ بن سليمان، وعلل ذلك بوجهين :
أحدهما : أن بعده :" وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ " فلو كان مستأنفاً لما صحّ دخول " لا " بينه وبين " الواو ". 
والثّاني : أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى نفى عنها ذلك بقوله :" لا ذَلُول " وهذا المعنى هو الذي منع أن يكون " تُثِير " صفة ل " بقرة " ؛ لأن اللازم مشترك، ولذلك قال أبو البقاء : ويجوز على قول مَنْ أثبت هذا الوجه \[ يعني : كونها تثير الأرض ولا تسقي أن تكون " تثير " في موضع رفع صفة ل " بقرة ". 
وقد أجاب بعضهم عن الوجه الثاني \]، فإن إثارة الأرض عبارة عن مَرَحِهَا ونَشَاطِهَا ؛ كما قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
٥٨٧- يُهِيلُ ويُذْرِي تُرْبَهُ وَيُثِيرُهُ \*\*\* إِثَارَةَ نَبَّاثِ الهَوَاجِرِ مُخْمِسِ
أي : تثير الأرض مرحاً ونشاطاً لا حَرْثاً وعملاً. 
وقال أبو البقاء : وقيل : هو مستأنف، ثم قال : وهو بعيد عن الصّحة لوجهين :
أحدهما : أنه عطف عليه قوله :" وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ "، فنفى المعطوف، فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك ؛ لأنه في المعنى واحد، ألا ترى أنك لا تقول : مررت برجل قائم ولا قاعد، بل تقول : لا قاعد بغير واو، كذلك يجب أن يكون هذا. 
وذكر الوجه الثاني لما تقدم، وأجاز أيضاً أن يكون " تثير " في محلّ رفع صفة ل " ذلول "، وقد تقدم خلاف هل يوصف الوصف أم لا ؟
فهذه ستة أوجه تلخيصها : أنها حال من الضمير في " ذَلُول "، أو من " بقرة "، أو صفة ل " بقرة "، أو ل " ذلول "، أو مستأنفة بإضمار مبتدأ، أو دونه. 
قوله : وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا  الكلام في هذه كالكلام فيما قبلها من كونها صفة ل " بقرة "، أو خبر لمبتدأ محذوف. 
وقال الزمخشري : و " لا " الأولى للنفي يعني الدَّاخلة على " ذلول ". 
والثانية مزيدة لتأكيد الأولى ؛ لأن المعنى : لا ذلول تثير \[ الأرض \] وتسقي، على أن الفعلين صفتان ل " ذَلُول "، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية. 
وقرئ :" تُسْقى " بضم التاء من " أَسْقى ". 
وإثارة الأرض : تحريكها وبَحْثُهَا، ومنه : وَأَثَارُواْ الأَرْضَ  \[ الروم : ٩ \] أي : بالحَرْث والزراعة، وفي الحديث :" أَثِيرُوا القُرْآنَ فَإنَّهُ عِلْمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ". 
وفي رواية :" مَنْ أَرَادَ العِلْمَ فَلْيُثوِّرِ القُرْآن[(١٥)](#foonote-١٥) ". 
وجملة القول أن البقرة لا يكون بها نَقْص، فإن الذلول بالعمل لكونها تثير الأرض، وتسقي الحرث لابد وأن يظهر بها النقص. 
قال القرطبي : قال الحسن : وكانت تلك البقرة وَحْشِية، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض، ولا تسقي الحرث. 
وقال : الوقف هاهنا حسن. 
و " مُسَلَّمة " قيل : من العيوب مطلقاً. 
وقيل : من آثار العمل المذكور. 
وقيل : مسلمة من الشّبه التي هي خلاف لونها، أي : خلصت صُفْرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا ضعيف ؛ لأن قوله :" لاَ شِيَةَ فِيهَا " يصير تكراراً. 
و " شِيَة " : مصدر وَشَيْتُ الثوب أَشِيه وَشْياً وَشِيَةً، حذفت فاؤها ؛ لوقوعها بين ياء وكسرة في المضارع، ثم حمل باقي الباب عليه، ووزنها " عِلَةٌ " ومثلها :
 " صِلَةٌ وعِدَةٌ وَزِنَة ". 
وهي عبارة عن اللُّمْعَة المخالفة للون، ومنه : ثوب مَوْشِيٌّ : أي : منسوج بلونين فأكثر، وثور مَوْشِيٌّ القَوَائِمِ، أي : أَبْلَقُهَا ؛ قال :\[ البسيط \]
٥٨٨- مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ \*\*\* طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ
ومنه : الواشي للنَّمَّام ؛ لأنه يَشِي حديثه، أي : يزينه ويخلطه بالكذب. 
وقال بعضهم : ولا يقال له وَاشٍ حتى يغير كلامه ويزينه. 
ويقال : ثور أَشْيَهُ، وفرس أَبْلَقُ، وكَبْش أخْرَجُ، وتَيْس أَبْرَق، وغُراب أَبْقَع، كل ذلك بمعنى البلقة. 
و " شية " اسم " لا "، و " فيها " خبرها.

### فصل في ضبط الحيوان بالصفة


دلت هذه الآيات على ضَبْطِ الحيوان بالصفة، وإذا ضبط بالصفة وحصر بها جاز السَّلَمُ فيه، وكذلك كل ما ضبط بالصفة. 
**وقال عليه الصلاة والسلام :**
 " لاَ تَصِفُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا[(١٦)](#foonote-١٦) ". فجعل عليه الصلاة والسلام الصّفة تقوم مقام الرؤية. 
قوله : الآنَ جِئْتَ  الآن منصوب ب " جئت "، وهي ظَرْف للزّمان يقتضي الحال، ويخلص المضارع له عند جمهور النّحاة. 
وقال بعضهم : هذا هو الغالب، وقد جاء حيث لا يمكن أن يكون للحال، كقوله : فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ  \[ الجن : ٩ \]  فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ  \[ البقرة : ١٨٧ \] فلو كان يقتضي الحال لما جاء مع فعل الشرط والأمر اللذين هما نصّ في الاستقبال، وعبر عنه هذا القائل بعبارة تُوافق مذهبه وهي :" الآن " لوقت حصر جميعه أو بعضه يريد بقوله :" أو بعضه " نحو :" فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ "، وهو مبني. 
واختلف في علّة بنائه : فقال الزَّجَّاج : لأنه تضمن معنى الإشارة ؛ لأن معنى أفعل الآن، أي : هذا الوقت. 
وقيل : لأنه أشبه الحرف في لزوم لَفْظ واحد، من حيث إنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمع ولا يصغّر. 
وقيل : لأنه تضمّن معنى حرف التعريف، وهو الألف واللام ك " أمس "، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه، ولم يُعْهَد مُعرفٌ ب " أل " إلا معرباً، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في " الذي والّتي " وبابهما، ويعزى هذا للفارسي، وهو مردود بأن التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه. 
وهو لازم للنظر فيه، ولا يتصرف غالباً، وقد وقع مبتدأ في قوله عليه الصلاة والسلام :" فَهُوَ يَهْوِي في قَعْرِهَا الآنَ حِينَ انْتَهَى ". 
ف " الآن " مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدم، و " حين " خبره، بُنِيَ لإضافته إلى غير متمكِّن، ومجروراً في قوله :
٥٨٩- أَإِلَى الآنِ لاَ يَبِينُ ارْعِوَاءٌ \*\*\*. . . 
وادعى بعضهم إعرابه مستدلاًّ بقوله :\[ الطويل \]
٥٩٠- كَأَنَّهُمَا مِلآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا \*\*\* وَقَدْ مَرَّ لِلدَّارَيْنِ مِنَ بَعْدِنَا عَصْرُ
يريد :" مِنَ الآنِ " فجره بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر، وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماض، وأن أصله " آنَ " بمعنى :" حان " فدخلت عليه " أل " زائدة، واسْتُصْحِب بناؤه على الفَتْح، وجعله مثل قولهم " ما رأيته من شب إلى دُبَّ ". 
وقوله عليه الصلاة والسلام :" وأنْهَاكُمْ عَنْ قِيلٍ وَقَال " . 
ورد عليه بأن " أل " لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي أن يجوز إعرابه كنظائره. 
وعنه قول آخر أن أصله " أوان " فحذفت الألف، ثم قلبت الواو ألفاً، فعلى هذا ألفه عن واو. 
وأدخله الرَّاغب في باب " أين "، فتكون ألفه عن " ياء ". والصواب الأول. 
وقرئ : قالوا : ألآن بتحقيق الهمزة من غير نَقْل، وهي قراءة الجمهور. 
و " قَالُ : لأنَ " بنقل حركة الهمزة على اللام قبلها، وحذف الهمزة، وهو قياس مطّرد، وبه قرأ نافع وحمزة باختلاف عنه. 
و " قَالُوا : لآنَ " بثبوت " الواو " من " قالوا " ؛ لأنها إنما حذفت لالتقاء الساكنين، وقد تحركت " اللام " لنقل حركة " الهمزة " إليها، واعتدوا بذلك كما قالوا في الأحمر " مَحْمَر ". 
وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله تعالى في  عَاداً الأُولَى  \[ النجم : ٥٠ \] ويحكى وجه رابع " قَالُوا : آلآنَ " بقطع همزة الوصل، وهو بعيد، و " بِالحَق " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن تكون باء التَّعدية كالهمزة كأنه قيل :" أَجَأْتَ الحق "، أي : ذكرته. 
الثاني : أن يكون في محلّ نصب على الحال من فاعل " جئت " أي : جئت ملتبساً بالحق، أو " ومعك الحق ". 
### فصل في تحقيق أنهم لم يكفروا


قال القاضي : قولهم :" الآن جِئْتَ بِالْحَقِّ " كفر من قِبَلِهم لا محالة ؛ لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقّة. 
قال ابن الخطيب : وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً. 
قوله :" فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ " أي : فذبحوا البقرة. و " كَادُوا " كاد واسمها وخبرها، والكثير في خبرها تجرده من " أن ". 
وشذ قوله :\[ الرجز \]
٥٩١- قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ الْبِلَى أَنْ يَمْصَحَا \*\*\*. . . 
وهي عكس " عسى " وذكروا ل " كاد " تفسيرين :
أحدهما : قالوا : نفيها إثبات وإثباتها نفي، فقوله : كاد يفعل كذا، معناه : قرب من أن يفعل، لكنه ما فعله. 
والثاني : قال عبد القاهر النحوي : إن " كاد " لمقاربة الفعل، فقوله :" كاد يفعل " \[ معناه \] قرب من فعله. 
وقوله :" ما كاد يفعل " معناه : ما قرب منه. 
وللأولين أن يحتجوا بهذه الآية ؛ لأن قوله :" ومَا كَادُوا " معناه ما قاربوا الفعل، ونفى المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كانت " كاد " للمقاربة لزم وقوع التناقض في الآية، وقد تقدم الكلام على كاد عند قوله  يَكَادُ الْبَرْقُ  \[ البقرة : ٢٠ \]. 
### فصل في النسخ بالأشقّ


روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لو ذبحوا أيّة بقرة أرادوا لأجزأت عنهم ؛ لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله تعالى عليهم، فعلى هذا نقول : التكاليف متغيرة فكلفوا في الأول أية بقرة كانت، فلما لم

### الآية 2:72

> ﻿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:72]

قوله تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا . 
أعلم أن وقوع ذلك القتل كان متقدماً على الأمر بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل، وعن ضرب القتيل ببعض البقرة، فلا يجب أن يكون متقدماً في التلاوة في الأول ؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب ؛ لأنه تارة يتقدّم ذكر السبب على الحكم، وتارة على العكس، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم الله تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال : وإذ قتلتم نفساً من قبل، واختلفتم وتنازعتم، فإني أظهر لكم القاتل الذي \[ سترتموه \] بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة. 
وذلك مستقيم والواو لا تقتضي الترتيب. 
قال القرطبي : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ  \[ هود : ٤٠ \] إلى قوله :" إِلاّ قَلِيْلٌ " فذكر إهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه بقول : وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  \[ هود : ٤١ \] فذكر الركوب متأخراً، ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك، ومثله في القرآن كثير، قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً  \[ الكهف : ١، ٢ \] أي : أنزل على عبده الكتاب قَيِّماً ولم يجعل له عوجاً فإن قيل \[ هب أنه \] لا خلل في هذا النظم \[ ولكن النظم \] الآخر كان مستحسناً، فما الفائدة في ترجيح هذا النظم ؟
قلنا : إنما قدمت قصة الأمر بالذبح على ذلك القتل ؛ لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من تثنية التفريع.

### فصل في نسبة القتل إلى جميعهم


 " فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا " فعل وفاعل، والفاء للسببية ؛ لأن التَّدَارُؤَ كان مسبباً عن القتل، ونَسَبَ القتل إلى الجميع، وإن لم يصدر إلا من واحد أو اثنين كما قيل ؛ لأنه وُجِد فيهم وهو مجاز شائع. 
وأصل " ادّارأتم " : تدارأتم تَفَاعلتم من الدَّرْء هو الدّفع، فاجتمعت " التاء " مع " الدال " وهي مُقارِبتها، فأريد الإدغام فقلبت التاء دالاً، وسكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت همزة الوصل ليبتدأ بها فبقي " ادارأتم "، والأصل ادْدَارأتم فأدغم، وهذا مطرد في كل فعل على " تفاعل " أو " تفعّل " فاؤه دال نحو :" تَدَايَنَ وادَّايَنَ، وتَدَيَّنَ وادَّيَنَ " أو طاء، أو ظاء، أو صاداً، أو ضاداً نحو :" تطاير واطَّايَر " وتطير واطّير \[ وتظاهر واظَّاهر، وتطهر واطَّهَّر، والمصدر على التفاعل أو التفعّل نحو : تَدَارُؤ وتَطَهُّر \] نظراً إلى الأصل. 
وهذا أصل نافع في جميع الأبواب. 
معنى " ادارأتم " : اختلفتم واختصمتم في شأنها. 
وقيل :\[ تدافعتم \] أي كل واحد ينفي القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره. 
والكناية في قوله :" فيها " للنفس. 
وقال القفال : ويحتمل إلى القتلة ؛ لأن قوله :" قتلتم " يدل على المصدر. 
قوله : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ  الله رفع بالابتداء و " مخرج " خبره، و " ما " موصولة منصوبة المحل باسم الفاعل. 
فإن قيل : اسم الفاعل لا يعمل بمعنى الماضي إلا محلّى بالألف واللام. 
فالجواب : أن هذه حكاية حال ماضية، واسم الفاعل فيها غير ماض وهذا كقوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ  \[ الكهف : ١٨ \]. 
والكسائي يُعْمِله مطلقاً، ويستدل بهذا ونحوه. و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، فلا بد من عائد، تقديره : مخرج الذي كنتم تكتمونه، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي : مخرج مكتومكم وهذه الجملة لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنها معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهما :" فَادَّارَأْتُمْ " وقوله :" فَقُلْنَا : اضْرِبُوهُ " قاله الزمخشري.

### الآية 2:73

> ﻿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:73]

والضمير في : فاضربوه " يعود على " النفس " لتأويلها بمعنى الشخص والإنسان، أو على القتيل المدلول عليه بقوله : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ  والجملة من " اضربوه " في محلّ نصب بالقول. 
وفي الكلام محذوف والتقدير : فقلنا : اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي، إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله : يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى  عليه، فهو كقوله : اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ  \[ البقرة : ٦٠ \] أي : فضرب فانفجرت \[ وقوله : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ  \[ البقرة : ١٨٤ \] أي : فأفطر فعدّة \][(١٧)](#foonote-١٧) وقوله : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ  \[ البقرة : ١٩٦ \] أي : فحلق ففدية.

### فصل في بيان المضروب به


اختلفوا في البعض الذي ضربوا القتيل به. 
فقيل : اللِّسَان، لأنه آلة الكلام قاله الضحاك والحسين بن الفَضْل. 
وقال سعيد بن جُبَير : بعجب ذنبها قاله يمان بن رئاب وهو أولى ؛ لأنه أساس البدن الذي ركب عليه الخلق، وهو أول ما يخلق وآخر ما يبلى. 
وقال مجاهد : بذنبها. 
وقال عكرمة والكَلْبي : بفخذها الأيمن[(١٨)](#foonote-١٨). 
وقال السّدّي : بالبَضْعة التي بين كتفيها. 
وقيل : بأذنها. 
وقال ابن عباس : بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو أصل الأذن \[ وهو المقتل \][(١٩)](#foonote-١٩). 
والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة ؛ لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين الأمر، والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العُهْدة. 
وليس في القرآن ما يدل على تعيين ذلك البعض، فإن ورد فيه خبر صحيح قُبِلَ، وإلا وجب السكوت عنه. 
فإن قيل : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء ؟
فالجواب : أن الفائدة فيه لتكون الحُجّة أوكد، وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز في العقل للملحد أن يوهمهم أن موسى عليه الصلاة والسلام إنما أحياه بضرب من السِّحر أو من الحيلة، فلما حيي بالضرب بقطعة من البقرة المذبوحة فانتفت الشبّهة. 
فإن قيل : هلا أمر بذبح غير البقرة ؟
فالجواب : أن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيها. 
**ثم ذكروا فيها فوائد :**
أحدها : التقريب بِالقَرَابِيْن التي كانت العادة بها جارية، ولأن هذا القُرْبَان كان عندهم أعظم القرابين، ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكُلْفة في تحصيل هذه البقرة. 
قيل : على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة. 
قوله : كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى  " كذلك " في محلّ نصب ؛ لأنه نعت لمصدر محذوف تقديره : يحيي الله الموتى إحياء مثل ذلك الإحياء، فيتعلّق بمحذوف، أي : إحياء كائناً كذلك الإحياء، أو لأنه حال من المصدر المعروف، أي : ويريكم الإراءة حال كونها مُشْبِهَةً ذلك الإحياء، وقد تقدم أنه مذهب سيبويه. 
و " الموتى " جمع مَيِّت، وفي هذه الإشارة وجهان :
أحدهما : أنها إشارة إلى نفس ذلك الميت. 
والثاني : أنها احتجاج على صحّة الإعادة. قال الأصم : إنه على المشركين ؛ لأنه إن ظهر لهم بالتَّوَاتر \[ أن هذا الإحياء قد كان على هذه الوجه علموا صحّة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر \]، فإنه داعية إلى التفكُّر. وقال القَفّال : ظاهره يدلّ على أن الله تعالى قال هذا لبني إسرائيل أي : إحياء الله الموتى يكون مثل هذا الذي شاهدتم ؛ لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلاَّ أنهم لم يؤمنوا به إلاَّ من طريق الاستدلال، ولم يشاهدوا شيئاً منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم، وانتفت عنهم الشّبهة، فأحيا الله القتيلَ عياناً، ثم قال لهم : كذلك يحيي الله المَوْتَى، أي : كما أحياها في الدُّنيا يحييها في الآخرة من غير احتياج إلى مادّة ومثال وآلة التي لا يخلو منها المستدل. 
قوله :" وَيُريكُمْ آيَاتِهِ " الرؤيا هنا بَصَرية، فالهمزة للتعدية أكسبت الفعل مفعولاً ثانياً وهو " آياته "، والمعنى : يجعلكم مُبْصرين آياته. 
و " كم " هو المفعول الأول، وأصل " يريكم " : يُأَرْإِيكم، فحذفت همزة " أفعل " في المضارعة لما تقدم في  يُؤْمِنُونَ  \[ البقرة : ٣ \] وبابه، \[ فبقي يُرْئيكم \][(٢٠)](#foonote-٢٠)، فنقلت حركة الهمزة على " الراء "، وحذفت " الهمزة " تخفيفاً، وهو نقل لازم في مادة " رأى " وبابه دون غيره مما عينه همزة نحو :" نأى ينأى " ولا يجوز عدم النقل في " رأى " وبابه إلا ضرورة كقوله :\[ الوافر \]٥٩٢- أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرْأَيَاهُ  كِلاَنَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ[(٢١)](#foonote-٢١)### فصل في نظم الآية


\[ لقائل أن يقول \][(٢٢)](#foonote-٢٢) : إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات ؟
فالجواب : أنها تدلّ على وجود الصانع القادر على المقدورات العالم بكلّ المعلومات المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه الصَّلاة والسَّلام - وعلى براءة من لم يقتل، وعلى تعيين القاتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لَمَّا دلت على \[ هذه \][(٢٣)](#foonote-٢٣) المدلولات الكبيرة لا جرم جرت مجرى الآيات. 
قوله :" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " تقدم تفسير العَقْل. 
قال الواقديّ[(٢٤)](#foonote-٢٤) : كل ما في القرآن من قوله :" لَعَلَّكُمْ " فهو بمعنى " لكن " إلاّ التي في الشعراء : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ  \[ الشعراء : ١٢٩ \] فإنه بمعنى \[ لعلكم \][(٢٥)](#foonote-٢٥) تخلدون فلا تموتون. 
فإن قيل : القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم، وإذا كانوا عقلاء امتنع أن يقال : إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً \[ فالجواب أنه \][(٢٦)](#foonote-٢٦) لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها، بل لا بد من التأويل، وهو أن يكون المراد : لعلكم تعلمون على \[ قلة \][(٢٧)](#foonote-٢٧) عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا ينكروا المبعث
### فصل في توريث القاتل


ذكر كثير من المتقدمين أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا ؟
قالوا : لا ؛ لأنه روي عن عَبِيْدَةَ السَّلْمَاني أن الرجل القاتل في هذه \[ الواقعة \][(٢٨)](#foonote-٢٨) حرم الميراث لكونه قاتلاً. 
قال القاضي :" لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية ؛ لأنه ليس في ظاهر الآية أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا ؟ وبتقدير أن يكون وارثاً فهل حرم الميراث أم لا ؟ وليس يجب إذ روي عن عبيدة أن القاتل حرم الميراث لكونه قاتلاً، أي : بعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدلّ عليه لا مجملاً ولا مفصلاً، وإذا كان كذلك لم يثبت أن شرعهم كشرعنا، وأنه \[ لا \] يلزم الاقتداء لهم. 
واستدل مالك بهذه الآية على صحّة القول بالقَسَامَةِ بقول المقتول : حقّي عند فلان، أو فلان قتلني. 
ومنعه الشافعي وغيره ؛ لأن قول القتيل : دمي عند فلان، أو فلان قتلني خبر يحتمل الصدق والكذب، ودم المدعى عليه معصوم غير مباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاحتمال، وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة فأخبر تعالى أنه يحييه، وذكره يتضمن الإخبار بقاتله خبر ما لا يدخله الاحتمال. 
قال ابن العربي : المعجزة إنما كانت في إحيائه، فلما صار حيًّا صار كلامه كسائر كلام الناس.

### الآية 2:74

> ﻿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:74]

قال القفال : يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، أي : اشتدت قلوبكم وقَسَت وضلّت من بعد البَيّنات التي جاءت أوائلكم، والعقاب الذي نزل بمن أَصَرَّ على المعصية منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياءهم، فأخبر بذلك عن طُغْيَانهم، وجَفَائهم على ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. 
قال : لأنه خطاب مُشَافهة فَحَمْله على الحاضرين أولى، ويحتمل أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمان موسى عليه الصلاة والسلام خصوصاً. وروي أن ذلك القتيل لما عين القاتل كذبه، وما ترك الإنكار وساعده عليه جمع، فتكون الإشارة لقوله بعد ذلك إلى ما أظهره الله تعالى من إحياء القتيل بِضَرْبِهِ ببعض البقرة المذبوحة. ويحتمل أن تكون الإشارة إلى جميع ما عدده الله تعالى من النعم العظيمة، والآيات الباهرة التي أظهرها الله تعالى على يد موسى عليه الصلاة والسلام فإنّ أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتها لها ما خلوا من العِنَاد والاعتراض على موسى عليه الصَّلاة والسَّلام. 
فإن قيل : لم أتى ب " ثم " التي تقتضى الترتيب والمُهْلة، فقال :" ثم قست "، وقال :" مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " والبَعْدية لا تقتضي التعقيب، وقلوبهم لم تزل قاسيةً مع رؤية الآية وبعدها ؟
فالجواب : أنه أتى ب " من " التي لابتداء الغاية فقال : من بعد ذلك فجعل ابتداء المقصود عقيب رؤية الآيات، فزالت المهلة. 
وقال أبو عبيدة :" معنى قَسَتْ : جفت ". 
وقال الواقدي : خفت من الشّدة فلم تكن. 
وقال المؤرج :" غلظت ". 
وقيل : اسودت. 
وقال الزجاج :" القَسْوة ذهاب اللّين والرحمة والخشوع والخضوع ". 
قوله :" أَوْ أشَدُّ قَسْوَةً " " أو " هذه ك " أو " التي في قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ 
\[ البقرة : ١٩ \] فكل ما قيل ثمة يمكن القول به هنا، ولما قال أبو الأسود :\[ الوافر \]

٥٩٣- أُحِبُّ مُحَمَّداً حُبًّا شَديداً  وَعَبَّاساً وَحَمْزَةَ أَوْ عَلِيًّااعترضوا عليه في قوله :" أو " التي تقتضي الشك، وقالوا له : أشككت ؟ فقال : كلا، واستدل بقوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ 
\[ سبأ : ٢٤ \] فقال : أو كان شاكًّا من أخبر بهذا ؟ وإنما قصد رحمه الله الإبهام على المخاطب. 
قال ابن الخطيب : كلمة " أو " للتردد، وهي لا تليق بعلاَّم الغيوب، فلا بد من التأويل وهو من وجوه : أحدها : أنها بمعنى " الواو " كقوله : إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  \[ الصافات : ١٤٧ \] وقوله : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ  \[ النور : ٣١ \] وقوله : أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ 
\[ النور : ٦١ \] ومن نظائره قوله : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى  \[ طه : ٤٤ \]. 
وثانيها : أن المراد : فهي كالحجارة ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة. 
\[ وثالثها : أي : في نظركم واعتقادكم إذا اطلعتم على أحوال قلوبهم قلتم : إنها كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجارة \]. 
ورابعها : أن " أو " بمعنى " بل " ؛ وقال الشاعر :\[ الطويل \]٥٩٤- فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَقَوَّلَتْ  أَمِ النَّوْمُ أَو كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُوخامسها : أنه على حد قولك :" ما أكل إلا حلواً أو حامضاً " أي : طعامه لا يخرج عن هذين، وليس الغرض إيقاع التردّد بل نفي غيرهما. 
وسادسها : أن " أو " حرف إباحة، أي : بأي هذين شبّهت قلوبهم كان صدقاً كقولهم :" جالس الحَسَنَ أو ابن سيرين " أي أيهما جالست كنت مصيباً أيضاً. و " أَشَدّ " مرفوع لعطفه على محل " كَالحِجَارةِ " أي : فهي مِثْلُ الحجارة أو أشد. والكاف يجوز أن تكون حرفاً فتتعلّق بمحذوف، وأن تكون اسماً فلا تتعلّق بشيء، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً أي : أو هي أشد. 
و " قسوة " منصوب على التمييز ؛ لأن الإِبْهَامَ حصل في نسبة التفضيل إليهما، والمفضل عليه محذوف للدلالة عليه، أي : أشدّ قسوة من الحِجَارَةِ. 
وقرئ :" أَشَدّ " بالفتح وَوَجْهُهَا : أنه عطفها على " الحجارة " أي : فهي كالحجارة أو \[ كأشد \] منها. 
قال الزمخشري موجهاً للرفع : و " أشد " معطوف على الكاف، إما على معنى : أو مثل أشد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفاً على " الحجارة " ويجوز على ما قاله أن يكون مجروراً بالمضاف المحذوف ترك على حاله، كقراءة : وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ  \[ الأنفال : ٦٧ \] بجر " الآخرة " أي : ثواب الآخرة، فيحصل من هذا أن فتحه الدال يُحتمل أن تكون للنصب، وأن تكون للجر. 
وقال الزمخشري أيضاً : فإن قلت : لم قيل : أشدُّ قسوة مما يَخْرُج منه " أفعل " التفضيل وفعل التعجب ؟ يعني : أنه \[ مستكمل \] للشروط من كونه ثلاثيّاً تاماً غير لون ولا عاهة متصرفاً غير ملازم للنفي. 
ثم قال : قلت : لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة، ووجهٌ آخر وهو ألاّ يقصد معنى الأقسى، ولكنه \[ قصد \] وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل " اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة ". 
وهذا الكلام حسن، إلا أن كون " القسوة " جوز بناء التعجّب منها فيه نظر من حيث إنها من الأمور الخِلْقِية أو من العيوب، وكلاهما ممنوع منه بناء البابين. 
وقرئ :" قساوة ". 
### فصل في أوجه شدة القسوة من الحجارة


إنما وصفها بأنها أشد قسوةً من الحجارة لوجوه :
أحدها : أن الحجارة لو كانت عاقلة، ورأت هذه الآية لقبلتها كما قال :
 لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ 
\[ الحشر : ٢١ \]. 
وثانيها : أن الحجارة ليس فيها امتناع لما يحدث فيها من أمر الله فقال : وإن كانت قاسيةً، بل منصرفة على مراد الله تعالى غير ممتنعة، وهؤلاء مع ما وصفنا في اتِّصَال الآيات عندهم، وتتابع نِعَمِ الله عليهم يمتنعون من الطاعة، ولا تلين قلوبهم بمعرفة حق الله. 
وثالثها : أن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، أما قلوب هؤلاء فلا نفع منها ألبتة. 
### فصل في الرد على المعتزلة


قال القاضي : إن كان الدَّوام على الكفر مخلوق فيهم، فكيف يحسن ذمهم ؟ فلو قال : إن الذي خلق الصَّلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القَسْوة، والخالق في الأحجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكُفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجّتهم على موسى أَوْكد من حجّته عليهم، وهذا النمط قد تكرر مراراً. 
قوله : وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ . 
واعلم أنه سبحانه وتعالى فَضَّل الحجارة على قلوبهم بأنه قد يحصل في الحجارة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. 
فأولها : قوله : وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ  واللاّم في " لَمَا " لام الابتداء دخلت على اسم " إن " لتقدم الخبر، وهو " من الحجارة "، وهي " ما " التي بمعنى " الذي " في محلّ النصب، ولو لم يتقدم الخبر لم يَجُزْ دخول اللام على الاسم ؛ لئلاَّ يتوالى حَرْفَا تأكيد، وإن كان الأصل يقتضي ذلك، والضمير في " منه " يعود على " ما " حملاً على اللفظ. 
قال أبو البقاء : ولو كان في غير القرآن لجاز " منها " على المعنى. 
وهذا الذي قاله قد قرأ به أُبّي بن كعب والضحاك. 
وقرأ مالك بن دينار " يَنْفَجِر " من الانفجار. 
وقرأ قتادة :" وَإِنْ مِنَ الْحِجَارَةِ " بتخفيف " إِنْ " من الثقيلة، وأتى باللام فارقة بينها وبين " إن " النافية، وكذلك : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ  و  وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ ، وهذه القراءة تحتمل أن تكون " ما " فيها في محل رفع وهو المشهور، وأن تكون في محلّ نصب ؛ لأن " إِنْ " المخففة سمع فيها الإعمال والإهمال، قال تعالى : وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ  \[ هود : ١١١ \] في قراءة من قرأه. 
وقال في موضع آخر : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا  \[ يس : ٣٢ \] إلا أن المشهور الإهمال. 
والتفجير : الفتح بالسّعة والكثرة ؛ يقال : انفجرت قرحة فلان أي : انشقت بالمدّة، ومنه : الفَجْر والفُجُور. 
### فصل في تولد الأنهار


قالت الحكماء : الأنهار إنما تتولّد عن أَبْخِرَةٍ تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رَخْواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجريّاً اجتمعت تلك الأَبْخِرَةُ، ولا يزال يتصل بعضها ببعض حتى تكثر كثرة عظيمة، فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مَدِّها أن تنشقّ الأرض، وتسيل تلك المياه أوديةً وأنهاراً. 
قوله : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ  أي : وإنَّ من الحجارة لما يتصدّع، فينبع الماء منه فيكون عَيْناً لا نهراً جارياً. 
و " يَشَّقَّقُ " أصله : يَتَشَقّق، فأدغم وبالأصل قرأ الأعمش، وقرأ طلحة بن مصرف :" لَمَّا بتشديد " الميم " في الموضعين قال ابن عطية[(١)](#foonote-١) :" وهي قراءة غير متّجهة ". 
وقرأ أيضاً[(٢)](#foonote-٢) :" ينشقّ " بالنون وفاعله ضمير " ما ". 
وقال أبو البقاء : ويجوز أن يكون فاعله ضمير " الماء " ؛ لأن " يَشَّقَّقُ " يجوز أن يُجْعل ل " الماء " على المعنى، فيكون معك فِعْلان، فيعمل الثاني منهما في الماء، وفاعل الأول مضمر على شريطة التفسير. 
وعند الكوفيين يعمل الأول، فيكون في الثاني ضمير، يعني : أنه من باب التنازع، ولا بد من حذف عائد من " يشقق " على " ما " الموصولة دلَّ عليه قوله :" منه "، والتقدير : وإن من الحجارة لما يشقق الماء منه، فيخرج الماء منه. 
وقال أيضاً : ولو قرئ :" تتفجّر " بالتاء جاز. قال أبو حاتم : يجوز " لما تتفجر " بالتاء ؛ لأنه أنثه بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في " تشقق " يعني التأنيث. 
قال النَّحَّاس : يجوز ما أنكره على المعنى، لأن المعنى : وإن منها الحجارة تتشقق يعني فيراعى به معنى " ما "، فإنها واقعة على الحجارة. 
قوله : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . 
قال أبو مُسْلم :" الضمير في قوله :" وَإِنَّ مِنْها " راجع إلى " القلوب "، فإنه يجوز عليها الخَشْيَة، والحجارة لا يجوز عليها الخَشْيَة. وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، وأقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين إلاّ أنّ هذا الوصف ألْيَقُ بالقلوب من الحجارة، فوجب رجوع الضمير إلى " القلوب " دون " الحجارة "، وفيه بعد لتنافر الضّمائر. 
وقال جمهور المفسرين : الضمير عائد إلى " الحجارة ". 
وقالوا : يجوز أن يكون حقيقة على معنى أن الله خلق فيها قَابِليَّةً لذلك، وأن المراد من ذلك جَبَلُ موسى عليه الصلاة والسلام حين تقطع وتجلّى له ربه، وذلك لأن الله تعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدْرَاك، وهذا غير مستعبد في قدرة الله تعالى. 
ونظيره قوله تعالى : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  \[ فصلت : ٢١ \]. 
فكما جعل الجِلْد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجَبَل وصفه بالخشية. 
وقال أيضاً :{ لَوْ أَنز١ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٦٧..
٢ - أي طلحة بن مصرف، قال أبو حيان: "وفي النسخة التي وقفت عليها من تفسير ابن عطية ما نصه: وقرأ ابن مصرف ينشقق بالنون وقافين، والذي يقتضيه اللسان أن يكون بقاف واحدة مشددة، وقد يجيء الفك في شعر، فإن كان المضارع مجزوما جاز الفك فصيحا، وهو هنا مرفوع فلا يجوز الفك، إلا أنها قراءة شاذة، فيمكن أن يكون ذلك فيها، وأما أن يكون المضارع بالنون مع القافين وتشديد الأولى منهما فلا يجوز..".
 انظر البحر المحيط: ١/٤٣١، والمحرر الوجيز: ١/١٦٧، والدر المصون: ١/٢٦٤، وفيه قراءة ابن مصرف هكذا: "ينشق"..

### الآية 2:75

> ﻿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:75]

قال القرطبي : هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أَيْأَسَهُمْ من إيمان هذه الفرقة من اليهود. 
ويقال : طَمِع فيه طَمَعاً وطَماعيةً مخفف فهو طَمِعٌ على وزن " فَعِل " وأطمعه فيه غيره. 
ويقال في التعجب : طَمُعَ الرُّجل بضم الميم أي : صار كثير الطّمع. 
والطمع : رزق الجُنْد، يقال : أمر لهم الأمير بأَطْمَاعهم، أي : بأرزاقهم. 
وامرأة مِطْمَاع : تُطْمِعُ وَلاَ تُمَكِّن.

### فصل في قبائح اليهود


لما ذكر قَبَائح أفعال أَسْلاف اليهود شرع في قَبَائح أفعال اليَهُود الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. 
قال القَفّال رحمه الله : إن فيما ذكره الله تعالى في \[ سورة البقرة \][(١)](#foonote-١) من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقاصد. 
أحدها : الدلالة بها على صحّة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلّم، وذلك لا يكون إلا بالوَحْي، ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب. 
أما أهل الكتاب فكانوا يعلمونها، فلما سمعوها من محمد عليه الصَّلاة والسَّلام من غير تفاوت، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوَحْي. 
وأما العرب فلما \[ شاهدوا \][(٢)](#foonote-٢) من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار، فلم يكونوا يسمعون هذه الأخبار إلاّ من علماء أهل الكتاب، فيكون ميلهم إلى الطّاعة أقرب. 
وثانيها : تعديد النِّعَم على بني إسرائيل، وما مَنَّ الله به على أَسْلاَفهم من أنواع النعم، كالإنْجَاءِ من آل فرعون بعد اسْتِبْعَادهم، وتَصْيِيرِ أبنائهم أنبياء وملوكاً، وتمكينهم في الأرض، وفَرْق البحر لهم، وإهلاك عَدُوّهم، وإنزال التوراة والصَّفْح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العَجْل، ونَقْض المَوَاثيق، ومسألة النَّظَر إلى الله جَهَرةً، ثم ما أخرجه لهم في التِّيْهِ من الماء من الحَجَر، وإنزال المَنّ والسَّلْوَى وتَظْلِيل الغَمَام من حَرّ الشمس، فذكّرهم بهذه النعم كلها. 
وثالثها : إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقديم كُفْرهم وخلافهم، وتعنّتهم على الأنبياء، وعِنَادهم، وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم، وذلك لأنهم بعد مُشَاهدتهم الآيات الباهرة عَبَدوا العِجْل بعد مفارقة موسى بمدّة يسيرة، ولما أمروا بدخول الباب سُجّداً وأن يقولوا حطّة، ووعدهم أن يغفر لهم خَطَاياهم، ويزيد في ثواب محسنهم، فبدلوا القول وفَسَقوا، وسألوا الفُومَ والبَصَلَ بَدَلَ المَنّ والسَّلوى، وامتنعوا من قَبُول التوراة بعد إيمانهم بموسى عليه الصّلاة والسلام وأخذ منهم المَوَاثيق أن يؤمنوا به حين رفع فوقهم الجَبَل، ثم استحلّوا الصيد في السّبت واعتدوا، ثم أمروا بذبح البقرة، فشافهوا موسى عليه الصلاة والسلام بقولهم :" أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ". 
ثم لما شاهدوا إحْيَاء الموتى ازدادوا قَسْوة، فكأن الله تعالى يقول : إذا كانت هذه أفعالهم مع نبيهم الذي أعزّهم الله به، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه الصلاة والسلام، فَلْيَهُنْ عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم، وإعراضهم عن الحق. 
ورابعها : تحذير أَهْل الكِتَاب الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. 
وخامسها : الاحتجاج على من أنكر الإعادة من مشركي العرب مع إقراره بالابتداء كما في قوله : كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى  \[ البقرة : ٧٣ \]. 
### فصل في تسلية النبيّ صلى الله عليه وسلم


اعلم أن المراد تسلية رسوله عليه الصلاة والسلام فيما يظهر من أَهْل الكتاب في زمانه من قلّة القبول فقال : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ . 
قال الحسن : هو خطاب مع الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي : وهذا الأليق بالظاهر، وإن كان الأصل في الدّعاء، فقد كان من الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان، ويظهر لهم الدلائل. قال ابن عَبَّاس : إنه خطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام خاصّة ؛ لأنه هو الدّاعي، وهو المقصود بالاستجابة. واللفظة وإن كانت للعموم لكن حملناها على هذا الخصوص لهذه \[ القرينة \][(٤)](#foonote-٤). 
روي أنه حين دخل " المدينة "، ودعا اليهود إلى كتاب الله، وكذبوه، فأنزل الله تعالى وسبب هذا الاستعباد ما ذكرناه أي : أتطمعون أن يؤمنوا مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام الذي كان هو السبب في خَلاَصهم من الذّل، وفضلهم على الكل بظهور المُعْجزات المتوالية على يَدِهِ، مع ظهور أنواع العذاب على المتمردين، فأي استبعاد في عدم إيمان هؤلاء. 
### فصل في إعراب الآية


قوله : أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ  ناصب ومنصوب، وعلامة النصب حذف النون والأصل في " أن " وموضعها نصب أو جر على ما عرف، وعدي " يؤمنوا " باللاّم لتضمّنه معنى أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم قاله الزمخشري. 
فإن قيل : ما معنى الإضافة في قوله :" يُؤْمنُوا لَكُمْ " والإيمان إنما هو لله ؟
فالجواب : أن الإيمان وإن كان لله فهم الدّاعون إليه كما قال تعالى :
 فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ  \[ العنكبوت : ٢٦ \] لما آمن بنبوّته وتصديقه، ويجوز أن يراد أن يؤمنوا لأجلكم، ولأجل تشدّدكم في دعائهم. قوله : وَقَدْ كَانَ فِرِيقٌ منْهُمْ  " الواو " : للحال. 
قال بعضهم : وعلامتها أن يصلح موضها " إذ "، والتقدير : أفتطمعون في إيمانهم، والحال أنهم كاذبون محرفون لكلام الله تعالى. 
و " قد " مقربة للماضي من الحال سوّغت وقوعه حالاً. 
و " يَسْمَعُون " خبر " كان ". 
و " منهم " في محلّ[(٥)](#foonote-٥) رفع صفة ل " فريق "، أي : فريق كائن منهم. 
قال سيبويه : واعلم أن ناساً من ربيعة يقولون :" مِنْهِم " بكسر الهاء إتباعاً لكسرة الميم. ولم يكن المسكن حاجزاً حصيناً عندهم. 
و " الفريق " اسم جمع لا واحد له من لفظه ك " رَهْط وَقَوْم "، وجمعه في أدنى العدد " أَفْرقة "، وفي الكثير " أَفْرِقَاء ". 
و " يَسْمَعُون " نعت ل " فريق "، وفيه بعد، و " كان " وما في حَيّزها في محلّ نصب على ما تقدم. 
وقرئ[(٦)](#foonote-٦) :" كَلِمَ اللَّهِ " وهو اسم جنس واحدة كلمة، وفرّق النحاة بين الكلام والكلم، بأن الكلام شرطه الإفادة، والكلم شرطه التركيب من ثلاث فصاعداً ؛ لأنه جمع في المعنى، وأقلّ الجمع ثلاثة، فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه، وهل " الكلام " مصدر أو اسم مصدر ؟ خلاف. 
والمادة تدل على التأثير، ومنه الكَلْم وهو الجُرْح، والكَلاَم يؤثر في المخاطب. 
قال الشاعر :\[ المتقارب \]
٥٩٨-. . . \*\*\* وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ[(٧)](#foonote-٧)
ويطلق الكلام لغة على الخَطِّ والإشارةِ ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٥٩٩- إِذَا كَلَّمَتْنِي بِالعُيُونِ الفَوَاتِرِ \*\*\* رَدَدْتُ عَلَيْهَا بِالدُّمُوعِ الْبَوادِرِ[(٨)](#foonote-٨)
وعلى النفساني ؛ قال الأخطل :\[ الكامل \]
٦٠٠- إِنَّ الْكَلاَمَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنِّمَا \*\*\* جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلاً[(٩)](#foonote-٩)
وقيل : لم يوجد هذا البيت في ديوان الأخطل. 
وأما عند النحويين \[ فيطلق \][(١٠)](#foonote-١٠) على اللّفظ المركب المفيد بالوضع. 
و " ثم " للتراخي إما في الزمان أو الرتبة. 
و " التحريف " : الإمالة والتحويل، وأصله من الانحراف عن الشيء، ويقال : قلم محرّف إذا كان مائلاً. 
قوله : مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ  متعلق ب  يحرفونه ، و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية، أي : ثم يحرفون الكلام من بعد المعنى الذي فهموه وعرفوه، ويجوز أن تكون مصدرية. 
والضمير في  عقلوه  يعود حينئذ على الكلام أي : من بعد تعقلهم إياه. 
قوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ  جملة حالية، وفي العامل قولان :
أحدهما : عقلوه ، ولكن يلزم منه أن تكون حالاً مؤكدة ؛ لأن معناها قد فهم من قوله :" عقلوه ". 
والثاني وهو الظاهر : أنه  يحرفونه ، أي : يحرفونه حال علمهم بذلك. 
### فصل في تعيين الفريق


قال بعضهم : الفريق مَنْ كان في زمن موسى عليه الصَّلاة والسَّلام ؛ لأنه وصفهم بأنهم سمعوا كلام الله، والذين سمعوا كلام الله هم أهل المِيْقَاتِ. 
قال ابن عباس : هذه الآية نزلت في السَبعين المختارين الذين ذهبوا مع موسى عليه الصلاة والسلام إلى المِيْقَات، وسمعوا كلام الله، وأمره ونهيه، فلما رجعوا إلى قومهم رجع الناس إلى قولهم، وأما الصادقون منهم فأدّوا كما سمعوا[(١١)](#foonote-١١). 
قالت طائفة منهم : سمعنا الله في آخر كلامه يقول : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم ألاَّ تفعلوا فلا بأس. 
قال القرطبي : ومن قال : إنّ السبعين سمعوا كما سمع موسى عليه الصلاة والسلام فقد أخطأ، وأذهب بفضيلة موسى، واختصاصه بالتكليم. 
وقال السُّدِّي وغيره : لم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم، فلمَّا فرغوا وخرجوا بدلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان موسى عليه الصلاة والسَّلام، كما قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ 
\[ التوبة : ٦ \]. 
ومنهم من قال : المراد بالفريق مَنْ كان في زمن محمد صلى الله عليه وسلم كما غيّروا آية الرجم، وصفة محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنهم كاذبون، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسدي وهذا أقرب ؛ لأن الضمير في قوله : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ  راجع إلى ما تقدم من قوله : أَفتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ  والذي تعلّق الطبع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. 
وقولهم : الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا المِيْقَات ممنوع ؛ لأن من سمع التوراة والقرآن يجوز أن يقال : إنه سمع كلام الله. 
فإن قيل : كيف يلزم من إقدام البعض على التَّحْريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين ؟
أجاب القَفَّال فقال : يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء، وهم إنما يأخذون دينهم، ويتعلمونه من علمائهم وهم قوم يتعمدون التحريف عناداً، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وعرفوه. 
### فصل في كلام القدرية والجبرية


قوله : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ  استفهام على سبيل الإنكار، فكان ذلك جَزْماً بأنهم لا يؤمنون ألبتة، وإيمانُ من أخبر الله تعالى عنهم بأنه لا يؤمن ممتنع، فحينئذ تعود الوجوه المذكورة للقدرية والجبرية. 
قال القاضي : قوله : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ  يدل على أن إيمانهم من قلبهم ؛ لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغيّر حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدّم ذكرهم، ولما صحّ كون ذلك تسليةً للرسول وللمؤمنين ؛ لأن الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك، وزواله موقوف على ألا يخلقه فيهم. 
وأيضاً إعظامه تعالى لكذبهم في التحريف من حيث فعلوه، وهم يعلمون صحته. 
وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم يدلّ على ذلك، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم جوابه مراراً. 
### فصل في ذم العالم المعاند


قال أبو بكر الرازي : الآية تدلّ على أن العالم المعاند أبعد من الرّشد، وأقرب إلى اليأس من الجاهل ؛ لأن تعمّده التحري١ - في ب: هذه السورة..
٢ - في ب: يشاهدون..
٣ - أخرجه ابن إسحاق وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (١/١٥٦) عن ابن عباس..
٤ - في أ: الآية..
٥ - زاد في أ: نصب خبرا لـ"كان"، وهذا ضعيف..
٦ - قرأ بها الأعمش.
 انظر المحتسب: ١/٩٣، والكشاف: ١/١٥٦، والمحرر الوجيز: ١/١٦٨، والبحر المحيط: ١/٤٣٩، والدر المصون: ١/٢٦٥، والتخريجات النحوية: ١٨٤..
٧ - عجز بيت لامرئ القيس وصدره:
 لو عن تشا غيره جاءني
 ينظر ديوانه: ص (١٨٥)، الخصائص: ١/٢١، مفردات الراغب: (٤٣٩)، الدر المصون: (١/٢٦٥)..
٨ - ينظر شرح الجمل: (١/٨٧)، الدر المصون: (١/٢٦٥)..
٩ - ينظر شرح المفصل: (١/٢١)، الشذور: (٢٨)، شرح الجمل للزجاجي: (١/٨٧)، الدر المصون: (١/٢٦٥)..
١٠ - في أ: فلا يطلق..
١١ - ذكره الفخر الرازي: ٣/١٢٤..

### الآية 2:76

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:76]

روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به، ونشهد أنَّ صاحبكم صادق، وأنَّ قوله حقّ، ونجده بِنَعْتِهِ وصفته في كتابنا، ثم إذا خَلاَ بعضهم إلى بعض قال الرؤساء كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا وغيرهم أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نَعْتِهِ وصفته ليحاجوكم به[(١)](#foonote-١). 
قال القَفَّال رحمه الله تعالى في قوله تعالى : فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ  : مأخوذ من قولهم : فتح الله على فلان في علم كذا أي \[ رزقه الله ذلك \][(٢)](#foonote-٢) وسهل له طلبه. 
قال الكَلْبي : بما قضى الله عليكم في كتابكم أن محمداً حق، وقوله صِدْق، ومنه قيل للقاضي : الفَتَّاح بلغة " اليَمَن ". 
وقال الكِسَائي : ما بَيّنه الله عليكم. 
وقال الواقدي : بما أنزل الله عليكم نظيره  لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ  \[ الأعراف : ٩٦ \] أي : أنزلنا. 
وقال أبو عبيدة والأخفش : بما مَنَّ الله عليكم به، وأعطاكم من نصركم على عدوكم. 
وقيل : بما فتح الله عليكم أي : أنزل من العذاب ليعيروكم به، ويقولون فمن أكرم على الله منكم. 
وقال مجاهد والقاسم بن أبي بزّة :" هذا قول يهود " قُرَيظة " بعضهم لبعض حين سبهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال :" يَا إخْوَانَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ " فَقَالُوا : من أخبر محمداً بهذا ؟ ما خرج هذا إلاَّ منكم " [(٣)](#foonote-٣). 
وقيل : الإعلام والتبيين بمعنى : أنه بيّن لكم صفة محمد عليه الصلاة والسلام.

### فصل في إعراب الآية


قد تقدّم الكلام على نظير قوله :" وإذا لَقُوا " في أول السورة وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود والمنافقين. 
والثاني : أن تكون في محلّ نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها وهي : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ  والتقدير : كيف تطمعون في إيمانهم وحالهم كيت وكيت ؟
وقرأ[(٤)](#foonote-٤) ابن السّميفع :" لاَقوا " وهو بمعنى " لقوا " فَاعَل بمعنى فَعِل نحو :" سافر " وطارقت النعل :
وأصل " خلا " :" خَلَو " قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتقدم معنى " خلا " و " إلى " في أول السورة. 
قوله : بِمَا فَتَحَ اللَّهُ  متعلق ب " التحديث " قبله، و " ما " موصولة بمعنى " الذي " والعائد محذوف، أي : فتحه. 
وأجاز أبو البَقَاءِ أن تكون نكرة موصوفة أو مصدرية، أي : شيء فتحه، فالعائد محذوف أيضاً، أو بِفَتْحِ الله عليكم. 
وفي جعلها مصدرية إشكال من حيث إنَّ الضمير في قوله بعد ذلك : لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ  عائد على " ما " و " ما " المصدرية حرف لا يعود عليها ضمير على المشهور، خلافاً للأخفش، وأبي بكر بن السراج، إلاّ أن يُتَكَلّف فيقال : الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله : أَتُحَدِّثُونَهُمْ  أو من قوله : فتح ، أي : ليحاجُّوكم بالتحديث الذي حدّثتموهم، أو بالفتح الذي فتحه الله عليكم. 
والجملة في قوله : أَتُحَدِّثُونَهُمْ  في محلّ نصب بالقول، قال القُرْطبي : ومعنى فتح : حكم. 
والفتح عند العرب : القضاء والحكم، ومنه قوله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ  \[ الأعراف : ٨٩ \] أي : الحاكمين. والفتاح : القاضي بلغة " اليمن "، يقال : بيني وبينك الفَتّاح، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. 
والفتح : النصر، ومنه قوله : يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ  \[ البقرة : ٨٩ \] وقوله : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ  \[ الأنفال : ١٩ \]. 
قوله : لِيُحَاجُّوكُمْ  أي : ليخاصموكم، ويحتجوا بقولكم عليكم، وهذه اللام تسمى لام " كي " بمعنى أنها للتعليل، كما أن " كي " كذلك لا بمعنى أنها تنصب ما بعدها بإضمار ب " كي " كما سيأتي، وهي حرف جر، وإنما دخلت على الفعل ؛ لأنه منصوب ب " أن " المصدرية مقدّرة بعدها، فهو معرب بتأويل المصدر أي : للمُحَاجَّة، فلم تدخل إلاّ على اسم، لكنه غير صريح. 
والنصب ب " أن " المضمرة كما تقدم لا ب " كي " خلافاً لابن كَيْسَان والسّيرافي، وإن ظهرت بعدها نحو قوله تعالى : لِكَيْلاَ تَأْسَوْاْ  \[ الحديد : ٢٣ \] لأن " أَنْ " هي أم الباب، فادعاء إضمارها أولى من غيرها. 
وقال الكوفيون : النَّصْب ب " اللام " نفسها، وأن ما يظهر بعدها من " كي "، ومن " أَنْ " إنما هو على سبيل التأكيد، وللاحتجاج موضعٌ غير هذا. 
ويجوز إظهار " أن " وإضمارها بعد هذه " اللام " إلاَّ في صورة واحدة، وهي إذا وقع بعدها " لا " نحو قوله : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ  \[ الحديد : ٢٩ \]  لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ  \[ البقرة : ١٥٠ \] وذلك لما يلزم من توالي لاَمَيْنِ، فَيثْقُل اللفظ. 
والمشهور في لغة العرب كسر هذه اللام ؛ لأنها حرف جر، وفيها لغة شاذة وهي الفتح. 
قال الأخفش :" لأن الفتح الأصل ". 
قال خلف الأحمر : هي لغة بني العَنْبَر. وهذه اللام متعلّقة بقوله : أَتُحَدِّثُونَهُمْ . 
وذهب بعضهم إلى أنها متعلّقة ب " فتح " وليس بظاهر ؛ لأن المُحَاجَّة ليست علّة للفتح، وإنما هي نشأت عن التحديث، اللّهم إلا أن يقال : تتعلّق به على أنها لام العاقبة، وهو قول قيل به، فصار المعنى أن عاقبة الفتح ومآله صار إلى أن يحاجُّوكم. 
أو تقول : إن اللاَّم لام العلّة على بابها، وإنما تعلّقت ب " فتح " ؛ لأنه سبب للتحديث، والسبب والمسبب في هذا واحد. 
والحُجّة : الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجّة الطريق، وحاججت فلاناً \[ فحججته \] أي : غالبته، ومنه الحديث :" فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى "، وذلك لأن الحجّة نفي الطَّريق المسلوك الموصّلة للمراد. 
والضمير في " به " يعود على " ما " من قوله تعالى : بِمَا فَتَحَ اللَّهُ  وقد تقدم أنه يضعف القول بكونها مصدرية، وأنه يجوز أن يعود على أحد المصدرين المفهومين من " أَتُحَدِّثُونَهُمْ " و " فتح ". 
قوله :" عِنْدَ رَبِّكُمْ " ظرف معمول لقوله :" لِيُحَاجُّوكُمْ " بمعنى : ليحاجُّوكم يوم القيامة، فيكون ذلك زائداً في ظهور فضيحتكم على رؤوس الخَلاَئق في الموقف، فكنى عنه بقوله :" عِنْدَ رَبِّكُمْ " قاله الأصم وغيره. 
وقال الحسن :" عند " بمعنى " في " أي : ليحاجُّوكم في ربكم أي : فيكونون أحقّ به منكم. 
وقيل : ثم مضاف محذوف أي : عند ذكر ربكم. وقال القَفّال رحمه الله تعالى : يقال : فلان عندي عالم أي : في اعتقادي وحُكْمي، وهذا عند الشَّافعي حَلاَل، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى حرام أي : في حكمهما وقوله : لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ  أي : لتصيروا محجوجين \[ عند ربكم \][(٥)](#foonote-٥) بتلك الدلائل في حكم الله. 
ونظيره تأويل بعض العلماء قوله : يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ  \[ النور : ١٣ \] أي : في حكم الله وقضائه أن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً. 
وقيل : هو معمول لقوله : بِمَا فَتَحَ اللَّهُ  أي : بما فتح الله من عند ربّكم ليحاجّوكم، وهو نَعْته عليه الصلاة والسلام وأخذ ميثاقهم بتصديقه. 
ورجّحه بعضهم وقال : هو الصحيح ؛ لأن الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدّنيا. 
وفي هذا نظر من جهة الصناعة، وذلك أن " ليُحَاجُّوكُمْ " متعلق بقوله : أَتُحَدِّثُونَهُمْ  على الأظهر كما تقدم، فيلزم الفَصْل به بين العامل وهو " فتح " وبين معموله وهو عند ربك وذلك لا يجوز ؛ لأنه أجنبي منهما. 
قوله :" أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " في هذه الجملة قولان :
أحدهما : أنها مندرجة في حَيِّز القول، أي : إذا خَلاَ بعضهم ببعض قالوا لهم : أتحدثونهم بما يرجع وَبَاله عليكم وصِرْتُم محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق، وهذا أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم، فَعَلَى هذا محلها النصب. 
والثاني : أنها من خطاب الله تعالى للمؤمنين، وكأنه قدح في إيمانهم، لقوله : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ  \[ البقرة : ٧٥ \] قاله الحسن. 
فعلى هذا لا محلّ له، ومفعول " تعقلون " يجوز أن يكون مراداً، ويجوز ألاّ يكون. 
١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٢٥١) عن ابن عباس..
٢ - في أ: رزق ذلك..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٢٥٢) عن مجاهد..
٤ - انظر البحر المحيط: ١/٤٣٩، الدر المصون: ١/٢٦٦..
٥ - سقط في ب..

### الآية 2:77

> ﻿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [2:77]

قوله : أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ  تقدم أن مذهب الجمهور أن النّية بالواو والتقديم على الهمزة ؛ لأنها عاطفة، وإنما أخرت عنها، لقوة همزة الاستفهام، وأن مذهب الزمخشري تقدير فعل بعد الهمزة و " لا " للنفي. 
و  أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ  في محلّ نصب وفيها حينئذ تقديران :
أحدهما : أنها سادّة مسدّ مفرد إن جعلنا " علم " بمعنى " عرف ". 
والثاني : أنها سادّة مسدّ مفعولين إن جعلناها متعدية لاثنين ك " ظننت "، وقد تقدم أن هذا مذهب سيبويه والجمهور، وأن الأخفش يدعي أنها سدّت مسدّ الأول، والثاني محذوف. و " ما " يجوز أن تكون بمعنى " الذي "، وعائدها محذوف، أي : ما يسرونه ويعلنونه، وأن تكون مصدرية، أي : يعلم سرهم وعلانيتهم. \[ والسر \][(٦)](#foonote-٦) والعلانية يتقابلان. 
وقرأ ابن محيصن[(٧)](#foonote-٧) " تسرون " و " تعلنون " بالتاء على الخطاب.

### فصل في أن المراد بالسؤال هو التخويف والزجر


**في الآية قولان :**
الأول : وهو قول الأكثرين أن اليهود كانوا يعرفون أن الله يعلم السّر والعلانية، فخوّفهم به. 
والثاني : أنهم ما علموا بذلك، فرغبهم بهذا القول في أن يتفكّروا، فيعرفوا أن ربهم يعلم سرهم وعلانيتهم، وأنهم لا يأمنون حلول العِقَابِ بسببِ نِفَاقِهِمْ، وعلى كلا القولين فهذا الكلام زَجْر لهم عن النفاق، وعن وصية بعضهم بعضاً بكتمان دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 
والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك ؛ لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر : أو لا يعلم كيف وكيت، إلاّ وهو عالم بذلك الشيء، ويكون ذلك زاجراً له عن ذلك الفعل. 
### فصل في الاستدلال بالآية على أمور


قال القاضي : الآية تدلّ على أمور منها :
أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد، فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال، ومنها أنها تدلّ على صحّة الحجاج والنظر وأن ذلك قد كان على طريقة الصّحابة والمؤمنين. 
ومنها أنها تدلّ على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرماً.

### الآية 2:78

> ﻿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [2:78]

واعلم أنه تعالى لما وصف اليهود بالعِنَادِ، وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الضَّالة المضلّة، وهم الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه. 
والفرقة الثانية : المنافقون. 
والفرقة الثالثة : الذين يُجَادلون المنافقين. 
والفرقة الرابعة : هم المذكورون هنا، وهم العامة الأمّيون الذين لا يعرفون القراءة، ولا الكتابة، وطريقتهم التقليد وقَبُول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن المُمْتَنِعِينَ عن الإيمان ليس سبب ذلك واحداً، بل لكل قسم سبب. 
وقال بعضهم : هم بعض اليهود والمنافقين. 
وقال عكرمة والضَّحاك :" هم نصارى العرب ". 
وقيل :" هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، فصاروا آمنين ". وعن علي رضي الله عنه هم المجوس. 
قوله :" مِنْهُمْ " خبر مقدم، فيتعلّق بمحذوف. و " أمّيون " مبتدأ مؤخر، ويجوز على رأي الأخفش أن يكون فاعلاً بالظرف قبله، وإن لم يعتمد. 
وقد بنيت على ماذا يعتمد فيما تقدم. 
و " أُمِّيُّونَ " جمع " أمّي " وهو من لا يَكْتب ولا يَقْرأ. 
واختلف في نسبته فقيل : إلى " الأمّ " وفيه معنيان :
أحدهما : أنه بحال أُمّه التي ولدته من عدم معرفة الكتابة، وليس مثل أبيه ؛ لأن النساء ليس من شُغْلهن الكتابة. 
والثاني : أنه بحاله التي ولدته أمه عليها لم يتغير عنها، ولم ينتقل. 
وقيل : نسب إلى " الأُمَّة " وهي القَامَة والخِلْقَة، بمعنى أنه ليس له من النَّاس إلا ذلك. 
وقيل : نسب إلى " الأُمَّة " على سَذَاجتها قبل أن يَعْرِف الأشياء، كقولهم : عامي أي : على عادة العامة. 
وعن ابن عَبَّاس :" قيل لهم : أميون ؛ لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب ". 
وقال أبو عبيدة :" قيل لهم : أُميون، لإنْزَال الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا لأم الكتاب ". 
وقرأ ابن أبي عَبْلة[(١)](#foonote-١) :" أُمِّيُون " بتخفيف الياء كأنه استثقل توالي تضعيفين. 
وقيل : الأمي : من لا يُقِرّ بكتاب ولا رسول. 
قوله : لاَ يَعْلَمُونَ  جملة فعلية في محلّ رفع صفة ب " أميون "، كأنه قيل : أميون غير عالمين. 
قوله : ِلاَّ أَمَانِيَّ  هذا استثناء منقطع ؛ لأن " الأماني " ليست من جنس " الكتاب "، ولا مندرجة تحت مدلوله، وهذا هو المُنْقطع، ولكن شرطه أن يتوهّم دخوله بوجه ما، كقوله : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ  \[ النساء : ١٥٧ \] وقول النَّابغة :\[ الطويل \]

٦٠١- حَلَفْتُ يَمِيناً غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ  وَلاَ عِلْمَ إِلاَّ حُسْنَ ظَنٍّ بِصَاحِبِ[(٢)](#foonote-٢)لأن بذكر العلم اسْتُحضِر الظن، ولهذا لا يجوز : صَهَلَتِ الخيل إلاَّ حماراً. 
واعلم أن المنقطع على ضربين : ضرب يصحّ توجه العامل عليه، نحو : جاء القوم إلاّ حماراً. وضرب لا يتوجه نحو ما مثل به النحاة :" ما زاد إلا ما نقص "، و " ما نفع إلا ما ضر " فالأول فيه لُغتان : لغة " الحجاز " وجوب نصبه، ولغة " تميم " أنه كالمتّصل، فيجوز فيه بعد النفي وشبهه النصب والإتباع. 
والآية الكريمة من الضرب الأول، فيحتمل في نصبها وَجْهان :
أحدهما : على الاستثناء المنقطع. 
والثاني : أنه بدل من " الكتاب ". 
و " إلاّ " في المنقطع تقدر عند البصريين ب " لَكِنَّ "، وعند الكونفيين ب " بل "، وظاهر كلام أبي البقاء أن نصبه على المصدر بفعل مَحْذُوف، فإنه قال :" إلا أماني " استثناء منقطع ؛ لأن الأماني ليس من جنس العلم، وتقدير " إلاّ " في مثل هذا ب " لكن " أي : لكن يتمنونه أماني، فيكون عنده من باب الاستثناء المفرّغ المنقطع، فيصير نظير :" ما علمت إلا ظنّاً ". \[ وفيه نظر \]. 
الأَمَاني جمع " أُمْنِيَّة " بتشديد الياء فيها. 
وقال أبو البَقَاءِ :" يجوز تخفيفها فيها ". 
وقرأ أبو جعفر[(٣)](#foonote-٣) بتخفيفها، حَذَفَ إحدى الياءين تخفيفاً. 
قال الأخفش :" هذا كما يقال في جمع مفتاح : مفاتح ومفاتيح ". 
قال النَّحَّاس :" الحذف في المعتلّ أكثر " ؛ وأنشد قول النابغة :\[ الطويل \]٦٠٢- وَهَلْ يُرْجِعُ التَّسْلِيمَ أو يَكْشِفُ العَمَى  ثَلاثُ الأَثَافِي والرُّسُومُ البَلاَقِعُ[(٤)](#foonote-٤)وقال أبو حَاتِمٍ :" كلّ ما جاء واحده مشدداً من هذا النوع فلك في الجمع الوجهان ". وأصله يرجع إلى ما قال الأخفش. 
ووزن " أمنية " :" أُفْعُولَة " من تَمَنَّى[(٥)](#foonote-٥) يَتَمَنَّى : إذا تلا وقرأ ؛ قال :\[ الطويل \]٦٠٣- تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ  تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رِسْلِ[(٦)](#foonote-٦)وقال كعب بن مالك :\[ الطويل \]٦٠٤- تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ  وآخِرَهُ لاَقَى حِمَامَ المقَادِرِ[(٧)](#foonote-٧)وقال تعالى : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ  \[ الحج : ٥٢ \] أي : قرأ وتلا. 
والأصل على هذا :" أُمْنُويَة " فأعلت إعلال " ميت " و " سيد " وقد تقدم. 
وقيل : الأمنية : الكذب والاختلاق. 
قال أعرابي لابن دَأْب[(٨)](#foonote-٨) في شيء يحدث به : أهذا الشيء رويته أم تمنيته أي : اختلقته. 
وقيل : ما يتمنّاه الإنسان ويشتهيه. 
وقيل : ما يقدره ويحزره من مَنَّى : إذا كذب، أو تمنى، أو قدر ؛ كقوله :\[ البسيط \]٦٠٥- لاَ تَأْمَنَنَّ وَإِنْ أَمْسَيْتَ في حَرَمٍ  حَتَّى تُلاَقِيَ مَا يَمْنِي لَكَ المَانِي[(٩)](#foonote-٩)أي : يقدر لك المقدر. 
قال الراغب : والمني : التقدير، ومنه " المَنَا " الذي يُوزَن به، ومنه " المنية " وهو الأجل المقدر للحيوان، " والتَّمَنِّي " : تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن ظنّ وتخمين، وقد يكون بناء على رَوِيَّةٍ وأصل، لكن لما كان أكثره عن تخمين كان الكذب أملك له، فأكثر التمني تصوّر ما لا حقيقة له \[ والأمنية : الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء \][(١٠)](#foonote-١٠). ولما كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ الدَّال صار التمني كالمبدأ للكذب فعبر عنه. 
ومنه قوله عثمان :" ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت ". 
وقال الزمخشري[(١١)](#foonote-١١) : والاشتقاق من منَّى : إذا قدَّر ؛ لأن المتمني يُقَدِّرُ في نفسه، ويَحْزر ما يتمناه، وكذلك المختلق، والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، فجعل بين هذه المعاني قدراً مشتركاً وهو واضح. 
وقال أبو مسلم : حَمْله على تمني القلب أولى بقوله تعالى : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ  \[ البقرة : ١١١ \]. 
وقال الأكثرون : حمله على القراءة أليق ؛ لأنا إذا حَمَلْنَاه على ذلك كان له به تعلّق، فكأنه قال : لا يعلمون الكتاب إلاَّ بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنَّهُمْ لا يتمكّنون من التدبُّر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً. 
قوله : وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ  " إن " نافية بمعنى " ما " وإذا كانت نافية المشهور أنها لا تعمل عمل " ما " الحِجَازية. 
وأجاز بعضهم ذلك ونسبه لسيبويه، وأنشد :\[ المنسرح \]٦٠٦- إنْ هُوَ مُسْتَوْلِياً عَلَى أَحَدٍ  إلاَّ عَلَى أَضْعَفِ المَجَانِينِ[(١٢)](#foonote-١٢) " هو " اسمها، و " مستولياً " خبرها. 
فقوله :" هم " في محل رفع الابتداء لا اسم " إن " لأنها لم تعمل على المشهور، و " إلا " للاستثناء المفرغ، ويظنون في محلّ الرفع خبراً لقوله " هم ". 
وحذف مفعولي الظَّن للعمل بهما واقتصاراً، وهي مسألة خلاف. 
### فصل في بطلان التقليد في الأصول


الآية تدلّ على بطلان التقليد. 
قال ابن الخطيب : وهو مشكل ؛ لأن التقليد في الفروع جائز عندنا[(١٣)](#foonote-١٣). 
١ - وبها قرأ شيبة، والأعرج، وابن جماز عن نافع، وهارون عن أبي.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٦٩، والبحر المحيط: ١/٤٤٢، والدر المصون: ١/٢٦٩، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٩٨، ٣٩٩، وشرح الطيبة: ٤/٤٢..
٢ - ينظر ديوانه: ص ٤١، وخزانة الأدب: ٣/٣٢٣، ٣٣٠، ٦/٨٩. وشرح أبيات سيبويه: ٢/٥١، والكتاب: ٢/٣٢٢، واللمع في العربية: ص ١٥١، والخصائص: ٢/٢٢٨. والدر: ١/٢٦٨..
٣ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٦٩، والبحر المحيط: ١/٤٤١، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٩٨..
٤ - البيت لذي الرمة ينظر ديوانه: ص (١٢٧٤) وليس للنابغة، وخزانة الأدب: ١/٢١٣، والدرر: ٦/٢٠١، ولسان العرب (خمس)، والأشباه والنظائر: ٥/١٢٢، ٢٨٠، وإصلاح المنطق: ص ٣٠٣، وجواهر الأدب: ص٣١٧، وشرح شواهد الإيضاح: ص ٣٠٨، وشرح المفصل: ٢/١٢٢، وأمالي ابن الحاجب: ١/٣٥٨، وتذكرة النحاة: ص ٣٤٤، وشرح الأشموني: ٢/٨٧، والمقتضب: ٢/١٧٦، ٤/١٤٤، والمنصف: ١/٦٤، وهمع الهوامع: ٢/١٥٠، والدر: ١/٢٦٩..
٥ - في ب: تمنى..
٦ - ينظر القرطبي: (٢/٦)، اللسان (منى)، الكشاف: (١/١٥٧)، مجمع البيان: (١/٣٢٢)، الدر المصون: (١/٢٦٩)..
٧ - ينظر القرطبي: (١/٦)، المحرر الوجيز: (١/٣٣٠)، مجمع البيان: (١/٣٢٢)، اللسان (منى)، والدر: ١/٢٦٩..
٨ - عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب الليثي البكري الكناني، أبو الوليد: خطيب، شاعر، عالم بالأنساب، راوية من أهل المدينة، اشتهر بأخباره مع المهدي العباسي. وحظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد. قال ابن قتيبة: له عقب بالبصرة، وكان أبوه "يزيد" عالما أيضا بأخبار العرب وأشعارها، والأغلب على آل دأب الأخبار.
 توفي سنة ١٧١هـ.
 انظر إرشاد الأريب: ٦/١٠٤، البيان والتبيين: ١/٣٠، لسان الميزان: ٤/٤٠٨، التاج: ١/٢٤٢، الأعلام: ٥/١١١..
٩ - البيت لسويد بن عامر. ينظر اللسان والتاج (منى)، القرطبي: (٢/٦)، الدر المصون: ١/٢٦٩..
١٠ - سقط في ب..
١١ - ينظر الكشاف: ١/١٥٧..
١٢ - ينظر الأزهية: ص ٤٦، وأوضح المسالك: ١/٢٩١، وتخليص الشواهد: ص ٣٠٦، وخزانة الأدب: ٤/١٦٦، والدرر: ٢/١٠٨، والمقاصد النحوية: ٢/١١٣، والمقرب: ١/١٠٥، وشرح التصريح: ١/٢٠١، وشرح الأشموني: ١/١٢٦، وشرح ابن عقيل: ص ١٦٠، وشرح عمدة الحافظ: ص ٢١٦، والجنى الداني: ص ٢٠٩، ورصف المباني: ص ١٠٨، وجواهر الأدب: ص ٢٠٦، وهمع الهوامع: ١/١٢٥، والدر: ١/٢٧٠..
١٣ - ينظر المستصفى: ٢/٣٨٧ اللمع: (٧) جمع الجوامع: ٢/٣٩٢ شرح الكوكب: (٦١٦) البرهان: ٢/١٣٥٧ المنخول: ٤٧٢ الإحكام للآمدي: ٤/١٩٢ المنتهى: (١٦٣) شرح العضد: ١/٣٠٥، إرشاد الفحول: (٢٦٥) نشر البنود: ٢/٣٣٥، تيسير التحرير: ٤/٢٤٢ المسودة: (٤٦٢) فواتح الرحموت: ٢/٤٠٠ ميزان الأصول: ٢/٩٤٩.
 .

### الآية 2:79

> ﻿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [2:79]

قوله : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ  " ويل " مبتدأ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة، لأنه دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات، سواء كان دعاء له نحو :" سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ " أو دعاء عليه كهذه الآية، والجار بعده الخبر، فيتعلّق بمحذوف. 
وقال أبو البقاء : ولو نصب لكان له وجه على تقدير : ألزمهم الله ويلاً، واللام للتبيين ؛ لأن الاسم لم يذكر قبل المصدر يعني : أن اللام بعد المنصوب للبيان، فيتعلّق بمحذوف. وقوله : لأن الاسم لم يذكر قبل، يعني أنه لو ذكر قبل " ويل " فقلت :" ألزم الله زيداً ويلاً " لم يحتج إلى تبيين بخلاف ما لو تأخر. وعبارة الجرمي توهم وجوب الرفع في المقطوع عن الإضافة ؛ ونصّ الأخفش على جواز النّصب، فإنه قال : ويجوز النصب على إضمار فعل أي : ألزمهم الله ويلاً. 
واعلم أن " وَيْلاً " وأخواته وهي :" وَيْح " و " وَيْس " و " وَيْب " و " وَيْه " و " ويك " و " عَوْل " من المصادر المنصوبة بأفعال من غير لفظها، وتلك الأَفْعَال واجبة الإضمار، لا يجوز إظهارها ألبتة ؛ لأنها جعلت بدلاً من اللفظ بالفعل، وإذا فصل عن الإضافة فالأحسن فيه الرفع نحو :" ويل له " وإن أضيف نصب على ما تقدم، وإن كانت عبارة الجرمي توهم وجوب الرفع عند قَطْعه عن الإضافة، فإنه قال : فإذا أدخلت اللاّم رفعت فقلت :" ويل له " و " ويح له " كأنه يريد على الأكثر، ولم يستعمل العرب منه فعلاً ؛ لاعتلال عينه وفائه. وقد حكى ابن عرفة[(١٤)](#foonote-١٤) :" تَوَيَّلَ الرجل " إذا دعا بالوَيْلِ. وهذا لا يرد ؛ لأنه مثل قولهم : سَوَّفْتَ ولَوْلَيت إذا قلت له : سَوْفَ وَلَوْ. 
ومعنى الويل : شدة الشر، قاله الخليل. 
وقال الأَصْمَعِيّ : الويل : التفجُّع، والويح : الترحم. 
وقال سيبويه[(١٥)](#foonote-١٥) : وَيْلٌ لمن وقع في الهَلكة، وويح زجر لمن أشرف على الهلاك. 
وقيل : الويل : الحزن. 
وهل " ويل وويح وويس وويب " بمعنى واحد أو بينها فرق ؟ خلاف فيه، وقد تقدم ما فرق به سيبويه في بعضها. 
وقال قوم :" ويل " في الدعاء عليه، و " ويح " وما بعده ترحم عليه. 
وزعم الفراء أنّ أَصْل " ويل " : وَيْ، أي : حزن، كما تقول : وي لفلان أي حُزْنٌ له، فوصلته العرب باللاّم، وقدرت أنها منه فأعربوها، وهذا غريب جدًّا. 
ويقال : وَيْلٌ وَوَيْلَة. 
وقال امرؤ القيس :\[ الطويل \]

٦٠٧- لَهُ الوَيْلُ إنْ أَمْسَى وَلاَ أُمُّ عَامِرٍ[(١٦)](#foonote-١٦)  لَدَيْه[(١٧)](#foonote-١٧) وَلاَ البَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا[(١٨)](#foonote-١٨)وقال أيضاً :\[ الطويل \]
٦٠٨- وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ \*\*\* فَقَالَتْ : لَكَ الوَيْلاَتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي[(١٩)](#foonote-١٩)
ف " وَيْلات " جمع " وَيْلة " لا جمع " وَيْل " كما زعم ابن عطية ؛ لأن جمع المذكر بالألف والتاء لا ينقاس. 
قال ابن عباس رضي الله عنه :" الويل العذاب الأليم "، وعن سفيان الثوري أنه قال :" صديد أهل جهنم ". وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :" الوَيْلُ وَادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ " [(٢٠)](#foonote-٢٠) \][(٢١)](#foonote-٢١). 
وقال سعيد بن المسيب :" وَادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدّنيا لانماعت من شدّة حره " [(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقال ابن يزيد :" جبل من قَيْح ودم ". 
وقيل : صهريج في جهنم. 
وحكى الزهراوي عن آخرين : أنه باب من أبواب جَهَنّم. 
وعن ابن عباس : الويل المشقّة من العذاب. 
وقيل : ما تقدم في اللغة. 
قوله :" بِأَيْدِيْهِمْ " متعلّق ب " يكتبُون "، ويبعد جعله حالاً من " الكتاب "، والكتاب هنا بمعنى المكتوب، فنصبه على المفعول به، ويبعد جعله مصدراً على بابه، وهذا من باب التأكيد، فإن \[ الكتابة \][(٢٣)](#foonote-٢٣) لا \[ تكون \][(٢٤)](#foonote-٢٤) بغير اليد، \[ ونظيره \][(٢٥)](#foonote-٢٥) : ولا طائر يطير بجناحيه  \[ الأنعام : ٣٨ \]  يقولون بأفواههم  \[ آل عمران : ١٦٧ \]. 
وقيل : فائدة ذكره أنهم باشروا ذلك بأنفسهم، ولم يأمروا به غيرهم، فإن قولهم : فعل كذا يحتمل أنه أمر بفعله ولم يباشره، نحو :" بنى الأمير المدينة " فأتى بذلك رفعا لهذا المجاز. 
وقيل : فائدة \[ ذكره أنهم باشروا ذلك بأنفسهم، ولم يأمروا به غيرهم. ففائدته \][(٢٦)](#foonote-٢٦) بيان جرأتهم ومجاهرتهم، فإن المباشر للفعل أشد مواقعة ممن لم يباشره. 
وهذان القولان قريبان من التأكيد، فإن أصل التأكيد رفع توهم المجاز. 
وقال ابن السراج : ذكر الأيدي كناية عن أنهم اختلقوا ذلك من تلقائهم، ومن عند أنفسهم، وهذا الذي قاله لا يلزم. 
والأيدي : جمع " يد "، والأصل : أيدي بضم الدال ك " فلس وأفلس " في القلة، فاستثقلت الضمة قبل الياء، فقبلت كسرة للتجانس، نحو :" بيض " جمع " أبيض "، والأصل " بيض " بضم الباء ك " حمر " جمع " أحمر "، وهذا رأي سيبويه، أعني أنه يقر الحرف ويغير الحركة، ومذهب الأخفش عكسه، وسيأتي تحقيق مذهبهما عند ذكر " معيشة " إن شاء الله تعالى. 
وأصل :" يد " : يدي- بسكون العين. 
وقيل : يدي- بتحريكها- فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا، فصار : يدا ك " رحى "، وعليه التثنية : يديان \[ وعليه أيضا قوله :
\[ الرجز \]. ٦٠٩- يا رب سار بات ما توسدا  إلا ذراع العنز أو كف اليدا[(٢٧)](#foonote-٢٧) \][(٢٨)](#foonote-٢٨).\[ والمشهور في تثنيتها عدم رد لامها، قال تعالى : بل يداه مبسوطتان  \[ المائدة : ٦٤ \]  تبت يدا أبي لهب وتب  \[ المسد : ١ \] وقد شذ الرد في قوله : يديان ؛ قال :\[ الكامل \]٦١٠- يديان بيضاوان عند محلم  قد يمنعانك أن تضام وتقهرا[(٢٩)](#foonote-٢٩)و " أياد " جمع الجمع، نحو : كلب وأكلب وأكالب، ولا بد في قوله :" يكتبون الكتاب " من حذف يصح معه المعنى، فقدره الزمخشري :" يكتبون الكتاب المحرف "، وقدره غيره حالا من الكتاب تقديره : ويكتبون الكتاب محرفا، وإنما \[ أحوج \][(٣٠)](#foonote-٣٠) إلى هذا الإضمار ؛ لأن الإنكار لا يتوجه على من كتب الكتاب بيده إلا إذا حرفه غيره. 
قوله :" ليشتروا " اللام : لام كي، وقد تقدمت، والضمير في " به " يعود على ما أشاروا إليه بقوله " هذا من عند الله ". 
و " ثمنا " مفعوله. 
وقد تقدم تحقيق دخول الباء على غير الثمن عند قوله : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا  \[ البقرة : ٤١ \] فليلتفت إليه، واللام متعلقة ب " يقولون " أي : يقولون ذلك لأجل الاشتراء. 
وأبعد من جعلها متعلقة بالاستقرار الذي تضمنه قوله :" من عند الله ". 
قوله :" مما كتبت أيديهم " متعلق ب " ويل " أو بالاستقرار في الخبر. 
و " من " للتعليل و " ما " موصولة اسمية، والعائد محذوف، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة. 
والأول أقوى، والعائد أيضاً محذوف أي : كتبته، ويجوز أن تكون مصدرية، أي : من كَتْبِهِمْ. 
و  وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ  مثل ما تقدم قبله، وإنما كرر الوَيْل ؛ ليفيد أن الهَلَكَة متعلقة بكل واحد من الفعلين على حِدَته لا بمجموع الأمرين، وإنا قدم قوله :" كَتَبَتْ " على " يَكْسِبُون " ؛ لأن الكتابة مقدمة، فنتيجتها كَسْب المال، فالكَتْب سبب والكَسْب مسبب، فجاء النظم على هذا. 
### فصل في سبب هذا الوعيد


هذا الوعيد مرتّب على أمرين : على الكتابة الباطلة لقصد الإضلال، وعلى أن المكتوب من عند الله، فالجمع بينهما منكر عظيم. 
وقوله : لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  تنبيه على أمرين :
الأول : أنه يدلّ على نهاية شقاوتهم ؛ لأن العاقل لا يرضى بثمن قليل في الدنيا يحرمه الأجر العظيم الأبدي في الآخرة. 
والثاني : إنما فعلوا ذلك طلباً للمال والجَاهِ، وهذا يدلّ على أن أَخْذَ المال بالباطل وإن كان بالتّراضي فهو مُحَرّم ؛ لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان عن محبة ورضا. 
وقوله : فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ  دليل على أخذهم المال عليه، فلذلك كرر \[ ذكر \][(٣١)](#foonote-٣١) الويل. 
واختلفوا في قوله :" يَكْسِبُونَ " هل المراد سائر معاصيهم، أو ما كانوا يأخذون على الكتابة والتحريف ؟
والأقرب في نظم الكلام أنه راجعٌ إلى الكَسْب المأخوذ على وجه الكتابة والتحريف، وإن كان من حيث العموم أنه يشمل الكل. 
### فصل في الرد على المعتزلة


قال القاضي : دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم :" هو من عند الله " حقيقة ؛ لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فَهَبْ أن العبد يكتسب إلا أن نسبة ذلك الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب، فكان إسناد تلك الكتابة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العَبْدِ، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها : إنها من عند الله، ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتابة ليست مخلوقة لله تعالى. 
والجواب : أنَّ الداعية الموجبة لها من خَلْق الله كما تقدم في مسألة الداعي. 
### فصل


يروى أن أَحْبار اليهود خافوا ذهاب كَلِمتهم ومآكلهم وزوال رِيَاستهم حين قدم رسول الله صلى لله عليه وسلم " المدينة " فاحْتَالوا في تَعْويق اليهود عن الإيمان، فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة فغيّروها، وكان صفته فيها حَسَن الوجه، حَسَن الشعر، أَكْحَل العينين رَبْعة القامة فغيّروها وكتبوا مكانها طويلاً أَزْرق سَبْطَ الشعر، فإذا سألهم سَفَلتهم عن محمد صلى الله عليه وسلم قرءوا ما كتبوه عليهم، فيجدونه مخالفاً لصفته فيكذبونه[(٣٢)](#foonote-٣٢). 
وقال أبو مَالِكٍ : نزلت هذه الآية في الكاتب الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيغير ما يملي عليه. 
روى الثعلبي بإسناده " عن أنس أن رجلاً كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد قرأ " البقرة " و " آل عمران " وكان النبي صلى الله عليه وسلم تلا " غفوراً رحيماً " فكتب " عليماً حكيماً " فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم :" اكْتُبُ كَيْفَ شِئْتَ " قال : فارتد ذلك الرجل عن الإسلام، ولحق بالمشركين فقال : أنا أعلمكم بمحمد إنِّي كنت أكتب ما شئت، فمات ذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إنَّ الأَرْضَ لاَ تَقْبَلُهُ[(٣٣)](#foonote-٣٣) " قال : فأخبرني أبو طَلْحَة : أنه أتى الأرض التي مات فيها، فوجده منبوذاً. 
قال أبو طلحة : ما شأن هذا الميت ؟ قالوا دفناه مراراً فلم تقبله الأرض.

### الآية 2:80

> ﻿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:80]

فقوله : إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً  استثناء مفرّغ، و " أيَّاماً " منصوب على الظرف بالفعل قبله، والتقدير : لن تمّسنا النار أبداً إلاّ أياماً قلائل يَحْصُرُها العَدُّ ؛ لأن العد يحصر القليل، وأصل :" أيّام " : أَيْوَام ؛ لأنه جمع يوم، نحو :" قوم وأقوام "، فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فوجب قلب الواو ياء، وإدغام الياء في الياء مثل :" هَيّن وميّت ".

### فصل


**ذكروا في الأيام المعدودة وجهين :**
الأول : أن لفظة الأيام \[ لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها، ولا تضاف إلى ما فوقها، فيقال : أيام خمسة، وأيام عشرة، ولا يقال : أيام أحد عشر. إلاَّ أن هذا \] يشكل بقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ  \[ البقرة : ١٨٣ \] إلى أن قال : أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍِ  \[ البقرة : ١٨٤ \] وهي أيام الشهر كله، وهي أزيد من العشرة. 
قال القاضي : إذا ثبت أن الأيام محمولة على العَشْرة فما دونها، فالأشبه أن يقال : إنه الأقل أو الأكثر ؛ لأن من يقول ثلاثة يقول : أحمله على أقل الحقيقة فله وجه، ومن يقول : عشرة يقول : أحمله على الأكثر وله وجه. 
فأما حمله على أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له ؛ لأنه ليس عَدَدٌ أولى من عَدَدٍ، اللهم إلا إنْ جاءت في تقديرها رواية صحيحة، فحينئذ يجب القول بها. 
روي عن ابن عباس ومجاهد : أن اليهود كانت تقول :" الدنيا سبعة آلاف سنة، فالله يعذب على كلّ ألف سنة يوماً واحداً [(١)](#foonote-١) ". 
وحكى الأصم عن بعض اليهود : أنهم عبدوا العِجْل سبعة أيام. 
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه : أنه قدر هذه الأيام بالأربعين، وهو عدد الأيام التي عبد آباؤهم العجل فيها، وهي مدّة غيبة موسى عليه الصلاة والسلام عنهم. 
وقال الحسن وأبو العالية : قالت اليهود : إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذّبنا أربعين يوماً، فلن تمسّنا النار إلاّ أربعين يوماً تحلّة القسم، فكذبهم الله تعالى بقوله تعالى : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً . 
وقالت طائفة : إن اليهود قالت في التوراة : إنَّ جهنم مسيرة أربعين سنة، وأنهم يقطعون في كلّ يوم سنة حتى يكملوها، وتذهب جهنّم. رواه الضَّحاك عن ابن عباس. 
وعن ابن عباس رضي الله عنه زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنّم أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزَّقوم، فتذهب جهنم وتهلك. 
فإن قيل :" وَقَالُواْ : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً " وقال في مكان آخر :
 أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  \[ آل عمران : ٢٤ \] والموصوف في المكانين واحد وهو " أيام ". 
فالجواب : أن الاسم إن كان مذكراً، فالأصل في صفة جمعه التاء، يقال : كُوز وكِيزان مكسورة، وثياب مَقْطوعة، وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء يقال : جرّة وجِرَار مكسورات، وخَابِية وخَوَابي مكسورات، إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكّر في بعض الصور، وعلى هذا ورد قوله : فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ  \[ البقرة : ٢٠٣ \]، و  أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ  \[ الحج : ٢٨ \]. 
### فصل في مدة الحيض


ذهب الحنفيّة إلى أنّ أقل الحَيْض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام :" دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ[(٢)](#foonote-٢) " فمدّة الحيض تسمى أياماً، وأقلّ عدد يسمى أياماً ثلاثة، وأكثره عشرة على ما بَيّنا، وعليه الإشكال المتقدم. 
قوله :" أَتَّخَذْتُمْ " الهمزة للاستفهام، ومعناها الإنكار والتَّقْريع، وبها استغني عن همزة الوصل الدّاخلة على " أتخذتم " كقوله : أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ  
\[ سبأ : ٨ \]  أَصْطَفَى  \[ الصافات : ١٥٣ \] وبابه. وقد تقدم القول في تصريف " أتَّخَذْتُمْ " وخلاف أبي علي فيها. 
ويحتمل أن تكون هنا لواحد. 
وقال أبو البقاء : وهو بمعنى " جَعَلتم " المتعدية لواحد. 
ولا حاجة إلى جعلها بمعنى " جعل " لتعديها لواحد، بل المعنى : هل أخذتم من الله عهداً ؟ ويُحتمل أن يتعدّى لاثنين، الأول " عهد "، والثاني " عند الله " مقدماً عليه، فعلى الأول يتعلّق " عند الله " ب " اتَّخَذْتُمْ ". 
وعلى الثاني يتعلّق بمحذوف. 
ويجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام " قل " قبلها، فتفتح وتحذف الهمزة. وهي لغة مطّردة قرأ بها نافع في رواية وَرْش عنه. 
قوله : فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ  هذا جواب الاستفهام المتقدم في قوله :" أتَّخَذْتُمْ ". 
وهل هذا بطريق تضمين الاستفهام معنى الشرط، أو بطريق إضمار الشَّرط بعد الاستفهام وأخواته ؟
قولان \[ تقدم تحقيقهما \] واختار الزمخشري القول الثاني، فإنه قال :" فَلَنْ يُخْلِفَ " متعلّق بمحذوف تقديره : إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده. 
وقال ابن عطية : فلن يخلف الله عَهْده  : اعتراض بين أثناء الكلام " كأنه يعني بذلك أن قوله : أم تقولون  مُعَادل لقوله : أتخذتم  فوقعت هذه الجملة بين المتعادلين مُعْترضة، والتقدير أيّ هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم بغير علم ؟ فعلى هذا لا محلّ لها من الإعراب، وعلى الأول محلها الجزم. 
قوله : أَمْ تَقُولُونَ ، " أم " هذه يجوز فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون متّصلة، فتكون للمعادلة بين الشيئين، أي : أيّ هذين واقع، وأخرجه مُخْرج المتردّد فيه، وإن كان قد علم وقوع أحدهما، وهو قولهم على الله ما لا يعلمون للتقرير، ونظيره : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ  \[ سبأ : ٢٤ \] علم أيهما على هدى، وأيهما في ضلال، وقد عرف شروط المتصلة أول السورة. 
ويجوز أن تكون منقطعة، فتكون غير عاطفة، وتقدر ب " بل " والهمزة، والتقدير : بل أتقولون، ويكون الاستفهام للإنكار ؛ لأنه قد وقع القول منهم بذلك، هذا هو المشهور في " أم " المنقطعة، وزعم جماعة أنها تقدر ب " بل " وحدها دون همزة استفهام، فيعطف ما بعدها \[ على ما قبلها \] في الإعراب ؛ واستدّل عليه بقولهم :" إن لنا إبلاً أَمْ شَاءً " بنصب " شَاءً " وقول الآخر :\[ الطويل \]٦١١- فَلَيْتَ سُلَيْمَى في الْمَمَاتِ ضَجِيعَتي  هُنَالِكَ أَمْ فِي جَنَّةٍ أَمْ جَهَنَّمِالتقدير : بل في جهنَّم، ولو كانت همزة الاستفهام مقدَّرةً بعدها لوجب الرفع في " شاء "، و " جهنم " على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وليس لقائل أن يقول : هي في هذين الموضعين مُتَّصلة لما عرف أن من شرطها أن تتقدّمها الهمزة لفظاً أو تقديراً، ولا يصلح ذلك هنا. 
قوله :" مَا لاَ تَعْلَمُونَ " ما منصوبة ب " تقولون "، وهي موصولة بمعنى " الذي " أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي : ما لا تعلمونه، فالجملة لا محلّ لها على القول الأول، ومحلّها النصب على الثاني. 
### فصل في الاستدلال بالآية على أمور


**الآية تدلّ على أمور :**
أحدها : أن القول بغير دليل باطل. 
الثاني : ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلاَّ بدليل سمعي. 
الثالث : تمسّك منكرو القياس وخبر الواحد بهذه الآية، قالوا : لأن القياس وخبر الواحد لا يفيدان العلم، فهو قول على الله بما لا يعلم. 
والواجب : أنه دلت الدلائل على وجوب العمل عند حصول الظّن المستفاد من القياس، ومن خبر الواحد، فكان وجوب العمل عنده معلوماً، فكان القول به قولاً بالمعلوم. 
١ - أخرجه الطبري (٢/٧٧) والطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (٦/٣١٧) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١٦٣) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن ابن عباس موقوفا وأخرجه عبد بن حميد عن مجاهد مثله كما في "الدر المنثور" (١/١٦٣)..
٢ - أخرجه البخاري في الصحيح ١/١٤٦ عن عائشة ولفظه: دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي كتاب الحيض باب إذا حاضت في شهر حديث رقم ٣٢٥ والنسائي في السنن كتاب الحيض باب ٣.
 وابن ماجه في السنن حديث رقم (٦٢٣)- وأحمد في المسند (٦/٤٢-٢٦٢)- والدارقطني في السنن (١/٢١٢).
 والبيهقي في السنن ١/٣٢٥- وذكره القرطبي في التفسير ٢/١٠ وابن كثير في التفسير ١/ ٣٩٧- وابن حجر في تلخيص الحبير ١/١٧٠..

### الآية 2:81

> ﻿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:81]

بلى حرف جواب ك " نعم وجير وأَجَل وإي "، إلا أن " بلى " جواب لنفي متقدم، سواءً دخله استفهام أم لا فيكون إيجاباً له نحو قول القائل ما قام زيد، فتقول : بلى، أي : قد قام، وتقول : أليس زيد قائماً فتقول : بلى أي هو قائم قال تعالى : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى  \[ الأعراف : ١٧٢ \] ويروى عن ابن عَبّاس أنهم لو قالوا نعم لكفروا. 
وقال بعضهم : إن " بلى " قد تقع جواباً لنفي متقدّم وقد تقع جواباً لاستفهام إثبات كما قال عليه الصّلاة والسلام للذي سأله عن عطية أولاده : أَتُحِبُّ أَنْ تُسَاوِيَ بَيْنَ أَوْلاَدِكَ في البِرِّ ؟ قال :" بَلَى ". 
وقوله عليه الصلاة والسلام لرجل : أَلَسْتَ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتُهُ ب " مكة " ؟ قال :" بلى " فأما قوله :\[ الوافر \]٦١٢- أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو  وَإِيَّانَا، فَذَاكَ بِنَا تَدَانِينَعَمْ، وَتَرى الْهِلاَلَ كَمَا أَرَاهُ  وَيعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلاَنِيفقيل : ضرورة. 
وقيل : نظر إلى المعنى ؛ لأن الاستفهام إذا دخل على النفي قرره وبهذا يقال : فيكف نقل عن ابن عباس أنهم لو قالوا نعم لكفروا مع أنّ النفي صار إيجاباً. وقيل : قوله :" نعم " ليس جواباً ل " أليس " إنما هو جواب لقوله :" فَذَاكَ بِنَا تَدانِي " فقوله تعالى :" بَلَى " رد لقولهم : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ  أي : بلى تمسّكم أبداً، في مقابلة قولهم : إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  وهو تقدير حسن. 
والبصريون يقولون : إن " بلى " حرف بَسِيْط، وزعم الكوفيون أن أصلها " بل " التي للإضراب زيدت عليها " الباء " ليحسن الوَقْف عليها، وضمنت الياء معنى الإيجاب قيل : تدّل على رد النفي، والياء تدلّ على الإيجاب يعنون بالياء الألف. وإنما سموها ياء ؛ لأنها حرف عال وتكتب بالياء. 
و " مَنْ " يجوز فيها وَجْهَان. 
أحدهما : أن تكون موصولة بمعنى " الذي " والخبر قوله :" فأولئك "، وجاز دخول الفاء في الخبر لاستكمال الشروط، ويؤيد كونها موصولة، وذكر قسيمها موصولاً وهو قوله :" وَالَّذِينَ كَفَرُوا "، ويجوز أن تكون شرطية، والجواب قوله :" فَأُوْلَئِكَ "، وعلى كلا القولين فحملّها الرفع بالابتداء، ولكن إذا قلنا : إنها موصولة كان الخبر :" فأولئك " وما بعده بلا خلاف، ولا يكون لقوله :" كَسَبَ سَيِّئَةً " وما عطف عليه محلّ من الإعراب ؛ لوقوعه صلة. 
وإذا قلنا : إنها شرطية جاء في خبرها الخلاف المشهور، إما الشرط أو الجزاء، أو هما حسب ما تقدم، ويكون قوله :" كَسَبَ " وما عطف عليه في محلّ جزم بالشرط. 
 " سَيّئة " مفعول به، وأصلها :" سَيْوِئَة " ؛ لأنها من ساء يسوءُ فوزنها " فَيْعِلَة " فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأعلت إعلال " سَيِّد ومَيِّت " كما تقدم. 
وراعى لفظ " مَن " فأفرد في قوله : كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ  والمعنى مرة أخرى مجمع في قوله : فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . 
وقرأ نافع وأهل " المدينة " " خَطِيئَاتِه " بجمع السلامة والجمهور :" خَطِيْئة " بالإفراد، ووجه القراءتين ينبني على معرفة السّيئة والخطيئة. 
**وفيهما أقوال :**
أحدها : أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين. 
الثاني : أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين. 
الثالث :\[ عكس الثاني \]. 
فوجه قراءة الجماعة على الأول والثالث أن المراد بالخطيئة الكفر، وهو مفرد، وعلى الوجه الثَّاني أن المراد به جنس الكبيرة، ووجه قراءة نافع على الوَجْه الأول والثالث أن المراد بالخَطِيئات أنواع الكُفْر المتجددة في كلّ وقت، وعلى الوجه الثاني أن المراد به الكبائر وهي جماعة. 
وقيل : المراد بالخطيئة نفس السّيئة المتقدمة، فسماها بهذين الاسمين تقبيحاً لها كأنه قال : وأحاطت به خطيئتهُ تلك أي السيئة، ويكون المراد بالسّيئة الكُفْر، أو يراد بهم العُصَاة، ويكون أراد بالخلود المُكث الطويل، ثم بعد ذلك يخرجون. 
وقوله : فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ  إلى آخره تقدم نظيره. 
وقرئ " خطاياه " تكسيراً، وهذه مخالفة لسواد المصحف ؛ فإنه رسم " خطيئتهُ " بلفظ التوحيد، وتقدم القول في تعريف خَطَايا. 
### فصل في لفظة " بلى " 


قال صاحب " الكشاف[(١)](#foonote-١) " : بلى إثبات لما بعد حرف النفي، وهو قوله : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ  أي : بلى تمسكم أبداً بدليل قوله : هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . 
أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي، قال تعالى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  \[ الشورى : ٤٠ \] " مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " ولما كان من الجائز أن يظن أن كلّ سيئة صغرت أو كبرت، فحالها سواء في أنّ فاعلها يخلد في النَّار لا جرم بَيَّنَ تعالى أن الذي يستحقّ به الخلود أن يكون سيئة مُحِيْطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السُّور بالبلد والكُوز بالماء، وذلك هاهنا ممتنع، فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين :
أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به، والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالسَّاترة لتلك الطاعات، فكانت المُشَابهة حاصلةً من هذه الجهة. 
والثاني : أن الكبيرة إذا أَحْبَطَتْ ثواب الطَّاعات، فكأنها استولت على تلك الطاعات، وأحاطت بها كما يحيط العَسْكر بالإنسان بحيث لا يتمكن من التخلص منه، فكأنه تعالى قال : بلى من كَسَبَ كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. 
فإن قيل : هذه الآية وردت في حق اليهود ؟
\[ فالجواب \] : العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، هذا وجه استدلال المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر. 
وقد اختلف أهل القبلة \[ فيه \] فمنهم من قطع بوعيدهم وهم فريقان ؛ منهم من أثبت الوعيد المؤبّد، وهم جمهور المعتزلة والخوارج. 
ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً، وهو قول بشر المريسي. 
ومنهم من قطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذّ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر. 
والقول الثالث : أنّا نقطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العُصَاة ولكنا نتوقف في حقّ كل أحد على التعيين، ونقطع بأنه إذا عَذَّبَ أحداً منهم، فإنه لا يعذبه أبداً، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الأَصْحَاب والتابعين، وأهل السنة والجماعة، وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين. 
إحداهما : القطع بالوعيد. 
والأخرى : إذا ثبت الوعيد، فهل يكون ذلك على صفة الدوام أم لا ؟ أما المعتزلة فإنهم استدلوا بالعمومات الواردة وهي على قسمين :
أحدهما : صيغة " من " في معرض الشرط. 
والثاني : صيغة الجمع. فأما صيغة " من " في الشرط فإنها تفيد العُمُوم على ما ثبت في أصول الفقه، فكلّ آية وردت في القرآن بصيغة " من " في الوعيد، فقد استدلّت المعتزلة بها. 
**قالوا : لأنها تفيد العموم من وجوه :**
أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص، أو مشتركة بينهما، والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم. 
أما بطلان كونها موضوعة للخُصُوص، فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلّم أن يعطي الجزاء لكلّ من أتى بالشرط ؛ لأنّ على هذا التقدير لا يكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشّرط لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كلّ من دخل داره، فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص. 
وأما بطلان كونها موضوعة للاشتراك فلأمرين :
الأول : أنَّ الاشتراك خلاف الأصل. 
والثاني : أنه لو كان ذلك لما عرف كيفية ترتّب الجزاء على الشرط إلاَّ بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : مَنْ دخل داري أكرمته، فيقال له : أردت الرجال أو النساء ؟ فإذا قال : أردت الرجال يقال له : أردت العرب أو العجم ؟ فإذا قال : أردت العرب يقال له : أردت ربيعة أو مضر ؟ وهلم جرّاً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات المُمْكنة، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قُبْحَ ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل. 
الوجه الثاني : صحة الاستثناء منهما، فإن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل. 
الوجه الثالث : أنه لما نزل قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  \[ الأنبياء : ٩٨ \] قال ابن الزبعرى : لأخصمن محمداً صلى الله عليه وسلم ثم قال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة ؟ أليس قد عبد عيسى ابن مريم، فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة لم ينكر عليه ذلك، فدل ذلك على أن هذه الصيغة تفيد العموم. 
النوع الثاني من دلائل المعتزلة : التمسّك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام، قال تعالى : وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  \[ الانفطار : ١٤ \] فإنها تفيد العموم، ويدل عليه وجوه :
أحدها : قول أبي بكر رضي الله عنه :" الأئمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ[(٢)](#foonote-٢) " والأنصار سلموا له صحة تلك الحجة. ولما هَمّ بقتال مانعي الزكاة قال له عمر رضي الله عنه : أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ[(٣)](#foonote-٣) " فاحتج عليه بهذا اللفظ بعمومه، ولم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة : إن اللفظ لا يفيده، بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال :" إِلاَّ بحَقِّهَا ". 
الثاني : أن هذا الجمع يؤكّد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق لقوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ  \[ الحجر : ٣٠ \] وما كان كذلك فوجب أن يؤكد المؤكد في أصله الاستغراق ؛ لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد أجماعاً، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل. 
الثالث : صحّة الاستثناء منه. 
الرابع : أن المعرف يقتضي الكثرة فوق المنكر ؛ لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس، ومعلوم أن المنتزع \[ منه أكثر من المنتزع \]. 
النوع الثاني : صيغ الجموع المقرونة بحرف " الذي " كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً  \[ النساء : ١٠ \]  الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ 
\[ النحل : ٢٨ \]  وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ  \[ يونس : ٢٧ \]  وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ  \[ التوبة : ٣٤ \]  وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ 
\[ النساء : ١٨ \] فلو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد لم يكن له في التوبة حاجة. 
النوع الثالث : لفظة " ما " كقوله  سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  \[ آل عمران : ١٨٠ \]. 
النوع الرابع : لفظة " كل " كقوله : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ  \[ يونس : ٥٤ \]. 
النوع الخامس : ما يدلّ على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله : لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ  \[ ق : ٢٨، ٢٩ \] صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دلّ اللفظ عليه، وكذا الكلام في الصّيغ الواردة في الحديث. 
**والجواب من وجوه :**
أحدها : لا نسلم أن صيغة " من " في \[ معرض \] الشرط للعموم، ولا نسلّم أن صيغة ١ - ينظر الكشاف: ١/١٥٨..
٢ - جاء هذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وأبو برزة الأسلمي.
 **حديث أنس:**
 أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢١٣٣) وأبو نعيم (٣/١٧١) والبزار (١٥٧٨) وأبو يعلى (٧/٣٢١) رقم (٣٦٤٤) والبيهقي (٨/١٤٤) والطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" (٥/١٩٢) وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
 وأخرجه الحاكم (٤/٥٠١) عن أنس بلفظ: الأمراء من قريش. وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
 **حديث علي بن أبي طالب:**
 أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" ص ٨٥ وأبو نعيم (٧/٢٤٢) والحاكم (٤/٧٥- ٧٦).
 وسكت عنه الحاكم والذهبي.
 **أما حديث أبي برزة الأسلمي:** 
 فأخرجه الطيالسي (٩٢٦) وأحمد (٤/٤٢١) وأبو يعلى والطبراني والبزار كما في "مجمع الزوائد" للهيثمي (٥/١٦٣) وقال: 
 ورجال أحمد رجال الصحيح خلا سكين وهو ثقة..
٣ - أخرجه البخاري في الصحيح (١/٢٢) كتاب الإيمان باب فإن تابوا حديث رقم (٢٥)، (١/١٧٤) كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (٢٩٤٦).
 ومسلم في الصحيح (١/٥١- ٥٢) كتاب الإيمان (١) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (٨) حديث رقم (٣٢/٢٠، ٣٣/٢١).
 وأبو داود في السنن حديث رقم (١٥٥٦)، (٢٦٤٠).
 والترمذي في السنن حديث رقم (٢٦٠٦)، (٢٦٠٧).
 والنسائي في السنن (٧/٧٧، ٧٨، ٧٩)، (٨/٨١).
 وابن ماجه في السنن حديث رقم (٣٩٢٧، ٣٩٢٨، ٣٩٢٩).
 وأحمد في المسند (١/١١، ١٩، ٣٥، ٤٨)، (٢/٣٧٧، ٤٢٣).
 والطبراني في الكبير: ٢/١٩٨، ٣٤٧، ٦/١٦١..

### الآية 2:82

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:82]

اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية وعيد إلا وذكر في جنبها آية وَعْد، وذلك لفوائد :
أحدها : أن يظهر سبحانه بذلك عدله ؛ لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصّرين على الكفر، وجب أن يحكم بالنَّعيم الدائم على المصرين على الإيمان. 
وثانيها : أنّ المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام :" المُؤْمِنُ لَوْ وُزِنَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤهُ لاَعْتَدَلاَ " وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. 
وثالثها : أن يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حِكْمته، فيصير ذلك سبباً \[ للعرفان \]. 
فإن قيل : دلّت الآية على أنْ العمل الصالح خارج عن الإيمان ؛ لأنه لو دلّ الإيمان على العمل الصالح لعد الإيمان تكريراً. 
أجاب القاضي : بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلاّ أن قوله :" آمن " لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان، فلهذا حسن أن يقول : وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ . 
والجواب : أن فعل الماضي يدلّ على حصول المصدر في زمان معين والإيمان هو المصدر فلو دلّ ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله :" آمَنَ " دليلاً على صدور كل تلك الأعمال منه.

### فصل في مرتكب الكبيرة


هذه الآية تدلّ على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة ؛ لأنه أتى بالإيمان والأعمال الصالحات، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة، ولم يَتُبْ عنها، فهذا الشَّخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن، وعمل الصالحات \[ في ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات \] وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله : أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . 
فإن قيل قوله تعالى :" وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع \[ الأعمال \]، ومن جملة الصَّالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات، فلا يندرج تحت \[ الآية \]. 
قلنا :\[ لو سلمنا أنه قبل \] الإتْيَان بالكبيرة \[ صدق \] عليه أنه آمن وعمل الصالحات \[ لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات \] في كل الأوقات، لكن قولنا : آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا : إنه كذلك في كل الأوقات، أو في بعض الأوقات، والمعتبر في الآية هو القَدْرُ المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوَعْدِ.

### الآية 2:83

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [2:83]

إِذْ معطوف على الظرف قبله، وقد تقدم ما فيه من كونه متصرفاً أو لا. 
و " أَخَذْنَا " في محلّ خفض، أي : واذكر وَقْت أَخْذنا ميثاقهم، أو نحو ذلك. 
 " لا تَعْبُدُونَ " قرأ ابن كثير وغيره والكِسائي بالياء، والباقون بالتاء. 
فمن قرأ بالغيبة فلأن الأسماء الظَّاهرة حكمها الغيبة، ومن قرأ بالخطاب هو الْتِفَات، وحكمته أنه أدعى لِقَبُول المخاطب الأمر والنهي الواردين عليه. 
وجعل أبو البقاء قراءة الخِطَاب على إضمار القول. 
قال : يقرأ بالتاء على تقدير : قلنا لهم : لا تعبدون إلا الله وكونه التفاتاً أحسن. 
وفي هذه الجملة المنفيّة من الإعراب ثمانية أوجه :
أظهرها : أنها مفسرة لأخذ الميثاق، وذلك لأنه تعالى لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل كان في ذلك إبْهَام للميثاق ما هو ؟ فأتى بهذه الجُمْلة مفسرة له، ولا محلّ لها حينئذ من الإعراب. 
الثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من " بَنِي إِسْرَائِيْلَ " وفيها حينئذ وجهان :
أحدهما : أنها حال مقدّرة بمعنى : أخذنا ميثاقهم مقدّرين التوحيد أبداً ما عاشوا. 
والثَّاني : أنَّها حال مقارنة بمعنى : أخذنا مِيْثَاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد، قاله أبو البقاء \[ وسبقه إلى ذلك قطرب والمبرد \]. 
وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذلك على الصحيح، خلافاً لمن أجاز مجيئها من المُضَاف إليه مطلقاً، لا يقال : المضاف إليه معمول له في المعنى ل " ميثاق " ؛ لأن ميثاقاً إما مصدر أو في حكمه، فيكون ما بعده إما فاعلاً أو مفعولاً، وهو غير جائز ؛ لأن من شرط عمل المصدر غير الواقع موقع الفعل أن ينحل إلى حرف مصدري، وفعل هذا لا ينحل لهما، لو قدرت : وإذ أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح ألا ترى أنك لو قلت : أخذت علم زيد لم يتقدر بقول : أخذت أن يعلم زيد، ولذلك منع ابن الطَّراوة في ترجمة سيبويه :" هذا باب علم ما الكلم من العربية " أن يقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ورده وأنكر على من أجازه. 
الثالث : أن يكون جواباً لقسم محذوف دلّ عليه لفظ المِيْثَاق، أي : استحلفناهم، أو قلنا لهم : بالله لا تعبدون، ونسب هذا الوجه لسيبويه، ووافقه الكسائي والفَرّاء والمبرد. 
الرابع : أن يكون على تقدير حذف حرف الجر، وحذف " أن "، والتقدير : أخذنا ميثاقهم على ألاَّ تعبدوا بألا تعبدوا، فَحُذِف حرف الجر ؛ لأن حذفه مطرد مع " أنَّ وأنْ " كما تقدم، ثم حذفت " أن " الناصبة، فارتفع الفعل بعدها ؛ كقول طرفة :\[ الطويل \]٦١٣- أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى  وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ، هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِيوحكي عن العرب :" مُرْهُ يَحْفِرَهَا " أي : بأن يحفرها، والتقدير : عن أن يحضر، أو بأن يحفرها، وفيه نظر، فإن \[ إضمار \] " أن " لا ينقاس، إنما يجوز في مواضع عدها النحويون، وجعلوا ما سواها شاذّاً قليلاً، وهو الصحيح خلافاً للكوفيين، وإذا حذفت " أن "، فالصحيح جواز \[ النصب والرفع \]، وروي :" مُرْهُ يَحْفِرهَا " و " أحضر الوَغَى " بالوجهين، وهذا رأي المبرد والكوفيين خلافاً لأبي الحسن، حيث التزم رفعه. 
وأيد الزمخشري هذا الوجه الرابع بقراءة عبد الله :" لاَ تَعْبُدُوا " على النهي، قال : إلاَّ أنه جاء على لفظ الخبر لقوله تعالى : لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا  \[ البقرة : ٢٣٣ \]، قال : والذي يؤكد كونه نهياً \[ قوله :" وأقيموا الصلاة " \] فإنه تنصره قراءة عبد الله وأُبي :" لا تعبدوا ". 
الخامس : أن يكون في محلّ نصب بالقول المحذوف، وذلك القول حال تقديره : قائلين لهم : لا تعبدون إلا الله، ويكون خبراً في معنى النهي، ويؤيده قراءة أُبَي المتقدمة، ولهذا يصح عطف " قُولُوا " عليه، وبه قال الفَرّاء. 
السادس : أَنَّ " أنْ " الناصبة مضمرة كما تقدم، ولكنها هي وما في حَيّزها في محلّ نصب على أنها بدل من " مِيْثَاق "، وهذا قريب من القول الأول من حيث إن هذه الجملة مفسرة للميثاق، وفيه النظر المتقدم أعني حذف أن في غير المواضع المقيسة. 
السابع : أن يكون منصوباً بقول محذوف، وذلك القول ليس حالاً، بل مجرد إخبار، والتقدير : وقلنا لهم ذلك، ويكون خبراً في معنى النهي. 
قال الزمخشري : كما تقول : تذهب إلى فلان تقول له : كذا تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ؛ لأنه كأنه سُورعَ إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه، وتَنْصره قراءة عبد الله وأُبَيّ :" لاَ تَعْبُدُوا " ولا بد من إرادة القول بهذا. 
الثامن : أن يكون التقدير :" ألاَّ تَعْبُدُونَ " وهي " أن " المفسرة ؛ لأن في قوله : أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ  إيهاماً كما تقدم، وفيه معنى القول، ثم حذف " أن " المفسرة، ذكره الزَّمخشري. 
وفي ادعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى. 
قوله :" إِلاَّ اللهَ " استثناء مفرغ ؛ لأن ما قبله مفتقر إليه وقد تقدم تحقيقه أولاً. 
وفيه التفات من التكلّم إلى الغيبة، إذ لو جرى الكَلاَم على نسقه لقيل : لا تعبدون إلاَّ إيانا، لقوله :" أَخّذْنَا ". 
وفي هذا الالتفات من الدّلالة على عظم هذا الاسم والتفرد به ما ليس في المضمر، وأيضاً الأسماء الواقعة ظاهرة، فناسب أن يجاور الظاهرُ الظاهرَ. 
### فصل في مدلول " الميثاق " 


هذا الميثاق يدلّ على تمام ما لا بد منه في الدين، لأنه تعالى لما أمر بعبادته، ونهى عن عبادة غيره، وذلك مسبوق بالعِلْمِ بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه، وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة الَّتِي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوَحْي والرسالة، فقوله : لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ  يتضمّن كلّ ما اشتمل عليه علم الكلام والفقه والأحكام. 
وقال مكّي :" هذا الميثاق هو الذي أخذه عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذَّر " و " بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً " فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن تتعلق الباء ب " إحساناً " على أنه مصدر واقع \[ موقع \] فعل الأمر، والتقدير وأحسنوا وبالوالدين، والباء ترادف " إلى " في هذا المعنى، تقول : أحسنت به وإليه، بمعنى أن يكون على هذا الوجه ثَمَّ مضافٌ محذوف، وأحسنوا بر الوالدين بمعنى : أحسنوا إليهما برّهما. 
قال ابن عطية : يعترض على هذا القول، أن يتقدّم على المصدر معمولُهُ، وهذا الاعتراض لا يتم على مَذْهَب الجمهور، فإن مذهبهم جواز تقديم معمول المَصْدر النَّائب عن فعل الأمر عليه، تقول :" ضرباً زيداً " وإن شئت :" زيداً ضرباً " وسواء عندهم إن جعلنا العمل للفعل المقدر، أم للمصدر النائب عن فعله، فإن التقديم عندهم جائز، وإنما يمتنع تقدم
معمول المَصْدر المنحل لحرف مصدري والفعل كما تقدم وإنما يتم على مذهب أبي الحسن، فإنه منع تقديم معمول المصدر النائب عن الفعل، ويخالف الجمهور في ذلك. 
الثاني : أنها متعلّقة بمحذوف وذلك المحذوف يجوز أن يقدر فعل أمر مُرَاعاة لقوله :" لاَ تَعْبُدُونَ " فإنه في معنى النهي كما تقدم، كأنه قال : لا تبعدوا إلا الله وأحسنوا بالوالدين، ويجوز أن يقدر خبراً مراعاة لِلَفْظِ " لاَ تَعْبُدُونَ " والتقدير : وتحسنون \[ وإن كان معناه الأمر، وبهذين \] الاحتمالين قدره الزمخشري، وينتصب " إحساناً " حينئذ على المصدر المؤكّد لذلك الفعل المحذوف. 
وفيه نظر من حيث إن حذف عامل المؤكّد منصوصٌ على عدم جوازه، وفيه بحث ليس هذا موضعه. 
الثالث : أن يكون التقدير : واستوصوا بالوالدين، ف " البَاء " متعلّقة \[ بهذا الفعل المقدر \] أيضاً، وينتصب " إحساناً " حينئذ على أنه مفعول به. 
الرابع : تقديره : وَوَصَّيْنَاهُمْ بالوالدين، فالباء متعلّقة بالمحذوف أيضاً، وينتصب " إحساناً " \[ حينئذ \] على أنه مفعول لأجله، أي : لأجل إحساننا إلى الموصى بهم من حيث إنّ الإحسان متسبّب عن وصيتنا بهم، أو الموصى لما يترتب الثواب منّا لهم إذا أحسنوا إليهم. 
الخامس : أن تكون الباء وما عملت فيه عطفاً على قوله :" لاَ تَعْبُدُونَ " إذا قيل بأن " أن " المصدرية مقدرة فينسبك منها ومما بعدها مصدر يعطف عليه هذا المجرور، والتقدير : أخذنا ميثاقهم بإفراد الله بالعبادة وبالوالدين، أي : وببرّ الوالدين، أو : بإحسان إلى الوالدين، فتتعلّق " الباء " حينئذ ب " الميثاق " لما فيه من مَعْنَى الفعل، فإن الظرف وشبهه تعمل فيه رَوَائح الأفعال، وينتصب " إحساناً " حينئذ على المصدر من ذلك المضاف المحذوف، وهو " البر " لأنه بمعناه، أو الإحسان الذي قدرناه. 
والظّاهر من هذه الأوجه هو الثَّاني، لعدم الإضمار اللازم في غيره، أو لأن ورود المصدر نائباً عن فعل الأمر مطّرد شائع. 
وإنما تقدّم المعمول اهتماماً به وتنبيهاً على أنه أولى بالإحسان إليه ممن ذُكِرَ معه. 
و " الَوالِدَان " الأب والأم، يقال لكل واحدٍ منهما : والد ؛ قال :\[ الطويل \]٦١٤- عَجِبْتُ لمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ  وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أِبَوَانِوقيل : لا يقال في الأم : والدة بالتاء، وإنما قيل فيها وفي الأب : والدان تغليباً للذكر. 
و " الإحسان " : الإنعام على الغير. 
وقيل : بل هو أعم من الإنعام. 
وقيل : هو النَّافع لكل شيء. 
### فصل في وجوه ذكر البر بالوالدين مع عبادة الله


قال ابن الخَطِيْبِ : إنما أراد عبادة الله بالإحْسَان إلى الوالدين لوجوه :
أحدها : أن نعمة الله على العَبْدِ أعظم النعم، فلا بد من تقديم شكره على شُكْرِ غيره، ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعظم النّعم ؛ لأن الوالدين هما الأصل في وجود الولد، ومنعمان عليه بالتربية، فإنعامهما أعظم الإنْعَام بعد إنعام الله تعالى. 
وثانيها : أن الله سبحانه وتعالى المؤثر في وجود الإنْسَان في الحقيقة، والوالدان مؤثران في وجوده بحسب العُرْفِ الظاهر، فلأنه المؤثر الحقيقي أردفه بذكر المؤثر بحسب العرف الظَّاهر. 
وثالثها : أن الله سبحانه وتعالى لا يطلب على إنعامه على العبد عوضاً ألبتَّة، وإنعام الوالدين كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً. 
ورابعها : أن الله لا يملّ من الإنعام على العبد، ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه، وكذلك الوالدان لا يملاَّن الولد ولا يقطعان عنه موادتهما وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين. 
وخامسها : كما أن الوالد المشفق يتصرّف في مال ولده بالاسْتِرْبَاحِ، وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذلك الحقّ سبحانه وتعالى يتصرف في طاعة العبد، فيصونها عن الضياع ويضاعفها كما قال : مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ  \[ البقرة : ٢٦١ \]. 
فلما تشابها من هذه الحيثيات كانت نعم الوالدين قليلة بالنسبة إلى نِعَمِ الله تعالى، \[ بل النعم كلها من الله تعالى فلا \] جَرَمَ ذكر الإحسان إلى الوالدين عقب ذكر عبادة الله تعالى.

### الآية 2:84

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [2:84]

هذا الخطاب كله كالذي قبله : وقوله : لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ  كقوله : لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ اللهَ  في الإعراب سواء. 
و " تُسْفِكُونَ " من " أَسْفَك " الرّباعي. 
وقرأ طلحة بن مصرف، وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء وهي لغة، وأبو نهيك " تُسَفِّكُونَ " بضم التاء، وفتح السين، وتشديد الفاء. 
و " وَلاَ تْخْرِجُونَ " معطوف. 
فإن قيل : الإنسان ملجأ إلى ألاَّ يقتل نفسه فأي فائدة في النهي عنه ؟
**فالجواب من أوجه :**
أحدها : أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل " الهِنْدِ " أنهم يقدرون في قتل النفس التَّخلُّص من عالم الفساد، واللحوق بعالم النور والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صحّ كونه مكلفاً به. 
وثانيها : المراد لا يقتل بعضكم بعضاً، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتّصل به نَسَباً وديناً كقوله تعالى : فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  \[ البقرة : ٥٤ \]. 
وثالثها : أنه إذا قتل غيره، فكأنما قتل نفسه ؛ لأنه يقتصُّ منه بإقامة المسبّب مقام السَّبب، وهو قريب من قولهم :" القَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ " ؛ وقال :
\[ الطويل \]

٦٢٨- سَقَيْنَاهُمُ كَأْساً سَقَوْنَا بِمِثِلْهَا  وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى المَوْتِ أَصْبَرَاوقيل : لا تفسكوها بارتكاب أنفسكم ما يوجب سفكها كالارْتِدَاد نحوه وهو قريب مما قبله. 
ورابعها : لا تتعرضوا لمُقَاتلة من يقتلكم، فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. 
وخامسها : لا تسفكوا دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا، فتكونوا مهلكين لأنفسكم. 
قوله : وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم  فيه وجهان. 
الأول : لا تفعلون ما تستحقّون بسببه أن تخرجوا من دياركم. 
الثاني : المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم ؛ لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة. 
 " مِن دِيَارِكُمْ " متعلّق ب " تخرجون "، و " من " لابتداء الغاية، و " ديار " جمع دار الأصل : دَوَرَ ؛ لأنه من دَارَ يَدُورُ دَوَرَاناً، فأصل دِيَار : دِوَار، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، واعتلالها في الواحد. 
وهذه قاعدة مطّردة \[ في كل جمع على " فِعَالٍ " صحيح اللام قد اعتلت عين مفرده، أو سكنت حرف علة نحو :\] ديار وثياب، ولذلك صحّ " رِوَاء " لاعتلال لامه، و " طِوَال " لتحرك عين مفرده، وهو " طويل ". 
فأما " طيال " في " طوال " فَشَاذّ، وحكم المصدر حكم هذا نحو : قام قياماً، وصام صياماً، ولذلك صح " لِوَاذ " لصحة فعله في قولهم :" لاوذ ". 
وأما دَيَّار فهو من لفظة الدار، وأصله : ديوار، فاجتمع الياء والواو فأعلاً على القاعدة المعروفة فوزنه :" فَيْعَال " لا " فَعَّال "، إذ لو كان " فَعَّالاً " لقيل : دَوَّار ك " صَوَّام وقَوَّام " والدَّار : مجتمع القوم من الأَبنية. 
وقال الخَلِيلُ : كل موضع حَلَّه الناس، وإن لم يكن أبنية. 
\[ وقيل : سميت داراً لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطاً لإحاطته على ما يحويه \]. 
و " النفس " مأخوذ من النّفَاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه. 
وقوله :" ثم أقررتم ". 
**قال أبو البقاء : فيه وجهان :**
أحدهما : أن " ثُمّ " على بابها في إفادة العطف والتراخي، والمعطوف عليه محذوف تقديره : فَقَبِلْتُمْ، ثم أقررتم. 
والثاني : أن تكون " ثم " جاءت لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر عنه، كقوله تعالى : ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ  \[ يونس : ٤٦ \]. 
قوله : وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ كقوله : وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ  \[ البقرة : ٨٣ \] وفيها وجوه :
أحدها : أقررتم بالمِيثَاق، ثم اعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها، كقولك : فلان مقرّ على نفسه بكذا، شاهد عليها. 
وثانيها : اعترفتم بقَبُوله، وشهد بعضكم على بعض بذلك ؛ لأنه كان شائعاً بينكم مشهوراً. 
وثالثها : وأنتم تشهدون اليوم يا مَعْشَرَ اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق. 
ورابعها : أن المراد بهذا الإقرار الذي هو الرِّضا بالأمر والصبر عليه، كما يقال فلان لا يقر على الضَّيم، فيكون المعنى أنه تعالى أمركم بذلك، ورضيتم به، وأقمتم عليه، وشهدتم على وجوبه وصحته. 
فإن قيل : لم قال : أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ  والمعنى واحد ؟
**فالجواب من ثلاثة أوجه :**
أحدها : أقررتم يعني أسْلافكم، وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم. 
الثاني : أقررتم في وقت المِيثَاقِ الذي مضى، وأنتم بعد ذلك تشهدون \[ بقلوبكم \]. 
الثالث : أنه للتأكيد.

### الآية 2:85

> ﻿ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:85]

قوله : ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ  فيه سبعة أقوال :
أحدها : وهو الظاهر أن " أنتم " في محل رفع بالابتداء، وهؤلاء خبره و " تقتلون " حال، والعامل فيها اسم الإشارة لما فيه من معنى الفِعْل، وهي حال منه ليتّحد ذُو الحال وعاملها. 
وقد قالت العرب :" ها أنت ذا قائماً " و " ها أنا ذا قائماً " و " ها هوذَا قائماً " فأخبروا باسم الإشارة عن الضَّمير في اللَّفظ والمعنى على الإخبار بالحال، فكأنه قال :" أنت الحاضر "، " وأنا الحاضر "، " وهو الحاضر " في هذه الحالة. 
ويدل على أن الجملة من قوله :" تَقْتُلُونَ " حال وقوع الحال الصريحة موقعها كما تقدم في :" ها أنا ذا قائماً " ونحوه، وإلى هذا المعنى نَحَا الزمخشري فقال : ثُمّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ  استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارِهم وشَهَادتِهم، والمعنى : ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون : يعني أنكم قوم آخرون غيرُ أولئك المقربين، تنزيلاً لتغير الصّفة منزلة تغير الذَّات كما تقول : رجعت بغير الوجه الذي خرجت به. 
وقوله :" تَقْتُلُونَ " بيان لقوله : ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ . 
واعترضه أبو حَيّان فقال : الظاهر أن المشار إليهم بقوله : ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ  هم المخاطبون أولاً، فليسوا قوماً آخرين، ألا ترى أن التقدير الذي قَدَّره الزمخشري من تقدير \[ تغير الصّفة منزلة \] تغيّر الذات لا يتأتى في نحو : ها أنا ذا قائماً، ولا في نحو : ها أنتم هؤلاء، بل المُخَاطب هو المشار إليه من غير تَغَيُّرٍ. 
وأجيب بأن هذا الإيراد بعيد غير واضح. 
والثاني : أن " أنتم " أيضاً مبتدأ، و " هؤلاء " خبره، ولكن بتأويل حذف مضاف تقديره : ثم أنتم مِثْلُ هؤلاء، و " تقتلون " حال أيضاً، العامل فيها معنى التشبيه، إلا أنه يلزم منه الإشَارة إلى غائبين ؛ لأن المراد بهم أَسْلاَفهم على هذا، وقد يقال : إنه نزل الغائب منزلة الحاضر. 
الثالث : ونقله " ابن عطية " عن شيخه " ابن الباذش[(١)](#foonote-١) " أن " أنتم " خبر مقدم، و " هؤلاء " مبتدأ مؤخر. وهذا فاسد ؛ لأن المبتدأ أو الخبر متى استويا تعريضاً وتنكيراً لم يَجُزْ تقدم الخبر، وإن ورد منه ما يوهم فمتأول. 
الرابع : أن " أنتم " مبتدأ و " هؤلاء " مُنَادى حذف منه حرف النِّدَاء، وتقتلون خبر المبتدأ، وفصل بالنداء بين المبتدأ وخبره. 
وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به " الفراء " وجماعة ؛ أنشدوا :\[ البسيط \]
٦٢٩- إِنَّ الأُلَى وَصَفُوا قَوْمِي لَهُمْ فَبِهِمْ \*\*\* هَذَا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَنْ عَادَاكَ مَخْذُولاَ
أي : يا هذا، وهذا لا يجوز عند البصريين، ولذلك لُحِّنَ المتنبي في قوله :\[ الكامل \]
٦٣٠- هَذِي بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا \*\*\*. . . 
وفي البيت كلام طويل. 
الخامس : أن " هؤلاء " موصول بمعنى " الذي "، و " تقتلون " صلته، وهو خبر عن " أنتم " أي : أنتم الذين تقتلون. وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به " الفراء " وجماعة ؛ أنشدوا :\[ البسيط \]
٦٣١-. . . \*\*\* نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
أي : والذي تحملين، ومثله : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ  \[ طه : ١٧ \] يعني : وما التي ؟
السادس : أنَّ " هؤلاء " منصوب على الاختصاص، بإضمار " أعني " و " أنتم " مبتدأ، و " يقتلون " خبره، اعترض بينهما بجملة الاختصاص، وإليه ذهب ابن كَيْسَان. وهذا لا يجوز، لأن النحويين قد نصّوا على أن الاختصاص لا يَكُون بالنكرات، ولا أسماء الإشارة، والمستقرأ من لسان العرب أن المنصوب على الاختصاص : إما " أي " نحو :" اللهم اغفر لنا أيتها العِصَابة " أو معرف ب " أل " نحو : نحن العَرَبَ أَقْرَى النَّاس للضيف، أو بالإضافة نحو : نحن مَعَاشِرَ الأنبياء لا نورّث، وقد يجيء كقوله :\[ الرجز \]
٦٣٢- بِنَا تَمِيماً يُكْشَفُ الضَّبَابُ \*\*\*. . . 
وأكثر ما يجيء بعد ضمير تكلُّم كما تقدم، وقد يجيء مخاطب كقولهم :" بك الله نرجو الفضل ". 
السابع : أن يكون " أَنْتُمْ هَؤُلاَء " على ما تقدّم من كونهما مبتدأ أو خبر، والجُمْلة من " تقتلون " مستأنفة مبينة للجملة قبلها، يعني : أنتم هؤلاء الأشخاص الحَمْقَى، وبيان حَمَاقتكم وقلّة عقولكم أنكم تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من دِيَارِهِمْ، وهذا ذكره الزَّمخشري في سورة آل عمران في قوله : هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ  \[ آل عمران : ٦٦ \] ولم يذكر هنا، وسيأتي بنصه إن شاء الله تعالى. 
قوله :" تَظَاهَرُونَ " هذه الجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل " تُخْرجون " وفيها خمس قراءات :" تَظَّاهرُون " بتشديد الظَّاء، والأصل : تتظاهرون فأُدغم لقرب الظاء من التاء. 
و " تَظَاهَرُون " مخففاً، والأصل كما تقدم، إلا أنه خفّفه بالحذف، وهل المحذوف الثانية وهو الأَوْلَى ؛ لحصول الثقل بها، ولعدم دلالتها على معنى المُضَارعة، أو الأُولَى ؛ كما زعم هشام ؛ قال الشاعر :\[ البسيط \]
٦٣٣- تَعَاطَسُونَ جَمِيعاً حَوْلَ دَارِكُمُ \*\*\* فَكُلُّكُمْ يَا بَنِي حَمْدَانَ مَزكُومُ
أراد : تتعاطسون فحذف. 
و " تَظَّهَّرُون " بتشديد الظاء والهاء. 
و " تَظَاهَرُون " من " تَظَاهر " و " تَتَظَاهَرُونَ " على الأصل من غير حذف، ولا إدْغَام وكلهم يرجع إلى معنى المعاونة والتَّنَاصُر من المظاهرة، كأن كل واحد منهم يسند ظَهْرَهُ للآخر ليتقوّى به، فيكون له كالظَّهر ؛ قال :\[ الطويل \]
٦٣٤- تَظَاهَرْتُمُ أَسْتَاهَ بَيْتٍ تَجَمَّعَتْ \*\*\* عَلَى وَاحِدٍ لاَ زِلْتُمُ قِرْنَ وَاحِدِ
قال ابن الخطيب : الآية تدلّ على أن الظُّلم كما هو محرم، فإعانة الظالم على ظلمه محرمة. 
فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظَّالم على الظّلم، وأزال العوائق والموانع، وسلط عليه الشهوة الدّاعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحةً لوجب ألاَّ يوجد ذلك من الله تعالى ؟
والجواب : أنه تعالى وإن مكّن الظَّالم من ذلك فقد زَجَرَهُ عن الظلم بالتَّهْديد والزجر، بخلاف المعين للظالم على ظلمه، فإنه يرغبه فيه، ويحسنه له ويدعوه إليه فظهر الفرق. 
و " الإثم " في الأصل : الذنب، وجمعه " آثام "، ويطلق على الفعل الذي يستحقّ به صاحبه الذّم واللوم. 
وقيل : هو ما تَنْفِرُ منه النفس، ولا يطمئنّ إليه القَلْب، فالإثْمُ في الآية يحتمل أن يكون مراداً به \[ أحد \] هذه المعاني ويحتمل أن يتجوّز به عما يوجب الإثم من إقامة السَّبب مقام السَّبب مقام المسبب ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٦٣٥- شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي \*\*\* كَذَاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ
فعبر عن الخمر بالإثم، لما كان مسبَّباً عنها.

### فصل في معنى العدوان واشتقاقه


و " العُدْوَان " : التجاوز في الظلم، وقد تقدم في  يَعْتَدُونَ  \[ البقرة : ٦١ \] وهو مصدر ك " الكُفْرَان والغُفْرَان " والمشهور ضمّ فائه، وفيه لغة بالكَسْر. 
قوله : وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ  " إن " شرطية، و " يأتوكم " مجزوم بها بحذف النون، والمخاطب مفعول. 
و " أسارى " حال من الفاعل في " يأتوكم ". 
وقرأ الجماعة غير حمزة " أُسارى " وقرأ هو :" أَسْرَى " وقرئ :" أَسَارَى " بفتح الهمزة، فقراءة الجماعة تحتمل أربعة أوجه :
أحدها : أنه جُمِعَ جَمْع " كَسْلاَن " لما جمعهما من عدم النَّشَاط والتصرف، فقالوا :" أسير وأسارى " بضم الهمزة ك " كَسْلاَن وكُسَالَى " و " سَكْرَان وسُكَارى "، كما أنه قد شبه كَسْلان وسَكْران به فجمعا جمعه الأصلي الذي هو على " فعلى " فقالوا : كسلان وكَسْلى، وسكران وسَكْرى لقولهم : أسير وأسرى. 
قال سيبويه : فقالوا : في جمع كَسْلان كَسْلَى شبّهوه ب " أَسْرَى ". كما قالوا : أُسارى شبَّهوه ب " كَسَالى "، ووجه الشبه أنَّ الأسْر يدخل على المرء كرهاً كما يدخل الكَسَل. 
قال بعضهم : والدَّليل على اعتبار هذا المعنى أنهم جمعوا " مريضاً وميتاً وهالكاً " على " فَعْلَى " فقالوا :" مرضى وموتى وهَلْكَى " لما جمعها المَعْنَى الذي في " قَتْلَى وجَرْحَى ". 
الثَّاني : أنَّ " أُسَارى " جمع " أسير "، وقد وجدنا " فَعِيلاً " يجمع على " فُعَالى " قالوا : شيخ قديم، وشيوخ قُدَامى. وفيه نظر، فإن هذا شاذّ لا يقاس عليه. 
الثالث : أنه جمع " أسير " أيضاً، وإنما ضموا الهمزة من " أُسَارى " وكان أصلها الفَتْح ك " نديم ونُدَامى " كما ضمت الكاف والسين من " كُسَالى " و " سُكَارى " وكان الأصل فيهما الفتح نحو :" عَطْشَان وعَطَاشى ". 
الرابع : أنه جمع " أسرى " الذي هو جمع " أسير " فيكون جمع الجمع. 
وأما قراءة حمزة فواضحة ؛ لأن " فَعْلَى " ينقاس في " فعيل " نحو :" جريح وجرحى " و " قتيل وقَتْلَى " و " مريض ومرضى ". 
وأما " أَسَارَى " بالفتح فقد تقدم أنها أصل أُسَارَى بالضم عند بعضهم، ولم يَعْرِفْ أهل اللُّغَة فرقاً بين " أُسَارَى " و " أَسْرَى " إلاَّ ما حكاه أبو عُبَيْدَة عن أبي عمرو بن العلاء، فإنه قال :" ما كان في الوَثَاقِ فهم الأُسَارَى، وما كان في اليد، فهم الأَسْرَى " ونقل بعضهم عنه الفرقَ بمعنًى آخر، فقال :" ما جاء مستأسراً فهم الأسْرَى، وما صار في أيديهم، فهم الأُسَارَى "، وحكى النقَّاشُ عن ثَعْلَبٍ ؛ أنه لما سمع هذا الفَرْق قال :" هذا كلامُ المَجَانِينِ "، وهي جُرْأة منه على أبي عمرو، وحكي عن المبرِّد أنه يقال :" أسِير وأُسَرَاء " ك " شَهِيدٍ وشُهَدَاء " و " الأَسِير " : مشتقٌّ من " الإسَارِ " وهو القَيْدُ الذي يُرْبَطُ به من المحمل، فسمي الأسير أسيراً، وإن لم يُرْبَط، والأَسْر : الخلْقُ في قوله : وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ  \[ الإنسان : ٢٩ \] وأُسْرَة الرَّجْل : من يتقوَّى بهم، والأُسْر : احتباس البَوْل، ورجل مَأْسُور : أصابه ذلك ؛ وقالت العربُ : أسَرَ قَتَبَهُ : أي : شَدَّه ؛ قال الأعشى :\[ المتقارب \]
٦٣٦- وَقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ \*\*\* كَمَا قَيَّدَ الآسِرَاتُ الحَمَارَا
يريد : أنه بلغ في الشعر النّهاية ؛ حتى صار له كالبيت الذي لا يَبْرَحُ عنه. 
قوله :" تُفَادُوهُمْ " قرأ نافع وعاصم والكسائي :" تُفَادُوهُمْ "، وهو جواب الشرط، فلذلك حذفت نون الرفع، وقرأ الباقون :" تَفْدُوهُمْ "، وهل القراءتان بمعنى واحد، ويكون معنى " فَاعَل " مثل معنى " فَعَل " المجرد مثل :" عاقبت وسَافرت " أو بينهما فرق ؟ خلاف مشهور، ثم اختلف الناس في ذلك الفرق ما هو ؟
فقيل : معنى " فَدَاه " أعطى فيه فِدَاء من مال، و " فَادَاهُ " : أعطى فيه أسيراً مثله ؛ وأنشد :\[ الطويل \]
٦٣٧- وَلَكِنَّنِي فَادَيْتُ أُمِّيَ بَعْدَمَا \*\*\* عَلاَ الرَّأْسَ مِنْهَا كَبْرَةٌ وَمَشِيبُ
وهذا القول يرده قول العباس رضي الله عنه : فَادَيْتُ نفسي وفاديت عقيلاً، ومعلوم أن لم يُعْط أسيره في مقابلة نفسه ولا وَلَدِهِ. 
وقيل : تفدوهم بالصّلح، وتفادوهم بالعنف. 
وقيل : تفدوهم تعطوا فديتهم، وتفادوهم تطلبون من أعدائكم فِدْيَةَ الأسير الذي في أيديكم ؛ ومنه :\[ الوافر \]
٦٣٨- قِفِي فَادِي أَسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي \*\*\* وَقَوْمَكِ

### الآية 2:86

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:86]

قد تقدم إعراب نظائرها إلا أنّ بعضهم ذكر وجوهاً مردودة لا بُدّ من التنبيه عليها، فأجاز أن يكون " أولئك " مبتدأ، و " الذين اشتروا " خبره، " فلا يُخَفَّف عنهم العَذَاب " خبراً ثانياً ل " أولئك ". 
قال : ودخلت الفاء في جواب الخبر لأجل الموصول المشبه بالشرط وهذا خطأ فإن قوله :" فَلا يُخَفَّفُ " لم يجعله خبراً للموصول حتى تدخل " الفاء " في خبره، وإنما جعله خبراً عن " أولئك " وأين هذا من ذاك ؟
وأجاز أيضاً أن يكون الذين مبتدأ ثانياً، و " فلا يخفف " خبَره، دخلت لكونه خبراً للموصول، والجملة خبراً عن " أولئك ". 
قال : ولم يَحْتَج هذا إلى عائد ؛ لأن " الذين " هم " أولئك " كما تقول :" هذا زيد منطلق "، وهذا أيضاً خطأ لثلاثة أوجه :
أحدها : خلوّ الجملة من رابط، وقوله :" لأن الذين " هم " أولئك " لا يفيد، فإن الجملة المستغنية لا بُدّ وأن تكون نفس المبتدأ. 
وأما تنظيره ب " هذا زيد منطلق " فليس بصحيح، فإن " هذا " مبتدأ و " زيد " خبره، و " منطلق " خبر ثانٍ، ولا يجوز أن يكون " زيد " مبتدأ ثانياً، و " منطلق " خبره، والجملة خبر عن الأول، للخلو من الرابط. 
الثاني : أن الموصول هنا لقوم معيّنين وليس عامّاً، فلم يُشْبه الشرط، فلم تدخل " الفاء " في خبره. 
الثالث : أن صلته ماضية لفظاً ومعنى، فلم تشبه فعل الشرط في الاستقبال، فلا يجوز دخول الفاء في الخبر. 
فتعيّن أن يكون " أولئك " مبتدأ والموصول بصلته خبرَه، و " فلا يخفف " معطوف على الصِّلَةِ، ولا يضر تَخَالُف الفعلين في الزمان، فإنّ الصِّلاتِ من قبيل الجُمَل، وعطف الجمل لا يشترط فيه اتحاد الزمان، فيجوز أن تقول : جاء الذي قتل زيداً أمس، وسيقتل عَمْراً غداً، وإنما الذي يشترط فيه ذلك حيث كانت الأفعال منزلة منزلة المفردات. 
وقيل : دخلت " الفاء " بمعنى جواب الأمر كقوله : أولئك الضّلال انتبه فلا خير فيهم.

### فصل في تفسير تخفيف العذاب


حمل بعضهم عدم التخفيف على عدم الانقطاع ؛ لأنه لو انقطع لكان قد خفف، وحمله آخرون على الشدّة لا على الدوام، أو في كلّ الأوقات، فإذا وصف عذابهم بأنه لا يخفّف عنهم اقتضى ذلك نَفْيَ جميع ما ذكرناه. 
قوله : وَلاَ هُمْ يَنْصَرُونَ  يجوز في " هو " وجهان :
أحدهما : أن يكون في محلّ رفع بالابتداء، وما بعده خبره، ويكون قد عطف جملة اسمية على جملة فعلية وهي :" فلا يخفف ". 
والثاني : أن يكون مرفوعاً بفعل محذوف يفسره هذا الظاهر، وتكون المسألةُ مِنْ باب الاشتغال، فلما حذف الفعل انفصل الضَّمير ؛ ويكون كقوله :\[ الطويل \]٦٤٥- فإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضَيْمَهَا  فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلُوله مرجّح على الأول بكونه قد عطف جملة فعلية على مثلها، وهو من المواضع المرجح فيها الحمل على الفعل في باب الاشْتِغَال. وليس المرجح كونه تقدمه " لا " النافية، فإنها ليست من الأدوات المختصة بالفعل ولا الأولى به، خلافاً لابن السيد حيث زعم أَنَّ " لا " النافية من المرجّحات لإضمار الفِعْل، وهو قول \[ مرغوب عنه \] ولكنه قَوِيَ من حيث البحث. فقوله :" ينصرون " لا محلّ له على هذا ؛ لأنه مُفَسِّرٌ، ومحلّه الرفع على الأولى لوقوعه موقع الخبر. 
### فصل


حمله بعضهم على نفي النُّصْرة في الآخرة، والأكثرون حملوه على نفي النُّصْرة في الدنيا. 
قال ابن الخطيب : والأول أولى، لأنه تعالى جعله جزاء على صنعهم ولذلك قال : فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ  وهذه الصّفة لا تليق إلا بالآخرة ؛ لأنَّ عذاب الدنيا وإن حصل، فيصير كالحدود ؛ لأن الكُفَّار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات.

### الآية 2:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [2:87]

روي عن ابن عباس أن التَّوراة لما نزلت أمر الله موسى بِحَمْلِهَا فلم يطق ذلك، فبعث لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخفّفها الله على موسى عليه الصلاة والسلام فحملها. 
\[ قوله \] : وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  التضعيف في " قَفَّيْنَا " ليس للتَّعدية ؛ إِذْ لو كان كذلك لتعدّى إلى اثنين ؛ لأنه قيل : التضعيف يتعدّى لواحد، نحو :" قَفَوْتُ زَيْداً "، ولكنه ضُمِّن معنى " جئنا " كأنه قيل : وجئنا من بعده بالرُّسل. 
فإن قيل : يجوز أن يكون متعدياً لاثنين على معنى أنَّ الأول محذوف، والثاني " بالرسل " والباء فيه زائدة تقديره :" وَقَفَّيْنَا من بعده الرسل ". 
فالجَوَاب : أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك يبعد هذا التَّقْدِير، وسيأتي لذلك مزيد بيان في " المائدة " \[ الآية : ٤٦ \] إن شاء الله تعالى. 
و " قَفَّيْنَا " أصله : قَفَّوْناً، ولكن لما وقعت " الواو " رابعة قلبت " ياء "، واشتقاقه من " قَفَوْتُ "، وقَفَوْتُه إذا اتَّبَعْتُ قَفَاه، ثم اتُّسِع فيه، فأطلق على تابع، وإن بَعُدَ زمان التابع عن زمان المتبوع. 
قال أميَّةُ :\[ البسيط \]
٦٤٦- قَالَتْ لأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ \*\*\* وَكَيْفَ تَقْفُو وَلاَ سَهْلٌ وَلاَ جَبَلُ
و " القَفَا " : مؤخّر العُنُق، ويقال له : القافية أيضاً، ومنه الحديث :" يعقد الشيطان على قَافِيَة رَأْس أَحَدِكُمْ[(١)](#foonote-١) ". 
والقَفَاوَة : ما يدّخر من اللّبن وغيره لمن تريد إكرامه، وقفوت الرجل : قذفته بِفُجُور، " وفلان قِفْوتِي " : أي تُهْمتي، وقِفْوتي أي خيرتي. 
قال ابن دريد : كأنه من الأضداد. 
ومنه : قافية الشعر ؛ لأنها يتلو بعضها بعضاً، ومعنى قفّينا : أي أتبعنا، كقوله : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا  \[ المؤمنون : ٤٤ \]. 
و " مِنْ بَعْدِهِ " متعلق به، وكذلك :" بالرُّسُل " وهو جمع رسول بمعنى مُرْسَل، وفُعُل غير مقيس في " فعيل " بمعنى " مفعول " وسكون العين لغة " الحجاز " وبها قرأ الحسن، والضم لغة " تميم "، وبها قرأ السَّبعة إلاَّ أبا عمر، وفيما أضيف إلى " نا " أو " كم " أو " هم "، فإنه قرأ بالسكون لتوالي الحركات.

### فصل في تعيين الرسل المقفى بهم


هؤلاء الرُّسل : يوشع، وشمويل، وداود، وسليمان، وشعياء، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم. 
وروي أن بعد موسى إلى أيام عيسى كانت الرسل متواترةً، ويظهر بعضهم في أثر البعض. 
والشريعة واحدة في أيام عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه جاء بشريعة مجدّدة، والدليل على ذلك قوله : وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  ؛ لأنه يقتضي أنهم على حدٍّ واحدٍ في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها. وقال القاضي : إنَّ الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شِرْعَةِ الأوّل بحيث لا يؤدي إلا تلك بعينها من غير زيادة ولا نُقْصَان، مع أنّ تلك الشريعة محفوظةٌ يمكن معرفتها بالتَّواتر عن الأول ؛ لأن الرَّسُول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلاَّ ما كان قد علم من قبل، أو يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله رسولاً لا شريعة معه أصلاً، فكذا هاهنا، فثبت أنه لا بد وأن يكونوا قد بعثوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظةً، أو محيية لبعض ما اندرس من الشَّريعة الأولى. 
والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل التعبُّد بتلك الشريعة السَّابقة بنوع آخر من الأَلْطَاف لا يعلمه إلا الله ؟
### فصل في لفظ عيسى


\[ قوله \] :" عيسى " : علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقد تكلم النحويون في وَزْنِهِ، واشتقاقه على تقدير كونه عَرَبيَّ الوضع فقال سيبويه : وزنه " فِعْلَى " والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة كياء " مِعْزى " يعني بالياء لا الألف، سمّاها ياء لكتابتها بالياء. 
وقال الفارسي : ألفه ليست للتأنيث ك " ذِكْرَى "، بدلالة صرفهم له في النكرة. 
وقال عثمان بن سعيد الصيرفي : وزنه " فِعْللَ " فالألف عنده أصيلة بمعنى أنها مُنْقلبة عن أصل. ورد عليه ذلك ابن البَاذش بأن الياء والواو لا يكونان أصليين في بنات الأربعة، فمن قال : إن " عيسى " مشتق من " الْعَيْس " : وهو بياض تُخالطه شُقْرة ليس بمصيب، لأن الأعجمي لا يدخله اشتقاق ولا تصريف. 
وقل الزمخشري :" وقيل : عيسى بالسُّريانية يشوع ". 
قوله :" ابن مريم " عطف بيان له أو بدل، ويجوز أن يكون صفة إلا أن الأول أولى ؛ لأن " ابن مريم " جرى مجرى العلم له، وللوصف ب " ابن " أحكام تخصّه، ستأتي إن شاء الله تعالى مبينة، وقد تقدم اشتقاق " ابن " وأصله. 
و " مريم " أصله بالسّريانية صفة بمعنى الخَادِمِ، ثم سُمِّيَ به ؛ فلذلك لم ينصرف، وفي لغة العرب : هي المرأة التي تُكْثر مخالطة الرجال ك " الزِّير " من الرجال، وهو الذي يكثر مُخالطتَهُن. 
قال رؤبة :\[ الرجز \]
٦٤٧- قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ \*\*\*. . . 
و " ياء " الزّير عن واو ؛ لأنه من " زار يزور " فقلبت للكسرة قبلها ك " الريح "، فصار لفظ " مريم " مشتركاً بين اللِّسَانين، ووزنه عند النحويين " مَفْعَل " لا " فَعْيَل "، قال الزمخشري : لأن " فَعْيلاً "، بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو :" عثير وعِلَيْب " وقد أثبت بعضهم " فَعْيلاً "، وجعل منه نحو :" ضهيد " : اسم مكان و " مَدْين " على القول بأصالة ميمه و " ضهيأ " بالقَصْر وهي المرأة التي لا تحيض، أو لا ثَدْيَ لها، مشتقّة من " ضَاهَأَتْ " أي :" شابهت " ؛ لأنها شابهت الرجال في ذلك، ويجوز مدّها قاله الزَّجَّاج. 
وقال ابن جني : وأما " ضهيد وعثير " فمصنوعان فلا دلالة فيهما على ثبوت " فَعْيَل "، وصحة الياء في " مريم " على خلاف القياس، إذْ كان من حقّها الإعلال بنقل حركة الياء إلى الراء، ثم قَلْب الياء ألفاً نحو :" مُبَاع " من البيع، ولكنه شذّ كما شذ " مَزْيَد ومدين ". 
وقال أبو البقاء : ومريم علم أعجمي، ولو كان مشتقّاً من " رام يَرِيم " لكان مَرِيْماً بسكون الياء. وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو :\[ مزيد \] وهو على خلاف القياس. 
و " البَيِّنَات " قيل : هي المُعْجِزَات المذكورة في سورة " آل عمران " و " المائدة ". 
وقيل : الإنجيل. 
وقيل : أعم من ذلك. 
قوله :" وَأَيَّدْنَاهُ " معطوف على قوله :" وَآتيْنَا عِيسَى ". 
وقرأ الجمهور :" وَأَيَّدْنَاهُ " على " فَعَّلْنَاهُ "، وقرأ مجاهد وابن محيصن ويروى عن أبي عمرو :" وَآيَدْنَاهُ " على " أَفْعَلْنَاهُ "، والأصل فيه :" أَأْيد " بهمزتين ثانيتهما ساكنة، فوجب إبدال الثانية ألفاً نحو :" أأمن " وبابِه، وصححت العين كما صحّت في " أغيلت وأغيمت " وهو تصحيح شاذّ إلا في فعل التعجّب نحو : ما أبين وأطول. 
وحكي عن أبي زيد أن تصحيح " أغيلت " مقيس. 
فإن قيل : لم لا أعلّ " أَيَّدْنَاه " كما أعلّ نحو : أَبَعْنَاهُ حتى لا يلزم حمله على الشَّاذ ؟. 
فالجواب : أنه لو أعلّ بأن ألقيت حركة العَيْن على الفاء، فيلتقي ساكنان العين واللام، فتحذف العين لالتقاء الساكنين، فتجتمع همزتان مَفْتُوحتان، فيجب قلب الثانية واواً نحو :" أوادم " فتتحرك الواو بعد فتحة، فتقلب ألفاً فيصير اللفظ : أَأَدْنَاهُ ؛ لأدّى إلى إعلال الفاء والعين، فلأجل ذلك رُفِضَ بخلاف أَبَعْنَاه وأقمناه، فإنه ليس فيه إلاَّ إعلال العَيْن فقط، قال أبو البقاء : فإن قلت : فلم لم تحذف الياء التي هي عَيْن كما حذفت من نحو :" أسلناه " من " سال يسيل " ؟. 
قيل : لو فعلوا ذلك لتوالى إِعْلاَلاَن :
أحدهما : قلب الهمزة الثانية ألفاً، ثم حَذْفُ الألف المبدلة من الياء لسكونها، وسكون الألف قبلها، فكان يصير اللَّفط أدْنَاه، فتحذف الفاء والعين، وليس " أَسَلْنَاه " كذلك ؛ لأن هناك حذفت العين فقط. 
وقال الزمخشري في " المائدة " :" أَيَّدْتُك على أَفْعَلْتُكَ ". 
وقال ابن عطية :" على فاعَلْتُكَ "، ثم قال :" ويظهر أنَّ الأصل في القراءتين : أفعلتك، ثم اختلف الإعلال " والذي يظهر أن " أَيَّدَ " فَعَّلَ لمجيء مضارعه على يُؤَيِّد بالتشديد، ولو كان أَيَّدَ بالتشديد بزنة " أَفْعَل " لكان مضارعه " يُؤْيِدُ " ك " يُؤْمِنُ " من " آمن " وأما آيَدَ بالمدّ فَيحْتَاج في نقل مُضَارعه إلى سماع، فإن سُمِع " يُؤايِد " ك " يُقَاتل " فهو " فَاعَلَ " فإن سمع " يُؤْيِد " ك " يكرم " و " آيَد " فهو أَفْعَلَ، ذكر جميع ذلك أبو حَيّان في " المائدة "، ثم قال : إنه لم يظهر كلام ابن عطيّة في قوله :" اختلف الإعلال "، وهو صحيح، إلاَّ أن قوله : والذي يظهر أن " أَيَّد " في قراءة الجمهور " فَعَّل " لا " أَفْعَل " إلى آخره فيه نظر ؛ لأنه يُشْعِرُ بجواز شيء آخر متعذّر. كيف يتوهّم أن " أَيَّدَ " بالتشديد في قراءة الجمهور بزنة " أَفَعْلَ "، هذا ما لا يقع. 
و " الأَيْد " : القوة. 
قال عبد المطّلب :\[ الرجز \]
٦٤٨- أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأَكْرَمِ \*\*\* أَيَّدَنَا يَوْمَ زُحُوفٍ الأَشْرَمِ
والصحيح أن " فَعَّلَ " و " أفْعَل " هنا بمعنى واحد وهو " قَوَّيْنَاهُ "، وقد فرق بعضهم بينهما، فقال :" أما المَدُّ فمعناه : القوة، وأما القَصْر فمعناه : التأييد والنصر " وهذا في الحقيقة ليس بفرق، وقد أبدلت بعض العرب في آيَدَ على أَفْعَلَ الياء جيماً فقالت : آجَدَهُ أي قواه. 
قال الزمخشري :" يقال : الحمد لله الذي آجَدَني بعد ضَعْف، وأوجدني بعد فَقْر ". وهذا كما أبدلوا من يائه جيماً فقالوا : لا أفعل ذلك جَدَ الدَّهْرِ أو مد الدهر، وهو إبدال لا يطّرد. 
ومن إبدال الياء جيماً قول الراجز :\[ الرجز \]
٦٤٩- خَالِي عُوَيْفٌ وَأَبُو عَلِجِّ \*\*\* أَلْمُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بِالْعَشِجِّ
يريد :" وأبو علي " و " بالعشي ". 
قوله :" بِرُوحِ القُدُسِ " متعلق ب " أيدناه ". 
وقرأ ابن كثير :" القُدْس " بإسكان الدال، والباقون بضمها، وهما لغتان : الضم ل " الحجاز " والإسكان ل " تميم "، وقد تقدم ذلك، وقرأ أبو حيوة :" القُدُّوس " بواو، فيه لغة فتح القاف والدال معناه : الطَّهارة أو البركة كما \[ تقدم عند قوله : وَنُقَدِّسُ لَكَ  \[ البقرة : ٣٠ \] \] و " الروح " في الأصل : اسم للجزء الذي تحصل به الحياة في الحيوان، قاله الرَّاغب. 
### فصل في المراد ب " روح القدس " 


اختلفوا في " روح القُدُس " هنا على وجوه :
أحدها : أنه جبريل عليه السلام ؛ لقول حسّان :\[ الوافر \]
٦٥٠- وجبْرِيلٌ رَسولُ اللهِ فِينَا \*\*\* ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ بِهِ كِفَاءُ
قال الحسن : القُدُس هو الله عزّ وجلّ، وروحه : جبريل، قال تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ  \[ النحل : ١٠٢ \] وقيل : سمي جبريل روحاً لِلَطَافته ولمكانته من الوَحْي الذي هو سبب حياة القلوب. 
قال النحاس : وسمي جبريل روحاً أو أضيف إلى القدس ؛ لأنه كان بتكوين الله عزّ وجلّ له روحاً من غير ولادة والد والده \[ وقيل : المراد بروح القدس الإنجيل كما قال في القرآن " روحاً من أمرنا " لأنه الذي يوحى به \]، وكذلك سمي عيسى روحاً لهذا. 
وقال ابن عَبَّاس وسعيد بن جُبَيْرٍ :" هو الاسم الأعظم الذي كان يحيي ب١ - متفق عليه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه فقد أخرجه البخاري في الصحيح (٣/٢٤) كتاب التهجد (١٩) باب عقد الشيطان على قافية الرأس (١٢) حديث رقم (١١٤٢) ومسلم في الصحيح (١/٥٣٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦) باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح (٢٨) حديث رقم (٢٠٧/٧٧٦) وعن القافية قال في شرح السنة (٤/٣٣) وأراد بقافية الرأس مؤخر الرأس وأبو داود في السنن حديث رقم (١٣٠٦)- وابن ماجه في السنن حديث رقم (١٣٢٩)- وأحمد في المسند (٢/٢٤٣) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (١١٣١)- والبيهقي في السنن (٢/٥٠١)، (٣/١٥)- ومالك في الموطأ (١٧٦) وذكره المنذري في الترغيب ١/٤٤٢، ٤٤٦. والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢١٣٧٨..

### الآية 2:88

> ﻿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [2:88]

قُلُوبُنَا غُلْفٌ مبتدأ وخبر، والجملة في محلّ نصب بالقول قبله، وقرأ الجمهور :" غُلْف " بسكون اللام، وفيها وجهان :
أحدهما : وهو الأظهر أن يكون جمع " أَغْلَف " ك " أحمَر وحُمْر " و " أصفر وصُفْر "، والمعنى على هذا : أنها خلقت وجعلت مغشَّاة لا يصل إليها الحَقّ، فلا تفهمه ونظيره : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ  \[ فصلت : ٥ \] قال مجاهد وقتادة استعارة من الأَغْلَف الذي لم يَخْتَتِنْ. 
والثاني : أن يكون جمع " غلاف "، ويكون أصل اللام الضم، فتخفف نحو :" حمار وحمر "، و " كتاب وكتب "، إلاّ أن تخفيف " فُعُل " إنما يكون في المفرد غالباً نحو :" عُنُق " في " عُنْق " وأما " فُعُل " الجمع فقال ابن عطية :" لا يجوز تخفيفه إلاَّ في ضرورة "، وليس كذلك، بل هو قليل، وقرأ ابن عَبَّاس والأعرج ويروى عن أبي عمرو بضمّ اللام، وهو جمع " غلاف "، ولا يجوز أن يكون " فُعُل " في هذه القراءة جمع أَغْلَف ؛ لأن تثقيل " فعل " الصحيح العين، لا يجوز إلاَّ في شعر، والمعنى على هذه القراءة : أن قلوبنا أوعية فهي غير محتاجة إلى علم آخر، وهو قول ابن عباس وعَطَاء. 
وقال الكلبي :" معناه أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثاً إلا وَعَتْهُ إلاَّ حديثك لا تعقله ولا تعيه، ولو كان فيه خير لفهمته ووعته ". 
وقيل : غلف كالغلاف الذي لا شيء فيه مما يدلّ على صحة قولك : التغليف كالتعمية في المعنى. 
### فصل في كلام المعتزلة


قالت المعتزلة : هذه الآية تدلّ على أنه ليس في قلوب الكُفَّار مَا لاَ يمكنهم معه الإيمان، لا غلاَف ولا كِنّ ولا سدّ على ما يقوله المجبرة، لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صَادقين في هذا القول، فلا يكذبهم الله في قوله : بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ  وإنما يذمّ الكاذب المبطل لا الصَّادق المحق، وقالوا : هذا يدل على أن معنى قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ  \[ الكهف : ٥٧ \] و  إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً  
\[ يس : ٨ \]،  وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً  \[ يس : ٩ \] ليس المراد كونهم ممنوعين عن الإيمان، بل المراد : إما منع الألْطَاف، أو تشبيه حالهم في إصْرَارهم على الكُفْرِ بمنزلة المجبور على الكفر. 
قالوا : ونظير ذم الله تعالى - اليهود على هذه المَقَالَةِ ذمه الكافرين على مثل هذه المَقَالة، وهو قوله تعالى : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  \[ فصلت : ٥ \] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين، وإذا كان الأمر كذلك لم يذمّوا. 
قال ابن الخطيب : واعلم أنا بَيّنا في تفسير " الغلف " ثلاثة أوجه، فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل. 
سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلتم : إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟
فإن قيل : إنما لعنهم الله بسبب هذه المقالة. 
**فالجواب من وجوه :**
أحدها : لا نسلم، بل لعلّه تعالى حكى عن حالهم، أو عنهم قولاً، ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم. 
وثانيها : لعلّ المراد من قوله تعالى :" قُلُوبُنَا غُلْفٌ " أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، يعني : ليس قلوبنا في غلاف ولا في غطاء، بل أفهامنا قويّة، وخواطرنا منيرة، ثم إنا تأملنا في دلائلك فلم نجد شيئاً قويًّا فلما ذكروا هذا الوصف الكاذب لا جَرَمَ لعنهم الله على كفرهم الحاصل بهذا القول. 
وثالثها : أن قلوبهم لم تكن في أغْطية، بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  
\[ البقرة : ١٤٦ \] إلاّ أنهم أنكروا تلك المعرفة وادّعوا أن قلوبهم غُلف، فكان كفرهم عناداً. 
قوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ  " بل " : حرف إضراب، والإضراب راجع إلى ما تضمَّنه قولهم من أن قلوبهم غُلْف، فردّ الله عليهم ذلك بأن سببه لعنهم بكفرهم السّابق، والإضراب على قسمين : إبطال، وانتقال. 
فالأول، نحو :" ما قام زيد بل عمرو "، والانتقال كهذه الآية، ولا تعطف " بل " إلا المفردات، وتكون في الإيجاب والنفي والنهي، ويزاد قبلها " لا " تأكيداً. 
واللَّعن : الطَّرد والبُعْد، ومنه : شأو لَعِينٌ، أي : بعيد ؛ قال الشَّمَّاخ :\[ الوافر \]٦٥٣- ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنفَيْتُ عَنْهُ  مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعينِأي : الرجل البعيد، وكان وجه الكلام أن يقول :" مقام الذّئب اللّعين كالرجل " والباء في " بكفرهم " للسبب، وهي متعلّقة ب " لَعَنَهُم ". 
وقال الفارسي : النية به التقدم أي : وقالوا : قلوبنا غلف بسبب كفرهم، فتكون الباء متعلقة ب " قالوا "، وتكون " بل لعنهم " جملة معترضة، وفيه بُعْد، ويجوز أن تكون حالاً من المفعول في " لعنهم " أي : لعنهم كافرين، أي : ملتبسين بالكُفْرِ كقوله : وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ  \[ المائدة : ٦١ \]. 
قوله : فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  في نصب " قليلاً " ستة أوجه :
أحدها : أنه نَعْت لمصدر محذوف، أي : فإيماناً قليلاً يؤمنون ؛ لأنهم كانوا يؤمنون بالله، ويكفرون بالرسل. 
الثاني : أنه حال من ضمير ذلك \[ المصدر \] المحذوف، أي : فيؤمنونه أي : الإيمان في حال قلّته، وقد تقدم أنه مذهب سيبويه، وتقدّم تقريره. 
الثالث : أنه صفة لزمان محذوف، أي : فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله :
 آمِنُواْ بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ  \[ آل عمران : ٧٢ \]. 
الرابع : أنه على إسقاط الخافض، والأصل : فبقليل يؤمنون، فلما حذف حرف الجرّ انتصب، ويعزى لأبي عبيدة. 
الخامس : أن يكون حالاً من فاعل " يؤمنون " أي : فَجَمْعاً قليلاً يؤمنون، أي : المؤمن فيهم قليلٌ، قال معناه ابن عباس وقتادة والأصم وأبو مسلم. 
قال ابن الخطيب :" وهو الأولى ؛ لأن نظيره قوله : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً  \[ النساء : ١٥٥ \]، ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها \[ ذكر \][(١)](#foonote-١) القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم ". 
وقال المهدوي : ذهب قتادة إلى أن المعنى : فقليل منهم يؤمن، وأنكره النحويون، وقالوا : لو كان كذلك للزم رفع " قليل ". 
وأجيب : بأنه لا يلزم الرَّفْع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قَتَادَةُ لما تقدم من أنَّ نصبه على الحال وافٍ بهذا المعنى. و " ما " على هذه الأقوال كلها مزيدة للتأكيد. 
السادس : أن تكون " ما " نافية، أي فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثله :
 قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  \[ الأعراف : ١٠ \]  قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ  \[ الأعراف : ٣ \]، كما يقال : قليلاً ما يغفل أي : لا يعقل ألبتة. 
قال الكِسَائي :" تقول العرب : مررنا بأرض قليلاً ما تنبت "، يريدون : لا تنبت شيئاً، وهذا قول الوَاقِدِيّ. وهو قوي من جهة المعنى، وإنما يضعف من جهة تقديم ما في حَيّزها عليها قاله أبو البقاء \[ وإليه ذهب ابن الأنباري \]، إلا أن تقديم ما في حيّزها عليها لم يُجِزْه البصريون، وأجازه الكوفيون. 
قال أبو البقاء :" ولا يجوز أن تكون " ما " مصدرية ؛ لأن " قليلاً " يبقى بلا ناصب "، يعني : أنك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها، ويكون المصدر مرفوعاً ب " قليلاً " على أنه فاعل به فأين الناصب له ؟ وهذا بخلاف قوله تعالى : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الّلَيْلِ مَا يَهْجَعُونَ  \[ الذاريات : ١٧ \] فإن " ما " هاهنا يجوز أن تكون مصدرية ؛ لأن " قليلاً " منصوب ب " كان " وقال الزمخشري :" ويجوز أن تكون القلّة بمعنى العدم ". 
وقال أبو حَيَّان : وما ذهب إليه من أن " قليلاً " يراد به النَّفي فصحيح، لكن في غير هذا التركيب، أعني قوله تعالى : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ  لأن " قليلاً " انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير :" قمت قليلاً " أي : قمت قياماً قليلاً، ولا يَذْهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت " قليلاً " منصوباً نعتاً لمصدر ذلك الفِعْلِ يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة، أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً وعدم وقوعه بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون : أنه قد يراد بالقلّة النفي المحض في قولهم :" أقل رجل يقول ذلك وقلّما يقوم زيد "، وإذا تقرر هذا فحمل القلّة على النفي المحض هنا ليس بصحيح " انتهى. 
وأجيب \[ بأن ما \][(٢)](#foonote-٢) قاله الزمخشري[(٣)](#foonote-٣) من أن معنى التقليل هنا النَّفي قد قال به الوَاقِدِيّ قبله، كما تقدم فإنه قال :
 " أي : لا قليلاً ولا كثيراً "، كما تقول : قلّما يفعل كذا، أي : ما يفعله أصلاً. 
١ - سقط في ب..
٢ - في ب: عما..
٣ - ينظر الكشاف: ١/١٦٤..

### الآية 2:89

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [2:89]

اتفقوا على أنّ هذا الكتاب غير ما هو معهم، وما ذاك إلاَّ القرآن. 
قوله : مِنْ عِندِ اللَّهِ  فيه وجهان :
أحدهما : أنه في محلّ رفع صفة ل " كتاب "، فيتعلّق بمحذوف، أي كتاب كائن من عند الله. 
والثَّاني : أن يكون في محلّ نصب لابتداء غاية المجيء قاله أبو البقاء. 
وقد رد أبو حيان هذا الوجه فقال لا يقال : إنه يحتمل أن يكون " من عند الله " متعلقاً ب " جَاءَهُمْ "، فلا يكون صفةً، للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمول لغير أحدهما يعني أنه ليس معمولاً للموصوف ولا للصفة، فلا يفتقر الفصل به بينهما. 
والجمهور على رفع " مصدق " على أنه صفة ثانية، وعلى هذا يقال : قد وجد صفتان إحداهما صريحة، والأخرى مؤولة، وقد قدّمت المؤولة. 
وقد تقدم أن ذلك غير ممتنع، وإن زعم بعضهم أنه لا يجوز إلا ضَرُورَةً. 
والذي حسن تقديم غير الصريحة أن الوصف بكينونته من عند الله آكد، وأن وصفه بالتصديق ناشئ عن كونه من عند الله. 
وقرأ[(١)](#foonote-١) ابن أبي عبلة :" مصدقاً " نصباً، وكذلك هو في مصحف أُبَيّ، ونصبه على الحال، وفي صاحبها قولان :
أحدهما : أنه " كتاب ". 
فإن قيل : كيف جاءت الحال من النكرة ؟
فالجواب : أنها قربت من المعرفة لتخصيصها بالصفة وهو " مِنْ عِند اللهِ " كما تقدم. 
على أن سيبويه أجاز مجيئها منها بلا شَرْطٍ، وإلى هذا الوجه أشار الزمخشري. 
والثاني : أنه الضَّمير الذي تحمله الجار والمجرور لوقوعه صفةً، والعامل فيها إما الظرف، أو ما يتعلق به، ولهذا اعترض بعضهم على سيبويه في قوله :\[ مجزوء الوافر \]

٦٥٤- لِمَيَّةَ مَوحِشاً طَلَلُ  يَلَوحُ كَأَنَّه خِلَلُ[(٢)](#foonote-٢)إن " موحشاً " حال من " طَلَل "، وساغ ذلك لتقدمه، فقال : لا حاجة إلى ذلك، إذ يمكن أن يكون حالاً من الضمير المستكنّ في قوله :" لِمَيَّةَ " الواقع خبراً ل " طَلَل "، وجوابه في موضع غير هذا. واللام في " لما معهم " وقعت لتعدية " مصدق " لكونه فرعاً. و " ما " موصولة، والظَّرف صلتها، ومعنى كونه مصدقاً، أي : موافقاً لما معهم من التوراة في أمر يتعلّق بتكاليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وما يدلّ عليها من العلامات والنعوت، فإنهم عرفوا أنه ليس بموافق لما مَعَهُمْ في سائر الشَّرائع، وعلمنا أنه لم ترد الموافقة في أدلّة القرآن ؛ لأن جميع كتب الله كذلك، فلم تبق إلاَّ الموافقة فيما ذكرناه. 
قوله :" وَكَانُوا " يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون معطوفاً على " جاءهم " فيكون جواب " لما " مرتباً على المجيء والكون. 
والثاني : أن يكون حالاً، أي : وقد كانوا، فيكون جواب " لما " مرتباً على المجيء بقيد في مفعوله، وهم كونهم يستفتحون. 
قال أبو حيان : وظاهر كلام الزمخشري أن " وكانوا " ليست معطوفة على الفعل بعد " لما "، ولا حالاً، لأنه قدر جواب " لما " محذوفاً قبل تفسيره يستفتحون، فدلَّ على أن قوله :" وكانوا " جملة معطوفة على مجموع الجملة من قوله :" ولما ". وهذا هو الثالث. 
و " مِنْ قَبْلُ " متعلق ب " يستفتحون "، والأصل : من قبل ذلك، فلما قطع بني على الضم. 
و " يَسْتَفْتِحُونَ " في محل نصب على أنه خبر " كان ". 
واختلف النحويون في جواب " لما " الأولى والثانية. 
فذهب الأخفش[(٣)](#foonote-٣) والزَّجاج[(٤)](#foonote-٤) إلى أن جواب الأولى محذوف تقديره : ولما جاءهم كتاب كفروا به، وقدّره الزمخشري :" كذبوا به واستهانوا بمجيئه ". وهو حسن، ونظيره قوله : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ 
\[ الرعد : ٣١ \] أي : لكان هذا القرآن. 
وذهب الفَرّاء إلى أن جوابها الفاء الداخلة على " لما "، وهو عنده نظير قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ  \[ البقرة : ٣٨ \] قال : ولا يجوز أن تكون الفاء ناسقة، إذ لا يصلح موضعها " الواو ". 
و " كَفَرُوا " جواب " لما " الثانية على القولين. 
وقال أبو البَقَاءِ[(٥)](#foonote-٥) : في جواب " لما " الأولى وجهان :
أحدهما : جوابها " لما " الثانية وجوابها، وهذا ضعيف ؛ لأن " الفاء " مع " لما " الثانية، و " لما " لا تجاب بالفاء إلاَّ أن يعتقد زيادة " الفاء " على ما يجيزه الأخفش. 
قال شهاب الدين[(٦)](#foonote-٦) : ولو قيل برأي الأخفش في زيادة " الفاء " من حيث الجملة، فإنه لا يمكن هاهنا لأن " لما " لا يجاب بمثلها، لا يقال :" لما جاء زيد لما قعد أكرمتك " على أن يكون " لما قعد " جواب " لما جاء " والله أعلم. 
وذهب المبرد إلى أن " كفروا " جواب " لما " الأولى، وكررت الثَّانية لطول الكلام، ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيده كقوله تعالى : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ  إلى قوله : أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ  \[ المؤمنون : ٣٥ \]، وهو حسن لولا أن " الفاء " تمنع من ذلك. 
وقال أبو البقاء بعد أن حكى وجهاً أول : والثاني : أن " كفروا " جواب الأولى والثانية ؛ لأن مقتضاها واحد. 
وقيل : الثانية تكرير، فلم تحتج إلى جواب. 
فقوله : وقيل : الثانية تكرير، هو قول المبرّد، وهو في الحقيقة ليس مغايرةً للوجه الذي ذكره قبله من كون " كفروا " جواباً لهما بل هو هو. 
### فصل في الاستفتاح


اختلفوا في هذا الاستفتاح، فقال ابن عباس رضي الله عنه وقتادة والسّدي : نزلت في بني " قريظة " و " النضير " كانوا يستفتحون على " الأوس " 
و " الخزرج " برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث[(٧)](#foonote-٧). 
وقال أبو مسلم : كانوا يقولون لمخالفيهم : غداً القتال هذا نبي قد أظلّ زمان مولده، ويصفونه بأنه نبي، ومن صفته كذا، ويتفحّصون عنه على الذين كفروا، أي : على مشركي العرب. 
وقيل : إن اليهود وقبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يستفتحون أي : يسألون الفَتْح والنصر، وكانوا يقولون : اللّهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي الأمّيّ \[ المبعوث \][(٨)](#foonote-٨) في آخر الزمان الذي نجد صِفَتَهُ في التوراة، وكانوا يستنصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : قد أظلّ زماننا نبيٌّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قَتْلَ عَادٍ وإرَم، فلما جاءهم ما عرفوا يعني محمداً صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل، وعرفوا نَعْتَهُ وصدقه كفروا به بَغْياً[(٩)](#foonote-٩). 
\[ وقيل :\][(١٠)](#foonote-١٠) نزلت في أَحْبَار اليهود كانوا إذا قرأوا وذكروا محمداً في التوراة، وأنه مبعوث من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصِّفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث وهذه الآية دلّت على أنهم كانوا عارفين بنبوته. 
فإن قيل : التوراة نقلت نقلاً متواتراً، فإما أن يقال : إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التَّفصيل أعني بيان أن الشَّخص الموصوف بالصُّورة الفلانية، والسيرة الفلانية سيظهر في السَّنة الفلانية في المكان الفُلاني، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شَهَادَةِ التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب ؟ وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة \[ كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً فكيف قال تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة \][(١١)](#foonote-١١) كان وصفاً إجمالياً، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف، بل كانت كالمؤكدة، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار. 
قال ابن الخطيب[(١٢)](#foonote-١٢) : وأما كُفْرهم فيحتمل أنهم كانوا يظنّون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل، وكانوا يرغبون النَّاس في دينه، ويدعونهم إليه، فلما بعث الله محمداً من العرب من نسل إسماعيل عَظُمَ ذلك عليهم، فأظهروا التكذيب، وخالفوا طريقهم الأول. وهذا فيه نظر ؛ لأنهم كانوا عالمين أنه من العرب. 
ويحتمل أنهم لأجل اعترافهم بنبوّته كان يوجب عليهم زوال رِيَاسَتِهِمْ وأموالهم، فَأَبَوْا وأصرُّوا على الإنكار. 
ويحتمل أنهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصّة، فلا جرم كفروا به. 
قوله : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ  جملة من مبتدأ أو خبر متسببة عمّا تقدم، والمصدر هنا مضاف للفاعل، وأتى ب " على " تنبيهاً على أن اللَّعْنة قد استعلت عليهم وشملتهم. وقال :" على الكافرين " ولم يقل :" عليهم " إقامة للظَّاهر مقام المضمر، لينبّه على السبب المقتضي لذلك وهو الكفر. 
١ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٧٧، والبحر المحيط: ١/٤٧١، والدر المصون: ١/٢٩٧..
٢ - البيت لكثير عزة في ديوانه ٥٠٦، وخزانة الأدب ٣/٢١١، وشرح التصريح ١/٣٧٥، وشرح شواهد المغني ١/٢٤٩، والكتاب ٤/١٢٣، والمقاصد النحوية ٣/١٦٣، وأسرار العربية ١٤٧، وأوضح المسالك ٢/٣١٠، وخزانة الأدب ٦/٤٣، والخصائص ٢/٤٩٢، وشرح الأشموني ١/٢٤٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٦٦٤ و ١٨٢٥، وشرح قطر الندى ٢٣٦، ولسان العرب \[خلل\]، مغني اللبيب ١/٨٥ و ٢/ ٤٣٦، الدر ١/٢٩٨..
٣ - ينظر معاني القرآن: ١/١٣٦..
٤ - ينظر معاني القرآن: ١/١٤٦..
٥ - ينظر الإملاء: ١/٥٠..
٦ - ينظر الدر المصون: ١/٢٩٨..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٣٣٣-٣٣٤) عن ابن عباس والأثر ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" (٢/١٩٦)..
٨ - في ب: الذي يظهر..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٣٣٥، ٣٣٦)..
١٠ - في أ: وقد..
١١ - سقط في أ..
١٢ - ينظر الفخر الرازي: ٣/١٦٥..

### الآية 2:90

> ﻿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [2:90]

" بِئْس " فعل ماض غير متصرِّف، معناه الذَّمُّ، فلا يعمل إلاَّ في معرَّف ب " أل " أو فيما أضيف إلى ما هُمَا فيه، أو في مضمر مفسَّر بنكرة، أو في " مَا " على قول سيبويه. 
وفيه لغات : بَئِسَ بكسر العين وتخفيف هذا الأصل، وبِئِسَ بكسر الفاء إتباعاً للعين، وتخفيف هذا الإتباع، وهو أشهر الاستعمالات ومثلها " نِعْمَ " في جميع ما تقدم من الأحكام واللغات. 
قال ابن الخطيب : ما كان ثانيه حرفَ حَلْق وهو مكسورٌ يجوز فيه أربع لغات :
الأول : على الأصل أعني : بفتح الأول وكسر الثاني. 
والثاني : إتباع الأول للثاني، وهو أن يكون بكسر النون والعين، كما يقال :" فِخِذٌ " بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرُّون من الجمع بين الكَسْرتين إلاَّ أنهم جَوّزوه ها هنا ؛ لكون الحرف الحَلْقيِّ مستتبعاً لما يجاوره. 
الثالث : إسكان الحرف الحَلْقيِّ المكسور، وترك ما قبله ما كان، فيقال : نَعْمَ وَبَأْسَ بفتح الأول وإسكان الثاني ؛ كما يقال :" فَخْذٌ ". 
الرابع : أن يسكن الحرف الحَلْقيُّ، وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال :" نِعْم " بكسر النون وإسكان العين ؛ كما يقال :" فِخْذٌ " بكسر الفاء وإسكان الخاء. 
واعلم أن هذا التغيير الأخير، وإن كان في حّدِّ الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين، إلاّ أنهم جعلوه لازماً لهما ؛ لخروجهما عمَّا وضعت له الأفعالُ الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان والماضي، وصيرورتهما كلمتي مَدْحِ وذَمٍّ، ويراد بهما المُبَالغة في المدح والذم ؛ ليدلّ هذا التَّغيير اللازم في اللَّفظ على التغيير عن الأصل، وفي المعنى ؛ فيقولون :" نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ " ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشِّعْر ؛ كما أنشد المبرِّد :\[ الرمل \]
٦٥٥- فَفِدَاءً لِبَنِي قَيْسٍ عَلَى \*\*\* مَا أَصَابَ النَّاسَ مِنْ شَرٍّ وَضُرْ
مَا أَقَلَّتْ قَدَمَايَ إِنَّهُمْ \*\*\* نَعِمَ السَّاعُونَ في الأَمْرِ المُبِرْ[(١)](#foonote-١)
وهما فعلان من نَعِمَ يَنْعَمُ وَبئِسَ يَبْأَسُ. 
والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال : نعمتْ وبئستْ. 
وزعم الكوفيون أنهما اسمان ؛ مستدلين بدخول حرف الجر عليهما في قول حسان :\[ الطويل \]
٦٥٦- أَلَسْتُ بِنِعْمَ الجَارُ يُؤْلِفُ بَيْتَهُ \*\*\* مِنَ النَّاسِ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَمُعْدِمَا[(٢)](#foonote-٢)
وبما روي أن أعرابيًّا بشر بمولودة فقيل له : نعم المولودة مولودتك ! فقال :" والله ما هي بنعم المولودة : نُصْرتها بكاء، وبرّها سرقة " و " نِعْمَ السَّيْر على بِئْسَ العِيرِ ". وقوله :\[ الرجز \]
٦٥٧- صَبَّحَكَ اللهُ بِخَيْرٍ بَاكِرِ \*\*\* بِنِعْمَ طَيْرٍ وَشَبَابٍ فَاخِرِ[(٣)](#foonote-٣)
وخرجه البصريون على حذف موصوف، قامت صفته مقامه، تقديره : والله ما هي بمولودة مَقُول فيها : نعم المولودة.

### فصل في نعم وبئس


اعلم أنَّ " نعم وبئس " أصلان للصّلاح والرَّدَاءة، ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً، فالمظهر على وجهين :
الأول : كقولك :" نعم الرجل زيد " لا تريد رجلاً دون رجل، وإنما تقصد الرَّجل على الإطلاق. 
والثاني : نحو قولك :" نعم غلام الرَّجل زيد ". 
وأما قوله :\[ البسيط \]
٦٥٨- فَنِعْمَ صَاحِبُ قَوْمٍ لاَ سِلاَحَ لَهُمْ \*\*\* وَصَاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمَانُ بْنُ عَفانا[(٤)](#foonote-٤)
فنادر. 
وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله :" وَصَاحِبُ الرَّكْبِ " قد دل على المقصود ؛ إذ المراد واحد، فإذا أتى بالمركّب بالألف واللام، فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك :" نعم رجلاً زيد " الأصل : نعم الرجل رَجُلاً زيد الأصل ثم ترك ذكر الأول ؛ لأن النكرة المنصوبة تدل عليه. 
ف " رجلاً " نصب على التمييز، مثله في قولك : عشرون رَجُلاً والمميّز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحداً لا يقول :" عشرون الدّرهم " ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا :" نعم الرجلُ " بالنصب لكان نقضاً لِلْغَرَضِ، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا، وقالوا :" نعم الرجلُ " وكَفَوْا أنفسهم مؤنة الإضمار، وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان " نعم رجلاً " يدل على الجنس الذي فضل عليه. 
### فصل في إعراب المخصوص بالمدح في أسلوب " نِعْمَ " 


إذا قلت :" نعم الرجل زيد " فهو على \[ وجهين \][(٥)](#foonote-٥) :
أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخراً، كأنه قيل :" زيد نعم الرجل " أخرت " زيداً " والنية به التقديم كما تقول : مررت به المسكين تريد : المسكين مررت به، فأما الراجع إلى المبتدأ، فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظر فيه الجِنْس كان " زيد " داخلاً تحته، فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه. 
والوجه الآخر : أن يكون " زيد " في قولك :" نعم الرجل زيد " خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل : نعم الرجل قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟ فقيل : زيد، أي : هو زيد. 
### فصل في شرط نعم وبئس


ولا بد بعد هذين الفعلين من مخصوصين من المَدْح أو الذم، وقد يحذف لقرينة وأما " ما " الواقعة بعد " بئس " كهذه الآية، فاختلف فيها النحاة، هل لها محلّ من الإعراب أم لا ؟
فذهب الفراء[(٦)](#foonote-٦) : إلى أنها مع " بئس " شيء واحد ركّب تركيب " حَبَّذا "، نقله ابن عطية عنه ونقل عنه المَهْدوي أنه يجوز أن تكون " ما " مع " بئس " بمنزلة " كلما "، فظاهر هذين النقلين أنها لا محل لها. 
وذهب الجمهور أن لها محلاًّ، ثم اختلفوا في محلّها هل هو رفع أو نصب ؟. 
فذهب الأخفش إلى أنها في محلّ نصب على التمييز، والجملة بعدها في محل نصب صفة لها، وفاعل " بئس " مضمر تفسره " ما "، والمخصوص بالذم هو قوله :" أَن يَكْفُرُوا " لأنه في تأويل مصدر، والتقدير : بئس هو شيئاً اشتروا به أنفسهم كُفْرهم، وبه قال الفارسي \[ في أحد قوليه \][(٧)](#foonote-٧)، واختاره الزَّمخشري، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذَّم محذوفاً و " اشتروا " صفة له في محلّ رفع تقديره : بئس شيئاً شيء أو كفر اشتروا به، كقوله :\[ الطويل \]
٦٥٩- لَنِعْمَ الْفَتَى أَضْحَى بَأَكْنَافِ حَائِلٍ \*\*\*. . . [(٨)](#foonote-٨)
أي : فَتًى أَضْحَى. 
و " أَن يَكْفُرُوا " بدل من ذلك المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، أي : هو أن يكفروا. وذهب الكسائي إلى أن " ما " منصوبة المحلّ أيضاً، \[ لكنه \][(٩)](#foonote-٩) قدر بعدها " ما " موصولة أخرى بمعنى " الذي "، وجعل الجملة من قوله :" اشْتَرَوا " صلتها، و " ما " هذه الموصولة هي المخصوص بالذم، والتقدير : بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلّ ل " اشتروا " على هذا، أو يكون " أن يكفروا " على هذا القول خبراً لمبتدأ محذوف كما تقدم. 
فتلخّص في الجملة الواقعة بعد " ما " على القول بنصبها ثلاثة أقوال :
الأول : أنها صفة لها، فتكون في محلّ نصب، أو صلة ل " ما " المحذوفة، فلا محلّ لها، أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محل رفع. 
وذهب سيبويه : إلى أن موضعها رفع على أنها فاعل " بئس "، فقال سيبويه : هي معرفة تامّة، التقدير : بئس الشيء، والمخصوص بالذم على هذا محذوف، أي : شيء اشتروا به أنفسهم وعزي هذا القول أيضاً للكسائي. 
وذهب الفراء والكسائي أيضاً إلى أن " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والجملة بعدها صلتها، ونقله ابن عطية عن سيبويه وهو أحد قولي الفارسي، والتقدير : بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف " أن يكفروا " هو المخصوص بالذم. 
قال أبو حَيَّان : وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه ونقل المَهْدوي وابن عطيّة عن الكسائي أيضاً أن " ما " يجوز أن تكون مصدرية[(١٠)](#foonote-١٠)، والتقدير : بئس اشتراؤهم، فتكون " ما " وما في حيّزها في محل رفع. 
قال ابن عطية[(١١)](#foonote-١١) : وهذا معترض ؛ لأن " بئس " لا تدخل على اسم معيّن يتعرف بالإضافة إلى الضمير. 
قال أبو حَيَّان[(١٢)](#foonote-١٢) : وهذا لا يلزم، إلاَّ إذا نصّ أنه مرفوع " بئس " ؛ أما إذا جعله المخصوص بالذم، وجعل فاعل " بئس " مضمراً، والتمييز محذوفاً لفهم المعنى، والتقدير : بئس اشتراء اشتراؤهم، فلا يلزم الاعتراض. 
قال شهاب الدين[(١٣)](#foonote-١٣) : وبهذا أعني : بجعل فاعل " بئس " مضمراً فيها جوز أبو البقاء في " ما " أن تكون مصدرية، فإنه قال والرابع : أن تكون مصدرية، أي بئس شراؤهم، وفاعل " بئس " على هذا مضمر ؛ لأن المصدر هنا مخصوص ليس بجنس يعني فلا يكون فاعلاً، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في " به " على " ما " والمصدرية لا يعود عليها ؛ لأنه حذف عند الجمهور. 
### فصل في المراد بالشراء في الآية


**في الشراء هنا قولان :**
أحدهما : أنه بمعنى البيع، بيانه أنه تعالى لما مكن المكلّف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة، والكفر الذي يؤدّي به إلى النَّار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار مالك السِّلعة ثمنها على سلعته، فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونَجَاته قيل : نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال مِلْك بملك صلح أن يوصف كلّ واحد منهما بأنه بائع ومشترٍ لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما. 
الوجه الثاني : أن المكلّف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله تعالى يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب، فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب، ويوصّلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم به، فذمّهم الله تعالى وقال : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ . 
قوله :" أن يكفروا " قد تقدم فيه أنه يجوز أن يكون هو المخصوص بالذم، ففيه الأوجه الثلاثة إما مبتدأ أو خبره الجملة قبله، ولا حاجة إلى الرابط ؛ لأن العموم قائم مقامه، إذ الألف واللام في فاعل " نعم وبئس " للجنس، أو لأن الجملة نفس المبتدأ، وإما خبر لمبتدأ محذوف وإما مبتدأ أو خبره محذوف، وتقدم أنه يجوز أن يكون بدلاً أو خبراً لمبتدأ حسبما تقرّر وتحرر. 
وأجاز الفراء أن يكون في محلّ جر بدلاً من الضمير في " به " إذا جعلت " ما " تامة. 
قوله : بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ  متعلّق ب " كفروا "، وقد تقدّم أن " كفر " يتعدّى بنفسه تارة، ويحرف الجر أخرى، و " ما " موصولة بمعنى " الذي "، والعائد محذوف تقديره : أنزله، ويضعف جعلها نكرة موصوفة، وكذلك جعلها مصدريّة، والمصدر قائم مقام المفعول، أي : بإنزاله يعني : بالمنزل. 
**قوله :" بَغْياً " فيه ثلاثة أوجه :**
أظهرها : أنه مفعول من أجله وهو مستوفٍ لشروط النصب، وفي الناصب له قولان :
أحدهما وهو الظاهر أنه يكفروا، أي علة كفرهم البَغْي، وهذا تنبيه على أن كفرهم \[ بَغْي وحَسَد \]، ولولا هذا القول لجوزنا أن يكون كفرهم جهلاً، والمراد بذلك : كفرهم بالقرآن، لأن الخطاب لليهود، وكانوا مؤمنين بغيره فبيّن تعالى غرضهم من هذا البَغْي بقوله : أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ  \[ البقرة : ٩٠ \] وهذا لا يليق إلا باليهود ؛ لأنهم ظنوا أن ذلك الفضل العظيم بالنبوّة المنتظرة تحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على الحَسَد والبَغْي. 
والقول الثاني : أن الناصب لقوله " بَغْياً " " اشْتَروا "، وإليه ينحو كلام الزمشخري، فإنه قال :" وهو علّة " اشتروا. 
الوجه الثاني : أنه منصوب على المصدر بفعل مَحْذوف يدل عليه ما تقدم، أي : ب١ - البيتان لطرفة. ينظر ديوانه: (٥٨)، المقتضب: ٢/١٣٨، الأمالي الشجرية: ٢/٥٥، خزانة الأدب: ٩/٣٧٦، الكتاب: ٤٠/٤٤٠، الإنصاف: ١/١٢٢، شرح الكافية للرضي: ٢/٣٠١، الهمع: ٢/ ٨٤، الدرر: ٢/١٠٨، الفخر: ٣/١٢٨٢، الحجة: ٣٩٨..
٢ - ينظر ديوانه: (٢١٩)، ابن يعيش: (٧/١٢٧)..
٣ - ينظر الهمع: ٢/٨٤، العيني: ٤/٥٢، الأشموني: ٣/٢٧، الدرر: ٢/١٠٨، الدر المصون: ١/٢٩٩..
٤ - البيت لكثير بن عبد الله النهشلي ينظر في الدرر: ٥/٢١٣، وشرح شواهد الإيضاح: ص ١٠٠، والمقاصد النحوية: ٤/١٧، وله أو لأوس بن مغراء أو لحسان بن ثابت في خزانة الأدب: ٩/٤١٥، ٤١٧، وشرح المفصل: ٧/١٣١، وليس في ديوان حسان، وبلا نسبة في شرح الأشموني: ٢/٣٧١، والمقرب: ١/٦٦، وهمع الهوامع: ٢/٨٦..
٥ - في ب: قسمين..
٦ - ينظر معاني القرآن ١/٥٧..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر الإملاء: (١/٥١)، التبيان: ١/٩١، الدر المصون: ١/٢٩٩..
٩ - في ب: لأنه..
١٠ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٧٨..
١١ - ينظر البحر المحيط: (١/٤٧٣)..
١٢ - ينظر الدر المصون: ١/٣٠٠..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٦٦، الدر المصون: ١/٣٠١..

### الآية 2:91

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:91]

وإذا قيل لهم  : يعني اليهود. 
 آمنوا بما أنزل الله  : أي بكل ما أنزل الله، والقائلون بالعموم احتجّوا بهذه الآية على أن لفظة " ما " بمعنى " الذي " تفيد العموم، قالوا : لأن الله تعالى أمرهم أن يؤمنوا بما أنزل الله، فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك، ولولا أنَّ لفظة " ما " تفيد العموم لما حسن هذا الذم، ثم إنه تعالى أمرهم بذلك  قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا  يعني : التوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقدير شَرْع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه، وهو الإنجيل والقرآن، وأورد هذه الحكاية عنهم على سبيل الذَّم لهم، وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم : آمنوا بما أنزل الله إلاَّ ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلاً من عند الله، وإلاَّ كان ذلك تكليف ما لا يُطَاق، وإذ أول الدليل على كونه منزلاً من عند الله وجب الإيمان به، فإيمانهم بالبَعْضِ دون البَعْضِ تناقض، ويجاب بوجهين :
أحدهما : أن العموم إنما استفيد من عموم العلّة، وهو كونه من عند الله ؛ لأن كلّ ما أنزله الله يجب الإيمان بكونه منزلاً من عند الله لا لكون " ما " يقتضي العموم. 
الثاني : أنا لا نمنع أن " ما " استعمل للعموم ؛ لأن ذلك مجال لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في كونها هل هي موضوعة للعموم أو لا ؟
فالقائل بأنها ليست موضوعةً للعموم أنها إنما استعملت للعموم مجازاً هاهنا. 
فإن قيل : الأصل في الاستعمال الحقيقة. 
فالجواب : أنها لو كانت للعموم حقيقةً لما جاز إدخال لفظة " كل " عليها. 
فإن قيل : إنما دخلت " كلّ " للتوكيد. 
فالجواب : أن أصل المؤكّد يأتي بعد ما يؤكده لا قبله. 
قوله : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ  يجوز في هذه الجملة وَجْهَان :
أحدهما : أن تكون \[ استئنافية استؤنفت \][(١)](#foonote-١) للإخبار بأنهم يكفرون بما عدا التَّوْراة، فلا محل لها من الإعراب. 
والثاني : أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي : وهم يكفرون، والجملة في محلّ نصب على الحال، والعامل فيها " قالوا "، أي قالوا : نؤمن حال كونهم كافرين بكذا، ولا يجوز أن يكون العامل فيها " نؤمن ". 
قال أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) : إذ لو كان كذلك لكان لفظ الحال ونكفر، أي ونحن نكفر. يعني : فكان يجب المُطَابقة. 
ولا بد من إضمار هذا المبتدأ لما تقدم من أن المضارع المثبت لا يقترن بالواو، وهو نظير قوله :\[ المتقارب \]
٦٦٢-. . . \*\*\* نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا[(٣)](#foonote-٣)
وحُذِفَ الفاعل من قوله تعالى :" بِمَا أُنْزِلَ " وأقيم المفعولُ مقامه للعلم به، إذ لا يُنَزِّل الكتب السماوية إلا الله، أو لتقدم ذكره في قوله : بِمَا أَنزَلَ اللهُ . 
قوله :" بِمَا وَرَاءَهُ " متعلّق ب " يكفرون " و " ما " موصولة، والظرف صلتها، فمتعلّقه فعل ليس إلا و " الهاء " في " وراءه " تعود على " ما " في قوله : نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ . 
و " وَرَاء " من الظروف المتوسّطة التصرف، وهو ظرف مكان، والمشهور أنه بمعنى " خلف " وقد يكون بمعنى " أمام " قال تعالى :
 وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً  \[ الكهف : ٧٩ \]. 
وقال : وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً  \[ الإنسان : ٢٧ \] فهو من الأضداد، وفسره الفراء هُنَا بمعنى " سوى " التي بمعنى " غير ". 
وفسره أبو عبيدة وقتادة بمعنى " بعد ". 
**وفي همزه قولان :**
أحدهما : أنه أصل بنفسه \[ وإليه ذهب ابن جني مستدلاً \][(٤)](#foonote-٤) بثبوتها في التصغير في قولهم :" وريئة ". 
الثاني : أنها مبدلة من ياء، لقولهم : تواريت. 
قال أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) : ولا يجوز أن تكون الهمزة بدلاً من واو ؛ لأن ما فاؤه واو، لا تكون لامه واواً إلاّ ندوراً نحو :" واو " اسم حرف هجاء، وحكم " وَرَاء " حكم " قَبْلُ " و " بَعْدُ " في كونه إذا أضيف أعرب، وإذا قطع بني على الضم. 
وأنشد الأخفش على ذلك قول الشاعر :\[ الطويل \]
٦٦٣- إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ \*\*\* لِقَاؤُكَ إِلاَّ مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ[(٦)](#foonote-٦)
وفي الحديث عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام :" كُنْتُ خَلِيْلاً مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ ". 
وثبوت الهاء في تصغيرها شاذّ ؛ لأن ما زاد من المؤنث على ثلاثة لا تثبت الهاء في مصغره إلا في لفظتين شذتا وهما :" وريئة " و " قديديمة " : تصغير " وراء " و " قدام ". 
وقال ابن عصفور : لأنهما لم يتصرفا فلو لم يُؤنَّثَا في التصغير لتُوُهِّمَ تذكيرهما. 
والوراء : ولد الولد أيضاً. 
قوله :" وَهُوَ الْحَقُّ " مبتدأ أو خبر، والجملة في محلّ نصب على الحال، والعامل فيها قوله " يكفرون " \[ وصاحبها فاعل يكفرون \][(٧)](#foonote-٧) وأجاز أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨) أن يكون العامل الاستقرار الذي في قوله :" بما وراءه " أي بالذي استقرّ وراءه، وهو الحق. 
وهذا إشارة إلى وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لما ثبت نبوّته بالمعجزات التي ظهرت عليه، ثم إنه عليه الصَّلاة والسَّلام أخبر أن هذا القرآن منزّل من عند الله، وأن فيه أمر المكلفين به، فكان الإيمان به محقّق لا مَحَالة. 
قوله :" مُصَدِّقاً " حال مؤكدة، لأن قوله :" وَهُوَ الْحَقُّ " قد تضمّن معناها، والحال المؤكدة : إما أن تؤكد عاملها، نحو : وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ  \[ البقرة : ٦٠ \] وإما أن تؤكد مضمون جملة، فإن كان الثاني التزم إضمار عاملها، وتأخيرها عن الجملة، ومثله أنشد سيبويه :\[ البسيط \]
٦٦٤- أَنا ابْنُ دَارَةَ مَعْرُوفاً بِهَا نَسَبِي \*\*\* وَهَلْ بِدَارَةَ يَا لَلنَّاسِ مِنّ عَارِ[(٩)](#foonote-٩)
والتقدير : وهو الحق أحُقّه مصدقاً وابنَ دَارَةَ أعْرَف معروفاً، هذا تقرير كلام النحويين، وأما أبو البقاء، فإنه قال : مصدقاً حال مؤكِّدة، والعامل فيها ما في " الحق " من معنى الفعل، إذ المعنى : وهو ثابت مصدقاً، وصاحب الحال الضمير المستتر في " الحَقّ " عند قوم، وعند آخرين صاحب الحال ضمير دلّ عليه الكلام، و " الحق " : مصدر لا يتحّمل الضمير على حسب تحمّل اسم الفاعل له عندهم. 
فقوله :" وعند آخرين " هو القول الذي قدّمناه وهو الصواب، و " ما " في قوله :" لِمَا مَعَهُمْ " في موضع خفض باللام، و " معهم " صلتها، و " معهم " نصب بالاستقرار. 
### فصل في بيان ما تشير إليه الآية


وهذا أيضاً إشارة إلى وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من وَجْهَيْنِ :
الأول : أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يتعلم \[ علماً \][(١٠)](#foonote-١٠)، ولا استفاد من أُسْتاذ، فلما أخبر بالحكايات والقصص موافقاً لما في التوراة من غير تفاوت أصلاً علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوَحْي والتنزيل. 
والثاني : أن القرآن يدلّ على نبوته عليه الصَّلاة والسَّلام فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة، وجب اشتمال التَّوْراة على الإخبار عن نبوته، وإلاَّ لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة، بل مكذباً لها، وإذا كانت التوراة مشتملةً على نبوته عليه الصَّلاة والسَّلام، وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن. 
قوله :" فلم تقتلون " الفاء جواب شرط مقدر وتقديره : إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم قتلتم الأنبياء ؟ وهذا تكذيب لهم ؛ \[ لأن الإيمان بالتوراة مناف لقتل أشرف خلقه وذلك \][(١١)](#foonote-١١) لأن التوراة دلّت على أن المعجزات تدلّ على الصدق، وتدل على أنّ من كان صادقاً في ادعاء النبوة كان قتله كفراً، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قَتْل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفراً فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادّعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة ؟
و " لم " جار ومجرور، واللام حرف، و " ما " استفهامية في محلّ جر، أي : لأي شيء ؟ ولكن حذفت ألفها فرقاً بينها وبين " ما " الخبرية. 
وقد تحمل الاستفهامية على الخبرية فتثبت ألفها ؛ قال الشاعر :\[ الوافر \]
٦٦٥- عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ \*\*\* كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ[(١٢)](#foonote-١٢)
وهذا ينبغي أن يُخَصَّ بالضرورة، كما نص عليه بعضهم، والزمخشري يجيز ذلك، ويخرج عليه بعض أي القرآن، كما قد تحمل الخبرية على الاستفهامية في الحَذْف في قولهم : اصنع بم شئت وهذا لمجرد التشبيه اللفظي. 
وإذا وُقِفَ على " ما " الاستفهامية المجرورة، فإن كانت مجرورة باسم وَجَبَ لَحاقُ هاء السَّكْت نحو مجيء " مه "، وإن كانت مجرورة بحرف فالاختيار اللحاق، والفرق أن الحرف يمتزج بما يدخل عليه فتقوى به الاستفهامية، بخلاف الاسم المضاف إليها، فإنه في نيّة الانفصال، وهذا الوَقْف إنما يجوز ابتداء، أو بقطع نفس، ولا جَرَمَ أن بعضهم منع الوَقْف على هذا النحو قال :" إنه إن وقف بغير هاء كان خطأ ؛ لنقصان الحرف، وإن وقف بها خالف السَّواد ". 
لكن البزي قد وقف بالهاء، ومثل ذلك لا يُعد مخالفة للسَّواد، ألا ترى إلى إثباتهم بعضَ ياءات الزوائد. 
والجار متعلق بقوله :" تقتلون "، ولكنه قُدِّم عليه وجوباً، لأن مجروره له صدر الكلام، والفاء وما بعدها من " تقتلون " في محلّ جزم، وتقتلون وإن كان بصيغة المضارع، فهو في معنى الماضي \[ لفهم المعنى \][(١٣)](#foonote-١٣)، وأيضاً فمعه قوله " مِنْ قَبْل " \[ وأيضاً فإن الأنبياء عليهم السلام إنما كانوا في ذلك الزمان، وأيضاً فالحاضرون لم يفعلوا ذلك ولا يتأتى لهم قتل الماضين \][(١٤)](#foonote-١٤)، وجاز إسناد القتل إليهم وإن لم يَتَعَاطَوه ؛ لأنهم لما كانوا راضين بفعل أَسْلاَفهم جعلوا كأنهم فعلوا هم أنفسهم. 
فإن قيل : كيف جاز قوله :" فَلِمَ تَقْتُلُونَ " من قبل، ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟
**فالجواب من وَجْهَيْن :**
الأول : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصّفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك. 
قال الله تعالى : وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ  \[ البقرة : ١٠٢ \] ولم يقل : ما تلت الشياطين ؛ لأنه أراد من شأنها التلاوة. 
والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين بالتوراة ؟
قال بعضهم : جاء " تقتلون " بلفظ الاستقبال، وهو بمعنى المُضِيّ لما ارتفع الإشكال بقوله :" من قبل " وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل وبالعكس. 
قال الحطيئة :\[ الكامل \]
٦٦٦- شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ \*\*\* أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ[(١٥)](#foonote-١٥)
شهد بمعنى يشهد. 
قوله : إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . 
**في :" إنْ " قولان :**
أحدهما : أنها شرطية، وجوابه محذوف تقديره : إن كنتم مؤمنين فلم فعلتم ذلك ؟
ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرتين فَحُذِفَ الشَّرْط من الجملة الأولى، وبقي جوابه وهو : فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثَّانية، وبقي شرطه، فقد حذف من كلّ واحدة ما أثبت في الأخرى. 
قال ابن عطية[(١٦)](#foonote-١٦) رحمه الله : جوابها متقدم، وهو قوله " فلم " وهذا إنما يتأتى على قول الكُوفيين، وأبي زيد. 
والثاني : أن " إن " نافية بمعنى " ما " أي : ما كنتم مؤمنين لمُنَافَاةِ ما صدر منكم الإيمان. 
١ - في أ: استفهامية لا..
٢ - ينظر الإملاء: ١/٥١..
٣ - تقدم برقم ٤٤٥..
٤ - في ب: وذلك بدليل..
٥ - ينظر الإملاء: ١/٥١..
٦ - البيت لعتي بن مالك ينظر لسان العرب (ورى)، خزانة الأدب ٦/٥٠٤، والدرر ٣/١١٣، وشرح التصريح ٢/٥٢، وشرح شذور الذهب ص ١٣٤، وشرح المفصل ٤/٨٧، وهمع الهوامع ١/٢١٠، الدر ١/٣٠٣..
٧ - سقط في ب..
٨ - ينظر الإملاء: ١/٥٢..
٩ - البيت لسالم بن دارة ينظر خزانة الأدب: ١/٤٦٨، ٢/١٤٥، ٣/٣٦٥، ٢٦٦، شرح أبيات سيبويه: ١/٥٤٧، الخصائص: ٢/٢٦٨، ٣١٧، ٣٤٠، ٣/٦٠، الدرر: ٤/١١، شرح المفصل: ٢/٦٤، الكتاب: ٢/٧٩، المقاصد النحوية: ٣/١٨٦، وشرح الأشموني: ١/٢٥٥، شرح شذور الذهب: ص ٣٢٠، شرح ابن عقيل: ص ٣٣٨، همع الهوامع: ١/٢٤٥، والدر: ١/٣٠٣..
١٠ - في ب: من علم..
١١ - سقط في ب..
١٢ - البيت لحسان بن ثابت. ينظر ديوانه: (٧٩)، ابن يعيش: ٤/٩، الأمالي الشجرية: ٢/٢٣٣، ٤/ ٢١٦، الهمع: ٢/٢١٧، الدرر: ١/٩٠، شواهد الشافية (٢٢٤)، المغني: ١/٢٩٩، الأشموني: ٤/٢١٦، الخزانة: ٦/٩٩، معاني الفراء: ٢/٩٢، الدر المصون: ١/٣٠٤..
١٣ - سقط في أ..
١٤ - سقط في ب..
١٥ - ينظر ديوانه: ص ١٧٩، لسان العرب (حسب)، سر صناعة الإعراب: ١/٣٩٨، مجالس ثعلب: ص ٤٥٦..
١٦ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٧٩..

### الآية 2:92

> ﻿۞ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:92]

**" بِالْبَيِّنَاتِ " يجوز فيه وجهان :**
أحدهما : أن يكون حالاً من " موسى " أي : جاءكم ذا بيِّنات وحُجَج، أو ومعه البينات. 
وثانيهما : أن يكون مفعولاً، أي : بسبب إقامة البَيّنات، وهي قوله تعالى :
 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  \[ الإسراء : ١٠١ \] وهي : العصا والسّنون واليد والدم والطّوفان والجراد والقمل والضفادع وفلق البحر. 
وقيل : البينات التوراة وما فيها من الدّلالات. 
واللام في " لقد " لام القسم. 
 ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ  توبيخ، وهو أبلغ من " الواو " في التَّقريع بها والنظر في الآيات، أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتّخذتم، \[ وهذا يدّل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مُهْلة من النظر في الآيات، وذلك أعظم لجُرْمهم \][(١)](#foonote-١). وما بعده من الجمل قد تقدم مثله، والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليَهُودِ في زمان محمد عليه الصَّلاة والسَّلام، وصفهم بالعِنَادِ والتكذيب، ومثلهم بسلفهم في \[ قتلهم \][(٢)](#foonote-٢) الأنبياء الذي يناسب التكذيب ؛ بل يزيد عليه إعادة ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البيّنات، وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهاً وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه، والتمسّك بدينه، فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التَّكذيب والإنكار. 
١ - سقط في أ..
٢ - في ب: قتل..

### الآية 2:93

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:93]

قوله :" واسمعوا " أي أطيعوا وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم : سمع الله لمن حمده، أي قبل وأجاب ؛ قال \[ الوافر \]
٦٦٧- دَعَوْتُ اللهَ حَتَّى خِفْتُ أَلاَّ \*\*\* يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أَقُولُ[(١)](#foonote-١)
أي يقبل. 
وقال الرَّاجز :\[ الرجز \]
٦٦٨- وَالسَّمْعُ والطَّاعَةُ والتَّسْلِيمْ \*\*\* خَيْرٌ وَأَعْفَى لِبَنِي تَمِيمْ[(٢)](#foonote-٢)

### فصل في التكرار


**وفي هذا التكرير وجهان :**
أحدهما : أنه للتأكيد، وإيجاب الحُجَّة على الخصم. 
الثاني : كرره لزيادته على دلالة وهي قولهم :" سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " \[ فرفع الجبل لا شك أنه من أعظم المعجزات، ومع ذلك أصرُّوا على كفرهم، وصرحوا بقولهم : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  \[ النساء : ٤٦ \][(٣)](#foonote-٣) \]. 
وأكثر المفسرين ذكروا أنهم قالوا هذا القول. 
وقال أبو مسلم : يجوز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول، وإن لم يقولوه كقوله تعالى : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  \[ يس : ٨٢ \] وكقوله : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  \[ فصلت : ١١ \] والأول أولى، لأن هذا صَرْف للكلام عن ظاهره بغير حاجة. 
قوله :" وأُشْربوا " يجوز أن يكون معطوفاً على قوله. " قَالُوا : سَمِعْنَا "، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل " قالوا " أي : قالوا ذلك، وقد أشربوا. ولا بد من إضمار " قد " ليَقْرُبَ الماضي إلى الحال خلافاً للكوفيين، حيث قالوا : لا يحتاج إليها، ويجوز أن يكون مستأنفاً لمجرد الإخبار بذلك. 
واستضعفه أبو البقاء رحمه الله تعالى قال : لأنه قال بعد ذلك :" قل بِئْسَمَا يأمركم " فهو جواب قولهم :" سمعنا وعصينا " فالأولى ألا يكون بينهما أجنبي. 
و " الواو " في " أشربوا " وهي المفعول الأول قامت مقام الفاعل، والثاني هو " العِجْل " ؛ لأن " شرب " يتعدّى بنفسه، فأكسبته الهمزة مفعولاً آخر، ولا بد من حذف مُضَافين قبل " العِجْل " والتقدير : وأشربوا حُبَّ عبادة العِجْل. 
وحسن حَذْفُ هذين المضافين للمبالغة في ذلك حتى كأنه تُصُوِّر إشراب ذات العِجْل، والإشراب مُخَالطة المائع بالجامد، ثم اتّسع فيه حتى قيل في الألوان نحو : أشرب بياضُه حُمْرةً، والمعنى : أنهم دَاخَلَهم حُبُّ عبادته، كما داخلَ الصّبغُ الثوبَ. 
ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]
٦٦٩- إذَا مَا القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ \*\*\* فَلاَ تَأْمَلْ لَهُ الدَّهْرَ انْصِرَافَا[(٤)](#foonote-٤)
وعبر بالشرب دون الأكل ؛ لأن الشرب يَتَغَلْغَلُ في باطن الشيء، بخلاف الأكل فإنه مُجَاور ؛ ومنه في المعنى :\[ الطويل \]
٦٧٠- جَرَى حُبُّهَا مَجْرَى دَمِي في مَفَاصِلِي \*\*\*. . . [(٥)](#foonote-٥)
وقال بعضهم :\[ الوافر \]
٦٧١- تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤَادِي \*\*\* فَبَادِيهِ مَعَ الخافِي يَسِيرُ
تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ \*\*\* وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرورُ
أَكَادُ إِذَا ذكَرْتُ العَهْدَ مِنْهَا \*\*\* أَطِيرُ لَوَ أنَّ إِنْسَاناً يَطِيرُ[(٦)](#foonote-٦)
فهذا وجه الاستعارة. 
وقيل : الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، فكذلك كانت تلك المحبة مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال. 
وقيل : الإشراب هنا حقيقة ؛ لأنه يروى أن موسى عليه الصلاة والسلام برد العجل بِالمبْرد، ثم جعل تلك البُرَادة في الماء، وأمرهم بشربه، فمن كان يحب العجل ظهرت البُرَادة على شَفَتَيْهِ. 
روى القُشَيْري رحمه الله أنه ما شربه أحد إلا جُنّ. 
قال القرطبي رحمه الله : أما تَذْرِيَتُهُ في الماء فقد دلّ عليه قوله تعالى :
 ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا  \[ طه : ٩٧ \]، وأما شرب الماء وظهور البُرَادة على الشِّفاه وهذا وإن كان قال به السّدي وابن جريج وغيرهما فردّه قوله :" في قُلُوبِهِمُ ". 
### فصل في فاعل الإشراب


قوله : وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ  يدلّ على أن فاعلاً غيرهم فعل بهم ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى. 
**أجاب المعتزلة بوجهين :**
الأول : ما أراد الله تعالى أن غيرهم فعل بهم ذلك، لكنهم لِفَرْطِ ولوعهم وَإِلْفِهِمْ بعبادته أشربوا قلوبهم حُبّه، فذكر ذلك على ما لم يسمّ فاعله كما يقال : فلان معجب بنفسه. 
والثاني : أن المراد من " أشرب " أي : زيّنه لهم، ودعاهم إليه كالسَّامري، وإبليس، وشياطين الإنس والجن. 
وأجابوا : بأن هذا صرف اللَّفظ عن ظاهره، وذلك لا يجوز المصير إليه إلاّ بدليل منفصل، وقد أقيمت الدلائل العقلية القَطْعية على أن محدث الأشياء هو الله تعالى فلا حاجة لنا إلى ترك هذا الظاهر. 
**قوله :" بِكُفْرِهِم " فيه وجهان :**
أظهرهما : أن " الباء " سببية متعلّقة ب " أُشْرِبُوا " أي : أشربوا بسبب كفرهم السَّابق. 
والثاني : أنها بمعنى " على " يعنون بذلك أنها للحال، وصاحبها في الحقيقة ذلك المُضَاف المحذوف أي : أشربوا حبّ عبادة العِجْلِ مختلطاً بكفرهم، والمصدر مضاف للفاعل، أي : بأن يكفروا. 
قوله : قُلْ : بِئْسَمَا يَأمُرُكُمْ  كقوله :" بِئْسَمَا اشْتَرَوْا ". 
والمعنى : فبئسما يأمركم به إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ علينا  \[ البقرة : ٩١ \]. 
وقيل : إن هذا خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأمر له بأن يوبّخهم أي : قل لهم يا محمد : بئس هذه الأشياء التي فعلتم، وأمركم بها \[ إيمانكم \][(٧)](#foonote-٧) أي : بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العِجْل وإضافة الأمر إلى إيمانهم كما قالوا لشعيب صلى الله عليه وسلم : أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ  \[ هود : ٨٧ \]. 
قوله : إنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  يجوز فيها الوجهان السابقين من كونها نافيةً وشرطيةً، وجوابها محذوف تقديره : فبئسما يأمركم. 
وقيل : تقديره : فلا تقتلوا أنبياء الله، وَلاَ تُكَذِّبُوا الرّسل ولا تكتموا الحق ؛ وأسند الإيمان إليهم تهكُّماً بهم، ولا حاجة إلى حذف صفة، أي : إيمانكم الباطل، أو حذف مُضَاف، أي : صاحب إيمانكم. 
وقرأ الحسن :" بِهُو إيمَانُكُمْ " بضم الهاء مع الواو. 
فإن قيل : الإيمان عرض، ولا يصح الأمر والنهي. 
فالجواب : أن الدَّاعي إلى الفعل قد يشبه بالأمر كقوله : إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ  \[ العنكبوت : ٤٥ \]. 
١ - ينظر اللسان: (سمع)، القرطبي: ٣/٣١، روح المعاني: ١/٣٢٥..
٢ - البيت لجبير بن الضحاك. ينظر الطبري: ٢/ ٣٥٦، القرطبي: ٢/٢٣..
٣ - سقط في ب..
٤ - ينظر روح المعاني: ١/٣٢٦، البحر المحيط: ١/٤٧٦، الدر المصون: ١/٣٠٥..
٥ - صدر بيت وعجزه: 
 فأصبح لي عن كل شغل بها شغل
 ينظر البحر المحيط: ١/٤٧٦، الدر المصون: ١/٣٠٥..
٦ - الأبيات لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ينظر الحماسة: ٢/١٠٥، المحتسب: ٢/١٤٤، مجالس ثعلب: ١/٢٣٦، القرطبي: ٢/٢٣، اللسان (معع)، شرح ديوان الحماسة: (٣/١٣٥٤)، روح المعاني: ١/٣٢٦، الدر المصون: (١/٣٠٥)..
٧ - سقط في ب..

### الآية 2:94

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:94]

وهذا نوع آخر من قبائح أفعالهم، وهو زعمهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون النَّاس، ويدلّ عليه أنه لا يجوز أن يقال للخصم : إن كان كذا أو كذا فافعل كذا، والأول مذهبه، ليصحّ إلزام الثاني عليه. 
ويدلّ على ذلك أيضاً قولهم : لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى  \[ البقرة : ١١١ \] وقولهم : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  \[ المائدة : ١٨ \] وقولهم : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً  \[ البقرة : ٨٠ \]. 
وأيضاً اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقّون ؛ لأن النسخ غير جائز في شرعهم، وأن سائر الفرق مبطلون، وأيضاً اعتقادهم أن انتِسَابَهُمْ إلى أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أعني : يعقوب وإسماعيل وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام يخلصهم من \[ عقاب \][(١)](#foonote-١) الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه، فكذّبهم الله تعالى وألزمهم الحُجّة، فقال : قل لهم يا محمد : إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجَنّة خالصة من دون النَّاس، فتمنوا الموت أي : فأريدوه واسألوه ؛ لأن من علم أن الجنة مَأْواه حنّ إليها ؛ لأن نعم الدنيا على قلّتها كانت منغصةً عليهم بسبب ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ومنازعته لهم بالجِدَالِ والقتال، ومن كان في النّعم القليلة المنغصة، وهو يتيقّن بعد الموت أنه ينتقل إلى تلك النعم العظيمة، فإنه لا بد وأن يرغب في الموت. 
وقيل : إن الله تعالى صرفهم عن إظْهَار التمنِّي، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم. 
وقيل : فتمنّوا الموت : ادعوا بالموت على الفِرْقَةِ الكاذبة. روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو تمنوا الموت لشرق كلّ إنسان بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلاَّ مات ". 
قوله : إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً  شرط جوابه " فَتَمَنّوا ". 
و " الدار " اسم " كان " وهي الجنة، والأولى أن يقدّر حذف مضاف، أي : نعيم الدار الآخرة ؛ لأن الدَّار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدُّنيا، وهي للفريقين. واختلفوا في خير " كان " على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه " خالصة "، فيكون " عند " ظرف ل " خالصة "، أو للاستقرار الذي في " لكم "، ويجوز أن تكون حالاً من " الدار "، والعامل فيه " كان "، أو الاستقرار. 
وأما " لكم " فيتعلق ب " كان " ؛ لأنها تعمل في الظرف وشبيهه. 
قال أبو البقاء رحمه الله تعالى : ويجوز أن تكون للتبيين، فيكون موضعها بعد " خالصة " أي : خالصة لكم فتتعلّق بنفس " خالصة "، وهذا فيه نظر ؛ لأنه متى كانت للبيان تعلّقت بمحذوف تقديره : أعني لكم، نحو : سُقْياً لك، تقديره : أعني بهذا الدعاء لك، وقد صرح غيره في هذا الموضع بأنها للبيان، وأنها متعلّقة حينئذ بمحذوف كما تقدم، ويجوز أن يكون صفة ل " خالصة " في الأصل قُدّمَ عليها فصار حالاً منها، فيتعلّق بمحذوف. 
الثاني : أن الخبر " لكم " فيتعلّق بمحذوف وينصب خالصة حينئذ على الحال، والعامل فيها إما " كان "، أو الاستقرار في " لكم "، و " عند " منصوب بالاستقرار أيضاً. 
الثالث : أن الخبر هو الظَّرف، و " خالصة " حال أيضاً، والعامل فيها إما " كان " أو الاستقرار، وكذلك " لكم "، وقد منع من هذا الوجه قَوْمٌ فقالوا : لا يجوز أن يكون الظرف خبراً ؛ لأن هذا الكلام لا يستقل. 
وجوز ذلك المهدوي، وابن عطية، وأبو البقاء، واستشعر أبو البقاء هذا الإشكال، وأجاب عنه بأن قال : وسوغ أن يكون " عند " خبر " كان لكم " يعني لفظ " لكم " سوغ وقوع " عند " خبراً، إذ كان فيه تخصيص وَتَبْيِينٌ، ونظيره قوله : وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ  \[ الإخلاص : ٤ \]، لولا " له " لم يصحّ أن يكون " كفواً " خبراً. 
و  مِن دُونِ النَّاسِ  في محلّ نصب ب " خالصة " ؛ لأنك تقول : خَلُصَ كذا من كذا، والمراد به سوى لا معنى المكان، كما يقول القائل لمن وهب منه ملكاً : هذا لك دون النَّاس. 
وقرأ الجمهور :" فتَمَنَّوُاْ المَوْتَ " بضم الواو، ويروى عن أبي عمرو[(٢)](#foonote-٢) فتحها تخفيفاً واختلاس الضمة، وقرأ ابن أبي[(٣)](#foonote-٣) إسحاق بكسرها على التقاء السَّاكنين تشبيهاً بواو  لَوِ اسْتَطَعْنَا  \[ التوبة : ٤٢ \] المراد بها عندية المنزلة. 
قال ابن الخطيب :" ولا بعد أيضاً في حمله على \[ المكان \] فلعل اليهود كانوا مشبّهة، فاعتقدوا العِنْدِيَة المكانية ". 
وقوله تعالى :" فتمنوا الموت " هذا أمر متعلّق على أمر مفقود، وهو كونهم صادقين، فلا يكون الأمر موجوداً، أو الغرض إظهار كذبهم في دعواهم، وفي هذا التمني قولان :
أحدهما : قول ابن عباس : إنهم أمروا بأن يَدْعُوَ الفريقان بالموت على الفرقة الكاذبة. 
والثاني : أن يقولوا : ليتنا نموت وهذا أولى ؛ لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ. 
قال عليه الصلاة والسلام :" لَوْ تَمَنَّوا المَوْتَ لَغَصَّ كُلُّ إنْسَانٍ بِرِيقِهِ وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الأَرضِ يَهُودِيٌّ إلاَّ مَاتَ " وقال عليه الصلاة والسلام :" لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوا المَوْتَ لماتُوا ورَأوا مَقَاعِدَهُمْ من النَّارِ وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ \[ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم \]، لَرَجَعُوا لاَ يَجِدُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً ". 
قوله تعالى : إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  كقوله : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  \[ البقرة : ٩١ \].

### فصل في سؤالات واردة


السؤال الأول : لعلّهم كانوا يعلمون أن نعم الآخرة عظيمة لا سبيل إليها إلاَّ بالموت، والذي يتوقف عليه المطلوب يجب أن يكون مطلوباً لكونه وسيلةً إلى ذلك المطلوب، إلاَّ أنه يكون مكروهاً نظراً إلى ذاته، والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة، وما كانوا يطيقونها، فلا جرم ما تمنوا الموت. 
السؤال الثاني : أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون إنّك تدَّعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فإنْ كان الأمر كذلك فارْض بأن نقتلك ونقتل أمتك، فإنَّا نراك ونرى أمتك في الضّر الشديد، والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال، وبعد الموت فإنكم تتخلّصون إلى نعيم الجنّة، فوجب أن ترضوا بقتلكم. 
السؤال الثالث : لعلّهم كانوا يقولون : الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم، لكن بشرط الاحتراز عن الكَبَائر، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلداً في النار أبداً ؛ لأنهم كانوا وعدوا به، أو لأنهم جوّزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذباً، فلأجل هذا ما تمنّوا الموت، وليس لأحد أن يدفع هذا السُّؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسُّهم النار إلاَّ أياماً معدودة ؛ لأن كلّ يوم من أيام القيامة كألف سنة، فكانت هذه الأيام، وإن كانت قليلة بحسب العدد، لكنها طويلة بحسب المدة، فلا جَرَمَ ما تمنّوا الموت بسب الخوف. 
السؤال الرابع : أنه عليه الصلاة والسَّلام نهى عن تمنّي الموت فقال :" لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُم المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إِنْ كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لِي وتَوَفَّنِي إِنْ كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْراً لِي " وأيضاً قال تعالى في كتابه : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  \[ الشورى : ١٨ \] فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال، ثم إنه يتحدّى القوم بذلك ؟
السؤال الخامس : أنَّ لفظ التمني بين التمنّي الذي هو المعنى القائم بالقلب، وبين اللفظ الدَّال على ذلك المعنى، وهو قول القائل : ليتني متّ، فلليهود أن يقولوا : إنك طلبت منا التمني، والتمنّي لفظ مشترك، فإن ذكرناه باللِّسان، فله أن يقول : ما أردت به هذا اللَّفظ، وإنما أردت به المعنى الذي في القَلْب، وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقَلْب، فله أن يقول : كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم، ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه. 
السؤال السادس : هَبْ أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنّوا الموت، فلم قلتم : إنهم لم يتمنوا الموت ؟ والاستدلال بقوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً  ضعيف ؛ لأن الاستدلال بهذا إنما يصحّ لو ثبت كون القرآن حقًّا، والنزاع ليس إلا فيه. 
والجواب كون الموت متضمناً للآلام يكون كالصارف عن تمنّيه. 
قلنا : كما أن الألم الحاصل عند الحِجَامَةِ لا يصرف عن الحِجَامَةِ للعلم الحاصل ؛ لأن المنفعة الحاصلة عن الحِجَامة عظيمة وجب أن يكون الأمر هاهنا كذلك. 
وقوله : لو قلبوا الكلام على محمد لزمه أن يرضى بالقتل. 
قلنا : الفرق بين محمد - عليه الصلاة والسلام وبينهم أن محمداً كان يقول : إني \[ مبعوث \][(٤)](#foonote-٤) لتبليغ الشَّرَائع إلى أهل التَّوَاتر، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقَتْل، وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق. 
وقوله ثالثاً : كانوا خائفين من العقاب. 
قلنا : القوم ادعوا أن الآخرة خالصة لهم، وذلك يؤمنهم من الامتزاج. 
وقوله رابعاً : نهي عن تمني الموت. 
قلنا : هذا النهي طريقه الشرع، فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات. 
### فصل في بيان متى يُتمنى الموت


روي أن عليًّا رضي الله عنه كان يطوف بين الصَّفَّيْن في \[ غِلالَة \][(٥)](#foonote-٥)، فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بِزِيِّ المحاربين، فقال : يا بنيَّ، لا يبالي أبوك أعلى المَوْتِ سقط أم عليه \[ بسقط \]. 
وقال عمار رضي الله عنه ب " صفين " :\[ الرجز \]٦٧٢- الآنَ أُلاَقِي الأَحِبَّهْ  مُحَمداً وَحِزْبَهْ[(٦)](#foonote-٦)وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الحالات تمنّي الموت على أن هذا النهي مختصّ بسبب مخصوص، فإنه عليه الصلاة والسلام حَرّم أن يتمنّى الإنسان الموت عند الشَّدائد ؛ لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضا بما قسم الله تعالى فأين هذا مما نحن فيه ؟
وقولهم خامساً :" إنهم ما عرفوا المراد التمنّي باللسان أم بالقلب ؟ ". 
قلنا : التمني في لغة العرب لا يعرف إلا بما يظهر بالقول، كما أن الخبر لا يعرف إلاَّ بما يظهر بالقول، ومن المحال أن يقول عليه الصلاة والسلام :" تَمَنَّوا المَوْتَ "، ويريد بذلك \[ ما لا يمكن الوقوف عليه \]، مع أن الغرض بذلك لا يتمّ إلاَّ بظهوره. 
وقوله سادساً : ما الدليل على أنه ما وجد التمنّي ؟ قلنا من وجوه :
أحدها : لو حصل ذلك لنقل نقلاً متواتراً ؛ لأنه أمر عظيم، فإنه بتقدير عدمه يثبت القول بصحّة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير حصول هذا التمنّي يبطل القول بنبوّته، وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة، فوجب أن ينقل نقلاً متواتراً، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد. 
وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدّمه في الرأي والحزم، وحسن النَّظر في العاقبة، والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انْقَادَ لها المخالف قَهْراً والموافق طَوْعاً، لا يجوز وهو غير واثقٍ من جهة رَبّه بالوحي النازل عليه أن يتحدَّاهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه، ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجّة ؛ لأن العاقل الذي لم \[ يعرف \][(٧)](#foonote-٧) الأمور لم يرض بذلك، ١ - في : عذاب..
٢ - حكاه عنه الأهوازي.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٨١، والبحر المحيط: ١/٤٧٨، والدر المصون: ١/٣٠٧..
٣ - انظر السابق..
٤ - في ب: بعثت..
٥ - في أ: غلالته..
٦ - ينظر الفخر الرازي: ٣/١٦٠، الكشاف: ١/٢٩٧..
٧ - في أ: يعرف..

### الآية 2:95

> ﻿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:95]

قوله :" وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ " خبر قاطع عن أنّ ذلك لا يقع في المستقبل، وهذا إخبار عن الغيب ؛ لأن من توفّر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة أخبر أنهم لا يأتون بذلك، فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضدّه، فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي. 
قوله :" أبداً " منصوب ب " يتمنّوه "، وهو ظرف زمان يقع للقليل والكثير، ماضياً كان أو مستقبلاً. 
قال القرطبي : كالحين والوقت، وهو هاهنا من أول العمر إلى الموت تقول : ما فعلته أبداً. 
وقال الراغب هو عبارة عن مدّة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان، وذلك أنه يقال : زمان كذا، ولا يقال : أبدُ كذا، وكان من حقّه على هذا أَلاَّ يثنى ولا يجمع، وقد قالوا : آباد، فجمعوه لاختلاف أنواعه. 
وقيل : آباد لغة مولّدة، ومجيئه بعد " لن " يدلّ على أن نفيها لا يقتضي التأبيد، وقد تقدم غير ذلك، ودعوى التأكيد فيه بعيدة.

### فصل في بيان أن بالآية غيبين


واعلم أن هذا إخبار عن غيب آخر، لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد في شيء من الأزمنة، ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات[(٨)](#foonote-٨) فهما غَيْبان، وقال هنا : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ  \[ البقرة : ٩٥ \] فنفى ب " لن "، وفي الجمعة ب " لا " \[ قال صاحب " المنتخب " :\] وذلك لأن دعواهم هنا أعظم من دعواهم هناك ؟ لأن السعادة القُصْوَى فوق مرتبة الولاية ؛ لأن الثانية تراد لحصول الأولى، فإنهم ادعوا هنا أنَّ الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس، وادعوا في سورة " الجمعة " أنهم أولياء لله من دون النَّاس، والسعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب ؛ ومرتبة الولاية وإن كانت شريفةً إلا أنها لا تراد ليتوسّل بها إلى الجنة، فلما كانت الأولى أعظم لا جَرَمَ ورد النفي ب " لن " ؛ لأنه أبلغ من النفي ب " لا ". 
قوله : بما قَدَّمَتْ أيديهم  بيان للعلّة التي لها لا يتمنّون ؛ لأنهم إذا علموا سوء طرقهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى عدم تمنّي الموت، وهذه الجملة متعلّقة ب " يتمنّوه "، والباء للسببية، أي : بسبب اجْتِرَاحِهِم العظائم، و " أيديهم " في محلّ رفع حذفت الضمة من الباء لثقلها مع الكسرة. 
**و " ما " يجوز فيها ثلاثة أوجه :**
أظهرها : كونها موصولةً بمعنى " الذي ". 
والثاني : نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي : بما قدّمته، فالجملة لا محلّ لها على الأولى، ومحلّها الجر على الثاني. 
والثالث : أنها مصدرية أي : بِتَقْدِمَةِ أيديهم. 
ومفعول " قدمت " محذوف أي : بما قدمت أيديهم الشَّر، أو التبديل ونحوه. 
قوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ  ابتداء وخبر، وهذا كالزَّجْر والتهديد ؛ لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى لا يخفى عليه شيء صار ذلك من أعظم الصَّوَارف للمكلّف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين ؛ لأن كلّ كافر ظالم، وليس كلّ ظالم كافراً، فذكر الأعم ؛ لأنه أولى بالذكر.

### الآية 2:96

> ﻿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [2:96]

فأخبر تعالى أولاً بأنهم لا يتمنّون الموت، ثم أخبر عنهم هنا بأنهم في غاية الحِرْصِ ؛ لأن ثم قسماً آخر، وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنّى الموت، ولا يتمنّى الحياة. 
وهذه " اللام " جواب قسم محذوف، والنون للتوكيد تقديره : والله لتجدنّهم. 
و " وجد " هنا متعدية لمفعولين أولهما لضمير، والثاني " أحرص "، وإذا تعدّت لاثنين كانت ك " علم " في المعنى، نحو : وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ  \[ الأعراف : ١٠٢ \]. 
ويجوز أن تكون متعدية لواحد، ومعناها معنى " لقي وأصاب "، وينتصب " أحرص " على الحال، إما على رأي مَنْ لا يشترط التنكير في الحال، وإما على رأي من يرى أنَّ إضافة " أفعل " إلى معرفة غير مَحْضَةٍ، و " أحرص " أفعل تفضيل، ف " مِنْ " مُرادَةٌ معها، وقد أضيفت لمعرفة، فجاءت على أحد الجائزين، أعني عدم المُطَابقة، وذلك أنها إذا أضيفت معرفة على نيّة من أجاز فيها وجهي المطابقة لما قبلها نحو :" الزَّيدان أفضلا الرجال "، و " الزيدون أفاضل الرجال "، و " هند فُضْلى " و " الهنود فُضْليات النِّسَاء " ومن قوله تعالى : أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا  \[ الأنعام : ١٢٣ \] وعدمها، نحو :
 " الزيدون أفضل الرجال "، وعليه هذه الآية، وكلا الوجهين فصيح خلافاً لابن السّراج. وإذا أضيفت لمعرفة لزم أن تكون بعضها، ولذلك منع النحويون " يُوسُفُ أحسن إخوته " على معنى التفضيل، وتأولوا ما يوهم غيره نحو :" النَّاقِصُ والأَشَجُّ أَعْدَلاَ بَنِي مَرْوَانَ " بمعنى العَادِلاَنِ فيهم ؛ وأما قوله \[ الرجز \]

٦٧٣- يَا رَبَّ مُوسَى أَظْلَمِي وَأَظْلَمُهْ  فَاصْبُبْ عَلَيْهِ مَلكاً لاَ يَرْحَمُهْ[(١)](#foonote-١)فشاذٌّ، وسوغ ذلك كون " أظلم " الثاني مقتحماً كأنه قال :" أَظْلَمُنَا ". 
وأما إذا أضيف إلى نكرة فقد تقدّم حكمها عند قوله : أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  \[ البقرة : ٤١ \]. 
قوله تعالى : عَلَى حَيَاةٍ  متعلّق ب " أَحْرَصَ " ؛ لأنّ هذا الفعل يتعدّى ب " على " تقول : حرصت عليه. 
والتنكير في حياة تنبيه على أنه أراد حياةً مخصوصةً، وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع[(٢)](#foonote-٢) من قراءة أبيّ " على الحياة " بالتعريف. 
وقيل :: إن ذلك على حذف مضاف تقديره : على طول الحياة، والظّاهر أنه لا يحتاج إلى تقدير صفة ولا مضاف، بل يكون المعنى : أنهم أحرص النَّاس على مطلق الحياة. 
وإن قلت : فكيف وإن كثرت، فيكون أبلغ من وصفهم بذلك، وأصل حياة :" حَيَيَة " تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً. 
قوله : ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُواْ  يجوز أن يكون متصلاً داخلاً تحت " أفعل " التفضيل ويجوز أن يكون منقطعاً عنه، وعلى القول باتّصاله به فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه حمل على المعنى، فإن معنى أحرص الناس : أحرص من الناس، فكأنه قيل : أحرص من النّاس، ومن الذين أشركوا. 
الثاني : أن يكون حذف من الثَّاني لدلالة الأول عليه، والتقدير : وأحرص من الذين أشركوا، وعلى ما تقرر من كون " مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ " متّصلاً ب " أفعل " التفضيل، فلا بد من ذكر " من " ؛ لأن " أحرص " جرى على اليهود، فلو عطف بغير " من " لكان معطوفاً على النَّاس، فيكون المعنى : ولتجدنَّهم أحرص الذي أشركوا، فيلزم إضافة " أفعل " إلى غير من درج تحته ؛ لأن اليهود ليسوا من هؤلاء المشركين الخاصِّين ؛ لأنهم قالوا في تفسيرهم : إنهم المجوس، أو عرب يعبدون الأصنام، اللّهم إلا أن يقال : إنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، فحينئذ لو لم يؤت ب " من " لكان جائزاً. 
الثالث : أن في الكلام حذفاً وتقديماً وتأخيراً، والتقدير : ولتجدنّهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس، فيكون " مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ " صفة لمحذوف، ذلك المحذوف معطوف على الضمير في " لتجدنّهم " وهذا وإن كان صحيحاً من حيث المعنى، ولكنه يَنْبُو عنه التركيب لا سيّما على قول من يَخُصُّ التقديم والتأخير بالضرورة. 
وعلى القول بانقطاعه من " أفعل " يكون " من الذين أشركوا " خبراً مقدماً، و " يودّ أحدهم " صفة لمبتدأ محذوف تقديره : ومن الذين أشركوا قوم أو فريق يودّ أحدهم، وهو من الأماكن المطّرد فيها حذف الموصوف بجملته كقوله : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  \[ الصافات : ١٦٤ \]، وقوله :
 " منَّا ظَعَنَ وَمِنَّا أقَامَ ". 
والظاهر أن الذين أشركوا غير اليهود كما تقدم وأجاز الزَّمخشري أن يكون من اليهود ؛ لأنهم قالوا : عزير ابن الله، فيكون إخباراً بأن من هذه الطائفة التي اشتدّ حرصها على الحياة من يودّ لو يعمر ألف سنة، ويكون من وقوع الظَّاهر المشعر بالغَلَبَةِ موقع المضمر، إذ التقدير : ومنهم قوم يودّ أحدهم. 
وقد ظهر مما تقدم أن الكلام من باب عطف المفردات على القول بدخول " من الَّذِين أَشْرَكُوا " تحت " أفعل " ومن باب عطف الجمل على القول بالانقطاع. 
### فصل في المراد بالذين أشركوا


قيل : المراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملكهم : عش ألف نَيْرُوز وألف مِهْرَجَان، قاله أبو العالية والربيع : وسموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة، وهذه تحية المجوس فيما بينهم : عِشْ ألف سنة، ولك ألف نَيْرُوز ومِهْرَجان. 
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هو قول الأعاجم : زِهْ هَزَارْسال. 
وقيل : المراد مشركو العرب. 
وقيل : كل مشرك لا يؤمن بالمعاد لما تقدم ؛ لأن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر، وليس المراد ذكر ألف سنة قول الأعاجم \[ عش ألف سنة \] بل \[ خرج مخرج \][(٣)](#foonote-٣) التكثير، وهو معروف في كلام العرب. 
قوله :" يودّ أحدهم " هذا مبني على ما تقدّم، فإن قيل بأن " من الذين أشركوا " داخل تحت " أفعل " كان في " يود " خمسة أوجه :
أحدها : أنه حال من الضمير في " لتجدنّهم " أي : لتجدنهم وَادًّا أحدهم. 
الثاني : أنه حال من الذين أشركوا، فيكون العامل فيه " أحرص " المحذوف. 
الثالث : أنه حال من فاعل " أشركوا ". 
الرابع : أنه مستأنف استؤنف للإخبار بتبيين حال أمرهم في ازدياد حرصهم على الحياة. 
الخامس : وهو قول الكوفيين : أنه صلة لموصول محذوف، ذلك الموصول صفة للذين أشركوا، والتقدير : ومن الذين أشركوا الذين يودّ أحدهم. 
وإن قيل بالانقطاع، فيكون في محلّ رفع ؛ لأنه صفة لمبتدأ محذوف كما تقدّم. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى : أصل " يَوَدُّ " " يَوْدَدُ "، أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين ونقلت حركة الدال إلى الواو، ليدل ذلك على أنه يفعل. 
وحكى الكسائي : وَدَدْتُ، فيجوز على هذا يَوِدُّ بكسر الواو و " أحد " هنا بمعنى واحد، وهمزته بدل من واو، وليس هو " أحد " المستعمل في النفي، فإن ذاك همزته أصل بنفسها، ولا يستعمل في الإيجاب المحض. و " يود " مضارع وَدِدْت بكسر العين في الماضي، فلذلك لم تحذف الواو في المضارع ؛ لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، بخلاف " يعد " وبابه. 
وحكى الكسائي فيه " وَدَدْتُ " بالفتح. 
قال بعضهم : فعلى هذا يقال :" يودّ " بكسر الواو. 
و " الوِدَادُ " : التمني. 
قوله :" لو يعمّر " في " لو " هذه ثلاثة أقوال :
أحدها وهو الجاري على قواعد نحاة " البصرة " أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف لدلالة " يَوَدُّ " عليه، وحذف مفعول " يَوَدُّ " لدلالة " لو يعمّر " عليه والتقدير : يود أحدهم طول العمر، لو يعمر ألف سنة لَسُرَّ بذلك، فحذف من كلّ واحد ما دلّ عليه الآخر، ولا محلّ لها حينئذ من الإعراب. 
والثاني : وبه قال الكوفيون وأبو علي الفارسي وأبو البقاء، أنها مصدرية بمنزلة " أن " الناصبة، فلا يكون لها جواب، \[ وينسبك \] منها وما بعدها مصدر يكون مفعولاً ل " يودّ "، والتقدير : يود أحدهم تعميره ألف سنة. 
واستدل أبو البقاء بأن الامتناعية معناها في الماضي، وهذه يلزمها المستقبل ك " أنْ " وبأنّ " يَودّ " يتعدى لمفعول، وليس مما يُعَلق، وبأن " أنْ " قد وقعت بعد " يود " في قوله : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ  \[ البقرة : ٢٦٦ \] وهو كثير، \[ وجوابه في غير هذا الكتاب \][(٤)](#foonote-٤). 
الثالث : وإليه نحا الزمخشري : أن يكون معناها التمني، فلا تحتاج إلى جواب ؛ لأنها في قوة :" يا ليتني أُعَمَّرُ "، وتكون الجملة من " لو " وما في حيّزها في محلّ نصب مفعول به على طريق الحكاية ب " يود "، إجراء له مجرى القول. 
قال الزمخشري[(٥)](#foonote-٥) رحمه الله تعالى : فإن قلت : كيف اتّصل " لو يعمر " ب " يود أحدهم " ؟
قلت : هي حكاية لودادتهم و " لو " في معنى التمنّي، وكان القياس :" لو أُعَمَّر " إلا أنه جرى على لفظ العينية لقوله :" يود أحدهم "، كقولك :" حلف بالله تعالى ليفعلن " انتهى وقد تقدّم شرحه، إلاّ قوله وكان القياس لو أعمر، يعني بذلك أنه كان من حقّه أن يأتي بالفعل مسنداً للمتكلم وحده، وإنما أجرى " يود " مجرى القول ؛ لأن " يود " فعل قَلْبي، والقول ينشأ عن الأمور القلبية. 
و " ألف سنة " منصوب على الظرف ب " يعمر "، وهو متعد لمفعول واحد قد أقيم مقام الفاعل، وفي " سنة " قولان :
أحدهما : أن أصلها : سنوة لقولهم : سنوات وسُنَيَّة وسَانَيْت. 
والثاني : أنها من " سَنَهَة " لقولهم : سَنَهَاتٌ وسُنَيْهَةٌ وسَانَهْتُ، واللّغتان ثابتتان عن العرب كما ذكرت لك. 
قوله تعالى : وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ  في هذا الضمير خمسة أقوال :
أحدها : أنه عائد على " أحد " وفيه حينئذ وجهان :
أحدهما : أنه اسم " ما " الحجازية، و " بمزحزحه " خبر " ما "، فهو محل نصب والباء زائدة. 
و " أن يعمر " فاعل بقوله :" بمزحزحه " والتقدير : وما أحدهم مزحزحهُ تَعْمِيرُه. 
الثاني : من الوجهين في " هو " : أن يكون مبتدأ، و " بمزحزحه " خبره، و " أن يعمر " فاعل به كما تقدم، وهذا على كون " ما " تميمية، والوجه الأول أحسن لنزول القرآن بلغة الحجاز، وظهور النصب في قوله : مَا هَذَا بَشَراً  \[ يوسف : ٣١ \]،  مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ  \[ المجادلة : ٢ \]. 
الثاني من الأقوال : أن يعود على المصدر المفهوم من " يُعَمَّر "، أي : وما تعميره، ويكون قوله :" أن يعمر " بدلاً منه، ويكون ارتفاع " هو " على الوجهين المتقدمين أي قوله : اسم " ما " أو مبتدأ. 
الثالث : أن يكون كناية عن التعمير، ولا يعود على شيء قبله، ويكون " أن يعمّر " بدلاً منه مفسراً له، والفرق بين هذا وبين القول الثاني أن ذاك تفسيره شيء متقدم مفهوم من الفعل، وهذا مُفَسَّرٌ بالبدل بعده، وقد تقدم أن في ذلك خلافاً، وهذا ما عنى الزمخشري بقوله : ويجوز أن يكون " هو " مبهماً، و " أن يعمر " موضحه. 
الرابع : أنه ضمير الأمر والشأن وإليه نحا الفارسي في " الحلبيَّات " موافقة للكوفيين، فإنّهم يفسرون ضمير الأمر بغير جملة، ن إذا انتظم من ذلك إسناد مَعْنوي، نحو : ظننته قائماً الزيدان، وما هو بقائم زيد ؛ لأنه في قوة : ظننته يقوم الزيدان، وما هو يقوم زيد، والبصريون يأبون تفسيره إلاَّ بجماعة مصرح بجزئيها سالمة من حرف جر، وقد تقدم تحقيق القولين. 
الخامس : أنه عماد، نعني به الفصل عند البصريين، نقله ابن عطيّة عن الطّ١ - ينظر الخزانة: ٤/٣٦٩، الهمع: ١/١١٠، التصريح: ١/٢٩٩، الدرر: ١/٨٠، المقرب: ١/٢١٢، الدر المصون: ١/٣٠٨..
٢ - انظر البحر المحيط: ١/٤٨١، والدر المصون: ١/٣٠٨..
٣ - في ب: المراد به..
٤ - في ب: موضع الرد عليه..
٥ - ينظر الكشاف: ١/١٦٨..

### الآية 2:97

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [2:97]

هذا نوع آخر من قَبَائح اليهود، ومنكرات أقوالهم، فلا بد من أمر قد ظهر من اليهود حتى أمره تعالى بمخاطبتهم بذلك ؛ لأنه يجري مجرى المُحَاجّة، والمفسرون ذكروا أموراً :
أحدها :" أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم " المدينة " أتاه عبد الله بن صوريا فقال يا محمد : كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :" تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي[(١)](#foonote-١) " قال : صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة ؟ فقال :" أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُل، وأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظِّفْرُ وَالشَّعْرُ فِمنَ المَرْأَةٍ " فقال : صدقت يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟ فقال :" أَيُّهُمَا غَلَبَ مَاؤُهُ صَاحِبَهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ "، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه، وفي التوراة أن النبي الأمي بخبر عنه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :" أَنْشُدُكُمْ بَاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيْلَ مَرِضَ مَرضاً شَدِيْداً فطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ للَّهِ نَذْراً لَئِنْ عَافَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ لُحْمَانُ الإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا " فقالوا : اللهم نعم. 
فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك أي ملك يأتيك بما تقول عن الله عز وجل ؟ قال :" جِبْريلُ عليه السلام " ". 
قال : إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدّة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرَّخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك فقال عمر رضي الله تعالى عنه : وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا أول هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن " بيت المقدس " سيخرب في زمان رجل يقال له : بخت نصرّ ووصفه لنا \[ وأخبرنا بالجنّ الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رَجُلاً من قوم بني إسرائيل في طلبه ليقتله، فانطلق حتى لقي ب " بابل " غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله[(٢)](#foonote-٢) \]. \[ فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً \][(٣)](#foonote-٣) فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله تعالى على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب " بيت المقدس " فلا فائدة من قتله، ثم إنه كبر وقوي وملك، وغزانا وخرّب " بيت المقدس "، فلذلك نتّخذه عدوّاً \[ فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي هذا القول نظر ؛ لأنهم قالوا في هذه الرواية : إن رسولهم ميكائيل، وهو الذي يأتي بالبِشْر والرخاء، وأنهم يحبونه، ثم إنه تعالى أثبت عدوانهم لميكائيل أيضاً في الآية التي تليها فقال : مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ  \[ البقرة : ٩٨ \] وهذا مناقض لهذه الآية المذكورة هاهنا \][(٤)](#foonote-٤). 
وثانيها : قال قتادة وعكرمة والسّدي : كان لعمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه أرض بأعلى " المدينة " وممرها على مِدْرَاس اليهود، وكان إذا أتى على أرضه يأتيهم، وسمع منهم، فقالوا له ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، فإنهم يمرّون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك فقال عمر رضي الله عنه : والله ما آتيكم لحيّكم ولا أسألكم لأني شاكّ في ديني، وإني أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم فقالوا : مَنْ صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة فقال : جبريل فقالوا : ذاك عدونا يُطْلع محمداً على أَسْرَارنا، وهو صاحب كل عذاب وخَسْف وشدّة، وإن ميكائيل يأتي بالخِصْبِ والسّلامة، فقال لهم عمر رضي الله عنه : تعرفون جبريل، وتنكرون محمداً عليه الصَّلاة السَّلام فقالوا : نعم قال : فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله عز وجل قالوا : جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوّ لجبريل، قال : فإن كان كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر \[ من الحمير، وإني أشهد أنّ من كان عدوّاً لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدواً لميكائيل فهو عدو لجبريل، ومن كان عدواً لهما فإن الله تعالى عدوّ له، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوَحْي، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات وقال : لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمر رضي الله عنه فقد رأيتني بعد ذلك في دين الله تعالى أَصْلَبَ من الحجر \][(٥)](#foonote-٥). 
وثالثها : قال مقاتل : زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدوّنا، أمر أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا فأنزل الله تعالى هذه الآيات. 
قال ابن الخطيب : والأقرب أن يكون سبب عداوتهم لا أنه كان ينزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم لأن قوله تعالى : مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ  \[ البقرة : ٩٧ \] مشعر بأن هذا التنزيل \[ لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة ؛ لأن إنما فعل ذلك بأمر الله، فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة، وتقرير هذا من وجوه :
أولها : أن الذي نزله جبريل من \][(٦)](#foonote-٦) القرآن \[ الذي نزل به فيه \][(٧)](#foonote-٧) بشارة المطيعين بالثواب، وإنذار العصاة بالعقاب، والأمر بالمُحَاربة والمقاتلة لم يكن ذلك باختياره، بل بأمر الله تعالى الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره، ولا سبيل إلى مُخَالفته فعداوة مَنْ هذا سبيله توجب عداوة الله تعالى وعداوة الله تعالى كفر، فيلزم أن معاداة مَنْ هذا سبيله كفر. 
ثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب، فإما أن يقال : إنه كان \[ يتمرد أو يأبى \] عن قبول أمر الله، وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين، أو كان يقبله وينزل به على وفق أمر الله، فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟
وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد عليه السلام كما شق على اليهود، فإنزال التوراة على موسى عليه السلام شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نَفْرة هؤلاء لإنزال القرآن قُبْحه فلتقتض نَفْرة أولئك المتقدمين قبح إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه، ومعلوم أن كل ذلك باطل، فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه. 
فإن قيل : إنا نرى اليهود في زماننا مُطبقين على إنكار ذلك مصرّين على أن أحداً مِنْ سَلَفهم لم يقل بذلك. 
فالجواب : أن هذا باطل، لأن كلام الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديداً، وهم الذين قالوا : اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  \[ الأعراف : ١٣٨ \]. 
قوله تعالى : مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ  " مَنْ " شرطية في محلّ رفع بالابتداء، و " كان " خبره على ما هو الصحيح كما تقدم، وجوابه محذوف تقديره : من كان عدوّاً لجبريل فلا وجه لعداوته، أو فليمت غيظاً ونحوه. 
ولا جائز أن يكون " فَإِنَّهُ نَزَّلهُ " جواباً للشرط لوجهين :
أحدهما : من جهة المعنى. 
والثاني : من جهة الصناعة. 
أما الأول : فلأن فعل التنزيل متحقّق المضي ؛ والجزاء لا يكون إلا مستقبلاً. 
ولقائل أن يقول : هذا محمول على التَّبيين، والمعنى : فقد تبين أنه نزله، كما قالوا في قوله : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ  ونحوه. 
وأما الثاني : فلأنه لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط فلا يجوز : مَنْ يقم فزيد منطلق، ولا ضمير في قوله :" فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ " يعود على " مَنْ " فلا يكون جواباً للشرط، وقد جاءت مواضع كثيرة من ذلك، ولكنهم أَوَّلُوهَا على حذف العائد، فمن ذلك قوله :\[ الوافر \]

٦٧٧- فَمَنْ تَكُنِ الْحَضَارَةُ أَعْجَبَتْهُ  فَأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرَانَا[(٨)](#foonote-٨)وقوله :\[ الطويل \]٦٧٨- فَمَنْ يِكُ أَمْسَى بِالْمَدينَةِ رَحْلُهُ  فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ[(٩)](#foonote-٩)وينبغي أن يبنى ذلك على الخلاف في خبر اسم الشَّرْط. 
فإن قيل : إنَّ الخبر هو الجزاء وحده أو هو الشَّرْط فلا بدّ من الضمير، وإن قيل بإنه فعل الشَّرْط، فلا حاجة إلى الضمير، وقد تقدم قول أبي البقاء وغيره في ذلك عند قوله تعالى : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ، وقد صّرح الزمخشري رحمه الله بأنه جواب الشَّرْط، وفيه النَّظر المذكور، وجوابه ما تقدم. و " عَدُوّاً " خبر " كان "، ويستوي فيه الواحد وغيره، قال : هُمُ العَدُوُّ  والعَدَاوَةُ : التجاوز قال الرَّاغب : فبالقلب يقال : العداوة وبالمشي يقال : العدو، وبالإخلال في العدل يقال : العدوان وبالمكان أو النسب يقال : قوم عِدًى أي غرباء. 
و " لِجْبِريلَ " يجوز أن يكون صفة ل " عَدُوّاً " فيتعلّق بمحذوف، وأن تكون اللام مقوية لتعدية " عَدُوّاً " إليه. 
و " جبريل " اسم ملك وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، وقول من قال :" إنّه مشتقّ من جبروت الله " بعيد ؛ لأن الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجمية، وكذا قول من قال : إنه مركّب تركيب الإضافة، وأن " جبر " معناه : عبد، و " إيل " اسم من أسماء الله تعالى فهو بمنزلة عبد الله ؛ لأنه كان ينبغي أن يجرى الأول بوجوه الإعراب وأن ينصرف الثاني \[ وهذا القول مَرْوِيّ عن ابن عَبَّاس، وجماعة من أهل العلم، فقال أبو علي السّنوي : وهذا لا يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء الله " إيل ". 
والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً \][(١٠)](#foonote-١٠). وقال المهدوي : إنه مركّب تركيب مزج نحو : حضرموت وهذا بعيد أيضاً ؛ لأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلاّ. 
وَرَدَّ عليه أبو حَيَّان بأنه لو كان مركباً تركيب مزج لجاز فيه أن يعرب إعراب المُتَضَايفين، أو يبنى على الفَتْح كأحد عشر، فإن كلّ ما ركب تركيب المزج \[ يجوز فيه هذه الأوجه، وكونه لم يسمع فيه البناء، ولا جريانه مجرى المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب المزج \][(١١)](#foonote-١١) وهذا الرد لا يحسن ردًّا ؛ لأنه جاء على أحد الجائزين، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى : والصَّحيح في هذه الألفاظ أنها عربية نزل بها جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام بلسان عربي مبين. 
قال النحاس : ويجمع جبريل على التكسير جباريل، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة. 
أشهرها وأفصحها :" جبريل " بزنة قِنْديل، وهي قراءة أبي عمرو[(١٢)](#foonote-١٢)، ونافع وابنِ عامرٍ وحفْصٍ عن عاصم، وهي لغة " الحجاز " ؛ قال ورقةُ بنُ نَوْفَلٍ :\[ الطويل \]٦٧٩- وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا  مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ[(١٣)](#foonote-١٣)وقال حَسَّان :\[ الوافر \]٦٨٠- وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا  وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَه كِفَاءُ[(١٤)](#foonote-١٤)وقال عمران بن حِطَّان :\[ البسيط \]٦٨١- وَالرُّوحُ جِبْرِيلُ مِنْهُمْ لاَ كِفَاءَ لَهُ  وَكَانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللهِ ماأْمُونَا[(١٥)](#foonote-١٥)الثانية : كذلك إلا أنه بفتح الجيم، وهي قراءة[(١٦)](#foonote-١٦) ابن كثير والحسن، وقال الفَرَّاء :" لا أحبها ؛ لأنه ليس في كلامهم فَعْلِيلٌ " وما قاله ليس ١ - أخرجه البخاري ٣/٤٠، في التهجد: باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وغيره (١١٤٧)، وطرفة في (٢٠١٣)، (٣٥٦٩)، ومسلم ١/٥٠٩، في كتاب صلاة المسافرين: باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم ١٢٥/٧٣٨، وفي الحديث خاصة من خصائص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم..
٢ - سقط في: ب..
٣ - سقط في: أ..
٤ - بدل ما بين المعكوفين في ب: وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل، فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل، فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين..
٥ - سقط في ب..
٦ - سقط في ب..
٧ - سقط في أ..
٨ - البيت للقطامي ينظر ديوانه: (٥٨)، المغني: ٢/٥٠٧، اللسان (حضر)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١/٣٤٧، مغني اللبيب: ٢/٥٠٧، معجم مقاييس اللغة (بدو)، الدر المصون: (١/٣١٢)..
٩ - البيت لضابئ البرجمي وهو من شواهد الكتاب: ١/٧٥، وشرح المفصل لابن يعيش: ٨/٦٨، الهمع: ٢/١٤٤، والدر: ٢/٢٠٠، والدر: ١/٣١٢..
١٠ - سقط في: ب..
١١ - سقط في: أ..
١٢ - انظر العنوان في القراءات السبع: ٧١، وحجة القراءات: ١٠٧، والحجة: ٢/١٦٣، وإتحاف: ١/ ٤٠٨، ٤٠٩، وشرح الطيبة: ٤/٥٠، وشرح شعلة: ٢٧٠..
١٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٨٥، زاد المسير: ١/١١٨، الدر المصون: ١/٣١٣..
١٤ - تقدم برقم ٦٥٠..
١٥ - ينظر البحر المحيط: ١/٤٨٥، والدر المصون: ١/٣١٣..
١٦ - ينظر القراءة السابقة..

### الآية 2:98

> ﻿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [2:98]

قوله تعالى : مَنْ كَانَ عَدُوًّا  : الكلام في " مَنْ " كما تقدم، إلاَّ أن الجواب هنا يجوز أن يكون  فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ . 
فإن قيل : وأين الرَّابط ؟ فالجواب من وجهين :
أحدهما : أن الاسم الظاهر قام مقام المضمر، وكان الأصل : فإن الله عَدُوّ لهم، فأتى بالظَّاهر تنبيهاً على العلة. 
والثاني : أن يراد بالكافرين العموم، والعموم من الرَّوَابط، لاندراج الأول تحته، ويجوز أن يكون محذوفاً تقديره : من كان عدوّاً لله فقد كفر ونحوه. 
وقال بعضهم : الواو في قوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  بمعنى " أو "، قال : لأن من عادى واحداً من هؤلاء المذكورين، فالحكم فيه كذلك. 
وقال بعضهم : هي للتفصيل، ولا حاجة إلى ذلك، فإن هذا الحكم معلوم، وذكر جبريل وميكال بعد اندراجهما أولاً تنبيهٌ على فضلهما على غيرهما من الملائكة، وهكذا كُلّ ما ذكر خاص بعد عام، ويحتمل أن يكون أعاد ذكرهما بعد اندراجهما ؛ لأن الذي جرى بين الرَّسول وبين اليهود هو ذكرهما، والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جَرَمَ نصّ على اسميهما، واعلم أنَّ هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة، وبعضهم يسمي هذا النوع بالتجريد، كأنه يعني به أنه جرد من العموم الأول بعض أفراده اختصاصاً له بمزية، وهذا الحكم أعني ذكر الخاصّ بعد العام مختصّ بالواو ولا يجوز في غيرها من حروف العطف. 
وجعل بعضهم مثل هذه الآية أعني : في ذكر الخاصّ بعد العام تشريفاً له قوله : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ  \[ الرحمن : ٦٨ \] وهذا فيه نظر، فإن " فاكهة " من باب المطلق ؛ لأنها نكرة في سياق الإثبات، وليست من العموم في شيء، فإن عنى أن اسم الفاكهة يطلق عليهما من باب صِدْق اللَّفظ على ما يحتمله، ثم نص عليه فصحيح، وأتى باسم الله ظاهراً في قوله : فإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ  ؛ لأنه لو أُضمر فقيل :" فإنه " لأوهم عوده على اسم الشرط، فينعكس المعنى، أو عوده على ميكال ؛ لأنه أقرب مذكور. 
وميكائيل اسم أعجمي، والكلام فيه كالكلام في " جبريل " من كونه مشتقّاً من ملكوت الله عز وجل، أو أن " ميك " بمعنى عبد، و " إيل " اسم الله، وأن تركيبه تركيب إضافة أو تركيب مزج، وقد عرف الصحيح من ذلك. 
وفيه سبع لغات :" مِيكَال " بزنة " مِفْعَال " وهي لغة " الحجاز "، وبها قرأ أبو عمر[(٢٧)](#foonote-٢٧) وحفص عن عاصم، وأهل " البصرة " ؛ قالوا :\[ البسيط \]

٦٨٥- وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا عُدَدٌ  فِيهِ مَعَ النَّصْرِ مِيكَالٌ وَجِبْرِيلُ[(٢٨)](#foonote-٢٨)وقال جرير :\[ الكامل \]٦٨٦- عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بمُحَمَّد  وَبِجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيْكَالاَ[(٢٩)](#foonote-٢٩)الثانية : كذلك، إلاَّ أن بعد الألف همزة، وبها قرأ نافع وأهل " المَدينة " بهمزة واختلاس ميكائيل. 
الثالثة : كذلك، إلا أنه بزيادة ياء بعد الهمزة بوزن " ميكائيل "، وهي قراءة الباقين. 
الرابعة : ميكئيل مثل ميكعيل، وبها قرأ ابن محيصن. 
الخامسة : كذلك، إلاَّ أنه لا ياء بعد الهمزة، فهو مثل : مِيكَعِل، وقرئ بها. 
السادسة : ميكاييل بياءين بعد الألف، وبها قرأ الأعمش. 
السابعة : ميكاءَل بهمزة مفتوحة بعد الألف كما يقال :" إسراءَل "، وحكى المَاوَرْدِيّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن " جَبْر " بمعنى عَبْد بالتكبير، و " ميكا " بمعنى عُبَيْد بالتصغير، فمعنى جبريل : عبد الله، ومعنى ميكائيل : عبيد الله قال : ولا يعلم لابن عباس في هذا مخالف. 
وقال القرطبي رحمه الله تعالى : وزاد بعض المفسّرين : وإسرافيل عبد الرحمن. 
قال النحاس : ومن قال :" جبر " عبد، و " إل " الله وجب عليه أن يقول : هذا جَبْرُئِل، ورأيت جَبْرَئِل، ومررت بِجَبْرِئِل، وهذا لا يقال، فوجب أن يكون مسمى بهذا. 
وقال غيره : ولو كان كما قالوا لكان مصروفاً، فترك الصرف يدلّ على أنه اسم واحد مفرد ليس بمضاف. 
قال ابن الخطيب[(٣٠)](#foonote-٣٠) : يجب أن يكون جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام أفضل من ميكائيل لوجوه :
أحدها : أنه قدمه في الذّكر، وتقديم المَفْضُول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً. 
وثانيها : أن جبريل ينزل بالقرآن والوحي والعلم، وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار، وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل. 
وثالثها : قوله تعالى في صفة جبريل عليه الصلاة والسلام : مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ  \[ التكوير : ٢١ \] ذكره بوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعاً بالنسبة إلى ميكائيل عليه الصَّلاة والسَّلام فوجب أن يكون أفضل منه. 
فإن قيل : حقّ العَدَاوة الإضرار بالعدو، وذلك مُحَال على الله تعالى، فكيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ؟
فالجواب : أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلاّ فينا ؛ لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المَضَارِّ به، وذلك مُحَال على الله تَعَالى بل المراد أحد وجهين : إما أن يعادوا أولياء الله، فيكون ذلك عداوة لله، كقوله : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  \[ المائدة : ٣٣ \]، وكقوله تعالى  إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  \[ الأحزاب : ٥٧ \] ؛ لأن المراد بأولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذيّة عليه، وإما أن يراد بذلك كراهيتهم القيام بطاعته وعبادته، وبعدهم عن الطريقة، فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة.

### الآية 2:99

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [2:99]

قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعث من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل : يا معشر اليهود اتَّقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفون لنا صفته. 
فقال ابن صوريا : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه من الآيات، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات[(١)](#foonote-١)، والمرادة بالآيات البينات : آيات القرآن مع سائر الدَّلائل من المُبَاهلة، ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو : إشباع الخَلْق الكثير من الطعام القليل \[ ونبع \][(٢)](#foonote-٢) الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر. 
وقال بعضهم : الأولى تخصيص ذلك بالقرآن، لأن الآيات إذا قرنت بالتنزيل كانت أخصّ بالقرآن. 
فإن قيل : الإنزال عبارة عن تحريك الشَّيء من أعلى إلى أسفل، وذلك محقّق في الأجسام، ومحال في الكلام. 
فجوابه : أن جبريل عليه الصلاة والسلام لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالاً. 
قوله تعالى : وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ الْفَاسِقُونَ  هذا استثناء مفرّغ، وقد تقدم أن الفراء يجيز فيه النصب. 
**والكفر بها من وجهين :**
الأول : جحودها مع العلم بصحتها. 
والثاني : جحودها مع الجهل، وترك النظر فيها، والإعراض عن دلائلها، وليس في الظَّاهر تخصيص، فيدخل الكل فيه. 
قال ابن الخطيب[(٣)](#foonote-٣) : والفِسْقُ في اللّغة : خروج الإنسان عما حدّ له قال الله تعالى : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  \[ الكهف : ٥٠ \]. 
وتقول العرب للنواة إذا خرجت من الرّطبة عند سقوطها : فسقت النواة، وقد يقرب من معناه الفُجُور ؛ لأنه مأخوذ من فجور السّد الذي يمنع الماء من أن يسير من الموضع الذي يفسد، فشبه تعدّي الإنسان ما حدّ له إلى الفساد بالذي فجر السَّد حتى صار إلى حيث يفسد. 
فإن قيل : أليس صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله، ولا يوصف بالفسق والفجور ؟
قلنا : إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا ؛ لأن من فتح من النهر نقباً يسيراً لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر، وكذلك الفِسْق إنما يقال إذا عظم التعدّي، إذا ثبت هذا فنقول : في قوله :" إِلاَّ الْفَاسِقُونَ " وجهان :
أحدهما : أن كل كافر فاسق، ولا ينعكس، فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره، فكان أولى. 
الثاني : أن يكون المراد ما يكفر بها إلاَّ الكافر المتجاوز على كلّ حدّ في كفره، والمعنى : أن هذه الآيات لما كانت بيّنة ظاهرة لم يكفر بها إلاَّ الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى، والأحسن في الجواب أن يقال : إنه تعالى لما قال : وَمَا يَكْفُرُ بِهَا  أفهم أن مراده بالفاسق هو الكافر لا عموم الفاسق فزال الإشكال.

١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٣٩٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١٨١) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس والأثر ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" (٢/١٩٦)..
٢ - في ب: ونبوع..
٣ - ينظر الفخر الرازي: ٣/١٨٢..

### الآية 2:100

> ﻿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:100]

الجمهور على تحريك واو " أَوَ كلما "، واختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال :
فقال الأخفش : إن الهمزة للاستفهام، والواو زائدة، وهذا على رأيه في جواز زيادتها. 
وقال الكسائي هي " أو " العاطفة التي بمعنى " بل "، وإنما حركت الواو. 
ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة. 
وقال البصريون : هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف. 
قال القرطبي : كما دخلت همزة الاستفهام على " الفاء " في قوله : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ  \[ المائدة : ٥٠ \]،  أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ  \[ يونس : ٤٢ \]، 
 أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ  \[ الكهف : ٥٠ \]. 
وعلى " ثم " كقوله : أَثُمَّ إِذَا مَا . 
وقد تقدم أن الزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف شيئاً يعطف عليه ما بعده، لذلك قدره هُنَا : أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. 
وقرأ أبو السّمَال العدوي[(١)](#foonote-١) :" أوْ كلما " ساكنة الواو، وفيها ثلاثة أقوال : فقال الزمخشري : إنها عاطفة على " الفاسقين "، وقدره بمعنى إلا الذين فسقوا أو نقضوا، يعني به : أنه عطف الفعل على الاسم ؛ لأنه في تأويله كقوله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ  \[ الحديد : ١٨ \] أي : الذين اصَّدَّقُوا وأقرضوا. 
وفي هذا كلام يأتي في سورته إن شاء الله تعالى. 
وقال المهدوي :" أو " لانقطاع الكلام بمنزلة " أم " المنقطعة، يعني أنها بمعنى " بل "، وهذا رأى الكوفيين، وقد تقدم تحريره وما استدلّوا به من قوله :
\[ الطويل \]
٦٨٧-. . . \*\*\* أَوْ أَنْتَ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ[(٢)](#foonote-٢)
في أول السورة. 
وقال بعضهم : هي بمعنى " الواو " فتتفق القراءتان، وقد وردت " أو " بمنزلة " الواو " كقوله :\[ الكامل \]
٦٨٨-. . . \*\*\* مَا بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ[(٣)](#foonote-٣)
 خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً  \[ النساء : ١١٢ \]  آثِماً أَوْ كَفُوراً  \[ الإنسان : ٢٤ \] فلتكن \[ هنا \][(٤)](#foonote-٤) كذلك، وهذا أيضاً رأي الكوفيين. 
والناصب ل " كلّما " بعده، وقد تقدم تحقيق القول فيها، وانتصاب " عَهْداً " على أحد وجهين : إما على المصدر الجاري على غير الصدر وكان الأصل :" مُعَاهَدَة " أو على المفعول به على أن يضمن عاهدوا معنى " أَعْطوْا " ويكون المفعول الأول محذوفاً، والتقدير : عاهدوا الله عَهْداً. 
وقرئ[(٥)](#foonote-٥) :" عَهِدُوا " فيكون " عَهْداً " مصدراً جارياً على صدره. 
وقرئ أيضاً[(٦)](#foonote-٦) :" عُوهِدُوا " مبنياً للمفعول. 
قال ابن الخطيب : المقصود من هذا الاستفهام، الإنكار، وإعظام ما يقدمون عليه، ودلّ قوله :" أو كلما عاهدوا " على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه، ويدل على أن ذلك كالعادة فيهم، فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام عن كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيّتهم وعادتهم، وعادة سَلَفهم على ما بيّنه فيما تقدم من نَقْضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال ؛ لأن من يعتاد منه هذه الطريقة، فلا يصعب على النفس مُخَالفته كصعوبة مَنْ لم تَجْرِ عادته بذلك. وفي العهد وجوه :
أحدها : أن الله تعالى لما أظهر الدَّلائل الدَّالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحّة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وتعالى وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى. 
وثانيها : قولهم قبل مبعثه : لئن خرج النبي لنؤمنن به، ولنخرجن المشركين من ديارهم \[ قال ابن عباس : لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ الله تعالى عليهم، وعهد إليهم في مُحَمّد أن يؤمنوا به قال مالك بن الصيف : والله ما عهد إلينا في محمد عهد فنزلت هذه. 
قال القرطبي[(٧)](#foonote-٧) : ويقال فيه :" ابن الصّيف " ويقال :" ابن الضَّيْف " \]. 
وثالثها : أنهم كانوا يعاهدون الله كثيراً وينقضونه. 
ورابعها : قال عطاء : إن اليهود كَانُوا قد عاهدوه على ألاَّ يعينوا عليه أحداً من الكافرين، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشاً يوم " الخندق " \[ ودليله قوله تعالى : الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ [(٨)](#foonote-٨) إنما قال : نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُم  لأن في جملة من عاهد من آمن، أو يجوز أن يؤمن، فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلّون بين أنهم الأكثر فقال : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  وفيه قولان :
الأول : أن أكثر أولئك الفسّاق لا يصدقون بك أبداً لحسدهم وبغيهم. 
\[ والثاني : لا يؤمنون \][(٩)](#foonote-٩) أي : لا يصدقون بكتابهم، لأنهم في قومهم كالمُنَافقين مع الرسول عليه الصلاة والسلام يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم، ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه. 
قوله تعالى : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  فيه قولان :
أحدهما : أنه من باب عَطْف الجمل، وتكون " بل " لإضراب الانتقال لا الإبطال، وقد \[ علم \][(١٠)](#foonote-١٠) أن " بل " لا تسمَّى عاطفة حقيقية إلا في المفردات. 
الثاني : أنه يكون من عطف المفردات، ويكون " أكثرهم " معطوفاً على " فريق "، و " لاَ يُؤْمِنُونَ " جملة في محلّ نصب على الحال من " أكثرهم ". 
وقال ابن عطيَّة : من الضمير في " أكثرهم "، وهذا الذي قاله جائز، لا يقال : إنها حال من المضاف إليه ؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه، وذلك جائز. 
وفائدة هذا الإضراب ما تقدم ذكره آنفاً. 
والنَّبْذُ : الطرح ومنه النَّبِيذ والمَنْبُوذ، وهو حقيقة في الأجْرَام وإسناده إلى العَهْد مَجَاز. 
وقال بعضهم : النَّبْذ والطَّرْح والإلقاء متقاربة، إلاّ أن النبذ أكثر ما يقال فيما يبس والطَّرح أكثر ما يُقال في المبسوط والجاري مجراه، والإلقاء فيما يعتبر فيه مُلاَقاة بين شيئين ؛ ومن مجيء النبذ بمعنى الطَّرْح قوله :\[ الكامل \]
٦٨٩- إِنَّ الَّذِينَ أَمَرتَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا \*\*\* نَبَذُوا كِتابَكَ وَاسْتَحَلُّوا الْمَحْرَما[(١١)](#foonote-١١)
وقال أبو الأسود :\[ الطويل \]
٦٩٠- وَخَبَّرَنِي مَنْ كُنْتُ أَرْسَلْتُ أَنَّما \*\*\* أَخَذْتَ كِتَابِي مُعْرضاً بشِمَالِكا
نَظَرْتَ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنبَذْتَهُ \*\*\* كَنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا[(١٢)](#foonote-١٢)

١ - انظر الشواذ: ١٦، والمحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٢، والدر المصون: ١/٣١٦..
٢ - تقدم برقم ٢٢٧..
٣ - عجز بيت لحميد بن ثور صدره:
 قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم
 ينظر شواهد المغني: ١/٦٣، العيني: ٤/١٤٦، اللسان (سفع)، شرح التصريح: ٢/١٤٦، شرح الأشموني: ٣/١٠٧، الدر المصون: ١/٣١٧..
٤ - في ب: هذه القراءة..
٥ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٣، والدر المصون: ١/٣١٧..
٦ - قرأ بها الحسن وأبو رجاء.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٢، والدر المصون: ١/٣١٧، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤١٠..
٧ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/٢٨..
٨ - سقط في ب..
٩ - سقط في أ..
١٠ - في ب: عرفت..
١١ - ينظر القرطبي: ٢/٢٩، تفسير القرطبي: ٢/٤٠١، معاني القرآن للزجاج: ١/١٥٨، مجمع البيان: ١/٣٧٩، الدر المصون: ١/٣١٨..
١٢ - ينظر ديوانه: (٤٩)، القرطبي: ٢/٢٩، الدر المصون: ١/٣١٨..

### الآية 2:101

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [2:101]

قال القرطبي : مصدّق لما معهم  نعت للرَّسول، ويجوز نصبه على الحال. 
واعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوّة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وبصحة التوراة، أو مصدقاً لما معهم من حيث إنّ التوراة بشرت بمقدم محمد عليه الصلاة والسلام فإذا جاء محمد كان مجرد مجيئه مصدقاً للتوراة. 
وقوله : مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ  فيه وجهان :
أحدهما : أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه بدليل قوله تعالى : كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . 
والثاني : المراد من يدعي التمسّك بالكتاب، سواء علمه أم لم يعلمه، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل \[ القرآن \][(١)](#foonote-١) لا يختص بذلك من يعرف علومه، بل المراد من يؤمن به. 
قوله تعالى : الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ  :" الكتاب " مفعول ثان ل " أوتوا " ؛ لأنه يتعدى في الأصل إلى اثنين، فأقيم الأول مقام الفاعل، وهو " الواو "، وبقي الثاني منصوباً، \[ وقد تقدم أنه عند السهيلي مفعول أول \][(٢)](#foonote-٢) و " كتاب الله " مفعول نبذ، و " وراء " منصوب على الظرف وناصبه " نَبَذ "، وهذا مثل لإهمالهم التوراة ؛ تقول العرب :" جعل هذا الأمر وَرَاءَ ظَهْره، ودَبْرَ أُذُنِه " أي : أهمله ؛ قال الفرزدَقُ :\[ الطويل \]

٦٩١- تَمِيمُ بْنَ مُرِّ لاَ تَكُونَنَّ حَاجَتِي  بِظَهْرٍ فَلا يَعْيَا عَلَيَّ جَوَابُهَا[(٣)](#foonote-٣)والمراد بكتاب الله : القرآن. 
**وقيل : إنه التوراة لوجهين :**
الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً، وأما إذا لم يلتفتوا إليه فلا يقال : إنهم نبذوه. 
والثاني : أنه قال تعالى : نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ  ولو كان المراد به : القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى ؛ لأنَّ جميعهم لا يصدقون بالقرآن. 
فإن قيل : كيف يصحّ نَبْذهم التوراة، وهم متمسّكون بها ؟
قلنا : إنها لما كانت تدلّ على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بنعته، ووجوب الإيمان به، ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتَّوْرَاة. 
قال السّدي رحمه الله تعالى نبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب " آصف "، وسحر " هاروت وماروت ". 
قوله : كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  جملة في محلّ نصب على الحال، وصاحبها : فريق، وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف، والعامل فيها " نبذ "، والتقدير : مُشْبِهِيْنَ للجُهَّال، ومتعلق العلم محذوف تقديره : أنه كتاب الله لا يُدَاخلهم فيه شكّ، والمعنى : أنهم كفروا عناداً ؛ لأنهم نبذوه عن علم ومعرفة ؛ لأنه لا يقال ذلك إلاَّ فيمن يعلم. 
قال ابن الخطيب[(٤)](#foonote-٤) : ودلّت الآية من هذه الجِهَةِ على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم، فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلّة بحيث تجوز المُكَابرة عليهم. 
١ - في ب: الكتاب..
٢ - سقط في ب..
٣ - ينظر ديوانه: (٨٠)، الأضداد: (٢٥٦)، القرطبي: ٢/٢٩، الدر المصون: ١/٣١٨..
٤ - ينظر الفخر الرازي: ٣/١٨٤..

### الآية 2:102

> ﻿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:102]

قوله : وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ  : هذه الجملة معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله :" ولما جاءهم " إلى آخرها. 
وقال أبو البقاء : إنها معطوفة على " أشربوا " أو على " نبذ فريق "، وهذا ليس بظاهر ؛ لأن عطفها على " نبذ " يقتضي كونها جواباً لقوله تعالى :
 وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ . 
واتِّباعُهُم لما تتلو الشياطين ليس مترتباً على مجيء الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام بل كان اتباعهم لذلك قبله، فالأولى أن تكون معطوفة على جملة " لما " كما تقدم، و " ما " موصولة، وعائدها محذوف، والتقدير : تتلوه. 
وقيل :" ما " نافية، وهو غلط فاحش لا يقتضيه نظم الكلام، \[ ذكره \] ابن العربي. 
و  يتلو  في معنى " تلت " فهو مضارع واقع موقع الماضي ؛ كقوله :\[ الكامل \]
٦٩٢- وَإِذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِهِ فَاعْقِرْ بِهِ \*\*\* كُومَ الهِجَانِ وَكُلَّ طَرْفٍ سَابِحِ
وانْضَحْ جَوَانِبَ قَبْرهِ بِدِمَائِهَا \*\*\* فَلَقَدْ يَكُونُ أَخَا دَمٍ وَذَبَائِحِ[(١)](#foonote-١)
أي : فلقد كان. 
وقال الكوفيون : الأصل : وما كانت تتلو الشياطين، ولا يريدون بذلك أن صلة " ما " محذوفة، وهي " كانت " و " تتلو " في موضع الخبر، وإنما قصدوا تفسير المعنى، وهو نظير :" كان زيد يقوم " المعنى على الإخبار، وبقيامه في الزمن الماضي، وقرأ الحسن[(٢)](#foonote-٢) والضحاك " الشياطون " إجراء له مجرى جمع السَّلامة، قالوا : وهو غلط. وقال بعضهم : لحن فاحش. 
وحكى الأصمعي " بُسْتَانُ فُلاَنٍ حَوْلَهُ بساتون " وهو يقوي قراءة الحسن. 
قوله تعالى : عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ  فيه قولان :
أحدهما : أنه على معنى " في "، أي : في زمن ملكه، والمُلْكُ هنا شَرْعه. 
والثاني : أن يضمن تتلو معنى تَتقوَّل أي : تتقول على ملك سليمان، وتَقَوَّل يتعدى بعلى، قال تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ . 
وهذا الثاني أولى، فإن التجوّز في الأفعال أولى من التجوّز في الحروف، وهو مذهب البصْريين كما تقدم وإنما أحْوَجَ إلى هذين التأويلين ؛ لأن تلا إذا تعدَّى ب " على " كان المجرور ب " على " شيئاً يصحّ أن يتلى عليه نحو : تلوت على زيد القرآن، والملك ليس كذلك. 
قال أبو مسلم :" تتلو " أي : تكذب على ملك سليمان يقال : تلا عليه : إذا كذب وتلا عنه إذا صدق. وإذا أبهم جاز الأمران. 
قال ابن الخطيب[(٣)](#foonote-٣) : أي يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف، والتلاوة : الاتباع أو القراءة وهو قريب منه. 
قال أبو العباس المقرئ : و " على " ترد على ثلاثة أوجه :
الأول : بمعنى " في " كهذه الآية. 
وبمعنى " اللام "، قال تعالى : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ  \[ الأنعام : ١٥٤ \] أي : للذي. 
وبمعنى " من "، قال تعالى : الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 
\[ المطففين : ٢ \] أي : من الناس يستوفون. 
و  سليمان  علم أعجمي، فلذلك لم ينصرف. 
وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى :" وفيه ثلاثة أسباب : العُجْمة والتَّعريف والألف والنون "، وهذا إنما يثبت بعد دخول الاشتقاق فيه، والتصريف حتى تعرف زيادتها، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخُلان في الأسماء الأعجميّة، وكرر قوله : وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ  بذكره ظاهراً ؛ تفْخِيماً له، وتعظيماً ؛ كقوله :\[ الخفيف \]
٦٩٣- لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ \*\*\*. . . [(٤)](#foonote-٤)
وقد تقدم تحقيق ذلك.

### فصل في المراد بقوله تعالى : واتبعوا . 


المراد بقوله : وَاتَّبَعُوا  هم اليهود. 
فقيل : هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. 
وقيل : هم الذين كانوا في زمن سليمان صلى الله عليه وسلم من السَّحَرة ؛ لأن أكثر اليهود ينكرون نبوّة سليمان عليه الصلاة والسلام ويعدونه من جُمْلة الملوك في الدنيا، وهؤلاء ربما اعتقدوا فيه أنه إنما وجد الملك العظيم بسبب السحر. 
وقيل : إنه يتناول الكل وهو أولى. 
قال السّدي : لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والفرقان، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب " آصف " وسِحْر " هاروت وماروت " فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ  أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السّحر. 
واختلفوا في المراد من الشياطين. 
فقال المتكلمون من المعتزلة : هم شياطينُ الإنس، وهم المتمرِّدون في الضلال ؛ كقول جرير :\[ البسيط \]
٦٩٤- أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانُ مِنْ غَزَلِي \*\*\* وَكُنَّ يَهْوَيْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا[(٥)](#foonote-٥)
وقيل : هم شياطين الإنس والجن. 
قال السدي : إن الشياطين كانوا يسترقون السَّمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلقونها إلى الكَهَنَةِ، وقد دوّنوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه الصلاة والسلام وقالوا : إن الجنّ تعلم الغيب، وكانوا يقولون : هذا علم سليمان، وما تم له ملكه إلاَّ بهذا العلم، سخّر الجن والإنس \[ والطير \] والريح التي تجري بأمره[(٦)](#foonote-٦). 
وأما القائلون بأنهم شياطين الإنس فقالوا : روي أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصّه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظَّاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السِّحْر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطّلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان، وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلاّ بسبب هذه الأشياء. 
### فصل في الباعث على نسبتهم السحر لسليمان


إنما أضافوا السِّحْر إلى سليمان عليه الصلاة والسلام لوجوه :
أحدها : أضافوه تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم. 
وثانيها : أن اليهود كانوا يقولون : إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب السّحر. 
وثالثها : أنه تعالى لما سخر الجن لسليمان، فكان يخالطهم، ويستفيد منهم أسراراً عجيبة غلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم فقوله تعالى : وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ  تنزيه له عليه الصلاة والسلام عن الكفر، وذلك يدلّ على أن القوم نسبوه إلى الكُفْرِ والسحر، فروي عن بعض أَحْبَار اليهود أنهم قالوا : ألا تعجبون من محمد عليه الصَّلاة والسَّلام يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن السَّحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان، فبرأه الله تعالى من ذلك، وبين أن الذي برأه الله منه لاصق بغيره، وهو قوله تعالى :" وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ ". 
هذه الواو عاطفة جملة الاستدراك على ما قبلها. 
وقرأ ابن عامر[(٧)](#foonote-٧)، والكسائي وحمزة بتخفيف " لكن " ورفع ما بعدها، والباقون بالتشديد، والنصب وهو واضح. 
وأما القراءة الأولى، فتكون " لكن " مخففة من الثقيلة جيء بها لمجرّد الاستدراك، وإذا خففت لم تعمل عند الجمهور ونُقِل جواز ذلك عن يونس 
\[ والأخفش. وهل تكون عاطفة ؟ الجمهور على أنها تكون عاطفة إذا لم يكن معها " الواو "، وكان ما بعدها مفرداً وذهب يونس \][(٨)](#foonote-٨) إلاَّ أنها لا تكون عاطفةً وهو قوي، فإنه لم يسمع في لسانهم : ما قام زيد لكن عمرو، وإن وجد ذلك في كتب النحاة[(٩)](#foonote-٩) فمن تمثيلاتهم، ولذلك لم يمثل بها سيبويه رحمه الله إلا مع الواو وهذا يدل على نفيه. 
وأما إذا وقعت بعدها الجمل فتارة تقترن بالواو، وتارة لا تقترن. 
قال زهير :\[ البسيط \]
٦٩٥- إنَّ ابْنَ وَرْقَاءَ لاَ تُخْشَى بَوَادِرُهُ \*\*\* لَكِنْ وَقَائِعُهُ في الحَرْبِ تُنتَظَرُ[(١٠)](#foonote-١٠)
وقال الكسائي والفراء : الاختيار تشديدها إذا كان قبلها " واو " وتخفيفها إذا لم يكن، وهذا جنوح منهما إلى القول بكونها حرف عَطْف، وأبعد من زعم أنها مركّبة من ثلاث كلمات : لا النافية، وكاف الخطاب، وإن التي للإثبات، وإنما حذفت الهمزة تخفيفاً. 
قوله : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  " الناس " مفعول أول، و " السِّحْر " مفعول ثان، واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال :
أحدها : أنها حال من فاعل " كفروا " أي مُعَلِّمين. 
الثاني : أنها حال من الشياطين، وردّه أبو البقاء رحمه الله تعالى بأن " لكن " لا تعمل في الحال، وليس بشيء فإن " لكن " فيها رائحة الفعل. 
الثالث : أنها في محلّ رفع على أنها خبر ثان للشياطين. 
الرابع : أنها بَدَلٌ من " كفروا " أبدل الفعل من الفعل. 
الخامس : أنها استئنافية، أَخْبر عنهم بذلك، هذا إذا أعدنا الضمير من " يعملون " على الشَّيَاطين. 
أما إذا أعدناه على " الذين اتَّبَعُوا ما تتلوا الشَّياطين " فتكون حالاً من فاعل " اتبعوا "، أو استئنافية فقط. 
والسِّحْر : كلّ ما لَطف ودَقَّ سِحْرُهُ، إذا أَبْدَى له أمراً يدقُّ عليه ويخفى. 
قال :\[ الطويل \]
٦٩٦-. . . \*\*\* أَدَاءٌ عَرَانِي مِنْ حُبَابِكِ أمْ سِحْرُ[(١١)](#foonote-١١)
ويقال : سَحَرَهُ : أي خَدَعَهُ وعلَّله ؛ قال امرؤ القيس :\[ الوافر \]
٦٩٧- أَرَانَا مُوضِعِينَ لأَمْرٍ غَيْبٍ \*\*\* ونُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وبِالشَّرَابِ[(١٢)](#foonote-١٢)
أي : نُعَلَّلُ، وهو في الأصل : مصدر يقال : سَحَرَهُ سِحْراً، ولم يجئ مصدر ل " فَعَلَ " يَفْعَلُ على فِعْلٍ إلا سِحْراً وَفِعْلاً. 
والسَّحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مَجَاريه، والسّحر هو الرئة وما تعلق بالحُلْقُوم \[ ومنه قول عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري \] [(١٣)](#foonote-١٣)وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء. 
ومنه قوله تعالى : إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ  \[ الشعراء : ١٥٣ \] يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب بدليل قولهم : مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  
\[ الشعراء : ١٥٤ \]، ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا. 
وقال تعالى : فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ  \[ الأعراف : ١١٦ \]. 
وقال تعالى : وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ، والسّحر في عرف الشرع مختصّ بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التَّمويه والخداع، وهو عند الإطلاق يذم فاعله، ويستعمل مقيداً فيما يمدح وينفع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً ". 
فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحراً ؛ لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ عبارته، فعلى \[ هذا \] يكون قوله عليه الصلاة والسلام :" إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً " خرج مخرج المدح. 
وقال جماعة من أهل العلم : خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسّحر يدلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام :" فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ". 
و١ - البيتان لزياد الأعجم. ينظر الأمالي للقالي: ٣/١١، ابن الشجري: ١/٣٠٤، الخزانة: ٤/١٩٢، القرطبي: ٢/٣٠، البيان في غريب القرآن: ١/١١٣، الدر المصون: ١/٣١٨..
٢ - انظر الشواذ: ١٦، والمحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٤، والدر المصون: ١/٣١٩، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤١٠..
٣ - ينظر الفخر الرازي: ٣/١٨٥..
٤ - تقدم..
٥ - ينظر ديوانه: ١/١٦٥، القرطبي: ٢/٣٠، مجمع البيان: ١/٣٩٢..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٤٠٥-٤٠٦) عن السدي، وذكره ابن كثير في "التفسير" (١/٢٤٩)..
٧ - انظر الكشف: ١/٢٥٦، والسبعة: ١٦٧، وحجة القراءات: ١٠٨، والحجة: ٢/١٦٩، ١٧٠، والعنوان: ٧١، وشرح الطيبة: ٤/٥٣، وشرح شعلة: ٢٧١، وإتحاف: ١/٤١٠..
٨ - سقط في أ..
٩ - في ب: النحويين..
١٠ - ينظر ديوانه: ٣٠٦، والجنى الداني: ص ٥٨٩، والدرر: ٦/١٤٤، وشرح التصريح: ٢/١٤٧، وشرح شواهد المغني: ٢/٧٠٣، واللمع: ١٨٠، ومغني اللبيب: ١/٢٩٢، والمقاصد النحوية: ٤/١٧٨، وأوضح المسالك: ٣/٣٨٥، وهمع الهوامع: ٢/١٣٧، وشرح الأشموني: ٢/٤٢٧، والدر المصون: ١/٣١٩..
١١ - عجز بيت لأبي عطاء السندي وصدره:
 فوالله ما أدري وإني لصادق
 ينظر شواهد البحر: ١/٤٨٧، اللسان (حبب)، الدر المصون: ١/٣٢٠..
١٢ - ينظر ديوانه: (٤٣)، اللسان (سحر)، البحر: ١/٤٨٧، مجمع البيان: ١/٣٨٤، الدر المصون: ١/٣٢٠..
١٣ - سقط في ب..

### الآية 2:103

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:103]

قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ  " لو " هنا فيها قولان :
أحدهما : أنها على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، وسيأتي الكلام في جوابها، وأجاز الزمخشري رحمه الله تعالى أن تكون للتمني أي : لَيْتَهُمْ آمنوا على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم، واختيارهم له، فعلى هذا لا يلزم أن يكون لها جواب، لأنها قد تجاب بالفاء حينئذ، وفي كلامه اعتزال. 
و " أنهم آمنوا " مؤول بمصدر، وهو في محل رفع، \[ وفيه قولان \][(١)](#foonote-١) أحدهما وهو قول سيبويه : أنه في محلّ رفع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره : ولو كان إيمانهم ثابت، وشذّ وقوع الاسم بعد " لو "، وإن كانت مختصة بالأفعال، كما شذ نصب " غدوة " بعد " لدن ". 
وقيل : لا يحتاج هذا المبتدأ إلى خبر لجريان لفظ المسند والمسند إليه في صلة " أنَّ ". 
وصحح أبو حَيَّان هذا في سورة " النساء " وهذا يشبه الخلاف في " أن " الواقعة بعد " ظنّ وأخواتها "، وتقدم تحقيقه. 
والثاني : وهو قول المبرد أنه في محلّ رفع بالفاعلية، رافعه محذوف تقديره : ولو ثبت إيمانهم ؛ لأنها لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً، وقد ردّ بعضهم هذا بأنه لا يضمر بعدها الفعل إلا مفسَّراً بفعل مثله، ودليل كلا القولين مذكور في كتب النحو. والضمير في " أنهم " فيه قولان :
أحدهما : عائد على اليهود، 
والثاني : على الذين يعلمون \[ الناس \][(٢)](#foonote-٢) السحر. 
قال ابن الخطيب[(٣)](#foonote-٣) : إنَّ الله تعالى لما قال : نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ  \[ البقرة : ١٠١ \] ثم وصفهم بأنهم
 اتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ، وأنهم تمسّكوا بالسحر قال بعده : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ  يعني بما نبذوه من كتاب الله. 
فإن حملت ذلك على القرآن جاز، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز، وإن حملته على الأمرين جاز، والمراد بالتقوى الاحتراز عن فعل المنهيات، وترك المأمورات. 
قوله تعالى : لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللهِ . 
**في هذه اللام قولان :**
أحدهما : أنها لام الابتداء، وأن ما بعدها استئناف إخبار بذلك، وليس متعلقاً بإيمانهم وتقواهم، ولا مترتباً عليه، وعلى هذا فجواب " لو " محذوف إذا قيل بأنها ليست للتمني، أو قيل بأنها للتمني، ويكون لها جواب تقديره : لأثيبوا. 
والثاني : أنها جواب " لو "، فإن " لو " تجاب بالجملة الاسمية. 
قال الزمخشري[(٤)](#foonote-٤) رحمه الله تعالى : أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب " لو " لما في ذلك من الدلالة على ثبوت المَثُوبَةِ واستقرارها، كما عَدَلَ عن النصب إلى الرفع في  سَلاَمٌ عَلَيْكُم  \[ الأنعام : ٥٤ \] لذلك. \[ وفي \] وقوع جواب " لو " جملة اسمية نظر يحتاج إلى دليل غير مَحلّ النزاع. 
قال أبو حيان[(٥)](#foonote-٥) رحمه الله تعالى : لم يعهد في كلام العرب وقوع الجملة الابتدائية جواباً ل " لو "، إنما جاء هذا المختلف في تخريجه، ولا تَثْبُت القواعد الكلية بالمحتمل. 
**والمثوبة فيها قولان :**
أحدهما : أن وزنها " فعولة "، والأصل مَثْوُوبَة، فَثَقُلَت الضَّمة على " الواو "، فنقلت إلى الساكن قبلها، فالتقى ساكنان فحذف أحدهما مثل : مَقُولة ومجوزة ومصونة ومشوبة وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول، فهي مصدر نقل ذلك الواحدي. 
والثاني : أنها " مَفْعُلَة " من الثواب بضم العين، وإنما نقلت الضّمّة إلى الثاء، ويقال :" مَثْوبَة " بسكون الثاء وفتح الواو، وكان من حَقّها الإعلال فيقال :" مثابة " ك " مقامة "، إلا أنهم صححوها كما صححوا في الإعلال " مَكْوَزَة "، وبذلك قرأ أبو السمال[(٦)](#foonote-٦) وقتادة كمشورة. ومعنى " لمثوبة " أي : ثواب وجزاء من الله. 
وقيل : لرجعة إلى الله تعالى خير. 
قوله : مِنْ عِندِ اللهِ  في محلّ رفع صفة " لمثوبة "، فيتعلّق بمحذوف، أي : لمثوبة كائنة من عند الله تعالى. 
والعندية هنا مجاز تقدم في نظائره. 
قال أبو حيان : وهذا الوصف هو المسوغ لجواز الابتداء بالنكرة. 
قلت : ولا حاجة إلى هذا ؛ لأن المسوغ هنا شيء آخر، وهو الاعتماد على لام الابتداء، حتى لو قيل في الكلام : لَمَثُوبَةٌ خَيْرٌ  من غير وصف لصح. 
والتنكير في " لمثوبة " يفيد أن شيئاً من الثواب وإن قلّ خير، فلذلك لا يقال له قليل، ونظيره : وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ  \[ التوبة : ٧٢ \]. 
وقوله :" خَيْرٌ " خبرٌ " لِمَثُوبَة "، وليست هنا بمعنى " أفعل " التفضيل، بل هي لبيان أنها فاضلة، كقوله تعالى : أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً 
\[ الفرقان : ٢٤ \]  أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ  \[ فصلت : ٤٠ \]. 
قوله تعالى : لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ  جوابها محذوف تقديره : لكان تحصيل المثوبة خيراً، أي : تحصيل أسبابها من الإيمان والتقوى، وكذلك قَدّره بعضهم : لآمنوا. 
**وفي مفعول " يعلمون " وجهان :**
أحدهما : أنه محذوف اقتصاراً أي : لو كانوا من ذوي العلم. 
والثاني : أنه محذوف اختصاراً تقديره : لو كانوا يعلمون التفضيل في ذلك، أو يعلمون أن ما عند الله خير وأبقى.

١ - في ب: واختلف في ذلك على قولين..
٢ - سقط في ب..
٣ - ينظر الفخر الرازي: ٣/٢٠٢..
٤ - ينظر الكشاف: ١/١٧٤..
٥ - ينظر البحر المحيط: ١/٥٠٤..
٦ - وقرأ بها ابن بريدة.
 انظر الشواذ: ١٦، والمحرر الوجيز: ١/٧١٩، والبحر المحيط: ١/٥٠٤، والدر المصون: ١/٣٣١..

### الآية 2:104

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:104]

اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدّهم واجتهادهم في القَدْحِ فيه والطعن في دينه. 
واعلم أنّ الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ  في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن. 
قال ابن عباس رضي الله عنه :" وكان يخاطب في التوراة بقوله : يا أيها المَسَاكين ".

### فصل في لفظ راعنا


روي أن المسلمين كانوا يقولون : راعنا يا رسول الله من المُرَاعاة، أي : راعنا سمعك أي فَرّغ سمعك لكلامنا[(١)](#foonote-١)، يقال : رعى إلى الشيء وَرَعَاه، أي : أَصْغى إليه وأسمعه، وكانت هذه اللفظة شيئاً قبيحاً بلغة اليهود. 
وقيل : معناه عندهم اسمع لا سمعت. 
وقيل : هو من الرُّعونة، وإذا أرادوا أن يحمقوا إنساناً قالوا : راعنا بمعنى يا أحمق، فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم : كنا نسبُّ محمداً سرًّا، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون : راعنا يا محمد، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن مُعَاذٍ، ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود : لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عُنُقه قالوا : أو لستم تقولونها ؟ فأنزل الله تعالى : يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولوا : رَاعِنَا [(٢)](#foonote-٢) لكي لا يتخذ اليهود ذلك سبيلاً إلى شَتْم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وَقُولُواْ انظُرْنَا  ويدلّ على هذا قوله تعالى في سورة " النساء " : وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ  
\[ النساء : ٤٦ \]. 
قال قُطْرب : هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى، إلاّ أن أهل " الحجاز " ما كانوا يقولونها إلاّ عند الهَزْل والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها. 
وقيل : إن اليهود كانوا يقولون : راعنا أي : أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها. 
وقيل : قوله :" راعنا " خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول : راعِ كلامي فلا تغفل عنه، ولا تشتغل بغيره، وليس في قوله :" انظرنا " إلا سؤال الانتظار إلى مقدار ما يصل إلى فهم كلامه. 
والجمهور على أن " راعنا " أمر من المُرَاعاة، وهي النظر في مصالح الإنسان، وتدبر أموره، و " راعنا " يقتضي المشاركة ؛ لأن معناه : ليكن منك رعاية لنا، وليكن منا رعاية لك، فنهوا عن ذلك ؛ لأن فيه مساواتهم به عليه الصلاة والسلام. 
وبين أنه لا بد من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم في المُخَاطبة كما قال تعالى : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً  
\[ النور : ٦٣ \]. 
وقرأ الحسن[(٣)](#foonote-٣) وأبو حيوة :" رَاعِناً " بالتنوين، ووجهه أنه صفة لمصدر محذوف، أي : قولاً راعناً، وهو على طريق النسب ك " لابنٍ " 
و " تامِرٍ "، والمعنى : لا تقولوا قولاً ذا رُعونَةٍ. والرعونة : الجهل والحُمْقُ والهَوَج، وأصل الرعونة : التفرُّق، ومنه :" جيشٌ أرْعَنُ " أي : متفرِّق في كل ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ : أي ليس له عَقْل مجتمع، وامرأة رَعْنَاء. 
وقيل للبَصْرَة : الرعْنَاء ؛ قال :\[ البسيط \]٧٢٢- لَوْلاَ ابْنُ عُتْبَةَ عَمْرٌو والرَّجَاءُ لَهُ  مَا كَانَتِ البَصْرَةُ الرَّعْنَاءُ لِي وَطَنَا[(٤)](#foonote-٤)قيل : سميت بذلك لأنها أشبهت " رعن الجَبَل " وهو النَّاتئ منه. 
وقال ابن فارس : يقال :" رَعُنَ الرجل يَرْعُنَ رَعْناً ". 
وقرأ أُبيّ[(٥)](#foonote-٥)، وزرُّ بن حُبَيش، والأعمش ذكرها القرطبي " راعونا "، وفي مصحف عبد الله كذلك، خاطبوه بلفظ الجمع تعظيماً، وفي مصحف عبد الله أيضاً " ارعونا " لما تقدم. 
والجملة في محل نصب بالقول، وقدم النهي على الأمر ؛ لأنه من باب التروك فهو أسهل. 
فإن قيل : أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حتَّى يقولوا هذا ؟ فالجَوَاب من وجهين :
أحدهما : أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام، وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه : اسمع أو سمعت. 
الثاني : أنهم فسروا قوله تعالى : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  \[ القيامة : ١٦ \] أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصاً على تحصيل الوَحْي، وأخذ القرآن، فقيل له : لا تحرّك به لسانك لتعجل به، فلا يبعد أن يجعل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصاً على تعجيل أفهامهم، فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام. 
قوله :" انْظُرْنَا " الجملة أيضاً في محلّ نصب بالقول، والجمهور على انظرنا \[ بالوصل في \][(٦)](#foonote-٦) الهمزة، وضم الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نَظَر من النَّظِرَة، وهي التأخير، أي : أخرنا وتأَنَّ عَلْينا ؛ قال امرؤ القَيْسِ :\[ الطويل \]٧٢٣- فَإنّكُمَا إنْ تَنْظُرَانِيَ سَاعَةً  مِنَ الدَّهْرِ يَنْفَعْنِي لَدَى أُمِّ جُنْدَبِ[(٧)](#foonote-٧)وقيل : هو من نظر أي : أَبْصَرَ، ثم اتُّسع فيه، فعدّي بنفسه ؛ لأنه في الأصل يتعدى ب " إلَى " ؛ ومنه :\[ الخفيف \]٧٢٤- ظَاهِرَاتُ الجَمَالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْ  نَ كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّبَاءُ[(٨)](#foonote-٨)أي : إلى الأراك. 
وقيل : من نظر أي : تفكر ثم اتسع فيه أيضاً، فإن أصله أن يتعدّى ب " في "، ولا بد من حذف مضاف على هذا أي : انظر في أمرنا، وقرأ أبيّ والأعمش :" أنْظِرْنَا " بفتح الهمزة وكسر الظاء أمراً من الرباعي بمعنى : أَمْهِلْنَا وأَخِّرْنَا ؛ قال :\[ الوافر \]٧٢٥- أَبَا هِنْدٍ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا  وأنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا[(٩)](#foonote-٩)أي : أمهل علينا، وهذه القراءة تؤيد أن الأول من النَّظِرَةِ بمعنى التأخير، لا من البَصَر، ولا من البَصِيرَة، وهذه الآية نظير \[ آية \][(١٠)](#foonote-١٠) الحديد  انظُرُونَا نَقْتَبِسْ  \[ الحديد : ١٣ \] فإنها قرئت بالوجهين. 
قوله :" وَاسْمَعُوا " حصول السماع عند سلامة الحاسّة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة :
أحدها : فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. 
\[ وثانيها : اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا \][(١١)](#foonote-١١). 
وثالثها : اسمعوا ما أمرتكم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصْغَاء إلى ما يقول. 
وتقدم الكلام على معنى " العذاب الأليم ". 
١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٤٦٠) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١٩٥) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا..
٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/١٩٥- ١٩٦) وعزاه لأبي نعيم في "دلائل النبوة" عن ابن عباس بمعناه..
٣ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٨٩، قال ابن عطية: وهي شاذة، وانظر البحر المحيط: ١/٥٠٨، والدر المصون: ١/٣٣٢..
٤ - البيت للفرزدق. ينظر القرطبي: ٢/٤٢، أدب الكاتب: ٣٣٠، المجمل: ٢/٣٨٣، الدر المصون: ١/٣٣٢..
٥ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٨٩، والبحر المحيط: ١/٥٠٩، والدر المصون: ١/٣٣٢..
٦ - في ب: يفصل..
٧ - ينظر ديوانه: (٢٩)، القرطبي: ٢/٤٢، البحر: ١/٥٠٨، الدر المصون: ١/٣٣٢..
٨ - البيت لعبيد الله بن قيس. ينظر ديوانه: (٨٨)، القرطبي: ٢/٤٢، البحر: ١/٥٠٩، روح المعاني: ١/٣٤٩، الدر المصون: ١/٣٣٢..
٩ - البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته. ينظر شرح المعلقات للتبريزي: (٣٨٠)، الزوزني: (١٢٧)، الشنقيطي: (٩٩)، القرطبي: ٢/٤٢، الدر المصون: ١/٣٣٢..
١٠ - في ب: التي في..
١١ - سقط في ب..

### الآية 2:105

> ﻿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [2:105]

لما بين حال اليهود والكفار في العَدَاوة والمعاندة وصفهم بما يوجب الحَذَر منهم فقال : مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ  فنفى عن قلوبهم الودّ والمحبة لكلّ ما يظهر به فضل المؤمنين. 
قوله : مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ  : في " من " قولان :
أحدهما : أنها للتبعيض، فتكون هي ومجرورها في محلّ نصب على الحال، ويتعلّق بمحذوف أي : ما يودّ الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب. 
والثاني : أنها لبيان الجنس، وبه قال الزمخشري ؛ لأن " الذين كفروا " جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون بدليل قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ  \[ البينة : ١ \]. 
قوله :" وَلاَ الْمُشْرِكِينَ " عطف على " أهل " المجرور ب " من " و " لا " زائدة للتوكيد ؛ لأن المعنى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كقوله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ  بغير زيادة " لا ". 
وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار، وأن الأصل ولا المشركون، عطفاً على الذين، وإنما خفض للمجاورة، نحو  بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ  
\[ المائدة : ٦ \] في قراءة[(١)](#foonote-١) الجر، وليس بواضح. 
وقال النحاس : ويجوز : ولا المشركون بعطفه على " الذين " وقال أبو البقاء رحمه الله : وإن كان قد قرئ :" وَلاَ المُشْرِكُونَ " بالرفع فهو عطف على الفاعل، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك وهذان القولان يؤيدان ادّعاء الخفض على الجوار. 
قوله :" أَن يُنَزَّلَ " ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول ب " يودّ " أي : ما يود إنزاله من خير، وبني الفعل للمفعول للعمل بالفاعل ؛ وللتصريح به في قوله :" مِنْ ربِّكُمْ "، وأتي ب " ما " في النفي دون غيرها ؛ لأنها لنفي الحال، وهم كانوا متلبّسين بذلك. 
قال القُرْطبي : و " أن " في موضع نصب، أي بأن ينزل. 
قوله :" مِنْ خَيْرٍ " هذا هو القائم مقام الفاعل، و " من " زائدة، أي : أن ينزل خير من ربكم. 
وحسن زيادتها هنا، وإن كان " ينزل " لم يباشره حرف النفي ؛ لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى ؛ لأنه إذا نفيت الوَدَادَة انتفى متعلّقها، وهذا له نظائر في كلامهم نحو :" ما أظن أحداً يقول ذلك إلاَّّ زيد " برفع " زيد " بدلاً من فاعل " يقول " وإن لم يباشر النفي، لكنه في قوة :" ما يقول أحد ذلك إلاَّ زيد في ظني ". 
وقوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ  \[ الأحقاف : ٣٣ \] زيدت " الباء " ؛ لأنه في معنى : أو ليس الله بقادر، وهذا على رأي سيبويه وأتباعه. 
وأما الكوفيّون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا. 
وقيل " من " للتبعيض، أي : ما يودون أن يُنَزَّل من الخير قليل ولا كثير، فعلى هذا يكون القائم مقام الفاعل :" عليكم "، والمعنى : أن ينزل عليكم بخير من الخُيُور. 
والمراد بالخير هنا الوَحْي. 
والمعنى : أنهم يرون أنفسهم أحقّ بأن يوحى إليهم فيحسدونكم، فبيّن سبحانه وتعالى أن حسدهم لا يؤثّر في زوال ذلك بقوله : اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ . 
قوله :" مِن رَبِّكُمْ " في " من " أيضاً قولان :
أحدهما : أنها لابتداء الغاية، فتتعلّق ب " ينزّل ". 
والثاني : أنها للتبعيض، ولا بد حينئذ من حَذْف مضاف تقديره : من خُيُور ربّكم، وتتعلق حينئذ بمحذوف، لأنها ومجرورها صفة لقوله :" من خير " أي : من خير كائن من خُيُور ربكم، ويكون في محلّها وجهان :
الجر على اللفظ، والرفع على الموضع، لأن " من " زائدة في " خير "، فهو مرفوع تقديراً لقيامه مقام الفاعل كما تقدم. 
وتلخص مما تقدم أن في كل واحدة من لفظ " من " قولين :
الأولى : قيل : إنها للتبعيض، وقيل : أو لبيان الجنس. 
وفي الثانية قولان : زائدة أو للتبعيض. 
وفي الثالثة أيضاً قولان : لابتداء الغاية، أو التبعيض. 
قوله : وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ  هذه جملة ابتدائية تضمنت ردّ وَدَادَتهم ذلك. 
و " يختص " يحتمل أن يكون متعديًّا، وأن يكون لازماً، فإن كان متعدياً كان فيه ضمير يعود على الله تعالى، وتكون " من " مفعولاً به أي يختص الله الذي يشاؤه برحْمته، ويكون معنى " افتعل " هنا معنى المجرد نحو : كسب مالاً واكتسبه، وإن كان لازماً لم يكن فيه ضمير، ويكون فاعله " من " أي : والله يختصّ برحمته الشَّخص الذي يشاؤه، ويكون " افتعل " بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو : اضطراب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا 
\[ يتبين فساد \][(٢)](#foonote-٢) قول من زعم أنه هنا متعدّ ليس إلاّ. 
و " مَنْ " يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة، وعلى كلا التقديرين فلا بد من تقدير عائد، أي : يشاء اختصاصه. 
ويجوز أن يضمن " يشاء " معنى يختار، فحينئذ لا حاجة إلى حَذْف مضاف، بل تقدره ضميراً فقط أي : يشاؤه، و " يشاء " على القول الأول لا محلّ له لكونه صلةً، وعلى الثاني محلّه النَّصب، أو الرفع على \[ حسب \][(٣)](#foonote-٣) ما ذكر في موصوفه من كونه فاعلاً أو مفعولاً.

### فصل في تفسير الرحمة في الآية


قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" يختصّ برحمته " أي بنبوّته، خص بها محمداً صلى الله عليه وسلم. 
وقيل : الرحمة القرآن. 
وقيل : هنا عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً. 
١ - ستأتي في المائدة ٦..
٢ - في أ: يفسد..
٣ - سقط في ب..

### الآية 2:106

> ﻿۞ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:106]

اعلم أن المشركين طعنوا في الإسلام فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً، وغداً يرجع عنه، كما قال تعالى : وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ  \[ النحل : ١٠١ \] فنزلت هذه الآية. 
**في " ما " قولان :**
أحدهما وهو الظاهر أنها مفعول مقدم ل " ننسخ "، وهي شرطية أيضاً جازمة ل " ننسخ " ولكنها واقعة موقع المصدر، و " من آية " هو المفعول به، والتقدير : أي شيء ننسخ كقوله : أَيّاً مَّا تَدْعُواْ  \[ الإسراء : ١١٠ \]، أو : أيَّ نَسْخ نَنْسَخ من آية، قاله أبو البقاء وغيره، وقالوا : مجيء " ما " مصدراً جائز ؛ وأنشدوا :\[ الكامل \]

٧٢٦- نَعَبَ الغُرَابُ فَقُلْتُ بَيْنٌ عَاجِلٌ  ما شِئْتَ إذْ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فَانْعَبِ[(١)](#foonote-١)**ورد هذا القول بشيئين :**
أحدهما : أنه يلزم خلوّ جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط، وهو غير جائز، لما تقدم عند قوله : مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ  \[ البقرة : ٩٧ \]. 
والثاني : أن " مِنْ " لا تزاد في الموجب، والشرط موجب، \[ وهذا فيه خلاف لبعض \][(٢)](#foonote-٢) البصريين أجاز زيادتها في الشرط ؛ لأنه يشبه النفي، ولكنه خلاف ضعيف. 
وقرأ ابن عامر[(٣)](#foonote-٣) :" نُنْسِخْ " بضم النون، وكسر السين من " أنسخ ". 
قال أبو حاتم :" هو غلط " وهذه جُرْأة منه على عادته. 
وقال أبو علي :" ليست لغة " ؛ لأنه لا يقال : نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي للتعدية ؛ لأن المعنى يجيء : ما نكتب من آية، وما ننزل من آية، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً، وليس الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى : ما نَجِدْه منسوخاً كما يقال : أحمدته وأبخلته، أي : وجدته كذلك، ثم قال :" وليس نجده منسوخاً إلاّ بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى، وإن اختلفتا في اللفظ ". 
فالهمزة عنده ليست للتعدية. وجعل الزمخشري، وابن عطية الهمزة للتعدية، إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعول الأول المحذوف، وفي معنى الإنساخ، فجعل الزمخشري المفعول المحذوف جبريل عليه السّلام، والإنساخ هو الأمر بنسخها، أي : الإعلام به. 
وجعل ابن عطية المفعول ضمير النبي عليه السلام، والإنساخ إباحة النَّسْخ لنبيه، كأنه لما نسخها أباح له تركها، فسمى تلك الإباحة إنساخاً. 
وخرج ابن عطية القراءة[(٤)](#foonote-٤) على كون الهمزة للتعدية من وجه آخر، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له. 
قال : ويكون المعنى : ما نكتب وننزل من اللَّوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه، ونتركه فلا ننزله، أي ذلك فعلنا فإنا[(٥)](#foonote-٥) نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في " منها " و " بمثلها " عائدين على الضمير في " نَنسَأْهَا ". 
قال أبو حيان[(٦)](#foonote-٦) : وذهل عن القاعدة، وهي أنه لا بد من ضمير يعود من الجزاء على اسم الشرط، و " ما " في قوله :" ما ننسخ " شرطية، وقوله :" أو ننسأها " عائد على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها من حيث اللفظ والمعنى، بل إنما يعود عليها من حيث اللفظ فقط نحو : عندي درهم ونصفه، فهو في الحقيقة على إضمار " ما " الشرطية، التقدير : أو ما ننسأ من آية ضرورة أن المنسوخ غير المنسوء، ولكن يبقى قوله : ما ننسخ من آية مفلتاً من الجواب ؛ إذ لا رابط يعود منه إليه، فبطل هذا المعنى الذي قاله. 
والنسخ في اللغة[(٧)](#foonote-٧) هو الإزالة من غير بدل يعقبه، يقال : نسخت الرِّيح الأثر، والشمسُ الظِّلَّ، وقال القَفَّال :" إنه للنقل والتحويل "، ومنه : نسخت الكتاب : إذا نقلته، وتناسخ الأرواح، وتناسخت القرون. 
وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً من الأول. 
دليل الأول أنه إذا نسخ الأثر والظّل، فهو إعدامه ؛ لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه. 
وقال تعالى : فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ  \[ الحج : ٥٢ \] أي : فيزيله ويبطله، والأصل في الكلام الحقيقة. وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب ألاَّ يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك. 
فإن قيل : الريح والشمس ليسا مزيلين للأثر والظل في الحقيقة، وإنما المزيل في الحقيقة هو الله تعالى وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله، ثم نعارض ما ذكرتموه، \[ ويقال \][(٨)](#foonote-٨) : بل النسخ هو النقل والتحويل، \[ ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر، كأنه ينقله إليه، أو ينقل حكايته \][(٩)](#foonote-٩) كما قلنا في نسخ الكتاب والأرواح والقُرون والمواريث، فإنه تحويل من واحد إلى آخر. 
وإذا كان كذلك فيكون حقيقة في النقل مَجَاز في الإبطال دفعاً للاشتراك. 
\[ وأجيب \][(١٠)](#foonote-١٠) عن الأول من وجهين :
أحدهما : أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة، ويكونان ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير. 
والثاني : أن أهل اللغة إنما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، فَهَبْ أنه كذلك، لكن تمسكنا بإطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لإسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس. 
وعن الثاني : أن النقل أخصّ من الإبطال، لأنه حيث وجد النقل، فقد عدمت صفة، وحصل عقيبها صفة أخرى، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر، وإذا دار اللَّفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى. وقال آخر[(١١)](#foonote-١١) :\[ والنسخ : الإزالة، وهو في اللغة على ضربين :
ضرب فيه إزالة شيء وإقامة غيره مقامه نحو : نسخت الشمس الظل، إذا أزالته وقامت مقامه. 
والثاني : أن يزيله كما تزيل الريح الأثر \][(١٢)](#foonote-١٢). 
قوله :" مِنْ آيَةٍ " " من " للتبعيض، فهي متعلقة بمحذوف ؛ لأنها صفة لاسم الشرط، ويضعف جعلها حالاً، والمعنى : أي شيء ننسخ من الآيات، ف " آية " مفرد وقع موقع الجمع، وكذلك تخريج كل ما جاء من هذا التركيب : مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ  \[ فاطر : ٢ \]  وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ  \[ النحل : ٥٣ \]، وهذا المجرور هو المخصص والمبين لاسم الشرط ؛ وذلك أن فيه إبْهَاماً من جهة عمومه، ألا ترى أنك لو قلت :" من يكرم أكرم " [(١٣)](#foonote-١٣) تناول النساء والرجال. فإذا قلت :" من الرجال " بيّنت وخصّصت ما تناوله اسم الشرط. 
وأجاز أبو البقاء رحمه الله تعالى فيها وجهين آخرين :
أحدهما : أنها في موضع نصب على التمييز، والمُمَيَّز " ما " والتقدير : أيَّ شيء ننسخ، قال : ولا يحسن أن تقدر : أي آية ننسخ، لأنك لا تجمع بين " آية "، وبين المميز بآية، لا تقول : أي آية ننسخ من آية، يعني أنك لو قدرت ذلك لاستغنيت عن التمييز. 
والثاني : أنها زائدة و " آية " حال، والمعنى : أي شيء ننسخ قليلاً أو كثيراً، وقد جاءت " آية " حالاً في قوله : هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً  \[ الأعراف : ٧٣ \] أي :" علامة " وهذا فاسد ؛ لأن الحال لا تجر ب " من "، وقد تقدم أنها مفعول بها، و " من " زائدة على القول بجعل " ما " واقعة موقع المصدر، فهذه أربعة أوجه. 
قوله تعالى :" أوْ نُنْسِهَا " " أو " \[ هنا للتقسيم \]، و " نُنْسِهَا " مجزوم عطفاً على فعل الشرط قبله. 
وفيها ثلاث[(١٤)](#foonote-١٤) عشرة قراءة :" نَنْسَأَهَا " بفتح حرف المضارعة، ن وسكون النون، وفتح السين مع الهمزة، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير. 
الثانية : كذلك إلا أنه بغير همز، ذكرها أبو عبيد البكري[(١٥)](#foonote-١٥) عن سعد بن أبي وَقّاص رضي الله عنه. 
قال ابن عطية :" وأراه وهم ". 
الثالثة :" تَنْسَها " بفتح التاء التي للخطاب، بعدها نون ساكنة وسين مفتوحة من غير همز، وهي قراءة الحسن، وتروى عن ابن أبي وقاص، فقيل لسعد بن أبي وقاص :" إن سعيد بن المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال : إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على ابن المسيب " وتلا : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى  \[ الأعلى : ٦ \]  وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ  \[ الكهف : ٢٤ \] يعني سعد بذلك أن نسبة النسيان إليه عليه الصلاة والسلام موجودة في كتاب الله، فهذا مثله. 
الرابعة : كذلك إلا أنه بالهمز. 
الخامسة : كذلك إلا أنه بضم التاء، وهي قراءة أبي حيوة. 
السادسة : كذلك إلا أنه بغير همز، وهي قراءة سعيد بن المسيب. 
السابعة :" نُنْسِهَا " بضم حرف المضارعة وسكون النون وكسر السين من غير همز، وهي قراءة باقي السبعة. 
الثامنة : كذلك إلا أنه بالهمزة. 
التاسعة : نُنَسِّها بضم حرف المضارعة وفتح النون وكسر السين \[ مشددة، وهي قراءة الضَّحاك، وأبي رجاء[(١٦)](#foonote-١٦). 
العاشرة :" نُنْسِك "، بضمّ حرف المضارعة، وسكون النون، وكسر السين، وكاف بعدها للخطاب. 
الحادية عشرة :\][(١٧)](#foonote-١٧) كذلك إلا أنه بفتح النون الثانية، وتشديد السين مكسورة، وتروى عن الضحاك، وأبي رجاء أيضاً. 
الثانية عشرة : كذلك إلاَّ أنه بزيادة ضمير الآية بعد الكاف " نُنَسِّكَها " وهي قراءة حذيفة، وكذلك هي في مصحف سالم مولاه. 
الثالثة عشرة :" ما نُنْسِك من آية أو نَنْسَخْها فَجِئ بمثلها " وهي قراءة الأعمش، وهكذا ثبت في مصحف عبد الله. 
فأما قراءة الهَمْز على اختلاف وجوهها، فمعناها التأخير من قولهم : نَسأَ الله، وأنسأ الله في أَجَلك أي : أَخَّرَهُ، وبِعْتُه نَسِيئَةً أي متأخراً. 
وتقول العرب : نَسَأْت الإبل عن الحوض أنْسَؤُهَا نَسْئاً، وأنسأ الإبل : إذا أخرها عن ورودها يومين فأكثر، فمعنى الآية على هذا فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : نؤخر نسخها، ونزولها، وهو قول عطاء. 
الثاني : نمحها لفظاً وحكماً، وهو قول ابن زيد. 
الثالث : نُمضها فلا نَنْسَخْها، وهو قول أبي عبيد، \[ قال الشاعر :\[ الطويل \]٧٢٧- أَمُونٍ كَألوَاحِ الإِرَانِ نَسَأْتُهَا  عَلَى لاَحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ[(١٨)](#foonote-١٨) \][(١٩)](#foonote-١٩)وهو ضعيف لقوله تعالى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا  ؛ لأن ما أُمْضِي وأُقِرَّ لا يقال فيه : فَأْت بخير منه. 
وأما قراءة غير الهمز على اختلاف وجوهها أيضاً ففيها احتمالان :
أظهرهما : أنها من النِّسْيَان، وحينئذ يحتمل أن يكون المراد به في بعض القراءات ضدّ الذكر، وفي بعضها الترك. 
فإن قيل : وقوع هذا النسيان \[ يتمنع \][(٢٠)](#foonote-٢٠) عقلاً ونقلاً. 
أما العقل فلأن القرآن لا بدّ من انتقاله إلى أهل التواتر، والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع. 
وأما النقل فلقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  \[ الحجر : ٩ \]. 
**والجواب عن الأول من وجهين :**
الأول : أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن، وإخراجه من جملة ما يتلى، ويؤتى به في الصَّلاة ويحتج به، فإذا زال حكم التعبُّد به قال : العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فيصير لهذا الوجه منسياً من الصدور، وأيضاً روي : أنهم كانوا يقرءون السورة، فيصبحون وقد نسوها. وعن الثاني أنه معارض بقوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ  \[ الأعلى : ٦ ٧ \] وبقوله : وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ  \[ الكهف : ٢٤ \]. 
والثاني : أن أصله الهمز من النَّسِيء، وهو التأخير، إلا أنه أبدل من الهمزة ألف فحينئذ تتحد ال١ - ينظر البحر: ١/٥١٣، الدر المصون: ١/٣٣٤..
٢ - في أ: بعض..
٣ - انظر السبعة: ١٦٨، والكشف: ١/٢٥٧، وحجة القراءات: ١٠٩، والعنوان: ٧١، والحجة: ٢/١٨٠، وشرح الطيبة: ٤/٥٤، ٥٥، وشرح شعلة: ٢٧٢، وإتحاف: ١/٤١١..
٤ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٩٢..
٥ - في ب: فإنما..
٦ - ينظر البحر المحيط: ١/٥١٢..
٧ - انظر في النسخ: البرهان لإمام الحرمين: ٢/١٢٩٣، البحر المحيط للزركشي: ٤/٦٣، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٣/١٥، سلاسل الذهب للزركشي: ص ٢٩٠، التمهيد للإسنوي: ص ٤٣٥، نهاية السول له: ٢/٥٤٨، زوائد الأصول له: ص ٣٠٨، منهاج العقول للبدخشي: ٢/٢٢٤، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري: ص ٨٧، التحصيل من المحصول للأرموي: ٢/٧، المنخول للغزالي: ص ٢٨٨، المستصفى له: ١/١٠٧، حاشية البناني: ٢/٧٤، الإبهاج لابن السبكي: ٢/٢٢٦، الآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٣/١٢٩، حاشية العطار على جمع الجوامع: ٢/١٠٦، المعتمد لأبي الحسين: ١/٣٦٣، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي: ص ٣٨٩، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٤/٤٦٣، أعلام الموقعين لابن القيم: ١/٢٩، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج: ٣/٤٩، ميزان الأصول للسمرقندي: ٢/٦٢١، ٩٨١، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ٢/١٨٥، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: ٢/٣٤، شرح المنار لابن ملك: ص ٩١، الموافقات للشاطبي: ٣/١٠٢، تقريب الوصول لابن جزي: ص ١٢٥، شرح مختصر المنار للكوراني: ص٩١، نشر البنود للشنقيطي: ٢/٢٨٠، شرح الكوكب المنير للفتوحي: ص ٤٦٢. معيار العقول في علم الأصول لابن المرتضى: ١/١٧٢، كشف الأسرار: ٣/١٥٤، حواشي المنار (٧٠٨)، العدة: ٣/ ٧٧٨، الحدود للباجي: ص (٤٩)، اللمع: ص (٣٠)، الوصول لابن برهان: ٢/٧، روضة الناظر: (٣٦)، الرسالة للشافعي: (١٢٨)، ١٣٩، المغني للخبازي (٢٥٠)، نن المسودة (١٩٥)، شرح تنقيح الفصول: (٣٠١)، تقريب الوصول: (١٢٥)، المنتهى لابن الحاجب: (١١٣)..
٨ - في ب: ونقول..
٩ - سقط في ب..
١٠ - في ب: والجواب..
١١ - في ب: بعضهم..
١٢ - سقط في أ..
١٣ - في أ: يكون..
١٤ - انظر هذه القراءات في:
 السبعة: ١٦٨، والكشف: ١/٢٥٨، والشواذ: ٩، والعنوان: ٧١، وحجة القراءات: ١٠٩، ١١٠، والحجة: ٢/١٨٠، والمحرر الوجيز: ١/١٩٢، والبحر المحيط: ١/٥١٣، ٥١٤، والدر المصون: ١/٣٣٥، ٣٣٧..
١٥ - عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي أبو عبيد، مؤرخ جغرافي، ثقة. علامة بالأدب له معرفة بالنبات نسبته إلى بكر بن وائل كانت لسلفه إمارة في غربي جزيرة الأندلس وقيل: كان أميرا وتغلب عليه المعتضد، ولد في شلطيش غربي إشبيلية وانتقل إلى قرطبة ثم صار إلى المرية فاصطفاه صاحبها "محمد بن معن" لصحبته ووسع رابته وهذا ما حمل بعض المؤرخين على نعته بالوزير ورجع إلى قرطبة بعد غزو المرابطين له كتب جليلة منها: معجم ما استعجم، شرح أمالي القالي، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، وتوفي بقرطبة عن سن عالية في سنة ٤٨٧هـ.
 ينظر الأعلام: ٤/٩٨ (٦٠٦)، الصلة لابن بشكوال: ٢٨٢، بغية الوعاة: ٢٨٥..
١٦ - عمران بن تيم ويقال ابن ملحان أبو رجاء العطاردي البصري التابعي الكبير ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة وكان مخضرما أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره وعرض القرآن على ابن عباس، وتلقنه من أبي موسى ولقي أبا بكر الصديق وحدث عن عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، روى القراءة عنه عرضا أبو الأشهب العطاردي وقال كان أبو رجاء يختم القرآن في كل عشر ليال، وعن أبي رجاء قال: كان أبو موسى يعلمنا القرآن خمس آيات. قال ابن معين: مات سنة خمس ومائة وله مائة وسبع وعشرون سنة وقيل مائة وثلاثون.
 ينظر الغاية: ١/٦٠٤ (٢٤٦٩)..
١٧ - سقط في أ..
١٨ - البيت لطرفة بن العبد. ينظر ديوانه: (٢٢)، شرح القصائد العشر: (١٤١)، البحر المحيط: ١/٥٠٦، والدر المصون: ١/٣٣٨..
١٩ - سقط في ب..
٢٠ - في ب: ممنوع..

### الآية 2:107

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:107]

قال ابن الخطيب : لما حكم بجواز النسخ عَقّبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن \[ منه الأمر والنهي لكونه مالكاً للخلق، وهذا هو مذهب أصحابنا، وأنه \][(١)](#foonote-١) إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكاً للخلق مستولياً عليهم لا لثواب يحصل، أو لعقاب يندفع. 
فقال القفال رحمه الله تعالى : ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمْر القِبْلَة، فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض، وأن الأمكنة والجهات كلها له، وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض، إلاَّ من حيث يجعلها هو تعالى له، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستدلال القِبْلَة إنما هو مَحْضُ التخصيص بالتشريف، فلا مانع يمنع من تغييره من جهة إلى جهة. 
قوله :" أَلَمْ تعْلَمْ " جزم ب " لم "، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل، وقوله :" أَلَمْ تَعْلَمْ " خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، لقوله : وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ . 
**وفي قوله :" مُلْك " وجهان :**
أحدهما : أنه مبتدأ، وخبره مقدم عليه، والجملة في محلّ رفع خبر ل " أن ". 
والثاني : أنه مرفوع بالفاعلية، رَفَعَهُ الجار قبله عند الأخفش، لا يقال : إن الجار هنا قد اعتمد لوقوعه خبراً ل " أن "، فيرفع الفاعل عند الجميع ؛ لأن الفائدة لم تتم به، فلا يجعل خبراً. 
والمُلْك بالضم الشيء المملوك، وكذلك هو بالكسر، إلا أنَّ المضموم لا يستعمل إلا في مواضع السّعة وبسط السلطان. 
وتقدم الكلام في حقيقة الملك في قوله : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  \[ الفاتحة : ٤ \]. 
قوله :" وَمَا لَكُمْ " يجوز في " ما " وجهان. 
أحدهما : أن تكون تميمة، فلا عمل لها، فيكون " لكم " خبراً مقدماً، و " من ولِيّ " مبتدأ مؤخراً زيدت فيه " من "، فلا تعلّق لها بشيء. 
والثاني : أن تكون حجازية، وذلك عند من يجيز تقديم خبرها ظرفاً أو حرف جر، فيكون " لكم " في محلّ نصب خبراً مقدماً، و " مِنْ وَلِيّ " اسمها مؤخراً، و " من " فيه زائدة أيضاً. 
و  من دون الله  فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلّق بما تعلق به " لكم " من الاستقرار المقدر، و " من " لابتداء الغاية. 
والثاني : أنه في محلّ نصب على الحال من قوله :" من ولي أو نصير " ؛ لأنه في الأصل صفة للنكرة، فلما قدم عليها انتصب حالاً قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى. 
فعلى هذا يتعلّق بمحذوف غير الذي تعلّق به " لَكُمْ "، ومعنى " مِنْ دُونِ اللهِ " سِوَى الله ؛ كما قال أمية بن أبي الصلت \[ البسيط \]

٧٢٩- يَا نَفْسُ مَا لَكِ دُونَ اللهِ مِنْ واقِ  \[ وَمَا عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ بَاقِ[(٢)](#foonote-٢) \][(٣)](#foonote-٣)والولي : من وليت أمر فلان، أي قمت به، ومنه : وليّ العهد أي : المقيم بما عهد إليه من أمر المسلمين. 
 " وَلاَ نَصِيرٍ " عطف على لفظ " وليّ " ولو قرئ برفعه على الموضع لكان جائزاً، وأتي بصيغة " فعيل " في " ولي " و " نصير " ؛ لأنها أبلغ من فاعل، ولأن " ولياً " أكثر استعمالاً من " وَالٍ " ولهذا لم يجئ في القرآن إلا في سورة " الرعد ". 
وأيضاً لتواخي الفواصل وأواخر الآي. 
وفي قوله :" لكم " التفاتٌ من خطاب الواحد لخطاب الجماعة، وفيه مناسبة، وهو أن المَنْفِيَّ صار نصّاً في العموم بزيادة " من " فناسب كون المنفي عنه كذلك فَجُمِعَ لذلك. 
### فصل في أن الملك غير القدرة


استدل بعضهم بهذه الآية على أن الملك غير القدرة. 
فقال : إنه تعالى قال أولاً : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 
ثم قال بعده : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . 
فلو كان المُلْك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريراً من غير فائدة، والكلام في حقيقة الملك. 
١ - سقط في أ..
٢ - ينظر القرطبي: ٢/٦٩، مجمع البيان: ١/٤١١، تفسير الطبري: ٢/٤٨٩..
٣ - سقط في أ..

### الآية 2:108

> ﻿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [2:108]

ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً :
أحدها : أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع، فلعلّهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم، فمنعهم الله تعالى عنها، وبين أنَّهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة الفاسدة \[ كسؤالات قوم موسى عليه الصلاة والسلام \][(١)](#foonote-١). 
وثانيها : لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم : إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمرّدتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى عليه السلام ما ليس له أن يسأله. عن أبي مسلم. 
وثالثها : لما أمر ونهى قال : أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى ؟ و " أم " هذه يجوز أن تكون متّصلة معادلة \[ لقوله تعالى :" ألم تعلم " وهي مفرقة لما جمعته أي : كما أن " أو " مفرقة لما جمعته تقول : اضرب أيهم شئت زيداً أم عمراً، فإذا قلت : اضرب أحدهم. 
قلت : اضرب زيداً أو عمراً. 
أو تكون منقطعة، فتقدم ب " بل " والهمز، ولا تكون إِلاَّ بعد كلام تام كقوله : إنما الإبل أم شاء ؛ كأنه قال : بل هي شاء، ومنه قوله تعالى :
 أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ  \[ هود : ٣٥ \] أي : يقولون. 
قال الأخْطَلُ :\[ الكامل \]

٧٣٠- كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ  غَلَسَ الظَّلاَمِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاَ[(٢)](#foonote-٢)ويكون إضراباً للالتفات من قصّة إلَى قصة \][(٣)](#foonote-٣). 
قال أبو البقاء : أم هنا منقطعة، إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها ومع أم أَيّهُما، والهمزة من قوله :" ألم تعلم " ليست من " أم " في شيء، والمعنى : بل أتريدون فخرج من كلام إلى كلام. 
وأصل تريدون :" تُرْوِدُون " ؛ لأنه من رَادَ يَرُودُ، وقد تقدّم، فنقلت حركة " الواو " على " الراء "، فسكنت " الواو " بعد كسرة فقلبت ياء. 
وقيل :" أم " للاستفهام، وهذه الجملة منقطعة عما قبلها. 
وقيل : هي بمعنى " بل " وحدها، وهذان قولان ضعيفان. 
قوله تعالى :" أَنْ تَسْأَلُوا " ناصب ومنصوب في محل نصب مفعولاً به بقوله :" تريدون " أي : أتريدون سؤال رسولكم. 
قوله :" كَمَا سُئِلَ " متعلق ب " تسألوا " و " الكاف " في محلّ نصب، وفيها التقديران المشهوران : فتقدير سيبويه رحمه الله تعالى أنها حال من ضمير المصدر المحذوف. 
أي : إن تسألوه أي : السؤال حال كونه مُشَبَّهاً بسؤال قوم موسى له، وتقدير جمهور النحاة : أنه نعت لمصدر محذوف، أي : إن تسألوا رسولكم سؤالاً مشبهاً كذا. و " ما " مصدرية، أي : كسؤال موسى. \[ وأجاز الحوفي كونها بمعنى الذي فلا بد من تقدير عائد أي كالسؤال الذي سأله موسى \][(٤)](#foonote-٤) و " موسى " مفعول لم يسمّ فاعله، حذف الفاعل للعلم به، أي كما سأل قوم موسى. 
والمشهور :" سئل " بضم السين وكسر الهمزة، وقرأ الحسن[(٥)](#foonote-٥) :" سِيلَ " بكسر السين وياء بعدها من : سال يسال نحو : خفت أخاف، وهل هذه الألف في " سال " أصلها الهمز أو لا ؟ تقدم خلاف فيه، وسيأتي تحقيقه في " سأل " وقرئ بتسهيل[(٦)](#foonote-٦) الهمزة بَيْنَ بَيْنَ و " من قبل " متعلّق ب " سئل "، و " قبل " مبنية على الضم ؛ لأن المضاف إليه معرفة أي : من قبل سؤالكم، وهذا توكيد، وإلا فمعلوم أن سؤال موسى كان متقدماً على سؤالهم. 
**قوله :" بالإيمان " فيه وجهان :**
أحدهما : أنها ياء العِوَضية، وقد تقدم تحقيق ذلك. 
والثاني : أنها للسببية. 
قال أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧) : يجوز أن يكون مفعولاً يتبدّل، وتكون الباء للسبب، كقولك : اشتريت الثوب بدرهم، وفي مثاله هذا نظر. 
وقوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  قرئ بإدغام الدَّال في الضاد وإظهارها. 
و " سواء " قال أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨) : سواء السبيل ظرف بمعنى وسط السبيل وأعدله، وهذا صحيح فإن " سواء " جاء بمعنى وسط. 
قال تعالى : فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ  \[ الصافات : ٥٥ \]. 
وقال عيسى بن عمر : ما زلتُ أكتب حتى انقطع سَوَائِي ؛ وقال حَسَّان :\[ الكامل \]٧٣١- يَا وَيْحَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ  بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المْلْحَدِ[(٩)](#foonote-٩)ومن مجيئه بمعنى العدل قول زهير :\[ الوافر \]٧٣٢- أَرُونَا خُطَّةً لاَ عَيْبَ فِيهَا  يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيْهَا السَّوَاءُ[(١٠)](#foonote-١٠)والغرض من هذه الآية التشبيه دون نفس الحقيقة، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان، فهو جَارٍ على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظّفر بالطلبة من الثواب والنعيم، فالمُبَدِّل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه : إنه ضل سواء السبيل. 
والسبيل يذكر ويؤنث : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي  \[ يوسف : ١٠٨ \]. 
والجملة من قوله :" فقد ضَلَّ " في محل جزم ؛ لأنها جزاء الشرط، والفاء واجبة هنا لعدم صلاحيته شرطاً. 
### فصل في المخاطب بهذا


**في المخاطب بهذا ثلاثة أوجه :**
أحدها :\[ أنهم المسلمون قاله الأصم، والجُبَّائي، وأبو مسلم، ويدل عليه وجوه :
أحدها : أن قوله تعالى \][(١١)](#foonote-١١) :" أَمْ تُرِيدُونَ " يقتضي معطوفاً عليه وهو قوله : لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا  فكأنه قال : وقولوا : انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم ؟
وثانيها : أن المسلمين كان يسألون محمداً صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم عن أمور لا خير لهم في البَحْثِ عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه الصلاة والسلام ما لم يَكُنْ لهم فيه خير عن البحث عنه. 
وثالثها : سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أَنْوَاطٍ كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعلقون عليها المأكول والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة. 
القول الثاني : أنه خطاب لأهل " مكة "، وهو قول ابن عباس ومجاهد رضي الله تعالى عنهم ؛ لأنه يروى أنّ عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال : يا محمد والله ما أومن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء بأن تصعد، ولن نؤمن لرقيّك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً \[ من عند الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه. وقال له بقية الرَّهْط : فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من \][(١٢)](#foonote-١٢) عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض، كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كلّ ذلك، فنؤمن لك عند ذلك. 
فأنزل الله تعالى : أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ  محمداً أن يأتيكم بالآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا : نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [(١٣)](#foonote-١٣) \[ البقرة : ٥٥ \]. وعن مجاهد رحمه الله تعالى أنّ قريشاً سألت محمداً عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصَّفا ذهباً وفضّة، فقال : نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا. 
القول الثالث : المراد بهم اليهود، \[ وهذا القول أصح، لأن هذه السورة من أول قوله \][(١٤)](#foonote-١٤) : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ  \[ البقرة : ٤٧ \] حكاية ومحاجّة معهم ؛ ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم. 
### فصل في سؤالهم


\[ قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى : ليس في الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفيته، وإنما المرجع فيه إلى الروايات المذكورة. 
فإن قيل : إن كان ذلك السؤال طلباً للمعجزة فليس بكفر ؛ لأن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفراً، وإن كان طلباً لوجه الحكمة في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً ؛ لأن الملائكة عليهم السلام طلبوا الحكمة في خَلْق البشر، ولم يكن ذلك كفراً. والجواب أن يُحمل على أنهم طلبوا أن يُجعل لهم إله كما لهم آلهة، أو طلبوا المعجزة على سبيل التعنُّت، أو اللِّحَاج، فهذا كفر، والسبب هذا السؤال، والله أعلم \][(١٥)](#foonote-١٥). 
١ - سقط في ب..
٢ - ينظر ديوانه: ٣٨٥، والأزهية: ١٢٩، وخزانة الأدب: ٦/٩ و ١٠ و ١٢ و١٩٥، ١١/١٢٢، وشرح أبيات سيبويه: ٢/٦٧، وشرح التصريح: ٢/١٤٤، وشرح شواهد المغني: ١/١٤٣، والكتاب: ٣/١٧٤، ولسان العرب \[كذب\]، \[غلس\]، ومغني اللبيب: ١/٤٥، والمقتضب: ٣/٢٩٥، والأغاني: ٧/٧٩، والصاحبي في فقه اللغة ١٢٥..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..
٥ - انظر الشواذ: ١٧، والمحرر الوجيز: ١/١٩٥، والبحر المحيط: ١/٥١٦، والدر المصون: ١/٣٤٠..
٦ - وهذه القراءة بضم السين.
 انظر المحرر الوجيز: ١/١٩٥، والبحر المحيط: ١/٥١٦، والدر المصون: ١/٣٤٠..
٧ - ينظر الإملاء: ١/٥٧..
٨ - ينظر: المصدر السابق..
٩ - ينظر ديوانه: (٦٦)، مجاز القرآن: ١/٥٠، اللسان (سوا)، القرطبي: (٢/٤٩)، تفسير الطبري: ٢/٤٩٦، البحر المحيط: ١/٥١٧، الدر المصون: ١/٣٤٠..
١٠ - تقدم برقم ١٥١..
١١ - سقط في ب..
١٢ - سقط في أ..
١٣ - في أ: فأنزل الله هذه الآية..
١٤ - في أ: لأن معنى قوله تعالى..
١٥ - سقط في ب..

### الآية 2:109

> ﻿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:109]

سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر بعد وقعة " أحد " : ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً. 
فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم ما عشت. 
فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قِبْلَةً، وبالمؤمنين إخواناً، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال : أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
قوله تعالى :" لَوْ يَردُّونَكُمْ " الكلام في " لو " كالكلام فيها عند قوله : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ  \[ البقرة : ٩٦ \]، فمن جعلها مصدرية هناك جعلها كذلك هنا، وقال : هي مفعول " يود " أي : ودّ كثير ردَّكم. 
ومن أبي جعل جوابها محذوفاً تقديره : لو يردونكم كفاراً لسُرُّوا أو فرحوا بذلك. 
وقال بعضهم : تقديره : لو يردونكم كفاراً لودّوا ذلك، ف " وَدَّ " دَالَّة على الجواب، وليست بجواب ؛ لأن " لو " لا يتقدمها جوابها كالشرط. 
وهذا التقدير الذي قدره هذا القائل فاسد، وذلك أن " لو " حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، فيلزم من تقديره ذلك أن وَدَادتهم ذلك لم تقع ؛ لأن الموجب لفظاً منفي معنى، والغرض من وَدَادَتهم ذلك واقعة باتفاق، فتقدير لسروا ونحوه هو الصحيح. 
و " يرد " هنا فيه قولان. 
أحدهما وهو الواضح أنها المتعدّية لمفعولين بمعنى " صَيَّر "، فضمير المخاطبين مفعولٌ أول، و " كفاراً " مفعول ثان ؛ ومن مجيء " رَدَّ " بمعنى " صَيَّر " قوله :\[ الوافر \]

٧٣٣- رَمَى الْحَدَثانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ  بِمِقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودَافَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً  وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودَا[(٢)](#foonote-٢)وجعل أبو البقاء كفاراً حالاً من ضمير المفعول على أنها المتعدية لواحد، وهو ضعيف، لأن الحال يستغني عنها غالباً، وهذا لا بد منه. 
و " مِنْ بَعد " متعلق ب " يردُّونكم " و " من " لابتداء الغاية. 
قوله تعالى :" حسداً " نصب على المفعول له، وفيه الشروط المجوّزة لنصبه، والعامل فيه " ود " أي : الحامل على ودادتهم رَدُّكم كُفَّاراً حَسَدُهُم لكم. 
**وجوزوا فيه وجهين آخرين :**
أحدهما : أنه مصدر في موضع الحال، وإنما لم يجمع لكونه مصدراً، أي : حاسدين، وهذا ضعيف، لأن مجيء المصدر حالاً لا يطّرد. 
الثاني : أنه منصوب على المصدرية بفعل من لفظه أي يحسدونكم حسداً \[ والأول أظهر الثلاثة[(٣)](#foonote-٣) \]. 
قوله تعالى : مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم  في هذا الجار ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلّق ب " ود " أي : ودوا ذلك من قبل شهواتهم لا من قبل التدين \[ والميل مع الحق ؛ لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبيّن لهم أنكم على الحق \][(٤)](#foonote-٤) و " من " لابتداء الغاية. 
الثاني : أنه صفة ل " حسداً " فهو في محلّ نصب، ويتعلّق بمحذوف أي : حسداً كائناً من قبلهم وشهوتهم، ومعناه قريب من الأول. 
\[ الثالث : أنه متعلّق ب " يردّونكم "، و " من " للسببية. أي : يكون الردّ من تلقائهم وجهتهم وبإغوائهم \][(٥)](#foonote-٥). 
قوله تعالى :" من بعد ما " متعلّق ب " وَدَّ "، و " من " للابتداء، أي : أنَّ ودادتهم ذلك ابتدأت من حين وضوح الحق، وتبيّنه لهم، فكفرهم عُنَادٌ، و " ما " مصدرية أي : من بعد تبيين الحَقّ. 
والحسد : تمنِّي زوال نعمة الإنسان. والمصدر حَسَدٌ. 
فإن قيل : إنّ النَّفْرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه ؟
**فالجواب : أن الذي هو في وسعه أمران :**
أحدهما : كونه راضياً بتلك النَّفْرَة. 
والثاني : إظهار آثار تلك النَّفْرَة من القَدْح فيه، والقَصْد إلى إزالة تلك النعمة عنه وجدّ أسباب المحبة إليه، فهذا هو الداخل تحت التكليف. 
والحمد نوعان : مذموم ومحمود، فالمذموم أن يتمنّى زوال نعمة الله عن المسلم، سواء تمنيت مع ذلك أتعود إليك أم لا ؛ لأنه فيه تسفيه الحق سبحانه وتعالى وأنه أنعم على مَنْ لا يستحقّ. 
والمحمود كقوله صلى الله عليه وسلم :" لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْن : رَجُل آتاهُ اللهُ تعالى القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار، وَرَجُلٍ آتاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ آناءَ اللَّيْلِ وَآنَاء النَّهَارِ ". . وهذا الحديث معناه " الغِبْطة " كذا ترجم عليه البُخَاري رحمه الله تعالى. 
والصَّفْحُ قريب من العفو، مأخوذ من الإعراض بصفحة العُنُق. 
وقيل : معناه التجاوز، من تصفّحت الكتاب أي : جَاوَزْتُ وَرَقَهُ، والصَّفُوح من أسماء الله، والصَّفُوح أيضاً : المرأة تستر وجْهَها إعراضاً ؛ قال الشاعر :\[ الطويل \]٧٣٤- صَفُوحٌ فَمَا تَلْقَاكَ إلاَّ بِحِيلَةٍ  فَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ[(٦)](#foonote-٦)قال القرطبي رحمه الله تعالى : العفو : ترك المُؤَاخَذَة بالذَّنب. 
والصّفح : إزالة أثره من النفس. يقال : صَفَحْتُ عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه، وقد ضربت عنه صَفْحاً إذا أعرضت عنه وتركته، ومنه قوله تعالى : أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً  \[ الزخرف : ٥ \]. 
### فصل في المراد بهذه الآية


\[ المراد بهذه الآية أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبيّن لهم أن الإيمان صواب وحقّ، والعالم بأن غيره على حقّ لا يجوز أن يريد ردّه عنه إلاَّ بشبهة يلقيها إليه، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلاَّ بشبهة، والشبهة ضربان :
أحدهما : ما يتّصل بالدنيا، وهو أن يقال لهم : قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم، وضيق الأمر عليكم، واستمرار المخافة بكم، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء. 
والثاني : في باب الدين : بطرح الشبه في المُعْجزات، أو تحريف ما في التوراة. 
### فصل في المقصود بأمر الله


قوله : فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمرِهِ  يحتمل أمرين :
الأول : أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تَسْكين الثائرة في الوقت، فكأنه تعالى أمر الرسول بالعَفْو والصفح عن اليهود، فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله تعالى : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ  \[ الجاثية : ١٤ \] وقوله : وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً  \[ المزمل : ١٠ \] ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام، بل علّقه بغاية فقال : حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ . 
**وذكروا فيه وجوهاً :**
أحدها : أنه المُجَازاة يوم القيامة عن الحسن. 
وثانيها : أنه \][(٧)](#foonote-٧) قوة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وكثرة أمته. 
وثالثها : وهو قول أكثر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، أنه الأمر بالقتال ؛ لأن عنده يتعين أحد أمرين :
إما الإسلام، وإما الخضوع لدفع الجزية، وتحمل الذل والصَّغَار، فلهذا قال العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ  \[ التوبة : ٢٩ \]. 
ورُويَ أنَّه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل عليه الصلاة والسلام بقوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ 
\[ الحج : ٣٩ \] وقلّده سيفاً فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جَحْش ب " بطن نخل "، وبعده غزوة " بدر ". 
فإن قيل : كيف يكون منسوخاً وهو معلق بغاية كقوله : ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الّلَيْلِ  \[ البقرة : ١٨٧ \]. وإن لم يكن ورود الليل ناسخاً، فكذا هاهنا. 
فالجواب : أن الغاية التي تعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد شرعاً عن أن يكون ناسخاً، ويحلّ محل قوله تعالى :
 فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ  إلى أن أنسخه عنكم. 
فإن قيل : كيف يعفون ويصفحون، والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة، والصفح لا يكون إلا عن قدرة ؟
فالجواب : أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى، فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عداوتهم عن نفسه وأن يستعين بأصحابه، فأمر الله سبحانه وتعالى عند ذلك بالعَفْوِ والصفح كي لا يهيّجوا شراً وقتالاً. 
قال القرطبي رحمه الله :\[ قال أبو عبيدة :\][(٨)](#foonote-٨) كل آية فيها ترك للقتال فهي مكّية منسوخة بالقتال. 
قال ابن عطية :\[ الحكم \][(٩)](#foonote-٩) بأن هذه الآية مكّية ضعيف : لأن مُعَاندات اليهود أنما كانت ب " بالمدينة ". 
قال القرطبي :" وهو الصحيح ". 
\[ التفسير الثاني : العفو والصفح \][(١٠)](#foonote-١٠) أنه حسن الاستدعاء، واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشْفَاق، والتشدّد فيه، وهذا لا يجوز نسخه. 
وقوله : إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  تحذير لهم بالوعيد، سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره. 
١ - انظر تفسير الفخر الرازي: (٣/٢١٣)..
٢ - البيتان لعبد الله بن الزبير. ينظر ملحق ديوانه: ص ١٤٣- ١٤٤، ونسبا أيضا للكميت بن معروف ينظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ص ٩٤١، المقاصد النحوية: ٢/٤١٧، عيون الأخبار: ٣/٧٦، معجم الشعراء: ص ٣٠٩، ذيل الأمالي: ص ١١٥، شرح الأشموني: ١/١٥٩، شرح ابن عقيل: ص ٢١٧، لسان العرب (سمد)، أمالي القالي: ٣/١٢٨، الأضداد: (٣٦)، مجالس ثعلب: ٢/٤٣٩، الدر المصون:: ١/٣٤١..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..
٥ - سقط في أ..
٦ - البيت لكثير. ينظر ديوانه: (١/٤٣)، البحر المحيط: ١/٥٠٦، الدر المصون: ١/٣٤٢..
٧ - سقط في أ..
٨ - سقط في ب..
٩ - في ب: وحكمه..
١٠ - سقط في أ..

### الآية 2:110

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:110]

لما أمرنا بالعفو والصفح عن اليهود عقبه بقوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ  تنبيهاً لهما على ما أعد لهما من الواجبات وقوله بعده :
 وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَِنفُسِكُم منْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ  \[ المزمل : ٢٠ \]. الأظهر أن المراد به التطوّعات من الصلوات والزكوات، وبيّن تَعَالى أنهم يجدونه، وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال ؛ لأنها لا تبقى، ولأن وِجْدَان عين تلك الأشياء، ولا يرغب فيه، فبقي أن المراد وِجْدَان ثوابه وجزائه. 
قوله تعالى : وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم منْ خَيْرٍ  كقوله : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ . 
فيجوز في " ما " أن تكون مفعولاً بها، وأن تكون واقعةً موقع المصدر، ويجوز في " مِنْ خَيْرٍ " الأربعة أوجه التي في " من آيَةٍ " : من كونه مفعولاً به، أو حالاً، أو تمييزاً، أو متعلّقاً بمحذوف. 
و " مِنْ " تبعيضية، وقد تقدم تحقيقها، فليراجع ثَمَّة. 
و " لأَنفُسِكُم " متعلّق ب " تقدمُّوا "، أي : لحياة أنفسكم، وحذف، و " تجدوه " جواب الشرط، وهي متعدّية لواحد ؛ لأنها بمعنى الإصابة، ومصدرها الوِجْدَان بكسر الواو كما تقدم، ولا بد من حذف مضاف أي : تجدوا ثوابه، وقد جعل الزمخشري رحمه الله تعالى الهاء عائدة على " ما "، وهو يريد ذلك ؛ لأنَّ الخير المتقدم سبب منقض لا يوجد، إنما يوجد ثوابه. 
\[ فصل فيما بعد الموت
جاء في الحديث أن العبد إذا مات قال الناس : مَا خَلَّفَ ؟ وقالت الملائكة عليهم السلام : ما قَدَّمَ ؟
وجاء عن عُمَرَ رضي الله تعالى عَنْهُ أنه مَرَّ ببقيع " الغَرْقَد " فقال : السلامُ عليكمُ يا أهل القبور، أخبارُنَا عنْدَنا أنَّ نِسَاءكم قد تزوَّجْن، ودُروكُم قد سُكِنَتْ، وأموالكم قد قُسِّمَتْ، فأجابه هاتفٌ : يا ابن الخطاب، أخبارُ ما عندنا أنَّ ما قدَّمْنَاه وجَدْنَاه، وما أنفقْنَاه فقد ربِحْنَاه، وما خلَّفناه فقد خَسِرْناه[(١)](#foonote-١) ؛ وقد أحسن القائلُ حيثُ قال :\[ الكامل \]
٧٣٥- قَدِّمْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ صَالِحاً \*\*\* وَاعْمَلْ فَلَيْسَ إلى الخُلُودِ سَبِيلُ[(٢)](#foonote-٢)
وقال آخر :\[ الكامل \]
٧٣٦- قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَوْبَةً مَرْجُوَّةً \*\*\* قَبْلَ المَمَاتِ وَقَبْلَ حَبْسِ الأَلْسُنِ[(٣)](#foonote-٣)
وقال آخر :\[ السريع \]
٧٣٧- وَقَدِّمِ الخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئ \*\*\* عَلَى الَّذِي قَدَّمَهُ يَقْدَمُ[(٤)](#foonote-٤) \][(٥)](#foonote-٥)

### فصل في إعراب الآية


قوله :" عِنْدَ اللهِ " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلّق ب " تَجِدُوهُ ". 
والثاني : أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من المفعول أي : تجدوا ثوابه مدّخراً معدّاً عند الله تعالى، والظَّرفية هنا مجاز نحو :" لك عند فلان يد ". 
قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  أي : لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال فهو ترغيب وتحذير. 
١ - ذكره القرطبي في تفسيره ٢/٥١..
٢ - ينظر القرطبي: ٢/٥١..
٣ - ينظر القرطبي: ٢/٥١..
٤ - وقبله:
 سابق إلى الخير وبادر به \*\*\* فإنما خلفك ما تعلم
 ينظر القرطبي: ٢/٥١.
 **وأحسن من هذا قول أبي العتاهية:**
 إسعد بما لك في حياتك إنما \*\*\* يبقى وراءك مصلح أو مفسد.
 وإذا تركت لمفسد لم يبقه \*\*\* وأخو الصلاح قليله يتزيد
 وإن استطعت فكن لنفسك وارثا \*\*\* إن المورث نفسه لمسدد.
٥ - سقط في ب..

### الآية 2:111

> ﻿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:111]

اعلم أن هذا نوع آخر من تخليط اليهود، وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين. 
قوله تعالى : إلاَّ مَن كَانَ هُوداً . 
 " من " فاعل بقوله :" يَدْخُلَ " وهو استثناء مفرغ، فإن ما قبل " إلاّ " مفتقر لما بعدها، والتقدير : لن يدخل الجنّة أحد، وعلى مذهب الفرَّاء يجوز في " مَنْ " وجهان آخران، وهما النَّصْب على الاستثناء والرفع على البدل من " أحد " المحذوف، فإن الفراء رحمه الله تعالى يراعي المحذوف، وهو لو صرّح به لجاز في المستثنى الوجهان المذكوران، فكذلك جاز مع التقدير عنده، وقد تقدّم تحقيق المذهبين. 
والجملة من قوله تعالى : لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن  في محلّ نصب بالقول، وحمل أولاً على لفظ " من " فأفرد الضمير في قوله :" كان "، وعلى معناها ثانياً فجمع في خبرها وهو " هوداً "، وفي مثل هاتين الجملتين خلاف، أعني أن يكون الخبر غير فعل، بل وصفاً يفصل بين مذكره ومؤنثه تاء التأنيث. 
فمذهب جمهور البصريين والكوفيين جوازه، ومذهب غيرهم منعه، منهم أبو العَبَّاس، وهم محجوجون بسماعه من العرب كهذه الآية، فإن هوداً جمع " هائد " على أظهر القولين، نحو : بازل وبُزْل، وعَائد وعُوْد، وحَائِل وحُوْل، وبائِر وبُوْر. 
و " هائد " من الأوصاف، الفارقُ بين مذكَّرها ومؤنثها " تاء " التأنيث ؛ قال الشاعر :\[ المتقارب \]
٧٣٨- وَأَيْقَظَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ نِيَامَا[(١)](#foonote-١) \*\*\*. . . 
و " نيام " جمع نائم، وهو كالأول. 
**وفي " هود " ثلاثة أقوال :**
أحدها : أنه جمع هائد كما تقدم. 
والثاني : أنه مصدر على " فُعَل " نحو حزن وشرب يوصف به الواحد وغيره نحو : عدل وصوم. 
والثالث : وهو قول الفراء أن أصله " يهود "، فحذفت الياء من أوله، وهذا بعيد. 
و " أو " هنا للتَّفْصيل والتنويع ؛ لأنه لما لَفَّ الضميرَ في قوله تعالى :" وقالوا " : فَصَّل القائلين، وذلك لفهم المعنى، وأمن الإلباس، والتقدير :\[ وقال اليَهُودُ : لن يدخل الجَنَّة إلاَّ من كان هوداً. 
وقال الأنصاري : لن يدخل إلاَّ من كان نصارى \][(٢)](#foonote-٢) ؛ لأن من المعلوم أنَّ اليهود لا تقول : لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وكذلك النصارى لا تقول :\[ لا يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً \][(٣)](#foonote-٣). 
ونظيره قوله : وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى  \[ البقرة : ١٣٥ \] إذ معلوم أن اليهود لا تقول : كونوا نصارى، ولا النَّصَارى تقول : كونوا هوداً. 
وصدرت الجملة بالنفي ب " لن " ؛ لأنها تخلص المضارع للاستقبال، ودخول الجنة مستقبل. وقدمت اليهود على النصارى لَفْظاً لتقدمهم زماناً. 
وقرأ أُبيّ[(٤)](#foonote-٤) بن كعب : إلاَّ مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا أو نَصْرَانِيًّا . 
قوله تعالى :" تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ " " تلك " مبتدأ، و " أَمَانِيُّهُمْ " خبره، ولا محلّ لهذه الجملة من الإعراب لكونها وقعت اعتراضاً بين قوله :" وَقَالُوا "، وبين قوله تعالى : قُلْ : هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ، فهي اعتراض بين الدعوى ودليلها. 
والمشار إليه ب " تلك " فيه ثلاثة احتمالات :
أحدها : أنه المقالة المفهومة من : قَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، أي : تلك المقالة أمانيهم. 
فإن قيل : كيف أفرد المبتدأ وجمع الخبر ؟
فالجواب : أن تلك كناية عن المَقَالة، والمقالة في الأصل مصدر، والمصدر يقع بلفظ الإفراد للمفرد والمثنى والمجموع، فالمراد ب " تِلْكَ " الجمع من حيث المعنى. 
وأجاب الزمخشري رحمه الله أن " تِلْكَ " يشار بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم \[ ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً أي \][(٥)](#foonote-٥) ألاَّ يدخل الجنة غيرهم. 
قال أبو حيان رحمه الله تعالى : وهذا ليس بظاهر ؛ لأن كل جملة ذكر فيها ودّهم لشيء قد كملت وانفصلت، واستقلت بالنزول، فيبعد أن يشار إليها. 
وأجاب الزمخشري أيضاً أن يكون على حذف مضاف أي : أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعاً في البُطْلاَن مثل أمنيتهم هذه يعني أنه أشير بها إلى واحد. 
قال أبو حيان : وفيه قلب الوَضْع، إذ الأصل أن يكون " تِلْك " مبتدأ، و " أَمَانِيُّهُمْ " خبر، فقلب هذا الوضع، إذ قال : إن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه، وفيه أنه متى كان الخبر مشبهاً به المبتدأ، فلا يتقدم الخبر نحو : زيد زهير، فإن تقدم كان ذلك من عكس التشبيه كقولك : الأسد زيد شجاعة \[ قال عليه الصلاة والسلام :" العَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ تَعَالَى " وقال علي رضي الله عنه :" لا تتكل على المُنَى، فإنها تضيع المتكل " \]. 
قوله :" هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ " هذه الجملة في محلّ نصب بالقول. 
**واختلف في " هات " على ثلاثة أقوال :**
أصحها : أنه فعل، \[ وهذا هو صحيح \][(٦)](#foonote-٦) لاتِّصَاله بالضمائر المرفوعة البارزة نحو : هاتوا، هاتي، هاتيا، هاتين. 
الثاني : أنه اسم فعل بمعنى أحضر. 
الثالث : وبه قال الزمخشري : أنه اسم صوت بمعنى " ها " التي بمعنى أحضر. 
وإذا قيل بأنه فعل فاختلف فيه على ثلاثة أقوال أيضاً :
أصحها : أن هاءه أصل بنفسها، وأن أصله هاتى يُهَاتي مُهَاتاةً مثل : رَامى يُرَامي مُرَامَاة، فوزنه " فاعل " فتقول : هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتوا وهاتين يا هندات، كما تقول : رَام رَامِي رَامِيا رَامُوا رَامِينَ. وزعم ابن عطية رحمه الله أن تصريفه مَهْجُور لا يقال فيه إلاّ الأمر، وليس كذلك. 
الثاني : أن " الهاء " بدل من الهمزة، وأن الأصل " آتى " وزنه : أفعل مثل أكرم. 
**وهذا ليس بجيد لوجهين :**
أحدهما : أن " آتى " يتعدى لاثنين، وهاتي يتعدى لواحد فقط. 
وثانيهما \] : أنه كان ينبغي أن تعود الألف المبدلة من الهمزة إلى أصلها \[ لزوال \][(٧)](#foonote-٧) موجب قلبها، وهو الهمزة الأولى، ولم يسمع ذلك. 
الثالث : أن هذه " ها " التي للتنبيه دخلت على " أتى " ولزمتها، وحذفت همزة أتى لزوماً، وهذا مردود، فإن معنى " هات " أحضر كذا، ومعني ائت : احضر أنت، فاختلاف المعنى يدلّ على اختلاف المادة. 
**فتحصل في " هَاتُوا " سبعة أقوال :**
فعل، أو اسم فعل، أو اسم صوت، والفعل هل ينصرف أو لا ينصرف ؟ وهل هاؤه أصلية، أو بدل من همزة، أو هي هاء التنبيه زيدت وحذفت همزته ؟
وأصل " هاتوا " :" هاتيوا "، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذف أولهما، وضم ما قبله لمُجَانسة " الواو " فصار " هاتوا ". 
قوله تعالى :" بُرْهَانكُمْ " مفعول به. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى :" البرهان " الدَّليل الذي يوقع اليقين، وجمعه بَرَاهين، مثل قُرْبَان وقرابين، وسُلْطَان وسلاطين ". 
**واختلفوا فيه على قولين :**
أحدهما : أنه مشتقّ من " البُرْهِ " وهو القطع، وذلك أنه دليل يفيد العلم القطعي، ومنه : بُرْهَة الزمان أي : القطعة منه، فوزنه " فُعْلاَن ". 
والثاني : أن نونه أصلية لثبوتها في بَرْهَنَ يُبَرْهِنُ بَرْهَنَةً، والبَرْهَنَةُ البَيَانُ، فبرهن فَعْلَلَ لا فَعْلَنَ، لأن فَعْلَنَ غير موجود في أبنيتهم، فوزنه " فَعْلالَ " ؛ 
\[ وعلى هذين القولين يترتب الخلاف في صَرْف " بُرْهَان " وعدمه، إذا سُمِّيَ به. 
ودلَّت الآية على أن الدَّليلَ على المدَّعِي، سواءٌ ادَّعَى نفياً، أو إثباتاً، ودلَّتْ على بطلان القول بالتقليد ؛ قال الشاعر :\[ السريع \]
٧٣٩- مَنِ ادَّعَى شَيْئاً بِلاَ شَاهِدِهْ \*\*\* لاَ بُدَّ أَنْ تَبْطُلَ دَعْوَاهُ \]
وقوله تعالى : إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  يعنى : في إيمانكم أي في قولكم : إنكم تدخلون الجنة، أي : بينوا ما قلتم ببرهان.

١ - لم نهتد إلى قائله وتتمته، وينظر معاني القرآن: ١/٧٣، والبحر: ١/٥٢٠، والدر المصون: ١/٣٤٣..
٢ - سقط في أ..
٣ - سقط في ب..
٤ - انظر المحرر الوجيز: ١/١٩٨، والبحر المحيط: ١/٥٢٠..
٥ - سقط في ب..
٦ - سقط في أ..
٧ - في أ: لجواز..

### الآية 2:112

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:112]

**قوله تعالى :" بَلَى " فيه وجوه :**
الأول : أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. 
الثاني : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهاناً. 
الثالث : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنَّة، بل إن غيّرتم طريقتكم، وأسلمتم وجهكم لله، وأحسنتم فلكم الجنة، فيكون ذلك تَرْغيباً لهم في الإسلام، وبَيَاناً لمُفَارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يُقْلعوا عما هم عليه، ويعدلوا إلى هذه الطريقة. 
قوله تعالى : مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ  هو إسلام النفس لطاعة الله تعالى، وإنما خصّ الوجه بالذكر لوجوه :
أحدها : لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه مَعْدن الحواس والفكر والتخيّل \[ ولذلك يقال : وَجْهُ الأَمْر، أي معظمه ؛ قال الأعشَى :\[ السريع \]٧٤٠- أُؤَوِّلُ الحُكْمَ عَلَى وَجْهِهِ  لَيْسَ قَضَائِي بِالهَوَى الجَائِرِ \]فإذا تواضع الأشارف كان غيره أولى. 
وثانيها : أن الوجه قد يكنى به عن النفس، قال الله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  \[ القصص : ٨٨ \]،  إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى  \[ الليل : ٢٠ \]. 
وثالثها : أن أعظم العبادات السجدة، وهي إنما تحصل بالوجه، فلا جرم خصّ الوجه بالذكر. \[ ومعنى " أسلم " : خضع قال زيد بن عمرو بْن نُفَيْلٍ :\[ المتقارب \]٧٤١أ- وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ  لَهُ الأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْراً ثِقالاَ٧٤١ب - وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ  لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْباً زُلاَلاَفيكون المراد هنا نفسه، والأمر بإذلالها، وأراد به نفس الشيء، وذلك لا يكون إلاَّ بانقياد الخضوع، وبإذلال النَّفْس في طاعة الله عز وجل وتجنبها عن معاصيه \]. 
ومعنى " لله " أي : خالصاً لله لا يشوبه شِرْك. 
قوله تعالى :" وَهُوَ مُحْسِنٌ " جملة في محلّ نصب على حال \[ والعامل فيها " أسلم " وهذه الحال حال مؤكدة لأن من " أسلم وجهه لله فهو محسن[(٨)](#foonote-٨) " \]. 
وقال الزمخشري رحمه الله تعالى وهو مُحْسن له في عمله فتكون على رأيه مبيّنة ؛ لأن من أسلم وجهه قسمان : محسن في عمله وغير محسن انتهى. 
قوله تعالى :" فله أجره " الفاء جواب الشرط إن قيل بأن " مَنْ " شرطية، أو زائدة في الخبر إن قيل بأنها موصولة، وقد تقدم تحقيق القولين عند قوله سبحانه وتعالى : بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً  \[ البقرة : ٨١ \] وهذه نظير تلك فليلتفت إليها. 
وهنا وجه آخر زائد ذكره الزمخشري، وهو أن تكون " مَنْ " فعله بفعل محذوف أي : بلى يدخلها من أسلم، و " فَلَهُ أَجْرُهُ " كلام معطوف على يدخلها هذا نصه. 
و " لَهُ أَجْرُهُ " مبتدأ وخبره، إما في محلّ جزم، أو رفع على حسب ما تقدّم من الخلاف في " مَنْ ". وحمل على لفظ " مَنْ " فأفرد الضمير في قوله تعالى : فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ  وعلى معناها، فجمع في قوله : عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، وهذا أحسن التركيبين، أعني البداءة بالحمل على اللفظ ثم الحمل على المعنى والحامل في " عند " ما تعلق به " له " من الاستقرار، ولما أحال أجره عليه أضاف الظرف إلى لفظة " الرّب " لما فيها من الإشعار بالإصلاح والتدبير، ولم يضفه إلى الضمير، ولا إلى الجلالة، فيقول : فله أجره عنده أو عند الله، لما ذكرت لك، وقد تقدم الكلام في قوله تعالى : فَلاَ خَوْفٌ  \[ البقرة : ٣٨ \] بما فيه من القراءات.

### الآية 2:113

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [2:113]

اليهودُ ملَّة معروفة، والياء فيه أصلية لثبوتها في التَّصريف، وليست من مادّة " هود " من قوله تعالى : هُوداً أَوْ نَصَارَى  \[ البقرة : ١١١ \] وقد تقدم أن الفراء رحمه الله تعالى يدعي أن " هُوداً " أصله : يَهُود، فحذفت ياؤه، وتقدم أيضاً عند قوله تعالى : وَالَّذِينَ هَادُواْ  \[ البقرة : ٦٢ \] أن اليهود نسبة ل " يهوذا بن يَعْقُوب ". 
وقال الشَّلَوْبِينُ : يهود فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون جمع يَهُودِيّ، فتكون نكرة مصروفةً. 
والثاني : أن تكون عَلَماً لهذه القبيلة، فتكون ممنوعةً من الصرف. انتهى، وعلى الأول دخلت الألف واللام، وعلى الثاني قوله :\[ الطويل \]
٧٤٢- أُولَئِكَ أَوْلَى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحَةٍ \*\*\* إِذَا أَنْتَ يَوْماً قُلْتَهَا لَمْ تُؤَنَّبِ
وقال آخر :\[ الكامل \]
٧٤٣- فَرّتْ يَهُودُ وَأَسْلَمَتْ جِيرَانُهَا \*\*\*. . . 
ولو قيل بأن " يهود " منقول من الفعل المُضَارع نحو : يزيد ويشكر لكان قَوْلاً حسناً. ويؤيده قولهم : سمّوا يهوداً لاشتقاقهم من هَادَ يَهُودُ إذا تحرك. 
قوله تعالى :" لَيْسَت النَّصَارَى " " ليس " فعل ناقص أبداً من أخوات " كان " ولا يتصرف، ووزنه على " فَعِل " بكسر العين، وكان من حق فائه أن تكسر إذا أسند إلى تاء المتكلم ونحوها على الياء مثل : شئت، إلا أنه لما لم ينصرف بقيت " الفاء " على حالها. 
وقال بعضهم :" ليست " بضم الفاء، ووزنه على هذه اللغة : فَعُل بضم العين، ومجيء فَعُل بضمّ العين فيما عينه ياء نادر، لم يجئ منه إلاَّ " هيؤ الرجل "، إذا حسنت هيئته. 
وكون " ليس " فعلاً هو الصحيح خلافاً للفارسي في أحد قوليه، ومن تابعه في جعلها حرفاً ك " ما " كما قيل ويدلّ على فعليتها اتصال ضمائر الرَّفْع البارزة بها، ولها أحكام كثيرة، و " النَّصَارى " اسمها، و " عَلَى شَيْءٍ " خبرها، وهذا يحتمل أن يكون مما حذفت فيه الصفة، أي على شيء معتدّ به كقوله سبحانه وتعالى : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  \[ هود : ٤٦ \] أي : أهلك الناجين، وقوله :\[ الطويل \]
٧٤٤-. . . \*\*\* لَقَدْ وَقَعْتِ عَلَى لَحْمِ
أي : لحم عظيم، وأن يكون نفياً على سبيل المُبَالغة، فإذا نفى إطلاق الشيء على ما هم عليه، مع أن الشيء يُطْلق على المعدوم عند بعضهم كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد به، وصار كقوله :" أقل من لا شيء ".

### فصل في سبب نزول هذه الآية


روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل. 
وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى عليه السَّلام والتوراة، فأنزل الله هذه الآية. 
واختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أَهُمُ الذين كانوا زمن بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام ؟
\[ فإن قيل : كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانوا يثبتون الصَّانع وصفاته سبحانه، وذلك قول فيه فائدة ؟
**والجواب عندهم من وجهين :**
الأول : أنهم لما ضمّوا إلى ذلك القول الحسن قَوْلاً باطلاً يحبط ثواب الأول، فكأنهم لم يأتوا بذلك الحق. 
الثَّاني : أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيها، وهي ما يتّصل بإثبات الثَّوَاب \]. 
قوله تعالى :" وَهُمْ يَتْلُونَ " جملة حالية، وأصل يتلون : يَتْلُوُونَ فأعلّ بحذف " اللاَّم "، وهو ظاهر. 
و " الكِتَابَ " اسم جنس، أي قالوا ذلك حال كونهم من أهل العلوم والتلاوة من كتب، وحَقُّ من حمل التوراة، أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب الله، وآمن به ألاَّ يكفر بالباقي ؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته. 
قوله : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  في هذه الكاف قولان :
أحدهما : أنها في محلّ نصب، وفيها حينئذ تقديران :
أحدهما : أنها نعت لمصدر محذوف قدم على عامله، تقديره : قولاً مثل ذلك القول \[ الذي قال أي قال القول \] الذين لا يعلمون. 
\[ الثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من المصدر المعرفة المضمر الدال عليه. قال : تقديره : مثل ذلك القول قاله أي : قال القول الذين لا يعلمون \] حال كونه مثل ذلك القول، وهذا رأي سيبويه رحمه الله، والأول رأي النُّحَاة، كما تقدم غير مرة، وعلى هذين القولين ففي نصب " مِثْلَ قَوْلِهِمْ " وجهان :
أحدهما : أنه منصوب على البدل من موضع الكاف. 
الثاني من الوجهين : أنه مفعول به العامل فيه " يَعْلَمُونَ "، أي : الذين لا يعلمون مثل مَقَالة اليهود، والنَّصَارى قالوا مثل مقالتهم، أي : أنهم قالوا ذلك على سبيل الاتِّفاق، وإن كانوا جاهلين بمقالة اليَهُود والنصارى. 
الثاني من القولين : أنها في محلّ رفع بالابتداء، والجملة بعدها خبر، والعائد محذوف تقديره :\[ مثل ذلك قاله الذين لا يعلمون. 
وانتصاب " مِثْلَ قَوْلِهِمْ " حينئذ إما على أنه نعت لمصدر محذوف، أو مفعول ب " يعلمون " تقديره \] مثل قول اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون اعتقاد اليهود والنصارى، ولا يجوز أن ينتصب نصب المفعول يقال لأنه أخذ مفعوله، وهو العائد على المبتدأ، ذكر ذلك أبو البقاء، وفيه نظر من وجهين :
أحدهما : أن الجمهور يأبى جعل الكاف اسماً. 
والثاني : حذف العائد المنصوب، \[ والنحاة \] ينصُّون على منعه، ويجعلون قوله :\[ السريع \]
٧٤٥- وَخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتُنا \*\*\* بِالْحَقِّ لاَ يُحْمَدُ بَالْبَاطِلِ
ضرورة. 
\[ وللكوفيين في هذا تفصيلٌ \]. 
### فصل في المراد بالذين لا يعلمون


قوله تعالى : قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالماً لكي يصح هذا الفرق. 
واختلفوا في  الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  فقال مقاتل رحمه الله : إنهم مشركو العرب قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إنهم ليسوا على شيء من الدين، فبيّن تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنَّصَارى، وهم يقرؤون الكتاب لا يلتفت إليه فقول كفار العرب أولى ألاَّ يلتفت إليه. 
وقال مجاهد : عوام النصارى فَصْلاً بين خواصهم وعوامهم. 
وقال عطاء : أسماء كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح، وقوم هود وصالح، ولوط وشعيب، قالوا لنبيهم : إنه ليس على شيء. 
وقيل : إن حملنا قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ  على الحاضرين في زمن صلى الله عليه وسلم حملنا قوله : وقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  على المُعَاندين المتقدمين ويحتمل العكس. 
قوله : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ  فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : قال الحسن : يكذبهم جميعاً، ويدخلهم النار. 
وثانيها : ينصف المظلوم المكذَّب من الظالم المكذِّب. 
وثالثها : يريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً، وهو قول " الزجاج ". 
قوله : بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  منصوبان ب " يحكم "، و " فيه " متعلق ب " يَخْتَلِفُونَ ".

### الآية 2:114

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:114]

" مَنْ " استفهام في محلّ رفع بالابتداء، و " أظْلَمُ " أفعل تفضيل خبره، ومعنى الاستفهام هنا النفي، أي : لا أحد أظلم منه، ولما كان المعنى على ذلك أورد بعض الناس سؤالاً، وهو أن هذه الصيغة قد تكررت في القرآن
 وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى  \[ الأنعام : ٢١ \]  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ 
\[ السجدة : ٢٢ \]  فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى اللَّهِ  \[ الزمر : ٣٢ \] كل واحدة منها تقتضي أن المذكور لا يكون أحد أظلم منه، فكيف يوصف غيره بذلك ؟ والجواب من وجوه :
أحدها : وهو أن يخصّ كل واحد بمعنى صلته كأنه قال : لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله، ولا أحد من الكَذّابين أظلم ممن كذب على الله، وكذلك ما جاء منه. 
الثاني : أن التَّخصيص يكون بالنِّسْبة إلى السَّبْق، لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكاً طريقهم في ذلك، وهذا يؤول معناه إلى السبق في المانعية والافترائية ونحوها. 
الثالث : أن هذا نفي للأظلمية، ولما كان نفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظَّالمية لم يكن مناقضاً ؛ لأن فيها إثبات التسوية في الأظلميّة، وإذا ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد مما وصف بذلك يزيد على الآخر ؛ لأنهم متساوون في ذلك، وصار المعنى : ولا أحد أظلم ممن منع، وممن افترى وممن ذكر، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية، ولا يدلّ ذلك على أن أحد هؤلاء يزيد على الآخر في الظلم، كما أنك إذ قلت :" لا أحد أفقه من زيد وبَكْر وخالد " لا يدلّ على أن أحدهم أَفْقَهُ من الآخر، بل نفيت أن يكون أحد أفقه منهم، لا يقال : إن من منع مساجد الله، وسعى في خَرَابها، ولم يفتر على الله كذباً أقلّ ظلماً ممن جمع بين هذه الأشياء، فلا يكونون متساوين في الأظلمية إذ هذه الآيات كلها في الكُفَّار، وهم متساوون في الأظلمية إذْ كانت طرق الأظلمية مختلفة. 
و " مَنْ " يجوز أن تكون موصولة، فلا محلّ للجملة بعدها، وأن تكون موصوفةً فتكون الجملة محلّ جار صفة لها. 
و " مَسَاجِدَ " مفعول أول ب " منع "، وهي جمع مسجد، وهو اسم مكان السجود، وكان من حقه أن يأتي على " مَفْعَل " بالفتح لانضمام عين مضارعه، ولكن شذّ كسره، \[ كما شذّت ألفاظ تأتي \]. 
وقد سمع " مَسْجَد " بالفتح على الأصل. 
قال القرطبي رحمه الله : قال الفَرَّاء : كل ما كان على " فَعَلَ يَفْعُل "، مثل دَخَلَ يَدخُل، فالمَفْعَل منه بالفتح اسماً كان أو مصدراً، ولا يقع فيه الفرق، مثل : دخل يَدْخُل مَدْخَلاً، وهذا مَدْخَلُه، إلاَ أحرفاً من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك : المَسْجِد، والمَطْلع، والمَغْرِب، والمَشْرِق، والمَسْقِط، والمَفْرِق، والمْجزِر، والمَسْكِن، والمَرْفِق، من : رفَقَ يَرْفُق، والمَنْبِت، والمنْسك مَنْ : نَسَكَ يَنْسُك، فجعلوا الكَسر علامة للاسم. 
والمَسْجَد بالفتح جَبْهَةُ الرجل حيث يصيبه مكان السجود. 
قال الجوهري رحمه الله تعالى :" الأعضاء السَّبعة مَسَاجد، وقد تبدل جيمه ياء، ومنه : المَسْجد لغة ". 
قوله تعالى :" أَنْ يُذْكَرَ " ناصب ومنصوب، وفيه أربع أوجه :
أحدها : أنه مفعول ثاني ل " منع "، تقول : منعته كذا. 
والثاني : أنه مفعول من أجله أي : كراهة أن يذكر. 
وقال أبو حيان : فتعين حذف مضاف أي دخول مساجد الله، وما أشبهه. 
والثالث : أنه بدل اشتمال من " مَسَاجِدَ " أي : منع ذكر اسمه فيها. 
والرابع : أنه على إسقاط حرف الجر، والأصل من أن يذكر، وحينئذ يجيء فيها مذهبان مشهوران من كونها في محلّ نصب أو جر، و " في خرابها " متعلق ب " سعى ". 
واختلف في " خراب " فقال أبو البقاء :" هو اسم مصدر بمعنى التخريب كالسَّلام بمعنى التسليم، وأضيف اسم المصدر لمفعوله ؛ لأنه يعمل عمل الفعل ". 
وهذا على أحد القولين في اسم المصدر، هل يعمل أو لا ؟ وأنشدوا على إعماله :\[ الوافر \]

٧٤٦- أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي  وَبَعْدَ عَطَائِكَ المائَةَ الرِّتَاعَاوقال غيره : هو مصدر : خَرِبَ المكان يَخْرُبَ خراباً، فالمعنى : سعى في أن تَخْرب هي بنفسها بعدم تَعَاهدها بالعِمَارة، ويقال : منزل خَرَاب وخَرِب ؛ كقوله :\[ البسيط \]٧٤٧- ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعْمُوراً يَطِيفُ بِهِ  غَيْلاَنُ أَبْهَى رُباً مِنْ رَبْعِها الخَرِبِفهو على الأول مضاف للمفعول وعلى الثاني مضاف للفاعل. 
### فصل في تعلق الآية بما قبلها


في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه :
فأما من حملها على النصارى، وخراب " بيت المقدس " قال : تتصل بما قبلها من حيث النصارى ادّعوا أنهم من أهل الجنة فقط. فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد، والسعي في خرابها هكذا ؟ وأما من حمله على المسجد الحرام، وسائر المساجد، قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله تعالى : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ . 
وقيل :\[ ذم جميع الكفار \]، فمرة وجه الذَّنب إلى اليهود والنصارى، ومرة إلى المشركين. 
### فصل فيمن خرب " بيت المقدس " 


قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه :\[ إن ملك النصارى غزا " بيت المقدس " فخربه، وألقى فيه الجيف، وحاصر أهله، وقتلهم، وسبى البقية، وأحرق التوراة \]، ولم يزل " بيت المقدس " خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. 
وقال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بخت نصر وأصحابه غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس، وأعانه على ذلك \[ الرومي وأصحابه النصارى من أهل " الروم[(١)](#foonote-١) ". 
قال السدي : من أجل أنهم قتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام. 
قال قتادة : حملهم بغض اليهود على معاونة بخت نصر البابلي المجوسي \]. 
قال أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى في " أحكام القرآن " : هذان الوَجهان غلطان ؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد " بختنصّر " كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح، فكيف يكونون مع بختنصّر في تخريب " بيت المقدس " ؟
وأيضاً فإن النصارى يعتقدون في تعظيم " بيت المقدس " مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. 
وقيل : نزلت في مشركي العَرَبِ الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله ب " مكة " وألجئوه إلى الهِجْرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجداً عند داره، فمنع وكان ممن يؤذيه وِلْدَان قريش ونساؤهم. 
وقيل : إن قوله تعالى : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا  \[ الإسراء : ١١٠ \] نزلت في ذلك، فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحّدون الله ولا يشركون به شيئاً، ويصلون له تذللاً، وخشوعاً، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر له، وجميع جسدهم بالتذلُّل لعظمته وسلطانه. 
وقال أبو مسلم : المراد منه الذين صّدُّوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من " المدينة " عام " الحديبية "، واستشهد بقوله تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  \[ الفتح : ٢٥ \] وحمل قوله تعالى : إلاَّ خَائِفِينَ  بما يعلي الله تعالى من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المُنَافقين : ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً  \[ الأحزاب : ٦٠ ٦١ \]. 
\[ فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟
والجواب : أن هذا كمن يقول : من أظلم ممن آذى صالحاً واحداً، ومن أظلم ممّن آذى الصالحين. 
أو يقال : إن المسجد موضع السجود، والمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مَسْجداً واحداً \]. 
قال ابن الخطيب : وعندي فيه وجه خامس، وهو أقرب إلى رعاية النظم، وهو أن يقال : إنه لما حولت القِبْلَة إلى الكعبة شقّ ذلك على اليهود، فكانوا يمنعون النَّاس عن الصَّلاة عند توجّههم إلى الكعبة، ولعلّهم أيضاً سعوا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضاً في تخريب مسجد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجّهين إلى القِبْلَةِ، فعابهم الله بذلك، وبيّن سوء طريقتهم فيه. 
قال : وهذا التأويل أوْلَى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السَّابقة على هذه الآية إلاَّ قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضاً بعدها قَبَائح أفعالهم، فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صَدّهم الرسول عن المَسجِدِ الحرام. وأما حمل الآية على سَعْيِ النَّصَارى في تخريب " بيت المقدس " فضعيف أيضاً على ما شرحه أبو بكر الرَّازي رحمه الله تعالى، فلم يبق إلاَّ ما قلناه. 
فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم، وفيه إشكال ؛ لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  \[ لقمان : ١١٣ \] مع أن الشِّرك أعظم من هذا الفعل، كذا الزنا، وقتل النفس أعظم من هذا الفعل. 
فالجواب عنه :\[ مضى ما في الباب \] أنه عام دخله التخصيص، فلا يقدح فيه. والله أعلم. 
### فصل فيما يستدل بالآية عليه


قال القُرْطبي رحمه الله : لا يجوز منع المرأة من الحجّ إذا كانت ضرورة، سواء كان لها محرم أم لم يكن، ولا تمنع أيضاً من الصَّلاة في المَسَاجد، ما لم يخف عليها الفتنة لقوله عليه الصلاة والسلام :" لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ[(٢)](#foonote-٢) " وكذلك لا يجوز نقض المسجد، ولا بيعه، ولا تعطيله، وإن خربت المحلّة، ولا يمنع بناء المساجد إلاَّ أن يقصدوا الشِّقاق والخلاف، بأن يَبْنُوا مسجداً إلى جنب مَسْجد أو قَرْية، يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه، واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثَّاني ينقض، ويمنع من بنيانه، وسيأتي بقية الكلام \[ في سورة " براءة " إن شاء الله تعالى \]. 
قوله تعالى : أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا . 
 " أولئك " مبتدأ، " لهم " خبر " كان " مقدّم على اسمها، واسمها " أنْ يَدْخُلُوهَا " لأنه في تأويل المصدر، أي : ما كان لهم الدخول، والجملة المنفية محلّ رفع خبر عن " أولئك ". 
قوله :" إلاَّ خَائِفِينَ " حال من فاعل " يَدْخُلُوهَا " وهذا استثناء مفرّغ من الأحوال ؛ لأن التقدير : ما كان لهم الدخول في جميع الأحوال، إلاَّ في حالة الخوف. 
وقرأ أبي " خُيَّفاً " وهو جمع خَائِف، ك " ضارب " و " ضُرّب "، والأصل : خُوَّف ك " صُوَّم "، إلا أنه أبدل الواوين ياءين وهو جائز، قالوا : صوم وصيم، وحَمَل أولاً على لفظ " من "، فأفرد في قوله :" منع، وسعى " وعلى معناه ثانياً، فجمع في قوله :" أولئك " وما بعده. 
### فصل في ظاهر الآية


ظاهر الآية يقتضي أنَّ الذين منعوا وسعوا في تخريب المَسْجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلاَّ خائفين. 
وأما من جعله عامًّا في الكل، فذكروا في تفسير هذا الخو١ - أخرجه الطبري (٢/٥٢٠) وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" للسيوطي (١/٢٤)..
٢ - أخرجه البخاري في الصحيح (٢/٣٥) عن ابن عمر بلفظه كتاب الجمعة باب هل على من لم يشهد الجمعة... حديث رقم (٩٠٠) وأخرجه مسلم في الصحيح (١/٣٢٧) عن ابن عمر بلفظه كتاب الصلاة (٤) باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة (٣٠) حديث رقم (١٣٦/٤٤٢) وأبو داود في السنن حديث رقم (٥٦٥)، (٥٦٦).
 وأحمد في المسند (٢/١٦، ٣٦، ٤٣٨) (٦/٦٩) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (١٦٧٩)- والدارمي في السنن (١/٢٩٣) وابن أبي شيبة في المنصف (٢/٣٨٣) - وعبد الرزاق في مصنفه حديث رقم (٥١٢١)- والبيهقي في السنن (٣/١٣٢، ١٣٤)، (٥/٢٢٤) والطبراني في الكبير (١٢/٣٦٣، ٤٢٥) - وأبو نعيم في الحلية (٧/١٣٧) - والخطيب في التاريخ (٢/٣٦٠)، (٦/١٩)، (١١/٣٤٤)- وذكره ابن حجر في فتح الباري ٢/٣٥٠، ٣٨٢، (٤/٧٧)- والهندي في كنز العمال حديث رقم (١٣٢٣٢)، (٤٥١٧١)، (٤٥١٧٣)..

### الآية 2:115

> ﻿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:115]

قوله : عز وجل : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  : جملة مرتبطة بقوله : مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ، وسَعَى في خَرَابِهَا . 
يعنى : أنه إن سعى في المنع من ذكره تعالى وفي خراب بيوته، فليس ذلك مانعاً من أداء العبادة في غيرها ؛ لأن المشرق والمغرب، وما بينهما له تعالى، والتنصيص على ذكر المشرق والمغرب دون غيرها لوجهين :
أحدهما : لشرفهما حيث جعلا لله تعالى. 
والثاني : أن يكون من حذف المعلوم للعلم، أي : لله المشرق والمغرب وما بينهما، كقوله : تَقِيكُمُ الْحَرَّ  \[ النحل : ٨١ \] أي والبرد ؛ وكقول الشاعر :\[ البسيط \]
٧٤٨- تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَى في كُلِّ هاجِرَةٍ \*\*\* نَفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيارِيفِ
أي : يداها ورِجْلاَها ؛ ومثله :\[ الطويل \]
٧٤٩- كأَنَّ الحَصَى مِنْ خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا \*\*\* إذَا نَجَلَتْهُ رِجْلُهَا خَذْفُ أَعْسَرَا
أي : رجلُها ويدَاها. 
**وفي المشرق والمغرب قولان :**
أحدهما : أنهما اسما مكان الشروق والغروب. 
والثاني : أنهما اسما مصدر، أي : الإشراق والإغراب، والمعنى : لله تعالى تولي إشراق الشمس من مشرقها، وإغرابها من مغْربها، وهذا يبعده قوله تعالى :" فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ "، وأفرد المشرق والمغرب إذ المراد ناحيتاهما، أو لأنهما مصدران، وجاء المَشَارق والمغارب باعتبار وقوعهما في كل يوم، والمشرقين والمغربين باعتبار مشرق الشتاء والصيف ومغربيهما، وكان من حقهما فتح العين لما تقدم من أنه إذا لم تنكسر عين المضارع، فحق اسم المصدر والزمان والمكان فتح العين، ويجوز ذلك قياساً لا تلاوة. 
قوله تعالى :" فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ " " أَيْنَ " هنا اسم شرط بمعنى " إنْ " و " ما " مزيدةٌ عليها، و " تولوا " مجزوم بها. 
وزيادة " ما " ليست لازمةً لها ؛ بدليل قوله :\[ الخفيف \]
٧٥٠- أَيْنَ تَضْرِبْ بِنَا العُدَاةَ تَجِدْنَا \*\*\*. . . 
وهي ظرف مكان، والناصب لها ما بعدها، وتكون اسم استفهام أيضاً، فهي لفظ مشترك بين الشرط والاستفهام ك " مَنْ " و " مَا ". 
وزعم بعضهم أن أصلها السؤال عن الأمكنة، وهي مبنية على الفتح لتضمنها معنى حرف شرط أو الاستفهام. 
وأصل تُولُّوا : تُولِّيوا فأعل بالحذف، وقرأ الجمهور :" تُوَلُّوا " بضم التاء واللام بمعنى تستقبلوا، فإن " ولى " وإن كان غالب استعمالها أدبر، فإنها تقتضي الإقبال إلى ناحية ما. 
تقول : وليت عن كذا إلى كذا، وقرأ الحسن :" تَوَلَّوا " بفتحهما. 
**وفيها وجهان :**
أحدهما : أن يكون مضارعاً، والأصل : تتولوا من التولية، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، نحو : تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ  \[ القدر : ٤ \]. 
والثاني : أن يكون ماضياً، والضمير للغائبين ردّاً على قوله :" لَهُمْ في الدُّّنْيَا ولهم في الآخرة " فتتناسق الضمائر. 
وقال أبو البقاء : والثاني : أنه ماض والضمير للغائبين، والتقدير : أينما يَتَولّوا، يعني : أنه وإن كان ماضياً لفظاً فهو مستقبل معنى ثم قال : وقد يجوز أن يكون ماضياً قد وقع، ولا يكون " أين " شرطاً في اللفظ، بل في المعنى، كما تقول :" ما صنعتَ صنعتُ " إذا أردت الماضي، وهذا ضعيف ؛ لأن " أين " إما شرط، أو استفهام، وليس لها معنى ثالث. انتهى وهو غير واضح. 
قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  الفاء وما بعدها جواب الشَّرْط، فالجملة في محلّ جزم، و " ثَمَّ " خبر مقدم، و " وَجْهُ اللهِ " رفع بالابتداء، و " ثَمَّ " اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مثل : هنا وهنَّا بتشديد النون، وهو مبني على الفتح لتضمّنه معنى حرف الإشارة أو حرف الخطاب. قال أبو البقاء : لأنك تقول في الحاضر هنا وفي الغائب هناك، وثَمَّ ناب عن هناك \[ وهذا ليس بشيء \]. 
وقيل : بني لشبهه بالحَرْفِ في الافتقار، فإنه يفتقر إلى مشار إليه، ولا ينصرف بأكثر من جره ب " من ". 
ولذلك غَلِط بعضهم في جعله مفعولاً في قوله : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ  \[ الإنسان : ٢٠ \]، بل مفعول " رَأَيْتَ " محذوف.

### فصل في نفي التجسيم


وهذه الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ؛ لأنه لو كان الله تعالى جسماً، وله وجه جسماني لكان مختصًّا بجانب معين وجهةٍ معينة، ولو كان كذلك لكان قوله : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  كذباً، ولأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً، وإذا ثبت هذا، فلا بد فيه من التأويل، ومعنى " وَجْهُ اللهِ " جهته التي ارتضاها قِبْلَةً وأمر بالتوجه نحوها، أو ذاته نحو :
 كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  \[ القصص : ٨٨ \]، أو المراد به الجَاهُ، أي : فَثَمَّ جلال الله وعظمته من قولهم : هو وجه القول، أو يكون صلةً زائداً، وليس بشيء. 
وقيل : المراد به العمل قاله الفراء ؛ وعليه قوله :\[ البسيط \]
٧٥١- أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ \*\*\* رَبَّ العِبَادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
\[ قوله تعالى :" وَاسِع عَليم " أي : يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. 
وقيل : واسع المغفرة. 
### فصل في سبب نزول الآية


**في سبب نزول الآية قولان :**
أحدهما : أنه أمر يتعلّق بالصلاة. والثاني : في أمر لا يتعلق بالصلاة. 
فأما القول الأول فاختلفوا فيه على وجوه :
أحدها : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال " بيت المقدس " إلى الكعبة، فبيّن تعالى أن المشرق والمغرب، وجميع الجهات كلّها مملوكة له سبحانه وتعالى، فأينما أمركم الله عزّ وجلّ باستقباله فهو القبلة ؛ لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ؛ بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فهو يدبر عباده كيف يريد \] وكيف يشاء فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر. 
وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما لما تحولت القِبْلَة عن " بيت المقدس " أنكرت اليهود ذلك، فنزلت الآية ونظيره قوله تعالى : قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  \[ البقرة : ١٤٢ \]. 
وثالثها : قال أبو مسلم : إن اليهود والنَّصَارى كل واحد منهم قال : إنَّ الجنة له لا لغيره، فردَّ الله عليهم بهذه الآية ؛ لأن اليهود إنما استقبلوا " بيت المقدس " ؛ لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصَّخرة والنصارى استقبلوا المشرق ؛ لأن مريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فولدت عيسى عليهما الصلاة والسلام هناك، فردَّ الله عليهم أقوالهم. 
ورابعها : قال قتادة وابن زيد : إن الله تعالى نسخ " بيت المقدس " بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجّهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة، إلاَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجّه إلى " بيت المقدس "، مع أنه كان له أن يتوجّه حيث شاء، ثم إنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة. 
وخامسها : أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة، فإنّ له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد. 
\[ وسادسها : ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل واحد منا مسجده حجارة موضوعة بين يده، ثم صلينا فلما أصبحنا، فإذا نحن على غير القِبْلَةِ، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا الحديث يدلّ على أنهم نقلوا حينئذٍ إلى الكعبة ؛ لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ " بيت المقدس " \]. 
وسابعها : أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجّه به راحلته. 
وعن سعيد بن جبر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال :" إنما نزلت هذه الآية في الرَّجل يصلي إلى حيث توجّهت به راحلته في السفر[(١)](#foonote-١) ". 
قال ابن الخطيب : فإن قيل : فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصَّواب ؟
قلنا : إن قوله تبارك وتعالى : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  مشعر بالتخيير، والتخيير لا يَثْبُت إلا في صورتين :
إحداهما : في التَّطوع على الراحلة. 
وثانيتهما : في السفر عند تعذُّر الاجتهاد لظلمة أو لغيرها ؛ لأن في هذين الوجهين المصلّي مخير. 
فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير، والذين حملوا الآية على الوجه الأول، فلهم أن يقولوا : إن القِبْلَةَ لمّا حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس، فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت، والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القِبْلَتَين في المأذون فيه، فَثَمَّ وجه الله، قالوا : وحمل الكلام على هذا الوجه أولى ؛ لأنه يعم كل مصلٍّ، وإذا حمل على الأول لا يعم ؛ لأنه يصير محمولاً على التَّطوع دون الفرد، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه، فهو أولى من التخصيص، وأقصى ما في الباب أن يقال : إنَّ على هذا التأويل لا بد أيضاً من ضرب تقييد وهو أن يقال :" فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا " من الجهات المأمور بها  فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ  إلاَّ أن هذا الإضمار لا بد منه على كلّ حال ؛ لأنه من المحال أن يقول تعالى :" فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا " بحسب ميل أنفسكم  فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ، بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك، فقد زالت طريقة التخيير. 
القول الثاني : أنَّ هذه الآية نزلت في أمر سوى الصَّلاة وفيه وجوه :
أولها : أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي، وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا، ثم إنهم أينما ولُّوا هاربين عني وعن سلطاني، فإن سلطاني يلحقهم، \[ وتدبيري \] يسبقهم، فعلى هذا يكون المراد منه \[ سعة القدرة والسلطان \] وهو نظير قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَمَا كُنْتُمْ ، وقوله : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا  \[ غافر : ٧ \]، وقوله : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً  \[ طه : ٩٨ \]. 
وثانيها : قال قَتَادة : إن النبي عليه السلام قال :" إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ "، قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم فنزل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ  \[ آل عمران : ١٩٩ \] فقالوا : إنه كان لا يصلي \[ إلى القِبْلَة، فأنزل الله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  ومعناه أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب، وما بينهما كلها لي، فمتى وجّه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني، ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان هذا عذراً للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق، وهو نحو قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ  \[ البقرة : ١٤٣ \]. 
وثالثها : قال الحسن، ومجاهد والضحاك رضي الله عنهم : لما نزل قوله سبحانه وتعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  قالوا : أين ندعوه ؟ فنزلت هذه الآ١ - أخرجه مسلم (١/١٩٥) وأحمد (٧٤١٤- شاكر) والطبري (٢/٥٣٠) والبيهقي في السنن ٢/٤ عن ابن عمر- رضي الله عنهما-..

### الآية 2:116

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [2:116]

### فصل


قرأ الجمهور : وَقَالُوا بالواو عطفاً لهذه الجملة الخبرية على ما قبلها، وهو أحسن في الربط. 
وقيل : هي معطوفة على قوله : وَسَعَى  فيكون قد عطف على الصّلة مع الفعل بهذه الجمل الكثيرة، وهذا ينبغي أن ينزّه القرآن عن مثله. 
وقرأ ابن عامر - وكذلك هي في مصاحف " الشام " :" قَالُوا " من غير " واو "، وكذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : الاستئناف. 
والثاني : حذف حرف العَطْف وهو مراد، استغناءً عنه بربط الضَّمير بما قبل هذه الجملة، و " اتَّخَذَ " يجوز أن يكون بمعنى عمل وصنع، فيتعدّى لمفعول واحد، وأن يكون بمعنى صَيَّر، فيتعدّى لاثنين، ويكون الأول هنا محذوفاً تقديره : وقالوا : اتخذ الله بعض الموجودات ولداً، إلا أنه مع كثرة دور هذا التركيب لم يذكر معها إلا مَفْعُول واحد : وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً  \[ الأنبياء : ٢٦ \]،  مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ  \[ المؤمنون : ٩١ \]،  وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً  \[ مريم : ٩٢ \]. والوَلد فعل بمعنى مفعول كالقَبْض والنقص وهو غير مقيس والمصدر : الولادة والوليدية وهذا الثاني غريب. 
وقوله :" سبحانه ". 
قال القرطبي رحمه الله تعالى :" سُبْحَان " منصوب على المصدر، ومعناه التبرئة والتنزيه عما قالوا. 
قوله تعالى : بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . 
 " بَل " إضراب وانتقال، و " لَهُ " خبر مقدم، و " ما " مبتدأ مؤخر، وأتى هنا ب " مَا " ؛ لأنه إذا اختلط العاقل بغيره كان المتكلّم مخيراً في " مَا " و " مَنْ "، ولذلك لما اعتبر العقلاء غلبهم في قوله " قَانِتُونَ "، فجاء بصيغة السَّلامة المختصّة بالعقلاء. 
قال الزمخشري فإن قلت : كيف جاء ب " مَا " التي لغير أولي العلم مع قوله :" قَانِتُونَ ". 
قلت : هو كقوله :" سبحان ما سخركن لنا " وكأنه جاء ب " ما " دون " من " تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، وهذا جنوح منه إلى أن " ما " قد تقع على أولي العلم، ولكن المشهور خلافه. 
وأما قوله :" سُبْحان ما سَخَّرَكُنَّ لَنَا " فسبحان غير مضاف، بل هو كقوله :
٧٥٢-. . . \*\*\* سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ. . . . . . . . . . 
و " ما " مصدرية ظرفية. 
قوله تعالى : كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ  مبتدأ وخبر، و " كُلٌّ " مضافة إلى محذوف تقديراً، أي : كلّ مَنْ في السموات والأرض. 
وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون كل من جعلوه لله ولداً كذا قال أبو حيان رحمه الله تعالى. وهذا بعيد جداً، لأن المجعول ولداً لم يَجْرِ له ذكر، ولأن الخبر يشترك فيه المجعول ولداًَ وغيره. 
قوله :" لم يَجْرِ له ذكر " بل قد جرى ذكره فلا بُعْدَ فيه. 
وجمع " قَانِتُونَ " حملاً على المعنى لما تقدم من أن " كُلاًّ " إذا قطعت عن الإضافة جاز فيها مراعاة اللفظ، \[ ومراعاة المعنى، وهو الأكثر نحوه :
 كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  \[ الأنبياء : ٣٣ \]  وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ  \[ النمل : ٨٧ \] ومن مراعاة \] اللَّفظ : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ   فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ  \[ العنكبوت : ٤٠ \]، وحسن الجمع هنا لِتَوَاخي رُؤُوس الآي. 
والقُنُوت : أصله الدوام، ويستعمل على أربعة أوجه : الطاعة والانقياد، كقوله تعالى : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ  \[ آل عمران : ٤٣ \] وطول القيام، كقوله عليه السلام لما سئل : أي الصَّلاة أفضل ؟ قال : طول القُنُوت وبمعنى السّكوت \[ كقول زيد بن أرقم رضي الله عنه : كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ  فأمسكنا عن الكلام والدعاء، ومنه القنوت. 
قال ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما :" قانتون " أي : أن كل من في السموات والأرض مطيعون. 
وأورد على هذا أن الكفار ليسوا مطيعين. 
وقال السّدي رحمه الله تعالى : يطيعون يوم القيامة، وأوردوا على هذا أيضاً بأن هذا صفة المتّكلين \]. 
وقوله تعالى : لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ  يتناول مَنْ لا يكون مكلفاً، فعند هذا فسّروا القنوت بوجوه أخر :
الأول : بكونها شاهدةً على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصّنعة، وأمارات الحدوث والدلائل على الربوبية. 
الثاني : كون جميعها في ملكه وقهره يتصرّف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي مسلم رحمه الله تعالى، وعلى هذين الوجهين الآية عامة. 
الثالث : أراد بما في السَّموات الملائكة وما في الأرض عيسى والعزير ؛ أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليه بالولدية أنهم قانتون له. 
### فصل فيمن قال اتخذ الله ولداً


قال ابن الخطيب : اعلم أن الظاهر من قوله : وَقَالُواْ : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً  أن يكون راجعاً إلى قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ  \[ البقرة : ١١٤ \] وقد ذكرنا أن منهم من تأوّله على النصارى. 
ومنهم من تأوّله على مشركي العرب. 
ونحن قد تأولناه على اليهود، وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى ؛ لأن اليهود قالوا : عزير ابن الله، والنَّصَارى قالوا : المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا : الملائكة بنات الله، فلا جَرَمَ صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات. 
قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن الأسد، ووهب بن يهوذا ؛ فإنهم جعلوا عزيراً ابن الله \[ سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً. 
وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما \] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى :" كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أنِّي لاَ أََقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ : لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أنْ أَتْخِذَ صَاحِبَةً أوْ وَلَداً " . 
### فصل في تنزيه الله تعالى


قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى : احتج على التنزيه بقوله تعالى : بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  ووجه الاستدلال من وجوه :
الأول : أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولداً \[ لأن المخلوق محدث مسبوق بالعدم، ووجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه، فثبت أن ما سواه فهو عبده، وملكه، فيستحيل أن يكون كل شيء مما سواه ولداً له، كلّ هذا مستفاد من قوله : بل له ما في السموات والأرض  أي : له كلّ ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع \]. 
والثاني : أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده، إما أن يكون قديماً أزليًّا أو محدثاً، فإن كان أزليًّا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرّداً من غير دليل، وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له. 
والثالث : أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، وممتازاً عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كلّ واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك مُحَال، فإذن المجانسة ممتنعةٌ، فالولدية ممتنعة. 
الرابع : أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر، ورجاء الانتفاع بمعونته حال عَجْزِ الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصحّ على من يصح عليه الفَقْر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال، كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالاً. \[ يحكى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لبعض النصارى : لولا تمرد عيسى عن عبادة الله عز وجل لصرت على دينه فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى عليه الصلاة والسلام مع جده في طاعة الله تعالى ؟ فقال علي رضي الله عنه : فإن كان عيسى إلهاً فكيف يعبد غيره، إنما العبد هو الذي تليق به العبادة، فانقطع النصراني \] .

### الآية 2:117

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2:117]

قوله تعالى :" بَدِيعُ السَّمَوَاتِ " المشهور رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : هو بديع. 
وقرئ بالجر على أنه بدل من الضمير في " لَهُ " \[ وفيه الخلاف المشهور \] وقرئ بالنصب على المدح. 
و " بديع السموات " من باب الصفة المشبهة أضيفت إلى منصوبها الذي كان فاعلاً في الأصل، والأصل بديع سماواتُه، أي بَدُعَت لمجيئها على شكل فائق حسن غريب، ثم شبهت هذه الصفة باسم الفاعل، فنصبت ما كان فاعلاً، ثم أضيفت إليه تخفيفاً، وهكذا كلّ ما جاء من نظائره، فالإضافة لا بد وأن تكون من نصب ؛ لئلا يلزم إضافة الصفة إلى فاعلها، وهو لا يجوز، كما لا يجوز في اسم الفاعل الذي هو الأصل. 
وقال الزمخشري رحمه الله تعالى : و " بديعُ السَّمَوَاتِ " من باب إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها. 
ورده أبو حيان بما تقدم، ثم أجاب عنه بأنه يحتمل أن يريد إلى فاعلها في الأصل قبل أن يشبه. 
وأجاز الزمخشري فيه وجهاً ثانياً : وهو أن يكون " بديع " بمعنى مُبْدِع ؛ كما أن سميعاً في قول عَمْرو بمعنى مسمع ؛ نحو :\[ الوافر \]
٧٥٣- أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعي السَّمِيعُ \*\*\* يُؤَرِّقُنِي وأصْحَابِي هُجُوعُ ؟
إلا أنه قال :" وفيه نظر "، وهذا الوجه لم يذكر ابن عطية غيره، وكأن النظر الذي ذكره الزمخشري والله أعلم هو أن " فعيلاً " بمعنى " مُفْعِل " غيرُ مقيس، وبيت عمرو رضي الله عنه متأول، وعلى هذا القول يكون بديع السموات من باب إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تقديراً. 
والمبدع : المخترع المنشئ، والبديع : الشيء الغريب الفائق غيره حسناً. 
قوله تعالى : وَإِذَا قَضَى أَمْراً  العامل في " إذا " محذوف يدل عليه الجواب من قوله :" فَإنَّمَا يَقُولُ "، والتقدير : إذا قضى أمراً يكون، فيكون هو الناصب له. 
و " قضى " له معانٍ كثيرة. 
قال الأزهري رحمه الله تعالى :" قضى " على وجوه مرجعُها إلى انقطاع الشَّيء وتمامه ؛ قال أبو ذُؤَيْبٍ :\[ الكامل \]
٧٥٤- وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا \*\*\* دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ
وقال الشَّماخ :\[ الطويل \]
٧٥٥- قَضَيْتَ أُمُوراً ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا \*\*\* بَوَائِقَ في أَكْمَامِهَا لم تُفَتَّقِ
فيكون بمعنى " خَلَقَ " نحو : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ  \[ فصلت : ١٢ \] وبمعنى أَعلم : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  \[ الإسراء : ٤ \]. 
وبمعنى أمر : وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ  \[ الإسراء : ٢٣ \]. 
وبمعنى وَفَّى : فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ  \[ القصص : ٢٩ \]. 
وبمعنى ألزم : قضى القاضي بكذا. 
وبمعنى أراد : وَإِذَا قَضَى أَمْراً . 
وبمعنى أَنْهَى، ويجيء بمعنى قَدَّر وأَمْضَى، تقول : قَضَى يَقْضِي قََضَاءً ؛ قال :\[ الطويل \]
٧٥٦- سَأَغْسِلُ عَنِّي العَارَ بَالسَّيْفِ جَالِباً \*\*\* عَلَيَّ قَضَاءُ اللهِ مَا كَانَ جَالِبَا
ومعناه الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من قولهم : قضى القاضي لفلان على فلان بكذا إذا حكم ؛ لأنه فصل للدعوى. 
ولهذا قيل : حاكم فَيْصل إذا كان قاطعاً للخصومات. 
وحكى ابن الأنباري عن أهل اللّغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع الأمور المحكم لها. 
ومنه : انقضى الشيء : إذا تم وانقطع. 
وقولهم : قضى حاجته أي : قطعها عن المحتاج ودفعها عنه. 
وقضى دينه : إذا أدَّاه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه، أو انتفع كل منهما من صاحبه. 
وقولهم : قضى الأمر، إذا أتمه وأحكمه. 
وأما قولهم : قضى المريض وقضى نَحْبَه : إذا مات، وقضى عليه : قتله فمجاز. 
\[ واختلفوا في الأمر هل هو حقيقة في القول المخصوص أو حقيقة في الفعل وفي القدر المشترك وهو كذا في أصول الفقه والله أعلم \]. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجهاً :
الأول : الدين ؛ قال الله تعالى : حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ  \[ التوبة : ٤٨ \] يعني : دينه. 
الثاني : القول ؛ قال تعالى : فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا  \[ المؤمنون : ٢٧ \] يعني قولنا. وقوله : فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ  \[ طه : ٦٢ \] يعني قولهم. 
الثالث : العذاب ؛ قال تعالى : لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُُ  يعني لما وجب العذاب بأهل النار. 
الرابع : عيسى عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى : إِذَا قَضَى أَمْراً  \[ مريم : ٣٥ \] يعني : عيسى عليه الصلاة والسلام. 
الخامس : القتل ب " بدر "، قال الله تعالى : فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ  \[ غافر : ٧٨ \] يعني : القتل ب " بدر "، وقوله : لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً  \[ الأنفال : ٤٢ \] يعني قتل كفار " مكة ". 
السادس : فتح " مكة " ؛ قال الله تعالى : فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ 
\[ التوبة : ٤٢ \] يعني فتح " مكة ". 
السابع : قتل " قريظة " وجلاء " بني النضير " ؛ قال الله تعالى : فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ  \[ البقرة : ١٠٩ \]. 
الثامن : القيامة، قال الله تعالى : أَتَى أَمْرُ اللَّهِ  \[ النحل : ١ \]. 
التاسع : القضاء ؛ قال الله تعالى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ  \[ الرعد : ٢ \] يعني القضاء. 
العاشر : الوحي ؛ قال الله تعالى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ 
\[ السجدة : ٥ \] يعني الوحي. 
الحادي عشر : أمر الخلق ؛ قال الله تعالى : أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ 
\[ الشورى : ٥٣ \]. 
الثاني عشر : النصر، قال الله تعالى : يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ 
\[ آل عمران : ١٥٤ \] يعنون : النصر،  قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  \[ آل عمران : ١٥٤ \] يعني النصر. 
الثالث عشر : الذنب ؛ قال الله تعالى : فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا  \[ الطلاق : ٩ \] يعني جزاء ذنبها. 
الرابع عشر : الشأن والفعل، قال الله تعالى : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ 
\[ هود : ٩٧ \] لعله : وشأنه. 
قوله تعالى :" فيكون " الجمهور على رفعه، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون مستأنفاً أي خبراً لمبتدأ محذوف أي : فهو يكون، ويعزى لسيبويه، وبه قال الزَّجَّاج في أحد قوليه. 
والثاني : أن يكون معطوفاً على " يقول "، وهو قول الزَّجاج والطبري، ورد ابن عطية هذا القول، وقال : إنه خطأ من جهة المعنى ؛ لأنه يقتضي أن القول مع التَّكوين والوجود. انتهى. يعني أن الأمر قديم والتكوين حادث فكيف يعطف عليه بما يقتضي تعقيبه له ؟
وهذا الرد إنما يلزم إذا قيل بأن الأمر حقيقة. 
أما إذا قيل بأنه على سبيل التمثيل، وهو \[ الأصح \] فلا. 
ومثله قول أبي النجم :\[ الرجز \]
٧٥٧- إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقي \*\*\*. . . 
الثالث : أن يكون معطوفاً على " كن " من حيث المعنى، وهو قول الفارسي، وضَعَّفَ أن يكون عطفاً على " يقول " ؛ لأن من المواضع ما ليس فيه " يقول "، كالموضع الثاني في " آل عمران "، وهو  ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ولم ير عطفه على " قال " من حيثُ إنه مضارع، فلا يعطف على ماضي، فأورد على نفسه :\[ الكامل \]
٧٥٨- وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي \*\*\* فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ : لاَ يَعْنِينِي
فقال :" أَمُرُّ بمعنى مَرَرْتُ ". 
قال بعضهم : ويكون في هذه الآية يعني في آية " آل عمران "، بمعنى " كان " فَلْيَجُزْ عَطْفُهُ على " قال " 
وقرأ ابن عامر :" فيكونَ " نصباً هنا، وفي الأولى من " آل عمران "، وهي  كُن فَيَكُونُ ، تحرزاً من قوله تعالى : كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ 
\[ آل عمران : ٥٩ ٦٠ \]. 
وفي مريم : كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ  \[ مريم : ٣٥ ٣٦ \]. 
وفي غافر : كُن فيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ  \[ غافر : ٦٨ ٦٩ \]. 
ووافقه الكسائي على ما في " النحل " و " يس ". 
وهي : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  \[ يس : ٨٢ \]. 
أما آيتا " النحل " و " يس " فظاهرتان : لأن ما قبل الفعل منصوباً يصح عطفه عليه، وسيأتي. 
وأما ما انفرد به ابن عامر في هذه المواضع الأربعة، فقد اضطرب كلام النَّاس فيها، وهي لَعَمْري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرأ بعض الناس على هذا الإمام الكبير، فقال ابن مجاهد : قرأ ابن عامر :" فَيَكُونَ " نصباً، وهذا غير جائز في العربية ؛ لأنه لا يكون الجواب هنا للأمر بالفاء إلاَّ في " يس " و " النحل "، فإنه نسق لا جواب. 
وقال في " آل عمران " : قرأ ابن عامر وحده :" كُنْ فَيَكُونَ " بالنصب وهو وَهَمٌ. قال : وقال هشام : كان أيوب بن تميم يقرأ :" فَيَكُونَ " نصباً، ثم رجع فقرأ :" يَكُونُ " رفعاً. 
وقال الزجاج :" كُنْ فَيَكُونُ " رفع لا غير. 
وأكثر ما أجابوا بأن هذا مما روعي فيه ظاهر اللَّفظ من غير نظر للمعنى، يريدون أنه قد وجد في اللفظ صورة أمر فَنُصِبَتا في جوابه بالفاء. 
وأما إذا نظرنا إلى جانب المعنى، فإن ذلك لا يصح لوجهين :
أحدهما : أن هذا وإن كان بلفظ الأمر، فمعناه الخبر نحو : فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ  \[ مريم : ٧٥ \]. أي : فيمدّ، وإذا كان معناه الخبر، لم ينتصب في جوابه بالفاء إلا ضرورة ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٧٥٩- سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ \*\*\* وَأََلْحَقُ بِالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا
وقول الآخر :\[ الطويل \]
٧٦٠- لَنَا هَضْبَةٌ لاَ يَنْزِلُ الذُّلُّ وَسْطَهَا \*\*\* وَيأْوِي إلَيْهَا المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَمَا
والثاني : أن من شرط النصب بالفاء في جواب الأمر أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو :" ائتني فأكرمك " تقديره :" إن أتيتني أكرمتك ". 
وها هنا لا يصح ذلك إذ يصير التقدير : إن تكن تكن، فيتحد فعلا الشرط والجزاء معنى وفاعلاً، وقد علمت أنه لا بد من تغايرهما، وإلا يلزم أن يكون الشيء شرطاً لنفسه وهو مُحَال، قالوا : والمُعَاملة اللفظية، واردةٌ في كلامهم نحو : قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ  \[ إبراهيم : ٣١ \]  قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ  \[ الجاثية : ١٤ \]. 
وقال عمر بن أبي ربيعة :\[ الطويل \]
٧٦١- فَقُلْتُ لجَنَّادٍ خُذِ السَّيْفَ وَاشْتَمِلْ \*\*\* عَلَيْهِ بِرِفْقٍ وَارْقُبِ الشَّمْسَ تَغْرُبِ
وَأَسْرِجْ لِيَ الدَّهْمَاءَ وَاذْهَبْ بِمِمْطَرِي \*\*\* ولاَ يَعْلَمَنْ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ مَذهَبِي
فجعل " تَغْرُب " جواباً ل " ارقب " وهو غير مترتِّب عليه، وكذلك لا يلزمُ من قوله أَنْ يفعلوا، وإنما ذلك مُرَاعاة لجانب اللفظ. 
أما ما ذكره في بيت عمر فصحيح. 
وأما الآيات فلا نسلم أَنَّه غير مترتب عليه ؛ لأنه أراد بالعباد الخُلّص، وبذلك أضافهم إليه. 
أو تقولُ : إن الجزمَ على حَذْفِ لامِ الأمر، وسيأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى. 
وقال ابن مالك :" إنَّ " " أنْ " الناصبةَ قد تُضْمر بعد الحَصْر ب " إنما " اختياراً، وحكاه عن بعض الكوفيين. 
قال : وحكوا عن العرب : إنما هي ضربة من الأسد فتحطمَ ظهره بنصب " تحطم "، فعلى هذا يكون النَّصْب في قراءة ابن عامر محمولاً على ذلك إلاَّ أنَّ هذا الذي نصبوه دليلاً لا دليل فيه لاحتمال أن يكون من باب العطف على الاسم تقديره : إنما هي ضَرْبَة فَحَطم ؛ كقوله :\[ الوافر \]
٧٦٢- لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَق

### الآية 2:118

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [2:118]

" لو " و " لولا " يكونان حرفي ابتداء، وقد تقدم عند قوله : فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ  \[ البقرة : ٦٤ \] ويكونان حرفي تحضيض بمنزلة :" هلا " فيختصَّان بالأفعال ظاهرة أو مضمرة، كقوله :\[ الطويل \]

٧٦٦- تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ  بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَاأي : لولا تعدُّون الكمَيَّ، فإن ورد ما يوهم وقوع الاسم بعد حرف التحضيض يؤوَّل ؛ كقوله :\[ الطويل \]٧٦٧- ونُبِّئْتُ لَيْلَى أَرْسَلَتْ بِشَفَاعَةٍ  إلَيَّ فَهَلاَّ نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُهَاف " نفس ليلى " مرفوع بفعل محذوف يفسره " شفيعها " أي : فهلا شفعت نفس ليلى. 
وقال أبو البقاء : إذا وقع بعدها المستقبل كانت للتحضيض، وإن وقع بعدها الماضي كانت للتوبيخ وهذا شيء يقوله علماء البيان، وهذه الجملة التحضيضية في محلّ نصب بالقول. 
قوله : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ  قد تقدم الكلام على نظيره فليطلب هناك. 
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي إسحاق :" تَشَّابَهَت " بتشديد الشين. 
قال الدَّاني :" وذلك غير جائز ؛ لأنه فعل ماض "، يعني : أن التاءين المزيدتين إنما تجيئان في المضارع فتدغم أما الماضي فلا. 
### فصل في قبائح اليهود والنصارى والمشركين


هذا نوع آخر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم قدحوا في التوحيد باتَّخاذ الولد، وَقَدَحُوا الآن في النبوّة. 
قال ابن عباس :" هم اليهود ". 
وقال مجاهد :" هم النصارى[(١)](#foonote-١) " لأنهم المذكورون أولاً، ويدلّ على أن المراد أهل الكتاب قوله تعالى : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ  \[ النساء : ١٥٣ \]. 
فإن قيل : المراد مشركو العرب، لأنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون، وأهل الكتاب أهل العلم. 
\[ قلنا \] : المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي، وأهل الكتاب كانوا كذلك. 
وقال قتادة وأكثر المفسرين : هم مشركو العرب لقوله : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ  \[ الأنبياء : ٥ \]، وقالوا : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا  \[ الفرقان : ٢١ \]. 
وتقرير هذه الشبهة أنك تقول : إن الله تعالى يكلّم الملائكة وكلم موسى، ويقول : يا محمد إن الله تعالى كلّمك فلم لا يكلمنا مُشَافهة، ولا ينص على نبوتك حتى يتأكّد الاعتقاد، وتزول الشبهة، فأجابهم أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وبالآيات وهي القرآن، وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنّت، فلم يجب إجابتها لوجوه :
أحدها : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة، فقد تمكّن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتف بها، وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك من باب العناد، ويدل له قوله تعالى : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ  \[ العنكبوت : ٥١ \]. 
وثانيها : لو كان في \[ علم الله تبارك وتعالى \] أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لَفَعَلَهَا، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك، ولذلك قال تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ  \[ الأنفال : ٢٣ \]. 
وثالثها : إنه ربما كان كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة ؛ لأن الخوارق متى توالت صار انخراقُ العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً. 
وأما قوله تعالى :" تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ " \[ فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم \]، فكما أن قوم موسى، \[ كانوا أبداً في التعنت واقتراح \] الأباطيل، كقولهم : لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ  \[ البقرة : ٦١ \] وقولهم : اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  \[ الأعراف : ١٣٨ \] وقولهم : أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً  \[ البقرة : ٦٧ \] وقولهم : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً  \[ النساء : ١٥٢ \]، فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العِنَادِ واللّجاج، وطلب الباطل. 
قوله : قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  يعني القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة، وكلام الذِّئْب، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرةٌ، ومعجزات باهرة لمن كان طالباً لليقين. 
١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٥٥٤) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٠٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد..

### الآية 2:119

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [2:119]

اعلم أن القوم لما أَصرُّوا على العِنَادِ واللّجَاج الباطل، واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بيّن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة. 
قوله :" بالحَقِّ " يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون مفعولاً به، أي : بسبب إقامة الحق. 
الثاني : أن يكون حالاً من المفعول في " أَرْسَلْنَاكَ " أي : أرسلناك ملتبساً بالحق. 
الثالث : أن يكون حالاً من الفاعل، أي : ملتبسين في الحق. 
**وفيه وجوه :**
أحدها : أنه الصدق كقوله تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ  \[ يونس : ٥٣ \] أي : صدق وقال ابن عباس رضي الله عنهما :" بالقرآن "، لقوله تعالى : بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ  \[ ق : ٥ \]. 
وقال ابن كيسان :" بالإسلام وشرائعه "، لقوله تعالى : وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ 
\[ الإسراء : ٨١ \]، وقال مقاتل :" لم نُرسِلْك عبثاً وإنما أرسلناك بالحق " لقوله عز وجل : مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ 
\[ الأحقاف : ٣ \] وعلى هذه الأقوال في تعلّق هذا الجار وجوه :
أحدها : أنه متعلّق بالإرسال. 
وثانيها : أنه متعلّق بالبشير والنذير أي : أنت مبشر بالحق ومنذر به. 
وثالثها : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونك بشيراً لمن أطاع الله بالثواب، ونذيراً لمن كفر بالعقاب، والأولى أن يكون البشير والنذير حالاً من الرسول، أي : أرسلناك بالحق لتكون بشيراً ونذيراً لمن اتبعك \[ ونذيراً لمن كفر بك \] ويجوز أن يكون بشيراً ونذيراً حالاً من " الحق " ؛ لأنه يوصف أيضاً بالبشارة والنَّذَارة، وبشير ونذير على صيغة " فعيل ". 
أما بشير فتقول : هو من بَشَرَ مخففاً ؛ لأنه مسموع فيه، و " فعيل " مطرد من الثلاثي. 
وأما :" نذير " فمن الرباعي، ولا ينقاس عَدْل مُفْعِل إلى فَعِيل، إلا أن له هنا مُحَسِّناً. 
قوله تعالى :" وَلاَ تُسْأَلُ " قرأ الجمهور :" تُسْأَلُ " مبنيًّا للمفعول مع رفع الفعل على النفي، وفي معنى هذه القراءة وجوه :
أحدها : أن مصيرهم إلى الجحيم، فمعصيتهم لا تضّرك، ولست مسؤولاً عن ذلك، وهو كقوله : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ  \[ الرعد : ٤٠ \] وقوله : عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ  \[ النور : ٥٤ \]. 
الثاني : أنك هَادٍ وليس لك من الأمر شيء، ولا تَغْتَمّ لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب، ونظيره قوله تعالى : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  \[ فاطر : ٨ \]. 
الثالث : أنك لا تسأل عن ذَنْب غيرك ويعضد هذه القراءة قراءة أُبَيّ :" وما تسأل "، وقراءة عبد الله " ولن تسأل ". 
وقال مقاتل رحمه الله تعالى : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لَوْ أنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ بَأْسَهُ بِاليَهُودِ لآمَنُوا[(١)](#foonote-١) " ؛ فأنزل الله تعالى : ولا تسأل عن أصحاب الجحيم  وقُرئ " تَسْألُ " مبيناً للفاعل مرفوعاً أيضاً، وفي هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنه حال، فيكون معطوفاً على الحال قبلها، كأنه قيل : بشيراً أو نذيراً، وغير مسؤول. 
والثاني : أن تكون مستأنفةً. 
وقرأ نافع ويعقوب :" تَسْأَلْ " على النَّهي، وهذا مستأنف فقط، ولا يجوز أن تكون حالاً ؛ لأن الطَّلب لا يقع حالاً. 
**وفي المعنى على هذه القراءة وجهان :**
الأول : روي أنه قال : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة. 
قال ابن الخطيب رحمه الله : وهذه الرواية بعيدة ؛ لأنه عليه الصَّلاة والسَّلام كان عالماً بكفرهم، وكان عالماً بأن الكافر معذّب، فمع هذا العلم لا يجوز أن يسأل. 
والثاني : معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكُفَّار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بليّة، فيقال لك : لا تسأل عنه. 
وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه :" ولن تسأل ". 
وقرأ أبي :" وما تسأل " ؛ ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفي أن يكون مسؤولاً عنهم. 
والجحيم : شدّة توقّد النار، ومنه قيل لعين الأسد :" جَحْمَة " لشدة توقُّدها، يقال : جَحِمَتِ النَّارُ تَجْحَمُ ؛ ويقال لشَّدة الحر :" جاحم " ؛ قال :
\[ مجزوء الكامل \]

٧٦٨- وَالحَرْبُ لاَ يَبْقَى لِجَا  حِمِهَا التَّخَيُّلُ وَالمِرَاحُ١ - ذكره القرطبي في تفسيره ٢/٦٤..

### الآية 2:120

> ﻿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:120]

والرِّضَا : ضد الغضب، وهو من ذوات " الواو " لقولهم : الرضوان، والمصدر : رضاً ورِضَاء بالقصر والمد، ورِضْواناً ورُضوانا بكسر " الفاء " وضمها. 
قال القرطبي رحمه الله : رَضِيَ يَرْضَى رِضاً ورِضاءً ورِضْواناً ورُضْواناً ومَرْضاة، وهو من ذوات " الواو " ويقال في التثنية : رِضَوان، وحكى الكسائي رحمه الله : رِضيان، وحكى رضاء ممدود، وكأنه مصدر رَاضَى يُرَاضِي مُرَاضَاةً ورِضَاءً. 
وقد يتضمّن معنى " عَطَف " فيتعدى ب " عَلى " ؛ قال :\[ الوافر \]
٧٦٩- إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ \*\*\*. . . 
والملّة في الأصل : الطريقة، يقال : طريق مُملٌّ، أي : أثَّر فيه \[ المشي \]، ويعبر بها عن الشريعة تشبيهاً بالطريقة. 
وقيل : بل اشتقت من " أَمْلَلْتُ " ؛ لأن الشريعة فيها مَن يُمْلي ويُمْلَى عليه.

### فصل في سبب نزول هذه الآية


اعلم أنه تعالى لما بين أن العلّة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم، وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في \[ تشددهم في باطلهم، وثباتهم على كُفْرهم \] أنهم يريدون منك أن تتبع ملّتهم، ولا يرضون منك بالكُفْر، بل الموافقة لهم في دينهم وطريقتهم. 
قال ابن عباس رحمه الله : هذا في القِبْلَةِ، وذلك أن يهود " المدينة " ونصارى " نجران " كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلِّي إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكَعْبة أَيسُوا منه الموافقة على دينهم فنزلت هذه الآية. 
وقيل : كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة، ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية. 
معناه : إنك إن هادنتهم، فلا يرضون بها، ولا يطلبون ذلك تعللاً ولا يرضون منك إلا باتباع ملتهم. 
قوله :" تَتَّبعَ " منصوب ب " أن " مضمرة بعد " حتى " قاله الخليل، وذلك أن " حتى " خافضة بالاسم لقوله عز وجل : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ  \[ القدر : ٥ \] وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل ألبتة وما يخفض اسماً لا ينصب شيئاً. 
وقال النَّحاس :" تَتَّبع " منصوب ب " حتى "، و " حتى " بدل من " أن ". 
### فصل في أن الكفر ملّة واحدة


دلت هذه الآية على أن الكفر ملّة واحدة لقوله تعالى :" مِلَّتَهُمْ " فوحّد الملّة، وبقوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  \[ الكافرون : ٦ \]، وأمّا قوله صلوات الله وسلامه عليه :" لا يتوارَثُ أَهْل ملّتين شيء " المراد به الإسلام والكفر بدليل قوله عليه الصلاة والسلام :" لا يُوَرّثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ[(١)](#foonote-١) ". ثم قال تعالى : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى  \[ البقرة : ١٢٠ \] يعني الإسلام هو الهدى الحقّ الذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى. 
قوله تعالى :" هو " يجوز في " هو " أن يكون فصلاً أو مبتدأ، وما بعده خبره، ولا يجوز أن يكون بدلاً من " هُدَى اللهِ " لمجيئه بصيغة الرفع. 
وأجاز أبو البقاء رحمه الله تعالى فيه أن يكون توكيداً لاسم " إن "، وهذا لا يجوز فإن المضمر لا يؤكّد المظهر. 
قوله :" وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ " هذه تسمى " اللام " الموطِّئَة للقسم، وعلامتها أن تقع قبل أدوات الشرط، وأكثر مجيئها مع " إن " وقد تأتي مع غيرها نحو :
 لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ  \[ آل عمران : ٨١ \]،  لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ  \[ الأعراف : ١٨ \]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولكونها مؤذنة بالقسم اعتبر سَبْقها، فأجيب القسم دون الشرط بقوله : مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ  وحذف جواب الشَّرْط، ولو أجيب الشرط لوجبت " الفاء " وقد تحذف هذه " اللاَّم " ويعمل بمقتضاها، فيجاب القسم نحو قوله تعالى : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ  \[ المائدة : ٧٣ \]. 
والأهواء جمع هوى، كما تقول :" جمل وأجمال "، ولما كانت مختلفة جمعت، ولو حمل على أفراد الملة لقال : هواهم. قوله :" مِن العِلْمِ " في محلّ نصب على الحال من فاعل " جَاءَكَ " و " مِن " للتبعيض، أي جاءك حال كونه بعض العلم. 
### فصل في المراد بهذا الخطاب


قيل : المراد بهذا الخطاب الأمة كقوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  \[ الزمر : ٦٥ \]، فالخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة.  بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  البيان بأن دين الله هو الإسلام، والقبلة قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهي الكَعْبَةُ. 
 مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  أي معين يعصمك ويذبّ عنك. 
### فصل فيما تدل عليه الآية


قالوا : الآية تدلّ على أمور : منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله. 
وثانيها : أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلّة، ويبطل القول بالتقليد. 
وثالثها : أن اتباع الهَوَى لا يكون إلا باطلاً فمن هذا الوجه يدلّ على بطلان التقليد. 
ورابعها : سئل الإمام أحمد رحمه الله عمن يقول : القرآن مخلوق، فقال : كافر. 
فقيل : بم كفرته ؟ فقال : بآية من كتاب الله تعالى،  وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  \[ البقرة : ١٤٥ \] فالقرآن من علم الله تعالى، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر. 
١ - أخرجه البخاري (٨/١٩٤) ومسلم "الفرائض" (١) والترمذي (٢١٠٧) وأبو داود (٢٩٠٩) وابن ماجه (٢٧٢٩)، (٢٧٣٠) وأحمد (٥/٢٠٠، ٢٠٨، ٢٠٩) والدارمي (٢/٣٧٠، ٣٧١) والبيهقي (٦/٢١٧، ٢١٨) والحاكم (٤/٣٤٥) وعبد الرزاق (٩٨٥٢) وابن أبي شيبة (١١/٣٧٣) والحميدي (٥٤٠١) وابن عبد البر (٢/٥٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/١٤٤)، (٧/٣١٨) والطحاوي في "شرح المعاني" (٣/٢٦٥، ٢٦٦)..

### الآية 2:121

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:121]

قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ  رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان :
أحدهما :" يَتْلُونَهُ "، وتكون الجملة من قوله :" أولئِكَ يُؤْمِنُونَ " : إما مستأنفة وهو الصحيح. 
وإما حالاً على قول ضعيف تقدم مثله أول السورة. 
والثاني : أن الخبر هو الجملة من قوله :" أولئِكَ يُؤْمِنُونَ ". 
ويكون " يَتْلُونَهُ " في محلّ نصب على الحال إما من المفعول في " آتْينَاهُمْ " وإما من الكتاب، وعلى كلا القولين فهي حال مقدرة ؛ لأن وقت الإيتاء لم يكونوا تالين، ولا كان الكتاب متلوًّا. 
وجوز الحوفي أن يكون " يتلونه " خبراً، و " أولَئِكَ يُؤْمِنُونَ " خبراً بعد خبر، قال : مثل قولهم :" هذا حلو حامض " كأنه يريد جعل الخبرين في معنى خبر واحد، هذا إن أريد ب " الذين " قوم مخصوصون. 
وإن أريد بهم العموم، كان " أولئِكَ يُؤْمِنُونَ " الخبر. 
قال جماعة منهم ابن عطية رحمه الله وغيره و " يَتْلُونَهُ " حالاً يستغنى عنها، وفيها الفائدة. 
وقال أيضاً أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون " يَتْلُونَهُ " خبراً ؛ لئلا يلزم منه أنّ كل مؤمن يتلو الكتاب حَقَّ تلاوته بأي تفسير فسرت التلاوة قال أبو حيان : ونقول : ما لزم من الامتناع مِنْ جَعْلِهَا خبراً يلزم في جعلها حالاً ؛ لأنه ليس كل مؤمن على حال التلاوة بأي تفسير فسرت التلاوة. 
قوله تعالى :" حَقَّ تِلاَوَتِهِ " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه نصب على المصدر وأصله :" تلاوةً حقًّا " ثم قدم الوصف، وأضيف إلى المصدر، وصار نظير " ضربت شديد الضرب " أي : ضَرْباً شديداً. فلما قدم وصف المصدر نصب نصبه. 
الثاني : أنه حال من فاعل " يَتْلُونَهُ " أي : يتلونه محقين. 
الثالث : أنه نعت مصدر محذوف. 
وقال ابن عطية : و " حَقَّ " مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى " أفعل "، ولا تجوز إضافته إلى واحد معرف، إنما جازت هنا ؛ لأن تَعَرُّفَ التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم : رجل وَاحِدُ أُمِّه ونَسِيجُ وحده يعني : أنه في قوة " أفعل " التفضيل بمعنى أحقّ التلاوة، وكأنه يرى أن إضافة " أفعل " غير محضة، ولا حاجة إلى تقدير عامل فيه ؛ لأن ما قبله يطلبه. والضمير في " به " فيه أربعة أقوال :
أحدها وهو الظاهر : عوده على الكتاب. 
الثاني : عوده على الرسول، قالوا :" ولم يَجْرِ له ذكر لكنه معلوم "، ولا حاجة إلى هذا الاعتذار، فإنه مذكور في قوله : أَرْسَلْنَاكَ  \[ البقرة : ١١٩ \]، إلا أن فيه التفاتاً من خطاب إلى غيبة. 
الثالث : أنه يعود على الله تعالى، وفيه التفات أيضاً من ضمير المتكلّم المعظم في قوله :" أَرْسَلْنَاكَ " إلى الغيبة. 
الرابع : قال ابن عطية : إنه يعود على " الهدى " وقرره بكلام حسن.

### فصل فيمن نزلت فيهم هذه الآية


قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أهل السَّفينة الذين كانوا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا أربعين رجلاً اثنان وثلاثون من " الحبشة "، وثمانية من رهبان " الشام " منهم بحيرى. 
وقال الضحاك : هو من آمن من اليهود : عبد الله بن سلام، وشعبة بن عمرو، وتمام ابن يهوذا، وأسيد وأسد ابنا كعب وابن تامين، وعبد الله بن صوريا. دليل هذين التأويلين تقدم ذكر الكتاب. 
وقال قتادة وعكرمة : هم المؤمنون عامة لقوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  وهذا حثّ وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، وهذا شأن القرآن ؛ لأن التوراة والإنجيل لا يجوز قراءتهما، وأيضاً قوله : يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ  وهذا الوصف لا يليق إلا بالقرآن. 
**والتلاوة لها معنيان :**
أحدهما : الاتباع فعلاً ؛ لأن من اتبع غيره يقال : تلاه فعلاً، قال تعالى :
 وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا  \[ الشمس : ٢ \]. 
والثاني : القراءة. 
**وفي حق التلاوة وجوه :**
أحدها : أنهم يدبّروه، فعملوا بموجبه \[ حتى تمسّكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما \]. 
وثانيها : أنهم خضعوا عند تلاوته. 
وثالثها : أنهم عملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه، وفوضوه إلى الله تعالى. 
ورابعها : يقرءونه كما أنزله الله، ولا يحرفونه، ولا يتأولونه على غير الحق. 
وخامسها : روي عن عمر رضي الله تعالى عنه هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوا، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا. 
وسادسها : المراد أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه ؛ لأنها مشتركة في مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها.

### الآية 2:122

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:122]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 2:123

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:123]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 2:124

> ﻿۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [2:124]

العامل في " إذ " " قال ". 
وقيل : العامل فيه " اذكر " مقدراً، وهو مفعول، وقد تقدم أنه لا يتصرف فالأولى ما ذكرته أولاً. 
وقدره الزمخشري رحمه الله تعالى كان كيت وكيت، فجعله ظرفاً، ولكن عامله مقدر. 
و " ابْتَلَى " وما بعده في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه. 
وأصل ابتلى : ابْتَلَوَ، فألفه عن " واو " ؛ لأنه " من بَلاَ يَبْلو " أي ؛ اختبر. 
و " إبْرَاهِيم " مفعول مقدم، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة ؛ لأنه متى اتَّصَل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، هذا هو المَشْهُور، وما جاء على خلافه عدوه ضرورة. 
وخالف أبو الفتح في ذلك وقال :" إن الفعل كما يطلب الفاعل يطلب المفعول، فصار للفظ به شعور وطلب ". 
وقد أنشد ابن مالك أبياتاً كثيرة تأخر فيها المفعول المتصل ضميره بالفاعل، منها :\[ السريع \]

٧٧٠- لَمَّا عَصَى أَصْحَابُهُ مُصْعَباً  أَدَّى إِلَيْهِ الكَيْلَ صَاعاً بِصَاعْومنها :\[ البسيط \]٧٧١- جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغِيلاَنِ عَنْ كِبَرٍ  وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُوقال ابن عطية : وقدم المفعول للاهتمام بمن وقع الابتلاء به، إذ معلوم أن الله هو المبتلي، واتِّصَال ضمير المفعول بالفاعل موجب للتقديم، يعني أن الموجب للتقديم سببان : سبب معنوي وسبب صناعي. 
و " إبراهيم " علم أعجمي. 
قيل : معناه قبل النقل أب رحيم. 
### فصل في تفسير لفظ إبراهيم


قال الماوردى : هذا التفسير بالسريانية وبالعربية فيما حكى ابن عطية أب رحيم. 
قال السهيلي : كثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو يقاربه في اللفظ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب رحيم، راحم بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذي يموتون صغاراً إلى يوم القيامة \[ على ما روى البُخَاري في حديث الرؤيا الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس \]. 
وفيه لغات سبع، أشهرها : إبراهيم بألف وياء، وإبْرَاهام بألفين، وبها قرأ هشام وابن ذكوان في أحد وجهيه في " البقرة "، وانفرد هشام بها في ثلاثة مواضع في آخر " النساء " وموضعين في آخر " براءة " وموضع في آخر " الأنعام " وآخر " العنكبوت "، وفي " النجم " و " الشورى " و " الذاريات " و " الحديد " والأول في " الممتحنة "، وفي " إبراهيم " وفي " النحل " موضعين، وفي " مريم " ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعاً منها خمسة عشر في " البقرة " وثلاثة عشر في السور المذكورة. 
وروي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك. 
ويروى أنه قيل لمالك بن أنس : إن أهل " الشام " يقرءون ستة وثلاثين موضعاً إبراهام بالألف، فقال : أهل " دمشق[(١)](#foonote-١) " بأكل البطِّيخ أبصر منهم بالقراءة. 
فقيل : إنهم يدعون أنها قراءة عثمان. 
فقال : هذا مصحف عثمان، فأخرجه فوجده كما نقل له. 
الثالثة : إبْرَاهِم بألف بعد الراء، وكسر الهاء دون ياء، وبها قرأ أبو بكر ؛ وقال زيد بنُ عمروِ بنِ نُفَيْلٍ :\[ الرجز \]٧٧٢- عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمُ  إذْ قَالَ وَجْهي لَكَ عَانٍ رَاغِمُالرابعة : كذلك، إلا أنه بفتح الهاء. 
الخامسة : كذلك إلا أنه بضمها. 
السادسة : إبْرَهَم بفتح الهاء من غير ألف وياء. 
قال عبد المطلب :\[ الرمل \]٧٧٣- نحْنُ آلُ اللهِ فِي كَعْبَتِهِ  لَمْ نَزَلْ ذَاكَ عَلَى عَهْدِ ابْرَهَمْالسَّابعة : إبْرَاهُوم بالواو. 
قال أبو البقاء : ويجمع على " أَبَاره " عند قوم، وعند آخرين " بَرَاهِم ". 
وقيل : أبارِهَة وبَرَاهِمَة ويجوز أَبَارِهَة \[ وقال المبرد رحمه الله تعالى : لا يقال براهم فإن الهمزة لا يجوز حذفها \]. 
وحكى ثعلب فيه :" بَرَاهٍ " كما يقال في تصغيره :" بُرَيْه " بحذف الزوائد. 
والجمهور على نصب " إبراهيم " ورفع " رَبُّهُ " كما تقدم. 
وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا : وتأويلها دعا ربه، فسمى دعاءه ابتلاء مجازاً ؛ لأن في الدعاء طلب استكشاف لما تجري به المقادير. 
والضمير المرفوع في " فَأَتمّهُنّ " فيه قولان :
أحدهما : أنه عائد على " ربّه " أي : فأكملهن. 
والثاني : أنه عائد على " إبْرَاهِيمَ " أي : عمل بهن، ووفّى بهن. 
وهو إبراهيم بن تارح بن ناحور مولده ب " الشوس " من أرض " الأهواز ". 
وقيل :" بابل "، وقيل :" كولى " وقيل " كسكر " وقيل :" حيران ". 
ونقله أبوه إلى " بابل " أرض نمرود بن كنعان، وكان له أربع بنين : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، ذكره السهيلي. 
### فصل فيما دلت عليه السورة


اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفصل بشرح النعم بقوله :
 يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  \[ البقرة : ١٢٢ \] بين نوعاً آخر من البيان، وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام معترف بفضله جميع الطَّوائف، والمشركون أيضاً معترفون بفضله متشرّفون بأنهم من أولاده، ومن ساكني حرمه، وخادمي بيته، فذكر فضيلته لهم ؛ لأنها تدلّ على قبول محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه :
أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف، فلما وفّى بها وخرج لا جرم نال النبوة والإمامة. 
وثانيها : أنه لما طلب الإمامة لذريته فقال تعالى : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ  فدلّ ذلك على أنّ من أراد هذا المنصب وجب عليه ترك اللَّجَاج والتعصّب للباطل. 
وثالثها : أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحُجَّة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك. 
ورابعها : أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شقّ ذلك على اليهود والنصارى، فبيّن الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه، ووجوب الاقتداء به، فكان ذلك مما يوجب زوال الغضب عن قلوبهم. 
### فصل في معنى الابتلاء


والابتلاء هنا الاختبار والامتحان، وابتلاء الله ليس ليعلم أقوالهم بالابتلاء ؛ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات على سبيل التَّفَاصيل من الأَزَلِ إلى الأبد، ولكن ليعلم الناس أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضاً، أو عاملهم معاملة المختبر. 
واختلف في " الكَلِمَاتِ " فقال مجاهد : هي المذكورة بعدها في قوله تعالى : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً  إلى آخرها من الآيات، ورفع البيت، وتطهير البيت، ورفع القواعد، والدعاء ببعث محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذه أمور شاقّة ؛ لأن الإمامة هاهنا هي النبوة وتتضمن مشاقاً عظيمة. وأما بناء البيت وتطهيره، ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدّة البلوى فيه، ثم إنه يتضمّن إقامة المَنَاسك، وقد امتحن الله تعالى الخليل عليه الصلاة والسلام بالشَّيْطَان في الموقف لرمي الجِمَار وغيرها. 
وأما اشتغاله بالدعاء ببعث محمد صلى الله عليه وسلم فهو مما يحتاج إلى إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحَسَد عن القلب، فكل هذه تكاليف شاقّة، ويدلّ على إرادة ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف عطف، فلم يقبل وقال : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً . 
واعترض القاضي على هذا، فقال : إنما يجوز هذا لو قال تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم قال بعد ذلك : إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن. 
وأجيب عنه : بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء ببعث محمد صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر كأنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمّها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا ليس ببعيد. 
وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما : عشر خصال كانت فَرْضاً في شرعه، وهي سُنّة في شرعنا : خمس في الرأس، وخمس في الجسد، أما التي في الرأس : فالمضمضة، والاستنشاق، وفرق الرأس، وقصّ الشارب، والسِّوَاك، وأما التي في البدن : فالخِتَان، وحَلْق العَانَةِ، ونَتْف الإبط، وتقليم الأظفار، \[ والاستنجاء بالماء. 
وفي الخبر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من قصّ الشارب، وأول من اختتن وأول من قلّم الأَظفار \]. 
وقال أبو الفرج بن الجوزي حديثاً عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال : خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مَخْتُونين : آدم وشيث ونوح وإدريس وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. 
وقال محمد بن حبيب الهاشمي أربعة عشر : آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان من أصحاب الرَّسِّ، ومحمد صلى الله عليه وسلم. وروي أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه وجعل مَأْدُبة، وسماه محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام. 
قال يحيى بن أيوب رضي الله تعالى عنه طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممّن لقيته إلاَّ عند ابن أبي السّريّ. 
وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يُبْتلَ أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ابتلاه بثلاثين خَصْلة من خصال الإسلام : عشر منها في سورة " براءة " : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ  \[ التوبة : ١١٢ \] إلى آخر الآية. 
وعشر منها في سورة " الأحزاب " : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ  \[ الأحزاب : ٣٥ \] إلى آخر الآية وعشر منها في " المؤمنين " : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  إلى قوله  أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ  \[ المؤمنون : ١ ١٠ \]. 
وروي عن ابن عباس : أربعون فزاد : وعشر في  سَأَلَ سَائِلٌ  إلى قوله تعالى : يُحَافِظُونَ  \[ المعارج : ١-٣٤ \]. 
وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع : هي مناسك الحَجّ. 
\[ وقال الحسن \] : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس والقمر، والكواكب، والخِتَان على الكِبَر، والنار، وذَبْح الولد، والهجرة، فوفّى بالكلّ. 
وقال يمَان بن رباب : هي مَحَاجّته قومه، والصلاة، والزكاة، والصوم، والضيافة، والصبر عليها. 
وقال بعضهم : هي قوله : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ 
\[ البقرة : ١٣١ \]. 
وقال سعيد بن جبير : هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يَرْفَعَان البَيْتَ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا  \[ البقرة : ١٢٧ \] الآية. 
وقيل : هي قوله : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ  \[ الشعراء : ٧٨ \] الآيات. 
قال القَفّال : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كلّ ما في فعله كُلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء، ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض، \[ فحينئذ يقع بين هذه الروايات \]، فوجب التوقّف. 
### فصل في وقت هذا الابتلاء


قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ؛ لأنَّ الله تعالى جعل قيامه عليه الصلاة والسلام بهنّ كالسبب لأنْ يجعله الله إماماً، والسبب مقدم على المسّبب، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابت١ - بالكسر، ثم الفتح، وشين معجمة، وآخره قاف: البلدة المشهورة قصبة الشام، هي جنة الشام؛ لحسن عمارتها وبقعتها، وكثرة أشجارها وفواكهها، ومياهها المتدفقة في مساكنها، وأسواقها، وجامعها، ومدارسها. قيل: سميت بذلك؛ لأنهم دمشقوا في بنائها أي أسرعوا. وقيل: هو اسم واضعها، وهو دمشق بن كنعان. وقيل غير ذلك، وهي مشهورة ينظر مراصد الاطلاع: ٢/٥٣٤..

### الآية 2:125

> ﻿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [2:125]

" إذْ " عطف على " إذْ " قبلها، وقد تقدم الكلام فيها، و " جَعَلْنَا " يحتمل أن يكون بمعنى " خَلَقَ " و " وضعَ " فيتعدّى لواحد، وهو " البيت "، ويكون " مَثَابَةً " نصباً على الحال وأن يكون بمعنى " صيّر " فيتعدى لاثنين، فيكون " مَثَابَةً " هو المفعول الثاني. والأصل في " مثابة " " مثوبة " فأعلّ بالنقل والقلب، وهل هو مصدر أو اسم مكان قولان ؟
وهل الهاء فيه للمبالغة ك " عَلاَّمة " و " نَسَّابة " لكثرة من يثوب إليه، أي يرجع، أو لتأنيث المصدر ك " مقامة " أو لتأنيث البقعة ؟ ثلاثة أقوال، وقد جاء حذف هذه الهاء ؛ قال ورقةُ بنُ نَوْفَل :\[ الطويل \]

٧٧٦- مَثابٌ لأَفْنَاءِ القَبَائِلِ كُلِّهَا  تَخُبُّ إلَيْهَا اليَعْمَلاَتُ الذَّوَامِلُوقال :\[ الرمل \]٧٧٧- جَعَلَ البَيْتَ مَثَاباً لَهُمُ  لَيْسَ مِنْهُ الدَّهْرَ يَقْضُونَ الوَطَرْوهل معناه من ثاب يثوب أي : رجع أو من الثواب الذي هو الجزاء ؟
**قولان :**
أظهرهما : أولهما قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير رضي الله عنهم : إنهم يثوبون إليه في كل عام. 
وعن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما :\[ أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه \]، وقرأ الأعمش وطلحة " مَثَابَاتٍ " جمعاً، ووجهه أنه مثابة لكلّ واحد من الناس. 
قوله تعالى :" لِلنَّاسِ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلّق بمحذوف ؛ لأنه صفة لمثابة ومحلّه النصب. 
والثاني : أنه متعلّق بجعل أي : لأجل الناس يعني مناسكهم. 
قوله تعالى :" وَأَمْناً " فيه وجهان :
أحدهما : أنه عطف على " مثابة " وفيه التأويلات المشهورة : إما المبالغة في جعله نفس المصدر، وإما على حذف مضاف، أي : ذا أمن، وإما على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل، أي : آمناً، على سبيل المجاز كقوله :
 حَرَماً آمِناً  \[ العنكبوت : ٦٧ \]. 
والثاني : أنه معمول لفعل محذوف تقديره : وإذ جعلنا البيت مثابة، فاجعلوه آمناً لا يعتدي فيه أحد على أحد. 
والمعنى : أن الله جعل البيت محترماً بحكمه، وربما يؤيد هذا بقراءة :" اتَّخِذُوا " على الأمر، فعلى هذا يكون " وأَمْناً " وما عمل فيه من باب عطف الجمل عطفت جملة أمرية على خبرية، وعلى الأول يكون من عَطْفِ المفردات. 
### فصل في تحرير المقصود من البيت


اعلم أنه لما ذكر أمر تكليف إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام بالإمامة ذكر بعده التكليف الثاني، وهو تطهير البيت، فنقول : المراد بيت الله الحرام ؛ لأن الألف واللام فيه : إما للعهد أو للجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس، فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة. 
قال ابن الخطيب : وليس المراد نفس الكعبة ؛ لأنه تعالى وصفه بكونه " أمناً " وهذا صفة لجميع الحرم لا الكعبة فقط بدليل جواز إطلاق البيت، والمراد منه كل حرم. 
قال تعالى : هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ  \[ المائدة : ٩٥ \] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها ؛ لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام، وقال تعالى : فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا  \[ التوبة : ٢٨ \]. 
والمراد والله أعلم منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، وقال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم  رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً  \[ إبراهيم : ٣٥ \]، فدلّ هذا على أنه وصف البيت بالأمن، فاقتضى جميع الحرم. والسّبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت، وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلّقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت. 
### فصل في تحرير معنى الأمن


قوله :" وأمناً " أي : موضع أمن يؤمنون فيه من إيذاء المشركين، ولا شَكَّ أن قوله تعالى : جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً  خبر فتارة يتركه على ظاهره، ويقول : هو خبر وتارة يصرفه عن ظاهره، ويقول : هو أمر. 
أما على الأول فالمراد أنه جعل أهل الحرم آمنين من القَحْط والجدب على ما قال  أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً  \[ العنكبوت : ٦٧ \] وقوله :
 أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ  \[ القصص : ٥٧ \] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القَتْلِ في الحرم ؛ لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه. 
وأيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ  \[ البقرة : ١٩١ \] فأخبر عن وقوع القَتْلِ فيه. 
وإن حملنا الكلام على الأمر فالمعنى : أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضوع آمناً من الغارة والقَتل، فكان البيت محترماً بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية يحرمونه ولا يتعرّضون لأهل " مكة "، وكانوا يسمون قريشاً : أهل الله تعظيماً له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليَهُمَّ بالظَّبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب، فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكَلْب قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح " مكة " :" " إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شُوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لقطته إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا " فقال العباس رحمه الله : يا رسول الله إلا الإذْخِرَ. فقال :" إلاَّ الإذْخِرَ ". 
### فصل في أنه هل يجوز القتال في الحرم ؟


قال الشَّافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه : إذا دخل البيت من وجب عليه حَدٌّ فلا تستوف منه، لكن الإمام يأمر بالتضييق عليه حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحلّ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه. 
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجوز. 
واحتج الشافعي رضي الله عنه بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره ب " مكة " غيلة إن قدر عليه، وهذا في الوقت الذي كانت " مكة " فيه محرمة، وذلك يدل أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه، وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها. 
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية. 
والجواب عنه أن قوله :" وأمناً " ليس فيه بيان أنه جعله آمناً في ماذا ؟ فيمكن أن يكون آمناً من القَحْط، وأن يكون آمناً من نَصْب الحروب، وأن يكون آمناً من إقامة الحُدُود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حَمْلُه على الأمن من القَحْط والآفات أَوْلَى ؛ لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر، وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشَّافعي رحمه الله أولى. 
قوله تعالى :" واتَّخِذُوا " قرأ نافع وابن عامر :" واتَّخَذُوا " فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظ الأمر. 
**فأما قراءة الخبر ففيها ثلاثة أوجه :**
أحدها : أنه معطوف على " جَعَلْنَا " المخفوض ب " إذ " تقديراً، فيكون الكلام جملة واحدة. 
الثاني : أنه معطوف على مجموع قوله :" وإذْ جَعَلْنَا " فيحتاج إلى تقدير " إذْ " أي : وإذ اتَّخّذُوا، ويكون الكلام جملتين. 
الثالث : ذكره أبو البقاء أن يكون معطوفاً على محذوف تقديره : فثابوا واتخذوا. 
**وأما قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه :**
أحدها : أنها عطف على " اذكروا " إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسْرَائِيل، أي : اذكروا نعمتي واتخذوا. 
والثاني : أنها عطف على الأمر الذي تضمنه قوله :" مثابة "، كأنه قال : ثوبوا واتخذوا، ذكر هذين الوجهين المَهْدَوِي. 
الثالث : أنه مفعول لقول محذوف، أي : وقلنا : اتخذوا، إن قيل بأن الخطاب لإبراهيم وذريته، أو لمحمد عليه الصلاة والسلام وأمته. 
الرابع : أن يكون مستأنفاً ذكره أبو البقاء. 
قوله تعالى :" مِنْ مَقَامِ " في " من " ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها تبعيضية، وهذا هو الظاهر. 
الثاني : أنها بمعنى " في ". 
الثالث : أنها زائدة على قول الأخفش، وليس بشيء. 
والمقام هنا مكان القيام، وهو يصلح للزمان والمصدر أيضاً. وأصله :" مَقْوَم " فأعل بنقل حركة " الواو " إلى السَّاكن قبلها، وقلبها ألفاً، ويعبر به عن الجماعة مجازاً ؛ كما يعبر عنهم بالمجلس ؛ قال زهير :\[ الطويل \]٧٧٨- وفِيهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ  وَأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ وَالفِعْلُ[(١)](#foonote-١)قوله :" مُصَلًّى " مفعول " اتَّخِذُوا "، وهو هنا اسم مكان أيضاً، وجاء في التفسير بمعنى قبلة. 
وقيل : هو مصدر، فلا بد من حذف مضاف أي : مكان صلاة، وألفه منقلبة عن واو، والأصل :" مُصَلَّو " ؛ لأن الصلاة من ذوات " الواو " كما تقدم أول الكتاب. 
### فصل في المقصود بالمقام


اختلفوا في " المقام " فقال الحسن والربيع بن أنس وقتادة : هو موضع الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين غسلت رأسه، فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه، وهو راكب فغسلت أحد شقّي رأسه، ثم رفعته من تحته، وقد غاصت رجله في الحَجر، فوضعته تحت الرجل الأخرى، فغاصت رجله أيضاً فيه، فجعله الله تعالى من معجزاته[(٢)](#foonote-٢) يروى أنه كان موضع أصابع رجليه بيِّناً فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  \[ البقرة : ١٢٧ \] فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام، وقال مجاهد رحمه الله وإبراهيم النخعي رضي الله عنه[(٣)](#foonote-٣) :" مقام إبراهيم الحرم كله " وقال يمان : المسجد كله مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام. 
\[ وقال عطاء : إنه عرفة والمزدلفة والجمار، وقال ابن عباس :" الحج كله مقام إبراهيم " \]. 
واتفق المحققون على أن القول الأول أولى لما روى جابر رحمة الله عليه أنه عليه الصَّلاة والسلام لما فرغ من الطواف أتى المقام، وتلا قوله تعالى : وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [(٤)](#foonote-٤). 
وروي أنه عليه الصلاة والسلام مرّ بالمقام، ومعه عمر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فلم تغب الشمس من فوقهم حتى نزلت الآية[(٥)](#foonote-٥)، وقال تعالى : وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى . 
وليس للصلاة تعلق بالحرم، ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فيكون مقام إبراهيم هو هذا، ولو سأل سائل أهل " مكّة " عن مقام إبراهيم لم يجبه أحد، ولم يفهم منه إلا هذا الموضع لما روي أن الحجر صار تحت قدميه في رُطُوبة الطّين حتى غاصت فيه رِجْلا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذلك من أظهر الدلائل على وَحْدَانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام، فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره، وثبت في الأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل، ولم يثبت قيامه على غيره، فحمل هذا اللفظ، أعني : مقام إبراهيم عليه١ - ينظر ديوانه: (١١٣)، القرطبي: ٢/١١٢، معاني القرآن للزجاج: ١/١٨٠، اللسان (قوم)، مجمع البيان: ١/٤٥٨، الدر المصون: ١/٣٦٥..
٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٥-٣٦) عن السدي..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٤) عن مجاهد..
٤ - انظر تفسير الطبري: (٣/٣٣)..
٥ - انظر تفسير الطبري: (٣/٣٢)..

### الآية 2:126

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [2:126]

قال القاضي رحمه الله تعالى : في هذه الآيات تقديم وتأخير، لأن قوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً  لا يمكن إلاَّ بعد دخول البلد في الوجود، والذي ذكره من بعد وهو قوله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ 
\[ البقرة : ١٢٧ \] وإن كان متأخراً في التلاوة، فهو متقدم في المعنى. 
قوله تعالى : اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً  والجعل هنا يعني التَّصيير، فيتعدّى لاثنين ف " هذا " مفعول أول و " بلداً " مفعول ثان، والمعنى : اجعل هذا البلد، أو هذا المكان، و " آمناً " صفة أي ذا أمن نحو : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ 
\[ الحاقة : ٢١ \] أو آمناً من فيه نحو : ليلُهُ نائم. والبلد معروف، وفي تسميته قولان :
أحدهما : أنه مأخوذ من البلد. 
والبلْد في الأصل : الصدر يقال : وضعت الناقة بَلْدَتَها إذا بركت، أي : صدرها، والبلد صدر القرى، فسمي بذلك. 
والثاني : أن البلد في الأصل الأثر، ومنه : رجل بليد لتأثير الجهل فيه. 
وقيل لبركة البعير :" بَلْدَة " لتأثيرها في الأرض إذا برك، قال الشاعر \[ الطويل \]
٧٨٣- أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ \*\*\* قَلِيلٌ بِهَا الأًصْوَاتُ إلاَّ بُغَامُها[(١)](#foonote-١)
إنما قال في هذه السورة " بَلَداً آمناً " على التنكير. 
وقال في سورة إبراهيم : هَذَا الْبَلَدَ آمِناً  \[ إبراهيم : ٣٥ \] على التعريف لوجهين :
الأول : أن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان قد جعل بلداً، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلداً آمناً ؛ لأنه تعالى حكى عنه أنه قال :
 رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ  \[ إبراهيم : ٣٧ \]. 
فقال هاهنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيّرته بلداً ذا أمن وسلامة، كقولك : جعلت هذا الرجل آمناً. 
الثاني : أن يكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المَكَان بلداً، فقوله : اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً  تقديره : اجعل هذا البلد بلداً آمناً، كقولك : كان اليوم يوماً حارًّا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ؛ لأن التنكير يدلّ على المبالغة، فقوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً  معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَد آمِناً  فليس فيه إلاَّ طلب الأمن لا طلب المبالغة، والله أعلم.

### فصل في المراد بدعاء سيدنا إبراهيم


قيل : المراد من الآية دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام للمؤمنين من سكّان " مكة " بالأمن والتَّوْسعة بما يجلب إلى " مكة " فلم يصل إليه جَبّار إلا قَصَمَهُ الله عز وجلّ كما فعل بأصحاب الفيل. 
### فصل في الرد على بعض الشُّبهات


فإن قيل : أليس أن الحَجّاج حارب ابن الزبير، وخرب الكَعْبة، وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟
فالجواب[(٢)](#foonote-٢) : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها، بل كان مقصوده شيئاً آخر. 
فإن قيل : ما الفائدة في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً  \[ إبراهيم : ٣٥ \]، وقد أخبر الله تعالى قبل ذلك بقوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً  ؟
**فالجواب من وجوه :**
أحدها : أن الله تعالى لما أخبره بأنه جعل البيت مثابة للناس وأمناً، ووقع في خاطره أنه إنما جعل البيت وحده أمناً، فطلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يكون الأمن بجميع البلد. 
وثانيها : أن يكون قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ  بعد قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً  فيكون إجابة لدعائه، وعلى هذا فيكون مقدماً في التلاوة مؤخراً في الحكم. 
وثالثها : أن يكون المراد من الأَمْنِ المذكور في قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً  هو الأمن من الأعداء والخيف والخَسْف والمَسْخ، والمراد من الأمن في دعاء إبراهيم هو الأمن من القَحْط، ولهذا قال : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ . 
فإن قيل : الأمن والخصب مما يتعلّق بمنافع الدنيا، فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها ؟
**فجوابه من وجوه :**
أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين كان ذلك من أعظم أركان الدين، وإذا كان البلد آمناً مخصباً تفرغ أهلها لطاعة الله تعالى وإذا كان ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. 
وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس، والناس إنما يمكنهم الذَّهاب إليه إذا كانت الطرق آمنةً، والأقوات هناك رخيصة. 
وثالثها : أن الأمن والخِصْب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر العظيمة، والمواقف الكريمة، فيكون الأمن تتمّةً في تلك الطاعة. 
### فصل في المراد بالأمن


اختلفوا في الأمن المسؤول هنا فقيل : الأمن من القَحْط ؛ لأنه أسكن ذرّيته بوادٍ غير ذي زرع ولا ضَرْع. 
وقيل : الأمن من الخَسْف والمَسْخ. 
وقيل : الأمن من القتل هو قول أبي بكر الرازي، واحتج عليه بأنه عليه الصلاة والسلام سأله الأمن أولاً، ثم سأله الرِّزْق ثانياً. 
ولو كان المَطْلوب هو الأمن من القَحْط لكان سؤال الرِّزْق بعده تكرار، وقد يجاب بأنه : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخَسْف والمَسْخ، أو لعله الأمن من القَحْط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية، وقد يكون بالتَّوْسعة فيها، فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القَحْطِ، وبالسؤال الثاني طلب التوسعة. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى : دعا إبراهيم لذريته وغيرهم بالأمن، ورَغَدِ العيش. 
فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل، فاقتلع " الطائف " من " الشام " فطاف بها حول البيت أسبوعاً، فسميت " الطائف " لذلك، ثم أنزلها " تهامة "، وكانت " مكة " وما يليها حين ذلك قَفْراً لا ماء فيها ولا نَبَاتَ، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثَّمَرات. 
### فصل في أنه متى صارت مكة آمنة ؟


اختلفوا هل كانت مكة آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو إنما صارت كذلك بدعوته ؟
فقالوا : إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه الصلاة والسلام :" إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ". 
قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ  \[ إبراهيم : ٣٧ \] وهذا يقتضي أنها كان محرمة قبل ذلك، ثم إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أكّده بهذا الدعاء. 
وقيل : إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقبله كانت كسائر البَلَدِ، والدليل عليه قوله عليه السلام :" اللَّهُمَّ إِنِّي حَرَّمْتُ المَدِيْنَةَ كَمَّا حَرَّمَ إِبْرَاهِيْمُ مَكَّةَ ". 
وقيل : كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة. 
قوله :" مَنْ آمَنَ " بدل بعض من كلّ، \[ وهو " أَهْلَهُ " \] ولذلك عاد فيه ضميره على المبدل منه، و " من " في " مِنَ الثَّمَرَاتِ " للتبعيض. 
وقيل : للبيان، وليس بشيء، إذ لم يتقدّم مبهم يبين بها. 
### فصل في تخصيص المؤمنين بهذا الدُّعاء


إنما خصَّ المؤمنين بهذا الدعاء لوجهين :
الأول : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذرّيته، قال الله تعالى : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ  \[ البقرة : ١٢٤ \] فصار ذلك \[ تأديباً \][(٣)](#foonote-٣) في المسألة، فلما ميّز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصّص المؤمنين بهذا الدُّعاء دون الكافرين. 
الثاني : يحتمل أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكلّ كثر في البلد الكفار، فيكون في كثرتهم مفسدة ومضرّة في ذهاب الناس إلى الحَجّ، فخصّ المؤمنين بالدعاء لهذا السبب. 
قوله : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ  يجوز في " من " ثلاثة أوجه. 
أحدها : أن تكون موصولة، وفي محلّها وجهان :
أحدهما : أنها في محلّ نصب بفعل محذوف تقديره، قال الله : وأرزق من كفر، ويكون " فأمتعه " معطوفاً على هذا الفعل المقدر. 
والثاني \[ من الوجهين \] : أن يكون في محلّ رفع بالابتداء، و " فأمتعه " الخبر، دخلت الفاء في الخبر تشبيهاً له بالشرط. 
وسيأتي أن أبا البقاء يمنع هذا، والرد عليه. 
الثَّاني من الثلاثة الأوجه : أن تكون نكرة موصوفة ذكره أبو البقاء، والحكم فيها ما تقدّم من كونها في محلّ نصب أو رفع. 
الثالث : أن تكون شرطية، ومحلّها الرفع على الابتداء فقط، و " فَأُمَتِّعُهُ " جواب الشرط. 
ولا يجوز في " من " في جميع وجوهها أن تكون منصوبةً على الاشتغال. 
أما إذا كانت شرطاً فظاهر لأن الشرطية إنما يفسر عاملها فعل الشرط لا الجزاء، وفعل الشرط هنا غير ناصب لضميرها بل رافعه. 
وأما إذا كانت موصولة فلأن الخبر الذي هو " فأمتعه " شبيه بالجزاء، ولذلك دخلته الفاء، فكما أن الجزاء لا يفسر عاملاً فما أشبهه أولى بذلك، وكذا إذا كانت موصوفة فإن الصفة لا تفسر. 
وقال أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) : لا يجوز أن تكون " من " مبتدأ، و " فأمتعه " الخبر ؛ لأن " الذي " لا تدخل " الفاء " في خبرها إلا إذا كان الخبر مستحقاً بالصلة نحو : الذي يأتيني فله درهم، والكُفْر لا يستحقّ به التمتع. 
فإن جعلت الفاء زائدة على قول الأخفش جاز، أو جعلت الخبر محذوفاً، و " فأمتعه " دليلاً عليه جاز تقديره : ومن كفر أرزقه فأمتعه. 
ويجوز أن تكون " من " شرطية، والفاء جوابها. 
وقيل : الجواب محذوف تقديره : ومن كفر أرزق، و " من " على هذا رفع بالابتداء، ولا يجوز أن تكون منصوبة ؛ لأن أدوات الشرط لا يعمل فيها جوابها، بل فعل الشرط انتهى. 
أما قوله :" لأن الكفر لا يستحقّ به التمتّع " فليس بمسلّم، بل التمتُّع القليل والمصير إلى النار مستحقَّان بالكفر. 
وأيضاً فإن التمتُّع وإن سلّمنا أنه ليس مستحقّاً بالكفر ؛ ولكن قد عطف عليه ما هو مستحقّ به، وهو المصير إلى النار، فناسب ذلك أن يقعا جميعاً خبراً. 
وأيضاً فقد ناقض كلامه ؛ لأنه جوز فيها أن تكون شرطية، وهل الجزاء إلاَّ مستحق بالشرط، ومترتب عليه ؟ فكذلك الخبر المشبه به. 
وأما تجويزه زيادة الفاء، وحذف الخبر، أو جواب الشرط فأوجه بعيدة لا حاجة إليها. 
وقرئ :" أُمْتِعُهُ " مخفَّفاً من أمتع يمتع، وهي قراءة[(٥)](#foonote-٥) ابن عامر رضي الله عنه، و " فأمتعه " بسكون العين، وفيها وجهان :
أحدهما : أنه تخفيف كقوله :\[ السريع \]
٧٨٤- فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ \*\*\*. . . [(٦)](#foonote-٦)
والثاني : أن " الفاء " زائدة وهو جواب الشرط ؛ فلذلك جزم بالسكون، وقرأ ابن عباس[(٧)](#foonote-٧) رضي الله عنهما ومجاهد  فَأمْتِعْهُ ثُمَّ اضْطرَه  على صيغة الأمر فيهما، ووجهها أن يكون الضمير في " قال " لإبراهيم يعني سأل ربه ذلك و " من " على هذه القراءة يجوز أن تكون مبتدأ، وأن تكون منصوبة على الاشتغال بإضمار فعل سواء جعلتها موصولة أو شرطية، إلا أنك إذا جعلتها شرطية قدرت الناصب لها متأخراً عنها ؛ لأن أداة الشرط لها صدر الكلام. 
وقال الزمخشري :" وَمَنْ كَفَر " ١ - البيت لذي الرمة ينظر ديوانه: ص ١٠٤، وخزانة الأدب: ٣/ ٤١٨، ٤٢٠، والدرر: ٣/١٦٨، وشرح شواهد الإيضاح: ص ٢٤٢، والكتاب: ٢/٣٣٢، ولسان العرب (بلد)، (بغم)، وشرح الأشموني: ١/٢٣٤، وشرح شواهد المغني: ١/٢١٨، ٣٩٤، ٢/٧٢٩، ومغني اللبيب: ١/٧٢، والمقتضب: ٤/٤٠٩، وهمع الهوامع: ١/٢٢٩، والدر المصون: ١/٣٦٦..
٢ - في أ: قلنا..
٣ - في أ: كالتأديب له..
٤ - ينظر الإملاء: ١/٦٢..
٥ - انظر السبعة: ١٧٠، والكشف: ١/٢٦٥، وحجة القراءات: ١١٤، والحجة: ٢/٢٢١، وإتحاف: ١/٤١٧، والعنوان: ٧١، وشرح الطيبة: ٤/٦٨، وشرح شعلة: ٢٧٧..
٦ - تقدم برقم ٤٩٧..
٧ - انظر الشواذ: ١٧، والمحرر الوجيز: ١/٢٠٩، والبحر المحيط: ١/٥٥٥، والدر المصون: ١/٣٦٧..

### الآية 2:127

> ﻿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:127]

" إذ " عطف على " إذ " قبلها، فالكلام فيهما واحد. 
و " يرفع " في معنى رفع ماضياً ؛ لأنها من الأدوات المخلصة المضارع للمضي. 
وقال الزمخشري :" هي حكاية حال ماضية " قال أبو حيان : وفيه نظر. 
و " القواعد " جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوق، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة، ومنه " قَعَّدَك الله " أي : أسأل الله تثبيتك، ومعنى رَفْعِها البناءُ عليها ؛ لأنه إذا بني عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى الارتفاع. 
وأما القواعد من النِّسَاء فمفردها " قاعد " من غير تاء ؛ لأن المذكر لا حظَّ له فيها إذ هي من : قَعَدَتْ عن الزوج. 
ولم يقل " قواعد البيت "، بالإضافة لما في البيان بعد الإبهام من تفخيم شأن المبين. 
\[ فصل في مشاركة إسماعيل في رفع القواعد
الأكثرون على أن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام واختلفوا هل كان إسماعيل شريكاً له في رفع القواعد ؟
فالأكثرون على أنه كان شريكاً له ؛ للعطف عليه. 
وروي عن علي رضي الله عنه أنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر. 
فقالا : إلى من تكلنا ؟
قال : إلى الله تعالى، فعطش إسماعيل ولم ير الماء، فناداه جبريل أن اضرب الأرض بأصبعك، فضربها بأصبعه، فنبع زمزم. وهذا ضعيف ؛ وذلك لقوله تعالى : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا  وهذا يوجب صرفه إلى المذكور السابق : وهو رفع القواعد \].

### فصل في الكلام على رفع القواعد


يروى أن الله تبارك وتعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء، وأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زُمُرّد أخضر، وأنزل الله الحجر، وكان أبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية، وأمر الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام أن يحج إليه، ويطوف به. 
قال ابن عباس رضي الله عنهما : حج آدم صلوات الله وسلامه عليه أربعين حجّة من " الهند " إلى " مكة " ماشياً، وكان ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة، وبعث جبريل عليه الصلاة والسلام حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس، وكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم أمر الله تعالى إبراهيم- عليه الصلاة والسلام بعد ما ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام ببناء البيت، فسأل الله تعالى أن يبين له موضعه، فبعث الله السّكينة ليدله على موضع البيت، فتبعها حتى أتيا " مكة "، هذا قول علي رضي الله تعالى عنه. 
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بعث الله سحابة على قدر الكَعْبة، وذهب إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ظلها إلى أن وافت " مكة " فوقعت على موضع البيت، فنودي منها يا إبراهيم ابْنِ على ظلها ولا تزد ولا تنقص. 
\[ وقيل : أرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام ليدله على موضع البيت قال ابن عباس رضي الله عنهما : بُنِي البيت من خمسة أجبل : طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان جبال بالشام، والجودي : جبل بالجزيرة وقواعده من حراء جبل بمكة المشرفة، فلما انتهى لموضع الحجر قال لإسماعيل عليه الصلاة والسلام يطلبه فصاح أبو قُبيس : يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود، فوضعه مكانه. 
وقيل : إن الله تبارك وتعالى بنى البيت المعمور في السماء، وسمي " صراح "، وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره وبقية الكلام على البيت يأتي في سورة " الحج " إن شاء الله تعالى والله أعلم \]. 
**قوله :" من البيت " فيه وجهان :**
أحدهما : أنه متعلّق ب " يرفع " ومعناها ابتداء الغاية. 
والثاني : أنها في محل نصب على الحال من " القواعد "، فيتعلّق بمحذوف تقديره : كائنة في البيت، ويكون معنى " من " التبعيض \[ روى ابن كثير رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، " أن القواعد حجارة كأسنمة البخت بعضها من بعض، وحكى عن رجل من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ؛ ليخرج بها أحدهما، فتحركا تحرك الرجل، فانتفضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس ". 
وقيل : أبصر القوم برقة، كادت تخطف بصر الرجل فبرأ الرجل من يده، فوقع في موضعه، فتركوه ورجعوا إلى بنيانهم \]. 
قوله :" وَإٍسْمَاعِيلُ " فيه قولان :
أحدهما : وهو الظاهر أنه عطف على " إبراهيم "، فيكون فاعلاً مشاركاً له في الرفع، ويكون قوله : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا  في محلّ نصب بإضمار القول، ذلك القول في محل نصب على الحال منهما، أي : يرفعان يقولان : ربنا تقبل، ويؤيد هذا قراءة عبد الله بإظهار فعل القول، قرأ :" يَقُولاَنِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ " أي : قائلين ذلك، ويجوز ألا يكون هذا القول حالاً، بل هو جملة معطوفة على ما قبلها، ويكون هو العامل في " إذ " قبله، والتقدير : يقولان : ربنا تقبل إذ يرفعان، أي : وقت رفعهما. 
والثَّاني : الواو \[ واو الحال \]، و " إسماعيل " مبتدأ وخبره قول محذوف هو العامل في قوله :" رَبَّنَا تَقَبَّلْ " فيكون إبراهيم هو الرَّافع، وإسماعيل هو الدَّاعي فقط، قالوا : لأن إسماعيل كان حينئذ طفلاً صغيراً، ورَوَوْه عن علي رضي الله عنه والتقدير إذ يرفع إبراهيم حال كون إسماعيل يقول : ربنا تقبل منّا. 
وفي المجيء بلفظ " الرب " جل وعز تنبيه بذكر هذه الصفة على التربية والإصلاح. 
و " تقبّل " بمعنى " اقبل "، ف " تَفَعَّلْ " هنا بمعنى المجرد. 
وتقدم الكلام على نحو " إنك أنت السميع " من كون " أنت " يجوز فيه التأكيد والابتداء والفَصْل. وتقدمت صفة السَّمع، وإن كان سؤال التقبل متأخراً عن العمل للمجاورة، كقوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ  \[ آل عمران : ١٠٦ \] وتأخرت صفة العلم، لأنها فاصلة، ولأنها تشمل المسموعات وغيرها. 
\[ فإن قيل : قوله : إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  يفيد الحصر، وليس الأمر كذلك، فإن غيره قد يكون سميعاً. 
فالجواب أنه تعالى لكماله في هذه الصفة كأنه هو المختص بها دون غيره \].

### الآية 2:128

> ﻿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:128]

قوله :" مسلمين " مفعول ثان للجعل ؛ لأنه بمعنى \[ التصيير، والمفعول الأول هو \] " نا ". 
وقرأ ابن عباس " مُسْلِمِيْنَ " بصيغة الجمع وفي ذلك تأويلان :
أحدهما : أنهما أجريا التثنية مجرى الجمع، وبه استدل من يجعل التثنية جمعاً. 
والثاني : أنهما أرادا أنفسهما وأهلهما ك " هاجر ". 
**قوله :" لك " فيه وجهان :**
أحدهما : أن يتعلق ب " مسلمين " لأنه بمعنى نُخْلص لك أوجهنا نحو :
 أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ  فيكون المفعول محذوفاً لفهم المعنى. 
والثاني : أنه نعت لمسلمين أي : مسلمين مستقرين لك أي مستسلمين. والأول أقوى معنى.

### فصل فيمن استدل بهذه الآية على القول بخلق الأعمال


استدلوا بهذه الآية على خلق الأعمال بقوله : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة، وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلاّ خَلْق ذلك فيهما، فإن \[ الجعل \] عبارة عن الخلق. 
قال الله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ  \[ الأنعام : ١ \] فدلّ هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى. 
فإن قيل : هذه الآية الكريمة متروكة الظاهر ؛ لأنها تقتضي أنهما وقت السُّؤال \[ كانا \] غير مسلمين إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل، وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين ؛ ولأن صدور هذا الدُّعَاء منهما لا يصلح إلاَّ بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسّك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجَعْل عبارة عن الخَلْق والإيجاد بل له معانٍ أخر سوى الخلق :
أحدها :" جعل " بمعنى " صيّر "، قال \[ الله \] تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الّلَيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً  \[ الفرقان : ٤٧ \]. 
وثانيها :" جعل " بمعنى " وهب "، تقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الغرس. 
وثالثها :\[ جعل \] بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى : وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثاً  \[ الزخرف : ١٩ \]. 
وقال  وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ  \[ الأنعام : ١٠ \]. 
ورابعها :" جعل " كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً 
\[ السجدة : ٢٤ \] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً  \[ البقرة : ١٢٤ \] فهو الأمر. 
وخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله : جعلته كاتباً \[ وشاعراً \] إذا علمته ذلك. 
وسادسها : البيان والدّلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت \[ من الحجة \] ما بين بطلان ذلك. إذا ثبت ذلك فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام، والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني فلان لصّاً، وجعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك سلّمنا أن المراد من الجَعْل الخَلْق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام، وتوفيقهما لذلك ؟ فمن وفّقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها، فقد جعله الله مسلماً له، ومثاله من يؤدّب ابنه حتى يصير أديباً، فيجوز أن يقال : صيّرتك أديباً، وجعلتك أديباً، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصّاً محتالاً. 
سلمنا أن ظاهر الآية الكريمة يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام، لكنه على خلاف الدَّلاَئل العقلية، فوجب ترك القول به. 
وإما قلنا \[ إنه \] على خلاف الدَّلائل العقلية ؛ لأنه لو كان فعل العَبْد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به مدحاً ولا ذمّاً، ولا ثواباً ولا عقاباً، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد. 
والجواب : قوله : الآية متروكة الظاهر. 
**\[ قلنا \] : لا نسلّم وبيانه من وجوه :**
الأول : أن الإسلام عرض قائم بالقلب، وأنه لا يبقى زمانين فقوله :" واجعلنا مسلمين لك " أي : اخلق هذا العرض، فينافي الزمان المستقبل دائماً، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال. 
الثاني : أن يكون المراد منه الزِّيَادة في الإسلام كقوله : لِيَزْدَادُواْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ  \[ الفتح : ٤ \]  وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى  \[ محمد : ١٧ \] ويؤيد هذا قوله تعالى  وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  \[ البقرة : ٢٦٠ \] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال. 
الثالث : أن " الإسلاَم " إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد أما إذا أضيف بحرف " اللام " كقوله :" مُسْلِمَيْنِ لَكَ "، فالمراد الاستسلام له والانقياد والرِّضا بكل ما مقدر \[ وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية، فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال \] فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر. 
قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك فلا نسلم أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف، وجب حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال : وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح، وهو مرغوب له فيه. 
قلنا : نعم ! لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من تحصيل الرغبة في تحصيل الوَصْف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى. 
وأيضاً أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلاً، وأي فائدة في طلبه بالدعاء. 
وأيضاً أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كلّ من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال : جعله مسلماً. 
أما قوله : يحمل ذلك على فعل الألطاف. 
**فالجواب : هذا مدفوع من وجوه :**
أحدها : أن لفظ الجَعْل مضاف إلى " الإسلام "، فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر. 
وثانيها : أن تلك الألْطَاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها، وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل، وإنه غير جائز. 
وثالثها : أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في تَرْجيح جانب الفعل على الترك أو لا. 
فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً. 
وإن كان لها أثر في الترجيح، فنقول : متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب، وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح، إما أن يجب الفعل، أو يمتنع، أو لا يجب أصلا ولا يمتنع. 
فإن وجب فهو المطلوب. 
وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع : إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً، وقد فرضناه كذلك هذا خلف. 
وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجّح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول. 
قوله : الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم. 
قلنا : إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم. 
قال القرطبي : سألاه التثبت والدوام و " الإسلام " في هذا الموضع : الإيمان والأعمال جميعاً، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ 
\[ آل عمران : ١٩ \]، وكفى هذا دليلاً لمن قال إن الإيمان والإسلام هما شيء واحد، ويؤيده قوله تعالى : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ  \[ الذاريات : ٣٥، ٣٦ \] والله أعلم. 
قوله : وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً  فيه قولان :
أحدهما وهو الظاهر أن " من ذرّيتنا " صفة لموصوف محذوف وهو مفعول أول، و " أمة مسلمة " مفعول ثان تقديره : واجعل فريقاً من ذرّيتنا أمة مسلمة. 
**وفي " من " حينئذ ثلاثة أقوال :**
أحدها : أنها للتبعيض. 
والثاني- أجازه الزمخشري أن تكون للتبيين، قال تبارك وتعالى :
 الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ  \[ النور : ٥٥ \]. 
الثالث : أن تكون لابتداء غاية الجعل، قاله أبو البقاء. 
والثاني من القولين : أن يكون " أمة " هو المفعول الأول، و " من ذرّيتنا " حال منها ؛ لأنه في الأصل صفة نكرة، فلما قدم عليها انتصب حالاً، و " مسلمة " هو المفعول الثاني، والأصل : واجعل الأمة من ذريتنا مسلمة، ف " الواو " داخلة في الأصل على " أمة "، وإنما فصل بينهما بقوله :" مِنْ ذُرِّيَّتِنَا " وهو جائز ؛ لأنه من جملة الكلام المعطوف، وفي إجازته ذلك نظر، فإن النحويين كأبي عليٍّ وغيره منعوا الفصل بالظَّرف \[ بين حرف العطف \] إذا كان على حرف واحد وبين المعطوف وجعلوا منه قوله :\[ المنسرح \]٧٨٦- يَوْماً تَرَاهَا كَشِبْهِ أَرْدِيةِ ال  عَصْبِ وَيَوْماً أَدِيمُها نَغِلاَضرورة، فالفصل في الحال أبعد، وصار ما أجازه نظير قولك :" ضرب الرجل ومتجردة المرأة زيد " وهذا غير فصيح، ولا يجوز أن يكون أجعل المقدرة بمعنى أخلْقُ وأُوْجِد، فيتعدى لواحد، ويتعلق " من ذرّيتنا " به، ويكون " أمة " مفعولاً به، لأنه إن كان من عطف المفردات لزم التشريك في العامل الأول، والعامل الأول ليس معناه " اخلق " إنما معناه " صَيِّرْ ". 
وإن كان من عطف الجمل، فلا يحذف إلا ما دلّ عليه المنطوق، والمنطوق ليس بمعنى الخلق، فكذلك المحذوف ألا تراهم منعوا في قوله :
 هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ  \[ الأحزاب : ٤٣ \] أن يكون التقدير : وملائكته يصلون لاختلاف مدلول الصَّلاتين، وتأولوا ذلك على قدر مشترك بينهما، وقوله :" لك " فيه الوجهان المتقدمان بعد " مسلمين ". 
### فصل


إنما خص بعضهم ؛ لأنه تعالى أعلمهما \[ أن \] في ذريتهما الظالم بقوله  لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . 
وقيل : أراد به العرب ؛ لأنهم من ذريتهما. 
وقيل : هم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ  \[ البقرة : ١٢٩ \]. 
فإن قيل : قوله : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ  كما يدلّ على أن في ذرّيته من يكون ظالماً فكذلك \[ يوجب فيهم من لا يكون ظالماً \]، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوماً بتلك الآية، فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى ؟
فالجواب : تلك الدلالة ما كانت قاطعة، والشفيق بسوء الظن مولع. 
فإن قيل : لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجرى مجرى البُخْل في الدعاء ؟
فالجواب : الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  \[ التحريم : ٦ \] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم. 
والأمة هنا : الجماعة، وتكون واحداً إذا كان يقتدى به في الخير، ومنه قوله تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ  \[ النحل : ١٢٠ \]. وقد يطلق لفظ الأمّة على غير هذا المعنى \[ كقوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة  أي دين وملة \]. ومنه قوله تعالى :{ إِنَّ هَذِهِ أ

### الآية 2:129

> ﻿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [2:129]

**في ضمير " فيهم " قولان :**
أحدهما : أنه عائد على معنى الأمة ؛ إذ لو عاد على لفظها لقال :" فيها " قاله أبو البقاء. 
والثاني : أنه يعود على الذّرية بالتأويل المتقدم وقيل : يعود على أهل " مكة "، ويؤيده : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ  \[ الجمعة : ٢ \]، وفي قراءة أبي :" وَابْعَثْ فيهِمْ فِي آخِرِهُمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ". 
قوله :" مِنْهُمْ " في محلّ نصب، لأنه صفة ل " رسولاً "، فيتعلّق بمحذوف، أي : رسولاً كائناً منهم. 
قال ابن الأنباري : يشبه أن يكون أصله من قولهم : ناقة مرْسَال ورسلة، إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النُّوق. 
ويقال للجماعة المهملة المرسلة : رسل، وجمعه أَرْسَال. ويقال : جاء القوم أَرْسالاً، أي بعضهم في أثر بعض، ومنه يقال للبن : رسل، لأنه يرسل من الضرع. نقله القرطبي رحمه الله تعالى. 
قوله :" يَتْلُو " في محلّ هذه الجملة ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها في محلّ نصب صفة ثانية ل " رسولاً "، وجاء هذا على الترتيب الأحسن، إذ تقدم ما هو شبيه بالمفرد، وهو المجرور على الجملة. 
والثاني : أنها في محل نصب على الحال من " رسولاً " ؛ لأنه لما وصف تخصص. 
الثالث : أنها حال من الضمير في " منهم "، والعامل فيها الاستقرار الذي تعلّق به " منهم " لوقوعه صفةً. 
وتقدم قوله :" العزيز " ؛ لأنها صفة ذات، وتأخر " الحكيم " ؛ لأنها صفة فعل. 
ويقال : عَزَّ يَعُزُّ، ويَعَزُّ، ويعِزُّ، ولكن باختلاف معنى، فالمَضْمُوم بمعنى " غلب "، ومنه : وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  \[ ص : ٢٣ \]. 
والمفتوح بمعنى \[ الشدة، ومنه : عزّ لحم الناقة، أي : اشتد، وعَزّ عليّ هذا الأمر، والمكسور بمعنى \] النَّفَاسة وقلّة النظير. 
### فصل في الكلام على دعاء سيدنا إبراهيم


اعلم أن هذا الدعاء يفيد كمال حال ذرّيته من وجهين :
أحدهما : أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع. 
والثاني : أن يكون المبعوث منهم لا من غيرهم، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها، وإذا كان منهم، فإنهم يعرفون مولده ومنشأه، فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه، وأمانته، وكان أحرص الناس على خيرهم، وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم. 
أجمع المفسرون على أن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم روي أنه عليه الصلاة والسلام قال :" أَنَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيْمَ وَبِشَارَةُ عِيْسَى[(١)](#foonote-١) ". 
وأراد بالدعوة هذه الآية، وبِشَارة عيسى عليه الصلاة والسلام ما ذكره في سورة " الصف " من قوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ \[ الصف : ٦ \]. 
وثالثها : أن إبراهيم عليه السَّلام إنما دعا بهذا الدعاء ب " مكة " لذريته الذين يكونون بها، وبما حولها، ولم يبعث الله تعالى إلى من ب " مكة " وما حولها إلاّ محمداً صلى الله عليه وسلم. 
قال ابن عباس رضي الله عنهما : كل الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام من بني إسرائيل إلا عشرة : هود ونوح وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. 
قوله : يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ  فيه وجهان :
الأول : أنها الفُرْقان الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه. 
الثاني : يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدَّالة على وجود الصَّانع وصفاته سبحانه وتعالى، ومعنى تلاوته إيّاها عليهم : أنه كان يذكرهم بها، ويدعوهم إليها، ويحملهم على الإيمان بها. 
قوله :" وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَاب " أي : القرآن يعلمهم ما فيه من الدَّلائل والأحكام. 
وأما الحكمة فهي : الإصابة في القول والعمل. 
وقيل : أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وهو راجع إلى ما ذكرنا من الإصابة في القول والعمل. 
اختلف المفسرون \[ في المراد بالحكمة \] هاهنا. 
قال ابن وهب قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال : معرفة الدين، والفقه فيه، والاتباع له. 
وقال الشافعي رضي الله عنه : الحكمة سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول قتادة. 
قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه : والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولاً، وتعليمه ثانياً، ثم عطف عليه الحكمة، فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئاً خارجاً عن الكتاب، وليس ذلك إلاَّ سُنّة الرسول عليه السلام. 
فإن قيل : لم لا يجوز حَمْله على تعليم الدَّلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة ؟
فالجواب : لأن العقول مستقبلة كذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يُسْتفاد من الشرع أَوْلَى. 
وقيل : الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل. 
وقال مقاتل : هي مواعظ القرآن الكريم، وما فيه من الأحكام. 
وقال ابن قتيبة : هي العلم والعمل به. 
وقيل : حكمة تلك الشرائع، وما فيها من وجوه المصالح والمنافع. 
وقيل : أراد بالكتاب الآيات المحكمة، وأراد بالحكمة المتشابهات. \[ وقال ابن دُريد : كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة \]. 
وأما قوله :" وَيُزَكِّيهِمْ ". 
قال الحسن : يطهّرهم من شركهم. 
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : التزكية هي الطاعة والإخلاص. 
وقال ابن كيسان : يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا هم للأنبياء بالبلاغ لتزكية المزكي للشهود. 
وقيل : يأخذ زكاة أموالهم. ولما ذكر هذه الدعوات، فتمّمها بالثناء على الله تعالى فقال : إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . 
و " العزيز " : هو القادر الذي لا يغلب، و " الحكيم " : هو العليم الذي لا يجهل شيئاً. 
\[ واعلم أن " العزيز " و " الحكيم " بهذين التفسيرين صفة للذات، وإذا أريد بالعزيز أفعال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأراد بالحكمة : أفعال الحكمة، لم يكن " العزيز " و " الحكيم " من صفات الذات، بل من صفات الفعل، والفرق بين هذين النوعين : أن صفات الذات أزلية، وصفات الفعل ليست كذلك، وصفات الفعل أمور سببية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفعل، وصفات الذات ليست كذلك. 
### فصل \]


\[ و \] قال الكلبي : العزيز المنتقم لقوله تعالى : وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ  \[ آل عمران : ٤ \]. 
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : العزيز الذي لا يوجد مثله. 
وقيل : المنيع الذي لا تناله الأيدي، ولا يصل إليه شيء. 
وقيل : القوي. 
والعزّة القوة، لقوله تعالى : فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ  \[ يس : ١٤ \] أي قوينا. 
وقيل : الغالب، لقوله : وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  \[ ص : ٢٣ \] أي غلبني، ويقال : من عزيز أي من غلب. 
واعلم أن مناسبة قوله : أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  لهذا الدعاء هو أن العزيز هو القادر، والحكيم هو العالم بوضع الأشياء في مواضعها، ومن كان عالماً قادراً فهو قادر على أن يبعث فيهم رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم. 
١ - أخرجه أحمد في المسند (٤/١٢٧-١٢٨). وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١/٦٩). وابن سعد في الطبقات (١/١/٩٦)- وابن عساكر: ١/٣٩. والطبري في التفسير (١/٤٣٥)- وذكره القرطبي في التفسير ٢/١٣١- والسيوطي في الدر المنثور: ١/١٣٩، ٥/٢٠٧- والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٨٣٣، ٣١٨٣٤، ٣١٨٣٥، ٣١٨٨٩..

### الآية 2:130

> ﻿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [2:130]

" من " اسم استفهام بمعنى الإنكار، فهو نفي في المعنى، لذلك جاءت بعده " إلاَّ " التي للإيجاب، ومحلّه رفع بالابتداء. 
و " يرغب " خبره، وفيه ضمير يعود عليه. 
والرغبة أصلها الطلب، فإن تعدت ب " في " كانت بمعنى الإيْثَار له، والاختيار نحو : رغبت في كذا، وإن تعدت ب " عن " كانت بمعنى الزّهَادة نحو : رغبت عنك. 
قوله : إِلاَّ مَن سَفِهَ  في " مَنْ " وجهان. 
أحدهما : أنها في محلّ رفع على البدل من الضمير في " يرغب "، وهو المختار ؛ لأن الكلام غير موجب، والكوفيون يجعلون هذا من باب العطف. 
فإذا قلت : ما قام القوم إلاَّ زيد، ف " إلاَّ " عندهم حرف عطف، وزيد معطوف على القوم، وتحقيق هذا مذكور في كتب النحو. 
الثاني : أنها في محلّ نصب على الاستثناء، و " من " يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون نكرة موصوفة، فالجملة بعدها لا محلّ لها على الأول، ومحلها الرفع، أو النصب على الثاني. 
قوله :" نَفْسَهُ " في نصبه سبعة أوجه :
أحدها : وهو المختار أن يكون مفعولاً به ؛ لأنه حكي أن " سَفِهَ " بكسر الفاء يتعدّى بنفسه كما يتعدى " سَفَّه " بفتح الفاء والتشديد، وحكي عن أبي الخَطّاب أنها لغة، وهو اختيار الزّمخشري \[ فإنه قال \] :" سفه نفسه : امتهنها، واستخف بها "، ثم ذكر أوجهاً أخرى. 
ثم قال والوجه الأول، وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث :" الكِبْرُ أَنْ تَسْفَهَ الحَقَّ وَتُغْمِضَ النَّاسَ " . 
الثاني : أنه مفعول به ولكن على تضمين " سفه " معنى فعل يتعدى، فقدره الزجاج وابن جني بمعنى " جهل "، وقدره أبو عبيدة بمعنى " أهلك ". 
قال القرطبي : وأما سَفُهَ بالضم فلا يتعدى قاله ثعلب والمبرد \]. 
الثالث : أنه منصوب على إسقاط حرف الجَرّ تقديره : سَفِهَ في نَفْسه. 
الرابع : توكيد لمؤكد محذوف تقديره : سفه في نفسه، فحذف المؤكد قياساً على النعت والمنعوت، حكاه مكّي. 
الخامس : أنه تمييز، وهو قول الكوفيين. 
قال الزمخشري : ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميِّز ؛ نحو قوله :\[ الوافر \]
٧٩٢-. . . \*\*\* وَلاَ بِفزَارَةَ الشُّعْرِ الرِّقَابَا
\[ الوافر \]
٧٩٣-. . . \*\*\* أَجَبَّ الظَّهْرَ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ
فجعل " الرِّقَاب " و " الظَّهر " تمييزين، وليس كذلك، بل هما مُشَبَّهان بالمفعول به ؛ لأنهما معمولا صفة مشبهة، وهي " الشُّعْر " جمع أَشْعَر، و " أَجَبّ " وهو اسم. 
السادس : أنه مشبه بالمفعول وهو قول بعض الكوفيين. 
السابع : أنه توكيد لمن سفه ؛ لأنه في محل نصب على الاستثناء في أحد القولين، وهو تخريج غريب نقله صاحب " العَجَائب والغَرَائب[(١)](#foonote-١) ". 
والمختار الأول ؛ لأن التضمين لا ينقاس، وكذلك حرف الجر. 
وأما حذف المؤكد وإبقاء التوكيد، فالصحيح لا يجوز. 
وأما التمييز فلا يقع معرفة، وما ورد نادر أو متأول. 
وأما النصب على التشبيه بالمفعول، فلا يكون في الأفعال إنما يكون في الصّفات المشبهة خاصة.

### فصل في مناسبة الآية لما قبلها من الآيات


لما ذكر أمر إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام وشرائعه التي ابتلاه الله بها، وبناء بيته، والحرص على مصالح عباده، ودعائه \[ بالخير لهم \]، وغير ذلك عجب الناس فقال : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ . 
قال النحاس : وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي، أي وما يرغب والمعنى : يزهد فيها، وينأى بنفسه عنها، أي : الملّة وهي الدين والشرع ؛ إلاّ من سَفِهَ نَفْسَهُ. 
قال قتادة : وكل ذلك توبيخ اليهود، والنصارى، ومشركي العرب ؛ لأن اليهود إنما يفتخرون بالوَصْلَة إلى إسرائيل وقريش، فإنهم إنما نالوا كلّ خير بالبيت الذي بناه، \[ فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله \]، وسائر العرب، \[ وهم العدنانيون \] مرجعهم إلى إسماعيل، وهم يفتخرون على \[ القَحْطَانيين \] بما أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام، ولما ثبت أنّ إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى بعثة هذا الرسول في آخر الزمان ثبت أنه هو الذي تضرع إلى الله تعالى في تحصيل هذا المقصود، والعجب ممن \[ أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام \] ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومطلوبه بالتضرّع لا شك أن مما يستحق أن يتعجب منه. 
\[ فإن قيل : لعل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي طلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعثه غير هذا الشخص. 
فالجواب أن التوراة والإنجيل شاهدة بصحة هذه الرواية، والمعتمد في إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزة على يده، وهو القرآن الكريم وإخباره عن الغيوب منسوخ، ولفظ " الملة " يتناول الفروع والأصول ؛ فيكون محمداً عليه الصلاة والسلام. 
والجواب لمّا أنه طلب من الله بعثة هذا الرسول وتأييده ونشر شريعته، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم \]. 
### فصل


روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما : إن الله تعالى قال في التوراة : إني باعث من ولد إسماعيل نبيّاً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، وأَسْلم سَلَمَةُ، ومهاجر أَبَى أن يسلم، فنزلت هذه الآية الكريمة. 
قال ابن عباس رضي الله عنهما : إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ  خَسر نفسه. 
وقال الكلبي :" ضلّ من قتل نفسه ". 
وقال أبو البقاء، وأبو عبيدة :" أهلك نفسه ". 
وقال ابن كيسان والزجاج :" جهل نفسه " ؛ لأنه لم يعرف الله تعالى خالقها، وقد جاء " مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ ". 
وقال ابن بحر : معناه جهل نفسه، وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعاً ليس كمثله شيء، فيعلم به توحيد الله وقدرته. 
وهذا معنى قول الزجاج رحمه الله تعالى : لا يفكّر في نفسه من بيدين يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما، وعينين يبصر بهما، وأذنين يسمع بهما، ولسان ينطق به، وأضراس نبتت له عند غناه عن الرضاع، وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام، ومَعِدَة أعدّت لطبخ الغذاء، وكبد يصعد إليها صَفْوه، وعروق ينفذ بها إلى الأطراف، وأمعاء يرتكز إليها نقل الغذاء، فيبرز من أسفل البدن، فيستدل بها على أن له خالقاً قادراً عليماً حكيماً وهذا معنى قوله تعالى : وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  { الذاريات : ٢١ \]. 
قوله : وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا  اخترناه من سائر الخلق في الدنيا، وإنّه في الآخرة عظيم المنزلة. 
\[ قال الحسين بن فضيل : فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى. وقال الحسن : من الذين يستحقون الكرامة وحسن الثواب \]. 
قوله :" فِي الآخِرَةِ " فيه خمسة أوجه :
أحدها : أنه متعلّق بالصالحين على أن الألف واللام للتعريف، وليست موصولة. 
الثاني : أنه متعلّقة بمحذوف تقديره أعني في الآخرة كقولك : بعد سقياه. 
الثالث : يتعلق بمحذوف أيضاً، لكن من جنس الملفوظ به أي : وإنه لصالح في الآخرة لمن الصالحين. 
الرابع : أن يتعلق بقوله الصالحين، وإن كانت " أل " موصولة ؛ لأنه يُغْتفر في الظروف وشبهها ما لا يغتفر في غيرها اتساعاً، ونظيره قول الشاعر :\[ الرجز \]
٧٩٤- رَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا تَمَعْدَدَا \*\*\* كَانَ جَزَائِي بِالْعَصَا أَنْ أُجْلَدَا
الخامس : أن يتعلّق ب " اصطفيناه ". 
قال الحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير مجازه : ولقد اصطفيناه في الدنيا وفي الآخرة. 
وهذا ينبغي ألا يجوز مثله في القرآن لنُبُوِّ السمع عنه. 
والاصطفاه : الاختيار، " افتعال " من صفوة الشيء، وهي خياره، وأصله : اصتفى، وإنما قلبت تاء الافتعال " طاء " مناسبة للصاد لكونها حرف إطْبَاق، وتقدم ذلك عند قوله : أَضْطَرُّهُ  \[ البقرة : ١٢٦ \]. 
وأكد جملة الاصطفاء باللام، والثانية ب " إن " و " اللام " ؛ لأن الثانية محتاجة لمزيد تأكيد، وذلك أن كونه في الآخرة من الصالحين أمر مُغَيَّب، فاحتاج الإخبار به إلى فَضْل توكيد. 
وأما اصطفاء الله فقد شاهدوه منه، ونقله جيل بعد جيل. 
١ - محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني، ويعرف بتاج القراء، عالم بالقراءات، أثنى عليه ابن الجزري وذكر بعض كتبه، ومنها: "لباب التفاسير"، وهو المعروف بكتاب العجائب والغرائب، ضمنه أقوالا في معاني بعض الآيات، ومن كتبه "خط المصاحف" و"لباب التأويل" وغيرها من الكتب توفي سنة ٥٠٥هـ.
 انظر غاية النهاية: ٢/٢/٢٩١، إرشاد الأريب: ٧/١٤٦، هدية العارفين: ٢/٤٠٢، الأعلام: ٧/١٦٨..

### الآية 2:131

> ﻿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [2:131]

**في " إذ " خمسة أوجه :**
أصحها : أنه منصوب ب " قال أسلمت "، أي : قال : أسلمت وقت قول الله له أسلم. 
الثاني : أنه بدل من قوله :" في الدنيا ". 
الثالث : أنه منصوب ب " اصطفيناه ". 
الرابع : أنه منصوب ب " اذكر " مقدراً، ذكر ذلك أبو البقاء، والزمخشري، وعلى تقدير كونه معمولاً ل " اصطفيناه " أو ل " اذكر " مقدراً يبقى قوله :" قَالَ : أَسْلَمْتُ " غير منتظم مع ما قبله، إلاّ أن يقدر حذف حرف عطف أي : فقال، أو يجعل جواباً بسؤالٍ مقدر، أي : ما كان جوابه ؟
فقيل : قال أسلمت. 
الخامس : أبعد بعضهم، فجعله مع ما بعده في محلّ نصب على الحال، والعامل فيه " اصْطَفَيْنَاه ". 
وفي قوله : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ  التفات، إذ لو جاء على نسقه لقيل : إذ قلنا ؛ لأنه بعد " ولقد اصطفيناه "، وعكسه في الخروج من الغيبة إلى الخطاب قوله :\[ البسيط \]
٧٩٥- بَاتَتْ تَشَكَّى إِلَيَّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً \*\*\* وَقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعاً بَعْدَ سَبْعِينا
وقوله :" لرَبِّ الْعَالَمِينَ " فيه من الفخامة ما ليس في قوله " لك " أو " لربي "، لأنه إذا اعترف بأنه ربّ جميع العالمين اعترف بأنه ربه وزيادة، بخلاف الأول، فلذلك عدل عن العبارتين. 
وفي قوله :" أسلم " حَذْفُ مفعول تقديره : أسلم لربك. 
### فصل في تحرير وقت قول الله تعالى لإبراهيم : أسلم


الأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطّلاعه على أمَارَات الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له تعالى : أَسْلِمْ قَالَ : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ؛ لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن يعرف ربه، ويحتمل أيضاً أن يكون قوله :" أسلم " كان قبل الاستدلال، فيكون المراد من هذا القول دلالة الدليل عليه \[ لا نفس القول \] على حسب مذاهب العرب في هذا، كقول الشاعر :\[ الرجز \]
٧٩٦- إِمْتَلأَ الْحَوْضُ وَقَالَ : قَطْنِي \*\*\* مَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأْتِ بَطْنِي
ويدل على ذلك قوله تعالى : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ  \[ الروم : ٣٥ \] فجعل دلالة البُرْهان كلاماً. 
وذهب بعضهم إلى أن هذا الأمر بعد النبوة، واختلفوا في المراد منه. 
فقال الكلبي والأصمّ : أخلص دينك، وعبادتك لله تعالى. 
وقال عطاء : أسلم نفسك إلى الله، وفوّض أمورك إليه. 
قال : أسلمت، أي : فوضت. 
قال ابن عباس رضي الله عنهما : وقد تحقّق ذلك حيث لم يأخذ من الملائكة من ألقي في النار. 
قال القرطبي : والإسلام هنا على أتم وجوهه، فالإسلام في كلام العرب الخضوع والانقياد للمستسلم والله أعلم.

### الآية 2:132

> ﻿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [2:132]

قرئ :" وَصَّى "، وفيه معنى التكثير باعتبار المفعول الموصَّى، وأوصى رباعياً، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وكذلك هي في مصاحف " المدينة " و " الشام ". 
وقيل : أوصى ووصى بمعنى. 
**والضمير في " بها " فيه ستّة أقوال :**
أحدها : أنه يعود على الملّة في قوله : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ  \[ البقرة : ١٣٠ \]. 
قال أبو حيان :" وبه ابتدأ الزمخشري، ولم يذكر المهدوي غيره ". 
والزمخشري رحمه الله لم يذكر هذا، وإنما ذكر عوده على قوله " أسلمت " لتأويله بالكلمة. 
قال الزمخشري : والضمير في " بها " لقوله : أسلمت لرب العالمين  على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً  \[ الزخرف : ٢٨ \] إلى قوله : إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي 
\[ الزخرف : ٢٦ ٢٧ \] وقوله :" كَلِمَةً بَاقِيَةً " دليل على أن التأنيث على معنى الكلمة. انتهى. 
الثاني : أنه يعود على الكلمة المفهومة من قوله :" أسلمت " كما تقدم تقريره عن الزمخشري. 
قال ابن عطية :" وهو أصوب لأنه أقرب مذكور ". 
الثالث : أنه يعود على متأخر، وهو الكلمة المفهومة من قوله : فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ . 
الرابع : أنه يعود على كلمة الإخلاص، وإن لم يَبْدُ لها ذكر قاله الكلبي ومقاتل. 
الخامس : أنه يعود على الطَّاعة للعلم بها أيضاً. 
السادس : أنه يعود على الوصيّة المدلول عليها بقوله :" ووصّى "، و " بها " يتعلّق ب " وَصَّى " و " بنيه " مفعول به. 
روي أنهم ثمانية : إسماعيل، واسم أمه هاجر القبطية، وإسحاق، وأسم أمه سارة وستة، واسم أمهم قنطورا بنت قطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة، فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران وتشيق وشيوخ، ثم توفي عليه الصلاة والسلام. 
وكان بين وفاته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ألفي سنةٍ وستمائة سنة، واليهود ينقصون ذلك نحواً من أربعمائة سنة. 
قوله :" وَيَعْقُوب " الجمهور على رفعه وفيه قولان :
أظهرهما : أنه عطف على " إبراهيم "، ويكون مفعوله محذوفاً، أي : ووصى يعقوب بنيه أيضاً. 
والثاني : أن يكون مرفوعاً بالابتداء، وخبره محذوف تقديره : ويعقوب قال : يا بني إن الله اصطفى. 
وقرأ إسماعيل بن عبد الله، وعمرو بن فائد بنصبه عطفاً على " بنيه "، أي : ووصّى إبراهيم يعقوب أيضاً. 
\[ ولم ينقل أنّ يعقوب جده إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإنما ولد بعد موته قاله الزمخشري، وعاش يعقوب مائة وسبعة وأربعين سنة، ومات بمصر، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة ويدفن عند ابنه إسحاق، فحمله يوسف، ودفنه عنده \]. 
**قوله :" يَا بَنِي " فيه وجهان :**
أحدهما : أنه من مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وذلك على القول بعطف يعقوب على إبراهيم، أو على قراءته منصوباً. 
والثَّاني : أنه من مقول يعقوب إن قلنا رفعه بالابتداء، ويكون قد حذف مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للدلالة عليه تقديره :" ووصّى إبراهيم بنيه يا بني ". 
وعلى كل تقدير فالجملة من قوله :" يا بني " وما بعدها منصوبة بقول محذوف على رأي البصريين، أي : فقال يا بني، وبفعل الوصية ؛ لأنها في معنى القول على رأي الكوفيين، \[ قال النحاس : يا بنِي نداء مضاف، وهذه ياء النفس لا يجوز هنا إلا فتحها ؛ لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان، وبمعناه
 بِمُصْرِخِيَّ  \[ إبراهيم : ٢٢ \] ونحوه \]. وقال الراجز :\[ الرجز \]
٧٩٧- رَجْلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أَخْبَرَانَا \*\*\* إِنَّا رَأَيْنَا رَجُلاً عُرْيَانَا
بكسر الهمزة على إضمار القول، أو لإجراء الخبر مجرى القول، ويؤيد تعلّقها بالوصية قراءة ابن مسعود :" أن يا بني " ب " أن " المفسرة ولا يجوز أن تكون هنا مصدرية لعدم ما يَنْسبك منه مصدر. 
قال الفراء : ألغيت " أن " لأن التوصية كالقول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول " أن " وجاز إلغائها، وقال النحويون : إنما أراد " أن " وألغيت ليس بشيء. ومَنْ أبَى جعلها مفسرة وهم الكوفيون يجعلونها زائدة. 
و " يعقوب " علم أعجمي ولذلك لا ينصرف، ومن زعم أنه سُمِّي يعقوب ؛ لأنه وُلِد عقب العيص أخيه، وكانا توأمين، أو لأنه كثر عَقبهُ ونَسْلُه فقد وهم ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، لأنه عربي مشتق. 
ويعقوب أيضاً ذَكَرُ الْحَجَل، إذا سمي به المذكر انصرف ؛ والجمع يَعَاقِبَة وَيَعَاقِيب، و " اصْطَفَى " ألفه عن ياء تلك الياء منقلبة عن " واو " ؛ لأنها من الصَّفْوة، ولما صارت الكلمة أربعة فصاعداً، قلبت ياء، ثم انقلبت ألفاً. 
اصْطَفَى : اختار. 
قال الراجز :\[ الرجز \]
٧٩٨- يا ابْنَ مُلُوكٍ وَرَّثُوا الأمْلاَكَا \*\*\* خِلافةَ اللهِ الَّتِي أَعْطَاكَا
لَكَ اصْطَفَاهَا وَلَهَا اصْطَفَاكَا \*\*\*. . . 
والدين : الإسلام. 
و " لكم " أي لأجلكم، والألف واللام في " الدين " للعهد ؛ لأنهم كانوا عرفوه. 
قوله : فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ  هذا في الصورة عن الموت، وهو في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك :" لا تصلّ إلا وأنت خاشع "، فنهيك له ليس عن الصلاة، إنما هو عن ترك الخشوع في حال صلاته، والنُّكْتة في إدخال حرف النهي على الصلاة، وهي غير مَنْهِي عنها هي إظهارُ أَنَّ الصلاة التي لا خشوع فيها كَلاَ صلاة، كأنه قال : أنهاك عنها إذا لم تُصَلِّها على هذه الحالة، وكذلك المعنى في الآية الكريمة إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأن حقّ هذا الموت ألا يجعل فيهم. \[ وعن الفضيل بن عياض أنه قال :" إلا وأنتم مسلمون "، أي : مسلمون الظن، أي محسنون الظن بربكم، وروي عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول :" لا يموتن أحد إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى " \]. وأصل تموتُن : تَمُوتُوننَّ : النون الأولى علامة الرفع، والثانية المشددة للتوكيد، فاجتمع ثلاثة أمثال فحذفت نون الرفع ؛ لأن نون التوكيد أولى بالبقاء لدلالتها على معنى مستقلّ، فالتقى ساكنان : الواو والنون الأولى المدغمة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة تدلّ عليها، وهكذا كل ما جاء في نظائره. 
قوله : إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  هذا استثناء مفرغ من الأحوال العامة، و " أنتم مسلمون " مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال، كأنه قال تعالى :" لا تموتنّ على كل حال إلا على هذه الحال "، والعامل فيها ما قبل إلا.

### الآية 2:133

> ﻿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:133]

**" أم " في أم هذه ثلاثة أقوال :**
أحدها وهو المشهور : أنها منقطعة والمنقطعة تقدر ب " بل "، وهمزة الاستفهام. 
وبعضهم يقدرها ب " بل " وحدها، ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا إبطال. 
ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ فيؤول معناه إلى النفي، أي : بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا. 
الثاني : أنها بمعنى همزة الاستفهام، وهو قول ابن عطية والطبري، إلا أنهما اختلفا في محلها. 
فإن ابن عطية قال : و " أم " تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام، لغة يمانية. 
وقال الطبري : إن أم يستفهم بها وسط كلام قد تقدم صدره. 
قال أبو حيان في قول ابن عطية :" ولم أقف لأحد من النحويين على ما قال ". 
وقال في قول الطبري : وهذا أيضاً قول غريب. 
الثالث : أنها متصلة، وهو قول الزمخشري. 
قال الزمخشري بعد أن جعلها منقطعة، وجعل الخطاب للمؤمنين قال بعد ذلك : وقيل : الخطاب لليهود ؛ لأنهم كانوا يقولون : ما مات نبي إلا على اليَهُودية، إلا أنهم لو شهدوه، وسمعوا ما قاله لبنيه، وما قالوه لظهر لهم حرصُه على ملّة الإسلام، وَلَمَا ادَّعوا عليه اليهودية، فالآية الكريمة مُنَافية لقولهم، فكيف يقال لهم : أم كنتم شهداء ؟
ولكن الوجه أن تكون " أم " متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل : أَتَدَّعُون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء، يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذْ أراد بنيه على التوحيد وملّة الإسلام، فما لكم تَدَّعُونَ على الأنبياء ما هم منه براء ؟
قال أبو حيان : ولا أعلم أحداً أجاز حذف هذه الجملة، لا يحفظ ذلك في شعر ولا غيره، لو قلت " أم زيد " تريد :" أقام عمرو أم زيد " لم يجز، وإنما يجوز حذف المعطوف عليه مع الواو والفاء إذا دلّ عليه دليل كقولك :" بلى وعمراً " لمن قال : لم يضرب زيداً، وقوله تعالى : فَانفَجَرَتْ  
\[ البقرة : ٦٠ \] أي فضرب فانفجرت، وندر حذفه مع " أو " ؛ كقوله :\[ الطويل \]
٧٩٩- فَهَلْ لَكَ أَوْ مِنْ وَالِدٍ لَكَ قَبْلَنَا \*\*\*. . . 
أي : من أخ أو والد، ومع حتى كقوله :\[ الطويل \]
٨٠٠- فَوَاعَجَبَا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي \*\*\* كَأَنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعُ
أي : يسبني الناسُ حتى كليبٌ، على نظر فيه، وإنما الجائز حذف " أم " مع ما عطفت كقوله :\[ الطويل \]
٨٠١- دَعَانِي إِلَيْهَا الْقَلْبُ إِنِّي لأَمْرِهِ \*\*\* سَمِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا
أي : أم غَيٌّ، وإنما جاز ذلك ؛ لأن المستفهم على الإثبات يتضمّن نقيضه، ويجوز حذف الثواني المقابلات إذا دلّ عليها المعنى، ألا ترى إلى قوله :
 تَقِيكُمُ الْحَرَّ  \[ النحل : ٨١ \] كيف حذف و " الْبَرْدَ " انتهى. 
و " شهداء " خبر كان، وهو جمع شاهد أو شهيد، وقد تقدم أول السورة. 
قوله :" إذ حضر " إذ منصوب بشهداء على أنه ظرف لا مفعول به أي : شهداء وقت حضور الموت إياه، وحضور الموت كناية عن حضور أسبابه ومقدماته ؛ قال الشَّاعر :\[ البسيط \]
٨٠٢- وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالعُذْرِ وَالْتَمِسُوا \*\*\* قَوْلاً يُبَرِّئُكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْتُ
أي : أنا سببه، والمشهور نصب " يعقوب "، ورفع " الموت "، قدم المفعول اهتماماً وقرأ بعضهم بالعكس. 
وقرئ :" حَضِر " بكسر الضاد، قالوا : والمضارع يَحْضُر بالضم شاذ، وكأنه من التداخل وقد تقدم. 
قوله :" إذْ قَالَ "، " إذ " هذه فيها قولان :
أحدهما : بدل من الأولى، والعامل فيها، إما العامل في " إذ " الأولى إن قلنا : إن البدل لا على نية تكرار العامل، أو عامل مضمر إن قلنا بذلك. 
الثاني : أنها ظرف ل " حضر ". 
قوله :" مَا تَعْبُدُونَ "، ما اسم استفهام في محلّ نصب ؛ لأنه مفعول مقدم بتعبدون، وهو واجب التقديم ؛ لأن له صدر الكلام، وأتى ب " ما " دون " من " لأحد أربعة معانٍ. 
أحدها : أن " ما " للمبهم أمره، فإذا عُلِم فُرّق ب " ما " و " مَنْ ". 
\[ قال الزمخشري : وكفاك دليلاً قول العلماء :" مَن " لما يعقل. 
الثاني : أنها سؤال عن صفة المعبود \]. 
قال الزمخشري : كما تقول : ما زيد ؟ تريد : أفقيه أم طبيب، أم غير ذلك من الصفات ؟
الثالث : أن المعبودات في ذلك الوقت كانت غير عقلاء، كالأوثان والأصنام والشمس والقمر، فاستفهم ب " ما " التي لغير العاقل، فعرف بَنُوه ما أراد، فأجابوه عنه بالحق. 
الرابع : أنه اختبرهم وامتحنهم فسألهم ب " ما " دون " من "، لئلا يَطْرُق لهم الاهتداء، فيكون كالتلقين لهم، ومقصوده الاختبار. 
**وأجاب ابن الخطيب بوجهين :**
الأول : أن " ما " عام في كل شيء، والمعنى : أي شيء تعبدون. 
والثاني : قوله :" مَا تَعْبُدُونَ " كقولك عند طلب الحد والرسم ما الإنسان ؟
وقوله :" مِنْ بَعْدي " أي : بعد موتي. 
قوله : قَالُواْ : نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ . 
تمسّك المُقَلِّدة بهذه الآية الكريمة قالوا : إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، ولم ينكره عليهم. 
والجواب : أن هذا ليس تقليداً، وإنما هو إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصَّانع كقوله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ 
\[ البقرة : ٢١ \] فهاهنا المراد من قوله : نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ  أي : نعبد الإله الذي دلّ عليه وجودك، ووجود آبائك. 
### فصل في نزول هذه الآية


قال القَفّال : وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل " مصر " رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان، فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم هذا القول تحريضاً لهم على التمسّك بعبادة الله تعالى. 
وحكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب عليه السَّلام جمعهم إليه عند الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال : يا بني ما تبعدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك. 
**ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين :**
الأول : أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين. 
الثاني : أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأَسْبَاط من أولاد يعقوب، وأنهم كانوا قوماً صالحين، وذلك لا يليق بحالهم. 
\[ وقال عطاء : إن الله لم يقبض نبياً حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما خير يعقوب قال : أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم ؛ ففعل ذلك به، فجمع ولده وولد ولده، وقال لهم : قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون، والعرب تسمي العم أباً كما تسمي الخالة أماً، وسيأتي الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى \]. 
وقال القَفَّال : وقيل : إنما قدّم ذكر إسماعيل على إسحاق ؛ لأن إسماعيل \[ كان أسنّ من إسحاق \]. 
قوله :" وَإِلَهَ آبَائِكَ " أعاد ذكر الإله، لئلا يَعْطِفَ على الضمير المجرور دون إعادة الجار، والجمهور على " آبائك ". 
وقرأ الحسن ويحيى وأبو رجاء :" أبيك ". 
وقرأ أُبّي :" وَإلهَ إِبْرَاهِيمَ " فأسقط " آبائك ". 
فأما قراءة الجمهور فواضحة. 
وفي " إبراهيم " وما بعده حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدل. 
والثاني : أنه عطف بيان، ومعنى البدلية فيه التفصيل. 
الثالث : أنه منصوب بإضمار " أعني " فالفتحة على هذا علامة للنصب، وعلى القولين قبله علامة للجر لعدم الصَّرْف، وفيه دليل على تسمية الجَدِّ والعم أباً، فإن إبراهيم جده وإسماعيل عمه، كما يطلق على الخالة أمّ، ومنه : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ  \[ يوسف : ١٠٠ \] في أحد القولين. 
قال بعضهم : وهذا من باب التَّغليب، يعني : أنه غلب الأب على غيره، وفيه نظر، فإنه قد جاء هذا الإطلاق حيث لا تثنية ولا جمع، فيغلب فيهما. 
**وأما قراءة " أبيك " فتحتمل وجهين :**
أحدهما : أن يكون مفرداً غير جمع، وحينئذ فإما أن يكون واقعاً موقع الجمعِ أو لا، فإنْ كان واقعاً موقع الجمع، فالكلام في " إبراهيم " وما بعده كالكلام فيه على القراءة المشهورة. وإن لم يكن واقعاً موقعَهُ، بل أريد به الإفراد لفظاً ومعنى، فيكون " إبراهيم " وحده على الأوجه الثلاثة المتقدمة، ويكون إسماعيل وما بعده عطفاً على " أبيك "، أي : وإله إسماعيل. 
الثاني : يكون جمع سلامة بالياء والنون، وإنما حذفت النون للإضافة، وقد جاء جمع أب على " أبُونَ " رفعاً، و " أبين " جراً ونصباً، حكاها سيبويه ؛ قال الشاعر :\[ المتقارب \]
٨٠٣- فَلَمَّا تَبَيَّنَّ أصْوَاتَنَا \*\*\* بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنَا بِالأَبِينَا
ومثله :\[ الوافر \]
٨٠٤- فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنَّا أَخُوكُمْ \*\*\*. . . 
والكلام في إبراهيم وما بعده كالكلام فيه بعد جمع التكسير. وإسحاق : علمٌ أعجميٌّ، ويكون مصدر أسحق، فلو سُمِّي به مذكرٌ لانصرف، والجمع : أساحقةٌ وأساحيق. 
قال القرطبي : ولم ينصرف إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ؛ لأنَّها أعجميةٌ. 
قال الكسائيُّ : وإن شِئْتَ صرفت " إسحاق "، وجعلته من السّحق، وصرفت " يعقوب " وجعلته من الطَّير. 
وسمى الله تعالى كل واحد من العم والجد أباً، وبدأ بذكر الجد، ثم إسماعيل العم ؛ لأنَّهُ أكبر من إسحاق. 
### فصل في تحرير اختلاف الفقهاء في كون الجد أباً


ذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أن الجد أب، وأسقط به الإخوة، والأخوات، وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وابن عباس وعائشة، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن التابعين، والحسن، وطاوس وعطاء. 
وذهب الشافعي إلى أن الجد لا يسقط الإخوة والأخوات للأب، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم وهو قول مالك، وأبي يوسف ومحمد. 
واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بأدلة منها هذه الآية الكريمة، وأنه أطلق لفظ الأب على الجد. 
فإن قيل : قد أطلقَهُ على العمِّ، وهو إسماعيل مع أنه ليس بأب اتفاقاً. 
فالجواب : الأصل في الاسْتِعْمَال الحقيقة وترك العمل به في العم لدليل قام به، فيبقى في الثاني حجة. 
والثاني منها قوله تبارك وتعالى مخبراً عن يوسف : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ  \[ يوسف : ٣٨ \]. 
ومنها : ما روى عطاء عن ابن عباس أنَّهُ قال : من شاء لاَعَنْتُهُ عند الحجر الأسود أنّ الجدَّ أب. 
وقال أيضاً : ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً. 
واحتجَّ الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه بأدلّة :
منها : وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ  \[ البقرة : ١٣٢ \] فلم يدخل يعقوب في بنيه، بل ميَّزه عنهم، فلو كان الصاعد في الأبوَّة أباً لكان النازل في البنوَّة ابناً في الحقيقة، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجدَّ ليس بأب \[ ومنها أن الأب لا يصح نفي اسم الأبوة عنه بخلاف الجد، فعلمنا أنه حقيقة في الأب مجاز في الجد \]. ولو كان الجد أباً على الحقيقة لما صح لِمَنْ مات أبُوه وجدُّه حَيٌّ أن ينفي أنَّ له أباً، كما لا يصح في الأب القريب، ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة. 
فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أنَّ رُتْبَةَ الأدنى أقْرَبُ من رتبةِ الأبعد، فلذلك صح فيه النفي. 
فالجواب : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعاً لم يكن الترتيب في الوجود سبباً لنفي اسم الأب عنه. 
ومنها : لو كان الجد أباً عل

### الآية 2:134

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:134]

" تلْكَ " مُبْتَدَأٌ، و " أمَّةٌ " خبره، ويجوز أنْ تَكُونَ " أُمَّة " بدلاً من " تلك "، و " قد خلت " خبر للمبتدأ. 
وأصل " تلك " :" تي "، فلمَّا جاء باللاَّم للبعد حُذِفَتِ الياء لالتقاء الساكنين، فإن قيل : لِمَ لَمْ تكسر اللام حتى لا تحذف الياء ؟
فالجواب : أنَّهُ يثقل اللفظ بوقوع الياء بين كسرتين. 
وزعم الكوفيون أنَّ التاء وحدَها هي الاسم، وليس ثَمَّ شيء محذوف. 
وقوله :" قد خلت " جملة فعلية في محل رفع صفة ل " أُمَّة " إنْ قيل إنها خبر " تلك " أو خبرُ " تلك " إن قيل : إن " أمة " بدل من " تلك " كما تقدم، و " خلت " أي صارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيس بها، والمراد به ماتت، والمشار إليه هو إبراهيم ويعقوب وأبناؤهم. 
والأمة : الجماعة، وقيل : الصنف. 
قوله : لَهَا مَا كَسَبَتْ  في هذه الجملة ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون صفة ل " أمة " أيضاً، فيكون محلها رفعاً. 
والثاني : أن تكون حالاً من الضمير في " خلت " فمحلها نصب، أي : خلت ثابتاً لَهَا كَسْبُها. 
والثالث : أن تكون استئنافاً فلا محلّ لها. 
وفي " ما " من قوله :" ما كسبت " ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنها بمعنى الذي. 
والثاني : أنها نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف أي : كسبته، إلا أن الجملة لا محلّ لها على الأول. 
والثالث : أن تكون مصدرية، فلا تحتاج إلى عائد على المشهور، ويكون المصدر واقعاً موقع المفعول أي : لها مكسوبها أو يكون ثَمَّ مضاف، أي : لها جزاء كسبها. 
قوله : وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ  إن قيل : إن قوله : لَهَا مَا كَسَبَتْ  مستأنف كانت هذه الجملة عطفاً عليه. 
وإن قيل : إنه صفة أو حال فلا. 
أما الصفة فلعدم الرابط فيها. 
وأما الحال فلاختلاف زمان استقرار كسبها لها، وزمان استقرار كسب المخاطبين، وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمان، و " ما " من قوله :" ما كسبتم " ك " ما " المتقدمة.

### فصل فيمن استدل بالآية على إضافة بعض الأكساب إلى العبد


دلت هذه الآية على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيراً فبفضله وإن كان شرًّا فبعدله، فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى أنه خلقت له قدرة مُقَارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرَّعشة مثلاً، وذلك التمكن هو مَنَاط التكليف، وهذا مذهب أهل السُّنة. 
وقالت الجبرية بنفي اكتساب العَبْدِ، وأنه كالنبات الذي تصرفه الرياح. 
وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وأن العبد يخلق أفعاله، نقلهُ القرطبي. 
قوله :" وَلاَ تُسْأَلُونَ " هذه الجملة استئناف ليس إلاَّ، ومعناها التوكيد لما قبلها ؛ لأنه لما تقدم أن أحداً لا ينفعه كسب أحد، بل هو مختص به إن خَيْراً وإن شرًّا، فلذلك لا يسأل أحد عن غيره، وذلك أن اليهود افتخروا بأسلافهم، فأُخْبروا بذلك. 
و " ما " يجوز فيها الأوجه الثلاثة من كونها موصولة اسمية، أو حرفية، أو نكرة، وفي الكلام حذف، أي : ولا يُسْألون عما كنتم تعملون. 
قال أبو البقاء : ودلّ عليه : لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم انتهى. 
ولو جُعِل الدالُّ قوله : ولا تسألون عما كانوا يعملون  كان أوْلى ؛ لأنه مقابلة.

### الآية 2:135

> ﻿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2:135]

والكلام في " أو " \[ كالكلام فيها عند \] قوله : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى  \[ البقرة : ١١١ \]. 
و " تهتدوا " جزم على جواب الأمر، وقد عرف ما فيه من الخلاف : أعني هل جزمه بالجملة قبله، أو ب " إن " مقدرة. 
قوله :" مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ " قرأ الجمهور :" ملّة " نصباً، وفيها أربعة أوجه :
أحدها : أنه مفعول فعل مضمر، أي : بل نتبع ملة ؛ \[ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه \] لأن معنى كونوا هوداً : اتبعوا اليهودية أو النصرانية. 
الثاني : أنه منصوب على خبر " كان "، أي : بل نكون ملّة أي : أهل ملّة كقول عدي ابن حاتم :" إني من دين " أي من أهل دين، وهو قول الزَّجَّاج، وتبعه الزمخشري. 
الثالث : أنه منصوب على الإغْرَاء، أي : الزموا ملّة، وهو قول أبي عبيدة، وهو كالوجه الأول في أنه مفعول به، وإن اختلف العامل. 
الرابع : أنه منصوب على إسقاط حرف الجر، والأصل : نقتدي بملّة إبراهيم، فلما حذف الحرف انتصب. 
وهذا يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، فيكون تقدير الفعل : بل نكون، أو نتبع، أو نقتدي كما تقدم، وأن يكون خطاباً للكفار، فيكون التقدير : كونوا أو اتبعوا أو اقتدوا. 
وقرأ ابن هرمز، وابن أبي عبلة " مِلَّةُ " رفعاً وفيها وجهان :
أحدهما : أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي : بل ملتنا ملّة إبراهيم، أو نحن ملة، أي : أهل ملة. 
الثاني : أنها مبتدأ حذف خبره، تقديره : ملة إبراهيم ملتنا. 
قوله :" حَنِيفاً " في نصبه أربعة أقوال :
أحدها : أنه حال من " إبراهيم " ؛ لأن الحال تجيء من المضاف إليه قياساً في ثلاثة مواضع على ما ذكر بعضهم. 
أحدها : أن يكون المضاف عاملاً عمل الفعل. 
الثاني : أن يكون جزءاً نحو : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً 
\[ الحجر : ٤٧ \]. 
الثالث : أن يكون الجزء كهذه الآية ؛ لأن إبراهيم لما لازمها تنزلت منه منزلة الجزء. 
والنحويون يستضعفون مجيئها من المضاف إليه، ولو كان المضاف جزءاً، قالوا : لأن الحال لا بد لها من عامل، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها، والعامل في صاحبها لا يعمل عمل الفعل، ومن جوز ذلك قدر العامل فيها معنى اللام، أو معنى الإضافة، وهما عاملان في صاحبها عند هذا القائل. 
ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه وشبهه بقولك :" رأيت وجه هند قائمة "، وهو قول الزجاج. 
الثاني : نصبه بإضمار فعل، أي : نتبع حنيفاً وقدره أبو البقاء، ب " أعني "، وهو قول الأخفش الصغير، وجعل الحال خطأ. 
الثالث : أنه منصوب على القطع، وهو رأي الكوفيين، وكان الأصل عندهم : إبراهيم الحنيف، فلما نكره لم يمكن إتْباعه، وقد تقدم تحرير ذلك. 
الرابع، وهو المختار : أن يكون حالاً من " ملّة " فالعامل فيه ما قَدَّرناه عاملاً فيها، وتكون حالاً لازمة ؛ لأن الملة لا تتغير عن هذا الوصف، وكذلك على القول بجعلها حالاً من " إبراهيم " ؛ لأنه لم ينتقل عنها. 
فإن قيل : صاحب الحال مؤنث، فكان ينبغي أن يطابقه التأنيث، فيقال : حنيفة. 
**فالجواب من وجهين :**
أحدهما : أن " فعيلاً " يستوي فيه المذكر والمؤنث. 
والثاني : أن الملّة بمعنى الدين، ولذلك أبدلت منه في قوله : دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  \[ الأنعام : ١٦١ \] ذكر ذلك ابن الشَّجَرِيِّ في " أماليه ". 
و " الحَنَفُ " : الميل، ومنه سمي الأَحْنَفُ ؛ لميل إحدى قدميه بالأصابع إلى الأخرى ؛ قالت أُمُّهُ :\[ الرجز \]

٨٠٩- وَاللهِ لَوْلاَ حَنَفٌ بِرِجْلِهِ  مَا كَانَ في فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِويقال : رجل أَحْنَفُ، وامرأة حَنْفَاءُ. 
وقيل : هو الاستقامة، وسمي المائل الرِّجْل بذلك تفاؤلاً ؛ كقولهم لِلَّدِيغ " سَلِيم " ولِلْمَهْلكة :" مَفَازة " قاله ابن قتيبة \[ وهو مروي عن محمد بن كعب القرظيّ \]. 
وقيل : الحَنيفُ لقب لمن تديَّن بالإسلام ؛ قال عَمْرٌو :\[ الوافر \]٨١٠- حَمِدْتُ اللهَ حِينَ هَدَى فُؤَادِي  إلى الإسْلاَمِ وَالدِّينِ الحَنِيفِ\[ قاله القفال. وقيل : الحنيف : المائل عما عليه العامة إلى ما لزمه \]. 
قاله الزجاج ؛ وأنشد :\[ الوافر \]٨١١- وَلَكِنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا  حَنِيْفاً دِينُنَا عَنْ كُلِّ دِيْنِوأما عبارات المفسرين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد رضي الله تعالى عنهم أجمعين : الحنيفية حج البيت. 
وعن مجاهد أيضاً : اتباع الحق. 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. 
وقيل : اتباع شرائع الإسلام. 
وقيل : إخلاص الدين قاله الأصم. 
وقال سعيد بن جبير : هي الحج الحسن، وقال قَتَادة : الحنيفية الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات، وإقامة المناسك. 
قوله : وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  تنبيه على أن اليهود والنصارى أشركوا ؛ لأن بعض اليهود قالوا : عزير ابن الله، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله وذلك شرك. 
وأيضاً إن الحنيف اسم لمن دَانَ بدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أنه عليه السلام أتى بشرائع مخصوصة، من حجّ البيت والخِتَان وغيرهما، فمن دَانَ بذلك فهو حنيف، وكانت العرب تدين بهذه الأشياء، ثم كانت تشرك، فقيل من أجل هذا " حنيفاً، وما كان من المشركين " ونظيره قوله : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ 
\[ يوسف : ١٠٦ \]. 
### فصل في الكلام على هذه الآية


اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية على طريق الإلزام لهم وهو قوله :" ملّة إبراهيم حنيفاً " وتقديره : إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم حنيفاً ؛ لأن هؤلاء المختلفين قد " اتفقوا " على صحّة دين إبراهيم، والأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، فكأنه سبحانه وتعالى قال : إن كان المقول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المقول على التقليد، فالرجوع إلى دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وترك اليهودية والنصرانية أولى. 
فإن قيل : اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم مقرّين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث امتنع أن يقولوا بذلك، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد، ومتى كانوا قائلين بذلك لمن يكن في دعوتهم إليه فائدة، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو كانوا مقرين به، لكنهم أنكروا كونه منكراً للتجسيم والتثليث لم يكن ذلك متفقاً عليه، فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه، فكان الأخذ به أولى. 
فالجواب : أنه كان معلوماً بالتواتر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما أثبت الولد لله تعالى فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. 
فإن قيل : أليس أن كلّ واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟
فالجواب أن إبراهيم كان قائلاً بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتَّثْليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنّ محمداً عليه الصلاة والسلام لما ادعى التوحيد كان على دين إبراهيم. 
### فصل


\[ اعلم أن قوله تعالى : وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ  ليس المراد منه التخيير، إذ من المعلوم من حال اليهود أنها لا تُجَوِّزُ اختيار النصرانية على اليهودية، بل تزعم أنه كفر، وكذلك أيضاً حال النصارى، وإنما المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية، والنصارى إلى النصرانية، فكل فريق يدعو إلى دينه، ويزعم أنه على الهدى \].

### الآية 2:136

> ﻿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:136]

قولوا  : في هذا الضمير قولان :
أحدهما : أنه للمؤمنين، والمراد بالمنزل إليهم القرآن على هذا. 
والثاني : أنه يعود على القائلين كانوا هوداً أو نصارى. 
والمراد بالمُنزل إليهم : إما القرآن، وإما التوراة والإنجيل. 
\[ قال الحسن رحمه الله تعالى : لما حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا : كونوا هوداً أو نصارى ذكر في مقابلته للرسول عليه الصلاة والسلام قل : بل " ملة " إبراهيم، قال : قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ  \]. 
وجملة " آمنَّا " في محلّ نصب ب " قولوا "، وكرر الموصول في قوله : وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ  لاختلاف المُنزل إلينا، والمنزل إليه، فلو لم يكرر لأوهم أن المنزل إلينا هو المنزل إليهم، ولم يكرر في " عيسى " ؛ لأنه لم يخالف شريعة موسى إلاّ في نزر يسير، فالذي أوتيه عيسى هو عَيْن ما أوتيه موسى إلا يسيراً، وقدم المنزل إلينا في الذكر، وإن كان متأخراً في الإنزال تشريفاً له. 
والأَسْبَاط جمع " سِبْط " وهم في ولد يعقوب كالقبائل في ولد إسماعيل والشّعوب في العجم. 
وقيل : هم بنو يعقوب لصلبه. 
وقال الزمخشري :" السبط هو الحَافِدُ ". 
واشتقاقهم من السبط وهو التتابع، سموا بذلك ؛ لأنهم أمة متتابعون. 
وقيل : من " السَّبط " بالتحريك جمع " سَبَطَة " وهو الشجر الملتف. 
وقيل ل " الحَسَنَيْنِ " : سِبْطا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانتشار ذرّيتهم. 
ثم قيل لكل ابن بنت :" سِبْط ". 
قال القرطبي رحمه الله تعالى : جمع إبراهيم براهم، وإسماعيل سماعيل، قاله الخليل وسيبويه والكوفيون، وحكوا : بَراهِمة وسَماعِلة، وحكوا براهِم وسماعِل. 
قال محمد بن يزيد : هذا غلط ؛ لأنه الهمزة ليس هذا موضع زيادتها، ولكن أقول : أباره وأسامع، ويجوز أباريه وأساميع. 
وأجاز أحمد بن يحيى " بِراه "، كما يقال في التصغير " بريه ". 
قوله : وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى  يجوز في " ما " وجهان :
أحدهما : أن تكون في محل جر عطفاً على المؤمن به، وهو الظاهر. 
والثاني : أنها في محل رفع بالابتداء، ويكون  وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ  عطفاً عليها. وفي الخبر وجهان :
أحدهما : أن يكون " من ربهم ". 
والثاني : أن يكون لا نُفَرِّقُ هكذا ذكر أبو حيان، إلا أن في جعله " لا نُفَرِّقُ " خبراً عن " ما " نظر لا يخفى من حيث عدم عود الضمير عليها. 
ويجوز أن تكون " ما " الأولى عطفاً على المجرور، و " ما " الثانية مبتدأة، وفي خبرها الوجهان، وللشيخ أن يجيب عن عدم عود الضمير بأنه محذوف تقديره : لا نفرق فيه، وحذف العائد المجرور ب " في " مطَّرِد كما ذكر بعضهم، وأنشد :\[ المتقارب \]٨١٢- فَيَوْمٌ علَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا  وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْأي : نُسَاءُ فيه ونُسَرُّ فيه. 
قوله :" من ربِّهم " فيه ثلاثة أوجه :
أحدهما وهو الظاهر أنه في محل نصب، و " من " لابتداء الغاية، ويتعلّق ب " أوتي " الثانية إن أَعَدْنَا الضمير على النبيين فقط دون موسى وعيسى، أو ب " أوتي " الأولى، وتكون الثانية تكراراً لسقوطها في " آل عمران " إن أعدنا الضمير على موسى وعيسى عليهما السلام والنبيين. 
الثاني : أن يكون في محلّ نصب على الحال من العائد على الموصول فيتعلّق بمحذوف تقديره : وما أوتيه كائناً من ربهم. 
الثالث : أنه في محل رفع لوقوعه خبراً إذا جعلنا " ما " مبتدأ. 
قوله :" بين أحد " متعلق ب " لا نفرق "، وفي " أحد " قولان :
أظهرهما : أنه الملازم للنفي الذي همزته أصلية، فهو للعموم وتحته أفراد، فلذلك صحّ دخول " بين " عليه من غير تقدير معطوف نحو :" المال بين الناس ". 
والثاني : أنه الذي همزته بدل من " واو " بمعنى واحدٍ، وعلى هذا فلا بد من تقدير معطوف ليصح دخول " بين " على متعدد، ولكنه حذف لفهم المعنى، والتقدير : بَيْنَ أحدٍ منهم ؛ ونظيره ومثله قول النابغة :\[ الطويل \]٨١٣- فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً  أبُو حُجُرٍ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُأي : بين الخير وبَيْنِي. 
و " له " متعلِّق ب مُسْلِمُون ، قدم للاهتمام به لعود الضمير على الله تعالى أو لتناسب الفواصل. 
### فصل في الكلام على الآية


قدم الإيمان بالله ؛ لأن من لا يعرف الله يستحيل أن يعرف نبيًّا أو كتاباً، فإذا عرف الله، وآمن به عرف أنبياءه، وما أنزل عليهم. 
وقوله : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ  فيه وجهان :
الأول : لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا : آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ. . . " الآية. 
الثاني : لا نقول : إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم يجتمعون على الأصول التي هي الإسلام كما قال تعالى : شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ  \[ الشورى : ١٣ \]. 
\[ فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة ؟
قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقّاً في زمانه، فلا تلزمنا المناقضة، وإنما تلزم المناقضة لليهود والنصارى ؛ لاعترافهم بنبوة من ظهر المعجز على يده، ولم يؤمنوا \]. 
وقوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  يعني أن إسلامنا لأجل طاعة الله لا لأجل الهوى.

### الآية 2:137

> ﻿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:137]

" الباء " في قوله " بمثل " فيه أقوال :
أحدها : أنها زائدة كهي في قوله : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ  \[ البقرة : ١٩٥ \] وقوله :
 وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ  \[ مريم : ٢٥ \] ؛ وقوله :\[ البسيط \]
٨١٤-. . . \*\*\* سُودُ المَحَاجِرِ لاَ يَقْرَأْنَ باِلسُّوَرِ
والثاني : أنها بمعنى " على "، أي : فإن آمنوا على مثل إيمانكم بالله. 
والثالث : أنها للاستعانة كهي في " نجرت بالقدُّوم "، و " كتبت بالقلم "، والمعنى : فإن دخلوا في الإيمان بشهادةٍ مثل شهادتكم. وعلى هذه الأوجه، فيكون المؤْمَن به محذوفاً، و " ما " مصدرية، والضمير في " به " عائداً على الله تعالى والتقدير : فإن آمنوا بالله إيماناً مثل إيمانكم به، و " مثل " هنا فيها قولان :
أحدهما : أنها زائدة، والتقدير : بما آمنتم به، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، وابن عباس \[ وذكر البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما لا تقولوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله تعالى ليس له مثل، ولكن قولوا بالذي آمنتم به، وهذا يروى قراءة أُبيّ \] ونظيرها في الزيادة قول الشاعر :\[ السريع أو الرجز \]
٨١٥- فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ \*\*\*. . . 
وقال بعضهم : هذا من مجاز الكلام تقوم : هذا أمر لا يفعله مثلك، أي : لا تفعله أنت. 
والمعنى : فإن آمنوا بالذي آمنتم به، نقله ابن عطية، وهو يؤول إلى إلغاء " مثل " وزيادتها. 
والثاني : أنها ليست بزائدة، والمثليّة متعلقة بالاعتقاد، أي : فإن اعتقدوا بمثل اعتقادكم، أو متعلقة بالكتاب، أي : فإن آمنوا بكتاب مثل الكتاب الذي آمنتم به، والمعنى : فإن آمنوا بالقرآن الذي هو مصدق لما في التوراة والإنجيل، وهذا التأويل ينفي زيادة " الباء ". 
قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى : وفيها وجوه، وذكر في بعضها أن المقصود منه التثبيت، والمعنى : إن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم، ومساوياً له في الصحة والسداد، فقد اهتدوا، ولمَّا استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في الصواب والسَّدَاد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه : هذا هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به، وقد علمت أن لا أَصْوَبَ من رأيك، \[ ولكنك تريد تثبيت صاحبك، وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه \]. 
وقيل : إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا بمثل ذلك، وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف، فقد اهتدوا ؛ لأنهم يتوصّلون به إلى معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 
وقيل : فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين، فقد اهتدوا. 
و " ما " في قوله : بِمِثْلِ مَا آمَنتُم  فيها وجهان :
أحدهما : أنها بمعنى الذي، والمراد بها حينئذ : إما الله تعالى بالتأويل المتقدم عند من يجيز وقوع " ما " على أولي العلم نحو : وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا  \[ الشمس : ٥ \]. 
وإما الكتاب المنزل. 
\[ والثاني : أنها مصدرية، وقد تقدم ذلك. 
**والضمير في " به " فيه أيضاً وجهان :**
أحدهما : أنه يعود على الله تعالى كما تقدم \]. 
والثاني : أن يعود على " ما " إذا قيل : إنها بمعنى الذي. 
قوله :" فَقَدِ اهْتَدَوا " جواب الشرط في قوله :" فَإِنْ آمَنُوا "، وليس الجواب محذوفاً، كهو في قوله : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ  \[ فاطر : ٤ \]، لأن تكذيب الرسل ماض محقق هناك، فاحتجنا إلى تقدير جواب. 
وأما هنا فالهداية منهم لم تقع بعد، فهي مستقبلة معنى، وإن أبرزت في لفظ المعنى. 
\[ قال ابن الخطيب : والآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها، وبين وجوه دلالتها، ثم بيَّن وجه الزجر وما يلحقهم إن تولوا، فقال : وإن تولوا فإنهم في شقاق  \]. 
قوله :" فِي شِقَاقٍ " خبر لقوله :" هم "، وجعل الشقاق ظرفاً لهم، وهم مظروفون له مبالغة في الإخبار باستعلائه عليهم، وهو أبلغ من قولك : هم مُشَاقّونَ، وفيه : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ  \[ الأعراف : ٦٦ \] ونحوه. 
والشِّقَاق : مصدر من شاقَّهُ يُشَاقّه نحو : ضاربه ضِراباً، ومعناه المخالفة والمعاداة. 
**وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال :**
أحدها : أنه من الشّق وهو الجانب. وذلك أن أحد المشاقين يصير في شقّ صاحبه، أي : جانبه ؛ قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
٨١٦- إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ \*\*\* بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ
أي : بجانب. 
الثاني : أنه من المشقة، فإن كلاًّ منهما يحرص على ما يَشُقّ على صاحبه. 
الثالث : أنه من قولهم :" شققتُ العَصَا بيني وبينك "، وكانوا يفعلون ذلك عند تعاديهم.

### فصل في الكلام على الآية


قال ابن الخطيب : معناه إن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة، والعاقل لا يلتزم المناقضة ألبتة، فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طَلَب الدين، والانقياد للحق، وإنما غرضهم المنازعة، وإظهار العداوة. 
قال ابن عباس وعطاء رضي الله عنهما " فإنما هم في شِقَاقٍ " أي : في خلاف منذ فارقوا الحقّ، وتمسّكوا بالباطل، فصاروا مخالفين لله. 
وقال أبو عبيدة ومقاتل :" في شِقَاقٍ "، أي : في ضلال. 
وقال ابن زيد : في منازعة ومُحَاربة. 
وقال الحسن : في عداوة. 
قال القاضي : ولا يكاد يقال في المُعَاداة على وجه الحق، أو المخالفة التي لا تكون معصية : إنه شقاق، وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنته وفي استحقاق النَّار، فصار هذا القول وعيداً منه تعالى لهم، وصارَ وَصْفُهُمْ بذلك دليلاً على أنهم معادون للرسول، مضمرون له السوء مترصّدون لإيقاعه في المِحَنِ، فعند هذا آمنه الله تعالى من كيدهم، وآمن المؤمنين من شرّهم ومكرهم، 
\[ فقال : سَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ تقوية لقلبه وقلوب المؤمنين \]. 
و " الفاء " في قوله :" فَسَيْكَفِيْكَهُم " تشعر بتعقيب الكفاية عقب شقاقهم، وجيء ب " السين " دون " سوف " ؛ لأنها أقرب منها زماناً بوضعها، ولا بد من حذف مضاف أي : فسيكفيك شقاقهم ؛ لأن الذوات لا تكفى إنما تكفى أفعالها، والمكفي به محذوف، أي : بمن يهديه الله، أو بتفريق كلمتهم. 
\[ ولقد كفى بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة، وبني قينقاع، وضرب الجزية على اليهود والنصارى \]. 
قوله : وهو السَّميع العليم  أي : السميع لأقوالهم، العليم لأحوالهم. 
وقيل : السميع لدعائك العليم بنيتك، فهو يستجيب لك ويوصلك لمرادك. \[ وروي أن عثمان رضي الله تعالى عنه كان يقرأ في المصحف، فقتل فقطرت نقطة من دمه على قوله تعالى " فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللهُ ". 
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم، قد أخبره بذلك \]. 
والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان ؛ ويجوز في غير القرآن الكريم :" فسيكفيك ". 
### فصل في الكلام على سمع الله وعلمه


واحتجوا بقوله تعالى : وهو السميع العليم  على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات، وإلا يلزم التكرار، وهو غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعاً أمراً زائداً على وصفه بكونه عليماً.

### الآية 2:138

> ﻿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [2:138]

قرأ الجمهور " صبغة " بالنصب. 
وقال الطبري رحمه الله : من قرأ :" ملّةُ إبراهيم " بالرفع قرأ " صبغة " بالرفع وقد تقدم أنها قراءة ابن هرمز، وابن أبي عبلة. 
**فأما قراءة الجمهور ففيها أربعة أوجه :**
أحدها : أن انتصابها انتصاب المصدر المؤكد، وهذا اختاره الزمخشري، وقال :" هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حَذَام " انتهى قوله. 
واختلف حينئذ عن ماذا انْتَصَبَ هذا المصدر ؟
فقيل : عن قوله :" قولوا : آمنا ". 
وقيل عن قوله : ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . 
وقيل : عن قوله :" فَقَد اهْتَدُوا ". 
الثاني : أن انتصابها على الإغراء أي : الزموا صبغة الله. 
وقال أبو حيان وهذا ينافره آخر الآية، وهو قوله : وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ  \[ فإنه خبر والأمر ينافي الخبر \] إلا أن يقدر هنا قول، وهو تقدير لا حاجة إليه، ولا دليل من الكلام عليه. 
الثالث : أنها بدل من " ملة " وهذا ضعيف ؛ إذ قد وقع الفصل بينهما بجمل كثيرة. 
الرابع : انتصابها بإضمار فعل أي : اتبعوا صِبْغَةَ الله، ذكر ذلك أبو البقاء مع وجه الإغراء، وهو في الحقيقة ليس زائداً فإنَّ الإغراء أيضاً هو نصب بإضمار فعل. 
قال الزمخشري رحمه الله : وهي أي الصبغة من " صَبَغَ " كالجِلْسَة من " جَلَس "، وهي الحالة التي يقع عليها الصَّبْغُ، والمعنى : تطهير الله ؛ لأن الإيمان يطهر النُّفُوس.

### فصل في الكلام على الصّبغ


الصّبغ ما يلون به الثياب ويقال : صبغ الثوب يصبغُهُ بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغاً بفتح الصاد وكسرها. 
و " الصِّبْغة " فعلة من صبغ كالجِلْسَة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ. 
ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال :
الأول : أنه دين الله، وذكروا في تسمية دين الله بالصبغة وجوهاً. 
أحدها : أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون : هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار نصرانياً فأمر المسلمون أن يقولوا : آمنا وصبغنا الله صِبْغة لا مثل صِبْغتكم، وإنما جيء بلفظ الصِّبغة على طريق المُشَاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار :\[ اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلاً يصطنع الكرم. 
والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المُشَاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم \] : اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلاً مواظباً على الكرم. 
ونظيره قوله تعالى : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئ بِهِمْ  \[ البقرة : ١٤ ١٥ \]،  يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  \[ النساء : ١٤٢ \]،  وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ  \[ آل عمران : ٥٤ \]،  وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  \[ الشورى : ٤٠ \]،  إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ  \[ هود : ٣٨ \]. 
وثانيها : اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم، فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قُلُوبهم. 
عن قتادة قال ابن الأنباري رحمه الله يقال : فلان يصبغ فلاناً في الشيء، أي : يدخله فيه، ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب. وأنشد ثعلب :\[ الطويل \]٨١٧- دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بالنَّجَاةِ تَحَرُّزاً  إِذا أنْتَ لَمْ يَصْبَغْكَ بِالشّرْعِ صَابِغُوثالثها : سمي الدين صبغة ؛ لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطَّهَارة والصلاة قال الله تعالى : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ  \[ الفتح : ٢٩ \]. 
\[ وقال مجاهد والحسن وأبو العالية وقتادة رضي الله تعالى عنهم : أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم فيما يسمونه المعمودية، وصبغوه بذلك ليطهروه به، وكأنه الخِتَان، لأن الختان تطهير، فلما فعلوا ذلك قالوا : الآن قد صار نصرانياً حقًّا، فرد الله تعالى عليهم بقوله : صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة  وهي الإسلام فسمى الإسلام صبغة استعارة ومجازاً من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. 
قال بعض شعراء ملوك " همدان " :\[ المتقارب \]٨١٨- وَكُلُّ أُنَاسٍ لَهُمْ صِبْغةٌ  وَصِبْغَةُ هَمْدَانَ خَيْرُ الصِّبَغْصَبَغْنَا عَلَى ذَاكَ أَبْنَاءَنَا  فَأَكْرِمْ بِصِبْغَتِنَا في الصِّبَغْ \]ورابعها : قال القاضي : قوله :" صِبْغَةَ اللهِ " متعلّق بقوله : قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ  \[ البقرة : ١٣٦ \] إلى قوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تَعَالى ؛ ليبيّن أن المُبَاينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، وبين الدِّين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحسّ السليم. 
القول الثاني : أن صبغة الله فطرته، وهو كقوله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ  \[ الروم : ٣٠ \]. 
ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبِنْيَتِهِ بالعَجْزِ والفَاقَة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق، فهذه الآثار كالصبغة له وكالسِّمَة اللاَّزمة. 
\[ قال القاضي رحمه الله تعالى : من حمل قوله تعالى :" صبغة الله " على الفطرة فهو مقارب في المعنى لقول من يقول : هو دين الله ؛ لأن الفطرة التي أمروا بها هو الدين الذي تقتضيه الأدلّة من عَقْل وشرع، وهو الدين أيضاً الذي ألزمكم الله تعالى التمسّك به، فالنفع به سيظهر دُنيا ودِين، كظهور حُسْن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرنا، لم يكن لقول من يقول إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى، وفي صبغ يستعملونه في أولادهم معنى ؛ لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه، فلا فائدة فيه \]. 
القول الثالث : أن صبغة الله هي الختان، الذي هو تطهير، أي كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم، فكذلك الختان تطهير للمسلمين قاله أبو العالية. 
القول الرابع : قال الأصم رحمه الله تعالى : إنه حجة الله. 
القول الخامس : قال أبو عبيدة رحمه الله تعالى : إنه سُنة الله. 
**وأما قراءة الرفع فتحتمل وجهين :**
أحدهما : أنها خبر مبتدأ محذوف أي : ذلك الإيمان صبغة الله. 
والثاني : أن تكون بدلاً من ملَّة  ؛ لأن من رفع " صبغة " رفع " ملة " كما تقدم فتكون بدلاً منها كما قيل بذلك في قراءة النصب. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى : وقيل : الصِّبْغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسْلاَم، بدلاً من مَعْمُودية النصارى، ذكر ذلك الماوردي رحمه الله تعالى. وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجباً، وبهذا المعنى جاءت السُّنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما. 
وقيل : إن القربة إلى الله تعالى يقال لها : صبغة ؛ حكاه ابن فارس في " المجمل ". 
قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ مبتدأ وخبر، وهذا استفهام معناه النفي أي : لا أحد، و " أحسن " هنا فيها احتمالان :
أحدهما : أنها ليست للتفضيل ؛ إذ صبغة غير الله منتف عنها الحسن. 
والثاني : أن يراد التفضيل باعتبار من يظنّ أن في " صبغة " غير الله حسناً لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء. 
و " من الله " متعلق بأحسن، فهو في محل نصب. 
و صبغة نصب على التمييز من أحسن، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ والتقدير : ومن صبغته أحسن من صبغة الله، فالتفضيل إنما يجري بين الصّبغتين لا بين الصَّابغين. \[ وهذا غريب معنى، وغني عن القول كون التمييز منقولاً عن المبتدأ \]. 
قوله تعالى : وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ  جملة من مبتدأ وخبر معطوف على قوله : قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ  فهي في محلّ نصب بالقول. 
قال الزمخشري : وهذا العطف يرد قول من زعم أن " صبغة الله " بدل من " ملّة "، أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فكّ النظم، وإخراج الكلام عن الْتِئَامِهِ واتساقه. 
قال أبو حيان : وتقديره في الإغراء : عليكم صبغة ليس بجيد ؛ لأن الإغراء إذا كان بالظروف والمجرورات لا يجوز حذف ذلك الظرف ولا المجرور، ولذلك حين ذكرنا وجه الإغراء قدّرناه : ب " الزموا صبغة الله " انتهى. كأنه لضعف العمل بالظّروف والمجرورات ضعف حذفها وإبقاء عملها.

### الآية 2:139

> ﻿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [2:139]

الاستفهام في قوله : أَتُحَاجُّونَنَا للإنكار والتوبيخ. 
والجمهور : أتحاجوننا بنونين الأولى للرفع، والثانية نون " نا ". 
وقرأ زيد والحسن والأعمش رحمهم الله بالإدغام. 
وأجاز بعضهم حذف النون الأولى. 
فأما قراءة الجمهور فواضحة. 
وأما قراءة الإدغام فلاجتماع مثلين، وسوغ الإدغام وجود حرف المد واللين قبله القائم مقام الحركة. 
وأما من حذف فبالحمل على نون الوقاية كقراءة : فَبِمَ تُبشِّرُونِ  \[ الحجر : ٥٤ \] ؛ وقوله :\[ الوافر \]

٨١٩- تَرَاهُ كَالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً  يَسُوءُ الفَالِيَاتِ إذَا فَلَيْنِييريد " فَليْنَنِي "، وهذه الآية مثل قوله : أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ  \[ الزمر : ٦٤ \]، فإنه قرئت بالأوجه الثلاثة : الفَكِّ والإدغام والحذف، ولكن في المتواتر. 
وهنا لم يُقْرأ في المشهور كما تقدَّم إلا بالفكّ. 
ومَحَلُّ هذه الجملة النصب بالقول قبلها. 
والضمير في " قل " يَحْتَمِلُ أن يكون للنبي عليه السَّلام أو لكلّ من يصلح للخطاب، والضمير المرفوع في :" أتحاجُّوننا " لليهود والنصارى، أو لمشركي العرب أو للكلّ. 
و " المحاجّة " مفاعلة من حَجَّه يَحُجُّهُ. 
### فصل في تحرير معنى المحاجّة


اختلفوا في تلك المحاجة : فقيل : هي قولهم : إنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم، والمعنى : أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسوله من العرب لأمتكم، وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة منا. 
وقيل : هي قولهم : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  \[ المائدة : ١٨ \] وقولهم : لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى  \[ البقرة : ١١١ \]، وقولهم : كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ  \[ البقرة : ١٣٥ \] قاله الحسن رضي الله عنه. 
وقيل : أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ  أي : أتجادلوننا في دين الله. 
وقوله :" في الله " لا بد من حذف مضاف أي : في شأن الله، أو دين الله. 
قوله :" وَهُوَ رَبُّنَا " مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال، وكذا ما عطف عليه من قوله :" وَلَنَا أعمالنا " ولا بد من حذف مضاف أي : جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم. 
### فصل


قوله : وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ  فيه وجهان :
الأول : أنه أعلم بتدبير خلقه، وبمن يصلح للرسالة، وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربكم، فإنّ العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه تفويض الأمر إليه. 
الثاني : أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجّحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا ؛ لأنا مخلصون له في العبودية، ولستم كذلك، وهذا التأويل أقرب. 
قوله تعالى : لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ  المراد منه النَّصيحة في الدين، كأنه تعالى قال لنبيه : قل لهم هذا القول على وجه الشَّفقة والنصيحة، أي : لا يرجع إليَّ من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر، وإنما المراد \[ نصحكم \] وإرشادكم إلى الأصلح.

### الآية 2:140

> ﻿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:140]

قال القرطبي رحمه الله : وجمع إسحاق : أساحيق. 
وحكى الكوفيون : أساحقة، وأساحق ؛ وكذا يعقوب ويعاقيب ويعاقبة ويعاقب. 
قال النحاس رحمه الله : فأما إسرائيل فلا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوّله، وإنما يقال :" أساريل ". 
وحكى الكوفيون " أسارلة "، و " أسارل ". والباب في هذا كله أن يجمع مسلَّماً فيقال :" إبراهيمون "، و " إسحاقون "، و " يعقوبون "، والمسلَّم لا عمل فيه. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى وقوله تعالى : أَمْ تَقُولُونَ  : قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، وابن عامر بتاء الخطاب، والباقون بالياء. 
فأما قراءة الخطاب، فتحتمل " أم " فيها وجهين :
أحدهما : أن تكون المتّصلة، والتعادل بين هذه الجملة وبين قوله : أَتُحَاجُّونَنَا فالاستفهام عن وقوع أحد هذين الأمرين : المُحَاجَّة في الله، أو ادعاء على إبراهيم، ومن ذكر معه اليهودية والنصرانية، وهو استفهام إنكار وتوبيخ كما تقدم، فإنّ كلا الأمرين باطلٌ. 
قال ابن الخَطِيبِ : إن كانت متّصلة تقديره : بأي الحُجّتين تتعلّقون في أمرنا ؟
أَبِالتَّوْحِيدِ فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متّبعون ؟
والثاني : أن تكون المنقطعة، فتتقدر ب " بل " والهمزة على ما تقدر في المنقطعة على أصح المذاهب. 
والتقدير : بل أتقولون ؟
والاستفهام للإنكار والتوبيخ أيضاً فيكون قد انتقل عن قوله : أتحاجوننا وأخذ في الاستفهام عن قضية أخرى، والمعنى على إنكار نسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم ومن ذكر معه، \[ كأنه قيل : أتقولون : إن الأنبياء عليهم السلام كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هوداً أو نصارى \]. 
وأما قراءة الغيبة فالظاهر أن " أم " فيها منقطعة على المعنى المتقدم، وحكى الطبري عن بعض النحويين أنها متّصلة ؛ لأنك إذا قلت : أتقوم أم يقوم عمرو ؛ أيكون هذا أم هذا، أورد ابن عطية هذا الوجه فقال : هذا المثال غير جيّد ؛ لأن القائل غير واحد، والمخاطب واحد، والقول في الآية من اثنين، والمخاطب اثنان غيران، وإنما تتّجه معادلة " أم " للألف على الحكم المعنوي، كأن معنى قل : أتحاجوننا :" أيحاجون يا محمد أم تقولون ". 
وقال الزمخشري : وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلاَّ منقطعة. 
قال أبو حيان رحمه الله تعالى : ويمكن الاتصال مع قراءة الياء، ويكون ذلك من الالتفات إذا صار فيه خروج من خطاب إلى غيبة، والضمير لناس مخصوصين. 
وقال أبو البقاء : أم تقولون يقرأ بالياء ردًّا على قوله :" فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ "، فجعل هذه الجملة متعلّقة بقوله :" فَسَيَكْفِيكَهُم "، وحينئذ لا تكون إلا منقطعة لما عرفت أن من شرط المتصلة تقدم همزة استفهام أو تسوية مع أن المعنى ليس على أن الانتقال من قوله : فسيكفيكهم  إلى قوله : أم يقولون حتى يجعله ردّاً عليه، وهو بعيد عنه لفظاً ومعنى. 
وقال أبو حيان : الأحسن في القراءتين أن تكون " أم " منقطعة، وكأنه أنكر عليهم محاجتهم في الله، ونسبة أنبيائه لليهودية والنصرانية، وقد وقع منهم ما أنكر عليهم ألا ترى إلى قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ  \[ آل عمران : ٦٥ \] الآيات. 
وإذا جعلناها متصلة كان ذلك غير متضمن وقوع الجملتين، بل إحداهما، وصار السؤال عن تعيين إحداهما، وليس الأمر كذلك إذ وقعا معاً. 
وهذا الذي قاله الشيخ حَسَن جداً. 
و " أو " في قوله :" هُوداً أو نصارى " كهي في قوله : لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى  \[ البقرة : ١١١ \] وقد تقدم تحقيقه. 
قوله تعالى : قُلْ : أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ . 
معناه : أن الله أعلم، وَخَبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل، وفي القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية. 
فإن قيل : إنما يقال هذا فيمن لا يعلم، وهم علموه وكتموه، فكيف يصح الكلام ؟
فالجواب : من قال : إنهم كانوا على ظَنّ وتوهم، فالكلام ظاهر، ومن قال : علموا وجحدوا، فمعناه : أن منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله أخبر به، فلا ينفعه ذلك مع إقراره بأن الله تعالى أعلم. 
\[ و " أم " في قوله تعالى :" أم الله " متصلة، والجلالة، عطف على " أنتم "، ولكنه فصل بين المتعاطفين بالمسؤول عنه، وهو أحسن الاستعمالات الثلاثة ؛ وذلك أنه يجوز في مثل هذا التركيب ثلاثة أوجه : تقدم المسؤول عنه نحو قوله : أأعلم أم الله ، وتوسطه نحو أأنتم أعلم أم الله ، وتأخيره نحو : أأنتم أم الله أعلم. 
وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى : أم الله مبتدأ، والخبر محذوف أي : أم الله أعلم، و " أم " هنا متصلة، أي : ربكم أعلم، وفيه نظر ؛ لأنه إذا قدر له خبراً صناعياً صار جملة، و " أم " المتصلة لا تعطف الجمل، بل المفرد وما في معناه. وليس قول أبي البقاء بتفسير معنى، فيغتفر له ذلك، بل تفسير إعراب، والتفصيل في قوله : أعلم على سبيل الاستهزاء، وعلى تقدير أن يظن بهم علم، فيكون من الجهلة، وإلا فلا مشاركة، ونظيره قول حسان :\[ الوافر \]

٨٢٠- أَتهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ  فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُوقد علم أن الرسول عليه الصلاة والسلام خير الكل \]. 
قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ . 
في " من " من قوله : مِنَ اللهِ أربعة أوجه :
أحدها : أنها متعلقة ب " كتم "، وذلك على حذف مضاف أي : كتم من عباد الله شهادة عنده. 
الثاني : أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لشهادة بعد صفة ؛ لأن " عنده " صفة لشهادة، وهو ظاهر قول الزمخشري رحمه الله، فإنه قال : و " من " في قوله : شَهَادَةً مِنَ اللهِ مثلها في قولك :" هذه شهادة مني لفلان " إذا شهدت له، ومثله : بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  \[ التوبة : ١ \]. 
الثالث : أنها في محلّ نصب على الحال من المضمر في " عنده " يعني : من الضمير المرفوع بالظَّرف لوقوعه صفة، ذكره أبو البقاء رحمه الله تعالى. 
الرابع : أن يتعلّق بذلك المحذوف الذي تعلق به الظرف، وهو " عنده " لوقوعه صفة، والفرق بينه وبين الوجه الثاني أن ذلك له عامل مستقل غير العامل في الظرف. 
قال أبو البقاء : ولا يجوز أن تعلق " من " بشهادة لئلاّ يفصل بين الصلة والموصول بالصفة يعني : أن " شهادة " مصدر مؤول بحرف مصدري وفعل، فلو عَلّقت " مِنْ " بها لكنت قد فصلت بين ما هو في معنى الموصول، وبين أبعاض الصّلة بأجنبي، وهو الظرف الواقع صفة لشهادة. 
**وفيه نظر من وجهين :**
أحدهما : لا نسلم أن " شهادة " ينحل إلى الموصول وصلته فإن كل مصدر لا ينحل لهما. 
والثاني : سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم والحالة هذه أن الظرف صفة، بل هو معمول لها، فيكون بعض الصلة أجنبيًّا حتى يلزم الفصل به بين الموصول وصلته، وإنما كان طريق منع هذا بغير ما ذكر، وهو أن المعنى يأبى ذلك. 
و كتم يتعدّى لاثنين، فأولهما في الآية الكريمة محذوف تقديره : كتم النَّاس شهادةً، والأحسن من هذه الوجوه أن تكون " من الله " صفة لشهادة أو متعلّقة بعامل الظرف لا متعلقة ب " كتم "، وذلك أن كتمان الشهادة مع كونها مستودعة من الله عنده أبلغ في الأظلمية من كتمان شهادة مطلقة من عبادة الله. 
وقال في " ري الظمآن " : في الآية تقديم وتأخير، والتقدير : ومن أظلم من الله ممن كتم شهادة حصلت له كقولك :" ومن أظلم من زيد من جملة الكلمتين للشهادة "، والمعنى : لو كان إبراهيم وبنوه يهوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه، لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزيهه عن الكذب علمنا أن الأمر ليس كذلك. 
قال أبو حيان : وهذا متكلّف جدّاً من حيث التركيب، ومن حيث المدلول. أما التركيب فإن التقديم والتأخير من الضَّرائر عند الجمهور. 
وأيضاً فيبقى قوله : مِمَّنْ كَتَمَ متعلقاً : إما ب " أظلم "، فيكون ذلك على طريق البدلية، ويكون إذ ذاك بدل عام من خاص، وليس بثابت، وإن كان بعضهم زعم وروده، لكن الجمهور تأولوه بوضع العامّ موضع الخاص، أو تكون " من " متعلقة بمحذوف، فتكون في موضع الحال، أي : كائناً من الكاتمين. 
وإمّا من حيث المدلول، فإن ثبوت الأظلمية لمن جُرَّ ب " من " يكون على تقدير، أي : إن كتمها فلا أحد أظلم منه، وهذا كله معنى لا يليق به تعالى وينزه كتابه عنه. 
قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سُدى، وأنه يجازيهم على أعمالهم. 
والغافل الذي لا يفطن إلى الأمور إهمالاً منه ؛ مأخوذ من الأرض الغُفْل، وهي التي لا عَلَم لها ولا أثر عمارة. 
وناقة غُفْل : لا سِمَةَ بها. 
ورجل غُفْل : لم يجرب الأمور. وقال الكسائي :" أرض غُفل لم تمطر "، غفلت عن الشيء غَفْلَةً وغُفُولَةً، وأغفلت الشيء : تركته على ما ذكر منك. 
فإن قيل : ما الحكمة في عدوله عن قوله :" وَاللهُ عَلِيمٌ " إلى  وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ . 
فالجواب : أن نفي النقائص وسلبها عن صفات الله تعالى أكمل من ذكر الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها، فإن نفي النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة، والإثبات لا يستلزم نفي النقيض ؛ لأن العليم قد يفضل عن النقيض، فلما قال الله تعالى : وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ  دلّ ذلك على أنه عالم، وعلى أنه غير غافل، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية. 
فإن قيل : قد قال تعالى في موضع آخر : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  \[ يوسف : ١٩ \]. 
فالجواب : أن ذلك سيق لمجرد الإعلام بالقصّة لا للزجر، بخلاف هذه الآية، فإن المقصود بها الزجر والتهديد.

### الآية 2:141

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:141]

اعلم أنه تعالى لما حاجّ اليهود في هؤلاء الأنبياء عقبه بهذه الآية ليكون وعظاً لهم، وزجراً حتى لا يتّكلوا على فضل الآباء، فكلّ واحد يؤخذ بعمله. 
وأيضاً أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك، بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن يتوهم أنه متمسّك بطريقة من تقدم ؛ لأنهم أصابوا أو أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد. 
فإن قيل : لم كررت هذه الآية ؟
**فالجواب من وجهين :**
الأول : قال الجُبَّائي : إنه عنى بالآية الأولى إبراهيم، ومن ذكر معه، والثانية أسلاف اليهود. 
قال القاضي : هذا بعيد ؛ لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يَجْرِ لهم ذكر مصرح، وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبينه : إنهم كانوا هوداً، فكأنهم قالوا : إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود، فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ  ويعنيهم ولكن ذلك كالتعسُّف، بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه، فقوله : تلك أمة  يجب أن يكون عائداً إليهم. 
الوجه الثاني : أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التَّكْرار عبثاً، فكأنه تعالى قال : ما هذا إلا بشر، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا \[ الجنس \][(١)](#foonote-١)، فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أنفع لكم، وأعود عليكم، ولا تُسألون إلا عن عملكم. 
قال القرطبي رحمه الله تعالى : كررها، لأنها تضمّنت معنى التهديد والتخويف، أي : إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم، فأنتم أحرى، فوجب التأكيد فلذلك كررها.

١ - في أ: الدين..

### الآية 2:142

> ﻿۞ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:142]

**فيه قولان :**
أحدهما : وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً، لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً كالرجل يعمل عملاً، فيطعن فيه بعض أعدائه، فيقول : أنا أعلم أنهم \[ سيطعنون عليَّ فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد \][(١)](#foonote-١)، فإذا ذكروه مَرَّة، فسيذكرونه بعد ذلك مرات، فصحّ على هذا التأويل أن يقال : سيقول السُّفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك \[ نزلت الآية \][(٢)](#foonote-٢). 
\[ قال القرطبي :" سيقول " بمعنى : قال ؛ جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة على استدامة ذلك[(٣)](#foonote-٣) \] وأنهم يستمرون على ذلك القول. 
و " السفهاء " جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، من قولهم : ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج وقد تقدم. 
والنساء سفائه. وقال المؤرج : السَّفيه : البهات الكاذب المتعمد خلاف ما يعلم. 
وقال قُطْرب : الظلوم الجهول. 
القول الثاني : أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد. 
أحدها : أنه - عليه الصلاة والسلام - إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. 
وثانيها : أنه - تعالى - إذا أخبر عن ذلك أولاً، ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقلّ مما إذا سمعه فيهم أولاً. 
وثالثها : أن الله - تعالى - إذا أسمعه ذلك أولاً، ثم ذكر جوابه معه، فحين يسمعه النبي - عليه الصلاة والسلام - منهم يكون الجواب حاضراً، كان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً. 
### فصل في الكلام على السفيه


تقدم الكلام على السَّفه في قوله : كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء  وبالجملة فإن السفيه من لا يميّز ما له وما عليه، فيعدل عن طريق ما ينفعه إلى ما يضره، يوصف بالخفّة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم معرّة منه في باب الدنيا، \[ فإذا كان العادل عن الرأي واضحاً في أمر دنياه يعدّ سفيهاً، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه، فهذا اللفظ[(٤)](#foonote-٤) \] يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين، وعلى المنافقين وعلى جملتهم، وذهب إلى كلّ واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين. 
قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود[(٥)](#foonote-٥)، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القِبْلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، فلما تحول عن ترك القبلة اغْتَمُّوا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فنزلت هذه الآية. 
قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم رضي الله عنهم : إنهم مشركو العرب[(٦)](#foonote-٦)، \[ وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان متوجهاً إلى " بيت المقدس " حين كان ب " بمكة " والمشركون \][(٧)](#foonote-٧) كانوا يتأذون منه بسبب ذلك، فلما جاء إلى " المدينة " وتحول إلى الكعبة قالوا : رجع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به. 
وقال السدي : هم المنافقون إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل مجرد العبث، والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين، لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ  \[ البقرة : ١٣ \]. 
وقيل : يدخل فيه الكل ؛ لأن لفظ السفهاء لفظ عموم، ودخل فيه الألف واللام، وقد بَيّنا صلاحيته لكلّ الكفار بحسب الدليل العقلي، والنص أيضاً يدلّ عليه، وهو قوله :
 وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ  \[ البقرة : ١٣٠ \]. 
\[ فإن قيل : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة، وإن كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيداً. 
قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم، ولا يقتضي تخصيصه ؛ بل الأقرب أن يكون الكل قد قالوا ذلك ؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً[(٨)](#foonote-٨) \]. 
قوله تعالى : مِنَ النَّاسِ  في محلّ نصب على الحال من " السفهاء " والعامل فيها " سيقول "، وهي حال مبينة، فإن السَّفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الجماد والحيوان، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب لغيرهم مجازاً، فرفع المجاز بقوله :" مِنَ النَّاسِ " ذكره ابن عطية وغيره. 
قوله : ما وَلاّهُمْ  " ما " مبتدأ، وهي استفهامية على وجه الاستهزاء والتعجب، والجملة بعدها خبر عنها و  عن قبلتهم  متعلّق ب " ولاّهم "، ولا بد من حذف مضاف في قوله :" عليها " أي : على توجهها، أو اعتقادها، وجملة الاستفهام في محلّ نصب بالقول والاستعلاء في قوله :" عليها " مجاز، نزَّل مواظبتهم على المُحَافظة عليها منزلة من اسْتَعْلَى على الشيء، والله أعلم. 
### فصل في الكلام على التولّي


وَلاَّه عنه : صرفه عنه، وولى إليه بخلاف ولّى عنه، ومنه قوله تعالى : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ  \[ الأنفال : ١٦ \] وفي هذا التولّي قولان :
المشهور عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة عاب الكفار المسلمين، فقالوا : مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ  فالضَّمير في قوله : مَا وَلاَّهُمْ  للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي " بيت المقدس ". 
واختلفوا في تاريخ تحويل القِبْلَة بعد ذهابه إلى " المدينة " فقال أنس بن مالك - رضي الله عنه - بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر[(٩)](#foonote-٩) وقال معاذ : بعد ثلاثة عشر شهراً[(١٠)](#foonote-١٠)، وقال قتادة : بعد ستة عشر شهراً[(١١)](#foonote-١١). 
وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهراً[(١٢)](#foonote-١٢)، \[ وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال. 
وعن بعضهم ثمانية عشر شهراً[(١٣)](#foonote-١٣) \] من مقدمه. 
وقال الواقدي : صرفت القِبْلَة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً. 
وقال آخرون : بل سنتان. 
القول الثاني : قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبرُ بأن الله - تعالى - حوّلها إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله : كَانُوا عَلَيْهَا ، أي : السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قِبْلَة اليهود والنصارى، فقبلة اليهود إلى العرب ؛ لأن النداء لموسى عليه الصلاة والسلام جاء فيه وهو قوله تعالى : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ  \[ القصص : ٤٤ \]، ولأنه مكان غروب الشمس والكواكب، وذلك شبه الخروج من الدنيا والعبور إلى الآخرة، وهو وقت هُمُود الناس الذي هو الموت الأصغر، واستقبلوا المغرب لشبهه بوقت القدوم على الله تعالى، والنَّصَارى إلى المشرق ؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - إنما ذهب إلى مريم في جانب المَشْرق، لقوله تعالى : إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً  \[ مريم : ١٦ \] ؛ لأن المشرق مكان إشراق الأنوار، ومنه تشرق الكواكب بأنوارها، فهو مشتبه بحياة العالم فاستقبلوه ؛ لأن منه مبتدأ حياة العالم، والعرب ما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجّهوا إلى شيء من الجهات، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجهاً إلى الكعبة استنكروا ذلك، فقالوا : كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين، فقال تبارك وتعالى رداً عليهم : قُلْ : لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ . 
قال ابن الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) :" ولولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملاً والله أعلم ". 
### فصل في تحرير معنى القبلة


القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت القبلة قبلةً ؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله. 
وقال قطرب : يقولون في كلامهم : ليس لفلان قبلة أي : ليس له جهة يأوي إليها، وهو أيضاً مأخوذ من الاستقبال. 
وقال غيره : إذ تقابل الرجلان، فكلّ واحد منهما قبلة للآخر. \[ قال القرطبي : وجمع القبلة في التكسير قبل، وفي التسليم قبلات، ويجوز أن يبدل من الكسرة فتحة، وتقول : قبلات، ويجوز أن تحذف الكسرة، وتسكن الباء \][(١٥)](#foonote-١٥). 
### فصل في بعض شبه اليهود والنصارى


قال ابن الخطيب : هذه شبهة من شبه اليهود والنصارى التي طعنوا بها في الإسلام، فقالوا : النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خالياً عن القَيْدِ، وإما أن يكون مقيداً بلا دوام[(١٦)](#foonote-١٦) \[ وإما أن يكون مقيداً بقيد الدوام، فإن كان خالياً عن القيد لم يقتضِ الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخاً وإن كان مقيداً بقيد اللادوام، فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخاً له، وإن كان مقيداً بقيد الدوام، فإن كان الأمر يعتقد فيه أن يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على \][(١٧)](#foonote-١٧) أنه يبقى دائماً، ثم إنه رفعه بعد ذلك، فها هنا كان جاهلاً، ثم بدا له ذلك، \[ وإن كان عالماً بأنه لا يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على أن يبقى دائماً كان ذلك تجهيلاً \][(١٨)](#foonote-١٨) فثبت أن النسخ يقتضي : إما الجهل أو التجهيل، وهما مُحَالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالاً، \[ فالآتي بالنَّسْخ في أحكام الله - تعالى - يجب أن يكون مبطلاً \][(١٩)](#foonote-١٩)، فبهذا الطريق توصّلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح، وهنا الجهات متساوية في أنها لله - تعالى - ومخلوقة له وتغيير القبلة من \[ جانب إلى \] جانب فعل خالٍ عن المصلحة فيكون عبثاً، والعَبَثُ لا يليق بالحكيم، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، وقد أجاب الله - تعالى - على هذه الشبهة بقوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ المَشْرِق وَالمَغْرِبُ . 
وتقديره : أن الجهات كلها لله - عز وجل - مُلْكاً ومِلْكاً، فلا يستحق منها شيء لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة ؛ لأن الله عز وجل جعلها قبلة، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه بالتَّحويل من جهة إلى جهة ؛ لأنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله على قول أهل السُّنة. 
**وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان :**
الأول : لا يمتنع اختلاف المصالح لحسب اختلاف الجهات، وبيانه من وجوه :
أحدها : أنه إذا رسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهة أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعظّمه، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيماً وخشوعاً، وذلك مصلحة مطلوبة. 
وثانيها : أن الكعبة منشأ محمد صلى الله عليه وسلم، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك أمر مطلوب \[ لأنه متى رسخ في قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه أسهل وأسرع، والمفضي إلى المطلوب مطلوب[(٢٠)](#foonote-٢٠) \]. 
وثالثها : أن الله - تعالى - بين ذلك في قوله : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ 
\[ البقرة : ١٤٣ \] فأمرهم الله - تعالى - حين كانوا ب " مكة " أن يتجهوا إلى " بيت المقدس " ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى " المدينة " وبها اليهود أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن ١ - سقط في أ.
٢ -سقط في أ..
٣ - سقط في أ..
٤ - في أ: فيكون أولى بهذا الاسم وهذا اللفظ..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/١٣٠) عن مجاهد وابن عباس..
٦ - ما روي عن البراء أنهم اليهود وليسوا مشركي العرب فأخرجه الطبري (٣/١٣٠) عنه أنهم اليهود. 
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور: (١/ ٢٦٢) عن البراء بن عازب وعزاه لوكيع وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٧ - سقط في أ..
٨ - سقط في ب.
 .
٩ - ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٦٣) عن أنس وعزاه للبزار. وأخرجه الطبري (٣/ ١٣٥). والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/١٣) وقال: رواه البزار وفيه عثمان بن سعد ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ووثقه أبو نعيم الحافظ وقال أبو حاتم: شيخ..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٣٦) عن معاذ بن جبل..
١١ - أخره الطبري في تفسيره" (٣/ ١٣٩-١٤٠) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور"..
١٢ - أخرجه البخاري (٨/ ١٣٢) ومسلم (١/١٤٨) والطبري (٣/١٣٣-١٣٤) وأخرجه الطبري (٣/١٣٣) وابن ماجه (١٠١٠) من طريق آخر عن البراء بن عازب أيضا..
١٣ - سقط في أ..
١٤ - ينظر الفخر الرازي: ٤/٨٤..
١٥ - سقط في ب..
١٦ في أ: بقيد..
١٧ - سقط في أ..
١٨ - سقط في أ..
١٩ - - سقط في أ..
٢٠ - سقط من ب..

### الآية 2:143

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [2:143]

الكاف في قوله تعالى :" وَكَذَلِكَ " فيها الوجهان المَشْهُوران كما تقدم ذلك غير مَرّة : إما النصب على النعت، أو على الحال من المصدر المحذوف. 
والتقدير : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً جعلاً مثل ذلك، ولكن المشار إليه ب " ذلك " غير مذكور فيما تقدم، وإنما تقدم ما يدلّ عليه. واختلفوا في " ذلك " على خمسة أوجه :
أحدها : أن المشار إليه هو الهُدى المدلول عليه بقوله : يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . 
والتقدير : جعلناكم أمة وسطاً مثل ما هديناكم. 
الثاني : أنه الجعل، والتقدير : جعلناكم أمة وسطاً مثل ذلك الجَعْل القريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية. 
الثالث : قيل : المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسّطة جعلناكم أمة وسطاً. 
الرابع : قيل : المعنى كما جعلنا القِبْلة وسط الأرض جعلناكم أمة وسطاً. 
الخامس - وهو أبعدها - أن المشار إليه قوله : وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا  \[ البقرة : ١٣٠ \] أي : مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطاً. 
\[ قال ابن الخطيب : ويحتمل عندي أن يكون التقدير : ولله المشرق والمغرب، فهذه الجهات بعد استوائها لكونها مِلْكاً لله تعالى، خصّ بعضها بمزيد الشرف والتكريم، بأن جعله قبلة فضلاً منه، وإحساناً ؛ فكذا العباد كلهم يشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة، فضلاً منه وإحساناً لا وجوباً. 
وفيه وجه آخر : وهو أنه قد يذكر ضمير الشيء، وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً، كقوله تعالى :
 إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  \[ القدر : ١ \] لأن المعروف عند كل أحد أنه - سبحانه وتعالى - هو القادر على إعزاز من يشاء من خلقه، وإذلال من يشاء، فقوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً 
أي : ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطاً \][(١)](#foonote-١). 
و " جعل " بمعنى صير، فيتعدّى لاثنين، فالضمير مفعول أول، و " أمة " مفعول ثاني ووسطاً نعته. 
والوَسَط بالتحريك : اسم لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء ؛ لأن الأوساط محميَّة بالأطراف ؛ قال حَبِيبٌ :\[ البسيط \]. 
٨٢١ - كَانَتْ هِيَ الوَسَطَ المَحْمِيَّ فَاكْتَنَفَتْ \*\*\* بِهَا الحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتُ طَرَفَا[(٢)](#foonote-٢)
ووسط الوادي خير موضع فيه ؛ قال زُهَيْر :\[ الطويل \]
٨٢٢ - هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ \*\*\* إذَا نَزَلَتْ إِحْدَى البَلاَياَ بِمُفْضَلِ[(٣)](#foonote-٣)
\[ وقال آخر :\[ الراجز \]. 
٨٢٣ - كُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيعاً وَسَطَا[(٤)](#foonote-٤) \][(٥)](#foonote-٥) \*\*\*. . . 
وقال تعالى : قَالَ أَوْسَطُهُمْ  \[ القلم : ٢٨ \] أي أعدلهم. 
\[ وروى القفال عن الثورى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وبجل وعظم وكرم " أمّة وَسَطاً " ؛ قال :" عَدْلاً [(٦)](#foonote-٦) ". 
وقال عليه صلوات الله وسلام :" خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا[(٧)](#foonote-٧) " ؛ أي : أعدلها. وقيل : كان النبي - صلوات الله وسلامه عليه - أوسط قريش نَسَباً. 
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام :" عَلَيْكُمْ بالنَّمطِ الأَوْسَطِ[(٨)](#foonote-٨) " 
قال الجوهري في الصحاح :" أمة وسطاً " أي : عدلاً، وهو الذي قاله الأخفش، والخليل، وقطرب، فالقرآن والحديث والشعر يدلون على أن الوَسَط : خيار الشيء[(٩)](#foonote-٩) \]. 
وأما المعنى فمن وجوه. 
أحدها : أن الوسط حقيقة في البُعْد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رذيلتان، فالمتوسّط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين، فكان معتدلاً فاضلاً. 
وثانيها : إنما سمي العدل وسطاً ؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، \[ والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين \][(١٠)](#foonote-١٠). 
وثالثها : أن المراد بقوله : جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً  طريقة المدح لهم ؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله - تعالى - وصفاً، ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم عطف على ذلك شهادة الرسول، وذلك مدح، فثبت أن المراد بقوله :" وَسَطاً " ما يتعلّق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشُّهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً لا بكونهم عدولاً ؛ فوجب أن يكون المراد من الوَسَط العدالة. 
ورابعها : أن الأوساط محمية بالأطراف، وحكمها مع الأطراف على حَدّ سواء، والأطراف يتسارع إليها الخَلَل والفساد، والوسط عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جِهَةٍ دون جهة. 
وقال بعضهم : تفسير الوسط بأنه خيار الشيء \[ أوْلى من تفسيره بالعدالة ؛ لأن العدالة لا تطلق على الجمادات، فكان أَوْلَى، والمراد من الآية : أنهم لم يغلوا ؛ كما غلت النصارى، فجعلوه ابناً وإلهاً، ولا قصَّروا ؛ كتقصير اليهود في قتل الأنبياء، وتبديل الكُتُبِ وغير ذلك[(١١)](#foonote-١١) \]. وفرق بَعْضهم بين " وَسَط " بالفتح و " وَسْط " بالتسكين. 
فقال : كلُّ موضع صَلَحَ فيه لفظ " بَيْن " يقال بالسكون، وإلا فبالتحريك. 
فتقول : جلست وَسْطَ القومِ، بالسكون. 
وقال الراغب : وسط الشيء ما له طرفان متساويان القَدْر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، فتقول : وسطه صلب، ووسْط بالسكون يقال في الكميّة المنفصلة ؛ كشيء يفصل بين جسمين نحو :" وَسْط القوم " كذا. 
وتحرير القول فيه هو أن المفتوح في الأصل مَصْدَرٌ، ولذلك استوى في الوصف به الواحدُ وغيره، والمؤنَّث والمذكَّر، والسَّاكن ظَرْفٌ، والغالب فيه عدم التصرُّف، وقد جاء متمكِّناً في قول الفرزدق :\[ الطويل \]. 
٨٢٤ - أَتَتْهُ بِمَجْلُومٍ كَأَنَّ جَبِينَهُ \*\*\* صَلاَءَةُ وَرْسٍ وَسْطُهَا قَدْ تَفَلَّقَا[(١٢)](#foonote-١٢)
روي برفع الطَّاء، والضمير ل " صلاءة "، وبفتحها والضمير للجائية.

### فصل في الاستدلال بالآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى


احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ؛ لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيرتيهم بجعل الله وخلقه، وهذا صريح في المذهب. 
وقالت المعتزلة : المراد من هذا الجعل فعل الألطاف. 
**أجيب عنه بوجوده :**
الأول : أن هذا ترك للظاهر، وذلك محال لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان حمل الآية على ظاهرها، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسّك بفصل المَدْح والذم والثواب والعقاب، وقد بيّنا أن هذه الطريقة منتقضةٌ على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي. 
والثاني : أنه تعالى - قال قبل هذه الآية  يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  \[ البقرة : ١٤٢ \]. 
وقد بيّنا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه - تعالى - يخص البعض بالهداية دون البعض، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منها مؤكدة لمضمون الأخرى. 
والثالث : أن كلّ ما في مقدور الله - تعالى - من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة. 
والرابع : أن الله - تعالى - ذكر ذلك في معرض الامْتِنَان. 
فصل في الاستدلال بالآية على أن الإجماع حجّة[(١٣)](#foonote-١٣)
احتج الجمهور بهذه الآية على أن الإجماع حجة فقالوا : أخبر الله - تعالى - عن عدالة هذه الأمة، وعن خيريتهم، فلو أقدموا على شيء من المَحْظُورات لما اتّصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المَحْظُورات وجب أن يكون قولهم حجّة، فإن قيل : الآية متروكة الظاهر ؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتِّصَاف كل واحد منهم بها، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، فلا بد من حملها على البعض، فنحن نحملها على الأئمة المعصومين. 
فالجواب : أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره، والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين :
الأول : أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، وهذا من فعل العبد، وقد أخبر الله - تعالى - أنه جعلهم وسطاً، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطاً غير كونهم عدولاً، وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال. 
الثاني : أن الوَسَط اسم لما يكون متوسطاً بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك، وهو خلاف الأصل. 
سلّمنا اتصافهم بالخيرية، وذلك لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجتمعوا عليه وإن كان خطأ، لكنه من الصَّغائر، فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكّد ذلك الاحتمال أنه - تعالى - حكم بكونهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس، وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة. 
سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر، ولكن الله - تعالى - بيّن وصفهم بذلك لكونهم شهداء على النَّاس، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة، فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك، لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمُّل، وذلك لا نزاع فيه ؛ لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة. 
فلم قلت : إنهم في الدنيا كذلك ؟
سلمنا وجوب كونهم عدولاً في الدنيا، لكن المخاطبين بهذا الخطاب \[ هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية، لأن الخطاب \][(١٤)](#foonote-١٤) مع مَنْ لم يوجد مُحَال، وإذا كان كذلك، فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت لا عدالة غيرهم، فدلّت الآية على أن إجماع \[ أولئك \][(١٥)](#foonote-١٥) حق، فيجب ألاَّ نتمسّك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه. 
لكن ذلك لا يمكن \[ إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم، وعلمنا بقاء كل واحد \][(١٦)](#foonote-١٦)منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع، ولما كان ذلك كالمتعذّر امتنع التمسّك بالإجماع. 
والجواب عن قولهم : الآية متروكة الظاهر. 
قلنا : لا نُسلّم فإن قوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً  يقتضي أنه - تعالى - جعل كلّ واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة. 
وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه، فإنّ كل واحد منهم يكون عدلاً في ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا، فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا : إن هذا الخطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله :" جَعَلْنَاكُمْ " خطاب لمجموعهم لا لكلّ واحد منهم وحده، على أنا وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد فيهم عدلاً، لكنا نقول ترك العمل به في حقّ البعض لدليل قام عليه، فوجب أن يبقى معمولاً به في حقّ الباقي، وهذا معنى ما قاله العلماء : ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة، فإذا كُنَّا لا نعلمهم بأعيانهم افتقرنا إلى إجماع جماعتهم على القول والفعل لكي يدخل المعتبرون في جملتهم. 
مثاله : أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - إذا قال : إن واحداً من أولاد فلان لا بد وأن يكون مصيباً في الرأي، فإذا لم نعلمه بعينه، ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقّاً ؛ لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق. 
فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقّاً، لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد المخالف. 
ولهذا قال العلماء : إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيباً عمن كان مخطئاً كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة \[ بقول المخطئ. 
قوله : لو كان المراد من كونهم وسطاً هو عدالتهم لزم أن يكون فعل العبد خلقاً لله تعالى. 
قلنا : هذا مذهبن١ - سقط في ب..
٢ - ينظر ديوانه: (١٩٢)، الكشاف: ١/٣١٧، الدر المصون: ١/٣٩٢..
٣ - البيت ليس في ديوان زهير. ينظر البحر المحيط: ١/٥٩١، الطبري: ٣/١٤٢، القرطبي: ٢/١٠٤، الدر المصون: ١/٣٩٣..
٤ -ينظر القرطبي: ٢/١٠٤، البحر المحيط: ١/ ٥٩١، والدر المصون: ١/ ٣٩٣..
٥ -سقط في ب..
٦ - أخرجه البخاري (٣٣٣٩) باب قول الله عز وجل: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)، وفي "الاعتصام" (٧٣٤٩) باب (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، وأحمد (٣/٣٢، ٥٨) والترمذي (٢٩٦٥) وابن ماجه (٤٢٨٤) والطبري في "التفسير" (٣/١٤٣) وابن حبان (١٧١٩-موارد) وأبو يعلى (٢/٣٩٧) رقم (٣٩٧) والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٢١٦..
٧ - أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٣) وانظر كشف الخفا للعجلوني (١/٤٦٩)..
٨ - ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٨١) وقال: أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" موقوفا على علي بن أبي طالب ولم أجده مرفوعا..
٩ - سقط من ب..
١٠ - سقط من أ..
١١ سقط من ب..
١٢ - ينظر خزانة الأدب: ٣/٩٢، ٩٦، ولسان العرب (وسط) (جلم)، والخصائص: ٢/٣٦٩، والدرر: ٣/ ٢٨٨، ونوادر أبي زيد: ص ١٦٣، وهمع الهوامع: ١/٢٠١، والدر المصون: ١/٢٩٣..
١٣ - إن إثبات حجية الإجماع يرتكز على دعائم ثلاث: إمكانه في نفسه؛ وإمكان العلم به، وإمكان نقله إلى من يحتج به، ولقد أراد منكرو حجيته أن يأتوا البنيان من قواعده فأنكروها، قالوا على وجه الإجمال: يمتنع ثبوت الإجماع، ولو ثبت، يمتنع العلم به، ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد، فقد أسندوا كلامهم إلى ثلاث جهات، فلا بد لهذا من مقامات:
 الأول: في بيان إمكان الإجماع
 ذهب جمهور العلماء إلى أنه ممكن، وادعى بعض النظامية والروافض استحالته، وتحرير محل النزاع: أنه لا خلاف لأحد في إمكان الإجماع عقلا؛ لأن العقل لا يمنع من تصور اتفاق المجتهدين في عصر على حكم من الأحكام؛ ولأن أدلتهم الآتية إنما تنتج استحالته في حكم العادة، لا في جوازه في ضروريات الأحكام، وإنما النزاع في إمكانه عادة في الأحكام التي لا تكون معلومة بالضرورة، ونسب "ابن الحاجب" هذا القول إلى "النظام" ووافقه الكمال، وذكر "السبكي" أن هذا قول بعض أصحابه، وأما رأي "النظام" نفسه مع بعض أصحابه: فهو أنه يتصور، ولكن لا حجية فيه، كذا نقله القاضي، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن السمعاني وهي طريقة الإمام الرازي وأتباعه في النقل عنه.
 شبه المخالفين في إمكان الإجماع.
 في هذا الصدد لم يلجأ معظم المصنفين إلى أدلة لإثبات دعوى الجمهور وهي إمكان الإجماع، بل اكتفوا بإيراد شبه الخصوم ثم هدمها، وفي ذلك إشعار بأن دعواهم بلغت من البداهة إلى حد لا تحتاج فيه إلى دليل أو تنبيه، ورُبّ سكوت أفضح من كلام.
 قالوا: أولا لو أمكن اتفاقهم، لأمكن نقل الحكم إليهم جميعا؛ لأن اتفاقهم فرع تساؤلهم من نقل الحكم إليهم، فلا يتحقق إلا بعد تحققه، ونقل الحكم إليهم جميعا باطل؛ لأن انتشارهم في الأقطار يمنع منه عادة، فبطل المقدم وثبت نقيضه، وهو عدم إمكانه.
 والجواب: قولكم "انتشارهم في الأقطار" يمنع من نقل الحكم إليهم ممنوع؛ فإنه لا منع في المتواتر؛ كالكتاب فهو لشهرته لا يخفى على أحد، ولا في أوائل الإسلام؛ لأن المجتهدين كانوا قليلين، فيتيسر نقل الحكم إليهم، و لا بعد جدهم في الطلب والبحث، فإن المطلوب لا يخفى على الطالب الجاد وجدّهم في طلب العلم لا ينكره أحد، فمنهم من رحل من أصفهان ببلاد الفرس إلى "معرة النعمان" بـ "الشام" على بعد ما بين البلدين، ولم يكن له من غرض سوى تحقيق بعض مسائل العلم، وأمثال هذا من طُلاّب العلم من المسلمين كثير، تقرأ تاريخ حياتهم فتجدهم تحملوا المشاقّ، واقتحموا العقبات، وساحوا في أرجاء الدنيا من "الفرس"، و"العراق" و"الشام"، "ومصر"، و"الأندلس"؛ ليدرسوا على مشاهير العلماء، وليطفئوا نيران ظمئهم إلى العلوم بالري من مناهله؛ وبالجملة؛ لم نجد أمة بذلت في هذا المضمار مثل ما بذلت هذه الأمة.
 قالوا: ثانيا: لو أمكن اتفاقهم، فإما أن يكون عن قاطع، أو ظني؛ إذ لا بد للإجماع من مستند، وليس وراءهما مستند يستند إليه، والتالي بشقيه باطل، أما القاطع: فلأن العادة تحيل عدم الاطلاع عليه؛ لتوفر الدواعي على نقله، ولو اطلع عليه لنقل، لكنه لم ينقل، فلم يطلع عليه، فليس الإجماع عن قطعي، والظني تحيل العادة الاتفاق عليه؛ لاختلاف القرائح، وتباين الأنظار.
 والجواب بالمنع فيهما، أما القاطع: فلأنه لا يجب نقله عادة؛ إذ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجماع الذي هو أقوى منه؛ لعدم احتمال النسخ، بخلاف القاطع، وأما الظني: فلأنه قد يكون جليا فتقبله القرائح فتتفق عليه، واختلاف القرائح والأنظار إنما يمنع الاتفاق في الظن الخفي، دون الجلي.
 .
١٤ - سقط في أ..
١٥ - في أ: القوم..
١٦ - سقط في أ..

### الآية 2:144

> ﻿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [2:144]

قال العلماء : هذه الآيةُ متقدِّمةٌ في النزول على قَوْلِهِ تَعَالى :
 سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ  \[ البقرة : ١٤٣ \]. 
ومَعْنَى " تقلُّب وَجْهِكَ " : تحرُّك وَجْهِكَ إلى السَّمَاءِ. 
اعلم أنَّ " قَدْ " هذه قال فيها بعضُهم : إنها تَصْرفُ المضارعَ إلى مَعْنى المُضِيّ، وجَعَلَ مِنْ ذلك هذه الآيةَ وأمثالَها، وقوْلَ الشاعِرِ :\[ الطويل \]

٨٢٩ - لِقَوْمٍ لَعَمْرِي قَدْ نَرَى أَمْسِ فِيهُمُ  مَرَابِطَ للأَمْهَارِ وَالعَكَرِ الدَّثِرْ[(١)](#foonote-١)وقال الزَّمَخْشَرِيُّ :" قَدْ نَرَى " : رُبَّما نَرَى، ومعناه كثرةُ الرؤية ؛ كقوله :\[ البسيط \]٨٣٠ - قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُضفَرًّا أَنَامِلُهُ  كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفُرْصَادِ[(٢)](#foonote-٢)قال أَبُو حَيَّان[(٣)](#foonote-٣) : وشرحه هذا على التحقيق مُتَضَادّ ؛ لأنه شرح " قَدْ نَرَى " ب " رُبَّمَا نَرَى "، و " ربّ " على مَذْهب المحققين إنما تكون لِتَقْلِيل الشَّيْءِ في نَفْسِه، أو لتقليل نَظِيره. 
ثُمَّ قال :" ومعناه كثرةُ الرُّؤْيةِ " فهو مضادٌّ لمدلولِ " رُبّ " على مذهب الجمهور. 
ثم هذا الذي ادَّعاه من كثرة الرؤية لا يدل عليه اللفظ، لأنه لم توضع للكثرة " قد " مع المضارع، سواء أريد به المضي أم لا، وإنَّما فُهِمَتِ الكَثْرة من متعلّق الرؤية، وهو التقلب. 
قوله :" في السَّمَاءِ " في متعلّق الجار ثلاثةُ أَقْوالٍ :
أحدهما : أنه المصدرُ، وهو " تَقَلُّب "، وفي " في " حينئذٍ وَجْهَان :
أحدهما : أنها على بَابِهَا من الظرفية، وهو الواضِحُ. 
والثَّاني : أنها بمعنى " إلَى " أي : إلى السَّمَاءِ ولا حاجةَ لذلك، فإنَّ هذا المصْدَرَ قد ثَبَت تعديه ب " في "، قال تعالى : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ  \[ آل عمران : ١٩٦ \]. 
والثاني من الأقوال : أنه " نَرَى "، وحينئذٍ تَكُون " فِي " بمعنى " مِنْ " أي : قد نرى من السَّماءِ، وذِكْرُ السماءِ وإن كان تَعَالى لا يتحيّز في جِهَةٍ على سَبيل التشريفِ. 
والثالث : أنه محل نَصْب على الحَال من " وَجْهِكَ " ذكره أَبُو البَقَاءِ، فيتعلّق حينئذ بمحذُوفٍ، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى فَاعِله، ولا يجوزُ أنْ يكُونَ مُضَافاً إلى مَنْصُوبه ؛ لأنه مصدرُ ذلك التقلِيبِ، ولا حَاجَةَ إلى حَذْفٍ، ومِنْ قَوْلِه :" وَجْهَكَ " وهو بَصَر وَجْهِك، لأن ذلك لا يكاد يستعمل، بل ذكر الوجه ؛ لأنه أشرف الأعضاء، وهو الذي يقلبه السَّائل في حاجته، وقيل : كنى بالوجه عن البصر ؛ لأنه محلّه. 
قوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً  " الفَاء " هنا للِتَّسَبُّب وهو وَاضِحٌ، وهذا جوابُ قَسَم مَحْذُوفٍ، أيْ : فوالله لنولّينَّكَ، و " نُولِّي " يتعدّى لاثْنين : الأولُ الكَافُ، والثَّانِي " قِبْلَةُ " و " تَرْضَاهَا " الجملة في محلّ نَصْبٍ صفةً ل " قبلة ". 
قال أَبُو حَيَّان[(٤)](#foonote-٤) : وهذا ؛ يعني :" فَلَنولّينك " يدلّ على أن الجملةَ السابقةَ محذوفة تقديرهُ : قَدْ نَرَى تقلّب وَجْهِكَ في السَّماء طَالِباً قبلة غير التي أَنْت مُسْتقبلها. 
### فصل في الكلام على الآية


**في الآية قَوْلاَنِ :**
القولُ الأولُ : وهو المشهورُ الذي عليه أَكْثر المُفَسِّرين أن ذلك كان لانتظارِ تَحْوِيله من " بيتِ المقْدِس " إلى الكَعْبة، وذكروا في ذلك وجوهاً :
أحدها : أنه كان يكره التوجّه إلى بيت المقْدِس، ويحبّ التوجّه إلى الكَعْبة، إلاّ أنه ما كان يتكلَّم بذلك، فكان يقلّب وجْهَهُ في السَّماء لهذا المعنى. 
رُوي عن عباس أنه \[ صلى الله عليه وسلم \] قال :" يَا جِبريلُ وَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ - تَعَالى - صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُود، إلَى عَيْنِهَا فَقَدْ كَرِهْتُهَا ". 
فقال جبريلُ عليه الصلاة والسلام " أنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ فَاسْأَلْ ربَّكَ ذَلِكَ ". 
فجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُدِيمُ النَّظرَ إلى السماء ؛ رجاء مجيء جِبْرِيلَ بما سأَلَ، فأَنْزل الله تعالى هذه الآية[(٥)](#foonote-٥)، وهؤلاءِ ذكروا في سببِ هذه المِحْنة أموراً :
الأولُ : أنَّ اليَهُودَ كانوا يَقُولُونَ : إنه يُخَالِفُنَا، ثم إنه يتبع قِبْلَتَنَا، ولولا نحْنُ لم يدر أَيْن يستقبل. فعند ذلك كَرِهَ أن يتوجّه إلى قِبْلتهم[(٦)](#foonote-٦). 
الثَّاني : أنَّ الكَعْبة كانتِ قِبْلة إبْراهيم عليه الصلاة والسلام. 
\[ الثَّالث : أنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان يقدِّرُ أن يَصِير ذلك سبباً لاسْتمالة العرب، ولدخولهم في الإسلامِ. 
الرَّابع : أنه - عليه الصلاة والسلام - أَحَبَّ[(٧)](#foonote-٧) \] أن يحصل هذا الشرفُ للمسجدِ الذي في بلْدَتِهِ ومَنْشَئه لا في مسجدٍ آخر. 
واعترض القَاضِي على هذا الوجْهِ، وقال : إنه لا يَلِيقُ به - عليه الصلاة والسلام - أن يكره قِبْلَةً أُمِرَ أَنْ يُصَلِّي إليها، ويحبّ أن يحوله ربُّه عنها إلى قِبْلَةٍ يَهْوَاها بطبْعِه، ويميلُ إِلَيْها بحسب شَهْوتِه ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - علم أنَّ الصَّلاحَ في خلاف الطَّبْعِ والمَيْلِ. 
قال ابنُ الخَطِيب : وهذا قليلُ التحْصِيل ؛ لأنَّ المُسْتنكَرَ من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يعرض عما أمره الله - تعالى - به، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه. 
فأما أن يميل قلبه إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك مما لا إنكار عليه، لا سيما إذا لم ينطق به، \[ أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه \][(٨)](#foonote-٨). 
الوجهُ الثاني : أنه - عليه الصلاةُ والسلامُ - قد استأذَنَ جبريل - عليه السلام - في أن يدعو الله - تعالى - بذلك، فأخبره جبريل - عليه الصلاة والسلام - بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئاً إلا بإذن منه، لئلا يسألون ما لا صَلاَحَ فيه، فلا يجابوا إليه، فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله - تعالى - له في الإجابة، علم أنه يستجاب إليه، فكان يقلّب وجهه في السَّماء ينتظر مجيء جبريل - عليه السلام - بالوَحْيِ في الإجابة. 
الوجه الثالث : قال الحسن : إن جبريل - عليه السلام - أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره أن الله - تعالى سيحوّل القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحوّلها، ولم تكن قبلة أحبّ إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الكَعْبة، فكان رسول الله يقلّب وجهه في السّماء ينتظر الوحي ؛ لأنه - عليه السلام - على أنّ الله تعالى لا يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام، فأمره أن يصلّي نحو الكعبة. 
والقائلون بهذا الوجه اختلفوا، فمنهم من قال : إنه - عليه السلام - منع من استقبال " بيت المقدس " ولم يعين له القِبْلة، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة، ولم تظهر القبلة، فتتأخر صلاته، فلذلك كان يقلّب وجهه. عن الأصم. 
وقال آخرون : بل وعد بذلك، وقِبْلة بيت المقدس باقية، بحيث تجوز الصلاة إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن " بيت المقدس " إلى " الكعبة " وجوهاً كثيرة من المصالح الدينية :
نحو : رغبة العرب في الإسلام، والمُبَاينة عن اليهود، وتَمْيِيز المُوافق من المُنَافِق، لهذا كان يقلّب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلاّ لما كانت القِبْلَة الثانية ناسخة للأُولى، \[ بل كانت مبتدأه. 
والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى[(٩)](#foonote-٩) \]، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلاَّ مع بيان موضع التوجّه. 
الرابع : أن تقلب وجهه في السَّماء هو الدعاء. 
القول الثاني : وهو قول أبي مسلم الأَصْفَهَاني، قال : لولا الأخبار التي دلّت على هذا القول، وإلا فلفظ الآية يحتمل وجهاً آخر، وهو أنه يحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما كان يقلّب وجهه في أول مقدمه " المدينة ". 
فقد روي أنه - عليه السلام - كان إذا صلّى ب " مكة " جعل الكعبة بينه وبين " بيت المقدس "، وهذه صلاة إلى الكعبة، فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه، فانتظر أمر الله - تعالى - حتى نزل قوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . 
### فصل


اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم : كان ب " مكة " يصلي إلى الكعبة[(١٠)](#foonote-١٠) فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه \[ إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً. 
وقال قوم : بل كان ب " مكة " يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها. 
وقال قوم : بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وب " المدينة " أولاً سبعة عشر شهراً، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح. 
واختلفوا في توجه النبي صلى الله عليه وسلم \][(١١)](#foonote-١١)إلى بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره، أو كان مخيراً في التوجه إليه وإلى غيره، فقال الربيع بن أنس : قد كان مخيراً في ذلك. وقال ابن عباس : كان التوجه إليه فرضاً. 
وعلى كلا الوجهين صار منسوخاً، واحتج الأولون بالقرآن والخبر. 
أما القرآن فقوله تعالى : وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  \[ البقرة : ١١٥ \]. 
وذلك يقتضي كونه مخيراً في التوجه إلى أي جهة شاء. 
وأما الخبر فما روى أبو بكر الرّازي في كتاب " أحكام القرآن " : أن نَفَراً قصدوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - من " المدينة " إلى " مكة " للبيعة قبل الهِجْرَةِ، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجّه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون، وقالوا : إنه - عليه الصلاة والسلام - يتوجّه إلى بيت المقدس، فلما قدموا " مكة " سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له : قد كنت على قبلة يعني بيت المقدس لو ثَبَتَّ عليها أجزأك، ولم يأمره باستئناف الصلاة، فدلّ على أنهم قد كانوا مخيرين. 
واحتجّ الذاهبون إلى القول الثَّاني بأنه - تعالى - قال : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  فدلّ على أنه - عليه السلام - ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيراً بينها وبين الكعبة ما كان يتوجّه إليها، فحيث توجّه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكَعْبة. 
### فصل في نسخ التوجه إلى بيت المقدس


المشهور أن التوجّه إلى " بيت المقدس " إنما صار منسوخاً \[ بالأمر بالتوجّه إلى الكعبة. 
ومن الناس من قال : التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله تعالى : وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  ثم إن ذلك صار منسوخاً بقوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . 
واحتجوا عليه بالقرآن والأثر. 
أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولاً قوله : وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  \] [(١٢)](#foonote-١٢) ثم ذكر بعده : سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا  \[ البقرة : ١٤٢ \] ثم ذكر بعده : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام . 
وهذا الترتيب يقتضي صحّة المذهب الذي قلناه بأن التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله :{ فَوَلّ١ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه: ص ١١٢، جمهرة اللغة: ص ٧٧٠، ورصف المباني: ص ١١١، لسان العرب (دثر)، والدر المصون: ١/٣٩٧..
٢ - البيت لعبيد بن الأبرص. ينظر ديوانه: ص ٦٤، خزانة الأدب: ١١/٢٥٣، ٢٥٧، ٢٦٠، شرح أبيات سيبويه: ٢/٣٦٨، الدرر: ٥/١٢٨، شرح شواهد المغني: ص ٤٩٤، الأزهية: ص ٢١٢، الجنى الداني ص: ٢٥٩، شرح المفصل: ٨/١٤٧، الكتاب: ٤/٢٢٤، لسان العرب (قدد)، مغني اللبيب: ص ١٧٤، تذكرة النحاة: ص ٧٦، رصف المباني: ص٣٩٣، شرح شواهد الإيضاح: ص ٢٢٠، المقتضب: ١/٤٣، همع الهوامع: ٢/٧٣، البحر: ١/٦٠٢، الدر المصون: ١/٣٩٧..
٣ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٠٢..
٤ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٠٣..
٥ - أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" ( ١/٢/٣)..
٦ - أخرجه الطبري في تفسيره" (٣/١٧٣-١٧٤) عن مجاهد، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٦٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٧ - سقط في أ..
٨ - سقط في أ..
٩ - سقط في أ..
١٠ - تقدم نحو من هذا الكلام..
١١ - سقط في أ..
١٢ - سقط في أ..

### الآية 2:145

> ﻿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [2:145]

**فيه قولان :**
أحدهما : قول سيبويه وهو أن " اللام " هي الموطّئة للقسم المحذوف، و " إن " شرطية، فقد اجتمع شرط وقسم، وسبق القسم فالجواب له إذ لم يتقدمهما ذو خبر[(١)](#foonote-١)، فلذلك جاء الجواب للقسم ب " ما " النافية وما بعدها، وحذف جواب الشرط لسدّ جواب القسم مسده، ولذلك جاء فعل الشرط ماضياً ؛ لأنه متى حذف الجواب وجب مضيّ فعل الشرط إلا في ضرورة، و " تَبِعُوا " وإن كان ماضياً لفظاً فهو مستقبل معنى أي : ما يتبعون لأن الشرط قيد في الجملة والشرط مستقبل، فوجب أن يكون مضمون الجملة مستقبلاً ضرورة أن المستقبل لا يكون شرطاً في الماضي. 
الثاني : وهو قول الفراء[(٢)](#foonote-٢)، وينقل أيضاً عن الأخفش[(٣)](#foonote-٣) والزجاج[(٤)](#foonote-٤) أن " إن " بمعنى " لو "، ولذلك كانت " ما " في الجواب، وجعل " ما تَبِعُوا " جواباً ل " إن " لأنها بمعنى " لو ". 
أما إذا لم تكن بمعناها، فلا تجاب ب " ما " وحدها، بل لا بد من الفاء، تقول : إن تزرني فما أزورك. 
ولا يجيز الفراء :" ما أزورك " بغير فاء. 
وقال ابن عطية[(٥)](#foonote-٥) : وجاء جواب " لئن " كجواب " لو "، وهي ضدها في أنَّ " لو " تطلب المضي والوقوع، و " إنْ " تطلب الاستقبال ؛ لأنهما جميعاً يترتب قبلهما القسم، فالجواب إنما هو للقسم ؛ لأن أحد الحرفين يقع موضع الآخر هذا قول سيبويه. 
قال أبو حيان[(٦)](#foonote-٦) : هذا فيه تثبيج، وعدم نصّ على المراد ؛ لأن أوله يقتضي أن الجواب ل " إن "، وقوله بعد : الجواب للقسم يدل على أنه ليس ل " إن "، وتعليله بقوله : لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر لا يصلح علة لكون " ما تَبِعُوا " جواباً للقسم، بل لكونه جواباً ل " إن ". 
وقوله :" قول سيبويه " ليس في كتاب سيبويه ذلك، إنما فيه أن " ما تبعوا " جواب القَسَم، ووقع فيه الماضي موقع المستقبل. 
قال سيبويه وقالوا : لئن فعلت ما فعل، يريد معنى ما هو فاعل وما يفعل. 
وتلّخص مما تقدم أن قوله :" مَا تَبِعُوا " فيه قولان :
أحدهما : أنه جواب للقسم سادّ مسدّ جواب الشرط، ولذلك لم يقترن بالفاء. 
والثاني : أنه جواب ل " إن " إجراء لها مجرى " لو ". 
وقال أبو البقاء :" ما تَبِعُوا " أي : لا يتبعوا فهو ماض في معنى المستقبل، ودخلت " ما " حملاً على لفظ الماضي، وحذفت الفاء في الجواب ؛ لأن فعل الشرط ماض. 
وقال الفراء :" إِنْ " هنا بمعنى " لو ". 
وهذا من أبي البقاء يؤذن أن الجواب للشرط وإنما حذفت الفاء لكون فعل الشرط ماضياً، وهذا منه غير مُرْضٍ ؛ لأنه خالف البصريين والكوفيين بهذه المَقَالَة. 
### فصل في المراد بالآية. 


قال الأصم : المراد من الآية علماؤهم الذين أخبر عنهم في الآية الكريمة المتقدمة بقوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ  \[ البقرة : ١٤٤ \] ؛ لأن الآية الكريمة لا تتناول العوام، ولو كان المراد الكل لامتنع الكِتْمان ؛ لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكِتْمَان، ولأنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذباً ؛ لأن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - وتبع قبلته. 
وقال آخرون : بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ؛ لأن الذين أوتوا الكتاب صيغة عموم، فيتناول الكل. 
### فصل في لفظ " آية " 


 " الآية " : وزنها " فَعَلَة " أصلها :" أَيَيَة "، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفاً لانفتاح ما قبلها. 
والآية : الحُجّة والعلامة، وآية الرجل : شخصه، وخرج القول بآيتهم أي : جماعتهم. 
وسميت آية القرآن بذلك ؛ لأنها جماعة حروف. وقيل : لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها. 
وقيل : لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى. 
### فصل في سبب نزول هذه الآية


روي أن يهود " المدينة "، ونصارى " نجران " قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم : ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
قال ابن الخطيب :" والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة، بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة ". 
قوله : وَمَا أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَتَهُمْ . 
 " ما " تحتمل الوجهين أعني : كونها حجازية، أو تميمية : فعلى الأول يكون " أنت " مرفوعاً بها، و " بتابع " في محلّ نصب. 
وعلى الثاني يكون مرفوعاً بالابتداء، و " بتابع " في محلّ رفع، وهذه الجملة معطوفة على جملة الشرط، وجوابه لا على الجواب وحده، إذ لا يحل محله ؛ لأن نفس تبعيتهم لقبلته مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيداً في نفي تبعيته قبلتهم، وهذه الجملة أبلغ في النفي من قوله : مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  من وجوه :
أحدها : كونها اسمية متكررة فيها الاسم، مؤكد نفيها بالباء. 
ووحّد القبلة وإن كانت مثناة : لأن لليهود قبلة، وللنصارى قبلة أخرى لأحد وجهين :
إما لاشتراكهما في البطلان صارا قبلة واحدة، وإما لأجل المقابلة في اللفظ ؛ لأن قبله : مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ . 
وقرئ : بِتَابِعٍ قِبْلَتِهِمْ  بالإضافة تخفيفاً ؛ لأن اسم الفاعل المستكمل لشروط العمل يجوز فيه الوجهان. 
واختلف في هذه الجملة : هل المراد بها النهي أي : لا تتبع قبلتهم، ومعناه : الدوام على ما أنت عليه ؛ لأنه معصوم من اتباع قبلتهم، أو الإخبار المَحْض بنفي الأتبّاع، والمعنى أن هذه القبلة لا تصير مَنْسوخة، أو قطع رجاء أهل الكتاب أن يعود إلى قبلتهم ؟ قولان مشهوران. 
قوله : وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ . 
قال القفال : هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال. 
**أما على الحال فمن وجوه :**
الأول : أنهم ليسوا مجتمعين على قِبْلَةٍ واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها. 
الثاني : أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة، فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك، مع أنهم فيما بينهما مختلفون. 
الثالث : أن هذا إبطال لقولهم : إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب ؛ لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث. 
وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن قوله : وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ  ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع قبلة الآخر، لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف، وجوابه أنا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان، فلم يثبت عندنا أن أحداً منهم تبع قبلة الآخر، فالخلف غير لازم. 
وإن حملناه على الكل قلنا : إنه عامّ دخله التخصيص. 
قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ  \[ البقرة : ١٢٠ \] كقوله : وَلَئِنْ أَتَيْتَ . 
وقوله :" إِنَّكَ " جواب القسم، وجواب الشرط محذوف كما تقدم في نظيره. 
قال أبو حيان : لا يقال : إنه يكون جواباً لهما لامتناع ذلك لفظاً ومعنى. 
أما المعنى فلأن الاقتضاء مختلف، فاقتضاء القسم على أنه لا عمل له فيه ؛ لأن القَسَم إنما جيء به توكيداً للجملة المقسم عليها، وما جاء على سبيل التوكيد لا يناسب أن يكون عاملاً، واقتضاء الشرط على أنه عامل فيه، فتكون الجملة في موضع جزم، وعمل الشرط لقوة طلبه له. 
وأما اللفظ فإن هذه الجملة إذا كانت جواب قسم لم تحتج إلى مزيد رابط، فإذا كانت جواب شرط احتاجت إلى مزيد رابط وهو الفاء، ولا يجوز أن تكون خالية من الفاء موجودة فيها، فلذلك امتنع أن تكون جواباً لهما معاً. 
### فصل في الهوى


الهوى المقصور : هو ما يميل إليه الطبع \[ وقيل : هو شهوة نتجت عن شبهة، والممدود هو الجو \][(٧)](#foonote-٧). ؟
اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب. 
قال بعضهم : الرسول. 
وقال بعضهم : الرسول وغيره. 
وقال آخرون : بل غيره ؛ لأنه - تعالى - عرف أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا يفعل ذلك، فلا يجوز أن يخصّه بهذا الخطاب، وهذا خطأ من وجوه :
أحدها : أنه لو كان كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب ألا ينهاه عنه، لكان ما علم أن يفعله وجب ألا يأمره به، وذلك يقتضي ألا يكون النبي مأموراً بشيء، ولا منهيّاً عن شيء، وإنه بالاتفاق باطل. 
وثانيها : لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطاً بذلك النهي والتحذير، فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافياً للنهي والتحذير. 
وثالثها : أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذاك في العقل، فيكون الغرض منه التأكيد، ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد بعدما قرّرها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل، فأي بعد في مثل هذا الغرض هاهنا. 
ورابعها : قوله تعالى في حق الملائكة : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  \[ الأنبياء : ٢٩ \] مع أنه - تعالى - أخبر عن عصمتهم في قوله : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  \[ النحل : ٥٠ \] وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم :
 لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  \[ الزمر : ٦٥ \]. 
والإجماع على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك، وما مال إليه، وقال  يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ 
\[ الأحزاب : ١ \] وقال : بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  \[ المائدة : ٦٧ \]، وقوله : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ 
\[ الأنعام : ١٤ \]. 
فثبت بما قلنا أنه - عليه الصلاة والسلام - مَنْهي عن ذلك وأن غيره أيضاً منهي عنه ؛ لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواصّ الرسول عليه الصلاة والسلام. 
بقي أن يقال : فلم خصه بالنهي دون غيره ؟
**فنقول فيه وجوه :**
أحدها : أن كل من كان نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، فكان أَوْلَى بالتخصيص. 
وثانيها : أن مزيد الحبّ يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. 
وثالثها : أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم، فزجره عن أمر بحضرة جماعه أولاده، فإنه يكون منبهاً بذلك على عظم ذلك الفعل إن ارتكبوه، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية. 
القول الثاني : أن قوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ  \[ البقرة : ١٢٠ \] ليس المراد منه إن اتبع أهواءهم في كل الأمور، فلعله - عليه الصلاة والسلام - كان في بعض الأمور يتبع أهواءهم، مثل ترك المُخَاشنة في القول والغِلْظَة في الكلام، طمعاً منه - عليه الصلاة والسلام - في استمالتهم، فنهاه الله - تعالى - عن ذلك القدر أيضاً، وآيَسَهُ منهم بالكلية على ما قال : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً  \[ الإسراء : ٧٤ \]. 
القول الثالث : أن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره، وهذا كما أنك إذا عاتبت \[ إنساناً أساء عبده إلى عبدك فتقول له : لو فعلت مرة أخرى مثل \][(٨)](#foonote-٨) هذا الفعل لعاقبتك عليه عقاباً شديداً، فكان الغرض منه زجر العبد. 
قوله تعالى : مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ . 
إنه - تعالى - لم يرد بذلك أنه نفس العلم، بل المراد الدَّلائل والآيات والمعجزات ؛ لأن ذلك من طرق العلم، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر ١ - مذهب البصريين: إذا اجتمع شرط وقسم، حذف جواب المتأخر منهما؛ لدلالة جواب الأول عليه، إلا إذا تقدم عليهما ذو خبر، رُجّح الشرط مطلقا خلافا لابن مالك، والفراء في إجازة ذلك، والأول هو الذي عليه البصريون، وما استدل به ابن مالك والفراء عندهم من قبيل ضرورة الشعر، أو اللام من قوله: "لئن" في قول الشاعر:لئن كان ما حدثته اليوم صادقا  أصم في نهار القيظ للشمس باديا زائدة لا موطئة للقسم.
 انظر التصريح على التوضيح (٢/٢٥٣-٢٥٤)، شرح المفصل: (٧/٥٧-٥٨) شرح ابن عقيل (٢/٣٨٢)، الكتاب: (١/٤٥٦)، البسيط شرح الجمل: (٢/٩١٦)..
٢ - ينظر معاني القرآن: ١/٨٤..
٣ - ينظر معاني القرآن: ١/١٥١..
٤ - ينظر معاني القرآن: ١/٢٠٥..
٥ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٢٢٢..
٦ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٠٥..
٧ - سقط في ب..
٨ - في أ: بأنني عبد إنسان، فيقول لسيده: إن فعلت..

### الآية 2:146

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:146]

قوله تعالى : في " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ " : ستة أوجه :
أظهرها : أنه مرفوع بالابتداء، والخبر قوله :" يعرفونه ". 
الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هم الذين آتيناهم. 
الثالث : النصب بإضمار " أعني ". 
الرابع : الجر على البدل من " الظَّالمين ". 
الخامس : على الصفة للظالمين. 
السادس : النصب على البدل من  الَّذين أوتوا الكتاب  في الآية قبلها. 
قوله تعالى :" يَعْرِفُونَهُ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه خبر ل " الذين آتيناهم " كما تقدم في أحد الأوجه المذكورة في " الَّذِيْنَ آتيناهم ". 
الثاني : أنه نصب على الحال على بقية الأقوال المذكورة. 
**وفي صاحب الحال وجهان :**
أحدهما : المفعول الأول ل " آتيناهم ". 
والثاني : المفعول الثاني وهو الكتاب ؛ لأن في " يعرفونه " ضميرين يعودان عليهما، والضمير في " يعرفونه " فيه أقوال :
أحدها : أنه يعود على " الحق " الذي هو التحول، وهو قول ابن عباس - رضي الله عنهما - وقتادة والربيع وابن زيد. 
الثاني : على النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظّم ؛ أي : يعرفونه معرفة جليّة كما يعرفون أبناءهم لا تشتبه أبناؤهم وأبناء غيرهم[(١)](#foonote-١). 
روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سأل عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أنا أعلم به مني بابني، قال : ولم ؟ قال : لأني لست أشك في محمد أنه نبي، وأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبَّل عمر رأسه[(٢)](#foonote-٢). 
وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر ؛ لأن الكلام يدل عليه، ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام. 
**قالوا : وهذا القول أولى من وجوه :**
أحدها : أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله : مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ . 
والمراد من ذلك العلم : النبوة، فكأنه تعالى قال : إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة. 
وثانيها : أن الله - تعالى - ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القِبْلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوّة أَوْلى. 
وثالثها : أن المعجزات لا تدلّ أوّل دلالتها إلا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظّم، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. 
وعلى هذا القول أسئلة. 
السؤال الأول : أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من أمر القبلة. 
والجواب : أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - عن اتّباع اليهود والنصارى بقوله تعالى :
 وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ  \[ البقرة : ١٤٥ \] أخبر المؤمنين بحاله - صلوات الله وسلامه عليه - في هذه الآية فقال : اعلموا يا معشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمداً، وما جاء به وصدقه ودعوته وقِبْلَتَه لا يشكّون فيه كما لا يشكون في أبنائهم. 
السؤال الثاني : هذه الآية نظيرها قوله تعالى :
 يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ \[ الأعراف : ١٥٧ \] وقال : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ  \[ الصف : ٦ \] إلا أنّا نقول : من المستحيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم، وذلك لأنه وصفه في التوراة والإنجيل : إما أن يكون قد أتى مشتملاً على التفصيل التام، وذلك إنما يكون بتعيين الزمان والمكان والصفة والخِلْقة والنَّسَب والقبيلة، أو هذا الوصف ما أتى من هذا النوع من التفصيل، فإن كان الأول وجب أن يكون بمقدمه في الوقت المعين، من البلد المعين، من القبيلة المعينة على الصفة المعينة معلوماً لأهل المشرق والمغرب ؛ لأن التوراة والإنجيل كانا مشهورين فيما بين أهل المشرق والمغرب، ولو كان الأمر كذلك لما تمكن أحد من النصارى واليهود من إنكار ذلك. 
وأما القسم الثاني : فإنه لا يفيد القطع بصدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنا نقول : هَبْ أن التوراة اشتملت على أن رجلاً من العرب سيكون نبيّاً إلا أن ذلك الوصف لما لم يكن منتهياً في التفصيل إلى حَدّ اليقين، لم يلزم من الاعتراف به الاعتراف بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. 
والجواب : أن هذا الإشكال إنما يتوجّه لو قلنا بأن العلم بنبوته إنما حصل من اشتمال التوراة والإنجيل على وصفه، ونحن لا نقول به، بل نقول : إنه ادّعى النبوة، وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً صادقاً، فهذا برهان، والبرهان يفيد اليقين، فلا جرم كان العلم بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أقوى وأظهر من العلم ببنوّة الأبناء، وأبوة الآباء. 
السؤال الثالث : فعلى هذا الوجه الذي قرّرتموه كان العلم بنبوة محمد - صلوات الله وسلامه عليه - علماً برهانياً، غير محتمل للغَلَطِ. 
أما العلم بأن هذا ابْني فذلك ليس علماً يقينياً، بل ظن ومحتمل للغلط، فلم شبه اليقين بالظن ؟
والجواب : ليس المراد أن العلم بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - يشبه العلم ببنوّة الأبناء، بل المراد به تشبيه العلم بأشخاص الأبناء وذواتهم، فكما أن الأب يعرف شخص ابنه معرفة لا يشتبه هو عنده بغيره فكذا هاهنا، وعند هذا يستقيم التشبيه، لأن هذا العلم ضروري وذلك نظري، وتشبيه النظري بالضروري يفيد المبالغة وحسن الاستعارة. 
السؤال الرابع : لم خص الأبناء بالذكر دون البنات. 
الجواب : لأن الذكور أعرف وأشهر، وهم بصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. 
والضمير في " يَعْرِفُونَه " يعود على القرآن الكريم. 
وقيل : على العلم. 
وقيل : على البيت الحرام. 
\[ ويعود الضمير إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم. وهو رأي الزمخشري، واختاره الزَّجاج وغيره، وقال أبو حيان : هذا من باب الالتفات من الخطاب في قوله :" فَوَلِّ وَجْهَكَ " إلى الغيبة \][(٣)](#foonote-٣). 
قوله :" كَمَا يَعْرِفُونَ " " الكاف " في محل نصب إما على كونها نَعْتاً لمصدر محذوف أي : معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم، أو في موضع نصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المعرفة المحذوف، التقدير : يعرفونه معرفة مُمَاثلة لعرفانهم، وهذا مذهب سيبويه وتقدم تحقيق هذا. و " ما " مصدرية لأنه ينسبك منها ومما بعدها مصدر كما تقدم تحقيقه. 
قوله تعالى : وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 
\[ البقرة : ١٤٦ \]. 
اعلم أن الذين أوتوا الكتاب وعرفوا الرسول، فمنهم من آمن به مثل عبد الله بن سلام وأتباعه، ومنهم من بقي على كفره، ومن آمن لا يوصف بكتمان الحق، وإنما يوصف بذلك من بقي على كفره، لا جرم قال الله تعالى : وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  فوصف البعض بذلك، ودلّ بقوله \][(٤)](#foonote-٤) :" لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ " على سبيل الذَّم، على أنّ كتمان الحقّ في الدين محظور إذا أمكن إظهاره، واختلفوا في المَكْتُوم، فقيل : أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل : أمر القبلة كما تقدم. 
قوله تعالى :" وَهُمْ يَعْلَمُونَ " جملة اسمية في محلّ نصب على الحال من فاعل " يكتمون "، والأقرب فيها أن تكون حالاً مؤكدة ؛ لأن لفظ " يَكْتُمون الحَقّ " يدل على علمه، إذ الكتم إخفاء ما يعلم وقيل : متعلق العلم هو ما على الكاتم من العقاب، أي : وهم يعلمون العقاب المرتب على كاتم الحق، فتكون إذ ذاك حالاً مبينة، وهذا ظاهر في أن كفرهم كان عِنَاداً، ومثله : وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً  \[ النمل : ١٤ \].

١ - الأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٧٠) عن قتادة، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..
٢ - أخرجه الثعلبي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس؛ كما ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٧١)..
٣ - - سقط في ب..
٤ - في أ: فبعض الوصف ودل قوله..

### الآية 2:147

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [2:147]

قوله تعالى :" الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ " فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، وفي الألف واللام حينئذ وجهان :
أحدهما : أن تكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه الرسول - عليه السلام - أو إلى الحق الذي في قوله :" يَكْتُمُونَ الْحَقَّ " أي : هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره. 
الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : هو الحق من ربك، والضمير يعود على الحق المكتوم أي : ما كتموه هو الحق. 
الثالث : أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره : الحق من ربك يعرفونه، والجار والمجرور على هَذَين القولين في محلّ نصب على الحال من " الحَقّ "، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر في الوجه الثاني. 
وقرأ علي[(٥)](#foonote-٥) بن أبي طالب :" الحقَّ مِنْ رَبِّك " نصباً، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على البدل من الحق المكتوم، قاله الزمخشري[(٦)](#foonote-٦). 
الثاني : أن يكون منصوباً بإضمار " الذم "، ويدل عليه الخطاب بعده في قوله :" فَلاَ تَكُونَنَّ ". 
الثالث : أنه يكون منصوباً ب " يعلمون " قبله، وذكر هذين الوجهين ابن عطية، وعلى هذا الوجه الأخير يكون مما وقع فيه الظاهر موضع المضمر، أي : وهم يعلمونه كائناً من ربك، وذلك سائغ حسن في أماكن التفخيم والتهويل نحو :\[ الخفيف \]
٨٣٧ - لاَ أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ \*\*\*. . . [(٧)](#foonote-٧)
والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن نفس الصفة، فلذلك جاء التنزيل عليه : نحو  فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 
 فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ  \[ الأنعام : ٣٥ \] دُونَ : لا تمتر ولا تجهل ونحوه وتقرير ذلك أن قوله :" لا تكن ظالماً " نهي عن الكون بهذه الصفة، والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن تلك الصفة ؛ إذ النهي عن الكون على صفة يدلّ على عموم الأكوان المستقبلة عن تلك الصفة، والمعنى لا تظلم في كل أكوانك، أي : في كل فرد فرد من أكوانك فلا يمرّ بك وقت يوجد منك فيه ظلم، فيصير كأن فيه نصاً على سائر الأكوان، بخلاف : لا تظلم، فإنه يستلزم الأكوان، وفرق بين ما يدلّ دلالة بالنص وبين ما يدل دلالة بالاستلزام و " الامتراء " : افتعال من المِرْيَة وهي الشك، ومنه المراء. قال :\[ الطويل \]
٨٣٨ - فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الْمِرَاءَ فَإِنَّهُ \*\*\* إِلَى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وَلِلشَّرِّ جَالِبُ[(٨)](#foonote-٨)
و " ماريته " : جادلته وشاكلته فيما يدعيه، و " افتعل " فيه بمعنى " تفاعل "، يقال : تماروا في كذا، وامتروا فيه نحو : تجاوروا، واجتوروا. 
وقال الراغب[(٩)](#foonote-٩) : المِرْيَة : التردّد في الأمر، وهي أخَصُّ من الشَّك، والامتراء والمماراة المُحاجَّةُ فيما فيه مِرْية، وأصله من مَرَيْتُ النَّاقة إذا مَسحتَ ضَرْعَها للحَلْب. 
ففرق بين المِرْية والشَّك كما ترى، وهذا كما تقدم له الفرق بين الرّيب والشَّك، وأنشد الطبري قول الأعشى :\[ الطويل \]
٨٣٩ - تَدُرُّ عَلى أَسْؤُقِ المُمْتَرِي \*\*\* نَ رَكَضاً إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ[(١٠)](#foonote-١٠)
شاهداً على أن الممترين الشاكون. 
قال : ووهم في ذلك ؛ لأن أبا عبيدة وغيره قالوا : الممترون في البيت هم الذين يمرُّون الخيل بأرجلهم هَمْزاً لتجري كأنهم يَتَحلبون الجري منها. 
\[ فصل فيمن نزلت فيه الآية
قوله : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ  قال الحسن : من الذين علموا صحة نبوتك وإن بعضهم عاندوكم[(١١)](#foonote-١١). 
وقيل : بل يرجع إلى أمر القبلة. 
وقيل : بل يرجع إلى صحة نبوته وشرعه، وهو أقرب ؛ لأن أقرب مذكور إليه قوله :" من ربك " ؛ وظاهره يقتضي النبوة، فوجب أن يرجع إليه، ونهيه عن الامتراء لا يدلّ على أنه كان شاكاً فيه كما تقدم القول في هذه المسألة \][(١٢)](#foonote-١٢).

### الآية 2:148

> ﻿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:148]

جمهور القراء على تنوين " كلّ "، وتنوينهُ للعوض من المضاف إليه، والجار خبر مقدم، و " وِجْهَة " مبتدأ مؤخر. 
واختلف في المضاف إليه " كل " المحذوف. 
فقيل : تقديره : ولكل طائفة من أهل الأديان \[ يعني : أن الله يفعل ما يعلمه صلاحاً، فالجهات من الله تعالى وهو الذي ولَّى وجوه عباده إليها فانقادوا لأمر الله تعالى، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى طعن هؤلاء، وقولهم :" ما ولاّهم عن قبلتهم أي التي كانوا عليها " فإن الله يجمعهم وإياكم في القيامة \][(١)](#foonote-١). 
وقيل : ولكل أهل موضع من المسلمين وِجْهَتُه إلى جهة الكعبة يميناً وشمالاً ووراء وقدّام \[ فهي كجهة واحدة، ولا يخفى على الله نيّاتهم ؛ فهو يحشرهم جميعاً ويثيبهم على أعمالهم[(٢)](#foonote-٢) \]. وفي " وجهة " قولان :
أحدهما : ويعزى للمبرد، والفارسي، والمازني في أحد قوليه : أنها اسم المكان المتوجه إليه، وعلى هذا يكون إثبات " الواو " قياساً إذ هي غير مصدر. 
قال سيبويه ولو بنيت " فِعْلَة " من الوعد لقلت : وعدة، ولو بنيت مصدراً لقلت : عدة. 
والثاني : أنه مصدر، ويعزى للمازني، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال بعد ذكر حذف " الواو " من المصادر :" وقد أثبتوا فقالوا : وجهة في الجهة " وعلى هذا يكون إثبات " الواو " شاذَاً مَنْبَهَةٌ على ذلك الأصل المتروك في " عدة " ونحوها، والظاهر أن الذي سوغ إثبات " الواو " وإن كانت مصدراً أنها مصدر جاءت على حذف الزوائد ؛ إذ الفعل المسموع من هذه المادة تَوَجَّه واتَّجَهَ، ومصدرهما التوجه والاتجاه، ولم يسمع في فعله :" وَجَهَ يَجِهُ " ك " وعد يَعِدُ "، وكان الموجب لحذف " الواو " من عدة وزنة الحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وهنا لم يسمع فيه مضارع يحمل مصدره عليه، فلذلك قلت : إن " وِجْهَة " مصدر على حذف الزوائد ل " توجه " أو " اتجه "، وقد ألم أبو البقاء بشيء من هذا. 
قال القرطبي : الوِجْهَة وزنها فِعْلَة من المُوَاجهة. 
والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القِبْلة، أي : أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة : إما بحق، وإما بهوى.

### فصل في لفظ الوجه


قال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ الوجه في القرآن الكريم على أربعة أضرب : الأول : بمعنى الملّة، قال تبارك وتعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا  أي : ملّة. 
الثاني : بمعنى الإخلاص في العمل، قال تعالى :
 إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ  \[ الأنعام : ٧٩ \] أي : أخلصت عملي، ومثله :
 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ 
\[ النساء : ١٢٢ \] أي : أخلص عمله لله. 
الثالث : بمعنى الرِّضَا، قال تعالى :
 وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ 
**\[ الأنعام : ٥٢ \] أي : رضاه، ومثله :**
 وَاصْبِرْ نَفْسَكَ  \[ الكهف : ٢٨ \] الآية الكريمة، ومثله :
 وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ  \[ الروم : ٢٩ \] أي : رضاه. 
الرابع : الوجه هو الله تعالى كقوله تعالى :
 فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  \[ البقرة : ١١٥ \]، ومثله :
 إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ  \[ الإنسان : ٩ \]، وقوله :
 كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  \[ القصص : ٨٨ \] أي : إلاّ إياه. 
قوله تعالى :" هُوَ مُوَلِّيهَا " جملة مبتدأ وخبر في محلّ رفع ؛ لأنها صفة ل " وجهة " \[ وهي قراءة الجمهور \][(٣)](#foonote-٣)واختلف في " هو " على قولين :
أحدهما : أنه يعود على لفظ " كلّ " لا على معناها، ولذلك أفرد \[ قال القرطبي : ولو كان على المعنى لقال : هم مولوها وجوههم فالهاء والألف مفعول أول[(٤)](#foonote-٤) \]. والمفعول الثاني محذوف لفهم المعنى تقديره : هو موليها وجهه أو نفسه، ويؤيد هذا قراءة ابن عامر[(٥)](#foonote-٥) :" مُوَلاَّها " على ما لم يسم فاعله. 
والثاني : أنه يعود على الله - تعالى - أي : الله مولّي القبلة إياه، أي ذلك الفريق. 
وقرأ الجمهور :" مُوَليها " على اسم فاعل، وقد تقدم أنه حذف أحد مفعوليه، وقرأ ابن عامر - ويعزى لابن عباس - " مُوَلاَّها " على اسم المفعول، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل والثاني : هو الضمير المتصل به وهو " ها " العائد على الوجهة. 
وقيل : على التولية ذكره أبو البقاء، وعلى هذه القراءة يتعيّن عود " هو " إلى الفريق ؛ إذ يستحيل في المعنى عوده على الله تعالى. \[ ولقراءة ابن عامر معنيان :
أحدهما : ما وليته فقد ولاّك ؛ لأن معنى وليته أي : جعلته بحيث يليه، وإذا صار بحيث يلي ذاك، فذاك أيضاً يلي هذا، فإذاً قد يفيد كل واحد منهما الآخر. 
فهو كقوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ  \[ البقرة : ٣٧ \] فهذا قول الفراء. 
الثاني :" هُوَ مُوَلِّيها " أي : قد زينت لك تلك الجهة أي صارت بحيث تتبعها وترضاها \][(٦)](#foonote-٦). 
وقرأ بعضهم[(٧)](#foonote-٧) :" وَلَكُلِّ وجهة " بالإضافة، ويعزى لابن عامر، واختلفوا فيها على ثلاثة أقوال :
أحدها، وهو قول الطبري : أنها خطأ، وهذا ليس بشيء ؛ إذ الإقدام على تخطئة ما ثبت عن الأئمة لا يسهل. 
\[ قال ابن عطية : وخطأها الطبري وهي متّجهة أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه أي : إنما عليكم الطاعة في الجميع وقدم قوله :" ولكلٍّ وجهةٌ " على الأمر في قوله :" فَاسْتَبقوا الخيرات " للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول. 
وذكر أبو عمرو الدَّاني هذه القراءة عن ابن عَبَّاس[(٨)](#foonote-٨) \]. 
والثاني : وهو قول الزمخشري وأبي البقاء أن " اللام " زائدة في الأصل. 
قال الزمخشري : المعنى وكلّ وجهة اللَّهُ مولّيها، فزيدت " اللام " لتقدم المفعول، كقولك : لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. 
قال أبو حيان : وهذا فاسد ؛ لأن العامل إذا تعدَّى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور ب " اللام " لا تقول : لزيد ضربته، ولا : لزيد أنا ضاربه، لئلا يلزم أحد محذورين، وهما : إما لأنه يكون العامل قوياً ضعيفاً. \[ وذلك أنه من حيث تعدّى للضمير بنفسه يكون قويّاً ومن حيثُ تعدى للظاهر ب " اللام " يكون ضعيفاً[(٩)](#foonote-٩) \]، وإما لأنه يصير المتعدي لواحد متعدياً لاثنين، ولذلك تأول النحويون ما يوهم ذلك وهو قوله :\[ البسيط \]. ٨٤٠ - هَذَا سُرَاقَةُ لِلْقُرآنِ يَدْرُسُهُ  وَالْمَرْءُ عِنْدَ الرُّشَا إِنْ يَلْقَهَا ذِيْبُ[(١٠)](#foonote-١٠)على أن الضمير في " يدرسه " للمصدر أي : يدرس الدرس لا للقرآن ؛ لأن الفعل قد تعدى إليه. 
وأما تمثيله بقوله :" لزيد ضربت "، فليس نظير الآية ؛ لأنه لم يتعدّ في هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الاشتغال، فتقدر عاملاً في :" لكل وجهة " يفسره " موليها " ؛ لأن الاسم المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف ينتصب ذلك الاسم بفعل يوافق العامل الظاهر في المعنى، ولا يجوز جر المشتغل عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرف تقول : زيداً مررت به، أي : لابست زيداً مررت به، ولا يجوز : لزيد مررت به. 
قال تعالى : وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ  \[ الإنسان : ٣١ \]، وقال :\[ الوافر \]٨٤١ - أَثَعْلَبَةَ الْفَوارِسِ أَمْ رِيَاحاً  عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ وَالْخِشَابَا[(١١)](#foonote-١١)فأتى بالمشتغل عنه منصوباً، وأما تمثيله بقوله : لزيد أبوه ضاربه، فتركيب غير عربي. 
الثالث : أن " لكلّ وجهة " متعلق بقوله : فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ  أي : فاستبقوا الخيرات لكل وجهة، وإنما قدم على العامل للاهتمام به، كما تقدم المفعول، كا ذكره ابن عطية. 
ولا يجوز أن توجه هذه القراءة على أن " لكل وجهة " في موضع المفعول الثاني ل " مولّيها "، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو " مولّ "، وهو " ها "، وتكون عائدة على الطوائف، ويكون التقدير : وكلَّ وجهة اللَّهُ مولِّي الطوائف أصحاب القِبْلاَت، وزيدت " اللام " في المفعول لتقدمه، ويكون العامل فرعاً ؛ لأن النحويين نصُّوا على أنه لا يجوز زيادة " اللام " للتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط، و " مولّ " مما يتعدّى لاثنين، فامتنع ذلك فيه، وهذا المانع هو الذي منع من الجواب عن الزمخشري فيما اعترض به أبو حيان عليه من كون الفعل إذا تعدى للظاهر، فلا يتعدى لضميره، وهو أنه كان يمكن أن يجاب عنه بأن الضمير المتصل ب " مول " ليس بضمير المفعول، بل ضمير المصدر وهو التَّولية، يكون المفعول الأول محذوفاً والتقدير : الله مولي التولية كلَّ وجهةٍ أَصْحَابَها، فلما قدم المفعول على العامل قوي ب " اللام " لولا أنهم نصوا على المنع من زيادتها في المتعدي لاثنين وثلاثة. 
قوله تعالى :" فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ " " الخيرات " منصوبة على إسقاط حرف الجر، التقدير : إلى الخيرات، كقول الراعي :\[ الطويل \]٨٤٢ - ثَنَائِي عَلَيْكُمْ آلَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ  سِوَاكُمْ فَإِنِّي مُهْتَدٍ غَيرُ مَائلِ[(١٢)](#foonote-١٢)أي : إلى سواكم، وذلك لأن " استبق " : إما بمعنى سبق المجرد، أو بمعنى : تسابق \[ لا جائز أن يكون بمعنى : سبق ؛ لأن المعنى ليس على اسبقوا الخيرات، فبقي أن يكون بمعنى : تسابق \][(١٣)](#foonote-١٣)ولا يتعدى بنفسه. 
و " الخيرات " جمع : خيرة، وفيها احتمالان. 
أحدهما : أن تكون مخففة من " خَيِّرة " بالتشديد بوزن " فَيْعِلة " نحو : مَيْت في مَيِّت. 
والثاني : أن تكون غير مخففة، بل تثبت على " فَعْلَة " بوزن " جَفْنَة "، يقال : رجل خير وامرأة خير، وعلى كلا التقديرين فليسا للتفضيل. 
والسبق : الوصول إلى الشيء أولاً، وأصله التقدم في السير، ثم تجوز به في كل ما تقدم. 
### فصل في المسابقة إلى الصلاة


من قال : إنَّ الصلاة في أول الوقت أفضل استدل[(١٤)](#foonote-١٤)بقوله :" فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ " ؛ قال : لأن الصلاة خير لقوله عليه الصلاة والسلام " خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلاَةُ[(١٥)](#foonote-١٥) " وظاهر الأمر بالسبق للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب. 
**وأيضاً قوله تعالى :**
 سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ  \[ الحديد : ٢١ \] ومعناه : إلى ما يوجب المغفرة، والصلاة مما يوجب المغفرة، فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة. 
وأيضاً قوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ 
\[ الواقعة : ١٠ - ١١ \]. 
والمراد منه : السابقون في الطاعات، والصلاة من الطاعات، وأيضاً أنه مدح الأنبياء المقدمين بقوله تعالى : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ  \[ الأنبياء : ٩٠ \]، والصلاة من الخيرات، كما بَيّنا. 
وأيضاً أنه تعالى ذم إبْليس في ترك المُسَارعة فقال : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  \[ الأعراف : ١٢ \]. 
وأيضاً قوله تعالى : حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ  \[ البقرة : ٢٣٨ \] والمحافظة لا تحصل إلا بالتَّعْجيل، ليأمن الفوت بالنسيان. 
وأيضاً قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى  \[ طه : ٨٤ \] فثبت أن الاستعجال أولى. 
وأيضاً قوله تعالى :{ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مّ١ - سقط في ب..
٢ - سقط في ب..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..
٥ - انظر السبعة: ١٧١، والكشف: ١/٢٦٧، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٣٠، والعنوان: ٧٢، وحجة القراءات: ١١٧، وشرح الطيبة: ٤/٧٤، ٧٥، وشرح شعلة: ٢٧٨، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤٢٢..
٦ - سقط في ب..
٧ - وقد نسبها في الشواذ ص ١٠ لابن عباس.
 انظر المحرر الوجيز: ١/٢٢٤، والبحر المحيط: ١/ ٦١١، والدر المصون: ١/٤٠٥..
٨ - سقط في ب..
٩ - سقط في أ..
١٠ -ينظر خزانة الأدب: ٢/٣، ٥/٢٢٦، ٩/٤٨، ٦١، ٥٤٧، والدرر: ٤/١٧١، ورصف المباني: ص ٢٤٧، ٣١٥، وشرح التصريح: ١/٣٢٦، وشرح شواهد المغني: ٥٨٧، والكتاب: ٣/٦٧، ولسان العرب (سرق)، والمقرب: ١/١١٥، وهمع الهوامع: ٢/٣٣، والدر المصون: ١/٤٠٦..
١١ - البيت لجرير ينظر ديوانه: ص ٨١٤، والكتاب: ١/١٠٢، وشرح أبيات سيبويه: ١/٢٨٨، وشرح التصريح: ١/٣٠٠، والمقاصد النحوية: ٢/٥٣٣، وخزانة الأدب: ١١/٦٩، ولسان العرب (خشب)، (طها)، وجمهرة اللغة: ص ٢٩٠، والأزهية: ص ١١٤، وأمالي المرتضى: ٢/٥٧، وأوضح المسالك: ٢/١٦٦، والرد على النحاة: ص ١٠٥، وشرح الأشموني: ١/ ١٩٠، والدر المصون: ١/٤٠٦..
١٢ - ينظر البحر المحيط: ١/٦١٢، الدر المصون: ١/٤٠٧..
١٣ - سقط في أ..
١٤ - في أ: استدلوا..
١٥ - أخرجه ابن ماجه (١/١٠٢) رقم (٢٧٩) وأحمد (٥/٢٨٠) وابن عبد البر في "الاستذكار" (١/٢٦٢) والدارمي (١/١٦٨) والبيهقي (١/٨٢، ٤٥٧) والحاكم (١/٣٠) والطبراني في "الكبير" (٢/٩٨)، (٧/٢٨) وفي "الأوسط" (١/١١)، (٢/٨٨) والطيالسي (٤٦- منحة) والخطيب (١/٢٩٣).
 وذكره الهندي في "كنز العمال" (٥٤٧٤) والمنذري في "الترغيب والترهيب" (١/١٦٢) وانظر الدر المنثور (١/ ٢٩٦)..

### الآية 2:149

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:149]

قوله تعالى :" مِنْ حَيْثُ " متعلق بقوله :" فولّ وَجْهَكَ " و " خرجت " في محلّ جر بإضافة " حيث " إليها، وقرأ عبد الله[(١)](#foonote-١) بالفتح، وقد تقدم أنها إحدى اللغات، ولا تكون هنا شرطية، لعدم زيادة " ما "، والهاء في قوله : وَإِنَّهُ للحَقُّ  الكلام فيها كالكلام عليها فيما تقدّم. 
وقرئ " تعلمون " بالياء والتاء، وهما واضحتان كما تقدم.

### فصل في الكلام على الآية


اعلم أنه - تبارك وتعالى - قال أولاً : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ  \[ البقرة : ١٤٤ \] وذكر هاهنا ثانياً قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . 
ثم ذكر ثالثاً قوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ  فما فائدة هذا التكرار ؟ فيه أقوال :
**أحدها : أن الأحوال ثلاثة :**
أولها أن يكون الإنسان في المسجد الحرام. 
وثانيها : أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد. 
وثالثها : أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض. 
فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، والثالثة على الثالثة ؛ لأنه قد يتوهّم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للبعد، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله - تعالى - هذه الآيات. 
والجواب : أنه علق بها كل مرة فائدة زائدة، ففي الأولى بين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر هذه القبلة حقّ ؛ لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل. 
وفي الثانية بين أنه - تعالى - يشهد أن ذلك حقّ، وشهادة الله بكونه حقّاً مغايرة لعلم أهل الكتاب \[ حقّاً \]. 
وفي الثالثة بين \[ فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجّة \][(٢)](#foonote-٢)، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة في المرات واحدة من هذه الفوائد، ونظيره قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ 
\[ البقرة : ٧٩ \]. 
وثالثها : لما قال في الأولى : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ  فربما توهم متوهم أن هذا التحويل لمجرد رضاه فأزال هذا الوهم الفاسد بقوله عز وجل ثانياً : وَمِنْ حَيْثُما خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ   وَإنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ  أي : إن التحويل ليس لمجرد رضاك، بل لأجل أنه الحق الذي لا محيد عنه، فاستقبالها ليس لمجرد الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي يقيمون عليها بمجرّد الهوى والميل. 
ثم قال تعالى ثالثاً : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [(٣)](#foonote-٣)والمراد منه الدوام على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخاً. 
ورابعها : أنه قرن كل آية بمعنى، فقرن الأولى وهي القبلة التي يرضاها ويحبّها بالقبلة التي كانوا يحبونها، وهي قبلة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وقرن الآية الثانية بقوله : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا  أي : لكل صاحب ملّة قبلة يتوجّه إليها، فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله أنها حقٌّ، وقرن الثالثة بقطع الله - تعالى - حجّة من خاض من اليهود في أمر القِبْلَةِ، فكانت هذه عللاً ثلاثاً قرن بكل واحدة منها أمراً بالتزام القبلة. 
نظيره أن يقال : الزم هذه القبلة كأنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال : الزم هذه القبلة، فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله : وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ  ثم يقال : الزم هذه القبلة، فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  \[ الرحمن : ١٦ \] وكذلك ما كرر في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ  \[ الشعراء : ٨ \]. 
وخامسها : أن هذه الواقعة أوّل الوقائع التي ظهر النَّسخ فيها في شرعنا، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة، وإيضاح البينات. 
أما قوله سبحانه وتعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  يعني : ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق، وهم يعرفونه، ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم : مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا  \[ البقرة : ١٤٢ \] وبأنه قد اشتاق إلى مولده، ودين آبائه، فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله. \[ وقد تقدم الكلام على نفي الغَفْلة وعدم ذكر العلم \][(٤)](#foonote-٤). 
١ - وقرأ بها عبد الله بن عمير كما في البحر: ١/ ٦١٣، وانظر الدر المصون: ١/٤٠٧..
٢ - في أ: العلة، وهي قطع حجة اليهود..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..

### الآية 2:150

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:150]

قوله تعالى : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ  هذه لام " كي " بعدها " أن " المصدرية الناصبة للمضارع، و " لا " نافية واقعة بين الناصب ومنصوبه، كما تقع بين الجازم ومجزومه نحو : إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ 
\[ الأنفال : ٧٣ \] و " أن " هنا واجبة الإظهار، إذ لو أضمرت لثقل اللَّفظ بتوالي لامين، ولام الجر متعلقة بقوله سبحانه وتعالى : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ . 
وقال أبو البقاء : متعلّقة بمحذوف تقديره : فعلنا ذلك لئلا، ولا حاجة إلى ذلك، و " للناس " خبر ل " يكون " مقدّم على اسمها، وهو " حجّة "، و " عليكم " في محل نصب على الحال ؛ لأنه في الأصل صفة النكرة، فلما تقدم عليها انتصب حالاً، ولا يتعلق ب " حجة " لئلاّ يلزم تقديم معمول المصدر عليه، وهو ممتنع ؛ لأنه في تأويل صلة وموصول، وقد قال بعضهم : يتعلّق ب " حجة " وهو ضعيف، ويجوز أن يكون " عليكم " خبراً ل " يكون " ويتعلق " للناس " ب " يكون " على رأي من يرى أن " كان " الناقصة تعمل في الظرف وشبهه، وذكر الفعل في قوله " يكون " ؛ لأن تأنيث الحجّة غير حقيقي، وحسن ذلك الفصل أيضاً. 
وقال أبو روق : المراد ب " النَّاس " : أهل الكتاب. 
ونقل عن قتادة والربيع : أنهم وجدوا في كتابهم أنه - عليه الصلاة والسلام - تحوّل إلى القبلة، فلما حوّلت بطلت حجّتهم. 
 " إلا الذين ظلموا " ؛ بسبب أنهم كتموا ما عرفوا. 
وقيل : لما أوردوا تلك الشبهة معتقدين أنها حجّة سماها تعالى حجّة، بناءً على معتقدهم، أو لعله - تعالى - سمّاها حجّة تهكُّماً بهم. 
وقيل : أراد بالحجة المحاجّة، فقال : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ  فإنهم يحاجونكم بالباطل \][(٥)](#foonote-٥). 
قوله تعالى :" إلاَّ الَّذِينَ " قرأ الجمهور " إلاَّ " بكسر " الهمزة " وتشديد " اللام ". 
وقرأ[(٦)](#foonote-٦) ابن عباس، وزيد بن علي، وابن زيد بفتحها، وتخفيف " اللام " على أنها للاستفتاح. 
فأما قراءة الجمهور فاختلف النحويون في تأويلها على أربعة أقوال :
أظهرها : وهو اختيار الطبري، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره أنه استثناء متصل. 
قال الزمخشري : معناه لئلا يكون حجّة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين : ما ترك قِبْلَتنا إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه، وحبّاً لهم، وأطلق على قولهم :" حجّة " ؛ لأنهم ساقوه مساق الحجة. 
والحجّة كما أنها تكون صحيحة، فقد تكون أيضاً باطلة، قال الله تعالى : حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ  \[ الشورى : ١٦ \]. 
وقال تعالى : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ 
\[ آل عمران : ٦١ \] والمحاجّة هي أن يورد كل واحد من المحق والمبطل على صاحبه حجّة، وهذا يقتضي أن الذي يورده المبطل يسمى بالحجّة، ولأن الحجّة اشتقاقها من حَجَّه إذا علا عليه، فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجّة. 
وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجّة الطريق، فكل كلام يتّخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجّة. 
وقال ابن عطية : المعنى أنه لا حجّة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا من اليهود وغيرهم الذين تكلموا في النازلة، وسماها حجّة وحكم بفسادها حين كانت من ظالم. 
الثاني : أنه استثناء منقطع، فيقدر ب " لكن " عند البصريين، وب " بل " عند الكوفيين ؛ لأنه استثناء من غير الأول، والتقدير : لكن الذين ظلموا، فإنهم يتعلقون عليكم بالشبهة يضعونها موضع الحجة \[ نظيره قوله : إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إَلاَّ مَن ظَلَمَ 
\[ النمل : ١٠ - ١١ \]. 
وقال : لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ  \[ هود : ٤٣ \]. 
ويقال : ما له عليّ مِنْ حقَ إلاّ التعدي، أي : لكنه يتعدى \][(٧)](#foonote-٧). 
ومثار الخلاف هو : هل الحجّة هي الدليل الصحيح، أو الاحتجاج صحيحاً كان أو فاسداً ؟
فعلى الأولى يكون منقطعاً، وعلى الثاني يكون متصلاً. 
الثالث : وهو قول أبي عبيدة أن " إلا " بمعنى " الواو " العاطفة وجعل من ذلك قوله :\[ الوافر \]

٨٤٣ - وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخْوهُ  لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدانِ[(٨)](#foonote-٨)يَعْني : والفرقدان. 
وقول الآخر :\[ البسيط \]٨٤٤ - مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيرُ وَاحِدَةٍ  دَارُ الخَلِيفَةِ إِلاَّ دَارُ مَرْوَانَا[(٩)](#foonote-٩)تقدير ذلك عنده :" ولا الذين ظلموا، والفرقدان، ودار مروان " وقد خطأه النحاة في ذلك كالزجاج وغيره. 
الرابع : أن " إلا بمعنى بعد، أي : بعد الذين ظلموا، وجعل منه قول الله تعالى : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى  \[ الدخان : ٥٦ \]. 
وقوله تعالى : إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ  \[ النساء : ٢٢ \] تقديره : بعد الموتة، وبعد ما قد سلف، هذا من أَفْسَد الأقوال، وأنكرها، وإنما ذكرته لغرض التنبيه على ضعفه. 
و " الذين " في محل نصب على الاستثناء على القولين اتّصالاً وانقطاعاً، وأجاز قطرب أن يكون في موضع جَرّ بدلاً من ضمير الخطاب في " عليكم "، والتقدير : لئلا تثبت حجّة للناس على غير الظالمين منهم، وهم أنتم أيها المخاطبون بتولية وجوهكم إلى القِبْلة. 
ونقل عنه أنه كان[(١٠)](#foonote-١٠) يقرأ :" إلاَّ على الذين " كأنه يكرر العامل في البدل على حَدّ قوله : لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ 
\[ الأعراف : ٧٥ \]. 
وهذا عند جمهور البصريين ممتنع ؛ لأنه يؤدي إلى بدل ظاهر من ضمير حاضر بدل كلّ من كل، ولم يجزه من البصريين إلا الأخفش، وتأول غيره ما ورد من ذلك. 
وأما قراءة ابن عباس ب " ألا " للاستفتاح، ففي محل " الذين " حينئذ ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه مبتدأ، وخبره قوله :" فَلاَ تَخْشَوْهُمْ "، وإنما دخلت " الفاء " في الخبر ؛ لأن الموصول تضمن معنى الشرط، والماضي الواقع صلة مستقبل معنى كأنه قيل : من يظلم الناس فلا تخشوهم، ولولا دخول الفاء لترجّح النصب على الاشتغال، أي : لا تخشوا الذين ظلموا لا تخشوهم. 
الثاني : أن يكون منصوباً بإضمار فعل على الاشتغال، وذلك على قول الأخفش، فإنه يجيز زيادة الفاء. 
الثالث : نقله ابن عطية أن يكون منصوباً على الإغراء. 
ونقل عن ابن مجاهد أنه قرأ[(١١)](#foonote-١١) :" إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا " وجعل " إلى " حرف جر متأولاً لذلك بأنها بمعنى " مع "، والتقدير : لئلا يكون للناس عليكم حجة مع الذين، والظاهر أن هذا الراوي وقع في سمعه " إلا الذين " بتخفيف " إلاَ " فاعتقد ذلك فيها، وله نظائر مذكورة عندهم. 
و " فهم " في محل نصب على الحال فيتعلّق بمحذوف، ويحتمل أن تكون " من " للتبعيض، وأن تكون للبيان. 
### فصل في الكلام على هذه الحجة


اعلم أن هذا الكلام يوهم حِجَاجاً وكلاماً تقدم من قبل في باب القِبْلَةِ عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجّة تزول الآن باستقبال الكعبة. 
**وفي كيفية تلك الحجة روايات :**
إحداها : أن اليهود قالوا : تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا. 
وثانيها : قالوا : ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه ؟
وثالثها : أن العرب قالوا : إنه كان يقول : أنا على دين إبراهيم، والآن ترك التوجه إلى الكعبة، ومن ترك التوجّه إلى الكعبة، فقد ترك دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فصارت هذه الوجوه وَسَائِلَ لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام، إلاّ أن الله - تعالى - لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين ؛ لأن قولهم لا يؤثر في المصالح، وقد بينا من قبل تلك المصلحة، وهي تمييز من اتبعه ب " مكة " ممن أقام على تكذيبه فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة، فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة، فلهذا قال الله تعالى :" لئلا يكون للناس عليكم حجة يعني أنّ تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أن يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى، وهو قول بعض العرب : إن محمداً عليه الصلاة والسلام - عاد إلى ديننا في الكَعْبة وسيعود إلى ديننا بالكلية، وكان التمسك بهذه الشبهة، والاستمرار عليها سبباً للبقاء على الجهل والكفر، وذلك ظلم \[ للنفس \][(١٢)](#foonote-١٢) على ما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  \[ لقمان : ١٣ \] فلا جرم، قال الله تعالى  إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ \[ فَلاَ تَخْشَوهُمْ وَاخْشَوْنِ . 
أي : لا تخشوا من يتعنّت ويجادل، ولا تخافوا طعنهم في قبلتكم، فإنهم يضرونكم، واخشوني، واحذروا عقابي إن عدلتم عما ألزمتكم، وفرضت عليكم. 
و " الخَشْية " : أصلها : طمأنينة في القلب تبعث على التوقي والخوف، و " الخوف " : فزع في القلب تخف له الأعضاء، ولخفّة الأعضاء به يسمى خوفاً، ومعنى التحقير لكل من سوى الله تعالى، والأمر باطّراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. 
قال بعضهم : الخوف أوّل المراتب، وهو الفزع، ثم بعده الوَجَل، ثم الخَشْية، ثم الرَّهْبة \][(١٣)](#foonote-١٣). 
قوله :" وَلأُتِمَّ " فيه أربعة أوجه :
أظهرها : أنه معطوف على قوله :" لِئَلاَّ يَكُونَ " كأن المعنى : عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم، ولإتمام النعمة، فيكون التعريف معلّلاً بهاتين العلّتين :
\[ إحداهما : لانقطاع حجّتهم عنه. 
والثانية : لإتمام النعمة. وقد بَيَّن مسلم الأصفهاني ما في ذلك من النعمة، وهو القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما يفعلون، فلما حُوِّل - عليه الصلاة والسلام - إلى " بيت المقدس " لحقهم ضعف قلب، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب التحوّل إلى الكعبة، لما فيها من شرف البُقْعة، فهذا موضع النعمة \][(١٤)](#foonote-١٤)، والفصل بالاستثناء وما بعده كَلاَ فَصْلٍ إذ هو من متعلق العلة الأولى. 
الثاني : أنه معطوف على علّة محذوفة، وكلاهما \[ معلولها \][(١٥)](#foonote-١٥) الخشية السابقة، فكأنه قيل : واخشوني \[ لأوفقكم \][(١٦)](#foonote-١٦) ولأتم نعمتي عليكم. 
الثالث : أنه متعلّق بفعل محذوف مقدر بعده تقديره : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عرفتكم أمر قبلتكم ". 
الرابع : وهو أضعفها أن تكون متعلقة بالفعل قبلها، و " الواو " زائدة، تقديره : واخشوني لأتم نعمتي. 
وهذه لام " كي " و " أن " مضمرة بعدها ناصبة للمضارع، فينسبك منهما مصدر مجرور باللام وتقدم تحقيقه، و " عليكم " فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق ب " أتمّ ". 
الثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من " نعمتي "، أي : كائنة عليكم. 
فإن قيل : إنه - تعالى - أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي 
\[ المائدة : ٣ \] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية  وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ  ؟ !
فالجواب : أنا قلنا تمام النعمة اللاَّئقة في كل وقت هو الذي خصه به. 
وعن عليّ رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام. 
وقوله :" لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " فيه سؤال، وهو أن لَفْظَه التّ

### الآية 2:151

> ﻿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:151]

قوله تعالى :" كَمَآ أَرْسَلْنَا " : الكاف من قوله :" كما " فيها قولان :
أظهرهما : أنها للتشبيه. 
والثاني : أنها للتعليل، فعلى القول الأول تكون نعت مصدر محذوف. 
واختلفوا في متعلقها حينئذ على خمسة أوجه :
أحدها : أنها متعلقة بقوله :" ولأتم " تقديره : ولأتم نعمتي عليكم إتماماً مثل إتمام الرسول فيكم، ومتعلّق الإتمامين مختلف، فالأول بالثواب في الآخرة، والثاني بإرسال الرسول في الدنيا، أو الأول بإيجاب الدعوة الأولى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله :
 وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أَمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ  \[ البقرة : ١٣٨ \]
والثاني بإجابة الدعوى الثانية في قوله : رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ  \[ البقرة : ١٢٩ \] \[ قاله ابن جرير \][(١)](#foonote-١)، ورجحه مكي ؛ لأن سياق اللفظ يدلّ على أن المعنى : ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم، كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم. 
والثاني : أنها متعلّقة ب " تهتدون "، تقديره : يهتدون اهتداء مثل إرسالنا فيكم رسولاً، ويكون تشبيه الهداية بالإرسال في التحقيق والثبوت أي : اهتداء متحققاً كتحقيق إرسالنا. 
الثالث : وهو قول أبي مسلم : أنها متعلقة بقوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً  \[ البقرة : ١٤٣ \]، أي : جعلاً مثل إرسالنا. 
وهذا بعيد جداً ؛ لطول الفصل المؤذن بالانقطاع. 
الرابع : أنها متعلقة بما بعدها وهو " اذكروني " \[ قال مجاهد وعطاء والكلبي : وروي عن علي رضي الله عنه، واختاره الزَّجاج : كما أرسلنا فيكم رسولاً تعرفونه بالصدق فاذكروني بالتوحيد والتصديق به، وعلى هذا فالوقف على " تهتدون " جائز \][(٢)](#foonote-٢). 
قال الزمخشري[(٣)](#foonote-٣) : كما ذكرتكم بإرسال الرسل، فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، فيكون على تقدير مصدر محذوف، وعلى تقدير مضاف أي : اذكروني ذكراً من ذكرنا لكم بالإرسال، ثم صار : مثل ذكر إرسالنا، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا كما تقول : كما أتاك فلان فإنه يكرمك، و " الفاء " غير مانعة من ذلك. 
قال أبو البقاء :" كما " لم تمنع في باب الشرط يعني أن ما بعد فاء الجزاء يعمل فيما قبلها. 
وقد ردّ مكي هذا بأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه و " اذكروني " قد أجيب بقوله :" أذكركم " فلا يتعلق به ما قبله. 
قال : ولا يجوز ذلك إلا في التشبيه بالشرط الذي يجاب بجوابين، نحو : إذا أتاك فلان فأكرمه تَرْضَهْ، فيكون " كما "، و " فأذكركم " جوابين للأمر، والأول أفصح وأشهر، وتقول :" كما أحسنت إليك فأكرمني " فيصح أن تجعل الكاف متعلقة ب " أكرمني " إذ لا جواب له. 
وهذا الشرط منعه مكّي قال أبو حيان :" لا نعلم خلافاً في جوازه ". 
وأما قوله : إلا أن يشبه بالشرط، وجعله " كما " جواباً للأمر، فليس بتشبيه صحيح، ولا يتعقل، وللاحتجاج عليه موضع غير هذا الكتاب. 
قال أبو حيان : وإنما يخدش هذا عندي وجود الفاء، فإنها لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وتبعد زيادتها. انتهى. 
وقد تقدم \[ قول \][(٤)](#foonote-٤) أبي البقاء في أنها غير مانعة من ذلك. 
الخامس : أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من " نعمتي " والتقدير : ولأتم نعمتي مُشبِهَةً إرسالنا فيكم رسولاً، أي : مشبهة نعمة الإرْسَال، فيكون على حذف مضاف. \[ وقال مكي : في " إعراب المشكل " : فإن شئت جعلت " الكاف " في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في " عليكم " \][(٥)](#foonote-٥). 
وأما على القول بأنها للتعليل، فتتعلّق بما بعدها وهو قوله :" فاذكروني " أي : اذكروني لأجل إرسالنا فيكم رسولاً، وكون " الكاف " للتعليل واضح، وجعل بعضهم منه : وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ 
\[ البقرة : ١٩٨ \]، وقول الآخر :\[ الرجز \]
٨٤٥ - لاَ تَشْتُمِ النَّاس كَمَا لاَ تُشْتَم[(٦)](#foonote-٦) \*\*\*. . . 
أي : لا تَشتم لامتناع النَّاس من شَتمك. 
وفي " ما " المتّصلة بهذه " الكاف " ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنها مصدرية، وقد تقدم تحريره. 
والثاني : أنها بمعنى الذي، والعائد محذوف، و " رسولاً " بدل منه، والتقدير : كالذي أرسلناه رسولاً، وهذا بعيد جداً. 
وأيضاً فإن فيه قوع " ما " على آحاد العقلاء، وهو قول مرجوح. 
الثالث : أنها كافة " للكاف " كهي في قوله :\[ الوافر \]
٨٤٦ - لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدِ \*\*\* كَمَا النَّشْوَانُ وَالرَّجُلُ الحَلِيمُ[(٧)](#foonote-٧)
ولا حاجة إلى هذا، فإنه لا يُصَار إلى ذلك إلاّ حيث تعذّر أن ينسبك منها ومما بعدها مصدر، كما إذا اتصلت بجملة اسمية كالبيت المتقدم. 
و " منكم " في محلّ نصب ؛ لأنه صفة ل " رسولاً "، وكذلك ما بعده من الجمل، ويحتمل أن تكون الجمل بعده حالاً لتخصيص النكرة بوصفها بقوله :" منكم "، وأتي بهذه الصفات بصيغة المضارع ؛ لأنه يدل على التجدد والحدوث، وهو مقصود هاهنا، بخلاف كون " منهم "، فإنه وصف ثابت له، \[ وقوله :" فيكم " و " منكم "، أي : من العرب، وفي إرساله فيهم رسولاً، ومنهم نِعَمٌ عليهم عظيمة ؛ لما لهم فيه من الشَّرَفِ، وأن المشهور من حال العرب الأَنَفَةُ الشديدة من الانقياد إلى الغير، فبعثه الله - تعالى - من واسطتهم ليقرب قبولهم. 
وقوله :" يَتْلُو عَلَيْكُمْ " فيه نِعَمٌ عليكم عظيمة ؛ لأنه معجزة باقية تتأدّى به العبادات ومستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة. 
واعلم أنه إن كان المراد بالآيات القرآن، فالتلاوة فيه ظاهرة. 
وإن كان المراد بالآيات المعجزات، فمعنى التلاوة لها تتابعها ؛ لأنَّ الأصل في التلاوة التتابع، يقال : جاء القوم يتلو بعضهم بعضاً أي بعضهم إثْرَ بعض \][(٨)](#foonote-٨)، وهنا قدم التزكية على التعليم، وفي دعاء إبراهيم بالعكس. 
والفرق أن المراد بالتزكية هنا التطهير من الكفر، وكذلك فسروه. 
وهناك المراد بها الشهادة بأنهم خيار أزكياء، وذلك متأخر عن تعلم الشرائع والعمل بها. \[ وقال الحسن :" يزكّيكم " يعلّمكم ما إذا تمسّكتم به صرتم أزكياء. 
وقال أبو مسلم :" التزكية " عبارة عن التَّنمية، كأنه قال : يكثركم ؛ كقوله تعالى : إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ  \[ الأعراف : ٨٦ \]، وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا \][(٩)](#foonote-٩). 
وقوله : يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ  بعد قوله : وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  من باب ذكر العام بعد الخاص، وهو قليل بخلاف عكسه. \[ وقوله عز وجل : وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ  بعد قوله : يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا  ليس بتكرار ؛ لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم. 
وأما الحكمة فهي العلم بسائر الشرائع التي لم يشتمل القرآن على تفصيلها. 
وقال الشافعي رضي الله عنه : الحكمة هي سُنّة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. 
وفي قوله تعالى : وَيَعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ  تَنْبِيهٌ على انه - تعالى - أرسله على حين فَتْرَةٍ من الرسل، وجهالة الأمم \][(١٠)](#foonote-١٠).

١ - - سقط في ب..
٢ - سقط في ب..
٣ - ينظر الكشاف: ١/٢٠٦..
٤ - سقط في ب..
٥ - في ب: ما نقلته عن..
٦ - البيت لرؤبة. ينظر ملحقات ديوانه: (١٨٣)، شواهد الكتاب: ٣/١١٦، الإنصاف: (٣٤٥)، رصف المباني: (٢١٤)، الدرر: ٢/٤٣، الخزانة: ٤/٢٨٢، الكتاب: ٣/١١٦، شواهد العيني: ٤/٤٠٩، الدر المصون: ١/ ٤١١..
٧ - البيت لزياد الأعجم. ينظر ديوانه: ص ٩٧، والجنى الداني: ص ٤٨١، وشرح شواهد المغني: ص ٥٠١ والمقاصد النحوية: ٣/٣٤٨، وبلا نسبة في مغني اللبيب: ١/١٧٨، والدر المصون: ١/٤١١..
٨ - سقط في ب..
٩ - سقط في ب..
١٠ - سقط في ب..

### الآية 2:152

> ﻿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [2:152]

اعلم أن الله - تعالى- كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر، والشكر. 
أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح. 
فذكر اللسان الحمد، والتسبيح، والتمجيد، وقراءة كتابه. 
وذكر القلب التفكّر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، والتفكر في الجواب على الشبهة العارضة في تلك الدلائل، والتفكّر في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفية التَّكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم، والتفكر في أسرار مخلوقاته. 
وأما الذكر بالجوارح، فهو عبارة عن كون الجوارح مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا سمى الله الصلاة ذكراً، بقوله تعالى : فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ  \[ الجمعة : ٩ \] فقوله :" اذْكُرُوني " يتضمن الطاعات، ولهذا روي عن سيعد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي[(١)](#foonote-١) فأجمله حتى يدخل الكل فيه.

### فصل في ورود الذكر في القرآن


**الذكر ورد على ثمانية أوجه :**
الأول : بمعنى الطاعة كهذه الآية أي : أطيعوني أغفر لكم. 
الثاني : العمل، قال تعالى : خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ 
\[ البقرة : ٦٣ \] أي : اعملوا بما فيه. 
**الثالث : العِظَة، قال تعالى :**
 وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ  \[ الذاريات : ٥٥ \] أي العِظَة، ومثله  فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ  \[ الأنعام : ٤٤ \] أي : ما وعظوا به. 
الرابع : الشَّرف قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  \[ الزخرف : ٤٤ \] ومثله : بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ  \[ المؤمنون : ٧١ \] أي : بشرفهم، وقوله : هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي  \[ الأنبياء : ٢٤ \] أي : شرف. 
الخامس : القرآن قال تعالى : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا  \[ ص : ٨ \] أي : القرآن، ومثله : وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ  \[ الأنبياء : ٥٠ \]. 
السادس : التوراة قال تعالى : فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ  \[ النحل : ٤٣ \] أي : التوراة. 
السابع : البيان، قال تعالى : أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ  \[ الأعراف : ٦٣ \]. 
الثامن : الصلاة، قال تعالى : فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ  \[ الجمعة : ٩ \]. 
قوله :" أَذْكُرْكُمْ " هذا خطاب لأهل " مكة " والعرب. 
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعرفتي[(٢)](#foonote-٢). 
وقيل : اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. 
بيانه قوله سبحانه وتعالى : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  \[ الصافات : ١٤٣ - ١٤٤ \]. 
وقيل : اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة. 
قال تبارك وتعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  \[ غافر : ٦٠ \] قاله أبو مسلم. 
وقيل : اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، وقيل : اذكروني بمَحَامدي أذكركم بهدَايتي. 
روى الحسن عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله - تَعَالَى - يقول : يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْراً دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعاً، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعاً دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعاً، وَإِنْ مَشَيْتَ إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْكَ، وإِنْ هَرْوَلْتَ إِلَيَّ سَعَيْتُ إِلَيْكَ، وإِنْ سَأَلْتَنِي أَعْطَيْتُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْنِي غَضِبْتُ عَلَيْكَ[(٣)](#foonote-٣) ". 
وقال أبو عثمان النهدي : إني لأعلم الساعة التي يذكرون منها. 
قيل : ومن أين تعلمها ؟ قال : اتقوا الله عز وجل : فَاذْكُرُونِي أّذْكُرْكُمْ . 
قوله : وَاشْكُرُواْ لِي . 
تقدم أن " شَكَر " يتعدّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر على حد سواء على الصحيح. 
وقال بعضهم : إذا قلت : شكرت لزيد، فمعناه شكرت لزيد صَنِيْعَهُ، فجعلوه متعدياً لاثنين. 
أحدهما : بنفسه، والآخر بحرف الجر، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله :" واشكروا لي ما أنعمت به عليكم ". 
وقال ابن عطية :" واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد ". 
و " لي " أفصح وأشهر مع الشّكر، ومعناه : نعمتي وَأَيَادِيَّ، وكذلك إذا قلت شكرتك، فالمعنى شكرت لك صنيعك وذكرته، فحذف المضاف ؛ إذ معنى الشكر ذكر اليد، وذكر مُسْدِيها معاً، فما حذف من ذلك، فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف. 
وأصل الشكر في اللغة : الظهور، فشكر العبد لله - تعالى - ثناؤه عليه بذكر إحسانه، وشكر الله سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له، إلا أن شكر العبد نُطق باللسان، وإقْرَار بالقلب بإنعام الرب. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَكْفُرُونِ  نهي ولذلك حذفت منه نون الجماعة، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء ؛ لأنها رأس آية وإثباتها أحسن في غير القرآن، أي : لا تكفروا نعمتي، فالكفر هنا سَتْر النعمة لا التكذيب. 
١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٢١١) عن سعيد بن جبير والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٧٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٧٣) وعزاه لأبي الشيخ والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا..
٣ - أخرجه البغوي (١/١٢٦) وأخرجه بلفظ قريب منه مسلم في الذكر والدعاء ١٩ وأحمد (٢/ ٣٩١) وابن حبان (٢٣٩٣، ٢٣٩٤) والحاكم (١/٤٩٦) وأبو نعيم في "الحلية" (٩/٣٠٦)..

### الآية 2:153

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:153]

اعلم أنه - تعالى - لما أوجب بقوله " فاذكروني " جميع العبادات، وبقوله : وَاشْكُرُواْ لِي  ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما، فقال : اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ  وإنما خصّهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات. 
أما الصبر فهو قَهْر النفس على احتمال المَكَاره في ذات الله - تعالى - وتوطينها على تحمُّل المشاقّ، ومن كان كذلك سهل عليه فعل الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، وتجنّب المحظورات. 
وأما الصلاة فلقوله تعالى : إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ 
\[ العنكبوت : ٤٥ \]. 
ومن الناس من حمل الصبر على الصوم. 
ومنهم من حمله على الجهاد، لقوله تعالى بعده : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ  ولأنه - تعالى- أمره بالتثبت في الجهاد، فقال تعالى : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ  \[ الأنفال : ٤٥ \] وبالتثبُّت في الصلاة وفي الدعاء، فقال تعالى : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  \[ آل عمران : ١٤٧ \].

### فصل في أقسام الصبر وذكر الاستعانة


والقول الأول أولى لعموم اللفظ وعدم تقيّده الاستعانة، ذكر الاستعانة بالصلاة ولم يذكر فيماذا يُسْتعان. 
فظاهره يدل على أن الاستعانة في كل الأمور، وذكر الصبر، وهو ينقسم إلى قسمين :
أحدهما : الصبر على الطاعات. 
والثاني : الصبر على الشدائد فهو يشملها وتقدم الكلام على المراد بالصلاة. 
قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ . 
**فالمعيّة على قسمين :**
أحدهما : معيّة عامة، وهي المعيّة بالعلم والقدرة، وهذه عامة في حق كل أحد. 
والثاني : معيّة خاصة وهي المعيّة بالعَوْن والنصر، وهذه خاصة بالمتقين والمحسنين والصابرين، ولهذا قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ  \[ النحل : ١٢٨ \] وقال هاهنا : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ  أي : بالعون والصبر.

### الآية 2:154

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [2:154]

قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في قَتْلى " بدر "، وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً : ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. 
فمن المهاجرين : عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله، ومن الأنصار : سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء رضوان الله تعالى عليهم وكانوا يقولون : مات فلان ومات فلان، فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم : إنهم ماتوا. وقال بعضهم : إن الكفار والمنافقين قالوا : إنّ الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمَرْضَاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية.

### فصل في المراد بحياة الشهداء


اختلفوا في هذه الحياة. 
فقال أكثر المفسرين : إنهم في القبر أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم، وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور. 
فإن قيل : نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور، فكيف يصح ما ذهبتم إليه ؟
فالجواب : قال ابن الخطيب : أما عندنا فالبنية ليست شرطاً في الحياة، ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كلّ واحد من تلك الذّرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف. 
وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بدّ منها في ماهية الحي، ولا يعتبر بالأطراف. 
ويحتمل أيضاً أن يحييهم إذا لم يشاهدوا. 
وقال الأصم : يعني لا تسمّوهم بالموتى، وقولوا لهم : الشهداء الأحياء، ويحتمل أن المشركين قالوا : هم أموات في الدين كما قال تعالى : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ  \[ الأنعام : ١٢٢ \] فقال : ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون، ولكن قولوا : هم أحياء في الدين، ولكن لا يشعرون \[ يعني المشركين لا يعلمون من قتل على دين محمد صلوات الله وسلامه عليه حيٌّ في الدين \][(١)](#foonote-١) وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن المشركين كانوا يقولون : إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يقتلون أنفسهم، ويخسرون حياتهم، فيخرجون من الدنيا بلا فائدة، ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء. وهؤلاء الذين قالوا ذلك، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم منكرين لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - فلذلك قالوا هذا الكلام، فقال الله تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون : إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدّنيا، ولكن اعلموا أنهم أحياء، أي : سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة، وتفسير قوله :" أحياء " بأنهم سيحيون غير بعيد، قال الله تعالى : إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  \[ الانفطار : ١٣ - ١٤ \]، وقال : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا  \[ الكهف : ٢٩ \]. 
وقال : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ  \[ النساء : ١٤٥ \] وقال  أفَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ 
\[ الحج : ٥٦ \]. 
والقول الأول هو المشهور ويدل عليه وجوه :
أحدها : الآيات الدالة على عذاب القبر كقوله تعالى : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ  \[ غافر : ١١ \]، \[ والموتتان لا تحصلان إلا عند حصول الحياة في القبر[(٢)](#foonote-٢) \] وقال الله تعالى : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  \[ نوح : ٢٥ \] و " الفاء " للتعقيب. 
وقال : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  \[ غافر : ٤٦ \] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً ؛ لأن العذاب حقّ الله - تعالى - على العبد، والثواب حق للعبد على الله تعالى. 
وثانيها : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله :" وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ " معنى ؛ لأن الخطاب للمؤمنين، وقد \[ كانوا يعلمون أنهم ماتوا على هدى وكون أنهم[(٣)](#foonote-٣) \] كانوا لا يعلمون ؛ أي أنهم سيحيون يوم القيامة. 
وثالثها : أن قوله تعالى : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم 
\[ آل عمران : ١٧٠ \] دليل على حصول الحياة في البَرْزَخِ قبل البعث. 
ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام " أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب القَبْرِ " وقوله :" القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النيران[(٤)](#foonote-٤) ". 
وخامسها : أنه لو كان المراد من قوله :" إنهم أحياء " أنهم سيحيون، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة. 
قال القرطبي : والشهداء أحياء كما قال الله تعالى، وليس معناه أنهم سيحيون، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سَيَحْيَا. 
ويدل على هذا[(٥)](#foonote-٥) قوله تبارك وتعالى : وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ  والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون. 
وأجاب عنه أبو مسلم بأنه - تعالى - إنما خصهم بالذكر ؛ لأن درجتهم في الجنة أرفع، ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى :
 وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ  \[ النساء : ٦٩ \] فأرادهم بالذكر تعظيماً. 
قال ابن الخطيب[(٦)](#foonote-٦) : هذا الجواب ضعيف ؛ لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله - تعالى - ما خصهم بالذكر. 
وفي هذا الجواب نظر ؛ لأن الآية الكريمة ليست في النبيين والصديقين، إنما هي في الشهداء. 
واحتج أبو مسلم بأنه - تعالى - ذكر هذه الآية في " آل عمران " فقال : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  \[ آل عمران : ١٦٩ \] وهذه العندية ليست بالمكان، بل بالكون في الجنة، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد[(٧)](#foonote-٧) القيامة. 
وقال ابن الخطيب[(٨)](#foonote-٨) : لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة، بل بإعلاء الدرجات، وإيصال البشارات إليه، وهو في القبر، أو في موضع آخر. 
وقال بعضهم : ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب، والكلام في هذه المسألة مذكور في غير هذا المكان. 
\[ قال الحسن : إن الشهداء هم أحياء عند الله - تعالى - تُعْرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرج، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشية، فيصل إليهم الوَجَعُ \][(٩)](#foonote-٩). 
قوله تعالى : أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ  خبر مبتدأ محذوف أي : لا تقولوا : هم أموات، وكذلك " أحياء " خبر مبتدأ محذوف أي : بل هم أحياء. 
\[ وقد راعى لفظ " من " مرة فأفرد في قوله :" يقتل "، ومعناها أخرى، فجمع في قوله :" أموات بل أحياء " \][(١٠)](#foonote-١٠) و " اللام " هنا للعلة، ولا تكون للتبليغ ؛ لأنهم لم يُبَلِّغُوا الشهداء قوله هذا. 
والجملة من قوله :" هم أموات " في محلّ نصب بالقول ؛ لأنها محكية به. 
وأما " بل هم أحياء " فيحتمل وجهين :
أحدهما : ألا يكون له محل من الإعراب، بل هو إخبار من الله - تعالى - بأنهم أحياء، ويرجحه قوله : وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ  ؛ إذ المعنى لا شعور لكم بحياتهم. 
والثاني : أن يكون محلّه النصب بقول محذوف تقديره، بل قولوا : هم أحياء، ولا يجوز أن ينتصب بالقول الأول لفساد المعنى، وحذف مفعول " يشعرون " لفهم المعنى : أي بحياتهم، والله أعلم. 
١ - سقط في ب..
٢ - سقط في ب..
٣ - سقط في ب..
٤ - أخرجه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" للهيثمي، وقال: وفيه محمد بن أيوب بن سويد وهو ضعيف. وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/٢٣٨) وانظر إتحاف السادة المتقين (٦/٣٠١) و (١٠/٣٨٠)..
٥ - في أ: على هذا..
٦ - ينظر الفخر الرازي: ٤/١٣٣..
٧ - ينظر الفخر الرازي: ٤/١٣٣..
٨ - في ب: بعد..
٩ - سقط في ب..
١٠ - - سقط في أ.

### الآية 2:155

> ﻿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [2:155]

قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [(١)](#foonote-١)
قال القفال \[ رحمه الله :\] هذا متعلق بقوله تعالى : وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ  فإنما نبلوكم بالخَوْفِ وبكذا، وفيه مسائِلُ. 
**فإن قيل : إنه تعالى قال :**
 وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ  \[ البقرة : ١٥٢ \] والشكرُ يوجب المزيدَ، لقوله : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ  \[ إبراهيم : ٧ \] فكيف أردَفَهُ بقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ  ؟. 
\[ قال ابن الخطيب \][(٢)](#foonote-٢) : والجواب من وَجْهَيْنِ :
الأولُ : أنه - تعالى - أخبر أَنَّ إكمَالَ الشرائعِ إتمامُ النعمةِ، فكأنه كذلك موجباً للشُّكْرِ، ثم أَخبر أن القيامَ بتلك الشرائع لا يُمْكِن إِلا بتحمّل المِحَن، فلا جَرَمَ أمر فيها بالصَّبْر. 
الثاني : أنه - تبارك وتعالى - أَنْعَم أولاً فأَمَر بالشكْر، ثم ابْتَلَى وأمر بالصَّبْرِ، لينال \[ الرجل \][(٣)](#foonote-٣)درجةَ الشاكرِين وَالصَّابِرينَ مَعاً، فيكمل إيمانُهُ على ما قال عليه الصلاة والسلام :" الإِيْمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ، وَنِصْفٌ شُكْرٌ " [(٤)](#foonote-٤). 
قال بعضَهم : الخطابُ لجميع أُمَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم. 
وقال عَطاءٌ والرَّبِيعُ بنُ أَنس : المرادُ بهذه المخاطبةِ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهِجْرة وهذا الابتلاءُ لإِظْهَارِ المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً، ولم يَكُنْ عَالِماً به، وقد يُطْلق الابتلاءُ على الأَمانةِ ؛ كهذه الآية الكريمةِ، والمعنى : وليصيبنكُم اللَّهُ بشيْءٍ من الخوف، وقد تقدَّم الكلامُ فِيه، في قوله تعالى :
 وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  \[ البقرة : ١٢٤ \]. 
**وفي حكمة هذا الابتلاء وجوه :**
أَحَدُها : ليوطِّنُوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكُونُ ذلك أبعدَ لهم من الجَزَعِ، وأَسْهَل عليهم بعد الورُود. 
وثَانِيهَا : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المِحَن، اشتَدَّ خَوْفُهم[(٥)](#foonote-٥)فيصير ذلك الخوفُ تَعْجِيلاً للابتلاءِ، فيستحِقُّون به مزيدَ الثَّوابِ. 
وثَالِثُها : أن الكفارَ إذا شاهدوا محمداً وأصحَابَهُ مقِيمينَ على دينهم مُسْتقرّين عليه، مع ما كانوا عليه منْ نِهَاية الضر[(٦)](#foonote-٦)والمِحْنَةِ والجُوعِ، يَعْلَمُونَ أن القومَ إِنَّما اختاروا هذا الدِّينَ لقطْعِهم بصحّته، فيدعُوهم ذلك إِلى مَزِيد التأمّل في دَلاَئِله. 
ومن المعلُوم الظَّاهِر أَنَّ التَّبَعَ إذا عَرَفُوا أن المتبوعَ في أَعْظَم المِحنَ بسبب المذهب الذي ينصرُه، ثم رأوه مع ذلك مُصِرّاً على ذلك المذهب كان ذلكَ أَدْعَى لهم إلى اتَّباعِه مما إذا رأوه مُرَفّه الحَالِ، لا كُلْفة عليه في ذلك المذهب. 
ورَابِعُهَا : أنه تعالى أخبر بوقوُع ذلك الابتلاءِ قَبْل وقُوعِه، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه، فكان ذلك إخْباراً عن الغَيْب، فكان معجزاً. 
وخَامِسُها : أَنَّ من المُنَافِقِينَ مَنْ أَظْهَر متابعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه طمعاً منه في المال، وسعة الرزق، فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق من الموافق ؛ لأنَّ المنافِقَ إِذَا سَمِعَ ذلكن نَفَر منه، وتركَ دِينَه، فكانَ في هَذَا الاختبارِ هَذِهِ الفَائِدَةُ. 
وسَادِسُها : أن إخلاص الإنسان حالة \[ البلاء، ورجوعه إلى باب الله تعالى[(٧)](#foonote-٧) \] أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. 
قوله تعالى :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ " هذا جواب قسم محذوف، ومتى كان جوابه مضارعاً مثبتاً مستقبلاً، وجب تلقيه باللام وإحدى النونين خلافاً للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يُجيز البصريون ذلك إلا في الضرورة، وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون، وقد تقدم تحقيق[(٨)](#foonote-٨) ذلك وما فيه من الخلاف. 
\[ قال القُرْطِبيُّ : وهذه " الوَاوُ " مفتوحَةٌ عِنْد سِيبَوَيْه ؛ لالتِقَاءِ السّاكِنَين. وقال غيرُه : لَمَّا ضُمَّتَا إلى النُّونِ الثَّقِيلَةِ بُنِيَ الفِعْلُ مُضَارِعاً بمنزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَر، والبَلاَءُ يَكُون حَسَناً وَيَكُونُ سَيِّئاً، وأَصْلَهُ : المِحْنَةُ، وقدم تقدَّمَ \][(٩)](#foonote-٩). 
قوله تعالى :" بِشَيء " متعلق بقوله :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ " و " الباء " معناها الإلصاق، وقراءة الجمهور على إفراد " شيء "، ومعناها الدلالة على التقليل ؛ إذ لو جمعه لاحتمل أن يكون ضرباً من كل واحد. 
وقرأ [(١٠)](#foonote-١٠)الضحاك بن مزاحم :" بأشياء " على الجمع. 
وقراءة الجمهور لا بد فيها من حذف تقديره : وبشيء من الجوع ؛ وبشيء من النقص. 
وأما قراءة الضحاك فلا تحتاج إلى هذا. 
وقوله :" مِنَ الْخَوْفِ " في مَحَلّ جَرِّ صفة لشيء، فيتعلّق بمحذوف.

### فصل في أقسام ما يلاقيه الإنسان من المكاره


اعْلَم أَنَّ كلّ ما يلاقي الإنسان من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود في الحال، وإلى ما كان موجوداً في الماضي، وإلى ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبل. 
فإذا خَطَر بالبالِ \[ وجود شيء \][(١١)](#foonote-١١) فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان مَوْجُوداً في الحَال يُسَمى ذوقاً ووجداً، وإنما سمي وَجْداً ؛ لأنها حالةٌ تجدها مِنْ نَفْسِك. 
وإن خطر بالبالِ وُجُودُ شَيْءٍ في الاستقبال وغلب ذلك على القَلْبِ سُمِّيَ انتظاراً وتوقّعاً. 
فإن كان المنتظر مكروهاً يحصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً في القلب. 
### فصل في الفرق بين الخوْف والجُوع والنَّقْص


قال ابنُ عباسٍ رَضي الله عنهما : الخوفُ خوفُ العَدُوِّ والجُوع القَحْط والنقصُ مِنَ الأَمْوَالِ بالخُسْرَانِ والهَلاَكِ والأنفس بمعنى القتل. 
وقيل : بالمرض والسبي. 
وقال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدّين، فكانوا لا يؤمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد كان من الخوف وقعة " الأحزاب " ما كان، قال الله تعالى : هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً  \[ الأحزاب : ١١ \]. 
وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى " المدينة " لقلّة أموالهم، حتى أنه عليه الصلاة والسلام \[ كان يشدّ الحجر على بطنه. 
وروى أبو الهيثم من التّيهان أنه - عليه السلام \][(١٢)](#foonote-١٢) - لما خرج التقى بأبي بكر قال مَا أَخْرَجَكَ ؟ قال : الجُوعُ، قال : أَخْرَجَنِي مَا أَخْرَجَكَ \[ وأما نَقْصُ الأَمْوَالِ والأَنْفُسِ، فقد يَحْصُلُ ذلك عند مُحَاربة العَدُوِّ، بأَنْ ينفق مَالَهُ في الاسْتِعْدادِ والجهَادِ، وقد يُقْتَلُ ؛ فهناك يحصلُ النَّقْصُ في المال والنفس \][(١٣)](#foonote-١٣)وقال اللَّهُ تَعَالَى :
 وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ  \[ التوبة : ٤١ \] وقد يحصلُ الجُوعُ في سفر الجِهَادِ عند فَنَاءِ الزَّادِ ؛ قال الله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  \[ التوبة : ١٢٠ \]. 
وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجَدْب، وقد يكون بترك عِمَارة الضِّيَاع للاشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنْفَاق على من كان يَرِدُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوفود. 
قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله عز وجل، والجوع : صيام شهر رَمَضان، والنقص من الأموال : بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات، موت الأولاد. 
قولهُ تَعَالى :" وَنَقْصٍ " فِيه وَجْهان :
أَحدُهُما : أَنْ يكُونَ معطوفاً على " شَيْءٍ "، والمعنى : بشيءٍ من الخَوْفِ وبنقص. 
والثَّانِي : أن يكون مَعْطوفاً على الخَوْفِ، أَيْ : شيءٌ من نقص الأموال. 
والأول أَوْلَى ؛ لاشتراكهما في التنكير. 
قَوْلَهُ :" مِنَ الأَمْوَالِ " فيه خَمْسة أَوْجُه :
أَحدها : أَنْ يكونَ مُتعَلقاً ب " نقص " ؛ لأنه مصدر " نقص "، وهو يتعدَّى إلى واحدٍ، وقد حُذِف، أَيْ : ونقص شيء مِنْ كَذا. 
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ في محلّ جَرٍّ صفة لذلك المحذوف، فيتعلّق بمحذوف، أي ونقص شيء كائن من كذا. 
الثَّالِثُ : أَنْ يكونَ في محلِّ نَصْبٍ صفَةً لمفعول مَحْذُوفٍ نصب بهذا المصدر المنون، والتقديرُ : ونقصُ شيء كَائِنٌ من كذا، ذكره أَبُو الْبَقَاء. 
ويكونُ مَعنى " مِنْ " على هذين الوجهين التَّبْعِيضُ. 
الرَّابعُ : أَنْ يكون في محل جرِّ صِفَةً ل " نَقص "، فيتعلق بمحذوف أيضاً، أَيْ : نقص كائن من كذا، وتكونُ " مِنْ " لابتداء الغَايَةِ. 
الخِامِسُ : أن تكون " مِنْ " زائدةً عن الأَخْفَشِ، وحينئذ لا تعلّق لها بِشَيْءٍ. 
قوله تعالى :" وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " الخِطَابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن أتَى بَعْدَهُ من أمته، أي : الصابرين على البَلاَءِ والرَّزَايا، أي بشرهم بالثواب على الصبر، والصبر أصله الحبس وثوابه غير مقدر، ولكن لاَ يكُون ذلك إلا بالصَّبْر عند الصَّدْمَة الأولى \[ لقوله عليه الصلاةُ والسَّلامُ :" إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى[(١٤)](#foonote-١٤) " \][(١٥)](#foonote-١٥) أي الشاقة على النفس الذي يَعْظُمُ الثوابُ عليه، إنما هو عند هُجُوم المُصيبة ومَرَارتها. 
والصَّبْرُ صَبْرانِ ؛ صَبْرٌ عن معصية الله تعالى فهذا مُجَاهِدٌ، والصبرُ عَلَى طَاعَةِ الله فهذا عَابِدٌ. 
١ - في أ: إلى قوله تعالى: "والصابرين"..
٢ - سقط في ب..
٣ - في أ: العبد..
٤ - ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم (٣١٠٦) من رواية البيهقي في "شعب الإيمان" ورمز لضعفه قال المناوي في "فيض القدير" (٣/١٨٨): وفيه يزيد الرقاشي قال الذهبي وغيره: متروك.
 والحديث ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٦٠) وقال: أخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ويزيد ضعيف. والحديث ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٦١).
 وذكره الألباني في "الضعيفة" (٢/٨٩) رقم ٦٢٥..
٥ - في ب: فوقهم..
٦ - في أ: الصبر..
٧ - في أ: الابتلاء..
٨ - في أ: تحقيقه..
٩ - سقط في ب..
١٠ - انظر المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨، والبحر المحيط: ١/٦٢٣، والدر المصون: ١/٤١٢..
١١ - في ب: موجود..
١٢ - سقط في أ..
١٣ - سقط في ب..
١٤ - أخرجه البخاري (٢/ ١٧١) كتاب الجنائز باب زيارة القبور (١٢٨٣) وأبو داود (٢/٢١٠) كتاب الجنائز باب الصبر عند الصدمة الأولى رقم (٣١٢٤) وابن ماجه (١/٥٠٩) كتاب الجنائز باب ما جاء في الصبر على المصيبة رقم (١٥٩٦) وابن عساكر (٥/٢٧٤- تهذيب).
 وأخرجه بلفظ: إنما الصبر عند أول صدمة مسلم كتاب الجنائز باب (١٥) وأبو داود (٢/ ٢١٠) رقم (٣١٢٤)..
١٥ - سقط في ب..

### الآية 2:156

> ﻿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:156]

في قوله :" الَّذِينَ " أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. 
أحدُها : أَنْ يكُونَ منصوباً على النَّعْتِ للصابرين، وهو الأَصُحّ. 
الثَّانِي : أن يكون مَنْصُوباً على المدْحِ. 
الثَّالِثُ : أن يكون مَرْفُوعاً على خبر مبتدأ محذوف، أَيْ هُمُ الذينَ، وحينئذٍ يحتمل أن يكون على القطع، وأَنْ يكونَ على الاستئنافِ. 
الرَّابُعُ : أَنْ يَكُون مُبْتَدأً، والْجُمْلَةُ الشرطية مِنْ " إِذا " وَجَوابِهَا صلةٌ، وخبرَهُ ما بعده مِنْ قولِه : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ . 
قولُه تعالى : أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ . 
والمصيبةُ :\[ كُلُّ ما يُؤذي المؤْمِنَ وَيصِيبُهُ \][(١)](#foonote-١)، يقالُ : أَصابَهُ إِصَابَة ومُصَابة ومُصَاباً. 
والمصيبةُ : وَاحِدُ المَصَائب. 
والمَصُوبَةُ " بضم الصَّادِ " مِثْلُ المصيبَةِ. 
وأجمعتِ العربُ على هَمْزِ المَصَائب، وأَصْلُهُ " الواو "، كَأَنَّهم شَبَّهوا الأَصْلي بالزائد ويُجْمَعُ على " مصاوب "، وهو الأصْلُ، والمُصَابُ الإِصَابةُ، قال الشاعر :\[ الكامل \]

٨٤٧ - أَسُلَيْمُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً  أَهْدَى السَّلاَم تَحِيَّة طُلْمُ[(٢)](#foonote-٢)وصَابً السَّهْمُ القِرْطاسَ يُصيبه صَيْبًا لغةٌ في أَصَابَهُ. 
والمُصِيبَةُ : النَّكْبَةُ يُنْكَبُها الإنسانُ وإِنْ صَغُرَتْ، وتستعمل في الشر. 
قولهُ تعالى :" إِنَّا لِلَّهِ " إِنَّ وَاسْمَها وخَبَرَها في محلِّ نَصْبٍ بالقول، والأصلُ : إِنَّنَا بثلاث نوناتٍ، فحُذِفَتِ الأخيرةُ من " إِنَّ " لا الأُولَى، لأنه قد عُهِدَ حَذْفُها، ولأنها طرفٌ من الأطرافِ الأَوْلَى بالحذْفِ، لا يُقالُ : إنها لو حُذِفَتِ الثانيةُ لكانت مُخَفَّفةً، والمخففةُ لا تعمل على \[ الأَفْصَح \][(٣)](#foonote-٣) فكان يَنْبَغِي أَنْ تُلْغَى، فينفصل الضميرُ المرفوعُ حِينَئذٍ، إذْ لاَ عَمَلَ لهَا فيه، فدل عَدَمُ ذلك على أن المَحْذُوف النُّونُ الأُولَى لأن هذا الحذفَ حَذْفٌ لِتَوالِي الأَمْثَالِ لا ذلك الحذفُ المعْهُودُ في " إن[(٤)](#foonote-٤) " وأصابَتْهُمْ مُصيبةٌ من التَّجانُسِ المغاير ؛ إذْ إِحْدَى كَلِمتِي المادَّةِ اسمٌ والأُخْرَى فِعْلٌ، ومثله : أَزِفَتِ الآزِفَةُ  \[ النجم : ٥٧ \]  وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ  \[ الواقعة : ١ \]. 
### فصل في الكلام على الآية. 


قال بَعْضُهُم :" إِنَّا لِلَّهِ " إقرارٌ مِنَّا له بالمُلْكِ، " وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " إِقْرارٌ على أنفُسنا بالهَلاَك، لا بمعنى الانتِقَال إلى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ فإن ذلك على اللَّه مُحَال، بل المرادُ أنه يَصيرُ إلى حَيثُ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ سواه، وذلك هو الدَّارُ الآخرَةُ ؛ لأَنَّ عند ذلك لا يَمْلكُ لهم أحدٌ نفعاً ولا ضرّاً، وما دَامُوا في الدنيا، قَدْ يَمْلِكُ غيرُ اللَّهِ نفعَهُمْ وضرهم بحسب الظاهِر، فجعل اللَّهُ - تعالى - هذا رُجُوعاً إليه تعالى، كما يُقالُ : إن المُلْكَ والدولة ترجعُ إليه لاَ بمعنى الانْتِقَالِ بل بمعنى القُدْرة، وترك المُنَازَعةِ. 
وقال بعضهم : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ  في الآخرة. 
\[ رُويَ عَنِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ :" مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيْبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأَحْسَنَ عُقْبَاهُ، وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ خَلَفاً صَالِحاً يَرْضاه " [(٥)](#foonote-٥). 
وروي أنه طُفِئ سِرَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجُعونَ . فقال :" إنا لله وإنّا إليه راجعون "، فقيل : مُصِيبَةٌ هِيَ ؟ قال :" نَعَمْ، كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهُوَ مُصِيْبَةٌ[(٦)](#foonote-٦) " 
وقالت أُمُّ سَلَمَةَ : حدثني أَبُو سَلَمَةَ، أنه عليه الصلاةُ والسلامُ قال :" مَا مِنْ مُسْلِمِ يُصابُ مُصِيْبَةً فَيَفْزَعُ إِلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أُجُرْنِيّ فِي مُصِيْبَتي، وأخْلِفْ لِي خَيْراً مِنْها " قالت : فلما توفي أَبُو سَلَمَة ذكرت هذا الحِديثَ، وقلتُ هذا القولَ، فأخلف اللَّهُ لِيَ محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشرف، وكرم، ومجد وبجل، وعظم[(٧)](#foonote-٧). 
وقال ابنُ عَبَّاس : أخبر اللَّهُ - تعالى - أن المُؤْمِنَ إِذَا أَسْلَمَ أَمْرَه لِلَّهِ، واسترجَعَ عند مُصَيبَتِهِ كتب اللَّهُ له ثَلاثَ خِصَالٍ : الصَّلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى[(٨)](#foonote-٨). 
وقال ابنُ مَسْعُودٍ : لأن أَخِرَّ من السماء أحبّ إليّ مِنْ أن أقول لشيءٍ قضاه اللَّهُ : لَيْتَهُ لَمْ يَكُن \][(٩)](#foonote-٩). 
قال أَبُو بَكْرٍ الرازي : اشتملت الآيةُ الكرِيمَةُ على حُكْمين فَرْضٍ ونَفْل. 
أَمَّا الفَرْضُ فهو التَّسْلِيمُ لأمرِ الله تعالى، والرِّضَا بِقَضَائِهِ، والصبرُ على أداءِ فَرَائِضِه، لا يصرف عنها مصائب الدنيا. 
وأما النَّفْل فإظهاراً لقولِ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . 
\[ ذكَرُوا من قولِ هذه الكَلِمةِ فَوائِدَ. 
منها : الاشتغالُ بهذه الكلمةِ عن كَلاَم لا يليق. 
ومنها : أنها تُسلّي قلبَ المُصَابِ، وتقلّلُ حُزْنَه. 
ومنها : تقطَعُ طمع الشَّيْطَانِ في أَنْ يُوَافِقَهُ في كَلاَمٍ لا يَلِيقُ. 
ومنها أَنَّهُ إذا سمعه غيرُه اقْتَدَى به. 
ومنها : أنه إذا قال بلسَانِه في قَلْبِه الاعتقادَ الحَسَن، فإنَّ الحِسَابَ عند المُصِيبَةِ، فكان هذا القَوْل مذكراً له التَّسْليم لِقَضَاءِ الله وقدره \][(١٠)](#foonote-١٠). 
**فإن في إظهاره فوائد جزيلة :**
منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه. 
ومنها غبط الكفار، وعلمهم بجده واجتهاد في دين الله، والثبات عليه وعلى طاعته. 
وحكي عن بَعْضِهِم أنه قال : الزهدُ في الدنيا ألاّ يُحِبَّ البقاءَ فِيهَا، وأفضَلُ الأعمالِ الرضا عن الله، ولا ينبَغِي لِلْمُسلِم أن يحزن ؛ لأنه يَعْلَمُ أَنَّ لكلِّ مصيبة ثواباً. 
١ -في أ: كما تؤذي المؤمن وتصيبه..
٢ - البيت للحارث بن خالد المخزومي ينظر ديوانه: ص ٩١، والاشتقاق: ص ٩٩، ١٥١، والأغاني: ٩/٢٢٥، وخزانة الأدب: ١/٤٥٤، والدرر: ٥/٢٥٨، ومعجم ما استعجم: ص ٥٠٤، وللعرجي ينظر ديوانه: ص ١٩٣، ودرة الغواص: ص ٩٦، ومغني اللبيب: ٢/٥٣٨، وللحارث أو للعرجي في إنباه الرواة: ١/٢٨٤، وشرح التصريح: ٢/٦٤، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٩٢، والمقاصد النحوية: ٣/٥٠٢، ولأبي دهبل الجمحي في ديوانه: ص ٦٦، والأشباه والنظائر: ٦/ ٢٢٦، وأوضح المسالك: ٣/٢١٠، وشرح الأشموني: ٢/٣٣٦، وشرح شذور الذهب: ص ٥٢٧، وشرح عمدة الحافظ: ص ٧٣١، ومجالس ثعلب: ص ٢٧٠، ومراتب النحويين: ص ١٢٧، وهمع الهوامع: ٢/٩٤..
٣ - في أ: الصحيح..
٤ - في أ: وقال الكسائي في بعض النون في "أن"، و"لام" "لله" والباقون بالتفخيم، وإنما جازت الإمالة في "هذه"؛ للكسرة مع كثرة الاستعمال، حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة قال الفراء والكسائي: لا يجوز إمالة "إنّ" مع غير اسم الله تعالى، وإنما وجب ذلك؛ لأن الأصل في الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة، وكذلك لا يجوز إمالة "حتى" و "لكن"..
٥ - أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢/٢٥٥) والطبري في "التفسير" (٢/٢٦).
 والحديث أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/٣٣٤) وقال: وفيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف. وذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/٣٣٧) وذكره أيضا المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣/٣٠٠) رقم (٦٦٥٠) وعزاه لأبي الشيخ عن ابن عباس..
٦ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٨٨) وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في "العزاء" عن عكرمة..
٧ - أخرجه ابن ماجه (١/٥٠٩) رقم (١٥٩٨)..
٨ - أخرجه الطبري (٣/ ٢٢٣)، والطبراني في "الكبير" كما في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣٠-٣٣١) للهيثمي. وقال الهيثمي: وفيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف.
 والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٨٥) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس..
٩ - سقط في ب..
١٠ - سقط في ب..

### الآية 2:157

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [2:157]

قولهُ تعالى :" أُولَئِكَ " مبتدأٌ، و " صَلَوَاتٌ " مبتدأٌ ثان، و " عَلَيْهِمْ " خبرهُ مُقَدَّمٌ عليه، والجملةُ خبر قوله :" أُولَئِكَ ". 
ويجوز أن تكون " صلوات " فاعلاً بقوله :" عليهم ". 
قال أبو البقاء : لأنه قد قوي بوقوعه خبراً. 
والجملة من قوله " أولئك " وما بعده خبر " الذين " على أحد الأوجه المتقدمة، أو لا محلّ لها على غيره من الأوجه. 
و " قالوا " هو العامل في " إذا " ؛ لأنه جوابها وتقدم الكلام في ذلك وأنها هل تقتضي التكرار أم لا ؟
قولهُ تعالى :" وَرَحْمَةٌ " عطف على الصلاة، وإن كانت بمعناها، فإن الصلاة من الله رحمة ؛ لاختلاف اللفظين كقوله :\[ الوافر \]
٨٤٨ - وَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْهِ\*\*\* وَأَلْفَى قَوْلَها كَذِباً وَمَيْنَا[(١١)](#foonote-١١)
وقوله :\[ الطويل \]

٨٤٩ - أَلاَ حَبَّذَا هِندُ وَأَرْضٌ بِهَا هِنْدٌ  وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ[(١٢)](#foonote-١٢)قولُه تعالى :" مِنْ رَبِّهِمْ " فيه وَجْهَانِ :
أَحدُهما : أنه متعلق بمحذوف ؛ لأنه صَفةٌ ل " صلوات " و " من " للابتداءِ، فهو في مَحَلِّ رفع، أيْ : صلوات كائنة مِنْ رَبِّهم. 
والثَّانِي : أنه يتعلق بما تضمنه قولُه " عَلَيْهِمْ " من الفعل إذَا جعلناه رَافعاً ل " صلوات " رفع الفاعل، فعلى الأول، يكون قد حذف الصفة بعد " رَحْمَة " أَيْ : ورحمة منه. 
وعلى الثَّانِي : لاَ يَحْتَاجُ إلى ذلك. 
وقولُه :" وأُولَئِكُ هُمْ الْمُهْتَدُونَ " نَظيرُ : وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 
**\[ البقرة : ٥ \] وفيه وجوهٌ :**
أَحَدُهَا : أنهم هم المهتدون لهذه الطَّرِيقَةِ المُوصّلَةِ بصاحبها إلى كل خير. 
وثَانِيهَا : المُهْتدُونَ إلى الجنَّةِ الفائزون بالثواب. 
وثَالِثُها : المُهْتدُونَ لسائِر ما لزمهم. 
فَصْلٌ في الكلام في الآية
قال أَبُو الْبَقَاءِ :" هُمُ المُهْتَدُونَ " هُمْ : مُبْتَدأٌ أو توكيد أو فصل. 
فإن قِيلَ : لِمَ أَفْرَدَ الرحْمَةَ وجَمَعَ الصَّلَواتِ ؟
فالجوابُ : قال بعضُهم : إن الرحمَةَ مصدرٌ بمعنى التعطُّف والتحنُّن، ولا يجمعُ و " التَّاءُ " فيها بمنزلتها في الملّة والمحبّةِ والرأْفَةِ، والرحمةُ ليست للتحذيرِ، بل مَنْزِلتُها في مرية وثمرة، فكما لا يُقالُ : رقات ولا خلات ولا رأفات، لا يُقال : رَحَمات، ودخول الجمعُ يُشْعرُ بالتحذِيرِ والتقييد بعده، والإفْرَادُ مُطْلقاً مِنْ غَيْر تَحْدِيدٍ، فالإفْرَادُ - هنا - أَكْملُ وأكثرُ مَعْنًى من الجمع ؛ لأنه زيد بمدلول المفرد أكثر مِنْ مدلولِ الجَمْعِ، ولهذا كان قولُه تَعَالى :
 فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ  \[ الأنعام : ١٤٩ \] أَعَمَّ وأَتَمَّ مَعْنًى مِنْ أَنْ يُقالَ : لِلَّهِ الحُجَجُ البَوالِغُ، وكذا قولُه : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا 
\[ إبراهيم : ٣٤ \] أتمُّ مَعْنًى مِنْ أنْ يُقالَ : وإنْ تَعَدُّوا نِعَمَ الله لا تُحْصُوها، وقولُه سُبْحَانَهُ وتَعَالَى : رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً 
\[ البقرة : ٢٠١ \] أتمُّ مَعْنًى مِنْ قوله : حَسَناتٍ، وقولُه : بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ  \[ آل عمران : ١٧٤ \]، أتَمُّ معنى من قوله : بنعمٍ، ونظائِرهُ كَثِيرةٌ. 
وأما الصّلوات فالمراد بها درجات الثَّوَاب، وهي إنما تحصل شيئاً بَعْدَ شَيْءٍ، فكأنه دلّ على الصِّفَةِ المقصوُدَةِ.

### الآية 2:158

> ﻿۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [2:158]

في تعلُّق هذه الآية بما قبلها وُجُوهٌ. 
أحدُهَا : أَنَّهُ سبحانَهُ وتعالَى بَيَّنّ أَنَّهُ إِنَّمَا حَوَّل القبْلةَ إلى الكعبة ؛ ليتُمَّ إِنْعامَه علَى محمَّد \[ صلواتُ البَرِّ الرِّحيم وسلامُهُ علَيْه \] وأمّتِهِ بإِحْيَاءِ شَرِيعَةِ إِبْرَاهيم - علَيه الصَّلاةُ والسلام - لقوله تعالى :
 وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ  \[ البقرة : ١٥٠ \]، وكان السَّعْيُ بَيْن الصَّفَا والمَرْوَة مِنْ شَرِيعَة إِبْرَاهِيمَ \[ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلاَمُ \] فذكَرَ هذا الحُكْمَ عَقبَ تلْكَ الآيَةِ. 
وقِيلَ : إنَّه تبارك وتَعالَى \[ لَمَّا \] أَمَرَ بالذِّكْر مُطْلَقاً في قَوْله تعالى :" فَاذكرُونِي " بيّن الأَحوالَ الَّتي يذكر فيها وإحداها الذِّكْر مُطْلقاً. 
والثَّانية : الذكْرُ في حَال النِّعْمَةِ، وهو المرادُ بقوله تعالى :
 وَاشْكُرُواْ لِي  \[ البقرة : ١٥٢ \]. 
الثالثةُ : الذّكْر في حَال الضَّرَّاءِ، فقال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ  إلى قوله تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  \[ البقرة : ١٥٥ \] ثم بَيَّنَ في هذه الآيةِ المَوَاضِع الَّتِي يُذْكَرُ فيها، ومِنْ جُمْلَتِها عنْد الصَّفَا والمَرْوَةِ، وبَقِيَّة المشَاعِر. 
وثانيها : أَنَّهُ لمّا قال سبْحَانه : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ  \[ الآية \] إلى قوله سبحانَهُ : وَبَشِّرِ الصَّابِرِين ، ثم قَالَ \[ عَزَّ وَجَلَّ \] : إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، وإنما جَعَلَهَا كذلك، لأنَّها مِن أثار " هَاجَرَ، وإسْمَاعِيل "، وما جَرَى \[ عليْهمَا \][(١)](#foonote-١) من البَلْوَى ويُستَدَلُّ بِذلك عَلَى أَنَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى البَلْوَى، لا بُدَّ وأَنْ يَصِلَ إِلَى أَعْظَمِ الدَّرَجَاتِ. 
وثالثها : أنَّ \[ أقسام \][(٢)](#foonote-٢) التَّكْليفِ ثَلاثَةٌ :
أحدها : ما يَحْكُمُ العاقلُ \[ بِحُسْنِهِ \][(٣)](#foonote-٣) في أَوْلِ الأَمْرِ، فَذَكَرَهُ أَوَّلاً، وهو قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ  ؛ فَإنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ ذِكْرَ المُنْعِمِ بالمَدْحِ، والشُّكْرِ، أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العَقْلِ. 
وثانيها : ما يَحْكُمُ العَقْلُ \[ بقُبْحِهِ \][(٤)](#foonote-٤) في أوَّل الأَمْر، إلاَّ أنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الشَّرْع به، وَبَيَّنَ الحِكْمَةَ فِيهِ، \[ وهي \][(٥)](#foonote-٥) الابْتِلاءُ، والامْتِحَانُ ؛ عَلى ما قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ، فَحِينَئِذٍ يَعْتَقِدُ المسلمُ حُسْنَهُ، وكَوْنَهُ حِكْمَةً وَصَوَاباً. 
\[ وثالثها \] : ما لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى حُسْنِهِ، وَلاَ إلى \[ قُبْحِه \]، بَل \[ يراها \] كالعَبَثِ الخَالِي عن المنفَعَةِ والمَضَرَّةِ، وهُوَ مِثْلُ أَفْعالِ الحجِّ مِنَ السَّعِي بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فذكر الله تعالى هذا القِسْمَ عَقِيبَ القِسْمَين الأَوَّلَيْنِ ؛ ليكونَ قد نَبَّهَ على جميع أقْسَامِ التكاليفِ. 
قوله \[ تعالى \] :" إنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ " :\[ الصَّفَا :\] اسمُ " إنَّ "، و " مِنْ شَعَائِر الله " خَبَرُهَا. 
قال أبُوا البَقَاءِ[(٦)](#foonote-٦) - رحمه الله تعالى - : وفي الكَلاَم حَذْفُ مُضَافٍ، تقديره " طَوَافُ الصَّفَا، أَوْ سَعْيُ الصَّفَا ". وألفُ " الصَّفَا " \[ مُنْقَلِبَةٌ \] عن وَاوٍ ؛ بِدَلِيل قَلْبِهَا في التثنية وَاواً ؛ قالوا : صَفَوَانِ ؛ والاشْتِقَاقُ يَدُلُّ عليه أيضاً ؛ لأنَّهُ مِنَ الصَّفْو، وهو الخُلُوصُ، \[ والصَّفَا : الحَجَرُ الأمْلَسُ \]. 
وقال القُرْطُبِي[(٧)](#foonote-٧) :" والصَّفَا مقصورٌ " جمع صَفَاة، وهي الحِجَارة المُلْسُ. 
وقيل : الصَّفَا اسْمٌ مُفْرَدٌ ؛ وجمعه " صُفِيٌّ " - بِضَمِّ الصاد - \[ وَأصْفَاء \] ؛ على \[ وزن \][(٨)](#foonote-٨) أَرْجَاء. 
قال \[ الرَّاجِزُ \] :\[ الرجز \]

٨٥٠ - كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ  مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ[(٩)](#foonote-٩)وقيل : مِنْ شُرُوط الصَّفَا : البَيَاضُ والصَّلاَبَةُ، واشتقاقُهُ مِنْ :" صَفَا يَصْفُو "، أيْ :\[ أُخْلِصَ مِن \] التُّرابِ والطِّينِ، والصَّفَا : الحَجَرُ الأَمْلَسُ. 
وفي كتاب الخَلِيل[(١٠)](#foonote-١٠) : الصَّفَا : الحَجَرُ الضَّخْمُ الصُّلْبُ الأَمْلَسُ، وإذا \[ نَعتُوا \] الصَّخْرةَ، قالوا : صَفَاةٌ صَفْوَاءُ، وإذَا ذَكَّرُوا، قالوا :" صَفاً صَفْوَان "، فجعلوا الصَّفَا \[ والصَّفَاة \] كَأَنَّهما في معنى واحد. 
قال المُبَرِّدُ[(١١)](#foonote-١١) :" الصَّفَا " : كُلُّ حَجَرٍ أَمْلَسَ لا يُخالِطُهُ غَيْرُهُ ؛ مِنْ طِين أو تُرَابٍ، وَيَتَّصِلُ به، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ وَاحِدِهِ وَجَمْعِهِ تَاءُ التأنيث ؛ نحْوُ : صَفاً كَثِيرٌ، وَصَفَاةٌ وَاحِدَةٌ، وقد يُجْمَعُ الصَّفَا على : فُعُولٍ، وأَفْعَال ؛ قالوا : صُفِيٌّ، بِكَسْر الصاد، وضَمِّها ؛ كعُِصِيٍّ، \[ وأصْفَاء \]، والأصلُ صُفووٌ، وأضْفَاوٌ، وقُلِبَتِ الواوُ في " صُفُووٌ " يَاءَين، والواوُ في " أَصْفَاو " هَمْزةً ؛ ك " كِسَاء " وبابه \][(١٢)](#foonote-١٢). 
والمَرْوَةُ : الحجارةُ الصِّغَارُ، فقيل : اللَّيِّنَة. 
وقال الخَلِيلُ[(١٣)](#foonote-١٣) : البيضُ الصُّلْبَة، الشَّدِيدَةُ \[ الصَّلاَبَة \]. 
وقِيل : المُرْهَفةُ الأَطْرافِ. وقِيل : البيضُ. 
وَقِيلَ : السُّودُ. وهُمَا في الآية عَلَمَان لِجَبَلَينِ مَعْرُوفَيْنِ، والألِفُ واللاَّمُ فيهما لِلْغَلَبَةِ ؛ كهما في البيت، والنَّجْم، وجَمْعُها مَرْوٌ ؛ كقوله \[ في ذلك \] :\[ الرمل \]٨٥١ - وَتَرَى المَرْوَ إذَا ما هَجَّرَتْ  عَنْ يَدَيْهَا كَالْفَرَاشِ المُشْفَتِرْ[(١٤)](#foonote-١٤)وقال بعضهم : جَمْعُه في القَليلِ : مَرَواتٌ، وفي الكثير : مرو. قال أبو ذُؤَيْب :\[ الكامل \]٨٥٢ - حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوِادِثِ مَرْوَةٌ[(١٥)](#foonote-١٥)  \[ بِصَفَا المُشَقَّرِ[(١٦)](#foonote-١٦) كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ[(١٧)](#foonote-١٧) \][(١٨)](#foonote-١٨)### فصل في حد الصفا والمروة


قال الأَزْرَقِيّ[(١٩)](#foonote-١٩) :\[ ذَرْعُ \][(٢٠)](#foonote-٢٠) ما بَيْن الصَّفا والمَرْوَة :\[ سَبْعمائة ذراع وسِتَّةٌ وَسِتُّون ذِرَاعاً \][(٢١)](#foonote-٢١) وَنِصْفُ ذِرَاعٍ. 
قال القُرْطُبِيُّ : وَذَكَرَ الصَّفَا ؛ لأنَّ آدَمَ \[ المُصْطَفى - \[ صلواتُ الله، وسلامه عليه \] - وَقَفَ عَلَيْهِ، فسُمِّيَ به ؛ وَوَقَفَتْ حَوَّاءُ عَلَى المَرْوَةِ، فَسُمِّيَتْ بِاسم المَرْأةِ، فأنثت لذلك، والله أعلم \][(٢٢)](#foonote-٢٢). 
قَالَ الشَّعْبِيُّ : كان عَلَى الصَّفَا صنمٌ يُدْعَى " إسَافاً "، وعلى المَرْوَةِ صَنَمٌ يُدْعَى نَائِلَةَ[(٢٣)](#foonote-٢٣)، فاطّرد ذلك في \[ التذكير والتأنيث \]، وقُدّم المُذَكَّرُ، وما كان كَرَاهةُ مَنْ كَرِهَ الطَّوَافَ بينهما إلاَّ مِنْ أَجْلِ هذا، حتَّى رفع الله الحَرَجَ من ذلك، وزعَمَ أَهْلُ الكِتَابِ : أَنَّهما كانا آدميّين زنيا في الكَعْبَة، فمسَخَهُما اللَّهُ حَجَرَين، فوضَعَهُما على الصَّفَا، والمَرْوَة ؛ ليُعتبر بهما ؛ فلمَّا طالَت المُدَّةُ، عُبدا مِن دُون الله، والله - تعالى - أعلم. 
### فصل في معنى " الشعائر " 


و " الشَّعَائِرُ " : جَمْهُ شَعِيرَةٍ، وهي العلامة، فَكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَماً مِنْ أعلام طاعةِ الله، فهو من شَعَائِر الله تعالى. قال تبارك وتعالى : وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ  \[ الحج : ٣٦ \]، أي : عَلامَةً \[ للقُرْبَة \]، ومنه : إشعارُ السَّنَام \[ وَهُو أن تُعْلَمَ بالمُدْيَة \] وَمِنْهُ : الشِّعارُ في الحَرْب، \[ وهي العلامةُ الَّتي يتبيَّن بها إحدى الفئَتَين من الأخْرَى \][(٢٤)](#foonote-٢٤) ومنه قولُهُمْ : شَعَرْتُ بِكَذَا، أي : عَلِمْتُ به، وقيل : الشَّعَائِرُ جمع \[ شَعِيرَةٍ \]، والمرادُ بها في الآية الكريمة مَنَاسِكُ الحَجِّ، ونقل الجَوْهَرِيُّ أنَّ الشَّعَائِرَ هي العباداتُ، والمَشَاعِرَ أماكنُ العبَادَاتِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الشَّعَائِرِ وَالمَشَاعِرِ. 
وقال الهَرَوِيٌّ : الأجْوَدُ : لا فَرْقَ بينهما، والأَجْوَدُ شَعَائرُ بالهَمْز ؛ لزيادة حَرْفِ المَدِّ، وهو عكسُ " مَعَايش " و " مصايب ". 
### فصل في الشعائر هل تحمل على العبادات أو على موضع العبادات


الشَّعَائِرُ : إمَّا أنْ نَحْمِلَهَا على العبادات، أو النُّسُك، أو نَحْمِلَهَا على مَوْضِع العبادات والنُّسُكِ ؟ !
\[ فإن قُلْنَا بالأَوَّلِ، حَصَلَ في الكَلاَم حَذْفٌ ؛ لأنَّ نَفْسَ الجَبَلين لا يَصِحُّ وَصْفُهُمَا بأنَّهُمَا دِينٌ وَنُسُكٌ ؛ فالمرادُ بِهِ أنَّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا أو السَّعْيَ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. 
وإنْ قُلنا بالثاني : اسْتَقَامَ ظَاهِرُ الكلام ؛ لأنَّ هَذَين الجَبَلَيْنِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَا مَوْضِعَيْنِ لِلْعِبَادَةِ والنُّسُكِ \][(٢٥)](#foonote-٢٥). 
وكيف كان ؛ فالسَّعْيُ بينهما من شعائر الله، ومن أعلام دِينهِ، وقد شَرَعَهُ الله \[ تَعَالى \] لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - \[ ولإبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام \]، قبل ذلك، وهو من المَنَاسِكِ الَّتي عَلَّمها الله \[ تَعَالى \] لإبْرَاهِيمَ - عليه الصلاة والسلام - إجابةً لِدَعْوَتِهِ في \[ قولِهِ تَعَالى \] : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا . 
وَاعْلَمْ أنَّ \[ السَّعْيَ ليْسَ \][(٢٦)](#foonote-٢٦) عبادَةً تامَّةً في نَفْسِهِ، بل إنما يَصِيرُ عبادة إذا صار بعضهاً من أبْعاضِ الحجِّ والعُمْرَةِ، فلهذا بَيَّنَ الله تبارك وتعالى المَوْضِعَ الَّذِي يَصِيرُ فيه السَّعْيُ عبادةً، فقال \[ سبحانه \] : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا . 
والحكمةُ في شَرْعِ هذا السّعي : ما حُكِيَ أن هَاجَرَ حينَ ضاق بها الأَمْرُ في عَطَشها، وعطشِ ابْنها إسْمَاعيلَ، سَعَتْ في هذا المكانِ إلى أن صَعِدَتِ الجَبَلَ، ودَعَتْ، فأَنْبَعَ اللَّه لَهَا زَمْزَمَ، وأجاب دُعَاءَها، وجعل فِعْلَها طاعةً لجميع المكلَّفين إلى يَوْم القيَامَة. 
قوله \[ تعالَى \] :" فَمنْ حَجَّ البَيْتَ ". 
 " مَنْ " : شَرْطِيَّةٌ في محلِّ رفع بالابتداءِ و " حَجَّ " : في مَوْضِع جزمٍ بالشرط و " البيت " نصبٌ على المفعول به، لا على الظَّرْف، والجوابُ قوله : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ . 
و " الحَجُّ " : قال القَفَّال[(٢٧)](#foonote-٢٧) - رحمه الله - فِيه أَقْوَالٌ :
أحدها : أنَّ الحَجَّ في اللغةِ كَثْرَةُ الاخْتِلافِ إلى الشَّيءِ والتردُّد إليه، فإنَّ الحاجَّ يأتيه أوّلاً ؛ لِيَزُورَهُ، ثُمَّ يعودُ إلَيْه للطَّوَاف، ثم ينصرفُ إلى مِنَى، ثم يَعُودُ إليه ؛ لطَوَافِ الزِّيارة، \[ ثم يَعُودُ لطَوافِ الصَّدر \][(٢٨)](#foonote-٢٨). 
وثانيها : قال قُطْرُبٌ \[ الحَجُّ \][(٢٩)](#foonote-٢٩) الحَلْقُ، يقال : احْجُجْ شَجَّتَكَ، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشَّجَّة ؛ ليدخل القدحُ في الشَّجَّة[(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وقال الشاعر :\[ الطويل \]
٨٥٣ - وَأشْهَد مِنْ عوفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً \*\*\* يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْر١ - في ب: بينهما..
٢ - بياض في ب..
٣ - سقط في ب..
٤ - في ب: بصحته..
٥ - في ب: وهو..
٦ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٠..
٧ - ينظر تفسير القرطبي: ١/١٢١..
٨ - في ب: وزن..
٩ - البيت للأخيل. ينظر: اللسان (صفا)، القرطبي: ٢/١٢١، الرازي: ٤/١٤٣، وصوابه: "مَتنّي" بدلا من "متنيه"، كما أنشده ابن دريد هكذا؛ لأن بعده: من طول إشرافي على الطَّوّي..
١٠ -ينظر تفسير الرازي: ٤/١٤٣..
١١ - ينظر تفسير الرازي: ٤/١٤٣..
١٢ - سقط في ب.
١٣ ينظر تفسير الرازي: ٤/١٤٣..
١٤ - البيت لطرفة بن العبد، ينظر ديوانه: (٤٢)، والبحر المحيط: ١/٦٢٧، والدر المصون: ١/٤١٤..
١٥ - في ب: جمة..
١٦ - في أ: المشرقي..
١٧ - في ب: يجمع..
١٨ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٢٢٩، القرطبي: ٢/١٢١، الرازي: ٤/١٤٣..
١٩ -في ب: الأذرعي..
٢٠ - سقط في ب..
٢١ - في ب: سبعمائة وستون ذرعا..
٢٢ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/١٢١..
٢٣ - انظر تفسير السمرقندي "بحر العلوم" (١/١٧٠)..
٢٤ - سقط في ب..
٢٥ - سقط في ب..
٢٦ في ب: الصفا..
٢٧ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٤٤..
٢٨ - سقط في ب..
٢٩ - سقط في ب..
٣٠ - ينظر تفسير الرازي: ٤/ ١٤٤..

### الآية 2:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [2:159]

**في " الكاتِمِينَ " قولان :**
أحدهما : أنه كلامٌ مستأنفٌ يتناولُ كلَّ من كتم شيئاً من الدين. 
الثاني : عن ابن عبَّاس، ومجاهد، والحسن، وقتادة والرَّبيع، والسُّدِّيِّ، والأصَمِّ : أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى[(١)](#foonote-١). 
الثالث : نزلت في اليهود والَّذين كتموا ما في التَّوراة من صفة محمد - صلوات الله وسلامه عليه[(٢)](#foonote-٢) -. 
قال ابن الخَطِيبِ : والأوَّل أقرب إلى الصَّواب ؛ لوجوه[(٣)](#foonote-٣) :
الأوَّل : أن اللفظ عامٌّ، وثبت في " أُصُول الفقه " أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب. 
الثاني : ثبت أيضاً في " أُصُول الفقه " أن العبرة بعموم اللَّفظ، وأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب \[ مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة[(٤)](#foonote-٤) \]، وكتمانُ الدِّين يُناسبُ استحقاق اللَّعن ؛ فوجب عموم الحكم عند عموم الوصف. 
الثالث : أن جماعةً من الصحابة - رضي الله عنهم - حملوا هذا اللَّفظ على العموم ؛ كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت :" مَنْ زَعَمَ أنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم كَتَمَ شَيْئاً مِنَ الوَحْي، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّهِ تَعَالَى "، واللَّهُ تَعَالَى يقول : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى  \[ البقرة : ١٥٩ \] " فحملت الآية على العموم. 
وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال \[ لَوْلاَ آية[(٥)](#foonote-٥) \] من كتاب الله، ما حَدَّثْتُ حديثاً بعد أن قال النَّاس : أكْثَرَ أبو هُرَيْرَة، وتَلاَ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [(٦)](#foonote-٦). 
احتجَّ من خصَّ الآية بأهل الكتاب : أنَّ الكتمان لا يصحُّ إلاَّ منهم في شرع نبوَّة محمَّد - صلواتُ الله، وسلامه عليه - وأمَّا القرآن، فإنَّه متواترٌ، فلا يصحُّ كتمانُهُ. 
والجواب : أنَّ القرآن الكريم قبل صَيْرُورَتِهِ متواتراً يَصِحُّ كتمانُهُ، والكلامُ إنَّما هو فيما يحتاج المكلَّف إليه. 
### فصل في تفسير " الكتمان " 


قال القاضي[(٧)](#foonote-٧) : الكتمانُ ترك إظهار الشَّيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهار ؛ لأنَّه متى لم يكن كذلك، لا يُعَدُّ من الكتمان، فدلَّت الآية على أنَّ ما يتَّصلُ بالدِّين، ويحتاج المكلَّف إليه، لا يجوز كتمانه. 
ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  \[ البقرة : ١٧٤ \] وقوله سبحانه وتعالى : وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ  \[ آل عمران : ١٨٧ \] فهذه كلُّها زواجرُ عن الكتمان. 
ونظيرها في بيان العلم، وإن لم يكن فيه ذكر الوعيد لكاتمه، قوله سبحانه : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  \[ التوبة : ١٢٢ \]. 
وروى أبو هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم قال :" مَنْ كَتَمَ عِلْماً يَعْلَمُهُ جِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " [(٨)](#foonote-٨)
واعلم أن العالم، إذا قصد كتمان العلم، عصى، وإن لم يقصده، لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره، وأما من سئل، فقد وجب عليه التبليغ ؛ لهذه الآية، وللحديث. 
واعلم أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن، ولا العلم ؛ حتى يسلم، ولا يجوز تعليم المبتدع الجدال، والحجاج، ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجَّةً، ليقتطع بها ماله، ولا السُّلطان تأويلاً يتطرَّق به على مكاره الرَّعيَّة، ولا ينشر الرُّخص من السُّفهاء، فيجعلوا ذلك طريقاً إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات، ونحو ذلك. \[ وقال - صلوات الله وسلامه عليه - :" لاَ تَمْنَعُوا الحِكْمَةَ أَهْلَهَا ؛ فَتَظْلِمُوهُمْ، وَلاَ تَضَغُوهَا في غَيْرِ أَهْلِهَا، فَتَظْلِمُوهَا[(٩)](#foonote-٩) " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" لاَ تُعَلِّقُوا الدُّرَّ في أَعْنَاقِ الخَنَازِيرِ " [(١١)](#foonote-١١)يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. 
قوله تعالى :" مَا أَنْزَلْنَا " مفعول ب " يَكْتُمُونَ "، و " أَنْزَلْنَا " صلته، وعائده محذوف، أي : أنزلناه، و " مِنَ البَيِّنَاتِ " \[ يجوز فيه ثلاثة أوجهٍ :
أظهرها : أنها حالٌ من " ما " الموصولة، فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي : كائناً من البَيِّنَات. 
الثاني : أن يتعلَّق ب " أَنْزَلْنَا " فيكون مفعولاً به، قاله أَبُو البَقَاءِ[(١٢)](#foonote-١٢)، وفيه نظرٌ من حيث إنَّه إذا كان مفعولاً به، لم يتعد الفعل إلى ضمير، وإذا لم يتعدَّ \][(١٣)](#foonote-١٣) إلى ضمير الموصول، بقي الموصول بلا عائد. 
الثالث : أن يكون حالاً من الضمير العائد على الموصول، والعامل في " أَنْزَلْنَا " ؛ لأنه عامل في صاحبها. 
### فصل في المراد من " البيِّنات " 


والمراد من " البَيِّنَاتِ " ما أنزلنا على الأنبياء من الكتاب والوحي، دون أدلَّة العقل. 
وقوله " والهُدَى " يدخل فيه الدَّلالة العقليَّة، والنَّقْليَّة ؛ لما تقدَّم في دليل قوله  هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  \[ البقرة : ٣ \] أنَّ الهدى عبارةٌ عن الدلائل، فيعمُ الكُلَّ. فإن قيل : فقد قال : وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الكِتَابِ  فعاد إلى الوجه الأوَّل. 
قلنا : الأوَّل : هو التنزيل، والثاني : ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. 
وهذه الآية الكريمة تدلّ على أن من أمكنه بيان أصول الدِّين بالدلائل العقليَّة لمن كان محتاجاً إليها، ثم تركها، أو كتم شيئاً من أحكام الشرع مع الحاجة إليه، فقد لحقه هذا الوعيد. 
قوله تعالى : مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ  متعلِّق ب " يَكْتُمُونَ "، ولا يتعلَّق ب " أَنْزَلْنَا " لفساد المعنى ؛ لأنَّ الإنزال لم يكن بعد التَّبيين، وأمَّا الكتمان فبعد التَّبيين، والضمير في \[ " بَيَّنَّاهُ " يعودُ على " ما " الموصولة. 
وقرأ الجمهور " بَيَّنَّاهُ "، وقرأ طلحة[(١٤)](#foonote-١٤) بنُ مُصَرِّف " بَيَّنَهُ " على ضمير الغائب، وهو التفاتٌ من التكلّم إلى الغيبة، و " للنَّاس " متعلِّق بالفعل قبله. 
وقوله :" في الكِتَابِ " يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه متعلِّق بقوله :" بَيَّنَّاهُ ". 
والثاني : أنه يتعلَّق بمحذوف ؛ لأنَّه حالٌ من الضَّمير المنصوب في \][(١٥)](#foonote-١٥) " بَيَّنَّاهُ " أي : بيَّنَّاهُ حال كونه مستقرّاً كائناً في الكتاب، والمراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة. 
### فصل في حكم هذا " البيان " 


قال بعضهم : هذا الإظهار فرضٌ على الكفاية، لأنَّه إذا أظهره البعض، صار بحيث يتمكنَّ كلُّ أحدٍ من الوصول إليه، فلم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان، لم يجب على الباقين إظهاره مرةً أخرى، والله أعلم[(١٦)](#foonote-١٦). 
### فصل في الاحتجاج بقبول خبر الواحد


من الناس من يحتجُّ بهذه الآيات على قبول خبر الواحد، لأنَّ أظهار هذه الأحكام واجبٌ، \[ ولو لم يجب العمل \][(١٧)](#foonote-١٧)، لم يكن إظهارها واجباً، وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية :
 إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ  \[ البقرة : ١٦٠ \] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد كان منهيّاً عن الكتمان، ومأموراً بالبيان ؛ \[ ليكثر المخبرون \][(١٨)](#foonote-١٨) ؛ فيتواتر الخبر. 
فالجواب : هذا غلط ؛ لأنَّهم ما نهوا عن الكتمان، إلاَّ وهم ممن يجوز عليهم الكتمان، ومن جاز منهم التَّواطؤ على الكتمان، جاز منهم التواطُؤُ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم، والمراد من \[ الكتاب \][(١٩)](#foonote-١٩) قيل : التَّوراة والإنجيل، وقيل : القرآن، وقيل : أراد بالمُنْزَل الأوَّل ما فيه كتب المتقدِّمين، والثَّاني ما في القرآن. 
قوله تعالى :" أولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ " يجوز في " أولَئِكَ " وجهان :
أحدهما : أن يكون مبتدأ، و " يَلْعَنُهُم " خبره، والجملة خبرُ " إنَّ الَّذِينَ ". 
والثاني : أن يكون بدلاً من " الَّذِينَ " و " يَلْعَنُهُمُ " الخبر ؛ لأن قوله تعالى : وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ  يحتمل أن يكون معطوفاً على ما قبله، وهو  يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ  وأن يكون مستأنفاً، وأتى بصلة " الَّذِينَ " فعلاً مضارعاً، وكذلك بفعل اللَّعنة ؛ دلالةً على التجدُّد والحدوث، وأن هذا يتجدَّد وقتاً فوقتاً، وكُرِّرَت اللعنة ؛ تأكيداً في ذمِّهم. وفي قوله " يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ " التفاتٌ ؛ إذ لو جرى على سنن الكلام، لقال :" نَلْعَنُهُمُ " ؛ لقوله :" أَنْزَلْنَا "، ولكن في إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس في الضمير. 
### فصل في معنى اللعنة، والمراد باللاعنين


اللَّعْنَةُ في أصْلِ اللُّغَة : هي الإبْعَادُ، وفي عُرْف الشَّرْع، الإبعادُ من الثَّوَاب، واختلَفُوا في الَّلاعِنِينَ، مَنْ هُمْ ؟ فقيل : دوَابُّ الأرض وهوامُّها ؛ فإنَّها تقول : مُنِعْنَا القَطْرَ بمعَاصِي بَنِي آدَمَ، نقله مجاهدٌ، عن عِكْرِمَة[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقال :" اللاَّعِنُونَ "، ولم يقل " اللاعِنَات " ؛ لأنَّه تعالَى وصَفَها بصفةِ مَنْ يعقلُ، فجمعَها جَمْعَ مَنْ يعقلُ ؛ كقوله تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ  \[ يوسف : ٤ \] و يأَيُّهَا النَّمْلُ[(٢١)](#foonote-٢١)ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ  \[ النمل : ١٨ \]
 وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا  \[ فصلت : ٢١ \]. 
و وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  \[ يس : ٤٠ \] وقيل :" كُلُّ شيْءٍ إِلاَّ الإنْسَ والجِنَّ " قاله ابنُ عَبَّاس[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
فإن قيل : كَيْفَ يصحُّ اللعْنُ من البهائِمِ، والجَمَادَاتِ ؟
**فالجواب مِنْ وجْهين :**
الأول : على سبيلِ المُبَالغَةَ، وهي أنَّها لو كانت \[ عاقلةً \][(٢٣)](#foonote-٢٣)، لكانَتْ تَلْعَنُهُمْ. 
الثاني : أنها في الآخِرَة، إذا أُعِيدَت، وجُعِلَتْ من العُقَلاء فإنَّها تَلْعَنُ مَنْ فَعَل ذلك في الدُّنْيا، ومَاتَ عَلَيْهِ. 
وقيل : إنَّ أهْلَ النَّار يَلْعَنُونَهُمْ وقيل يلْعَنُهُمُ الإنْسُ والجِنُّ[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
وقال ابنُ مَسْعُود - رضي الله تعالَى عَنْه - : ما تَلاَعنَ اثْنَانِ من المُسْلِمِينَ إلاَّ رجَعَتْ تلْكَ اللَّعْنَةُ على اليَهُود والنَّصَارَى الَّذين كَتَمُوا أَمْرَ محمَّد - صلواتُ اللَّه وسلامهُ علَيْه - وصِفَتَهُ[(٢٥)](#foonote-٢٥). وعن ابْنَ عَبَّاس : أنَّ لهم لعنتَيْنِ لعنة اللَّه، ولَعْنَة الخَلاَئِقِ، قال : وذلك إذَا وُضِعَ الرَّجُلُ في قَبْرِهِ، فَيُسْأَلُ ما دِينُكَ ؟ وما نَبِيُّكَ ؟ وما رَبُّكَ ؟ فيقول : لا أَدرِي فيُضْرَبُ ضربةً يسمعها كلُّ شَيْءٍ إلاَّ الثَّقَلَيْنِ، فلا يَسْمَعُ شيْء صَوْتَه إلاَّ لَعَنَهُ، ويقول المَلَكُ : لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، كذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا[(٢٦)](#foonote-٢٦). 
وقال أَبُوا مُسْلِمٍ[(٢٧)](#foonote-٢٧) :" اللاَّعِنُون هم الَّذِين آمَنُوا به، ومعْنَى اللَّعْنَة، مباعدةُ المَلْعُون، ومُشَاقَّتُه، ومخالَفَتُه مع السَّخَط عليه. 
وقيل : الملائكةُ، والأنبياءُ، والصالحُون ؛ وي١ - أخرج هذه الآثار الطبري في "التفسير" (٣/٢٥٠)، وذكر طرفا منها السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٥)..
٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٥)، وعزاه لابن سعد وعبد بن حميد عن قتادة..
٣ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٤٧..
٤ - في ب: يشعر بالقلب..
٥ - في أ: لو آيتان..
٦ - أخرجه البخاري (١/ ١٩٠- ١٩١)، (٥/٢١) والحاكم (٢/٢٧١) والطبري (٣/٢٥٢) وأحمد (٧٦٩١-شاكر) وابن سعد (٢/٢/١١٨).
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٧)، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
 .
٧ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/ ١٤٨..
٨ - أخرجه الترمذي (٥/٢٩) كتاب العلم باب ما جاء في كتمان العلم (٢٦٤٩) وابن ماجه (١/٩٦) رقم (٢٦١) وأبو داود (٣/٣٢١) كتاب العلم باب كراهية منع العلم (٣٦٥٨) وابن حبان (٩٥- موارد) وأحمد (٢/٤٩٥) والبغوي في "شرح السنة" (١/٣٠١) والطبراني في "الصغير" (١/١٦٤) والحاكم (١/١٠١) وأبو يعلى (١١/٢٦٨-٢٦٩) من طرق عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
 **وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو:**
 أخرجه الحاكم (١/١٠٢) وابن حبان (٩٦- موارد) والخطيب (٥/ ٣٩) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح من حديث المصريين على شرط الشيخين ليس له علة ووافقه الذهبي.
 وذكره الهيثمي في المجمع (١/١٦٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون. وله شاهد من حديث جابر أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٧/١٩٨) و (٩/٩٢)، (١٢/٣٦٩) ويشهد له حديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى (٤/٤٥٨) رقم (٢٥٨٥) والطبراني في الكبير كما في "مجمع الزوائد" (١/ ١٦٣) وقال: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
 وذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣٠٢٧) وعزاه إلى أبي يعلى وقال صحيح.
 قال البغوي في شرح السنة: ١/٢٣٨. قيل: معنى الحديث: كما أنه ألجم لسانه عن قول الحق، وإظهار العلم، يُعاقب في الآخرة بلجام من نار. وقال أبو سليمان الخطابي: هذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين فرضه عليه؛ كمن رأى كافرا يريد الإسلام، يقول: علموني؛ ما الإسلام؟ وكمن يرى رجلا حديث عهد بالإسلام، لا يُحسن الصلاة، وقد حضر وقتها، يقول: علموني كيف أصلي، وكمن جاء مستفتيا في حلال أو حرام، يقول: أفتوني وأرشدوني، فإنه يلزم في هذه الأمور ألا يمنعوا الجواب، فمن فعل، كان آثما مستحقا للوعيد، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها، والله أعلم.
 وقال سفيان الثوري: ذاك إذا كتم سنة، وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث، لأتيتهم في بيوتهم، ولو أني أعلم أحدا يطلب الحديث بنيّة، لأتيته في منزله حتى أحدثه، ومنهم من يقول: إنه علم الشهادة..
٩ - ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٢/١٢٤) بصيغة التمريض..
١٠ - سقط في ب.
 .
١١ - أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/٣٥٠) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢٣٢) من حديث أنس.
 وله شاهد عند ابن ماجه (١/٨١) رقم (٢٢٤).
 وقال البوصيري في الزوائد (١/٩٤) رقم ٨٣: وهذا إسناد ضعيف لضعف حفص بن سليمان البزار..
١٢ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/ ٧١..
١٣ - في بك مفعول ثان، أي: يتعلق بـ "أنزلنا"، فيكون مفعولا به لم يتعد الفعل..
١٤ - ينظر الدر المصون: ١/٤١٧، البحر المحيط: ١/ ٦٣٣، المحرر الوجيز: ١/٢٣١..
١٥ - سقط في ب..
١٦ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٤٨..
١٧ -في ب: وإن لم يكن عملها..
١٨ - في ب: ليكن للمخبر..
١٩ - في ب: الكتب..
٢٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٢٥٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٦) وزاد نسبته لسعيد بن منصور عن مجاهد..
٢١ - في ب: وكآية النمل..
٢٢ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٤/١٤٩)..
٢٣ - في ب: تعقل..
٢٤ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/ ١٤٩..
٢٥ - أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" (١/٢٩٦) من طريف محمد بن مروان أخبرني الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود موقوفا..
٢٦ - ذكره هذا الأثر الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٤/١٤٩) عن ابن عباس..
٢٧ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٤٩..

### الآية 2:160

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:160]

**في الاستثناءِ وَجْهَان :**
أحدهما : أن يكون متَّصِلاً، والمُسْتَثْنى منْه هو الضَّميرُ في " يلعنُهم ". 
والثاني : أن يكُونَ منقطعاً ؛ لأنَّ الَّذين كَتَمُوا، لُعِنُوا قَبْل أَنْ يَتُوبُوا. وإنَّما جَاءَ الاستثناءُ ؛ لبَيَانِ قَبُول التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ قَوْماً من الكاتِمِينَ لَمْ يُلْعَنُوا، نقل ذلك أبو البَقَاء[(١)](#foonote-١). 
قال بعضُهُمْ :" ولَيْسَ بشَيْءٍ ". 
فَصْل
اعلَمْ أنَّه تعالى لَمَّا بيَّن عظيمَ الوَعِيدِ، فكان يجوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ الوعيدَ يلحقُهُمْ على كُلِّ حالٍ، فبيَّن تعالَى أَنَّهُمْ إذا تابُوا، تغيَّر حُكْمُهم، ودَخَلُوا في أهْلِ الوعْدِ. والتَّوْبةُ عبارةٌ عن النَّدَم على فِعْلِ القبيح لقُبْحِهِ، لا لِغَرَضٍ سِوَاه ؛ لأنَّ مَنْ لم يَرُدَّ الوديعَة، ثم ندمِ للَوْمِ الناس وذمِّهم، أو لأنَّ الحاكم رَدَّ شهادتَهُ لم يكُنْ تائباً، وكَذَلِكَ، لو عَزَمَ على رَدِّ الودائعِ والقيام بالواجِبَاتِ ؛ لكي تُقْبَلَ شهادتُهُ أو يُمْدَحَ بالثَّنَاءِ علَيْه، لم يكن تائِباً وهذا مَعْنَى الإِخْلاَّص في التوبة ثم بيَّن تعالى أنه لا بُدَّ له بَعْدَ التوبة مِنْ إصْلاح ما أفْسَدَهُ مثلاً، لو أفْسَد على رجُلِ دِينَهُ بإيرادِ شُبْهَةٍ عَلْيه، يلْزَمُه إزالَة تِلْكَ الشُّبْهَةِ، ثمَّ بيَّن بأنه يجبُ علَيْه بعْدَ ذلك أَنْ يَفْعَلَ ضِدَّ الكِتْمَانِ، وهُو البَيَانُ بقَوْله " وَبَيَّنُوا " فدلَّت الآيةُ على أنَّ التَّوْبة لا تَحْصُلُ إلاَّ بِتَرْكِ كُلِّ ما ينبغي. 
وقيلَ : بَيَّنوا تَوْبَتَهُمْ وصَلاَحَهُم. قال ابْنُ الْخَطِيبِ[(٢)](#foonote-٢) : قالَتِ المُعْتَزِلةُ : الآيةُ تَدُلُّ على أَنَّ التَّوْبة عن بَعْضِ المعاصِي مع الإصْرَار عَلى البَعْضِ لا تَصِحُّ ؛ لأن قوله " وَأَصْلَحُوا " عامٌّ في الكلِّ. 
والجوابُ : أَنَّ اللفْظ المُطْلَق يكْفِي في صِدْقه حُصُولُ فَرْدٍ واحدٍ مِنْ أفْراده. 
وقولُه :" أَتُوبُ عَلَيْهِمْ " أَتَجَاوَرُ عنْهم، وأَقْبَلُ تَوْبتهمْ. " وَأَنَا التَّوَّابُ " الرَّجَّاع بقُلُوبِ عبَادِي المنْصَرفة عَنِّي إلَيَّ، القَابِلُ لِتَوْبة كلِّ ذي توبةٍ، الرحيمُ بِهِمْ بَعْدَ إقْبَالهم عَلَيَّ. 
١ - ينظر الإملاء: ١/٧١..
٢ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٥٠..

### الآية 2:161

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [2:161]

اعلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَة يَعْمُّ كُلَّ كافِرٍ ماتَ على كُفْره. 
وقال أَبُو مُسْلِم[(١)](#foonote-١) : يجبُ حَمْلُه على الَّذِينَ تقدَّم ذكْرُهُمْ، وهُمُ الذينَ يكْتُمُون الآياتِ، واحتجَّ بأنَّهُ تعالى لَمَّا ذَكَر حالَ الَّذِين يكْتُمُون، ثُمَّ ذكَرَ حالَ التَّائِبِين منْهم، ذكَرَ أيْضاً حَالَ مَن يَمُوتُ منْهم منْ غَيْر تَوْبَةٍ، وأيضاً : فإِنه تعالى لمَّا ذَكر أنَّ أولئكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحياةِ، بيَّن أَنَّهم ملْعُونُون بَعْد المَوْت. وجوابُهُ : إِنَّمَا يصحُّ هذا، لو كان الَّذين يمُوتُون منْهُمْ مِنْ غير تَوْبة دخلُوا تَحْت الآيَةِ، وإلاَّ لاسْتَغْنَى عن ذكْرِهم فوجَبَ حَمْلُ الكلامِ على أمْرٍ مستأْنفٍ. 
فإنْ قيل : كيْفَ يلْعَنُهُ النَّاس أَجْمَعُونَ، وأهْلُ \[ دينِهِ لا يلْعَنُونَه \][(٢)](#foonote-٢). 
**فجوابُهُ منْ وجُوهٍ :**
أحدها : أَنَّ أهل دينه يلْعَنُونه فِي الآخرة ؛ لقوله تعالى : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  \[ العنكبوت : ٢٥ \] قال أبو العَالِيَةِ :" يُوقَفُ الكافِرُ يَوْمَ القيامةِ، فيلْعَنُهُ اللَّهُ، ثم تَلْعَنُهُ الملائكةُ، ثم تلْعَنُهُ النَّاسُ " [(٣)](#foonote-٣). 
وثانيها : قال قَتَادَةُ، والرَّبِيع : أَرَادَ بالنَّاس أجْمَعِين المؤمِنِينَ[(٤)](#foonote-٤) ؛ كأنه لَمْ يَعْتَدَّ بغَيْرهم، وحَكَم بأنَّ المؤمنين هُمُ النَّاس لا غَيْرُ. 
وثالثها : أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهلَ، والظَّالم ؛ لأنَّ قُبْحَ ذلك مُقَرَّرٌ في العُقُول[(٥)](#foonote-٥) فإذا كان في نَفسه \[ هو جاهلاً، أو ظالماً، وإنْ كَانَ لا يعلَمُ هو مِن نَفْسه كوْنَهُ كَذَلِكَ \][(٦)](#foonote-٦) كانَتْ لعنتُهُ على الجَاهِلِ والظَّالم تتناوَلُ نَفْسَهُ. 
ورابعها : أَنَّ يُحْمَل وُقُوعُ اللَّعْنَة عَلَى اسْتحْقَاق اللَّعْنِ، وحينئذ يَعُمُّ ذلك. 
فَصل فِي بَيَانِ جَوِازٍ لَعْنِ مَنْ مَاتَ كَافِراً
قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيُّ[(٧)](#foonote-٧) - رَضِيَ اللَّه عنه - : الآيَةُ الكريمة تدلُّ على أنَّ للمسلِمِين لعن مَنْ مات كَافِراً، وَأَنَّ زوالَ التكْليف عَنْه بالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنْه اللَّعْنة ؟ لأنَّ قوله تعالى :" وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " أمرٌ لَنَا بلَعْنِهِ بَعْدَ مَوته ؛ وَهَذَا يدلُّ على أنَّ الكافر، لَوْ جُنَّ، لم يَكُنْ زَوَالُ التَّكْلِيفِ عَنْه مُسْقِطاً اللَّعْنةَ والبَرَاءة منْهُ، وكذلك السَّبيلُ فيما يُوجِبُ المَدْحَ والموالاَةَ مِنَ الإِيمَان والصَّلاح، فَمَوْتُ مَنْ كان كذلك أو \[ جنونُهُ لا يغيِّر[(٨)](#foonote-٨) \] حكْمَهُ عَمَّا كان علَيْه قَبْلَ حُدُوث الحَالِ به. 
قوله تعالى :" وَمَاتُوا " الواو هذه واو الحال، والجُمْلَة في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، وإثباتُ الواو هُنَا أفْصَحُ ؛ خلافاً للفَرَّاء، والزَّمَخْشَريِّ، حيثُ قالا : إنَّ حَذْفَها شاذٌ. وقوله  أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ  :" أُولَئِكَ " : مبتدأٌ، \[ و  عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ  : مبتدأ وخَبَرُه، خَبَرٌ عَنْ " أُولَئِكَ " \][(٩)](#foonote-٩) و " أُولَئِكَ " وخبَرُهُ : خَبَرٌ عَنْ " إنَّ "، ويجُوزُ في " لَعْنَةُ " الرفْعُ بالفاعليَّة بالجَار قَبْلَها ؛ لاعتَمادهَا ؛ فَإِنَّهُ وقع خَبَراً عن " أولئك " وتقدَّم تحريرُهُ في  عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ 
\[ البقرة : ١٥٧ \].

### فصل في هل يجوز لعن الكافر المعين


قال ابْنُ الْعَرَبيِّ : قَالَ لِي كثيرٌ مِنْ أشْيَاخِي : إنَّ الكافرَ المُعَيَّن لا يجوزُ لَعْنُهُ ؛ لأنَّ حاله عنْد المُوَافَاةِ لا تُعْلَمُ، وقَدْ شَرَط اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة في إطْلاَقِ اللَّعْنَةِ : المُوافَاةَ عَلَى الكُفْر. 
وأمَّا ما رُويَ عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أَنَّه لَعَنَ أَقْوَاماً بأعْيَانِهِمْ مِن الكُفَّار، فَإِنما كان ذَلِكَ ؛ لِعِلْمِهِ بمآلِهِمْ[(١٠)](#foonote-١٠). 
قال ابْنُ العَرَبِيِّ : والصحيحُ عنْدِي : جوازُ لَعْنِهِ ؛ لظاهر حَالِهِ، ولجواز قَتْله وقتَالِهِ. 
وقد رُويَ عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أنه قال :" اللَّهُمَّ، إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْتُ بشَاعِرٍ، فَالْعَنْهُ، واهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي[(١١)](#foonote-١١) " \[ فَلَعَنَهُ، وإن كان الإيمانُ والدِّينُ والإسْلاَمُ مَآلَهُ، وانتصف بقوله " عَدَدَ مَا هَجانِي [(١٢)](#foonote-١٢) " \] ولم يَزِدْ ؛ لتعليمِ العَدْلِ والإنصافِ، وأضَافَ الهَجْوَ إلى اللَّه تعالَى في باب الجَزَاءِ، دون الابتداءِ بالوَصْف بذلك ؛ كما يضاف إليه المكْرُ والاسْتهْزَاءُ والخَديعةُ، تعالَى عَنْ ذلك. 
قال القُرْطُبِيُّ[(١٣)](#foonote-١٣) : أما لَعْنُ الكُفَّار جُمْلَةُ مِنْ غَيْر تَعْيين، فلا خِلاَفَ فيه ؛ لِمَا روَى مَالِكٌ، عن داوُدَ بْنِ الحُصيْنِ، أنَّه سَمِعَ الأَعْرَجَ يقُولُ :" مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضانَ، وَسَواءٌ كَانَتْ لَهْم ذِمَّةٌ أَوْ لَمْ تَكْنْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ ". 
قوله تعالى :" وَالمَلاَئِكَة " الجمهورُ على جرِّ الملائكة ؛ \[ نَسَقاً عَلَى اسم اللَّه تعالى \][(١٤)](#foonote-١٤)، وقرأ الحَسَنُ[(١٥)](#foonote-١٥) بالرَّفْع،  والمَلاَئِكَهُ وَالنَّاسُ أَجمَعُونَ  وخرَّجَها النحاةُ عَلَى العَطْف على مَوْضع اسْم اللَّه تعالَى، فإنه وإِنْ كان مَجْرُوراً بإضافة المَصْدر، فموضعُهُ رَفْعٌ بالفاعلية ؛ لأنَّ هذا المَصْدر يَنحَلُّ لحَرْفٍ مصدريٍّ، وفِعْلٍ، والتقديرُ :" أَنْ لَعَنَهُمْ "، أوْ " أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ "، فعطف الملائِكَةَ على هذا التَّقْدير. 
قال أبو حيان[(١٦)](#foonote-١٦) : وهذا لَيْسَ بجائزٍ على ما تقرَّر مِنَ العَطْفِ على الموضِع، فإنَّ مِنْ شرْطِهِ : أن يكُونَ ثمَّ مُحْرِزٌ للموْضِعِ، وطَالبٌ، والطالبُ للرفع وجودُ التَّنْوِينِ في المَصْدَر، هذا إِذَا سَلَّمْنَا أن " لَعْنَة " تنحلُّ لِحَرْفٍ مصدريٍّ، وفعْلٍ ؛ لأنَّ الانحلال لذلك شرطُهُ أنْ يُقْصَدَ به العلاجُ ؛ ألا ترَى أنَّ قوله : أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ 
\[ هود : ١٨ \] لَيْسَ المعنَى على تقْدير : أنْ يلْعَنَ اللَّهُ على الظالمين، بل المرادُ اللَّعْنَةُ المستقرَّة، وأضيفتْ للَّه على سَبِيلِ التَّخْصِيص، لا على سَبِيلِ الحُدُوث. ونقلَ عن سِيبَوَيْهِ[(١٧)](#foonote-١٧) : أنَّ قولك : هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ غَداً وَعَمْراً، بنَصْب " عَمْراً " : أنَّ نَصْبَه بفعْل محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصبَهُ بالعَطْف على المَوْضِع، ثم بعد تَسْليمه ذلك كلَّه، قال : المَصْدرُ المُنَوَّن لم يُسْمَعْ بعده فاعِلٌ مرفوعٌ، ومفعولٌ منصوبٌ، إِنَّمَا قاله البصريُّون قياساً على " أنْ والفِعْل " ومنَعَهُ الفَرَّاء، وهو الصحيحُ ثم إِنَّه خَرَّجَ هذه القراءة الشَّاذَّة على أحَدِ ثلاثةِ أوجُهٍ :
الأول : أن تكونَ الملائكةُ مرفوعةً بفعلٍ محذُوفٍ، أي :" وتَلَعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ " ؛ كما نصَبَ سِيبَوَيْهِ " عَمْراً " في قولِكَ " ضَارِبُ زَيْداً وَعَمْراً " بفعْلٍ محذوفٍ. 
الثاني : أَنْ تكُونَ الملائكةُ عَطْفاً على " لَعْنَةُ " بتقدير حَذْف مضافٍ، أي :" وَلَعْنَةُ المَلاَئِكَةِ " فَلَمَّا حذَفَ المضافَ، أُقِيمَ المضافُ إلَيْه مُقَامَهُ. 
الثالث : أنْ يكُونَ مبتدأً قد حُذِفَ خبرهُ تقْديرُهُ  وَالمَلاَئِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ تَلْعَنُهُمْ  وهذه أوجُهٌ متكلَّفةٌ، وإِعْمَالُ المصدر المنوَّنِ ثابِتٌ ؛ غايُةُ ما في الباب : أنه قد يُحْذَفُ فاعلُهُ ؛ كقوله أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً  \[ البلد : ١٤ - ١٥ \]. وأيْضاً : فقد أَتْبَعَتِ العَرَبُ المجرورَ بالمَصْدر عَلَى موضعيهِ رَفْعاً ؛ قال :\[ البسيط \]. 
٨٦١ -. . . \*\*\* مَشْيَ الهَلُوكِ عَلَيْهَا الخَيْعَلُ الْفَضُلُ[(١٨)](#foonote-١٨)
برفع " الفُضُلُ " وهي صفة ل " الهَلُوكِ " على المَوْضِع ؛ وإذَا ثَبَتَ ذلكَ في النَّعْتِ، ثَبَتَ فِي العَطْفِ ؛ لأنَّهما تابعانِ مِنَ التوابع الخمْسَةِ، و " أَجْمَعِينَ " : من ألْفَاظِ التأْكِيد المعنويِّ بمنزلةِ كُلٍّ. 
قال ابنُ الخَطِيبِ[(١٩)](#foonote-١٩) : والآيةُ تَدُلُّ على جواز التَّخْصْيصِ معَ التَّوْكِيد ؛ لأنَّه تعالى قال :" والنَّاسِ أَجْمَعِينَ " مع أنَّه مخصوصٌ على مَذْهَب مَنْ قال : المراد بالنَّاس بَعْضُهُمْ. 
١ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٥١..
٢ - في ب: دينهم يلعنونهم..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٦٢) عن أبي العالية، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٨) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٦٢) عن الربيع وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" عن قتادة (١/٢٩٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٥ - ذكره الفخر الرازي في تفسير: ٤/١٥١..
٦ - سقط في ب..
٧ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٥١..
٨ - في ب: جنانه لا بيغير..
٩ - سقط في ب..
١٠ - ينظر تفسير القرطبي: ١/١٢٦..
١١ - الحديث أخرجه الروياني في "مسنده" وابن عساكر في "تاريخ دمشق" كما في "كنز العمال" (١٣/٥٤٨) رقم (٣٧٤٣١) عن البراء بن عازب.
 وقال ابن عساكر: في إسناده مقال..
١٢ - سقط في: ب..
١٣ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧..
١٤ - سقط في ب..
١٥ - ينظر الدر المصون: ١/٤١٨، والبحر المحيط: ١/٦٣٥، والمحرر الوجيز: ١/٢٣٢..
١٦ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٣٥..
١٧ - ينظر الكتاب: ١/٥٦، ١/٨٦..
١٨ - عجز بيت للمتنخل الهذلي. ينظر ديوان الهذليين: ٢/٣٤، والخصائص: ٢/ ١٦٧، والهمع: ١/ ١٨٧، والأشموني: ٢/٢٩٠، والدرر: ١/١٦٠، والدر المصون: ١/٤١٨..
١٩ - ينظر تفسير الرازي: ٤/١٥١-١٥٢..

### الآية 2:162

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [2:162]

قوله تعالَى :" خِالِدِينَ " حالٌ من الضَّمير في " عَلَيْهِمْ " والعاملُ فيها الظرْفُ من قوله " عَلَيْهِمْ " ؛ لأنَّ فيه معنى الاسْتقْرَار لِلَّعْنة، والخلودُ : اللُّزومُ الطَّويل، ومنْه قوله تعالى :" أَخْلدَهُ " أي : لَزِمَهُ، ورَكَنَ إلَيْه. 
قال بعضُهُمْ :" خَالِدِينَ فِي اللَّعْنَة ". 
وقيلَ : في النَّار، أُضْمِرَتْ ؛ تفخيماً وتهويلاً ؛ كقوله  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  \[ القدر : ١ \]. 
والأول أولى ؛ لوجوه[(٢٠)](#foonote-٢٠) :
الأول : أَنَّ ردَّ الضَّميرِ \[ إلى المَذْكُور السَّابق أَوْلَى مِنْ رَدِّة، إذَا لم يُذْكَر. 
الثاني : أَنَّ حَمْلَ هذا الضَّمِير على اللَّعْنَة \][(٢١)](#foonote-٢١) أَكْثَرُ فائدةً ؟ لأنَّ اللَّعْنَ هو الإبْعَادُ مِنَ الثَّوَاب بفِعْل العِقَاب في الآخِرَة، وإيجادِهِ في الدُّنيا، فيدخل في اللعن النَّار وزيادةٌ \[ فكان حَملُ اللَّفظ عليه أولى \]. 
\[ الثالث : أن حمل الضمير على اللَّعن يكون حاصلاً في الحال وبعده، وحمله على النَّار لا يكون حالاً حاصلاً في الحال، بل لا بدَّ من تأويلٍ \][(٢٢)](#foonote-٢٢). 
قوله تعالى :" يُخَفَّفُ " فيه ثلاثةُ أوجه :
أحدها : أن يكون مستأنفاً. 
الثاني : أن يكون حالاً من الضَّمير في " خَالِدِينَ " فيكون حالان متداخلان. 
الثالث : أن يكون حالاً ثانية من الضَّمير في " عَلَيْهِمْ "، وكذلك عند من يجيز تعدُّد الحال. وقد منع أبو البقاء هذا الوجه، بناءً منه على مذهبه في ذلك. 
وقوله :" وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ". 
قال مَكِّيٌّ رحمه الله : هو ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحال من الضَّمير في " خالدين " أو من الضَّمير في " عَنْهُمْ ".

### فصل في وصف العذاب


اعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بثلاثة أمورٍ :
أحدها : الخلود، وهو المكث الطَّويل عِنْدنا، أو المكث الدَّائم عند المعتزلة. 
وثانيها : عدم التخفِيفِ، ومعناه أنّ العذابَ في الأوقاتِ كلِّها متشابهٌ ؛ لا يكون بعضُه أقَلَّ من بَعْضٍ. 
فَإِن قيلّ : هذا التَّشْبيهُ مُمْتَنعٌ ؛ لوجوهٍ :
أحدها : أَنَّه إذا تصوَّر حال غيره من شدَّة العذب، كان ذلك كالتَّخفيف عنه. 
وثانيها : أنَّه تعالى يزيد علَيْهِمْ في أقوات، ثمَّ تنقطع تلْك الزِّيادةُ فيكونُ ذلك تَخفيفاً. 
وثالثها : أنه حين يخاطبهم بقوله تعالى : اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ 
\[ المؤمنون : ١٠٨ \] لا نشكُّ أنَّه يزادُ عنْهم في ذلك الوَقْت. 
فالجوابُ أَنَّ التفاوتُ في هذه الأمُورِ قليلٌ، فالمستَغرِقُ في العَذَاب الشّدِيد لا ينْتبه لهذا القدْر القليل منَ التَّفاوتُ، وهذه الآية تَدُلُّ على دوام العذاب، وأبديتِه، فإنَّ الواقعَ في \[ محْنَةٍ \] عظيمةٍ \[ وشدةٍ \] في الدُّنْيَا، إذا بُشِّرَ بالخَلاَص، وقيل له : إنَّك تَخلُصُ من هذه الشِّدَّة بعد أيَّامٍ، فإنَّه يَفْرَح ويسْهُلُ عليه موقع هذه المحنة. 
الصفة الثانية : قوله " وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ " والإنظارُ : هو التأْجيلُ والتأخيرُ ؛ قال سُبحانه  فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ  \[ البقرة : ٢٨٠ \] والمعنى : أن عذابَهُمْ لا يُؤجَّل، بل يكون حاضراً متَّصِلاً بعذاب مثله ؛ ووجه اتِّصال هذه الآية بها قبلها : أنَّه تعالى لمَّا حّذَّر من كتْمَان الحقِّ بين أن أوَّل ما يجبُ إظهارُهُ ولا يجوزُ كتمانُهُ أمْرُ التوحيدِ، ووَصَل ذلك بذكْر البُرْهان، وعلَّم طريقَ النَّظَر، وهو الفكْرُ في عجائِبِ الصُّنْع ؛ ليعلم أنَّه لاَ بُدَّ منْ فاعل لا يشبهُه شَيْءٍ :
ويحتمل أن يكون من النَّظَرِ ؛ كقوله : لاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  \[ آل عمران : ٧٧ \].

### الآية 2:163

> ﻿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ [2:163]

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 
قوله :" إلهٌ وَاحدٌ " خبر المبتدأ، و " وَاحِدٌ " صفةٌ، وهو الخبر في الحقيقة ؛ لأنَّه مَحَطّ الفائدةَ، ألاَ ترى أنَّه لو اقتصر \[ على ما قَبْلَه، لم يُفد، وهذا يُشْبهُ الحالَ الموطِّئة ؛ نحو :" مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلاً صَالِحاً " ف " رَجُلاً " حالٌ \] وليستْ مقصودة، إِنَّما المقصودُ وصْفُها. 
قال أبو عليٍّ : قولُهُمْ واحدٌ : اسمٌ جَرَى على وَجْهَيْن في كلامِهِم. 
أحدهما : أن يكونَ اسماً. 
والآخَرُ : أن يكونَ وَصْفاً، فالاسْمُ قولُهُمْ في العَدَد : واحد، اثْنَانِ، ثلاثةٌ، فهذا اسمٌ لَيْسَ بوصف، كما أنَّ سائر أسماء العَدد كذلك، وأَمَّا كونُهُ صفةً ؛ فقولُكَ : مَرَرْتُ برَجُلٍ وَاحِدٍ، وهَذَا شَيءٌ وَاحِدٌ، فإذا جرى هذا الاسمُ على الحَقِّ سُبْحانه وتعالى، جاز أن يكون الذي هو الوصفُ كالعالِم والقادِرِ، وَجَازَ أن يكون الذي هو الاسْمُ كقولكِ شَيْء ويقوِّي الأوَّل قوله تعالى : وَإِلهُكُمْ إِلَهٌ وَاحدٌ . 
### فصل في وجوه وصفه تعالى بأنه واحد


قال الجُبَّائِيُّ : وُصِفَ اللَّه بأنَّه واحدٌ منْ وجُوهٍ أربعة : لأنَّه ليس بذي أبْعَاضٍ، ولا بذِي أَجْزَاء ؛ ولأنَّه منفردٌ \[ بالقِدَمِ ؛ ولأنَّه مُنْفَردٌ \] بالإلهيَّة ؛ ولأنه منفردٌ بصفات ذاتِهِ ؛ نَحُو كوْنِهِ \[ عَالِماً بنَفْسِه، قَادِراً بنَفْسِهِ. 
قوله تعالى :" إلا هُوَ " : رفع " هُوَ " على أنه \] بدلٌ من اسْم " لا " على المَحَلِّ ؛ إذ محلُّه الرفْعُ على الابتداء، أو هو بَدَلٌ من " لاَ " وما عملتْ فيه، لأنَّها وما بعْدَها في مَحلِّ رفْعٍ بالابتداء، وقد تَقدَّم تقريرُ ذلك، ولا يجُوزُ أنْ يَكُون " هو " خبر " لاَ " التَّبْرِئَةِ، لما تقرَّر من أنَّها لا تعملُ في المَعَارف، بَلِ الخَبر مَحْذُوفٌ، أي :" لاَ إِلهَ لَنَا " هذا إذا فَرَّعنا على أنَّ " لاَ " المبنيَّ معها اسْمُها عاملةٌ في الخَبَرِ، أمَّا إذا جعلْنَا الخَبَرَ مَرْفُوعا بما كان علَيْه قَبْل دخولِ " لاَ " ولَيْسَ لها فيه عَمَلٌ وهو مذهبُ سيبَوَيْهِ فكَان ينبغي أن يكون " هُوَ " خبراً إلاَّ أنَّه مَنَع منه كوْنُ المبتدأ نكرةً، والخبَر معرفةً، وهو ممنوعٌ إلاَّ في ضرائر[(١)](#foonote-١) الشِّعْر في بَعْض الأَبْوَاب. 
واستَشكَلَ الشَّيْخُ أبو حَيَّان[(٢)](#foonote-٢) كَونَهُ بَدَلاً منْ " إِلَهَ ". 
\[ قال : لأنَّه لَمْ يمكنْ تكريرُ العَامِلِ ؛ لا نقولُ :" لاَ رَجُلَ إِلاَّ زَيْدٌ " والذي يظهر أنه لَيْسَ بدلاً من " إلَه[(٣)](#foonote-٣) " \] ولا مِنْ " رَجُل " في قولك :" لاَ رَجُلَ إِلاَّ زَيْدٌ "، إنما هو بَدَلٌ من الضَّمير المستكنِّ في الخبر \[ المحْذُوفِ، فإذا قلنا : لا رجل إلاّ زيَدٌ، فالتقديرُ :" لاَ رَجُلَ كائنٌ، أو مَوْجُودٌ إِلاَّ زَيْدٌ "، ف " زَيْدٌ " بدلٌ من الضمير المستكنِّ في الخبر \][(٤)](#foonote-٤) لا مِنْ " رَجُل "، فليس بدلاً على مَوْضِع اسم " لا "، وَإِنَّما هو بدلٌ مَرْفُوعٌ منْ ضمير مَرْفوعٍ، وذلك الضَّميرُ هو عائدٌ على اسم " لا "، ولولا تصريح النَّحويِّين : أنَّه بَدَلٌ على الموضِعِ مِنِ اسم " لاَ "، لتأوَّلنا كلامَهُمْ على ما تقدَّم تأويلُهُ. 
قال شهاب الدين[(٥)](#foonote-٥) : والَّذي قالُوهُ غَيْرُ مُشْكِلٍ ؛ لأنهم لم يقولُوا : هو بدَلٌ من اسْم " لاَ " على اللَّفظِ ؛ حتى يلزمَهُمْ تكريرُ العامِلِ، وإنَّما كان يشكلُ لو أجازُوا إبْدَالَهُ مِن اسْمِ " لاَ " على اللَّفظِ، وهم لم يجيزوا ذلك لعَدَم تكير العَامِلِ، ولذلك منعوا وجْهَ البَدَلِ في قولهمْ " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " وجعلُوهُ انتصاباً على الاستِثْناءِ، وأَجَازُوهُ في قولك :" لا رَجُلَ في الدَّارِ إلاَّ صاحِباً لك " لأنَّه يُمْكِن فيه تكريرُ العَامِلِ. 
قوله تعالى :" الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ " فيه أربعةُ أوْجُهٍ :
أحدها : أن يكونَ بَدَلاً منْ " هُوَ " بدَلَ ظاهرٍ مِنْ مُضْمَرٍ، إلا أن هذا يُؤَدِّي إلى البَدَلِ بالمُشْتقَّاتِ وهو قليلٌ ؛ ويُمْكِنُ أنْ يجاب بأنَّ هاتَين الصفتَيْن جَرَتا مَجْرَى الجوامِدِ ولا سِيَّمَا عنْدَ من يَجْعل \[ الرَّحْمن \][(٦)](#foonote-٦) علماً، وقد تقدَّم تحقيقُهُ في " البَسْمَلَةِ ". 
الثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي : هُو الرَّحْمَنُ، وحسَّنَ حذْفَهُ توالي اللفْظِ ب " هُوَ " مرَّتَيْن. 
الثالث : أن يكوم خبراً ثالثاً لقوله :" وَإلَهُكُمْ " أخبر عنْهُ بقوله :" إِلَهٌ وَاحِدٌ " وبقوله :" لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ " وبقوله :" الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ "، وذلك عند مَنْ يَرَى تعدّدَ الخَبَرِ مُطْلقاً. 
الرابع : أن يكون صفةً لقولِهِ " هُوَ "، و \[ ذلك \][(٧)](#foonote-٧) عند الكِسَائِيِّ ؛ فإنَّه يجيزُ وَصف الضَّمير الغائب بصفة المَدح، فاشترط في وصف الضَّمير هذَين الشَّرْطَين : أن يكون غائباً، وأن تكون الصفَةُ صفةَ مَدْحٍ ؛ وإن كان ابنُ مالكٍ أطْلَقَ عَنْه جوازَ وَصْفِ ضمير الغائِب، ولا يجوز أنْ يكُون خبراً ل " هُوَ " هذه المذكورةِ ؛ لأنَّ المستثنى ليْسَ بجُملةٍ. 
### فصل في سبب النُّزُول


قال ابن عبَّاسِ : سَبَبُ نُزُول هذه الآية أَنَّ كُفَّار قُرَيش قالوا : يا مُحَمَّد، صِفْ وانسُبْ لَنَا رَبَّكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى سُورَةَ الإخْلاَصِ، وهَذه الآيَة[(٨)](#foonote-٨). 
قال أبو الضُّحَى : لمَّا نزلَّتْ هذه الآيةُ، قال المُشْرِكُون : إنَّ محمَّداً يقُولُ : إلَهكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ، إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَنْزل اللَّهُ - عَزَّ وَجَّل - : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [(٩)](#foonote-٩) \[ والمرادُ بالخَلْق هنا المخلُوقُ. 
قال أبو مسلم[(١٠)](#foonote-١٠) : وأصْلُ الخَلْق التقديرُ ؛ قالَ تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [(١١)](#foonote-١١) \[ الفرقان : ٢ \]. 
١ - في أ: ضرورة..
٢ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٣٧..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..
٥ - ينظر الدر المصون: ١/ ٤١٩..
٦ - سقط في ب..
٧ - سقط في ب..
٨ - ذكره القرطبي في "تفسيره" الجامع لأحكام القرآن (٢/١٢٨) عن ابن عباس..
٩ - ينظر تفسير البغوي: ١/١٣٥..
١٠ - ينظر تفسير الرازي: ٤/١٦٢..
١١ - سقط في ب..

### الآية 2:164

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [2:164]

ذكر ابن جرير في سَبَب نُزُول هذه الآيةِ عن عطاءٍ أيضاً ما ذكرْنَاه آنفاً. 
وعن سعيد بن مَسْروق، قال : سألت قُرَيشٌ اليَهودَ، فقالوا : حدِّثُونَا عَمَّا جَاءَكُم به موسى - عليه السَّلام - من الآيَاتِ. فَحَدَّثوهُمْ بالعَصا وبالْيَدِ البَيْضاءِ، وسَأَلُوا النَّصَارَى عَمَّا جاءَهُمْ به عيسى، فَحدَّثُوهُم بإبراءِ الأَكْمَه والأَبْرَصِ وإحياءِ المَوتَى ؛ فقالت قُرَيش عِند ذلك للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ادْعُ اللَّهَ لَنَا أنْ يَجْعَلَ الصَّفا ذَهَباً، فَنَزدَادَ يقيناً، ونَتَقَوَّى على عدُوِّنَا \[ فَسَأل ربَّهُ ذلك \][(١)](#foonote-١) فأوحَى اللَّهُ تعالى إليه أنْ يعطيهم، ولكن إن كذَّبُوا بَعْدَهُ، عَذَّبْتُهُم عَذَاباً شدِيداً لا أعذِّبُهُ أحداً مِنَ العالمين فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام :- " ذَرْنِي وَقَوْمِي، أدعُوهُمْ يَوماً فَيَوْماً "، فأنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية[(٢)](#foonote-٢) مُبَيِّناً لهم أنهم إنْ كانوا يريدون أنْ أجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَباً ؛ ليزدادوا يقيناً ؛ فَخَلقُ السَّموات والأَرْض وسائِرُ ما ذكر أعظمُ وأكْبرُ. 
وقيل : لمَّا نزل قوله :" وَإِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ "، قالوا : هل مِنْ دليلٍ على ذلك فأنزل الله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  ؛ فبيَّن لهم الدَّليل وقد تقدَّم في قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ  \[ البقرة : ٢٢ \]. 
قال البغويِ[(٣)](#foonote-٣) : ذكر " السموات " بلَفظ الجَمْع، لأنَّ كُلَّ سماء من جِنسٍ آخَرَ، وأفْرَد الأرْضَ ؛ لأن الأرَضينَ كلَّها مِنْ جنْسٍ واحدٍ، وهو الترابُ، والآيةُ في السَّموات سُمْكُها وارتفاعُها مِنْ غير عَمدٍ، ولا عَلاقَةَ، وما يُرى فيها من الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجوم، واختلافِ أحوالها مِنَ الطُّلُوع، والغُرُوبُ، وغير ذلك، والآيةُ من الأَرْضِ : مَدُّها، وبَسْطُها وسَعَتُها، وما يُرَى فيها من الأشجار، والأثمَار، والنْهَار، والجِبَالِ، والبِحَار، والجواهر، والنبات، وقد تقدّم طَرَفٌ من هذا. 
قوله تعالى :" وَاخْتلاف اللَّيل والنَّهَار " ذكَرُوا للاخْتلاَف تفْسيرَينْ :
أحدهما : أنَّه افْتِعَالٌ مِنْ قَولِهِمْ :" خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ " إذا ذهبَ الأوَّل، وجاء الثَّاني، فاختلاف اللَّيْل والنَّهار تَعَاقُبُهُمَا في الذَّهاب والمجِيء ؛ يقالُ : فلانٌ يَخْتلف إلى فلانٍ، إذا كان يَذْهب إلَيه ويجيء من عنده، فَذَهَابُهُ يَخْلُفُ مجيئَهُ، ومجيئُهُ يخْلُفُ ذَهَابه، وكلُّ شيءٍ يجيء بعد شيءٍ آخَرَ، فهو خِلْفَةُ، وبهذا فَسَّرُوا قوله تعالى :
 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً  \[ الفرقان : ٦٢ \] ؛ ومنه قول زهير :\[ الطويل \]
٨٦٢ - بِهَا الْعِينُ والأَرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَةً \*\*\* أَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ[(٤)](#foonote-٤)
وقال آخر :\[ المديد \]
٨٦٣ - وَلَهَا بِالمَاطِرُونِ إِذَا \*\*\* أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي صَنَعَا
خِلْفَةٌ حَتَّى إِذَا ارْتَبَعَتْ \*\*\* سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيَعَا[(٥)](#foonote-٥)
الثاني : اختلاف الليل والنهار، في الطول والقِصَر، والنور والظلمة، والزيادة والنقصان. 
قال الكسائي :" يقال لكُلِّ شيئَيْن اختَلفَا : هُمَا خلَفَان ". 
قال ابن الخطيبِ[(٦)](#foonote-٦) : وعندي فيه وجهٌ ثالثٌ، \[ وهو \][(٧)](#foonote-٧) أنَّ اللَّيْل والنهارَ كما يختلفان بالطُّول والقِصَرِ في الأزمِنَةِ، فهُمَا يختلفَانِ في الأمكنةِ فإنَّ مَنْ يقول : إِنَّ الأرض كُرَةٌ، فكلُّ ساعةٍ عنيتها، فتلْكَ الساعةُ في موضِعٍ مِنَ الأرض صُبحٌ، وفي موضِعٍ آخَرَ ظُهْرٌ، وفي آخرَ عَصْرٌ وفي آخَرَ مَغْرِبٌ، وفي آخَرَ عِشَاءٌ، وهلُمَّ جرّاً، هذا إذا \[ اعتبرنا البلادَ المُخْتلفَةَ في الطُول، أما البلادُ المختلفَةُ \][(٨)](#foonote-٨) في العَرْضِ، فكُلُّ بَلَدٍ يكُونُ عَرْضُهُ الشماليُّ أكْثَرَ، كانَتْ أَيَّامُهُ الصيفيَّة أطْوَلَ وليالِيهِ الصَّيفيَّةُ أقْصَرَ، وأَيَّامُهُ الشتويَّة بالضِّدِّ مِنْ ذلك، فهذه الأحوالُ المختلفةُ في الأيَّام واللَّيالي بحَسَب اختلاف أَطْوالِ البلاَد وعُرُوضها أمْرٌ عجيبٌ مختلفٌ. 
وأيضاً : فإنَّ إقْبال الخَلق في أوَّل الليل على النَّوم يُشْبه مَوْتَ الخلائِق عند النَّفخةِ الأولى في الصُّور، ويقظتهم آخِرَ اللَّيْل يشبهُ عَوْدَة الحياة إليهم عند النَّفخة الثانية، هذا أيضاً من الآياتِ العَظِيمة. 
وأيضاً : انشقاقُ ظُلمة الليْلِ بظهورِ الصُّبْحِ المستطيل كأنَّهُ جَدولُ ماءٍ صافٍ يَسيلُ في بَحْرِ كَدِرٍ بحيث لا يتكدّر الصَّافي بالكَدِرِ، ولاَ الكَدرُ الصافي، وهو المرادُ بقوله : فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الْلَّيْلَ سَكَناً  \[ الأنعام : ٩٦ \]. 
قال علماءُ الهَيْئَة[(٩)](#foonote-٩) : إنَّ الموضع الذي يكون القُطب فيه على سَمْتِ الرأسِ تكُونُ السَّنَةُ فيه \[ سِتَّةَ أشهرٍ نهاراً \][(١٠)](#foonote-١٠) وستَّةُ أشْهُرٍ ليلاً، وهناكَ لا يَتِمُّ النُّضج، ولا يصلحُ لِمَسْكنِ الحيوانِ ولا يتهيأُ فيه سبَبٌ من أسْبَاب المَعيشة.

### فصل في أصل الليل


اختلفُوا ؛ قيل : الليلُ : اسم جنس، فيفرق بَيْن واحد وجمعه بتاء التأنيث ؛ فيقال : لَيْلَةٌ وَلَيْلٌ ؛ كتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، واللَّيالي جمعُ الجَمْعِ، والصحيحُ : أنَّهُ مفْرَدٌ، ولا يحفظ له جَمعٌ ؛ وكذلك خطَّأ الناسُ مَنْ زعَمْ أنَّ " الليالي " جَمْعُ " لَيْلٍ "، بل الليالي جمعُ " لَيْلَة " وهو جمعٌ غريبٌ، ولذلك قالُوا : هو جمعُ " لَيْلاَةٍ " تقديراً، وقد صُرِّح بهذا المفْرَدِ في قول الشَّاعر :\[ السريع أو الرجز \]
٨٦٤ - في كُلِّ يَوْمٍ ما وَكُلِّ لَيْلاَهْ \*\*\*. . . 
حَتَّى يَقُولَ كُلُّ رَاءٍ إِذَ رَآهْ \*\*\*. . . 
يَا وَيْحَهُ مِنْ جَمَلٍ مَا أَشْقَاهْ[(١١)](#foonote-١١) \*\*\*. . . 
ويدلُّ على ذلك تصغيرُهُمْ لها على " ليُيْلَةٍ " ونظيرُ " لَيْلَةٍ " و " ولَيَالٍ " :" كَيْكَةٌ وكَيَاك " ؛ كأنَّهم توهَّموا أَنَّها " كَيْكَاتٌ " في الأصْل، والكَيْكَةُ : البَيْضَةُ. 
وأمَّا النَّهار : فقال الرَّاغب[(١٢)](#foonote-١٢) :" هو في الشَّرْع : اسمٌ لما بين طُلُوع الفجر إلى غروب الشَّمس ". 
قال ابن فَارِس :" والنَّهارُ " : ضياءُ مَا بين طُلُوع الفَجْر إلى غُرُوب الشمس قال القرطبي[(١٣)](#foonote-١٣) : وهُوَ الصحيحُ ؛ ويدلُّ عليه ما ثبت في " صحيح مُسْلِم " : عن عَدِيِّ بن حاتم، قال : لَمَّا نَزلَتْ :
 حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ 
\[ البقرة : ١٨٧ \] قال له عَدِيٌّ : يا رسول اللَّهِ، إنِّي جَعَلتُ تَحتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْن ؛ عِقَالاً أَبْيَضَ، وعِقَالاً أَسْوَدَ، أَعْرِفُ بهما اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَواتُ اللَّهِ البَرِّ الرَّحِيم وسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - :" إِنَّ وسَادَكَ لَعَرِيضٌ " يعني إنَّما هو سوادُ الليْلِ وبياضُ النهارِ[(١٤)](#foonote-١٤)، وبهذَا يقْضِي الفقهُ في الأيْمَان، وبه ترتبطُ الأحْكام. 
وظاهرُ اللُّغَة أنَّه مِنْ وَقْت الإسْفَار. 
وقال ثعلب والنَّضْرُ بن شُمَيلٍ :" هو مِنْ طُلُوع الشَّمْس " زاد النَّضْرُ : ولا يعدُّ ما قبل ذلك مِنَ النَّهَار. 
وقال الزَّجَّاج :" أوَّلُ النَّهار ذُرُورُ الشَّمْس ". 
ويُجْمَعُ على نُهُرٍ وأَنهِرَة ؛ نحو : قَذالٍ، وقُذُلٍ، وأَقْذِلَة. 
وقيل : لا يُجْمَعُ ؛ لأنه بمنزلة المَصْدَر، \[ والصحيحُ : جمعُهُ على ما تقدَّم \][(١٥)](#foonote-١٥). 
قال :\[ الرجز \]
٨٦٥ - لَوْلاَ الثَّرِيدَان لَمُتْنَا بِالضُّمُرْ \*\*\* ثَرِيدُ لَيْلٍ، وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ[(١٦)](#foonote-١٦)
وقد تقدَّم اشتقاق هذه المادَّة، وأنَّها تدُلُّ على الاتِّسَاعِ، ومنه " النَّهَارُ " لاتِّسَاع ضَوْئه عِنْد قوله : مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  \[ البقرة : ٢٥ \] قاله ابن عبَّاس - رضي الله عنهما-. قال ابن فارس : ويقال :" إنَّ \[ النَّهار \][(١٧)](#foonote-١٧) فَرْخُ الحُبَارَى " وقدم اللَّيْل على النَّهار لأنَّهُ سَابقُهُ ؛
وقال تعالى : وَآيَةٌ لَّهُمُ الْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ  \[ يس : ٣٧ \] وهذا أصحُّ القولَين. 
وقيل : النُّورُ سابِقُ الظلمةِ، وينبني على هذا الخلافِ فائدةٌ، وهي أنَّ الليلة، هَلْ هي تابعةُ لليوم \[ قبْلَهَا، أو لِلْيَومِ بَعْدها. 
فعلى الصَّحيح : يكونُ الليل للْيَوم بَعْدها، فيكونُ اليَوْم تابعاً لها، وعلى الثاني : تكونُ للْيَوْم قبْلَها، فتكون اللَّيلة تابعةً له \][(١٨)](#foonote-١٨). 
فيَوْمُ عَرَفَةَ ؛ على الأوَّل : مستثنىً من الأصْلِ ؛ فإنَّه تابعٌ لِلَّيْلة الَّتي بَعْده، وعلى الثاني : جاء على الأصْلِ. 
قال القرطبي[(١٩)](#foonote-١٩) : وقسَّم ابن الأنباريّ الزَّمن ثلاثة أقسام :
قِسْماً جعَلَه لَيْلاً مَحْضاً ؛ وهو مِنْ غُرُوب الشَّمْس إلى طُلُوعِ الفجر، وقِسْماً جعَلَهُ نهاراً مَحضاً، وهو مِنْ طُلُوع الشَّمْس إلى غُرُوبها، وقِسْماً جعَلَهُ مُشْترِكاً بين النَّهارِ واللَّيْلِ ؛ وهو مِنْ طُلُوع الفجْر إلى طُلُوع الشَّمْس ؛ لبقايا ظلمة اللَّيْل، \[ ومَبَادِئ ضَوء النَّهار \]. 
قوله تعالى :" وَالفُلْك " عَطْفٌ على " خَلْقِ " المجرورِ ب " فِي " لا على " السَّمَوَاتِ " المجرور بالإضَافة، و " الفُلْك " يكونُ واحداً ؛ كقوله : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ  \[ يس : ٤١ \]، وجَمْعاً كقَوْله : فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم  \[ يونس : ٢٢ \] فإذا أُرِيدَ به الجَمْعُ، ففيه أقوالٌ :
أصحُّها - وهو قولُ سيبويه[(٢٠)](#foonote-٢٠) - : أنَّهْ جَمع تَكْسيرٍ، وإنْ قيل : جمْعُ التكسيرِ لا بُدَّ فيه من تَغَيُّرٍ ما، فالجَوَابُ : أنَّ تغييره مقدَّرٌ، فالضمة في حال كونِهِ جَمْعاً، كالضمة في " حُمُرٍ " و " نُدُبٍ " وفي حال كون مفرداً، كالضَّمَّة في " قُفْلٍ "، وإنَّما حمل سيبويه على هذا، ولم يجعلهُ مشتركاً بين الواحد والجمع ؛ نحو :" جُنُبٍ " و " شُلُلٍ " \[ فلَمَّا ثَنَّوْهُ، وقالوا : فُلْكَانٍ، علمْنا[(٢١)](#foonote-٢١) \] أنَّهم لم يَقْصِدُوا الاشْتراك الَّذي قصَدُوه في " جُنُبٍ " و " شُلُل " ونظيرُه ناقَةٌ هِجَانٌ ونُوقٌ هِجَانٌ، ودرْعٌ دِلاَصٌ، ودُرُوعٌ دِلاَصٌ، فالكَسْرة في المفرد كالكسرة في " كِتَاب " وفي الجمع كالكسرة في " رِجَال " ؛ لأنهم قالوا في التَّثْنيَة : هِجَانَانِ ودِلاَصَانِ. 
الثاني : مذهب الأخفش : أنَّه اسم جمعٍ، كصحبٍ، وركبٍ. 
الثالث : أنَّه جمع " فَلَكٍ " بفتحتين، كأسدٍ وأُسدٍ، واختار أبو حيَّان أنه مشتركٌ بين الواحد والجمع، وهو محجوجٌ بما تقدَّم من التثنية، ولم يذكر لاختياره وجهاً، وإذا أفرد " فلك "، فهو مذكَّر ؛ قال تعالى : فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ  \[ يس : ٤١ \]. وقال جماعةٌ، منهم أبو البقاء[(٢٢)](#foonote-٢٢) : يجوزُ تَأْنيثُهُ ؛ مستدلِّين بقوله : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ  فوصفه بصفة التأنيث، ولا دليل في ذلك ؛ لاحتمال أن يراد به الجمع ؛ وحينئذٍ فيوصف١ - سقط في ب..
٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٢٦٩) عن سعيد بن مسروق.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٩) بمعناه عن ابن عباس، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.
 وعزاه أيضا (١/٢٢٩) لعبد بن حميد عن سعيد بن جبير..
٣ - ينظر تفسير البغوي: ١/١٣٥..
٤ - البيت لزهير بن أبي سلمى ينظر ديوانه: ص٥، وجمهرة اللغة: ص ٤١٥، ٤١٦، ولسان العرب (خلف)، (طلى)، ورصف المباني: ص ١٤٥، والدر المصون: ١/٤٢١..
٥ - البيتان لأبي دهبل الجمحي ينظر ديوانه: ص ٨٥، والحيوان: ٤/١٠، والمستقصى: ١/٥١، وللأحوص الأنصاري ينظر ديوانه: ص ٢٢١، وليزيد بن معاوية: ص ٢٢ في ديوانه، وشرح التصريح: ١/٧٦، والمقاصد النحوية: ١/٤٨، وليزيد أو للأحوص في خزانة الأدب: ٧/٣٠٩، ٣١٠، ٣١١، ٣١٢، وللأخطل في لسان العرب (مطر)، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب: ٢/ ٦٢٦، ولسان العرب (مطر)، والممتع في التصريف: ١/ ١٥٨، والدر المصون: ١/٤٢١..
٦ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٧٥..
٧ - سقط في ب..
٨ - سقط في ب..
٩ ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٧٦..
١٠ - سقط في ب..
١١ - الرجز لأبي زغيب: ينظر شرح المفصل (٥/ ٧٣) والدرر (٢/ ٢٢٨)، والمخصص: ٩/٤٤، واللسان (ليل) والدر المصون: ١/٤٢٠..
١٢ - ينظر المفردات: ٥٢٨..
١٣ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/١٣٠..
١٤ - أخرجه مسلم رقم (٧٦٧) وأبو داود (١/٧١٧) كتاب الصيام باب وقت السحور (٢٣٤٩) والطبراني في "الكبير" (١٧/٣٩) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/٢٢٢) وانظر فتح الباري (٤/١٣٣) وإتحاف السادة المتقين..
١٥ - سقط في ب..
١٦ - البيت ذكره ابن منظور في اللسان "نهر" وينظر: الدر المصون: ١/٤٢٠..
١٧ - سقط في ب..
١٨ - سقط في ب..
١٩ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/١٣٠..
٢٠ - ينظر الكتاب: ٢/١٨١..
٢١ - سقط في ب..
٢٢ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٢..

### الآية 2:165

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [2:165]

اعلم : أنه، سبحانه وتعالى، لمَّا قرَّر التوحيد بالدلائل العقلية القاطعة، أردفه بتقبيح ما يضاده ؛ لأنَّ تقبيح ضد الشيء مما يؤكِّد حسن الشَّيء. 
قال الشاعر :\[ الكامل \]
٨٧٦ -. . . \*\*\* وَبِضِدِّهَا تَتَبَيِّنُ الأَشْيَاءُ
وقالوا أيضاً : النِّعمة مجهولةٌ، فإذا فقدت عرفت، والنَّاس لا يعرفون قدر الصِّحَّة، فإذا مرضوا، ثم عادت الصحَّة إليهم، عرفوا قدرها، وكذا القول في جميع النِّعم، فلهذا السَّبب أردف الله تبارك وتعالى هذه الآية الدَّالَّة على التَّوحيد بهذه الآية الكريمة. 
قوله تعالى :" مَنْ يَتَّخِذُ " " مَنْ " : في محلِّ رفع بالابتداء، وخبره الجارُّ قبله، ويجوز فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون موصولةً. 
والثاني : أن تكون موصوفةً. 
فعلى الأوَّل : لا محلَّ للجملة بعدها. وعلى الثاني : محلُّها الرَّفع، أي : فريقٌ، أو شخصٌ متَّخذٌ، وأفرد الضمير في " يَتَّخِذُ " ؛ حملاً على لفظ " مَنْ " و " يَتَّخِذُ " : يفتعل، من " الأَخْذ "، وهي متعدِّية إلى واحد، وهو " أنداداً ". 
قوله تعالى :" مِنْ دُونِ اللَّهِ " : متعلِّق ب " يَتَّخِدُ "، والمراد ب " دُونِ " \[ هنا " غَيْرَ " \][(١)](#foonote-١)، وأصلها إذا قلت :" اتَّخَذْتُ مِنْ دُونِكَ صَدِيقاً "، أصله : اتخذت من جهةٍ ومكانٍ دون جهتك، ومكانك صديقاً، فهو ظرف مجازيٌّ، وإذا كان المكان المتَّخذ منه الصديق مكانك وجهتك منحطَّةً عنه، ودونه ؛ لزم أن يكون غيراً ؛ \[ لأنه ليس إيَّاه، ثم حُذِف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، مع كونه غيراً \][(٢)](#foonote-٢)، فصارت دلالته على الغيريَّة بهذا الطريق، لا بطريق الوضع لغةً، وتقدَّم تقرير شيء من هذا أوَّل السُّورة.

### فصل في اختلافهم في المراد بالأنداد


اختلفوا في " الأَنْدَاد "، فقال أكثر المفسِّرين[(٣)](#foonote-٣) : هي الأوثان التي اتَّخذوها آلهةً، ورجوا من عندها النفع والضُّرَّ، وقصدوها بالمسائل، وقرَّبوا لها القرابين ؛ فعلى هذا : الأصنام بعضها لبعضٍ أندادٌ أي أمثالٌ، والمعنى : أنَّها أندادٌ لله تعالى ؛ بحسب ظنونهم الفاسدة. 
وقال السُّدِّيُّ : إنَّها السَّادة الَّذين كانوا يطيعونهم، فيحلون لمكان طاعتهم في أنَّهم يحلُّون ما حرّم الله، ويحرِّمون ما أحلَّ الله ؛ ويدلُّ على هذا القول وجوه[(٤)](#foonote-٤) :
الأوَّل : ضمير العقلاء في " يُحِبُّونَهُمْ ". 
والثاني : يبعد أنَّهم كانوا يحبُّون الأصنام كحبِّ الله تعالى، مع علمهم بأنها لا تضر، ولا تنفع. 
الثالث : قوله بعد هذه الآية : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ  \[ البقرة : ١٦٦ \] ؛ وذلك لا يليق إلاَّ بالعقلاء. 
وقال الصُّوفية[(٥)](#foonote-٥) : كلُّ شيءٍ شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك ندّاً لله تعالى ؛ ويدلُّ عليه قوله تبارك وتعالى :
 أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ  \[ الجاثية : ٢٣ \]. 
قوله تعالى :" يُحِبُّونَهُمْ " في هذه الجملة ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أن تكون في محلِّ رفع ؛ صفة ل " مَنْ " في أحد وجهيها، والضمير المرفوع يعود عليها ؛ باعتبار المعنى، بعد اعتبار اللَّفظ في " يَتَّخِذُ ". 
والثاني : أن تكون في محلِّ نصبٍ ؛ صفةً ل " أَنْدَاداً "، والضمير المنصوب يعود عليهم، والمراد بهم الأصنام ؛ وإنَّما جمعوا جمع العقلاء ؛ \[ لمعاملتهم له معاملة العقلاء، أو يكون المراد بهم : من عبد من دون الله من العقلاء \][(٦)](#foonote-٦)وغيرهم، ثم غلب العقلاء على غيرهم. 
قال ابْنُ كَيْسَانَ، والزَّجَّاجُ : معناه : كَحُبِّ اللَّه، أي : يسوُّون بين الأصنام وبين الله تبارك وتعالى في المحبَّة[(٧)](#foonote-٧). 
قال أبو إسْحَاقَ : وهذا القول الصحيح ؛ ويدلُّ عليه قوله : وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ  نقله القرطبيُّ[(٨)](#foonote-٨). 
الثالث : أن تكون في محل نصب على الحال مِنَ الضَّمير في " يَتَّخِذُ "، والضمير المرفُوع عائدٌ على ما عاد عليه الضَّمير في " يَتَّخِذُ "، وجُمِعَ حملاً على المعنى ؛ كما تقدَّم. 
قال ابن الخطيب[(٩)](#foonote-٩) رحمه الله تعالى : في الآية حَذْفٌ، أي : يُحبُّونَ عبادَتَهُمْ، والانقياد إليهم. 
قوله تعالى :" كَحُبِّ الله " الكاف في محلِّ نصبٍ : إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي : يحبُّونَهُمْ حُبّاً كَحُبِّ اللَّه، وأمَّا على الحال من المَصدر المعرَّف ؛ كما تقرَّر غير مَرَّة، والحُبُّ : إرادة ما تَاهُ وتظنُّه خيراً، وأصله من : حَبَبْتُ فُلانَاً : أصبتُ حَبَّةَ قَلْبِهِ ؛ نحو : كَبِدتُهُ، وأَحْبَبْتُهُ : جعلت قَلْبِي مُعرَّضاً بأنْ يُحِبَّهُ، لكن أكثر الاستعمال أنْ يقال : أَحْبَبْتُهُ، فهو مَحْبُوبٌ، وَمُحَبٌّ قليلٌ ؛ كقول القائل :\[ الكامل \]
٨٧٧ - وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ \*\*\* مِنِّي بمَنزِلَةِ المُحَبِّ الْمُكْرَمِ[(١٠)](#foonote-١٠)
والحُبُّ في الأصل : مصدرُ " حَبَّهُ " وكان قياسه فتح الحاء، ومضارعُهُ يَحُبُّ بالضم، وهو قياس فعل المضعَّف، وشَذَّ كسره، و " مَحْبُوب " أكثر مِنْ " مُحَبٍّ "، و " مُحَبٌّ " أكثر من " حَابٍّ " وقد جمع الحُبُّ ؛ لاختلاف أنواعه ؛ قال :\[ الطويل \]
٨٧٨ - ثَلاًثَةُ أَحْبَابٍ فَحُبٌّ عَلاَقَةٌ \*\*\* وَحُبٌّ تِمِلاَّقٌ وَحُبٌّ هُوَ الْقَتْلُ[(١١)](#foonote-١١)
والحُبُّ مصدرٌ مضافٌ لمنصُوبِهِ، والفاعلُ محذوفٌ، تقديرُه، كحُبِّهِمْ الله أو كَحُبِّ المؤمنين اللَّهَ ؛ بمعنى : أنَّهم سَوَّوا بين الحُبَّيْن : حبِّ الأنداد، وحُبِّ الله. 
وقال ابن عطيَّة :" حُبّ " : مصدرٌ مضافٌ للمفعول في اللَّفْظ، وهو في التقدير مضافٌ للفاعل المُضمرِ، يريدُ به : أنَّ ذلك تقديرُه : كَحُبِّكُمُ اللَّهَ أو كَحُبِّهِمُ اللَّهَ، حَسبما قدَّرَ كُلَّ وَجهٍ منهما فرقَةٌ انتهى. 
وقوله :" للفاعل المُضْمر " يريدُ به أنَّ ذلك الفاعل منْ جنس الضمائرِ، وهو " كمْ " أو " هُمْ " أو يُسَمَّى الحذف إضماراً وهو اصطلاحٌ شائعٌ ولا يريد أنَّ الفاعل مُضْمر في المصدرِ كما يُضْمَرُ في الأفعال ؛ لأنَّ هذا قولٌ ضعيفٌ لبعضهم ؛ مردُودٌ بأن المصدر اسم جنسٍ واسمُ الجنس لا يُضمرُ فيه لجمودِهِ. 
وقال الزمخشريُّ :" كَحُبِّ اللَّهِ " كتعظيم الله، والخُضُوع، أي : كما يُحَبُّ اللَّهُ ؛ عليه أنه مصدرٌ مبنيٌّ من المفعول، وإنما استُغنِيَ عن ذكرِ من يُحِبُّهُ ؛ لأنه غير مُلتبسٍ انتهى. 
أما جعلُهُ المصْدر من المبنيِّ للمفعول، فهو أحد ألأقوَالِ الثلاثة ؛ أعني : الجوازَ مُطْلَقاً. 
والثاني : المَنْعُ مُطْلَقاً : وهو الصحيحُ. 
والثالث :\[ التفصيلُ بين الأفعال التي لم تُستَعْمل إلاَّ مَبْنِيَّةً للمفعول، فيجوز ؛ نحو : عَجِبْتُ مِنْ جُنُونِ[(١٢)](#foonote-١٢) \] زيد بالعلم، ومنه الآية الكريمةُ ؛ فإنَّ الغالب من " حُبّ " أنْ يبنَى للمفعول وبيْنَ غيرها، فلا يجوزُ، واستدلَّ مَنْ أجازهُ مطْلقاً بقَول عائشة - رضي الله تعالى عنها - نَهَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل وَعَظَّم - عن قَتْل الأبتر، وَذُوا الطُّفيتين[(١٣)](#foonote-١٣) برفع " ذُو " ؛ عَطْفاً على محل " الأبتر " ؛ لأنَّه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعله تقديراً، أي أنْ يُقْتَلَ الأَبتَرُ، ولتَقرير هذه الأقْوال موضعٌ غير هذا. 
وقد رد الزَّجَّاجُ تقدير مَنْ قدَّر فاعل المصدر " المُؤْمنِينَ " أو ضميرهم. 
وقال " لَيْسَ بشَيْءٍ " والدليلُ على نقضه قوله بَعْدُ : وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ  ورجَّح أن يكون فاعل المصدر ضمير المتَّخذين، أي : يحبُّون الأصنام، كما يُحبُّون الله ؛ لأنَّهم اشركوها مع الله، فَسَوَّوْا بين الله تعالى، وبين أوثانهم في المَحَبَّة، وهذا الذي قاله الزَّجَّاجُ واضحٌ ؛ لأن التسوية بين محبَّة الكفَّار لأَوثانهم، وبين محبَّة المؤمنين لله يُنَافِي قوله  وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ  فإنَّ فيه نَفْيَ المُسَاواة. وقرأ أبو رجاء[(١٤)](#foonote-١٤) :" يَحُبُّونَهُمْ " بفتح الياء من " حَبَّ " ثلاثيّاً، و " أَحَبَّ " أكثر، وفي المَثَل :" مَنْ حَبَّ طَبَّ ". 
### فصل في المراد من قوله كحب الله


**في قوله : كَحُبِّ الله قولان :**
الأول : كَحُبِّهِم للَّهِ. 
والثاني : كَحُبِّ المؤمنين للَّهِ، وقد تقدَّم ردُّ هذا القَوْلِ. 
فإِن قيل : العاقل يستحيل أنْ يكون حبُّه للأوثان كحُبِّه لله ؛ وذلك لأنه بضَرُورة العَقْل يَعْلَمُ أنَّ هذه الأوثانَ ينارٌ لا تسمع، ولا تعقلُ، وكانوا مُقرِّين بأنَّ لهذا العالَم صانعاً مدَبِّراً حَليماً ؛ كما قال تعالى :
 وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  \[ لقمان : ٢٥ \] فمع هذا الاعتقادِ، كيف يُعْقَلُ أنْ يكُونَ حبِّهُمْ لتلك الأوثان كحُبِّهم لله تعالى، وقال تعالى ؛ حكايةً عنهم أنَّهُم قالوا  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى  فكيف يعقل الاستواءُ في الحُبِّ ؟
والجواب : كحُبِّ الله تعالى في الطَّاعة لها، والتَّعْظِيمِ، فالاستواءُ في هذه المحبَّة لا ينافي ما ذكرتُموه. 
قوله تعالى :" أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ " : المُفضَّلُ عليه محذوفٌ وهم المُتَّخِذُون \[ الأندادَ، أي : أشدُّ حُبّاً لله من المُتَّخِذِين[(١٥)](#foonote-١٥) \] الأنْدادَ لأوثانهم ؛ وقال أبو البقاء[(١٦)](#foonote-١٦) : ما يتعلَّق به " أَشَدُّ " محذوفٌ، تقديره : أشَدُّ حُبّاً للَّهِ مِنْ حُبِّ هؤلاء للأنداد، والمعنى : أنَّ المؤمنين يُحبُّون الله تعالى أكثر من محبَّة هؤلاء \[ أوثَانَهُمْ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن المؤمنين يُحبُّون الله تعالى أكثر ممَّا يحبُّه هؤلاء \][(١٧)](#foonote-١٧) المتَّخذون الأنداد ؛ لأنهم لم يُشْرِكُوا معه غيره، وأتى ب " أشَدُّ " موصِّلاً بها إلى أفعل التَّفضيل من مَادَّة " الحُبِّ " ؛ لأنَّ " حُبَّ " مبنيٌّ للمفعول، والمبنيُّ للمفعول لا يُتعجَّب منه، ولا يبنى منه " أَفْعَل " للتَّفضيلِ ؛ فلذلك أتى بما يجوز فيه ذلك. 
\[ فأمَّا قوله :" مَا أَحَبَّهُ إِلَيَّ " فشاذٌّ على خلافٍ في ذلك، و " حُبّاً " تمييزٌ منقولٌ من المبتدأ، تقديره : حُبُّهُمْ لِلَّهِ أشدٌّ \][(١٨)](#foonote-١٨). 
### فصل في معنى قوله أشد حبّاً لله


معنى " أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ "، أي : أثبتُ وأدْوَمُ على حُبِّهِ ؛ لأنَّهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتَّخذوا صَنَماً، ثم رأوا أحسن منه، طرحوا الأوَّل، واختاروا الثَّاني[(١٩)](#foonote-١٩) قاله ابن عبَّاس - رضي الله عنهما-. 
وقال قتادة : إن الكافِرَ يُعْرِضُ عن معبودِهِ في وقت البَلاء، ويُقبل على الله تعالى \[ كما أخبر الله تعالى عنهم، فقال :
 فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ  \[ العنبكوت : ٦٥ \] والمؤمن لا يُعْرِضُ عن الله \][(٢٠)](#foonote-٢٠) في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، والشِّدَّة والرَّخاء ؛ وقال سعيد بن جُبير[(٢١)](#foonote-٢١) : إِنَّ الله - عزَّ وجلّ - يأمُر يَوْم القيامةِ من أحرق نفسه في الدُّنيا على رُؤية الأصنام : أنْ يَدْخُلُوا جهنَّمَ مع أصنامِهِم، فلا يَدْخُلُون ؛ لعلمهم أن عذا١ - سقط في ب..
٢ - سقط في ب..
٣ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٨٤..
٤ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٨٤..
٥ -ينظر تفسير الرازي: ٤/١٨٤..
٦ - سقط في ب..
٧ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/١٣٧..
٨ - ينظر المصدر السابق..
٩ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٨٤..
١٠ - البيت لعنترة. ينظر ديوانه: ص ١٩١، وأدب الكاتب: ص ٦١٣، والأشباه والنظائر: ٢/ ٤٠٥، والاشتقاق: ص ٣٨، والأغاني: ١/٢١٢، وجمهرة اللغة: ص ٥٩١، وخزانة الأدب: ٣/ = ٢٢٧، ٩/١٣٦، والخصائص: ٢/ ٢١٦، والدرر: ٢/٢٥٤، وشرح شذور الذهب: ص ٤٨٦، وشرح شواهد المغني: ١/٤٨٠، ولسان العرب (جبب)، والمقاصد النحوية: ٢/ ٤١٤، وأوضح المسالك: ٢/٧٠، وشرح الأشموني: ١/١٦٤، وشرح ابن عقيل: ص ٢٢٥، والمقرب: ١/١١٧، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٢، والدر المصون: ١/٤٢٦..
١١ - ينظر شرح المفصل: ٦/ ٤٧، ٤٨، ٩/١٥٧، ولسان العرب (ملق)، ومجالس ثعلب: ١/٢٩، والدر المصون: ١/ ٤٢٧..
١٢ - سقط في ب..
١٣ - أخرجه النسائي (٥/ ١٨٩) كتاب الحج باب قتل الوزغ (٢٨٣١) وأحمد (٢/ ١٤٦) عن عائشة مرفوعا..
١٤ - ينظر الدر المصون: ١/٤٢٧، البحر المحيط: ١/٦٤٤..
١٥ - سقط في ب..
١٦ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٣..
١٧ - سقط في ب..
١٨ - سقط في ب..
١٩ - ينظر تفسير البغوي: ١/١٣٦..
٢٠ - سقط في ب..
٢١ - ينظر تفسير البغوي: ١/١٣٦..

### الآية 2:166

> ﻿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [2:166]

اعْلَم أنَّه لما بَيَّن حال مِنْ يَتَّخذُ مِنْ دُون الله أنْداداً بقوله : وَلَوْ يَرَى الَّذينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ على طَرِيقِ التهْدِيد زادَ في هَذَا الوَعِيد بهذه الآية الكريمة، وبَيَّنَ أنَّ الذين أفْنَوْا عُمْرهم في عِبَادَتِهِمْ، واعتقَدُوا أنَّهم سَبَبُ نجاتِهِمْ، فإنَّهم يتبَّرءُون منْهُمْ ؛ ونظيره قوله تعالى : يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ  \[ العنكبوت : ٢٥ \] وقولُهُ - عزَّ وجلَّ سبحانَهُ- : الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ  \[ الزخرف : ٦٧ \] وقوله تعالى : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا  \[ الأعراف : ٣٨ \] وقول إبليس لعنه الله
 إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ  \[ إبراهيم : ٢٢ \]. 
وهل هذا التبرُّؤ يقع منهم بالقَوْل، أو بظُهُور النَّدَم على ما فرَطَ منهم من الكُفْر والإِعْرَاض ؟ قوْلاَن : أظهرها الأوَّل. 
واختلفوا في هؤلاء المَتْبُوعِينَ، فقال قتادَةُ، والرَّبيع وعَطَاءٌ : السَّادة والرُّؤساء مِنْ مشركي الإنس[(١)](#foonote-١) إلاَّ أنَّهم الذين يصحُّ منهم الأَمر ؛ والنَّهْيُ ؛ حتى يمكن أن يتبعوا. 
وقال السُّدِّيُّ : هُمْ شَيَاطينُ الجِنِّ[(٢)](#foonote-٢). 
وقيلَ : شَيَاطين الإنْسِ والجِنِّ[(٣)](#foonote-٣). 
وقيلَ : الأوْثَان الَّتي كانُوا يسمُّونها بالآلهة ؛ ويؤيد الأوَّل قولُهُ تعالى : إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ  \[ الأحزاب : ٦٧ \]. 
قولُهُ تعالى :" إِذْ تَبَرَّأَ " في " إِذْ " ثلاثةُ أوجُهٍ :
أحدُها : أنها بدل مِنْ " إِذْ يَرَوْنَ ". 
الثاني : أنها منصوبةٌ بقوله :" شَدِيدُ العَذَابِ ". 
الثالث - وهو أضْعَفُها - أنها معمولةٌ ل " اذكُرْ " مقدَّراً، و " تَبَرَّأَ " في محلِّ خفْضٍ بإضافةِ الظَّرْف إلَيْه، والتبرُّؤ : الخُلُوص والانفصالُ، ومنه :" بَرِئْتُ مِنَ الدَّيْنِ " وتقدم تحقيقُ ذلك عند قوله :
 إِلَى بَارِئِكُمْ  \[ البقرة : ٥٤ \] والجمهور على تقديم :" اتُّبِعُوا " مبنياً للمفعول على " اتَّبَعُوا " مبنياً للفاعل. 
وقرأ مجاهدٌ[(٤)](#foonote-٤)بالعَكْس، وهما واضحتَانِ، إلاَّ أن قراءة الجُمْهُور واردةٌ في القُرْآنِ أَكْثَرَ. 
قوله تعالى :" وَرَأَوا العَذَابَ " في هذه الجملة وجْهان :
أظْهَرُهما : أنَّها عطْفٌ على ما قبْلَها ؛ فتكُون داخلةٌ في خَبَر الظَّرْف، تقديرُهُ :" إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا "، و " إِذْ رَأَوا ". 
والثاني : أنَّ الواو للحالِ، والجملة بعدها حاليَّةٌ، و " قَدْ " معها مُضْمَرَةٌ، والعاملُ في هذه الحالِ، " تَبَرَّأَ " أي :" تَبَرَّءُوا " في حال رُؤْيتهم العَذَابَ. 
قوله تعالى :" وتَقَطَّعَتْ " يجوزُ أنْ تكُون الواوُ للعَطْف، وأن تكون للحالِ، وإذا كانت للعطف، فهل عطفت " تَقَطَّعَتْ " على " تَبَرَّأَ " ويكون قوله :" وَرَأَوا " حالاً، وهو اختيارُ الزمخشري أو عطفت على " رَأَوْا " ؟ وإذا كانت للحال، فهل هي حالٌ ثانيةٌ ل " الَّذِينَ " أو حالٌ للضَّمير في " رَأَوا " وتكونُ حالاً متداخلةً، إذا جعْلنَا " ورَأوا " حالاً. 
والباءُ في " بهم " فيها أربعةُ أوْجُه :
أحدها : أَنَّها للحالِ، أي : تقطَّعَتْ موصُولةً بهم الأسْبَاب ؛ نحو :" خَرَجَ بِثِيَابِهِ ". 
الثَّانِي : أن تكُونَ للتعديَة، أي : قَطَّعَتْهُم الأَسْبَابُ ؛ كما تقول : تَفَرَّقَتْ بهم الطُّرُقُ، أي : فَرَّقَتْهُمْ. 
الثالث : أن تكون للسببيّة، أي : تقطَّعت \[ بسبَب كُفْرهمُ الأَسْبَابُ الَّتي كانُوا يرْجُون بها النَّجَاةَ \][(٥)](#foonote-٥). 
الرابع : أن تكون بمعنى " عَنْ " \[ أي : تقطَّعت عنْهُم، كقوله
 فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً  \[ الفرقان : ٥٩ \]، أي : عنهُ \][(٦)](#foonote-٦) وكقول علْقَمَةَ في ذلك :\[ الطويل \]

٨٨٢ - فَإِنَّ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فإِنَّنِي  بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسِاءِ طَبيبُ[(٧)](#foonote-٧)أي : عن النِّسَاء. 
### فصلٌ في المراد ب " الأسباب " 


والأَسْبَابُ : الوَصْلاَتُ التي كانت بينهم، قاله مجاهدٌ، وقتادةُ، والرَّبيعُ[(٨)](#foonote-٨). 
وقال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عَنْهما - وابن جُرَيْجٍ : الأَرْحَام الَّتِي يتعاطَفُونَ بها ؛ كقوله تعالى : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ [(٩)](#foonote-٩) \[ المؤمنون : ١٠١ \]. 
وقال ابنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ : الأعمالُ الَّتي كانوا يلزَمُونَها[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال ابنُ عَبَّاسٍ : العُهُودُ والحَلِفُ الَّتي كانَتْ بَيْنَهم، يتوادُّون عَلَيْهَا[(١١)](#foonote-١١). 
وقال الضَّحَّاكُ، والرَّبيع بنُ أَنَسٍ : المنازلُ التي كانَتْ لهم في الدُّنيا[(١٢)](#foonote-١٢). 
وقال السُّدِّيُّ : الأعْمَالُ الَّتي كانوا يلزمونها[(١٣)](#foonote-١٣) في الدنيا ؛ كقوله تبارك وتعالى : وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً  \[ الفرقان : ٢٣ \]. 
وقيل : أسبابُ النجاةِ تقطَعَّت عنهم. 
قال ابنُ الخَطِيبِ[(١٤)](#foonote-١٤) - رضي الله عنه - والأظْهَرُ دخولُ الكُلِّ فيه ولأن ذلك كالنَّفي، فيعمّ الكلَّ ؛ فكأنَّه قال : وزالَ كلُّ سببٍ يمكنُ أن يتعلَّق به، وأنهم لا ينتفعونُ بالأَسْباب على اختلافِهَا من منزلةٍ، وسببٍ ونسَبٍ، وعَهْدٍ، وعَقْدٍ وذلك نهاية اليأس. 
وهذه الأسبابُ مجازٌ فإِنَّ السَّبب في الأصْل : الحَبْل ؛ قالوا : ولا يُدْعى الحَبْلُ سبباً ؛ حتى يُنْزَلَ فيه ويُصْعَدَ به، ومنْه قوله تبارك وتعالى : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ  \[ الحج : ١٥ \] ثم أطلق على كلِّ ما يُتَوَصَّلُ به إلى شَيْءٍ، عَيْناً كان أو معنى، وقيل للطَّريق : سَبَبٌ ؛ لأنَّك بسُلُوكِهِ تَصِلُ إلى المَوْضع الذي تريدُهُ ؛ قال تعالى : فَأَتْبَعَ سَبَباً  \[ الكهف : ٨٥ \] أي : طريقاً، وأسبابُ السَّموات : أَبوابُها ؛ قال تعالى مُخْبِراً عن فِرْعُونَ : لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ 
\[ غافر : ٣٦ - ٣٧ \] وقد تُطْلَقُ الأسبابُ على الحوادِثِ ؛ قال زُهَيْرٌ :\[ الطويل \]٨٨٣ - وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ  وَلَوْ نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ[(١٥)](#foonote-١٥)وقد يُطْلَق السَّبَب على العِلْمِ ؛ قال سُبحَانهُ وتعالى : مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً  \[ الكهف : ٨٤ \]، أي ؛ عِلماً، وقد وجد هنا نَوعٌ منْ أنواع البَدِيع، وهو التَّرْصِيع، وهو عبارةٌ عن تسجيع الكلامِ، وهو هنا في موضعين. 
أحدهما : اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ  ؛ ولذلك حذف عائد المَوْصُول الأوَّل، فلم يَقُلْ  مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُم  ؛ لفواتِ ذلك. 
والثَّاني : وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ، وكقوله  وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ  \[ البقرة : ٢٧٦ \]. 
١ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٩٠..
٢ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٩٠..
٣ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٩٠..
٤ ينظر المحرر الوجيز: ١/ ٢٣٦، والدر المصون: ١/٤٣٠..
٥ - سقط في ب..
٦ - سقط في ب..
٧ - ينظر ديوانه: ص ٣٥، وأدب الكاتب: ص ٥٠٨، والأزهية: ص ٢٨٤، والجنى: ص ٤١، وحماسة البحتري: ص ١٨١، والدرر: ٤/١٠٥، والمقاصد النحوية: ٣/١٦، ٤/١٠٥، وهمع الهوامع: ٢/٢٢، وجواهر الأدب: ص ٤٩، ورصف المباني: ص ١٤٤..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٢٨٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٨٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٠٤) وزاد نسبته لوكيع وعبد بن حميد..
٩ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٠٤) وعزاه لابن المنذر عن ابن عباس..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٢٩١) عن ابن زيد، وذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٤/١٩٠) عن ابن زيد والسدي..
١١ - الأثر ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١/١٩٠) عن ابن عباس..
١٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٢٩١) عن الربيع، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٠٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس، وذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٤/ ١٩٠)..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٩١) عن السدي والربيع بن أنس، وأورده الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٤/١٩٠)..
١٤ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٩٠..
١٥ - البيت لزهير بن أبي سلمى. ينظر ديوانه: ص ٣٠، والخصائص: ٣/ ٣٢٤، ٣٢٥، وسر صناعة الإعراب: ١/٢٦٧، وشرح شواهد المغني: ١/٣٨٦، ولسان العرب (سيب)، والدر المصون: ١/ ٤٣١..

### الآية 2:167

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [2:167]

قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ ، يعني : الأَتْبَاع : لَوْ أَنْ لنَا كَرَّةً  أي : رجعةً إلى الدُّنيا، والكرَّةُ : العودَة، وفِعْلُها كَرَّ يَكُرُّ كَرّاً ؛ قال القائل في ذلك :\[ الوافر \]
٨٨٤ - أَكُرُّ عَلَى الْكِتيبَةِ لاَ أُبَالِي \*\*\* أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سِوَاهَا[(١٦)](#foonote-١٦)
قوله تعالى :" فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ " منصوبٌ بعد الفاءِ ب " أنْ " مضمرة في جواب التمنِّي الَّذي أُشْرِبَتْهُ " لَوْ " ولذلك أجيبت بجواب " لَيْتَ " الذي في قوله : يا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً  \[ النساء : ٧٣ \] وإذا أُشْرِبَتْ معنى التمنِّي، فهلْ هي الامتناعيَّةُ المفتقرة إلى جوابٍ، أم لا تحتاجُ إلى جوابٍ. 
الصحيحُ : أنها تحتاجُ إلى جوابٍ، وهو مقدّر في الآية الكريمة تقديرُهُ تَبَرَّأْنَا ونحو ذلك، وأَمَّا مَنْ قال بأنَّ " لَو " الَّتي للتمنِّي لا جوابَ لها ؛ فاستدَلَّ بقول الشَّاعر :\[ الوافر \]
٨٨٥ - وَلَوْ نُبِشَ المَقَابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ \*\*\* فَيُخْبَرَ بالذَّنائِبِ أَيُّ زِيرِ[(١٧)](#foonote-١٧)
وهذا لا يدلُّ فإنَّ جوابها في البيتِ بعده، وهو قوله \[ الوافر \]
٨٨٦ - بِيَوْمِ الشَّعْثَمَين، لَقَرَّ عَيْناً \*\*\* وَكَيْفَ لِقَاءُ مَنْ تَحْتَ الْقُبُورِ[(١٨)](#foonote-١٨)
واستدلَّ أيضاً بأنَّ " أَنْ " تُفْتَحُ بعْد " لَوْ " ؛ كما تفتحُ بَعْد لَيْتَ في قوله \[ الرجز \]
٨٨٧ - يَا لَيْتَ أَنَّا ضَمَّنَا سَفِينَهْ \*\*\* حَتَّى يَعُودَ الْبَحْرُ كَيَّنُونَهْ[(١٩)](#foonote-١٩)
وها هنا فائدة ينبغي أنْ يُنْتَبَهَ لها، وهيَ : أَنَّ النُّحاة قالُوا : كلُّ موضعٍ نُصِبَ فيه المضارعُ بإضمار " أنْ " بعد الفَاءِ \[ إذا سقَطَتِ الفاءُ، جزم إلاَّ في النَّفسِ، ينبغي أن يزاد هذا الموضع أيضاً ؛ فيقال : و " إلاَّ " في جواب التَّمَنِّي ب " لَوْ " ؛ فإنَّه ينصب المضارع فيه بإضمار " أَنْ " بعد الفاء الواقعة جواباً له، ومع ذلك، لو سَقَطَتْ هذه الفاءُ \][(٢٠)](#foonote-٢٠) لم يُجزم. 
قال أَبُو حَيَّانَ[(٢١)](#foonote-٢١)والسَّبب في ذلك : أَنَّها محمولةٌ على حَرْف التمنِّي، وهو " لَيْتَ " والجزمُ في جواب " لَيْتَ " إنما هو لتضمنها معنى الشَّرْط، أو لدلاَلَتها على كونه محذوفاً على اختلاف القولَيْن ؛ فصارت " لَوْ " فَرَعَ الفَرْعِ، فضَعُفَ ذلك فيها. 
وقيلَ :" لَوْ " في هذه الآية الكريمة ونظَائِرِها لِما كانَ سيقعُ لِوُقُوع غيره، وليس فيها معنى التمنِّي، والفعلُ منصوب ب " أَنْ " مضمرَة ؛ على تأويل عَطف اسْمٍ على اسمٍ، وهو " كَرَّة " والتقديرُ :" لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً، فنتبرَّأَ " فهو مِنْ باب قوله :\[ الوافر \]
٨٨٨ - لَلُبْسُ عَباءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي \*\*\*. . . [(٢٢)](#foonote-٢٢)
ويكون جواب " لَوْ " محذوفاً أيضاً ؛ كما تقدَّم. 
وقال أبو البقاء[(٢٣)](#foonote-٢٣) رحمه الله تعالى :" فَنَتَبَرَّأَ " منصوبٌ بإضمارِ " أَنْ "، تقديره : لَوْ أَنَّ لَنَا أنْ نَرْجِعَ فَنَتَبَرَّأَ  فحلَّ " كرَّة " إلى قوله :" أَنْ نَرْجِعَ " ؛ لأنَّه بمعناه، وهو قريبٌ، إلاَّ أنَّ النحاة يأوّلون الفعل المنصوب بمصدرٍ ؛ ليعطفُوه على الاسم قَبْله، ويتركُون الاسم على حالِهِ ؛ وذلك لأنه قد يكُون اسْماً صَرِيحاً غير مَصْدر ؛ نحو " لَوْلاَ زَيْدٌ وَيَخْرُج، لأَكْرَمْتُكَ " فلا يتأتَّى تأويله بحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ. 
قولُهُ تعالى :" كَمَا " الكافُ في موضعها نصبٌ : إِمَّا على كونها نعت مصدرٍ محذوف، أي :" تَبَرُّؤاً " وإِمَّا على الحال مِنْ ضمير المصدر المعرَّف المحذوف أي " نتبرّأهُ، أي : التَّبَرُّؤَ، مُشَابِهاً لِتَبَرُّئِهِمْ " ؛ كما تقرَّر غير مرَّة. 
وقال ابن عطيَّة : الكاف في قوله :" كَمَا " في موضع نصب على النَّعت : إمّا لِمَصدرٍ : أو لحال، تقديره : مُتَبَرِّئِينَ، كما قال أبو حَيَّان. أمَّا قوله " لِحَالٍ " تقديرُهُ :" مُتَبَرِّئِينَ كما " فغيرُ واضحٍ، لأنَّ " ما " مصدرية، فصارتِ الكافُ الداخلة عليها مِن صفات الأَفعال و " مُتَبرِّئين " : من صفات الأَعْيَان، فكيف يُوصف بصفات الأَفعال. 
قال : وأَيضاً لا حاجة لتقدير هذه الحال، لأنَّها إذ ذاك تكون حالاً مؤكِّدة، وهي خلافُ الأَصل، وأيضاً : فالمؤكَّد ينافِيهِ الحَذفُ ؛ لأنَّ التوكيد يُقَوِّيه، فالحَذْفُ يناقضه.

### فصل في معنى التبرؤ


قال ابن الخطيب[(٢٤)](#foonote-٢٤) - رحمه الله - قولهم : لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا  ذلك تمنٍّ منهم للرجعة إلى الدُّنْيا، وإلى حال التَّكليف، ويكون الاختيارُ لهم ؛ حَتَّى يتبرءوا منهم في الدُّنيا، كما تبرءوا يَوْمَ القيامة منهم ومفهوم الكلام : أَنَّهُمْ تمنَّوا لهم في الدُّنيا ما يُقَاربُ العذابَ، فيتبرّءُونَ منهم، ولا يخلصونهم، كما فعلوا بهم يومَ القيامة، وتقديرُه : فلو أنَّ لنا كَرَّةً فنتبرَّأَ منهم، وقد دَهَمَهُمْ مثلُ هذا الخَطْب، كما تبرءوا منَّا، والحالُ هذه ؛ لأنَّهم إِنْ تَمَنَّوا التبرُّؤ منهم، مع سلامةٍ، فأيُّ فائدة ؟. 
قال القُرطبي : التبرُّؤُ : الانفصال[(٢٥)](#foonote-٢٥). 
قوله تعالى : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ  في هذه " الكافِ " قولان :
أحدهما : أنَّ موضعها نصبٌ : إِمَّا نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المَصدر المعرَّفِ، أي : يُريهمْ رؤية كذلك، أو يَحْشُرُهُمْ حَشْراً كَذَلِكَ، أوْ يَجزِيهم جَزَاءً كذلك، أو يُريهم الإراءة مشبهةً كذلك ونحو هذا. 
الثاني : أن يكون في موضع رفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : الأمر كذلك، أو حَشْرُهُمْ كذلك، قاله أبو البقاء[(٢٦)](#foonote-٢٦). 
قال أبو حيَّان[(٢٧)](#foonote-٢٧) : وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّه يقتضي زيادة الكاف، وحذف مبتدأ، وكلاهما على خلاف الأَصل والإشارة بذلك إلى رأيهم تلك الأهوال والتقديرُ : مثل إراءتهم الأهوال، يريهمُ اللَّهُ أعمالَهُمْ حسَرَاتٍ. 
وقيل : الإشارةُ إلى تبرُّؤ بعضهم من بعض والتقديرُ : كَتَبَرُّؤ بعضهم من بعض، يريهمُ اللَّهُ أعمالهُم حسَراتٍ عليهم ؛ وذلك لانقطاع الرَّجَاء منْ كُلِّ أحدٍ. 
**والرؤيةُ تحتملُ وجهَين :**
أحدهما : أن تكون بَصَريَّة، فتتعدّى لاثنين بنقل الهمزة أولهُما الضميرُ، والثاني " أَعْمَالَهُمْ " و " حَسَرَاتٍ " على هذا حالٌ مِنْ " أَعْمَالَهُمْ ". 
والثاني : أَنْ تكونُ قلبيَّةً ؛ فتتعدَّى لثلاثةٍ ؛ ثالثُها " حَسَرَاتٍ " و " عَلَيْهِمْ " يجوزُ فيه وجْهَان :
أن يتعلَّق ب " حَسَرَاتٍ " ؛ لأنَّ " يحْسَرُ " يُعدَّى ب " عَلَى " ويكونُ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ. أي : على تَفْرِيطهِمْ. 
والثاني : أنْ يتعلَّق بمحذوف ؛ لأنَّها صفةٌ ل " حَسَرَاتٍ "، فهي في محلّ نصْبٍ ؛ لكونها صفةً لمنصوبٍ. 
### فصل في المراد ب " الأعمال " في الآية


اختلفوا في المراد بالأََعمالِ. 
فقال السُّدِّيُّ : الطاعاتُ، لِمَ ضَيَّعُوها ؟ وقال الربيعُ وابنُ زَيْدٍ، المعاصي والأَعْمَال الخبيثَةُ يتحسَّرون لِمَ عَمِلُوها[(٢٨)](#foonote-٢٨) ؟
وقال الأَصَمُّ : ثوابُ طاعاتهم الَّتي أتَوْا بها، فأحْبَطُوها بالكُفْرِ، قال السُّدِّيُّ : تُرفع لهم الجَنَّة، فينظرُون إليها وإلى بيوتهم فيها، لو أطاعُوا الله، فيقال لهم : تِلْكَ مساكنُكمْ، لو أطعتُمُ الله تعالى، ثمَّ تقسَّم بين المؤمِنين، فذلك حين يتحسَّرُون. 
وقيل : أعمالُهُمْ الَّتي تقرَّبوا بها إلى رؤسائهم والانقياد لأَمرهم، قال ابن كَيْسَان : إِنَّهُمْ أشركُوا بالله الأوثان، رجاءَ أن تقرِّبهم إلى الله تعالى، فلما عُذِّبوا على ما كانوا يَرْجُون ثوابه، تحسَّروا ونَدِمُوا. 
قال ابن الخطيب[(٢٩)](#foonote-٢٩) : والظاهرُ أنَّ الأعمال الَّتي اتَّبَعُوا فيها السَّادَة، وهو كُفْرُهُم. ومعاصِيهِمْ، وإنما تكون حَسْرةً بأن رأوها في صحيفَتهِمْ، وأيقنوا بالجزاءِ عليها، وكان يمكنُهُمْ تركُها، والعدولُ إلى الطَّاعات، وفي هذا الوجه الإضافة وفي الثاني : مجازٌ بمعنى لزومِهِم، فَلَمْ يَقُومُوا بها. و " الحَسْرَة " واحدةُ الحَسَرَاتِ ؛ كَتَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ، وَجَفْنَةٍ وَجَفَنَاتٍ وشَهْوَةٍ وشَهَوَاتٍ. 
هذا إذا كان اسماً. \[ فإنْْ \] نَعتَّهُ سكَّنت ؛ كقوله ضَخْمَة وضَخْمَات وعَبْلَة وعَبْلاَت نقله القرطبي[(٣٠)](#foonote-٣٠) رحمه الله تعالى قال الزَّجَّاج : هي شِدَّة الندامة، وهو تألُّم القَلب بانحسارِهِ عمّا تؤلمه واشتقاقها إِمَّا من قولهم : بعير حَسيرٌ أي منقطعُ القوَّة والحُسُور الإِعياء، وقال تبارك وتعالى : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  \[ الأنبياء : ١٩ \] أو من الحسر وهو الكشف يقال : حسر عن ذراعيه، والحسرة : انشكافٌ عن حالة النَّدَامة ؛ \[ والمحسرة \][(٣١)](#foonote-٣١) المنكسة ؛ لأنها تكشف عن الأرض ؛ والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش. 
قوله تعالى : وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ . 
احتجَّ به على أن أصحاب الكبائِرِ منْ أهْل القبلة يخرجُون من النَّار، فقالوا :
لأنَّ قوله :" وَمَا هُمْ " تخصيصٌ لهم بعَدَم الخروج على سبيل الحَصر ؛ فوجب أن يكُون عدَمُ الخروج مخصُوصاً بهم، وهذه الآية الكريمة تكشف عن المراد بقوله : وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ  \[ الانفطار : ١٤ - ١٦ \] فبيَّن أنَّ المراد بالفُجَّار ها هنا الكفَّار ؛ لدلالة هذه الآية الكريمة عليه والله أعلم.

### الآية 2:168

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:168]

لَمَا بيَّن التوحيد ودلائلهُ وما للموحِّدين مِنَ الثواب وأتبعه بذكر الشِّرك، أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وأنَّ معصية مَنْ عَصَاه، وكُفْر من كَفَر به، لم تُؤَثِّر في قطع نعمه وإحسَانه إِلَيهمْ. 
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما : هذه الآية نزلت في قومٍ من ثقيف، وبني عامر بن صَعْصعَة، وخُزَاعة، وبني مُدْلجٍ، حَرَّموا على أنفسُهم مِنَ الحَرثِ، والبحائِرِ، والسَّوائِب، والوَصَائِلَ والحَامِ[(١)](#foonote-١). 
قوله تعالى "  مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً  حَلالاً فيه خَمْسَة أوجُهٍ :
أحدها : أن يكون مفعولاً ب " كُلُوا " و " مِنْ " على هذا فيها وجهان :
أحدهما : أنْ تتعلَّق ب " كُلُوا " ويكون معناها ابتداء الغاية. 
الثاني : أنْ تتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من " حلالاً " \[ وكانت في الأصلِ صفةً له، فَلَمَّا قُدَّمَتْ عليه، انتصَبَتْ حالاً \][(٢)](#foonote-٢)ويكون معنى " مِن " التَّبْعِيضَ. 
الثاني : أنْ يكون انتصابُ " حَلاَلاً " على أنَّه نعتٌ لمفعولٍ محذوف، تقديرُهُ : شيئاً أو رِزْقاً حَلاَلاً، ذكَرَه مَكِّيٌّ[(٣)](#foonote-٣) واستعبده ابن عطيَّة ولم يبيِّن وجه بُعْده، والذي يظهرُ في بُعْده أَنَّ " حَلاَلاً " ليس صفةً خاصَّة بالمأْكُول بل يُوصَف به المأكُول وغيره وإذا لم تكُن الصفة خاصَّة، لا يجوز حذف الموصول. 
الثالث : أن ينتصب " حلالاً " على أنَّه حالٌ من " مَا " بمعنى :" الَّذي "، أي : كُلُوا من الَّذي في الأرض حال كونه حلالاً. 
الرابع : أن ينتصب على أنه نعت لمصدر محذوف، \[ أي : أكلاً حلالاً، ويكون مفعول " كُلُوا " محذوفاً، و " ما في الأرض " صفةً لذلك المفعول المحذوف \][(٤)](#foonote-٤)، ذكره أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) وفيه من الرَّدِّ ما تقدِّم على مَكِّيٍّ، ويجوز على هذا الوجه الرابع ألا يكون المفعول محذوفاً، بل تكون " مِنْ " مزيدةً على مذهب الأخفش، تقديره، " كُلُوا مَا في الأَرْضِ أكْلاً حَلاَلاً ". 
الخامس : أن يكون حالاً من الضَّمير العائد على " ما " قاله ابن عطيَّة، يعني ب " الضَّمير " الضَّمير المستكنَّ في الجارِّ والمجرور، الواقع صلة. 
**و " طَيِّباً " فيه ثلاثة أوجه :**
أحدها : أن تكون صفة ل " حَلاَلا " أمَّا على القول بأنَّ " مِنْ " للابتداء، متعلِّقةٌ ب " كُلُوا " فهو واضحٌ ؛ وأمَّا على القول بأن " مِمَّا في الأَرْضِ " حال من " حَلاَلاً "، فقال أبُو البَقَاءِ[(٦)](#foonote-٦) - رحمه الله تعالى- : ولكن موضعها بعد الجارِّ والمجرور، لئلاَّ يفصل الصِّفة بين الحال وذي الحال. وهذا القول ضعيفٌ، فإنَّ الفصل بالصفة بين الحال وصاحبها ليس بممنوعٍ ؛ تقول " جَاءَنِي زَيْدٌ الطَّويلُ \[ راكِباً "، بل لو قدَّمت الحال على الصِّفة، فقلت :" جاءَنِي زَيْدٌ راكباً الطَّوِيلُ " \][(٧)](#foonote-٧) - كان في جوازه نظر. 
الثاني : أن يكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المصدر المعرفة المحذوف : أي أكلاً طَيِّباً. 
الثالث : أن يكون حالاً من الضَّمير في " كُلُوا " تقديره : مستطيبين - قال ابن عطيَّة. 
قال أبُو حَيَّان[(٨)](#foonote-٨) : وهذا فاسدٌ في اللَّفظ أمَّا اللَّفظ ؛ فلأنَّ " الطَّيِّبَ " اسم فاعل فكان ينبغي أن تُجمع ؛ لتطابق صاحبها ؛ فيقال : طيِّبين، وليس " طَيِّب " مصدراً ؛ فيقال : إنَّما لم يجمع لذلك، وأمَّا المعنى ؛ فلأنَّ " طَيِّباً " مغايرٌ لمعنى مستطيبين، لأنَّ " الطَّيِّب " من صفات المأكول، و " المستطيب " من صفات الآكلين، تقول :" طَابَ لِزَيْدٍ الطَّعَامُ " ولا تقول :" طَابَ زَيْدٌ الطَّعَامَ " بمعنى استطابه. 
و " الحَلاَلُ " : المأذون فيه ضدُّ الحرام الممنوع منه، حلَّ يحلُّ، بكسر العين في المضارع، وهو القياس، لأنه مضاعفٌ غير متعدٍّ، يقال : حَلاَلٌ، وحِلٌّ ؛ كَحَرَامٍ وحِرْمٍ وهو في الأصل مصدرٌ، ويقال :" حِلٌّ بِلٌّ " على سبيل الإتباع ؛ ك " حَسَنٌ بَسَنٌ "، وحَلٌ بمكان كذا يَحُلُّ - بضم العين وكسرها - وقُرئ : فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي  \[ طه : ٨١ \] بالوجهين، وأصله من " الحَلِّ " الذي هو : نقيض العقد، ومنه : حلَّ بالمكان، إذا نزل به ؛ لأنَّه حلَّ شدَّ الرحال للنُّزول، وحَلَّ الدَّين إذا نزل به، لانحلال العقدة بانقضاء المُدَّة، وحَلَّ من إحرامه، لأنه حَلَّ عقد الإحرام، وحلَّت عليه العقوبة، أي : وجبت لانحلال العقدة \[ المانعة من العذاب \][(٩)](#foonote-٩) ومن هذا :" تَحِلَّةُ اليمين " : لأن عقدة اليمين تنحلُّ به. 
والطَّيِّبُ \[ في اللغة : يكون بمعنى الطَّاهر، والحلال يوصف بأنَّه طيِّبٌ ؛ قال تعالى : قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ \[ المائدة : ١٠٠ \] والطَّيِّب في \][(١٠)](#foonote-١٠) الأصل : هو ما يستلذُّ به ويستطاب، ووصف به الطَّاهر، والحلال ؛ على جهة التشبيه ؛ لأنَّ النَّجس تكرهه النَّفس ؛ فلا تستلذُّه، والحرام غير مستلذٍّ، لأنَّ الشرع يزجر عنه. 
**وفي المراد بالطَّيِّب في الآية وجهان :**
الأول : أنه المستلذُّ ؛ لأنا لو حملناه على الحلال، لزم التكرار ؛ فعلى هذا يكون إنما يكون طيِّباً، إذا كان من جنس ما يشتهى ؛ لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه، عاد حراماً، وإن كان يبعد وقوع ذلك من العاقل إلاّ عند شبهة. 
والثاني : أن يكون المراد ما يكون جنسه حلالاً، وقوله :" طَيِّباً " المراد منه : ألاَّ يكون متعلِّقاً به حقُّ الغير ؛ فإنَّ أكل الحرام، وإن استطابه الآكل، فمن حيث يؤدِّي إلى العقاب : يصير مضرَّةً، ولا يكون مستطاباً ؛ كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً \[ النساء : ١٠ \]. 
قوله : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  : قرأ[(١١)](#foonote-١١) ابنُ عامِرٍ، والكسَائيُّ، وقُنْبُلٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ :" خُطُوَاتِ " بضم الخاء، والطاء، وباقي السَّبْعة بسكون الطاء. 
أمّا من ضمَّ العين ؛ فلأنَّ الواحدة " خُطْوَة " فإذا جمعت، حرِّكت العين ؛ للجمع، كما فعلت في الأسماء التي على هذا الوزن ؛ نحو : غُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ، وتحريك العين على هذا الجمع ؛ للفصل بين الاسم والصِّفة ؛ لأن كلَّ ما كان اسماً، جمعته بتحريك العين ؛ نحو :" تَمْرَة وتَمَرَات، وغَرْفَةٍ وغَرَفَاتٍ، وشَهْوَةٍ وشَهَوَاتٍ " وما كان نعتاً، جمع بسكون العين ؛ نحو :" ضَخْمَةٍ وَضَخْمَاتٍ، وعَبْلَةٍ وعَبْلاَتٍ "، والخُطْوَة : من الأسماء، لا من الصفات، فتجمع بتحريك العين. 
وقرأ أبو السَّمَّال[(١٢)](#foonote-١٢) " خُطَوَات " بفتحها، ونقل ابن عطيَّة، وغيره عنه : أنه قرأ :" خَطَوَات "، بفتح الخاء، والطاء، وقرأ عليٌّ[(١٣)](#foonote-١٣) وقتادة، والأعمش بضمِّها، والهمز. 
فأما قراءة[(١٤)](#foonote-١٤) الجمهور، والأولى من قراءتي أبي السَّمَّال، فلأن " فُعْلَة " الساكنة العين، السَّالِمَتَهَا، إذا كان اسماً، جاز في جمعها بالألف والتاء ثلاثة أوجهٍ، وهي لغاتٌ مسموعةً عن العرب : السُّكون، وهو الأصل، والإتباع، والفتح في العين، تخفيفاً. 
وأما قراءة أبي السَّمَّال التي نقلها ابنُ عطيَّة، فهي جمع " خَطْوَة " بفتح الخاء، والفرق بين الخطوة بالضَّمَّ، والفتح : أنَّ المفتوح : مصدر دالًّ على المرَّة، من : خَطَا يَخْطُوا، إذا مشى، والمضموم : اسمٌ لما بين القدمين ؛ كأنَّه اسم للمسافة ؛ كالغرفة اسم للشيء المغترف. 
وقيل : إنَّهما لغتان بمعنى واحدٍ ذكره أبُو البَقَاءِ[(١٥)](#foonote-١٥). 
وأمَّا قراءةُ عليٍّ، ففيها تأويلان :
أحدهما - وبه قال الأَخْفَشُ - : أنَّ الهمزة أصلٌ، وأنَّه من " الخَطَأ "، و " خُطُؤَات " جمع " خِطْأَة " إن سمع، وإلاَّ فتقديراً، وتفسير مجاهد إياه ب " الخَطَايَا " يؤيِّد هذا، ولكن يحتملُ أن يكون مجاهد فسَّره بالمرادف. 
والثاني : أنه قلب الهمزة عن الواو ؛ لأنَّها جاورت الضمّة قبلها ؛ فكأنها عليها ؛ لأنَّ حركة الحرف بين يديه على الصَّحيح، لا عليه.

### فصل


قال ابن السَّكِّيتِ - فيما رواه عن اللِّحْيَانِيِّ - الخَطْوَة والخُطْوَة بمعنى واحدٍ، وحكى عن الفرَّاء الخُطْوَة ما بين القدمين ؛ كما يقال : حَثَوْتُ حُثْوَةً، والحُثْوَة : اسمٌ لما تَحَثَّيْتَ، وكذلك غَرَفْتُ غُرْفَةً، والغُرْفَة : هو الشيء المُغْتَرَفُ بالكَفِّ، فيكون المعنى : لا تتَّبعوا سبيله، ولا تسلكوا طريقه ؛ لأنَّ الخُطْوَة اسم مكان[(١٦)](#foonote-١٦). 
قال الزَّجَّاج وابن قُتَيْبَة : خُطُوَاتُ الشَّيْطان طُرُقُهُ، وإن جعلت الخطوة مصدراً، فالتقدير : لا تَأَتَمُّوا به، ولا تَتَّبِعُوا أَثَرَهُ، والمعنى : أن الله تعالى، زجر المكلَّف عن تخطِّي الحلال إلى الشُّبه ؛ كما زجره عن تخطِّيه إلى الحرام، وبيَّن العلَّة في هذا التحذير، وهو كونه عدوّاً مبيناً، أي : متظاهراً بالعداوة ؛ وذلك لأنَّ الشيطان التزم أموراً سبعةً في العداوة :
أربعة منها في قوله تعالى : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ  \[ النساء : ١١٩ \]. 
وثلاثة منها في قوله : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ  \[ الأعراف : ١٦ - ١٧ \] فلمَّا التزم هذه الأمور، كان عدواً متظاهراً بالعداوة، وقد أظهر عداوته بإبائه السُّجود لآدم، وغروره إيّاه ؛ حتَّى أخرجه من الجنَّة. 
قوله :" إِنَّهُ لَكُمْ " قال أبُو البَقَاءِ[(١٧)](#foonote-١٧) : إنَّما كسر الهمزة ؛ لأنَّه أراد الإعلام بحاله، وهو أبلغ من الفتح ؛ لأنه إذا فتح الهمزة، صار التقدير : لا تتَّبعوه ؛ لأنَّه عدوٌّ لكم، واتباعه ممنوعٌ، وإن لم يكن عدوّاً لنا، مثله :\[ منهوك الرجز \]
٨٨٩أ - لَبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ لَكْ \*\*\*. . . 
كسر الهمزة أجود ؛ لدلالة الكسر على استحقاقه الحمد في كلِّ حال، وكذلك التلبية. انتهى. 
يعني أن الكسر استئنافٌ محض فهو إخبار بذلك، وهذا الذي قاله في وجه الكسر لا يتعيَّن ؛ لأنَّه يجوز أن يراد التعليل مع كسرة الهمزة ؛ فإنَّهم نصُّوا على أنَّ " إنَّ " المكسورة تفيد العلَّة أيضاً، وقد ذكر ذلك في هذه الآية بعينها ؛ كما تقدم آنفاً، فينبغي أن يقال : قراءة الكسر أولى ؛ لأنَّها محتملة للإخبار المحض بحاله، وللعلِّيَّة ؛ وممَّا يدلُّ على أنَّ المكسورة تفيد العلِّيَّة قوله - عليه السلام - في الرَّوثة " إنَّها رجسٌ " وقوله في الهرَّة :
 " إنَّها لَيْسَتْ بِنَجِسٍ ؛ إنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ [(١٨)](#foonote-١٨) " 
وقوله :" لاَ تُنْكَحُ المَرأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا ؛ إِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلك، قَطَّعْتُمْ أرْحَامَكُمْ [(١٩)](#foonote-١٩) ". 
وأما المفتوحة : فهي نصٌّ في العلِّيَّة، لأنَّ الكلام على تقدير لام العلَّة. 
١ - ذكره البغوي في تفسيره: ١/١٣٨..
٢ - سقط في ب..
٣ -ينظر المشكل: ١/ ٨٠..
٤ - سقط في ب..
٥ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٤..
٦ -ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٥..
٧ - سقط في ب..
٨ -ينظر البحر المحيط: ١/ ٦٥٣..
٩ - في ب: الحال للعذاب..
١٠ - سقط في ب..
١١ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٢٣٧، البحر المحيط: ١/ ٦٥٣، الدر المصون: ١/٤٣٤..
١٢ - ينظر المصادر السابقة..
١٣ - ينظر المصادر السابقة..
١٤ -ينظر المصادر السابقة..
١٥ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٥..
١٦ - ينظر تفسير الرازي: ٥/٤..
١٧ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٥..
١٨ - أخرجه أبو داود (٧٥) كتاب الطهارة باب سؤر الهرة والترمذي (٩٢) كتاب الطهارة باب سؤر الهرة وابن ماجه (٣٦٧) والنسائي (١/٥٥، ١٧٨) وأحمد (٥/٣٠٣و ٣٠٩) والشافعي في "الأم" (١/٨) وابن أبي شيبة (١/٣١) وعبد الرزاق (٣٥٢ و ٣٥٣) والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٦٩) رقم (٢٨٦) والدارمي (١/١٨٨) والدارقطني (١/٦٩-٧٠) وابن حبان (١٢١- زوائد) وابن خزيمة (١٠٢، ١٠٤) والحاكم (١/١٥٩) والبيهقي (١/٢٤٥) والحميدي (٤٣٠) والطحاوي في "شرح المعاني" (١/١٨) وفي "مشكل الآثار" (٣/ ٢٧٠) وابن عبد البر (١/ ٣١٨، ٣٢١، ٣٢٣) عن عائشة مرفوعا.
 وذكره الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (١/٤١) وقال: وصححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني..
١٩ - أخرجه مسلم كتاب النكاح باب ٤ رقم ٣٧، ٣٨ والنسائي (٦/ ٩٨، ٩٨) وابن ماجه (١٩٢٩، ١٩٣١) وأحمد (١/٧٨)، (٢/١٧٨) والبيهقي (٥/٣٤٥) (٦/١٦٦)، (٧/١٦٥-١٦٦)، (٨/٣٠) وابن أبي شيبة (٤/٢٤٦-٢٤٧) وعبد الرزاق (١٠٧٥٨) والطبراني (٧/٢٦)، (١١/٣٠٢)، وابن عساكر (٥/٤٦٠) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٠٧)..

### الآية 2:169

> ﻿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:169]

قوله : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  فهذه كالتَّفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثةٍ :
أولها : السُّوء، وهو : متناول جميع المعاصي، سواءٌ كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح، أو من أفعال القلوب. 
وسُمِّي السُّوء سوءاً ؛ لأنَّه يسوء صاحبه بسوء عواقبه، وهو مصدر :" سَاءَهُ يَسُوءُهُ سُوءاً ومَسَاءَةً " إذا أحزنه، و " سُؤْتُهُ، فَسِيءَ " إذا أحزنته، فحزن ؛ قال تعالى : سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ  \[ الملك : ٢٧ \] ؛ قال الشَّاعر :\[ السريع \]
٨٨٩ ب - وإنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ قَدْ سَاءَنِي\*\*\*فَطَالَمَا قَدْ سَرِّنِي الدَّهْرُ
أَلأَمْرُ عِنْدِي فِيهِمَا وَاحِدٌ\*\*\*لِذَاكَ شُكْرٌ وَلِذَا صَبْرُ[(٢٠)](#foonote-٢٠)
وثانيها : الفحشاء : وهو مصدر من الفحش ؛ كالبأساء من البأس، والفحش : قبح المنظر. 
قال امْرُؤ القَيْسِ :\[ الطويل \]

٨٩٠ - وَجِيدٍ كَجِيدٍ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِش  إذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ بِمُعَطَّلِ[(٢١)](#foonote-٢١)وتوسِّع فيه، حتَّى صار يعبر به عن كلِّ مستقبحٍ معنى كان أو عيناً. 
والفَحْشَاءُ : نوعٌ من السُّوء، كأنَّها أقبح أنواعه، وهي : ما يستعظم، ويستفحش من المعاصي. 
وثالثها : أَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  فكأنَّه أقبح الأشياء ؛ لأنَّ وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فهذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ . 
فدلَّت الآية الكريمة على أنَّ الشيطان يدعو إلى الصَّغائر والكبائر، والكفر، والجهل بالله. 
وروي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّه قال :" الفَحْشَاءُ " من المعاصي : ما فيه حَدٌّ، والسُّوء من الذُّنوب ما لا حَدَّ فيه. 
وقال السُّدِّيُّ : هي الزِّنا[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقيل : هي البخل،  وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  من تحريم الحرث والأنعام. 
وقال مُقَاتِلٌ : كلُّ ما في القرآن من ذكر الفحشاء، فإنَّه الزِّنا، إلاَّ قوله : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ  \[ البقرة : ٣٦٨ \] فإنه منع الزكاة. 
وقوله :" وَأَنْ تَقُولُوا " عطفٌ على قوله :" بالسُّوء "، تقديره :" وبِأَنْ تَقُولُوا " فيحتمل موضعها الجرَّ والنصب ؛ بحسب قول الخليل، وسيبويه[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
قال الطَّبَرِيُّ : يريد ما حرَّموا من البحيرة والسَّائبة ونحوهما، مما جعلوه شرعاً. 
### فصل في بيان أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح. 


دلَّت الآية على أنَّ الشطان لا يأمر إلا بالقبائح ؛ لأنَّ الله تعالى ذكره بكلمة " إنَّمَا " وهي للحصر. 
وقد قال بعضهم : إن الشيطان قد يدعو إلى الخير ؛ لكن لغرض أن يجره منه إلى الشَّرِّ ؛ وذلك على أنواع : إمَّا أن يجرَّه من الأفضل إلى الفاضل، ليتمكَّن من أن يجره من الفاضل الشَّرِّ، وإمَّا أن يجرَّه من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشقِّ ؛ ليصير ازدياد المشقَّة سبباً لحصول النُّفرة عن الطَّاعات بالكلِّيَّة. 
وتناولت الآية الكريمة جميع المذاهب الفاسدة، بل تناولت مقلِّد الحقِّ ؛ لأنَّه قال مالا يعلمه ؛ فصار مستحقّاً للذَّمِّ ؛ لاندراجه تحت هذا الذَّمِّ. 
وتمسَّك بهذه الآية نُفَاةُ القياس، \[ وجوابهم : أنه متى قامت الدَّلالة على أنَّ العمل بالقياس واجبٌ، كان العمل بالقياس \][(٢٤)](#foonote-٢٤) قولاً على الله بما يعلم لا بما لا يعلم.

### الآية 2:170

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [2:170]

الضمير في " لَهُمْ " فيه أربعة أقوال :
أحدها : أنه يعود على " مَنْ في قوله  مَن يَتَّخِذُ  \[ البقرة : ١٦٥ \]. 
الثاني : قال بعض المفسِّرين : نزلت في مشركي العرب، فعلى هذا : الآية متَّصلة بما قبلها، ويعود الضمير عليهم ؛ لأنَّ هذا حالهم. 
الثالث : أنه يعود على اليهود ؛ لأنَّهم أشدُّ الناس اتِّباعاً لأسلافهم. 
روي عن ابن عبَّاس قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال رافع بن خارجة، ومالك بن عوفٍ :" بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ فهم كانوا خيراً منَّا، وأَعْلَمَ منَّا " فأنزل الله هذه الآية الكريمة[(١)](#foonote-١). 
وقال بعضهم : هذه قصَّةٌ مستأنفةٌ، والهاء والميم في " لَهُمْ " كناية عن غير مذكور. 
الرابع : أنه يعود على " النَّاس " في قوله " يَأَيُّهَا النَّاسُ " قاله الطبريُّ، وهو ظاهرٌ إلاَّ أن ذلك من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وحكمته : أنَّهم أبرزوا في صورة الغائب الذي يتعجَّب من فعله، حيث دعي إلى شريعة الله تعالى والنُّور والهدى، فأجاب باتِّباع شريعة أبيه. 
قوله :" بَلْ نَتَّبعُ " " بَلْ " ههنا : عاطفةٌ هذه الجملة على جملة محذوفةٍ قبلها، تقديره :" لا نَتَّبعُ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، بل نَتَّبعُ كذا " ولا يجوز أن تكون معطوفةً على قوله :" اتَّبعوا " لفساده، وقال أبُو البَقَاءِ[(٢)](#foonote-٢) :" بل " هنا للإضراب \[ عن الأوَّل، أي :" لاَ نَتَّبعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ "، وليس بخروج من قصَّة إلى قصَّة، يعني بذلك : أنه إضراب إبطال \][(٣)](#foonote-٣)، لا إضراب انتقالٍ ؛ وعلى هذا، فيقال : كلُّ إضرابٍ في القرآن الكريم، فالمراد به الانتقال من قصًّةٍ إلى قصَّةٍ إلاَّ في هذه الآية، وإلاَّ في قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ  \[ السجدة : ٣ \]، فإنه محتملٌ للأمرين ؛ فإن اعتبرت قوله :" أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ "، كان إضراب انتقالٍ، وإذا اعتبرت " افْتَرَاهُ " وحده، كان إضراب إبطالٍ. 
والكسائيُّ[(٤)](#foonote-٤) يدغم لام " هَلْ " و " بَلْ " في ثمانية أحرفٍ :
التاء ؛ كقوله : بَلْ تُؤْثِرُونَ  \[ الأعلى : ١٦ \] والنُّون :" بَلْ نَتَّبعُ " والثَّاء "  هَلْ ثُوِّبَ  \[ المطففين : ٣٦ \] والسِّين :
 بَلْ سَوَّلَتْ  \[ يوسف : ١٨ \]، والزَّاي :
 بَلْ زُيِّنَ  \[ الرعد : ٣٣ \]، والضَّاد :
 بَلْ ضَلُّواْ  \[ الأحقاف : ٢٨ \] والظَّاء :
 بَلْ ظَنَنتُمْ  \[ الفتح : ١٢ \] والطَّاء :
 بَلْ طَبَعَ اللَّهُ  \[ النساء : ١٥٥ \]، وأكثر القرَّاء على الإظهار، ووافقه حمزة في التاء والسين، والإظهار هو الأصل. 
قوله :" أَلْفَيْنَا " في " أَلْفَى " هنا قولان :
أحدهما : أنَّها متعدِّية إلى مفعولٍ واحدٍ، لأنها بمعنى " وَجَدَ " التي بمعنى " أَصَابَ " ؛ بدليل قوله في آية أخرى : بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا  \[ لقمان : ٢١ \] وقوله : وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ 
\[ يوسف : ٣٥ \] وقولهم : إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ  \[ الصافات : ٦٩ \]، فعلى هذا : يكون " عَلَيْهِ " متعلِّقاً بقوله :" أَلْفَيْنَا ". 
والثاني : أنها متعدِّية إلى اثنين. 
أولهما :" آبَاءَنَا "، والثاني :" عَلَيهِ "، فقُدِّم على الأول. 
وقال أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) - رحمه الله - :\[ " هي محتملةٌ للأمرين - أعني كونها متعدِّية لواحد أو لاثنين " - ؛ قال أبو البقاء :\][(٦)](#foonote-٦) و " لامُ " أَلْفَيْنَا " واوٌ ؛ لأن الأصل فيما جُهل من اللاَّمات أن تكون واواً، يعني : فإنه أوسع وأكثر ؛ فالرَّدُّ إليه أولى. 
ومعنى الآية : أنَّ الله - تبارك وتعالى - أمرهم بأن يتَّبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرَّموا على أنفسهم من الحرث، والأنعام، والبحيرة، والسَّائبة. أو ما أنزل الله من الدَّلائل الباهرة، قالوا : لا نتَّبع ذلك، وإنما نتبع آباءنا، وأسلافنا، فعارضوه بالتَّقليد، فأجابهم الله تعالى بقوله : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ، فالهمزة في " أَوَلَوْ " للإنكار، وأما الواو، \[ ففيها قولان :
أحدهما - قاله الزمخشريُّ - : أنَّها واو الحال. 
والثاني - قال به أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧)، وابن عطيَّة - : أنَّها للعطف، وقد تقدَّم الخلاف في هذه الهمزة الواقعة قبل " الواو " و " الفاء " و " ثُمَّ "، هل \][(٨)](#foonote-٨) بعدها جملة مقدَّرةٌ، وهو رأي الزمخشري ؛ ولذلك قدَّر ههنا :" أَيَتَّبِعُونَهُمْ، وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً مِنَ الدِّينِ، وَلاَ يَهْتَدُونَ لِلصَّوَابِ ؟ " أو النية بها التأخير عن حرف العطف ؟
وقد جمع أبو حيَّان بين قول الزمخشريِّ، وقول ابْنِ عَطيَّة، فقال[(٩)](#foonote-٩) : والجمع بينهما : أنَّ هذه الجملة المصحوبة ب " لَوْ " في مثل هذا السِّياق جملةٌ شرطيةٌ، فإذا قال :" اضْرِبْ زَيْداً، وَلَوْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ "، فالمعنى :" وَإِنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ " وكذلك :" أَعْطُوا السَّائِلَ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى فَرَس[(١٠)](#foonote-١٠) " " رُدُّوا السَّائِلَ، وَلَوْ بِشِقَّ تَمْرَةٍ[(١١)](#foonote-١١) "، المعنى فيهما " وإِنْ " وتجيء " لَوْ " هنا ؛ \[ تنبيهاً \] على أنَّ ما بعدها لم يكن يناسب ما قبلها، لكنَّها جازت لاستقصاء الأَحوال التي يقع فيها الفعل، ولتدلَّ على أن المراد بذلك وجود الفعل في كلِّ حالٍ ؛ حتَّى في هذه الحال الَّتي لا تناسب الفعل ؛ ولذلك لا يجوز :" اضْرِبْ زَيْداً، وَلَوْ أَسَاءَ إِلَيْكَ "، ولا " أَعْطُوا السَّائِلَ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجاً " فإذا تقرَّر هذا، فالواو في " وَلَوْ " في الأمثلة التي ذكرناها عاطفةٌ على حالٍ مقدَّرة، والمعطوف على الحال حالٌ ؛ فصحَّ أن يقال : إنَّها للحال من حيث عطفها جملةً حاليَّةً على حالٍ مقدَّرةٍ، وَصَحَّ أن يقال : إنَّها للعطف من حيث ذلك العطف، فالمعنى - والله أعلم - : أنها إنكارُ اتِّبَاعِ آبائهم في كلِّ حالٍ ؛ حتى في الحالة الَّتي لا تناسب أن يتبعوهم فيها، وهي تلبُّسهم بعدم العقل والهداية ؛ ولذلك لا يجوز حذف هذه الواو الداخلة على " لَوْ " إذا كانت تنبيهاً على أنَّ ما بعدها لم يكن مناسباً ما قبلها، وإن كانت الجملة الحاليَّةُ فيها ضميرٌ عائدٌ على ذي الحال ؛ لأنَّ مجيئها عاريةً من هذه الواو مؤذنٌ بتقييد الجملة السَّابقة بهذه الحال، فهو ينافي استغراق الأحوال ؛ حتى هذه الحال، فهما معنيان مختلفان ؛ ولذلك ظهر الفرق بين :" أَكْرِمْ زَيْداً، لَوْ جَفَاكَ "، وبين :" أَكْرِمْ زَيْداً، وَلَوْ جَفَاكَ ". انتهى. وهو كلامٌ حسنٌ. 
وجواب " لو " محذوفٌ، تقديره :" لاَتَّبَعُوهُمْ " وقدره أبو البَقَاءِ[(١٢)](#foonote-١٢) :" أفكَانُوا يَتَّبِعُونَهُمْ ؟ " وهي تفسير معنًى لأن " لَوْ " لا تجاب بهمزة الاستفهام، قال بعضهم : ويقال لهذه الواو أيضاً واو التَّعَجُّب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ[(١٣)](#foonote-١٣).

### فصل في بيان " معنى التقليد " 


قال القرطبيُّ[(١٤)](#foonote-١٤) : التقليد عند العلماء :" حقيقةُ قَبُولِ قَوْلٍ بلا حُجَّةٍ " ؛ وعلى هذا فمن قبل قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم من غير نظرٍ في معجزته، يكون مقلِّداً، وأمَّا من نظر فيها، فلا يكون مقلِّداً. 
وقيل :" هو اعتقادُ صٍحَّة فُتْيَا مَنْ لا يَعْلَم صحَّة قوله "، وهو في اللُّغة مأخوذٌ من قلادة البعير، تقول العرب : قلَّدت البعير ؛ إذا جعلت في عنقه حبلاً يقاد به ؛ فكأنَّ المقلِّد يجعل أمره كلَّه لمن يقوده حيث شاء ؛ ولذلك قال شاعرهم :\[ البسط \]٨٩١ - وَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ دَرُّكُمُ  ثَبْتَ الجَنَانِ بَأَمْرِ الحَرْبِ مُضْطَلِعا[(١٥)](#foonote-١٥)### فصل في المراد بالآية


والمعنى :" أَيَتَّبِعُونَ آباءَهُمْ، وإن كانوا جُهَّالاً لا يَعْقِلُون شيئاً "، لفظه عامٌّ، ومعناه الخصوص ؛ لأنهم كانوا لا يعقلون كثيراً من أمور الدنيا ؛ فدلَّ هذا على أنهم لا يعقلون شيئاً من الدِّين، ولا يهتدون إلى كيفيَّة اكتسابه. 
**وقوله " شيئاً " فيه وجهان :**
أحدهما : أنه مفعول به ؛ فيعمُّ جميع المعقولات ؛ لأنَّها نكرةٌ في سياق النفي، ولا يجوز أن يكون المراد نفي الوحدة، فيكون المعنى : لا يعقلون شيئاً " بَلْ أَشْيَاءً من العَقْلِ " وقدَّم نفي العقل على نفي الهداية ؛ لأنَّه يصدر عنه جميع التصرُّفات. 
الثاني : أن ينتصب على المصدريَّة، أي :" لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ". 
### فصل في تقرير هذا الجواب


**في تقرير هذا الجواب وجوه :**
الأوَّل : أنه يقال للمقلِّد : هل تعترف بأنَّ شرط جواز تقليد الإنسان : أن يعلم كونه مُحِقَّا، أم لا ؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده، إلاَّ بعد أن تعلم كونه محقّاً، فكيف عرفت أنه محقٌّ ؛ فإن عرفته بتقليدٍ آخر، لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل، فذاك كافٍ، ولا حاجة إلى التَّقليد، وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده : أن يعلم كونه محقّاً، فإذن : قد جوَّزت تقليده، وإن كان مبطلاً، فإذن : أنت على تقليدك لا تعلم أنَّك محقٌّ، أم مبطل[(١٦)](#foonote-١٦). 
وثانيها : هب أن ذلك المتقدِّم كان عالماً بهذا إلاَّ أنَّا لو قدَّرنا أن ذلك المتقدِّم ما كان عالماً بذلك الشَّيء قطُّ، ولا اختار فيه ألبتة مذهباً، فأنت ماذا كنت تعمل ؟ فعلى تقدير أنك لا تعلم ذلك المتقدِّم، \[ ولا مذهبه، كان لا بُدَ من العُدُول إلى النَّظَر فكذا ههنا. 
وثالثها : أنك إذا قلَّدت من قبلك، فذلك المتقدِّم \][(١٧)](#foonote-١٧) : إن كان عرفه بالتقليد، لزم إما الدَّور[(١٨)](#foonote-١٨)، وإمَّا التسلسل[(١٩)](#foonote-١٩)، وإن عرفه بالدليل، وجب أن تطلب العلم بالدليل، لا بالتَّقليد، لأنَّك لو طلبته بالتقليد، لا بالدَّليل، مع أنَّ ذلك المتقدِّم طلبه بالدليل لا بالتقليد، كنت مخالفاً له، فثبت أن القول بالقليد يفضي ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلاً، وإنَّما ذكرت هذه الآية الكريمة عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشَّيطان ؛ تنبيهاً على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان، وبين متابعة التَّقليد، وفيه أقوى دليلٍ على جوب النَّظَر، والاستدلال، وترك التَّعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليلٍ، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. 
### فصل في بيان ما يستثنى من التَّقليد


قال القرطبيُّ : ذمَّ الله تعالى الكفَّار ؛ باتباعهم لآبائهم في \[ الباطل \][(٢٠)](#foonote-٢٠)واقتدائهم بهم في الكفر، والمعصية، وهذا الذَّمُّ في الباطل صحيحٌ، وأما التقليد في الحقِّ، فأصل من " أُصول الدِّين "، وعصمة من عصم المسلمين، يلجأ إليها الجاهل المقصِّر عن درك النَّظر، واختلف العلماء - رضي الله عنهم - في جوازه في مسائل الأصول، وأمَّا جوازه في مسائل الفروع، فصحيحٌ. 
### فصل في وجوب التَّقليد على العامِّي


قال القرطبيُّ - رضي الله عنه - : فرض العامِّيِّ الذي لا يستقلُّ باستنباط الأحكام من أصولها، لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه، ويحتاج إليه - أن يقصد أعلم من في زمانه ببلده ؛ فيسأله عن نازلته، فيتمثَّل فيها فتواه ؛ لقوله تعالى : فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ  \[ النحل : ٤٣ \] وعليه الاجتهاد في أعلم أهل زمانه بالبحث عنه ؛ حتى يتفق أكثر الناس عليه، ١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٠٥-٣٠٦) وابن هشام في "السيرة" (٢/ ٢٠٠-٢٠١) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٠٦) وزاد نسبته لابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٢ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٥..
٣ - سقط في ب..
٤ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٥/٦..
٥ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٥..
٦ - سقط في ب..
٧ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٥..
٨ - سقط في ب..
٩ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٥٥..
١٠ - أخرجه أحمد (١/٢٠١) وأبو داود (١٦٦٥) كتاب الزكاة باب حق السائل وأبو يعلى (١٢/١٥٤-١٥٥) رقم (٦٧٨٤) والبخاري في التاريخ (٤/٢/٤١٦) عن الحسين بن علي.
 وروي من حديث علي أخرجه أبو داود كتاب الزكاة باب حق السائل رقم (١٦٦٦) والقضاعي في "مسند الشهاب" رقم (٢٨٥). ورواه الطبراني في "الصغير" والأوسط، عن الهرماس كما في مجمع الزوائد (٣/١٠١) وقال الهيثمي. وفيه عثمان بن فائد وهو ضعيف. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٢١٦) من حديث أبي هريرة بلفظ (أعطوا السائل وإن جاء على فرس)..
١١ - أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٢٣) كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في المسكين وأحمد (٦/ ٤٣٥) والنسائي (٥/ ٨١) وأبو داود (٢/١٢٦) والحاكم (١/٤١٧) وابن حبان (٨٢٥-موارد) والبغوي في "شرح السنة" (٦/١٧٥) وابن خزيمة (٤/١١١) رقم (٢٤٧٢)..
١٢ - ينظر الإملاء لأبي البقاء: ١/٧٥..
١٣ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٥/٧..
١٤ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/١٤٢..
١٥ - ينظر القرطبي: ٢/١٤٢..
١٦ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٥/٧..
١٧ - سقط في ب..
١٨ - الدور ينقسم إلى: دور معي، ودور سبقي:
 **الدور ينقسم إلى: دور معي، ودور سبقي:**
 فمثال الأول: توقف تعقل الأبوة على تعقل البنوة، وبالعكس؛ فإذا تعقل ذات الأب بوصف كونه أبا يستلزم تعقل ذات الابن بوصف كونه ابنا، وكذلك العكس، وهذا القسم ليس بمستحيل؛ لأن الإضافة أمور اعتيارية لا وجود لها إلا في الأذهان.
 إنما المستحيل هو القسم الثاني؛ وهو الدور السبقي-وعرفوه: بأنه توقف وجود شيء على وجود شيء آخر، قد توقف هذا الشيء الآخر عليه، وينقسم إلى قسمين: دور مصرح، ودور مضمر؛ فالمصرح: ما كان التوقف فيه بمرتبة، أي: بواسطة واحدة؛ كما إذا فرضنا أن زيدا أوجد عمرا، وعمرا أوجد بكرا، فإن عمرا توسط بين زيد أولا، ونفسه ثانيا، وسمي مصرحا؛ لظهور التوقف فيه بمجر النظر، والمضمر ما كان التوقف فيه بمرتبتين فأكثر؛ كتوقف وجود زيد على عمرو، وعمرو على بكر، وبكر على زيد، وسمي مضمرا؛ لخفائه بالنسبة للمصرح، وهذا القسم الثاني بنوعيه مستحيل؛ لوجوه منها: لو توقف وجود كل منهما على وجود الآخر، للزم المع بين النقيضين، لكن الجمع بين النقيضين محال، فما أدى إليه- وهو توقف كل واحد على الآخر- محال؛ فبطل الدَّور.
 وجه الملازمة: أنه من المسلم ضرورة أن المؤثر متقدم وسابق على الأثر، والأثر متأخر في الوجود عن المؤثر. فإذا قيل: زيد أوجد عمرا، وعمرو أوجد زيدا، كان كل منهما متقدما لا متقدما، متأخرا لا متأخرا، مؤثرا لا مؤثرا، أثرا لا أثرا، موجودا إلا موجودا، وإنما لزم ذلك؛ لأن كلا منهما باعتبار الدور يكون علة ومعلولا، ولا شك أن هذا جمع بين النقيضين وهو محال، فما أدى إليه- وهو الدور-محال.
 ومنها: لو توقف كل منهما على الآخر، لافتقر الشيء إلى نفسه، لكن افتقار الشيء إلى نفسه محال، فما أدى إليه-وهو الدّور-محال.
 بيان الملازمة: أن لو توقف كل منهما على الآخر، لكان المتوقف مفتقرا إلى المتوقف عليه، وعلى اعتبار الدور يكون كل منهما مفتقرا إلى الآخر.
 وهذا يؤدي إلى افتقار الشيء لنفسه؛ لأن المفتقر للشيء مفتقر إلى ذلك الشيء، فلو افتقر بكر إلى أحمد، وقد فرض أن أحمد مفتقر إلى بكر- لكان بكر مفتقرا إلى نفسه، وافتقار الشيء إلى نفسه محال؛ لأن الافتقار نسبة بين شيئين: أحدهما يقال له: منسوب، والآخر: منسوب إليه، فيجب أن يكون بينهما تغاير.
 ونظرا لوضوح استحالة الدور، قال بعض المتكلمين: إن استحال الدور بديهية، وما يذكر لإثبات استحالته ليس دليلا، وإنما هو من باب التنبيه والضروري لا مانع من التنبيه عليه.
 - التسلسل: هو أن يستند الممكن في وجوده إلى علة مؤثرة، وتستند تلك العلة المؤثرة إلى علة أخرى مؤثرة، وهلم جرا إلى غير نهاية.
 وقد ذكر علماء الكلام عدة أدلة على بطلان التسلسل، نقتصر منها على برهان التطبيق؛ وحاصله: أن نفرض من معلول ما بطريق التصاعد إلى ما لا نهاية له جملة، ومما قبله بمتناه إلى غير متناه جملة، فيحصل غير متناهيتين: إحداهما زائدة على الأخرى بقدر متناه؛ مثلا: نفترض جملة من الآن إلى ما لا نهاية له في الأزل؛ وهذه تسمى الآنية، ثم نفرض من هذه السلسلة نفسها جملة أخرى، تبتدئ من الطوفان إلى ما نهاية له في الأول؛ وهذه تسمى الطوفانية، وبعد هذا الفرض نقابل أول فرد في السلسلة الطوفانية بأول فرد من السلسلة الآنية، ونستمر في باقي الأفراد هكذا إلى الأزل، فعند ذلك لا يخلو الحال عن واحد من أمرين: إما أن يتساويا، وإما أن يتفاوتا، فإن تساويا، لزم مساواة الزائد للناقص؛ وهو محال، فما أدى إليه-وهو التسلسل- محال، وإن تفاوتا وانتهت الناقصة، كان التفاوت بينهما بمقدار متناه؛ لأنه من الآن إلى الطوفان، والتفاوت بالتناهي يستلزم التناهي؛ فلا تسلسل؛ وذلك لأن الناقصة لما انقطعت، كانت متناهية، والزائدة لم تزد عليها إلا بذلك المقدار المبتدأ من المعلول الآخر إلى الطوفان، وهو التناهي؛ فيلزم التناهي لا محالة.
 وملخص هذا الدليل: أنه عند تطبيق إحدى السلسلتين إلى الأخرى إن فرض التساوي كان محالا، فما أدى إليه-وهو التسلسل- محال، وإن فرض التفاوت، فلا تسلسل أصلا؛ لأن كلا من السلسلتين قد انتهى، وقد أوردوا على هذا الدليل نقضين: الأول على فرض المساواة، والثاني على فرض التفاوت وحاصل الأول: لا نسلم إمكان المساواة حتى تفرض؛ لأن المتبادر من لفظ المساواة تماثل كل من السلسلتين في الحكم، بمعنى أن عدد أفراد إحدى السلسلتين يكون مساويا لعدد أفراد الأخرى، وهذا لا يتأتى هنا؛ لأن الموضوع أن السلسلة غير متناهية، والحكم بالتماثل في الحكم فرع انحصار الأفراد؛ فحينئذ لا يصح فرض التساوي.
 ويجاب عن ذلك: أن التساوي لا يتوقف على الانحصار؛ لأن معناه كون كل من السلسلتين اشتملت على ما اشتملت عليه الأخرى، وهذا المعنى يتحقق مع عدم التناهي.
 وحاصل الثاني: سلمان أن هناك تفاوتا بين السلسلتين، لكن لا نسلم التناهي؛ بدليل أنا إذا فرضنا جملتين من الأعداد: إحداهما من الواحد إلى ما لا نهاية له، والثانية من الثاني إلا ما لا نهاية له، ثم طبقنا إحداهما على الأخرى، ولا يلزم من ذلك التناهي؛ لأن الأعداد لا تتناهى، وكما يقال هذا في الأعداد، يقال في مقدورات الله تعالى ومعلوماته؛ فإن المعلومات أكثر عددا من المقدورات؛ لأن القدرة خاصة بالممكنات، فالمقدور هو الممكن فقط.
 والعلم يشمل الواجبات، والجائزات، والمستحيلات، فالمعلوم الممكن والواجب والمستحيل، ومع هذا التفاوت فلا تناهي؛ لأن مقدورات الله-تعالى- ومعلوماته لا تتناهى.
 ويجاب عن ذلك: بأن النقض بالأعداد لا يرد؛ لأن التطبيق المستدل به على بطلان التسلسل إنما اعتبر بين الأمور الموجودة، وهي المعلومات التي ضبطها وجود، وأما الأعداد فهي من قبيل الأمور الوهمية المحضة التي لا وجود لها في نفس الأمر، حتى يكون هناك جملتان تطبقان، فلا يصح النقض بها، وأما النقض بمعلومات الله-تعالى- ومقدوراته، فلا يرد أيضا؛ لأن عدم تناهي المقدورات عدم وقوفها عند حد فما من مقدور إلا ويتصور وراءه مقدور آخر، وأما الموجود من المقدورات فهو متناه قطعا، وكذلك المعلومات الوجودية متناهية قطعا؛ لأنه قد ضبطها وجود، وأما العدمية فهي بمعزل عن الدليل.
 .
١٩ ؟؟؟؟؟.
٢٠ في ب: أديانهم الباطلة..

### الآية 2:171

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [2:171]

لما حكى عن الكفَّار أنَّهم عند الدُّعاء إلى اتِّباع ما أنزل الله تعالى، تركوا النَّظر، وأخلدوا إلى التَّقليد، وقالوا : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ  - ضَرَبَ لهم هذا المثل ؛ تنبيهاً للسَّامعين لهم : أنهم إنما وقعوا فيه ؛ بسبب ترك الإصغاء، وقلة الاهتمام بالدِّين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام، وضرب مثل هذا المثل يزيد السَّامع اجتهاداً في معرفة أحوال نفسه، ويحقِّر إلى الكافر نفسه، إذا سمع ذلك، فيكون كسراً لقلبه، وتضييقاً لصدره ؛ حيث صيَّره كالبهيمة، فكان ذلك في نهاية الرَّدع والزَّجر لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقة التقليد. 
وقد اختلف النَّاس في هذه الآية اختلافاً كثيراً، ولا سبيل إلى معرفة الإعراب إلاَّ بعد معرفة المعنى المذكور في الآية الكريمة، وقد اختلفوا في ذلك :
فمنهم من قال : معناها : أنَّ المثل مضروبٌ بتشبيه الكافر بالنَّاعق، ومنهم من قال : هو مضروبٌ بتَشْبيه الكافر بالمَنْعوق به، ومنهم مَنْ قال : هو مضْروبٌ بتشبيه داعي الكفر بالنَّاعق، ومنهم مَنْ قال : هو مضروب بتشبيه الدَّاعي والكافر بالنَّاعق، والمنعوق به، فهذه أربعة أقوالٍ. 
فعلى القول الأول : يكون التقدير :" وَمَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا في قِلَّة فَهْمِهِمْ، كَمَثَلِ الرُّعَاة يُكَلِّمُون البُهْمَ والبُهْمُ لا تَعْقِلُ شيئاً ". 
وقيل : يكون التقدير :" وَمَثَلُ الَّذين كَفَروا في دُعائهم آلِهَتَهُمْ التي لا تَفْقَهُ دُعَاءَهُم، كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ ؛ لا ينتفع من نَعِيقِهِ بشَيءٍ غير أنَّه في عناءٍ " ؛ وكذلك الكافرُ ليس له من دعائه آلهته إلاَّ العناء ؛ كما قال تعالى : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ  \[ فاطر : ١٤ \]. 
قال الزَّمَخْشَرِيُّ[(١)](#foonote-١) لمَّا ذكر هذا القول :" إلاَّ أنَّ قوله :" إلاَّ دُعاءً وَنِدَاءً "، لا يساعد عليه ؛ لأنَّ الأصنام لا تَسْمَعُ شيئاً ". 
قال أبُو حَيَّان[(٢)](#foonote-٢) - رحمه الله- :" ولحظ الزمخشريُّ في هذا القول تمام التشبيه من كُلِّ جهة، فكما أنَّ المنعوق به لا يَسْمَعُ إلاَّ دعاءً ونداءً، فكذلك مدعُوُّ الكافِرِ مِنَ الصَّنم، والصَّنَم لا يَسْمَعُ، فضَعُف عنده هذا القوْلُ " قال :" ونحْنُ نقولُ : التشْبيهُ وقَعَ في مُطْلَق الدُّعاء في خُصوصيَّات المدعُوِّ، فتَشْبِيهُ الكَافِر في دعائِهِ الصَّنَمَ بِالنَّاعِقِ بالبهيمة، لا في خصوصيَّات المنعُوق به "، وقال ابنُ زَيْدٍ في هذا القَوْلِ - أعني : قولَ مَنْ قال : التقديرُ : ومَثَلُ الذين كَفَرُوا في دُعَائِهِمْ آلهتَهُمْ - : إنَّ الناعق هنا ليس المراد به الناعق بالبهائم، وإنَّما المراد به الصائح في جوف الجبل، فيجيبه الصَّدَى، فالمعنى : بما لا يسمع منه الناعقُ إلاَّ دعاء نفسه، ونداءها، فعلى هذا القول : يكون فاعل " يَسْمَعُ " ضميراً عائداً على " الَّذِي يَنْعِقُ " ويكون العائد على " مَا " الرابط للصِّلة بالموصُول محذوفاً ؛ لفَهْم المعنى، تقديره :" بِمَا لاَ يَسْمَعُ مِنْهُ " وليس فيه شرط جوازِ الحَذْف ؛ فإنه جُرَّ بحرف غير ما جُرَّ به الموصول، وأيضاً : فقد اختلف متعلَّقاهما إلاَّ أنه قد ورد ذلك في كلامهم، وأمَّا على القولين الأوَّلين، فيكون فاعل " يَسْمَعُ " ضميراً يعود على " ما " الموصولة، وهو المنعوقُ به. 
وقيل : المراد ب " الَّذِين كَفَرُوا " المتبُوعُون، لا التابعون، المعنى :" مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دعائِهِمْ اتباعَهُمْ، وكوْنِ أتباعِهِمْ لا يَحْصُل لهم منهم إلاَّ الخَيْبَة، كمثل النَّاعق بالغَنَم "، فعلى هذه الأقوال كلِّها : يكون " مَثَل " مبتدأً و " كَمَثَلِ " خبره، وليس في الكلام حذفٌ إلاَّ جهة التَّشبيه. 
وعلى القول الثاني من الأقوال الأربعة المتقدِّمة : فقيل : معناه :" وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعَائِهِمْ إلى الله تعالى، وعَدَمِ سماعِهِمْ إِيَّاه، كَمَثَلِ بَهَائم الَّذِي يَنْعِقُ " فهو على حذفِ قَيْدٍ في الأوَّل، وحَذْف مضافٍ في الثاني. 
وقيل : التقدير :" ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في عَدَم فَهْمهم عَنِ اللَّهِ ورسُولِهِ، كَمَثَلِ المنْعُوق بِهِ منَ البَهَائم الَّتي لا تَفْقَهُ من الأَمْر والنَّهْي غَيْر الصَّوْت " فيرادُ بالذي يَنْعِقُ : الذي يُنْعَقُ بِهِ، ويكون هذا من القَلْبِ، وقال قائلٌ :" هذا كما تقولون :" دَخَلَ الخَاتَمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلِي " وتقولون :" فُلاَنٌ يَخَافُكَ ؛ كَخَوْفِ الأَسَدِ "، أي : كَخَوْفِهِ الأَسَدَ، وقال تعالى : مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ 
\[ القصص : ٧٦ \] وإنَّما العصبة تنوء بالمفاتح ". وإلى هذا ذهب الفرَّاء، وأبو عُبَيْدَة، وجماعةٌ إلاَّ أنَّ القلب لا يقع على الصَّحيح إلاَّ في ضرورة أو ندورٍ. 
وأمَّا على القول الثَّالث، وهو قولُ الأخفش، والزَّجَّاج، وابْنِ قُتَيْبَة، فتقديره :" ومَثَلُ داعي الَّذين كَفَرُوا كَمَثَلِ النَّاعق بغَنَمه ؛ في كَوْن الكافِرِ لا يَفْهَمُ ممَّا يُخَاطِبُ به داعيَهُ إلاَّ دَوِيَّ الصَّوْت، دون إلقاءِ فكرٍ وذهنٍ ؛ كما أنَّ البيهمةَ كذلك، فالكلامُ على حذف مضافٍ من الأوَّل.

### فصل في المراد ب " مَا لاَ يَسْمَعُ " 


قال الزَّمَخْشَرِيُّ[(٣)](#foonote-٣) : ويجوزُ أن يرادَ ب " مَا لاَ يَسْمَعُ " الأصمُّ الأصْلَج الذي لا يَسْمَعُ من كلام الرَّافِعِ صَوْتَهُ بِكَلاَمِهِ إلاَّ النِّداءَ والصَّوتَ، لا غير ؛ من غير فهم للحرف، وهذا جنوح إلى جواز إطلاق " ما " على العقلاء، أو لما تنزَّل هذا منزلة من لا يسمع من البهائم، أوقع عليه " مَا ". 
وأما على القول الرابع - وهو اختيار سيبويه[(٤)](#foonote-٤) في هذه الآية - : فتقديره عنده :" مَثَلُكَ يَا مُحَمَّدُ، ومَثَلُ الذين كَفَرُوا، كَمَثَل النَّاعق والمنْعُوقِ به "، واختلف النَّاس في فهم كلام سيبويه، فقائل : هو تفسير معنى، وقيل : تفسير إعرابٍ، فيكون في الكلام حذفان : حذف من الأوَّل، وهو حذف " دَاعِيهم "، وقد أثبت نظيره في الثاني، وحذفٌ من الثَّاني، وهو حذف المنعوق، وقد أثبت نظيره في الأول ؛ فشبَّه داعِيَ الكُفَّار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه، وشبَّه الكفَّار بالغنم في كونهم لا يسمعون مما دعوا إليه، إلاَّ أصواتاً لا يعرفون ما وراءها، وفي هذا الوجه حذف كثير ؛ إذ فيه حذف معطوفين ؛ إذ التقدير الصناعيُّ :" وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ودَاعِيهِمْ كمثل الذي يَنْعِقُ بالمَنْعُوقِ به ". 
وقد ذهب إليه جماعةٌ، منهم : أبو بكر بن طاهر[(٥)](#foonote-٥)، وابن خروفٍ[(٦)](#foonote-٦)، والشَّلوبين[(٧)](#foonote-٧) ؛ قالوا : العرب تستحسن هذا، وهو من بديع كلامها ؛ ومثله قوله :\[  وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ  \[ النمل : ١٢ \] \] [(٨)](#foonote-٨) تقديره :" وأَدْخِل يَدَكَ في جَيْبِكَ، تدْخُلْ، وأَخْرِجْها تَخْرُجْ " ؛ فحذف " تَدْخُل " ؛لدلالة " تَخْرُج " وحَذَف " وأَخْرجْهَا " ؛ لدلالة " وأَدْخِلْ "، قالوا : ومثله قوله :٨٩٥ - وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ فَتْرَةٌ  كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ[(٩)](#foonote-٩)لم يرد أن يشبِّه فترته بانتفاض العصفور حين بلَّله القطر ؛ لأنَّمها ضدَّان ؛ إذ هما حركةٌ وسكونٌ، ولكنَّ تقديره : أنِّي إذا ذكرتك، عراني انتفاضٌ، ثمَّ أفتر ؛ كما أن العصفور إذا بلَّله القطر، عراه فترةٌ، ثم ينتفض، غير أنَّ وجيب قلبه واضطرابه قبل الفترة، وفترة العصفور قبل انتفاضه. 
وهذه الأقوال كلُّهَا، إنَّما هي على القول بتشبيه مفرد بمفرد، ومقابلة جزء من الكلام السَّابق بجزء من الكلام المشبَّه به. 
أمَّا إذا كان التشبيه من باب تشبيه جملةٍ بجملةٍ، فلا ينظر في ذلك إلى مقابلة الألفاظ المفردة، بل ينظر إلى المعنى، وإلى هذا نحا أبو القاسم الراغب ؛ قال الرَّاغب :" فلمَّا شبَّه قصَّة الكافرين في إعراضهم عن الدَّاعي لهم إلى الحقِّ، بقصَّة النَّاعق قدَّم ذكر النَّاعق ؛ لينبني عليه ما يكون منه، ومن المنعوق به ". 
والكاف ليست بزائدةٍ ؛ خلافاً لبعضهم ؛ فإنَّ الصِّفة ليست عين الصِّفة الأخرى، فلا بُدَّ من الكاف ؛ حتى أنه لو جاء الكلام دون الكاف، اعتقدنا وجودها تقديراً تصحيحاً للمعنى. 
وقد تلخَّص ممَّا تقدَّم : أنَّ " مَثَلُ الَّذِينَ " مبتدأٌ، و " كَمَثَلِ الَّذِي " خبره : إمَّا من غير اعتقاد حذف، أو على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي :" مثلُ :" داعي الَّذين "، أو من الثَّاني، أي :" كَمَثَلِ بَهَائِم الَّذِي "، أو على حذفين : حذف من الأوَّل ما أثبت نظيره في الثَّاني، ومن الثَّاني ما أثبتَ نظيره في الأوَّل ؛ كما تقدَّم تحريره. 
والنعيق دعاء الرَّاعي، وتصويته بالغنم ؛ قال الأخطل في ذلك :\[ الكامل \]٨٩٦ - فَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ فَإِنَّمَا  مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاَءِ ضَلالاَ[(١٠)](#foonote-١٠)قال القتيبيُّ[(١١)](#foonote-١١) : لم يكن جرير راعي ضأنٍ، وإنَّما أراد أنَّ بني كُلَيبٍ يُعَيَّرُونَ برعْيِ الضأن، وجرير منهم ؛ فهو من جَهَلتهم، والعرب تضرب المثل في الجهل براعي الضَّأن، ويقولون : أجْهَلُ من رَاعِي ضَأْنٍ. 
يقال : نَعَقَ، بفتح العَيْنِ، يَنْعِقُ، بكَسْرها، والمصدرُ النَّعيقُ والنُّعَاقُ، والنَّعْقُ، وأما " نَغَقَ الغُرَابُ "، فبالمعجمة، وقيل : بالمهملة أيضاً في الغُرَاب، وهو غريبٌ. 
قال بعضهم : إنَّ الياء والنُّون من قوله :" يَنْعِقُ " من نصف هذه السُّورة الأوَّل، والعَيْنَ والقَافَ من النصف الثَّاني. 
 " إلاَّ دعاء " : هذا استثناءٌ مفرَّغٌ ؛ لأن قبله " يَسْمَعُ " ولم يأخذ مفعوله وزعم بعضهم أن " إلاَّ " زائدةٌ، فليس من الاستثناء في شيء، وهذا قولٌ مردودٌ، وإن كان الأصمعيُّ قد قال بزيادة " إلاَّ " في قوله :\[ الطويل \]٨٩٧ - حَرَاجِيجُ لا تَنْفَكُّ إلاَّ مُنَاخةً  عَلَى الخَسْفِ أو نَرْمِي بِهَا بَلَداً قَفْراً[(١٢)](#foonote-١٢)فقد ردَّ النَّاسُ عليه، ولم يقْبَلُوا قوله، وفي البيت كلامٌ تقدَّم. 
وأورد بعضهم هنا سؤالاً معنويّاً، وهو أن قوله : لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً  \[ البقرة : ١٧١ \] ليس المسموع إلا الدعاء والنداء، فكيف ذمَّهم بأنَّهم لا يسمعون إلا الدعاء ؛ وكأنَّه قيل : لا يسمعون إلاَّ المسموع، وهذا لا يجوز ؟
فالجواب : أن في الكلام إيجازاً، وإنَّما المعنى : لا تفهم معاني ما يقال لهم ؛ كما لا تميِّز البهائم بين معاني الألفاظ التي يصوَّت بها، وإنَّما تفهم شيئاً يسيراً، قد أدركته بطول الممارسة، وكثرة المعاودة ؛ فكأنه قيل لهم : إلاَّ سماع النِّداء دون إدراك المعاني، والأغراض. 
قال شِهَابُ الدِّين[(١٣)](#foonote-١٣) : وهذا السُّؤال من أصله ليس بشيءٍ، ولولا أنَّ الشَّيخ ذكره، لم أذكره. 
وهنا سؤالٌ ذكره عليُّ بن عيسى[(١٤)](#foonote-١٤)، وهو هل ه١ - ينظر الكشاف: ١/٢١٤..
٢ - ينظر البحر المحيط: ٤/ ٦٥٦..
٣ - ينظر الكشاف: ١/٢١٤..
٤ - ينظر الكتاب: ١/١٠٨..
٥ - محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي أبو بكر المعروف بالحزب توفي سنة ٥٨٠هـ. ينظر البغية: ١/٢٨..
٦ - علي بن محمد بن علي بن محمد نظام الدين أبو الحسن ابن خروف الأندلسي النحوي توفي سنة ٦٠٩هـ. ينظر البغية: ٢/٢٠٣..
٧ - عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله الأستاذ أبو علي الإشبيلي الأزدي المعروف بالشلوبين- بفتح المعجمة واللام وسكون الواو وكسر الموحدة وبعدها تحتانية ونون- ومعناه بلغة أهل الأندلس الأبيض الأشقر. كان إمام عصره في العربية بلا مدافع توفي في العشر الأخير من صفر سنة خمس وأربعين وستمائة. ينظر البغية: ٢/٢٢٤-٢٢٥..
٨ - سقط في ب..
٩ تقدم برقم ٤٢١..
١٠ - البيت. ينظر في ديوانه: (٢٥٠)، البحر المحيط: (١/٦٥١)، والدر المصون: ١/٤٣٩..
١١ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/١٤٤..
١٢ - البيت لذي الرمة. ينظر ديوانه: ص ١٤١٩، لسان العرب (فكك)، تخليص الشواهد: ص ٢٧٠ خزانة الأدب: ٩/٢٤٧، ٢٤٨، ٢٥٠، ٢٥٥، شرح شواهد المغني: ١/٢١٩، الكتاب: ٣/٤٨، المحتسب: ١/٣٢٩، همع الهوامع: ١/١٢٠، وبلا نسبة في أسرار العربية: ص ١٤٢، والأشباه والنظائر: ٥/١٧٣، والإنصاف: ١/١٥٦، الجنى الداني: ص ٥٢١، شرح الأشموني: ١/١٢١، مغني اللبيب: ١/٧٣، همع الهوامع ١/ ٢٣٠، والدر: ١/٤٤٠..
١٣ - ينظر الدر المصون: ١/٤٤٠..
١٤ - علي بن عيسى بن علي بن عبد الله أبو الحسن الرماني كان إماما في العربية علامة في الأدب صاحب التفسير والحدود الأكبر والأصغر وشرح أصول ابن السراج توفي في حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. ينظر البغية: ٢/ ١٨٠-١٨١..

### الآية 2:172

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [2:172]

قال بعض المفسِّرين : إنَّ الله تبارك وتعالى ذكر من أوَّل السُّورة إلى هنا دلائل للتَّوحيد والنُّبُوَّة، واستقصى في الرَّدِّ على اليهود والنصارى، ومن هنا : شرع في بيان الأحكام، فقال :" كُلُوا " واعلم : أنَّ الأكل قد يكون واجباً، وذلك عند دفع الضرر عن النَّفس، وقد يكون مندوباً، وذلك عند امتناع الضيف من الأكل، إذا انفرد، وللبساطة في الأكل، إذا سوعد، فهذا الأكل مندوبٌ، وقد يكون مباحاً، إذا خلا عن هذه العوارض، فلا جرم كان مسمَّى الأكل مباحاً، وإذا كان كذلك، كان قوله في هذا الموضع " كُلُوا " لا يفيد الإيجاب، والنَّدب، \[ بل الإباحة، ومفعول " كُلُوا " محذوفٌ، أي :" كُلُوا رِزْقَكُمْ حَالَ كَوْنِهِ بَعْضَ طيِّباتِ ما رَزَقْنَاكُمْ " ويجوزُ في رأي الأخفش : أن تكون " مِنْ " زائدةً في المفعول به، أي :" كُلُوا طيِّبات ما رزَقْنَاكم [(١)](#foonote-١) ".

### فصل في بيان حقيقة الرِّزق


استدلُّوا على أنَّ الرزق قيد يكون حراماً ؛ بقوله تعالى :" مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ " ؛ فإِنَّ الطَّيِّب هو الحلال، فلو كان كلُّ رزقٍ حلالاً ؛ لكان قوله :" كُلُوا مِن \][(٢)](#foonote-٢) طَيِّبَاتَ مَا رَزَقْنَاكُمْ " معناه : من محلَّلات ما أحللنا لكم، فيكون تكراراً، وهو خلاف الأصل، وأجابوا عنه ؛ بأن الطَّيِّب في أصل اللُّغة : عبارةٌ عن المستلذِّ المستطاب، فلعلَّ أقواماً ظنُّوا أنَّ التوسُّع في المطاعم، والاستكثار من طيِّباتها ممنوعٌ منه، فأباح الله تبارك وتعالى ذلك ؛ لقوله تعالى :" كُلُوا " من لذائذ ما أحللناه لكم، فكان تخصيصه بالذِّكر لهذا المعنى. 
فصل في الوجوه التي وردت عليها كلمة " الطَّيِّب " في القرآن قالوا :" والطَّيِّبُ " ورد في القرآن الكريم على أربعة أوجهٍ :
أحدها : الطَّيِّبات بمعنى الحلال ؛ قال الله تعالى : وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ  \[ النساء : ٢ \]، أي : لا تتبدَّلوا الحرام بالحلال. 
الثاني : الطيِّب بمعنى الطَّاهر ؛ قال تبارك وتعالى : فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً  \[ النساء : ٤٣ \]، وقال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ  \[ فاطر : ١٠ \]. 
الثالث : الطَّيِّب : معناه الحسن، أي : الكلام الحسن للمؤمنين. 
وقوله : وَاشْكُرُواْ للَّهِ  أَمْرٌ، وليس بإباحةٍ، بمعنى أنه يجب اعتقاد كونه مستحقّاً إلى التعظيم، وإظهار الشُّكْر باللِّسان، أو بالأفعال، إن وجدت هنا له تهمةٌ. 
\[ الرابع : ذكر الله وتلاوة القرآن والأمر بالمعروف، قال تعالى :
 إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ  \[ فاطر : ١٠ \]. 
قوله :" إِنْ كُنْتُمْ " شرطٌ، وجوابه محذوف، أي : فاشكروا له، وقول من قال من الكوفيِّين : إنَّها بمعنى " إذ " ضعيفٌ، و " إيَّاه " : مفعولٌ مقدَّم ؛ ليفيد الاختصاص، أو لكون عامله رأس آية، وانفصاله واجبٌ، ولأنه متى تأخَّر، وجب اتصاله إلاَّ في ضرورة ؛ كقوله :\[ الرجز \]
٨٩٩ - إلَيْكَ حَتَّى بَلَغَتْ إِيَّاكَ[(٣)](#foonote-٣)
وفي قوله : وَاشْكُرُواْ للَّهَ  التفاتٌ من ضمير المتكلِّم إلى الغيبة إذْ لو جرى على الأسلوب الأوَّل، لقال :" واشْكُرُونَا ". 
### فصل في المراد من الآية


**في معنى الآية وجوه :**
أحدها :" واشْكُرُوا الله، إنْ كُنْتُمْ عارفِينَ بالله ونِعَمِهِ " فعبَّر عن معرفة الله تعالى بعبادته إطلاقاً لاسم الأثر على المؤثر. 
وثانيها : معناه :" إنْ كنتُمْ تريدون أن تَعْبُدوا الله، فاشكُرُوه فإنَّ الشُّكر رأسُ العبادات ". 
وثالثها :" واشْكُرُوا الله الَّذي رَزَقَكُمْ هذه النِّعْمَة، إن كُنْتُمْ إيَّاه تعبُدُونَ "، أي : إن صحَّ أنَّكم تخصُّونَهُ بالعبادة، وتقرُّون أنَّه هو إلهُكُمْ لا غيره، قال - عليه الصلاة والسلام عن الله - :" إنِّي والجنُّ والإنْسُ في نَبَأ عَظِيمٍ، أخْلُقُ وَيُعْبَدُ غَيْري، وَأَرْزُقُ وَيُشْكَرُ غَيْري[(٤)](#foonote-٤) ؟ ! " 
### فصل في أن الشيء المعلق ب " إن " لا يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء


احتجَّ من قال بأنَّ المعلَّق بلفظ " إنْ " لا يكون عدماً عند عدم ذلك الشَّيء ؛ بهذه الآية، فإنَّه تعالى علَّق الأمر بالشُّكْر بكلمة " إنْ " على فعل العبادة، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضاً. 
١ - زاد في ب: وهذا جائز، ويجوز أن تكون "من" زائدة في المفعول به على رأي الأخفش، أي: كلوا من طيبات ما رزقناكم..
٢ - سقط في ب..
٣ - البيت لحميد الأرقط. ينظر الكتاب: ٢/ ٣٦٢، أمالي ابن الشجري: ١/٤٠، الخصائص: ١/٣٠٧، شرح المفصل: ٣/١٠٢، الإنصاف: ٢/٦٩٩، الخزانة: ٥/ ٢٨٠، الدر المصون: ١/ ٤٤٠..
٤ - أخرجه ابن عساكر (٥/١٨٩) وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٦/٣) وعزاه للحكيم الترمذي والبيهقي في الشعب من حديث أبي الدرداء.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١١٦).
 وينظر تفسير الفخر الرازي: ٥/١٠..

### الآية 2:173

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:173]

لما أمر في الآية المتقدِّمة بأكل الحال، فصَّل في هذه الآية \[ أنواع \][(١)](#foonote-١) الحرام. 
قوله :" إنَّمَا حَرَّمَ " : الجمهور قرءوا " حَرَّمَ " مشدَّداً مبنيّاً للفاعل " المَيْتَة " نصباً على أنَّ " مَا " كافَّةٌ مهيِّئة ل " إنَّ " في الدُّخول على هذه الجملة الفعليَّة، وفاعل " حَرَّمَ " ضمير الله تعالى، و " المَيْتَةَ " : مفعولٌ به، وابن أبي عَبْلَة[(٢)](#foonote-٢) برفع " المَيْتَةُ "، وما بعدها، وتخريج هذه القراءة سهل وهو أن تكون " مَا " موصولةً، و " حَرَّمَ " صلتها، والفاعل ضمير الله تعالى والعائد محذوفٌ ؛ لاستكمال الشُّروط، تقديره :" حَرَّمَهُ "، والموصول وصلته في محلِّ نصب اسم " إنَّ "، و " الميتة " : خبرها. 
وقرأ أبو جعفر[(٣)](#foonote-٣)، وحمزة مبنيّاً للمفعول، فتحتمل " ما " في هذه القراءة وجهين :
أحدهما : أن تكون " ما " مهيئةً، و " المَيْتَةُ " مفعول ما لم يسمَّ فاعل. 
والثاني : أن تكون موصولةً، فمفعول " حُرِّمَ " القائم مقام الفاعل ضميرٌ مستكنٌّ يعود على " ما " الموصولة، و " لميتة " خبر " إنَّ ". 
وقرأ[(٤)](#foonote-٤) أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ[(٥)](#foonote-٥)، " حَرُمَ "، بضمِّ الراء مخفَّفة، و " المَيْتَةُ " رفعاً و " مَا " تحتمل الوجهين أيضاً، فتكون مهيِّئة، و " المَيْتَةُ " ؛ فاعلٌ ب " حَرُمَ "، أو موصولةً، والفاعل ضميرٌ يعود على " مَا " وهي اسمُ " إنَّ "، و " المَيْتَة " : خبرها، والجمهور على تخفيف " المَيْتَة " في جميع القرآن، وأبو جعفر بالتَّشديد، وهو الأصل، وهذا كما تقدَّم في أنَّ " الميْت " مخفَّفٌ من " المَيِّت "، وأن أصله " مَيْوِتٌ "، وهما لغتان، وسيأتي تحقيقه في سورة آل عمران عند قوله : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ  \[ آل عمران : ٢٧ \]. 
ونقل عن قدماء النحاة، أنَّ " المَيْتَ " بالتَّخفيف : من فارقت روحه جسده، وبالتشديد : من عاين أسباب الموت، ولم يمت، \[ وحكى ابن عطيَّة[(٦)](#foonote-٦) - رحمه الله - عن أبي حاتم : أنَّ ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يَمُتْ \][(٧)](#foonote-٧) بعد، لا يقال فيه بالتخفيف، ثم قال : ولم يقرأ أحدٌ بتخفيف ما لم يمت إلا ما روى البزِّيُّ عن ابن كثير :
 وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  \[ إبراهيم : ١٧ \]، وأما قوله :\[ الوافر \]

٩٠٠ - إذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمٍ  فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِىءْ بِزَادِ[(٨)](#foonote-٨)فقد حمل على من شارف الموت، وحمله على الميِّت حقيقةً أبلغ في الهجاء. 
وأصل " مَيْتَةٍ " مَيْوِتَةٌ، فأُعلَّت بقلب الواو ياء، وإدغام الياء فيها، وقال الكوفيُّون : أصله " مَوِيتٌ "، ووزنه " فَعِيلٌ ". 
قال الواحديُّ :" المَيْتَة " : ما فارقته الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يُذْبَح[(٩)](#foonote-٩). 
### فصل في بيان أن الآية عامَّة مخصَّصة بالسُّنَّة


هذه الآية الكريمة عامَّة دخلها[(١٠)](#foonote-١٠) التخصيص ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - :" أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ : السَّمَكُ والجَرَادُ، ودَمَانِ : الكَبِدُ والطِّحَالُ [(١١)](#foonote-١١) " وكذلك حديث جابر في العنبر، وقوله - عليه الصلاة والسلام – في البحر :" هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتَهُ " [(١٢)](#foonote-١٢) وهذا يدلُّ على تخصيص الكتاب بالسُّنّة. 
وقال عبد الله بن أبي أوفى :" غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتِ، نأْكُلُ الجَرَاد[(١٣)](#foonote-١٣) " وظاهره أكل الجراد كيف ما مات \[ بعلاجٍ، أو حَتْفَ أنفِهِ \]، والله أعلم. 
### فصل في بيان حكم وقوع الطائر ونحوه في القدر


إذا وقع طائرٌ ونحوه في قدرٍ، فمات، فقال مالكٌ : لا يُؤكل كل ما في القدر. 
وقال ابن القاسم : يغسل اللَّحم ويؤكل، ويراق المرق، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما[(١٤)](#foonote-١٤). 
### فصل في بيان حكم الدَّم


وأما الدَّم : فكانت العرب تجعل الدم في النَّار، وتشويها، ثم تأكلها، فحرَّم الله تعالى الدَّم، واتفق العلماء على أن الدم حرامٌ نجسٌ، لا يؤكل، ولا ينتفع به. 
قال بعضهم[(١٥)](#foonote-١٥) : يحرم، إذا لم تعم به البلوى، ويعفى عنه، إذا عمَّت به البلوى، كالذي في اللَّحم والعروق، واليسير في الثَّوب والبدن يصلَّى فيه، وأطلق الدَّم هنا، وقيَّده بالمسفوح في " الأنعام[(١٦)](#foonote-١٦) "، فيحمل المطلق على المقيَّد، وأمَّا لحم الخنزير، فاللَّحم معروف، وأراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خصَّ اللحم ؛ لأنه المقصود لذاته بالأكل، واللَّحم جمعه لحوم ولحمان، يقال : لحم الرَّجل، بالضم، لحامةً، فهو لحيمٌ، أي : غلظ، ولحم، بالكسر يلحم، بالفتح، فهو لحمٌ : اشتاق إلى اللَّحم، ولحم النَّاسَ، فهو لاحمٌ، أي : أطعمهم اللحم، وألحم : كثر عنده اللَّحم \[ والخنزير : حيوانٌ معروفٌ، وفي نونِهِ قولان :
أصحهما : أنَّها أصليَّة، ووزنه :" فِعْلِيلٌ " ؛ كغربيبٍ. 
والثاني : أنها زائدةٌ، اشتقوه من خزر العين، أي : ضيقها ؛ لأنه كذلك يَنْظُر، وقيل : الخَزَرُ : النَّظَرُ بمؤخِّر العين ؛ يقال : هو أخزر، بيِّن الخزر \][(١٧)](#foonote-١٧). 
### فصل في بيان تحريم الخنزير


أجمعت الأُمَّة على تحريم لحم الخنزير، قال مالك : إن حلف لا يأكل الشَّحم، فأكل لحماً لم يحنث بأكل اللحم، ولا يدخل اللحم في اسم الشَّحم ؛ لأنَّ اللحم مع الشَّحم يسمَّى لحماً، فقد دخل الشَّحم في اسم اللَّحم، واختلفوا في إباحة خنزير الماء ؛ قال القُرْطُبِيُّ[(١٨)](#foonote-١٨) : لا خلاف في أنَّ جملة الخنزير محرَّمةٌ، إلاَّ الشَّعر، فإنَّه يجوز الخرازة به. 
قوله :" وَمَا أُهِلَّ بِهِ " :" مَا " موصولةٌ بمعنى " الَّذِي "، ومحلُّها : إمَّا النصبُ، وإمَّا الرفع ؛ عطفاً على " المَيْتة " والرَّفع : إما خبر " إنّ "، وإما على الفاعلية ؛ على حسب ما تقدم من القراءات ؛ و " أُهِلَّ " مبنيٌّ للمفعول، والقائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور في " بِهِ " والضمير يعود على " ما " والباء بمعنى " في " ولا بد من حذف مضافٍ، أي :" في ذبحه " ؛ لأن المعنى :" وما صِيحَ في ذَبْحِهِ لغير الله "، والإهلال : مصدر " أَهَلَّ "، أي : صَرَخَ. 
قال الأصْمعِيُّ : أصله رفع الصَّوت، وكلُّ رافعٍ صوته، فهو مهلٌّ. ومنه الهلالُ ؛ لأنَّه يصرخ عند رؤيته، واستهلَّ الصبيُّ قال ابن أحمر :\[ السريع \]٩٠١ - يُهِلُّ بِالغَرْقَدِ غَوَّاصُهَا  كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ[(١٩)](#foonote-١٩)وقال النَّابِغَةُ :\[ الكامل \]٩٠٢ - أَوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوَّاصُهَا  بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلَّ وَيَسْجُدِ[(٢٠)](#foonote-٢٠)وقال القائل :\[ المديد \]٩٠٣ - تَضْحَكُ الضَّبعُ لِقَتْلَى هُذَيْلٍ  وَتَرَى الذِّئْبَ لَهَا يَسْتَهِلُّ[(٢١)](#foonote-٢١)وقيل للمحرم : مُهِلٌّ ؛ لرفع الصوت بالتَّلبية، و " الذَّابح " مهلٌّ ؛ لأنَّ العرب كانوا يسمُّون الأوثان عند الذَّبح، ويرفعون أصواتهم بذكرها، فمعنى قوله : وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، يعني : ما ذبح للأصنام، والطَّواغيت، قاله مجاهد، والضَّحَّاك وقتادة[(٢٢)](#foonote-٢٢)، وقال الرَّبيع ابن أنسٍ، وابن زيد : يعني : ما ذكر عليه غير اسم الله[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
قال ابن الخطيب[(٢٤)](#foonote-٢٤) - رحمه الله - : وهذا القول أولى ؛ لأنَّه أشدُّ مطابقةً للَّفظ. 
قال العلماء : لو ذبح مسلم ذبيحةً، وقصد بذبحها التقرُّب إلى \[ غير \] الله تعالى، صار مرتدّاً، وذبيحته ذبيحة مرتدٍّ، وهذا الحكم في ذبائح غير أهل الكتاب. 
أمَّا ذبائح أهل الكتاب، فتحلُّ لنا، لقوله تبارك وتعالى : وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ  \[ المائدة : ٥ \]. 
### فصل في اختلافهم في اقتضاء تحريم الأعيان الإجمال


اختلفوا في التَّحريم المضاف إلى الأعيان، \[ هل يقتضي الإجمال ؟
فقال الكَرْخيُّ : إنَّه يقتضي الإجمال، لأنَّ الأعيان \][(٢٥)](#foonote-٢٥) لا يمكن وصفها بالحل والحرمة، فلا بد من صرفها إلى فعل من الأفعال فيها، وهو غير محرَّم، فلا بُدَّ من صرف هذا التحريم إلى فعل خاصٍّ، وليس بعض الأفعال أولى من بعضٍ ؛ فوجب صيرورة الآية الكريمة مجملةً. 
وأمَّا أكثر العلماء، فقالوا : إنَّها ليست بمجملةٍ، بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرُّف ؛ قياساً على هذه الأجسام ؛ كما أنَّ الذوات لا تملك، وإنَّما تُمْلَكُ التصرُّفات فيها، فإذا قيل :" فلانٌ يَمْلِكُ جاريةً "، فهم كلُّ أحدٍ أنه يملك[(٢٦)](#foonote-٢٦) التصرُّف فيها ؛ فكذا هاهنا. 
فإن قيل : لم لا يجوز تخصيص هذا التَّحريم بالأكل ؛ لأنَّه المتعارف من تحريم الميتة، ولأنَّه ورد عقيب قوله : كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ، ولقوله - عليه الصلاة والسلام - في خبر شاة ميمونة :" إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُهُا[(٢٧)](#foonote-٢٧) " 
فالجواب عن الأوَّل : لا نسلِّم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم الأكل. 
وعن الثَّاني : بأنَّ هذه الآية الكريمة مسألةٌ بنفسها ؛ فلا يجب قصرها على ما تقدَّم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها. 
وعن الثَّالث : أنَّ ظاهر القرآن مقدَّم على خبر الواحد، هذا إذا لم نُجَوِّزْ تخصيص القرآن بخبر الواحد، فإن جوَّزناه، يمكن أن يجاب عنه ؛ بأن المسلمين، إنَّما يرجعون في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية ؛ فدلَّ انعقاد إجماعهم على أنَّها غير مختصَّة ببيان حرمة الأكل، وللسَّائل أن يمنع هذا الإجماع، والله تعالى أعلم. 
فإن قيل : كلمة " إنَّما " تفيد الحصر، فيقتصر على تحريم باقي الآية الكريمة، وقد ذكر في سورة المائدة هذه المحرمات، وزاد فيها : المنخنقة، والموقوذة، والمتردِّية، والنَّطيحة، وما أكل السَّبع، فما معنى هذا الحصر ؟
فالجواب : أنَّ هذه الآية متروكة العمل بظاهرها، وإن قلنا : إنَّ كلمة " إنَّما لا تفيد الحصر، فالإشكال زائلٌ. 
### فصل في بيان مذاهب الفقهاء في الدباغ


**للفقهاء سبعة مذاهب في أمر الدباغ :**
فأولها : قول الزُّهريِّ : يجوز استعمال جلود الميتة بأسرها قبل الدِّباغ، ويليه داود، قال : تطهر كلُّها بالدِّباغ، ويليه مالكٌ ؛ فإنه قال يطهر ظاهرها كلُّها دون باطنها، ويليه أبو حنيفة - رضي الله عنه - قال : يطهر كلها بالدِّباغ إلا جلد الخنزير، ويليه قول الإمام الشافعي - رضي الله عنه - قال : تطهر كلُّها بالدِّباغ إلاَّ جلد الكلب والخنزير، ويليه الأوزاعي، وأبو ثور، قالا : يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، ويليه أحمد بن حنبل، قال : لا يطهر منها شيء بالدباغ ؛ واحتجَّ بالآية الكريمة، والخبر ؛ أما الآية : فقوله تبارك وتعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ  \[ المائدة : ٣ \] فأطلق التحريم، ولم يقيِّده بحالٍ دون حالٍ، وأمَّا الخبر : فقوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث عبد الله بن عُكَيم، لأنه قال :" أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وفَاتِهِ بِشَهْرٍ، أو شَهْرَيْنِ : إنِّي كَنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ في جُلُودِ المَيْتَةِ، فَإذَا أَتَاكُمْ كِتَابي هَذَا، فَلاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإِهَابٍ، وَلاَ عَصَبٍ " [(٢٨)](#foonote-٢٨). 
واختلفوا في أنَّه، هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازيِّ، والبهيمة ؟ فمنهم : من منع م١ - في ب: بنوع..
٢ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٦٠، الدر المصون: ١/٤٤١..
٣ - ينظر: مصادر القراءة السابقة..
٤ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٢٣٩، البحر المحيط: ١/ ٦٦٠، والدر المصون: ١/٤٤١..
٥ - عبد الله بن حبيب أبو عبد الرحمان السلمي تابعي ثقة توفي سنة ١٩٤هـ. ينظر غاية النهاية: ١/٤١٣..
٦ - ينظر المحرر الوجيز: ١/٢٣٩..
٧ - سقط في ب..
٨ - البيت لأبي المهوس: ينظر: اللسان "لفف"، والقرطبي: ٢/١٤٦، والدر المصون: ١/٤٤١..
٩ -ينظر تفسير الرازي: ٥/١١..
١٠ - ومحلها في ب..
١١ - أخرجه ابن ماجه (٢/ ١١٠١- ١١٠٢) كتاب الأطعمة باب الكبد والطحال (٣٣١٤) والدارقطني (٤/ ٢٧١-٢٧٢) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة (٢٥) والبيهقي (١/ ٢٥٤) كتاب الطهارة باب (الحوت يموت في الماء والجراد) والشافعي في "المسند" (٢/١٧٣) كتاب الصيد والذبائح (٦٠٧) وأحمد في مسنده (٢/٩٧)..
١٢ - أخرجه مالك في الطهارة (١٢) باب الطهور للوضوء، والشافعي في "الأم" (١/٣) وابن أبي شيبة (١/ ١٣١) وأبو داود (١/٦٤) رقم (٨٣) والترمذي (١/١٠٠) رقم (٦٩) والنسائي (١/٥٠) وابن ماجه (١/١٣٦) رقم (٣٨٦) والدارمي (١/١٨٥-١٨٦) وأحمد ( ٢/ ٣٦١) والبيهقي (١/٣) والدارقطني (١/٣٦) رقم (١٣) وابن خزيمة (١١١) والحاكم (١/١٤١) وعبد الرزاق (١/٩٣-٩٦) وابن حبان (١١٩-موارد) والبغوي في "شرح السنة" (١/٣٦٨) وقال الترمذي: حديث حسن صححي.
 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
 **وله شاهد من حديث جابر:**
 أخرج أحمد (٣/٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٨) وابن حبان (٢/ ٢٧٢) رقم (١٢٤١) وابن خزيمة (١١٢) والحاكم (١/ ١٤٣)..
١٣ -أخرجه البخاري (٩/٦٢٠) كتاب الذبائح والصيد: باب أكل الجراد (٤٥٩٥) ومسلم (٣/١٥٤٦) كتاب الصيد والذبائح: باب إباحة الجراد (٥٢/١٩٥٢) والنسائي (٧/٢١٠) والبغوي في "شرح السنة" (٦/٣٨)..
١٤ -ينظر تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٨..
١٥ - وهو خويز منداد من المالكية..
١٦ - \[الآية: ١٤٥\]..
١٧ - سقط في ب...
١٨ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/١٥٠..
١٩ - البيت ذكره ابن منظور في اللسان "عمر". وينظر الدر المصون: ١/٤٤٢..
٢٠ - ينظر ديوانه: (١٠٧)، والقرطبي: ٢/١٥١، والدر المصون: ١/٤٤٢..
٢١ - البيت لتأبط شرا، ينظر الحماسة: ١/٤٠٣، اللسان "ضحك"، والبحر المحيط: ١/٦٥٢، والدر المصون: ١/٤٤٢..
٢٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٢٠) عن قتادة ومجاهد والضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٠٨) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن مجاهد..
٢٣ - أخرجه ابن أبي حاتم بمعناه عن أبي العالية، كما في "الدر المنثور" (١/٣٠٨)..
٢٤ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٥/١١..
٢٥ - سقط في ب..
٢٦ - في ب: كلما خدمته بملك..
٢٧ - أخرجه مالك في "الموطأ" (٤٩٨) والبخاري (٢/ ١٥٨)/ (٣/ ١٠٧) ومسلم كتاب الحيض ١٠٠، ١٠١، وأبو داود كتاب اللباس باب ٤ والنسائي (٧/١٧٢) وابن ماجه (٣٦١٠) وأحمد (١/٢٦١-٢٦٢-٣٣٠) و (٦/٣٢٩) والدارمي (٢/٨٦) والبيهقي (١/١٥، ٢٣) والطبراني (١١/ ١٦٧) وابن أبي شيبة (٨/١٩١) وابن عبد البر في "التمهيد" (٤/١٥٤) والطحاوي في "المشكل"، (١/١٩٧) وفي "شرح المعاني" (١/٤٧٢) والدارقطني (١/٤١) والحميدي (٣١٥، ٣٩١)..
٢٨ أخرجه أبو داود (٢/٤٦٥) كتاب اللباس باب من روي أنه لا ينتفع بإهاب الميتة (٤١٢٧) والترمذي (٤/١٩٤) رقم (١٧٢٩) وابن ماجه (٣٦١٣) والنسائي (٧/١٧٥) وأحمد (٤/ ٣١٠-٣١١) وابن أبي شيبة (٨/ ٣١٥) و (١٣/٥٣) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ٢٥٩) وابن عبد البر (٤/ ٢٥٩-٢٦٠-٢٦١) والطبراني في "الأوسط" (٢/١٠١) من حديث عبد الله بن عكيم..

### الآية 2:174

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:174]

قال ابن عبَّاس : نزلَت في رؤوس اليهود : كعبِ بنِ الأَشْرفِ وكعْبِ بن أسدٍ، ومالك بنِ الصيف، وحُييِّ بن أخطَبَ، وأبي ياسرِ بنِ أخطَبَ ؛ كانوا يأخذون من أتباعهم الهَدَايا، وكانُوا يَرجُون أن يكُونَ النبيُّ المَبْعُوثُ منهم، فلما بُعِثَ محمَّدٌ عليه الصَّلاة والسَّلام من غيرهم خافُوا انقطَاع تلك المنافِع ؛ فكتموا أمر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بأنْ غيَّروا صِفَتَه، ثم أخرَجُوها إليهم، فإذا ظَهَرت السفلة على النَّعتِ المغيَّر، وجدوه مخالفاً لصفتِهِ صلى الله عليه وسلم، لا يتبعونَه، فأنزل الله تبارَكَ وتعالى هذه الآية[(١)](#foonote-١). 
قال القرطبيُّ[(٢)](#foonote-٢) : ومعنى " أَنْزَلَ " : أظْهَرَ ؛ كما قال تعالى : وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ اللَّهُ  \[ الأنعام : ٩٣ \] أي : سأُظْهِر وقيل : هو على بابِهِ من النُّزول، أي : ما أَنْزَل به ملائكتَهُ على رُسُله. 
قوله :" مِنَ الْكِتَابِ " : في محلِّ نصْبٍ، على الحال، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أَنَّهُ العائِدُ على الموصول، تقديره :" أَنْزَلَهُ اللَّهُ " حال كونه " مِنَ الكِتَابِ " فالعاملُ فيه " أَنْزَلَ ". 
والثاني : أنه المُوصول نَفسُه، فالعامل في الحال " يَكْتُمُونَ ". 
قوله :" وَيَشْترونَ بِهِ " : الضميرُ في " بِهِ " يُحْتَمَل أن يعود على " ما " الموصولة، وأن يعودَ على الكَتْم المفهومِ من قوله :" يَكْتُمُونَ "، وأَنْ يعودَ على الكتابِ، والأَوَّلُ أَظهَرُ، ويكونُ ذلك على حَذْف مضافٍ، أي :" يَشْتَرونَ بِكَتْم ما أَنْزَلَ ". 
قال ابنُ عَبَّاس - رضي الله عنه - وقتادَةُ والسُّدِّيُّ، والأصَمُّ وأبو مُسْلِمٍ - رضي الله عنهم - كانوا يكتُمُونَ صفَةَ محمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام - ونَعْتَهُ[(٣)](#foonote-٣). 
وقال الحسَنُ : كَتَمُوا الأَحْكَام، وهو قولهُ تبارَكَ وتعالى : إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ  \[ التوبة : ٣٤ \].

### فصل في حقيقة الكتمان


اختلفوا في كيفيَّة الكتمان. 
فروي عن ابن عبَّاس أَنَّهُم كانُوا يحرِّفون ظاهِرَ التَّوراةِ، والإنجيلِ[(٤)](#foonote-٤). 
قال المتكلِّمون : وهذا ممتنعٌ ؛ لأنَّ التوراة والإنجيل كتابانِ، وقد بلغا من الشهرة إلى حدِّ التواتر ؛ بحيث يتعذّر ذلك فيهما، وإِنَّما كانوا يكتُمُونَ التأويلَ، لأن‍َّه قَدْ كان منهم مَنْ يعرف الآياتِ الدالَّةَ على نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يذكُرُون لها تأويلاتٍ باطلةً، ويحرِّفونها عن محامِلها الصحيحة، والدَّالَّةِ على نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو المرادُ من الكتْمَان، فيصير المعنى : الذين يكْتُمُون معاني ما أنزَلَ الله منَ الكتاب. 
 وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  كقوله تعالى : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً  \[ البقرة : ٤١ \] لأنَّه في نفسه قليلٌ ولأنَّه بالإضافة إلى ما فيه من القدر قليلٌ، ولما ذكر عنهم هذه الحكاية، ذكر الوعيدَ عليهم ؛ فقال : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ . 
قال بعضُهُم : ذكْرُ البطْنِ هنا زيادةُ بيانٍ ؛ كقوله : يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ 
\[ الأنعام : ٣٨ \] وقال بعضهُم : بل فيه فائدةٌ ؛ وقولُه " فِي بطُونِهِمْ "، يقالُ : أَكَلَ فُلاَنٌ فِي بَطْنِهِ وَأَكَلَ فِي بَعْضِ بَطْنِهِ. 
### فصل في أكلهم النَّار في الدنيا أم في الآخرة


قال الحسن، والرَّبيع، وجماعةٌ مِنْ أهلِ العلم إنَّ أكلَهُم في الدنيا وإن كان طيِّباً في الحال، فعاقبتُه النَّار ؛ لأنَّه أكلُ ما يوجب النار ؛ فكأنه أكْلُ النَّار ؛ كما روي في حديث الشَّارب مِن آنيةِ الذَّهَب والفضَّة :" إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ ". 
وقوله تبارَكَ وتَعَالى : إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً  \[ يوسف : ٣٦ \] أي : عِنباً ؛ فهذا كلُّه من تسمية الشيء بما يؤولُ إلَيْه. وقال الأصمُّ إِنَّهم في الآخرةِ يَأكلُون النَّار ؛ لأكلهم في الدنيا الحرامَ[(٥)](#foonote-٥). 
قوله : إِلاَّ النَّارَ  استثناءٌ مفرَّغ ؛ لأنَّ قبله عاملاً يطلبه، وهذا من مجازِ الكَلاَمِ، جعل ما هُوَ سَبَبٌ للنَّار ناراً ؛ كقولهم :" أَكَلَ فُلاَنٌ الدَّمَ "، يريدُون الدية الَّتي بِسَبَبها الدَّمُ ؛ قال القائل في ذلك :\[ الطويل \]
٩٠٤ - فَلَوْ أَنَّ حَبّاً يَقْبَلُ المَالَ فِدْيَةً \*\*\* لَسُقْنَا إِلَيْهِ المَالَ كَالسَّيْلِ مُفْعَما
وَلَكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصِيبَ أَخُوهُمُ \*\*\* رِضَا الْعَارَ وَاخْتَارُوا عَلَى اللَّبَنِ الدَّمَا[(٦)](#foonote-٦)
وقال القائلُ :\[ الطويل \]
٩٠٥ - أَكَلْتُ دَماً إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ \*\*\* بِعِيدَةِ مَهْوَى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ[(٧)](#foonote-٧)
وقال :\[ الرجز \]
٩٠٦ - يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إِكَافَا
يريد : ثَمَنَ إكافٍ[(٨)](#foonote-٨). 
وقوله :" في بُطُونِهِم " يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أَن يتعلَّق بقوله " يَأْكُلُونَ " فهو ظرْفٌ له، قال أبو البقاء[(٩)](#foonote-٩) : وفيه حذفُ مضافٍ، أي " طَرِيقِ بُطُونِهِمْ " ولا حاجة إلى ما قاله من التَّقْدِير. 
والثاني : أنْ يتعلَّق بمحذوفٍ، على أنَّهُ حالٌ من النَّار. 
قال أبُو البقاء[(١٠)](#foonote-١٠) : والأجودُ : أن تكونُ الحال هُنَا مقدَّرة ؛ لأنَّها وقت الأَكْلِ ليْسَتْ في بُطُونِهِمْ. وإنَّمَا تَؤول إلى ذلك، والتقديرُ : ثابتةٌ وكائنةٌ في بُطُونهم. 
قال : ويلْزَمُ منْ هذا تقديمُ الحال على حرف الاستثناء. 
وهو ضعيفٌ، إلاَّ أنْ يجعل المفعولَ محذوفاً و " فِي بُطُونِهِمْ " حالاً منه، أَو صفةً له، أي : في بطونِهِم شيئاً، يعني فيكون :" إلاَّ النَّارُ " منصوباً على الاستثناء التَّامِّ ؛ لأنَّهُ مستثنًى من ذلك المحذوف إِلاَّ أَنَّه قال بَعْد ذلك : وهذا الكلامُ من المعنى على المجاز وللإعْرَابِ حكْمُ اللفظ. 
والثالث : أنْ يكون صفةً أو حالاً من مفعُول " كُلُوا " محذوفاً ؛ كما تقدم تقديرُه. 
قوله : في ذِكْرِ البُطُونِ تنبيهٌ على أَنَّهُم باعوا آخِرَتَهُم بدُنياهم، وهو حظُّهم من المَطْعَم الَّذي لا خَطَرَ له ومعنى " إلاَّ النَّار "، أي : أنَّهُ حرامٌ يعذِّبهم الله علَيْه، فسمّى ما أَكَلُوه من الرُّشَا ناراً ؛ لأَنَّهُ يؤدِّيهم إلى النار، قاله أكثر المفسِّرين[(١١)](#foonote-١١). 
وقيل : إِنَّهُ يعاقبهم على كتمانهم بأكل النَّار في جهنم حقيقةً فأَخْبَر عن المآل بالحالِ ؛ كما قال تعالى  إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  \[ النساء : ١٠ \]، أي عاقبتهم تئُولُ إلى ذلك، ومنْه قَوْلُ القائل :\[ الوافر \]
٩٠٧ - لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ \*\*\*. . . [(١٢)](#foonote-١٢)
وقال القائِل \[ المتقارب \]
٩٠٨ -. . . \*\*\* فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الْوَالِدَهْ[(١٣)](#foonote-١٣)
وقال آخر :\[ البسيط \]
٩٠٩ -. . . \*\*\* وَدُورُنَا لِخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا[(١٤)](#foonote-١٤)
وهذه الآيةُ تدُلُّ على تحريم الرَّشْوَة على الباطل. 
قوله : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ  ظَاهِرهُ : أَنَّهُ لا يكلِّمهم أصلاً، لكنه لما أوردَهُ مَوْرِدَ الوعيد، فهم منه ما يجري مَجْرَى العقوبة وذكَروُا فيه ثلاثة أَوْجِهٍ[(١٥)](#foonote-١٥) :
الأوَّل : قد دَلَّ الدَّليلُ على أَنَّه سبحانَهُ وتعالى يكلِّمهم ؛ وذلك قولُهُ
 فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  \[ الحجر : ٩٢ \]. 
وقوله  فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ  \[ الأعراف : ٦ \] فعرفنا أَنَّهُ يسأل كلُّ واحدٍ من المكلَّفين، والسؤال لا يكونُ إِلاَّ بكَلاَم، فقالوا : وجب أنْ يكُون المرادُ من الآية الكريمة أنه تعالى لا يكلِّمهم بتحيَّةٍ وسلام وخَيْرٍ، وإنما يكلِّمهم بما يعظم عندهم من الحَسْرة والغَمِّ ؛ من المناقشة والمُسَاءلة كقوله تعالى  اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ  \[ المؤمنون : ١٠٨ \]. 
الثاني : أنَّه تبارك وتعالى لا يكلِّمهم أَصْلاً، وأَمَّا قوله تعالى : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إنما يكون السؤال من الملائكة بأمره تعالى، وإنَّما كان عدَمُ تكليمهم في مَعْرِضِ التَّهْديد ؛ لأَنَّ \[ يومَ القيامة هُو اليَوْمُ الذي يكلِّم الله تعالى فيه كلَّ الخلائق بلا واسطةٍ، فيظهر \][(١٦)](#foonote-١٦) عند كلامِهِ السُّرُورُ في أوليائه، وضده في أعدائِهِ ويتميَّز أهلُ الجَنَّة بذلك، من أهلِ النار. فلا جَرَم كان ذلك من أعظَمِ الوعيد. 
الثالث : أن قوله :" وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ " استعارةٌ عن الغَضَب ؛ لأنَّ عادةَ المُلُوك أنَّهُم عند الغَضَب يعرضُون عن المَغْضُوب عليه، ولا يكلِّمونه ؛ كما أنَّهُم عند الرضَا يُقْبِلُون علَيْه بالوجه والحديث. 
وقوله " وَلاَ يُزكِّيهِم " [(١٧)](#foonote-١٧) فيه وجوه :
الأوَّل : لا ينسبهم إلى التَّزكية، ولا يُثْنِي عليهم. 
الثاني : لا يقْبَل أعمالَهُمْ ؛ كما يقبل أَعْمَال الأولياء. 
الثالث : لا ينزلُهم منازل الأولياء. 
وقيل : لا يُصْلِحُ عمالهم الخبيثة، فيطهرهم. 
قولُهُ  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، اعْلَمْ : أنَ الفعيل قد يكون بمعنى المفعول ؛ كالجريح والقتيل، بمعنى المجروح والمَقْتُول، وقد يكُونُ بمعنى " المُفعل " ؛ كالبصير بمعنى المُبْصِر والأليم بمعنى المُؤلم. 
واعلم أَنَّ العبرةَ بعُمُوم اللَّفْظِ، لا بخُصُوص السَّبَب، فالآية الكريمة وإن نزلت في اليهود، لكنَّها عامَّة في حقِّ كلِّ مَنْ كَتَم شيئاً من باب الدِّين. 
١ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٢٣، البغوي ١/ ١٤١..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٥٧..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٢٣..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٢٣..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٢٤..
٦ - ينظر: الحماسة ١/١٢٥، البحر المحيط ١/٦٦٧، والدر المصون ١/٤٤٤..
٧ - البيت لعروة الرحال. ينظر الحماسة ٢/ ٤٦٣، الدر المصون: ١/٤٤٤..
٨ - ينظر: البحر المحيط ١/٦٦٧، الدر المصون ١/٤٤٤..
٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء١/٧٦..
١٠ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٧٦..
١١ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٥٨..
١٢ - هذا صدر بيت لأبي العتاهية. ينظر ديوانه ٣٣، وللإمام علي بن أبي طالب في خزانة الأدب ٩/٥٢٩-٥٣١، والدر ٤/١٦٧، وأوضح المسالك ٣/٣٣، والجنى الداني ٩٨، والدر المصون ٣/ ٧٢..
١٣ - هذا عجزي بيت لنهيل بن الحارث المازني أو لشييم بن خويلد، وصدره: وإن يكن الموت أفناهم.
 ينظر خزانة الأدب ٩/ ٥٣٠، ٥٣٣، ٥٣٤ ولشييم أو لسماك بن عمرو في لسان العرب (لوم) وينظر شرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٢، ومغني اللبيب ١/ ٢١٤..
١٤ - البيت لسابق البربري وصدره: أموالنا لذوي الميراث نجمعها.
 ينظر: اللامات ص ١٢٠ ولسان العرب (لوم)..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٢٤..
١٦ - سقط في ب..
١٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٢٤..

### الآية 2:175

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [2:175]

اعلم أنَّ أَحْسَنَ الأشياء في الدُّنيا الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضَّلال والجَهْل فَلَمَّا تركُوا الهُدَى في الدُّنيا، ورضُوا بالضَّلال والجهل، فلا شَكَّ أَنَّهُمْ في نهاية الخَسَارة في الدنيا، وَأَمَّا في الآخرة، فأحسن[(١)](#foonote-١) الأشياء المَغْفِرة، وأخْسَرُها العذَابُ، فَلَمَّا صرفوا المغفرة، ورضُوا بالعَذَاب، فلا جَرَم : أنهم في نهاية الخَسَارة، ومَنْ كانت هذه صفتَهُ، فهو أعْظَمُ النَّاس خسارةً في الدُّنيا والآخِرَة. 
قولُهُ  فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ  في " ما " هذه خمسةُ أقْوالٍ :
أحدها : وهو قول سيبويه[(٢)](#foonote-٢)، والجُمهُور : أَنَّها نكرةُ تامَّةُ غير موصُولة، ولا موصوفةٍ، وَأَنَّ معناها التعجُّب، فإذَا قُلْتَ :" مَا أَحْسَنَ زَيْداً "، فمعناهُ : شيءٌ صَيَّرَ زَيْداً حَسَناً. 
الثاني : قولُ الفراء[(٣)](#foonote-٣)- رحمه الله تعالى - أَنَّهَا استفهاميَّةٌ صَحِبَها معنى التعجُّب ؛ نحو " كَيْف تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ". 
قال عطَاءٌ، والسُّدِّيُّ : هو " ما " الاستفهام، معناه : ما الَّذي صَبَّرهم على النَّار ؟ وأيُّ شيء صَبَّرهم على النَّار ؛ حتى تَرَكُوا الحَقَّ، واتبعوا البَاطِلَ[(٤)](#foonote-٤). 
قال الحَسَن، وقَتادة :" والله ما لهم عَلَيْها من صَبْر، ولكنْ ما أجرأهم على العمل الَّذي يقرِّبهم إلى النار[(٥)](#foonote-٥) " وهي لغة يَمَنية معروفةٌ. 
قال الفراء : أخبرني الكسائيُّ قال : أخبرني قاضي " اليَمَنِ " أَنَّ خَصْمَينِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فوجَبَتِ اليمينُ على أحدهِمَا، فحلَفَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : ما أصْبَرَكَ عَلَى اللَّهِ ؟ أي : ما أجرأك عليه[(٦)](#foonote-٦). 
وحكى الزَّجَّاجُّ : ما أبقاهُمْ على النَّار، من قولِهِم :" مَا أَصْبَرَ فُلاَناً على الحَبْس "، أي : ما أبقاهُ فيه[(٧)](#foonote-٧). 
والثالث : ويُعْزَى للأخفش[(٨)](#foonote-٨) \[ أَنَّهَا موصُولةٌ. 
الرابع : ويُعْزَى له أيضاً : أنها نكرةٌ موصوفةٌ وهي على الأقوال الأربعة في مَحَلِّ رفع بالابتداءِ، وخبرها على القَوْلين الأولَيْن : الجملةُ الفعليَّة بعدَها، وعلى قوْلي الأخْفَش \][(٩)](#foonote-٩) : يكون الخبر مَحذوفاً فإنَّ الجملة بعدها إما أن تكون صلةً، أو صفةً. وكذلك اختلفُوا في أفْعَل الواقع بعدها، أهو اسمٌ ؟ وهو قول الكوفيِّن، أم فعل ؟ وهو الصحيحُ، ويترتَّب على هذا الخلاَفِ خلافٌ في نصْب الاسْمِ بعده، هَلْ هو مفعولٌ به، أو مشبَّه بالمعفول به، ولكلٍّ مِنَ المذْهَبَين دلائلُ، واعتراضات وأجوبةٌ ليس هذا موضعها. 
والمراد بالتعجُّب هنا، وفي سائر القُرْآن : الإعلامُ بحالهم ؛ إنَّها ينبغي أنْ يتعجَّب منها، وإلا فالتعجب مستحيلٌ في حقِّه تعالى، ومعنى عَلَى النَّارِ، أي : على عمل أهْل النار، قاله الكِسَائيُّ، وهذا من مجاز الكَلاَمِ. 
الخامس : أنَّها نافيةٌ، أَي : فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ . نقله أَبُوا البقاء[(١٠)](#foonote-١٠).

١ - في ب: فأخسروا..
٢ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/٣٧..
٣ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٠٣..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٣١) عن قتادة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٠٩)..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٣٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٠٩) وزاد نسبته لسفيان ابن عيينة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي نعيم في "الحلية"..
٦ -ينظر: القرطبي ٢/١٥٩..
٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٥٩..
٨ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١/١٥٥..
٩ - سقط في ب..
١٠ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٧٧..

### الآية 2:176

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [2:176]

قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ  : اختلفُوا في مَحَلِّ :" ذَلِكَ " من الإعراب فقيل : رفعٌ، وقيل : نَصْبٌ والقائلُونَ بأنَّه رفْعٌ، اختلفوا على ثلاثة أقْوَال :
أحدها : أَنَّهُ فاعلٌ بفعلٍ محذوف، أي : وجب لَهُمْ ذلك. 
الثاني : أن " ذَلِكَ " مبتدأٌ، و " بِأَنَّ اللَّهَ " خبره، أي : ذلك العذابُ مستحقٌّ بما أنزل الله في القرآن من استحقاق عَذَاب الكَافِرِ. 
والثالث : أنَّهُ خَبَرٌ، والمبتدأ محذوفٌ، أَي : الأمرُ ذلك، والإشارة إلى العَذَابِ، ومَنْ قال بأنَّه نصب، قدَّره :" فعلنا ذلك " \[ والباءُ متعلِّقة بذلك المَحْذُوف، ومَعْنَاها السببية.

### فصل في اختلافهم في الإشارة ب " ذلك " 


اختلفوا في الإشارة بقوله " ذلك " \][(١١)](#foonote-١١) إلى ماذا ؟ على قولين :
الأوَّل : أنَّهُ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الوعيد على الكِتْمان، أي : إِنَّما كان لأَنَّ الله أنْزَلَ الكتابَ بالحَقِّ في صفَةِ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وإنَّ هؤلاء اليَهُود والنصارى لأجْل مشاقَّة الرَّسُول عليه الصَّلاة والسَّلام يُخْفُونَه، ويوقِعُون التُّهمة فيه، فلا جَرَم، استحقُّوا ذلك الوعيد الشديد، ثم تقدَّم في الوعيد أُمُورٌ :
أقربُها : أنَّهم اشتروا العذابَ بالمَغْفرة. 
ثانيها : اشْتَرَوُا الضَّلالة بالهُدى. 
ثالثها : أَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أليماً. 
رابعها : أَنَّ الله لا يزكِّيهم. 
خامسها : أَنَّ الله لا يكلِّمهم. 
فقوله :" ذَلِكَ " يصلُحُ أَنْ يكون إشارة إلى \[ كلِّ واحدٍ منها، وأن يكونَ إشارةً إلى المَجْمُوع. 
والقول الثاني : أَنَّ ذلك إشارةٌ إلى \][(١٢)](#foonote-١٢) ما يفعلونه من جراءتهم على الله تعالى في مخالفَتَهِم أَمْرَ الله، وكتمانِهِمْ ما أَنْزَل الله فبيَّن تبارك وتعالى أَنَّ ذلك إِنَّما هُوَ من أَجلِ الكتابَ بالحَقِّ وقد نزل فيه أَنَّ هؤلاء الكُفَّارَ لا يؤمِنُون، ولا يَنْقَادُونَ، ولا يَكُون منهم إلاَّ الإصْرَار على الكُفْرِ ؛ كقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ  \[ البقرة : ٦ - ٧ \] وقوله :" بالحَقِّ "، أَي : بالصِّدق، وقيل : ببيان الحقِّ، والمرادُ من " الكتاب " : يحتمل أن يكُونَ التَّوراة، والإنجيل، ويحتملُ أن يكُون القرآن، فإن كَانَ الأَوَّلَ، كان المعنى وإن الَّذين اخْتلَفُوا في تأويله، وتحريفه، لَفِي شِقَاقٍ بعيدٍ وإِنْ كان الثَّاني، كان المعنى : وإن الذين اختلَفُوا في كَونه حقّاً منزَّلاً من عند الله تعالى لَفِي شقَاقٍ بعيدٍ. 
### فصل في المراد باختلافهم


**والمراد باختلافهم :**
إِنْ قلنا المراد ب " الكَتِابِ " هو القُرْآن، كان اختلافُهُم فيه : أَنَّ بعضَهُم قال : هو كَهَانَةٌ، وقال آخرون هو سِحْرٌ، وآخرونَ قالُوا : هو رجْزٌ، ورابعٌ قال أساطيرُ الأَوَّلين وخامسٌ قال : إِنَّه كلامٌ مختلق. وإنْ قلنا : المراد ب " الكتَابِ " هو التوراةُ والإِنْجيلُ، فالمراد باختلافهم يحتمل وجُوهاً[(١٣)](#foonote-١٣). 
أحدها : اختلافُهُمْ في دَلاَلة التَّوراة على نُبُوَّة المسيح[(١٤)](#foonote-١٤)، فاليهود قالوا : إِنَّها دالَّةٌ على القَدْح في عيسى ؛ والنصارَى قالوا : إِنَّها دالَّة على نبوَّته. 
وثانيها : اختلافهُم في الآياتِ الدالَّة على نُبُوَّة محمَّد - عليه السلام - فَذَكَرَ كلُّ واحدٍ منهم له تأويلاً فاسداً. 
وثالثها : قال أبو مُسْلِم : قوله :" اخْتَلَفُوا " من باب " افْتَعَلَ " الذي كون مكان " فَعَلَ "، كما يقال كَسَبَ واكْتِّسَبَ، وعَمِلَ واعْتَمَلَ، وكَتَبَ واكْتَتَبَ، وفَعَلَ وافْتَعَلَ، ويكون معنى قوله : إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ  أي : توارَثُوه وصارُوا خُلَفَاء فيه ؛ كقوله تبارك وتعالى
 فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ  \[ الأعراف : ١٦٩ \] وقوله  إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ  \[ يونس : ٦ \] أي : كل واحد منهما يأتِي خَلْف الآخر، \[ وقوله  وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً  \[ الفرقان : ٦٢ \]، أي كُلُّ واحدٍ منهما يخلفُ الآخر \][(١٥)](#foonote-١٥)، وفي الآية الكريمة تأويلاتٌ ثلاثٌ أُخَرُ. 
أحدها : أن يكونَ المراد ب " الكِتَابِ " جنْسَ ما أنزل الله، والمراد ب  الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ  الذين اختلفَ قولهُمْ في الكتاب، فقلبوا بعضَ كُتُب الله، وهي التوراة والإنجيلُ ؛ لأجل عداوتك، وهم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ، ومنازعة شديدةٍ، فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتَّفاقهم على العداوة[(١٦)](#foonote-١٦) ؛ فإنه ليسَ بينهم مؤالَفَة وموافَقَةٌ. 
وثانيها : كأنه تعالى يقُولُ : هؤلاءِ، وإن اختلفُوا فيما بينهم، فإنَّهم كالمتفقين على عَدَاوتك، وغاية المشاقَّة لك، فلهذا خَصَّهم الله بذلك الوَعِيدِ. 
وثالثها : أَنَّ هؤلاء الَّذين اتَّفَقوا على أصلِ التَّحريف، فإن كلَّ واحد منْهُم يُكَذِّب صاحبه، ويشاقُّه، وينازعه، وإذا كان كذلك، فقد عرفت كذبَهُمْ، بقولهم، فلا يكُونُ قدحُهُمْ فيك قَدْحاً ألبَتَّة.

### الآية 2:177

> ﻿۞ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [2:177]

قرأ الجُمْهُور برفع " البِرُّ " وحمزة، وحفصٌ عن عاصم بنصبه، فقراءةُ الجُمْهُور على أنَّه اسمُ " لَيْسَ " و " أَنْ تُولُّوا " خبرها في تأويل مصدَرٍ، أي : ليس البِرُّ تَوْلِيَتكُمْ، ورجِّحت هذه القراءةُ مِنْ حيث إنَّه ولي الفعل مرفوعه قبْل منصوبه، وأَمَّا قراءة[(١)](#foonote-١) حمزة وحَفْصٍ ف " البرُّ " خبرٌ مقدَّمٌ، و " أَنْ تُوَلُّوا " اسمُها في تأويل مصدرٍ، ورجِّحت هذه القراءة بأنَّ المصدر المؤَوَّل أعرفُ من المحلَّى بالألف واللام ؛ لأنَّهُ يشبه الضَّمير، من حيث إِنَّهُ لا يوصَفُ ؛ ولا يوصف به، والأعْرَفُ ينبغي أنْ يُجْعَل الاسْمَ وغيْر الأعْرَفِ الخَبَرَ ؛ وتقديمُ خَبَر " لَيْسَ " على اسمها قليلٌ ؛ حتى زَعَم منْعَهُ جماعةٌ \[ منْهم ابنُ دَرَسْتَوَيْهِ[(٢)](#foonote-٢)، قال : لأنَّها تشبه " مَا " المجازيَّة ولأَنَّها حرفٌ على قول جماعةٍ، لكنه \][(٣)](#foonote-٣) محجوج بهذه القراءة المتواترة، وبقول الشاعر \[ الطويل \]

٩١٠ - سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمْ  فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ[(٤)](#foonote-٤)وقال آخر :\[ الطويل \]٩١١ - أَلَيْسَ عَظِيماً أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ  وَلَيْسَ عَلَيْنَا فِي الخُطُوبِ مُعَوَّلُ[(٥)](#foonote-٥)وفي مصحف أُبَيٍّ[(٦)](#foonote-٦)، وعبْد الله " بِأَنْ تُوَلُّوا " بزيادةِ الباء، وهي واضحة ؛ فإن الباء تزادُ في خبر " لَيْسَ " كثيراً. 
### فصل في الاختلاف في أصل ليس


الجمهُور على أن " لَيْسَ " فعلٌ[(٧)](#foonote-٧)وقال بعضُهُمْ إنه حرفٌ حجَّة القائلين بأنَّها فعلٌ : اتصالُ الضمائر بها الَّتي لا تتصلُ إلاَّ بالأَفْعال ؛ كقَولك، " لَسْتُ، ولَسْنَا، ولَسْتُمْ "، و " القَوْمُ لَيْسُوا قَائِمِينَ "، وهذا منقوضٌ بقوله :" إِنَّنِي، ولَيْتَنِي، ولَعَلَّني ". 
**وحجَّة مَنْ قال بأنَّهَا حرفٌ أمور :**
الأوَّل : أنَّها لو كانت فعلاً، لكانت فعلاً ماضِياً ولا يجوزُ أن تكون فعلاً ماضياً ؛ لاتفاق الجمهُور على أَنَّهُ لِنَفي الحالِ، والقائلُونَ بأَنَّه فعْلٌ قالوا : إنه فعْلٌ ماضٍ. 
وثانيها : أَنَّهُ يدخلُ على الفعْلِ، فنقول :" لَيْسَ يَخْرُجُ زَيْدٌ "، والفعلُ لا يدخُلُ على الفعْل عَقْلاً ونقلاً. 
وقولُ مَنْ قال :" إن لَيْسَ " داخلٌ على ضمير القصَّة، والشأن، وكونُ هذه الجملةِ تفسيراً لذلك الضَّمير ضعيفٌ ؛ فإنَّهُ لو جاز ذلك، جاز مثلُه في " مَا ". 
وثالثها : أَنَّ الحرف " مَا " يظهرُ في معنَاهُ في هذه الكَلِمَة، فإنك لَو قُلْتَ :" لَيْسَ زَيْدُ " لم يتمَّ الكلام، لا بُدَّ أن تقول :" لَيْسَ زَيْدٌ قَائِماً ". 
ورابعُها : أن " لَيْسَ " لو كان فعْلاً، لكان " ما " فعلاً، وهذا باطلٌ، فذاك باطلٌ، بيان الملازمةِ : أن " لَيْسَ " لو كان فعْلاً لكان ذلك لدلالَتِهِ على حُصُول معنى السَّلْب مقترناً بزمان مخْصُوصٍ، وهو الحالُ، وهذا المعْنَى قائمٌ في " مَا " فيجبُ أن تكونَ " مَا " فعْلاً، فلَمَّا لم يكُنْ هذا فعْلاً، فكذلك القَوْل في ذلك أو تكون في عبارةٍ أُخْرَى :" لَيْسَ " كلمةٌ جامدةٌ، وضعت لنَفْي الحالِ، فأشبهت " مَا " في نفْي الفعليَّة بذلك. 
وخامسُها : أنَّك تَصِلُ " مَا " بالأفْعَال الماضيةِ، فتقولُ :" مَا أَحْسَنَ زَيْداً "، ولا يجوزُ أنْ تصلَ " مَا " ب " لَيْسَ " فلا تَقُولُ :" مَا لَيْسَ زَيْدٌ يَذْكُرُكَ ". 
وسادسها : أَنَّه على غير أوزَانِ الفِعْل. 
وأجابَ القَاضِي، والقائلُونَ بالفعليَّة عن الأَوَّل بأنَّ " لَيْسَ " قد يجيءُ لنفي المَاضِي بمعنَاه ؛ كقولهم :" جَاءَنِي القَوْمُ لَيْسَ زَيْداً ". 
وعن الثَّاني أنه منقوضٌ بقولهم :" أَخَذَ يَفْعَلُ كَذَا ". 
وعن الثَّالث : أنه منقوضٌ بسائر الأفعال النَّاقِصَة. 
وعن الرَّابع : أنَّ المماثَلَة مِنْ بعض الوجوه لا تَقتضي المماثلة من كُلِّ الوُجُوه. 
وعن الخَامِس : أَنَّ ذلك إِنَّمَا امتنع مِنْ قِبَلِ أَنَّ :" مَا " للحال و " لَيْسَ " للماضي، فلا يمكنُ الجَمْع بينهما. 
وعن السَّادس : أن تغير البناءِ وإن كان على خلافِ الأَصل، لكنَّه يجبُ المصيرُ إِلَيْه ؛ لدلالةِ العَمَل بما ذكر، وذكَرُوا وجوهاً أُخَرَ مخالفةً للنَّحْوِ. 
قوله :" قِبَلَ " منصوبٌ على الظَّرْف المكانيِّ بقوله :" تُوَلُّوا "، وحقيقةُ قولِكَ :" زَيْدٌ قِبَلَكَ " أي في المكان الَّذي يقابلُكَ فيه وقد يُتَّسَعُ فيه، فيكون بمعنى " عِنْدَ " ؛ نحو قولك :" قِبَلَ زَيْدٍ دَيْنٌ "، أي " عِنْدَهُ ديْنٌ ". 
### فصل في اختلافهم في عموم هذا الخطاب وخصوصه. 


اختلفوا : هَلْ هذا الخطاب عَامٌّ، أو خاصٌّ ؟ فقال قتادةُ، ومقاتلُ بْنُ حَيَّان : لمَّا شددوا أهل الكتاب بالثبات على التوجُّه نحو بيْت المَقْدِس، قال تعالى : لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ  هذه الطريقة،  وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ . 
وقال مجاهدٌ وعطاءٌ والضَّحَّاك - رضِيَ الله عنهم- : المرادُ مخاطبةُ المؤمنين، لَمَّا ظنُّوا هذا الكلام. 
وقال بعضُهُم : هو خطابٌ للكلّ ؛ لأنَّه لما حُوِّلت القبلةُ، حَصَلَ للمؤمنينَ الاغتباطُ بهذه القِبْلة، وحَصَلَ منْهم التشديدُ في هذه القِبْلَة ؛ حتَّى ظنُّوا أنَّه الغرضُ الأكْبَر في الدِّين، فبعثهم الله تعالى بهذا الخِطَاب استيفاءَ جميع الطاعات والعبادات، ولَيْسَ البرَّ بأنْ تولُّوا وجوهَكُم شَرْقاً وغرباً، وإِنَّمَا البِرُّ كَيْتََ وكَيْتَ، فكأنَّه تبارك وتعالى قال : ليْس البرُّ المطلوبُ هو أمْرَ القِبْلة، بل البِرُّ المطلوبُ هذه الخصالُ الَّتي عدَّدتُّها. 
### فصل في المشار إليه بالضمير


قال القفَّال[(٨)](#foonote-٨) : والذي عندَنا أنَّه إشارةٌ إلى السُّفَهاء الذين طَعَنُوا في المُسْلِمين، وقالُوا : ما ولاَّهم عن قبلتهم الَّتي كانُوا علَيْها ؟ مع أنَّ اليَهُود كانُوا يستَقْبلون المَغْرب، والنَّصَارَى كانُوا يستقْبِلُون المَشْرِق، فقال الله تعالى : إنَّ صَفَةَ البِرِّ لا تحصُلُ باستقبالِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، بل البرُّ يحصُلُ بأُمُور. 
منها : الإيمانُ بالله تعالى، وأهْلُ الكتابِ أخَلُّوا بذلك، فَأَمَّا اليهود، فلقولهم بالتَّجْسِيم، ولقَوْلِهِم بأنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللَّهِ، وأَمَّا النصارَى ؛ فلقولهم : المَسِيحُ ابْنُ الله، واليهودُ وصَفُوا الله تعالى بالبُخْل. 
وثانيها : الإيمانُ باليَوْم الآخِر، واليهود أخلُّوا بذلك، وقالوا :
 لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً  \[ البقرة : ٨٠ \] والنصارى أنْكَرُوا المعادَ الجِسْمانيَّ، وكلُّ ذلك تكذيبٌ باليوم الآخر. 
وثالثها : الإيمانُ بالمَلاَئكة، واليهودُ أخلُّوا بذلك ؛ حيْثُ أظْهَرُوا عداوة جِبْرِيلَ. 
ورابعها : الإيمانُ بكُتُب الله تعالى، واليهودُ أخلُّوا بذلك، لأن مع قيام الدَّلائل على أنَّ القرآنَ كتابُ الله تعالى رَدُّوه ولم يقْبلُوه ؛ قال تعالى : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ  \[ البقرة : ٨٥ \]. 
وخامسها : الإيمانُ بِالنَّبيِّين، واليَهُود أخلُّوا بذلك ؛ حيث قتلوا الأنْبياءَ ؛ على ما قال تعالى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ  \[ البقرة : ٦١ \] وطَعَنُوا في نبوَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. 
وسادسها : بَذْلُ الأمْوَالِ علَى وَفْقِ أمْرِ الله تعالى، واليهود أخلُّوا بذلك ؛ لأنَّهم يُلْقُون الشُّبُهات ؛ لِطَلَب المَال القَليلِ ؛ قال تبارك وتعالى : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً . 
وسابعها : إقَامة الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، واليهودُ كانوا يمنَعُون النَّاسَ منها. 
وثامنها : الوفَاءُ بالعَهْد، واليهودُ نَقَضُوا العَهْد ؛ قال تبارك وتعالى :
 وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  \[ البقرة : ٤٠ \]. 
وتاسعها : قوله : فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ  والمرادُ بذلك المحافظةُ على الجهادِ، واليهودُ أخلُّوا بذلك ؛ حيْثُ كانُوا في غاية الخَوْف، والجبْنِ ؛ قال تعالى : لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى  \[ الحشر : ١٤ \]. 
فإن قيل : نفى تبارك وتعالى أنْ يكُون التوجُّه إلى القْبلَةِ بِرّاً، ثم حَكَم بأنَّ البِرَّ بمجموع أمُور : أحدُها : الصَّلواتُ، ولا بُدَّ فيها من الاستقبال، فيلزَمُ التناقضُ. 
فالجوابُ : أنَّ المفسِّرين اختلفُوا على أقْوَال[(٩)](#foonote-٩) :
منها : أنَّ قوله تعالى :" لَيْسَ البِرّ " نَفْيٌ لكمالِ البِرِّ ولَيْسَ نَفْياً لأصْله ؛ كأنه قال :" لَيْسَ البِرُّ كلُّه هو هذا " ؛ فإنَّ البِرَّ اسمٌ من أسماء الخصالِ الحَمِيدة، واستقبال القبلة واحِدٌ منها، فلا يكونُ ذلك تمامَ البِرِّ. 
الثاني : أنْ يكُونَ هذا نفياً لأصْلِ كَوْنه بِرّاً ؛ لأن استقبالَهُم للمشْرِق والمَغْرِب كان خَطَأً في وقُتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَحِينَمَا نَسَخ الله تباركَ وتعالى ذلك ؛ بل كان ذلِكَ ممَّا لا يجُوز ؛ لأَنَّهُ عمل بمَنْسُوخ قد نهى الله عَنه، وَمَا كَانَ كذلك، فهو لا يُعَدُّ من البِرِّ. 
الثالث : أنَّ استقبالَ القِبْلة لا يكُون بِرّاً، إذ البِرُّ يتقدَّمه معرفةُ الله تعَالى، وإنَّما يكون بِرّاً، إذا أتَى بها مع الإيمانِ بِالله ورسُوله، فالإتيانُ بها دُونَ هذا الشَّرْط، لا يكونُ مِنْ أَفْعَال البِرِّ، إلاَّ إذا أُتِيَ بها مع شَرْطه، كما أنَّ السَّجْدة لا تكُونُ مِنْ أفْعال البِرِّ، إلاَّ إذا أَتَى بها مع الإيمَانِ بالله ورسُوله. 
ورُوِيَ أنَّه لَمَّا حُوِّلَت القبْلة، كَثُرَ الخَوْضُ في نَسْخِهَا، كأنه لا يُرَاعَى بطاعة الله تعالى إلاَّ الاستقبالُ ؛ فأنْزَلَ الله تعالَى هذه الآيَةَ ؛ كأنه تبارك وتعالى قال :" ما هذا الخَوضُ الشَّديدُ في أَمْر القِبْلَةِ مع الإعْرَاضِ عَنْ كُلِّ أَرْكَانِ الدِّينِ ". 
قوله  وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ  في هذه الآية خَمْسَة أوجه :
أحدها : أن " البِرَّ " اسم فاعل من : بَرَّ يَبَرُّ، فهو " برُّ " والأصل :" بَرِرٌ " بكسر الراء الأولى بزنة " فطِنٍ " فلمَّا أريد الإدغام، نقلت كسرة الرَّاء إلى الباء بعد سكبها حركتها ؛ فعلى هذه القراءة : لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويلٍ ؛ لأنَّ البِرَّ من صفات الأعيان ؛ كأنه قيل :" وَلكِنَّ الشخْصَ البِرَّ مَنْ آمن ". 
الثاني : أنَّ في الكلام حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره :" ولكنَّ ذا البِرِّ من آمن " ؛ كقوله تعالى : وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى  \[ طه : ١٣٢ \] أي : لذي التقوى ؛ وقوله  هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ  \[ آل عمران : ١٦٣ \] أي : ذوو درجاتٍ، قاله الزَّجَّاج[(١٠)](#foonote-١٠). 
الثالث : أن يكون الحذف من الثاني : أي :" وَلكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ " وهذا تخريجُ سيبويه[(١١)](#foonote-١١)، واختيار١ - ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٤٣، والبحر المحيط ٢/٤، والدر المصون ١/٤٤٦..
٢ - عبد الله بن جعفر بن درستويه- بضم الدال والراء- وضبطه ابن ماكولا بالفتح. صنف الإرشاد في النحو وشرح الفصيح توفي سنة ٣٤٧هـ. ينظر البغية ٢/ ٣٦..
٣ - سقط في ب..
٤ - البيت للسموأل ينظر ديوانه ص ٩٢، وخزانة الأدب ١/ ٣٣١، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٢٣، وله أو للجلاح الحارثي في تخليص الشواهد ص ٢٣٧، والمقاصد النحوية ٢/٧٦، والأشموني ١/١٢، وشرح ابن عقيل ص ١٤٠، وشرح عمدة الحافظ ص٢٠٤، وشرح قطر الندى ص ١٣٠، والدر المصون ١/٤٤٦..
٥ - البيت لعروة بن الورد ينظر: ديوانه (١٣١). وهو من شواهد البحر (٢/٤)، والحماسة (١/٥٩٥)..
٦ -ينظر: المحرر الوجيز ١/ ٢٤٣، والبحر المحيط ٢/٤ والدر المصون ١/ ٤٤٦..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٣١..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٣٢..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٣٣..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ١٦٠..
١١ - ينظر: الكتاب ١/١٠٨..

### الآية 2:178

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:178]

قوله " في القَتْلَى "، أي : بسبب القَتْلَى و " في " تكون للسَّببية ؛ كقوله - عليه السَّلام - " إنَّ امْرَأَةً َدَخَلَتِ النَّار في هِرَّةٍ "، أي : بسببها، و " فَعَلَى " يطَّردُ أن يكون جمعاً لفعيل، بمعنى مفعول، وقد تقدَّم شيءٌ من هذا عند قوله  وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى \[ البقرة : ٨٥ \].

### **فصل في بيان سبب النزول :**


**في سبب النزول وجوه :**
أحدها : إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل البعثة، وذلك أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، والعرب تارةً كانوا يوجبون القتل، وتارة يوجبون الدِّية، لكنَّهم كانوا يظهرون التعدِّي، فأما القتل ؛ فكانوا إذا وقع القتل بين قبيلتين : أحدهما أشرف من الأخرى، فكان الأشراف يقولون :" لنَقْتُلَنَّ بالعَبْدِ مِنَّا الحُرَّ مِنْهُمْ، وبالمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلَ مِنْهُمْ، وَبِالرَّجُلِ مِنَّا الرَّجُلَيْنِ مِنْهُمْ " وربما زادوا على ذلك، وينكحون نساءهم بغير مهورٍ ؛ قاله سعيد بن جُبَيْرٍ[(١)](#foonote-١). 
يروى أن واحداً من الأشراف قتل له ولد، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، فقالوا له : ما تُرِيدُ ؟ فقال : إحدى ثلاثٍ، فقالوا : ما هي ؟ قال : إما تُحْيُونَ لِي وَلَدِي، أو تَمْلَئُونَ دَارِي من نُجُومِ السَّمَاءِ، أو تَدْفَعُونَ إليَّ جُملَةَ قَوْمِكُمْ ؛ حَتَّى أقْتُلَهُمْ، ثم لا أَرَى أَنِّي أخذت عوضاً[(٢)](#foonote-٢). 
وأمَّا أمر الدِّية، فربمَّا جعلوا دية الشَّريف أضعاف دية الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمَّداً صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل، وسوَّى بين عباده في حكم القصاص، وأنزل الله هذه الآية. 
الوجه الثاني : قال السُّدِّيّ : إن قريظة والنَّضير كانوا مع تديُّنهم بالكتاب، سلكوا طريقة العرب، فنزلت الآية. 
الوجه الثالث : نزلت في واقعة قتل حمزة[(٣)](#foonote-٣) - رضي الله عنه -. 
الوجه الرابع : روى محمَّد بن جرير الطبريُّ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وعن الحسن البصريِّ : أن المقصود من هذه الآية الكريمة التسوية بين الحُرَّين والعبدين والأُنثيين في القصاص، فأما إذا كان القاتل للعبد حرًّا، أو للحرِّ عبداً، فإنه يجب مع القصاص التراجع، وأما حرٌّ قتل عبداً، فهو قوده، فإن شاء أولياء العبد أن يقتلوا الحرَّ، قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ويردوا إلى أولياء الحر بقيَّة ديته، وإن قتل عبد حراً، فهو به قودٌ، فإن شاء أولياء الحرِّ، قتلوا العبد، وأسقطوا قيمة العبد من دية الحُرِّ، وأدَّوا بعد ذلك إلى أولياء الحُرِّ بقيَّة ديته، وإن شاءوا أخذوا كلَّ الدية، وتركوا كل العبد، وإن قتل رجلٌ امرأة، فهو بها قودٌ، فإن شاء أولياء المرأة، قتلوه، وأدَّوا نصف الدية، وإن شاءوا، أعطوا كلَّ الدية، وتركوها، فالآية الكريمة نزلت لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرَّين، \[ والعبدين والأنثيين، والذكرين، فأما عند اختلاف الجنس، فالاكتفاء غير مشروع فيه \]. 
### فصل في اشتقاق كلمة " القصاص " 


و " القِصَاصُ " : مصدر قَاصَّهُ يُقَاصُّهُ قِصَاصاَ، ومقَاصَّةً ؛ نحو : قاتَلْتُهُ قِتَالاً، ومُقَاتَلَةً، وأصله من : قصصت الشيء، اتَّبعت أثره ؛ لأنَّه اتباع دم المقتول. 
قال تعالى : فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً  \[ الكهف : ٦٤ \]، 
 وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ  \[ القصص : ١١ \]، أي : اتبعي أثره، وسمِّيت القصَّة قصَّةً ؛ لتتبُّع الخبر المحكيِّ، والقصص تتبُّع أخبار النَّاس، وسمِّي المقصُّ مقصًّا، لتعادل جانبيه، هذا أصل المادَّة. 
فمعنى القصاص : تتبُّع الدم بالقود، ومنه التقصيص، لما يتبع من الكلأ بعد رعيه، والقصُّ أيضاً : الجصُّ، ومنه " نهيه - عليه السلام - عن تقصيص القبور " أي : تجصيصها. 
### فصل


روى البخاريُّ، والنَّسائيُّ، والدَّار قطنيُّ، عن ابن عبَّاس، قال : كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدِّية، فقال الله لهذه الأمَّة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [(٤)](#foonote-٤)
\[ البقرة : ١٧٨ \]. 
والعفو : أن يقبل الدية في العبد :" فَاتبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأَداءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ " تتبع بالمعروف، وتؤدي بإِحْسَانٍ، " ذَلِكَ تخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ " مما كتب على من كان قبلكم،  فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ  فمن قتل بعد قبول الدِّية، هذا لفظ البخاريِّ. 
وقال الشَّعبيُّ في قوله تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى  قال : نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقْتَتَلا قتال عمية، فقالوا : نقتلُ بِعَبْدِنَا فُلاَنَ، ابنَ فُلاَنٍ، وَبِأَمَتِنَا فُلانَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ، ونحوه عن قتادة[(٥)](#foonote-٥). 
### فصل في المراد بقوله " كتب عليكم " 


قوله :" كُتِبَ عَلَيْكُمْ " : معناه :" فُرِضُ عَلَيْكُمْ "، فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين :
أحدهما : أن قوله كتب في عرف الشرع يفيد الوجوب. قال تعالى :
 كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ  \[ البقرة : ١٨٣ \] وقال : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ  \[ البقرة : ١٨٠ \] وقد كانت الوصية واجبة، ومنه الصلوات المكتوبات أي : المفروضات قال عليه السلام :" ثَلاَثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ " 
والثاني : لفظة " عَلَيْكُمْ " مشعرة بالوجوب ؛ لقوله  وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ  \[ آل عمران : ٩٧ \]. 
والقصاص : أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، فهو عبارة عن التَّسوية، والمماثلة في الجراحات، والدِّيات. 
وقيل " كُتِبَ " هنا إخبار عمَّا كتب في اللَّوح المحفوظ، وقوله  فِي الْقَتْلَى ، أي : بسبب القتلى، كما تقدَّم ؛ فدلَّ ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلاَّ أنَّهم أجمعوا على أنَّ غير القاتل خارجٌ عن هذا الفارق، أمَّا القاتل، فقد دخله التخصيص أيضاً في صورٍ كثيرةٍ ؛ وهي ما إذا قتل الوالد ولده، والسَّيِّد عبده، وفيما إذا قتل مسلم مسلماً خطأً، إلاَّ أنَّ العامَّ إذا دخله التخصيص، يبقى حجَّةً فيما عداه. 
فإن قيل : قولكم : هذا الآية تقتضي وجوب القصاص، فيه إشكالان :
الإشكال الأول : لو وجب القصاص، لوجب إمَّا على القاتل، أو على وليِّ الدَّم، أو على ثالثٍ، والأقسام الثلاثة باطلةٌ ؛ لأنَّ القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وأمَّا وليُّ الدم، فلا يجب عليه ؛ لأنَّ وليَّ الدم يخيَّر في الفعل، والتَّرك، بل هو مندوبٌ إلى التَّرك ؛ كقوله  وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  \[ البقرة : ٢٣٧ \] وأمَّا الثالث : فإنه أجنبيٌّ عن القتيل والأجنبي عن الشيء لا تعلُّق له به. 
الثاني : أنَّا بيَّنا أن القصاص عبارة عن التَّسوية[(٦)](#foonote-٦)، وكان مفهوم الآية إيجاب التَّسوية ؛ وعلى هذا التقدير : لا تكون الآية دالَّة على إيجاب القتل ألبتَّة، بل تدلُّ على وجوب رعاية التَّسوية في القتل الذي يكون مشروعاً بسبب القتل. 
**والجواب عن الأول من وجهين :**
أحدهما : أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام، ومن يجري مجراه ؛ لأنَّ متى حصلت شرائط وجوب القود، فإنَّه لا يحلُّ للإمام أن يترك القود من المؤمنين، والتقدير : يا أيها الأئمَّة، كتب عليكم استيفاء القصاص، إن أراد وليُّ الدّمِ استيفاءَه. 
والثاني : أنه خطاب مع القاتل، التقدير : يا أيها القاتلون، كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الوليِّ بالقصاص ؛ وذلك لأنَّ القاتل ليس له أن يمتنع ؛ خلاف الزَّاني والسارق، فإنَّ لهما الهرب من الحدود، ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله، فلا يعرفان، والفرق بينهما : أن ذلك حقٌّ لآدميٍّ. 
والجواب عن الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي التَّسوية في القتل، والتَّسوية في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيحاب الذَّات، فكانت الآية تفيد إيجاب القتل من هذا الوجه. 
قوله " الحُرُّ بالحُرِّ " مبتدأٌ وخبرٌ، والتقدير : الحُرُّ مأخوذٌ بالحُرِّ، أو مقتول بالحُرِّ، فتقدِّر كوناً خاصًّا، حُذِف ؛ لدلالة الكلام عليه ؛ فإنَّ الباء فيه للسَّبب، ولا يجوز ان تقدِّر كوناً مطلقاً ؛ إذ لا فائدة فيه، لو قلت :" الحُرُّ كائنٌ بالحُرِّ " إلاَّ أن تقدِّر مضافاً، أي : قتل الحرِّ كائن بالحُرِّ، وأجاز أبو حيان : أن يكون الحُرُّ مرفوعاً بفعل محذوف، تقديره :" يُقْتَلُ الحُرُّ بالحُرِّ " ؛ يدلُّ عليه قوله تعالى : الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى  ؛ فإن القصاص يشعر بهذا الفعل المقدَّر، وفيه بعدٌ، والحر وصفٌ، و " فُعْلٌ " الوصف، جمعه على " أفْعَالٍ " لا يقاس، قالوا : حُرٌّ وأَحْرَارٌ، ومُرٌّ وأمرار، والمؤنَّثة حُرَّة، وجمعها على " حَرَائِر " محفوظٌ أيضاً، يقال :" حَرَّ الغُلاَمُ يَحَرُّ حُرِّيَّةً ". 
### فصل في اختلافهم في اقتضاء الآية الحصر


قوله  الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى  فيه قولان :
الأولى : أنَّها تقتضي ألاَّ يكون القصاص مشروعاً إلاَّ بين الحُرَّين، وبين العبدين، وبين الأُنثيين. 
**واحتجَّ عليه بوجوه :**
الأول : ان الألف واللام في " الحُرِّ " تفيد العموم ؛ فقوله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ  يفيد أن يقتل كلُّ حرٍّ بالحر، فلو كان قتل حرٍّ بعبد مشروعاً، لكان ذلك الحُرُّ مقتولاً بغير حُرٍّ، وذلك ينافي إيجاب أن يكون كلُّ حرٍّ مقتولاً بالحُرِّ. 
الثاني : أن " الباء " من حروف الجَرِّ، فتتعلَّق بفعلٍ، فيكون التقدير : يقتل بالحر، والمبتدأ لا يكون أعمَّ من الخبر، بل إمَّا مساوياً له، أو أخصَّ منه، وعلى هذا التقدير فهذا يقتضي أن يكون كلُّ حُرٍّ مقتولاً بالحُرِّ، وذلك ينافي كلَّ حُرٍّ مقتولاً بالعبد. 
الثالث : أنه تبارك وتعالى أوجب في أول الآية الكريمة رعاية المماثلة، وهو قوله  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى. . ، فلما ذكر عقيبة قوله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ  دلَّ على أن رعاية التَّسوية في الحُرِّيَّة والعبوديَّة معتبرةٌ ؛ لأن قوله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ  خرج مخرج التَّفسير لقوله  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ، فإيجاب القصاص على الحُرِّ بقتل العبد إهمال لرعاية التَّسوية ؛ فوجب ألاَّ يكون مشروعاً ؛ ويؤيِّد ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم " لاَ يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلاَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ[(٧)](#foonote-٧) "، فإن أخذ الخصم بقوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ، فالجواب من وجهين :
أحدهما : هذه الآية شَرْعُ مَنْ قبلنا وليسَ شَرْعاً لَنا، والآيةُ التي نَحْنُ فيها شرْعُنا، فهذا ١ - أخرجه بلفظ قريب منه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" للسيوطي (١/٣١٦)..
٢ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/ ٤٠)..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٤١..
٤ - أخرجه البخاري (٦/ ٥٢) كتاب التفسير باب سورة البقرة (٤٤٩٨) والنسائي (٨/٣٧) رقم (٤٧٨١) والبيهقي (٨/٥١) والطبري في "تفسيره" (٣/٣٧٣) وعبد الرزاق في "تفسيره" ص ١٦ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣١٧) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في "ناسخه" عن ابن عباس موقوفا..
٥ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٥٩) عن الشعبي، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣١٦) لعبد بن حميد..
٦ -اظطربت القوانين الوضعية في هذا القصاص، واختلفت أنظار المفكرين في جوازه أو عدمه، وأخذ كل يدافع عن فكرته، ويحاجج عن رأيه؛ حتى رمى بعض الغلاة الإسلام بالقسوة في تقرير هذه العقوبة، وقالوا إنها غير صالحة لهذا الزمن، وقد نُسوا أن الإسلام جاء في ذلك بما يُصلح البشر على مر الزمن، مهما بلغوا في الرقي وتقدموا في الحضارة.
 كانت هذه العقولة موجودة قبل الإسلام، ولكن للاعتداء فيها يده المتنمرة، وللإسراف فيها ضرره البالغ، فحد الإسلام من غلوائها، وقصر من غلوائها، ومنع الإسراف فيها؛ فقال تعالى: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا فلم يبح دم من لم يشترك في القتل، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى.
 وقال عز من قائل: وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف الآية ولكنه أفسح المجال للفصل بين الناس، وترك للجماعة الراقية مع ذلك أن ترى خيرا في العفو عن الجاني؛ فقال: "فمن تصدق به فهو كفارة له" على أن العقلاء الذين خبروا الحوادث، وعركوا الأمور، ودرسوا طبائع النفوس البشرية ونزعاتها وغرائزها قد هداهم تفكيرهم الصحيح إلى صلاح هذه العقوبة لإنتاج الغاية المقصودة؛ وهي إقرار الأمن، وطمأنينة النفوس، ودرء العدوان والبغي، وإنقاد كثيرين من الهلاك؛ قال تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.
 وقد فهم أولو الألباب هذه الحكم البالغة، وقدّروها حق قدرها، وها نحن أولاء نرى اليوم أن الأمم التي ألغت هذه العقوبة عادت إلى تقريرها؛ لما رأت في ذلك من المصلحة.
 وأمكننا الآن أن نقول: إنه ليس هناك من خلاف كبير بين الإسلام والقوانين الوضعية في هذا الموضوع. أما القصاص في غير القتل مما ورد في الآية الكريمة: والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فهو في غاية الحكم والعدالة؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك، لاعتدى القوي على الضعيف، وشوه خِلقته، وفعل به ما أمكنته الفرصة، لا يخشى من وراء ذلك ضررا يناله أو شرا يصيبه، ولو اقتصر الأمر على الدَّيان كما هو الحال في القوانين الوضعية-لكان سهلا على الباغي، يسيرا على الجاني، ولتنازل الإنسان عن شيء من ماله، في سبيل تعجيز عدوه وتشويهه، ما دامت القوة في يده، ولكنه لو عرف أن ما يناله بالسوء من أعضاء عدوه سيصيب أعضاءه مثله كذلك- انكمش وارتدع وسلموا جميعا من الشر..
٧ - أخرجه أبو داود (٤/٦٦٦-٦٦٧) كتاب الدِّيات: باب إيقاد المسلم بالكافر حديث (٤٥٣٠) والنسائي (٨/١٩) كتاب القسامة: باب القود بين الأحرار والحاكم (٢/١٤١) وأحمد (١/١١٩) من حديث علي بن أبي طالب بلفظ: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده..

### الآية 2:179

> ﻿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:179]

اعْلَمْ أن كيفيَّة النَّظْم أَنَّهُ تعالى لما أوجب القِصَاص في الآية المتقدِّمة توجَّه أَنْ يُقالَ : كيفَ يليقُ برحمته إيلامُ العَبْد الضَّعيف، فذكرَ عقِيبَهُ حكْمة شَرع القِصاص ؛ دفعاً لهذا السؤال. 
قوله " لَكُمْ " : يجوز أن يكون الخَبَر، و " فِي القِصَاصِ " متعلِّق بالاستقرار الَّذي تضمَّنه " لَكُمْ " ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذُوفٍ على أنَّه حالٌ من حياة، لأَنَّه كان في الأَصل صفةً لها، فلما قُدِّم عليها نصب حالاً، ويجوزُ أن يكون " فِي القِصَاصِ " هو الخَبَر، و " لَكُمْ " متعلِّق بالاستقرار المتضمِّن له، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في قوله
 وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ  \[ البقرة : ٣٦ \] وهناك أشياءُ لا تجيء هُنَا.

### فصل في معنى كون القصاص حياةً


**في معنى كَوْنِ القِصاصِ حياةً وجوه :**
أحدها : أَنَّهُ ليس المرادُ أَنَّ نَفْس القصاص حياةً ؛ لأَنَّ القصاصَ إِزالةٌ للحياةِ، وإزالةُ الشيءِ يمتنع أَنَّ تكُون نفْسَ ذلك الشَّيءِ، بل المراد أَنَّ شَرْع القِصَاص يُفْضِي إلى الحياة. 
أَمَّا في حقِّ منَ يريدٌ القَتَلَ فإنَّهُ إذا عَلِمَ أَنَّه إذا قَتَلَ قُتِلَ تَرَكَ القَتْل ؛ فلا يقتل، فيَبْقَى حَيًّا، وأمَّا في حقِّ المقتول : فإنَّ مَنْ أراد قتلَه، إذا خاف مِنَ القِصَاصِ ؛ تَرَكَ قَتلهُ فيبقَى غير مقتول، وأمَّا في حقِّ غيرهما : فَلأَنَّ في شرع القِصَاص بقاءَ من هَمَّ بالقَتْل ومن يهمّ به، وفي بقائهما بَقَاءُ مَنْ يتعصَّبُ لهما ؛ لأَنَّ الفِتْنَة تعظُمُ بسبَب القَتْل فتؤدِّي إلى المُحاربة الَّتي تنتهي إلى قتل عالَمٍ من النَّاس، وفي شَرْعِ القِصَاص زوالٌ لِكُلِّ ذلك، فيصير حياةً للكُلِّ. 
وثانيها : أَنَّ نفسَ القصاص سببُ الحياة ؛ لأنَّ سَافِك الدَّم، إِذَا أُقِيدَ[(١)](#foonote-١) منْه، ارتدع مَنْ كان يهُمَّ بالقتل، فلم يقتل، فكان القصاص نفسُه سبباً للحياة مِنْ هذا الوجه. 
وثالثها : معنى الحياة سلامتُهُ مِنْ قِصَاصِ الآخِرة، فإِنَّهُ إذا اقتصَّ منه في الدُّنْيا، حيي في الآخرة، وإذا لم يقتصّ منه في الدُّنيا اقْتُصَّ منه في الآخرة وهذا الحُكْم غير مختصٍّ بالقِصَاصِ في النَّفْسِ، بل يدخل فيه القِصاص في الجِراح والشِّجَاج. 
ورابعها : قال السُّدَّيُّ : المرادُ من القِصَاصِ إيجابُ التَّوبَة. 
وقرأ أبو[(٢)](#foonote-٢) الجوزاء[(٣)](#foonote-٣) في القَصَصِ والمراد به القُرآن. 
قال ابنُ عطيَّة[(٤)](#foonote-٤) ويحتمل أن يكون مَصْدراً كالقِصاصِ، أي أَنَّهُ إذا قُصَّ أثَرُ القاتلِ قَصَصاً، قُتِل. 
ويحتمل أن يكون قوله : فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ  أي فيما أَقُصُّ عليكُمْ مِنْ حُكْم القَتْل والقِصَاصِ. 
### فصل في الردِّ على احتجاج المعتزلة بالآية


قالت المعتزلة : دلَّتْ هذه الآيةُ على أنَّ القِصَاصِ سببٌ للحياة ؛ لقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يأُولِي الأَلْبَابِ ، فدَلَّ ذلك على أَنَّهُ لو لم يُشْرع القِصَاصُ، لكان ذلك سبباً للموت قبل حلول وَقْتِهِ، وكذلك كلُّ ما نتج من الحيوان، فإنَّ هلاكه قَبْلَ أجلِهِ ؛ بدليل أنَّهُ يجب على القاتِلِ الضَّمانُ والدِّية. 
وأجيب بقوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً  \[ آل عمران : ١٤٥ \] وقوله : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  \[ الأعراف : ٣٤ \]  إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ  \[ نوح : ٤ \]  لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ  \[ الرعد : ٣٨ \] فمتى قتل العبد علمنا أَنَّ ذلك أجلُهُ[(٥)](#foonote-٥)، ولا يصحُّ أن يقال : إِنَّه لو لم يُقْتَلُ، لعاش ؛ لما ذكرنا من الآيات. 
أمَّا وجوب الضمان والدِّية، فللإقدام على القَتْل وللزجر عن الفِعْل. 
### فصل في كون الآية في أعلى درجات البلاغة


اتفق علماءُ البَيَانِ على أَنَّ هذه الآية في الإيجازِ مع جميع المعاني باللّغةِ بالغةٌ أعلى الدَّرجَاتِ ؛ فإنَّه قولَ العَرَبِ في هذا المعنى " القَتْلُ أَوْقَى لِلْقَتْلِ "، ويروى " أَنْفَى لِلْقَتْل "، ويروَى " أَكَفُّ لِلْقَتْلِ "، ويروى " قَتْلُ البَعْضِ أَحْيَا الجَمِيع "، ويروى :" أَكْثِروا القَتْلَ ليقلَّ القَتْلُ " فهذا وإن كان بليغاً فقد أَبْدَتِ العُلماءُ بَيْنه وبيْنَ الآية الكريمةِ وجوهاً عديدةً في البلاغة، وُجدت في الآية الكريمة دونه :
منْها : أَنَّ في قولِهِم تكرارَ الاسم في جُمْلةٍ واحدةٍ. 
ومنها : أَنَّهُ لا بدَّ مِنْ تقدير حَذْفٍ ؛ لأنَّ " أَنْفَى " و " أَوقَى " و " أَكَفُّ " أفعل تفضيل فلا بدَّ من تقدير المفضَّل عليه، أي : أنفى لِلْقتلِ مِنْ تركِ القتل. 
ومنها : أنَّ القِصَاص أَعَمُّ ؛ إِذ يوجد في النَّفْس وفي الطَّرف، والقتلُ لا يكون إلاَّ في النَّفسِ. 
ومنها : أَنَّ ظاهر قولهم كونُ وجود الشيء سَبَباً في انتفاءِ نفسه. 
ومنها : أَنَّ في الآية نَوعاً من البديع يُسمَّى الطبَاقَ، وهو مقابلةُ الشيءِ بضدِّه، فهو يُشبه قوله تعالى :
 أَضْحَكَ وَأَبْكَى  \[ النجم : ٤٣ \]. 
قوله : يا أُولِي الأَلْبَابِ  منادًى مضافٌ وعلامة نصبه الياءُ، واعلم أنَّ " أُولِي " اسمُ جَمع ؛ لأَنَّ واحده، وهو " ذُو " من غَير لفظه، ويجري مَجرى جمع المذكَّر السَّالم في رفعه بالواو ونصبه وجرِّه بالياء المكسور ما قبلها، وحُكمه في لُزُوم الإضافة إلى اسم جنسٍ حكمُ مفردِهِ، وقد تقَدَّمَ في قوله تعالى : ذَوِي الْقُرْبَى \[ البقرة : ١٧٧ \] ويقابلُهُ في المؤنث " أُولاَت " وكتبا في المُصْحف بواوٍ بعد الهمزة ؛ قالوا : ليفرِّقوا بين " أُولِي كَذَا " في النَّصْب والجَرِّ، وبين " إِلَى " الَّتي هي حرفُ جرٍّ، ثم حمل باقي البَابِ علَيْه، وهذا كما تقدَّمَ في الفَرق بين " أُولَئِكَ " اسْمَ إشارةٍ، و " إِلَيْكَ " جاراً ومجروراً وقد تقدَّم، وإذا سَمَّيْتَ ب " أولى "، من " أُولِي كَذَا " قلت :" جَاءَ أُلُونَ، وَرَأَيْتَ أُلِينَ " بردِّ النُّون ؛ لأَنَّها كالمقدَّرة حالة الإضافة، فهو نظيرُ " ضَارِبُوا زَيْجٍ وَضَارِبي زَيْدٍ ". 
والأَلبَابُ : جمع لُبٍّ، وهو العقلُ الخالي من الهوَى ؛ سمِّي بذلك لأحَدِ وَجهين :
إما لبنائِهِ مِنْ لَبَّ بالمَكَانٍ : أَقَامَ به وإِمَّا من اللُّبَابِ، وهو الخَالِص ؛ يقال : لَبُبْتُ بالمكان، ولَببْتُ بضمِّ العين، وكسرها، ومجيء المضاعف على " فَعُلٍ " بضم العَين شاذٌّ، استغنَوْا عنه ب " فَعَلَ " مفتوح العين ؛ وذلك في أَلفاظ محصورةٍ ؛ نحو عَزُزْتُ، وسَرُرْتُ، ولَبُبْبُ، ودَمُمْتُ، ومَلُلْتُ فهذه بالضمِّ وبالفَتْح، إلاَّ " لَبُبْتُ " فبالضمِّ والكَسْر ؛ كما تقدَّم. 
قوله  لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  : قال الحسن والأصمُّ : لعلَّكمْ تَتَّقُونَ نفْس القَتْل[(٦)](#foonote-٦) ؛ بخَوف القِصَاصِ[(٧)](#foonote-٧). 
وقيل : المرادُ هوالتقْوَى من كُلِّ الوُجُوه. 
قال الجُبَّائِيُّ[(٨)](#foonote-٨) : هذا يَدُلُّ على أنَّهُ تعالى أراد التَّقْوى مِنَ الكُلِّ، سواءٌ كان في المعْلُوم أنهم يَتَّقُونَ أَوْ لاَ يَتَّقُون بخلاف قول المُجْبِرَةِ، وقد سَبَق جوابُه. 
فإِن قيل " لَعلَّ " للتَّرَجِّي، وهو في حقِّ اللَّهِ تعالى محالٌ، فجوابهُ مَا سَبَقَ في قوله تعالى : وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 
\[ البقرة : ٢١ \]. 
١ - في ب: افتقى..
٢ - انظر: الشواذ "١١"..
٣ - أوس بن عبد الله الربعي بفتح الراء والموحدة أبو الجوزاء بجيم ثم زاي بعد الواو البصري عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس. وعنه بديل بن ميسرة وقتادة ومحمد بن جحادة. وثقه أبو حاتم قال عمرو بن علي: مات سنة ثلاث وثمانين. ينظر الخلاصة ١/١٠٦..
٤ - ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٤٧..
٥ - مختار أهل السنة: وجوب اعتقاد أن الأجل بحسب علم الله تعالى واحد لا تعدد فيه، وأن كل مقتول ميت بسبب انقضاء عمره، وعند حضور أجله في الوقت الذي علم الله في الأزل حصول موته فيه؛ بإيجاده تعالى، وخلقه من غير مدخلية للقاتل فيه لا مباشرة ولا تولدا، وأنه لو لم يقتل، لجاز أن يموت في ذلك الوقت، وألا يموت من غير قطع بامتداد العمر، ولا بالموت بدل القتل؛ بدليل أن الله تعالى قد حكم بآجال العباد على ما علم من غير تردد، وأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، في آيات وأحاديث دالة على أن كل هالك يستوفي أجله من غير تقدم عليه ولا تأخر عنه، وحديث: إن بعض الطاعات يزيد في العمر لا يعارض القواطع؛ لأنه خبر واحد، وأن الزيادة فيه بحسب الخير والبركة، أو بالنسبة إلى ما أثبتته الملائكة في صحفها، فقد يثبت فيها الشيء مطلقا وهو في علم الله تعالى مقيد، ثم يئول إلى موجب علمه سبحانه، على ما يشير إليه قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. فالمعتبر إنما هو ما تعلق العلم الأزلي ببلوغه، هذا ما عليه أهل الحق (وغير هذا) من مذاهب المخالفين؛ كمذهب الكعبي من المعتزلة: أن المقتول ليس بميت؛ لأن القتل فعل العبد، والموت فعله تعالى وأثر صنيعه، فالمقتول له أجلان: القتل، والموت، وأنه لو لم يقتل، لعاش إلى أجله الذي هو الموت؛ وكمذهب الكثير من المعتزلة: أن القاتل قطع على المقتول أجله، وأنه لو لم يقتل، لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله موته فيه لولا القتل، أو لمات في ذلك الوقت (باطل) أي: غير مطابق للواقع؛ لمنافاته للقواطع التي لا تقبل التأويل، وكل باطل (لا يقبل) عند العقلاء المتمسكين بالحق.
 ينظر: التعليقات على شارح الجوهرة ص ١٣٨-١٤٠..
٦ - أخرجه الطبري بمعناه (٣/٣٨٤) عن ابن زيد..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٥٠..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٥٠..

### الآية 2:180

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:180]

قال القُرطبيُّ[(١)](#foonote-١) في الكلام تقدير واو العطف، أي : وَكُتِبَ عَلَيْكُمْ ، فلما طال الكلامُ، سقطَت الواو، ومثله في بعض الأَقوال :
 لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى  \[ الليل : ١٥، ١٦ \]، أي : والذي تَوَلَّى فحذف. 
وقوله :" كُتِبَ " مبنيٌّ للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وهو الله تعالى وللاختصار. 
**وفي القائم مقام الفاعل ثلاثةُ أوجُه :**
أحدها : أن يكون الوصيَّة، أي :" كتِبَ عَلَيْكُمْ الوصِيَّة " وجاز تذكير الفعل لوجهين :
أحدها : كونُ القائمِ مقامَ الفاعل مؤنَّثاً مجازياً. 
والثاني : الفصل بيْنه وبيْن مَرْفُوعه. 
والثاني : أنَّهُ الإيصاءُ المدلُول عليه بقوله : الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ  أي : كُتِبَ هو أي : الإيصاءُ، وكذلك ذكرُ الضَّمير في قوله : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ  \[ البقرة : ١٨١ \] وأيضاً : أنَّه ذكر الفِعلْل، وفصل بيْن الفِعل والوصيَّة ؛ لأَنَّ الكلام، لمَّا طال، كان الفَاصِلُ بين المؤنَّث والفعْل، كالمعوَّض من تاءِ التَّأنيث، والعَرَبُ تَقُولُ : حَضَرَ القاضِيَ امرأَةٌ فيذكرون ؛ لأنَّ القَاضِي فصَل بيْن الفعل وبيْن المرأة. 
والثَّالِثُ : أنه الجارُّ والمجرُور، وهذا يتَّجِه على رأي الأخفش، والكوفيين، و " عَلَيْكُم " في محلِّ رفع على هذا القول، وفي محلِّ نَصبٍ على القولَين الأَوَّلين. 
قوله تعالى :" إذَا حَضَر " العامل في " إِذَا " كُتِبَ " على أَنَّها ظَرف مَحْض وليس متضمِّناً للشَّرط، كَأَنَّهُ قيل :" كُتِبَ عَلَيْكُمْ الوَصِيَّةُ وَقْتَ حُضُورِ المَوْتِ " ولا يجوز أنْ يكُون العامل فيه لفظ " الوَصيَّة " ؛ لأنَّها مصدرٌ، ومعمولُ المصدر لا يتقدَّم عليه لانحلاله لموصولٍ وصلةٍ، إلاَّ على مَذِهب منَ يَرَى التَّوسُّع في الظَّرف وعديله، وهو أبو الحسن ؛ فإنَّه لا يَمْنعُ ذلك، فيكُون التَّقْديِرُ :" كُتِبَ عَلَيْكمْ أنْ توصوا وقت حضور الموت ". 
وقال ابنُ عطيَّة[(٢)](#foonote-٢) ويتَّجِه في إعراب هذه الآية الكريمة : أن يكون " كُتِبَ " هو العامِلَ في " إِذَا "، والمعنى :" تَوَجَّه علَيْكم إيجابُ اللَّهِ، ومقتضى كتابِهِ، إذا حَضَر " فعبّر عن توجُّه الإيجاب ب " كُتِبَ " لينتظم إلى هذا المعنى : أَنَّهُ مكتوبٌ في الأَزَلِ، و " الوَصِيَّة " مفعولٌ لم يسمَّ فاعلُه ب " كُتِبَ " وجواب الشَّرطين " إِنْ " و " إِذَا " مقدَّر يدلُّ عليه ما تَقَدَّم مِنْ قوله " كُتِبَ ". 
قال أبو حيان[(٣)](#foonote-٣) وفي هذا تناقصٌ ؛ لأنَّهُ جعل العَامِل في " إِذَا " " كُتِبَ "، وذلك يستلزمُ أن يكُون إذا ظرفاً محضاً غيرَ متضمِّن للشَّرطِ، وهذا يناقضُ قوله :" وجواب " إذا و " إن " محذوف ؛ لأنَّ إذا الشَّرطية لا يعملُ فيها إلاّ جوابُها، أو فعلُها الشرطيُّ، و " كُتِبَ " : ليْسَ أحدهُمَا، فإن قيل : قومٌ يُجِيزُون تقدِيم جوابِ الشَّرط، فيكُونُ " كُتِبَ " هو الجوابَ، ولكنَّهُ تَقَدَّم، وهو عاملٌ في " إِذَا "، فيكون ابنُ عطيَّة يقُول بهذا القَوْل. 
فالجواب : أَنَّ ذلك لا يجوزُ ؛ لأنَّه صرَّح بأَنَّ جوابها محذوفٌ مدلولٌ عليه ب " كُتِبَ "، ولم يجعل " كُتِبَ " هو الجوابَ، ويجوزُ أن يكُونَ العَامِلُ في " إِذَا " الإيصاءَ المفهوم مِنْ لفظ " الوَصِيَّة "، وهو القائمُ مقام الفاعِل في " كُتِب " ؛ كما تقدَّم. 
قال ابن عطيَّة في هذا الوجه : ويكُونُ هذا الإيصاءُ المُقدَّر الذي يَدُلُّ عليه ذكرُ الوصيَّة بعد هو العَاملَ في " إِذَا "، وترتفع " الوَصِيَّةُ " بالابتداء، وفيه جوابُ الشَّرطيْن ؛ على نحو ما أنشَدَه سيبويه :\[ البسيط \]
٩١٩ - مَنْ يَفْعَلِ الصَّالِحَاتِ اللَّهُ يَحْفَظُهُ \*\*\*. . . [(٤)](#foonote-٤)
ويكونُ رفْعُها بالابتداءِ، أي : فعليه الوصيَّة ؛ بتقدير الفَاءِ فقط ؛ كأنَّهُ قال :" فالوصِيَّةُ للوالدَيْنِ "، وناقشه أَبو حيَّان مِنْ وجوه :
أحدها : أَنَّهُ متناقض من حيثُ إنَّهُ إذا جعل " إِذَا " معمولةً للإيصاء المُقدر، تمحَّضت للظَّرْفية، فكيف يُقَدَّر لها جوابٌ ؛ كما تقدَّم تحريره. 
والثاني : أنَّ هذا الإيصاءَ إما أن تقدِّر لفظه محذوفاً، أو تضمره، وعلى كلا التَّقديرين، فلا يعمل ؛ لأَنَّ المصدر شرطُ إعماله ألاَّ يُحذَف، ولا يضمر عند البصريِّين، وأيضاً : فهو قائمٌ مقام الفاعل ؛ فلا يحذف. 
الثَّالث : قوله " جَوَابُ الشَّرْطيْنِ " والشيء الواحد لا يكُون جواباً لاثَنَين، بل جواب كلِّ واحدٍ مستقلٌّ بقدره. 
الرابع : جعلهُ حذفَ الفاءِ جائزاً في القُرآن، وهذا نصُّ سيبويه[(٥)](#foonote-٥) على أَنَّهُ لا يجوزُ إلا ضرورةً، وأنشد :\[ البسيط \]
٩٢٠ - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا \*\*\* وَالشَّرُّ بالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ[(٦)](#foonote-٦)
وإنشاده :" من يفعل الصالحات الله يحفظه " يجوز أَنْ يكون روايةً إلاَّ أنَّ سيبَويْه[(٧)](#foonote-٧) لم يُنْشِدْه كذا، بل كما تقدَّم، والمُبرِّد روى عنه : أنَّه لا يجيز حذف الفاء مطلقاً، لا في ضرورةٍ، ولا غيرها، ويرويه :" مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ، فالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ " وردَّ النَّاس عليه بأنَّ هذه ليست حجّةً على رواية سيبَويْهِ. 
ويجوز أنَّ تكون " إِذَا " شرطيَّةً ؛ فيكون جوابُها وجوابُ " إِنْ " محذوفَيْن، وتحقيقُه أَنَّ جوابَ " إِنْ " مقدرٌ، تقديرُه :" كُتِبَ الوصيَّةُ على أحدِكُمْ إذا حضره الموتُ، إنْ ترك خَيْراً، فَلْيُوصِ "، فقوله :" فَلْيُوصِ " جواب ل " إِنْ " ؛ حُذِفَ لدلالة الكلام عليه، ويكون هذا الجوابُ المقدَّر دالاًّ على جواب " إِذَا " فيكون المحذُوف دالاًّ على محذوف مثله. 
وهذا أَوْلَى مِنْ قَوْل من يَقُولُ : إنَّ الشَّرط الثَّاني جواب الأَوَّل، وحُذِفَ جواب الثَّاني، وأولى أيضاً مِنْ تقدير مَنْ يقدِّره في معنى " كُتِبَ " ماضي المعنى، إلاَّ أن يؤوِّله بمعنَى :" يتوجَّه علَيْكُمْ الكَتْبُ، إن تَرَكَ خَيْراً ". 
قوله " الوَصِيّة " فيه ثلاثةُ أوجُهٍ :
أحدها : أن يكُونَ مبتدأً، وخبره " لِلْوَالِدَيْنِ ". 
والثاني : أنَّهُ مفعول " كُتِبَ "، وقد تقدَّم. 
والثالث : أنَّهُ مبتدأٌ، خبره محذوف، أي :" فعلَيْهِ الوصيَّةُ "، وهذا عند مَنْ يجيزُ حذف فاء الجَوابِ، وهو الأخفشُ ؛ وهو محجوجٌ بنقل سيبَوَيْهِ[(٨)](#foonote-٨).

### فصل في المراد من حضور الموت. 


قوله  إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ. .  ليْس المرادُ منْه معاينةَ الموْتِ ؛ لأَنَّ ذلك الوقْت يكُون عاجزاً عن الإيصاء، ثم ذكر في ذلك وجهَين :
أحدهما : وهو المَشهور أنَّ المرادَ حُضُور أمارةِ المَوت ؛ كالمَرَض المَخُوف ؛ كما يقال فيمن يخافُ علَيه المَوْت حَضَرهُ المَوْتُ ويقالُ لِمَنْ قارب البَلَد :" وَصَلَ " ؛ قال عنترة :\[ الوافر \]
٩٢١ - وَإِنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إِذَا ما \*\*\* وَصَلْتُ بَنَانَها بِالْهِنْدُوَانِي[(٩)](#foonote-٩)
وقال جَرِيرُ، يهْجُو الفَرَزدَق \[ الوافر \]
٩٢٢ - أَنَا الْمَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ \*\*\* فَلَيْسَ لِهَارِبٍ مِنِّي نَجَاءٌ[(١٠)](#foonote-١٠)
والثاني : قال الأصمُّ[(١١)](#foonote-١١) : إِنَّ المُرَادَ : فَرَضْنَا عَليْكُم الوصِيَّة في حَالِ الصِّحَّة بأن تقُولُوا :" إِذا حَضَرَنا المَوْتُ، فافْعَلُوا كذا ". 
### فصل في المراد بالخير في الآية


المرادُ بالخَير هنا المالُ ؛ كقوله : وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ  \[ البقرة : ٢٧٢ \]  وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  \[ العاديات : ٨ \]  مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  \[ القصص : ٢٤ \] قال أبو العبَّاس المُقرىءُ : وقد وَرَدَ لفظ " الخَيْر " في القرآن بإزاء ثمانية معان :
الأَوَّل : الخَيْرُ : المالُ ؛ كهذه الآية. 
الثاني : الإيمانُ، قال تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ  \[ الأنفال : ٢٣ \] أي : إيماناً، وقوله  إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً  \[ الأنفال : ٧٠ \]، يعني : إيماناً. 
الثالث : الخير الفضل ؛ ومنه قوله :" خَيْرُ الرَّازِقِينَ " " خَيْرُ الرَّاحِمِينَ " " خَيْر الحَاكِمِينَ ". 
الرابع : الخير : العافية ؛ قال تعالى : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ  \[ يونس : ١٠٧ \]، أي : بعافية. 
الخامس : الثَّواب قال تعالى : وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ  \[ الحج : ٣٦ \]، أي : ثواب وأجر. 
السادس : الخير : الطَّعام ؛ قال : إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  \[ القصص : ٢٤ \]. 
السابع : الخير : الظَّفر والغنيمة ؛ قال تعالى : وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً  \[ الأحزاب : ٢٥ \]. 
الثامن : الخير : الخيل ؛ قال تعالى : أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي  \[ ص : ٣٢ \]، يعني : الخيل. 
**ثم اختلفوا هنا على قولين :**
فقال الزهريُّ[(١٢)](#foonote-١٢) : لا فرق بين القليل، والكثير، فالوصيَّة واجبة في الكلِّ، لأن المال القليل خير ؛ لقوله تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ  \[ الزلزلة : ٧ - ٨ \]
 إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ 
\[ القصص : ٢٤ \] والخير : ما ينتفع به، والمال القليل كذلك، وأيضاً : قوله تعالى في المواريث :
 لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ 
\[ النساء : ٧ \] فتكون الوصية كذلك. 
الثاني : أن الخير هو المال الكثير ؛ لأن من ترك درهماً لا يقال ترك خيراً، ولا يقال : فلانٌ ذو مالٍ، إلاَّ أن يكون ماله مجاوزاً حدَّ الحاجة، ولو كان الوصيَّة واجبةً في كلِّ ما يترك، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لما كان التقييد بقوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً  كلاماً مفيداً ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ لا بُدَّ وأن يترك شيئاً، وأمَّا من يموت عرياناً، ولا يبقى منه كسرة خبزٍ فذلك في غاية النُّدرة، وإذا ثبت أن المراد بالخير هنا المال الكثير، فهل هو مقدَّر، أم لا ؟ فيه قولان :
الأول : أنه مقدَّر، واختلفوا في مقداره ؛ فروي عن عليٍّ - رضي الله عنه - : أنه دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم، فقال أَوَلاَ أوصي ؟ فقال : لا ؛ إنَّما قال الله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً  والخير : هو المال الكثير، وليس لك مالٌ. 
وعن عائشة : أنَّ رجلاً قال لها : إنِّي أريد أن أوصي، قالت : كم مالك ؟ قال : ثلاثة آلافٍ، قالت : كم عيالك ؟ قال أربعٌ، قالت : قال الله تعالى : إِن تَرَكَ خَيْراً  وإن هذا يسير، فاتركه لعائلتك، فهو أفضل[(١٣)](#foonote-١٣). 
وعن ابن عبَّاس :" إذا ترك سبعمائة درهم، فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهمٍ، أوصى[(١٤)](#foonote-١٤) " وعن قتادة : ألف ردهمٍ[(١٥)](#foonote-١٥)، وعن النَّخعيِّ : من ألفٍ وخمسمائة درهم[(١٦)](#foonote-١٦). 
وقال قوم : إنه غير مقدَّر بمقدار معيَّن بل يختلف باختلاف حال الرجال[(١٧)](#foonote-١٧). 
### فصل في تحرير معنى " الوصيَّة ". 


قال القُرْطُبيُّ[(١٨)](#foonote-١٨) : و " ا١ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٧٣..
٢ - ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٤٧..
٣ - ينظر: البحر المحيط ٢/ ٢٣..
٤ - تقدم برقم ١٤٩..
٥ -ينظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٤٣٥..
٦ - تقدم قريبا..
٧ - تقدم تقريبا..
٨ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٤٣٥..
٩ - ينظر: القرطبي ٢/١٧٣..
١٠ - ينظر: ديوانه ص ١٢ ويروى صدره:
 أنا الموت الذي آتي عليكم..
١١ ينظر: التفسير الرازي ٥/٥١..
١٢ -ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٥١..
١٣ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣١٩)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر البيهقي عن عائشة..
١٤ - أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (١/٣١٩)..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٥١..
١٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره: (٣/٣٩٥) عن إبراهيم النخعي..
١٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٥٢.
١٨ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٧٤..

### الآية 2:181

> ﻿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:181]

يجوز في " مَنْ " أن تكون شرطيَّةً وموصولةً، والفاء : إمَّا واجبةٌ إن كانت شرطاً، وإمَّا جائزةٌ، إن كانت موصولةً، والهاء في " بَدَّلَهُ " يجوز أن تعود على الوصيَّة، وإن كان بلفظ المؤنَّث ؛ لأنَّها في معنى المذكَّر، وهو الإيصاء ؛ كقوله تعالى : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظة \[ البقرة : ٢٧٥ \] أي وعظٌ، أو تعود على نفس الإيصاء المدلول عليه بالوصيَّة، إلاَّ أنَّ اعتبار المذكَّر في المؤنَّث قليلٌ، وإن كان مجازيًّا ؛ ألا ترى أنه لا فرق بين قولك :" هْنْدٌ خَرَجَتْ، والشَّمْسُ طَلَعَتْ "، ولا يجوز :" الشّمْسُ طَلَعَ " كما لا يجوز :" هِنْدٌ خَرَجَ " إلا في ضرورة. 
وقيل : تعود على الأمر، والفرض الذي أمر الله به وفرضه. 
وقيل : تعود إلى معنى الوصيَّة، وهو قولٌ، أو فعلٌ، وكذلك الضَّمير في " سَمِعَهُ " والضَّمير في " إثْمُهُ " يعود على الإيصاء المبدَّل، أو التَّبديل المفهوم من قوله :" بَدَّلَهُ "، وقد راعى المعنى في قوله : عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ  ؛ إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول، لقال  فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عليه، أو على الذي يُبَدِّلُهُ ، وقيل : الضَّمير في " بَدَّلَهُ " يعود على الكتب، أو الحَقِّ، أو المعروفِ، فهذه ستَّة أقوال، و " مَا " في قوله :" بَعْدَمَا سَمِعَهُ " يجوز أن تكون مصدريَّةً، أي : بعد سماعه، وأن تكون موصولةً بمعنى " الذي "، فالهاء في " سَمِعَهُ " على الأول تعود على ما عاد عليه الهاء في " بَدَّلَهُ " ؛ وعلى الثاني : تعود على الموصول، أي " بَعْدَ الَّذي سَمِعَهُ مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ ".

### فصل في بيان المبدِّل


**في المبدِّل قولان :**
أحدهما : انه الوصيُّ، أو الشاهد، أو سائر النَّاس. 
أما الوصيُّ : فبأن يغيِّر الموصى به : إمَّا في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وأمَّا الشاهد : فبأن يغيِّر شهادته، أو يكتمها، وأما غير الوصي والشاهد ؛ فبأن يمنعوا من وصول ذلك المال إلى مستحقِّه، فهؤلاء كلُّهم داخلون تحت قوله :" فَمَنْ بَدَّلَهُ ". 
الثاني : أن المبدِّل هو الموصي، نهي عن تغيير الوصيَّة عن مواضعها التي بيَّن الله تعالى الوصية إليها ؛ وذلك أنا بيَّنَّا أنهم كانوا في الجاهليَّة يوصون للأجانب، ويتركون الأقارب في الجوع والضَّر، فأمرهم الله تعالى بالوصيَّة إلى الأقربين، ثم زجر بقوله : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ  أي : من أعرض عن هذا التَّكليف، وقوله : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، أي سَمِيعٌ لما أوصى به الموصي، عليمٌ بنيَّته، لا تخفى عليه خافيةٌ من التَّغيير الواقع فيها. 
### فصل في تبديل الوصيَّة بما لا يجوز


قال القرطبيُّ[(١)](#foonote-١) : لا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ؛ مثل : أن يوصي بخمرٍ، أو خنزير، أو شيءٍ من المعاصي، فإنه لا يجوز إمضاؤه، ويجوز تبديله. 
١ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٨٠..

### الآية 2:182

> ﻿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:182]

يجوز في " مَنْ " الوجهان الجائزان في " مَنْ " قبلها، والفاء في " فَلاَ إِثْمَ " هي جوابُ شرطٍ، أو الدَّاخلة في الخبر. 
و " مِنْ مُوصٍ " يجوز فيها ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أن تكون متعلِّقة ب " خَافَ " على أنها لابتداء الغاية. 
الثاني : أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها حال من " جَنَفاً "، قدمت عليه ؛ لأنها كانت في الأصل صفةً له، فلما تقدَّمت، نُصِبَتْ حالاً، ونظيره :" أَخَذْت مِنْ زَيْدٍ مَالاً "، إنْ شئت، علَّقت " مِنْ زَيْدٍ " ب " أَخَذْتُ "، وإن شئت، جعلته حالاً من " مالاً " ؛ لأنه صفته في الأصل. 
الثالث : أن تكون لبيان جنس الجانفين، وتتعلَّق أيضاً ب " خَافَ " فعلى القولين الأولين : لا يكون الجانف من الموصين، بل غيرهم، وعلى الثالث : يكون من الموصين، وقرأ أبو بكر[(١)](#foonote-١)، وحمزة والكسائي، ويعقوب " مُوصٍّ " بتشديد الصَّاد ؛ كقوله : مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً  \[ الشورى : ١٣ \] و  وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ  \[ لقمان : ١٤ \] والباقون يتخفيفها، وهما لغتان ؛ من " أَوْصَى "، و " وَصَّى " ؛ كما قدَّمنا، إلا أن حمزة، والكسائيَّ، وأبا بكر من جملة من قرأ  وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ  \[ البقرة : ١٣٢ \] ونافعاً، وابن عامرٍ يقرءان " أَوْصَى " بالهمزة، فلو لم تكن القراءة سُنَّةً متبعة لا تجوز بالرَّأي، لكان قياس قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وحفص هناك :" وَوَصَّى " بالتضعيف - أن يقرءوا هنا " مُوَصٍّ " بالتَّضعيف أيضاً، وأمَّا نافع، وابن عامر، فإنهما قرءا هنا :" مُوصٍ " مخفَّفاً ؛ على قياس قِراءتهما هناك، و " أَوْصَى " على " أَفْعَلَ " وكذلك حمزة، والكسائيُّ، وأبو بكر قرءوا :" وَوَصَّى " - هناك بالتضعيف ؛ على القياس. 
و " الخَوْفُ " هنا بمعنى الخشية، وهو الأصل. 
فإن قيل : الخوف إنما يصحُّ في أمر سيصير، والوصيَّة وقعت، فكيف يمكن تعليقها بالخوف ؟ !
**والجواب من وجوهٍ :**
أحدها : أن المراد منه أن المصلح، إذا شاهد الموصي، يوصي، وظهر منه أمارة الحيف، عن طريق الحقِّ مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل، أو شاهد من التَّعمُّد في الميل، فعند ظهور الأمارة تحقيق الوصيَّة، يأخذ في الإصلاح ؛ لأنَّ إصلاح الأمر عند ظهور أمارات فساده، وقبل تقرير فساده يكون أسهل ؛ فلذلك علَّقه - تعالى - بالخوف دون العلم. 
الثاني : الموصي له الرجوع عن الوصيَّة، وفسخها، وتغييرها بالزِّيادة والنُّقصان، ما لم يمت، وإذا كان كذلك، لم يصر الجنف والإثم معلومين ؛ فلذلك علَّقه بالخوف. 
الثالث : يجوز أن يصلح الورثة والموصى له بعد الموت على ترك الميل والجنف، وإذا كان ذلك منتظراً، لم يكن الجنف، والإثم مستقرّاً ؛ فصحَّ تعليقه بالخوف. 
وقيل :\[ الخَوْفُ \] بمعنى العلم، وهو مجازٌ، والعلاقة بينهما هو أنَّ الإنسان لا يخاف شيئاً ؛ حتى يعلم أنه ممَّا يُخاف منه، فهو من باب التعبير عن السَّبب بالمسبِّب ؛ ومن مجيء الخوف بمعنى العلم قوله تعالى : إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ  \[ البقرة : ٢٢٩ \]، وقول أبي محجن الثقفيَّ :\[ الطويل \]

٩٢٣ - إذَا مُتُّ فَادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ  تُرَوِّي عِظَامِي في المَمَاتِ عُرُوقَهُاوَلاَ تَدْفِنَنِّي في الفَلاَةِ فَإِنَّنِي  أَخَافُ إذَا مَا مُتُّ أَنْ لاَ أَذُوقُهَا[(٢)](#foonote-٢)فعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة أن الميِّت إذا أخطأ في وصيَّته، أو جنف فيها متعمِّداً، فلا حرج على من علم ذلك أن يغيِّره، بعد موته، قاله ابن عباس، وقتادة، والرَّبيع[(٣)](#foonote-٣)، وأصل " خَافَ " " خَوَفَ " تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها ؛ فقلبت ألفاً، وأهل الكوفة يميلون هذه الألف. 
**و " الجَنَفُ " فيه قولان :**
أحدهما : الميل ؛ قال الأعشى :\[ الطويل \]٩٢٤ - تَجَانَفُ عَنْ حُجْرِ اليمَامَةِ نَاقَتِي  وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِسوَائِكَا[(٤)](#foonote-٤)وقال آخر :\[ الوافر \]٩٢٥ - هُمُ المَوْلَى وَإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنَا  وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ[(٥)](#foonote-٥)قال أبو عبيدة : المولى هاهنا في موضع الموالي، أي : ابن العمِّ ؛ لقوله تعالى : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  \[ غافر : ٦٧ \]، وقيل : هو الجسور. 
قال القائل :\[ الكامل \]٩٢٦ - إنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةَ عَامِرٍ  ضَيْمِي وَقَدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُوم[(٦)](#foonote-٦)يقال : جَنِفَ بِكَسْر النُّون، يَجْنَفُ، بفتحها، فهو جَنِفٌ، وجَانِفٌ، وأَجْنَفَ : جاء بالجَنَفِ، ك " أَلأَمَ " أي : أتى بما يلام عليه. 
والفرق بين الجنف والإثم : أن الجنف هو الميل مع الخطأ، والإثم : هو العمد. 
### فصل في سوء الخاتمة بالمضارة في الوصيَّة


روي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إنَّ الرَّجُلَ، أو المَرْأَةَ، لَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحضُرُهُمَا المَوْتُ، فَيُضَارَّانِ في الوَصِيَّةِ ؛ فتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ[(٧)](#foonote-٧) "، ثم قرأ أبو هريرة :
 مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة 
**إلى قوله :**
 غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةًً 
\[ النساء : ١٢ \]. 
### فصل


والضمير في " بَيْنَهُمْ " عائدٌ على الموصي، والورثة، أو على الموصى لهم، أو على الورثة والموصى لهم، والظاهر عوده على الموصى لهم، إذ يدلُّ على ذلك لفظ " الموصي "، وهو نظير " وأَدَاءٌ إلَيْهِ " في أنَّ الضَّمير يعود للعافي ؛ لاستلزام " عُفِيَ " له ؛ ومثله ما أنشد الفراء :\[ الوافر \]٩٢٧ - وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضاً-  -أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي[(٨)](#foonote-٨)فالضمير في " أيُّهما " يعود على الخير والشَّرِّ، وإن لم يجر ذلك الشَّرِّ، لدلالة ضده عليه، والضمير في " عَلَيْهِ " وفي " خَافَ " وفي " أَصْلَحَ " يعود على " مَنْ ". 
### فصل في بيان المراد من المصلح


هذا المصلح \[ من هو ؟ \] الظاهر أنه الوصي، وقد يدخل تحته الشاهد، وقد يكون المراد منه من يتولَّى ذلك بعد موته ؛ من والٍ، أو وليٍّ أو وصيّ، أو من يأمر بمعروف، فلا وجه للتخصيص، بل الوصيُّ أو الشاهد أولى بالدُّخول ؛ لأن تعلقهم أشدُّ، وكيفيَّة الإصلاح أن يزيل ما وقع فيه الجنف، ويردَّ كلَّ حَقٍّ إلى مستحقه. 
قال القُرْطُبِيُّ[(٩)](#foonote-٩) : الخطاب في قوله : فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ  لجميع المسلمين، أي : إن خفتم من موص جنفاً، أي : ميلاً في الوصيَّة، وعدولاً عن الحقِّ، ووقوعاً في إثم، ولم يخرجها بالمعروف بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته، أو لولد ابنته ؛ لينصرف المال إلى ابنته \[ أو إلى ابن ابنه، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنِهِ، أو أوصى لبعيدٍ \]، وترك القريب ؛ فبادروا إلى السَّعي في الإصلاح بينهم، فإذا وقع الصُّلح، سقط الإثم عن المصلح، والإصلاح فرض على الكفاية، إذا قام أحدهم به، سقط عن الباقين، وإن لم يفعلوا، أثم الكل. 
فإن قيل : هذا الإصلاح طاعةٌ عظيمةٌ، ويستحقُّ الثَّواب عليه، فكيف عبَّر عنه بقوله : فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ  ؟
**فالجواب : من وجوه :**
أحدها : أنه تعالى، لما ذكر إثم المبدِّل في أوَّل الآية وهذا أيضاً من التَّبديل، بيَّن مخالفته للأوَّل، وأنه لا إثم عليه ؛ لأنَّه ردَّ الوصيَّة إلى العدل. 
وثانيها : أنه إذا أنقص الوصايا، فذلك يصعب على الموصى لهم، ويوهم أن فيه إثماً، فأزال ذلك الوهم، فقال : فَلاَ إِثْمَ عَلَيَهِ . 
وثالثها : أن مخالفة الموصي في وصيَّته، وصرفها عمن أحبَّ إلى من كره ؛ فإن ذلك يوهم القبح فبيَّن تعالى أن ذلك حسنٌ ؛ بقوله : فَلاَ إِثْمَ عَلَيَهِ . 
ورابعها : أن الإصلاح بين جماعةٍ يحتاج إلى إكثارٍ من القول، ويخاف أن يتخلَّله بعض ما لا ينبغي من القول والفعل ؛ فبيَّن تعالى أنَّه لا ثم عليه في هذا الجنس، إذا كان قصده في الإصلاح جميلاً. 
فإن قيل : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  إنما يليق بمن فعل فعلاً لا يجوز، وهذا الإصلاح من جملة الطَّاعات، فكيف يليق به هذا الكلام ؟
**فالجواب من وجوه :**
أحدها : أن هذا من باب التَّنبيه بالأدنى على الأعلى، فكأنه قال : أنا الذي أغفر للذُّنوب، ثم أرحم المذنب ؛ فبأن أوصل رحمتي وثوابي إليك، مع أنك تحمَّلت المحن الكثيرة في إصلاح هذا المهمِّ كان أولى. 
وثانيها : يحتمل أن يكون المراد : أن ذلك الموصي الذي أقدم على الجنف والإثم، متى أصلحت وصيَّته ؛ فإن الله غفور رحيم يغفر له، ويرحمه بفضله. 
وثالثها : أن المصلح، ربما احتاج في الإصلاح إلى أفعال وأقوال، كان الأولى تركها، فإذا علم الله تعالى منه أنَّه ليس غرضه إلا الإصلاح، فإنه لا يؤاخذه بها ؛لأنه غفور رحيم. 
### فصل في أفضلية الصدقة حال الصحة


قال القرطبيُّ[(١٠)](#foonote-١٠) رحمه الله تعالى : والصَّدقة في حال الصِّحَّة أفضل منها عند الموت ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - وقد سئل : أيُّ الصدقة أفضل ؟ فقال :" أن تَصَّدَّقَ، وأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ[(١١)](#foonote-١١) " 
وقال - عليه الصلاة والسلام - :" لأنْ يَتَصَدَّقَ المَرْءُ في حَيَاتِهِ بِدِرْهِم خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِمَائَةٍ[(١٢)](#foonote-١٢) " وقال - عليه السلام - :" مَثَلُ الَّذِي يُنْفِقُ، وَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي بَعْدَ مَا يَشْبَعُ[(١٣)](#foonote-١٣) ". 
### فصل


ومن لم يضر في وصيته، كانت كفارة لما ترك من زكاته ؛ لقوله-- عليه الصلاة والسلام- :" مَنْ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، فَأَوْصَى، فَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى كتَابِ اللهِ ؛ كَانَتْ كَفَّارَةً لما تَرَكَ مِنْ زَكَاتِهِ[(١٤)](#foonote-١٤) " وقال - عليه الصلاة والسلام- :" الإِضْرَارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ[(١٥)](#foonote-١٥) " وقال - عليه الصلاة والسلام - :" إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أو المَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا المَوْتُ، فيُضارَّان في الوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ[(١٦)](#foonote-١٦) " وروى عمران بن حصين، أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك، وقال : لقد هممت ألاَّ أصلي عليه \[ ثم دعى مملوكيه \]، فجَزَّأهم ثلاثاً، وأقرع بينهم، وأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة[(١٧)](#foonote-١٧). 
١ - انظر: السبعة ١٧٥- ١٧٦، والحجة ٢/٢٧١، وحجة القراءات ١٢٤، وشرح الطيبة ٤/٩١، والعنوان ٧٣، وشرح شعلى ٢٨٤، وإتحاف ١/٤٣٠..
٢ - البيتان في: ديوانه ص ٤٨، والأزهية ص ٦٧، وخزانة الأدب ٨/ ٣٩٨، ٤٠٢، والدرر ٤/ ٥٧، وشرح شواهد المغني ١/١٠١، والشعر والشعراء ١/٤٣١، ولسان العرب (فنع)، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٨، وهمع الهوامع ٢/٢، وشرح الأشموني ٣/٥٥٢، ومغني اللبيب ١/٣٠، والدر المصون ١/٤٥٨..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٥٧..
٤ - ينظر ديوانه ص ١٣٩، وخزانة الأدب ٣/٤٣٥، ٤٣٨، ٤٤١، والدرر ٣/٩٤، وشرح أبيات سيبويه ١/١٣٧، والكتاب ١/٣٢، ٤٠٨، ولسان العرب (جنف)، (سوا) والأضداد ص ٤٤، ١٩٨، والأشباه والنظائر ٥/١٦٤، والمحتسب ٢/١٥٠، والمقتضب ٤/ ٣٤٩، وهمع الهوامع ١/٢٠٢، والدر المصون ١/ ٤٥٨..
٥ - البيت لعامر الخصفي رجل من خصفة بن قيس عيلان.
 ينظر: مجاز القرآن (١/٦٦)، الدر المصون (١/٤٥٨)..
٦ البيت للبيد. ينظر: البحر المحيط ١/٢٧٢ ولدر المصون ١/٤٥٨..
٧ - أخرجه البخاري (٤/١٢٦) وابن ماجه(٢٧٠٤) وأحمد (٢/٢٧٨) وعبد الرزاق (١٦٤٥٥) وذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٣٢) من حديث أبي هريرة..
٨ البيت للمثقب العبدي. ينظر: ديوانه ٢/٢ وخزانة الأدب ١١/٨٠، وشرح شواهد المغني ١/١٩١، وشرح اختيارات المفضل ص ١٢٦٧، وخزانة الأدب ٦/ ٣٧، وتخليص الشواهد ص ١٤٥، والعمدة ٢/ ٢١٣، والدر المصون ١/٤٥٨، وتأويل المشكل ١٧، والبحر ٢/٢٨..
٩ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٨١..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/١٨٢..
١١ - أخرجه البخاري (٥/ ٤٣٩-٤٤٠) كتاب الوصايا: باب الصدقة عند الموت حديث (٢٧٤٨) ومسلم (٢/٧١٦) كتاب الزكاة: باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح حديث (٩٢، ٩٣/١٠٣٢) والنسائي (٥/٦٨-٦٩) كتاب الزكاة: باب أي الصدقة أفضل (٢٥٤٢) وأبو داود (٢/١٢٦) كتاب الوصايا: باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية حديث (٢٨٦٥) وابن ماجه (٢٧٠٦) وأحمد (٢/٢٣١) والبيهقي (٤/١٩٠) من حديث أبي هريرة..
١٢ - أخرجه أبو داود (٢/ ١٢٦) كتاب الوصايا: باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية حديث (٢٨٦٦) والدارمي (٢/ ٤١٣) وابن حبان (٨٢١-موارد) من طريق شرحبيل بن سعد عن أبي سعيد الخدري به..
١٣ - أخرجه أحمد (٥/١٩٧) والنسائي (٦/ ٢٣٨) كتاب الوصايا: باب الكراهية في تأخير الوصية وأبو داود (٢/٤٢٥) كتاب العتق: باب في فضل العتق في الصحة (٣٩٦٨) والترمذي كتاب الوصايا: باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت (٢١٢٤) والدارمي (٢/ ٤١٣) وابن حبان (١٢١٩-موارد) من حديث أبي الدرداء. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وابن حبان..
١٤ - أخرجه ابن ماجه (٢/٩٠٢) كتاب الوصايا باب الجنف في الوصية (٢٠٧٥) والدارقطني (٤/ ١٤٩) والطبراني (١٩/٣٣) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/٢٤٧) وابن الوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٢١).
 قال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٢/ ٣٦٤): هذا إسناد ضعيف بقية مدلس وشيخه مجهول.
 وقال ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٢١): هذا حديث لا يصح والحديث ذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/٣٦٥) والقرطبي في "تفسيره" (٢/٢٧١)..
١٥ - أخرجه الدارقطني (٤/١٥١) والعقيلي في "الضعفاء" (٣/١٨٩) والحديث ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٢/ ٢٠٢، ٢٤٤) وكذلك ذكره الذهبي في "الميزان" (٦٢٢١)..
١٦ - تقدم..
١٧ - أخرجه النسائي (٤/ ٦٤) كتاب الجنائز باب الصلاة على من يحيف في وصيته رقم (١٩٥٨) وأحمد (٤/٤٣١) وسعيد بن منصور (٤٠٨، ٤٠٩، ٤١٠) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ٣١٨) والطبراني في "الكبير" (١٨/١٧٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٦٠) عن عمران بن حصين..

### الآية 2:183

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:183]

" الصِّيَام " : مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، وقدَّم عليه هذه الفضلة، وإن كان الأصل تأخيرها عنه ؛ لأن البداءة بذكر المكتوب عليه آكد من ذكر المكتوب لتعلُّق الكتب بمن يؤدي، والصِّيام مصدر صام يصوم صوماً، والأصل :" صِوَاماً "، فأبدلت الواو ياء، والصَّوم مصدر أيضاً، وهذان البناءان - أعني : فعل وفعال - كثيران في كلِّ فعل واويِّ العين صحيح اللام، وقد جاء منه شيءٌ قليلٌ على فعولٌ ؛ قالوا :" غَارَ غُوُوراً "، وإنما استكرهوه ؛ لاجتماع الواوين، ولذلك همزه بعضهم، فقال :" الغُئُور ". 
قال أبو العباس المقرئ : وقد ورد في القرآن " كَتَبَ " بإزاء أربعة معانٍ :
الأول : بمعنى فرض ؛ قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ، أي : فُرِضَ. 
الثاني : بمعنى قضى ؛ قال تعالى : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي 
\[ المجادلة : ٢١ \]، ومثله : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا  \[ التوبة : ٥١ \]. 
الثالثُ : بمعنى جَعَل ؛ قال تعالى : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ  \[ المائدة : ٢١ \]، أي : جعَلَ لكم، ومثله : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ  \[ المجادلة : ٢٢ \] أي : جعل. 
الرابع : بمعنى أمر ؛ قال تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ  \[ المائدة : ٤٥ \]، أي : أمرناهم. 
والصيام لغةً : الإمساك عن الشيء مطلقاً، ومنه صامت الرَِّيح : أمسكت عن الهبوب، والفرس : أمسكت عن العدو ؛ قال :\[ البسيط \]
٩٢٨ - وخَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ \*\*\* تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا[(١)](#foonote-١)
وقال تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا  \[ مريم : ٢٦ \]، أي : سكوتاً ؛ لقوله : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً  \[ مريم : ٢٦ \] وصام النهار، اشتدَّ حرُّه ؛ قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
٩٢٩ - فَدَعْهَا وَسَلِّ الهَمَّ عَنْهَا بِجَسْرَةٍ \*\*\* ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا[(٢)](#foonote-٢)
وقال :\[ الرجز \]
٩٣٠ - حَتَّى إذَا صَامَ النَّهَارُ وَاعْتَدَلْ \*\*\* وَمَالَ لِلشِّمْسِ لُعَابٌ فَنَزَلْ[(٣)](#foonote-٣)
كأنهم توهَّموا ذلك الوقت إمساك الشمس عن المسير، ومصام النُّجوم : إمساكها عن السَّير[(٤)](#foonote-٤) ؛ قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
٩٣١ - كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا \*\*\* بَأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ[(٥)](#foonote-٥)
ويقال : بَكْرَةٌ صائمةٌ، إذا قامت فلم تدر. 
قال الراجز :\[ الرجز \]
٩٣٢ - وَالبَكَرَاتُ شَرُّهُنَّ الصَّائِمَهْ[(٦)](#foonote-٦) \*\*\*. . . 
وفي الشَّريعة : هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات ؛ حال العلم بكونه صائماً، \[ مع اقترانه بالنِّيَّة \]. 
قوله :" كَمَا كُتِبَ " فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن محلّها النصب على نعت مصدر محذوف، أي : كتب كتباً ؛ مثل ما كتب. 
الثاني : أنه في محل نصب حال من المصدر المعرفة، أي : كتب عليكم الصِّيام الكَتْبَ مشبهاً ما كتب، و " ما " على هذين الوجهين مصدريةٌ. 
الثالث : أن يكون نعتاً لمصدر من لفظ الصيام، أي : صوماً مثل ما كتب، ف " ما " على هذا الوجه بمعنى " الذي "، أي : صوماً مماثلاً للصوم المكتوب على من قبلكم، و " صوماً " هنا مصدر مؤكِّد في المعنى ؛ لأن الصِّيام بمعنى :" أنْ تَصُوموا صَوْماً " قاله أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧) - رحمه الله -، وفيه أن المصدر المؤكِّد يوصف، وقد تقدَّم منعه عند قوله تعالى : بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ  قال أبو حيَّان[(٨)](#foonote-٨) - بعد أن حكى هذا عن ابن عطية - : وهذا فيه بعدٌ ؛ لأنَّ تشبيه الصَّوم بالكتابة لا يصحُّ، \[ هذا إن كانت " ما " مصدريَّةً، وأمَّا إن كانت موصولةً، ففيه أيضاً بعدٌ ؛ لأنَّ تشبيه الصَّوم بالصَّوم لا يصحُّ[(٩)](#foonote-٩) \]، إلا على تأويلٍ بعيدٍ. 
الرابع : أن يكون في محل نصب على الحال من " الصِّيام " وتكون " ما " موصولةً، أي : مشبهاً الذي كتب، والعامل فيها " كُتِبَ " ؛ لأنَّه عاملٌ في صاحبها. 
الخامس : أن يكون في محلِّ رفع ؛ لأنه صفة للصيام، وهذا مردودٌ بأن الجارَّ والمجرور من قبيل النَّكرات، والصِّيام معرفةٌ ؛ فكيف توصف المعرفة بالنكَّرة ؟ وأجاب أبو البقاء[(١٠)](#foonote-١٠) عن ذلك ؛ بأن الصَّيام غير معين ؛ كأنَّه يعني أن " ألْ " فيه للجنس، والمعرَّف بأل الجنسيَّة عندهم قريبٌ من النَّكرة ؛ ولذلك جاز أن يعتبر لفظه مرَّةً، ومعناه أخرى ؛ قالوا " أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الحُمْرُ والدِرْهَمُ البِيضُ "، ومنه :
٩٣٣ - وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي \*\*\* فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ : لاَ يَعْنِينِي[(١١)](#foonote-١١)
 وَآيَةٌ لَّهُمُ الْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ  \[ يس : ٣٧ \] وقد تقدّم الكلام على مثل قوله : وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  \[ البقرة : ٢١ \] كيف وصل الموصول بهذا ؛ والجواب عنه في قوله : خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ 
\[ البقرة : ٢١ \].

### فصل في المراد بالتشبيه في الآية


**في هذا التشبيه قولان :**
أحدهما : أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني : هذه العبادة كانت مكتوبةً على الأنبياء والأمم من ولد آدم - عليه الصلاة والسلام - إلى عهدكم لم تخل أمَّةٌ من وجوبها عليهم. 
وفائدة هذا الكلام : أنَّ الشَّيء الشاقَّ إذا عمَّ، سهل عمله. 
القول الثاني : أنه عائد إلى وقت الصَّوم، وإلى قدره، وذكروا فيه وجوهاً :
أحدها : قال سعيد بن جبير " كَانَ صَومُ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ العَتَمَةِ إلى اللَّيْلة القَابِلَة ؛ كما كان في ابتداءِ الإسْلاَمِ[(١٢)](#foonote-١٢) ". 
ثانيها : أن صوم رمضان كان واجباً على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركته وصامت يوماً في السَّنة، زعموا أنه يوم أن غرق فيه فرعون، وكذبوا ي ذلك أيضاً ؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وأما النصارى، فإنهم صاموا رمضان زماناً طويلاً، فصادفوا فيه الحرَّ الشديد، فكان يشقُّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السَّنة بين الشِّتاء والصِّيف، فجعلوه في الرَّبيع، وحوَّلوه إلى وقتٍ لا يتغيَّر، ثم قالوا عند التَّحويل : زيدوا فيه عشرة أيَّام كفَّارةً لما صنعوا ؛ فصار أربعين يوماً، ثم إنَّ ملكاً منهم اشتكى، فجعل لله عليه، إن برىء من وجعه : أن يزيد في صومهم أسبوعاً، فبرىء، فزادوه، ثمَّ جاء بعد ذلك ملكٌ آخر ؛ فقال : ما هذه الثلاثة، فأتَمَّهُ خمسين يوماً، وهذا معنى قوله : اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ [(١٣)](#foonote-١٣) \[ التوبة : ٣١ \]. قاله الحسن. 
وثالثها : قال مجاهدٌ : أصابهم موتان، فقالوا : زيدوا في صيامكم، فزاداو عشراً قبل وعشراً بعد[(١٤)](#foonote-١٤). 
ورابعها : قال الشعبي : إنهم[(١٥)](#foonote-١٥) أخذوا بالوثيقة، وصاموا قبل الثلاثين يوماً، وبعدها يوماً، ثم لم يزل الأخير يستسن بالقرن الذي قبله، حتى صاروا إلى خمسين يوماً، ولهذا كُرِّه صوم يوم الشَّكِّ[(١٦)](#foonote-١٦). 
قال الشعبي : لو صمت السَّنة كلَّها، لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال : من شعبان، ويقال : من رمضان[(١٧)](#foonote-١٧). 
وخامسها : أن وجه التَّشبيه أن يحرم الطَّعام والشَّراب والجماع بعد اليوم ؛ كما كان قبل ذلك حراماً على سائر الأمم ؛ لقوله تعالى :
 أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ  \[ البقرة : ١٨٧ \]. فإن هذا يفيد نسخ هذا الحكم، ولا دليل يدلُّ عليه إلاَّ هذا التَّشبيه، وهو قوله : كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  ؛ فَوَجبَ أن يكُون هذا التَّشبيه دالاًّ على ثبوت هذا المعنى. 
قال أصحاب القول الأول : إن تشبيه شيء بشيء لا يدلُّ على مشابهتهما من كلِّ الوجوه، فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم : أن يكون صومهم مختصّاً برمضان، وأن يكون صومهم مقدَّراً بثلاثين يوماً، ثم إنَّ مثل هذه الرِّواية مما ينفِّر من قبول الإسلام، إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك. 
وقوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  يعني : بالصَّوم ؛ لأنَّ الصَّوم وصلةٌ إلى التَّقوى ؛ لما فيه من قهر النَّفسِ، وكسر الشَّهوات، وقيل : لعلَّكم تحذرون عن الشَّهوات من الأكل، والشُّرب، والجماع، وقيل :" لعلَّكم تتَّقون " إهمالها، وترك المحافظة عليها، بسبب عظم درجتها، وقيل : لعلَّكم تكونون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم. 
١ - البيت للنابغة. ينظر: ديوانه (١١٢) واللسان "صوم" والدر المصون ١/٤٥٩..
٢ - ينظر: اللسان (صوم) والبحر المحيط ٢/٣٠..
٣ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٠، والدر المصون ١/٤٥٩..
٤ - ينظر: ديوانه (١١٧) والدر المصون ١/٤٥٩، واللسان (صوم) والبحر المحيط ٢/٣٠..
٥ - ينظر: ديوانه (١١٧) والدر المصون ١/٤٥٩، واللسان (صوم) والبحر المحيط ٢/٣٠..
٦ - البيت لساعدة بن جؤيّة. ينظر: اللسان (صوم) والبحر المحيط ٢/٣٠..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٨٠..
٨ - ينظر: البحر المحيط ٢/ ٣٦..
٩ - سقط في ب..
١٠ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/ ٨٠..
١١ - تقدم برقم ٧٥٧..
١٢ -أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (١/ ٣٢٤)..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤١١) عن السدي..
١٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤١٠) عن الشعبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٢٢، ٣٢٣) وتفسير البغوي ١/ ١٤٩..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٦٠..
١٦ - صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا تحدّث الناس برؤية الهلال، ولم يشهد بها أحد، أو شهد بها جمع لا يعتدّ بشهادتهم؛ كالصبيان والنساء، والعبيد، ولا بد أن يكون صدقهم محتملا، أما إذا لم يكن محتملا- بأن أطبق الناس على كذبهم-، فلا يكون يوم شك، بل هو من شعبان، وكذا إن لم يتحدث برؤيته، ولم يشهد بها أحد، أو شهد بها واحد ممن ذكر سابقا، فلا يكون اليوم يوم شك، بل هو من شعبان، وإن أطبق الغيم؛ لخبر: فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما.
 ويدل على كراهته كراهة تحريم: ما روي عن عمار بن ياسر؛ أنه قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم. ومحل كراهة صومه؛ إذا لم يكن له سبب يقتضيه، أما إذا كان له سبب يقتضي صومه، فلا كراهة.
 ومن الأسباب التي تقتضي صومه: أن يوافق عادة له في تطوع؛ كأن كان يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، فوافق أحدهما يوم الشك، أو كان يصوم يوما ويفطر يوما، فوافق يوم الشك يوم صومه؛ لخبر الصحيحين: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم يوما فليصمه" كأن اعتاد صوم الدهر، أو صوم يوم وإفطار يوم، ومثل يوم الشك في عدم جواز صومه إلا لسبب النصف الثاني من شعبان، فإذا انتصف شعبان، لا يجوز الصوم إلا إذا كان عن نذر، أو كفارة، أو قضاء.
 أو كان يصوم يوما ويفطر يوما واعتاد صوم أيام مخصوصة؛ فله أن يصم ما اعتاده؛ والسر في النهي عن صومه؛ أن في إفطاره إبقاء قوة الجسم، وحفظ قدرته على صوم رمضان.
 ومحل عدم جواز صومه إذا لم يصله بما قبله، أما إذا وصله بما قبله ولو بالخامس عشر، فلا كراهة. ويكره تحريما تطوع امرأة لم يأذن لها زوجها الحاضر في الصوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لا مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه.
 .
١٧ - ذكره الرازي في تفسيره ٥/٦٠..

### الآية 2:184

> ﻿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:184]

**في نصب أيَّاماً أربعة أوجه :**
أظهرها : أنَّهُ مَنصُوب بعاملٍ مقدَّرٍ يدُلُّ عليه سياقُ الكلام، تقديره صُومُوا أيَّاماً ويحتملُ النَّصب وجهين : إما الظرفيَّة، وإما المفعول به، اتِّساعاً. 
الثاني : أنَّه منصوبٌ بالصيام، ولم يذكر الزّمخشري غيره ؛ وَنَظَّره بقولك " نَوَيْتُ الخُرُوجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ "، وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ الفصل بيْن المصدر ومعمُوله بأجنبيٍّ، وهو قوله " كَمَا كُتبَ " ؛ لأَنَّهُ ليس معمولاً للمصدر على أيِّ تقدير قدَّرته. 
فإن قيل : يُجعلَ " كَمَا كُتِبَ " صفةً للصّيام، وذلك على رأي من يجيزُ وصف المعرَّف " بأَل " الجنسيَّة بما يجرى مجرَى النَّكرة، فلا يكُونُ أجنبيّاً. 
قيل : يلزمُ مِنْ ذلك وصفُ المصدر قَبل ذكر معموله، وهو ممتنعٌ. 
الثالث : أنه منصوبٌ بالصِّيامِ على أنْ تقدَّر الكافُ نعتاً لمصدر من الصِّيام ؛ كما قد قال به بعضُهُمْ وإن كان ضعيفاً ؛ فيكون التَّقدير :" الصِّيَامُ صَوْمَاً ؛ كَمَا كُتِبَ " ؛ فجاز أن يعمل في " أَيَّاماً " " الصِّيَامُ " ؛ لأنه إذْ ذاك عاملٌ في " صوماً " الذي هو موصوفٌ ب " كمَا كُتِبَ "، فلا يقع الفصلُ بينهما بأجنبيٍّ، بل بمعمول المصدر. 
الرابع : أن ينتصب ب " كُتِبَ " إِمَّا على الظَّرف، وإمَّا على المَفعُول به تَوَسُّعاً، وإليه نحا الفرَّاء[(١)](#foonote-١)، وتبعه على ذلك أبو البَقَاء[(٢)](#foonote-٢). 
قال أبو حيَّان[(٣)](#foonote-٣) : وكلا القَولين خطأٌ : أَمَّا النَّصب على الظرفيَّة، فإِنَّهُ محلٌّ للفعلِ، والكِتابة لَيْسَت واقعةً في الأيَّام، لكنَّ متعلَّقها هو الواقع في الأَيّام، وأَمَّا \[ النَّصب على المفعول اتساعاً، فإِنَّ ذلك مبنيٌّ على كونه ظرفاً ل " كُتِبَ "، وقد تقدَّم أَنَّهُ خطأٌ، وقيل : نصبٌ على \][(٤)](#foonote-٤) التَّفسير. 
و " مَعْدُودَاتٍ " صفةٌ، وجمعُ صفةِ ما لا يعقل بالألف والتَّاء مطَّردٌ ؛ نحو هذا، وقوله :" جِبَالٌ راسِيَاتٌ "، و " أَيَّامٌ مَعلومات ". 
### فصل في اختلافهم في المراد بالأيَّام


**اختلفوا في هذه الأيام على قولين :**
أحدهما : أنها غير رمضان، قاله معاذ، وقتادة، وعطاء، ورواه عن ابن عبَّاس، ثم اختلفَ هؤلاءِ : فقيل ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهر[(٥)](#foonote-٥)، وصوم يوم عاشُوراء، قاله قتادة، ثُمَّ اختلفوا أيضاً : هل كان تَطوعاً أو مَرضاً، واتفقُوا على أنَّه منسوخٌ برمضان. 
واحتجُّ القائلُونَ بأنَّ المراد بهذه الأيَّام غيرُ رمضانَ بوجوه :
أحدها : قوله - صلى الله عليه وسلم - :" إِنَّ صَوْمَ رَمَضَان نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ [(٦)](#foonote-٦) " فدلّ هذا على أنَّ قبل رمضان كان صوماً آخر واجباً. 
وثانيها : أنَّه تعالى ذكر حُكم المريض والمُسافر في هذه الآية، ثم ذكر حكمها أيضاً في الآيَة الَّتي بعدها الدالَّة على صوم رمضان، فلو كان هذا الصَّوم هو صومَ رمضان، لكان ذلك تكريراً محضاً مِنْ غير فائدة، وهو لا يجوز. 
وثالثها : قوله تعالى هنا  وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ  \[ البقرة : ١٨٤ \] تدلُّ على أنَّ هذا واجبٌ على التخيير، إن شاء صام، وَإِنْ شاء أعطى الفدية، وأَما صوم رمضان، فواجبٌ على العيين ؛ فوجبَ أن يكون صَومُ هذه الأيام غير صوم رمضان. 
القول الثاني وهو اختيارُ المحقِّقين، وبه قال ابنُ عبَّاس، والحسن، وأبو مُسلم أن المراد بهذه الأيَّام المعدُواتِ هو صومُ رمضان، لأَنَّهُ قال في أوَّل الآية الكريمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ  وهذا محتملٌ ليوم ويومين، وأيَّام، ثم بينه بقوله :" أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ " فزال بعضُ الاحتمال، ثم بَيَّنه بقوله : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ 
\[ البقرة : ١٨٥ \] فعلى هذا التَّرتيب يمكنُ أَنْ نجعل الأيَّام المعدوداتِ بعينها صومَ رمضان، وإذا أمكن ذلك، فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النَّسخ فيه ؛ لأنَّ كل ذلك زيادةٌ لا يدلُّ عليها اللَّفظُ، وأَمَّا تمسُّكهم بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - " صَوْمُ رَمَضَانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ "، فليس فيه أَنَّه نَسَخَ عنه، وعن أُمَّته كلَّ صوْمٍ، بل يجوز أَنَّه نَسَخَ كلَّ صوم وجَبَ في الشّرائع المتقدِّمة ؛ فكما يصحُّ أن يكون بعض شرعه ناسخاً للبعض، فيجوز أن يكون شَرْعهُ ناسخاً لشَرع غيره. 
سلَّمنا أَنَّ صومَ رمضان نسخ صوماً ثبت في شرعه، فلِمَ لا يجوز أن يكونَ نسخ صوماً وجب غَيْرَ هذه الأيام. 
وأمَّا تمسُّكُهم بحكم المريضِ والمُسَافر وتكَرُّرِه فجوابُه : أَنَّ صوم رمضان كان في ابتداءِ الإسلام غير واجِبٍ، وكان التَّخيير فيه ثابتاً بين الصِّيام والفدية، فلمَّا رُخصَ للمسَافر الفطرُ، كان من الجائز أَنْ يصير الواجبُ عليه الفدية، ويجوز أَنْ لا فديَة علَيْه، ولا قضاء ؛ للمشقَّة. وإذا كان ذلك جائزاً، بيَّن تعالى أَنَّ إفطار المُسافِر والمريض في الحُكْم خلافُ \[ التخيير في المقيم ؛ فإِنَّهُ يجبُ عليهما القَضَاء من عدَّةِ أيَّام أُخر، فلما نَسَخَ اللَّهُ تعالى ذلك التَّخييرَ عن \][(٧)](#foonote-٧) المقيم الصَّحيحِ، وأَلْزَمَهُ الصَّومَ حتماً، كان من الجائزِ أَنْ يظن أنَّ حكم الصَّوم، كمَّا انتقلَ عن التخيير إلى التَّضييق في حَقِّ المقيم الصَّحيح أن يتغيَّر حكمُ المريضِ والمسافر عن حكم الصَّحيح، كما كان قبل النَّسْخِ، فبيَّن تعالى في الآية الثَّانية : أنَّ حال[(٨)](#foonote-٨) المريض والمُسافر كحالها الأُولى لم يتغيَّر بالنَّسخ في حق المقيم الصَّحيح، فهذه هي الفائدةُ في الإعادة، وإنَّمَا تمسُّكُهم بأنَّ صَوْمَ هذه الأيَّام على التَّخير وصومَ رمضانَ واجِبٌ على التَّعيين، فتقدَّم جوابهُ من أَنَّ رمضان كان واجِباً مخيَّراً، ثم صَارَ مُعَّيناً، وعلى كِلا القَوْلَين، فلا بُدَّ من تَطَرُّق النسخ إلى الأيَّام أمَّا على القول الأوَّل فظاهر، وأما على الثاني : فلأَنَّ هذه الآية تقتضي أن يكون صَوم رمضان واجباً مخيَّراً، والآية الكريمة التي بعدها تدُلُّ على التَّضييق ؛ فكانت ناسخة للأولى. 
فإن قيل : كَيْفَ يصحُّ أنْ يكونَ قوله : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  \[ البقرة : ١٨٥ \] ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصحُّ. 
والجواب : أنَّ الاتِّصال في التَّلاوة لا يوجب الاتِّصال في النُّزول ؛ وهذا كما قيل في عدَّة المتوفَّى عنها زوجها ؛ أنّ الْمقدَّم في التلاوة هو النَّاسخُ والمَنْسُوخ متأَخِّر، وهذا عكسُ ما يجبُ أن يكُونَ عليه حالُ النَّاسخ والمَنْسوخ، فقالُوا : إنَّ ذلك في التِّلاوة، أمَّا في الإنزال، فكان الاعتِدادُ بالحَولِ هو المتقدِّمَ، والآية الدَّالَّةُ على أربعة أشْهرٍ وعَشْرٍ هي المُتأخِّرَة، وكذلك في القُرآن آيات كثيرةٌ مكِّيِّةٌ متأخِّرة في التَّلاوة عن الآياتِ المدنيَّة، والله أعْلَمْ. 
### فصل في أول ما نسخ بعد الهجرة


قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - أوَّلُ ما نُسخ بعد الهجرة أَمْرُ القِبلة والصَّوْم، ويقالُ نزل صَوْمُ شهر رمضان قَبْل بَدرٍ بشهرٍ وأيام، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان يَوْمُ عاشُورَاء تصومُهُ قُرَيش في الجاهلِيَّة، وكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُهُ في الجَاهِليَّة فلمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدِينَةَ، صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانَ كَانَ هُوَ الفريضة، وتُرِكَ يَوْمُ عاشُوراء، فَمنْ شَاءَ صاَمَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ[(٩)](#foonote-٩). 
### فصل في المراد بقوله " مَعْدُودات " 


في قوله تعالى :" مَعْدودَاتٍ " وجهانِ :
أحدهما : أنها مُقّدَّراتٌ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ. 
والثاني : قَلائِل ؛ كقوله تعالى : دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ  \[ يوسف : ٢٠ \]. 
وقوله : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . 
فالمرادُ أَنَّ فَرْضَ الصَّوم في الأَيَّامِ المعْدُودَاتِ، إنما يَلْزَمُ الأصِحَّاءَ المُقيمينَ، فأَمَّا مَنْ كَان \][(١٠)](#foonote-١٠) مُسَافراً، أو مريضاً، فله تأخير الصَّومِ عنْ هذه الأيَّام إلى أيَّامٍ أُخَرَ. 
قال القفَّالُ رحمه الله[(١١)](#foonote-١١) : انْظُرُوا إلى عجيب ما نبَّهَ اللَّهُ تعالى مِنْ سعة فضلِهِ وَرَحمتِهِ في هذا التَّكليف، وأَنَّهُ تعالى بَيَّنَ فِي أوَّلِ الآيَةِ أن لهذه الأُمَّةِ في هذا التكليف أَسْوَةً بالأُمَمِ المُتقدِّمةِ، والغَرضُ منهُ ما ذكرناهُ مِنْ أَنَّ الأمر الشَّاقَّ، إذا عَمَّ خفَّ، ثم بَيَّن ثانياً وجه الحكمة في إيجابِ الصَّوم، وهو أَنَّهُ سببٌ لحُصُول التَّقوَى، ثُمَّ بَيَّنَ ثالثاً : أنَّهُ مُخْتصُّ بأيَّامٍ معدوداتٍ، فلو جعلهُ أبداً، أو في أكثر الأوقات، لَحَصَلتِ المشَقَّةُ العظيمة، ثُمَّ بيَّن رابعاً : أنه خَصَّهُ من الأوقات بالشَّهر الذي أُنزل فيه القرآن ؛ لكونه أَشرَف الشُّهُور ؛ بسبب هذه الفَضيلةِ ؛ ثم بيَّن خامِساً : إزالة المشقَّة في إلزَامه، فَأَباح تأخيره لِمَنْ به مَرَضٌ، أو سَفَرٌ إلى أن يصيرَ إلى الرَّفاهية والسُّكُون، فراعى سبحانه وتعالى في إيجاب هذا الصَّوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمدُ على نعمه. 
قوله : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً  : فيه معنَى الشَّرْط والجَزاءِ، أي : مَنْ يَكُنْ مرِيضاً، أو مُسَافراً، فَأَفْطَر، فَلْيَقْضِ، إذا قَدَّرْتَ فيه الشَّرط، كَانَ المرادُ بقوله : كَانَ الاسْتِقبَالُ لاَ الماضي ؛ كما تقولُ : مَنْ أَتَانِي، أَتَيْتُهُ. 
قوله : أَوْ عَلَى سَفَرٍ  في مَحَلِّ نَصبٍ ؛ عطفاً على خبر كان، و " أوْ " هُنَا للتَّنويع، وعَدَل عن اسمِ الفاعِل، فَلَمْ يَقْل : أَوْ مُسَافِراً، إشعارً بالاسْتِعلاء على السَّفر، لِما فيه مِنَ الاختيار للسفر ؛ بخلافِ المرض، فإنه قَهْرِيٌّ، 
### فصل في المرض المبيح للفطر


اختلفُوا في المَرَضِ المُبيح للفطر ؛ فقال الحَسَنُ، وابنُ سيرين : أيُّ مَرَضٍ كان، وأيُّ سَفَرٍ كان[(١٢)](#foonote-١٢) ؛ تنزيلاً لِلَّفظ المطلق على أقلِّ الأحوال، وروي أنَّهم دخَلُوا على ابن سيرين في رمَضَان، وهو يأْكُلُ فاعتلَّ بِوَجَعِ أُصْبعِهِ[(١٣)](#foonote-١٣)، وقال الأصمُّ - رحمه الله- : هذه الرخصةُ مختصَّةٌ بالمرضِ الَّذي لو صَامَ فيه، لَوقَع في مشقَّة، ونزَّل اللَّفظ المُطلق على أكْملِ أحوالِه. 
وقال أكثَرُ الفقهاءِ : المرضُ المبيحُ للفطر الَّذي يؤدِّي إلى ضررٍ في النفسِ، أو زيادةِ في العلَّة. 
قالوا : وكيفَ يمكنُ أنْ يقالَ : كُلُّ مرضٍ مرخِّصٌ، مع علمنا أنَّ في الأَمْرَاض ما ينقصه الصَّوم[(١٤)](#foonote-١٤). 
### فصل في أصل السَّفر واشتقاقه


أصلُ السَّفر من الكَشف، وذلك أنه يَكشفُ عن أحوال الرِّجال وأخلاقهم، والمِسفرة : المِكْنَسَة ؛ لأنَّها تكشِفُ التُّراب عن الأَرْض، والسَّفير : الدَّاخل بين اثْنَيْن للصلح ؛ لأنَّه يكشِفُ المكروه الَّذي اتَّصل بهما، والمُسْفِر المُضِيء ؛ لأنه قد انْكَشَف وظَهَر، ومنه : أَسْفَر الصُّبح، والسّ١ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١١٢..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ٢/٣١..
٣ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٨..
٤ - سقط في ب..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤١٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١٠/٣٢٣) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٦ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/٦١). وذكر السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٢٣) أثرا أخرجه سعيد بن منصور عن أبي جعفر قال: نسخ شهر رمضان كل صوم..
٧ - سقط في ب..
٨ - في ب: إدخال..
٩ - أخرجه البخاري (٣/٩٥) كتاب الصوم باب صيام يوم عاشوراء (٢٠٠٢) و (٦/٥٤) كتاب التفسير باب تفسير سورة البقرة (٤٥٠٤) ومسلم كتاب الصوم باب ١٩، رقم (١١٨) وأبو داود (١/ ٤٧٢) كتاب الصيام باب في صوم يوم عاشوراء (٢٤٤٢)..
١٠ - سقط في ب..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٦٣..
١٢ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/ ٦٣) عن الحسن وابن سيرين..
١٣ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٥/٦٣)..
١٤ - من شروط وجوب الصوم: القدرة على الصوم حسا أو شرعا، فلا يجب صوم رمضان على العاجز عن الصوم، ثم إن العجز عن الصوم قسمان: شرعي، وحسي.
 فالعجز الشرعي ما كان سببه الحيض والنفاس، فلا يجب صوم رمضان على الحائض والنفساء، وبل يحرم عليهما بالإجماع.
 فإذا طهرت الحائض أو النفساء، وجب عليهما القضاء؛ دليل ذلك ما روي عن السيدة عائشة- رضي الله عنها-؛ أنها قالت في الحيض كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم- ثم نطهر فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، فوجب القضاء على الحائض بهذا الخبر؛ ويقاس عليها النفساء؛ لأنها في معناها ثم إن طهرتا في أثناء نهار رمضان، استحبّ لهما إمساك بقية النهار، ولا يلزمهما ذلك. وإنما وجب عليهما قضاء الصوم دون الصلاة؛ للفرق بينهما- وهو أن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات، بخلاف الصوم فإنه شهر في السنة.
 وأما العجز الحسي عن الصوم، فهو ما لحق صاحبه مشقة لا تحتمل عادة، وله أسباب: 
 الأول: المرض: فيباح للمريض ترك صوم رمضان إذا كان يحصل له بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة سواء كان هذا المرض يرجى زواله أم لا لقوله تعالى: "فمن كان منكم مريضا او لى سفر فعدة من أيام آخر"؛ ولقوله تعالى: "ما جعل عليكم في الدين من حرج". ولا تتوقف إباحة الفطر للمريض على قول طبيب عدل بحصول المشقة المذكورة إذا صام، بل يكفي أن يتضرر المريض بالصوم، وأنه يدرك الألم الحاصل له بسبب الصوم، ولا يلزم المريض تبييت النية ليلا إذا كان المرض الذي عنده مطبقا، أي مستمرا ليلا ونهارا أما إذا كان غير مطبق، بأن كان متقطعا؛ كالحمى التي توجد في وقت وتنقطع في وقت آخر، فيفصل فيه، فإن كان المرض غير موجود قبيل الفجر لزمه تبييت النية؛ لاحتمال الشفاء، وعدم عودة المرض، ثم إن عاد المرض جاز له الفطر، وإلا فلا.
 أما إذا كان المرض موجودا قبيل الفجر، فلا يلزمه التبييت، ويلزمه قضاء ما ترك.
 ثم إذا أصبح الصحيح صائما، ثم مرض في أثناء النهار- جاز له الفطر، لأن أبيح له الفطر للضرورة، والضرورة موجودة.
 الثاني: كِبَر السن فلا يجب الصوم على كبير السن الذي يلحقه بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة، سواء كان الكبير رجلا أو امرأة؛ لقوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج، والظاهر أنه لا يجب عليه تبييت النية، لأن عذره- وهو الكبر- دائم، فلا يحتمل الزوال.
 الثالث: الاشتغال بعمل يشق معه الصوم مشقة لا تحتمل عادة، فيباح الفطر للبنّائين، والفعلة، والخبّازين، ومن ماثلهم من كل ذي عمل شاق، وذكرا كان أو أنثى إلا أنه يلزمه تبييت النية لأن الأصل بقاء القدرة، ثم إن لحقه بالنهار المشقة المذكورة، أفطر، وإلا فلا، ولا يجوز له ترك النية ليلا.
 الرابع: شدة الجوع والعطش، فيباح الفطر لمن لحقه ذلك، بل إذا غلبه الجوع أو العطش، وخشي الهلاك- لزمه الفطر، وإن كان صحيحا مقيما لقوله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، وقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ويلزمه القضاء؛ كالمريض.
 قال الغزالي في "المستصفى": من خاف الهلاك؛ لترك الأكل، حرم عليه الصوم، وإن صام، ففي انعقاده وجهان:
 أصحهما: انعقاده مع الإثم.
 الخامس: خوف المرضع حصول مشقة شديدة لها بسبب الصوم، سواء كانت كمستأجرة أو متبرعة وكما يُباح الفطر للمرضعة؛ لخوفها على نفسها من حصول المشقة المذكورة بسبب الصوم، يباح لها الفطر أيضا؛ لخوفها على رضيعها؛ بأن تخاف قلة اللبن، فيتضرر الرضيع.
 وسيأتي أنها إذا أفطرت لخوفها على نفسها، ولو مع الرضيع، لا يجب عليها إلا القضاء فقط.
 أما إذا خافت على رضيعها فقط، وأفطرت- وجب عليها القضاء بدلا عن الصوم، وفي الكفارة ثلاثة أوجه:
 أحدها: وهو المتفق عليه من الأصحاب وجوبها، وهي عبارة عن مد لكل يوم، لقوله تعالى:  وعلى الذين يطيقونه فدية.
 الثاني: أن الكفارة مستحبة غير واجبة وهو قول المزني، لأنه إفطار بعذر، فلم تجب فيه الكفارة، كإفطار المريض.
 الثالث: تجب على المرضع دون الحامل؛ لأن الحامل أرضعت؛ لمعنى فيها، فهي كالمريضة، والمرضع أفطرت؛ لمنفصل عنها، فوجب عليها الكفارة، وحكم الحامل حكم المرضع فيما تقدم.
 السادس: إنقاذ حيوان محترم أشرف على الهلاك بسبب غرق أو نحوه؛ كحرق، أو هدم، فيباح الفطر لمن ينقذ الحيوان المذكور، إن لحقه بسبب الصوم مشقة شديدة، حيث لا تحتمل عادة؛ ومثل إنقاذ الحيوان إنقاذ المال..

### الآية 2:185

> ﻿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:185]

قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ  : فيه قراءتان :
**المشهور الرفع، وفيه أوجه :**
أحدها : أنه مبتدأ، وفي خبره حينئذ قولان :
الأول : أنه قوله  الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  ويكون قد ذَكَرَ هذه الجملة مُنَبِّهَةً على فضله ومنزلته، يعني أن هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن هو الذي فرض عليكم صومه. 
قال أبو عليٍّ : والأشبه أن يكون " الَّذِي " وصفاً ؛ ليكون لفظ القرآن نصّاً في الأمر بصوم شهر رمضان ؛ لأنَّك إن جعلته خبراً، لم يكن شهر رمضان منصوصاً على صومه بهذا اللفظ، وإنما يكون مخبراً عنه بإنزال القرآن الكريم فيه، وإذا جعلنا " الَّذِي " وصفاً، كان حقُّ النظم أن يكني عن الشَّهر لا أن يظهر ؛ كقولك :" شَهْرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ مَنْ شَهِدَهُ فَلْيَصُمْهُ ". 
والقول الثاني : أنه قوله  فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  وتكون الفاء زائدة على رأي الأخفش، وليست هذه الفاء التي تزاد في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وإن كان بعضهم زعم أنها مثل قوله :
 قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ  \[ الجمعة : ٨ \] وليس كذلك ؛ لأن قوله : الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ  يُتَوَهَّمُ فيه عمومٌ ؛ بخلاف شهر رمضان، فإن قيل : أين الرابط بين هذه الجملة وبين المبتدأ ؟ قيل : تكرار المبتدأ بلفظه ؛ كقوله :\[ الخفيف \]
٩٣٨ - لاَ أَرَى الموْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شيْء \*\*\*. . . [(١)](#foonote-١)
وهذا الإعراب - أعني كون " شَهْرُ رَمَضَانَ " مبتدأً - على قولنا : إن الأيام المعدودات هي غير شهر رمضان، أمَّا إذا قلنا : إنها نفس رمضان، ففيه وجهان :
أحدهما : أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ. 
فقدَّره الفرَّاء[(٢)](#foonote-٢) : ذَلِكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وقدَّره الأخفش[(٣)](#foonote-٣) : المكتوب شهر رمضان. 
والثاني : أن يكون بدلاً من قوله " الصِّيَامُ "، أي : كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رمَضَانَ، وهذا الوجه، وإن كان ذهب إليه الكسائيُّ بعيدٌ جدّاً ؛ لوجهين :
أحدهما : كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه. 
والثاني : أنَّه لا يكون إذ ذاك إلاَّ من بدل الإشمال، وهو عكس بدل الاشتمال، لأنَّ بدل الاشتمال غالباً بالمصادر ؛ كقوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ  \[ البقرة : ٢١٧ \]، وقول الأعشى :\[ الطويل \]
لَقَدْ كَانَ في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ \*\*\* تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأمُ سَائِمُ[(٤)](#foonote-٤)
وهذا قد أُبْدِلَ فيه الظرفُ من المصْدَرِ، ويمكن أن يُوَجَّهَ قوله بأنَّ الكلامَ على حذفِ مضافٍ، تقديره : صيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ وحينئذٍ : يكون من باب بَدَلِ الشَّيء من الشَّيْءِ، وهما لعينٍ واحدة، ويجوزُ أن يكون الرَّفع على البدلِ من قوله " أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ " في قراءة من رَفَعَ " أيَّاماً "، وهي قراءة عبد الله، وفيه بُعْدٌ. 
والقراءة الثانية : النصْبُ، وفيه أوجهٌ :
أجودها : النصبُ بإضمار فعلٍ، أي : صُوموا شَهْر رَمَضَانَ. 
الثاني -وذكره الأخفشُ[(٥)](#foonote-٥) والرُّمَّانِيُّ- : أن يكون بدلاً من قوله " أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ "، وهذا يُقَوِّي كون الأيام المعدُودَاتِ هي رمضان، إلا أن فيه بُعْداً من حيث كثرةُ الفَصْلِ. 
الثالث : نَصْبُه على الإغراء ؛ ذكره أبو عُبَيْدة والحُوفِيُّ. 
الرابع : أن ينتصبَ بقوله :" وأنْ تَصُومُوا " ؛ حكاه ابن عطية[(٦)](#foonote-٦)، وجوَّزه الزمخشريُّ[(٧)](#foonote-٧)، واعترض عليه ؛ بأن قال : فَعَلى هذا التقدير يصير النَّظم :" وَأَنْ تَصُومُوا رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ خَيْرٌ لَكُمْ ". 
فهذا يقتضي وقوعَ الفَصْل بين المبتدأ والخَبَر بهذا الكَلامَ الكثير، وهو غَيْرُ جائزٍ ؛ لأنَّ المبتدأ والخَبَر جاريان مَجْرَى شيءٍ واحدٍ، وإيقاع الفصْلِ بين الشَّيءِ الواحد غيرُ جائزٍ. وغلَّطَهُما أبو حيان : بأنَّه يَلْزَمُ منه الفصلُ بين الموصول وصلته بأجنبيٍّ، لأنَّ الخبر، وهو " خَيْرٌ " أَجْنَبِيٌّ من الموصول، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصول، إلاَّ بعد تمام صلتِهِ، و " شَهْر رَمَضَانَ " على رأيهم من تمام صلة " أَنْ "، فامتنع ما قالوه، وليس لقائل أن يقول : يتخرَّجُ ذلك على الخلاف في الظَّرف، وحرف الجَرِّ، فإنه يُغْتَفَرُ فيه ذلك عند بعضهم ؛ لأنَّ الظاهر من نصبه هنا أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ ". 
الخامس : أنه منصوبٌ ب " تَعْلَمُونَ " ؛ على حذف مضافٍ، تقديره : تعلمونَ شرفَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامَهُ في الإعراب. 
وأدغم أبو عمرو[(٨)](#foonote-٨) رَاءَ " شَهْر " في راء " رَمَضَان "، ولا يُلْتَفَتُ إلى من استضعفها ؛ من حيث إنَّه جمع بين ساكنين على غير حدَّيهما، وقول ابن عطيَّة :" وذلك لا تقتضيه الأصول " غير مقبولٍ منه ؛ فإنَّه إذا صَحَّ النقل، لا يُعارضُ بالقِياس. 
**والشهر لأهْلِ اللُّغة فيه قولان :**
أشهرهما : أنه اسمٌ لمُدَّة الزمان التي يكون مَبْدَأَها الهلالُ خافياً إلى أن يَسْتَسِرَّ ؛ سُمِّيَ بذلك لشُهْرَتِهِ في حاجة الناس إليه من المعاملات، والصوم، والحجِّ، وقضاء الدُّيُون، وغيرها. 
والشَّهر مأخذوذٌ من الشُّهْرَة، يُقَالُ : شَهَر الشَّيْءَ يَشْهَرُهُ شَهْراً : إذا أظهره، ويسمَّى الشَّهْرُ : شَهْراً، لشُهْرَة أمره، والشُّهْرَة : ظهورُ الشيءِ، وسمي الهلال شهراً ؛ لشُهْرته. 
والثاني - قاله الزَّجَّاج - : أنه اسمٌ للهلال نفسه ؛ قال :\[ الكامل \]
٩٤٠ -. . . \*\*\* وَالشَّهْرُ مِثْلُ قُلاَمَةِ الظُّفْرِ[(٩)](#foonote-٩)
سُمِّي بذلك ؛ لبيانه ؛ قال ذو الرُّمَّةِ :\[ الطويل \]
٩٤١ -. . . \*\*\* يَرَى الشَّهْرَ قَبْلَ النَّاسِ وَهْوَ نَحِيلُ[(١٠)](#foonote-١٠)
يقولون : رأيتُ الشهْرَ، أي هِلاَلَهُ، ثم أُطلِقَ على الزمان ؛ لطلوعه فيه، ويقال : أشْهَرْنَا، أي : أتى علينا شَهْرٌ، قال الفَرَّاءُ :" لَمْ أَسْمَعْ فَعْلاً إلاَّ هذا ".

### فصل


قال الثَّعلبي :" يُقَالُ : شَهَرَ الهِلاَلُ، إذَا طَلَعَ "، ويُجْمَعُ في القلَّة على أشهرٍ، وفي الكثرة على شُهُورٍ، وهما مقيسان. 
ورَمَضَانُ : عَلَمٌ لهذا الشَّهر المخْصُوص، وهو علم جنسٍ، وفي تسميته برمضان أقوالٌ :
أحدها : أنَّه وافق مجيئه في الرَّمضاء - وهي شِدَّةُ الحَرِّ - فَسُمِّيَ هذا الشَّهْرَ بهذا الاسم : إما لارتماضهم فيه من حَرِّ الجوع، أو مقاساة شدَّته ؛ كما سمَّوه تابعاً ؛ لأنه يتبعهم فيه إلى الصَّوم، أي : يزعجهم لشدَّته عليهم، وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" صَلاَةُ الأَوَّابِينَ، إذَا رَمِضَتِ الفِصَالُ " أخرجه مسلم[(١١)](#foonote-١١)، ورَمَضَ الفِصَالُ، إذا حرَّق الرَّمْضَاء أحقافها، فتبْرُكُ من شدَّة الحَرِّ. 
يقال : إنَّهم لما نقلوا أسماء الشُّهُور عن اللُّغَةِ القديمةِ، سمَّوها بالأزمنة الَّتي وقعت فيها، فوافق هذا الشَّهْرُ أيَّام رَمَضِ الحَرِّ، \[ فسُمِّيَ به ؛ كَرَبِيع ؛ لموافقته الربيعَ، وجُمَادى ؛ لموافقته جُمُودَ الماء، وقيل : لأنه يُرْمِضُ الذنوب، أي : يَحْرِقُها، بمعنى يَمْحُوها \]. 
روي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :" إنَّما سُمِّيَ رَمَضَانَ، لأنَّهُ يُرْمِضُ ذُنُوبَ عِبَادِ اللَّهِ ". 
وقيل : لأنَّ القلوبَ تَحْتَرِقُ فيه من الموعظة، وقيل : من رَمَضْتُ النَّصْلَ أَرْمُضُهُ رمضان إذا دققته بين حجرين، ليرقَّ يقال : نَصْلٌ رَمِيضٌ ومَرْمُوضٌ. 
وسُمِّيَ هذا الشَّهْرُ رَمَضَانَ ؛ لأنهم كانوا يَرْمُضُون فيه أسلحتَهُمْ ؛ ليقضوا منها أوطارهم ؛ قاله الأزهريُّ[(١٢)](#foonote-١٢). 
قال الجوهريُّ : وَرَمَضَانُ : يُجمع على " رَمَضَانَات " و " أَرْمِضَاء " وكان اسمه في الجاهلية نَاتِقاً، أنشد المُفَضَّل :\[ الطويل \]
٩٤٢أ - وَفي نَاتِقٍ أَجْلَتْ لَدَى حَوْمَةِ الوَغَى \*\*\* وَوَلَّتْ عَلَى الأَدْبَارِ فُرْسَانُ خَثْعَمَا[(١٣)](#foonote-١٣)
وقال الزمخشري[(١٤)](#foonote-١٤) :" الرَّمَضَانُ مَصْدَرُ رَمِضَ، إذَا احترَقَ من الرَّمْضَاءِ " قال أبو حيَّان :" وَيَحْتَاجُ في تحقيقِ أنَّه مصدرٌ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ، فإن فَعَلاَناً ليس مصدر فَعِلَ اللازم، بل إن جاء منه شَيْءٌ كان شاذاً "، وقيل : هو مشتقٌّ من الرَّمِض - بكسر الميم - وهو مَطَرٌ يأتي قبل الخريف يُطَهِّر الأرض من الغُبَار، فكذلك هذا الشهرُ يُطَهِّر القلوبَ من الذُّنُوب ويغسلها. 
وقال مجاهدٌ : إنه اسم الله تعالى[(١٥)](#foonote-١٥)، ومعنى قول لقائل :" شَهْرُ رَمَضَانَ "، أي : شَهْرُ اللَّهِ، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :" لا تَقُولُوا : جَاءَ رَمَضَانُ، وذَهَبَ رَمَضَانُ، ولَكِنْ قُولُوا : جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ ؛ وَذَهَبَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى[(١٦)](#foonote-١٦) ". 
قال القُرْطُبِيُّ[(١٧)](#foonote-١٧) :" قال أهْلُ التَّاريخِ : إنَّ أوَّلَ مَنْ صَامَ رمَضَانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلام - لمَّا خَرَجَ من السَّفينة "، وقد تقدَّم قوم مجاهدٍ :" كَتَبَ اللَّه رمَضَانَ عَلَى كُلِّ أمَّة " ومعلومٌ أنَّه كان قبل نوحٍ - عليه السَّلام - أُمَمٌ ؛ فالله أعلم[(١٨)](#foonote-١٨). 
والقرآن في الأًصل مصدر " قَرَأْتُ "، ثم صار علماً لما بين الدَّفَّتَيْنِ ؛ ويُدلُّ على كونه مصدراً في الأصل قول حسَّانٍ في عثمان - رضي الله عنهما - :\[ البسيط \]
٩٤٢ب - ضَحَّوْا بأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ \*\*\* يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا[(١٩)](#foonote-١٩)
وقيل : القرآن من المصادر، مثل : الرُّجْحَان، والنُّقْصَان، والخُسْرَان، والغُفْرَان، وهو من قرأ بالهمزة، أي : جمع ؛ لأنه يجمع السُّور، والآيات، والحكم، والمواعظ، والجمهورُ على همزه، وقرأ[(٢٠)](#foonote-٢٠) ابن كثيرٍ من غير همزٍ، واختلف في تخريج قراءته على وجهين :
أظهرهما : أنه من باب النَّقل ؛ كما يَنْقُل وَرْشٌ حركة الهمزة إلى السَّاكن قبلها، ثم يحذفها في نحو : قَدْ أَفْلَحَ  \[ المؤمنون : ١ \]، وهو وإن لم يكن أصله النَّقْلَ، إلا أنَّه نَقَلَ هنا لكثرة الدَّوْرِ، وجمعاً بين اللُّغَتَيْنِ. 
والثاني : أنه مشتقٌّ عنده من قَرَنْتُ بين الشيئين، فيكون وزنه على هذا " فُعَالاً " وعلى الأول " فُعْلاَناً " وذلك أنه قد قُرِنَ فيه بين السُّوَر، والآياتِ، والحِكَمِ، والمواعِظِ. 
وقال الفَرَّاء : أَظُنَّ أنَّ القرآن سُمِّي من القرائن، وذلك أنَّ الآيات يُصَدِّقُ بعضها بعضاً على ما قال تعالى : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً  \[ النساء : ٨٢ \]. 
وأما قول من قال : إنَّه مشتقُّ من قَرَيْتُ الماء في الحوض، أي : جمعته، فغلطٌ ؛ لأنَّهما مادَّتان متغايرتان. 
وروى الواحديُّ في " البسيط " [(٢١)](#foonote-٢١) عن محمَّد بن عبد الله بن الحكم، أنَّ الشافعيَّ - رضي الله عنه - كان يقول القُرْآنُ اسْمٌ، ولَيْسَ بمهموزٍ، ولم يُؤْخَذ من " قَرَأْتُ "، وإنما هو اسمٌ لكتاب الله ؛ مثل التوراة والإنجيل، قال : ويهمز قراءة، ولا يهمز القرآن، كما يقول :{ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ ١ - تقدم برقم ٥٢٠..
٢ - ينظر: معاني القرآن ١/١١٢..
٣ - ينظر: معاني القرآن ١/ ١٥٩..
٤ - ينظر: ديوانه ص ١٢٧، والأغاني ٢/ ٢٠٦، والدر على النحاة ص ١٢٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٩، والكتاب ٣/٣٨، ومغني اللبيب ٢/٥٠٦، والمقتضب ١/٢٧، ٢/ ٢٦، ٤/ ٢٩٧، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٢٩٩، ورصف المباني ص ٤٢٣، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٩٠، وشرح المفصل ٣/٦٥، والدر المصون ١/٤٦٤..
٥ - ينظر: معاني القرآن ١/ ١٥٩..
٦ - ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٥٠..
٧ - ينظر: الكشاف ١/٣٣٦..
٨ - وهي قراءة مجاهد، وشهر بن حوشب، ورواها أبو عمارة عن حفص عن عاصم، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو.
 ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٥٤، والبحر المحيط ٢/٤٥..
٩ عجز بيت وصدره:
 أخوان من نجد على ثقة
 ينظر: القرطبي ٢/١٩٦، والدر المصون ١/٤٦٥..
١٠ - عجز بيت وصدره: فأصبح أجلى الطرف ما يستزيده
 ينظر: ملحق ديوانه (١٩٠٠)، البحر المحيط ٢/٣١ واللسان والتاج "شهر" والدر المصون ١/ ٤٦٥..
١١ - أخرجه مسلم كتاب صلاة المسافرين باب ١٩ رقم (١٤٣، ١٤٤) وأحمد (٤/ ٣٦٦) والبيهقي (٣/٤٩) والطبراني في "الكبير" (٥/٢٣٤) وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ١٤٤) وابن خزيمة (١٢٢٧) وابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٦) والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ١٤٥) والطبراني في "الصغير" (١/٦٤)..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٧١..
١٣ - ينظر: اللسان "نتق" والدر المصون ١/ ٤٦٦..
١٤ - ينظر: الكشاف ١/٣٣٦..
١٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤٤٥) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٣٤) وزاد نسبته لوكيع..
١٦ - أخرجه البيهقي (٤/ ٢٠١) وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٥١٧) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٨٧).
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٣٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ والديلمي عن أبي هريرة موقوفا ومرفوعا.
 وذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/١٥٣) وقال: وجاء من حديث ابن عمر أخرجه تمام في فوائده ومن حديث عائشة أخرجه ابن النجار..
١٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ١٩٤-١٩٥..
١٨ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٢٣) من كلام الضحاك وعزاه لابن أبي حاتم..
١٩ - ينظر: ديوانه (٤٦٩)، واللسان (ضحا)، الدر المصون ١/ ٤٦٦..
٢٠ - انظر: حجة القراءات ١٢٥، ١٢٦، والعنوان ٧٣، وشرح شعلة ٢٨٥، وإتحاف ١/ ٤٣١..
٢١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٧٣..

### الآية 2:186

> ﻿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [2:186]

**في اتصال هذه الآية بما قبلَها وجوه :**
أحدها : أنَّه لما قال بعد إيجاب شهر رمضان وتبيين أحكامه :
 وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  فأمر العبد بالتَّكبير الذي هو الذِّكر وبالشكر، أعلم العبد أنه سبحانه بلُطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشُكره، فيسمع نداءه ويجيبُ دعاءه. 
الثاني : أنه أمره بالتَّكبير أولاً، ثم رغبه في الدعاء ثانياً تنبيهاً على أن الدعاء لا بُدَّ وأن يكون مسبُوقاً بالثناء الجميل ؛ ألا ترى أن الخليل – عليه السَّلام – لمَّا أراد الدعاء قَدَّم أولاً الثناء ؛ فقال :
 الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ  \[ الشعراء : ٧٨ \] إلى قوله : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ  \[ الشعراء : ٨٢ \] فلما فرغ من هذا الثناء، شرع في الدُّعاء، فقال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً  \[ الشعراء : ٨٣ \] فكذا هاهنا. 
الثالث : أنَّه لما فرض عليهم الصِّيام، كما فُرض على الذين من قبلهم ؛ وكانوا إذا ناموا، حرم عليهم ما حرم على الصَّائم، فشَقَّ ذلك على بعضهم ؛ حتَّى عصوا في ذلك التكليف، ثم نَدِمُوا وسألوا النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة مُخبراً لهم بقبول توبتهم، وبنسخ ذلك التَّشديد ؛ بسب دعائهم وتضرُّعهم. 
### فصل في بيان سبب النزول


ذُكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة وجوهٌ :
أحدها : ما قدّمناه. 
الثاني : قال ابن عبَّاس : إنَّ يهُود المدينة قالوا : يا محمَّد، كيف يسمع ربُّك دعاءنا، وأنت تزعم أنَّ بيننا وبينَ السَّماء مسيرة خمسمائة عامٍ، وأنَّ غِلَظَ كلِّ سماءٍ مثلُ ذلك ؟ فنزلت الآية الكريمة[(١)](#foonote-١). 
الثالث : قال الضَّحَّاك : إنَّ أعرابيّاً سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : أقريبٌ ربُّنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى الآية[(٢)](#foonote-٢). 
الرابع : أنه – عليه الصلاة والسلام – كان في غزاة خيبر، وقد رفع أصحابُهُ أصواتهُم بالتكبير والتَّهليل والدُّعاء، فقال رسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم- اربعوا على أنفسكم فإنَّكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إِنَّما تدعون سمعياً قريباً وهُو معكُم[(٣)](#foonote-٣). 
الخامس : قال قتادةُ وغيره : إنَّ الصحابة قالوا : كيف ندعُو ربنا، يا رَسُول الله، فنزلت الآية[(٤)](#foonote-٤). 
السادس : قال عطاءٌ وغيره : إن الصحابة سألوا في أي ساعة ندعو ربنا فأنزل الله الآية[(٥)](#foonote-٥). 
السابع : قال الحسن : سأل أصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أين رَبُّنا ؟ فأنزل الله الآية[(٦)](#foonote-٦). 
### فصل


واعلم أنَّ المراد من الآية الكريمة ليس هو القُرب بالجهة ؛ لأنَّه تبارك وتعالى، لو كان في مكانٍ، لما كان قريباً من الكُلِّ، بل كان يكون قريباً من حملة العرش، وبعيداً من غيرهم، ولكان إذا كان قريباً من زيدٍ الذي بالشَّرق، كان بعيداً من عمرو الذي بالمغرب، فلَمَّا دلَّت الآية الكريمة على كونه تعالى قريباً من الكُلِّ، علمنا أنَّ القرب المذكُور في الآية الكريمة ليس قرباً بجهة، فثبت أن المراد منه أنه قريبٌ بمعنى أنه يسمع دعاءهم. 
والمرادُ من هذا القُرب العلمُ والحفظُ ؛ على ما قال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ  \[ الحديد : ٤ \] وقال  وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 
\[ ق : ١٦ \] وقال تعالى : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ 
\[ المجادلة : ٧ \] ونظيره : وهو بينكُمْ وبَيْنَ أعناق رواحلكم. 
قال ابن الخطيب : وإذا عرف هذا فنقُول : لا يبعدُ أن يقال : إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلاً بالتَّشبيه، فقد كان من مشركي العرب، وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته، فإذا سألوه - عليه الصلاة والسلام - أين ربُّنا ؟ صحَّ أن يكون الجوابُ : فإنِّي قريبٌ، فإنَّ القريبَ مِنَ المتكلِّم يسمعُ كلامَهُ، وإن سألوه كيف يدعُون ؛ برفع الصَّوت أو بإخفائه ؟ صحَّ أن يجيبَ بقوله :" فإِنِّي قَرِيبٌ "، وإن سألوه أنه هل يعطينا مطلوبنا بالدُّعاء ؟ صحَّ هذا الجوابُ، وإن سألوه : إنا إذا أذنبنا ثم تُبنا، فهل يقبلُ الله توبتَنَا ؟ صحَّ أن يجيبَ بقوله " فَإِنِّي قَرِيبٌ " أي : فأنا القريبُ بالنظر إليهم، والتجاوز عنهم، وقبُول التَّوبة منهم ؛ فثبت أنَّ هذا الجواب مطابقٌ للسُّؤَالِ على كُلِّ تقدير. 
قوله تعالى :" أُجِيبُ " فيها وجهان :
أحدهما : أنها جملةٌ في محلِّ رفع صفةً ل " قَريبٌ ". 
والثاني : أنها خبرٌ ثانٍ ل " إنِّي " ؛ لأنَّ " قَرِيبٌ " خبرٌ أوَّلُ. 
ولا بُدَّ من إضمارِ قولٍ بعد فاء الجزاء، تقديرُه : فَقُلْ لهم إِنِّي قريبٌ، وإنما احتَجْنَا إلى هذا التقدير ؛ لأنَّ المرتِّب على الشَّرط الإخبارُ بالقُرب، وجاء قوله " أُجِيبُ " ؛ مراعاةً للضمير السابقِ على الخبر، ولم يُراعَ الخبرُ، فيقالُ :" يُجِيبُ " بالغَيْبَة ؛ مراعاةً لقوله :" قَرِيبٌ " ؛ لأنَّ الأشْهَرَ من طريقتي العرب هو الأولُ ؛ كقوله تعالى : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ  \[ النمل : ٥٥ \] وفي أخرى
 بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ  \[ النمل : ٤٧ \]، وقول الشاعر :\[ الطويل \]٩٤٨ - وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً  إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وسَلُولُ[(٧)](#foonote-٧)ولو راعى الخبر، لقال :" مَا يَرَوْنَ القَتْلَ ". 
وفي قوله :" عَنِّي " و " إِنِّي " التفاتٌ من غيبة إلى تكلُّم ؛ لأنَّ قبله :" وِلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ " والاسمُ الظاهرُ في ذلك كالضميرِ الغائبِ، والكافُ في " سَأَلَكَ " للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإنْ لم يجرِ له ذكرٌ، إلاَّ أنَّ قوله : أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  يَدُلُّ عليه ؛ لأنَّ تقديره :" أُنْزِلَ فيه القرآنُ عَلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - " وفي قوله : فَإِنِّي قَريبٌ " مجازٌ عن سرعةِ أجابته لدعوةِ داعيه، وإلا‍َّ فهو متعالٍ عن القُرْبِ الحِسِّيِّ، لتعاليه عن المَكَان. 
قال أبو حَيَّان : والعامِل في " إِذَا " قوله :" أُجِيبُ " يعني " إِذَا " الثانية، فيكون التقديرُ : أُجِيبُ دعوَتهُ وقتَ دعائِه، فيُحْتَملُ أنْ تكونَ لمُجَرَّد الظرفية، وأَنْ تكونَ شرطيةً، وحذف جوابها ؛ لدلالةِ " أُجِيبُ " عليه ؛ وحينئذٍ لا يكونُ " أُجِيبُ " هذا الملفوظ به هو العامل فيها، بل ذلك المحذوفَ، أو يكونُ هو الجوابَ عند مَنْ يُجِيزُ تقديمهُ على الشَّرط، وأمَّا " إِذَا " الأولى، فإنَّ العاملَ فيها ذلك القولُ المقدَّرُ، والهاء في " دَعْوَة " ليست الدالَّة على المَرَّة، نحو : ضَرْبَةٍ وقَتْلَةٍ، بل التي بُنِيَ عليها المصدرُ، نحو : رحمة ونجدة ؛ فلذلك لم تَدُلَّ على الوَحْدَة. 
والياءان من قوله :" الدَّاع - دَعَان " من الزوائد عند القُرَّاءِ، ومعنى ذلك أنَّ الصحابة لم تُثْبِت لها صورةً في المُصحَف، فمن القُرَّاءِ مَنْ أَسْقَطَها تَبَعاً للرسم وَقْفاً ووَصْلاً. ومنهم مَنْ يُثْبِتُها في الحالَين، ومنهم مَنْ يُثْبِتُها وَصْلاً ويحذِفُها وَقْفاً، وجملةُ هذه الزوائد اثنتان وستُّون ياءً، فأثبَتَ أبو عمرو وقَالُونُ هاتَينِ الياءَيْنِ وَصْلاً وحَذَفَاهَا وَقْفاً. 
### فصل في بيان حقيقة الدُّعاء


قال أبو سليمان الخطَّابيُّ[(٨)](#foonote-٨) : والدُّعاء مصدر من قولك : دعَوتُ الشَّيءَ أَدعوه دُعاءً، ثم أقامُوا المَصدرَ مقام الاسم ؛ تقول : سمعتُ الدعاء ؛ كما تقولُ : سمعتُ الصَّوتَ، وقد يوضعُ المصدر موضع الاسم ؛ كقولك : رَجُلٌ عدلُ، وحقيقةُ الدعاء : استدعاءُ العبدِ ربَّهُ جلَّ جلالهُ العناية، واستمدادُهُ إيَّاه المعونَةَ. 
والإجابةُ في اللُّغة : الطاعةُ وإعطاءُ ما سُئِلَ، فالإجابةُ من الله العطاءُ، ومن العبدِ الطاعةُ. 
وقال ابنُ الأنباريِّ " أُجِيبُ " ههنا بمعنى " أَسْمَعُ ؛ لأنَّ بين السماع والإجابةِ نَوْعَ ملازمةٍ[(٩)](#foonote-٩). 
### فصل في الجواب على من ادَّعى أن لا فائدة في الدُّعاء


قال بعضهم : الدعاء لا فائدة فيه لوجوهٍ[(١٠)](#foonote-١٠) :
أحدها : أنَّ المطلوب بالدُّعاء، إنْ كان معلوم الوقُوع عند الله تعالى، كان وقوعهُ واجباً ؛ فلا حاجة إلى الدُّعاء، وإن كان معلوم الانتفاءِ واجبَ العَدَمِ، فلا حاجة إلى الدُّعاء. 
وثانيها : أنَّ وقوع الحَوَادِث في هذا العالم إنْ كان لا بُدَّ لها منْ مُؤَثِّر قديم اقتضى وجودَها اقتضاءً قديماً، كانت واجبةً الوُقُوع، وكلُّ ما لم يقتض المؤثِّرُ القديمُّ وجودَهُ اقتضاءً أزليّاً، كان ممتنعَ الوقُوع، وإذا كانت هذه المقدِّمة ثابتةً في الأَزَلِ، لم يكُن للدعاءِ ألبتَّة أثر، وربَّما عبَّروا عن هذا الكلام بأنْ قالوا : الأقدَارُ سابقةٌ، والأقضيةُ متقدِّمةٌ، فالإِلحاح في الدُّعاء لا يزيد فيها وتركُه لاَ ينقُصُ منها شيئاً، فأيُّ فائدةٍ في الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام :" أَرْبَعٌ قَدْ فُرِغَ منها : الخَلْقُ والخُلُقُ وَالرِّزْقُ وَالأَجَلُ[(١١)](#foonote-١١) ". 
وثالثها : أنَّه سبحانه وتعالى قال : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ  \[ غافر : ١٩ \] وإذا كان يعلمُ ما في الضمير، فأيُّ حاجةٍ إلى الدُّعاء. 
ورابعها : أنَّ المطلوب بالدعاء، إنْ كان من مصالح العَبْد، فالجواد المطلق لا يهملُهُ، وإن لم يكُنْ من مصالحه، لم يَجُزْ طلبه. 
وخامسها : أنَّه ثبت أنَّ أجلَّ مقامات الصِّدِّيقين وأعلاها الرِّضا بقضاء الله تعالى والدعاءُ ينافي ذلك ؛ لأنه اشتغالٌ بالالتماس، وترجيحٌ لمراد النَّفسِ على مُرَاد الله. 
وسادسها : أنَّ الدعاء يُشبهُ الأمر والنَّهي، وذلك من العبد في حقِّ المولى الكريم سُوءُ أَدَب. 
وسابعها : قال - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن الله تعالى :" مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي " [(١٢)](#foonote-١٢). 
وقال الجمهور[(١٣)](#foonote-١٣) : الدعاء أفضَلُ مقاماتِ العبُوديَّة، واحتجُّوا بأدلَّة :
الأول : هذه الآية الكريمة. 
**الثاني : قوله تعالى :**
 وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ  \[ غافر : ٦٠ \]. 
الثالث : قوله  فَلَوْلا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ  \[ الأنعام : ٤٣ \] بين أنه تعالى، إِذَا لَمْ يُسْألْ يَغْضب، وقال - عليه السَّلام - " لاَ يَنْبَغِي لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ يَجْزِمُ فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ[(١٤)](#foonote-١٤) " وقرأ " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "، فقوله " الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ " معناه أنه مُعْظَم العبادة، وأفضل العبادة ؛ كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" الحَجُّ عَرَفة[(١٥)](#foonote-١٥) "، أي : الوقوف بِعَرَفَةَ هو الرُّكْن الأَعْظَم. 
الرابع : قوله : ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً  \[ الأعراف : ٥٥ \] وقال :
 قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ  \[ الفرقان : ٧٧ \] والآياتُ في ١ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٥٥..
٢ - أخرجه سفيان بن عيينة في "تفسيره" وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" كما في "الدر المنثور" (١/٣٥٢)..
٣ - أخرجه البخاري (٤/١٣٩) كتاب الجهاد والسير باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (٢٩٩٢)، (٨/٢٢٤) كتاب القدر باب لا حول ولا قوة إلا بالله (٦٦١٠) ومسلم "الذكر والدعاء" (٤٤) وأحمد (٤/٣٩٤، ٤٠٢، ٤١٨) وأبو داود (١٥٢٨) والبيهقي (٢/ ١٨٤) وعبد الرزاق (٩٢٤٤) وابن أبي شيبة (٢/ ٤٨٨) والطبري في "تفسيره" (٨/١٤٧) والبغوي في "شرح السنة" (٥/٦٦) وفي "التفسير" (١/ ١٥٩) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٢٧٤)..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٤٨٢-٤٨٣ عن قتادة..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤٨٢) عن عطاء، وذكره الرزي في "تفسيره" ٥/٨١..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤٨١) وذكره السيوطي "الدر المنثور" (١/٣٥٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق في "تفسيره" عن الحسن وذكره الرازي في "تفسيره" ٥/ ٨١..
٧ - تقدم برقم ٧٨٨..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٨٣..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٨/٨٦..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٨/٨٣..
١١ - ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٩٨) وقال: رواه الطبراني وفيه عيسى بن المسيب وثقه الحاكم والدارقطني في السنن وضعفه جماعة وبقية رجاله في أحد الإسنادين ثقات..
١٢ -أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٢) والدارمي (٢/ ٤٤١) وابن نصر في "قيام الليل" ص ٧١ والعقيلي في "الضعفاء" رقم (٣٧٥) والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٢٣٨ عن أبي سعيد الخدري. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٨٢) عن أبيه: هذا حديث منكر وأخرجه أبو نعيم (٧/ ٣١٣) عن حذيفة بلفظ: من شغله ذكرى عن مسألتي..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٨٤..
١٤ -أخرجه أبو داود (١/ ٤٦٦) كتاب الصلاة: باب الدعاء حديث (١٤٧٩) والترمذي (٥/ ١٩٤) كتاب التفسير باب من سورة البقرة حديث (٢٩٦٩) وابن ماجه (٣٨٢٨) والطيالسي (١٢٥٢) وابن أبي شيبة (١٠/٢٠٠) وأحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦) وابن حبان (٨٧٨- موارد) والحاكم (١/٤٩٠-٤٩١) والطبراني في "الصغير" (٢/٩٧) والبخاري في "الأدب المفرد" (٧١٤) والقضاعي في "مسند الشهاب" رقم (٢٩، ٣٠) من حديث النعمان بن بشير. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
 وأخرجه أبو يعلى في معجم شيوخه (٣٤٦) رقم (٣٢٨) والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٢٧٩) من حديث البراء بن عازب مرفوعا بلفظ: "إن الدعاء هو العبادة" وله شاهد من حديث أنس بلفظ: الدعاء مخ العبادة أخرجه الترمذي (٣٤٣١) وقال: غريب..
١٥ -أخرجه أبو داود (١٩٤٩) والنسائي (٢/٤٥، ٤٦، ٤٨) والترمذي (١/١٦٨) وابن ماجه (٣٠١٥) والدارمي (٢/٥٩) والطحاوي (١/٤٠٨) وابن الجارود (٤٦٨) وابن حبان (١٠٠٩) والدارقطني (٢٦٤) والحاكم (١/٤٦٤)، (٢/٢٧٨) والبيهقي (٥/١١٦، ١٧٣) والطيالسي (١٣٠٩) وأحمد (٤/٣٠٩) والحميدي (٨٩٩) وابن خزيمة (٢٨٢٢). وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي..

### الآية 2:187

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [2:187]

قوله تعالى : لَيْلَةَ الصِّيَامِ  منصوبٌ على الظرف، وفي الناصب له ثلاثةُ أقوالٍ :
أحدها - وهو المشهورُ عند المُعْربين - :" أُحِلَّ "، وليس بشيءٍ ؛ لأنَّ الإحلال ثابتٌ قبل ذلك الوقت. 
الثاني : أنه مقدرٌ مدلولٌ عليه بلفظ " الرَّفَث "، تقديرُه : أُحِلَّ لكُمْ أن ترفُثُوا ليلة الصِّيام ؛ كما خرَّجوا قول الشاعر :\[ الهزج \]

٩٥٠ - وَبَعْضُ الحِلْم عِنْدَ الْجَه  لِ لِللذِّلَّةِ إِذْعَانُ[(١)](#foonote-١)أي : إِذْعانٌ لِلذِّلَّةِ إِذْعانٌ، وإنما لم يَجُزْ أَنْ ينتصب بالرَّفث ؛ لأنه مصدرٌ مقدَّرٌ بموصولٍ، ومعمولُ الصلة لا يتقدَّمُ على المَوصُولِ، فلذلك احْتَجْنَا إلى إضمار عاملٍ منْ لفظ المذكُور. 
الثالث : أنه متعلِّق بالرَّفثِ، وذلك على رأي منْ يرى الاتساع في الظروف والمجْرُوراتِ، وقد تقدَّم تحقيقه. 
وأضيفت اللِّيلةُ للصيام ؛ ات‍ِّساعاً، لأنَّ شرط صحته، وهو النيةُ، موجودةٌ فيها، والإضافة تحدُثُ بأدنى ملابسةٍ، وإلاَّ فمِنْ حقِّ الظَّرف المضاف إلى حدثٍ أن يُوجَدَ ذلك الحدث في جزءٍ من ذلك الظَّرف، والصومُ في اللَّيل غيرُ معتَبَرٍ، ولكنَّ المُسَوِّغ لذلك ما ذكرتُ لك أو تقول : الليلة : عبارةٌ عمَّا بين غروب الشَّمس إلى طلوعها، ولمَّا كان الصَّيام من طلوع الفجر، فكان بعضُهُ واقعاً في اللِّيل فساغ ذلك. 
والجمهورُ على " أُحِلَّ " مبنيّاً للمفعول للعلمِ به، وهو اللَّهُ تعالى، وقرئ[(٢)](#foonote-٢) مبنياً للفاعل، وفيه حينئذٍ احتمالان :
أحدهما : أن يكونَ من باب الإضمار ؛ لفَهْمِ المعنى، أي أَحَلَّ اللَّهُ ؛ لأنَّ من المعلومِ أنه هو المُحَلِّلُ والمحرِّم. 
والثاني : أن يكونَ الضميرُ عائداً على ما عاد عليه من قوله : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي  وهو المتكلِّم، ويكونُ ذلك التفاتاً، وكذلك في قوله :" لَكُمْ " التفاتٌ من ضمير الغَيْبة في :" فَلْيَسْتَجِيبُوا، وَلْيُؤْمِنُوا "، وعُدِّي " الرَّفث " ب " إِلَى "، وإنما يتعدَّى بالباء ؛ لما ضُمِّن مِنْ معنى الإفضاء مِنْ قوله  وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ 
\[ النساء : ٢١ \] كأنه قيل : أُحِلَّ لَكُمْ الإفْضَاءُ إلى نسائِكُمْ بِالرَّفَثِ. قال الواحديّ[(٣)](#foonote-٣) : أراد بليلة الصِّيام ليالي الصِّيام، فأوقَعَ الواحد موقع الجماعة ؛ ومنه قولُ العبَّاس بن مرداسٍ :\[ الوافر \]٩٥١ - فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ  فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ[(٤)](#foonote-٤)قال ابن الخطيب[(٥)](#foonote-٥) : وأقولُ : فيه وجهٌ آخرُ، وهو أنَّه ليس المراد من " لَيْلَةَ الصِّيَامِ " ليلةً واحدةً، بل المراد الإشارةُ إلى اللَّيلة المضافة إلى هذه الحقيقة. 
وقرأ عبد الله[(٦)](#foonote-٦) " الرَّفُوثُ " قال اللَّيْث وأصل الرَّفث قول الفحش، والرَّفثُ لغةً مصدرُ : رَفَثَ يَرْفِثُ بكسر الفاء وضمها، إذا تكلم بالفُحشِ، وأرْفَثَ أَتَى بالرَّفثِ ؛ قال العجاج :\[ الرجز \]٩٥٢ - وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ  عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ[(٧)](#foonote-٧)وقال الزَّجَّاج :- ويُروى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما - " إِنَّ الرَّفثَ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريدُه الرجُلُ من المَرْأَةِ "، وقيل : الرَّفث : الجِمَاعُ نفسُهُ، وأنشد :\[ الكامل \]٩٥٣ - وَيُرَيْنَ مِنْ أَنَسِ الْحَدِيثِ زَوَانِياً  وَلَهُنَّ عَنْ رَفَثِ الرِّجَالِ نِفَارُ[(٨)](#foonote-٨)وقول الآخر :\[ المتقارب \]٩٥٤ - فَظِلْنَا هَنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ  وَكُلِّ اللَّذَاذَةِ غَيْرَ الرَّفَثْ[(٩)](#foonote-٩)ولا دليل ؛ لاحتمالِ إرادة مقدِّمات الجماع ؛ كالمداعَبَةِ والقُبْلَة، وأنشد ابنُ عبَّاسٍ، وهو مُحْرِمٌ :\[ الرجز \]٩٥٥ - وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَاهَمِيسَا  إِنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا[(١٠)](#foonote-١٠)فقيل له : رَفَثْتَ، فقال : إنَّما الرَّفَثُ عند النساء. 
فثبت أنَّ الأصل في الرَّفَثِ هو قول الفحش، ثم جعل ذلك اسماً لما يتكلَّم به عند النِّسَاء من معاني الإفضاء، ثم جعل كنايةً عن الجماع، وعن توابعه. 
فإن قيل : لِمَ كَنَّى هاهنا عن الجماع بلفظ " الرَّفَث " الدَّالِّ على معنى القبح بخلاف قوله  وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  \[ النساء : ٢١ \] وقوله تعالى : فَلَماَّ تَغَشَّاهَا  \[ الأعراف : ١٨٩ \]، وقوله عزَّ وجلَّ : أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ  \[ النساء : ٤٣ \] وقوله عز وجل : فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ  \[ النساء : ٢٣ \]، وقوله عزَّ وجلَّ : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ 
\[ البقرة : ٢٢٣ \] وقوله  مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ  \[ البقرة : ٢٣٧ \] وقوله تعالى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ  \[ النساء : ٢٤ \]  وَلاَ تَقْرَبُوهَنَّ  \[ البقرة : ٢٢٢ \]. 
فالجواب : أنَّ السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإجابة ؛ كما سمَّاه اختياناً لأنفسهم ؛ قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - إنَّ الله سبحانه وتعالى حَيِيٌّ كريمٌ يُكَنِّي، كُلُّ ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدُّخول والرَّفث، فإنما عنى به الجماع[(١١)](#foonote-١١). 
### فصل في بيان سبب النزول


ذكروا في سبب نزول هذه الآية : أنه كان في أوَّل الشَّريعة يحلُّ الأكل والشُّرب والجِماع ليلة الصِّيام، ما لم يرقُدِ الرجل ويصلِّي العشاء الأخيرة، فإن فعل أحدهما : حرم عليه هذه الأشياء إلى اللَّيلة الآتية، فجاء رجُلٌ من الأنصار عشيَّةً، وقد أجهده الصَّوم، واختلفوا في اسمه ؛ فقال معاذٌ[(١٢)](#foonote-١٢) : اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة، وقال عكرمة : أبو قيس بن صرمة[(١٣)](#foonote-١٣)، وقيل صرمة بن أنس. 
فسأله[(١٤)](#foonote-١٤) النبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم وبجَّل وعظَّم عن سبب ضَعْفِهِ، فقال : يا رسول الله، عملت في النَّخل نهاري أَجْمَعَ : حتَّى أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي لتطعمني شَيْئاً، فَأَبْطَأتْ، فنمت فَأَيْقَظُونِي، وَقَدْ حَرُمَ الأَكْلُ ؛ فَقَامَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فقال : يا رسول الله إنِّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطية ؛ إنِّي رجعت إلى أهلي بعد ما صلَّيت العشاء، فوجدت رائحةً طيِّبةً فسوَّلت لي نفسي، فجامعت أهلي، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكرَّم ومجَّد وبجَّل، وعظَّم : ما كنت جديراً بذلك يا عمر، فقام رجالٌ، فاعترفوا بمثله، فنزل قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ [(١٥)](#foonote-١٥). 
### فصل


ذهب جمهور المفسِّرين أنَّه كان في أوَّل شرعنا، إذا أفطر الصَّائم، حلَّ له الأكل والشُّرب والجماع، ما لم ينم أو يُصَلِّ العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما، حرم عليه هذه الأشياء، ثم إنَّ الله تعالى، نسخ ذلك بهذه الآية الكريمة[(١٦)](#foonote-١٦). 
وقال أبو مسلم[(١٧)](#foonote-١٧) : هذه الحرمة ما كانت ثابتةً في شرعنا ألبتَّة، بل كانت ثابتةً في شرع النصارى، فنسخ الله تعالى بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم. 
**واحتجَّ الجمهور بوجوه :**
أحدها : قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتةً في صومهم ؛ فوجب أن يكون التشبيه ثابتاً في صومنا، لقصد أن يكون منسوخاً بهذه الآية الكريمة. 
الثاني : قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ  ولو كان هذا الحلُّ ثابتاً لهذه الأُمَّة من أول الأمر، لم يكن لقوله :" أُحِلَ لَكُمْ " فائدةٌ. 
الثالث : قوله سبحانه : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ  ولو كان ذلك حلالاً لهم، لما احتاجوا إلى أن يختانوا أنفسهم. 
الرابع : قوله تعالى : فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ  \[ وَلَوْلاَ أنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّماً عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَقْدَمُوا على المعصِيَةِ ؛ بِسَبَبِ الإقْدام على ذلك الفعل، لما صحَّ قوله : فَتَابَ عَلَيْكُمْ  \]. 
الخامس : قوله تعالى :" فالآنَ بَاشِرُهُنَّ " ولو كان الحلُّ ثابتاً قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله تعالى :" فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ " فائدةٌ. 
السادس : ما رويناه في سبب النُّزُول. 
وأجاب أبو مُسْلمٍ[(١٨)](#foonote-١٨) عن الأوَّل : بأنَّ التشبيه يكفي في صدقه المشابهة في أصل الوجوب. 
وعن الثَّاني : بأنَّا لا نسلِّم أنَّ هذه الحرمة كانت ثابتةً في شرع من قبلنا، فقوله :" أُحِلَّ لَكُمْ " معناه : أُحِلَّ لَكُمْ ما كان مُحَرَّماً على غيركم. 
وعن الثالث : بأنَّ تلك الحرمة كانت ثابتةً في شرع عيسى - عليه السلام - ثم إن الله تعالى أوجب الصيام علينا، ولم ينقل زوال تلك الحرمة، فكان يخطر ببالهم أنَّ تلك الحرمة باقيةُ علينا، لأنَّه لم يوجد في شرعنا ما دلَّ على زوالها، وممَّا يزيد هذا الوهم قوله سبحانه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  وكان مما كتب على الذين من قبلنا هذه الحرمة ؛ فلهذا كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا، فشدَّدوا وأمسكوا عن هذه الأمور، فقال تبارك وتعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ  فيكون المراد من الآية الكريمة أنه لو لم أُبَيِّنْ لكم إحلال الأكل والشُّرب والمباشرة طوال اللَّيل، لكنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذَّاتها ومصلحتها ؛ بالإمساك عن ذلك بعد النَّوم ؛ كسُنَّة النصارى، وأصل الخيانة : النَّقصُ. 
وعن الرابع : أن التوبة من العبد : الرُّجُوع إلى الله تعالى بالعبادة، ومن الله سبحانه : الرُّجُوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز، فبيَّن الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما كان ثقيلاً على من قبلنا، والعفو قد يستعمل في التوسعة والتخفيف ؛ قال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ[(١٩)](#foonote-١٩) " وقال عليه الصَّلاة والسَّلام :" فِي أَوَّلِ الوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَفِي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ " [(٢٠)](#foonote-٢٠) والمراد منه التخفيف بتأخير الصَّلاة إلى آخر الوقت ؛ ويقال أتاني هذا المال عفواً، أي : سهلاً. 
وعن الخامس : بأنَّهم كانوا بسبب تلك الشُّبهة ممتنعين عن المباشرة، فبيَّن الله تعالى ذلك، وأزال الشُّبهة بقوله :" : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ". 
وعن السادس : بأنَّ في الآية الكريمة ما يدلُّ على ضعف هذه الرِّواية ؛ لأن الرواية أنَّ القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - وذلك خلاف قوله تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ  ؛ لأنَّ ظاهره المباشرة، لأنَّه افتعالٌ من الخيانة. 
قوله :" كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ " في محلِّ رفعٍ خبرٌ ل " أَنَّ ". و " تَخْتَانُونَ " في محلِّ نصبٍ خبرٌ ل " كَانَ ". 
قال أبو البقاء[(٢١)](#foonote-٢١) : و " كُنْتُمْ " هنا لفظها لفظ الماضي، ومعناها أيضاً، والمعنى : أنَّ الاخْتِيَانَ كان يقع منهم، فتاب عليهم منه، وقيل : إنَّهُ أرَاد الاختيان في الاستقبال، وذكر " كَانَ " ليحكي بها الحال ؛ كما تقول : إن فعلت، كنت ١ - البيت للفند الزماني (شهل بن شيبان) ينظر في خزانة الأدب ٣/٤٣١، والدرر ٥/ ٢٥٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤٤، والمقاصد النحوية ٣/١٢٢، وأمالي القالي ١/٢٦٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/١٤٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٨، وهمع الهوامع ٢/ ٩٣، والدرر المصون ١/ ٤٧٣..
٢ - قرأ بها ابن ميسرة. انظر: الشواذ ١٢، والبحر المحيط ٢/٥٥، والدر المصون ١/ ٤٧٣..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٨٩..
٤ - ينظر: ديوانه (٥٢) ولسان العرب (أخا)، والمقتضب ٢/ ١٧٤، وخزانة الأدب ٤/ ٤٧١، والخصائص ٢/ ٤٢٢، الأشباه والنظائر ٤/ ٢٨٥، تذكرة النحاة ص ١٤٤، وجمهرة اللغة ص ١٣٠٧، الرازي ٥/٧٩..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٩٠..
٦ - انظر: المحرر الوجيز ١/٢٥٦، ٢٥٧، والبحر المحيط ٢/٥٥، والدر المصون ١/٤٧٣..
٧ - ينظر: ديوانه (٤٥٦)، والخصائص ١/٣٣، والمحتسب ٢/ ٢٤٧، والدر المصون ١/٤٧٣..
٨ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٣، والدر المصون ١/٤٧٣..
٩ - ينظر: البحر المحيط ٢/ ٣٤، الدر المصون ١/ ٤٧٤..
١٠ - ينظر: اللسان "رفث"، والدرر ١/١٩٩، الدر المصون ١/٤٧٤..
١١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٤٨٧-٤٨٨) عن ابن عباس- وذكره البغوي في "تفسيره" ١/١٥٧..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٨٩..
١٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٥٧..
١٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٥٧..
١٥ - أخرجه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٣/٤٦٣-٤٦٤) وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (١/٣٥٧) عن ابن عباس. وأخرجه بلفظ قريب منه أحمد (٤/٢٩٥) والبخاري (٤/١١١- ١١٢) وأبو داود (٢٣١٤) والترمذي (٤/ ٧١- ٧٢) والنسائي (١/٣٥٠)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٥٦) وزاد نسبته لوكيع وعبد بن حميد والنحاس في ناسخه وابن المنذر عن البراء بن عازب..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٨٨..
١٧ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٨٨..
١٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٨٨..
١٩ - أخرجه أبو داود (٢/١٠١) كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة (١٥٧٤) والترمذي (٣/١٦) كتاب الزكاة باب ما جاء في زكاة الذهب والورق (٦٢٠) والنسائي (٥/٣٧) رقم (٢٤٧٧) وابن ماجه (١/٥٧٠) كتاب الزكاة باب زكاة الورق والذهب (١٧٩٠) وأحمد (١/ ٩٢) والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ٣٤٧) وابن خزيمة (٢٢٨٤) والطبراني في "المعجم الصغير" (١/٢٣٢) و (٢/١٣٠) وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٨/٨٨) وفي "تلخيص الحبير" (٢/١٤٩)..
٢٠ - أخرجه الترمذي (١/٣٢١) كتاب الصلاة: باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل (١٧٢) والدارقطني (١/٢٤٦) من طريق يعقوب بن الوليد المدني عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: (الوقت الأول من الصلاة رضوان لله والوقت الآخر عفو الله). وقال الترمذي هذا حديث غريب.
 قال الحافظ في "التخليص" (١/١٠٨): ويعقوب قال أحمد: كان من الكذابين الكبار وكذبه ابن معين وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبان كان يضع الحديث وما روى هذا الحديث غيره وقال الحاكم العمل فيه عليه وقال البيهقي: يعقوب كذبه سائر الحفاظ ونسبوه إلى الوضع..
٢١ - ينظر: الإملاء ١/٨٣..

### الآية 2:188

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:188]

قوله : بَيْنَكُم  : في هذا الظرف وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق ب " تَأْكُلُوا " بمعنى : لا تَتَنَاقَلُوهَا فيما بينكم بالأكل. 
والثاني : أنه متعلِّق بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من " أمْوَالِكُمْ " أي : لا تأْكُلُوهَا كائنةً بينكم، وقدَّره أبو البقاء[(١)](#foonote-١) أيضاً بكائنةٍ بينكم، أو دائرةً بينكم ؛ وهو في المعنى كقوله : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ  \[ البقرة : ٢٨٢ \]، وفي تقدير " دَائِرَةً " - وهو كونٌ مقيَّدٌ - نظرٌ، إلاَّ أن يقال : دلَّت الحال عليه. 
**قوله :" بالبَاطِلِ " فيه وجهان :**
أحدهما : تعلُّقه بالفعل، أي : لا تأخذوها بالسبب الباطل. 
الثاني : أن يكون حالاً ؛ فيتعلَّق بمحذوفٍ، ولكن في صاحبها احتمالان :
أحدهما : أنه المال ؛ كأنَّ المعنى : لا تَأْكُلُوهَا ملتبسَةً بالباطِل. 
والثاني : أن يكون الضمير في " تَأْكُلُوا " كأنَّ المعنى : لا تَأْكُلُوها مُبْطِلِينَ، أي : مُلْتَبِسينَ بالبَاطِلِ.

### فصل في سبب نزول الآية


قيل : نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، ادعى عليه ربيعة بن عَبْدَان الحَضْرَميُّ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضاً، فقال : إنه غلبني عليها، فقال النَّبيُّ - صلوات الله وسلامه عليه دائماً أبداً - للحضرميِّ :" أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قال : لا ؛ قال :" فَلَكَ يَمِينُهُ " فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أَمَا إنْ يَحْلِفْ عَلَى مَالِهِ، ليَأْكُلَهُ ظُلْماً، ليَلْقَيَنَّ اللَّهَ، وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ " فأنزل الله  وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  أي : لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل[(٢)](#foonote-٢)، أي : من غير الوجه الذي أباحه الله، و " البَاطِلُ " في اللغة الذَّاهِبُ الزائل، يقال : بَطَل الشَّيْءُ بُطُولاً وبُطْلاناً، فهو باطلٌ، وجمع الباطل : بَوَاطِلُ، وأَبَاطِيلُ جمع أُبْطُولَة، يقال : بَطَل الأجير يَبْطُل بطالةً، إذا تعطَّل، وتَبَطَّل : اتَّبع اللَّهو، وأبْطَلَ فلانٌ، إذا جاء بالبَاطِل، وقوله تعالى : لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ  \[ فصلت : ٤٢ \] قال قتادة[(٣)](#foonote-٣) : هو إبليسُ ؛ لا يزيد في القرآن، ولا ينقص، وقوله عزَّ وجلَّ  وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ 
\[ الشورى : ٢٤ \] يعني : الشِّرك، والبَطَلَةُ : السَّحَرةُ. 
قوله :" لاَ تَأْكُلُوا " ليس المراد منه الأكل خاصَّة ؛ لأنَّ غير الأكل من التصرّفات ؛ كالأكل في هذا الباب، لكنَّه لمَّا كان المقصود الأعظم من المال، إنَّما هو الأكل، وصار العرف فيمن أنفق ماله، أن يقال : أكله ؛ فلهذا عبَّر عنه بالأكل. 
### فصل فيما يحل ويحرم من الأموال


قال الغزاليُّ - رحمه الله تعالى - في كتاب " الإحياء " : المال إنَّما يحرم إما لمعنًى في عينه، أو لخللٍ في جهة اكتسابه. 
فالقسم الأول : الحرام لمعنىً في عينه. 
اعلم أنَ الأموال : إمَّا أن تكون من المعادن، أو من النبات، أو من الحيوانات. 
أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيءٌ منها، إلاَّ من حيث يضر بالأكل وبعضها ما يجري مجرى السَّمِّ. 
وأما النباتُ : فلا يحرم منه إلاَّ ما يزيل الحياة، أو الصِّحَّة، أو العقل. 
فمزيل الحياة : كالسُّموم، ومزيل الصِّحَّة : الأدوية في غير وقتها، ومزيل العقل : الخمر، والبنج، وسائر المسكرات. 
وأما الحيوانات : فتقسم إلى ما يؤكل، وإلى ما لا يؤكل. 
وما يؤكل : إنَّما يحلُّ، إذا ذكِّي ذكاته الشَّرعيَّة، ثم إذا ذُكِّيت، فلا تحلُّ جميع أجزائها، بل يحرمُ منها الدَّم، والفَرْثُ. 
القسم الثاني : ما يحرم لخللٍ في جهة إثبات اليد عليه، فنقول :
أخذ المال : إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره ؛ كالإرث، والذي باخيتاره : إما أن يكون مأخوذاً بأمر مالكه، وإمَّا أن يكون قهراً، أو بالتَّراضي. 
والمأخوذ قهراً : إما أن يكون لسقوط عصمة المالك ؛ كالغنائم، أو باستحقاق الأخذ ؛ كزكاة الممتنعين، والنفقات الواجبة عليهم. 
والمأخوذ تراضياً : إما أن يؤخذ بعوضٍ، كالبيع، والصَّداق، والأُجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض ؛ كالهبة، والوصيَّة. 
**فحصل من هذا التَّقسيم أقسامٌ ستةٌ :**
الأول : ما يؤخذ من غير ملكٍ ؛ كنيل المعادن، وإحياء الموات، والاصطياد، والاحتطاب، والاستقاء من الأنهار، والاحتشاش ؛ فهذا حلالٌ، لا يكون المأخوذ مختصَّاً بذي حرمة من الآدميِّين. 
الثاني : المأخوذ قهراً ممَّن لا حرمة له، وهو الفيءُ والغنيمة وسائر أموال الكُفَّار والمحاربين، فذلك حلالٌ للمسلمين، إذا أخرجوا منه الخمس، وقسّموه بين المستحقِّين بالعدل، ولم يأخذوه ممَّن كان له حرمةٌ بأمانٍ، أو عهدٍ. 
الثالث : ما يؤخذ قهراً باستحقاق عند امتناع من هو عليه فيؤخذ دون عطائه ؛ وذلك حلالٌ ؛ إذا تَمَّ سبب الاستحقاق، وتَمَّ وصف المستحقِّ، واقتصر على قدر المستحقِّ. 
الرابع : ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة، فهو حلالٌ، إذا روعِيَ شرط العوضين، وشرط العاقدين، وشرط اللَّفظين، أعني : الإيجاب والقبول عند من يشترطهما، مع ما قيَّد الشَّرع به من اجتناب الشُّروط المفسدة. 
الخامس : ما يؤخذ بالرِّضَا من غير عوضٍ ؛ كما في الهبة، والوصيَّة، والصَّدقة، إذا روعيَ شرط المعقود عليه، وشرط العاقدين، ولم يؤدِّ إلى ضرر. 
السادس : ما يحصل بغير اختياره ؛ كالميراث، وهو حلالٌ، إذا كان المورِّث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه الحلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدَّين، وتنفيذ الوصايا، وتعديل القسمة من الورثة، وإخراج الزَّكاة، والحجِّ والكفَّارة الواجبة، فهذه مجامع مداخل الحلال، وكُلُّ ما كان بخلاف ذلك كان حراماً. 
إذا عرفت ذلك، فنقول : المال : إما أن يكون له، أو لغيره. 
فإن كان لغيره : كان حرمته لأجل الوجوه السِّتَّة المذكورة، وإن كان له، فأكله بالحرام : إما بأن يصرفه في شرب الخمر، أو الزِّنا، أو اللِّواط، أو القمار، أو الشُّرب المحرَّم ؛ وكلُّ هذه الأقسام داخلةٌ تحت قوله  وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا . 
قوله : وَتُدْلُوا بِهَا " في " تُدْلُوا " ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مجزومٌ عطفاً على ما قبله ؛ ويؤيِّده قراءة أُبيٍّ :" وَلاَ تُدْلُوا " بإعادة لا الناهية. 
والثاني : أنه منصوبٌ على الصَّرف، وقد تقدَّم معنى ذلك، وأنه مذهب الكوفِيِّين، وأنه لم يثبت بدليل. 
والثالث : أنه منصوبٌ بإضمار " أنْ " في جواب النهي، وهذا مذهب الأخفش[(٤)](#foonote-٤)، وجوَّزه ابن عطيَّة والزَّمخشريُّ، ومَكِّيٌّ، وأبو البقاء[(٥)](#foonote-٥)، قال أبو حيَّان :" وأمَّا إعراب الأَخْفَشِ، وتجويزُ الزمخشريِّ ذلك هنا، فتلك مسألة :" لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ، وتَشْرَب اللَّبَنَ " قال النحويُّون : إذا نصب، كان الكلام نهياً عن الجمع بينهما، وهذا المعنى : لا يصحُّ في الآية لوجهين :
أحدهما : أنَّ النهي عن الجمع لا يستلزم النَّهي عن كلِّ واحدٍ منهما على انفراده، والنَّهي عن كلِّ واحدٍ منهما يستلزم النَّهي عن الجمع بينهما ؛ لأن الجمع بينهما حصول كلِّ واحدٍ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما منهيٌّ عنه ضرورةً ؛ إلا ترى أنَّ أكل المال بالباطل حرامٌ سواءٌ أفرد أم جمع مغ غيره من المحرَّمات ؟
والثاني - وهو أقوى- : أنَّ قوله " لِتَأْكُلُوا " علَّةٌ لما قبلها، فلو كان النهيُ عن الجمع، لم تصحَّ العلّةُ له ؛ لأنَّه مركَّبٌ من شيئين، لا تصحُّ العلَّة أن تترتَّب على وجودهما، بل إنما تترتَّب على وجود أحدهما : وهو الإدلاء بالأموال إلى الحكام ". 
والإدلاء مأخوذٌ من إدلاء الدَّلو، وهو إرساله إلى البئر ؛ للاستقاء ؛ يقال :" أدْلَى دَلْوَهُ " إذا أرسلها، ودَلاَهَا : إذا أخْرَجَها، ثم جُعِلَ كُلُّ إلقاء قول أو فعل إدلاء ؛ ومنه يقال للمحتجِّ أدْلَى بِحُجَّتِهِ، كأنه يرسلها، ليصل إلى مراده ؛ كإدلاء المستقي الدلو ؛ ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلانٌ يدلي إلى الميِّت بقرابة، أو رحم ؛ إذا كان منتسباً، فيطلب الميراث بتلك النِّسبة. 
و " بِهَا " متعلِّقٌ ب " تُدْلُوا " وفي الباء قولان :
أحدهما : أنها للتعدية، أي لترسلوا بها إلى الحكَّام. 
والثاني : أنَّها للسبب ؛ بمعنى أن المراد بالإدلاء الإسراع بالخصومة في الأموال ؛ إمَّا لعدم بيِّنةٍ عليها، أو بكونها أمانةً ؛ كمال الأيتام، والضمير في " بِهَا " : الظاهر أنه للأموال : وقيل : إنه لشهادة الزُّور ؛ لدلالة السِّياق عليها، وليس بشيء. 
و " مِنْ أَمْوَال " في محلّ نصبٍ صفةً ل " فَرِيقاً " أي : فريقاً كائناً من أمْوَالِ النَّاس. 
قوله :" بالإِثْم " تحتمل هذه الباء : أن تكون للسَّبب، فتتعلَّق بقوله :" لِتَأْكُلُوا " وأن تكون للمصاحبة، فتكون حالاً من الفاعل في " لتَأْكُلُوا " وتتعلق بمحذوفٍ أي : لِتَأْكُلُوا ملتبسين بالإثم. 
### فصل في سبب تسمية الرشوة بالإدلاء


في تسمية الرَّشوة[(٦)](#foonote-٦) بالإدلاء وجهان :
أحدهما : أن الرَّشوة تقرِّب البعيد من الحاجة ؛ كما أنَّ الدَّلو المملوء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرِّشاء، فالمقصود البعيد يصير قريباً، بسبب الرَّشوة. 
والثاني : أن الحاكم بسبب أخذ الرّشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبُّت ؛ كمضيِّ الدَّلو في الرِّشاء، ثم المفسِّرون ذكروا وجوهاً[(٧)](#foonote-٧) ؟
أحدها : قال ابن عبَّاس، والحسن - رضي الله عنهما - وقتادة : المراد منه الودائعُ، وما لا يقوم عليه البيِّنة[(٨)](#foonote-٨). 
وثانيها : أن المراد هو مال اليتيم في يد الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم، ليبقى لهم بعضه[(٩)](#foonote-٩). 
وثالثها : قال الكلبيُّ : المراد بالإدلاء إلى الحكَّام : هو شهادة الزُّور[(١٠)](#foonote-١٠). 
ورابعها : قال الحسن : هو أن يحلف ؛ ليذهب حقَّه[(١١)](#foonote-١١) ؛ كما تقدَّم في سبب النُّزول. 
وخامسها : وهو أن يدفع إلى الحاكم رشوة[(١٢)](#foonote-١٢)، وهذا أقرب إلى الظاهر، ولا يبعد حمل اللفظ على الكُلِّ ؛ لأنها بأسرها أكلٌ للمال بالباطل. 
وقوله " فَريقاً " أي : طائفةً من أموال النَّاس، والمراد " بالإثْمِ " الظلمُ، وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - " الإثْمُ " هنا هو اليمين الكاذبة[(١٣)](#foonote-١٣). 
### فصل في الفسق بأخذ ما يطلق عليه اسم مال


قال القرطبيُّ[(١٤)](#foonote-١٤) : اتَّفق أهل السُّنَّة على أنَّ من أخذ ما وقع عليه اسم مالٍ، قلَّ أو كثر، فإنَّه يفسَّق بذلك، وأنه يحرم عليه أخذه ؛ خلافاً لبشر من المعتمر، ومن تابعه من المعتزلة ؛ حيث قالوا : إنَّ المكلَّف لا يفسَّق إلاَّ بأخذ مائتي درهمٍ، ولا يفسَّق بدون ذلك. وقال ابن الجُبَّائيِّ : لا يفسَّق إلاَّ بأخذ عشرة دراهم، ولا يفسَّق بما دونها. 
وقال أبو الهُذَيْلِ : يفسَّق بأخذ خمسة دراهم، فما فوقه، ولا يفسَّق بما دونها، وهذا كلّه مردودٌ بالقرآن، والسُّنَّة، وباتفاق علماء الأمَّة بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" إنَّ دمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ " [(١٥)](#foonote-١٥). 
وقوله تعالى :" وَأَنْتُمْ تَع١ - ينظر: الإملاء ١/٨٤..
٢ - أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (١/٣٦٧)..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/٢٢٦..
٤ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١/١٦٠..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٨٤..
٦ - الرشوة عند الشافعية: قال ابن الرفعة في "كفاية النبيه شرح النبيه" عند قوله: ولا يجوز للقاضي أن يرتشي: لما روى أبو بكر بن المنذر، عن أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه- قال: "لعن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الراشي والمرتشي"، أخرجه ابن ماجه، وروى ثوبان عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لعن الله الراشي والمرتشي الذي يمشي بينهما" وروى أنس نحوه؛ ولأنه إن أخذ ليحكم بغير الحق حرام، والأخذ عليه حرام.
 وإن أخذ على إيقاف الحكم، فهو يلزمه الحكم لمن وجب له، فتركه حرام، وإن أخذ على أن يحكم بالحق، فليس له أن يأخذ الرزق على ذلك من الإمام، فليس له أن يأخذ عليه عوضا آخر.
 أما دفع الرشا فهو يجوز، قال الأصحاب، كما حكاه أبو الطيب الماوردي، وابن الصباغ:- إن كان يطلب بها دفع الحكم بغير الحق، أو إيقاف الحكم بالحق، حرم عليه، وإن كان يطلب بها وصولا إلى حقه، لم يحرم عليه، وإن كان حراما على غيره، كما لا يحرم أن يفك الأسير بماله، قال في "المرشد": ويحتمل لعنة الراشي والمرتشي على ما إذا قصد بها إيقاف الحكم بالباطل، ولذلك قال الله تعالى: لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون، والمتوسط بينهما هو تابع لموكله منهما، فإن توكل عنهما، كان فعله حراما، وهذا الكلام من الأصحاب يدل على أن الرشوة تكون لطلب حق، ولطلب باطل.
 وقد حكي عن ابن كج أنه قال: الرشوة عطية، بشرط أن يحكم له بغير حق، والهداية عطية مطلقة، وكلام الماوردي يخالفه؛ فإنه قال: الرشوة ما تقدمت الحاجة، والهداية ما تأخرت، والذي حكاه الغزالي-رحمه الله تعالى- في الإحياء منطبق على الأول؛ فإنه قال: المال إن بذل لغرض أجل فهو قربة وصدقة؛ وإن بذل لغرض مال في مقابلته، فهو هبة بثواب مشروط، أو متوقع؛ وإن كان لغرض عمل محرم أو واجب متعين، فهو رشوة؛ وإن كان مباحا فإجارة أو جعالة؛ وإن كان للتقرب والتودد للمبذول له، فإن كان لمجرد نفسه، فهدية وإن كان ليتوسل بجاهه إلى أغراض ومقاصد، فإن كان جاهه بعلم أو صلاح أو نسب، فهدية، وإن كان بالقضاء والعمل بولاية، فرشوة.
 قال القاضي أبو الطيب-رحمه الله تعالى- في تعليقه، وكذا الشيخ أبو حامد: إن تحريم أخذ الرشوة على الحاكم إذا كان له رزق من بيت المال، فأما إذا لم يكن له رزق، أي: وكان ممن يجوز أن يفرض قال للمتحاكمين: لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقا عليه؛ فإنه حينئذ يحل له ذلك، وعلى ذلك جرى الجرجاني-رحمه الله- في "التحرير" قال ابن الصباغ: ويجوز مثل ذلك؛ لأنه لم يذكر أنه طلبه من أحدهما.
 والرشوة عند الحنفية، قال في فتاوى قاضيخان: وإذا ارتشى ولد القاضي، أو كاتبه، أو بعض أعوانه؛ ليعين الراشي عند القاضي، ففعل؛ إن لم يعلم القاضي بذلك، نفذ قضاؤه، وكان على المرتشي رد ما قبض، وإن علم بذلك القاضي، كان قضاؤه مردودا.
 وإذا تقلد القضاء بالرشوة، لا يصير قاضيا، وتكون الرشوة حراما على الراشي، وعلى الآخذ، ثم الرشوة على وجوه أربع:
 منها: ما هو حرام من الجانبين أحدها هذه. والثاني: إذا دفع الرشوة إلى القاضي؛ ليقضي له، وهذه الرشوة حرام من الجانبين، سواء كان القضاء بحق أو بغير حق.
 ومنها: إذا دفع الرشوة لخوف على نفسه أو ماله، وهذه الرشوة حرام على الآخذ، وغير حرام على الدافع؛ وكذا إذا طمع في ماله، فرشاه ببعض ماله. ومنها: إذا دفع الرشوة ليسوي أمره عند السلطان، فأحل له الدفع، ولا يحل للآخذ أن يأخذها، فإن أراد أن يحل للآخذ، يستأجر الآخذ يوما إلى الليل بما يريد أن يدفع، فإنه تجوز هذه الإجارة، ثم المستأجر إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في عمل غيره، هذا إذا أعطى الرشوة أولا ليسوّي أمره عند السلطان، وإن طلب منه أن يسوّي أمره ولم يذكر الرشوة؛ ثم أعطاه بعدما سوّى، اختلفوا فيه: قال بعضهم: لا يحل له أن يأخذ. وقال بعضهم: يحل، وهو الصحيح؛ لأن يراه مجازاة الإحسان فيحل له؛ كما لو جمعوا للإمام والمؤذن شيئا، وأعطوه من غير شرط-كان حسنا.
 وقال في "الفتاوى البزازية": القاضي لا يقبل هداية الأجنبي والقريب، إلا من كان يهدي قبله، وإن زاد يرد الزيادة إلا أن تكون خصومة، فلا يقبل منه أيضا، فإن قبل وأمكنه الرد، رد، وإلا وضع في بيت المال؛ وكذا في كل موضع ليس له القبول، وإن كان يتأذى به المعطي، أخذه ورد عليه قيمته، فإن قضى ثم ارتشى أو عكس، لا ينفذ، وإن تاب ورد المأخوذ، فهو على قضائه، لأنه بالفسق لا ينعزل.
 والهدايا ثلاث: حلال من الجانبين للتودد، وحرام منهما؛ وهو الإهداء للإعانة على الظلم، وحرام من جانب وهو الإهداء لكشف الظلم عنه؛ فهو حرام على الآخذ حلال للمعطي.
 والرشوة عند المالكية: فقال في "مختصر خليل" وشرحه لتلميذه بهرام: وحرم، يعني: طلب القضاء لجاهل وقاصد دنيا؛ لأن الجاهل ربما أداه جهله إلى مخالفة ما هو متفق عليه، والوقوع في الأمور المعضلة، وطالب الدنيا ربما أداه ذلك إلى الحيف؛ لتحصيل غرضه الفاسد.
 قال: ولا يحضر، يعني القاضي في الولائم إلا وليمة النكاح خاصة، ثم إن شاء أكل أو ترك من غير كراهة، وإن كانت الوليمة لغير النكاح، فأجيز له الحضور، وكره إلا ما كان من جهة ولده، أو والده ونحو ذلك.
 وفي "النوادر" عن أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة وليمة، أو صنيعا عاما لفرح، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح، فلا يجيب، وكأنه دعي خاصة، إذ لعله إنما صنع ذلك لأجل القاضي؛ وكذا ليس له قبول هدية، ولو كافأ عليها أضعافها، وحمل الأشياخ قول ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهداية، وهو مذهب مالك، وأهل السنة، على المنع، وسواء كان المهدي ممن له عند القاضي خصومة، أو لا، وقاله مطر، وابن الماجشون.
 وقال ابن عبد الحكم: له أن يقبل ممن لا خصومة له عنده. وقال أشهب: لا يقبلها من غير من يخاصم عنده، إلا أن يكافأه عليها من قريب، كولده، وأخيه، وعمه، وابن عمه، وخاله، وخالته، وعمته، وبنتها، ومن لا يدخل عليه به ظنه الشدة الداخلة والمنافية بينهما، وكذلك ذكر محمد بن سحنون عن أبيه، ونحوه في "الموازنة" وفي هدية من اعتادها قبل الولاية قولان: يريد جواز قبول القاضي الهدية ممن كانت عادته ذلك قبل الولاية، وعدم جوازه، والجواز لابن عبد الحكم، وقال مطرف وعبد الملك: لا ينبغي ذلك، وهو محتمل للمنع والكراهية.
 وقال العلامة جلال الدين عبد الله بن شاش في كتابه "عقد الجواهر الثمينة في آداب القاضي": ولا يقبل الهدية ممن له خصومة، ولا ممن ليس له خصومة، ولو كان ممن يقبلها منه قبل الحكم، أو كافأ عليها أضعافها، إلا من ولده، أو والده، ومن أشبههم من خاصة القرابة، فإن قبلها، فهو سُحْت. انتهى.
 والرشوة عند الحنابلة: فقل في "شرح الإقناع" العلامة الشيخ منصور البهوتي-رحمه الله تعالى-: ويحرم على القاضي قبول رشوة بتثليث الراء؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-الراشي والمرتشي". قال الترمذي: حسن صحيح، ورواه أبو بكر في "زاد المسافر" وزاد الرائش، وهو السفير بينهما، وهي، أي: الرشوة: ما يعطي بعد طلبه لها، ويحرم بذلها من الراشي ليحكم له بباطل، أو يدفع عنه حقه.
 وإن رشاه ليدفع عنه ظلمه، ويجريه على واجبه-فلا بأس به في حقه، قال عطاء وجابر بن زيد، والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه؛ ولأنه يستفيد ماله كما يستفيد الرجل أسيره، ويحرم قبوله، أي: القاضي هدية؛ لما روى أبو سعيد قال: بعث النبي –صلى الله عليه وسلم- رجلا من الأزد يقال: ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي –صلى الله تعالى عليه وسلم-، فحمد الله- تعالى-، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أبيه، فينظر أهدي إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده، لا نبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطية، فقال: اللهم بلغت ثلاثا" وقال كعب الأحبار: قرأت فيما أنزل الله-تعالى- على أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكم، بخلاف مفتِ، فلا يحرم عليه قبول الهدية، وهي أي: الهدية: الدفع إليه ابتداء من غير طلب، وظاهره أنه يحرم على القاضي قبول الهدية، ولو كان القاضي في غير عمله؛ لعموم الخبر، إلا ممن كان يهدي إليه قبل ولايته، إن لم يكن له أي: المهدي حكومة؛ لأن التهمة منتفية؛ لأن المنع إنما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة، وكلاهما منتف، أو كانت الهدية من ذي رحم محرم منه، أي: من الحاكم؛ لأنه لا يصح له أن يحكم له، هذا واضح في عمودي نسبه، دون من عداهم من أقاربه، مع أنه يحتمل أن يهدي؛ لئلا يحكم عليه.
 ينظر: تحقيقنا في كتاب "تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية"..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠١..
٨ - أخرجه الطبري في تفسيره (٣/٥٥٠) عن ابن عباس وذكره الرازي في "تفسيره" (٥/١٠١)..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠١..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠١..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠١..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠١..
١٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٦٠..
١٤ -ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٢٢٧..
١٥ - أخرجه البخاري (٧/ ١٨٢) كتاب الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر (٥٥٥٠) ومسلم كتاب القيامة (٢٩، ٣٠، ٣١) وأحمد (٥/٤٠) والبيهقي (٥/١٦٦، ٨/١٩) والطبراني في "الكبير" (٥/٣١٦) وابن خزيمة (٢٨٠٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/٣٤٣) وابن سعد (٢/١/١٣٢) وابن عبد البر في "التمهيد" (١٠/٢٣١) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/١٥٩) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٧/٨٥) وابن عساكر (٦/٥٨) والبغوي في تفسيره (٣/٩١) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٩، ٤٤٢)..

### الآية 2:189

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [2:189]

نقل عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال : مَا كَانَ قَوْمٌ أَقَلَّ سُؤَالاً مِنْ أُمَّةِ محمَّدٍ - صلوات الله وسلامه عليه - دائماً وأبداً - سأَلُوهُ عَنْ أَرْبَعةَ عَشَرَ حَرْفاً، فَأْجِيبُوا[(١)](#foonote-١). 
قال ابن الخَطِيبِ[(٢)](#foonote-٢) : ثمانيةٌ منها في سورة البقرة أولُها : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  \[ البقرة : ١٨٦ \]. وثانيها : هذه الآية، ثم الباقية بعد في سورة البقرة. فالمجموع ثمانية في هذه السُّورة، والتَّاسع : في المائدة، قوله تبارك وتعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ  \[ المائدة : ٤ \] والعاشر : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ  \[ الأنفال : ١ \] والحادي عشر : في بني إسرائيل  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  \[ الإسراء : ٨٥ \] والثاني عشر في الكهف  وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ  \[ الكهف : ٨٣ \] والثالث عشر في طه  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ  \[ طه : ١٠٥ \] والرابع عشر في النَّازعات  يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ  \[ النازعات : ٤٢ \]. 
**ولهذه الأسئلة ترتيبٌ عجيبٌ : آيتان :**
الأول : منها في شرح المبدأ، وهو قول تعالى : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  وهذا سؤالٌ عن الذَّاتِ. 
والثاني : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ  وهذا سؤالٌ عن حقيقة الخلاَّقيَّة، والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه. 
والآيتان الأخيرتان في شرح المعاد، وهو قوله  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ  \[ طه : ١٠٥ \] و  يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ  \[ النازعات : ٤٢ \]. 
ونظير هذا أنَّه ورد في القرآن الكريم سورتان : أوّلهما " يَا أَيَهَا النَّاسُ " فالأولى : هي السُّورة الرابعة من النِّصْف الأوَّل ؛ فإن الأولى هي " الفَاتِحَةُ " ثم " البَقَرَةُ " ثم " آلُ عِمْرَانَ " ثم " النِّسَاءُ " وهي مشتملةٌ على شرح المبدأ  يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ  \[ النساء : ١ \] والسُّورة الثَّانية : هي الرابعة أيضاً من النِّصف الثاني : فإن أوله " مَرْيَم " ثم " طَه " ثم " الأَنْبيَاء " ثم " الحَجُّ " وهذه مشتملةٌ على شرح الميعاد  يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  \[ الحج : ١ \] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفيَّةٌ، وحِكَمٌ مطويَّة \[ لا يَعْرِفُها إلاَّ الخواصُّ مِن عَبِيدِه \].

### فصل في اختلافهم في السائل عن الأهلَّة


روي عن معاذ بن جبلٍ، وثعلبة بن غنمٍ الأنصاريين قالا : يا رسول الله، ما بالُ الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيطِ، ثُمَّ يزيد ؛ حتَّى يمتلىءَ ويَسْتَوِي، ثُمَّ لا يَزَالُ يَنْقُصُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا بَدَأَ، لاَ يَكُونُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ كالشَّمْسِ، فَنَزِلَتْ هذه الآية[(٣)](#foonote-٣). 
وروي أنَّ معاذ بن جبلٍ قال : إنَّ اليَهُودَ سَأَلُوهُ[(٤)](#foonote-٤) عَنِ الأهَلَّةِ. 
واعلم أنَّ قوله تعالى  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ  ليْسَ فيه بيان أنَّهم عن أيِّ شيءٍ سأَلُوا، إلاَّ أنَّ الجواب كالدَّالِّ على موضع السُّؤال ؛ لأنَّ قوله : قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  يدلُّ على أنَّ سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغيُّر حال الأهلَّة في الزيادة والنُّقصان. 
قوله تعالى : عَنِ الأَهِلَّةِ  : متعلِّقٌ بالسؤال قبله، يقال :" سَأَلَ بِهِ وَعَنْهُ " بمعنًى، والضمير في " يَسْأَلُونَكَ " ضمير جماعة. 
فإن كانت القصَّة كما روي عن معاذٍ : أنَّ اليهودَ سألُوهُ، فلا كلام، وإن كانت القصَّة أنَّ السائل اثنان ؛ كما روي أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنمٍ، سألوا، فيحتمل ذلك وجهين :
أحدهما : أن يقال : إن أقلّ الجمع اثنان. 
والثاني : من نسبة الشيء إلى جمعٍ، وإن لم يصدر إلاَّ من واحدٍ منهم أو اثنين، وهو كثيرٌ في كلامهم. 
### فصل


قال الزَّجَّاج - رحمه الله- :" هلال " يُجمع في أقلِّ العدد على " أَفْعِلَةٍ " نحو : مثالٍ وأَمْثِلَةٍ، وحِمَارِ وأَحْمِرَةٍ، وفي أكثر العدد يجمع على " فُعُلٍ " نحو حُمُرٍ، لأنهم كرهوا في التضعيف " فُعُلٍ "، نحو هُلُل وخُلُل، فاقتصروا على جمع أدنى العدد. 
والجمهور على إظهار نون " عَنْ " قبل لام " الأَهِلَّة " وورشٌ على أصله من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وقرئ[(٥)](#foonote-٥) شاذَاً :" عَلَّ هِلَّةِ " ؛ وتوجيهها : أنه نقل حركة همزة " أَهِلَّة " إلى لام التَّعريف، وأدغم نون " عَنْ " في لام التعريف ؛ لسقوط همزة الوصل في الدَّرج، وفي ذلك اعتدادٌ بحركة الهمزة المنقولة، وهي لغة من يقول :" لَحْمَرُ " من غير همزة وصلٍ. 
وإنما جُمِعَ الهلالُ، وإن كان مفرداً ؛ اعتباراً باختلاف أَزمانه ؛ قالوا من حيث كونه هلالاً في شهر غير كونه هلالاً في آخر، والهلال : هذا الكوكبُ المعروف. 
واختلف اللُّغَوِيُّون : إلى متى يُسَمَّى هِلاَلاً ؟
فقال الجمهور : يُقَالُ له " هِلاَلٌ " لِلَيْلَتَيْنِ، وقيل : لِثَلاَثٍ، ثم يكون " قَمَراً " وقال أبو الهيثم[(٦)](#foonote-٦) : يُقال له :" هِلاَلٌ " لِلَيْلَتَيْن من أوَّل الشهر، ولَيْلَتَيْنِ من آخره، وما بينهما " قَمَرٌ ". وقال الأصمعيُّ : يُقَالُ له " هِلاَلٌ " إلى أن يُحَجِّرُ، وتحجيره : أن يستدير له ؛ كالخيط الرقيق "، ويقال له :" بَدْرٌ " من الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة، وقيل : يُسَمَّى " هِلالاً " إلى أن يَبْهَرَ ضَوءُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، وذلك إنما يكونُ في سَبْعِ لَيَالٍ ". 
واعلم أنَّ الشَّهر ينقسم عشرة أقسامٍ، كلُّ قسمٍ : ثلاثُ ليالٍ، ولكلِّ ثلاثِ ليالٍ اسمٌ، فالثلاثة الأولى : تسمَّى غرر، والثانية نقل، والثالثة تسع، والرابعة عشر، والخامسة بيض والسادسة درع، والسابعة ظلم، والثامنة مسادس والتاسعة فرادى والعاشرة محاق. 
والهلال : يكون اسماً لهذا الكوكب، ويكون مصدراً ؛ يقال : هلَّ الشَّهر هلالاً، ويقال : أُهِلَّ الهلالُ، واسْتُهِلَّ مبنيّاً للمفعول وأهْلَلْنَاه واسْتَهْلَلْنَاهُ، وقيل : يقال : أَهَلَّ واسْتَهَلَّ الهلالُ للفاعل ؛ وأنْشَدَ :\[ الوافر \]
٩٦٤ - وَشَهْرٌ مُسْتَهِلٌّ بَعْدَ شَهْرٍ \*\*\* وَحَوْلٌ بَعْدَهُ حَوْلٌ جَدِيدٌ[(٧)](#foonote-٧)
وسُمِّي هذا الكوكب هلالاً ؛ لارتفاع الأصوات عن رؤيته، وقيل : لأنه من البيان، والظهور، أي : لظهوره وقت رؤيته بعد خفائه، ولذلك يقال : تهلَّل وجهه : ظهر فيه بشرٌ وسُرُورٌ، وأنْ لم يكُنْ رفع صَوْتَهُ، ومنه قول تَأَبَّطَ شَرّاً :\[ الكامل \]
٩٦٥ - وَإِذَا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ \*\*\* بَرَقَتْ كَبَرْقِ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ[(٨)](#foonote-٨)
وقد تقدم أنَّ الإهْلاَلَ : الصُّرَاخُ عند قوله  وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ  \[ البقرة : ١٧٢ \]. " وفِعَالٌ " المضعَّف يطَّرد في تكسيره " أَفْعِلَة " كأَهِلَّةٍ، وشذَّ فيه فِعَلٌّ ؛ كقوله : عِنَنٌ، وحِجَجٌ، في عِنَان، وحِجَاج. 
وقدَّر بعضهم مضافاً قبل " الأَهِلَّة " أي : عن حكم اختلاف الأهلَّة، لأنَّ السؤال عن ذاتها غير مفيدٍ ؛ ولذلك أُجيبوا بقوله : قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  وقيل : إنهم لمَّا سألُوا عن شيء قليل الجدوى، أُجيبوا بما فيه فائدةٌ، وعدل عن سؤالهم، إذ لا فائدة فيه، وعلى هذا، فلا يحتاج إلى تقدير مضافٍ. 
و " لِلنَّاسِ " متعلِّقٌ بمحذوف ؛ لأنه صفةٌ ل " مَوَاقِيتُ " أي : مواقيتُ كائنةٌ للنَّاسِ. ولا يجوزُ تعلُّقُه بنَفْس المواقيتِ ؛ لما فيها من معنى النقل ؛ إذ لا معنى لذلك. والمَوَاقِيتُ : جمع ميقَاتٍ ؛ رَجَعَتِ الواوُ إلى أصلها ؛ إذ الأصل : موقاتٌ من الوَقْتِ، وإنَّما قلبت ياءً ؛ لكسر ما قبلها، فلمَّا زال موجبه في الجمع، رُدَّت واواً، ولا ينصرف ؛ لأنه بزنة منتهى الجموع. 
فإن قيل : لم صرفت قوارير ؟ قيل لأنَّها فاصلةٌ وقعت في رأس الآية الكريمة فنوِّن، ليجري على طريقة الآيات كما تنوَّن القوافي في مثل قوله :\[ الوافر \]
٩٦٦ - أَقِلِّي اللَّوْمَ، عَاذِلَ، والعتَابَنْ \*\*\*. . . [(٩)](#foonote-٩)
و " المِيقَات " : منتهى الوقت ؛ قال تبارك وتعالى : فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ 
\[ الأعراف : ١٤٢ \] والهلال : ميقات الشَّهر ؛ أي : منتهاه، ومواضع الإحرام : مواقيت الحجِّ ؛ لأنَّها مواضع ينتهى إليها، وقيل : الميقات : الوقت ؛ كالميعاد بمعنى الوعد. 
### فصل في تخصيص المواقيت بالهلال دون الشمس


فإن قيل : لم خصَّ المواقيت بالأهلَّة وأشهرها دون الشمس وأشهرها ؟
فالجواب : أنَّ الأهلَّة وأشهرها، إنَّما جعلت مواقيت للنَّاس، دون الشمس وأشهرها ؛ لأنَّ الأشهر الهلاليَّة يعرفها كُلُّ أحدٍ من الخاصِّ والعامِّ برؤية الهلال ومحاقه ؛ ولذلك عُلِّقت الأحكام الشَّرعيَّة بالشُّهور العربيَّة، كصوم رمضان، وأشهر الحجِّ، وهي شوَّال، وذُو القعدة وذو الحجَّة. والأشهر المنذورة، والكفَّارات، وحول الزَّكاة وأشهر الإجارات والمداينات والسلم، وأشهر الإيلاء، وأشهر العدد، ومدَّة الرَّضاع وما تتحمَّله العاقلة في ثلاث سنين، وغير ذلك ؛ بخلاف الشَّمس، وأشهرها ؛ فإن الشَّمس لا يتغيَّر شكلها بزيادةٍٍ، ولا نقصٍ، ولا يعرف أوَّله وآخره، ولا تختلِفُ رؤيتها، وكذلك أشهرها لا يعرف أوَّلها وآخرها، إلاَّ الخواصُّ من الحُسَّاب، وليس لها مواقيت غير الفصول الأربعة ؛ وهي الصَّيف، والشِّتاء، والرَّبيع، والخريف ؛ ولذلك لا يتعلَّق به حكم شرعيٌّ ؛ فلذلك جعلت الأهلَّة وأشهرها مواقيت للنَّاس، دون الشَّمس. 
### فصل


اعلم أنَّ الله سبحانه ذكر وجه الحكمة في خلق الأهلَّة ؛ فقال تعالى : قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  وذكر هذا المعنى في آية أخرى، وهي قوله تعالى : وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ 
\[ يونس : ٥ \] واعلم أنَّ تقدير الزمان بالشُّهور فيه منافع دينيةٌ، ودنيويةٌ. 
فالدينية : كالصَّوم، والحَجِّ، وعدَّة المتوفَّى عنها زوجها، والنذور المتعلِّقة بالأوقات، وقضاء الصَّوم في أيامٍ لا تُعْلَمُ إلاَّ بالأهلَّة. 
والدنيويَّة : كالمداينات، والإجارات، والمواعيد، ولمدَّة الحمل والرَّضاع. 
قوله :" والحَجِّ " عطفٌ على " النَّاس " قالوا : تقديره : ومواقيتُ الحَجِّ، فحذف الثاني ؛ اكتفاءً بالأوَّل. 
وقيل : فيه إضمارٌ، تقديره : وللحَجَّ كقوله  وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ  \[ البقرة : ٢٣٣ \] أي : لأولادكم. 
ولمَّا كان الحجُّ من أعظم ما تُطْلَبُ مواقيته وأشهره بالأهلَّة، أُفْرِدَ بالذِّكْرِ. 
قال تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ  \[ البقرة : ١٩٧ \]. 
فإن قيل : الصَّوم أيضاً يطلب هلاله ؛ قال عليه الصَّلاة والسَّلام - :" صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ " [(١٠)](#foonote-١٠). 
قلنا : نعم، ولكنَّ الصوم قد يسقط فعله عن الحائض، والنُّفَسَاء، والمُسَافر، ويوقعون قضاءه في غيره من الأشهر ؛ بخلاف الحجِّح فإنَّه إذا لم يصحَّ فعله في وقته، لا يقضى في ١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠٢..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠٢..
٣ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٦٧) وقال: وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس فذكره. وذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/١٠٢-١٠٣)..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٠٣..
٥ - انظر: البحر المحيط ٢/٦٩، الدر المصون ١/ ٤٧٨..
٦ - أبو الهيثم الرازي كان إماما لغويا، أدرك العلماء وأخذ عنهم، وتصدر بالريّ للإفادة-مات سنة ست وسبعين ومائتين. ينظر: البغية ٢/٣٢٩..
٧ - ينظر: البحر المحيط ٢/٦٦، واللسان "هلل" والدر المصون ١/٤٧٩..
٨ - البيت لأبي كبير الهذلي. ينظر: ديوان الهذليين ٢/٩٤، القرطبي ٢/٣٤٢، والدر المصون: ١/٤٧٩..
٩ - هذا صدر بيت لجرير وعجزه:
 وقولي إن أصبت لقد أصابن
 ينظر: ديوانه ٨١٣، وخزانة الأدب ١/٦٩، ٣٣٨، ٣/١٥١، والخصائص ٢/٩٦، وشرح أبيات سيبويه، وسر صناعة الإعراب ص ٤٧١، ٤٧٩، ٤٨٠، والدرر ٥/ ١٧٦، ٢/٢٣٣، ٣٠٩، وشرح الأشموني ١/١٢، وشرح شواهد المغني ٢/٧٦٢، والكتاب ٤/٢٠٥، ٢٠٨، والمقاصد النحوية ١/٩١، وهمع الهوامع ٢/٨٠، ٢١٢، والإنصاف ص ٢٥٥، وجواهر الأدب ١٣٩، ١٤١، وأوضح المسالك ١/١٦، وخزانة الأدب ٧/٤٣٢، ١١/٣٧٤، ورصف المباني ص ٢٩، ٣٥٣، وشرح ابن عقيل ١٧، وشرح عمدة الحافظ ٩٨، وشرح المفصل ٤/١٥، ١٤٥، ٧/٩، ولسان العرب (خنا) والمنصف ١/٢٢٤، ٢/٧٩..
١٠ - أخرجه البخاري (٣/٦٣) كتاب الصوم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم- الخ برقم (١٩٠٩) ومسلم (٣/١٢٤) والنسائي (١/٣٠١) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٢٠٩) والبيهقي (٤/٢٠٥، ٢٠٦) والطيالسي في مسنده (٣٤٨١) وأحمد (٢/٤١٥، ٤٣٠، ٤٥٤، ٤٥٦، ٤٦٩) من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة مرفوعا.
 وأخرجه مسلم (٣/١٢٥) والنسائي (١/٣٠٢) وابن الجارود في "المنتقى" (٣٩٥) والدارقطني (٢٢٩) وأحمد (٢/٢٦٣) والطيالسي (٢٣٠٦) من طرق عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا.
 وأخرجه الترمذي (١/١٣٣) وأحمد (٢/٢٥٩) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..

### الآية 2:190

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [2:190]

قوله تعالى : فِي سَبِيلِ اللَّهِ  متعلَّقٌ ب " قاتلوا " على أحد معنيين : إمَّا أن تقدِّر مضافاً، أي : في نصرةِ سبيلِ الله تعالى، والمرادُ بالسبيلِ : دينُ الله، لأنَّ السبيلَ في الأصل هو الطريقُ، فُتُجوِّزَ به عن الدِّين، لمَّا كان طريقاً إلى الله تعالى روى أبو موسى : أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، ومجَّد، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم - سُئِلَ عمَّن يُقاتِلُ في سبيل الله تعالى، فقال :" مَنْ قاتل ؛ لتكون كلمةُ الله هي العُليا، ولا يُقاتل رياءً ولا سمعةً ؛ وهو في سبيل الله[(١)](#foonote-١) ". 
وإمَّا أن تُضَمِّن " قَاتِلُوا " معنى بالِغوا في القتالِ في نصرةِ دِينِ اللِه تعالى، " والَّذِيِنَ يُقَاتِلُونَكُم " مفعول " قاتلوا ".

### فصل في سياق الآيات


اعلم، أنَّه لمَّا أمر بالتقوى في الآية المتقدِّمة أمر في هذه الآية الكريمة بأشدِّ أقسامِ التقوى، وأشقها على النَّفس، وهو قتلُ أعداء الله تعالى. 
قال الربيع بن أنس : هذه أوَّل آية نزلت في القتال، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وشرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعظَّم - يُقاتلُ مَنْ قاتلهُ، ويَكُفُّ عن قتال منْ لمْ يقاتله إلى أن نزل قوله تعالى : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ  \[ التوبة : ٥ \] قاتلوا، أو لم يقاتلوا[(٢)](#foonote-٢) فصارت الآية منسوخةً بها. 
وقيل : نُسخَ بقوله : اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِين  قريبٌ من سبعين آيةً، وعلى هذا، فقوله :" وَلاَ تَعْتَدُوا " أي : لا تَبْدُءوهم بالقتال، وروي عن أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - أنَّ أوَّل آيةٍ نزلت في القتال قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ  الحج : ٣٩ \] والأوَّل أكثر[(٣)](#foonote-٣). 
وقال ابن عبَّاس وعمر بن عبد العزيز، ومجاهدٌ - رضي الله عنهم - هذه الآية محكمةٌ غير منسوخة ؛ أُمِر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، ومَجَّد، وعَظَّم - بقتال المُقاتلين[(٤)](#foonote-٤). 
ومعنى قوله :" وَلاَ تَعْتَدُوا " أي : لا تقتُلُوا النِّسَاء والصِّبيانَ، والشيخَ الكبير والرُّهبان، ولا من ألقى إليكم السَّلَمَ[(٥)](#foonote-٥) ؛ قاله ابن عبَّاس ومجاهد وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبَّاس : نزلت هذه الآية في صلح الحديبية ؛ وذلك أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - خرج مع أصحابه - رضي الله عنهم - إلى العُمرة وكانوا ألفاً وأربعمائة، فنزَلُوا الحُديبية، وهو موضعٌ كثيرُ الشَّجر، والماء، فصدَّهم المُشركون عن دخول البيت الحرام، فأقامَ شهراً، لا يقدر على ذلك، ثم صالَحُوهُ على أنْ يَرجع ذلك العام، ويرجع إليهم في العام الثَّاني، ويَتْرُكون له مكَّة ثلاثَ أيامٍ، حتَّى يَطوفَ، وَينْحَرَ الهَدْي، ويَفْعَل مَا يَشَاءُ، فرضي الرَّسُولُ - صلواتُ الله وسلامُهُ عليه دائماً أبداً - بذلك، فلمَّا كان العامُ المقبل، تجهَّز رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، ومَجَّد، وعَظَّم - وأصحابه لُعْمرة القضاء، وخافوا ألاَّ تَفِي قريشٌ بما قالوا، وأن يَصُدُّوهم عن البيت، وكره أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالَهُمْ في الشهر الحرام، وفي الحرَم، فأنزل الله تعالى : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  يعنى محرمين  الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  يعني قُرَيْشاً " وَلاَ تَعْتَدُوا " فتَبْدَءوا بالقتالِ في الحَرَمِ محرمين[(٦)](#foonote-٦). 
فصل في اختلافهم في المراد من قوله  الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ 
اختلفُوا في المراد بقوله : الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  : إمَّا على وجه الدَّفع عن الحجِّ، أو على وجه المقاتلة ابتداءً. 
وقيل : قاتلوا كُلَّ مَنْ فيه أهليةٌ للقتالِ سوى جُنحٍ للسَّلم ؛ قال تعالى :
 وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا  \[ الأنفال : ٦١ \]. 
فإن قيل : هب أنه لا نسخ في الآية ؛ فما السَّبب في أنَّ الله تبارك وتعالى أمر أوَّلاً بقتال من يقاتل، ثُمَّ في آخر الأمر، أذن في قتالهم، سواءٌ قاتلوا، أو لم يقاتلوا ؟
فالجواب : أنَّ في أوَّل الأمر كان المسلمون قليلين، وكانت المصحلة تقتضي استعمال الرِّفق، والمجاملة، فلمَّا قوي الإسلام، وكَثُر الجمع، وأقام مَنْ أقام منهم على الشِّرك بعد ظهور المعجزات، وتكرُّرها عليهم، وحصل اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق. 
١ - أخرجه البخاري (١/ ٧١) كتاب العلم باب من سأل وهو قائم رقم (١٢٣)، (٤/٧٦) كتاب الجهاد والسير باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا رقم (٢٨١٠)، (٤/٩٠) كتاب الخمس باب من قاتل للمغنم رقم (٣١٢٦)، (٩/٢٤٣) كتاب التفسير باب تفسير (ولقد سبقت كلمتنا) رقم (٧٤٥٨) ومسلم كتاب الإمارة رقم (١٤٩، ١٥٠، ١٥١) والترمذي (١٦٤٦) وأبو داود كتاب الجهاد باب ٢٥ والنسائي (٦/٢٣) وابن ماجه (٢/ ٩٣١) رقم (٢٧٨٣) وأحمد (٤/٣٩٢، ٣٩٧، ٤٠٢، ٤٠٥، ٤١٧) والبيهقي (٩/ ١٦٧-١٦٨) والحاكم (٢/١٠٩) وعبد الرزاق (٩٥٦٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/١٢٨) وانظر الترغيب والترهيب للمنذري (٢/ ٢٩٦) وكنز العمال (١٠٤٩٣)..
٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٥٦١-٥٦٢) عن الربيع بن أنس..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/٢٣٢..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٥٦٢) عن عمر بن عبد العزيز وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٠) وعزاه لوكيع وابن أبي شيبة..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٦٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٠) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس وأخرجه الطبري أيضا (٣/٥٦٣) عن عدي بن أرطأة وعن مجاهد مثله..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٥٧٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٢) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن أبي العالية..

### الآية 2:191

> ﻿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [2:191]

قوله تعالى : حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم  \[ البقرة : ١٩١ \] " حيث " منصوبٌ بقوله :" اقْتُلُوهُم " و " ثِقِفْتُمُوهُم " في محلِّ خفضٍ بالظرف، و " ثَقِفْتُمُوهُمْ " أي : ظَفِرْتُمْ بهم، ومنه :" رَجُلٌ ثَقِيفٌ " : أي سريعُ الأخذ لأقرانه، قال \[ الوافر \]

٩٦٨ - فَإِمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي  فَمَنْ أَثْقَفْ فَلَيْسَ إِلَى خُلُودِ[(٧)](#foonote-٧)وثَقِفَ الشَّيْء ثقافةً، إذا حذقهُ، ومنه الثَّقافةُ بالسَّيف، وثَقِفْتُ الشَّيْء قومَّتُه، ومنه الرماحُ المثقَّفة ؛ قال القائلُ :\[ الطويل \]٩٦٩ - ذَكَرْتُكِ وَالْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَا  وَقَدْ نَهِلَتْ مِنَّا الْمُثَقَّفَةُ السُّمْرُ[(٨)](#foonote-٨)ويقالُ : ثَقِف يَثْقَفُ ثَقْفاً وثَقَفاً ورجلٌ ثَقِف لَقفٌ، إذا كان محكِماً لما يتناوله من الأمور. 
قال القرطبي[(٩)](#foonote-٩) : وفي هذا دليلٌ على قتل الأسير. 
قوله :" مِنْ حَيْثُ " متعلِّقٌ بما قبله، وقد تُصُرِّفَ في " حَيْثُ " بجَرِّها ب " مِنْ " كما جُرَّت ب " اليَاءِ " و " في " وبإضافة " لَدَى " إليها، و " أَخْرَجُوكُمْ " في محلِّ جرٍّ بإضافتها إليه، ولم يذكر " لِلْفِتْنَة " ولا " لِلْقَتْلِ " - وهُما مصدران - فاعلاً ولا مفعولاً ؛ إذ المرادُ إذا وُجِدَ هذان، من أيِّ شخص كان بأَيِّ شخصٍ كان، وقد تقدَّم أنه يجوز حذف الفاعل مع المصدر. 
### فصل فيما قيل في النسخ بهذه الآية


هذا الخطابُ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - وأصحابه يعني اقتلوهم، حيثُ أبصَرْتُم مقاتِلَتَهُمْ وتمكَّنْتُم منْ قتلهم، حيث كانوا في الحلِّ، أو الحرم، وفي الشَّهر الحرام  وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ  وذلك أنَّهم أخرجوا المسلمين من مكّة ؛ فقال : أخرجوهم مِنْ ديارهم كما أخرجوكم من دياركم، ويحتمل أنَّه أراد كما أخرجوكم من موضعكم الذي كنتم فيه وهو " مكة " ويحتمل أنه أراد كما أخرجوكم مِنْ مَنَازِلكُم، ففي الآية الأولى : أمرٌ بقتالهم ؛ بشرط إقدامهم على المقاتلة، وفي هذه الآية : زاد في التكليف، وأَمَرَ بقتالهم، سواءٌ قاتَلُوا، أو لم يُقَاتِلُوا، واستثنى \[ عنه \] المقاتلة عند المَسْجد الحَرَام، ونقل عن مقاتل[(١٠)](#foonote-١٠) أنه قال : إنَّ قولهُ  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  منسوخٌ بقوله  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  \[ البقرة : ١٩٣ \] قال ابن الخطيب[(١١)](#foonote-١١) : وهذا ضعيفٌ، فإنَّ الآية الأولى دالَّةٌ على الأمر بقتال مَنْ يقاتلنا، وهذا الحُكمُ لم ينسخ، وأمَّا أنَّها دالَّةٌ على المَنْع من قتال مَنْ لم يقاتل، فهذا غير مسلَّم، مع ما نقل عن الرَّبيع بن أنس. وأما قوله : إنَّ هذه الآية، هي قوله تبارك وتعالى  وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  منسوخة بقوله تعالى  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  فهو خطأ أيضاً ؛ لأنَّه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكمُ غير منسوخ. 
قوله  وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ  فيه وجوه :
أحدها : نقل ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنّ الفتنة هي الكُفر[(١٢)](#foonote-١٢). 
وروي أنَّ بعض الصحابة قتل رجُلاً من الكُفَّار في الشَّهر الحَرَام، فعابه المؤمِنُون على ذلك، فنزلت هذه الآية الكريمة، والمعنى[(١٣)](#foonote-١٣) : أنَّ كفرهم أشدُّ من قتلهم في الحرم والإحرام. 
وثانيها : أن الفتنة أصلها عرض الذَّهب على النَّار ؛ لاستخلاصه من الغِشِّ، ثُمَّ صار اسماً لكُلِّ ما كان سبَباً للامتحان ؛ تشبيهاً بهذا الأصل، والمعنى : أنَّ إقْدَامَ الكُفَّار على الكُفْر، وعلى تخويف المؤمنين، وإلجائهم إلى ترك الأهلِ، والوَطن ؛ هرباً من إضلال الكُفَّار، فإنَّ هذه الفتنة الَّتي جُعِلت للمؤمنين أشَدُّ من القتل الذي يقتضي التَّخليص من غموم الدُّنيا وآفاتها. 
وثالثها : أنَّ الفتنة هي العذاب الدَّائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل : اقتُلُوهُم حيثُ ثَقِفْتُمُوهم، واعلَمُوا أن وراءَ ذلك مِنَ العذابِ ما هو أشدُّ منه وإطلاقُ اسم الفتنة على العذاب جائزٌ ؛ وذلك من باب إطلاق اسم السَّبب على المُسَبَّب، قال تبارك وتعالى : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ  \[ الذاريات : ١٣ \] ثم قال عقيبه
 ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ  \[ الذاريات : ١٤ \] أي عذابكم  إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  \[ البروج : ١٠ \] أي عذّبوهم وقال  فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ  \[ العنكبوت : ١٠ \] أي : عذابهم كعذابه. 
ورابعها : أنَّ المراد :" فتنتهم إيَّاكُمْ بَصدِّكُمْ عن المسجد الحرام أشدُّ من قتلِكُمْ إيَّاهُمْ في الحرم ". 
وخامسها : أن الردَّة أشدُ من أن يُقْتَلُوا بحقٍّ، والمعنى : أخروجهم منْ حيثُ أخرجوكُمْ، ولَو قُتِلْتُمْ، فإنَّكم إن قُتِلْتُم، وأنتم على الحقِّ، كان ذلك أسهل عليكُم من أنْ ترتدُّوا عن دِينكُمْ، أو تتكاسلوا عن طاعة ربِّكم. 
قوله :" وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ " قرأ الجمهورُ الأفعالَ الثلاثة :" ولا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ، فإنْ قَاتَلُوكُمْ " بالألف من القتال، وقرأها[(١٤)](#foonote-١٤) حمزة، والكسائيُّ من غير ألف من القَتل وهو المُصحف بغير ألف، وإنما كُتِبَت كذلك ؛ للإيجاز ؛ كما كَتَبُوا الرَّحمن بغير ألف، وما أشبه ذلك مِنْ حروف المَدِّ واللِّين. 
فأما قراءة الجمْهُور فواضحةٌ ؛ لأنها نَهْيٌ عن مقدِّمات القتل ؛ فدلالتها على النَّهي عن القَتْل بطريقِ الأَولى، وأمَّا قراءةُ الأخوين، ففيها تأويلان :
أحدهما : أن يكون المجازُ في الفعل، أي : ولا تَقْتلُوا بَعْضَهُمْ ؛ حَتَّى يَقْتُلُوا بَعْضَكُمْ ؛ ومنه  قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ  \[ آل عمران : ١٤٦ \] ثم قال " فَمَا وَهَنُوا " أي ما وَهَن مَنْ بَقِيَ منْهُمْ، وقال الشاعر :\[ المتقارب \]٩٧٠ - فَإِنْ تَقْتُلُونَا نُقَتِّلْكُمُ  وإن تَقْصِدُوا لِدَمٍ نَقْصِدِ[(١٥)](#foonote-١٥)أي : فإنْ تَقْتُلُوا بعضنا. يروى أن الأعمش قال لحمزة، أرأيت قراءتك، إذا صار الرجُلُ مَقْتُولاً، فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره ؟ !
قال حمزة : إنَّ العَرَبَ، إذا قُتِلَ منهُم رجلٌ قالوا : قتلنا، وإذا ضَرِبَ منهُم رجلٌ، قالُوا ضُرِبنا[(١٦)](#foonote-١٦) وأجمعوا على " فَاقْتُلُوهُمْ " أنَّه من القتل، وفيه بشارةٌ بأنَّهم، إذا فعلوا ذلك، فإنهم مُتَمَكِّنون منهُمْ بحيثُ إنكم أُمِرْتُم بقتلهم، لا بقتالهم ؛ لنُصْرتِكُمْ عليهم، وخذْلانِهِمْ ؛ وهي تؤيِّدُ قراءةَ الأخوينِ، ويؤيِّدُ قراءة الجمهور : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 
و " عِنْدَ " منصوبٌ بالفعل قبله، و " حَتَّى " متعلقةٌ به أيضاً غايةٌ له، بمعنى " إلى " والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار " أَنْ " والضميرُ في " فِيهِ " يعودُ على " عِنْدَ " إذ ضميرُ الظرفِ لا يتعدَّى إليه الفعلُ إلاَّ ب " فِي " ؛ لأنَّ الضميرَ يَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها، وأصلُ الظرفِ على إضمارِ " في " اللهم إلا أَنْ يُتَوَسَّعَ في الظرفِ، فيتعدَّى الفعلُ إلى ضميره مِنْ غير " في " ولا يُقالُ :" الظَّرْف غيْرُ المُتَصرِّف لا يتوسَّع فيه "، فيتعدَّى إليه الفعلُ، فضميرُهُ بطريق الأولى ؛ لأنَّ ضمير الظَّرف ليس حكمه حكمَ ظاهره ؛ ألا ترى أنَّ ضميره يُجَرُّ ب " في " وإن كان ظاهرُه لا يجوزُ ذلك فيه، ولا بدَّ مِنْ حذفٍ في قوله : فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ  أي : فإنْ قاتلُوكُم فيه، فاقتلوهم فيه، فَحَذَفَ لدلالةِ السِّيَاق عليه. 
### فصل


وهذا بيان بشرط كيفيَّة قتالهم في هذه البقعة خاصَّة، وكان مِنْ قبلُ شرطاً في كلِّ قتالٍ وفي الأشهر الحرم ؛ وقد تمسَّك به الحنفيَّةُ في قتل الملتجئ إلى الحرم، وقالوا : لمَّا لم يجز القتل عند المسجد الحرام ؛ بسبب جناية الكفر فبأن لا يجوز القتلُ في المسجد الحرام بسبب الذَّنب الذي هو دون الكُفر أولى. 
قوله :" كَذَلِكَ جَزَاءُ " فيه وجهان :
أحدهما : أنَّ الكافر في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و " جَزَاءُ الكَافِرِينَ " خبرُه، أي : مِثْلُ ذَلِكَ الجَزَاءِ جَزَاؤُهُمْ، وهذا عند مَنْ يرى أن الكاف اسمٌ مطلقاً، وهو مذهبُ الأخفش. 
والثاني : أن يكونَ " كَذَلَكَ " خبراً مقدَّماً، و " جَزَاءٌ " مبتدأً مؤخَّراً، والمعنى : جزاءُ الكافرين مثلُ ذلك الجَزَاءِ، وهو القتلُ، و " جَزَاءُ " مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، أي : جزاءُ اللَّهِ الكافرين، وأجاز أبو البقاء[(١٧)](#foonote-١٧) أان يكونَ " الكَافِرِينَ " مرفوع المحلِّ على أن المصدر مقدَّرٌ من فِعْل مبنيٍّ للمفعول، تقديرُه : كذلك يُجْزَى الكافِرُون، وقد تقدَّم لنا الخلافُ في ذلك.

### الآية 2:192

> ﻿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:192]

قوله تعالى : فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  أي : لهم. ومتعلق الانتهاء محذوفٌ أي : عن القتال، و " انْتَهَى " " افْتَعَلَ " من النَّهي، وأصلُ " انْتَهَوا " " انْتَهَيُوا " فاسْتُثْقِلَت الضَّمةُ على الياء ؛ فحُذِفَتْ فالتقى ساكنان ؛ فَحُذِفت الياءُ ؛ لالتقاء الساكنين، أو تقول : تَحَرَّكَتِ الياء، وانفتحَ ما قبلها ؛ فَقُلِبَتْ ألفاً ؛ فالتقى ساكنان ؛ فَحُذِفَتِ الألفُ، وبقِيت الفتحة تَدُلُّ عليها.

### فصل في اختلافهم في متعلِّق الانتهاء


هذا البيانُ لبقاء هذا الشَّرط في قتالهم قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - فإن انتهوا عن القتال[(١٨)](#foonote-١٨) ؛ لأنَّ المقصُود من الإذن في القتال منعُ الكُفّار عن المُقاتلة. 
وقال الحسنُ : فإن انتهوا عن الشِّرك[(١٩)](#foonote-١٩) ؛ لأنَّ الكَافِرَ لا يَنَالُ المغفرة والرَّحمة بترك القتال، بل بترك الكُفرِ. 
### فصل في دلالة الآية على قبول التَّوبة من كلِّ ذنب


دلَّت الآية على أنَّ التوبة مِنْ كُلِّ ذنبٍ مقبولةٌ ومَنْ قال : إنَّ التوبة عن قتل العَمْد غيرُ مقبولةٍ، فقد أخطأ ؛ لأنَّ الشركَ أشدُّ من القتل، فإذا قَبِلَ الله توبة الكافِرِ، فقبُولُ توبة القاتل أولى، وأيضاً فقد يكُونُ الكافِرُ قاتلاً، فقد انضمَّ إلى كُفره قَتْلُ العَمْد والآيَةُ دلَّت على قبُول توبة كلِّ كافِرٍ، فدلَّ على أنَّ توبتَهُ، إذا كان قاتِلاً مقبولةٌ ؛ قال تعالى : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  \[ الأنفال : ٣٨ \].

### الآية 2:193

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [2:193]

قوله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  يجوزُ في " حَتَّى " أن تكونَ بمعنى " كَيْ " وهو الظاهرُ، وأن تكونَ بمعنى " إِلَى " و " أَنْ " مضمرةٌ بعدَها في الحالين، و " تَكُونَ " هنا تامةٌ، و " فِتْنَةٌ " فاعلٌ بها، وأمَّا  وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ  فيجوزُ أن تكون تامَّةً أيضاً، وهو الظاهرُ، ويتعلَّقُ " اللَّهِ " بها، وأن تكونَ ناقصةً و " لِلَّهِ " الخبَر ؛ فيتعلَّق بمحذوف أي : كائناً لله تعالى.

### فصل في المراد بالفتنة


قيل : المراد بالفتنة الشِّرك والكُفر ؛ قالوا : كانت فتنتهُم أنَّهُم كانوا يُرهِبُون أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - بمكة، حتى ذهبوا إلى الحبشة، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء ؛ حتى ذهبوا إلى المدينة، وكان غرضَهُمُ من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهُم، ويرجِعُوا كُفَّاراً، فأنزل الله - تبارك وتعالى - هذه الآية[(٢٠)](#foonote-٢٠)، والمعنى : قاتِلُوهُم حتَّى تَظهروا عليهم ؛ فلا يفتِنُوكُم عن دِينِكُمْ، ولا تَقَعوا في الشِّرك  وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ  أي : الطَّاعة، والعبادةُ للَّه وحده ؛ لا يُعبدُ شيءٌ دونه ونظيره قوله تعالى : تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  \[ الفتح : ١٦ \] قال نافع : جاء رجلٌ إلى ابن عُمَرَ في فتنةِ ابن الزُّبير فقال ما يمنعُكَ أنْ تخرج ؟ فقال : يَمنعُني أنَّ اللَّهَ حرَّمَ دم أخِي ؛ ألاَّ تَسْمَعُ ما ذكر اللَّهُ تعالى :
 وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ  \[ الحجرات : ٩ \] قال : يا ابن أخي ولأن أعتبر بهذه الآية، ولا أقاتل أحبُّ لي من أن أعتبر بالآية الأخرى الَّتي يقُولُ الله - عزَّ وجلَّ – فيها  وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً  \[ النساء : ٩٣ \] قال ألم يقُل الله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ؟ قال : قَدْ فعلنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، ومَجَّد، وعَظَّم - إذْ كان الإسلامُ قليلاً، وكان الرَّجُلُ يُفْتَنُ عن دينه، إما يقتُلُونه، أو يُعَذِّبونه، حى كثُر الإسلام، فلن تكُن فتنة وكان الدِّينُ للَّه، وأنُتُم تُرِيدُون أنْ تُقَاتِلُوهم، حتَّى تكُون فتنَة، ويَكُونُ الدِّين لغيْرِ الله[(٢١)](#foonote-٢١). 
وعن سعيد بن جبير، قال : قال رجلٌ لابن عمر كيف ترى في قتال الفتنة ؟ فقال : هل تدري ما الفتنة ؟ ! كان محمَّدٌ صلواتُ الله وسلامُهُ عَلْيهِ يُقاتل المُشرِكين، وكانَ الدُّخُولُ عليهم فِتْنَةً، وليس قتالكُم كقتالهم على المُلكِ. 
### فصل في معاني الفتنة في القرآن


قال أبو العبَّاس المُقِري : ورد لفظ الفتنَة في القرآن بإزاء سبعة معانٍ : الأول : الفتنة : الكُفر ؛ قال تعالى : فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ  \[ آل عمران : ٧ \] يعني : طلب الكُفْر. 
الثاني : الفتنة الصرف قال تعالى : وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ 
\[ المائدة : ٤٩ \]. 
الثالث : الفتنة : البلاء ؛ قال تعالى  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ 
\[ العنكبوت : ٣ \]. 
الرابع : الفتنةُ : الإحْرَاقُ ؛ قال تعالى  إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ 
\[ البروج : ١٠ \]، أي : حَرَّقُوهم ؛ ومثله  يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ 
\[ الذاريات : ١٣ \]. 
الخامس : الفتنة الاعتذارُ قال تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ 
\[ الأنعام : ٢٣ \]. 
السادس : الفتنة : القَتل، قال تعالى : إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ  \[ النساء : ١٠١ \]، أي : يَقْتُلُوكم. 
السابع : الفتنَة : العذَابُ ؛ قال تعالى : جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ 
\[ العنكبوت : ١٠ \]. 
قوله " فَإِن انْتَهوا "، أي : عن الكُفر وأسلَمُوا، " فَلاَ عُدوَانَ " أي : فلا سبيل  إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ  قاله ابن عبَّاس، ويدلُّ عليه قوله تعالى : قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ  \[ القصص : ٢٨ \]، أي : فلا سبيل[(٢٢)](#foonote-٢٢) عليَّ، وقال أهلُ المعاني العدوان : الظُّلم، أي : فإنْ أسْلَمُوا، فلا نهب، ولا أسر، ولا قتْل إلاَّ على الظالمين الَّذين بَقُوا على الشِّرك ؛ قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  \[ لقمان : ١٣ \] وسَمَّى قتل الكُفَّار عُدواناً، وهو في نفسه حقٌّ، لأنَّه جزاءٌ عن العُدْوان ؛ على طريق المجاز، والمقابلة ؛ لقوله  فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ 
\[ البقرة : ١٩٤ \]، و وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  \[ الشورى : ٤٠ \]
 وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ  \[ آل عمران : ٥٤ \]  فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ  \[ التوبة : ٧٩ \]. 
وقيل : معنى الآية الكريمة إن تَعَرَّضْتم لهُمْ بعد انتهائهم عن الشِّرك والقتال، كنتم أنْتُم ظالمينَ، فنسلِّط عليكم مَنْ يَعتدِي عليْكُم. 
قوله : إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ  في محلِّ رفع خبر " لا " التبرئة، ويجوزُ أن يكون خبرُها محذوفاً، تقديرُه : لا عُدْوَانَ على أحد ؛ فيكونُ  إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ  بدلاً على إعادةِ العامل، وهذا الجملةُ، وإنْ كانَت بصورة النَّفي، فهي في معنى النَّهي ؛ لئلا يلزَم الخُلْفُ في خبره تعالى والعربُ إذا بالَغَتْ في النهي عن الشيء، أبْرَزَتْهُ في صورةِ النفي المَحْضِ ؛ كأنه ينبغي ألاَّ يوجدَ البتة ؛ فَدَلُّوا على هذا المعنى بما ذكرْتُ لك، وعكسُه في الإِثبات، إذا بَالَغُوا في الأمرِ بالشَّيْء، أبرزُوهُ في صُورة الخَبَر ؛ نحو : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ  \[ البقرة : ٢٣٣ \] على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.

### الآية 2:194

> ﻿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [2:194]

قوله تعالى : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ  مبتدأ، خبرُه الجارُّ بعده، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ، تقديرُه : انتهاكُ حُرْمة الشَّهْر الحرامِ بانتهاكِ حرمةِ الشهرِ، والألفُ واللامُ في الشَّهْر الأوَّل والثَّاني لِلْعهَد ؛ لأنَّهما معلومان عند المخاطبين ؛ فإنَّ الأولَ ذُو القَعْدَةِ من سنة سَبْع، والثاني من سنة سَتٍّ. 
وقرئ[(١)](#foonote-١). " والحُرْمَات " بسكون الراء، ويُعْزَى للحسن وقد تقدَّم عند قوله  فِي ظُلُمَاتٍ  \[ البقرة : ١٧ \] أنَّ جمعَ " فُعْلَةٍ " بشروطِها يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه : هذان الاثنانِ، وفَتْحُ العين.

### فصل في بيان سبب النُّزول


**في سبب نزول الآية ثلاثة أوجه :**
أحدها : قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ، والضَّحَّاك - رضي الله عنهم - أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم، وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - خرج عام الحُديبية لِلْعُمرة، وذلك في ذي القعدة سنة ستٍّ مِنَ الهجرة، فصدَّه أهلُ مكة عَنْ ذلك ثُمَّ صالحُوه أنْ ينصرف، ويعودَ في العام القابل ؛ ويتركُوا له " مكَّةَ " ثلاثة أيَّام ؛ حتَّى يقضي عُمْرَتَهُ فانصرَفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - عامهُ ذلك، ورجع في العام القابل في ذي القعدة سنَة سبعٍ، ودَخَل مَكَّة، واعتَمر ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية الكريمة يعني إنَّك دخلت مكَّة في الشهر الحرام، والقومُ كانُوا صَدُّوكَ في السنةِ الماضية في هذا الشَّهر ؛ فهذا الشهر الحرامُ ؛ بذلك الشهرِ الحرامِ[(٢)](#foonote-٢). 
وثانيها : قال الحسن : إنَّ الكُفَّار سَمِعُوا أنَّ الله تعالى نهى الرسُولَ - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن المقاتلة في الأشهر الحُرُم ؛ وهو قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ  \[ البقرة : ٢١٧ \] فأرادوا مقاتلته، وظنُّوا أنَّهُ لا يُقاتلهم في الأشهر الحُرُم ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى في هذه الآية ؛ لبيان الحُكم في هذه الواقعة فقال : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ  أي من استحلَّ قتالكم من المشركين من الشَّهر الحرام، فاستحلّوه أنتم فيه[(٣)](#foonote-٣). 
وثالثها : قال بعضُ المتكلِّمين[(٤)](#foonote-٤) : هو أنَّ الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله، فكيف يمنعنا عن قتالكم ؟ فالشهر الحرام من جانبنا مقابل الشهر الحرام جانبكم ؛ والحاصل في هذه الوجوه : أنَّ حرمة الشَّهر الحرام لما لم تمنعهُم عن الكفر، والأفعالِ القبيحة، فكيف جعلوه سبباً في منع القتالِ على الكفر والفساد ؟ !
قوله :" والحرمات قصاصٌ " الحرماتُ : جمع حرمة ؛ كظلمات جمع ظلمة، وحجرات جمع حجرة، الحرمة ما منع من انتهاكه، وجمعها ؛ لأنَّه أراد حُرمة الشَّهر الحرامِ والبلد الحرام، وحرمة الإحرام. و " القصاص " : المُساوَاةُ والمُمَاثلة. 
والمعنى على الوجه الأوَّل في النُّزول لمَّا أضاعوا هذه الحُرمات في سنة ستٍّ، فقد قضيتموها على زعمكم في سنة سبع. 
وأما على الثَّاني : فالمراد إن أقدمُوا على مقاتلتكم في الشَّهر الحرام، فقاتلوهم أنتم أيضاً فيه. 
قال الزَّجَّاج[(٥)](#foonote-٥) : وعلم الله بهذه الآية : أنه ليس على المسلمين : أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص والمماثلة، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية الكريمة، وهو قوله تعالى : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ  وبما بعدها ؛ وهو قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ . 
وأما على القول الثالث : فقوله " والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " يعني : حُرمَةُ كلِّ واحدٍ من الشهرين كحرْمة الآخر، وهما مثلان، والقِصاصُ هو المثلُ، ولَمَّا لم يمنعكُم حرمةُ الشَّهر من الكُفْر، والفِتنة، والقِتال، فكيف يمنعُنا عن القتال ؛ فعلى هذا، فقوله :" والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " متَّصلٌ بما قبله. 
وقيل : هو مقطوعٌ منه، وهو ابتداء أمرٍ كان في أوَّل الإسلام : أن من انتهك حُرمتك، نِلتَ منه بمثل ما اعتدى عليك، ثم نُسِخً ذلك بالقتال. 
وقالت[(٦)](#foonote-٦) طائفةٌ : ما تناولت الآية الكريمة من التعدِّي بين أمة محمَّد - عليه الصَّلاة والسَّلام - والجنايات ونحوها - لم يُنسَخْ، وجاز لمن تُعُدِّيَ عليه من مال، أو جرح أن يتعدَّى بمثل ما تُعُدِّي به عليه. 
وقوله  فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ  يجوزُ في " مَنْ " وجهان :
أحدهما : أن تكون شرطيةً، وهو الظاهرُ ؛ فتكونَ الفاء جواباً. 
والثاني : أن تكونَ موصولةً ؛ فتكونَ الفاءُ زائدةً في الخبر، وقد تقدَّم نظيره. 
قوله : بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى  في الباء قولان :
أحدهما : أن تكون غير زائدةٍ، بل تكون معلِّقةً ب " اعْتَدُوا " والمعنى : بعقوبةٍ مثْل جنايةِ اعتدائه. 
والثاني : أنها زائدةٌ، أي : مثل ما اعَْدى به ؛ فتكون : إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي : اعتداءً مماثلاً لاعتدائه، وإمَّا حالاً من المصدر المحذوف، كما هو مذهبُ سيبويه - رحمه الله تعالى - أي : فاعتدوا الاعتداء مُشبِهاً اعتداءُه، و " مَا " يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، فلا تفتقر إلى عائدٍ، وأن تكون موصولةً ؛ فيكون العائدُ محذوفاً، أي : بمثل ما اعتدى عليكُم به، وجاز حذفه ؛ لأنَّ المُضاف إلى الموصول قد جُرَّ بحرفٍ قد جُرَّ به العائدُ، واتَّحد المتعلِّقان وقد تقدَّم معنى تسمية المجازاة بالاعتداء. 
### فصل في اختلافهم في تسمية المكافأة عدواناً


قال القرطبيُّ[(٧)](#foonote-٧) : اختلف النَّاس في المكافأة، هل تُسمَّى عدواناً، أم لا ؟ فمن قال : ليس في القرآن مجازٌ، قال : المقابلة عدوانٌ، وهو عدوانٌ مباحٌ، كما أنَّ المجاز في كلام العرب كذبٌ مباحٌ ؛ لأن قوله :\[ الطويل \]
٩٧١ - فَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةً \*\*\*. . . [(٨)](#foonote-٨)
وقولَهُ :\[ الرجز \]
٩٧٢ - إِمْتَلأَ الحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي[(٩)](#foonote-٩) \*\*\*. . . 
وقوله :\[ الرجز \]
٩٧٣ - شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى[(١٠)](#foonote-١٠) \*\*\*. . . 
ومعلوم أنَّ هذه الأشياء لا تنطق، وحدُ الكَذِب الإخبارُ عن الشَّيء بخلاف ما هو به. 
ومن قال : في القُرآن مجازٌ : سمَّى هذا عُدواناً مجازاً على طريق المُقابلة كقول عمرو بن كلثومٍ :\[ الوافر \]
٩٧٤ - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحدٌ عَلَيْنَا \*\*\* فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا[(١١)](#foonote-١١)
وقول الآخر :\[ الطويل \]
٩٧٥ - ولِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ \*\*\* وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالجَهْلِ مُسْرَجُ
وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجي فَإِنِّي مُعَوَّجُ[(١٢)](#foonote-١٢)
يريد أُكافىءُ الجاهل والمُعوجَّ لا أنَّه امتدح بالجهل والاعوجاج. 
قولُهُ " وَاتَّقُوا " قد تقدَّم معنى " التَّقْوَى ". 
وقولُهُ : وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ، أي : بالمعونَةِ، والنُّصرة، والحِفظ، وهذا من أقوى الدَّلائل على أنَّه ليس بجسمٍ، ولا في مكانٍ، إذ لو كان جسماً، لكان في مكانٍ معيَّن ؛ فكان إمَّا أن يكون مع أحدٍ منهم، ولم يكن مع الآخر، أو يكون مع كُلِّ واحدٍ من المُتَّقين جزءُ من أجزائهِ، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً. 
١ - قرأ بها الحسن. انظر: المحرر الوجيز ١/٢٦٤، والبحر المحيط ٢/٧٧، والدر المصون: ١/٤٨١، والشواذ ١٢، وإتحاف ١/٤٣٣..
٢ - تقدم..
٣ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" ٥/١١٤..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٤..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٥..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٢٣٧..
٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/٢٣٧-٢٣٨..
٨ - ينظر: القرطبي ٢/ ٢٣٨..
٩ - البيت من الرجز الذي لا يعرف قائله وبعده:
 مهلا رويدا قد ملأت بطني
 ينظر: شرح المفصل ١/٨٢، ٢/١٣١، والخصائص ١/٢٣، ورصف المباني ص ٣٦٢، تخليص الشواهد ص ١١١، أمالي المرتضى ٢/٣٠٩، الإنصاف ص ١٣٠، إصلاح المنطق ص ٥٧، جواهر الأدب ص ١٥١، سمط اللآلي ص ٤٧٥، شرح الأشموني ١/٥٧، كتاب اللامات ص ١٤٠، والمقاصد النحوية ١/ ٣٦١، ولسان العرب (قطط)، (قطن)، والقرطبي ٢/ ٢٣٨..
١٠ - ينظر: القرطبي ٢/٢٣٨..
١١ - تقدم برقم ٢١٤..
١٢ - ينظر: القرطبي ٢/٢٣٨..

### الآية 2:195

> ﻿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [2:195]

اعلم أنَّ تعلُّق هذه الآية الكريمة بما قبلها من وجهين :
الأول : أنَّه تعالى، لمَّا أمرهُ بالقتالِ وهو لا يتيسَّر إلاَّ بآلاتٍ وأدواتٍ يحتاجُ فيها إلى المال، وربَّما كان ذو المالِ عاجزاً عن القتال، وكان الشُّجاع القادرُ على القتال عديم المال فقيراً، فلهذا أمر اللَّهُ تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفُقراء الَّذين يقدرون على القتال[(١)](#foonote-١). 
والثاني : يروى أنَّه لمَّا نزَلَ قولُهُ تعالى : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ  قال رجلٌ من الحاضرين : واللَّهِ، يا رسول الله ما لَنَا زادٌ، وليس أحدُ يُطْعمنَا ؛ فأمر رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم - أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدَّقوا وألاَّ يكفُّوا أيديهم عن الصَّدقة، ولو بشقِّ تمرةٍ تُحملُ في سبيل الله فيهلكوا، فنزلت الآية الكريمة على وفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم[(٢)](#foonote-٢) -. 
واعلم : أنَّ الإنفاقَ هو صرفُ المالِ إلى وجوه المصالحِ ؛ فلذلك لا يُقالُ في المُضَيِّع : إنَّه مُنفقٌ، وإذا قُيِّد الإنفاقُ بذكر " سَبِيلِ اللَّهِ "، فالمرادُ به في طريق الدِّين ؛ لأنَّ السَّبيل هو الطريقُ، وسبيلُ الله هو دينُهُ، فكلُّ ما أمر الله تعالى به من الإنفاق في دينِهِ، فهُوَ داخِلٌ في الآية الكريمة، سواءٌ كان في حجٍّ، أو عُمرةٍ، أو كان جهاداً بالنَّفس أو تجهيزاً للغير أو كان إنفاقاً في صلة الرَّحم، أو في الصَّدقات، أو على القتالِ، أو في الزَّكاةِ، أو الكَفَّارة، أو في عمارة السَّبيل، وغير ذلك، إلاَّ أنَّ الأقربَ في هذه الآية الكريمة ذكرُ الجهاد، فالمرادُ هاهنا الإنفاقُ في الجهاد ؛ لأنَّ هذه الآية الكريمة، إنَّما نزلت وقت ذهاب رسُول الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم - لعُمرة القضاء، وكانت تلك العُمرةُ لا بُدَّ مِنْ أن تُفضي إلى القتالِ، إنْ منَعَهم المُشركُونَ، فكانَتْ عمرةً وجهاداً، فاجتمعَ فيها المعنيانِ ؛ فلا جَرَم، قال تعالى  وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 
قوله تعالى : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ . 
**في هذه الباء ثلاثة أوجه :**
أحدها : أنها زائدةٌ في المفعول به ؛ لأن " أَلْقَى " يتعدَّى بنفسه ؛ قال تبارك وتعالى  فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ  \[ الشعراء : ٤٥ \]، وقال القائل :\[ الكامل \]
٩٧٦ - حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَداً فِي كَافِرٍ \*\*\* وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلاَمُهَا[(٣)](#foonote-٣)
فزيدت الباءُ في المفعول، كما زيدَت في قوله :\[ الطويل \]
٩٧٧ - وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ الْفَتَى اسْتِكَانَةً \*\*\* مِنَ الْجُوعِ وَهْنَاً مَا يُمِرُّ وَمَا يَحْلُو[(٤)](#foonote-٤)
وهذا قولُ أبي عبيدة، وإليه ميلُ الزمخشري، قال :" والمعنى : ولا تُقْبِضُوا التهلُكَةَ أيدِيكُمْ، أي لا تَجْعَلُوها آخِذَةً بأيديكُمْ مالكةً لكُمْ "، إلا أنه مردودٌ بأنَّ زيادة الباء في المفعول به لا تَنقاسُ، إنما جاءت في الضَّرورة ؛ كقوله :\[ البسيط \]
٩٧٨ -. . . \*\*\* سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ[(٥)](#foonote-٥)
الثاني : أنها متعلقةٌ بالفعل غيرُ زائدةٍ، والمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه : ولا تُلْقُوا أنْفُسَكُمْ بأيديكُم، ويكُونُ معناها السَّبَبَ ؛ كقولك : لا تُفْسِد حالك برأيك. 
الثالث : أن يُضمَّن " أَلْقَى " معنى ما يتعدَّى بالباء ؛ فيُعدَّى تعديته، فيكون المفعولُ به في الحقيقة هو المجرور بالباء، تقديره : ولا تُفْضُوا بأيديكُم إلى التَّهْلُكة ؛ كقولك : أَفْضَيْتُ بِجَنْبِي إلى الأرض، أي : طرحتُهُ على الأرض، ويكونُ قد عَبَّرَ بالأيدي عن الأنفس كقوله : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  \[ الحج : ١٠ \]  فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  \[ الشورى : ٣٠ \] لأنَّ بها البَطشَ والحركة، وظاهرُ كلام أبي البقاء[(٦)](#foonote-٦) فيما حكاهُ عن المُبرِّد : أن " ألْقَى " يتعدَّى بالباء أصلاً ك " مَرَرْتُ بزيدٍ "، والأولى حملُهُ على ما ذكرناه. 
والهمزة في " أَلْقَى " لِلْجعل على صفةٍ، نحو : أطْرَدْتُهُ، أي : جعلتُهُ طريداً، الهمزة فيه : ليست للتعدية ؛ لأنَّ الفعل متعدٍّ قبلها، فمعنى " ألقَيْتُ الشيْءَ " : جَعَلْتُه لُقى، فهو " فُعَلٌ " بمعنى " مَفْعُول " ؛ كما أن الطريد " فَعِيلٌ " بمعنى " مَفْعُول " ؛ كأنه قيل : لا تَجْعَلُوا أنفسَكُم لُقى إلى التَّهْلُكَة. والتَّهْلُكَةُ : مصدرٌ بمعنى " الهلاكِ، يُقَالُ : هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً، وهَلاكاً، وهَلْكَاءَ، على وزن فعلاء، ومَهْلِكاً ومَهْلُكَةً، مثلَّث العين، وتَهْلُكَةً، وقال الزمخشري :" ويجوزُ أن يقال : أصلُها التَّهْلِكَةُ ؛ بكسر اللام، كالتَّجْرِبة ؛ على أنه مصدرٌ من هلَّك - يعني بتشديد اللامِ - فَأُبْدلتِ الكسرةُ ضَمَّةً ؛ كالجِوار والجُوار "، وردَّ أبو حيَّان بأنَّ فيه حَمْلاً على شاذٍّ ودَعوى إبدال، لا دليلَ عليها ؛ وذلك أنه أنه جعلَهُ تَفعلةً بالكسر، مصدرَ " فَعَّلَ " بالتشديد، ومصدرُه، إذا كان صحيحاً غيرَ مهموزٍ على " تَفْعِيل " و " تَفْعِلَةٌ " فيه شاذٌّ، وأمَّا تنظيره له بالجِوَار والجُوَار، فليس بشيء، لأنَّ الضمَّ فيه شاذٌّ، فالأولى أنْ يُقال : إنَّ الضَّمَّ أصلٌ غيرُ مبدلٍ من كسرٍ، وقد حكى سيبويه[(٧)](#foonote-٧) ممَّا جاء من المصادر على ذلك التَّضُرَّة والتَّسُرَّة. 
قال ابن عطيَّة :" وقرأ[(٨)](#foonote-٨) الخليلُ التَّهْلِكَةَ، بكسر اللام، وهي تَفْعِلَةٌ، من هَلَّكَ بتشديد اللام " وهذا يُقَوِّي قول الزمشخري. 
وزعم ثعلبٌ والجارزنجي أنَّ " تَهْلُكَةً " لا نظير لها، وليس كذلك. قال أبو علي : حكى سيبويه التَّضُرَّة والتَّسُرَّة قال :" ولا نعلمُهُ جاء صفةً[(٩)](#foonote-٩) ". 
قال ابن الخطيب[(١٠)](#foonote-١٠) - رحمه الله تعالى - إنّي لأَتَعَجَّبُ كثيراً من تكلُّفات هؤلاء النُّحاة في أمثال هذه المواضع، وذلك أنَّهُم وجدوا نَقلاً عن أعرابيٍّ مجهولٍ يكونُ حجتَّهُم فيه، ففرحُوا به، واتّخَذُوه حجَّةً قويَّةً، ودليلاً قاطِعاً، وقالُوا : قد نُقِلَ هذا عن العرب ؛ فكيف، وقد وَرَدَ هذا في كَلاَمِ الله تعالى المشهُور له مِنْ كُلِّ واحدٍ من المُوافِق والمُخَالف بالفصاحة، وأعجز البُلَغَاء والفُصَحاء، وتحدَّاهم " بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ " و " بِعَشْرِ سُوَرٍ " و " بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " \[ فقال تعالى : قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ[(١١)](#foonote-١١) وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً  \[ الإسراء : ٨٨ \] وقال : قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ 
\[ هود : ١٣ \] وقال في موضع آخر : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  \[ البقرة : ٢٣ \] كيف لا يدلُّ ذلك على صحَّة هذه اللَّفظة، وفصاحتها، واستقامتها. 
والمشهور : أنه لا فرق بين التَّهْلُكَة، والهلاك، وقال قومٌ : التَّهْلُكَةُ : ما أمكن التحرُّز منه، والهلاكُ : ما لا يمكن التحرُّز منه، وقيل : هي نفسُ الشَّيْءِ المُهْلِكِ، وقيل : هي ما تضُرُّ عاقبته.

### فصل في اختلافهم في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة


اختلفوا في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التَّهلكة. 
فقال قومٌ : إنَّه راجعٌ إلى نفس النَّفقة[(١٢)](#foonote-١٢). 
وقال آخرون : إنَّه راجعٌ إلى غيرها[(١٣)](#foonote-١٣)، فالأوَّلون ذكروا وجوهاً :
أحدها : قال ابن عبَّاس، وحذيفة، وعطاءٌ، وعكرمةٌ، ومجاهدٌ، والجمهور، وإليه ذهب البُخَارِيُّ - رضي الله عنهم - ولم يذْكُروا غيره : ألاَّ ينفقوا في مهمَّات الجهاد أموالهم ؛ فيستولي العَدُوُّ عليهم، ويهلكهم ؛ فكأنَّه قيل : إن كنت من رجال الدِّين فأنفق مالك في سبيل الله، وفي طلب مرضاته، وإن كانت من رجالِ الدُّنيا، فأنفق مالك في دفع الهلاكِ، والضَّرَر عن نفسِكَ[(١٤)](#foonote-١٤). 
وثانيها : أنه تبارك وتعالى لمَّا أمر بالإنفاق نهى عن نفقة جمع المال ؛ لأنَّ إنفاق الجميع يفضي إلى التَّهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول، والمشروب، والملبوسِ، فيكون المراد منه ما ذكره في قوله سبحانه : وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  \[ الفرقان : ٦٧ \]، وقوله تعالى : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ  \[ الإسراء : ٢٩ \]. 
وقيل : الإلقاءُ في التَّهْلُكَة : هو السَّفر إلى الجهاد بغَيْر زادٍ، نقله القُرْطُبيُّ عن زَيْد ابْنِ أَسْلَمَ[(١٥)](#foonote-١٥)، وقد فعل ذلك قومٌ، فانقطعوا في الطَّريق. 
وأما القائلون : بأنَّ المراد منه غير النَّفقة، فذكروا وجوهاً :
أحدها : أن يخلُّوا بالجهاد، فيتعرَّضوا للهَلاَكِ الذي هو عذابُ النار. 
ثانيها : لا تقتحموا في الحَرْبِ بحَيْثُ لا تَرْجُونَ إلاَّ قَتْلَ أنْفُسِكُمْ، فإنَّ قَتْلَ الإنْسانِ نَفْسَه لا يَحِلُّ، وإنما يجب الاقتحام إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأمَّا إذا كان آيساً من النِّكاية، وكان الأغلب أنَّه مقتولٌ، فليس له الإقدام عليه، وهذا منقولٌ عن البَرَاءِ ابن عازب[(١٦)](#foonote-١٦)، ونقل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه قال في هذا : هو رجُلٌ يتنقّل بين الصفينِ[(١٧)](#foonote-١٧). وطعن بعضهم في هذا التَّأوِيل ؛ وقال : هذا القتلُ غير محرمٍ، واحتجَّ بأَحَادِيثَ. 
الأول : روي أنَّ رجلاً من المهاجرين حمل على صَفِّ العدوِّ ؛ فصاح به الناس ؛ فألقى بيده إلى التَّهلكة ؛ فقال أبو أيُّوبٍ الأنصاريّ : نحنُ أعلم بهذه الآية الكريمة، وإنما نزلت فينا : صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه وشهدنا المشاهد، فلما قويَ الإسلام ؛ وكثر أهله ؛ رجعنا إلى أهالينا، وأموالنا، ومصالحنا ؛ فنزلت الآية، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل، والمال، وترك الجهاد[(١٨)](#foonote-١٨). فما زال أبو أيوبٍ مجاهداً في سبيل الله ؛ حتَّى كان آخر غزاة غزاها بقسطنطينيّة في زمن معاوية، فتوفِّي هناك، ودُفن في أصل سور القسطنطينية، وهم يُسْتَسْقَوْنَ به[(١٩)](#foonote-١٩). 
ورُوِيَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنَّة ؛ فقال له رجل من الأنصار : أرأيت يا رسول الله، إن قتلت صابراً محتسباً ؟ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - " لك الجنة " ؛ فانغمس في العدوِّ ؛ فقتلوه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وأنَّ رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه، حين ذكر رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه دائماً أبداً - الجنة. 
ورُوِيَ أنَّ رجلاً من الأنصار تخلَّف عن بني معاوية، فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه ؛ فقال لبعض من معه : سأتقدم إلى العدوِّح فيقتلونني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ذلك ؛ فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولاً حسناً[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وروي أنَّ قوماً حاصروا حصناً ؛ فقاتل رجلٌ حتى قتل ؛ فقيل : ألقى بيده إلى التَّهلكة، فبلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذلك ؛ ١ - - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٥..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٥..
٣ - البيت للبيد. ينظر: ديوانه ٣١٦، والبحر المحيط ٢/٧٩، والدر المصون ١/ ٤٨٣..
٤ - البيت من شواهد البحر (٢/ ٧٩) الدر المصون (١/٤٨٣) ولم نعثر له على قائل إلا أن في ديوان زهير ٨٣ قوله:
 وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا \*\*\* على صير أمر ما يُمِرُّ وما يحلو..
٥ - تقدم..
٦ - ينظر: الإملاء ١/٨٥..
٧ - ينظر: الكتاب ٢/ ٣٢٧..
٨ - انظر: المحرر الوجيز ١/٢٦٥، والدر المصون ١/٤٨٣..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٦..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٦..
١١ -سقط في ب..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٦..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٦..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٦..
١٥ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/٢٤٢..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٧..
١٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٧..
١٨ - أخرجه أبو داود (٢٥١٢) والترمذي (٤/ ٧٢- ٧٣) والحاكم (٢/ ٢٧٥) والطيالسي في "مسنده" (٥٩٩) والطبري في "تفسيره" (٣/٥٩١-٥٩٢) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٤-٣٧٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبراني وأبي يعلى..
١٩ -ينظر تفسير البغوي ١/١٦٤-١٦٥..
٢٠ - انظر: "التفسير الكبير" للفخر الرازب (٥/١١٧)..

### الآية 2:196

> ﻿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:196]

الحجُّ : في اللغة عبارةُ عن القصد، وإنما يقال حجَّ فلانٌ الشيء، إذا قصده مرَّةً بعد أخرى، وأدام الاختلاف إليه، و " الحِجَّةُ " بكسر الحاء : السَّنة، وإنما قيل لها حِجَّةٌ ؛ لأن الناس يحجُّون في كل سنةٍ، وفي الشرع : هو اسمٌ لأفعال مخصوصة يشتمل على أركانٍ، وواجباتٍ، وسُننٍ. 
فالركن : ما لا يحصل التحلُّل إلاَّ بالإتيان به، والواجب هو الذي إذا تركه يجبر بالدم، والسُّنن : ما لا يجب بتركها شيءٌ، وكذلك أفعال العمرة. 
وقرأ نافعٌ[(١)](#foonote-١)، وأبو عَمْرٍو، وابنُ كثير، وأبو بكر، عن عاصمٍ رحمة الله تعالى عليهم :" الحَجُّ " بفتحِ الحاءِ في كلِّ القرآن الكريم، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ حمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ، عن عاصمٍ : بالكسر في كلِّ القرآن. 
قال الكسائيُّ : وهما لغتان بمعنى واحدٍ ؛ كرِطلٍ ورَطلٍ، وكِسر البيت، وكَسره، وقيل : بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. 
وقرأ علقمة[(٢)](#foonote-٢)، وإبراهيم النَّخعيُّ :" وأقِيمُوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ " وفي مصحف ابن مسعودٍ[(٣)](#foonote-٣) :" وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ إلى البَيت " وروي عنه : وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت، وفائدة التخصيص بقوله :" لِلَّهِ " - هنا - أنَّ العرب كانت تقصد الحج للاجتماع، والتظاهر، وحضور الأسواق ؛ وكلُّ ذلك ليس لِلَه فيه طاعةٌ، ولا قربةٌ ؛ فأمر الله تعالى بالقصد إليه لأداء فرضه، وقضاء حقِّه. 
والجمهور على نصب " العُمْرَةَ " على العطف على ما قبلها، و " لِلَّهِ " متعلقٌ بأتِمُّوا، واللام لام المفعول من أجله. ويجوز أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من الحجِّ والعمرة، تقديره : أتمُّوها كائنين لله. وقرأ[(٤)](#foonote-٤) عليٌّ وابن مسعودٍ، وزيد بن ثابت، والشعبيّ :" والعُمْرَةُ " بالرفع عل الابتداء. و " لله " الخبر، على أنها جملة مستأنفةٌ. 
قال ابن عباسٍ، وعلقمة، وإبراهيم النخعي : إتمام الحجِّ والعمرة : أن يتمَّهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما[(٥)](#foonote-٥). 
وقال سعيدُ بن جبيرٍ، وطاوس[(٦)](#foonote-٦) : تمام الحجِّ والعمرة : أن تحرم بهما مفردين مستأنفين من دويرية أهلك. 
ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً[(٧)](#foonote-٧). 
وقال عليُّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعودٍ - رضي الله عنهما - : تمام الحجِّ والعمرة : أن تحرم بهما من دويرية أهلك[(٨)](#foonote-٨). 
وقال قتادة : تمام العمرة أن تُعْمِرَ في غير أشهر الحجِّ، فإن فعلها في أشهر الحج، ثم أقام حتى حجَّ ؛ فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجده، أو الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلِّها بحيث لا يلزمه دمٌ، بسبب قرانٍ، ولا متعةٍ[(٩)](#foonote-٩). 
وقال الضحاك : إتمامهما : أن تكون النفقة حلالاً، وينتهي عما نهى الله عنه[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال سفيان الثوري : إتمامها : أن تخرج[(١١)](#foonote-١١) من أهلك لهما ؛ لا لتجارةٍ، ولا لحاجةٍ أخرى[(١٢)](#foonote-١٢). 
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الوفد كثيرٌ، والحاجُ قليلٌ[(١٣)](#foonote-١٣).

### فصل في اختلافهم في وجوب العمرة


اتَّفقت الأُمَّة على وجوب الحج، على من استطاع إليه سبيلاً، واختلفوا في وجوب العمرة ؛ فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها ؛ وهو قول عمر، وعليّ، وابن عمر، ورواه عكرمة عن ابن عباسٍ، قال : والله إنَّ العمرة لقرينة الحجِّ[(١٤)](#foonote-١٤) في كتاب الله تعالى : وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ  وبه قال عطاءٌ، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الثوريُّ، وأحمد، والشافعيُّ، في أصحِّ قوليه. 
وذهب قومٌ إلى أنها سُنَّةٌ، وهو قول جابرٍ، وبه قال الشعبيُّ، وإليه ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، رضي الله عنهم أجمعين. 
حجةُ القولِ الأوَّلِ أدلةٌ منها : قوله تعالى : وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ  والإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملً تاماً ؛ بدليل قوله سبحانه وتعالى : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  \[ البقرة : ١٢٤ \] أي : فعلهنَّ على التمام، والكمال، وقوله : ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ  \[ البقرة : ١٨٧ \]، أي : فافعلوا الصيام تاماً إلى الليل. 
فإن قيل يحتمل أن يكون المراد أنكم إذا شرعتم فيهما، فأتموهما ؛ لأنَّها تدلُّ على أصل الوجوب ؛ لأنَّا إنما استفدنا الوجوب من قوله تعالى : وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ  \[ آل عمران : ٩٧ \]، لا من هذه الآية، وكذا قوله : ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ  \[ البقرة : ١٨٧ \] إنَّما استفدنا وجوب الصوم من قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ 
\[ البقرة : ١٨٣ \] لا من قوله :" ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ " والحجُّ والعمرةُ يجب إتمامهما بالشروع فيهما، سواءٌ أكانا فرضاً، أو تطوُّعاً[(١٥)](#foonote-١٥)، وتقول : الصوم خرج بدليلٍ، أو تقول : وجب إتمامه بالشروع، فيكون الأمر بالإتمام، مشروطاً بالشروع فيهما. 
فالجواب : أنَّ ما ذكرناه أولى ؛ لأن على تقديركم يحتاج إلى إضمارٍ، وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى إضمار ؛ فكان الاحتمال الذي ذكرناه أولى، ويدلُّ عليه : أنَّ أهل التفسير ذكروا أنَّ هذه الآية أول آيةٍ نزلت في الحجِّ، فحملها على إيجاب الحجِّ، أولى من حملها على وجوب الإتمام بشرط الشُّروع. 
وأيضاً يؤيّده ما ذكرناه من قراءة[(١٦)](#foonote-١٦) من قرأ " وأقِيمُوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ " وإن كانت شاذَّةً، لكنَّها تجري مجرى خبر الواحد. 
فإن قيل : قراءة عليٍّ، وابن مسعودٍ، والشَّعبي :" والعُمْرَةُ لِلَّهِ " بالرفع يدلُ على أنهم قصدوا إفراد العمرة عن حكم الحجِّ، في الوجوب ؛ فالجواب من وجوه :
أحدها : أنها شاذَّةٌ ؛ فلا تعارض المتواترة. 
فإن قيل : قد استدللتم أنتم بالشاذَّة أيضاً ؟
قلنا : استدللنا بها حيث هي موافقةٌ ؛ فتكون تقويةً للاستدلال، لا أنها نفس الدَّلِيل، واستدلالكم بالشاذَّة ؛ نفس الدليل، وهو معارضٌ بها ؛ فتساقط الاستدلالان، وسلمت المتواترة عن المعارض. 
وثانيها : أن قوله :" وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ " معناها : أنَّ العمرة عبادةٌ الله، وذلك لا ينافي وجوبها. 
وثالثها : أنَّ في هذه القراءة ضعفاً في العربية ؛ لأنَّها تقتضي عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية. 
الدليل الثاني : قوله تعالى : يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ  \[ التوبة : ٣ \]، يدلُّ على وجود حجٌّ أصغر، وهو العمرة بالاتفاق. 
وإذا ثبت أن العمرة حجٌّ، فتكون واجبةٌ ؛ لقوله تعالى : وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ  \[ آل عمران : ٩٧ \]. 
الدليل الثالث : ما ورد في الصَّحيح : أنَّ جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام - سأل النبيَّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن الإسلام، فقال :" أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّ مُحمداً رَسُولُ اللَّهِ، وأَنْ تٌقِيمَ الصَّلاَةَ، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ[(١٧)](#foonote-١٧) ". 
وقوله - صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم ومجَّد وبجلَّ وعظَّم - لأبي رزين، لمَّا سأله، فقال : إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ أدرك الإسلام، ولا يستطيع الحجَّ والعمرة، ولا الظَّعْنَة[(١٨)](#foonote-١٨)، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام :" حُجَّ عن أبِيكَ وَاعْتَمِرْ[(١٩)](#foonote-١٩) " وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - " إنَّ الحجَّ والعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ، لا يَضُرُّكَ بأيهما بَدَأْت[(٢٠)](#foonote-٢٠) ". 
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ ؟ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - " عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لاَ قِتَالَ فِيهِ : الحَجُّ وَالعُمْرَةُ " [(٢١)](#foonote-٢١). 
وقال ابن عمر - رضي الله عنه - : ليس أحد من خلق الله إلاَّ وعليه حجةٌ وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلاً[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقال الشافعيُّ - رضي الله عنه - : اعتمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم ومجَّد وبجَّل وعظَّم قبل الحجِّ، ولو لم تكن العمرة واجبةً، لكان الأشبه أن يبادر إلى الحجِّ الواجب. 
القول الثالث : في قصة الأعرابيِّ حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام، فعلَّمه الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجَّ، فقال الأعرابيُّ : هل عليَّ غيرها ؟ قال :" لا إلاَّ أن تطَّوع، فقال : والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص، فقال عليه الصلاة والسلام :" أفلح إن صدق[(٢٣)](#foonote-٢٣) ". 
وقال عليه الصَّلاة والسَّلام :" بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وحَجِّ الْبَيْتِ[(٢٤)](#foonote-٢٤) ". 
وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وزَكُّوا أَمْوَالَكُمْ، وَحُجُّوا بَيْتَكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّة رَبِّكُمْ[(٢٥)](#foonote-٢٥) ". 
وعن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه سئل عن العمرة : واجبةٌ هي أم لا ؟ فقال :" لاَ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ[(٢٦)](#foonote-٢٦) ". 
وعن معاوية الضَّرير، عن أبي صالحٍ الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم ومجَّد وبجَّل وعظَّم - قال :" الحَجُّ جِهَادٌ، وَالعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ[(٢٧)](#foonote-٢٧) ". 
**والجوابُ من وجوهٍ :**
أحدها : أن هذه أخبارُ آحادٍ ؛ فلا تعارض القرآن. 
وثانيها : أنَّ هذه الآية الكريمة نزلت في السَّنة السابعة من الهجرة، فيحتمل أنَّ هذه الأحاديث حيث وردت، لم تكن العمرة واجبةً، ثم نزل بعدها : وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ ، وهذا هو الأقرب لما ذكرناه. 
وثالثها : أن قصة الأعرابي، والحديثين اللذين بعده، ذكر فيهم الحجَّ، وليس فيها بيان تفصيل الحج، وقد بينَّا أن العمرة حجٌّ، فلا تنافي وجوب العمرة، وأمَّا حديث ابن المنكدر، فرواه الحجاج بن أرطاة ؛ وهو ضعيفٌ. 
### فصل


واتفقت الأمة على أنَّه يجوز أداء الحجِّ والعمرة على ثلاثة أوجهٍ : الإفراد، والتمتع، والقران. 
فالإفراد : أن يُحرم بالحجِّ منفرداً، ثم بعد الفراغ منه، يعتمر من أدنى الحلِّ. 
والتمتع : أن يعتمر في أشهر الحجِّ، فإذا فرغ من العمرة، يحرم بالحجِّ من مكة المشرفة في عامه. 
والقران : أن يحرم بالحج والعمرة معاً، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجَّ قبل أن يفتتح الطواف ؛ فيصير قارناً، ولو أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة، لم ينعقد إحرامه بالعمرة. 
واختلفوا في أيِّ هذه الثَّلاثة أفضل ؟ وتفاصيل هذه الأقوال مذكورةٌ في كتب الفقه. 
قوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ  \[ البقرة : ١٩٦ \] قال أحمد بن يحيى[(٢٨)](#foonote-٢٨) : أصل الحصر، والإحصار : المنع والحبس[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
ومنه قيل للملك : الحصير ؛ لأنه ممنوع من الناس. 
قال لبيدٌ :\[ الكامل \]
٩٧٩ -. . . \*\*\* جِنٌّ لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ قِيَامُ[(٣٠)](#foonote-٣٠)
وهل حُصِر وأُحْصِر بمعنى، أو بينهما فرقٌ ؟ خلافٌ. فقال الفراء[(٣١)](#foonote-٣١)، والزجاج[(٣٢)](#foonote-٣٢)، والشيباني[(٣٣)](#foonote-٣٣) ؛ إنهما بمعنى، يقالان في المرض، والعدوِّ جميعاً ؛ وأنشدوا على ذلك :\[ الطويل \]
٩٨٠ - وَمَا هَجْرُ ١ - انظر: السبعة ١٧٨، الحجة ٢/ ٢٧٨..
٢ - انظر: البحر المحيط ٢/٨٠..
٣ - انظر: البحر المحيط ٢/٨٠..
٤ - انظر: البحر المحيط ٢/٨٠، والدر المصون ١/٤٨٤..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" ٤/٧ عن ابن عباس..
٦ -ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٦٥..
٧ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٦) وعزاه لابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا. وانظر "كنز العمال" رقم (١١٩٠٧)..
٨ - أخرجه البيهقي (٤/٣٤١) والطبري في "تفسيره" (٤/٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٦) وزاد نسبته لوكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن علي بن أبي طالب موقوفا..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" ٤/٩ عن قتادة..
١٠ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٦٥..
١١ - في ب: نحج..
١٢ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٦٦..
١٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٦٦..
١٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٦٦..
١٥ - ولا يجب إتمام المندوب بالشروع فيه، فلا يجب قضاؤه على من تركه بعد شروعه فيه، إلا الحج والعمرة المندوبان، خلافا لأبي حنيفة؛ الذي يرى وجوب إتمامه بحيث لو تركه بعد الشروع فيه، وجب عليه قضاؤه.
 **استدل الأولون بما يأتي:**
 ترك إتمام المندوب المبطل لما فعل منه ترك له، وتركه جائز، فترك إتمام المندوب المبطل لما فعل منه جائز؛ وهو المطلوب.
 أما الصغرى فمسلمة.
 وأما الكبرى: فلأن النبي –صلى الله عليه وسلم- وكل أمر المتلبس بصوم التطوع إلى نفسه، وخيّره بين الإتمام والإفطار؛ بقوله- صلى الله عليه وسلم- "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر"؛ لأن حمل الصائم في كلامه على المتلبس بالصوم- وإن ترتب عليه مجاز في قوله: (صام) أي: دام على صيامه، إلا أنه مجاز واحد- أولى من حمله على مريد الصوم؛ لما يلزم عليه من مجازين: أحدهما في الصائم، وثانيهما في من أفطر، ولا شك أن الحمل على معنى يكون التجوز فيه قليلا أولى من الحمل على معنى يكون التجوز فيه أكثر؛ لأن قليل المجاز يكون أقرب إلى الأصل، وهو الحقيقة، بخلاف كثيره؛ لبعده عنه، ويقاس على الصوم باقي المندوبات، عدا الحج والعمرة، فلا يتناولهما حكم الآية في قوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم جمعا بين الأدلة.
 وإنما وجب إتمام الحج والعمرة المندوبين على من شرع فيهما؛ لتميزهما عن غيرهما من باقي المندوبات؛ بمشابهتهما لفرضهما في أن نية نفلهما لا تختلف عن نية فرضهما؛ إذ هي في كل منهما قصد التلبس؛ بالحج والعمرة، وأن الكفارة تجب في كل منهما بالجماع المفسد لهما، وأنه لا يحصل الخروج منهما بفسادهما، بل يجب المضي فيهما بعد الفساد؛ لأن الإحرام شديد التعلق، فلا يتأثر بفساده، بخلاف غيرها من سائر النوافل، فليس فرضها ونقلها سواء فيما تقدم؛ إذ النية في النفل غيرها في الفرض، والكفارة تجب في فرض الصوم دون نفله، وبفسادها يحصل الخروج منها مطلقا، ففارق الحج والعمرة المندوبان غيرهما من النوافل، وألحقا بما هما أكثر شبها به وهو فرض الحج والعمرة، فوجب إتمامهما كما وجب إتمام فرضهما.
 واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم فقد نهى الله-سبحانه وتعالى- عن إبطال الأعمال بعد الشروع فيها، وهي عامة تتناول كل الأعمال، سواء المفروض منها والمندوب.
 ويجاب عن ذلك: بأن الآية وإن كانت عامة، إلا أنها خصصت بحديث الصيام السابق، وقيس على الصيام غيره من سائر النوافل، فتكون خارجة عن حكم الآية، وإن كانت متناولة لها من حيث اللفظ؛ جمعا بين الأدلة..
١٦ -تقدم..
١٧ - أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب الإيمان والإسلام والإحسان وأبو داود كتاب السنة باب: في القدر قم (٤٦٩٥) والترمذي كتاب الإيمان باب: ما جاء في وصف جبريل للنبي الإسلام والإيمان (٢٦١٠) والنسائي (٨/٩٧) وابن ماجه (٦٣) وابن حبان (١٦٨) وأحمد (١/٥٢، ٥٣) وابن أبي شيبة (١١/٤٤-٤٥) رقم (١٠٣٧٨) وابن خزيمة (١/٣) رقم (١) وابن منده في "الإيمان" رقم (١١، ١٣).
 والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٥٩٧) وقال: وروى ابن خزيمة وغيره من حديث عمر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام فوقع فيه (وأن تحج وتعتمر) وإسناده قد أخرجه مسلم لكن لم يسق لفظه..
١٨ - الظعنة: السفرة القصيرة. ينظر: المعجم الوسيط ٢/٥٨٢، والظاعن: المسافر؛ ينظر تحرير التنبيه (٢٥٨)..
١٩ - أخرجه الترمذي (٣/ ٢٧٠) رقم (٩٣٠) والنسائي (٥/١١١، ٣١٧، ٨/٢٢٩) وابن ماجه رقم (٢٩٠٤، ٢٩٠٦، ٢٩٠٧) وأحمد (١/٢٤٤، ٤/١٠، ١١، ٦/ ٤٢٩) والحاكم (١/٤٨١) وابن الجارود في "المنتقى" (٥٠٠) والدارمي (٢/٤١) والبيهقي (٤/ ٣٢٩) والطبراني في "الكبير" (١/٢٣١، ٤/ ٣١، ١٨/٢٩٦) وفي الصغير (٢/١٨) وابن حبان (٩٦١) وابن عبد البر في "التمهيد" (١/٣٨٧، ٣٨٩) والطحاوي في "المشكل" (٣/٢١٩) والدارقطني (٢/ ٢٨٣) وابن خزيمة (٣٠٣٥) والخطيب (٥/ ٢٦٤).
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
٢٠ - أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (١/٤٧١) عن زيد بن ثابت مرفوعا.
 وقال الحاكم: والصحيح عن زيد بن ثابت قوله ووافقه الذهبي..
٢١ - أخرجه ابن ماجه (٢/٩٦٨) رقم (٢٩٠١) وأحمد (٦/١٦٥) وابن خزيمة (٣٠٧٤).
 والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٩) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن أبي داود في المصاحف.
 وقد أخرجه البخاري (١/ ٤٠٢) باب جهاد النساء وليس فيه ذكر العمرة..
٢٢ -أخرجه الحاكم (١/٤٧١) كتاب المناسك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد الرزاق وعبد بن حميد.
 وقال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي..
٢٣ -أخرجه البخاري (١/١٩-٢٠، ٤٧٢)، (٢/ ١٦١)، (٤/٣٣٩) ومسلم (١/٣١٠-٣٢) وأبو عوانة في "صحيحه" (١/٣١٠-٣١١) ومالك في "الموطأ" (١/١٧٥) رقم ٩٤. وأبو داود (٣٩١) والنسائي (١/٧٩) وأحمد (١/١٦٢) والبيهقي (٢/٤٦٦) بلفظ: (أفلح وأبيه إن صدق).
 وأخرجه النسائي: (١/٢٨٨)، (٨/١١٩) والبيهقي (١/ ٣٦١، ٢/ ٤٦٧) بلفظ أفلح إن صدق.
 وأخرجه النسائي: (٤/١٢١) والدارقطني ص ٨٥ بلفظ إن صدق ليدخلن الجنة..
٢٤ - تقدم..
٢٥ - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥١، ٢٦٢) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/٥٠٥).
 وانظر: إتحاف السادة المتقين (٤/ ١٨٧)..
٢٦ -أخرجه الترمذي (٣/ ٢٧٠) كتاب الحج باب: ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا (٩٣١) والدارقطني (٢/ ٢٨٥) والبيهقي (٤/٣٤٩) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/٣٣) من طريق محمد بن المنكدر عن جابر والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٧٨) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد.
 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وهو قول بعض أهل العلم. قالوا: العمرة ليست واجبة..
٢٧ - أخرجه ابن ماجه (٢/٩٩٥) رقم (٢٩٨٩) والبيهقي (١١/ ٤٤٢) والطبراني في "الكبير" (١١/٤٤٢) والشافعي في "مسنده" (١١٢) والطبري (٢/١٢٣) قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٣/٢٤): هذا إسناد ضعيف عمر بن قيس المعروف بسندل ضعفه أحمد وابن معين والفلاس وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم والحسن الراوي عنه ضعيف.
 والحديث ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (١/٢٨٦) رقم (٨٥٠) وقال: قال أبي: هذا حديث باطل..
٢٨ - ينظر تفسير الفخر الرازي ٥/١٢٤..
٢٩ قال الأزهري: قال أهل اللغة: يقال لمن منعه خوف أو مرض من التصرف: أُحصِر؛ فهو مُحصَر، ولمن حُبس: حُصر؛ فهو محصور.
 وقال الفراء: يجوز أُحصر وحُصر في النوعين. وقال الأزهري: والأول هو كلام العرب، وعليه أهل اللغة.
 وقال الجوهري: قال ابن السّكيت: أحصره المرض: إذا منعه السفر أو حاجة، وحصره العدو: إذا ضيقوا عليه، وقال الأخفش: حصرت الرجل، وأحصرني مرضي.
 وقال أبو عمرو الشيباني: حصرني الشيء، وأحصرني: حبسني.
 وقال الواحدي: قال الزجاج: الرواية عن أهل اللغة لمن منعه خوف أو مرض: أحصر؛ وللمحبوس: حُصر. قال: وقال الزجاج في موضع آخر وثعلب: أُحصر وحُصر لغتان.
 تحرير التنبيه ص ١٨٢، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٣٥..
٣٠ - عجز بيت وصدره:
 ومقامه غلب الرقاب كأنهم.
 ينظر: ديوانه (٢٩٠)، البحر ٢/٦٨، الدر المصون (١/٤٨٥)..
٣١ - ينظر: معاني القرآن ١/١١٨..
٣٢ - ينظر: معاني القرآن ١/٢٥٦..
٣٣ - إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني الكوفي قال الأزهري وكان يعرف بأبي عمرو الأحمر وليس من شيبان، بل أدب أولادا منهم فنسب إليهم توفي سنة ٢٥٦هـ. ينظر: البغية ١/ ٤٣٩-٤٤٠..

### الآية 2:197

> ﻿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [2:197]

" الحَجُّ " مبتدأ، و " أشْهُرٌ " خبره، والمبتدأ والخبر لا بدّ أن يصدقا على ذاتٍ واحدٍ، و " الحَجُّ " فعلٌ من الإفعال، و " أشْهُرٌ " زمانٌ، فيهما غيران، فلا بدَّ من تأويل، وفيه ثلاثة احتمالات :
أحدها : أنَّه على حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره : أشهر الحج أشهر معلوماتٌ. أي : لا حجَّ إلاَّ في هذه الأشهر ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهيلَّة في غيرها، كقوله البرد شهران، أي : وقت البرد شهران. 
الثاني : الحذف من الثاني تقديره : الحجّ حجّ أشهرٍ، فيكون حذف من كل واحدٍ ما أثبت نظيره. 
الثالث : أن تجعل الحدث نفس الزَّمان مبالغةً، ووجه المجاز كونه حالاًّ فيه، فلما اتُّسع في الظَّرف جعل نفس الحدث، ونظيره :
 وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً  \[ الأحقاف : ١٥ \] وإذا كان ظرف الزمان نكرةً مخبراً به عن حدثٍ، جاز فيه الرفع والنَّصب مطلقاً، أي : سواءً كان الحدث مستوعباً للظَّرف، أم لا، هذا مذهب البصريين. 
وأمَّا الكوفيُّون فقالوا : إن كان الحدث مستوعباً، فالرَّفع فقط نحو :" الصَّوْمُ يومٌ "، وإن لم يكن مستوعباً، فهشامٌ يلتزم رفعه أيضاً نحو :" مِيَعَادُكَ يَوْمٌ " والفرَّاء يجيز نصبه مثل البصريّين، وقد نقل عنه أنَّه منع نصب " أشْهُر "، يعني : في الآية الكريمة، لأنها نكرةٌ، فيكون له في المسألة قولان، وهذه مسألةٌ طويلةٌ. 
قال ابن عطيَّة :" ومنْ قَدَّر الكَلاَم : الحج في أشهر، فيلزَمُهُ مع سقوطِ حَرْفِ الجَرّ نصبُ الأَشْهُر، ولم يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ " قال أبَو حيان رحمه الله : ولا يَلْزَمُ ذلك ؛ لأنَّ الرَّفْع على جِهة الاتِّساع، وإن كان أصلُهُ الجرَّ ب " في ".

### فصل


أجمع المفسِّرون على أنَّ شوَّالاً، وذا القعدة، من أشهر الحج، واختلفوا فى ذي الحَّجة فقال عروة بن الزُّبير : إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك، وداود. 
وقال أبو حنيفة : العشر الأول من ذي الحجَّة من أشهر الحجِّ ؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ، وابن عمر، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، والحسن[(١)](#foonote-١). 
وقال الشافعيُّ – رحمه الله – التسعة الأول، مع ليلة النَّحر من أشهر الحج[(٢)](#foonote-٢). 
حجَّة الأوَّل : أن الأشهر جمعٌ، وأقلُّه ثلاثةٌ[(٣)](#foonote-٣)، وأيضاً فإنَّ أيَّام النَّحر يفعل فيها بعض ما يتَّصل بالحج : من رمي الجمار، والذَّبح، والحلق، وطواف الزِّيارة، والبيتوتة يعني ليالي منى، وإذا حاضت المرأة، فقد تؤخِّر الطَّواف الذي لا بدَّ منه إلى انقضاء أيَّامٍ بعد العشرة. ومذهب عروة[(٤)](#foonote-٤) تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر. 
والجواب أنَّ لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد ؛ بدليل قوله :
 فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  \[ التحريم : ٤ \]. وقال – عليه السَّلام :" الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ[(٥)](#foonote-٥) " وأيضاً فإنَّه نزَّل بعض الشَّهر منزلة كلِّه، فإنّ العرب تسمِّي الوقت تامّاً بقليله، وكثيره، يقال زرتك سنة كذا، وأتيتك يوم الخميس، وإنما زاره، وأتاه في بعضه، وأيضاً فإنَّ الجمع ضمُّ شيءٍ إلى شيءٍ، فإذا جاز أن يسمَّى الاثنان جماعةً، جاز أن يسمَّى الاثنان، وبعض الثَّالث جماعةً، وأمَّا رمي الجمار، فإنما يفعله الإنسان، وقد حلّ بالحلق والطَّواف، والنَّحر، فكأنه ليس من أعمال الحجِّ، والحائضُ إذا طافت بعده، فكأنه في حكم القضاء، لا في حكم الأداء. 
حجَّة الثاني : أنَّ المفسرين قالوا : أنّ يوم الحجِّ الأكبر، هو يوم النَّحر، لأنَّ معظم أفعال الحج يفعل فيه : من طواف الزيارة ؛ الذي هو ركنٌ في الحج، والرَّمي، والذَّبح، والحلق، فدخوله في أيام الحج أولى. 
حجَّة الشافعي – رحمه الله تعالى - : أنَّ الحجَّ يفوت بطلوع الفجر يوم النَّحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها. 
### فصل


قال بعض العلماء : لا يجوز أن يُهِلَّ بالحج قيل أشهر الحج، وهو قول ابن عباس، وجابر، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد[(٦)](#foonote-٦)، وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعيُّ، وأحمد فى رواية، وإسحاقٌ. 
وقال مالكٌ، والثوريُّ وأبو حنيفة – رضي الله عنه – يجوز. 
حجَّة الأول : قوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ . 
جمع الأشهر جمع تقليلٍ، على سبيل التَّنكير ؛ لا يتناول الكلَّ، وأكثر الجمع إلى عشرةٍ، وأدناه إلى ثلاثةٍ، وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، واتفق المفسِّرون على أنّ تلك الثَّلاثة، شوَّال وذو القعدة، وبعض ذي الحجَّة. 
وإذا تقرَّر هذا، وجب ألاَّ يجوز الإحرام بالحجِّ قبل الوقت ؛ لأنَّ الإحرام بالعبادة قبل وقت أدائها لا يصحّ ؛ كالصَّلاة، وخطبة الجمعة قبل الوقت. 
حجَّة الثاني : قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  \[ البقرة : ١٨٩ \]، فجعل الأهلَّة كلَّها مواقيت الحجِّ، وليس مواقيتاً للأداء، فثبت أنها مواقيت لصحَّة الإحرام، ويجوز أن يسمَّى الإحرام حجّاً ؛ مجازاً، كما سمّيَ الوقت حجّاً في قوله :" الحَجُّ أَشْهُرٌ " بل هنا أولى ؛ لأن الإحرام أقرب إلى الحج من الوقت. وقد اشتهر بين أكابر الصّحابة أنَّهم قالوا : إتمام الحجِّ والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله، ومن يكن منزله بعيداً يجب أن يكون في المشرق أو في المغرب، فلا بدَّ وأن يحرم بالحج قبل أشهرٍ، وأيضاً فإنَّ الإحرام التزامٌ بالحجِّ، فجاز تقديمه على الوقت ؛ كالنَّذر. 
وأجاب الأوَّلون عن قوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ  بأنَّ قوله " الحجُّ أَشْهُرٌ " أخصُّ منها، وفرَّقوا بين النَّذر، والإحرام : بأنَّ الوقت معتبرٌ للأداء، ولا اتِّصال للنذر بالأداء، بدليل أنّ الأداء لا يتصور إلاَّ بعقد مبتدأ، والإحرام مع كونه التزاماً، فهو شروعٌ في الأداء، وعقدٌ عليه ؛ فلا جرم افتقر إلى الوقت. 
### فصل


قوله :" مَعْلُومَاتٌ " أي : معلومات عندهم، مقررة لبيان الشرع، بخلاف مرادهم بها. أو معلوماتٌ ببيان الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام وأنها مؤقتةٌ في أوقات معينة، لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، كما فعلوه في النَّسيء. 
قوله : فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ . 
يجوز في " مَنْ " أن تكون شرطيةً، وأن تكون موصولةً، كما تقدَّم في نظائرها، و " فِيهنَّ " متعلِّقٌ ب " فَرَضَ ". والضَّمير في " فِيهِنَّ " يعود على " أَشْهُر " وجيء به كضمير الإناث، لما تقدم من أنَّ جمع غير العاقل في القلَّة يعامل معاملة جمع الإناث على الأفصح ؛ فلذلك جاء " فِيهِنَّ " دون " فِيهَا "، وهذا بخلاف قوله :
 مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  \[ التوبة : ٣٦ \] لأنه هناك جمع كثرة. 
وفرض في اللُّغة : ألزم وأوجب، يقال فرضت عليك كذا، أي : أوجبته، وأصل الفرض في اللغة : التَأثير والحزُّ والقطع. 
قال ابن الأعرابي[(٧)](#foonote-٧) – رحمه الله تعالى - : الفرض الحزُّ في القدح، \[ وفي الوتد، وفي غيره \]، وفرضة القوس : الحزُّ الذي فيه الوتر، وفرضه الوتد الحزُّ الذي فيه، ومنه فرض الصلاة ؛ لأنها لازمةٌ للعبد كلزوم الحزّ للقدح، ففرض ها هنا – بمعنى : أوجب، وقد جاء في القرآن " فَرَضَ " بمعنى أبان ؛ قال تعالى : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا  \[ النور : ١ \] بالتخفيف، وقوله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ  \[ التحريم : ٢ \]. 
وهو راجع إلى معنى القطع ؛ لأنَّ من قطع شيئاً، فقد أبانه من غيره، والله تعالى إذا فرض شيئاً، أبانه عن غيره، ففرض بمعنى : أوجب : وفرض : بمعنى أبان ؛ كلاهما راجعٌ إلى أصل واحدٍ ؛ ومن ها هنا فرَّق بعضهم بين الفرض والواجب[(٨)](#foonote-٨)، فقالوا :
الفرضُ ما ثبت بدليل قطعيّ ؛ لأن أصله القطع، وسمَّاه بالركن. 
والواجب ما ثبت بدليل ظنِّي، وجعل الفرض لا يسامح به، عمداً ولا سهواً، وليس له جابر، والواجب ما يجبر ويسامح فيه العباد لسهوة، قال أبو العباس المقرىء : ورد لفظ " فَرَضَ " في القرآن بإزاء خمسة معان :
الأول : فرض بمعنى أوجب، كهذه الآية الكريمة، ومثله : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  \[ البقرة : ٢٣٧ \] أي أوجبتم. 
الثاني : فرض بمعنى بيَّن، قال تعالى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ  \[ التحريم : ٢ \]. 
ومثله  سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا  \[ النور : ١ \]. 
الثالث : فرض : بمعنى أحلَّ ؛ قال تعالى : مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ  \[ الأحزاب : ٣٨ \] أي أحلَّ. 
الرابع : فرض : بمعنى أنزل ؛ قال تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ 
\[ القصص : ٨٥ \] أي : أنزل. 
الخامس : الفرض : الفريضة في قسمة المواريث ؛ كما قال تبارك وتعالى : فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ  \[ النساء : ١١ \]. 
### فصل


قوله : فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  يدلُّ على أنّه لا بدَّ للمحرم من فعل يفعله ؛ يصير به محرماً وحاجاً، واختلفوا في ذلك الفعل. 
فقال الشَّافعيُّ، وأحمد : ينعقد الإحرام بمجرد النِّية، من غير حاجةٍ إلى التَّلبية. 
وقال أبو حنيفة : لا يصحُّ الشُّروع في الإحرام بمجرد النية ؛ حتى يضمَّ إليه التَّلبية أو سوق الهدي. 
وقال القفَّال في تفسيره[(٩)](#foonote-٩) : ويروى عن جماعةٍ من العلماء ؛ أنّ من أشعر هديه أو قلَّده، فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنّه قال : إذا قلَّد أو أشعر، فقد أحرم[(١٠)](#foonote-١٠)، وعن ابن عباسٍ : إذا قلَّد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحجَّ، فقد أحرم[(١١)](#foonote-١١). 
قوله : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ  إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدةٌ في الخبر على حسب القولين المتقدِّمين. 
وقرأ[(١٢)](#foonote-١٢) أبو عمرٍ وابن كثير : بتنوين " رَفَثَ " و " فُسُوقَ "، ورفعهما، وفتح " جِدَالَ ". 
والباقون : بفتح الثَّلاثة. 
وأبو جعفر – ويروى عن عاصم – برفع الثلاثة والتنوين. 
**فأمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان :**
أظهرهما : أنَّ " لا " ملغاةٌ، وما بعدها رفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة ؛ تقدُّم النفي عليها، و " في الحجّ " خبر المبتدأ الثالث، وحذف خبر الأول، والثاني ؛ لدلالة خبر الثالث عليهما، أو يكون " في الحج " خبر الأول، وحُذِفَ خبرُ الثاني، والثالث ؛ لدلالةِ خبرِ الأولِ عليهما، ويجوزُ أنْ يكونَ " في الحج " خبرَ الثلاثة، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ " في الحجِّ " خبرَ الثاني، وحُذِفَ خبرُ الأولِ، والثالث ؛ لقبح مثل هذا التركيب، ولتأديته إلى الفصل. 
والثاني : أن تكون " لاَ " عاملةً عمل ليس، ولعملها عمل ليس شروطٌ : تنكير الاسم، وألاَّ يتقدَّم الخبر، ولا ينتقض النفيُ ؛ فيكونُ " رَفَثَ " اسمَها، وما بعده عطْفٌ عليه، و " في الحجِّ " الخبرُ على حسب ما تقدَّم من التقادير فيما قبله. 
وخرَّجه ابن عطية بهذا الوجه، وهو ضعيفٌ ؛ لأنَّ إعمال " لا " عمل ليس لم يقم عليه دليل صريحٌ، وإنما أنشدوا أشياء محتملةً، أنشد سيبويه :\[ مجزوء الكامل \]٩٨٧ – مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا  فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ[(١٣)](#foonote-١٣)وأنشد غيره :\[ الطويل \]
٩٨٨ – تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى ا١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٣ - اختلف العلماء في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة أو يصار فيه إلى التوقف؟ وليس محل الخلاف في المفهوم في لفظ الجمع لغة- وهو ضم شيء إلى شيء- فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع والخلاف هو في اللفظ الذي هو مسمى بالجمع، نحو: الرجال والمسلمين، لا في لفظ الجمع الذي هو مركب من الجيم، والميم، والعين، فذهب جماعة: إلى أن أقل الجمع ثلاثة، وإلى هذا ذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وعليه أكثر الصحابة والمتكلمين وأهل اللغة وعزي هذا المذهب إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود.
 ينظر: البرهان ١/٣٤٨، المحصول ١/٢/٦٠٦، اللمع ص ١٥، التبصرة ١٢٧، الإبهاج ٢/١٢٩، المعتمد ١/ ٢٤٨، العدة ٢/٦٤٩، المنخول ١٤٨، شرح التنقيح ٢٣٣، الإحكام للآمدي ٤٠٢، روضة الناظر (١٢١)، جمع الجوامع ١/٤١٩، شرح الكوكب المنير ٣/١٤٤، المنتهى لابن الحاجب (٧٧)، أصول السرخسي ١/ ١٥١، كشف الأسرار ٢/٢٨، فواتح الرحموت ١/٢٦٩، المسودة ١٤٩، نشر البنود ١/٢٣٤، شرح اللمع ١/٣٣٠، الوصول لابن برهان ١/٣٠٠، مفتاح الوصول ٧٣، تقريب الوصول (٧٨)..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٧..
٥ - أخرجه ابن ماجه (١/٣١٢) رقم (٩٧٢) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨٢) والبيهقي (٣/ ٦٩) والدارقطني (١/٢٨٠) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/٤١٥ و ١١/٤٥-٤٦) وابن عدي (٥/ ١٨٩٠) وابن سعد (٧/٣٤) وابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣١٧).
 قال البوصيري في "الزوائد (١/٣٣١): هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع ووالده بدر بن عمر.
 وقال البيهقي: رواه جماعة عن الربيع بن بدر وهو ضعيف..
٦ - أخرجه الطبري "تفسيره" ٤/ ١١٥ عن ابن عباس..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٨..
٨ - الفرض والواجب لفظان مترادفان عند غير الحنفية، معناهما واحد: هو الفعل الذي طلبه الشاع طلبا جازما، سواه كان الطلب بدليل قطعي؛ كالقرآن، والسنة المتواترة، أو كان بدليل ظني؛ كخبر الآحاد.
 أما الحنفية فإنهم يفرقون بين الفرض والواجب.
 فالفرض عندهم: هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا حازما بدليل قطعي؛ كالصلاة، ومطلق القراءة فيها؛ والزكاة فإنها مطلوبة طلبا جازما بأدلة قطعية، هي قوله تعالى: أقيموا الصلاة-وآتوا الزكاة- فاقرؤوا ما تيسر من القرآن؛ إذ لا شك أنها قطعية الثبوت، ومثل القرآن في ذلك السنة المتواترة.
 والواجب عندهم: هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا جازما بدليل ظني؛ كخصوص قراءة الفاتحة في الصلاة المدلول على طلبها طلبا جازما بخبر الآحاد؛ كما في الصحيحين: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
 وعللوا هذه التفرقة: بأن الفرض معناه في اللغة: القطع؛ لأنه مأخوذ من فرض الشيء بمعنى: حزّه أي: قطع بعضه، فالفرض بمعنى المفروض، أي: المقطوع به، والذي فرضه الله علينا لا يمكن علمه يقينا، إلا إذا كان ثابتا بالدليل القطعي.
 والواجب هو الساقط؛ لأنه مأخوذ من وجب بمعنى: سقط؛ يدل له قوله تعالى: فإذا وجبت جنوبها أي: سقطت، والذي أوجبه الله علينا بدليل ظني لما لم يعلم يقينا فرضه، وتقديره علينا، كان ساقطا، أي: غير معدود من القسم الذي يتعلق به العلم؛ لأنه خاص بالمقطوع به، ومن هنا سمّوا ما ثبت بقطعي بـ"الواجب" علما وعملا، وما ثبت بظني بـ"الواجب" عملا فقط.
 ولكن يرد عليهم بأن تخصيص الفرض بالمقطوع به فقط تحكم؛ لأن الفرض في اللغة التقدير مطلقا، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا فالتخصيص بأحد القسمين دون الآخر تخصيص بلا دليل، فلا يكون مقبولا.
 **وبأنه وردت في اللغة كلمة "وجب" بمعنين:**
 الأول: بمعنى: سقط، ومصدرها حينئذ: الوجبة، وليس هذا محل النزاع.
 الثاني: بمعنى ثبت؛ ومنه قوله-عليه الصلاة والسلام-: "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" أي: إذا ثبت واستقر وزال عنه الاضطراب، فلا تبكين باكية؛ لأن ذلك علامة اشتغاله بمشاهدة أمر من أمور الآخرة، فمصدرها حينئذ الوجوب بمعنى: الثبوت، فيقال: وجب الشيء وجوبا، أي: ثبت ثبوتا، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا، فتخصيص الواجب بما ثبت بدليل ظني؛ لأنه ساقط، أي: نازل عن اعتباره من قسم المعلوم لا أساس له.
 على أن كثرة استعمال أهل اللغة العربية لهذين اللفظين في معنييهما مطلقا، سواء كان مقطوعا بهما أو مظنونا يرجح ما نقول، ومن هنا نجد أن الحنفية قد نقضوا أصلهم هذا، واستعملوا الفرض فيما ثبت بظني، والواجب فيما ثبت بقطعي: كقولهم: الوتر فرض، وتعديل الأركان فرض؛ وكقولهم: الصلاة واجبة، والزكاة واجبة.
 والواقع أن الخلاف بين الحنفية وغيرهم خلاف لفظي وليس حقيقيا؛ لأنهم جميعا متفقون على أن ما ثبت بدليل ظني لا يكون في قوة ما ثبت بدليل قطعي، وأن جاحد الأول لا يكفر، بخلاف جاحد الثاني؛ كما أنهم متفقون على أن تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة.
 وإنما الخلاف بينهم في التسمية فقط، فنحن نقول: إن الفرض والواجب لفظان مترادفان اصطلاحا، نقلا عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد، هو الفعل المطلوب طلبا جازما، سواء ثبت ذلك بدليل قطعي أو ظني، والحنفية يخصون كلا منهما باسم خاص، ويجعلونه اسما له، وهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
 ومقتضى كون الخلاف لفظيا: ألا يكون له أثر في الفروع يترتب على الفرق بين الفرض والواجب، وهو كذلك.
 وما يظن من أن هذا الخلاف حقيقي؛ لأن له أثرا ظهر في ترك قراءة الفاتحة في الصلاة؛ حيث قيل بتأثيم التارك، وعدم فساد صلاته إن أتى بقراءة غيرها، بخلاف تارك القراءة فيها أصلا، حيث قيل بتأثيمه وفساد صلاته- غير سديد؛ لأن عدم الفساد عندهم ليس ناشئا من التفرقة بين الفرض والواجب، وإنما هو ناشئ عن الدليل الذي دل المجتهد على الحكم، وهو ظنية الدليل الذي تسبب عنه أمران: التسمية بالواجب، وعدم الفساد، ولا يلزم من سببية شيء، لأمرين: أن يكون أحدهما سببا للآخر، والذي كان في مقابلته الدليل القطعي الدال على فرضية مطلق القراءة الذي عدل عن الفاتحة إليها، فقيل بعدم الفساد عملا بظنية دليل الفاتحة، وقطعية دليل مطلقا القراءة.
 ينظر: الإحكام للآمدي ١/٩٢-٩٤، الإبهاج ١/٥٥، نهاية السول ١/٧٣، التمهيد للإسنوي ص (٥٨)، المحصول ١/١/١١٧، البرهان ١/٣٠٨، المستصفى ١/٤٢، المنتهى لابن الحاجب ص (٢٣)، كشف الأسرار ٢/٣٠٠، أصول السرخسي ١/١٠٠، المنخول ص (٧٦)، فواتح الرحموت ١/٥٨، العدة ١/١٦٢، ٢/٣٧٦، شرح الكوكب المنير ١/٣٥١، سلاسل الذهب ص (١١٤)، البحر المحيط ١/١٨١، روضة الناظر ص (١٦)، الحدود للباجي ص (٥٣) مختصر ابن اللحام ص (٥٩)، ميزان الأصول ١/١٢٨-١٢٩، جمع الجوامع ١/٨٦-٨٨..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٣٩..
١٢ - انظر: السبعة ١٨٠، والكشف ١/٢٨٥، وحجة القراءات ١٢٨، ١٢٩، وحجة القراءات ١٢٨، ١٢٩، والحجة ٢/٢٨٦، وشرح الطيبة ٤/٩٦، وشرح شعلة ٢٨٧، والعنوان ٧٣، وإتحاف ١/٤٣٣..
١٣ - البيت لسعد بن مالك. ينظر: خزانة الأدب ١/٤٦٧، سيبويه ١/٢٨، ٣٥٤، ٣٥٧، ابن يعيش ١/١٠٨، الإنصاف-٣٦٧، ابن الشجري ١/٢٣٩، ٢٧٢، ٣٢٣، ٢/ ٢٢٤، شرح شواهد المغني- ٢٠٨، العيني ٢/١٥٠، الهمع ٢/١١٩، ١/١٢٥، الأشموني ١/٢٥٤، التصريح ١/١٩٩، المقتضب ٤/٣٦٠، الجمل للزجاجي ٢٤٢، المغني ٢٣٩، ٦٣١، (٢٠٨) منهج السالك (١/٢٥٤، الدرر اللوامع ١/٩٧، شرح اللمع ١/٩٢، البسيط في شرح جمل الزجاجي ١/٥٤٣، شرح أبيات المغني ٤/٣١٣، ٧/٣١٩، أوضح المسالك رقم ١٠٧، شرح شواهد سيبويه للنحاس ٧٧، الأصول ١/١١١، كتاب اللامات-١٠٧، شرح أبيات الكتاب لابن السيرافي ٢/٨، شرح أبيات الجمل لابن سيده ١٣٨، الحلل ٣٢٥، الفصول والجمل -٢٠٩، معاني الحروف للرماني ٨٣، شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٥٠٦، الفصول الخمسون-٢٠٩، رصف المباني ٢٦٦، الأشباه والنظائر ٤/١٩٤، التمام في تفسير أشعار هذيل-٥٤ شرح ديوان المتنبي ١/٩٦.
 و"لا" من الحروف غير المختصة في إعمالها أقوال:
 أحدها-وهو المشهور-: أنها تعمل إلحاقا بـ"ليس" كقوله:
 تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا
 الثاني: أنها لا تعمل أصلا، ويرتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، ولا ينصب أصلا، وعليه أبو الحسن، وإنما لم يقدروها مهملة، والرفع بالابتداء؛ لأنها حينئذ واجبة التكرار، وفيه نظر؛ لجواز تركه في الشعر.
 الثالث: أنها أجريت مجرى "ليس" في رفع الاسم خاصة فترفعه، ولا تعمل شيئا في الخبر، وعليه الزجاج، واستدل بأنه لم يسمع النصب في خبرها ملفوظا به، مع أنه قد ورد.
 وحكمها حكم- ما- في الشبه والإعمال، ولها شرائط ثلاثة:
 أحدها: أن تدخل على نكرة.
 ثانيها: أن يكون الاسم مقدما على الخبر.
 ثالثها: ألا يفصل بينها وبين الاسم بغيره، فتقول: لا رجل منطلقا؛ كما تقول: ليس زيد منطلقا، ويجوز أن تزاد الباء في خبرها؛ لتأكيد النفي، كما تدخل الباء في خبر "ليس"- و "ما"- تقول: لا رجل بقائم؛ كما تقول: ليس زيد بقائم، ويجوز حذف الخبر منه، كما في الشاهد: لا براح، جعل "لا" بمنزلة "ليس" ورفع بها –براح- والخبر محذوف، وتقديره: لا براح لي، ويجوز أن يكون رفع "براح" بالابتداء، وحذف الخبر وهو رأي أبي العباس المبرِّد، والأول أجود؛ لأنه كان يلزم تكرير "لا"، كقوله (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) هذا رأي سيبويه في إجرائها مجرى ليس في بعض اللغات.
 وحال "لا" أنها في موضع ابتداء، وأنها لا تعمل في معرفة أبدا، ولم يعتبر ابن جني هذا الشرط، فأجاز إعمالها في المعارف؛ كقوله:
 وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا عن حبها متراخيا
 وقيل: يجوز أن يكون "براح" مبتدأ، ورُدّ بأن "لا" الداخلة على الجملة الاسمية يجب إعمالها وتكرارها، فلما لم تتكرر عرف أنها عاملة، ورُدّ بأن هذا شعر؛ فيجوز فيه أن ترد غير عاملة، ولا مكررة، ورُدّ بأن الأصل كون الكلام على غير الضرورة.
 قال ابن مالك: عملها أكثر من عمل "إن" وقال أبو حيان: الصواب عكسه؛ لأن "إن" قد عملت نثرا ونظما، و"لا" إعمالها قليل جدا، بل لم يرد منه صريحا إلا البيت السابق، والبيت والبيتان لا تبنى عليهما القواعد..

### الآية 2:198

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [2:198]

قوله  لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ  " أَنْ " في محلِّ نَصْبٍ في مَوْضعين عند سيبويه[(١)](#foonote-١) والفراء[(٢)](#foonote-٢)، وجَرٍّ عند شَيْخَيْهما والأَخْفَشِ ؛ لأنَّها على إضمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أي : في أَنْ، وهذا الجارُّ متعلِّقٌ : إمَّا بجُناح ؛ لما فيه مِنْ مَعْنَى الفِعْلِ وهو الميلُ والإِثمُ، وما كانَ في معناهُمَا، وإمَّا بمحذوفٍ ؛ لأنه صفةٌ ل " جُناح " فيكونُ مرفوعَ المحلِّ، أي : جناحٌ كائنٌ في كذا. 
ونقل أبو البقاء[(٣)](#foonote-٣) رحمه الله تعالى عن بعضهم، أنه متعلقٌ ب " ليس "، واسْتضْعَفُه. قال شهاب الدِّين : بل يُحْكَمُ بتخطئته ألبتة. 
قوله :" مِنْ رَبِّكُمْ " يجوزُ أَنْ يتعلَّق بتبتغوا فيكون مفعولاً له، وأَنْ يكون صِفَةٌ ل " فضلاً "، فيكون منصوب المَحَلِّ، مُتَعَلِّقاً بمحذوفٍ. و " منْ " في الوجهين لابْتِدَاء الغاية، لكن فى الوجهِ الثاني تحتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ أي : كَائناً مِنْ فُضولِ ربكم.

### فصل


قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ  يدلُّ على أنّ شُبْهَةً قَامَتْ عندهم في تحريم التجارة من وجوهٍ :
أحدها : أنَّه تبارك وتعالى منع الجِدَال في الحجِّ، والتِّجَارةُ كثيرةُ الإفضاءِ إلى المُنازعَةِ في قلَّة القِيمَةِ وكثرتِهَا ؛ فوجَبَ أَنْ تكونَ التجارة مُحَرَّمةً. 
ثانيها : أنّ التجارة كانت مُحرمةً في وقت الحج في الجاهليةِ، وذلك شيءٌ، حسَنٌ ؛ لأن المشتغل بالحج مشتغلٌ بخدمةِ الله تعالى، فوجب ألاَّ يَشُوبَ هذا العملَ بالأطماعِ الدُّنيويَّةِ. 
وثالثها : أنّ المسلمين عَلِمُوا أنّ كثيراً من المباحاتِ صارت مُحرمةً عليهم في الحج : كاللّبسِ، والاصْطِيَادِ، والطِّيبِ، والمباشرة، فغلب على ظنِّهم أنَّ الحجَّ لمَّا صار سبباً لحرمةِ اللبسِ مع الحاجَةِ إليه، فأَوْلَى منه تحريمُ التجارةِ ؛ لقلة الاحتياج إليها. 
ورابعها : عند الاشتغال بالصلاةِ يَحْرُمُ الاشتغالُ بالتجارةِ ؛ قال تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ  \[ الجمعة : ٩ \] فلهذا السبب، بيّن اللَّهُ تعالى - هاهنا - أنَّ التجارةَ جائزةٌ غير مُحَرَّمةٍ. 
فإذا عُرِفَ هذا، فذكر المفَسِّرُونَ في قوله : أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ  وجهين :
الأوَّل : أَنَّ المراد هو التجارة ؛ نظيره قوله تعالى : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ  \[ المزمل : ٢ \] وقوله :
 جَعَلَ لَكُمُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ  \[ القصص : ٧٣ \] ويدُلُّ عليه ما رَوَى عَطاءٌ عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ وابن الزُّبير أنّهم قرأوا[(٤)](#foonote-٤) :" أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَواسِمِ الحَجِّ ". 
وقال ابن عباسٍ : كان ناسٌ من العرب يَحْتَرِزُونَ مِنَ التجارةِ في أيَّامِ الحَجِّ، وإذا دَخَلَ العَشْرُ، بالغوا في تَرْك البيع والشِّراء بالكلية، وكانوا يُسَمّون التاجر في الحج الدَّاجَّ، ويقُولون : هؤلاء الدَّاجُّ، وليسوا بالحاجِّ. ومعنى الدَّاجّ : المُكتسب الملْتَقِط، وهو مشتقٌّ من الدَّجاجة وبلغُوا في الاحتراز عن الأعمال إلى أن امتَنَعُوا من إِغاثةِ الملهُوفِ والضعيفِ وإِطعام الجائع ؛ فأزال اللَّهُ هذا الوَهْمُ وبيّن أنّه لا جُناح في التجارة، ولما كان ما قَبْل هذه الآية في أحكامِ الحج[(٥)](#foonote-٥)، وما بعدها في الحج، وهو قوله تعالى : فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ  دَلّ ذلك على أَنَّ هذا الحكمَ واقِعٌ في زمان الحجِّ ؛ فلهذا السبب استغني عن ذكره. 
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنّ رجلاً قال له : إنَّا قَوْمٌ نكري، وإنَّ قَوماً يَزْعُمونَ أنّه لا حَجَّ لنا، فقال : أَلَسْتُم تُحْرِمُونَ كما يُحْرِمون، وتَطُوفُونَ كما يَطُوفُونَ، وتَرْمُونَ كما يَرْمُونَ ؟ قلتُ : بَلَى، قال : أنْتُم حُجَّاجٌ[(٦)](#foonote-٦) ؛ وجاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله عمَّا سَأَلتني، فلم يَرُدُّ عليه ؛ حَتَّى نزل قوله تعالى  لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ  فَدَعَاهُ، وقال : أَنْتُم حُجَّاجٌ. 
وبالجملة فهذه الآية الكريمة نزلت رَدّاً على مَنْ يقول : لا حجَّ لِلتَّاجِرِ، والأَجِيرِ، والجَمَّالِ. 
ورَوَى عمرو بن دِينارٍ، عن ابن عباسٍ : أنَّ عُكَاظَ ومِجَنَّةَ، وذا المجاز كانت أسواقاً في الجاهليَّة، يتَّجرون فيها في أيَّام الموسِم، وكانت مَعَايشُهم مِنْهَا، فلمّا جاء الإسلامُ، كرهوا أنْ يَتّجروا في الحج بغير إذنٍ، فسألَوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآيةُ[(٧)](#foonote-٧). 
وقال مجاهدٌ : إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بِعَرفة، ولا مِنَى، فنزلت هذه الآيةُ[(٨)](#foonote-٨)، فلهذا حمل أكثرُ المفسرين الآية على التجارةِ في أيام الحجِّ، وحَمَلَ أبُو مُسْلم[(٩)](#foonote-٩) الآية على ما بعد الحج، قال : والتقديرُ : واتقوني في كل أفعالِ الحج، وبعد ذلك  لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ  ونظيره قوله تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ  \[ الجمعة : ١٠ \]. 
قال ابن الخطيب : وهذا القولُ ضعيفٌ من وجوه، لأَنَّ قوله : فَإِذَا أَفَضْتُم مِن عَرَفَاتٍ  يدلُّ على أنّ هذه الإفاضة حَصَلَتْ بعد ابتغاء الفَضْلِ ؛ لأن الفاءَ للتَّعْقيب، وذلك يَدُلُّ على وُقُوع التجارة فيى زَمَانِ الحج. 
وأيضاً فَحَملُ الآية على موضع الشُبْهَة، أَوْلَى مِنْ حَمْلِها على مَوْضع لا شُبْهَةَ فيه، ومَحلُّ الشبهةِ، هو التجارةُ في زمان الحجِّ، وأَمَّا بعدَ فراغ الحجِّ، فكُلُّ أَحَدٍ يعلمُ حلَّ التجارة. 
فإن قيل : وكذلك أيضاً كل أَحَدٍ يعلمُ أَنَّ الصلاةَ إذا قُضِيت، يُبَاحُ البيعُ والشِّرَاء ؛ فلماذا قال : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ . 
قلنا لأنه أمَر قبله بالسَّعي، ونهى عن البيع، فقال : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ  فَنَهى عن البيع بعد النِّدَاءِ، فلمَّا قال بعده : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّه ، كأنّه قال : إِنَّ المانعَ الذي مَنَعَكُمْ من البَيْعِ قد زال ؛ فانْتَشِرُوا في الأرض، وابتغُوا من فضل الله. 
وأمَّا قِياسُ الحجِّ على الصلاةِ، فالفرقُ بينهما : أنّ الصلاة أعمالُها مُتَّصِلَةٌ، فلا يَحِلُّ في أثنائِهَا التشاغلُ بغيرها، وأَمّا أعمال الحج، فهي مُتَفرِّقَةٌ بعضها عن بعضٍ، ففي خلالها لا يبقى المرءُ على الحكم الأول، فتصيرُ الصلاةُ عملاً واحداً من أعمالِ الحج، لا مَجْمُوعَ الأَعْمَالِ، وأيضاً فقوله : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ  تَصريحٌ بأَنّ الابتغاء بعد انقضاء الحج. 
فإن قيل : حُكمْ باقٍ في كل تلك الأَوقاتِ ؛ بدليل حُرْمَةِ التطيب[(١٠)](#foonote-١٠) واللَّبسِ. 
فالجوابُ : هذا قياسٌ في مقابلة[(١١)](#foonote-١١) النص. 
القولُ الثاني : قال أبو جعفرٍ محمد بن علي الباقر : المرادُ بقوله تعالى : أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ  هو أَنْ يبتغي الإنسانُ حال كونه حاجّاً أعمالاً أخَرَ، تكونُ مُوجِبةً لاستحقاقِ فضْلِ الله ورحمته مِثْلَ إِعانَةِ الضَّعيف، وإغَاثَةِ الملهوف، وإطعام الجَائِعِ[(١٢)](#foonote-١٢)، واعترضَ عليه القاضي : بأَنّ هذا واجبٌ، أو مَنْدُوبٌ، ولا يُقالُ في مِثله : لا جَنَاحَ عَليكُم فيه، إِنَّما يُذكر هذا اللفظ في المُبَاحَاتِ[(١٣)](#foonote-١٣). 
والجوابُ : لا نُسَلِّمُ أَنَّ هذا اللفظَ لا يُذكرُ إلاّ في المُبَاحَاتِ لقوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ  \[ النساء : ١٠١ \] والقصْرُ مندوبٌ وكما قال تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا 
\[ البقرة : ١٥٨ \] والطوافُ ركنٌ في الحج، وإنّما أهلُ الجاهلية كانوا يعتقدون أنّ ضَمَّ سَائِرِ الطاعَاتِ إلى الحجِّ، يُوقِعُ خَلَلاً في الحج، ونَقْصاً ؛ فبيَّن اللَّهُ تعالى بقوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جَنَاحٌ  أنّ الأمر ليس كذلك. 
### فصل


اتفقُوا على أنّ التجارة إنْ أوْقعت نَقْصاً في الطاعة، لم تَكُنْ مباحةً، وإِنْ لم تُوقِعْ نقصاً في الطاعةِ، كانت مُبَاحةً، وتركها أَوْلَى ؛ بقوله تعالى : وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ 
\[ البينة : ٥ \]، والإخلاصُ هو ألاَّ يكونَ له حَامِلٌ على الفِعْل سِوى كونهِ عبادةً، والحاصِلُ أنّ الإِذْنَ في هذه التجارة جَار مَجْرَى الرُّخَصِ. 
قوله : فَإِذَا أَفَضْتُمْ  العاملُ فيها جَوَابُها، وهو " فَاذْكُرُوا " قال أبُوا البقاءِ[(١٤)](#foonote-١٤) رحمه الله " ولا تمنَعُ الفاءُ مِنْ عَمَل ما بعدَها، فيما قَبْلَها ؛ لأنه شَرْطٌ ". 
ومَنَعَ أبُو حَيَّان مِنْ ذلك بما معناه : أنَّ مكانَ إنشاءِ الإِفَاضَةِ غيرُ مكانِ الذكْرِ ؛ لأنَّ ذلك عَرَفَاتٌ، وهذا المَشْعَرُ الحَرَامُ، وإِذَا اختلفض المَكَانُ، لزم منه اختلافُ الزمَان ضرورةً، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يكونَ الذكْرُ عند المَشْعَرِ الحَرَامِ وَاقِعاً عند إنْشاء الإِفَاضَة. 
قوله :" مِنْ عَرَفَاتٍ " مُتَعلِّقٌ ب " أَفَضْتُم " والإِفَاضَةُ في الأَصْلِ : الصبُّ، يُقالُ، فَاضَ الإِناءُ، إذا امْتَلأَ حَتَّى ينصبَّ عن نواحيه. ورجلٌ فيَّاضٌ، أي : مندفقٌ بالعطاءِ ؛ قال زُهيرٌ :\[ الطويل \]٩٩٨ - وَأَبْيَضَ فَيَّاضٍ يَدَاهُ غَمَامَةٌ  عَلَى مُعْتَفِيهِ مَا تُغِبُّ فَوَاضِلُهُ[(١٥)](#foonote-١٥)وحديثٌ مستفيضٌ، أي شائِعٌ. 
ويقالُ : فاضَ الماءُ وأَفَضْتُه، ثم يُستعملُ في الإِحْرامِ مَجَازاً. والهَمْزَةُ في " أَفَضْتُم " فيها وجهان :
أحدُهما : أنها للتعدية، فيكون مفعولُه مَحْذُوفاً، تقديره : أَفَضْتُم أنفسكم، وهذا مَذْهب الزجاج، وتبعَهُ الزَّمَخْشَريُّ[(١٦)](#foonote-١٦)، وقَدَّره الزجاجُ فقال : معناه : دَفَعَ بعضُكم بَعْضاً والإِفَاضَةُ : الاندفاعُ في السَّيْرِ بكثرةٍ، ومنه يُقالُ : أَفَاضَ البَعِيرُ بجرِته، إذا وقع بها فألقاها منبثة، وكذلك أَفَاضَ القِداحَ في المَيْسِر، ومعناه : جمعها، ثم أَلقاها مُتَفَرِّقَةً، وإِفَاضَة الماءِ من هذا ؛ لأنه إذا صُبَّ، تَفَرَّق، والإِفَاضَةُ في الحديث، إِنَّما هو الاندفاعُ فيه بإكثارٍ، وتصرُّفٍ في وُجُوهِهِ ؛ قال تعالى : إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ  \[ يونس : ٦١ \]، قال بعضُهم : ولَيْسَ كذلك ؛ لما يأتي، ومنه يُقال للناس : فَوْض، ومثلهم فَوْضَى، ويُقال : أَفَاضَت العينُ دَمْعَها. فأصلُ هذه الكلمة : الدفعُ للشيءِ حتى يتفرقَ١ - ينظر: الكتاب ١/١٧..
٢ - ينظر: معاني القرآن ١/١٤٨..
٣ - ينظر: الإملاء: ١/٨٧..
٤ -ينظر: البحر المحيط ٢/١٠٣..
٥ -انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ٥/١٤٦..
٦ - أخرجه أبو داود (١/٥٤٠) كتاب المناسك باب الكري رقم (١٧٣٣) وأحمد (٦٤٣٥-شاكر) والطبري (٤/١٦٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٠١) وزاد نسبته لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٧ -أخرجه البخاري (٤/٢٤٨، ٢٦٩) (٨/١٣٩) والبيهقي (٤/٣٣٣) والطبري في "تفسيره" (٤/١٦٩) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٠٠) وزاد نسبته لسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٨ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/١٦٤) عن مجاهد..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٤٦..
١٠ - في بي: التغليب..
١١ - في ب: معاملة..
١٢ - ينظر تفسير الفخر الرازي ٥/١٤٧..
١٣ - ينظر تفسير الفخر الرازي ٥/١٤٧..
١٤ - ينظر: الإملاء ١/٨٧..
١٥ - البيت ينظر ديوانه ص (١١١) الجنى الداني ص (٤٤١)، اللسان "غيب"..
١٦ - ينظر: الكشاف ١/٢٤٥..

### الآية 2:199

> ﻿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:199]

استشكل الناس مجي " ثُمَّ " هنا ؛ من حيث إنَّ الإفاضة الثانية هي الإفاضة الأولى ؛ لأنَّ قريشاً كانت تقف بمزدلفة، وسائر الناس بعرفة، فأمروا أن يفيضوا من عرفة كسائر الناس، فكيف يجاء ب " ثُمَّ " التي تقتضي الترتيب والتراخي ؟ والجواب من وجوهٍ :
أحدها : أنَّ الترتيب في الذِّكر، لا في الزمان الواقع فيه الأفعال، وحسَّن ذلك ؛ أن الإفاضة الأولى غير مأمور بها، إنما المأمور به ذكر الله، إذا فعلت الإفاضة. 
ثانيها : أن تكون هذه الجملة معطوفةً على قوله : وَاتَّقُونِ يأُوْلِي الأَلْبَابِ  ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وهو بعيدٌ. 
ثالثها : أن تكون " ثُمَّ " بمعنى الواو، قال بعض النُّحَاةِ : فهي لعطف كلامٍ منقطع من الأول. 
قال بعضهم : وهي نظير قوله تعالى : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ  \[ البلد : ١٢، ١٣ \] إلى قوله : ثُّمَّ كّانَ  \[ البلد : ١٧ \]، أي : كان مع هذا من المؤمنين، وفائدة " ثُمَّ " ههنا : تأخُّر أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخّر المخبر عنه \[ عن ذلك المخبر عنه \]. 
رابعها : أن الإفاضة الثانية هي من جمع إلى منى، والمخاطبون بها جميع الناس، قاله الضَّحَّاك، ورجَّحه الطبريُّ، وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن، فتكون " ثُمَّ " على بابها، قال الزمخشريُّ :" فإنْ قلتَ : كيف موقعُ " ثُمَّ " ؟ قلتُ : نحو موقِعها في قولك : أَحْسِنْ إلَى النَّاسِ، ثُمَّ لاَ تُحْسِنْ إلَى غَيْرِ كَريمٍ " تأتي ب " ثُمَّ " ؛ لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وبُعد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات، قال : ثُمَّ أَفِيضُواْ  لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأنَّ إحداهما صواب والثانية خطأ " قال أبو حيَّان :" وليستِ الآية نظيرَ المثال الذي مَثَّلَهُ، وخاصل ما ذكر أن " ثُمَّ " تسلب الترتيب، وأنَّ لها معنى غيره سمَّاه بالتفاوت، والبعد لما بعدها عمَّا قبلها، ولم يذكر في الآية إفاضة الخطأ حتَّى تجيء " ثُمَّ " لتفاوت ما بينهما، ولا نعلم أحداً سبقه إلى إثبات هذا المعنى ل " ثُمَّ " قال شهاب الدين - رحمه الله تعالى - : وهذا الذي ناقش الزمخشريَّ به تحاملٌ عليه، فإنه يعني بالتفاوت والبعد التراخي الواقع بين الرتبتين، وسيأتي له نظائر، وبمثل هذه الأشياء لا يردُّ بها على مثل هذا الرجل. 
و " مِنْ حَيْثُ " متعلِّقٌ ب " أَفِيضُوا "، و " مِنْ " لابتداء الغاية، و " حَيْثُ " هنا على بابها من كونها ظرف مكانٍ، وقال القفَّال :" هي هنا لزمان الإفاضة " وقد تقدَّم أن هذا قول الأخفش، وتقدَّم دليله، وكأن القفال رام بذلك التغاير بين الإفاضتين ؛ ليقع الجواب عن مجيء " ثُم " هنا، ولا يفيد ذلك ؛ لأن الزَّمان يستلزم مكان الفعل الواقع فيه. 
و  أَفَاضَ النَّاسُ  في محلِّ جرِّ بإضافة " حَيْثُ " إليها، والجمهور على رفع السِّين من " النَّاسُ ". وقرأ سعيد بن جبيرٍ :" النَّاسِي " وفيها تأويلان :
أحدهما : أنه يراد به آدم - عليه السَّلام - بقوله :" فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ". 
والثاني : أن يراد به التارك للوقوف بمزدلفة، وهم جمع النَّاس، فيكون المراد ب " النَّاسِي " جنس الناسين، قال ابن عطيَّة[(١)](#foonote-١) :" ويجوز عند بعضهم حذف الياء، فيقول :" النَّاسِ " بكسر السِّين، فاكتفى بالكسرة عن الياء، وبها قرأ[(٢)](#foonote-٢) الزُّهريُّ ؛ كالقاص والهاد ؛ قال : أمّا جوازه في العربية، فذكره سيبويه وأمّا جوازه قراءةً، فلا أحفظه. قال أَبو حيان : لم يجز سيبويه ذلك إلا في الشِّعر، وأجازه الفرَّاء في الكلام، وأمَّا قوله :" لَمْ أَحْفَظْهُ "، فقد حفظه غيره، حكاها المهدويُّ قراءةً[(٣)](#foonote-٣) عن سعيد بن جبير أيضاً.

### فصل في المراد بالإفاضة


**في الآية الكريمة قولان :**
الأول : أنّ المراد بهذه الإفاضة من عرفات. 
قال المفسِّرون[(٤)](#foonote-٤) : كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة، ويقولون : نحن أهل الله وقطَّان حرمه، فلا نخرج من الحرم، ويستعظمون أن يقفوا مع النَّاس بعرفاتٍ، وسائر العرب كانوا يقفون بعرفاتٍ، فإذا أفاض النَّاس من عرفات، أفاض الحمس من المزدلفة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية الكريمة، وأمرهم أن يقفوا بعرفات وأن يفيضوا منها كما يفعله سائر النَّاس، والمراد بالنَّاس : العرب كلُّهم غير الحمس. 
وقال الكلبي[(٥)](#foonote-٥) : هم أهل اليمن وربيعة، وروي أنَّه - عليه السلام - لمّا جعل أبا بكرٍ أميراً في الحجِّ، أمره بإخراج النَّاس إلى عرفاتٍ، فلمّا ذهب مرّ على الحمس وتركهم، فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر رسول الله إلى عرفاتٍ، ووقف بها وأمر سائر النَّاس بالوقوف بها، وقال بعضهم :" أفِيضُوا " أمر عامٌّ لكلِّ النَّاس. 
وقوله : مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ  المراد : إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - : فإنَّ سنَّتهما كانت الإفاضة من عرفاتٍ. 
وقيل : المراد بالنَّاس : النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فإنَّه روي أنّ النَّبيَّ - عليه السلام - كان يقف في الجاهليَّة بعرفة كسائر النَّاس ويخالف الحمس. 
وقال الضَّحَّاك[(٦)](#foonote-٦) : النَّاس ههنا إبراهيم وحده، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدى به، وهو كقوله - تبارك وتعالى - : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ  \[ آل عمران : ١٧٣ \] يعني به : نعيم ابن مسعود،  إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ  \[ آل عمران : ١٧٣ \] يعني أبا سفيان، وهو مجاز مشهور ؛ ومنه قوله : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  \[ القدر : ١ \]. 
وقال القفَّال[(٧)](#foonote-٧) : قوله : مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ  \[ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفاتٍ، وأنَّه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث ؛ كما يقال : هذا ممَّا فعله النَّاس قديماً. 
وقال الزَّهريّ[(٨)](#foonote-٨) : إنّ المراد من النَّاس في هذه الآية : آدم - عليه السلام - ؛ واحتج بقراءة سعيد بن جبير المتقدِّمة. 
القول الثاني - وهو اختيار الضحَّاك ورجَّحه الطَّبري[(٩)](#foonote-٩) - : أنّ المراد بهذه الإفاضة، هي الإفاضة من مزدلفة إلى منى يوم النَّحر، قبل طلوع الشمس للرَّمي والنَّحر. 
وقوله : مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [(١٠)](#foonote-١٠) \] المراد : إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما[(١١)](#foonote-١١). 
قوله : وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ  " اسْتَغْفَرَ " يتعدَّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني ب " مِنْ " ؛ نحو : استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر ؛ كقول القائل :\[ البسيط \]أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ  رَبَّ العِبَادِ إِلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ[(١٢)](#foonote-١٢)هذا مذهب سيبويه[(١٣)](#foonote-١٣) - رحمه الله - وجمهور النَّاس. 
وقال ابن الطَّراوة : إنه يتعدَّى إليهما بنفسه أصالة، وإنما يتعدَّى ب " مِنْ " ؛ لتضمنه معنى ما يتعدَّى بها، فعنده " اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ مِنْ كَذَا " بمعنى تبت إليه من كذا، ولم يجىء :" اسْتَغْفَرَ " في القرآن الكريم متعدِّياً إلاَّ للأول فقط، فأمَّا قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ 
\[ غافر : ٥٥ \] \[ يوسف : ٢٩ \]  فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ  \[ آل عمران : ١٣٥ \] فالظاهر أنَّ هذه اللام لام العلَّة، لا لام التعدية، ومجرورها مفعول من أجله، لا مفعول به. وأمَّا " غَفَرَ " فذكر مفعوله في القرآن تارةً : وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ  \[ آل عمران : ١٣٥ \]، وحذف أخرى : وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ  \[ المائدة : ٤٠ \]. والسين في " اسْتَغْفَرَ " للطلب على بابها، والمفعول الثاني هنا محذوف للعلم به، أي : من ذنوبكم التي فرطت منكم. 
فإن قيل : أمرٌ بالاستْغفارِ مطلقاً، وربما كان فيهم من لم يُذنِبْ، فحينئذٍ لا يحتاجُ إلى الاسْتِغْفار. 
فالجواب : أنّه إن كان مُذْنِباً، فالاستِغْفار واجِب، وإن لم يُذْنِب، فيجوز من نفْسِه صدور التَّقْصِير في أداء الواجِبات، والاحتِراز عن المَحْظُوراتِ ؛ فيجب عليه الاسْتِغْفار تَدَارُكاً لذلك لخَلَلِ المُجَوَّز، وهذا كالمُمْتَنِع في حَقِّ البَشَر. 
### فصل


واختلف العلماء - رضي الله عنهُم - في هذه المَغْفرة الموعُودة. 
فقال بعضهم[(١٤)](#foonote-١٤) : إنّها عند الدَّفع من عَرَفَاتٍ إلى جمع. 
وقال آخرون[(١٥)](#foonote-١٥) : إنها عند الدَّفْع من جَمْع إلى مِنًى، وهذا مَبْنِيٌّ على الخِلاَف المُتَقَدِّم في قوله :" ثُمَّ أَفِيضُوا " على أيّ الأَمْرَين يحمل. 
قال القفّال[(١٦)](#foonote-١٦) - رحمه اللَّهُ - ويتأكَّد الثَّانِي بما رَوَى نَافِعٌ عن ابن عُمَر ؛ قال :" خَطَبنا رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عشِيَّة عَرَفَة ؛ فقال :" يا أيُّها النَّاسُ إن يَطَّلعُ الله عَلَيْكُم في مَقَامِكُم هذا، فَقَبِل من مُحْسِنِكُم، ووهب مُسِيئَكُم لمُحْسِنِكُم، والتَّبِعَاتُ عوَّضهَا من عنده، أفيضُوا على اسْم الله تعالى " قال أصحابُه : يا رسُول الله، أَفَضْتَ بنا بالأَمْسِ كَئِيباً حزِيناً، وأَفضتَ بنا اليَوْمَ فَرِحاً مَسْرُوراً، فقال عليه السَّلام - " إنّي سَأَلْت ربِّي - عزَّ وجل - بالأمْس شَيئاً لم يَجُدْ لي به : سأَلْتُه التَّبِعَات فَأَبَى عَلَيَّ، فلمّا كَانَ اليَوْم أَتَى جِبْرِيلُ - عليه السّلام - فقال : إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلام ويقول : التبِعَات ضَمِنْتُ عِوَضَهَا من عِنْدِي[(١٧)](#foonote-١٧) " والله أعلم. 
١ - ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٧٦..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٧٦، والبحر المحيط ٢/١٠٩، والدرر المصون ١/٤٩٧..
٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٢٧٦، ونصه: ويجوز عند تخفيف الياء، فيقول: "الناس" كالقاض والهاد.
 وانظر: البحر المحيط ٢/١٠٩، والدر المصون ١/ ٤٩٧..
٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٧٥..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٧٦..
٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٧٦..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٤..
٨ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٧٦..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٤..
١٠ -سقط في ب..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٤..
١٢ -تقدم برقم ٧٥١..
١٣ - ينظر: الكتاب ١/ ١٧١..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٦..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٦..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٦..
١٧ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/١٩٣-١٩٤) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/١٩٩) عن ابن عمر. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤١٣).
 والحديث ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٢٧) بمعناه من حديث عبادة بن الصامت ثم قال: رواه الطبراني في الكبير، ورواته محتج بهم في الصحيح إلا أن فيهم رجلا لم يسم.
 وكذلك ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/٢٥٦-٢٥٧) من حديث أنس بمعناه وقال: رواه أبو يعلى وفيه صالح المري وهو ضعيف..

### الآية 2:200

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [2:200]

اعلم أن " قَضَى " إذا عُلِّق بفعل النَّفْس، فالمرادُ منه الإِتْمَام والفَرَاغ ؛ كقوله تعالى : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ  \[ فصلت : ١٢ \]
 فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ  \[ الجمعة : ١٠ \]، وقوله - عليه السلام - :" وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا[(١)](#foonote-١) "، ويقال للحَاكِم عند فصل الخُصُومَةِ، قَضَى بينهما. وإذا عُلِّق على فِعْل الغَيْر، فالمراد به الإِلْزَام، كقوله : وَقَضَى رَبُّكَ  \[ الإسراء : ٢٣ \] وإذا اسْتُعْمِل في الإعلامِ، فالمراد أيضاً كذلك ؛ كقوله : وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  \[ الإسراء : ٤ \]، أي : أعْلَمْنَاهُم، وهذه الآية الكريمة من القِسم الأوَّل. 
وقال بعضهم[(٢)](#foonote-٢) : يحتمل أن يكون المُرَادُ : اذكُرُوا الله عِنْد المَنَاسِك، ويكون المُرَادُ من هذا الذَّكرِ : ما أُمروا به من الدُّعَاءِ بعَرَفاتٍ والمشعر الحَرَام والطَّواف والسَّعي ؛ كقول القائل : إذا حَجَجْتَ فَطُف وقف بعرَفَة، ولا يُريد الفراغ من الحَجِّ، بل الدُّخُول فيه، وحَمَلهُم على التَّأْويل صيغة الأَمْر. 
والمَنَاسِكُ، جمعُ " مَنْسِكٍ " بفتح السين وكسرِها، وسيأتي تحقيقُهما، وقد تقدَّم اشتقاقها قريباً، والقُرَّاء على إظهار هذا، ورُوِي عن أبي عمرو الإِدغامُ، قالوا : شَبَّه حركة الإِعرابِ بحركةٍ البناءِ فَحَذَفَها للإِدغام، وأدغم أيضاً " مَنَاسِككمْ " ولم يُدْغِمْ ما يُشْبِهُهُ من نحو :
 جِبَاهُهُمْ  \[ التوبة : ٣٥ \] و  وُجُوهُهُمْ  \[ آل عمران : ١٠٦ \]. 
قال بعض[(٣)](#foonote-٣) المُفسِّرين[(٤)](#foonote-٤) : إن جعلها جمع " مَنْسَك " الذي هو المَصْدَر بمنزلة النُّسُك، فالمراد : إذا قضيتم عبادتكُم الَّتِي أُمِرْتُمْ بها في الحَجِّ، وإن جَعَلْتَها جمع " مَنْسَك " الذي هو مَوْضع العِبادة، فالتَّقدير : فإذا قَضَيْتُم أعمال مناسِكِكُم، فيكون من باب حَذْفِ المُضَاف. 
إذا عُرِفَ هذا ؛ فنقول : قال بعضهم[(٥)](#foonote-٥) : المراد بالمَنَاسِكِ ما أَمَر اللهُ - تعالى - به في الحَجِّ من العِبَادَاتِ، وقال مُجاهد : قضاء المَنَاسِكِ : إراقَةُ الدِّمَاء[(٦)](#foonote-٦)، يقال : أنسَك الرجل يَنْسُك نُسْكاً، إذا ذبح نسِيكته بعد رَمْي جمرة العقبة والاستقرار بمِنًى، والفَاءُ في قوله : اذْكُرُواْ اللَّهَ  تدلُّ على أنَّ الذِّكْر يجب عقيب الفراغ من المَنَاسِك ؛ فلذلك اخْتَلَفُوا. 
فمنهم من حمله على التكبير بعد الصَّلاَة يَوْم النَّحْر وأَيَّام التَّشْريق - على حسبِ اختِلاَفهم في وقته - أن بعد الفراغ من الحَجَّ لا ذِكْر مَخْصُوص إلاَّ التكبِير. 
ومنهم من قال : بل المُراد تحويلُ القَوْم عمّا اعتَادُوهُ بعد الحَجِّ من التَّفَاخُر بالآباء[(٧)](#foonote-٧) ؛ لأنه تعالى لو لم يَنْه عنه بهذه الآية الكريمة، لم يَعْدلُوا عن هذه الطَّرِيقة. 
ومنهم من قال : بل المُراد منه أنّ الفَراغَ من الحَجِّ يوجِبُ الإِقبَال على الدُّعاء والاستغفار ؛ كما أن الإِنْسَان بعد الفَراغ من الصَّلاة يُسَنُّ أن يشتغل بالذِّكر والدُّعاء. 
قوله : كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ  الكافُ كالكاف في قوله  كَمَا هَدَاكُمْ 
\[ البقرة : ١٩٨ \] إلاَّ في كونها بمعنى " عَلَى " أو بمعنى اللام، فَلْيُلتفتْ إليه، والجمهورُ على نصب " آبَاءَكُمْ " مفعولاً به، والمصدرُ مضافٌ لفاعِلِه على الأصل، وقرأ[(٨)](#foonote-٨) محمدُ بنُ كعبٍ :" آبَاؤكُمْ " رفعاً، على أنَّ المصدرّ مضافٌ للمفعولِ، والمعنى : كما يَلْهَجُ الابنُ بذكر أبيه، ورُوِيَ عنه أيضاً :" أَبَاكُمْ " بالإِفراد على إرادة الجنسِ، وهي توافِقُ قراءةَ الجماعة في كونِ المصدر مضافاً لفاعله، ويَبْعُدُ أن يقال : هو مرفوعٌ على لغةِ مَنْ يُجْرِي " أَبَاكَ " ونحوَهُ مُجْرَى المقْصورِ.

### فصل


قال جمهور المُفسِّرين[(٩)](#foonote-٩) : إن القوم كانوا بعد الفراغ من الحَجِّ يبالِغُون في الثَّنَاءِ على آبَائِهِم وفي ذكر مَناقِبهم، فقال تعالى : فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ ، أي : فاجهَدُوا في الثَّنَاء على الله وشرح الآية، كما بذلتم جَهْدَكم في الثَّناء على آبَائِكم. 
وقال الضَّحَّاك والرَّبيع : اذكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم وأمَّهَاتكم[(١٠)](#foonote-١٠)، واكتفى بذكر الآباءِ، كقوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ  \[ النحل : ٨١ \] قالوا : وهو قول الصَّبيِّ أول ما يُفصح للكلام أَبَه أَبَه أُمَّه أُمَّه، أي : كونوا مُوَاظِبين على ذِكْرِ الله ؛ كمواظَبَة الصَّغير على ذِكْر أبيه وأمِّه. 
وقال أبو مسلم[(١١)](#foonote-١١) : أجرى ذِكر الآباء مثلاً لدوام الذكْرِ، أي : كما أنّ الرَّجُل لا يَنْسَى ذكر أبيه، فكذلك يَجِبُ ألاّ يَغْفَل عن ذِكْر الله - تعالى -. 
وقال ابن الأَنْباري[(١٢)](#foonote-١٢) : كانت العرب في الجَاهِليَّة تكثِر من القَسَم بالآباءِ والأَجْدَادِ ؛ فقال تعالى :" عَظِّمُوا الله كَتَعْظِيم آبَائكُم ". 
وقيل : كما أنّ الطِّفْل يرجع إلى أبِيه في طَلَبِ جميع مُهِمَّاتِه، ويكون ذَاكِراً له بالتَّعظِيم فكُونُوا أنتم في ذِكْر الله كذلك. 
وقيل : يُحْتَمل أنّهم كَانُوا يَذْكُرون آباءَهُم ؛ ليتَوسَّلُوا بذكرهم إلى إجابة الدُّعَاء، فعرَّفَهُم الله - تعالى - أنّ آباءَهُمْ لَيْسَوا في هذه الدَّرَجَة ؛ إذ أَفْعَالُهم الحَسَنة مُحْبَطة بشِرْكِهِم. 
وسُئِل ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - عن قوله تعالى : فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ، فقيل : يأتي على الرَّجُل اليَوْم لا يذكُر فيه أَبَاهُ. 
قال ابن عبَّاس : ليس كذلك ؛ ولكن هو أن تَغْضَب لله إذا عُصِيَ، أَشَدَّ من غَضَبِك لوَالِدَيْك إذا ذُكِرا بِسوءٍ[(١٣)](#foonote-١٣). 
قوله : أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً  يجوزُ في " أَشَدَّ " أن يكونَ مجروراً، وأَنْ يكونَ منصوباً : فأمّا جَرُّه، فذكروا فيه وجهين :
أحدهما : أن يكونَ مجروراً عطفاً على " ذِكْركم " المجرورِ بكافِ التشبيه، تقديرُهُ : أو كَذِكْر أَشَدَّ ذِكْراً، فتجعلُ للذكر ذِكْراً مجازاً، وإليه ذهب الزَّجَّاج[(١٤)](#foonote-١٤)، وتبعه أبو البقاء[(١٥)](#foonote-١٥) - رضي الله عنه - وابن عَطيَّة. 
والثَّاني : أنه مجرورٌ عطفاً على المخْفُوض بإضافة المَصْدر إليه، وهو ضميرُ المخاطبين، قال الزمخشريُّ : أَوْ أَشَدَّ ذكِراً في موضِع جرٍّ عَطْفاً على ما أُضيفَ إليه الذكْرُ في قوله : كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً  ؛ كما تقول :" كَذِكْرِ قُرَيْش آباءَهُمْ أو قَوْم أَشَدَّ منْهُمْ ذِكْراً " وهو حَسَنٌ، وليس فيه تَجَوُّزٌ بأَنْ يُجْعَلَ لِلذكرِ ذِكْرٌ ؛ لأنه جَعَلَ " أَشَدَّ " من صفات الذَّاكرِينَ، إلا أن فيه العَطْفَ على الضَّميرِ المجْرُورِ من غير إعادة الجارِّ، وهو ممنوعٌ عند البَصْريين، ومَحَلُّ ضرورة. 
**وأمَّا نصبُه فمن أوجهٍ :**
أحدُها : أن يكونَ معطوفاً على " آباءَكُمْ " قاله الزمخشريُّ، فإنه قال :" بمعنى أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً مِنْ آبَائِكُم " ؛ على أنَّ " ذِكْراً " من فِعْلِ المذكور هو كلامٌ يَحْتاجُ إلى تفسير، فقولُه :" هو معطُوفٌ على آبَاءَكُمْ " : معناه أنك إذا عَطَفْتَ " أَشَدَّ " على " آبَاءَكُمْ "، كان التقديرُ : أو قوماً أشدَّ ذِكْراً من آبائِكُمْ، فكان القومُ مذكورِينَ، والذكرُ الذي هو تمييزٌ بعد " أَشَدَّ " هو من فِعْلهم، أي : من فعلِ القوم المذكُرِين ؛ لأنه جاء بعد " أَفْعَلَ " الذي هو صفةٌ للقوم، ومعنى " مِنْ آبَائِكُمْ " أي من ذكرِكم لآبائِكُمْ، وهذا أيضاً ليس فيه تجوزٌّ بأنْ جُعِل الذِّكْرُ ذَاكِراً. 
الثاني : أن يكونَ مَعْطُوفاً على محلِّ الكاف في " كَذِكْرِكُم " ؛ لأنها عندهم نعتٌ لمصدر محذوف، تقديرُه :" ذِكْراً كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ " وجَعَلُوا الذِّكْرَ ذاكراً مجازاً ؛ كقولهم : شِعْرٌ شَاعِرٌ، وهذا تخريج أبي عَلِيٍّ وابن جنِّي. 
الثالث : قاله مَكّيٌّ : أن يكونَ منصوباً بإضمار فِعْلٍ، قال : تقديرُه :" فاذْكرُوهُ ذِكْراً أَشَدَّ من ذِكرِكُمْ لآبائكم " ؛ فيكونَ نعتاً لمصدر في موضع الحالِ، أي : اذكُرُوهُ بَالِغِينَ في الذِكْرِ. 
الرابع : أن يكونَ مَنْصُوباً بإضمار فعْلِ الكَوْن، قال أبو البقاء[(١٦)](#foonote-١٦) :" وعِنْدِي أنَّ الكلاَمَ محمولٌ على المَعْنى، والتقدير : أو كُونُوا أَشَدَّ لِلَّهِ ذِكْراً منكم لآبائِكُمْ، ودلَّ على هذا المعنى قولُه : فَاذْكُرُواْ اللَّهَ  أي : كونوا ذَاكِريهِ، وهذا أسهلُ مِنْ حَمْلِه على المَجَاز " يعنى المجازَ الذي تقدَّم ذِكْرُهُ عن الفارسيِّ وتلميذه. 
الخامس : أن يكون " أَشَدَّ " نَصْباً على الحال مِنْ " ذِكْراً " ؛ لأنه لو تأخَّرَ عنه، لكان صفةٌ له ؛ كقوله :\[ مجزوء الوافر \]لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ  يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ[(١٧)](#foonote-١٧) " مُوحِشاً " حالٌ من " طَلَل " ؛ لأنَّه في الأصل صفةٌ، فلما قُدِّم تعذَّر بقاؤه صفةً، فَجُعِلَ حالاً، قاله أبو حيَّانَ - رحمه الله تعالى -، فإنه قال بعد ذكْره ثلاثةَ أوجه لنصبه، ووجهين لجَرِّه :" فهذه خمسةُ أوجه كلُّها ضعيفةٌ، والذي يتبادر إلى الذِّهْنِ في الآية أنهم أُمِرُوا بأَنْ يَذْكُروا الله ذِكْراً يُمَاثِلُ ذِكْرَ آبائِهِم، أَوْ أَشَدَّ، وقد ساغ لنا حَمْلُ هذه الآية الكريمة عليه بوجهٍ ذُهِلُوا عنه "، فَذَكَر ما تقدَّم، ثم جَوَّز في " ذِكْراً " - والحالةُ هذه - وجْهَين :
أحدهما : أن يكونَ معطوفاً على مَحَلِّ الكاف في " كِذِكْرِكُمْ "، ثم اعترضَ على نفسِه في هذا الوجه ؛ بأنه يلزم منه الفصلُ بين حرفِ العطف، وهو " أَوْ " وبين المعطوف وهو " ذِكْراً " بالحال، وهو " أَشَدَّ "، وقد نصَّ النحويون على أن الفصْلَ بينهما لا يجوز إلا بشرطَيْن :
أحدهما : أن يكون حرفُ العطفِ أكثرَ من حرفٍ واحد. 
والثاني : أن يكونَ الفاصلُ قَسَماً، أو ظَرْفاً أو جَارّاً، وأحدُ الشرطَيْنِ موجودٌ، وهو الزيادةُ على حرِفٍ، والآخرُ مفقودٌ، وهو كونُ الفاصل ليس أحدَ الثلاثةِ المتقدِّمة، ثم أجابَ بأن الحالَ مقدَّرةٌ بحرفِ الحر وشَبَّهه بالظرفِ، فَأُجْرِيَت مُجْرَاهُمَا. 
والثاني : من الوجْهَيْن في " ذِكْراً " أن يكونَ مصدراً لقوله :" فَاذْكُرُوا "، ويكون قوله :" كَذِكْرِكُمْ " في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ " ذِكْراً " ؛ لأنها في الأصل صفةٌ له، فلما قُدِّمتْ، كانَتْ في محلِّ حالٍ، ويكون " أَشَدَّ " عطفاً على هذه الحال، وتقديرُ الكلاَم :" فاذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَذِكْرِكُمْ، أي : مُشْبِهاً ذِكْرَكُمْ أَو أَشَدَّ " ؛ فيصيرُ نظيرَ :" اضْرِبْ مِثْلَ ضَرْبِ فُلاَنٍ أَوْ أَشَدَّ " الأصل : اضْرِبْ ضَرْباً مِثْلَ ضَرْبِ فُلاَنِ أَوْ أَشَدَّ. 
و " ذِكْراً " تمييزٌ عند غير الشَّيخ كما تقدَّم، واستشْكَلُوا كونَه تمييزاً منصوباً ؛ وذلك أن أفعلَ التفضيل يجب أن تُضَاف إلى ما بعدها، إذا كان مِنْ جنسِ ما قبلها ؛ نحو :" وَجْهُ زَيْدٍ أَحْسَنُ وَجْهٍ "، " وعِلْمُهُ أَكْثَرُ عِلْم ١ -أخرجه البخاري (٢/ ٣٩٠) كتاب الجمعة: باب المشي إلى المساجد (٩٠٨) ومسلم (١/٤٢٠-٤٢١) كتاب المساجد باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (١/٢٥/٦٠٢) من حديث أبي هريرة..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٧..
٣ - في ب: بعضهم..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٧..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٧..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/١٩٥) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤١٦) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٧ - في ب: الإقبال..
٨ - انظر: المحرر الوجيز ١/٢٧٦، والبحر المحيط ٢/١١١، والدر المصون ١/٤٩٨..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٨..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" ٤/١٩٨ عن الضحاك..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٨..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٥٨..
١٣ الأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٤١٧) عن ابن عباس وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٤ - ينظر: معاني القرآن ١/٢٦٤..
١٥ - ينظر: الإملاء ١/٨٨..
١٦ - ينظر: الإملاء ١/٨٨..
١٧ - تقدم برقم ٦٥٣..

### الآية 2:201

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [2:201]

قوله تعالى : فِي الدنيا حَسَنَةً  \[ البقرة : ٢٠١ \] يجوز في الجارِّ وجهان. 
أحدهما : أن يتعلَّق ب " آتنا " كالذي قبله. 
والثاني : أجازه أبو البقاء[(٢٤)](#foonote-٢٤) أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حالٌ من " حَسَنَةٌ " ؛ لأنه كان في الأصل صفةً لها، فلما قُدِّم عليها، انتصَبَ حالاً. 
قوله : وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً  هذه الواوُ عاطفةٌ شيئَيْن على شيئَيْن متقدِّمَيْن ف " في الآخِرةِ " عطفٌ على " في الدُّنْيَا " بإعادةِ العاملِ، و " حَسَنَةً " عطفٌ على " حَسَنَةً "، والواو تَعْطِفُ شيئين فأكثرَ، على شيئين فأكثرَ ؛ تقول :" أَعْلَمَ اللَّهُ زَيْداً عَمْراً فَاضِلاً، وَبَكْراً خَالِداً صَالِحاً "، اللهم إلا أن تنوبَ عن عاملين، ففيها خلافٌ وتفصيلٌ يأتي في موضعِه - إنْ شاء الله -، وليس هذا كما زعم بعضُهُم : أنه من بابِ الفصْلِ بين حرفِ العطفِ وهو على حرفٍ واحد، وبين المعطوفِ بالجارِّ والمجرور، وجعله دليلاً على أبي عليٍّ الفارسيِّ ؛ حيثُ منع ذلك إلا في ضَرَورةٍ ؛ لأن هذا من باب عَطْفِ شيئين على شيئين ؛ كما ذكرتُ لك، لا من باب الفصلِ، ومحلُّ الخلافِ إنما هو نحو :" أَكْرَمْتُ زَيْداً وَعِنْدَك عَمْراً "، وإنما يُرَدُّ على أبي عَليٍّ بقولِه : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ  \[ النساء : ٥٨ \] وقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ 
\[ الطلاق : ١٢ \].

### فصل


ذكر المفسِّرُون في الحُسْنَيين وجوهاً :
قال عليٌّ بن أبي طالب : في الدُّنيا امرأة صالحة، وفي الآخِرَة الجنَّة[(٢٥)](#foonote-٢٥) ؛ رُوِي عن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ أنه قال : الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ[(٢٦)](#foonote-٢٦). 
وقال الحسن[(٢٧)](#foonote-٢٧) : في الدُّنيا حَسَنَة العلم والعِبَادةً، وفي الآخِرَة : الجَنَّة والنظر. 
روى الضحّاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ؛ " أنّ رجلاً دَعَا ربَّه فقال :" رَبِنا آتِنَا في الدُّنْيا حَسَنة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَاَب النَّارِ " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" ما أَعْلَمُ أنّ هذا الرَّجُل سأَلَ الله شَيْئاً من أمر الدُّنْيَا "، فقال بَعْضُ الصحابة : بَلَى يا رسُول الله إنّه قال :" ربَّنّا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة "، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" إنّه يَقُول ربَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا عملاً صَالِحاً [(٢٨)](#foonote-٢٨) ". 
وقال السُّدِّيُّ وابن حيان : في الدُّنْيَا رِزْقاً حَلاَلاً وعَمَلاً صَالِحاً، وفي الآخرة المَغْفِرة والثَّوَاب[(٢٩)](#foonote-٢٩). 
وقال عوف : من آتاهُ الله الإِسْلام والقُرْآن وأَهْلاً ومالاً، فقد أُوتِي في الدُّنْيا حَسَنَة وفي الآخِرة حسَنَة[(٣٠)](#foonote-٣٠). 
وقيل : الحَسَنة في الدُّنْيا الصِّحَة والأَمن، والكفاية، والولد الصَّالِح، والزَّوجَة الصَّالحة، والنُّصْرة على الأَعْداء ؛ لأن اللَّهَ تعالى سمَّى الخَصْب والسَّعَة في الرِّزق حسَنة ؛ فقال : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ  \[ التوبة : ٥٠ \]. 
وقيل في قوله تعالى : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ 
\[ التوبة : ٥٢ \] أنهما الظَّفَر والنُّصْرة، وأمّا الحَسَنةُ في الآخِرة فهي الفوز بالثَّواب والخلاص من العِقاب. 
وقال قتادة : هو طَلَبُ العافية في الدَّارَيْن[(٣١)](#foonote-٣١). 
وبالجُمْلة فهذا الدُّعاء جامِعٌ لجميع مطالب الدُّنْيَا والآخرة ؛ روى ثابتٌ ؛ أنَّهم قالوا لأَنس : ادع لنا، فقال :" اللَّهُم آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنة وفي الآخِرَة حَسَنَة وقِنا عَذَاب النَّار " قالوا : زدنا، فأعادها، قالوا : زدنا، قال : ما تُرِيدون ؛ قد سأَلتُ لك خير الدُّنيا والآخرة[(٣٢)](#foonote-٣٢). 
وعن أنس ؛ قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِر أن يَقُول :" رَبَّنا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنة وفي الآخرة حَسَنةً وقِنا عذاب النَّارِ " [(٣٣)](#foonote-٣٣). 
وعن عبد الله بن السَّائِب ؛ أنّه سمع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقُول فيما بين رُكْن بني جمح والرُّكن الأَسود " رَبِنا آتِنَا في الدُّنْيا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " [(٣٤)](#foonote-٣٤). 
### فصل


قال ابن الخطيب[(٣٥)](#foonote-٣٥) : اعلم أن مَنْشأ البَحث في الآية الكريمة أنّه لو قِيلَ : آتِنا في الدنيا الحَسَنَة وفي الآخِرة الحَسَنة، لكان ذلك مُتَنَاوِلاً لكل الحَسَناتِ، ولكنه قال :" آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَة حَسَنَةً "، وهذا نَكِرَة في محلِّ الإثبَاتِ، فلا يتنَاول إلاّ حَسَنةً واحِدَة ؛ فلذلك اخْتَلف المُفَسِّرون، فكل واحد منهم حَمَل اللَّفظ على ما رآه أَحْسَن أَنْوَاع الحَسَنة، وهذا بناء منه على أنّ الفَرْد المُعَرَّف بالأَلف واللاَّم يَعمُّ[(٣٦)](#foonote-٣٦)، وقد اختار في " المَحْصُول " خلافه. 
ثم قال : فإن قيل : أليس أنّه لو قيل : آتِنَا الحَسَنة في الدُّنيا والحَسَنة في الآخِرَة، لكان مُتَنَاوِلا لكلِّ الأقْسَام، فلم تَرَك ذلك وذكره مُنكَّراً ؟
وأجاب[(٣٧)](#foonote-٣٧) بأن قال : إنّا بَيَّنَّا أنّه ليس للدَّاعِي أن يَقُول : اللهم أَعْطِني كَذَا وكَذَا، بل يجب أن يقول : اللَّهُم إن كان كّذَا مَصْلَحَةً لي، وموافِقاً لقَضَائِك وقَدَرِك، فأَعْطِني ذَلِك، فلو قال : اللهم أَعْطِني الحَسَنَة في الدُّنْيَا، لكان ذلك جَزْماً، وقد بَيَّنَّا أنّه غير جَائِز، فلمّا ذكَرَه على سبيل التَّنْكِير، كان المراد منه حَسَنَة واحدة، وهي التي تُوَافِقُ قَضَاءَه وقدَرَه، وكان ذلك أحسن وأقْرَب إلى رعايته الأَدَب. 
وقوله :" قِنَا " : ممَّا حُذِفَ منه فاؤُه ولامُه من وَقَى يقي وِقَايةً، أمَّا حذفُ فائه، فبالحَمْلِ على المضارع ؛ لوقوع الواوِ بين ياءٍ وكسرةٍ كما حُذِفَت يقي ويَشي مثل بعد، هذا قول البصريِّين، وقال الكُوفِيُّون : حُذِفت فرقاً بين اللازم والمُتَعدِّي. 
قال محمَّد بن زيد : وهذا خطأ ؛ لأن العرب تقول : وَرِمَ يَرِمُ، فيحذفون الواو وأمَّا حذفُ لامِهِ ؛ فلأنَّ الأمر جارٍ مَجْرَى المضارع المجزوم، وجزمِه بحذفِ حرفِ العلةِ ؛ فكذلك الأمرُ منه، فوزن " قِنَا " حينئذ : عِنَا، والأصل : اوْقِنَا، فلمَّا حُذِفَت الفاءُ اسْتُغُنِي عن همزةِ الوصل، فَحُذِفَتْ، و " عَذَابَ " مفعولٌ ثانٍ.

### الآية 2:202

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [2:202]

قوله تعالى :" أُولَئِكَ " مبتدأ و " لَهُمْ " خبرٌ مقدم، و " نَصِيب " مبتدأ، وهذه الجملةُ خَبرُ الأولِ، ويجوز أن يكونَ " لَهُمْ " خبرَ " أولئك "، و " نَصِيب " فاعلٌ به ؛ لما تضمَّنه من معنى الفعلِ لاعتمادِه، والمشارُ إليه ب " أُولئكَ " فيه قولان :
أظهرهُما : أنهما الفريقان : طالبُ الدنيا وحدَها وطالبُ الدنيا والآخرة، وقيل : بَلْ لِطَالب الدنيا والآخرة ؛ لأنه - تعالى - ذكر حكم الفريق الأَوَّل ؛ حيث قال : وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ . 
قوله : مِمَّا كَسَبُواْ  متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنه صفةٌ ل " نَصِيب "، فهو في محلِّ رفعٍ، وفي " مِنْ " ثلاثةُ أقوال :
أحدُها : أنها للتبعيض، أي : نصيب من جِنْس ما كسبوا. 
والثاني : أنها للسببيةِ، أي : مِنْ أَجْلِ ما كَسَبُوا. 
والثالث : أنها للبيان.

### فصل


قال ابن عَبَّاس في قوله : أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ  : هو الرَّجُل يأخُذُ مالاً يَحُجُّ به مِنْ غيره ؛ فيكون له ثَوَابٌ. 
و " ما " يجوزُ فيها وجهان : أن تكونَ مصدريةً، أي : مِنْ كَسْبِهِمْ ؛ فلا تحتاجُ إلى عائدٍ. 
والثاني : أنها بمعنى " الَّذِي "، فالعائدُ محذوفٌ ؛ لاستكمال الشروط، أي : مِنَ الذي كَسَبُوه. 
و " الكَسْبُ " : يُطلق على ما يَنَالهُ العَبْد بعمله، بشرط أن يكُونَ لجرِّ مَنْفَعةٍ، أو دفع مضرَّة. 
قوله : وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ  السَّرِيع فاعل من السُّرْعة قال ابن السِّكِّيت[(٣٨)](#foonote-٣٨) : سَرُعَ يَسْرُع سَرْعاً وسُرْعَة، فهو سَرِيعٌ ؛ مثل عَظُم يَعْظُم. 
و " الحِسَاب " مصدر كالمُحَاسَبَة، ومَعْنى الحساب في اللُّغةِ : العدُّ ؛ قال حَسَبَ يَحْسُبُ حِساباً وحسبَة وحَسْباً إذا عَدّ ذكره الليث وابن السِّكِّيت[(٣٩)](#foonote-٣٩)، والحَسْب ما عُدَّ ؛ ومنه حَسَبُ الرَّجُل : وهو ما يُعَدُّ من مآثِرِه ومَفَاخِرِه، والمعنى أنّ الله سريع الحساب، لا يَحْتَاج إلى عَدٍّ ولا إلى عَقدٍ كما يَفْعَلُه الحسَّابُ، والاحْتِسَاب : الاعتِدَاد بالشَّيْء. 
وقال الزّجَّاج[(٤٠)](#foonote-٤٠) : الحِسَاب في اللُّغة مأخوذٌ من قَوْلهم :" حَسْبُك كذا "، أي : كَفَاك، فسُمِّي الحِسَابُ في المُعَامَلات حِسَاباً ؛ لأنّه يُعلم به ما فيه كِفَايَة، وليس فيه زِيَادة على المِقْدَار ولا نُقْصَان. 
وقيل : وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ  قال الحَسَن[(٤١)](#foonote-٤١) : أسْرَع مِنْ لَمْحِ البَصَر. 
وقيل : إتْيَان القِيَامة قريبٌ ؛ لأن ما هو أتٍ لا مَحَالَة قَرِيب ؛ قال - تعالى -  وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ  \[ الشورى : ١٧ \]. 
وقيل : سريع الحساب، أي : سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ؛ لأنّه - تعالى - في الوقت الواحد يسأله السَّائلون، كلُّ واحدٍ منهم أشياء مختلفة من أمور الدُّنيا والآخرة، فيعطي كلَّ واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك. 
### فصل في أن الله هو المحاسب


اختلف الناس في معنى كونه - تعالى - محاسباً للخلق على وجوه :
أحدها : أنّ معنى الحساب : أنّه - تعالى - يعلِّمهم ما لهم و \[ ما \] عليهم، بمعنى أنّه يخلق علوماً ضروريّة في قلوبهم، بمقادير أعمالهم وكمِّيَّتها وكيفيَّاتها، ومقادير ما لهم من الثَّواب والعقاب. 
قالوا : ووجه المجاز فيه أنّ الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له و \[ ما \] عليه، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون من باب إطلاق اسم السَّبب على المسبِّب، وهو مجاز مشهورٌ. 
ونقل عن ابن عباس[(٤٢)](#foonote-٤٢) - رضي الله عنهما - أنّه قال : لا حساب على الخلق، بل يقفون بين يدي الله - تعالى -، يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال لهم : هذه سيِّئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم، ويقال لهم : هذه حسناتكم قد ضاعفتها لكم. 
الثاني : أنّ المحاسبة عبارة عن المجازاة ؛ قال - تبارك وتعالى -
 وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً  \[ الطلاق : ٨ \]، ووجه المجاز : أنَّ الحساب سبب للأخذ والعطاء، وإطلاق اسم السَّبب على المسبّب جائزٌ ؛ فحسن إطلاق لفظ الحساب على المجازاة. 
الثالث : أنّه تعالى يكلِّم العباد في أحوال أعمالهم، وكيفيَّة ما لها من الثَّواب والعقاب، فمن قال : إن كلامه ليس بحرف ولا صوتٍ، قال : إنّه تعالى يخلق في أذن المكلَّف سمعاً يسمع به كلامه القديم ؛ كما أنّه يخلق في عينيه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال : إنه صوت، قال : إنّه - تعالى - يخلق كلاماً يسمعه كلُّ مكلَّف، إمّا بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كلِّ واحدٍ منهم، أو في جسم يقرب من أذنه، بحيث لا تبلغ قوَّة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلِّف به، والله أعلم.

### الآية 2:203

> ﻿۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [2:203]

قوله :" مَعْدُودَاتٍ " : صفة لأيام، وقد تقدَّم أن صفة ما لا يعقل يطَّرد جمعها بالألف والتاء، وقد ذكر أبو البقاء هنا سؤالاً ؛ فقال : إن قيل " الأيَّام " واحدها " يَوْم " و " المَعْدُودَات " واحدتها " مَعْدُودَةٌ "، واليوم لا يوصف بمعدودة، لأنَّ الصفة هنا مؤنثة، والموصوف مذكَّر، وإنما الوجه أن يقال :" أَيَامٌ مَعْدُودَةٌ " فتصف الجمع بالمؤنث، فالجواب أنه أجرى " مَعْدُودَاتٍ "، على لفظ " أَيَّام "، وقابل الجمع بالجمع مجازاً، والأصل " مَعْدُودَة " ؛ كما قال :
 لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً  \[ البقرة : ٨٠ \]، ولو قيل : إن الإيام تشتمل على السَّاعات، والساعة مؤنَّثة، فجاء الجمع على معنى ساعات الأيَّام، وفيه تنبيه على الأمر بالذِّكر في كلِّ ساعات هذه الأيام، أو في معظمها، لكان جواباً سديداً، ونظير ذلك الشهر والصَّيف والشتاء ؛ فإنها يجاب بها عن " كَمْ "، و " كَمْ " إنما يجاب عنها بالعدد، وألفاظ هذه الأشياء ليست عدداً، وإنما هي أسماء المعدودات، فكانت جواباً من هذا الوجه. قال شهاب الدين وهذا تطويل من غير فائدةٍ، وقوله " مفرد معدوداتٍ معدودةٌ بالتأنيث " ممنوعٌ، بل مفردها " مَعْدُود " بالتذكير، ولا يضرُّ جمعه بالألف والتاء، إذ الجمع بالألف والتاء لا يستدعي تأنيث المفرد ؛ ألا ترى إلى قولهم : حمَّامات وسجلاَّت وسرادقات. 
قال الكوفيُّون : الألف والتَّاء في " مَعْدُودَاتٍ " لأقلِّ العدد. 
وقال البصريُّون : هما للقليل والكثير ؛ بدليل قوله تعالى : وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ  \[ سبأ : ٣٧ \] والغرفات كثيرة.

### فصل


اعلم أنّ الله - تعالى - لمّا ذكر المشعر الحرام، لم يذكر الرَّمي لوجهين :
أحدهما : أنّ ذلك كان أمراً مشهوراً عندهم، وكانوا منكرين لذلك إلاّ أنّه - تعالى - ذكر ما فيه من ذكر الله - تعالى - ؛ لأنهم كانوا لا يفعلونه. 
الثاني : لعلَّه إنما لم يذكر الرَّمي ؛ لأن في الأمر بذكر الله في هذه الأيَّام دليلاً عليه ؛ إذ كان من سنَّته التكبير على كلِّ حصاةٍ. 
### فصل


قال هنا : في أيَّام معدوداتٍ، وفي سورة الحجِّ : وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ  \[ الحج : ٢٨ \]، فقال أكثر أهل العلم، الأيَّام المعلومات : عشر ذي الحجَّة، آخرهن يوم النَّحر. 
والمعدودات : هي أيَّام التَّشريق[(١)](#foonote-١) ؛ وهي أيَّام منى، ورمي الجمار، وسمِّيت معدودات لقلَّتهن ؛ كقوله : دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ  \[ يوسف : ٢٠ \] ولقوله تعالى بعده : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ، وأجمعت الأمَّة على أنّ هذا الحكم إنّما يثبت في أيَّام منى ؛ وهي أيَّام التَّشريق. 
قال الواحديّ[(٢)](#foonote-٢) - رحمه الله - : أيَّام التَّشريق ثلاثة أيَّام بعد يوم النَّحر :
أولها : يوم النَّفر ؛ وهو الحادي عشر من ذي الحجَّة، يستقرُّ النَّاس فيه بمنًى. 
والثاني : يوم النَّفر الأول ؛ لأن بعض النَّاس ينفرون في هذا اليوم من منًى. 
والثَّالث : يوم النَّفر الثَّاني : وهذه الأيّام الثّلاثة مع يوم النَّحر كلُّها أيَّام النَّحر، وعند أحمد - رحمه الله - : عند آخر وقت النَّحر إلى يومين من أيَّام التَّشريق، وأيّام التَّشريق مع يوم النَّحر أيام رمي الجمار ؛ وأيّام التكبير أدبار الصَّلوات. 
واستدلَّ القفَّال على أنّ الأيَّام المعدودات هي أيَّام التَّشريق بما روى عبد الرَّحمن بن يعمر الدئلي ؛ أنّ رسول الله صلى الله عيله وسلم أمر منادياً فنادى، " الحَجُّ عَرَفَةُ، من جَاء لَيْلَة جمْعٍ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ، فقد أدرك الحجَّ، وأيّام منىً ثلاثَة أيّام، فمن تَعَجَّل في يَوْمَيْن فلا إثْمَ عَلَيْه، ومن تَأَخَّر فلا إثْمَ عَلَيْه "، وهذا يدلُّ على أنّ الأيَّام المعدودات هي أيَّام التَّشريق. 
وروي عن ابن عبَّاس :" المَعْلُومَات " يوم النَّحر ويومان بعده، و " المَعْدُودَات " أيام التَّشريق[(٣)](#foonote-٣). 
وعن علي - رضي الله عنه - قال :" المَعْلُومَات يوم النَّحْرِ وثَلاَثَة بَعْدَه[(٤)](#foonote-٤) ". 
وروى عطاء عن ابن عباس :" المَعْلُومات يوم عَرَفَة والنَّحْر وأيّام التَّشْرِيق[(٥)](#foonote-٥) ". 
وقال محمد بن كعب : هما شيء واحد، وهي أيَّام التَّشريق[(٦)](#foonote-٦)، وروي عن نبيشة الهذلي ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أيَّام التَّشْرِيق أيّام أَكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ، ومن الذِّكْر في أيَّام التَّشْرِيقِ التكْبِير " [(٧)](#foonote-٧). 
### فصل


اعلم أنّ المراد بالذكر في هذه الأيَّام : التكبير عند رمي الجمرات، وأدبار الصلوات. 
وروي عن عمر، وعبد الله بن عمر ؛ أنّهما كانا يكبِّران بمنًى تلك الأيّام خلف الصَّلوات، وفي المجلس، وعلى الفراش والفسطاط، وفي الطَّريق، ويكبِّر النَّاس بتكبيرهما، ويتلوان هذه الآية. 
وذهب الجمهور إلى أنّ التكبير عقيب الصَّلوات مختصٌّ بعيد الأضحى، \[ في حق الحاجِّ وغيره. 
وذهب أحمد - رحمه الله - إلى أنّه يستحبُّ التكبير ليلة العيدين \][(٨)](#foonote-٨). واختلفوا في ابتدائه وانتهائه. 
فقال مالك الشَّافعي : يكبِّر المحرم وغيره عقيب الصَّلوات، من صلاة الظُّهر من يوم النَّحر، إلى بعد صلاة الصُّبح من آخر أيَّام التَّشريق، وهو قول ابن عبَّاس، وابن عمر ؛ لأن التكبير إنَّما ورد في حقِّ الحاجِّ والنَّاس تبعٌ لهم، وذكر الحاجِّ قبل هذا الوقت هو التَّلبية، وهي تنقطع مع ابتداء الرَّمي. 
وقال أحمد - رحمه الله - : يكبّر المحرم من صلاة الظُّهر يوم النَّحر إلى آخر أيَّام التَّشريق، روي ذلك عن علي وبه قال مكحول وأبو يوسف، وروي هذا القول عن بعضهم في حقّ المحرم أيضاً، روي عن علي وعمر وابن مسعود وابن عبَّاس. 
وقال أبو حنيفة : يكبر المحرم وغيره من صلاة الصُّبح يوم عرفة، إلى بعد العصر يوم النَّحر، روى ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والأسود والنَّخعي. 
وللشافعي قول آخر : أنّه يبتدئ من صلاة المغرب ليلة النَّحر، إلى صلاة الصُّبح من آخر أيام التَّشريق، وله قول ثالث : أنّه يبتدئ من صلاة الصُّبح يوم عرفة إلى العصر من يوم النَّحر ؛ وهو كقول أبي حنيفة - رضي الله عنه -. 
فإن قيل : التكبير مضاف إلى الأيَّام المعدودات وهي أيّام التَّشريق، فينبغي ألاَّ تكون مشروعةً يوم عرفة. 
فالجواب : أنّ هذا يقتضي ألاَّ يكون يوم النَّحر داخلاً فيها وهو خلاف الإجماع. 
وصفة التكبير عند أهل العراق شفعاً : الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، روي ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنهما - وهو قول أحمد. 
وقال أهل المدينة : صفة التكبير : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً نسقاً، وهو قول سعيد بن جبير والحسن، وبه قال مالك والشَّافعي وأبو حنيفة، ويقول بعده : لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. 
قوله تعالى : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ  " مَنْ " يجوز فيها وجهان :
أحدهما : أن تكون شرطيةٌ، ف " تَعَجَّلَ " في محلِّ جزمٍ، والفاء في قوله :" فَلاَ " جواب الشرط والفاء وما في حَيِّزها في محلِّ جزم أيضاً على الجواب. 
والثاني : أنها موصولة ب " تَعَجَّلَ " فلا محلَّ ل " تَعَجَّلَ " ؛ لوقوعه صلةً، ولفظه ماضٍ، ومعناه يحتمل المضيَّ والاستقبال ؛ لأنَّ كلَّ ما وقع صلةً، فهذا حكمه ؛ والفاء في " فَلاَ " زائدة في الخبر، وهي وما بعدها في محلِّ رفع خبراً للمبتدأ. 
قال القرطبي :" مَنْ " في قوله :" فَمَنْ تَعَجَّلَ " رفع بالابتداء، والخبر " فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ "، ويجوز في غير القرآن، فلا إثْمَ عَلَيْهِم ؛ لأن معنى " مَنْ " جماعة ؛ كقول - تبارك وتعالى - : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ  \[ يونس : ٤٢ \]، وكذلك " مَنْ تأَخَّرَ ". 
و " في يَوْمَيْنٍ " متعلِّق ب " تَعَجَّلَ " ولا بدَّ من ارتكاب مجازٍ ؛ لأن الفعل الواقع في الظرف المعدود يستلزم أن يكون واقعاً في كلٍّ من معدوداته، تقول :" سِرْتُ يَوْمَيْنِ " لا بد وأن يكون السير وقع في الأول والثاني أو بعض الثاني، وهنا لا يقع التعجيل في اليوم الأول من هذين اليومين بوجهٍ، ووجه المجاز : إمَّا من حيث إنَّه نسب الواقع في أحدهما واقعاً فيها ؛ كقوله : نَسِيَا حُوتَهُمَا 
\[ الكهف : ٦١ \] و  يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ  \[ الرحمن : ٢٢ \]، والنَّاسي أحدهما : وكذلك المخرج من أحدهما، وإمَّا من حيث حذف مضاف، أي : في تمام يومين أو كمالهما. 
و " تَعَجَّلَ " يجوز أن يكون بمعنى " اسْتَعْجَلَ " ك " تَكَبَّرَ، واسْتَكْبَرَ "، أو مطاوعاً ل " عَجَّل " نحو " كَسَّرْتُه فَتَكَسَّرَ "، أو بمعنى المجرَّد، وهو " عَجِلَ "، قال الزمخشريُّ :" والمطاوعة أوفَقُ " ؛ لقوله :" ومَنْ تَأَخَّرَ " ؛ كما هي في قوله :\[ البسيط \]قَدْ يُدْرِكُ الْمَتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ  وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ[(٩)](#foonote-٩)لأجل قوله " المُتَأَنِّي ". و " تَعَجَّلَ واسْتَعْجَلَ " يكونان لازمين ومتعدِّيين، ومتعلِّق التعجيل محذوف، فيجوز أن تقدِّره مفعولاً صريحاً، أي : من تعجَّل النَّفر، وأن تقدِّره مجروراً أي : بالنَّفر، حسب استعماله لازماً ومتعدِّياً. 
وفي هذه الآيات من علمِ البديع : الطباق، وهو ذكر الشيء وضده في " تَعَجَّل وتَأَخَّرَ "، فهو كقوله : أَضْحَكَ وَأَبْكَى  \[ النجم : ٤٣ \] و
 أَمَاتَ وَأَحْيَا  \[ النجم : ٤٤ \]، وهذا طباقٌ غريب، من حيث جعل ضدَّ " تَعَجَّلَ " :" تَأَخَّرَ "، وإنما ضدُّ " تَعَجَّلَ " :" تَأَنَّى "، وضدُّ " تَأَخَّرَ " :" تقدَّم "، ولكنه في " تَعَجَّلَ " عبَّر بالملزوم عن اللازم، وفي " تَأَخَّرَ " باللازم عن الملزوم، وفيها من علم البيان : المقابلة اللفظيَّة، وذلك أن المتأخِّر بالنَّفر آتٍ بزيادة في العبادة، فله زيادة في الأجر على المتعجِّل، فقال في حقه أيضاً :" فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ " ؛ ليقابل قوله أولاً : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ، فهو كقوله : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  \[ الشورى : ٤٠ \]  فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ  \[ البقرة : ١٩٤ \]. 
وذكر ابن الخطيب[(١٠)](#foonote-١٠) هنا سؤالاً ؛ فقال : قوله :" وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ " فيه إشكالٌ ؛ لأنه إذا كان قد استوفى كلَّ ما يلزمه في تمام الحجِّ، فما معنى قوله :" فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ " فهذا اللَّفظ إنما يقال في حقِّ المقصِّر، وأجاب بوجوه :
أحدها : ما تقدَّم من المقابلة، ونقله عن الواحدي. 
وثانيها : أنّه - تعالى - لما أذن في التَّعجيل على سبيل الرُّخصة، احتمل أن يخطر بالبال أنَّ من لم يترخَّص[(١١)](#foonote-١١) فإنه يأثم. كما قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - : القصر عزيمة والإتمام غير واجب، ومذهب أحمد - رحمه الله - : القصر والفطر في السَّفر أفضل، فأزال الله - تعالى - هذه الشُّبهة، وبيَّن أنه لا إثم عليه في الأمرين، فإن شاء تعجَّل وإن شاء تأ١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٠٨) البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/٣٥٩) رقم (٣٧٦٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٢٠) وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد والمروزي في "العيدين" وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١٦٤..
٣ - أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (١/٤٢٠)..
٤ -ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٢٠) وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه..
٥ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٧٨..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٠٩) عن مجاهد وعطاء..
٧ - أخرجه مسلم (٣/١٥٣) وأحمد (٣/٤٦٠) والبيهقي (٤/٢٩٧) عن كعب بن مالك عن أبيه.
 وأخرجه مسلم (٣/١٥٤) وأحمد (٥/٧٥) والبيهقي (٤/٢٩٨) والطحاوي (١/٤٢٨) عن نبيشة الهذلي مرفوعا بلفظ: أيام التشريق أيام أكل وشرب وأخرجه النسائي (٢/ ٢٦٧) والدارمي (٢/ ٢٣-٢٤) وابن ماجه (١٧٢٠) والطحاوي (١/٤٢٩) والطيالسي (١٧١٩) وأحمد (٤/ ٤١٥ و ٤/ ٣٣٥) عن بشر بن سحيم وأخرجه ابن ماجه (١٧١٩) والطحاوي (١/٤٢٨) وأحمد (٧١٣٤- شاكر) عن أبي هريرة. قال البوصيري في "الزوائد" (١/١٠٩) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
 وأخرجه الطحاوي (١/٤٢٩) والحاكم (١/٤٣٤-٤٣٥) والبيهقي (٤/٢٩٨) وأحمد (١/٩٣، ١٠٤) من حديث علي.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
 وأخرجه أبو داود (٢٤١٩) والترمذي (١/١٤٨) والدارمي (٢/٢٣) والطحاوي (١/٣٣٥) وابن حبان (٩٥٨) وابن خزيمة (٢١٠٠) والحاكم (١/٤٣٤) والبيهقي (٤/ ٢٩٨) عن عقبة بن عامر مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
 وقد خرجناه موسعا في تعليقنا على بداية المجتهد لابن رشد..
٨ - سقط في ب..
٩ - البيت للقطامي. ينظر: ديوانه (٢)، ومجالس ثعلب ٢/ ٣٦٩، شواهد الكشاف ٤/ ٤٧٧..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ١٦٥..
١١ - الرخصة لغة: السهولة، وشرعا: الحكم المتغير من صعوبة على المكلف إلى سهولة؛ لعذر، مع قيام السبب للحكم الأصلي واجبا؛ كأكل الميتة، ومندوبا؛ كالقصر إذا بلغ السفر ثلاثة أيام، ومباحا؛ كالسلم، وخلاف الأولى؛ كفطر المسافر الذي لا يجهده الصوم، والحكم الأصلي في المذكورات: الحرمة، والسبب: الخبث في الميتة؛ ودخول وقتي الصلاة والصوم في القصر والفطر؛ والغرر في السلم، وهو قائم حال الحل؛ والعذر لإضرار، ومشقة السفر، والحاجة إلى ثمن الغلات قبل إدراكها وسهولة الوجوب في أكل الميتة، لموافقته لغرض النفس في بقائها، فإن لم يتغير الحكم فهو العزيمة؛ بأن لم يتغير أصلا؛ كوجوب الصلوات الخمس، أو تغير إلى صعوبة؛ كحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، أو إلى سهولة لا لعذر؛ كحلّ ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلا، لمن لم يحدث بعد حرمته؛ أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي؛ كإباحة ترك ثبات الواحد مثلا من المسلمين، للعشرة من الكفار في القتال بعد حرمته، وسبب الحرمة: قلة المسلمين، ولم تبق حال الإباحة؛ لكثرتهم حينئذ، والعذر في الإباحة مشقة الثبات المذكور، لما كثروا.
 واختلف الأئمة في القصر، هل هو رخصة أو عزيمة فقال "أبو حنيفة": هو عزيمة، فهو عنده من النوع الأول من أنواع العزيمة، وقال "مالك"، و"الشافعي"، و"أحمد": هو رخصة..

### الآية 2:204

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [2:204]

قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ . 
لمّا ذكر الذين قصرت همَّتهم على الدُّنيا في قوله :" ومِنَ النَّاسِ من يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَة "، والمؤمنين الذين سألوا خير الدَّارين، ذكر المنافقين ؛ لأنَّهم أظهروا الإيمان وأسرُّوا الكفر. 
قوله تعالى :" مَنْ يُعْجِبُكَ " : يجوز في " مَنْ " أن تكون موصولة، وأن تكون نكرةً موصوفةً، وقد تقدَّم نظيرها، والإعجاب : استحسان الشيء، والميل إليه، والتعظيم له، والهمزة فيه للتعدِّي. 
وقال الراغب[(٢٣)](#foonote-٢٣) :" العَجَبُ حَيْرَةٌ تَعْرِضُ للإنسان عند الجهل بسبب الشَّيء، وليس هو شيئاً له في ذاته حالةً، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السَّبب ومن لا يعرفه، وحقيقة : أعجبني كذا : ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه "، ويقال : عجبت من كذا، قال القائل :\[ الرجز \]
عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ \*\*\* مِنْ عَنَزِيَّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ[(٢٤)](#foonote-٢٤)
قال بعض المفسِّرين : يقال في الاستحسان : أعجبني كذا، وفي الإنكار والكراهة : عجبت من كذا. 
قوله :" في الحَيَاةِ " فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق ب " قَوْلُهُ "، أي : يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا، لأنَّ ادِّعاءه المحبة بالباطل يطلب حظّاً من الدنيا. 
والثاني : أن يتعلَّق ب " يُعْجِبُكَ "، أي : قوله حلوٌ فصيحٌ في الدُّنيا، فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة، لما يرهقه في الموقف من الاحتباس واللُّكنة، أو لأنه لا يؤذن لهم في الكلام، قال أبو حيان :" والذي يظهر أنه متعلِّق ب " يُعْجِبُكَ "، لا على المعنى الذي قاله الزمخشري، بل على معنى أنك تستحسن مقالته دائماً في مدَّة حياته ؛ إذ لا يصدر منه من القول إلا ما هو معجبٌ رائقٌ لطيفٌ، فمقالته في الظاهر معجبة دائماً، لا تراه يعدل عن تلك المقالة الحسنة الرائعة إلى مقالةٍ منافيةٍ. 
قوله :" وَيُشْهِدُ اللَّهَ " في هذه الجملة وجهان :
أظهرهما : أنها عطف على " يُعْجِبُكَ "، فهي صلة لا محلَّ لها من الإعراب، أو صفةٌ، فتكون في محلِّ رفع على حسب القولين في " مَنْ ". 
والثاني : أن تكون حاليةً، وفي صاحبها حينئذً وجهان :
أحدهما : أنه الضمير المرفوع المستكن في " يُعْجِبُكَ ". 
والثاني : أنه الضمير المجرور في " قَوْلُهُ "، تقديره : يعجبك أن يقول في أمر الدنيا، مقسماً على ذلك. 
**وفي جعلها حالاً نظر من وجهين :**
أحدهما : من جهة المعنى، فإنه يلزم منه أن يكون الإعجاب والقول مقيدين بحالٍ، والظاهر خلافه. 
والثاني : من جهة الصِّناعة وهو أنَّه مضارعٌ مثبتٌ، فلا يقع حالاً إلا في شذوذٍ ؛ نحو :" قُمْتُ وَأَصُكُّ عَيْنَهُ " أو ضرورةً ؛ نحو :\[ المتقارب
. . . \*\*\* نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا[(٢٥)](#foonote-٢٥)
وتقديره مبتدأً قبله على خلاف الأصل، أي : وهو يشهد. 
والجمهور على ضمِّ حرف المضارعة وكسر الهاء، مأخوذاً من " أَشْهَدَ " ونصب الجلالة مفعولاً به، وقرأ أبو حيوة وابن محيصنٍ بفتحهما ورفع الجلالة فاعلاً. 
قال القرطبيُّ - رحمه الله تعالى - ويؤيِّده قراءة[(٢٦)](#foonote-٢٦) ابن عباسٍ " واللَّهُ يَشْهَدُ عَلَى مَا في قَلْبِهِ ". 
وقرأ أُبَيٌّ[(٢٧)](#foonote-٢٧) :" يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ ". 
فأمَّا قراءة الجمهور وتفسيرهم، فإن المعنى : يحلف بالله ويشهده أنّه صادقٌ، وقد جاءت الشهادة بمعنى القسم في آية اللِّعان، وقيل : فيكون اسم الله منتصباً على حذف حرف الجر، أي : يقسم بالله، قال شهاب الدين : وهذا سهوٌ من قائله ؛ لأنَّ المستعمل بمعنى القسم " شَهِدَ " الثلاثيٌّ، لا " أَشْهَدَ " الرباعيُّ، لا تقول : أُشْهِدُ بالله، بل : أَشْهَدُ بالله، فمعنى قراءة الجمهور : يطَّلع الله على ما في قلبه، ولا يعلم به أحدٌ، لشدة تكتُّمه. 
وأمَّا تفسير الجمهور : فيحتاج إلى حذف ما يصحُّ به المعنى، تقديره : ويحلف بالله على خلاف ما في قلبه ؛ لأن الذي في قلبه هو الكفر، وهو لا يحلف عليه، إنما يحلف على ضدِّه، وهو الذي يعجب سامعه، ويقوِّي هذا التأويل قراءة[(٢٨)](#foonote-٢٨) أبي حيوة ؛ إذ معناها : ويطَّلع الله على ما قلبه من الكفر. وأمَّا قراءة أُبيًّ : فيحتمل " ستَفْعَلَ " وجهين :
أحدهما : أن يكون بمعنى " أَفْعَلَ " ؛ فيوافق قراءة الجمهور. 
والثاني : أنه بمعنى المجرَّد وهو " شَهِدَ "، وتكون الجلالة منصوبةً على إسقاط الخافض. 
قوله : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ  الكلام في هذه الجملة كالتي قبلها، وهنا وجهٌ آخر، وهو أن تكون حالاً من الضمير في " يُشْهِدُ "، والألد : الشديد ؛ من اللَّدد، وهو شدة الخصومة ؛ قال :\[ الخفيف \]
إنَّ تَحْتَ التُّرَابِ عَزْماً وحَزْماً \*\*\* وَخَصِيماً أَلَدَّ ذَا مِغْلاَقِ[(٢٩)](#foonote-٢٩)
ويقال : لَدِدت بكسر العين ألَدُّ بفتحها، ولدَدته بفتح العين ألُدُّه بضمها أي : غلبته في ذلك، فيكون متعدياً، قال الشاعر :\[ الرجز \]
تَلُدُّ أَقْرَانَ الرِّجَالِ اللُّدِّ[(٣٠)](#foonote-٣٠) \*\*\*. . . 
تلدُّ أقران الرِّجال، معناه أنّه في أي وجه أخذ خصمه من اليمين أو الشمال في أبواب الخصومة غلبه. 
ورجل ألدُّ وألنددٌ ويلنددٌ، وامرأةٌ لدَّاء، والجمع " لُدٌّ " ك " حُمْرٍ ". 
وفي اشتقاقه أقوالٌ : قال الزجَّاج[(٣١)](#foonote-٣١) : من لُديدَي العنق، وهما صفحتاه. 
وقيل : من لديدي الوادي، وهما جانباه، سمِّيا بذلك ؛ لاعوجاجهما. 
وقيل : هو من لدَّه إذا حبسه، فكأنه يحبس خصمه عن مفاوضته. 
**و " الخِصَامِ " فيه قولان :**
أحدهما : قال الزجَّاج : وهو جمع خصمٍ بالفتح ؛ نحو : كعبٍ وكعابٍ، وكلبٍ وكلابٍ، وبحرٍ وبحارٍ، وعلى هذا فلا تحتاج إلى تأويل. 
والثاني : قال الخليل وأبو عبيد إنه مصدر، يقال : خاصمَ خصاماً، نحو قاتلَ قتالاً، وعلى هذا فلا بد من مصحِّح لوقوعه خبراً عن الجثَّة، فقيل : في الكلام حذف من الأول، أي وخصامه أشدُّ الخصام، وجعل أبو البقاء " هو " ضمير المصدر الذي هو " قوله " فإنه قال : ويجوز أن يكون " هُوَ " ضمير المصدر الذي هو " قَوْلُهُ " وهو خصام، والتقدير : خصامه ألدُّ الخصام. 
وقيل : من الثاني : أي : وهو أشدُّ ذوي الخصام، وقيل : أريد بالمصدر اسم الفاعل ؛ كما يوصف به في قولهم : رجل عدلٌ وخصمٌ، وقيل :" أَفْعَلُ " هنا ليست للتفضيل، بل هي بمعني لديد الخصام، فهو من باب إضافة الصفة المشبهة، وقال الزمخشريُّ[(٣٢)](#foonote-٣٢) : والخِصَامُ المُخَاصَمَةُ، وإضافةُ الألدِّ بمعنى " في " ؛ كقولهم :" ثَبْتُ الغَدْرِ " يعني أن " أَفْعَلَ " ليس من باب ما أضيف إلى ما هو بعضه، بل هي إضافة على معنى " في " ؛ قال أبو حيان : وهذا مخالفٌ لما يَزْعُمُهُ النحاة من أنَّ " أَفْعَلَ " لا تضاف إلا إلى ما هي بعضه، وفيه إثبات الإضافة بمعنى " في "، وهو قولٌ مرجوحٌ، وقيل :" هُوَ " ليس ضمير " مَنْ " بل ضمير الخصومة يفسِّره سياق الكلام، أي : وخصامه أشدُّ الخصام.

### فصل في بيان عموم هذه الآية


قال بعض المفسِّرين : هذه الآية الكريمة مختصَّة بأقوام معيَّنين، وقال بعضهم : إنّها عامة في كلِّ من اتَّصف بهذه الصِّفة، والأولون اختلفوا على وجوهٍ :
أحدها : أنها نزلت في الأخنس بن شريق[(٣٣)](#foonote-٣٣) الثقفي حليف بني زهرة، واسمه : أُبي، وسمِّي الأخنس ؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً حلو المنظر، حلو الكلام، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام، ويقول : إنيّ أحبُّك، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنيه في مجلسه، وكان حسن العلانية خبيث الباطن، فخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزَّرع، وقيل : المواشي، وقيل : بيَّت قوماً من ثقيف فلبسهم، وأهلك مواشيهم، وأحرق زرعهم. 
وقال مُقاتِلٌ[(٣٤)](#foonote-٣٤) : خرج إلى الطَّائف مُقْتَضِياً مالاً لَهُ على غرِيم فَأَحْرَقَ له كدساً[(٣٥)](#foonote-٣٥)، وعَقَرَ لَهُ أَتاناً[(٣٦)](#foonote-٣٦)، والنّسلُ : نَسْل كُلّ حيوان من ناطقٍ، وغيره ؛ فنزلت الآية الكريمة. 
الثَّاني : أنَّ الأَخْنَس أَشَار على بني زهرة بالرُّجُوع يوم بدرٍ وقال لهُم : إِنَّ مُحَمَّد ابن أخيكم، فإِنْ يَكُ كَاذِباً كفاكموه سائر النَّاس، وإن يَكُ صَادِقاً كنتم أَسعَدَ النَّاسِ به، قالُوا نِعْمَ الرَّأيُ ما رَأَيَتَ قال : فإذا نودي في النَّاس بالرحيل فإنّي أخنس بكم، فاتَّبِعُوني، ثمَّ انخنَسَ بثلاثِمائة من بني زُهْرَة عن قِتَال رسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وسُمِّيَ بهذا السَّبب الأَخنس، فبلغ ذلك رسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فأعجبه. 
قال ابنُ الخطيب[(٣٧)](#foonote-٣٧) : وعندي أَنَّ هذا القول ضعيفٌ، لأَنَّهُ لا يَسْتَوجِبُ الذَّمَّ بهذا العمل، والآية مذكورة في معرض الذَّمِّ، فلا يمكن حَمْلُها عليه. 
الثالث : روي عن ابن عبَّاس والضحَّاك أنَّ كُفَّار قريش بعثوا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - " أَنَّا قد أَسلمنا، فابعثْ إِلَيْنَا نفراً مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابك، فبعثَ إليهم جماعَة، فنزلوا ببطن الرجيع، ووصل الخَبَرُ إلى الكُفَّارِ، فَرَكِبَ منهم سبعون راكباً، وأَحَاطُوا بهم، وَقَتَلُوهم، وصَلَبُوهُم، فَنَزَلَتْ هذه الآية الكريمة، ولذلك عقَّبَهُ بقول " مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ[(٣٨)](#foonote-٣٨) " فَنَبَّه بذلك على حال هؤُلآءِ الشَّهداء. 
القولُ الثَّاني : وهو اختيارُ أكثر المحقِّقين من المُفسِّرين، أنَّها عامَّة في كُلِّ من اتَّصف بهذه الصِّفَةِ المَذْكُورة، نقل عن محمَّد بن كعب القُرظِي[(٣٩)](#foonote-٣٩) أنَّه جرَى بَيْنَهُ وبَيْنَ غيره كلام في الآية فقال : إِنَّها وإن نزلت فيمن ذكرتهم، فلا يَمْتنعُ أن تنزل الآية الكريمة في الرَّجُلِ، ثم تَكُونُ عامَّة في كُلِّ مَنْ كان موصوفاً بهذه الصِّفات. 
وَرَوَتْ عائشة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال :- " إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ[(٤٠)](#foonote-٤٠) ". 
قال ابن الخطيب[(٤١)](#foonote-٤١) : نُزُول الآية الكريمة على سبب لا يمنعُ من العُمُومِ، بل في الآية الكريمة ما يَدُلُّ على العُمومِ مِنْ وجوه :
الأول : أَنَّ ترتيب الحُكم على الوصف المُنَاسِبِ مشعراً بالعلِّيَّة[(٤٢)](#foonote-٤٢). 
الثاني : أَنَّ الحَمْلَ على العُموم أكثر فائدة، لأَنَّهُ زجرٌ لكلِّ مكلَّف عن تِلك الطَّريقةِ المَذْمُومَةِ. 
الثالث : أَنَّهُ أَقربُ إلى الاحتياطِ. 
قال قتادةُ ومُجاهدٌ وجماعة من العلماء : نزلت في كُلِّ مُبْطنٍ كُفراً، أو نِفاقاً، أو كذباً أو إضراراً، وهو يظهر بلسانِهِ خلاف ذلك[(٤٣)](#foonote-٤٣)، فهي عامة. 
قال القرطبي[(٤٤)](#foonote-٤٤) رحمه الله : وهي تشبه ما ورد في التِّرمذيّ أَنّ في بعض الكُتُب أَنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ :" إِنَّ مِنْ عِبَادِي قوماً ألسِنَتُهُمْ أَحْلَى من العسَلِ، وقلوبهم أَمَرّ مِنَ الصَّبْرِ، يَلْبسون للنَّاس جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّين، يشترُون الدُّنيا بالدِّين، يقُولُ الله - تبارك وتعالى - إِنَّهُم لمُغترُّون، وعلى اللَّهِ يج

### الآية 2:205

> ﻿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [2:205]

قوله تعالى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى  " سَعَى " جوابُ إذا الشَّرطيَّة، وهذه الجُملةُ الشَّرطيةُ تحتملُ وجْهَيْنِ. 
أحدهما : أن تكُونَ عطفاً على ما قبلها، وهو " يُعْجِبُكَ "، فتكون : إمَّا صلةً، أو صفةً حسب ما تقدَّم في " مَنْ ". 
والثاني : أن تكُون مُستأَنفةً لمُجرَّدِ الإخبارِ بحالِهِ، وقد تَمَّ الكلامُ عند قوله :" ألدُّ الخصام ". 
والتّولِّي والسَّعْيُ يحْتَمِلان الحقيقة، أي : تولَّى ببدنِهِ عنك وسعَى بِقَدَمَيْهِ، والمُجازَ بأن يريدُ بالتولِّي الرُّجُوع عن القَوْلِ الأَوَّل، وبالسَّعي العمَل والكَسْبَ من السَّعاية، وهو مجازٌ شائعٌ ؛ ومنه :
 وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى  \[ النجم : ٣٩ \]، وقال امرؤُ القَيسِ :\[ الطويل \]

فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ  كَفَانِي - وَلَمْ أَطْلُبْ - قليلٌ مِنَ المَالِوَلكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ  وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِي[(٥٣)](#foonote-٥٣)وقال آخرُ :\[ السريع \]أَسْعَى عَلَى حَيِّ بَنِي مَالِكٍ  كُلُّ امْرِىءٍ فِي شَأْنِهِ سَاعِي[(٥٤)](#foonote-٥٤)والسَّاعيةُ بالقولِ ما يقْتَضِي التَّفْرِيق بينَ الأَخِلاَّءِ ؛ قال القائل :\[ السريع \]مَا قُلْتُ مَا قَالَ وُشَاةٌ سَعَوْا  سَعْيَ عَدْوٍّ بَيْنَنَا يَرْجُفُ[(٥٥)](#foonote-٥٥)وقال الضَّحَّاكُ : وإذا تَوَلَّى، أي : مَلَكَ الأَمْرَ، وصارَ والياً سَعَى في الأَرض[(٥٦)](#foonote-٥٦). 
وقال مُجاهدٌ : إذا وُلِّي، وعمل بالعُدوان، والظُّلم، أَمْسَكَ اللَّهُ المطر، وأهلك الحرث والنَّسل[(٥٧)](#foonote-٥٧). 
قوله :" فِي الأَرْضِ " مُتَعَلِّقٌ ب " سَعَى "، فإنْ قيل : مَعْلُومٌ أنَّ السَّعْيَ لا يكُونُ إلاَّ فِي الأَرْضِ قيل : لأنَّهُ يُفيدُ العُمُومَ، كأنه قيل : أيَّ مكانٍ حَلَّ فيه من الأرض أفسدَ فيه، فَيَدُلُّ لفظُ الأَرْضِ على كَثرةِ فسادِهِ، إذ يلزَمُ مِنْ عمومِ الظَّرفِ عمومُ المَظْرُوفِ، و " ليُفْسِدَ " مُتَعَلّقٌ ب " سَعَى " علَّةً له. 
قوله :" وَيُهْلِكَ الحَرْثَ " الجُمْهُورُ على :" يُهْلِكَ " بضمِّ اليَاءِ، وكسر اللام ونصب الكافِ. " الحَرْثَ " مفعول به، وهي قراءةٌ واضِحَةٌ من : أَهْلَكَ يُهْلك، والنَّصبُ عطَفٌ على الفعل قبلُهُ، وهذا شبيهٌ بقوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ  \[ البقرة : ٩٨ \] فإنَّ قوله :" ليفْسِدَ " يَشْتَمِلُ على أَنَّهُ يُهْلكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ، فخصَّهُما بالذّكر لذلك. وقرأ أُبيّ[(٥٨)](#foonote-٥٨) :" وليُهْلِكَ " بإظهارِ لام العِلَّةِ، وهي معنى قراءة الجَمهور، وقرأ أبو حَيوة - ورُويت عن ابن كثيرٍ وابن عمرو - " وَيَهْلِك الحَرْثُ والنَّسْلُ " بفتح الياءِ، وكسر اللام من هلك الثَّلاثي، و " الحَرْث " فاعلٌ، و " النَّسلُ " عطفٌ عليه. وقرأ قومٌ :" ويُهْلِكُ الحَرْثَ " من أَهْلَكَ، و " الحَرْث " مفعولٌ به إلا أَنَّهُم رفعُوا الكاف. وخُرِّجت على أربعةِ أوجهٍ : أن تكُونَ عَطْفاً على " يُعْجِبُك " أو على " سَعَى " ؛ لأَنَّهُ في معنى المُستقبل، أو على خبر مُبْتَدأ محذوف، أي : وهو يهلك، أو على الاستئناف. وقرأ الحسن[(٥٩)](#foonote-٥٩) :" ويهلك " مبنيا للمفعول، " الْحَرْثُ " رفعاً، وَقَرَأَ أيضاً :" ويَهلِكُ " بفتح الياءِ واللام ورفعِِ الكَافِ، " الحَرْثُ " رفعا على الفاعلية، وفتحُ عين المُضارع هنا شاذٌّ لفَتْحِ عين ماضِيهِ، وَليس عينُهُ ولا لامُهُ حرفَ حَلْق، فهو مثلُ رَكَنَ يَرْكَنُ بالفتح فيهما. 
و " الحرث " في اللُّغة : الشَّقُّ، ومنه المِحراثُ لام يُشقّ به الأرض، والحرث : كسب المالِ وجمعه، والحَرْثُ : الزَّرعُ، والحرَّاث الزرَّاع، وقد حرث، واحترثَ مثل : زَرَعَ وازْدَرَعَ. 
ويقالُ : احرثِ القرآن ؛ أي : ادرسه، وحَرَثتُ النَّاقة وأحرثْتُها، أي : سِرْتُ عليها حتَّى هزلت، وحرثت النَّارَ حرّكتها والمِحراث ما يحرك به نار التَّنور نقله الجوهري. وقد تَقَدَّمَ. 
والنَّسْلُ : مصدرُ نَسَلَ ينسُل، أي : خرج بِسُرعة، ومنه : نَسَلَ وَبَرُ البَعِير، ونَسَلَ ريشُ الطَّائر، أي : خَرَجَ وتطايَرَ وقال القُرطبيُّ[(٦٠)](#foonote-٦٠) : النَّسْلُ ما خرج من كُلِّ أنثى من ولدٍ وأصله الخروج، والسُّقُوط. 
وقيل : النَّسلُ الخروج مُتتابعاً، ومنه :" نُسَالُ الطَّائِر " ما تتابع سقُوطه من ريشه ؛ قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّ خَلِيقَةٌ  فَسلِّي ثِيَابي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ[(٦١)](#foonote-٦١)وقوله : مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ  \[ الأنبياء : ٩٦ \] يحتملُ المعنيين. و " الحَرْثَ وَالنَّسْلَ " وإن كانا في الأصلِ مصدَرَيْنِ فإنهما هنا واقعان موقَعَ المفعولِ به. 
### فصل في المراد ب " التولي " 


**ذكرُوا في هذا التوَلِّي قولين :**
أحدهما : معناه : إذا انْصَرَفَ من عندك سَعَى بالفسَادِ[(٦٢)](#foonote-٦٢)، وهذا الفَسَادُ يَحتمِلُ وجهَينِ :
أحدهما : إِتْلافُ الأموالِ بالتَّخريب، والتَّحريق، والنَّهب كما تقدَّم. 
والوجه الثاني : أَنَّهُ كان بعد الانصرافِ من حَضْرَةِ النَّبِيِّ - عليه السَّلام - يلقي الشّبه في قلوب المؤمنين ويستخرج الحيل في تقوية الكُفْرِ، قال تعالى حكاية عن فرعون  إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ  \[ غافر : ٢٦ \] وسمي هذا المعنى فساداً، لأَنَّهُ يوقع اختلافاً بين النَّاس، ويفرّق كلمتهم، ويتبَّرأُ بعضهم من بعض، فتنقطعُ الأَرْحام وتُسفَكُ الدماءُ. 
القول الثَّاني في التَّوَلِّي والسَّعي ؛ أي : رجع عن قوله واجتهد في إيقاع الفساد، وأصل السَّعي المشي بسرعةٍ، ولكنَّهُ يستعارُ لإِيقاع الفِتنة بيْنَ النَّاسِ، ومنه يُقالُ : فلان يَسْعَى بالنَّميمة، والمراد ب " الحَرْث " الزَّرْعُ وب " النَّسل " : تلك الحمر على التَّفْسِير الأَوَّل، وهو يَقَعُ على ما يُحْرَثُ ويُزْرَعُ. 
وقيل : إِنَّ الحَرثَ هو شَقُّ الأرض، ويقالُ لما يُشقّ به : محرث. 
والنَّسلُ في اللُّغة الوَلَدُ، ومن قال : إِنَّ الأَخنس بيَّت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعاً، فالمراد بالحرث : الرجال والنساء. 
أمَّا النساء فلقوله تعالى : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ  \[ البقرة : ٢٢٣ \]. 
وأَمَّا الرجال : فهم الذين يشقون أرض التوليد، وأَمَّا النسلُ فالمراد منه الصبيان. 
قوله : وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ . 
قال العباس بن الفضل : الفسادُ هو الخرابُ[(٦٣)](#foonote-٦٣). 
وقال سعيد بن المسيب : قطع الدراهم من الفساد في الأرض[(٦٤)](#foonote-٦٤). 
وقال عطاء : كان رجل يقال له عطاء بن منبه أحرم في جُبَّةٍ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينزعها. 
قال قتادة : قلت لعطاء : إِنَّا كنا نسمع أن يشقها، فقال عطاء : إِنَّ اللَّهَ لا يحب الفساد[(٦٥)](#foonote-٦٥). 
قال القرطبي[(٦٦)](#foonote-٦٦) : والآية تَعُمُّ كُلَّ فساد كان في الأرض، أو مالٍ أو دين، وهو الصحيح. 
وقيل : معناه لا يجب الفساد من أهل الصلاح، أو لا يحبه ديناً، أو المعنى لا يأمر به. 
### فصل في بيان فساد قول المعتزلة في معنى المحبة


استدلت المعتزلة به على أَنَّهُ تبارك وتعالى لا يريد القبائح، قالوا : المحبة عبارة عن الإرادة لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ  \[ النور : ١٩ \] والمرادُ أنهم يُرِيدونَ. 
وأيضاً : نُقِل عن النبيِّ - عليه السلامُ - أَنَّهُ قال :" إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ لَكُمْ ثَلاَثاً، وكره لكُم ثلاثاً : أَحَبَّ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوه وَلاَ تُشْرِكُوا به شَيْئاً، وأَنْ تتَنَاصحُوا منْ وَلاّهُ أَمْرَكُم، ويَكْرَهُ لَكُمْ القيل والقَالَ، وإضاعَة المال، وكثرةَ السُّؤالِ[(٦٧)](#foonote-٦٧) " فجعل الكراهةَ ضِدَّ المحبةِ، وإذا ثبتَ أَنَّ الإرادة نفسُ المحبةِ، فقوله : وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ، كقوله : لا يُريدُ الفساد، وكقوله  وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ  \[ غافر : ٣١ \]، وإذا كان لا يريدُ الفساد، لا يكون خالقاً له ؛ لأنَّ الخلقَ لا يمكن إلاَّ مع الإرادة، وأُجيبُوا بوجهين :
أحدهما : أَنَّ المحبة غيرُ الإِرادة، بل المحبَّةُ عبارةٌ عن مَدح الشيء. 
والثاني : سَلَّمنا أَنَّ المحبةَ نفسُ الإرادة، لكن قوله تعالى  وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ  \[ البقرة : ٢٠٥ \] لا يُفيد العُموم ؛ لأنَّ الألف واللاَّم الداخلتين في اللفظ لا يُفيدان العمومَ، ثم يهدم كلامهم وجهان :
الأول : أَنَّ قُدرة العبد صالحةٌ للإصلاح، والفساد ؛ فترجُّحُ الفساد على الصلاح إِنْ وقع لا لمُرجح، لزم نفيُ الصانعِ، وإنْ وقع لمرجح، فذلك المرجّح لا بُدَّ وأنْ يكونَ من اللَّهِ ؛ وإِلاَّ لَزِمَ التسلسلُ، فثبت أَنَّ اللَّهَ سُبحانه هو المرجح لجانب الفساد، فكيف يعقِلُ أَنْ يُقال إِنَّهُ لا يريده ؟
والثاني : أَنَّهُ عالِمٌ بوقوع الفسادِ، فإن أراد أَلاَّ يقع الفسادُ، لزم أَنْ يُقال : إِنَّه أَراد أَنْ يقلب علم نفسه جهلاً، وذلك مُحَالٌ.

### الآية 2:206

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [2:206]

قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ  : هذه الجملةُ الشرطيةُ تحتملُ الوجهين المتقدِّمين في نظيرتها، أَعْني : كونها مستأنفةً، أو معطوفة على " يُعجِبُك "، وقد تقدَّم الخلافُ في الذي قام مقام الفاعل عند قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ  \[ البقرة : ١١ \]. 
قوله :" أخذَتْهُ العزَّةُ "، أي حملتُه العِزَّةُ وحَمِيَّةُ الجاهلية على الفعل. 
قوله :" بالإثم " أي : بالظلم وفي هذه الباءِ ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنْ تكونَ للتعديةِ، وهو قول الزمخشري فإنه قال :" أَخَذْتُهُ بكذا إذا حَمَلْتهُ عليه، وأَلْزَمْتهُ إياه، أي : حَمَلتهُ العِزَّةُ على الإِثْم، وأَلْزَمَتْهُ ارتكابَه " قال أبو حيان :" وباء التعدية بابُها الفعلُ اللازمُ، نحو : ذَهَبَ اللَّهُ  \[ البقرة : ١٧ \]،  وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ 
\[ البقرة : ٢٠ \]، ونَدَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو :" صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ " أي : جَعَلْتُ أَحدهما يَصُكُّ الآخرَ ". 
الثاني : أَنْ تكونَ للسببيةِ، بمعنى أنَّ إثمَه كان سبباً لأخذِ العِزَّة له ؛ كما في قوله :\[ الرمل \]

أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ  فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ[(٦٨)](#foonote-٦٨)فتكونُ الباءُ بمعنى اللام، فتقول : فعلت هذا بسببك، ولسببك، وعاقَبْتُه لجِنَايتهِ، وبجنايَتِه. 
الثالث : أن تكونَ للمصاحبة ؛ فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفيها حينئذٍ وجهان :
أحدهما : أَنْ تكون حالاً مِنَ " العِزَّة " أي : مُلْتبسةً بالإِثمِ. 
والثاني : أن تكونَ حالاً من المفعولِ، أي : أَخَذَتْهُ مُلْتبساً بالإِثمِ. 
قال القُرطبيُّ : وقيل :" الباءُ " بمعنى " مَعَ " أي : أخذته العِزَّةُ مع الإثم. 
وفي قوله :" العِزَّةُ بالإِثْم " من عِلْمِ البديع التتميم وهو عبارةٌ عن إِرْداف الكلمةِ بأُخْرى، تَرْفَعُ عنها اللَّبسَ، وتقَرِّبُها مِنَ الفَهْم، وذلك أنَّ العزَّةَ تكونُ محمودةً ومَذمُومةً. 
فَمِنْ مَجِيئها محمودةً : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  \[ المنافقون : ٨ \]  أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  \[ المائدة : ٥٤ \] فلو أُطلِقَت لَتَوَهَّمَ فيها بعضُ مَنْ لا عنايةَ له المحمُودة ؛ فقيل :" بالإِثْمِ " تَتْمِيماً للمرادِ، فرُفِعَ اللَّبْسُ بها. 
### فصل


اعلم أَنَّ اللَّهَ سُبحانه وتعالى حكى عن هذا المنافق أفعالاً مَذْمُومةً وهي اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدُّنيا، واستشهادة باللَّهِ كذباً ولجاجةً في أبطالِ الحقِّ وإثبات الباطلِ، وسعيُه في الأَرْض بالفَسَادِ، وإهلاكُ الحربِ والنَّسْلِ، وكُلُّها أفعالٌ قَبِيحةٌ، فالظاهِرُ مِنْ قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ  أَنْ يُصْرفَ إلى الكلّ ؛ لأنَّ صَرْفَهُ إلى البعض ليس أولى من البعض، فكأَنَّهُ قيل له : اتَّقِ اللَّهِ في إِهْلاك الحرثِ والنَّسْل، وفي السَّعي بالفَسَادِ، وفي اللَّجاجِ في إِبطَالِ الحقِّ ونُصْرة الباطلِ، وفي الاستشهاد باللَّهِ كذباً، وفي الحرص على طَلَبِ الدُّنْيا. 
وقيل : قوله : أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ  راجِعٌ إلى أنه قيل له : اتَّقِ اللَّهَ فقط ؛ على ما سيأتي، فيكُون معنى الآية الكريمة أنَّ الموصوف بهذه الصِّفات هو الَّذي إِذَا قيل له : اتَّقِ الله، أَخَذَتْهُ العِزةُ بالإثم ؛ فحَسْبُهُ جَهَنَّم. 
و " العِزَّةُ " القوَّةُ والغلبةُ مِنْ : عَزَّهُ يَعُزُّه، إِذا غلبهُ، ومنه
 وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  \[ ص : ٢٣ \]. 
وقيل : العزَّةُ هُنا : الحمِيَّة ؛ قال الشَّاعرُ :\[ الرَّمل \]أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ  فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ[(٦٩)](#foonote-٦٩)وقيل : العِزَّةُ هنا : المَنَعةُ وشِدَّةُ النَّفسِ، أي : اعتَزَّ في نفسه، فأَوقعَتْهُ[(٧٠)](#foonote-٧٠) تِلْك العزَّةُ في الإِثمِ، وألزمتْهُ إيَّاه. 
قوله : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ، " حَسْبُهُ " مبتدأٌ، و " جهنَّمُ " خبرُه أي : كافيهم جهنَّمُ، وقيل :" جَهَنَّمُ " فاعلٌ ب " حَسْبَ "، ثُمَّ اختلف القائِلُ بذلك في " حَسْب " فَقِيل : هو بمعنى اسم الفاعلِ، أي : الكافي، وهو في الأَصْلِ مصدرٌ أُريد به اسمُ الفاعِل، والفاعِلُ - وهو جهنَّمُ - سَدَّ مَسَدَّ الخبر، وقَويَ " حَسْبُ " لاعتمادِهِ على الفاءِ الرابطةِ للجملةِ بما قبلَها، وهذا كلُّه مَعْنَى كلام أبي البقاء. [(٧١)](#foonote-٧١)
وقيل : بل " حَسْبُ " اسمُ فِعْلٍ، والقائِلُ بذلك اختلَفَ ؛ فقيل : اسمُ \[ فِعْلٍ \] ماضٍ، أي : كَفَاهُمْ وقِيل : فعلُ أمرٍ، أي : لِيَكفِيهم، إلاَّ أن إعرابَه ودخولَ حُرُوفِ الجَرِّ عليه يَمْنع كونه اسم فعل. 
وقد تلخَّصَ أَنَّ " حَسْب " هل هو بمعنى اسم الفاعل وأَصْلُه مصدرٌ، أو اسمُ فعلٍ مَاضٍ، أو فِعْلُ أَمْر ؟ وهو مِنَ الأَسماءِ اللازمةِ للإِضَافةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بإضافته إلى معرفةٍ ؛ تقولُ : مَرَرْتُ برجلٍ حَسْبِك، ويُنْصَبُ عنه التمييزُ، ويكونُ مبتدأً ؛ فيُجَرُّ بباءٍ زائدةٍ، وخبراً ؛ فلا يُجَرُّ بها، ولا يُثّنَّى ولا يُجْمَعُ، ولا يؤَنَّثُ، وإنْ وَقَعَ صفةً لهذه الأشياءِ. 
و " جهنَّمُ " اخَتَلَفَ الناسُ فيها فقال يونس وأكثر النُّحاة : هي اسمٌ للنَّار التي يعذَّب بها في الآخِرةِ وهي أعجميةٌ وعُرِّبَتْ، وأَصْلُها كِهِنَّام، فمنعُها من الصرَّف لِلعلمية والعُجمةِ. 
وقيل : بل هي عربيةُ الأَصْلِ، والقائلون، بذلك اختلَفوا في نُونِها : هل هي زائدةٌ، أمْ أصليةٌ ؟ فالصحيحُ أنها زائدةٌ، ووزنُها " فَعَنَّلُ " مُشتقةٌ من " رَكِيَّةٌ جِهِنَّامٌ "، أي : بعيدةُ القَعْر، وهي من الجَهْم، وهو الكراهةُ، وقيل : بل نُونُها أصليَّةٌ، ووزنُها فَعَلَّل ؛ ك " عَدَبَّسٍ " ؛ قال : لأن " فَعَنَّلاً " مفقودٌ في كلامِهِم، وجعل " زَوَنَّكاً " فَعَلَّلاً أيضاً ؛ لأنَّ الواوَ أصلٌ في بنات الأربعةِ ؛ ك " وَرَنْتَلٍ "، لكنَّ الصحيحَ إثباتُ هذا البناءِ، وجاءَتْ منه ألفاظٌ، قالوا :" ضَغَنَّطٌ " من الضَّغاطةِ، وهي الضَّخامةُ، و " سَفَنَّجٌ " و " هَجَنَّفٌ " لِلظّلِيم، والزَّوَنَّكُ : القصيرُ سُمِّيَ بذلك ؛ لأنه يزوكُ في مِشْيَتِهِ، أي : يَتَبَخْتَرُ ؛ قال حَسَّان :\[ الكامل \]أَجْمَعْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَلأَمُ مَنْ مَشَى  فِي فُحْشِ زَانِيَةٍ وَزَوْكِ غُرَابِ[(٧٢)](#foonote-٧٢)وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ النُونَ زائدةٌ في " زَوَنَّكٍ " وعلى هذا فامتِناعُها للتأنيثِ والعلَميةِ. 
قوله : وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ  المخصُوص بالذَّمِّ محذوفٌ، أي : وَلَبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ هنا كونُ " المِهَادِ " وقعَ فاصِلةً. وتقدَّمَ الكلامُ على " بِئْسَ " وحُذِفَ هذا المخصُوصُ بذلك على أنه مبتدأٌ، والجملةُ مِنْ نِعْمَ وبِئْسَ خبرُهُ، سواءٌ تقدَّمَ أو تأخَّرَ ؛ لأنَّا لو جَعَلْنَاهُ خبرَ مبتدأ مَحْذُوفٍ، أو مُبتَدأً محذوفَ الخبرِ، ثم حذَفْنَاهُ، كُنَّا قد حَذَفْنَا الجملةَ بأَسْرها من غَيْرَ أنْ يَنُوبَ عنها شَيْءٌ، وأيضاً فإنَّه يَلْزَمُ مِنْ ذلك أَنْ تكونَ الجملةُ مُفْلَتَةً مِمَّا قبلها، إِذْ ليس لها مَوْضِعٌ من الإِعْرابِ، وليست مُعْترضةً، ولا مفسِّرةً، ولا صلةً. والمِهَادُ فيه قولان :
أحدهما : أَنَّهُ جَمْعُ " مَهْدٍ "، وهو ما يُوطَّأُ للنوم قال تعالى : و
 فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ  \[ الذاريات : ٤٨ \]. 
والثاني : أنه اسمٌ مُفْردٌ، سُمِّيَ به الفِرَاشُ المُوَطَّأُ للنَّوم وقِيل :" المُسْتَقِر " كقوله تعالى : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ  \[ إبراهيم : ٢٩ \] وهذا مِنْ باب التَّهَكم والاستهزاءِ، أي : جُعِلَتْ جَهَنَّمُ لهم بَدَلَ مِهادٍ يَفْترشُونَهُ ؛ وهو كقوله :\[ الوافر \]وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ  تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ[(٧٣)](#foonote-٧٣)أي : القائمُ لهم مقامَ التحيةِ، الضربُ الوَجِيع.

### الآية 2:207

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [2:207]

لمَّا وصفَ في الآية المتقدِّمة حال مَنْ يبذلُ دِينَهُ لطلب الدُّنْيَا ذكر في هذه الآيةِ حالَ من يبذلُ دِينَه ونفسَهُ لطلب الدين، وفي سبب النزول رِوايات[(١)](#foonote-١). 
إحداها : عن ابن عبَّاسٍ، والضَّحَّاكِ[(٢)](#foonote-٢) : أَنَّها نزلَتْ فِي سريَّة الرَّجيع، وذلك أَنَّ كُفّار قريشٍ بعثوا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالمدينةِ، أَنَّا قد أَسلمنَا، فابعَثْ إلينا نَفَراً من علماءِ أَصْحابك ؛ يُعَلِّمُوننَا دِينك، وكان ذلك مَكْراً مِنْهم فبعث إليهم خُبَبْبَ بن عديٍّ الأَنْصَارِيُّ وَمَرثد بن أبي مَرْثدٍ الغَنَويَّ، وخالد بن بُكَيرٍ، وعبد اللَّهِ بن طارِق بن شهابٍ البَلويَّ، وزيدَ بنَ الدَّثِنَّةِ، وأَمَّرَ عليهم عاصِم بن ثابِت بن أبي الأَقلَحِ الأَنْصَارِيّ. 
قال أبو هريرة[(٣)](#foonote-٣) : بعثَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عشرةً عَيْناً، وأَمَّرَ عليهم عاصِم بن ثابِتِ بنِ أَبي الأَقْلح الأَنصَاريَّ[(٤)](#foonote-٤) فسَارُوا، فَنَزلُوا بَطْنَ " الرَّجِيعِ " بين مَكَّةَ والمَدِينةِ، ومعهم تَمْرُ عَجْوَةٍ، فأكلوا فمرَّتْ عجوزٌ، فأبصرت النَّوَى، فرجعت إلى قومها بمكة، وقالت : قد سَلَكَ هذا الطريقَ أهلُ يثرِبَ مِنْ أَصْحابِ مُحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فركِبَ سبعُونَ رَجُلاً منهم معهم الرِّماحُ، حتى أَحَاطُوا بهم. 
وقال أبو هريرة[(٥)](#foonote-٥) : ذكروا الحيَّ من هُذَيل يقالُ لهم بنو لحيان، فنَفَرُوا لهم بقريب مِنْ مائة راجلٍ رامٍ، فَاقتَفوا آثارَهُم، حتَّى وجدوا مآكلهم التمر في منزلٍ نزلُوه ؛ فقالوا : تَمْرُ يَثْرِبَ، فاتَّبعُوا آثارَهم، فلمَّا أَحَسَّ بهم عاصِمٌ وأصحابُه لجأوا إلى فَدْفَد، فأحاط بهم القومُ، فقتلوا مَرْثَداً وخَالِداً وعبد اللَّهِ بن طارقٍ، ونثر عاصِمُ بنُ ثابتٍ كنانَتَهُ، وفيها سبعة أَسهُمٍ، فقتل بكُلِّ سَهْمٍ رَجُلاً مِنْ عُظَماءِ المُشْرِكينَ، ثُمَّ قال : اللَّهُمَّ، إِنِّي قد حميتُ دِينك صدْرَ النهارِ فاحْمِ لَحْمِي آخر النهارِ، ثُمَّ أَحاطَ به المشركُونَ فقتلُوه، فَلَمَّا قتلوه أَرَادُوا جَزَّ رَأْسِهِ ؛ ليبيعُوه من سُلاَفة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نَذَرتْ حين أصاب ابنها يومَ أُحُد لَئِنْ قدرتْ على رأسِ عاصم لتشربنَّ في قِحْفه الخمرَ، فأرسل الله رجلاً من الدَّبْرِ، وهي الزَّنابِيرُ، فحمتْ عاصِماً، فلم يقدِرُوا عليه، فسُمِّي حميَّ الدَّبْرِ، فقالوا : دعوه حتى نُمْسِيَ، فتذهب عنه، فنأْخُذَه، فجاءت سَحَابَةٌ سوداءُ، وأمطرتْ مطراً كالغزالِ فبعث اللَّهُ الوادي غديراً فاحتمَل عاصِماً به فذهب به إلى الجَنَّة، وحَمَل خَمسِين من المشركينَ إلى النار. 
وكان عاصِمٌ قد أَعْطى اللَّهَ عَهْداً ألاَّ يمسَّهُ مُشْركٌ ولا يَمَسَّ مُشْركاً أبداً، فمنعه اللَّهُ، وكان عُمَر بنُ الخطَّاب يقولُ حين بلغه أَنَّ الدَّبْرَ منعتهُ : عجباً لحِفظ اللَّهِ العَبْدَ المؤمِنَ، كان عاصِمٌ نَذَرَ ألاَّ يَمَسَّهُ مشركٌ، ولا يمسَّ مُشرِكاً أبداً، فمنعه اللَّهُ بعد وفاتِه، كما امتنع عاصم في حياته، وأسر المشركون خُبَيْب بن عديٍّ، وزيد بنَ الدَّثِنَّةٍ، فذهبوا بهما إلى مكةَ، فأمَّا خُبَيْبٌ فابتاعه بنو الحارث بن عامرٍ بن نَوفل بن عبدَ مُناف ؛ ليقتلُوه بأبيهم، وكان خُبيب هو الذي قتل الحارِثَ يومَ بدرٍ، فلبث خُبَيبٌ عندهم أسيراً، حتَّى أجمعوا على قتلِه، فاستعار مِنْ بعض بنات الحارثِ مُوسى ليستحِدَّ بِهَا، فأعارتهُ، فدرج بُنيٌّ لها، وهي غافِلةٌ، فما راعَ المرأةَ إلاَّ خبيبٌ قد أَجْلَسَ الصَّبِيَّ على فَخذِهِ، والمُوسى بيده، فصاحت المرأةُ، فقال خبيبٌ : أَتَخْشِينَ أن أَقْتُلَهُ ؟ ما كنت لأفعل ذلك، إنّ الغدر ليس مِنْ شَأنِنا، فقالت المرأةُ : واللَّهِ ما رأيْتُ أسيراً خيراً من خُبَيْبٍ ؛ واللَّهِ لقد وجدتُه يوماً يأكُلُ قطفاً من عِنَبٍ في يَدِهِ، وإنه لموثقٌ بالحديدِ، وما بمكة من ثَمرةٍ، إن كان إلاَّ رِزْقاً رزقه اللَّهُ خُبَيْباً، ثم إِنَّهم خرجوا به من الحرم ليقتُلُوه في الحِلِّ، وأَرَادُوا أَنْ يصلبُوهُ، فقال لهم خبَيبٌ : دعوني أُصَلِّي ركعتَينِ ؛ فتركوه، فكان خُبَيْبٌ هو الذي سَنَّ لكل مُسْلم قُتِلَ صَبْراً الصلاةَ، فركع ركعتين، ثُمَّ قال خَبَيْبٌ : لولا أَنْ يَحْسَبُوا أنَّ ما بي من جزعٍ لزدْتُ، اللهمَّ أَحْصِهم عَدَداً ؛ وَاقْتُلهم بَدَداً، ولا تُبْقِ منهم أَحَداً وأنشأ يقولُ :\[ الطويل \]

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً  عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِيوَذلِكَ فِي ذَاتِ الإلهِ وإِنْ يَشَأْ  يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ[(٦)](#foonote-٦)فصَلبُوه حَيَّاً ؛ فقال : اللَّهُمَّ إِنَّك تعلمُ أَنَّهُ ليس أَحَدٌ حَوْلِي يبلّغ سَلامِي رسولَك فأبلغهُ سَلامِي، ثم قام أبُو سَروعةَ عُتبَةُ بنُ الحارِثِ فَقَتَله، ويُقَال : كان رجلاً من المشركين يُقالُ له سَلاَمانَ أَبُو مَيْسَرة، معه رُمْح فوضعه بي ثَدْيي خُبيبٍ، فقال له خُبَيْبٌ : اتَّقِ اللَّهَ، فما زاده ذلك إِلاَّ عُتُوّاً، فطعنه فأَنفذه، وذلك قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ 
يعني سَلاَمَانَ. 
وأَمَّا زيدُ بنُ الدثنة، فابتاعه صفوانُ بنُ أُميَّة ؛ ليقلته بأبيه، أُمية بن خلفٍ، فبعثه مع مَوْلى له يُسَمَّى نسطاس إلى التنعيم، ليقتُلهُ، واجتمع رهطٌ مِنْ قُريشٍ فيهم أبو سُفيان بن حربٍ، فقال له أبو سفيان حين قُدِّمَ ليُقْتَل : أَنْشدك اللَّهَ يا زيدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ محمداً عندنا الآن بمكانك، وتُضْرُب عنقُه وإِنَّك في أَهلك ؟ فقال : واللَّهِ ما أحبُّ أَنَّ محمداً الآنَ في مكانِه الذي هو فيه تُصيبُه شوكَةٌ تُؤذيه، وأَنا جالِسٌ في أَهْلِي، فقال أَبُو سُفيانَ : ما رأيتُ أحداً من الناس يُحِبُّ أحداً كَحُبِّ أصحاب مُحَمَّدٍ، ثم قتله نِسْطَاسُ. 
فلمَّا بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الخبرُ، قال لأَصحابهِ :" أَيُّكُمْ ينزل خُبَيْباً عن خَشَبته وله الجنةُ " فقال الزُّبَيْرُ أنا يا رَسُول اللَّهِ، وَصَاحِبي المقدادُ بنُ الأَسُودِ، فخرجا يمشيان في الليلِ، ويكمُنانِ بالنهار، حتَّى أََتَيَا التنعيم ليلاً، وإذا حولَ الخَشَبةِ أربعون رجُلاً من المشركين نائمون نشاوى، فَأَنْزَلاَهُ، فإذا هو رَطْبٌ يَنْثَنِي، لم يتغيّرْ بعد أربعين يوماً، ويده على جراحتِه، وهي تَبصُّ دَماً اللونُ لَوْنُ الدّمِ، والريحُ ريحُ المسْكِ، فحمله الزبيرُ على فرسِه، وساروا ؛ فانتبه الكفارُ وقد فقدوا خُبَيْباً، فأخبروا قُرَيْشاً، فركب منهم سبعُون رجلاً، فلمَّا لحقوهما قذَفَ الزبيرُ خُبَيْباً ؛ فابتلعته الأرضُ فَسُمِّيَ بليعَ الأَرضِ، وقال الزبيرُ : ما جَرَّأكُمْ علينا يا مَعشَر قريشٍ ؛ ثم رفع العمامةً عن رأْسِه، وقال : أَنَا الزُّبير بنُ العَوَّام، وأُمِّي صفِيَّةُ بنتُ عبد المطلبِ، وصاحبي المِقدادُ بنُ الأَسُوَدِ، أَسَدَانِ رَابضانِ يَدْفعانِ عن شِبْلهما، فإن شئْتم نازلْتُكم، وإن شِئْتُم انصَرفْتُم. فانصرفا إلى مَكَّة، وقدِما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبريلُ عِنْده، فقال : يا محمدُ، إِنَّ الملائكة لَتُبَاهِي بهذين من أصحابك "، فنزل في الزُّبَيْر والمِقْداد  وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ  \[ البقرة : ٢٠٧ \] حين شرِيا أنفسَهُمَا لإِنْزَالِ خُبَيْبٍ عن خَشَبَته[(٧)](#foonote-٧). 
وقال أكثرُ المفسِّرين[(٨)](#foonote-٨) : نزلت في صُهَيب بن سِنان، مَوْلى عبد اللَّهِ بنِ جُدْعانَ الرُّومِيِّ، وفي عمَّارِ بن ياسِرٍ، وفي سُمَيَّة أُمَّه، وفي ياسِرٍ أَبيه، وفي بلالٍ مَوْلَى أبي بَكرٍ، وفي خَبَّاب بن الأَرَتّ وفي عابس مَوْلَى حُوَيْطِب ؛ أخذَهُم المشرِكُون فَعَذَّبوهم ؛ فقال لهم صُهَيبٌ : إِنِّي شيخٌ كَبيرٌ لا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أم مِن عَدوِّكم فهل لكم أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي، وتذَرُوني ؟ ففعلوا، وكان شرط عليهم راحلةً ونَفَقَةً، فأقام بمكةَ ما شاء اللَّهُ، ثم خرج إلى المدينَةِ، فتَلَقَّاهُ أَبُو بكرٍ وعُمرُ في رجال فقال له أَبُو بَكْرٍ : رَبَحَ بَيْعُكَ يا أَبَا يَحيى ؛ فقال : وبيعُكَ فلا تخسر ما ذاك ؟ فقال : أنزل اللَّهُ فيك كذا وقرأ عليه الآية[(٩)](#foonote-٩). 
وأمَّا خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ وأَبُو ذَرٍّ ففرَّا إلى المدينة، وأَمَّا سُمَيَّةُ فَرُبطَتْ بين بعيرين ثم قُتلت، وقُتل ياسِرٌ. 
وَأَمَّا البَاقُونَ : فأَعْطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركُون، فتُرِكُوا، وفيهم نزل قوله تعالى : وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ  بتعذيب أهل مكة  لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً  \[ النحل : ٤١ \] بالنَّصر والغنيمة،  وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ ، وفيهم أُنْزِلَ  إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيم  \[ النحل : ١٠٦ \]. 
وقال سعيدُ بن المُسَيِّب، وعَطَاء[(١٠)](#foonote-١٠) : أقبل صُهَيبٌ مهاجراً نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتَّبعُه نفرٌ من مُشركِي قريش، فنزل عن راحِلَته، ونَثَلَ ما في كِنانته، ثُمَّ قال : يا معشَرَ قريشٍ، لقد علمتُمْ أَنِّي لَمِنْ أَرْماكُم رَجُلاً، واللَّهِ لا أضع سَهْماً من كِنَانتي إِلاَّ في قَلْبِ رجلٍ منكم وَأَيْمُ اللَّهِ، لا تَصِلُون إِليَّ حتى أَرْمِي بكل سَهْمٍ في كِنَانتي، ثم أَضْربُ بسيفي ما بَقِيَ في يَدِي، ثم افعلُوا ما شِئْتم، وإن شئتم دَلَلْتُكُمْ على مالِي بمكة وخلَّيْتُم سَبِيلي. 
قالُوا : نَعَمْ، ففعل ذلك، فنزلت الآيةُ[(١١)](#foonote-١١) وقال الحسنُ : أَتَدْرُونَ فِيمن نزلت هذه الآية ؟ نزلَت في المُسْلِم يلْقَى الكافِر فيقولُ له : قُلْ لا إِله إلاَّ اللَّهُ، فيَأْبَى أَنْ يقولَهَا، فيقولُ المسلِم : واللَّهِ لأشترينَّ من نفسي لِلَّهِ، فيتقدَّم فيقاتِلُ حَتَّى يقتل[(١٢)](#foonote-١٢). 
ورُوِيَ عن عُمر، وعَلِيٍّ، وابنِ عبَّاسٍ : أَنَّها نزلت في الأَمر بالمعرُوفِ، والنَّهي عن المُنْكَرِ[(١٣)](#foonote-١٣). 
قال ابنُ عبَّاسٍ : أرى مَنْ يَشْري نفسهُ ابتغاءَ مرضاة الله يقومُ فيأْمُر هذا بتقوى اللَّهِ، فإذا لم يقبْل، وأخذته العزَّةُ بالإِثْم، قال هذا : وأنا أَشْرِي نَفْسي فيقاتله، وكان إذا قرأ هذه الآيةَ يقولُ : اقتتلا وربِّ الكَعْبةِ[(١٤)](#foonote-١٤)، وسَمِعَ عمرُ بنُ الخطَّابِ إِنساناً يقرأ هذه الآية ؛ فقال عُمَرُ : إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إليه راجعون، قام رجلٌ يأمرُ بالمعرُوفِ وينهى عن المُنْكَرِ فَقُتِلَ[(١٥)](#foonote-١٥). 
وقيل : نزلت في عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي اللَّهُ عنه - باتَ على فِراشِ رسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ خُروجهِ إلى الغار[(١٦)](#foonote-١٦). 
قوله تعالى :" مَنْ يَشْرِي " : في " مَنْ " الوجهانِ المتقدِّمان في " مَن " الأُولَى، ومعنى يَشْرى : يَبيعُ ؛ قال تعالى :{ و١ - في ب: وجوه..
٢ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٠..
٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨١..
٤ - سقط في ب..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨١..
٦ - ينظر: البيتان في القرطبي ١١/٢٢، والثاني منهما في اللسان (مزع)..
٧ - تقدم..
٨ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٢..
٩ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٠) وعزاه لابن مردويه عن صهيب الرومي..
١٠ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٢..
١١ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٠) وعزاه لابن سعد والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب..
١٢ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٢..
١٣ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/٢٥٠) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٤٢) وزاد نسبته لوكيع وعبد بن حميد..
١٤ -ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٤٢) وعزاه لعبد بن حميد أن عمر الخطاب- فذكره..
١٥ - تقدم..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ١٧٤..

### الآية 2:208

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:208]

قوله :" السِّلْم " قرأ[(١)](#foonote-١) هنا " السَّلْم " بالفتح نافعٌ، والكِسائيُّ، وابنُ كثيرٍ، والبَاقُونَ بالكَسْر، وأمَّا التي في الأَنْفال \[ آية ٦١ \] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ أَبُو بكرٍ وحدَه، عَنْ عاصِمٍ، والتي في القِتال \[ آية : ٣٥ \] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ حمزةُ وأَبُو بكرٍ أيضاً، وسيأتي. فقِيل : هَما بمعنىً، وهو الصلحُ مثل رَطْل ورِطْل وجَسْر وجِسْر وهو يُذَكَّر ويُؤَنَّث، قال تعالى : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ، وحَكَوْا :" بَنُو فُلانٍ سِلْمٌ، وسَلْمٌ "، وأصلُه من الاسْتِسْلاَمِ، وهو الانقيادُ، قال تعالى : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  \[ البقرة : ١٣١ \] الإسلامُ : إسلامٌ الهدى، والسِّلْم على الصُّلْحِ، وترك الحرب راجع إلى هذا المعنى ؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ كَصَاحِبهِ، ويُطْلَقُ على الإِسلاَم قاله الكِسَائي وجماعةٌ ؛ وأنشدوا :\[ الوافر \]

دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا  رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوا مُدْبِرينَا[(٢)](#foonote-٢)يُنْشَدُ بالكَسْرِ، وقال آخرُ في المفتُوحِ :\[ البسيط \]شَرَائِعُ السَّلْمِ قَدْ بَانَتْ مَعَالِمُهَا  فَما يَرَى الكُفْرَ إِلاَّ مَنْ بِه خَبَلُ[(٣)](#foonote-٣)فالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتَيْنِ بمعنى الإِسْلاَم، إلاَّ أنَّ الفَتْحَ فيما هو بمعنى الإِسلام قليل، وقرأ[(٤)](#foonote-٤) الأَعْمشُ بفتح السِّين واللامِ " السَّلَم ". 
وقيل : بل هما مختلفا المعنى : فبالكَسْرِ الإِسلامُ، وبالفتحِ الصلحُ. 
قال أبُو عُبَيدة : وفيه ثلاثُ لُغَاتٍ : السَّلْم والسِّلْم والسُّلْم بالفَتْح والكَسْر والضمِّ. 
 " كافةً " مَنْصُوبٌ على الحالِ، وفي صَاحِبهَا ثلاثةُ أقوالٍ. 
أظهرها : أنه الفاعلُ في " ادْخُلُوا "، والمعنَى : ادخُلُوا السِّلْم جميعاً، وهذه حالٌ تُؤَكِّدُ معنى العمومِ، فإنَّ قولَكَ :" قام القومُ كافةً " بمنزلةِ : قَامُوا كلُّهم. 
والثاني : أنه " السِّلْمُ " قالهُ الزَّمخشريُّ، وأَبُوا البقاءِ[(٥)](#foonote-٥)، قال الزمخشريُّ : ويَجُوزُ أن تكونَ " كافةً " حالاً من " السِّلْمِ " ؛ لأنها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ ؛ قال الشاعر :\[ البسيط \]السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ  والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِها جُرَعُ[(٦)](#foonote-٦)على أنَّ المؤمنينَ أُمِرُوا أَنْ يدْخُلُوا في الطاعاتِ كُلِّها، ولا يَدْخُلوا في طَاعةٍ دونَ طاعةٍ، قال أَبُو حيَّان تَعْلِيلُه كونُ " كافةً " حالاً مِنَ " السِّلْم " بقولِه :" لأَنَّها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّثُ الحرب " ليس بشيءٍ ؛ لأنَّ التاءَ في " كَافَّة " ليست للتأنيثِ، وإن كان أَصْلُها أَنْ تَدُلَّ عليه، بل صار هذا نقلاً مَحْضاً إِلى مَعْنَى جميعٍ وكُلٍّ، كما صار قاطبةً وعامَّة، إذا كانَ حالاً نَقْلاً مَحْضاً. 
فإذا قلت :" قامَ الناسُ كَافةً، وقَاطِبةً " لم يَدُلَّ شيءٌ من ذلك على التأْنِيثِ، كما لا يَدُلُّ عليه " كُلّ " و " جميع ". 
والثالث : أَنْ يكونَ صاحبُ الحالِ هما جَمِيعاً : أَعْنِي فاعلَ " ادْخُلُوا " و " السِّلْم " فتكونُ حالاً مِنْ شَيْئَين. 
وهذا ما أجازه ابنُ عطيةَ فإنه قال : وتَسْتَغْرقُ " كافة " حنيئذٍ المؤمِنين، وجميعَ أجزاءِ الشَّرْع، فتكونُ الحالُ مِنْ شَيْئَيْن وذلك جائِزٌ نحو قولِهِ : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ  \[ مريم : ٣٧ \]. ثم قال بعد كلامٍ : وكافةً معناه جميعاً، فالمرادُ بالكافّةِ الجماعةُ التي تَكُفُّ مخالِفيها. 
وقوله :" نحو قوله فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُه " يعني أنَّ " تَحْمِلُهُ " حالٌ مِنْ فاعِل " أَتَتْ " ومِنَ الهاء في " بِهِ " قال أبو حيَّان :" هذا المِثَالُ ليس مُطَابِقاً لِلْحَالِ من شَيئينِ لأنَّ لفظَ " تَحْمِلُهُ " لا يحتمل شيئَيْن، ولا تقع الحالُ مِنْ شيئينِ إِلاَّ إِذَا كان اللفظُ يحتملهما، واعتبارُ ذلك بجَعْلِ ذَوِي الحالِ مُبْتدأَيْنِ، وجعل تلك الحالَ خبراً عنهما، فمتى صَحَّ ذلك صَحَّتِ الحالُ ؛ نحو قوله \[ الطويل \]وَعُلِّقْتُ سَلْمَى وَهْيَ ذَاتُ مُوَصَّدٍ  وَلَمْ يَبْدُ للأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُصَغِيرَيْنِ تَرْعَى البَهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا  إِلَى اليَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ ولَمْ تَكْبَرِ البَهْمُ[(٧)](#foonote-٧)فصغيرَين حالٌ من فاعل " عُلِّقْتُ " ومِنْ " سَلْمَى " لأنك لو قُلْت : أنا وسَلْمى صَغِيرانِ لَصَحَّ ومثلُه قولُ امرِئ القَيس :\[ الطويل \]خَرَجْتُ بِهَا نَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا  عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ[(٨)](#foonote-٨)فنْمشِي حالُ من فاعل " خَرَجْتُ "، ومِنْ " هَا " في " بِهَا " ؛ لأنَّك لو قلتَ :" أنا وهي نمشي " لصَحَّ، ولذلك أَعْرَب المُعْرِبُونَ " نَمْشِي " حَالاً مِنْهُما، كما تَقَدَّم، و " تَجُرُّ " حالاً مِنْ " هَا " في " بِهَا "، فقط ؛ لأنه لا يصلُحُ أن تجعل " تَجُرُّ " خبراً عنهما، لو قلتَ :" أنا وهي تَجرُّ " لم يَصِحَّ ؛ فكذلك يتقدَّر بمفردٍ وهو " جارَّة " وأنت لو أَخْبَرْتَ به عن اثْنين، لم يَصِحَّ ؛ فكذلك " تَحْمِلُهُ " لا يَصْلُح أَنْ يكون خَبَراً عن اثنين، فلا يَصِحُّ أَنْ يكونَ حالاً منهما، وأمَّا " كَافّة " فإنها بمعنى " جَمِيع "، و " جمِيع " يَصِحُّ فيها ذلك، لا يُقالُ :" كَافَّة " لا يَصحُّ وقوعُها خَبَراً، لو قلتَ :" الزَّيْدُونَ وَالْعَمْرُونَ كَافَّةً " لم يجزْ، فلذلك لا تقعُ حالاً ؛ على ما قَرَّرتُ ؛ لأنَّ ذلك إِنَّما هو بسبب التزام نصب " كافةً " على الحال، وأنها لا تتصرَّفُ لا مِنْ مانعِ معنوي، بدليلِ أنَّ مرادِفَها وهو " جَمِيع " و " كُلّ " يُخْبَرُ به، فالعارِضُ المانِعُ ل " كافَّة " من التصرُّفِ لا يَضُرُّ، وقولُه :" الجماعةُ الَّتِي تَكُفُّ مخالِفيها " يعني : أَنَّها في الأصْلِ كذلك، ثم صار اسْتِعْمالُها بمعنى جَمِيع وكُلّ ". 
واعْلَمْ أنَّ أَصْلَ " كافة " اسمُ فاعلٍ مِنْ كَفَّ يَكُفُّ، أي : مَنَع، ومنه " كَفُّ الإِنسانِ " ؛ لأنها تَمْنَعُ ما يقتضيه، و " كِفّة المِيزَانِ " لجمعها الموزون، ويقالُ : كَفَفْتُ فُلاَناً عن السُّوء، أي : منعتُه، ورجل مَكْفُوفٌ، أي : كُفَّ بَصَرُهُ مِنْ أَنْ يبصر، وَالكُفَّةُ - بالضَّمِّ - لكل مستطيلٍ، وبالكَسْرِ، لكلِّ مُسْتدِير. 
وقيل :" كافة " مصدرٌ كالعاقبة والعافية. وكافة وقاطبة مِمَّا لَزم نصبُها على الحالِ، فإخراجُهما عن ذلك لَحْنٌ. 
### فصل


لمَّا بيَّن الله - تعالى - أقسامَ النَّاسِن وأنهم يَنْقَسِمون إلى مُؤْمنٍ، وكافِرٍ، ومُنَافِق قال هاهنا : كُونَوا على مِلَّة واحدة، على الإسلام، واثْبتُوا عليه. 
قال ابنُ الخطيب[(٩)](#foonote-٩) : حمل أكثرُ المفسرِين السِّلْمَ على الإسلامِ، وفيه إِشكالٌ ؛ لأنه يَصِيرُ التقدِيرُ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادخُلُوا في الإِسْلام، والإِيمانُ هو الإسلامُ، ومعلومٌ أَنَّ ذلك لا يَجوزُ، فلهذا ذكر المفسرون وُجُوهاً. 
أحدها : أَنَّ المرادَ بالآيةِ المنافقُونَ، والتقديرُ : يا أَيُّهَا الذي آمنوا بأَلْسنتِهم ادخلُوا بكُلِّيتِكُمْ في الإسلام، ولا تَتَّبعُوا خطواتِ الشيطانِ، أي آثار تَزيينه، وغروره في الإِقامةِ على النِّفاقِ، واحتجوا على هذه بالآيةِ، فهذا التأويلُ على أَنَّ هذه الآيةَ إِنَّما وردت عَقِيبُ مَا مَضَى من ذكر المنافقين وهو قولُه : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ 
 " الآية " فلمَّا وصفهم بما ذكر، دعاهم في هذه الآيةِ إلى الإيمان بالقلب، وترك النفاق. 
وثانيها : رُوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلتْ في طائفةٍ من مُسْلِمي أهل الكتاب ك " عَبْد اللَّهِ ابن سَلامٍ " وأصحابِهِ، وذلك لأنهم كانوا يُعظِّمون السَّبْتَ، ويكرهون لُحْمَان الإِبِل، بعدما أَسْلَموا وقالوا : يَا رسُولَ اللَّهِ : إِنَّ التوراةَ كتابُ اللَّهِ، فدعْنَا فلنقم بها في صَلاتِنا باللَّيْلِ، فأمرهم اللَّهُ بهذه الآيةِ أَنْ يدخُلُوا في السِّلْم كافَّةً[(١٠)](#foonote-١٠) \[ أي : في شَرَائِعِ الإِسَلام كافة \][(١١)](#foonote-١١) ولا يتمسَّكُوا بشَيْءٍ من أَحْكامِ التوراة، اعتقاداً له وعملاً به، ولا تتبعوا خُطُواتِ الشيطانِ في التمسُّكِ بأْحْكامِ التوراة بَعْدَ أَنْ عرفْتُم أنها صارت مَنْسُوخةً، وقائِلُ هذا القولِ جعل " كَافَّةً " من وصف " السِّلْم "، كأنه قِيلَ : ادخُلُوا في جميع شَعائِر الإسلام اعتقاداً وعملاً. 
وثالثها : أَنَّ هذا الخطابَ لأَهْلِ الكتابِ الَّذِينَ لم يؤمنوا بالنبي - عليه السلام - يَعْنِي : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ . أي : بالكتاب المتقدم  ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ، أي : آمنوا بجميع أنبيائه وكُتُبهم، وبمحمَّد، وكتابهِ على التمامِ، ولا تتبعوا خُطُواتِ الشيطان في تحسينه الاقتصارَ على التوراةِ بسبب أَنَّهُ دِينٌ اتفق الكُلُّ على أنه حَقٌّ، بسبب أَنَّهُ جاء في التوارةِ : وتمسَّكُوا بالسبت ما دامتِ السمَواتُ والأَرْضُ، فيكون المرادُ من خُطُواتِ الشيطانِ الشبهات التي يتمسَّكُونَ بها في بَقَاءِ تلك الشريعة[(١٢)](#foonote-١٢). 
قال ابنُ عبَّاسٍ : نزلت الآيةُ في أهل الكتابِ، والمعنى : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ  بِمُوسَى وعِيسَى " ادْخُلُوا " فِي الإِسْلاَمِ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كَافَّةً [(١٣)](#foonote-١٣) ". 
وَروى " مُسْلِمٌ " عن أبي هريرة، عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : والَّذِي نفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ، لا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هذه الأمَّةِ يَهُوديٌّ ولا نَصْرَانيٌّ، ثُمَّ لَمْ يؤمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به إلاَّ كان مِنْ أَصحابِ النَّارِ[(١٤)](#foonote-١٤) ". 
ورابعها : أَنَّ المرادَ بهذا الخطابِ المسلِمُونَ، والمعنى : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ  دُومُوا على الإسلام فيما بَقِيَ من العُمُرِ ولا تَخْرُجوا عنه  وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  أي : ولا تلتفتوا إلى الشُّبُهاتِ التي يُلْقيها إليكم أصحابُ الضلالةِ والغوايةِ[(١٥)](#foonote-١٥). 
قال حُذَيفةُ بنُ اليمانِ في هذه الآيةِ : الإِسْلاَمُ ثمانيةُ أَسْهم : الصلاةُ سهمٌ، والزكاة سَهْمٌ، والصدقةُ سَهْمٌ، والحجُّ سَهْمٌ، والعمرةُ سَهْمٌ، والجهادُ سَهْم، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ، والنَّهْيُ عن المُنْكر سَهْمٌ، وقد خاب مَنْ لا سهم له[(١٦)](#foonote-١٦). 
فإنْ قيل : المؤمنُ الموصوفُ بالشيء يقُالُ له : دُمْ عَلَيْه، ولا يقالُ لهُ : ادخُلْ فيه، والمذكُور في الآيةِ هو قوله :" ادخلُوا ". 
فالجوابُ : الكائن في الدار إذا علم أَنَّ له في المستقبل خروجاً عنها، فلا يمتنع أن يُؤْمَرَ بدخولها في المستقبل، وإن كان في الحال كائناً فيها ؛ لأن حالَ كونهِ فيها غيرُ الحالةِ التي أُمِر أن يدخل فيها، فإذا كان في الوقْتِ الثاني قد يخرج عنها، صَحَّ أن يؤمر بدخُلولِها. 
وقال١ - الصواب هنا العكس لا كما نقل المصنف، فقد قرأ نافع، والكسائي، وابن كثير: بفتح السين والباقون بالكسر. انظر: السبعة ١٨١، والحة ٢/٢٩٢، وحجة القراءات ١٣٠، والعنوان ٧٣، وشرح شعلة ٢٨٨، وشرح الطيبة ٤/٩٥، ٩٦، وإتحاف ١/٤٣٥..
٢ - ينظر: الطبري ٤/ ٢٥٣، المؤتلف والمختلف (٩)، والوحشيات (٧٥)، الدر المصون ١/٥١٠..
٣ -ينظر: البحر ٢/١١٨، الدر المصون ١/٥١٠..
٤ -انظر الكشاف ١/٢٥٢، والقرطبي ٣/١٧، وحكاه عن البصريين..
٥ -ينظر الإملاء لأبي البقاء ١/٩٠..
٦ - البيت للعباس بن مرداس ينظر: ديوانه (٨٧)، الخزانة ٢/٨٢، حاشية يس ٢/ ٢٨٦، إصلاح المنطق ٣٠، الكشاف ١/٢٥٢، البحر ٢/ ١٣٠، الدر المصون ١/٥١٠..
٧ - البيتان للمجنون ينظر: ديوانه ص ١٨٦، وخزانة الأدب ٤/ ٢٣٠، وأسرار العربية ص ١٩٠، وتذكرة النحاة ص ٤٢٣، ومجالس ثعلب ٢/٦٠٠، والدر المصون ١/٥١١..
٨ -ينظر: ديوانه ص ١٤، وخزانة الأدب ١١/٤٢٧، والدرر ٤/١٠، وشرح التصريح ١/٣٨٧، وشرح شواهد الشافية ص ٢٨٦، وشرح شواهد المغني ٢/٦٥٢، ٩٠١، وشرح عمدة الحافظ ص ٤٦٢، ولسان العرب (نير)، وأوضح المسالك ٢/٣٣٩، ورصف المباني ص ٣٣٠، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/٣٣٨، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٤، وهمع الهوامع ١/٢٤٤، والدر المصون ١/٥١١..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ١٧٦..
١٠ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٥٥-٢٥٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وعزاه للطبري عن عكرمة..
١١ - سقط في ب..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي٥/١٧٦..
١٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٨..
١٤ - تقدم..
١٥ -ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ١٧٦..
١٦ - انظر: تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (٣/١٧-١٨) فقد ذكر هذا الأثر عن حذيفة بن اليمان..

### الآية 2:209

> ﻿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:209]

قوله تعالى :" فَإِنْ زَلَلْتُمْ " الجمهور على " زَلَلْتُمْ " : بفتح العين، وأبو السَّمَّال[(٢٠)](#foonote-٢٠) قرأها بالكسر، فهما لغتان ؛ كضلَلت، وضلِلت. و " ما " في " مِنْ بعدِما " مصدريَّةٌ، و " مِنْ " لابتداء الغاية، وهي متعلِّقةٌ ب " زَلَلْتُمْ ". 
معنى " زَلَلْتُمْ " أي : ضللتم، وقيل : ملتم، يقال : زلَّت قدمه تزلُّ زلاًّ وزللاً، إذا دحضت، وأصل الزلل في القدم، واستعماله في الاعتقادات.

### فصل


يروى عن ابن عباس : فإن زللتم في تحريم السَّبت، ولحم الإبل،  مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ  يعني محمَّداً وشرائعه،  فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  في كلِّ أفعاله، فعند هذا قالوا : لئن شئت يا رسول الله، لنتركنَّ كلَّ كتابٍ غير كتابك، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ  \[ النساء : ١٣٦ \] ومن قال : إن الآية الأولى في المنافقين قال في هذه الآية كذلك. 
فإن قيل : إنَّ الحكم المشروط إنما يحسن في حقِّ من لا يكون عالماً بعواقب الأمور، وأجاب قتادة[(٢١)](#foonote-٢١) عن ذلك فقال : قد علم أنَّهم سيزلون، ولكنه تعالى قدَّم ذلك، وأوعد فيه ؛ ليكون له الحجَّة عليهم. 
### فصل


قوله : مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ  يتناول جميع الدلائل العقليَّة والسمعيَّة. 
أمَّا العقليَّة، فالعلم بحدوث العالم، وافتقاره إلى صانع يكون عالماً بكلِّ المعلومات، قادراً على كل الممكنات، غنيّاً عن كل الحاجات. 
وأمَّا السمعيَّة : فهي البيان الحاصل بالقرآن والسُّنَّة. 
### فصل


قال القرطبيُّ[(٢٢)](#foonote-٢٢) : دلت الآية على أنَّ عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافراً بترك الشَّرائع. 
### فصل


قال القاضي[(٢٣)](#foonote-٢٣) : دلَّت الآية على أنَّ المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلاَّ بعد البيان، وإزاحة العلَّة، ودلت الآية على أنَّ المعتبر حصول البيِّنات، لا حصول اليقين من المكلف. 
وقوله :" عَزِيزٌ " يدلُّ على الزَّجر، والتهديد، والوعيد ؛ لأن العزيز هو الذي لا يمنع عن مراده، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة، وهو تعالى قادر على كل الممكنات، فكأنَّه تعالى قال : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ  فاعموا أنَّ الله قادرٌ عليكم، لا يمنعه عنكم مانع، وهذا نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب ؛ كقول السيِّد لعبده : إن عصيتني فأنت عارف بي، وتعلم قدرتي عليك، والآية كما أنها تدلُّ على نهاية الوعد بقوله :" حَكِيمٌ " فإنَّ اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة، وأقرب للرحمة، وهذه الآية تدلُّ على أنَّه لا وجوب لشيءٍ قبل الشَّرع ؛ لأنه تعالى أثبت التهديد بشرط مجيء البينات، وقبل الشرع لم تحصل كلُّ البيِّنات. 
### فصل


قال الجبَّائيُّ[(٢٤)](#foonote-٢٤) : المجبرة تقول : إن الله تعالى يريد الكفر من الكفَّار، والسَّفاهة من السُّفهاء، والله تعالى وصف نفسه بأنه حكيم، ومن فعل السَّفه وأراده لا يكون حكيماً، وأجيب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور، فمعنى كونه تعالى حكيماً أنَّه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقاً لكل الأشياء، ومريداً لها. 
### فصل


يحكى أنَّ قارئاً قرأ " فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فسمعه أعرابيٌّ، فأنكره ؛ وقال : إنَّ هذا كلام الله تعالى فلا يقول كذا ؛ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزَّلل ؛ \[ أنه إغراءٌ عليه \].

### الآية 2:210

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [2:210]

" هَلْ " لفظه استفهامٌ والمراد به النفي ؛ كقوله :\[ الطويل \]
وَهَلْ أَنَا إِلاَّ مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ \*\*\* غَوَيْتُ، وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ[(١)](#foonote-١)
أي : ما ينظرون، وما أنا، ولذلك وقع بعدها " إلاَّ " كما تقع بعد " ما ". و " هَلْ " تأتي على أربعة أوجهٍ :
الأول : بمعنى " مَا " كهذه الآية، وقوله : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ 
\[ الأعراف : ٥٣ \]. 
الثاني : بمعنى " قَدْ " كقوله تعالى : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ  \[ الإنسان : ١ \] أي : قد أتى، وقوله : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ  \[ ص : ٢١ \] و  هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ  \[ الغاشية : ١ \]، أي : قد أتاك. 
والثالث : بمعنى " أَلاَ " قال تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ  \[ طه : ٤٠ \] أي : أَلاَ أدلكم، ومثله  هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ  \[ الشعراء : ٢٢ \] أي : ألا أنبئكم. 
الرابع : بمعنى الاستفهام، قال تعالى : هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ 
\[ الروم : ٤٠ \]. 
و " يَنْظُرون " هنا بمعنى ينتظرون، وهو معدًّى بنفسه، قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
فَإِنَّكُمَا إِنْ تَنْظُرَانِيَ سَاعَةً \*\*\* مِنَ الدَّهْرِ يَنْفَعْنِي لَدَى أُمِّ جُنْدَبِ[(٢)](#foonote-٢)
وليس المراد هنا بالنظر تردد العين ؛ لأنَّ المعنى ليس عليه ؛ واستدلَّ بعضهم على ذلك بأن النظر بمعنى البصر يتعدَّى ب " إلى "، ويضاف إلى الوجه، وفي الآية الكريمة متعدٍّ بنفسه، وليس مضافاً إلى الوجه، ويعني بإضافته إلى الوجه قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  \[ القيامة : ٢٢، ٢٣ \] فيكون بمعنى الانتظار، وهذا ليس بشيء، أما قوله : إن الذي بمعنى البصر يتعدَّى ب " إلى " فمسلم، وقوله :" وهو هنا متعدٍّ بنفسه " ممنوعٌ، إذ يحتمل أن يكون حرف الجر وهو " إلَى " محذوفاً ؛ لأنه يطَّرد حذفه مع " أَنْ " و " أَنَّ "، إذا لم يكن لبسٌ، وأمَّا قوله :" يُضَافُ إلى الوَجْهِ "، فممنوعٌ أيضاً، إذ قد جاء مضافاً للذات ؛ قال تعالى :
 أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ  \[ الأعراف : ١٤٣ \]  أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ 
\[ الغاشية : ١٧ \]. والضمير في " يَنْظُرُونَ " عائدٌ على المخاطبين بقوله :" زَلَلْتُمْ " فهو التفاتٌ. 
قوله : إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ  هذا مفعول " يَنْظُرُونَ " وهو استثناءٌ مفرَّغٌ، أي : ما ينظرون إلا إتيان الله. 
والمعنى ما ينظرون، يعني التاركون الدخُّول في السِّلم. 
قوله تعالى :" في ظُلَلٍ " فيه أربعة أوجهٍ :
أحدها : أن يتعلَّق بيأتيهم، والمعنى : يأتيهم أمره أو قدرته أو عقابه أو نحو ذلك، أو يكون كنايةً عن الانتقام، إذ الإتيان يمتنع إسناده إلى الله تعالى حقيقةً. 
والثاني : أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : هو مفعول يأتيهم، أي : في حال كونهم مستقرين في ظلل، وهذا حقيقة. 
والثاني : أنه الله تعالى بالمجاز المتقدِّم، أي : أمر الله في حال كونه مستقراً في ظلل. 
الثالث : أن تكون " في " بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإتيان، أي : إلاَّ أن يأتيهم بظلل ؛ ومن مجيء " في " بمعنى الباء قوله :\[ الطويل \]
. . . \*\*\* خَبِيرُونَ في طَعْنِ الكُلَى وَالأَبَاهِرِ[(٣)](#foonote-٣)
لأنَّ " خَبِيرِينَ " إنَّما يتعدَّى بالباء ؛ كقوله :\[ الطويل \]
. . . فَإنَّني \*\*\* خَبِيرٌ بأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ[(٤)](#foonote-٤)
الرابع : أن يكون حالاً من " المَلاَئِكَةِ " مقدَّماً عليها ويحكى عن أبيّ، والأصل : إلاَّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظللٍ، ويؤيِّد هذا قراءة عبد الله إياه كذلك، وبهذا - أيضاً - يقلُّ المجاز، فإنه - والحالة هذه - لم يسند إلى الله تعالى إلاَّ الإتيان فقط بالمجاز المتقدم. 
وقرأ أُبيّ[(٥)](#foonote-٥) وقتادة والضَّحاك : في ظلالٍ، وفيها وجهان :
أحدهما : أنها جمع ظلّ ؛ نحو : صلّ وصلال. 
والثاني : أنها جمع ظلَّة ؛ كقلَّة وقلال، وخلَّة وخلال، إلاَّ أنَّ فعالاً لا ينقاس في فُعلة. 
قوله تعالى :" مِنَ الغَمَامِ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلق بمحذوف ؛ لأنه صفةٌ ل " ظُلَل " التقدير : ظُلَلٍ كائنةٍ من الغمام. و " مِنْ على هذا للتعبيض. 
والثاني : أنه متعلق ب " يَأْتِيهم "، وهي على هذا لابتداء الغاية، أي : من ناحية الغمام. 
والجمهور على رفع " المَلاَئِكَةُ " ؛ عطفاً على اسم " الله ". 
وقرأ الحسن[(٦)](#foonote-٦) وأبو جعفر : بجرِّ " الملائكةِ " وفيه وجهان :
أحدهما : العطف على " ظُلِلٍ "، أي : إلاَّ أن يأتيهم في ظللٍ، وفي الملائكة. 
والثاني : العطف على " الغمامِ " أي : من الغمام ومن الملائكة، فتوصِف الملائكة بكونها ظللاً على التشبيه، وعلى الحقيقة، فيكون المعنى يأتيهم أمر الله وآياته، والملائكة يأتون ليقومون بما أمروا به من الآيات والتعذيب، أو غيرهما من أحكام يوم القيامة. 
قوله :" وقُضِيَ الأمرُ " الجمهور على " قُضِيَ " فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول، وفيه وجهان :
أحدهما : أن يكون معطوفاً على " يَأْتيهم " وهو داخل في حيِّز الانتظار، ويكون ذلك من وضع الماضي موضع المستقبل، والأصل : ويقضى الأمر وإنما جيء به كذلك ؛ لأنه محققٌّ كقوله :
 أَتَى أَمْرُ اللَّهِ  \[ النحل : ١ \] وقوله : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي  \[ المائدة : ١١٦ \] والسبب في اختيار هذا المجاز، إمَّا التنبيه على قرب الآخرة، وكأنها قد أتت، أو المبالغة في تأكيد وقوعها، كأنها قد وقعت. 
والثاني : أن يكون جملة مستأنفة برأسها، أخبر الله تعالى بأنه قد فرغ من أمرهم، فهو من عطف الجمل، وليس داخلاً في حيّز الانتظار. 
وقرأ معاذ بن جبل[(٧)](#foonote-٧) :" وَقَضَاء الأَمْرِ " قال الزمخشريُّ :" عَلَى المصْدَرِ المرفوع ؛ عطفاً على الملائكة ". وقال غيره : بالمدِّ والخفض ؛ عطفاً على " الملائكة ". 
قيل : وتكون على هذا " فِي " بمعنى " البَاءِ " أي : بظُللٍ، وبالملائكة، وبقضاء الأمر، فيكون عن معاذ قراءتان في الملائكة، الرفع والخفض، فنشأ عنهما قراءتان له في قوله :" وقُضِيَ الأمر ". 
ومعنى قضي الأمر ؛ هو فصل القضاء ببين الخلق يوم القيامة، وإنزال كلِّ واحد منزلته من جنَّةٍ، أو نارٍ ؛ قال تعالى : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ 
\[ إبراهيم : ٢٢ \]. 
قوله : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ  هذا الجار متعلق بما بعده، وإنما قدِّم للاختصاص، أي : لا ترجع إلاَّ إليه دون غيره. وقرأ الجمهور :" تُرْجَعُ " بالتأنيث لجريان جمع التكسير مجرى المؤنث، إلاَّ أنَّ حمزِة والكسائي ونافعاً قرؤوا[(٨)](#foonote-٨) ببنائه للفاعل، والباقون ببنائه للمفعول، و " رَجَعَ " يستعمل متعدياً تارةً، ولازماً أخرى، وقال تعالى : فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ  \[ التوبة : ٨٣ \] فجاءت القراءتان على ذلك، وقد سمع في المتعدي " أرجع " رباعياً، وهي لغة ضعيفة، ولذلك أبت العلماء أن تجعل قراءة من بناه للمفعول مأخوذةً منها. وقرأ خارجة[(٩)](#foonote-٩) عن نافع[(١٠)](#foonote-١٠) :" يُرْجَعُ " بالتذكير، وببنائه للمفعول ؛ لأن تأنيثه مجازي، والفاعل المحذوف في قراءة من بناه للمفعول : إمَّا الله تعالى، أي : يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، وإمَّا ذوو الأمور ؛ لأنه لمَّا كانت ذواتهم وأحوالهم شاهدةً عليهم بأنهم مربوبون مجزيُّون بأعمالهم كانوا رادِّين أمورهم إلى خالقها. 
قال القفَّال - رحمه الله - : في قوله " تُرْجَعُ الأُمُورُ " بضم التاء ثلاثة معانٍ :
أحدها : ما ذكرناه، وهو أنه جلَّ جلاله يرجعها إلى نفسه. 
والثاني : أنه على مذهب العرب، من قولهم " فلانٌ يُعْجَبُ بنفسه " ويقول الرجلُ لغيره :" إلى أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ "، وإن لم يكن أَحَدٌ يَذْهَبُ به. 
والثالث : أن ذوات الخلق لما كانت شاهدةً عليهم، بأنهم مخلوقون محاسبون، كانوا رادّين أمرهم إلى خالقهم، فقوله " تُرْجَعُ الأُمُورُ " أي : يردّها العباد إليه، وإلى حكمه بشهادة أنفسهم، وهو كقوله
 يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  \[ الجمعة : ١ \] فإن هذا التسبيح بحسب الحال، لا بحسب النطق، وقوله : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً  \[ الرعد : ١٥ \] قيل : المعنى يسجد له المؤمنون طوعاً، ويسجد له الكفَّار كرهاً بشهادة أنفسهم بأنَّهم عبيد الله.

### فصل في تفسير " الظلل " 


 " الظُّلَلُ " جمع ظُلَّةٍ، وهو ما أظَلَّكَ الله به " والغَمَامُ " هو السَّحاب الأبيض الرَّقيق، سمِّي غماماً ؛ لأنه يغمُّ، أي : يستر. 
وقال مجاهدٌ : هو غير السحاب، ولم يكن إلاَّ لبني إسرائيل في تيههم[(١١)](#foonote-١١). 
وقال مقاتلٌ : كهيئة الضَّبابة أبيض[(١٢)](#foonote-١٢). 
قال الحسن : في سترةٍ من الغمام[(١٣)](#foonote-١٣). والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى ؛ على ذلك مضت أئمة السَّلف، وعلماء السُّنَّة. 
قال ابن عباس، في رواية أبي صالح، والكلبي : هذا من المكتوم الذي لا يفسَّر[(١٤)](#foonote-١٤)، وكان مكحولٌ، والزُّهريُّ، والأوزاعيُّ، ومالكٌ، وابن المبارك، وسفيان الثَّوريُّ، واللَّيث بن سعد، وأحمد، وإسحاق[(١٥)](#foonote-١٥) يقولون فيه وفي أمثاله : أَمِرَّها كما جاءت بلا كيف. 
قال سفيان بن عيينة[(١٦)](#foonote-١٦) : كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره : قراءته، والسكوت عنه ؛ ليس لأحدٍ أن يفسِّره إلاَّ الله ورسوله. 
وروي عن ابن عبَّاسِ[(١٧)](#foonote-١٧) أنه قال : نزل القرآن على أربعة أوجهٍ :
وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء، ووجه نعرفه من قبل العربيَّة فقط، ووجه لا يعلمه إلاَّ الله. 
وقال جمهور المتكلِّمين : لا بدَّ من التَّأويل، وفيه وجوهٌ :
أحدها : أنَّ المراد " يَأْتِيهمْ أَمْرُ اللهِ " آياتُ الله. فجعل مجيء الآيات مجيئاً له ؛ على التفخيم لشأن الآيات ؛ لأنه قال قبله : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ  ثم ذكر هذه الآية في معرض التهديد، ومعلومٌ أنه بتقدير أن يصح المجيء على الله تعالى لم يكن مجرد حضوره سبباً للتهديد والزَّجر، وإذا ثبت أنَّ المقصود من الآية إنَّما هو الوعيد والتهديد والزجر، وجب أن يضمن في الآية مجيء الآيات والقهر والتَّهديد، ومتى أضمرنا ذلك، زالت الشُّبهة بالكلية. 
الثاني : أن يأتيهم أمر الله، كقوله : إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ 
\[ المائدة : ٣٣ \] والمراد : يحاربون أولياءه. وقوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ 
\[ يوسف : ٨٢ \] والمراد : أهل القرية، فكذا قوله :" يَأتِيهِم اللَّهُ " المراد : يأتيهم أمر الله، كقوله : وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً 
\[ الفجر : ٢٢ \]، وليس فيه إلاَّ حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو مجازٌ مشهورٌ كثيرٌ في كلامهم، تقول :" ضرب الأمير فلاناً، وصلبه، وأعطاه " وهو إنَّما أمر بذلك، لأنه تولَّى ذلك بنفسه، ويؤكد هذا قوله في سورة النحل :{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأ١ - البيت لدريد بن الصمة ينظر: الحماسة ١/٣٩٧، الأصمعيات (١٠٧)، الخزانة ٤/ ٥١٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٨١٥، وشرح شواهد المغني ٢/٩٣٨، والشعر والشعراء ٢/٧٥٤، واللسان (غزا) و (غوى)، وجواهر الأدب ص ٣٦، والبحر ٢/ ١٣٢، والدر المصون ١/٥١٢..
٢ - تقدم برقم ٧٢٣..
٣ - تقدم برقم ٩٤٧..
٤ - تقدم برقم ١٠..
٥ -انظر: الشواذ ٢٠، والمحرر الوجيز ١/٢٨٣، والبحر المحيط ٢/ ١٣٤، والدر المصون ١/٥١٣..
٦ -انظر الشواذ ٢٠، والمحرر الوجيز ١/٢٨٣، ونسبها ابن عطية إلى الحسن ويزيد بن القعقاع وأبي حيوة.
 وانظر: البحر المحيط ٢/١٣٤، والدر المصون: ١/٥١٣..
٧ - انظر: الشواذ ٢٠، والكشاف ١/٢٥٤، والمحرر الوجيز ١/٢٨٤، والبحر المحيط ٢/١٣٤، والدر المصون: ١/٥١٣..
٨ - وبها قرأ ابن عامر، وخلف ويعقوب، ووافقهم ابن محيصن والمطوعي والحسن.
 انظر: إتحاف ١/ ٤٣٥، وحجة القراءات ١٣٠، ١٣١، والحجة ٢/ ٣٠٤، وشرح شعلة ٢٨٨، والعنوان ٧٣..
٩ - خارجة بن مصعب أحد أعلام القراءات روى عنه العباس بن الفضل وتوفي سنة ١٦٨هـ ينظر غاية النهاية ١/٦٨..
١٠ -انظر: الشواذ ١٣، والسبعة ١٨١، والحجة ٢/ ٣٠٤، والبحر المحيط ٢/ ١٣٤، والدر المصون ١/٥١٤..
١١ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٦٣) عن مجاهد..
١٢ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٤..
١٣ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٤..
١٤ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٤..
١٥ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٤..
١٦ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٤..
١٧ -ينظر تفسير الفخر الرازي ٥/١٨٢..

### الآية 2:211

> ﻿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:211]

قرأ الجمهور :" سَلْ " وهي تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون من لغة : سال يسال، مثل : خَافَ يَخَافُ، وهل هذه الألف مبدلة من همزة، أو واو، أو ياء ؟ خلاف تقدَّم في قوله :
 فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ  \[ البقرة : ٦١ \] فحينئذٍ يكون الأمر منها :" سَلْ " مثل " خَفْ " لمَّا سكنت اللام حملاً للأمر على المجزوم، التقى ساكنان فحذفت العين لذلك، فوزنه على هذا فَلْ، وبهذا التقدير قرأ نافعٌ[(١)](#foonote-١)، وابن عامر " سَالَ سَائِلٌ " على وزن " قال "، " وكان ". 
والثاني : أن تكون من سأل بالهمز. 
قال قطربٌ : سَأَلَ يَسْأَلُ مثل زَأر الأسد يَزْأَرُ، والأصل : اسأل ثم ألقيت حركة الهمزة على السِّين، تخفيفاً، واعتددنا بحركة النقل، فاستغنينا عن همزة الوصل فحذفناها، ووزنه أيضاً فَلْ بحذف العين، وإن اختلف المأخذ. 
وروى عباس عن أبي عمرو :" اسْأَلْ " على الأصل من غير نقلٍ. وقرأ قوم[(٢)](#foonote-٢) :" اسَلْ " بالنقل وهمزة الوصل، كأنَّهم لم يعتدُّوا بالحركة المنقولة كقولهم :" الَحْمَر " بالهمز. 
وقرأ بعضهم " سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ " بغير همزٍ، وقرأوا
 وَاسْأَلِ الْقَرْيَة  \[ يوسف : ٨٢ \]  فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ  \[ يونس : ٩٤ \]  وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ  \[ النساء : ٣٢ \] بالهمزة، وقرأ[(٣)](#foonote-٣) الكسائيُّ الكلَّ بغير همزٍ اتِّباعاً للمصحف، فإنَّ الألف ساقطةٌ فيها أجمع، و " بني " مفعولٌ أول عند الجمهور. 
وقوله :" كم آتيناهم " في " كَمْ " وجهان :
أحدهما : أنها في محل نصب. واختلف في ذلك فقيل : نصبها على أنها مفعولٌ ثانٍ ل " آتيناهم " على مذهب الجمهور، وأول على مذهب السُّهيلي، كما تقدَّم. 
وقيل : يجوز أن ينتصب بفعل مقدَّر يفسِّره الفعل بعدها تقديره : كم آتينا آتيناهم، وإنما قدرنا ناصبها بعدها ؛ لأنَّ الاستفهام له صدر الكلام، ولا يعمل فيه ما قبله، قاله ابن عطيَّة، يعني أنه عنده من باب الاشتغال، قال أبو حيَّان : وهذا غير جائزٍ إنْ كان " مِنْ آيةٍ " تمييزاً ؛ لأن الفعل المفسِّر لم يعمل في ضمير " كَمْ " ولا في سببيها، وإذا لم يكن كذلك، امتنع أن يكون من بابا سببيِّه. 
ونظير ما أجازه أن تقول :" زَيْداً ضربْتُ " ويكون من باب الاشتغال، وهذا ما لم يجيزه أحد. 
فإن قلنا إنَّ تمييزها محذوف، وأطلقت " كَمْ " على القوم، جاز ذلك ؛ لأنَّ في جملة الاشتغال ضمير الأول ؛ لأنَّ التقدير :" كَمْ مِنْ قَوْم آتيناهُمْ " قال شهاب الدِّين : وهذا الذي قاله الشيخ من كونه لا يتمشَّى على كون " مِنْ آية " تمييزاً قد صرَّح به ابن عطيَّة فإنه قال :" وقوله :" مِنْ آيةٍ " هو على التقدير الأول، مفعول ثان لآتيناهم، وعلى الثاني في موضع التمييز " يعني بالأول نصبها على الاشتغال، وبالثاني نصبها بما بعدها. 
والوجه الثاني : أن تكون " كَمْ " في محلِّ رفع بالابتداء، والجملة بعدها في محلِّ رفع خبراً لها، والعائد محذوفٌ تقديره : كم آتيناهموها، أو آتيناهم إيَّاها، أجازه ابن عطيَّة وأبو البقاء[(٤)](#foonote-٤)، واستضعفه أبو حيَّان من حيث إن حذف عائد المبتدأ المنصوب لا يجوز إلاَّ في ضرورةٍ، كقوله :\[ السريع \]
وَخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتُنَا \*\*\* بِالْحَقُ لاَ يُحْمَدُ بالْبَاطِلِ[(٥)](#foonote-٥)
أي : وخالدٌ يحمده. وهذا نقل بعضهم، ونقل ابن مالكٍ، أنَّ المبتدأ إذا كان لفظ " كُلٍّ "، أو ما أشبهها في الافتقار والعموم جاز حذف عائده المنصوب اتفاقاً من البصريِّين والكوفيِّين، ومنه : وَكُلٌّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى  \[ النساء : ٩٥ \] في قراءة[(٦)](#foonote-٦) نافعٍ، وإذا كان المبتدأ غير ذلك، فالكوفيُّون يمنعون ذلك إلا في السِّعة، والبصريُّون يجيزونه بضعفٍ، ومنه : أَفَحُكْمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ  \[ المائدة : ٥٠ \] برفع " حُكْم ". فقد حصل أنَّ الذي أجازه ابن عطية ممنوعٌ عند الكوفيين، ضعيف عند البصريين. 
وهل " كَمْ " هذه استفهامية، أو خبرية ؟ الظاهر الأول، وأجاز الزمخشريُّ فيها الوجهين، ومنعه أبو حيَّان من حيث إن " كَمْ " الخبرية مستقلة بنفسها، غير متعلقةٍ بالسؤال، فتكون مفلتةً ممّا قبلها، والمعنى يؤدي إلى انصباب السؤال عليها، وأيضاً فيحتاج إلى حذف المفعول الثاني للسؤال، تقديره : سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم، ثم قال : كثيراً من الآيات التي آتيناهم، والاستفهامية لا تحتاج إلى ذلك. 
**و " مِنْ آيةٍ " فيه وجهان :**
أحدهما : أنها مفعول ثان على القول بأنَّ " كَمْ " منصوبةٌ على الاشتغال ؛ كما تقدَّم، ويكون مميِّز " كَمْ " محذوفاً، و " مِن " زائدةٌ في المفعول ؛ لأنَّ الكلام غير موجب، إذ هو استفهامٌ، وهذا إذا قلنا إنَّ " كَمْ " استفهامية لا خبريةٌ ؛ إذ الكلام مع الخبرية إيجابٌ، و " مِنْ " لا تزاد في الواجب إلاَّ على رأي الأخفش، والكوفيِّين، بخلاف ما إذا كانت استفهامية. قال أبو حيَّان : فيمكن أن يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما بعده وفيه بعدٌ، لأنَّ متعلَّق الاستفهام هو المفعول الأول لا الثاني، فلو قلت :" كَمْ مِنْ دِرْهمٍ أعطيته مِنْ رَجلٍ " على زيادة " مِنْ " في " رَجُلٍ " لكان فيه نظرٌ " انتهى. 
والثاني : أنها تمييز، ويجوز دخول " مِنْ " على مميِّز " كَمْ " استفهامية كانت أو خبرية مطلقاً، أي : سواء وليها ممِّزها، أم فصل بينهما بجملةٍ، أو ظرفٍ أو جارٍّ ومجرورٍ، على ما قرَّره النحاة، و " كَمْ " وما في حيِّزها في محلِّ نصب أو خفض، لأنها في محل المفعول الثاني للسؤال فإنَّه يتعدَّى لاثنين : إلى الأوَّل بنفسه وإلى الثَّاني بحرف جرٍّ : إمّا عن، وإمَّا الباء ؛ نحو : سألته عن كذا وبكذا ؛ قال تعالى : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً  \[ الفرقان : ٥٩ \]، وقد جمع بينهما في قوله :\[ الطويل \]
فَأَصْبَحْنَ لاَ يَسْأَلْنَنِي عَنْ بِمَا بِهِ \*\*\*. . . [(٧)](#foonote-٧)
وقد يحذف حرف الجرِّ، فمن ثمَّ جاز في محلِّ " كَمْ " النصب، والخفض بحسب التقديرين، و " كَمْ " هنا معلقة للسؤال، والسؤال لا يعلَّق إلا بالاستفهام ؛ كهذه الآية، وقوله تعالى : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ  \[ القلم : ٤٠ \]، وقوله :\[ الطويل \]
يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ \*\*\* سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ[(٨)](#foonote-٨)
وقال آخر :\[ البسيط \]
. . . \*\*\* وَاسْأَلْ بِمَصْقَلَةَ البَكْرِيِّ مَا فَعَلا[(٩)](#foonote-٩)
وإنما علَّق السؤال، وإن لم يكن من أفعال القلوب ؛ قالوا : لأنه سببٌ للعلم، والعلم يعلَّق، فكذلك سببه، وإذا كانوا قد أجروا نقيضه في التعليق مجراه في قوله :\[ الطويل \]
وَمَنْ أَنْتُمُ إِنَّا نَسِينَا مَنَ أَنْتُمُ \*\*\* وَرِيحُكُمْ مِنْ أَيِّ رِيحِ الأَعَاصِرِ[(١٠)](#foonote-١٠)
فإجراؤهم سببه مجراه أولى. 
واختلف النحاة في " كَمْ " : هل بسيطةٌ، أو مركبة من كاف التَّشبيه وما الاستفهامية، حذفت ألفها ؛ لانجرارها، ثم سكنت ميمها، كما سكّنت ميم " لِمْ " من " لِمْ فَعَلْتَ كَذَا " في بعض اللغات، فركِّبتا تركيباً لازماً ؟ والصحيح الأول. وأكثر ما تجيء في القرآن خبريَّةً مراداً بها التكثير، ولم يأت مميِّزها في القرآن إلا مجروراً بمن. 
قال أبو مسلمٍ : في الآية حذفٌ، والتَّقدير : كم آتيناهم من آية بيِّنةٍ، وكفروا بها، ويدلُّ على هذا الإضمار قوله : وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ .

### فصل


اعلم أنَّه ليس المقصود اسأل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات لتعلمها ؛ لأنه - عليه السلام - كان عالماً بها بإعلام الله له، وإنما المقصود المبالغة في الزَّجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى، فهو سؤالٌ على جهة التَّقريع والتَّوبيخِ ؛ لأنه أمر بالإسلام، ونهى عن الكفر بقوله : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  \[ البقرة : ٢٠٨ \] ثم قال :
 فَإِن زَلَلْتُمْ  \[ البقرة : ٢٠٩ \] أي : أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد، بقوله : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  \[ البقرة : ٢٠٩ \]، ثم هدَّدهم بقوله :
 هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ 
\[ البقرة : ٢١٠ \]، ثم ثلَّث التهديد بقوله : سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ  يعني هؤلاء الحاضرين كم آتينا أسلافهم آيات بيناتٍ فأنكروها، فلا جرم استوجبوا العقاب، وهذا تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلُّوا عن آيات الله، لوقعوا في العذاب. 
وفي المراد ب " الآية البيِّنة " قولان :
أحدهما : معجزات موسى - عليه السلام - كما تقدَّم نحو : فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى موسى - عليه السلام - والعصا، واليد البيضاء، وإنزال التوراة، وبيّن لهم الهدى من الكفر. 
وقيل : المراد بالآية الحجَّة، والدلالة التي آتاهم، التوراة، والإنجيل على نبوة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وصدقه، وصحَّة شريعته. 
قوله : وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ  " مَنْ " شرطية في محلِّ رفع بالابتداء، وقد تقدَّم الخلاف في خبر اسم الشرط ما هو ؟ ولا بدَّ للتبديل من مفعولين : مبدَّل وبدل، ولم يذكر هنا إلاَّ أحدهما وهو المبدَّل، وحذف البدل، وهو المفعول الثاني ؛ لفهم المعنى، وقد صرَّح به في قوله : بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً  \[ إبراهيم : ٢٨ \] فكفراً هو المحذوف هنا. وقد تقدَّم عند قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ 
\[ البقرة : ٥٩ \] أن " بَدَّل " يتعدَّى لاثنين : أحدهما بنفسه، وهو البدل، وهو الذي يكون موجوداً، وإلى الآخر بحرف الجر، وهو المبدَّل، وهو الذي يكون متروكاً، وقد يحذف حرف الجرِّ لفهم المعنى، فالتقدير هنا :" وَمَنْ يُبَدِّلْ بنعمتِهِ كُفْراً "، فحذف حرف الجر والبدل لفهم المعنى. ولا جائز أن تقدِّر حرف الجر داخلاً على " كُفْراً " فيكون التقدير :" وَمَنْ يُبَدِّلْ بِالكُفْرِ نِعْمَةَ اللَّهِ " ؛ لأنه لا يترتَّب عليه الوعيد في قوله : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . وكذلك قوله تعالى : فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  \[ الفرقان : ٧٠ \] تقديره : بسيئاتهم حسناتٍ، ولا يجوز تقديره :" سَيِّئاتِهِم بحسناتٍ " ؛ لأنه لا يترتَّب على قوله :" إلا مَنْ تَابَ ". 
وقرئ[(١١)](#foonote-١١) :" يُبْدِلُ " مخففاً، و " مِنْ " لابتداء الغاية و " مَا " مصدرية، والعائد من جملة الجزاء على اسم الشرط محذوف ؛ لفهم المعنى، أي : شديد العقاب له، أو لأنَّ " أَلْ " نابت منابه عند الكوفيين. 
قال القرطبيُّ[(١٢)](#foonote-١٢) : وهذا اللفظ عامٌّ لجميع المكلَّفين، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل لكونهم بدَّلوا ما في كتبهم، وجحدوا أمر محمد - عليه السلام -، فاللَّفظ مستحب على كلِّ مبدِّل نعمة الله تعالى. 
### فصل


فالنِّعمة هاهنا إيتاء الآيات والدلائل ؛ لأنها أعظم نعم الله، فإنها أسباب الهدى والن١ - ستأتي في المعارج..
٢ -انظر: المحرر الوجيز ١/٢٨٤، البحر المحيط ٢/١٣٥، والدر المصون ١/٥١٤..
٣ -ستأتي..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي ابلقاء ١/٩٠..
٥ - تقدم برقم ٧٤٤..
٦ - ستأتي في النساء ٩٥..
٧ - صدر بيت للأسود بين يعفر وعجزه:
 أصعد في علو الهوى أم تصويا
 ينظر: ديوانه ص ٢١، المغني ٢/ ٣٥٤، الأشموني ٣/ ٨٣، أوضح المسالك ٢/ ٢/٨٩، التصريح ١٢، ١٣٠، اللسان: صعد وخزانة الأدب ٩/ ٥٢٧، ٥٢٨، ٥٢٩، وهمع الهوامع ٢/٢٢، ٣٠، ٧٨، ١٥٨، والبحر، ٢/١٣٦، والدر المصون ١/٥١٦..
٨ - البيت لرويشد الطائي ينظر: شرح الحماسة ١/١٠٢، المفصل لابن يعيش ٥/٩٥، الخصائص ٢/ ٤١٦، الدرر ٢/٢١٦، الإنصاف ٢/٧٧٣، الهمع ٢/١٥٧، وسرح صناعة الإعراب ص ١١، واللسان (صوت)، والأشباه والنظائر ٢/١٠٣، ٥/ ٢٣٧، وتخليص الشواهد ص ١٤٨، وخزانة الأدب ٤/ ٢٢١، والدر المصون ١/٥١٦..
٩ -عجز بيت للأخطل وصدره:
 دع المغمر لا تسألأ بمصرعه
 ينظر: ديوانه (١٥٧)، الكتاب ٢/٢٩٩، وأدب الكاتب ص ٥٠٩، واللسان (صقل) وخزانة الأدب ٩/ ١٣٠، والمعاني ص ١٢٠٨، والدر المصون ١/٥١٦..
١٠ -تقدم برقم ٤٥٢..
١١ - انظر الشواذ، والبحر المحيط ٢/١٣٦، والدر المصون ١/٥١٧..
١٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٠..

### الآية 2:212

> ﻿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [2:212]

قوله تعالى :" زُيِّنَ " : إنَّما لم تلحق الفعل علامة تأنيثٍ لوجوهٍ :
أحدها : قال الفرَّاء[(١)](#foonote-١) : لأنَّ الحياة والإحياء واحدٌ، فإن أُنِّثَ، فعلى اللَّفظ، وبها قرأ[(٢)](#foonote-٢) ابن أبي عبلة، وإن ذُكِّر، فعلى المعنى ؛ كقوله : فَمَنْ جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ  \[ البقرة : ٢٧٥ \]  وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ  \[ هود : ٦٧ \]. 
وثانيها : قال الزَّجَّاج[(٣)](#foonote-٣) : إنَّ تأنيث الحياة ليس بحقيقي ؛ لأنَّ معنى الحياة والعيشِ والبقاء واحدٌ، فكأنه قال :" زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا البَقَاءُ ". 
وثالثها : قال ابن الأنباري[(٤)](#foonote-٤) : إنما لم يقل زيِّنت ؛ لأنه فصل بين " زُيِّنَ " وبين الحياة الدنيا بقوله :" للذين كَفَرُوا "، وإذا فصل بين فعل المؤنث، وبين الاسم بفاصلٍ حَسُنَ تذكير الفعل ؛ لأنَّ الفاصل يغني عن تاء التأنيث، وقرأ مجاهد وأبو حيوة :" زَيَّنَ " مبنياً للفاعل، و " الحياةَ " مفعول، والفاعل هو الله تعالى عند الأكثرين، وعند الزجاج والمعتزلة يقولون : إنه الشيطان. 
وقوله :" يَسْخَرُون " يحتمل أن يكون من باب عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر، فيكون من عطف المفردات ؛ لعدم اتِّحاد الزمان. 
ويحتمل أن يكون " يَسْخَرُون " خبر مبتدأ محذوفٍ، أي : وهم يسخرون، فيكون مستأنفاً، وهو من عطف الجملة الاسمية على الفعلية. وجيء بقوله :" زُيِّن " ماضياً ؛ دلالةً على أنَّ ذلك قد وقع، وفرغ منه، وبقوله :" وَيَسْخَرُونَ " مضارعاً ؛ دلالة على التَّجَدُّد، والحدوث. 
قوله : وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ  مبتدأ وخبر، و " فَوْقَ " هنا تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون ظرف مكانٍ على حقيقتها ؛ لأنَّ المتقين في أعلى علِّيِّين، والكافرين في أسفل السَّافلين. 
والثاني : أن تكون الفوقية مجازاً : إمَّا بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة، ونعيم الكافرين في الدنيا. وإمّا أنّ حجة المؤمنين في القيامة فوق حجَّة الكافرين، وإمَّا أن سخرية المؤمنين لهم في الآخرة، فوق سخرية الكفار لهم في الدنيا. 
و " يوم " منصوبٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به " فَوْقَهُمْ " وقوله : مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ  ثم قال : وَالَّذِينَ اتَّقَواْ  لتبيين أنَّ السعادة الكبرى لا تحصل إلاَّ للمؤمن التَّقيّ.

### فصل


قال ابن عبَّاسٍ[(٥)](#foonote-٥) : نزلت في كفَّار قريشٍ، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعبد الله بن مسعودٍ، وعمَّارٍ، وخبَّابٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وعامر بن فهيرة، وأبي عبيدة بن الجرَّاح، وصهيبٍ، وبلالٍ، بسب ما كانوا فيه من الفقر، والصَّبر على أنواع البلاء، مع ما كان الكُفَّار فيه من النَّعيم، والرَّاحة، وبسط الرِّزق. 
وقال عطاءٌ[(٦)](#foonote-٦) : نزلت في رؤساء اليهود، وعلمائهم، من بني قريظة، والنَّضير، وبني قينقاع ؛ سخروا من فقر المسلمين المهاجرين حيث أُخرجوا من ديارهم، وأموالهم، فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنَّضير بغير قتالٍ. 
وقال مقاتلٌ : نزلت في المنافقين كعبد الله بن أُبيٍّ، وأصحابه ؛ كانوا يتنعّمون في الدّنيا، ويسخرون من ضعفاء المسلمين، وفقراء المهاجرين، ويقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم[(٧)](#foonote-٧). 
قال ابن الخطيب[(٨)](#foonote-٨) : ولا مانع من نزولها في جميعهم. 
روى أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا المَسَاكِينَ، وَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَإنَّ أَهْلَ الجَدِّ مَحْبُوسُونُ إِلاَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ[(٩)](#foonote-٩) ". 
وروى سهل بن سعدٍ السَّاعديّ، قال :" مرَّ رجلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالسٍ :" مَا رَأَيُكَ في هَذَا " فقال هذا رجل من أشراف النَّاس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفَّع، قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرَّ رجُلٌ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَا رَأْيُكَ في هَذَا " ؟ فقال : يَا رسولَ الله، هذا من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب ألاّ ينكح وإن شفع ألا يشفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْل هَذَا[(١٠)](#foonote-١٠) ". 
وروي عن عليٍّ ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :" مَنِ اسْتَذَلَّ مَؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً، أَوْ حَقَّرَهُ لِفَقْرِهِ وَقِلَّةِ ذَات يَدِهِ، شَهَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُم فَضَحَهُ، وَمَنْ بَهَت مُؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً، أَوْ قَالَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَقَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَلٍّ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ فِيه[(١١)](#foonote-١١). . . ". 
### فصل


قال الجُبَّائيُّ[(١٢)](#foonote-١٢) : المزيِّن هم غواة الجن، والإنس ؛ زينوا للكفار الحرص على الدُّنيا، وقبَّحوا أمر الآخرة. 
قال : وأمَّا قول المجبّرة : إنَّ الله تعالى زيَّن ذلك فهو باطلٌ، لأنَّ المزيِّن للشيء كالمخبر على حسنه، فإن كان صادقاً، فيكون ما زينه حسناً، ويكون فاعله مصيباً، وذلك يوجب أنَّ الكافر مصيبٌ في كفره، وهذا القول كفرٌ، وإن كان كاذباً في ذلك التزيين، فيؤدي إلى أن لا يوثق بخبره، وهذا - أيضاً - كفرٌ، فثبت أنَّ المزيِّن هو الشيطان. 
قال ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) : وهذا ضعيفٌ، لأنَّ قوله : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ  يتناول جميع الكُفَّار، وهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مُزَيِّن، فلا بدَّ وأن يكون ذلك المزيِّن مغايراً لهم ؛ لأنَّ غواة الجنِّ والإنس داخلون في الكفار أيضاً، إلاَّ أن يقال : إن كلَّ واحدٍ يزيِّن للآخر فيصير دوراً، فثبت ضعف هذا التأويل. 
وأمَّا قوله :" المُزَيِّنُ للشَّيْءِ كالمخبر عن حُسْنِه " فهذا ممنوعٌ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالزينة، ثم لئن سلَّمنا أنَّ المزين للشيء هو المبخر عن حسنه بمعنى أنه أخبر عمَّا فيها من اللَّذَّات والراحات، وذلك الإخبار ليس بكذبٍ، وتصديقه ليس بكفرٍ. 
وقال أبو مسلمٍ[(١٤)](#foonote-١٤) : يحتمل أنهم زيَّنوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم : أين يذهب بك ؟ لا يريدون أنَّ ذاهباً ذهب به، وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة :
 أَنَّى يُؤْفَكُونَ  \[ المائدة : ٧٥ \]،  أَنَّى يُصْرَفُونَ  \[ غافر : ٦٩ \] إلى غير ذلك، وأكّده بقوله : لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ  \[ المنافقون : ٩ \] وأضاف ذلك إليهما ؛ لمَّا كان كالسبب ولمَّا كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً، فالإنسان في الحقيقة هو الذي زيَّن لنفسه. 
قال ابن الخطيب :[(١٥)](#foonote-١٥) وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ قوله :" زُيِّنَ للنَّاس " يقتضي أنَّ مزيِّناً زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن. 
التأويل الثالث : أنَّ المزيِّن هو الله تعالى، ويدلُّ عليه وجهان :
أحدهما : قراءة من قرأ " زَيَّنَ " مبنيّاً للفاعل. 
والثاني : قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً  \[ الكهف : ٧ \] والقائلون بهذا ذكروا وجوهاً :
الأول : أنَّ هذا التزيين بما أظهره لهم في الدنيا من الزَّهرة والنضارة، والطِّيب، واللَّذَّة ؛ ابتلاءً لعباده ؛ كقوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ  إلى قوله : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ  \[ آل عمران : ١٥ \]. 
وقال : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  \[ الكهف : ٤٦ \] ثم قال :
 وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً  \[ الكهف : ٤٦ \] فهذه الآيات متوافقة، والمعنى : أنَّ الله تعالى جعل الدُّنيا دار بلاءٍ وامتحانٍ، وركَّب في الطِّباع الميل إلى اللذات، وحبّ الشهوات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردِّها عنه ؛ ليتمَّ بذلك الامتحان، وليجاهد المؤمن هواه، فيقبض نفسه عن المباح، ويكفّها عن الحرام. 
الثاني : أنَّ المراد ب " التَّزَيِينِ " أنه أمهلهم في الدنيا، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى ب " التزيين ". 
الثالث : أنَّه زيَّن لهم المباحات دون المحظورات، وعلى هذا سقط الإشكال، إلاّ أنَّ هذا ضعيفٌ[(١٦)](#foonote-١٦) ؛ لأن الله تعالى خصَّ الكفَّار، وأيضاً فإنَّ المؤمن إذا تمتع بالمباحات، وكثرة ماله، يكون متعته مع الخوف من الحساب في الآخرة فعيشه مكدَّرٌ منغَّصٌ وأكبر غرضه أجر الآخرة، إنما يعدُّ الدنيا كالوسيلة إليها، ولا كذلك الكافر، فإنَّه وإن قلَّت ذات يده، فسروره، بها يغلب على قلبه لاعتقاده أنها المقصود دون غيرها. 
وأيضاً، فإنَّه تعالى أتبع الآية بقوله : وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ  وذلك يشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في ترك اللَّذات المحظورة، وتحملهم المشاقَّ الواجبة، فدلَّ ذلك على أنَّ التزيين لم يكن في المباحات. 
قال ابن الخطيب[(١٧)](#foonote-١٧) : ويتوجَّه على المعتزلة سؤال، وهو أنَّ حصول هذه الزينة في قلوب الكفَّار لا بدَّ له من محدث، وإلا فقد وقع المحدث، لا عن مؤثر فهذا محال، ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار إمَّا أن يكون قد رجَّح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار، لأنَّ حال الاستواء لمَّا امتنع حصول الرُّجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحاً أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجوح ممتنع الوقوع، صار الراجح واجب الوقوع ضرورة أنَّه لا خروج عن النقيضين، فهذا توجيه السؤال، وهو لا يدفع بالوجوه التي ذكرها المعتزلة، فأمّا أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنَّ الله تعالى خلق في قلبه إرادة تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال، والأقوال. 
قوله تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ  مفعول " يَشَاءُ " محذوف، أي : من يشاء أن يزرقه، و " بِغيرِ حِسَابٍ " هذا الجارُّ فيه وجهان :
أحدهما : أنه زائدٌ. 
والثاني : أنه غير زائدٍ، فعلى الأول لا تعلُّق له بشيءٍ، وعلى الثاني هو متعلِّق بمحذوفٍ. فأما وجه الزيادة : فهو أنه تقدَّمه ثلاثة أشياء في قوله : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ  الفعل والفاعل والمفعول، وهو صالحٌ لأن يتعلَّق من جهة المعنى بكلِّ واحدٍ منها، فإذا تعلَّق بالفعل كان من صفات الأفعال، تقديره : والله يرزق رزقاً غير حساب، أي : غير ذي حساب، أي : أنه لا يحسب ولا يحصى لكثرته، فيكون في محلِّ نصبٍ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والباء زائدةٌ. 
وإذا تعلَّق بالفاعل، كان من صفات الفاعلين، والتقدير : والله يرزق غير محاسب بل متفضلاً، أو غير حاسبٍ، أي : عادٍّ. ف " حساب " واقعٌ موقع ١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥..
٢ -قرأ ابن أبي عبلة: "زُيّنت".
 انظر: الشواذ ١٣، والمحرر الوجيز ١/٢٨٤، والبحر المحيط ٢/١٣٨، والدر المصون ١/٥١٧..
٣ -ينظر: الرازي ٦/٥..
٤ -ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥..
٥ -تقدم..
٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٥..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥، وتفسير البغوي ١/١٨٥..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥..
٩ -أخرجه عبد الرزاق (٢٠٦١١) وابن قانع كما في كنز العمال (٦/٤٨٦) رقم (١٦٦٦٢) عن أسامة بن زيد..
١٠ -أخرجه البخاري (٧/١٢) كتاب النكاح باب (الأكفاء في الدين) رقم (٥٠٩١) و (٨/١٧١) كتاب الرقاق باب فضل الفقر رقم (٦٤٤٧)..
١١ - ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/٣١٦) وعزاه إلى ابن لال في (مكارم الأخلاق) من حديث علي وحكم عليه بالوضع..
١٢ -ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦.
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٧..
١٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٧..

### الآية 2:213

> ﻿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:213]

وجه النظْمِ أنه لما بيَّن أن سبب إصرار الكُفَّار على كُفرهم، هو حُبُّ الدنيا بين في هذه الآية أَن هذا المعنى غير مُختص بهذا الزمان، بل كان حاصلاً في الأَزْمِنة المُتَقادِمة، فَإِنَّهم كانوا أُمةً واحدة على الحق، ثم اختلفُوا، وما كان اختلافُهم إِلاَّ بسبب البغي، والتحاسُد، والتَّنَازُع في طلب الدنيا. 
قال القفَّال[(١)](#foonote-١) :" الأُمَّةُ " هم المجتمعون على الشَّيء الواحد، يَقتدي بعضُهم ببعض ؛ مأخوذٌ من الائتمام. 
ودَلَّتِ الآيةُ على أَنَّ الناس كانت أُمَّةً واحدةً، ولم تدلَّ على أَنَّهُم كانوا أُمَّةً وَاحدةً : في الحقِّ، أم في الباطل.

### فصل في معاني كلمة " أمة " 


**قد جاءت الأمة على خمسة أَوْجُهٍ :**
الأوَّل :" الأُمَّةُ " المِلَّة، كهذه الآية، أي : مِلَّة واحدة، ومثله :
 وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً  \[ المؤمنون : ٥٢ \] أي : مِلتكُم. 
الثاني : الأُمَّةُ الجماعة ؛ قال تعالى : وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ 
\[ الأعراف : ١٨١ \] أي : جماعةٌ. 
الثالث : الأُمَّةُ السنين ؛ قال تعالى : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ  \[ هود : ٨ \]، أي : إلى سنين معدودةٍ، ومثله " وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ " أي : بعد سنين. 
الرابع : بمعنى إمامٍ يُعلِّمُ الخير ؛ قال تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ  \[ النحل : ١٢٠ \]. 
الخامس : الأُمَّةُ : إحدى الأُمم ؛ قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  \[ آل عمران : ١١٠ \]، وباقي الكلام على ذلك يأتي في آخرِ " النحل " عند قوله تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً  \[ النحل : ١٢٠ \]. 
### فصل في المراد بالأمة، وهل كانوا على الحق ؟ ومتى اختلفوا ؟


**واختلف المفسِّرُون على خمسة أقوالٍ :**
القول الأول : أنهم كانوا على الحقِّ، وهو قول أكثر المحققين ؛ قال القفَّالُ[(٢)](#foonote-٢) : لأَنَّهُ تعالى قال بعده : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ  ف " الفاء " في قوله :" فَبَعَثَ اللَّهُ " تَقْتَضِي أنْ يكونَ بعثهم بعد الاختلافِ، فلو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر لكانت بعثة الرسل قبل الاختلاف أولى ؛ لأَنَّهُم لما بعثوا، وبعضُ الأُمَّة محقٌّ وبعضهم مُبطلٌ فلأَنْ يبعثوا عند كون الجميعِ على الكفر أولى. 
وأيضاً فإن آدم - عليه السَّلام - لما بُعِث إلى أولاده، كانوا مُسلمين مطيعين، ولم يحدث بينهم اختلافٌ في الدِّين، إلى أَنْ قتلَ قَابيلُ هابيل ؛ بسبب الحسدِ والبَغِي، وهذا ثابتٌ بالتواتر، فإِنَّ الناس - وهم : آدَمَ وَحَوَّاء، وأولادهما - كانوا أُمَّةً واحدةٌ على الحق، ثُم اختلفُوا ؛ بسبب البغي، والحسد، كما حكى الله تعالى عن ابني آدم بالحق  إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ 
\[ المائدة : ٢٧ \] وأيضاً قوله - عليه السلام - :" كُلُّ مَوْلُودٍ يولَدُ على الفِطْرة ؛ فأَبواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه " فدلَّ ذلك على أَنَّ المولود لو تُرِك مع فِطْرته الأَصلية، لما كان على شَيْءٍ من الأَدْيان الباطلة، وأَنَّه إِنَّما يُقدمُ على الدين الباطل، لأسبابٍ خارجية. 
وقال الكلبيُّ[(٣)](#foonote-٣) : هُم أهلُ سفينةِ نُوح، لما غرقت الأرض بالطوفانِ، لم يَبْقَ إلاَّ أَهْلُ السفينة على الحق، والدِّين الصَّحيح، ثم اختلفُوا بعد ذلك ؛ وهذا مما ثَبَتَ بالتَّواتر. 
وقال مُجاهدٌ : أراد آدَمَ وحده، وكان أُمَّةً واحدة، وسَمَّى الواحد بلفظ الجمع ؛ لأَنَّهُ أَصلُ النّسل، وأبُو البشر، وخلق اللَّهُ منه حَوَّاءَ، ونشر منها[(٤)](#foonote-٤) الناس. 
قال قتادةُ وعكرمةُ : كان الناسُ مِنْ وقت آدمَ إلى مبعث نُوح، وكان بينهما عشرةُ قرون كُلُّهم على شريعةٍ واحدةٍ من الحق، والهُدَى، ثم اختلفُوا في زمن نوح - عليه السلام - فبعث اللَّهُ إليهم نُوحاً، وكان أَوَّل بني بُعثَ[(٥)](#foonote-٥). 
وحَكَى القرطبيُّ[(٦)](#foonote-٦) : قال ابنُ أبي خيثمة : منذ خلق اللَّهُ آدم - عليه السلام - إلى أن بعث اللَّه محمداً - صلى الله عليه وسلم - خمسةُ آلافِ سنة وثمانمائة سنة، وقيل : أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نُوحٍ ألفُ سنة ومائتا سنة، وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أمةً واحدة، على مِلَّةٍ واحدة متمسكين بالدِّين، تُصافحُهم الملائكة، ودَامُوا على ذلك إلى أَن رُفِعَ إدريس - عليه السلام - فاختلفُوا. 
قال[(٧)](#foonote-٧) : وهذا فيه نظر ؛ لأَنَّ إدريس بعد نُوحٍ على الصحيح. 
وقيل : كان العربُ على دين إبراهيم إلى أَنْ غيّره عمرو بن لُحَيٍّ. 
وروى أبو العالية، عن أُبِيٍّ بن كعبٍ قال :" كان النَّاسُ حين عُرِضُوا وأُخرِجُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وأَقرُّوا أُمَّةً واحدة مُسْلِمين كلهم، ولم يكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطّ غيرَ ذلك اليومِ، ثم اختَلَفُوا بعد آدَمَ[(٨)](#foonote-٨) ". 
القول الثاني : أَنَّهُم كانُوا أُمَّةً واحدة في الكُفر، وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعطاء، والحسن[(٩)](#foonote-٩). 
وقال الحسن وعطاء : كان الناس من وَقْتِ وَفَاةِ آدمَ إلى مبعثِ نُوحٍ أُمَّةً واحدة على مِلَّةِ الكُفرِ ؛ أَمثَال البَهَائِم، فَبَعثَ اللَّه إبراهيم - عليه السَّلام - وغيرهُ من النبيين[(١٠)](#foonote-١٠)، واستدلُّوا بقوله : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ  وهو لاَ يَليقُ إلا بذلك. 
وجوابه ما بينا : أَنَّ هذا لا يليقُ بضده، ثم اختلف القائلُون بهذا القول : مَتَى كانوا مُتّفقين على الكُفر على ما قَدَّمنا ثُمَّ سأَلُوا أَنفسهم سُؤالاً وقالوا : أليس فيهم مَنْ كان مُسْلماً كهابيل، وشيث، وإدريس. 
وأجابوا : بِأنَّ الغالب كان هو الكُفْر، والحُكْمُ للغالب، ولا يعتدُّ بالقليل في الكثير كما لا يعتدُّ بالشعير القليل في البر الكثير، فقد يقال : دار الإسلام، وإِنْ كان فيها غيرُ المسلمين، ودارُ الحرب وإن كان فيها مُسلمون. 
الثالث : قال أبو مُسلمٍ[(١١)](#foonote-١١) : كانوا أُمَّةً واحدة في التمسُّك بالشرائع العقلية، وهي الاعترافُ بوجود الصانع، وصِفاتِهِ، والاشتغالُ بخدمته، وشُكْرِ نعمه، والاجتناب عن القبائح العقليَّة كالظُّلم، والكذب، والجهل، والعبث، وأمثالها. 
واحتجَّ القاضي[(١٢)](#foonote-١٢) على صِحَّةِ قوله : بِأَنَّ لفظ النَّبيين يفيدُ العُمُومَ والاستغراقَ، وحرف " الفاء " يُفيدُ التَّراخي، فقوله  فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ  يفيد أنَّ بعثةَ الأنبياء كانت مُتأخرة عن كون الناس أُمَّةً واحدة، فتلك الواحدةُ المتقدمةُ على بعثة جميع الشرائع، لا بُدَّ وأَنْ تكون واحدة في شرعة غير مُسْتفَادةٍ من الأَنبياء فواجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بَيَّنَّاهُ، وأيضاً فالعلم بحسن شُكر المُنْعِم[(١٣)](#foonote-١٣)، وطاعة الخالق، والإحسان إلى الخَلْقِ، والعَدلُ ؛ مُشْتَركٌ فيه بين الكُلّ، والعِلْمُ يُقبح الكذب، والظِّلم، والجهْل، والعبث، وأمثالها مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أَنَّ الناس كانُوا في أَوَّل الأمر على ذلك، ثم اختلفُوا بعد ذلك ؛ لأَسباب منفصلة، ثم قال : فإنْ قيل : أليس أوَّل الإسلام آدَم - عليه الصلاة والسلام - مع أولاده كانوا مُجتمعين على التَّمسك بالشرائع العقلية أَوَّلاً، ثم إِنَّ اللَّهَ تعالى بعثهُ بعد ذلك إلى أولاده، ويُحْتَملُ أَنْ صار شرعُهُ مندرِساً بعد ذلك، ثم رجع الناسُ إلى الشرائعِ العقلية ؟
قال ابنُ الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : وهذا القولُ لا يصحُّ إلاَّ بعد تحسين العقل، وتقبيحه، والكلام فيه مشهور. 
القول الرابع : أنَّ الآية دلَّت على أَنَّ الناس كانوا أُمَّةً واحدة، وليس فيها أَنَّهم كانوا على الإيمان، أو على الكُفر، فهو موقوفٌ على الدَّليل[(١٥)](#foonote-١٥). 
القول الخامس : أَنَّ المراد ب " النَّاسِ " هنا أهْلُ الكتاب مِمَّن آمَنَ بِمُوسَى - عليه السلام - وذلك لأَنَّا بينا أَنَّ هذه الآية متعلقةٌ بما تقدم من قوله : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً  \[ البقرة : ٢٠٨ \] وذكرنا أَنَّ كثيراً من المفسرين زعمُوا أَنْ تلك الآية نزلت في اليهودِ ؛ فقوله تعالى : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  أي : كان الذين آمنوا بموسى أُمَّةً واحدة على دين واحدٍ، ثم اختلفُوا بسبب البغي، والحسد ؛ فبعثَ الله النبيِّين، وهم الذين جاءُوا بعد موسى - عليه السلام - وأنزل معهم الكتاب كما بُعِث الزبور إلى دواد، والإنجيل إلى عيسى، والفرقانُ إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - لتكون تلك الكتب حاكمةً عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، وهذا القولُ مطابقٌ لنظم الآية، وموافقٌ لما قبلها وما بعدها، وليس فيه إشكالٌ إلاَّ أَنَّ تخصيص لفظ الناس بقومٍ معينين خلاف الظَّاهر، ويُعتذَرُ عنه بأن الألفَ واللاَّمَ كما تكون للاستغراق، فقد تكونُ أيضاً لِلْعَهد. 
### فصل في بيان لفظة " كان " 


قال القرطبيُّ[(١٦)](#foonote-١٦) : لفظة " كَانَ " على هذه الأقوال على بابها من المُضِيّ المنقضي، وكل من قدّر الناسَ في الآية مُؤمنين قدّر في الكلام : فاختلفُوا، فبعث اللَّه، ويدُلُّ على هذا الحذف قوله : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ  وكل مَنْ قَدَّرهم كُفَّاراً كانت بعثهُ النبيين إليهم، ويحتملُ أن تكونَ " كان " لِلثّبُوت، والمرادُ الإخبارُ عن الناس الذين هم الجِنْس كله : أنهم أمةٌ واحدةٌ من خُلُوِّهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق لولا أَنَّ اللَّهَ تعالى مَنَّ عليهم بالرسُل ؛ تفضلاً منه ؛ فعلَى هذا لا تختصُّ " كان " بالمُضِيِّ فقط، بل يكونُ مَعناها كقوله تعالى : وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً  \[ النساء : ٩٦ \] وقوله : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ  قال بعضُ المفسرين[(١٧)](#foonote-١٧) : وجملتهم مائةٌ وأربعةُ وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر، والمَذكُور في القرآنِ بأسمائِهم : ثمانيةَ عشر نَبِيّاً. 
قوله تعالى :" مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ " حالان من " النَّبِيِّينَ ". قيل : وهي حالٌ مُقارنةٌ ؛ لأنَّ بعثَهُم كان وقت البشارةِ والنِّذارةَ وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ البِشَارةَ والنِّذَارةَ \[ بعدَ البعث. والظاهرُ أنها حالٌ مُقَدِّرَةٌ، وقد تقدَّمَ معنى البشارة والنذارةِ \] في قوله : أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ  \[ يونس : ٢ \]. 
وقوله :" وَأَنْزَلَ مَعهُمُ " هذا الظرفُ فيه وجهان :
أحدهما : أنه مُتعلِّقٌ بأنزل. وهذا لا بُدَّ فيه مِنْ تأويل ؛ وذلك أَنَّه يلزمُ مِنْ تعلُّقِه بأنزل أَنْ يكون النبيون مصاحبين للكتاب في الإِنزال، وهم لا يُوصَفُون بذلك ؛ لعدمه فيهم. 
وتأويلُهُ : أنَّ المراد بالإِنزال الإِرسالُ، لأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عنه، كأنَّهُ قيل : وأرسل معهم الكتاب فتصحُّ مشاركتهم له في الإِنزالِ بهذا التَّأويل. 
وا١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١..
٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٢..
٧ ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٢..
٨ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٧٥) وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٥) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس..
١٠ -ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٦) وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة بمعناه..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٢..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣..
١٣ -سيأتي الكلام على شكر المنعم في سورة الأنعام..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣..
١٦ -ينظر: تفسير القرطبي ٣/ ٢٢-٢٣..
١٧ -ينظر: القرطبي: ٣/٢٣..

### الآية 2:214

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [2:214]

**" أَمْ " هذه فيها أربعة أقوالٍ :**
الأول : أنْ تكون منقطعةً فتتقدَّر ب " بل " والهمزة. ف " بل " لإضراب انتقالٍ من إِخْبَارٍ إلى إِخْبَارٍٍ، والهمزةُ للتقرير. والتقدير بل حسبتم. 
والثاني : أنها لمجرد الإضراب مِنْ غير تقدير همزة بعدها، وهو قول الزَّجَّاج وأنشد :\[ الطويل \]بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشِّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى  وَصُوَرتِهَا أَمْ أَنْتِ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ[(١)](#foonote-١)أي : بل أنت. 
والثالث : وهو قول الفرَّاء وبعض الكُوفيِّين، أنها بمعنى الهمزة. فعلى هذا يُبتدأُ بها في أوَّل الكلام، ولا تحتاجُ إلى الجملة قبلها يضرب عنها. 
الرابع : أنها مُتَّصلةٌ، ولا يستقيم ذلك إلا بتقدير جملةٍ محذوفةٍ قبلها. 
قال القفَّال :" أمْ " هنا استفهامٌ متوسطٌ ؛ كما أَنَّ " هَلْ " استفهامٌ سابقٌ، فيجوز أَنْ يقال : هل عندك رجلٌ، أَمْ عندك امرأَةٌ ؟ ولا يجوز أَنْ يقال ابتداءً أَمْ عندك رجل، فأَمَّا إذا كان متوسطاً، جاز سواءٌ كان مسبُوقاً باستفهامٍ آخر، أو لا يكون، أَمَّا إذا كان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجلٌ لا تنصف، أفعن جهل تفعلُ هذا، أم لك سلطانٌ ؟ وأَمَّا الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام ؛ فكقوله :
 الم تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ  \[ السجدة : ١ - ٣ \] فكذا تقدير هذا الآية : فهدى اللَّهُ الذين آمنوا فصبروا على استهزَاءِ قومهم، أفتسلكُون سبيلهم أم تحسبون أَنْ تدخُلُوا الجنَّةَ مِنْ غيرِ سلوكِ سبيلهم. 
 " حَسب " هنا من أَخواتِ " ظنَّ "، تنصبُ مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، و " أن " وما بعدها سادة مسد المفعولين عند سيبويه، ومسدَّ الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش، كما تقدَّم، ومضارعها فيه الوجهان :
الفتحُ - وهو القياسُ - والكسرُ. ولها نظائرُ من الأفعالِ تأتي إن شاء اللَّهُ تعالى في آخرِ السورةِ، ومعنها الظَّنُّ، وقد تستعملُ في اليقين ؛ قال :\[ الطويل \]حَسِبْتُ التُّقَى وَالجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ  رَبَاحاً إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلاَ[(٢)](#foonote-٢)ومصدرُها : الحُسْبان. وتكون غير متعديةٍ، إذا كان معناها الشقرة، تقول : زيدٌ، أي : اشْقَرَّ، فهو أَحْسَبُ، أي : أَشْقَرُ. 
قوله :" وَلَمَّا يَأْتِكمْ " الواو للحال، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، أي : غير آتيكم مثلهم. و " لمَّا " حرف جزمٍ، معناه النفي ؛ ك " لم "، وهو أبلغ من النفي ب " لم " ؛ لأنَّها لا تنفي إلاَّ الزمان المتصل بزمان الحال. والفرق بينها وبين " لم " من وجوهٍ :
أحدها : أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام، إذ دلَّ عليه دليلٌ. 
وهو أحسن ما تخرَّج عليه قراءة " وإِنْ كُلاًّ لَمَّا " كقوله :\[ الوافر \]فَجئْتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاً وَلَمَّا  فَنَادَيْتُ الْقُبُورَ فَلَمْ تَجِبْنَهْ[(٣)](#foonote-٣)أي : ولمَّا أكن بدءاً، أي : مبتدئاً ؛ بخلاف " لَمْ " فإنه لا يجوز ذلك فيها إلا ضرورة ؛ كقوله :\[ الكامل \]وَاحْفَظْ وَدِيعَتَكَ الَّتِي أُودِعْتَهَا  يَوْمَ الأَعَازِب إِنْ وَصَلْتَ وَإِنْ لَمِ[(٤)](#foonote-٤)ومنها : أنَّها لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، و " لم " لنفيه مطلقاً أو منقطعاً على ما مرَّ. 
ومنها : أنَّ " لَمَّا " لا تدخل على فعل شرطٍ، ولا جزاءٍ بخلاف " لم ". 
ومنها أنّ " لَمْ " قد تلغى بخلاف " لَمَّا "، فإنها لم يأتِ فيها ذلك، وباقي الكلام على ما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة " الحُجُرَاتِ " عند قوله تعالى : وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ  \[ الحجرات : ١٤ \]. 
واختلف في " لَمَّا " فقيل : مركبة من لم و " ما " زيدت عليها. 
وقال سيبويه : بسيطة وليست " ما " زائدة ؛ لأنَّ " لما " تقع في مواضع لا تقع فيها " لم " ؛ يقول الرجل لصاحبه : أقدِّم فلاناً، فيقول " لَمَّا "، ولا يقال :" لَمْ " مفردةً. 
قال المبرّد : إذا قال القائل : لم يأتني زيدٌ، فهو نفيٌ لقولك أتاك زيدٌ، وإذا قال لَمَّا يأتني، فمعناه : أنَّه لم يأتني بعد، وأنا أتوقَّعه ؛ قال النابغة :\[ الكامل \]أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رَكَابَنَا  لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ[(٥)](#foonote-٥)وفي قوله " مَثَلُ الَّذِينَ " حذف مضافٍ، وحذفُ موصوفٍ، تقديره : ولمَّا يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا. 
و " مِنْ قَبْلِكُمْ " متعلِّقٌ ب " خَلَوا " وهو كالتأكيد، فإنَّ الصلة مفهومةٌ من قوله :" خَلَوْا ". 
### فصل في سبب نزول " أم حسبتم " الآية


قال ابن عبَّاس، وعطاء : لمَّا دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتدَّ عليهم الضرر ؛ لأنَّهم خرجوا بلا مالٍ، وتركوا ديارهم، وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسرَّ قوم النفاق، فأنزل الله تعالى ؛ تطييباً لطيوبهم :" أَمْ حَسِبْتُمْ[(٦)](#foonote-٦) ". 
وقال قتادة والسُّديُّ : نزلت في " غَزْوَةِ الخنْدَقِ " أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد، والحزن، وشدَّة الخوف، والبرد، وضيق العيش، وأنواع الأذى ؛ كما قال تعالى : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [(٧)](#foonote-٧) \[ الأحزاب : ١٠ \] وقيل : نزلت في " غَزْوَةِ أُحُد " لما قال عبد الله بن أُبيٍّ لأصحاب النبي عليه السلام إلى متى تقتلون أنفسكم، وترجون الباطل، ولو كان محمد نبياً، لمَّا سلَّط الله عليكم الأسر والقتل، فأنزل الله تعالى هذه الآية[(٨)](#foonote-٨) " أَمْ حَسِبْتُمْ "، أي : المؤمنون أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بمجرد الإيمان بي، وتصديق رسولي، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبَّدكم به، وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر ومكابدة الضر والبؤس، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدوِّ ؛ كما كان ذلك فيما كان من قبلكم من المؤمنين، والمَثَلُ هو المِثْلُ، وهو الشَّبه، إلاَّ أنَّ المثل لحالةٍ غريبةٍ، أو قصَّة عجيبةٍ لها شأنٌ ؛ ومنه قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى  \[ النحل : ٦٠ \] أي : الصفة التي لها شأن عظيم. 
قوله :" مَسَّتْهم البأْسَاءُ " في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أن تكون لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنها تفسيريةٌ، أي : فسَّرَتِ المثل وشرحته، كأنه قيل : ما كان مثلهم ؟ فقيل : مسَّتهم البأساء. 
والثاني : ان تكون حالاً على إضمار " قَدْ " جوَّز ذلك أبو البقاء[(٩)](#foonote-٩)، وهي حالٌ من فاعلٍ " خَلَوا ". وفي جعلها حالاً بُعْدٌ. 
و " البَأْسَاءُ " : اسمٌ من البؤْسِ بمعنى الشِّدِّة، وهو البلاء والفقر. 
و " الضَّرَّاءُ " : الأمراض، والآلام، وضروب الخوف. 
قال أبو العبَّاس المقريُّ : ورد لفظ " الضُّرِّ " في القرآن على أربعة أوجهٍ :
الأول : الضُّرُّ : الفقر ؛ كهذه الآية، ومثله : وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ  \[ يونس : ١٢ \]، وقوله تعالى : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ  \[ النحل : ٥٣ \] أي : الفقر. 
الثاني : الضّرّ : القحط ؛ قال تعالى : أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ 
\[ الأعراف : ٩٤ \] أي : قحطوا. 
أو قوله تعالى : وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ 
\[ يونس : ٢١ \] أي : قحط. 
الثالث : الضُّرُّ : المرض ؛ قال تعالى : وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ 
\[ يونس : ٢٠٧ \] أي : بمرض. 
الرابع : الضر : الأهوال ؛ قال تعالى : وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ 
\[ الإسراء : ٦٧ \]. 
قوله :" وَزُلْزِلُوا " أي : حرِّكوا بأنواع البلايا والرَّزايا. 
قال الزَّجَّاج : أصل الزَّلزلة في اللغة من زلَّ الشيء عن مكانه، فإذا قلت : زلزلته فتأويله : أنَّك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه ؛ لأن ما فيه تكريرٌ يكرّرُ فيه الفعل نحو : صَرَّ وصَرْصَرَ، وصَلَّ وصَلْصَلَ ؛ وَكَفَّ وَكَفْكَفَ، وفسر بعضهم " زُلْزِلُوا " أي : خُوِّفُوا ؛ وذلك لأنَّ الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه. 
قول تعالى :" حَتَّى يَقُولَ " قرأ الجمهور :" يقولَ " نصباً، وله وجهان :
أحدهما : أنَّ " حَتَّى " بمعنى " إِلَى "، أي : إلى أن يقول، فهو غايةٌ لما تقدَّم من المسِّ والزلزال، و " حَتَّى " إنما ينصب بعدها المضارع المستقبل، وهذا قد وقع ومضى. فالجواب : أنه على حكاية الحال، \[ حكى تلك الحال \]. 
والثاني : أنَّ " حَتَّى " بمعنى " كَيْ "، فتفيد العلَّة كقوله : أطعتُ الله حَتَّى أدْخَلنِي الجنةَ، وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ قول الرسول والمؤمنين ليس علَّة للمسِّ والزلزال، وإن كان ظاهر كلام أبي البقاء[(١٠)](#foonote-١٠) على ذلك، فإنه قال :" بالرفعِ على أَنْ يكونَ التقديرُ : زُلْزِلُوا فقالوا، فالزَّلْزَلَةُ سَبَبُ القولِ "، و " أَنْ " بعد " حَتَّى " مُضْمَرةٌ على كِلا التقديرين. 
وقرأ نافع برفعه على أنَّه حالٌ، والحال لا ينصب بعد " حَتَّى " ولا غيرها ؛ لأنَّ الناصب يخلِّص للاستقبال ؛ فتنافيا. 
واعلم أنَّ " حَتَّى " إذا وقع بعدها فعلٌ : فإمَّا أن يكون حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، فإن كان حالاً، رفع ؛ نحو :" مَرِضَ حَتَّى لاَ يَرْجُونَهُ " أي : في الحال. وإن كان مُسْتَقْبلاً نصب، تقول : سِرْتُ حتَّى أدخل البلد، وأنت لم تدخل بعد. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثُمَّ حكايتك له : إمَّا أن تكون بحسب كونه مستقبلاً، فتنصبه على حكاية هذه الحال، وإمَّا أن يكون بحسب كونه حالاً، فترفعه على حكاية هذه الحال، فيصدق أن تقول في قراءة الجماعة : حكاية حالٍ، وفي قراءة نافعٍ أيضاً : حكاية حال. 
قال شهاب الدِّين : إنَّما نبَّهتُ على ذلك ؛ لأنَّ عبارة بعضهم تخُصُّ حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارة آخرين تخصُّها بقراءة نافع. 
قال أبو البقاء[(١١)](#foonote-١١) في قراءة الجمهور :" والفعلُ هنا مستقبلٌ، حُكِيت به حَالُهُمْ، والمعنى على المُضِيِّ " وكان قد تقدَّم أنه وجَّه الرفع بأنَّ " حتى " للتعليل. 
قوله :" معه " هذا الظرف يجوز أن يكون منصوباً بيقول، أي : إنهم صاحبوه في هذا القول وجامعوه فيه، وأن يكون منصوباً بآمنوا، أي : صاحبوه في الإيمان. 
قوله : مَتَى نَصْرُ اللَّهِ  " مَتَى " منصوبٌ على الظرف، فموضعه رفعٌ ؛ خبراً مقدَّماً، و " نصرٌ " مبتدأٌ مؤخرٌ. 
وقال أبو البقاء[(١٢)](#foonote-١٢) :" وعلى قولِ الأَخْفَشِ : موضعه نصب على الظرف، و " نصرُ " مرفوعٌ به ". و " مَتَى " ظرفُ زمانٍ لا يتصرَّف إلا بجرِّه بحرفٍ. وهو مبنيٌّ ؛ لتضمُّنه : إما لمعنى همزة الاستفهام، وإمَّا معنى " مَنْ " الشرطية، فإنه يكون اسم استفهام، ويكون اسم شرطٍ فيجزم فعلين شرطاً وجزاءً. 
قال القرطبي[(١٣)](#foonote-١٣) :" نَصْرُ اللَّهِ " رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي العباس ؛ رفع بفعلٍ، أي : متى يقع نصر الله. 
و " قَرِيبٌ " خبر " إنَّ " قال النَّحَّاسُ[(١٤)](#foonote-١٤) : ويجوز في غير القرآن " قَرِيباً " أي : مكاناً قريباً و " قَرِيبٌ " لا تثنِّيه العرب، ولا تجمعه، ولا تؤنّثه في هذا ا١ - تقدم برقم ٢٢٧..
٢ - البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٤٦؛ وأساس البلاغة ص ٤٦ (ثقل)؛ والدرر ٢/ ٢٤٧؛ وشرح التصريح ١/ ٢٤٩؛ ولسان العرب (ثقل)، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٨٤؛ وأوضح المسالك ٢/٤٤؛ وتخليص الشواهد ص ٤٣٥؛ وشرح الأشموني ١/١٥٦؛ وشرح ابن عقيل ص ٢١٣؛ وشرح قطر الندى ص ٢٧٤؛ وهمع الهوامع ١/١٤٩، والدر المصون ١/٥٢٢..
٣ - تقدم برقم ٢٣٠..
٤ - البيت لإبراهيم بن هرمة ينظر ديوانه ص ١٩١، وخزانة الأدب ٩/١٠٠٨، والدرر ٥/ ٦٦، وشرح شواهد المغني ٢/٦٨٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٤٣، والأشباه والنظائر ٤/ ١١٤، وأوضح المسالك ٤/٢٠٢، وجواهر الأدب ص ٢٥٦، ٤٢٤، والجنى الداني ص ٢٦٩، وشرح الأشموني ٣/٥٧٦، ومغني اللبيب ١/٢٨٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٦..
٥ -تقدم برقم ٥٦٦..
٦ - ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٦/١٧) عن ابن عباس..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٨٩) عن قتادة والسدي وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٦-٤٣٧) عن قتادة وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر.
 وأورده عن السدي (١/٤٣٧) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٨ - ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٦/١٧)..
٩ - ينظر: الإملاء ١/٩١..
١٠ -ينظر: الإملاء ١/٩١..
١١ -ينظر: الإملاء ١/٩١..
١٢ - ينظر: الإملاء ١/٩١..
١٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٥..
١٤ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٥..

### الآية 2:215

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:215]

قد تقدَّم أنَّ " ماذا " له استعمالات ستَّةٌ عند قوله :
 مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً  \[ البقرة : ٢٦ \]. وهنا يجوز أن تكون " ماذا " بمنزلة اسمٍ واحدٍ، بمعنى الاستفهام ؛ فتكون مفعولاً مقدَّماً ل " يُنْفِقُونَ " ؛ لأنَّ العرب يقولون :" عماذا تَسْأَلُ " بإثبات الألف، وحذفوها من قولهم : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ  \[ النبأ : ١ \] وقوله  فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا  \[ النازعات : ٤٣ \] فلما لم يحذفون الألف من آخر " مَا "، علمت أنه مع " ذا " بمنزلة اسم واحدٍ، ولم يحذفوا الألف منه، لمَّا لم يكن آخر الاسم، والحذف يلحقها إذا كان آخراً، إلاَّ أن يكون في شعر ؛ كقوله :\[ الوافر \]

عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ  كَخنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رمَادِ[(١)](#foonote-١)قال القرطبي[(٢)](#foonote-٢) : إن خفَّفت الهمزة، قلت : يسلونك، ومنه : ما " يُنْفِقُون " ويجوز أن تكون " ما " مبتدأ و " ذا " خبره، وهو موصولٌ. و " ينفقون " صلته، والعائد محذوفٌ، و " ماذا " معلِّق للسؤال، فهو في موضع المفعول الثاني، وقد تقدَّم تحقيقه في قوله :
 سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم  \[ البقرة : ٢١١ \]. 
قال القرطبي[(٣)](#foonote-٣) : متى كانت اسماً مركباً، فهي في موضع نصب إلاَّ ما جاء في قول الشاعر :\[ الطويل \]
وَمَاذَا عَسَى الوَاشُونَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا \*\*\* سِوَى أَنْ يَقُولُوا : إِنَّنِي لَكِ عَاشِقُ[(٤)](#foonote-٤)
فإِنَّ " عَسَى " لا تعمل فيه، ف " ماذا " في موضع رفعٍ، وهو مركَّبٌ ؛ إذ لا صلة ل " ذا ". 
وجاء " ينفقون " بلفظ الغيبة ؛ لأنَّ فاعل الفعل قبله ضمير غيبةٍ في " يَسْألونَكَ "، ويجوز في الكلام " ماذا نُنْفِقُ " كما يجوز : أقسم زيدٌ ليَضْرِبَنَّ ولأضْرِبَنَّ، وسيأتي لهذا مزيد ببيانٍ في قوله تعالى :
 يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ  \[ المائدة : ٤ \] في المائدة إن شاء الله تعالى. 
قوله : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ  يجوز في " ما " وجهان :
أظهرهما : أن تكون شرطيّةً ؛ لتوافق ما بعدها، ف " ما " في محلِّ نصبٍ، مفعولٌ مقدَّمٌ، واجبُ التقديم ؛ لأنَّ له صدر الكلام. و " أَنْفَقْتُمْ " في محلِّ جزمٍ بالشرط، و " مِنْ خَيْرٍ " تقدَّم إعرابه في قوله : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ  \[ البقرة : ١٠٦ \]. 
وقوله :" فللوالدين " جواب الشرط، وهذا الجارُّ خبر لمبتدأ محذوف، أي : فمصرفه للوالدين، فيتعلَّق بمحذوفٍ، إمَّا مفردٌ، وإمَّا جملةٌ على حسب ما ذكر من الخلاف فيما مضى. وتكون الجملة في محلِّ جزمٍ بجواب الشرط. 
والثاني : أن تكون " مَا " موصولة، و " أَنْفَقْتُمْ " صلتها، والعائد محذوف، لاستكمال الشروط، أي : الذي أنفقتموه. والفاء زائدة في الخبر الذي هو الجارُّ والمجرور. 
قال أبو البقاءِ[(٥)](#foonote-٥) في هذا الوجه :" ومِنْ خيرٍ يكون حالاً من العائد المحذوفِ ". 
### فصل في سبب النزول


اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن الوجوب على كل مكلّفٍ، بأن يكون معرضاً عن طلب العاجل مشتغلاً بطلب الآجل، شرع في بيان الأحكام من هذه الآية إلى قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ  \[ البقرة : ٢٤٣ \]. 
قال عطاء، عن ابن عباسٍ : نزلت الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" إِن لي دِيناراً، فقال : أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، قال : إنّ لِي آخَرَ، قال : أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ، فَقَالَ : إنَّ لِي آخَر، قال : أَنْفِقْهُ على خَادمِكَ، قال : إنّ لي آخر، قال : أَنْفِقْهُ عَلَى وَالِدَيْكَ قال : إنَّ لِي آخَرَ، قال : أَنْفِقْهُ عَلَى قرابتكِ، قال : إنَّ لي آخَرَ قال : أَنْفِقْهُ في سَبِيل الله، وهو أَحْسَنُها[(٦)](#foonote-٦) ". 
وروى الكلبيُّ، عن ابن عباسٍ أنَّ الآية نزلت في عمرو بن الجموح، وهو الذي قتل يوم أُحُدٍ، وكان شيخاً كبيراً هرماً، وعنده مالٌ عظيمٌ، فقال ماذا ننفق من أموالنا ؟ وأين نضعها ؟ فنزلت الآيةُ[(٧)](#foonote-٧). 
فإن قيل إنَّ القوم سألوا عما ينفقون كيف أُجيبوا ببيان المصرف ؟
**فالجواب من وجوه :**
أحدها : أنَّ في الآية حذفاً، تقديره : ماذا ينفقون ولمن يعطونه، كما ذكرنا في رواية الكلبيِّ في سبب النزول، فجاء الجواب عنهما، فأجاب عن المنفق بقوله :" مِنْ خَيْرٍ " وعن المنفق عليه بقوله : فَلِلْوَالِدَيْنِ " وما بعده. 
ثانيها : أن يكون " ماذا " سؤالاً عن المصرف على حذف مضافٍ، تقديره : مصرف ماذا ينفقون ؟
ثالثها : أن يكون حذف من الأوَّل ذكر المصرف، ومن الثاني ذكر المنفق، وكلاهما مرادٌ، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في قوله تعالى :
 وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ  \[ البقرة : ١٧١ \]. 
رابعها : قال الزمخشريُّ : قد تضمَّن قوله : مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ  بيان ما ينفقونه، وهو كلُّ خيرٍ ؛ وبُني الكلام على ما هو أهمُّ وهو بيان المصرف ؛ لأنَّ النفقة لا يعتدُّ بها إلاَّ أن تقع موقعها. قال :\[ الكامل \]إنَّ الصَّنِيعَةَ لاَ تَكُونُ صَنِيعَةً  حَتَّى يُصَابَ بِهَا طَرِيقُ الْمَصْنَعِ[(٨)](#foonote-٨)خامسها : قال القفَّال : إنه وإن كان السؤال وارداً بلفظ " ما نُنْفِقُ " : إلاَّ أن المقصود السؤال عن الكيفية ؛ لأنهم كانوا عالمين بأن الإنفاق يكون على وجه القربة، وإذا كان هذا معلوماً عندهم، لم ينصرف الوهم إلى ذلك، فتعيَّن أنَّ المراد بالسؤال إنَّما هو طريق المصرف، وعلى هذا يكون الجواب مطابقاً للسؤال، ونظيره قوله تعالى : قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ  \[ البقرة : ٧٠، ٧١ \] وإنَّما كان هذا الجواب موافقاً للسؤال، لأنه كان من المعلوم أنها البقرة التي شأنها وصفتها كذا، فقوله :" مَا هِيَ " لا يمكن حمله على طلب الماهيَّة ؛ فتعين أن يكون المراد منه طلب الصِّفة التي بها تتميز هذه البقرة عن غيرها، فكذا ها هنا. 
وسادسها : يحتمل أنَّهم لما سألوا عن هذا السؤال، فقيل لهم : هذا سؤالٌ فاسدٌ، أي : أنفقوا ما أردتم بشرط أن يكون مصروفاً إلى المصرف وهذا كقول الطبيب لمن سأله ماذا يأكل، فقال الطبيب : كل في اليومين مرَّتين، ومعناه، كل ما شئت، ولكن بهذا الشرط. 
### فصل


اعلم أنَّه تعالى رتَّب الإِنفاق[(٩)](#foonote-٩)، فقدَّم الوالدين[(١٠)](#foonote-١٠)، لأنَّهما كالمخرج للمكلَّف من العدم إلى الوجود، وذلك لأنَّ الله - تعالى - هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود ؛ قال تعالى :
 وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  \[ الإسراء : ٢٣ \] فأشار إلى أنه ليس بعد رعاية حقِّ الله - تعالى - من شيءٍ أوجب من رعاية حقِّ الوالدين ؛ فلذلك قدمهما، ثم الأقربين ؛ لأنَّ الإنسان أعلم بحال الفقير القريب من غيره ؛ ولأنَّه إذا لم يراع قريبه الفقير لاحتاج الفقير إلى الرجوع إلى غيره، وذلك عار في حقِّ قريبه الغنيّ. 
فإن قيل : إنَّه تعالى ذكر " الْوَالِدَيْنِ " ثمَّ عطف عليه " الأَقْرَبِينَ " والعاطف يقتضي المغايرة، وذلك يدلُّ على أن الوالدين لا يدخلون في مسمَّى الأقربين، فهو خلاف الإجماع ؛ لأنَّه لو وقف على " الأَقْربين " حمل فيه الوالدين بغير خلافٍ. 
فالجواب : أنَّ هذا من عطف العامِّ على الخاصِّ ؛ كقوله تعالى :
 وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ  \[ الحجر : ٨٧ \] فعطف القرآن على السبع المثاني، وهي من القرآن، وقال - عليه السّلام - " أفضل ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي. . . [(١١)](#foonote-١١) " فعطف " النَّبِيِّين " على قوله :" أَنَا " وهو من النبيين، وذلك شائعٌ في لسان العرب، ثمَّ ذكر بعدهم اليتامى ؛ لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب، وليس لهم أحدٌ يكتسب لهم، فالطفل اليتيم : قد عدم الكسب، والمكاسب، وأشرف على الضياع، ثم ذكر بعدهم المساكين ؛ لأنَّ حاجتهم أقلُّ من حاجة اليتامى ؛ لأنَّ قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى، ثم ذكر ابن السبيل بعدهم ؛ لأنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يحتاج، ويفتقر، فهذا أصحُّ تركيبٍ، وأحسن ترتيبٍ في كيفيَّة الإنفاق، ثم لمَّا فصَّل هذا التَّفصيل الحسن الكامل، أردفه بالاجمال، فقال : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  والعليم مبالغةٌ في كونه عالماً لا يعزب عن علمه مثقال ذرَّةٍ في الأرض، ولا في السَّماء. 
و " ما " هذه شرطيةٌ فقط ؛ لظهور عملها الجزم بخلاف الأولى. وقرأ[(١٢)](#foonote-١٢) عليٌّ رضي الله عنه :" وما يفعلوا " بالياء على الغيبة، فيحتمل أن يكون من باب الالتفات من الخطاب، وأن يكون من الإضمار لدلالة السياق عليه، أي : وما يفعل الناس. 
### فصل في المراد بالخير


قال أكثر العلماء : المراد ب " الخَيْر " هو المال ؛ لقوله تعالى :
 وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  \[ العاديات : ٨ \]، وقال : إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ  \[ البقرة : ١٨ \]. 
وقيل : المراد بالخير هذا الإنفاق، وسائر وجوه البرِّ، والطاعة. 
### فصل هل الآية منسوخة أم لا ؟


قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث. 
وقال أهل التفسير : إنها منسوخة بالزكاة. 
قال بعضهم : وكلاهما ضعيفٌ ؛ لأنَّه يمكن حمل الآية على وجوهٍ لا يتطرق النَّسخ إليها. 
أحدها : قال أبو مسلم[(١٣)](#foonote-١٣) الأصفهاني : الإنفاق على الوالدين، واجبٌ عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد ب " الأَقْرَبِينَ " الولد، وولد الولد، وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وعلى هذا فلا وجه للقول بالنَّسخ ؛ لأنَّ هذه النفقة تلزم في حال الحياة، والميراث يصل بعد الموت، وما وصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقةٌ. 
وثانيها : أن يكون المراد من أحبَّ التقرب إلى الله تعالى بالنفقة، فالأولى أن ينفقه في هذه الجهات، فيكون المراد التطوع. 
ثالثها : أن يكون المراد االوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية، وفيما يتصل بالتيامى والمساكين مما يكون زكاةً. 
ورابعهما : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرَّحم، وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة، فظاهر الآية محتملٌ لكل هذه الوجوه من غير نسخ. 
١ - تقدم برقم ٦٦٥..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٦..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/ ٢٦..
٤ - البيت لجميل بثينة ينظر ملحق ديوانه ص ٢٤٣، وخزانة الأدب ٦/ ١٥٠، ١٥٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٣٨٣، ولسان العرب (ومق)، وللمجنون ينظر ديوانه ص ١٦٠، والأغاني ٢/٥٠، وشرح الأشموني ١/٧٥..
٥ -ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٦ -أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب: في صلة الرحم (١٦٩١) والنسائي (٥/٦٢) والشافعي في "مسنده" (٢٢٦)، وأحمد (٢/٢٥١، ٤٧١) والبيهقي (٧/٤٦٦-٤٦٧) والحميدي في "مسنده" (١١٧٦) والبغوي في "شرح السنة" (٦/١٩٣) رقم (١٦٨٥)، وابن حبان رقم (٣٣٣٤ و ٣٣٣٨) والحاكم (١/٤١٥) وأبو يعلى (١١/ ٤٩٣) رقم (٦٦١٦) من طرق عن المقبري عن أبي هريرة وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..
٧ -ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٦/٢٠) من رواية الكلبي عن ابن عباس..
٨ - البيت لابن منظور ينظر: اللسان (صنع)، الدر المصون ١/٥٢٥..
٩ - قال الجوهري في الصحاح: "نفق البيع نفاقا، بالفتح، أي: راج، والنفاق بالكسر، فعل المنافق، والنفاق أيضا، جمع النفقة من الدراهم"- ثم قال: "وقد أنفقت الدراهم من النفقة اهـ".
 وقال المجد في القاموس: "النفقة: ما تنفقه من الدراهم ونحوها" ثم قال: "وأنفق: افتقر، وماله: أفقده، كاستنفقه. اهـ".
 وقال ابن منظور في لسان العرب: "أنفق المال: صرفه"، وفي التنزيل: "وإذا قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله"، أي؛ أنفقوا في سبيل الله، وأطعموا، وتصدقوا، واستنفقه: أذهبه، والنفقة. ما أنقف، والجمع، نفاق"- ثم قال: "وقد أنفقت الدراهم، من النفقة. والنفقة: ما أنفقت، واستنفقت على العيال، وعلى نفسك. اهـ".
 واقتضت حكمة الله-تعالى- في بني آدم، أن يكون الرجل هو القائم بأمر المرأة، والقائد لزمامها؛ وذلك لما منحه الله-تعالى- من القوة، وكمال العقل، والقدرة على تحمل المصاعب، وتجشم الآلام الناشئة عن متاعب الحصول على العيش، وحفظ كيان الأسرة، حتى تظل قائمة في هذا الكون، مؤدية وظيفتها في عمارته، ويشهد لذلك قول الله-تعالى-: الرجال قوامون على النساء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
 وهذا يدل على أن المرأة يجب أن تكون رهن إشارة زوجها، وطوع أمره، فلا تعصي له أمرا، ولا تمنعه حقا وجب له عليها، وقد أمر-جل شأنه- المرأة بالقرار في بيت زوجها، ومنعها الخروج منه؛ حرصا على المحافظة على حقوق الرجل؛ ومنعا لما قد يفسد نظام العائلة، ويجرها إلى الخسارة.
 وإن المرأة أمام هذه الأوامر الإلهية، التي يجب عليها أت تمتثلها، وتنقاد إليها. تكون من غير شك عاجزة عن تحصيل قوتها، وتدبير عيشها... وحينئذ فمن ذا الذي يقدم لها من القوت، ما يدفع عنها ألم الجوع، ويحفظ حياتها، ومن الثياب ما تتقي به قيظ الحر، وزمهرير البرد، ومن المسكن ما تأمن فيه على نفسها ومتاعها... فلو لم يوجب الله-جل شأنه- ذلك على الرجل لزوجته، مع ما تقدم من أمرها بملازمة بيته- لأدى إلى هلاكها.
 هذا في المرأة التي في عصمة الزوج، وأما المطلقة، فإن كانت رجعيّة، فهي في حكم الزوجة؛ لأن له مراجعتها متى شاء، فليست مالكة لأمرها، ولا متمكنة من التكسب، أو التزوج بغيره، ما دامت في العدة، وإن كانت بائنا، ففيها تختلف الأنظار.
 فمن نظر إلى أنها محتبسة عن الزواج في العدة؛ لعلاقة الزوجية السابقة، أوجب لها النفقة والسكنى، حاملا كانت أو حائلا. ومن نظر إلى أن هذا الاحتباس، إنما هو حق لله- تعالى-، لم يوجب شيئا منهما، حاملا كانت أو حائلا.
 ومن نظر إلى أن الحامل مشغولة الرحم بماء الزوج، والحائل محتبسة لصيانة مائه، أوجب للأولى السكنى والنفقة؛ لأن اشتغال الرحم بمائه؛ ليس أقل شأنا من اشتغاله باستمتاعه السابق، وأوجب للبائن السكنى؛ لأن بها تتم صيانة الماء المذكور وحفظه ولم يوجب لها النفقة؛ لأن احتباسها ليس لحقه، وإنما هو لحق الله-تعالى-.
 **واصطلاحا:**
 عند الشافعية: قال الشرقاني في حاشيته على "شرح التحرير": النفقة طعام مقدر لزوجة وخادمها على زوج، ولغيرهما من أصل وفرع، ورقيق، وحيوان ما يكفيه.
 وعند الحنفية: "في تنوير الأبصار مع شرح الدر المختار": هي الطعام، والكسوة، والسكنى، وعرفا: هي الطعام.
 عند المالكية: في "شرح الخرشي على مختصر خليل": النفقة مطلقا: ما به قوام معتاد حال الآدمي، دون سرف.
 عند الحنابلة: في "الإقناع والمنتهى": هي كفاية من يمونه، خبزا، وأدما، وكسوة، ومسكنا، وتوابعها..
١٠ اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجب على الولد-ابنا أو بنتا- أن ينفق على أبيه، وأمه المباشرين، ويدل على ذلك الكتاب، والسنة والإجماع، والمعقول.
 **١-أما الكتاب فمنه:**
 أ- قوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، ومن الإحسان: الإنفاق عليهما عند حاجتهما.
 ب-وقوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا والإنفاق عليهما عند فقرهما من أحسن الإحسان.
 جـ- وقوله تعالى: أن أشكر لي ولوالديك والشكر للوالدين: المكافأة على بعض ما كان منهما إليه من التربية والبر؛ وذلك بالقيام بأمرهم، وإدرار النفقة عليهما حال عجزهما، وحاجتهما، فكان ذلك واجبا بأمره-سبحانه وتعالى-.
 د- وقوله تعالى: ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما فإنه يدل على النهي عن ترك الإنفاق عند الحاجة؛ لما فيه من إيذاء أعظم من إيذاء التأفيف.
 **وأما السنة فمنها:**
 أ-قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها. وحسّنه.
 وهو صريح في أن مال الولد حلال طيب لوالده؛ ومثله الوالدة؛ إذ لا فرق، بل إنها أولى؛ فقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أنها أحق بحسن الصّحبة من الأب، فالتقييد بالرجل لا مفهوم له.
 ب- قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أولادكم هبة الله لكم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها) رواه البيهقي في السنن، والحاكم في المستدرك، عن عائشة –رضي الله عنها-، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين"، ودلالته على المقصود ظاهرة.
 وأما الإجماع، فقد حكاه ابن المنذر؛ فقال: "وأجمعوا على أن نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما واجبة في مال الولد".
 **٤-وأما المعقول، فوجهان:**
 أ-القياس على الولد بجامع البعضية، والعتق، ورد الشهادة، بل الوالدان أولى من الأولاد؛ لأن حرمتهما أعظم، والولد بالتعهد، أليق.
 ب-أنهما تسببا في إحياء الولد، فاستوجبا عليه الإحياء؛ جزاء وفاقا..
١١ -أخرجه الترمذي (٥/٥٣٤) كتاب الدعوات باب في دعاء يوم عرفة حديث (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
 قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس بالقوي عند أهل الحديث..
١٢ -انظر الشواذ ٢٠، المحرر الوجيز ١/٢٨٩، والبحر المحيط ٢/١٥١، والدر المصون ١/٥٢٥..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٢٢..

### الآية 2:216

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:216]

قرئ[(١)](#foonote-١) :" كَتَبَ عَلَيْكُمُ القِتَالَ " : ببناء " كَتَب " للفاعل ؛ وهو ضمير الله تعالى، ونصبِ " القِتَالِ ". 
قال القرطبي : وقرأ قومٌ :" كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقَتْلُ " ؛ قال الشاعر :\[ الخفيف \]
١٠٤٨ أ - كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقَتَالُ عَلَيْنَا \*\*\* وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذُيُولِ[(٢)](#foonote-٢)
قوله تعالى :" وَهُوَ كُرْهٌ " هذه واو الحال، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، والظاهر أنَّ " هو " عائدٌ على القتال. وقيل : يعود على \[ المصدر \] المفهوم من كتب، أي : وكتبه وفرضه. وقرأ الجمهور " كُرْهٌ " بضمِّ الكاف، وهو الكراهية بدليل قوله : وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً  ثم فيه وجهان :
أحدهما : أنَّ وضع المصدر موضع الوصف سائغٌ كقول الخنساء :\[ البسيط \]
١٠٤٨ب -. . . \*\*\* فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَادْبَارُ[(٣)](#foonote-٣)
والثاني : أن يكون فعلاً بمعنى مفعولٍ، كالخبر بمعنى المخبور وهو مكروهٌ لكم[(٤)](#foonote-٤). 
وقرأ السُّلميُّ[(٥)](#foonote-٥) بفتحها. فقيل : هما بمعنًى واحدٍ، أي : مصدران كالضَّعف والضُّعف، قاله الزَّجاج[(٦)](#foonote-٦) وتبعه الزمخشري. 
وقيل : المضمومُ اسمُ مفعولٍ، والمفتوح المصدر. 
وقيل : المفتوح بمعنى الإكراه، قاله الزمخشري في توجيه قراءة السُّلميِّ، إلاَّ أنَّ هذا من باب مجيء المصدر على حذف الزوائد، وهو لا ينقاس. 
وقيل : المفتوح ما أُكره عليه المرء، والمضموم ما كرهه هو. 
فإن كان " الكَرْهُ "، و " الكُرْهُ " مصدراً، فلا بدَّ من تأويل يجوز معه الإخبار به عن " هو "، وذلك التأويل : إمَّا على حذف مضافٍ، أي : والقتال ذو كرهٍ، أو على المبالغة، أو على وقوعه موقع اسم المفعول. وإن قلنا : إنَّ " كُرْهاً " بالضَّمِّ اسم مفعولٍ، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك. و " لَكُمْ " في محلِّ رفعٍ ؛ لأنه صفة لكره، فيتعلَّق بمحذوفٍ أي : كرهٌ كائنٌ.

### فصل في بيان الإذن في القتال


اعلم أنه - عليه الصّلاة والسّلام - كان غير مأذونٍ له في القتال مدة إقامته بمكة، فلمَّا هاجر أُذن له في قتال من يقاتله من المشركين، ثمَّ أُذن له في قتال المشركين عامَّةً، ثم فرض الله الجهاد. 
واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال عطاء : الجهاد تطوعٌ والمراد بهذه الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت دون غيرهم[(٧)](#foonote-٧)، وإليه ذهب الثَّوْرِيُّ[(٨)](#foonote-٨)، واحتجوا بقوله تعالى : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى  \[ النساء : ٩٥ \] ولو كان القاعد تاركاً للفرض، لم يكن يعده الحسنى. 
قالوا : وقوله :" كُتِبَ " يقتضي الإيجاب، ويكفي في العمل به مرَّةً واحدةً. 
وقوله :" عَلَيْكُمْ " يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت، وإنما قلنا إنَّ قوله  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ  \[ البقرة : ١٧٨ \]  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ  \[ البقرة : ١٨٣ \] حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ؛ بدليلٍ منفصلٍ، وهو الإجماع، وذلك غير معقولٍ ها هنا ؛ فوجب أن يبقى على الأصل، ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً 
\[ التوبة : ١٢٢ \] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه، والإجماع اليوم منعقدٌ على أنه من فروض الكفايات[(٩)](#foonote-٩)، إلاَّ أن يدخل المشركون ديار المسلمين ؛ فيتعيّن الجهاد حينئذٍ على الكلِّ. 
وقال آخرون : هو فرض عينٍ ؛ واحتجُّوا بقوله :" كُتِبَ " وهو يقتضي الوجوب، وقوله " عَلَيْكُمْ " يقتضيه أيضاً، والخطاب بالكاف في قوله " عَلَيْكُمْ " لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد ؛ كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ  \[ البقرة : ١٨٣ \]. 
وقال الجمهور : هو فرضٌ على الكفاية. 
فإن قيل هذا الخطاب للمؤمنين، فكيف قال : وَهُوَ كُرهٌ لَكُم ، وهذا يشعر بكون المؤمنين كارهين لحكم الله، وتكليفه، وذلك غير جائزٍ ؛ لأن المؤمن لا يكون ساخطاً لأوامر الله وتكليفه، بل يرضى بذلك، ويحبُّه، ويعلم أنه صلاحه، وتركه فساده ؟
**والجواب من وجهين :**
أحدهما : أن المراد من " الكُرْهِ " كونه شَاقّاً على النفس، لأن التكليف عبارةٌ عن إلزام ما فيه كلفةٌ، ومشقةٌ، ومن المعلوم : أن الحياة من أعظم ما يميل الطبع إليها، فلذلك كان القتال من أشقِّ الأشياء على النفس، لأنَّ فيه إخراج المال، والجراحات، وقطع الأطراف، وذهاب الأنفس، وذلك أمرٌ يشق على الأنفس. 
والثاني : أن يكون المراد منه كراهتهم للقتال قبل أن يفرض ؛ لما فيه من الخوف، ولكثرة الأعداء فبيَّن تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خيرٌ لكم من تركه، لئلاَّ تكرهونه بعد أن فرض عليكم. 
قال عكرمة[(١٠)](#foonote-١٠) : نسخها قوله تعالى : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  \[ النساء : ٤٦ \] يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه. 
قوله  وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا ، " عَسَى " فعلٌ ماضٍ، نُقِل إلى إنشاءِ الترجِّي والإشفاق، وهو يرفعُ الاسمَ ويَنْصِبُ الخَبر، ولا يكون خبرُها إلا فِعلاً مضارعاً مقروناً ب " أَنْ "، وقد يجيءُ اسماً صريحاً ؛ كقوله \[ الرجز \]
أَكْثَرْتَ فِي العَذْلِ مُلِحّاً دَائِمَا \*\*\* لاَ تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسَيْتُ صَائِمَا[(١١)](#foonote-١١)
وقالت الزَّبَّاءُ :" عَسَى الغُوَيْرُ أَبُؤُسَا[(١٢)](#foonote-١٢) " وقد يَتَجَرَّد خبرها مِنْ " أَنْ " ؛ كقوله :\[ الطويل \]
عَسَى فَرَجٌ يأْتِي بهِ اللَّهُ إِنَّهُ \*\*\* لَهُ كُلَّ يَوْمٍ في خَلِيقَتِهِ أَمْرُ[(١٣)](#foonote-١٣)
وقال آخر :\[ الوافر \]
عَسَى الكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ \*\*\* يَكُونُ وَرَاءَه فَرَجٌ قَرِيبُ[(١٤)](#foonote-١٤)
وقال آخر :\[ الوافر \]
فَأَمَّا كَيِّسٌ فَنَجَا ولَكِن \*\*\* عَسَى يغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ[(١٥)](#foonote-١٥)
وتكونُ تامّة، إذا أُسندَتْ إلى " أَنْ " أَوْ " أنَّ " ؛ لأنهما يَسدَّان مَسَدَّ اسمها وخبرها، والأصحُّ أنها فِعْلٌ، لا حرفٌ، لاتصالِ الضمائر البارزةِ المرفوعةِ بها. 
قال تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ  \[ محمد : ٢٢ \] ويرتفع الاسم بعده فقوله :" عَسَى زَيْدٌ " معناه : قرب ووزنُها " فَعَل " بفتح العين، ويجوز كسر عينها، إذا أسندت لضمير متكلم، أو مخاطبٍ أو نون إناثٍ وهي قراءةُ نافعٍ[(١٦)](#foonote-١٦)، وستأتي إن شاء الله تعالى ولا تتصرَّفُ بل تلزمُ المضيَّ. والفرقُ بين الإشفاق والترجِّي بها في المعنى :
أنَّ الترجِّي في المحبوبات، والإشفاقَ في المَكروهات. 
و " عَسَى " من الله تعالى واجبةٌ ؛ لأنَّ الترجِّي والإشفاق محالانِ في حقَّه. وقيل : كلُّ " عَسَى " في القرآن للتحقيق، يعنُون الوقوعَ، إِلاَّ قوله تعالى : عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ  \[ التحريم : ٥ \] وهي في هذه الآية ليسَت ناقصة ؛ فتحتاج إلى خبرٍ، بل تامةٌ، لأنها أُسْندت إلى " أَنْ "، وقد تقدَّم أنها تَسُدُّ مَسدَّ الخبرين بعدها. وزعم الحُوفيُّ أَنَّ :" أَنْ تَكْرَهُوا " في محلِّ نصبٍ، ولا يمكن ذلك إلا بتكلُّفٍ بعيد. 
قوله : وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  في هذه الجملة وجهان :
أظهرهما : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، وإنْ كانَتْ من النكرة بغيرِ شرطٍ من الشروط المعروفة قليلةً. 
والثاني : أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ على أنها صفةٌ ل " شَيْئاً " وإنما دخلت الواو على الجملة الواقعة صفة ؛ لأنَّ صورتها صورةُ الحالِ، فكما تدخل الواو عليها حاليةً، تدخلُ عليها صفةً، قاله أبو البقاء ومثلُ ذلك ما أجازه الزمخشريّ في قوله : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ  \[ الحجر : ٤ \] فجعل " وَلَهَا كِتَابٌ " صفةً لقريةٍ، وقال : وكانَ القياسُ ألاَّ تتوسَّطَ هذا الواو بينهما ؛ كقوله :
 وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ  \[ الشعراء : ٢٠٨ \] وإنما توسَّطَت ؛ لتأكيد لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ، كما يُقالُ في الحالِ :" جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وعليه ثوبٌ ". وهذا الذي أجازه أبو البقاء هنا، والزمخشريُّ هناك، هو رأيُ ابن جِنّي، وسائرُ النحاة يُخالفونه. 
### فصل في بيان الخيرية في الغزو


قوله : وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  لأنّ في الغزو إحدى الحسنيين : إمَّا الظفرُ والغنيمةُ، وإِمَّا الشهادة والجنةُ  وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً  يعني القُعُود عن الغزو، وهو شرٌّ لكم ؛ لما فيه من فواتِ الغنيمة، والأَجرِ، ومخالفةِ أَمر اللَّهِ تعالى. 
قال القُرطبي[(١٧)](#foonote-١٧) : قِيْلَ " عَسَى " بمعنى " قَدْ " وقال الأَصمُّ[(١٨)](#foonote-١٨) : و " عَسَى " مِنَ اللَّهِ واجبةٌ في جميع القرآن إِلاَّ قولُه تعالى : عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً  \[ التحريم : ٥ \]. 
وقال أبو عبيدة[(١٩)](#foonote-١٩) : عَسَى من اللَّهِ إيجابٌ، والمعنى : عسى أنْ تكرهُوا ما في الجهادِ من المشقَّةِ ؛ وهو خيرٌ لكم، من أَنَّكُمْ تغلبون، وتظفرون وتغنمون، وتُؤجرون، ومَنْ مات، مات شهيداً. و " الشَّرُّ " هو السُّوء أصله : من شَرَرْتُ الشيء إذا بسطتهُ يقال : شَرَرْتُ اللحم، والثوب : إذا بسطته، ليجف ؛ ومنه قوله :\[ الوافر \]
وَحَتَّى أُشُرَّتْ بِالأَكُفِّ المَصَاحِفُ \*\*\*. . . 
والشَّررُ : هو اللَّهب لانبساطه. فعلى هذا " الشَّرُّ " انبساطُ الاشياء الضارةِ، وقوله  وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  فالمقصود الترغيبُ العظيمُ في الجهادِ، وكأنه تعالى قال يا أيها العبد، اعلمْ أَنَّ علمي أكملُ من علمك، فكُنْ مشتغلاً بطاعتي، ولا تلتفتْ إلى مُقتضى طبعك، فهي كقوله في جواب الملائكة : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ 
\[ البقرة : ٣٠ \]. 
١ -انظر: البحر المحيط ٢/١٥٢، والدر المصون ١/٥٢٥..
٢ -ينظر: القرطبي ٣/٢٧..
٣ - عجز بيت وصدره:
 ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
 ينظر ديوانها ص (٣٨٣)، الأشباه والنظائر ١/١٩٨، خزانة الأدب ١/٤٣١، شرح أبيات سيبويه ١/٢٨٢، الشعر والشعراء ١/٣٥٤، الكتاب (١/٣٣٧)، لسان العرب (رهط) (قبل) (سوا)، المقتضب ٤/٣٠٥، المنصف ١/١٩٧، الأشباه والنظائر ٢/ ٣٨٧، شرح الأشموني ١/٢١٣، شرح المفصل ١/١١٥، المحتسب ٢/٤٣، الدر المصون ٢/ ٦٤٨، مجالس العلماء للزجاجي ٣٤٠، الخصائص٢/٢٠٣، ٣/١٨٩، التصريح بمضمون التوضيح ١/٣٣٢، أمالي ابن الشجري ١/٧١..
٤ - خبر المبتدأ إذا كان مفردا إما مشتق، أو جامد، وكلاهما إما أن يغاير المبتدأ لفظا، أو لا؛ والأول إما أن يتحد به معنى، نحو: زيد أخوك، وزيد قائم؛ أو يغايره معنى أيضا، والمغاير يقع خبرا عنه، إما لمساواته في معنى؛ كقوله تعالى: وأزواجه أمهاتهم أو لحذف المضاف من المبتدأ أو الخبر، نحو: داري منك فرسخان. أي: بعد داري فرسخان، أو داري منك ذات مسافة فرسخين؛ أو لكون واحد من المبتدأ أو الخبر معنى والآخر عينا، ولزوم ذلك المعنى لتلك العين، حتى صار كأنه هي؛ كقول الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار؛ فإن قدرنا المضاف في مثله في المبتدأ، أي: حالها إقبال؛ أو في الخبر، نحو: ذات إقبال؛ أو جعلنا المصدر بمعنى الصِّفة، نحو: وهي مقبلة-جاز، ولكنه يخلو من معنى المبالغة. قال عبد القاهر في "دلائل الإعجاز": ومما طريق المجاز فيه الحكم البيت السابق؛ وذلك أنها لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما، فتكون قد تجوّزت في نفس الكلمة، وإنما تجوزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر؛ لغلبة ذلك عليها، واتصاله بها، وأنه لم يكن لها حال غيرهما- كأنها قد تجشمت من الإقبال والإدبار، وإنما يكون المجاز في نفس الكلمة، لو أنها قد استعارت الإقبال والإدبار لمعنى غير معناهما الذي وضعا له في فقه اللغة. ينظر: المصادر السابقة..
٥ -انظر: الشواذ ٢٠، والبحر المحيط ٢/ ١٥٢، والدر المصون ١/٥٢٥..
٦ -ينظر: معاني القرآن للزجاج ١/٢٨٠..
٧ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٩٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٨) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم..
٨ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٨..
٩ - فرض الكفاية: هو الفعل الذي طلب الشارع حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله ومعناه: أن فرض الكفاية هو الفعل المطلوب حصوله في الجملة أي: من غير نظر بالأصالة إلى الفاعل، وإنما المنظور إليه أولا وبالذات إنما هو الفعل، أما الفاعل فلا ينظر إليه إلا تبعا للفعل؛ ضرورة توقف حصوله على فاعل؛ ولذا كان فعل البعض كافيا في تحصيل المقصود منه، والخروج عن عهدته، ومن هنا سمي فرض كفاية.
 وقد اختلف العلماء فيمن يتعلق به التكليف بفرض الكفاية على مذهبين:
 أحدهما: أنه واجب على بعض المخاطبين بطلبه، وهو مقتضى كلام الإمام في المحصول، واختاره البيضاوي.
 ثانيهما: أنه واجب على الكل ولكن يسقط بفعل البعض وهو مقتضى كلام الآمدي، واختاره ابن الحاجب وجمهور العلماء. ينظر: مذكرة الحسيني الشيخ ص ٧٤..
١٠ -ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٨..
١١ - البيت لرؤبة: ينظر ديوانه (١٨٥)، ابن الشجري ١/١٦٤، الهع ١/١٣٠، الخصائص ١/٩٨، الدرر ١/١٠٧، الدر المصون ١/٥٢٦..
١٢ -ينظر: مجمع الأمثال ٢/٣٤١ (٢٤٣٥)، والدر المصون ١/٥٢٦.
 ينظر شرح شذور الذهب ص ٣٥١، والدرر ٢/١٥٧، وشرح ابن عقيل ص ١٦٦، والصاحبي في فقه اللغة ١٥٧، والمقاصد النحوية ٢/٢١٤، وهمع الهوامع ١/١٣١، والدر المصون ١/٥٢٦..
١٣ - البيت لهدبة بن خشرم ينظر خزانة الأدب ٠/٣٢٨، ٣٣٠، وشرح أبيات سيبويه ١/١٤٢، والدرر ٢/١٤٥، وشرح التصريح ١/٢٠٦، وشرح شواهد الإيضاح ص ٩٧، وشرح شواهد المغني ص ٤٤٣، والكتاب ٣/١٥٩، واللمع ص ٢٢٥، والمقاصد النحوية ٢/١٨٤، وأسرار العربية ص ١٢٨، وأوضح المسالك ١/٣١٢، وتخليص الشواهد ص ٣٢٦، وخزانة الأدب ٩/٣١٦، والجنى الداني ص ٤٦٢، وشرح ابن عقيل ص ١٦٥، وشرح عمدة الحافظ ص ٨١٦، والمقرب ١/٩٨، وشرح المفصل ٧/١١٧، ١٢١، ومغني اللبيب ص ١٥٢، والمقتضب ٣/٧٠ وهمع الهوامع ١/١٣٠، والدر المصون ١/٥٢٦..
١٤ - ينظر: الكتاب ١/١٥٩، الخزانة ٤/٨٢، المحتسب ١/١١٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/٦٣، والدر المصون ١/ ٥٢٦..
١٥ -ستأتي في البقرة "٢٤٦"..
١٦ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
١٧ -ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٨..
١٨ -ينظر: المصدر السابق..
١٩ -ينظر: المصدر السابق..

### الآية 2:217

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:217]

قرأ الجمهور :**********«قِتَالٍ »********** بالجَرِّ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه خفضٌ على البدلِ من **«الشَّهْرِ »** بدلِ الاشتمالِ ؛ إذ القتالُ واقعٌ فيه، فهو مشتملٌ عليه. 
والثاني : أنه خفضٌ على التَّكرير، قال أبو البقاء[(١)](#foonote-١) :**«يريدُ أنَّ التقديرَ : عَنْ قِتَالٍ فيه »**. وهو معنى قول الفراء [(٢)](#foonote-٢) إِلاَّ أَنَّهُ قال : هُوَ مَخْفُوضٌ ب ****«عَنْ »**** مُضْمرَةً. وهذا ضعيفٌ جدّاً ؛ لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عملهُ بعد حذفه في الاختيار. وهذا لا ينبغي أن يُعَدَّ خلافاً بين البصريين، والكسائي، والفراءِ ؛ لأنَّ البدل عند جمهور البصريين على نيَّة تكرار العامل، وهذا هو بعينه قولُ الكسائي. 
وقوله : لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عمله بعد حذفه إِنْ أراد في غير البدل، فمُسَلَّمٌ، وإن أراد في البدلِ، فممنوعٌ، وهذا هو الذي عناه الكسائي. 
الثالث : قال أبو عبيدة[(٣)](#foonote-٣) :**«إِنه خفضٌ على الجِوَارِ »**. 
قال أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) :**«وهو أَبْعَدُ مِنْ قولهما - يعني الكسائيَّ والفراء - لأنَّ الجوار من مواضع الضَّرورة أو الشذوذِ، فلا يُحْمَلُ عليه ما وجدت عنه مَندُوحةٌ »** وقال ابن عطية :**«هُوَ خَطَأٌ »**. قال أبو حيَّان إن كان أبو عبيدة عَنَى بالجوار المصطلح عليه فهو خَطَأٌ. وجهةُ الخطأِ أنَّ الخفض على الجوار عبارةٌ عن أَنْ يكون الشيءُ تابعاً لمرفوع، أو منصوب، من حيثُ اللفظُ والمعنى، فيُعدل به عن تَبَعيَّته لمتبوعه لفظاً، ويُخْفَضَ لمجاورته لمخفوض ؛ كقولهم :**«هذا جُحْرُ ضَبِّ خَرِبٍ »**، وكان مِنْ حقِّه الرفع ؛ لأنه مِنْ صفاتِ الجُحْر، لا من صفاتِ الضبِّ، ولهذه المسألةِ مزيدُ بيانٍ يأتي في موضعه إِنْ شاء اللهُ تعالى، و**********«قِتَالٍ »********** هنا ليس تابعاً لمرفوعٍ، أو منصوبٍ، وجاورَ مَخفوضاً فخُفِض. 
وإن كان عنى أنه تابعٌ لمخفوضٍ فخفضُه بكونه جاور مخفوضاً، أي : فصار تابعاً له، لم يكنْ خطأً، إِلاَّ أنه أغمضَ في عبارته ؛ فالتبس بالمصطلح عليه. 
وقرأ ابن عباس[(٥)](#foonote-٥) والأَعمش :**«عَنْ قِتَالٍ »** بإظهارِ ****«عَنْ »**** وهي في مُصْحَف عبد الله كذلك. وقرأ عكرمة[(٦)](#foonote-٦) :**«قتْلٍ فِيهِ، قُلْ قَتْلٌ فِيهِ »** بغير ألف. 
وقُرئ[(٧)](#foonote-٧) شاذّاً :**«قِتَالٌ فيه »** بالرفع وفيه وجهان :
أحدهما : أنه مبتدأٌ، والجارُّ والمجرورُ بعده خبرٌ، وسَوَّغ الابتداءُ به وهو نكرةٌ ؛ أنه على نيةِ همزةِ الاستفهام، تقديره : أَقِتَالٌ فيه. 
والثاني : أنه مرفوعٌ باسم فاعلٍ تقديرُه : أجائزٌ قتالٌ فيه، فهو فاعلٌ به. وعَبَّر أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨) في هذا الوجه بأن يكونَ خبرَ محذوفٍ، فجاءَ رفعُه من ثلاثةِ أوجهٍ : إِمَّا مبتدأٌ، وإِمَّا فاعلٌ، وإمَّا خبرُ مبتدأ. قالوا : ويظهرُ هذا مِنْ حَيثُ إِنَّ سؤالهم لم يكن عن كينونةِ القتالِ في الشهرِ أم لا، وإنَّما كان سؤالهم : هل يجوزُ القتالُ فيه أم لا ؟ وعلى كِلا هذين الوجهين، فهذه الجملةُ المُستفهمُ عنها في محلِّ جرٍّ ؛ بدلاً من الشهرِ الحرامِ، لأنَّ **«سَأَلَ »** قد أخذ مفعوليه فلا تكونُ هي المفعول، وإن كانت محَطَّ السؤال. 
وقوله :**«فِيهِ »** على قراءةِ خفضِ **********«قِتَالٍ »********** فيه وجهان :
أحدهما : أنه في محلِّ خفضٍ ؛ لأنه صفةٌ ل **********«قِتَالٍ »**********. 
والثاني : أنه في محلِّ نصبٍ ؛ لتعلُّقه بقتال، لكونه مصدراً. 
وقال أبو البقاء[(٩)](#foonote-٩) : كما يتعلَّقُ ب **********«قِتَالٍ »********** ولا حاجة إلى هذا التشبيهِ، فإنَّ المصدر عاملٌ بالحَمْلِ على الفعل.

### فصل


والضميرُ في **«يَسْأَلُونك »** قيل للمؤمنين لما يأتي في سبب النزول، ولأن أكثر الحاضرين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانُوا مسلمين، فما قبل هذه الآية  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ  \[ البقرة : ٢١٤ \]  يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ  \[ البقرة : ٢١٥ \] حكاية عن المؤمنين، وما بعدها كذلك وهو قوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ  \[ البقرة : ٢١٩ \]،  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى  \[ البقرة : ٢٢٠ \] فوجب أن تكون هذه كذلك. 
وروى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاسٍ أنه قال : ما رأيتُ قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلاَّ عن ثلاث عشرة مسألةً حتى قُبض، كلهن في القُرآنِ[(١٠)](#foonote-١٠)، ومنها  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ . 
وقيل : الضمير للكفارِ ؛ سأَلُوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال في الشهر الحرام، فأَخبَرَهُم أنه حرامٌ ؛ فتركوا، واستحلوا قتالهم فيه فأنزل الله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ولكن الصدّ عن سبيل اللهِ، وعن المسجدِ الحرام، والكُفرِ به، أكبرُ من هذا القتالِ.  وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ  فبيَّن تعالى أَنَّ غرضهم من هذا السؤال، أَنْ يقاتِلُوا المسلمين، ثم أنزل الله تعالى : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ  \[ البقرة : ١٩٤ \] فصرَّح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائزٌ والألف واللامُ في **«الشَّهْرِ الحرام »** قيل : للعهد، وهو رجبٌ، وقيل : للجنسِ، فيعمُّ جميع الأشهرِ الُحُرُمِ. 
قوله : قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، محلُّها النصبُ بقُلْ والمعنى : القتال في الشهر الحرام وجازَ الابتداءُ بالنكرةِ لأحدِ وجهينِ :
إمَّا الوصفُ، إذا جعلنا قوله :**«فيه »** صفةً له. 
وإمَّا التخصيصُ بالعمل، إذا جعلناه متعلقاً بقتال، كما تقدَّم في نظيره. 
فإِنْ قيل : قد تقدَّم لفظُ نكرة، وأُعيدت من غير دخول ألفٍ ولام عليها، وكان حقُّها ذلك، كقوله تعالى : كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ  \[ المزمل : ١٥-١٦ \] لإِنَّه لو لم يكن كذلك، كان المذكور الثاني غير الأول، وهذا غيرُ واضحٍ ؛ لإِنَّ الألف كقوله : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً  \[ الشرح : ٥، ٦ \]. 
فقال أبو البقاء[(١١)](#foonote-١١) :**«ليسَ المرادُ تعظيم القتالِ المذكور المسؤولِ عنه، حتى يُعادَ بالألف واللامِ، بل المراد تعظيمُ أيِّ قتالٍ كان، فعلى هذا «قِتَالٌ »** الثاني غيرُ الأولِ، وهذا غيرُ واضحٍ ؛ لأنَّ الألف واللامَ في الاسمِ السَّابق المُعادِ أولاً لا تفيدُ تعظيماً، بل إنما تفيدُ العهدَ في الاسمِ السابقِ. وأَحسنُ منه قولُ بعضهم : إنَّ الثَّاني غير الأولِ، وذلك أنَّ سؤالهم عن قتالِ عبد الله جحش، وكان لنُصرة الإِسلامِ وخُذلان الكفرِ ؛ فليس من الكبائرِ، بل الذي من الكبائرِ قتالٌ غير هذا، وهو ما كانَ فيه إذلالُ الإِسلامِ، ونصرةُ الكُفْرِ، فاختير التنكير في هذين اللفظين ؛ لهذه الدقيقة، ولو جِيءَ بهما معرفتين، أو بأحدهما مُعرَّفاً، لَبَطَلَتْ هذه الفائدةُ. 
### فصل


روى أكثرُ المفسرين عن ابن عباسٍ : سبب نزولِ هذه الآية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الله بن جحش الأَسديّ، وهو ابن عمَّته قبل قتال بدرٍ بشهرين على رأس سبعة شهراً من الهجرة وبعث معه ثمانية رهطٍ، من المهاجرين ؛ سعد بن أبي وقَّاص الزهري وعُكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السَّلَمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل ابن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله الحنظليّ، وخالد بن بُكَير، وكتب معهم لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وعهداً، ودفعه إليه، وقال : سِر على اسم الله، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلتَ، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثُمَّ امْضِ إلى ما أمرتُك، ولا تستكرِهنَّ أَحَداً مِنْ أصحابك على السَّير معك، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، وإذا فيه **«بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم »** أمَّا بعد : فسر على بركة اللهِ بمنْ معك مِنْ أصحابك ؛ حتَّى تنزل بطن نخلة[(١٢)](#foonote-١٢)، فترصُد بها عير قريش ؛ لعلك تأتينا منهم بخبرٍ، فلمَّا نظر في الكتاب، قال سَمْعاً وطاعة، ثم قال لأَصحابه ذلك، وقال : إنَّهُ نَهَاني أَن أَستكره أحداً منكم ؛ فمن كان يريد الشهادة، فلينطلق معي، ومنْ كرِه، فليَرْجِع، ثم مَضَى، ومَضَى معه أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحدٌ، حتى كان بمعدن فوق الفُرع يقال له نجران، أضلَّ سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما، كانا يعتقبانه ؛ فتخلفا عليه في طلبه ومضى ببقيةِ أصحابِه، حتى نزل **«ببطنِ نَخْلَةَ »** بين **«مَكَّةَ »** و**«الطائف »** فبينما هم كذلك، مرت عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيباً، وأدماً، وتجارة مِنْ تجارات الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفلُ بن عبد الله المخزوميَّان، فلما رأوْا أصحاب رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - هابوهم، فقال عبد الله بن جحش إنَّ القومَ قد ذُعِروا منكم، فاحلقُوا رأس رجُلٍ منكم ؛ وليتعرض لهم، فحلقُوا رأس عُكَاشة، ثم أَشرفوا عليهم ؛ فقالوا : قومٌ عمَّارٌ، لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة. فكانوا يرون أنَّه من جمادى، وهو مِنْ رجبٍ فتشاور القومُ، وقالوا : لئن تركتموهم الليلة ؛ ليدخُلنَّ الحرمَ، فليمنعُنّ به منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقفة القومِ، فَرَمَى واقدُ بن عبد الله السَّهمي عمرو بن الحضرميّ بسهمٍ، فقتله، فكان أوَّلَ قتيلٍ من المشركين، واستأْسَرَ الحكم وعثمان، فكانا أَوَّلَ أَسيرين في الإسلام، وأفلت نوفلٌ فأعجزهم، واستاقَ المؤمنين العير والأَسيرين، حتَّى قَدِمُوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينةِ، فقالت قريشٌ : لقد استَحَلَّ محمدٌ الشهرَ الحرامَ ؛ فسفك فيه الدِّماءَ، وأخذ الأموال فما شَهْر يأْمَنُ فيه الخَائِنُ، وغير ذلك، فقال أهلُ **«مكَّةَ »** مَنْ كان بها من المسلمين وقالوا : يا معشرَ الصَّبَأة، استحللتُم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، فقال عبد الله بن جحش : يا رسول اللهِ : إنَّا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري : أفي رجبٍ أصبناه، أم في جمادى. 
فوقَّف رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - العير، والأسَارى ؛ وأبى أن يأخُذ شيئاً من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب السريَّة، وظنُّوا أن قد هلكُوا، وسُقِط في أيديهم، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير، فعزل منه الخمس، فكان أولَ خُمُسٍ في الإسلام، وقسَّمَ الباقي بين أصحاب السَّريَّةِ، وكان أول غنيمةٍ في الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيرهما فقال : بل نبقيهما حتَّى يقدم سعدٌ وعتبة، وإنْ لم يَقْدُمَا، قتلناهُما بهما، فلمَّا قدما ؛ فاداهما، فأمَّا الحكم بن كيسان، فأسلَمَ، وأقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينةِ، فقُتِل يوم بئر معونة[(١٣)](#foonote-١٣) شهيداً، وأَمَّا عثمان بن عبد الله، فرجع إلى مكة ؛ فمات بها كافِراً، وأَمَّا نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزابِ[(١٤)](#foonote-١٤) ؛ لي١ - الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٢ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٤١..
٣ - ينظر: مجاز القرآن ١/٧٢..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٥ - انظر: المحرر الوجيز ١/٢٩٠، والتخريجات النحوية ١٥١، والبحر المحيط ٢/١٥٤، ونسبها أيضا إلى الربيع. وانظر: الدر المصون ١/٥٢٧..
٦ - انظر: السابق..
٧ - نسبها القرطبي إلى الأعرج ٤٠، وانظر: البحر المحيط ٢/١٥٤، والدر المصون ١/٥٢٨..
٨ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/ ٩٢..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي (٦/ ٢٧)..
١١ - ينظر: الإملاء ١/٩٢..
١٢ - قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة ينظر معجم البلدان ١/ ٥٣٣..
١٣ - قال ابن إسحاق: بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم وقيل: بئر معونة بين جبال يقال لها: أبلى في الطريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم؛ قاله عرام. وقال أبو عبيدة في كتاب مقاتل الفرسان: بئر معونة ماء لبني عامر بن صعصعة. ينظر معجم البلدان ١/٣٥٨، ٣٥٩..
١٤ - في شوال سنة خمس من الهجرة خرجت قريش وغطفان في عشرة آلاف مقاتل، بعد أن دفعهم نفر من اليهود إلى ذلك، وما أن علم الرسول بخروجهم حتى ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي، وأقبلت قريش ومن تبعها من كنانة وأهل تهامة، حتى نزلت بمجتمع الأسيال، ونزلت غطفان، ومن تبعهم بجانب **«أحد»** وخرج الرسول-عليه السلام- في ثلاثة آلاف من المسلمين، فجعل ظهره إلى سهل **«سلع»** وضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وانضم بنو قريظة إلى جيش الأحلاف، فعظم بذلك البلاء على المسلمين، وبينما المسلمون على ذلك إذا بالخلاف يدب بين جيش الكفار بوساطة نعيم بن مسعود الغطفاني، وتهب عاصفة شديدة فتقلع الخيام، وتقلب قدور الطعام، وتهدم المعسكر فيرتحلون جميعا بغيظهم لم ينالوا خيرا، ويكفي الله المؤمنين شر القتال..

### الآية 2:218

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:218]

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ . 
إنَّ واسمها و " أُولَئِكَ " مبتدأ، و " يَرْجُونَ " خبره، والجملة خبر " إِنَّ "، وهو أحسنُ من كون " أُولَئِكَ " بدلاً من " الّذِين "، و " يَرْجُون " خبر " إنَّ ". وجيء بهذا الأوصاف الثَّلاثة مترتِّبةً على حسب الواقع، إذ الإيمان أولُ، ثم المهاجرة، ثم الجهاد. 
وأفرد الإيمان بموصولٍ وحده ؛ لأنَّه أصل الهجرة والجهاد، وجمع الهجرة، والجهاد في موصولٍ واحدٍ، لأنَّهما فرعان عنه، وأتى بخر " إنَّ " اسم إشارة ؛ لأنَّه متضمِّنٌ للأوصاف السَّابقة. وتكرير الموصول بالنِّسبة إلى الصِّفات، لا الذَّوات، فإنَّ الذَّوات متَّحدةٌ موصوفةٌ بالأوصاف الثَّلاثة، فهو من باب عطف بعض الصِّفات على بعض، والموصوف واحد. ولا نقول : إنَّ تكرير الموصوف يدلُّ على تغير الذَّوات الموصوفة ؛ لأنَّ الواقع كان كذلك. وأتى ب " يَرْجُونَ " ؛ ليدلَّ على التَّجدُّد وأنهم في كلِّ وقتٍ يحدثون رجاءً. 
والمهاجرة : مفاعلةٌ من الهجر، وهي الانتقال من أرض إلى أرضٍ، وأصل الهجر التّرك. والمجاهدة مفاعلةٌ من الجهد، وهو استخراج الوسع وبذل المجهود، والإجهاد : بذلُ المجهود في طلب المقصود، والرَّجاء : الطمع. 
وقال الرّاغب[(١)](#foonote-١) : هو ظنٌّ يقتضي حصول ما فيه مسرَّةٌ، وقد يطلقُ على الخوف ؛ وأنشد :\[ الطويل \] :

إذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا  وَخَالَفَهَا في بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ[(٢)](#foonote-٢)أي : لم يَخَفْ، وقال تعالى : لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا  \[ يونس : ٧ \] أي : لا يخافون، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة، أو المجاز ؟ فزعم قومٌ أنه حقيقةٌ، ويكون من الاشتراك اللَّفظي، وزعم قومٌ أنه من الأضداد، فهو اشتراكٌ لفظيّ أيضاً. قال ابن عطيَّة :" ولَيْسَ هَذَا بِجيّدٍ "، يعني : أنَّ الرَّجاء والخوف ليسا بضدَّين إذ يمكن اجتماعهما، ولذلك قال الرَّاغِبُ[(٣)](#foonote-٣) بعد إنشاده البيت المتقدّم " ووجْهُ \[ ذلك \] : أنَّ الرَّجَاءَ والخوفَ يَتَلاَزَمَانِ "، وقال ابن عطيَّة :" والرَّجَاءُ أبداً معه خوفٌ، كما أنَّ الخوف معه رَجَاءٌ ". وزعم قومٌ أنه مجازٌ للتلازم الّذي ذكرناه عن الرَّاغب وابن عطيَّة. 
وأجاب الجاحظ عن البيت بأنَّ معناه لم يرج برء لسعها وزواله فالرَّجاء على بابه. 
وأمَّا قوله : لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا  \[ يونس : ٧ \] أي لا يرجون ثواب لقائنا، فالرَّجاء أيضاً على بابه، قاله ابن عطيَّة. 
وقال الأصمعيُّ :" إذا اقترن الرَّجَاء بحرفِ النَّفي، كان بمعنى الخَوْفِ " كهذا البيت والآية. 
وفيه نظرٌ إذ النَّفي لا يغيِّر مدلولات الألفاظ. 
والرَّجاء مقصود ناحية البئر، وحافَّاته من كل ناحيةٍ، وجاؤوا بقوام[(٤)](#foonote-٤) من النَّاس يخطُّون في قولهم بأعظم الرَّجَاء، فيقصرون، ولا يمدُّون، وكتبت " رَحْمَة " هنا بالتَّاء : إمَّا جرياً على لغة مَنْ يَقِفُ على تَاءِ التَّأْنِيث بالتَّاء، وإما اعتباراً بحالها في الوصل، وهي في القرآن في سبعة مواضع، كتبتُ في الجميع تاءً، هنا وفي الأعراف : إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ  \[ آية : ٥٦ \]، وفي هود : رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ  \[ آية : ٧٣ \]، وفي مريم : ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ  \[ آية : ٢ \]، وفي الرُّوم : فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ  \[ آية : ٥٠ \]، وفي الزخرف : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ  \[ آية : ٣٢ \]. 
### فصل


في تعلّق هذه الآية بما قبلها، وجهان :
الأول : أنَّ عبد الله بن جحش قال : يَا رَسُولَ الله، هَبْ أنَّهُ لاَ عِقَابَ عَلَيْنَا فِيمَا فَعَلْنَا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنْهَ أُجْراً، وَثَوَاباً، فَنَطمع أن يكون سفرُنا هذا غزواً ؛ فأنزل الله هذه الآية ؛ لأنَّ عبد الله كان مؤمناً، ومهاجراً، وسبب هذه المقاتلة، كان مجاهداً. 
الثاني : أنَّه تعالى أوجب الجهاد من قبل بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  \[ البقرة : ٢١٦ \] وبين أن تركه سبب الوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ  ولا يكاد يوجد وعيدٌ إلاَّ ويعقبه وعد. 
### فصل في المراد بالرجاء


**وفي هذا الرجاء قولان :**
الأوَّل : عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها وأراد تعالى هنا : أنَّهم يظنُّونَ في ثَوَابِ اللهِ ؛ لأن عبد الله بن جحشٍ ما كان قاطعاً بالفوز والثَّواب في عمله، بل كان يتوقَّعه، ويرجوه. 
فإن قيل : لم جعل الوعد مطلقاً بالرَّجاء، ولم يقطع به، كما في سائر الآيات ؟
فالجواب من وجوهٍ. 
أحدها : أنَّ الثَّوابَ على الإيمان، والعمل غير واجبٍ عقلاً، بل بحكم الوعد فلذلك علَّقه بالرَّجاء. 
وثانيها : هب أنَّه واجبٌ عقلاً، ولكنَّه تعلّق بأنه لا يكفر، وهذا الشَّرط مشكوكٌ لا متيقَّن، فلا جرم الرَّجاء، لا القطع. 
وثالثها : أنَّ المذكور هاهنا هو الإيمان، والهجرة، والجهاد، ولا بدَّ للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفَّقه لهذه الثَّلاثة، فلا جرم علقه على الرَّجاء. 
ورابعها : ليس المراد من الآية أنَّ الله تعالى شكَّك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنَّهم يفارقون الدُّنيا مع الهجرة والجهاد، ومستقصرين أنفسهم في حقّ الله تعالى يرون أنّهم يعبدونه حقّ عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرَّجاء، كما قال :
 وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ 
\[ المؤمنون : ٦٠ \]. 
وأجاب القرطبيُّ عن هذا السُّؤال بوجهين آخرين :
الأول : أنَّ الإنسان لو بلغ في طاعة الله كلَّ مبلغٍ، لا يدري بماذا يختم له. 
الثاني : لئلاّ يتّكل على عمله. 
القول الثاني : أنَّ المراد من الرَّجاء القطع في أصل الثَّواب، والظَّن إنَّما دخل في كميّته وفي وقته، وفيه وجوه تقدَّمت في قوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ  \[ البقرة : ٤٦ \]. 
وقوله : وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، أي : إنَّ الله تعالى يحقِّق لهم رجاءهم، إذا ماتوا على الإيمان، والعمل الصَّالح. 
١ - ينظر: المفردات ١٩٥..
٢ - البيت لأبي ذؤيب الهذلي ينظر ديوانه: ١/ ١٤٣، الكشاف ٤/ ٤٤٩، والدر المصون ١/٥٣٤..
٣ - ينظر: المفردات للراغب ١٩٦..
٤ - في ب: رجاء لعوام..

### الآية 2:219

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:219]

قوله : عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ  لا بدّ فيه من حذف مضاف إذ السُّؤال عن ذاتي الخمر والميسر غير مرادٍ، والتَّقدير : عن حكم الخمر والميسر. 
الخمر : هو المعتصر من العِنَبِ إذا غلى، وقذف بالزَّبد، ويطلق على ما غلى، وقذف بالزَّبد من غير ماء العنب مجازاً. 
وفي تسميتها " خَمْراً " أربعة أقوال :
أشهرها : أنَّها سمِّيت بذلك ؛ لأنها تخمر العقل، أي : تستره، ومنه : خمار المرأة لستره وجهها، والخمر : ما واراك من شجر، وغيره من وهدةٍ، وأكمة، والخامر هو الذي يكتم شهادته ؛ \[ و :" خَامِري حضَاجِرُ، أتاك ما تُحَاذِرُ " يُضْرَبُ للأحمق، وحَضَاجِرُ : علمٌ للضبع، أي : استتر عن النَّاس، ودخل في خمار النَّاس، وغمارهم \]. 
ومنه يقال :" أخمرت الأَرْضُ " كثر خمرها - بفتح الميم - الشَّجَرُ الملتفُّ. 
قال :\[ الوافر \]
أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكَ سِيرا \*\*\* فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِ[(١)](#foonote-١)
أي : ما يستركما من شجرٍ وغيره، وقال العجَّاج يصف مسير جيش طاهر بن أبان :
\[ الرجز \]
في لاَمِعِ العِقْبَانِ لاَ يَمْشِي الخَمَرْ[(٢)](#foonote-٢) \*\*\*. . . 
والثاني : لأنَّها تغطَّى حتّى تدرك وتشتدَّ، فهو من التَّغطية ومنه " خَمِّروا آنيتكم ". 
والثالث :- قال ابن الأنباري من المخالطة - لأنَّها تخامر العقل، أي : تخالطه، يقال : خامره الدَّاء، أي : خالطه. 
وأنشد لكثير :\[ الطويل \]
هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ \*\*\*. . . [(٣)](#foonote-٣)
ويقال : خَامَرَ السّقام كبده. فهذه الاشتقاقات دالَّة على أن الخمر ما يكون ساتراً للعقل، كما سمِّيت مسكراً ؛ لأنَّها تسكر العقل أي : تحجزه. 
والرابع : لأنَّها تترك حتى تدرك، ومنه :" اخْتَمَرَ العَجِينُ " أي : بلغ إدراكه، وخمر الرَّأي، أي : تركه، حتَّى ظهر له فيه وجه الصَّواب، وهي أقوال متقاربةٌ. وعلى هذه الأقوال تكون الخمر في الأصل مصدراً مراداً به اسم الفاعل واسم المفعول.

### فصل


قال أبو حنيفة : الخمرُ : هو ما كان من عصير العنب وغيره. 
حجّة أبي حنيفة : قوله تعالى : وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً  \[ النحل : ٦٧ \] فمنَّ الله تعالى علينا باتخاذ السَّكر، والرِّزق الحسن ؛ فوجب أن يكون مباحاً ؛ لأنَّ المنَّة لا تكون إلاَّ بالمباح. 
 " وروى ابن عبَّاس أنَّه - عليه السَّلام - أتى السِّقاية عام حجَّة الوداع، فاستند إليها وقال : اسقوني، فقال العبَّاس : لنسقينَّك ممَّا ننبذُهُ في بيوتنا ؟ فقال :" مِمّا يُسْقَى النَّاسُ " فجاءه بقدح من نبيذ ؛ فشمَّه فقطب وجهه وردَّه، فقال العبَّاس : يا رسول الله أفسدت على أهل مكَّة شرابهم. فقال :" رَدُّوا عَلَيَّ القَدَحَ " فردُّوه عليه ؛ فدعا بماء زمزم ؛ فصبّ عليه وشَرِبَ وقال :" إِذَا اغْتَلَمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الأَشْرِبَة فَاقْطَعُوا نتنها بالمَاءِ " [(٤)](#foonote-٤). 
وجه الاستدلال به : أن التقطيب لا يكون إلاَّ من الشَّديد، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدَّة بالنَّصِّ، ولأنَّ اغتلام الشَّراب شدَّته، كاغتلام البعير سكره. 
وأيضاً وردت عند الصَّحابة فيه آثارٌ ؛ روي أنَّ عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - كتب إلى بعض عماله أن أرزاق المسلمين من الطِّلاء ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه[(٥)](#foonote-٥)، ورأى أبو عبيدة، ومعاذٌ : شرب الطِّلاء على الثُّلث[(٦)](#foonote-٦). 
وحجَّة القائلين بأنَّ الخمر من عصير العنب وغيره ما روى أبو داود عن عمر - رضي الله عنه - قال :" نَزَلَ تحريمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وهي من خمسة من العِنَبِ، والتَّمْرِ، والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والذُّرَةِ " [(٧)](#foonote-٧). 
والخمر ما خامر العقل. 
وفي " الصَّحيحين " عن عمر أنَّه قال على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إنّ الخرم قد حرِّمت، وهي من خمسة : من العنب، والتَّمر، والعسل، والحنطة، والشعير والخمر ما خامر العقل[(٨)](#foonote-٨). وروى أبو داود عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ " [(٩)](#foonote-٩) وفي " الصَّحِيحَيْنِ " أنه عليه السَّلام سُئِلَ عن البِتع، فقال :" كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ " [(١٠)](#foonote-١٠) والبِتع شراب يتخذ من العسل. 
**قال الخطابيُّ : والدَّلالة من وجهين :**
أحدهما : أنَّ الآية لما دلَّت على تحريم الخمر، وكان مسمَّى الخمر مجهولاً من القوم، حسن من الشَّارع أن يقال : مراد الله تعالى من هذه اللَّفظة هذا، ويكون على سبيل إحداث لغةٍ، كما في الصَّلاة والصَّومِ وغيرهما. 
والوجه الآخر : أن يكون معناه : أنَّه كالخمر في الحرمة ؛ لأن قوله هذا خمر، فإن كان حقيقةً ؛ فحصل المدّعي، وإن كان مجازاً ؛ فيكون حكمه كحكمه ؛ لأنَّا بيَّنا أنَّ الشَّارع ليس مقصوده تعليم اللُّغات على تعليم الأحكام، وحديث البتع يبطل كلَّ تأويلٍ ذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد قول من قال : إنَّ القليل من المسكر من الأنبذة مباحٌ ؛ لأنَّه - عليه السَّلام - سُئِلَ عن نوع واحدٍ من الأنبذة، وأجاب بتحريم الجنس، فدخل فيه القليل والكثير، ولو كان ثمَّ تفصيلٌ في شيءٍ من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله، وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ " [(١١)](#foonote-١١)، وقال :" مَا أَسْكَرَ الفرق منه فمسك الكف منه حرام " [(١٢)](#foonote-١٢). 
قال الخطابي :" الفَرقُ " : مِكْيَالٌ يَسَعُ ستَّة عشَرَ رطلاً وروى أبو داود عن أُمِّ سلمة قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ مسكرٍ ومفترٍ[(١٣)](#foonote-١٣). 
قال الخطَّابيُّ :" المفترُ " كلّ شرابٍ يورث الفتور، والخدر في الأعضاء. 
واستدلُّوا أيضاً بالاشتقاق المتقدّم وأيضاً بقوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ  \[ المائدة : ٩١ \]. 
وهذه العلَّة موجودة في الأنبذة ؛ لأنَّها مظنّته. 
وأيضاً فإنّ عمر، ومعاذ قالا : يا رسول الله، إنَّ الخمر مسلبةٌ للعقل مذهبة للمال ؛ وهذه العلَّة موجودة في الأنبذة. 
والجواب عن دلائل أبي حنيفة : أنَّ قوله  تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً  \[ النحل : ٦٧ \] نكرة في سياق الإثبات، فلم قلتم إنّ ذلك السُّكر هو هذا النَّبيذ. 
ثمَّ أجمع المفسِّرون على أنَّ هذه الآية قبل الآيات الدَّالَّة على تحريم الخمر، فتكون ناسخةً، أو مخصّصة. 
وأمَّا حديث النَّبيذ فلعلَّه كان ماءًا نبذت فيه تمراتٌ ؛ لتذهب ملوحته فتغيَّر طعم الماء قليلاً إلى الحموضة، وطبعه - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان في غاية اللَّطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطَّعم ؛ فلذلك قطَّب وجهه، وإنما صبَّ الماء فيه ؛ إزالة لتلك الحموضة، أو الرائحة. وأمَّا آثارُ الصَّحابة، فمتدافعة متعارضة. 
### فصل في عدد الآيات التي نزلت بمكة في تحريم الخمر


قالوا : نزل في الخمر أربع آيات بمكَّة :
قوله : وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً  \[ النحل : ٦٧ \] وكان المسلمون يشربونها، وهي لهم حلالٌ، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصَّحابة قالوا : يا رسول الله، أفتنا في الخمر، فإنَّها مذهبةٌ للعقل مسلبةٌ للمال، فنزل قول تعالى : فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [(١٤)](#foonote-١٤) \[ البقرة : ٢١٩ \] ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنَّ اللهَ تَقَدَّمَ في الخَمْر "، فتركها قومٌ لقوله ( إثْمٌ كبيرٌ ) وشربها قوم لقوله ( ومنافع للناس ). إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعا ناساً من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمرٍ، فشربوا، وسكروا، وحضرت صلاة المغرب ؛ فتقدَّم بعضهم ليصلِّي بهم فقرأ :" قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ " هكذا إلى آخر السورة بحذف " لا "، فأنزل الله تعالى : لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [(١٥)](#foonote-١٥) \[ النساء : ٤٣ \] فحرَّم السُّكر في أوقات الصلاة، فلما نزلت هذه الآية، تركها قومٌ، وقالوا : لا خير في شيءٍ يحول بيننا وبين الصَّلاة وتركها قوم في أوقات الصَّلاة، وشربوها في غير وقت الصَّلاة، حتَّى كان الرَّجل يشرب بعد صلاة العِشاء، فيصبح، وقد زال عنه السُّكر، ويشرب بعد صلاة الصُّبح، فيصحو إذا جاء وقت الظُّهر، واتخذ عُتبان بن مالك صِبْغاً ودعا رجالاً من المسلمين، فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعيرٍ، فأكلوا منه، وشربوا الخمر، حتى أخذت منهم، ثمَّ إنّهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا، فأنشد سعد قصيدةً فيها هجاءٌ للأنصار، وفخر لقومه، فأخذ رجلٌ من الأنصار لحي بعيرٍ، فضرب به رأس سعدٍ ؛ فشجَّه موضّحةٌ[(١٦)](#foonote-١٦) فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكى إليه الأنصاريَّ، فقال عمر : اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً ؛ فأنزل الله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ  \[ المائدة : ٩٠ \] إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ  \[ المائدة : ٩١ \] وذلك بعد غزوة الأحزاب بأَيَّام، فقال عمر : انتهينا يا ربّ[(١٧)](#foonote-١٧). 
قال ابن الخطيب[(١٨)](#foonote-١٨) : والحكمة في وقوع التَّحريم على هذا التَّرتيب أنَّ الله تعالى علم أنَّ القوم كانوا قد أَلِفُوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فعلم أنَّه لو منعهم دفعةً واحدةً لشقّ ذلك عليهم، فلا جرم درَّجهم في التَّحريم رفقاً بهم، ومن الناس من قال : إن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله : لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى  \[ النساء : ٤٣ \] فاقتضى ذلك تحريم شربها ؛ لأنَّ شارب الخمر لا يمكنه أن يصلِّي مع السُّكر، فكان المنع من ذلك منعاً من الشّرب ضمناً، ثم نزلت آية المائدة، فكانت في غاية القوَّة في التَّحريم. وعن الرَّبيع بن أنس أنَّ هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر[(١٩)](#foonote-١٩). 
### فصل


قال أنسٌ : حُرمت عليهم الخمر، ولم يكن يومئذ للعرب عيشٌ أعجب منها، وما حرِّم عليهم شيءٌ أشدّ من الخمر[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقال أنس بن مالك : ما كان لنا خمر غير فضيخكم فإنّي لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً، وفلاناً، إذ جاء رجلٌ فقال : حرمت الخمر. قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس ؛ قال : فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرَّجل[(٢١)](#foonote-٢١). 
واختلف الفقهاء في الخمر على ما تقدَّم ؛ فقال قومٌ : هو عصير العنب والرُّطب الَّذي اشتدّ وغلا من غير عمل النَّار فيه، واتَّفقت الأُمَّة على أنَّ هذا الخمر نجس يحدُّ شاربها، ويُفَسَّقُ، ويكفر مستحلها، وذهب سفيان الثَّوريُّ، وأبو حنيفة، وجماعة إلى أنَّ التَّحريم لا يتعدّى هذا ولا يحرم ما يتّخذ من غيرها، كالحنطة، والشَّعير، والذُّرة، والعسل، والفانيذِ إلاَّ أن يسكر منه فيحرم، وقال : إذا طبخ عَصِيرُ العِنَبِ والرُّطب، حتّى ذهب نصفه، فهو حلالٌ، ولكنه يكره، وإن طبخ، حتَّى يذهب ثلثاه قالوا : هو حلالٌ مباحٌ شربه إل١ - ينظر لسان العرب (خمر)، والدرر د/١٦٨، وشرح المفصل ١/١٢٩، وشرح قطر الندى ص ٢١٠، والأزهية ص ١٦٥، واللمع ص ١٩٥، وهمع الهوامع ٢/١٤٢، والدر المصون ١/٥٣٥..
٢ - ينظر ديوانه ١/٣٨، والطبري ٤/ ٣٢١، القرطبي ٣/٥١، الدر المصون ١/٥٣٥..
٣ - صدر بيت وعجزه:
 لعزة من أغراضنا ما استحلت
 ينظر ديوانه ١/٤٩، والأمالي الشجرية ١/١٦٥، والبحر المحيط ٣/١٧٦، والشعر والشعراء ١/٤٩٦، ومجمع الأمثال للميداني ٢/ ٣٨٧ (٤٤٩٤)، وتهذيب اللغة (خمر)، والرازي ٦/ ٣٧، والدر المصون ٢/٣٠٨.
٤ - أخرجه النسائي (٨/٣٢٤) والدارقطني (٤/٢٦٤) والبيهقي (٨/ ٣٠٥) وابن أبي شيبة (٧/٥٠٥). 
 وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بعبد الملك بن نافع وهو رجل مجهول وقال النسائي: وعبد الملك بن نافع غير مشهور ولا يحتج بحديثه..
٥ - ذكره البغوي في "تفسيره" (١/١٩٢)..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - أخرجه البخاري (٥/ ١٠٥) كتاب التفسير باب سورة المائدة رقم (٢٦١٩) ومسلم (٨/٢٤٥) وأبو داود (٣٦٦٩) والنسائي (٢/٣٢٥) والترمذي (١/٣٤٣) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٣٢٣) وابن الجارود في "المنتقى" (٨٥٢) والدارقطني (٥٣٢) والبيهقي (٨/٢٨٨-٢٨٩) من طريق ابن عمر عن عمر قال... فذكره..
٨ - أخرجه البخاري (٣/٢٦٥) كتاب المظالم باب: صب الخمر في الطريق رقم (٢٤٦٤) عن أنس بن مالك.
 وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أم سليم كما في "مجمع الزوائد" (٤/٩٣) وقال الهيثمي: وفيه الوليد بن محمد الموقري وهو ضعيف..
٩ - أخرجه مسلم (٦/١٠٠-١٠١) وأبو داود (٣٦٧٩) والنسائي (٢/٣٢٥) والترمذي (١/٣٤١) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٣٢٥) وابن الجارود في "المنتقى" (٨٥٧) والدارقطني (٤/٢٤٩) والبيهقي (٨/٢٩٣) وأحمد ٢/٢٩، ١٣٤، ١٣٧) من طريق نافع عن ابن عمر قال النسائي: قال أحمد: وهذا حديث صحيح.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
 وأخرجه النسائي (٢/٣٢٦) وابن ماجه (٣٣٩٠) وابن الجارود في "المنتقى" (٨٥٩) والطحاوي (٢/٣٢٥) والدارقطني (٤/٢٤٩) وأحمد (٢/١٦) من طريق محمد بن عمرو عن ابن عمر.
 وأخرجه ابن ماجه (٣٣٩٢) من طريق أبي حازم عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام..
١٠ - أخرجه البخاري (١/١١٧) كتاب الأشربة باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ (٢٤٢) و(٧/١٩٢) كتاب الأشربة باب الخمر من العسل رقم (٥٥٨٥، ٥٥٨٦) ومسلم (٦/٩٩) وأبو داود (٣٦٨٢) والنسائي (٢/٣٢٦) والترمذي (١/٣٤٢) وابن ماجه (٣٣٨٥) والطحاوي (٢/٣٢٦) والدارقطني (٤/٢٥١) وأحمد (٦/٣٦، ٩٦، ١٩٠)..
١١ - أخرجه البيهقي (٨/٢٩٦) والدارقطني (٤/٢٦٢) وإسحاق بن راهويه في "مسنده" كما في "نصب الراية" (٤/٣٠٤) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا.
 وأخرجه البيهقي (٨/ ٢٩٦) من طريق نافع عن ابن عمر وللحديث شواهد منها عن جابر بن عبد الله: أخرجه أبو داود (٣٦٨١) والترمذي (١/٣٤٢) وابن ماجه (٣٣٩٣) والطحاوي في "شرح المعاني" (٢/٣٢٥-٣٢٦) وابن الجارود في "المنتقى" (٨٦٠) وأحمد (٣/٣٤٣).
 وقال الترمذي: حديث حسن غريب من حديث جابر.
 **ومنها عن عبد الله بن عمرو:**
 أخرجه النسائي (٢/ ٣٢٧) وابن ماجه (٣٣٩٤) والطحاوي (٢/٣٢٥) والدارقطني (٤/ ٣٥٤) والبيهقي (٨/٢٩٦) وأحمد (٢/١٦٧-١٦٩) ومنها عن سعد بن أبي وقاص:
 أخرجه النسائي (٢/٣٢٨) والدارمي (٢/١١٣) وابن الجارود (٨٦٢) وابن حبان (١٣٨٦).
 **ومنها عن زيد بن ثابت:**
 أخرجه الطبراني في المعجم "الكبير" و"الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٥/٦٠) وقال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن قيس بن سعد وهو ضعيف جدا. ومنها عن خوات بن جبير:
 أخرجه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٥/٦٠) وقال الهيثمي: وفيه عبد الله بن إسحاق الهاشمي قال العقيلي: له أحاديث لا يتابع منها على شيء وذكر له الذهبي هذا الحديث..
١٢ - أخرجه أبو داود (٣٦٨٧) والترمذي (١/٣٤٢) والطحاوي (٢/٣٢٤) وابن الجارود في "المنتقى" (٨٦١) وابن حبان (١٣٨٨) والدارقطني (٤/٢٥٥) والبيهقي (٨/٢٩٦) وأحمد (٦/٧١، ١٣١) من طريق القاسم بن محمد عن عائشة مرفوعا..
١٣ - أخرجه أبو داود (٢/٣٥٤) كتاب الأشربة: باب النهي عن المسكر حديث (٣٦٨٦) وأحمد (٦/٩٥) من طريق شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر..
١٤ - أخرجه الترمذي (٥/٢٣٦-٢٣٧) رقم (٣٠٤٩) والنسائي (٨/٢٨٦) رقم (٥٥٤٠) وأبو داود (٢/٣٤٩) رقم (٣٦٧٠) والحاكم (٢/٢٧٨) وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٥٢) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبي الشيخ وابن مردويه والضياء المقدسي في "المختارة" عن عمر..
١٥ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٩٣)..
١٦ - الموضحة لغة: هي الشجة التي توضح العظم أي: تظهره. انظر: الصحاح ١/٤١٦.
 **اصطلاحا:**
 عرفها الحنفية بأنها: هي التي توضح العظم، أي تبينه.
 عرفها الشافعية بأنها: التي توضح العظم، وإن لم يشاهد من أجل الدم الذي يستره.
 عرفها المالكية بأنها: ما أوضحت عظم الرأس، والجبهة، والخدين.
 وعند الحنابلة: تطلق على الجراحة المخصوصة في الوجه والرأس.
 انظر: تبيين الحقائق ٦/١٣٢، مغني المحتاج ٢٦، مواهب الجليل ٦/ ٢٤٦. المبدع ٩/٥..
١٧ - تقدم..
١٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ٣٥..
١٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٣٣٦) عن الربيع بن أنس..
٢٠ - أخرجه البخاري (٧/٩٠) كتاب الأشربة باب الخمر من العنب رقم (٥٥٨٠)..
٢١ - أخرجه البخاري (٨/١٢٦) كتاب التفسير باب: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم رقم (٤٦١٧) عن أنس..

### الآية 2:220

> ﻿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:220]

فصل
قوله تعالى : فِي الدُّنْيَا  : فيه خسمة أوجهٍ :
أظهرها : أن يتعلَّق بيتفكّرون على معنى : يتفكَّرون في أمرهما، فيأخذون ما هو الأصلح، ويؤثرون ما هو أبقى نفعاً. 
والثاني : أن يتعلَّق بـ " يبيِّن "، ويروى معناه عن الحسن، وحينئذٍ يحتمل أن يقدَّر مضاف، أي : في أمر الدُّنيا والآخرة، ويحتمل ألاَّ يقدَّر، لأنَّ بيان الآيات، وهي العلامات يظهر فيها. وجعل بعضهم قول الحسن من التَّقديم، والتأخير، أي : ليس لذلك يبيِّن الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا وزوالها وفنائها، فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة، ووقوعها، فترغبون فيها. ثم قال : ولا حَاجَةَ لِذَلِكَ، لحَمْلِ الكَلاَمِ على ظاهره، يعني من تعلُّق في الدُّنيا بـ " تَتَفَكَّرُونَ ". وهذا ليس من التَّقديم والتَّأخير في شيء ؛ لأنَّ جملة التَّرجِّي جاريةٌ مجرى العلَّة فهي متعلِّقةٌ بالفعل معنى، وتقديم أحد المعمولات على الآخر، لا يقال فيه تقديم وتأخير ويحتمل أن تكون اعتراضيةً، فلا تقديم، ولا تأخير. 
والثالث : أن تتعلَّق بنفس " الآيَاتِ " لما فيها من معنى الفعل، وهو ظاهر قول مكي فيما فهمه عنه ابن عطيَّة. قال مكِّيٌّ :" معنى الآية أنه يبيِّن للمؤمنين آياتٍ في الدُّنيا، والآخرة يدلُّ عليها، وعلى منزلتها لعلَّهم يتفكَّرون في تلك الآياتِ " قال ابن عطيَّة :" فقوله : في الدنيا : يتعلَّق على هذا التَّأويل بالآيات " وما قاله عنه ليس بظاهرٍ ؛ لأنَّ شرحه الآية لا يقتضي تعلُّق الجار بالآيات. ثمَّ إنْ عَنَى ابن عطية بالتعلّق التعلُّق الاصطلاحي، فقال أبو حيان " فو فَاسِدٌ، لأنَّ " الآيَاتِ " لا تَعْمَلُ شيئاً الْبَتَّةَ، ولا يَتَعَلَّقُ بها ظَرْفٌ، ولا مَجْرُورٌ " وقال شِهَابُ الدِّين : وهذا من الشَّيخ فيه نظرٌ، فإنَّ الظُّروف تتعلَّق بروائح الأفعال، ولا شكّ أنَّ معنى الآيات العلامات الظَّاهرة، فيتعلَّق بها الظَّرف على هذا. وإن عنى التَّعلُّق المعنويَّ، وهو كون الجارِّ من تمام معنى :" الآيَاتِ "، فذلك لا يكون إلاّ إذا جعلنا الجارَّ حالاً من " الآيَات "، ولذلك قدَّرها مكِّيٌّ نكرة فقال :" يبيِّن لهم آياتٍ في الدُّنْيَا " ليعلم أنَّها واقعةٌ موقع الصِّفة لآيات، ولا فرق في المعنى بين الصِّفة والحال، فيما نحن بصدده، فعلى هذا تتعلَّق بمحذوفٍ لوقوعها صفةٌ. 
الرابع : أن تكون حالاً من " الآيَاتِ " كما تقدَّم تقريره الآن. 
الخامس : أن تكون صلةً للآيات، فتتعلَّق بمحذوفٍ أيضاً، وذلك مذهب الكوفيين، فإنَّهم يجعلون من الموصولات الاسم المعرَّف بأل ؛ وأنشدوا :\[ الطويل \]لَعَمْرِي لأَنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ  وَأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بِالأصَائِلِ[(٥٦)](#foonote-٥٦)فـ " البيت " عندهم موصولٌ. 
وجوابهم مذكور في غير هذا الكتاب. 
والتَّفكُّر : تفعل من الفكر، والفكر : الذِّهن، فمعنى تفكَّر في كذا : أجال ذهنه فيه وردَّده. 
قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ . 
قال ابن عبَّاس : إنَّ أهل الجاهليَّة كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى، وربَّما تزوَّجوا باليتيمة طمعاً في مالها أو يزوجها من ابن له لئلاَّ يخرج مالها عن يده، فلمَّا نزل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  \[ النساء : ١٠ \] وقوله : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  \[ الأنعام : ١٥٢ \]، وقوله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً  \[ النساء : ١٢٧ \] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى، والمقاربة من أموالهم والقيام بأمورهم، وتحرَّج المسلمون من أموال اليتامى تحرُّجاً شديداً، وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، حتَّى كان يصنع لليتيم طعاماً، فيفضل منه شيءٌ، فيتركونه، ولا يأكلونه حتَّى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلاً، وطعاماً، وشراباً، فعظم ذلك على ضعفة المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ما كلُّنا يجد منازل يسكنها الأيتام، ولا كلُّنا يجد طعاماً، وشراباً، يفردهما لليتيم فنزلت هذه الآية[(٥٧)](#foonote-٥٧)//. 
قوله : إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ، " إصْلاَحٌ " مبتدأ، وسوَّغ الابتداء به أحد شيئين : إمَّا وصفه بقوله :" لَهُم "، وإمَّا تخصيصه بعمله فيه، و " خيرٌ " خبره. و " إصْلاَحٌ " مصدرٌ حذف فاعله، تقديره : إصلاحكم لهم، فالخبريَّة للجانبين أعني جانب المصلح، والمصلح له، وهذا أولى من تخصيص أحد الجانبين بالإصلاح كما فعل بعضهم. 
قال أبو البقاء[(٥٨)](#foonote-٥٨) :" فَيَجُوزُ أن يَكُونَ التَّقْدِيرُ : خيرٌ لكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ : خَيْرٌ لَهُم "، أي : إصلاحهم نافع لكم. 
قال بعض العلماء : هذه الكلمة تجمع النَّظر في إصلاح اليتيم بالتَّقويم والتَّأديب وغيرهما لكي ينشأ على علمٍ وأدبٍ وفضلٍ، والنَّظر في إصلاح حاله، وتجمع أيضاً النَّظر في حال الولي، أي : هذا العمل خير له من أن يكون مقصّراً في حقّ اليتيم. 
وقال بعضهم : الخير عائد إلى الولي، يعني إصلاح مالهم من غير عوض، ولا أجرة، خير للولي، وأعظم أجراً. 
وقال آخرون : الخير عائدٌ إلى اليتيم، والمعنى : أنَّ مخالطتهم بالإصلاح خيرٌ لهم من التَّفرُّد عنهم، والإعراض عن مخالطتهم. 
### فصل في هل يتصرف في مال اليتيم


قال القرطبيُّ[(٥٩)](#foonote-٥٩) لما أذن الله عزَّ وجلَّ في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنَّظر إليهم وفيهم، كان ذلك دليلاً على جواز التَّصرف في مال اليتيم تصرف الوصيّ في البيع، والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق لهذه الآية، فإذا كفل الرَّجل اليتيم، وحازه، وكان في نظره، جاز عليه فعله وإن لم يقدّمه والٍ عليه ؛ لأنَّ الآية مطلقة والكفالة ولاية عامَّة، ولم يؤثر عن أحدٍ من الخلفاء أنَّه قدّم أحداً على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنَّما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. 
قوله : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ  المخالطة : الممازجة، وقيل : جمع يتعذر فيه التّمييز ومنه يقال للجماع : الخلاط، ويقال : خولط الرجل إذا جُنَّ، والخلاط : الجنون ؛ لاختلاط الأمر على صاحبه بزوال عقله. 
قوله :" فَإِخْوَانُكم " الفاء جواب الشّرط، و " إِخْوَانُكم " خبر مبتدأ محذوف، أي : فهم إخوانكم. والجملة في محلِّ جزم جواب الشَّرط، والجمهور على الرَّفع، وقرأ أبو مجلز :" فَإِخْوَانَكُمْ " نصباً بفعل مقدَّر، أي : فقد خالطتم إخوانكم، والجملة الفعليَّة أيضاً في محلِّ جزمٍ، وكأن هذه القراءة لم يطَّلع عليها الفراء وأبو البقاء فإن الفراء \[ قال \] ولو نصب كان صواباً، وقال أبو البقاء :" وَيَجُوزُ النَّصْبُ في الكَلاَم، أي : فقد خالطتُم إخوانَكم ". 
### فصل في بيان وجوه المخالطة


في هذه المخالطة[(٦٠)](#foonote-٦٠) وجوه :
أحدها : المراد بالمخالطة في الطَّعام، والشَّراب، والسُّكنى، والخدم ؛ لأن القوم ميَّزوا طعامهم، وشرابهم، ومسكنهم عن طعام اليتيم، وشرابه، وسكنه فأمرهم الله تعالى بخلط الطَّعامين والشَّرابين، والاجتماع في السَّكن الواحد كما يفعله المرء بمال ولده، فإنَّ هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة. 
الثاني : المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجرة المثل في ذلك العمل. والقائلون بهذا القول، منهم من جوَّز ذلك سواء كان القيم غنيّاً، أو فقيراً، ومنهم من قال إن كان القيم غنياً لم يأكل من ماله ؛ لأن ذلك فرض عليك وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز، واحتجوا بقوله : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ  \[ النساء : ٦ \] وإن كان القيِّم فقيراً قالوا : يأكل بقدر الحاجة، ويرده إذا أيسر فإن لم يوسر تحلله من اليتيم. 
وروي عن عمر أنَّه قال : أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة وليّ اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت قرضاً بالمعروف ثمَّ قضيت[(٦١)](#foonote-٦١). 
وعن مجاهد : إذا كان فقيراً، وأكل بالمعروف، فلا قضاء عليه[(٦٢)](#foonote-٦٢). 
الثالث : أنَّ المراد بهذه " المُخَالَطَةِ " المصاهرة بالنِّكاح، وهو اختيار أبي مسلم[(٦٣)](#foonote-٦٣) قال : لقوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ  \[ النساء : ٣ \] وقوله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ  \[ النساء : ١٢٧ \] وهذا القول راجحٌ على غيره من وجوه[(٦٤)](#foonote-٦٤) :
أحدها : أنَّ هذا خلط لليتيم نفسه، والشّركة خلط لماله. 
وثانيها : أنَّ الشَّركة داخلةٌ في قوله : قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ، والخلط من جهة النّكاح، وتزويج البَنَات منهم لم يدخل في ذلك فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب. 
وثالثها : أن قوله تعالى " فَإِخْوَانُكُم " يدلُّ على أنَّ المراد هو هذا النَّوع ؛ لأنَّ اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى إصلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلماً ؛ فوجب أن تكون الإشارة بقوله :" فَإِخْوَانُكُم " إلى نوع آخر من المخالطة. 
ورابعها : أنَّ المخالطة المندوب إليها هي في اليتامى الذين هم إخوان لكم بالإسلام، فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم، ليتأكد الاختلاط فإن كان اليتيم من المشركين، فلا تفعلوا ذلك. 
قال القرطبيُّ[(٦٥)](#foonote-٦٥) : ما ينفقه الوصيُّ والكفيل له حالتان :
حالة لا يمكنه الإشهاد عليها، فقوله مقبولٌ بغير بيِّنة. 
وحالة يمكنه الإشهاد فمهما اشترى من العقار، وما جرت العادة بالتَّوثق فيه، لم يقبل قوله بغير بيّنة. 
وفرّق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصيّ، وينفق عليه فلا يكلف الإشهاد على نفقته، وكسوته، لأنَّه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله، ويلبسه في كلِّ وقت، ولكن إذا قال : أنفقت نفقةً لسنةٍ، قبل منه، وبين أن يكون عند أُمّه، أو حاضنته فيدعي الوصي أنَّه كان ينفق عليه، أو كان يعطي الأمَّ أو الحاضنة فلا يقبل منه إلاَّ بيِّنَةٍ أنَّها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مساناة. 
### فصل


قال أبو عبيد : هذه الآية عندي أصل لما يفعله الرُّفقاء في الأسفار، فإنَّهم يتقاسمون النَّفقات بينهم بالسَّويَّة، وقد يتفاوتون في قلَّة المطعم، وكثرته، وليس كلّ من قلَّ مطعمه تطيب نفسه بالتَّفضُّل على رفيقه، فلمَّا كان هذا في أموال اليتامى واسعاً ؛ كان في غيرهم أوسع، ولولا ذلك لخفت أن يضيَّق فيه الأمر على النَّاس. 
قوله تعالى : وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ  ؛ أي : المفسد لأموالهم من المصلح لها، يعني : الذي يقصد بالمخالطة الخيانة، وإفساد مال اليتيم، وأكله بغير حقّ من الذي يقصد الإصلاح. 
وقيل :" يَعْلَمُ " ضمير من أراد الإفساد، والطَّمع في مالهم بالنِّكاح من المصلح، يعني : إنَّكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح، فإذا لم تريدوا ذلك بقلوبكم، بل كان المراد منه عرضاً آخر \[ فالله مطَّلع \][(٦٦)](#foonote-٦٦) على ضمائركم عالمٌ بما في قلوبكم، وهذا تهديدٌ عظيمٌ ؛ وذلك لأنَّ اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه، وليس له أحدٌ يراعيها، فكأنَّه تعالى قال : لما لم يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَفَّلُ بمصالحه، فَأَنَا مُتَكَفِّلٌ به، وأنا المُطَالِبُ لوليّه بذلك. 
تقدم الكلام في قوله : يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ  في قوله : إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ  \[ البقرة : ١٤٣ \]، والمفسد والمصلح جنسان هنا، وليس الألف واللام لتعريف المعهود، وهذا هو الظَّاهر. وقد يجوز أن تكون للعهد أيضاً. 
وفي قوله :" تُخَالِطُوهُمْ " التفاتٌ من ضمير الغيبة في قوله :" وَيَسْأَلُونَكَ " إلى الخطاب لينبِّه السَّامع إلى ما يلقى إليه. ووقع جواب السُّؤال بجملتين :
إحداهما من مبتدأ، وخبر، وأبرزت ثبوتية منكَّرة المبتدإ لتدلَّ على تناوله كلَّ إصلاح على طريق البدليَّة، ولو أُضيفت لعمَّ، أو لكان معهوداً في إصلاح خاص، وكلاهما غير مرادٍ، أمَّا العموم، فلا يمكن، وأمَّا المعهود فلا يتناول غيره ؛ فلذلك أُوثر التَّنكير الدَّالُّ على عموم البدل، وأُخبر عنه ب " خَيْر " الدَّالِّ على تحصيل الثَّواب، ليتبادر المسلم إليه. والآخر من شرطٍ، وجزاءٍ، دالّ على جواز الوقوع لا على طلبه وندبيَّته. 
قوله : وَلَوْ شَاءَ اللهُ  مفعول " شَاءَ " محذوف، أي : إعناتكم. وجواب لو :" لأعنَتَكم ". 
\[ والمشهور قطع همزة " لأَعْنَتَكُم " \] ؛ لأنَّها همزة قطعٍ. وقرأ البزيُّ[(٦٧)](#foonote-٦٧) عن ابن كثير في المشهور بتخفيفها بين بين، وليس من أصله ذلك، وروي سقوطها البتَّة، وهي كقراءة : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ  \[ البقرة : ١٧٣ \] شذوذاً وتوجيهاً. ونسب بعضهم هذه القراءة إلى وهم الرَّاوي، باعتبار أنه اعتقد في سماعه التَّخفيف إسقاطاً، لكنَّ الصَّحيح ثبوتها شاذةً. 
و " العنت " : المشَقَّة و " الإعْنَات " الحمل على مشقَّةٍ لا تطاق، يقال : أعْنَتَ فلانٌ فلاناً، إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه، وتعنُّته تعنُّتاً : إذا لبَّس عليه في سؤاله، وعنت العظم المجبور : إذا انكسر بعد الجبر، وأكمةٌ عنوتٌ : إذا كانت شاقَّةً كدوداً، وعنت الدَّابَّة تَعَنَّت عَنَتاً : إذا حدث في قوائمها كسرٌ بعد جبرٍ، لا يمكنها معه الجري. 
قال ابن الأنباريِّ[(٦٨)](#foonote-٦٨) : أصل العنت الشِّدَّةُ ؛ تقول العرب : فلان يتعنت فلاناً، ويعنته إذا شدّد عليه، وألزمه ما يصعب عليه أداؤه. وقال تعالى :{ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ

### الآية 2:221

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [2:221]

الجمهور على فتح تاء المضارعة، وقرأ الأعمش[(١)](#foonote-١) بضمِّها من : أنكح الرباعي، فالهمزة فيه للتَّعدية، وعلى هذا فأحد المفعولين محذوفٌ، وهو المفعول الأوَّل ؛ لأنه فاعلٌ معنًى تقديره : ولا تنكحوا أنفسكم المشركات. 
والنِّكاح في الأصل عند العرب : لزوم الشَّيء، والإكباب عليه ؛ ومنه :" نَكَحَ المَطَرُ الأَرْضَ "، حكاه ثعلبٌ عن أبي زيد، وابن الأعرابي. 
قال الزَّجَّاجيُّ :" النّكاح في الكلام بمعنى الوطء، والعقد جميعاً، موضوع ( ن. ك. ح ) على هذا التَّرتيب في كلامهم للفرد والشَّيء راكباً عليه هذا كلام العرب الصَّحيح ". 
أصله المداخلة ؛ ومنه : تناكحت الشَّجر : أي : تداخلت أغصانها ؛ ويطلق النِّكاح على العقد ؛ كقول الأعشى :\[ الطويل \]

وَلاَ تَقْرَبَنَّ جَارَةً إِنَّ سِرَّهَا  حَرَامٌ عَلَيْكَ فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَبَّدَا[(٢)](#foonote-٢)أي : فاعْقِدْ، أو توحَّش، وتجنَّب النِّساء، ويطلق أيضاً على الوطء ؛ كقوله :\[ البسيط \]البَارِكِينَ عَلَى ظُهُورِ نِسْوَتِهِمْ  والنَّاكِحِينَ بِشَطِّ دَجْلَةَ الْبَقَرَا[(٣)](#foonote-٣)وحكى الفرَّاء " نُكُح المَرْأَةِ " بضمِّ النُّون على بناء " القُبُل "، و " الدُّبُر "، وهو بضعها، فمعنى قولهم :" نَكَحَها " أي أصاب ذلك الموضع، نحو : كَبَدَهُ، أي أصاب كبده، وقلَّما يقال : ناكحها، كما يقال باضعها. 
وقال أبو علي : فَرَّقَتِ العَرَبُ بين العَقْدِ والوَطْءِ بِفَرْقِ لَطِيفٍ، فإذا قالوا :" نَكَحَ فُلاَنٌ فُلاَنَةٌ، أو ابنةَ فلانٍ "، أرادوا عقد عليها، وإذا قالوا : نَكَحَ امرأته، أو زوجته، فلا يريدون غير المجامعة، وهل إطلاقه عليهما بطريق الحقيقة فيكون من باب الاشتراك، أو بطريق الحقيقة والمجاز ؟ الظَّاهر : الثاني : فإنَّ المجاز خيرٌ من الاشتراك، وإذا قيل بالحقيقة، والمجاز فأيهما حقيقة ؟ ذهب قوم إلى أنَّه حقيقةٌ في العقد واحتجوا بوجوهٍ :
منها : قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ[(٤)](#foonote-٤) "، وقَّف النِّكاح على الوليّ، والشُّهود، والمراد به العقد، وقوله عليه الصلاة والسلام - :" وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَولَدْ مِنْ سِفَاحٍ[(٥)](#foonote-٥) " فجعل النّكاح، كالمقابل للسِّفاح. 
ومعلومٌ أنَّ السِّفاح مشتملٌ على الوطء، فلو كان النِّكاح اسماً للوطء، لامتنع كون النِّكاح مقابلاً للسِّفاح، وقال تعالى : وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  \[ النور : ٣٢ \] ولا يمكن حمله إلاَّ على العقد. 
وأيضاً قول الأعشى في البيت المتقدِّم لا يحتمل إلاَّ الأمر بالعقد ؛ لأنه قال :" ولاَ تَقْرَبَنَّ جَارَةً " يعني مقاربتها على الطَّريق الَّذي يحرُمُ فاعقدْ وتزوَّج، وإلاَّ فتأيَّم، وتجنَّبِ النِّساء. 
وقال الرَّاغب[(٦)](#foonote-٦) : أصْلُ النِّكَاحِ للعقدِ، ثم اسْتُعِيرَ للجِمَاعِ، ومُحَالٌ أن يَكُونَ في الأَصْلِ للجِمَاعِ، ثم استُعِير لِلْعَقْدِ، لأنَّ أَسْمَاءَ الجِمَاعِ كلَّها كِنَايَاتٌ لاستقباحِهم ذِكْرَه ؛ كاستقباحهم تَعاطِيَهُ، ومُحالٌ أن يستعيرَ مَنْ لا يَقْصِدُ فُحْشاً اسمَ مَا يَسْتَفْظِعُونَهُ لِمَا يَسْتَحْسِنُونَهُ ؛ قال تعالى : فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ  \[ النساء : ٣ \]. 
وقال آخرون : هو حقيقةٌ في الوطء، واحتجوا بوجوه :
منها قوله تعالى : فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ  \[ البقرة : ٢٣٠ \] نفي الحل ممتدٌّ إلى غاية النِّكاح، وليس هو العقد ؛ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :" حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ[(٧)](#foonote-٧) " ؛ فوجب أن يكون هو الوطء. 
وأجيب بأن امرأة رفاعة، لم تفهم عند الإطلاق إلاَّ مجرَّد العقد ؛ حتى قال لها عليه الصَّلاة والسَّلام :" لاَ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ". 
ومنه : قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" نَاكِحُ اليَدِ مَلْعُونٌ، وَنَاكِحُ البَهِيمَةِ مَلْعُونٌ[(٨)](#foonote-٨) " أثبت النِّكاح \[ مع عدم العقدِ. 
والنِّكاحُ \] في اللُّغة عبارة عن الضمّ، والمداخلة كما تقدَّم في المطر، والأرض، وتناكح الشَّجر، ونكح النُّعاس عينه، وفي المثل :
 " نَكَحْنَا الفَرى فَسَتَرَى " والبيت المتقدم، وقوله :\[ البسيط \]أنكحْتُ صُمَّ حَصَاهَا خُفَّ يَعْمَلَةٍ  تَغَشْمَرَتْ بي إِلَيْكَ السَّهْلَ والجَبَلاَ[(٩)](#foonote-٩)والضَّمُّ والوطء في المباشرة أتَمُّ منه في العقد. 
وأجيب بأنَّ هذه قرائن صارفةٌ له عن حقيقته. 
### فصل في هل يتناول المشرك أهل الكتاب ؟


لفظ " المُشْرِك " ؛ هل يتناول أهل الكتاب ؟
فالأكثرون على أنَّ الكتابة تشمل لفظ المشرك، ويدلُّ عليه وجوه :
أحدها : قوله تعالى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ  \[ التوبة : ٣٠ \]، ثم قال بعد ذلك : سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  \[ التوبة : ٣١ \] وهذا تصريحٌ بأن اليهوديَّ، والنَّصرانيّ مشركٌ. 
وثانيها : قوله تعالى : إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  \[ النساء : ٤٨ \]، فدلت هذه الآية على أنَّ ما سوى الشّرك فقد يغفره الله تعالى في الجملة، فلو كان كفر اليهوديِّ والنَّصرانيّ ليس بشرك، لوجب أن يغفره الله تعالى في الجملة، وذلك باطلٌ، فعلمنا أنَّ كفرهما شركٌ. 
وثالثها : قوله تعالى : لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ  \[ المائدة : ٧٣ \] فهذا التَّثليث إمَّا أن يكون لاعتقادهم وجود صفاتٍ ثلاثة أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة. 
والأول باطلٌ ؛ لأن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه قادراً، ومن كونه حيّاً، وإذا كانت هذه المفهومات الثَّلاثة لا بدّ من الاعتراف بها كان القول بإثبات صفاتٍ ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف يمكن تكفير النَّصارى بسبب ذلك ؛ ولمَّا بطل ذلك علمنا أنَّه تعالى إنَّما كفَّرهم ؛ لأنَّهم أثبتوا ذواتاً ثلاثةً قديمةً مستقلَّةً ؛ وذلك لأنهم جوَّزوا في أُقنُوم الكلمة أن يحلّ في عيسى، والأُقْنُومُ عندهم عبارةٌ عن حقيقة الشَّيءِ، وجوَّزوا في أُقْنُومِ الحَيَاةِ أن يحلّ في مريم، ولولا أنَّ هذه الأشياء المسمَّاة عندهم بالأقانيم ذوات قامة بأنفسها ؛ لمّا جوَّزوا عليه الانتقال من ذوات إلى ذاتٍ، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنَّفْس قديمة أزليَّة، وهذا شركٌ. وإذا ثبت دخولهم تحت اسم الشِّرك، فاليهود كذلك إذ لا قائل بالفرق. 
ورابعها : أنّه عليه الصَّلاة والسَّلام أمَّر أميراً، وقال :" إذا لقيت عدوّاً مِنَ المُشْرِكِينَ ؛ فَادْعُهُم إلى الإِسْلاَمِ، فإنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُم وَكُفَّ عَنْهُم، وَإِنْ أَبوا، فادْعُهُم إِلى الجِزْيَةِ، وَعَقْدِ الذِّمَّةِ " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وخامسها : قال أبو بكر الأصمُّ[(١١)](#foonote-١١) : كلُّ من جحد الرِّسالة، والمعجزة، فهو مشركٌ ؛ لأن تلك المعجزات إنَّما ظهرت عن الله تعالى، وكانوا يضيفونها إلى الجنِّ والشَّياطين، ويقولون : إنَّها سحرٌ، فقد أثبتوا لله شريكاً في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر. 
وقال أبو الحسن بن فارس : هم المشركون ؛ لأنَّهم يقولون : القرآن كلام غير الله، فقد أشركوا مع الله غير الله. 
فإن قيل : إنَّه تعالى فصل بين القسمين، وعطف أحدهما على الآخر في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ  \[ البقرة : ٦٢ \] وقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ  \[ الحج : ١٧ \] وقال : مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ  \[ البقرة : ١٠٥ \] وذلك يوجب التَّغاير. 
والجواب أنَّ هذا كقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  \[ الأحزاب : ٧ \] وكقوله تعالى : مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  \[ البقرة : ٩٨ \] فإن قالوا : إنَّما خصَّ بالذِّكر تنبيهاً على كمال الدَّرجة في ذلك الوصف. 
قلنا : وها هنا أيضاً كذلك إنَّما خصَّ عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الاسم تنبيهاً على كمال درجتهم في الكفر. 
### فصل في سبب النزول


سبب نزول هذه الآية : أنَّ أبا مرثد بن أبي مرثد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى " مَكَّة "، ليخرج منها ناساً من المسلمين سرّاً فلما قدمها سمعت به امرأة مشركةٌ يقال لها :" عنَاق " ؛ وكانت خليلته في الجاهليَّة فأتته وقالت : يا أبا مرثد ألا تخلو ؟ فقال لها : ويحك يا عَنَاق إنَّ الإسلام قد حال بَيْنَنَا وبَيْنَ ذلك. قالت : هل لك أن تتزوَّج بي ؟ قال : نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره. فقالت : أبي تتبرم ؟ ثم استغاثت ؛ فضربوه ضرباً شديداً، ثمَّ خلَّوا سبيله، فلمَّا قضى حاجته بمكَّة، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الذي كان من أمره، وأمر عناق، وقال : يا رسول الله ؛ أيحلُّ لي أن أتزوَّجها ؛ فأنزل الله تعالى : وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [(١٢)](#foonote-١٢) \[ البقرة : ٢٢١ \]. 
### فصل في الآية هل هي ابتداء حكم أو تقرير سابق


واختلف المفسِّرون[(١٣)](#foonote-١٣) في هذه الآية : هل هي ابتداء حكم وشرع، أو هو متعلّقٌ بما تقدَّم ؛ فالأكثرون على أنَّه ابتداء شرع في بيان ما يحلُّ، ويحرم. 
وقال أبو مسلم : بل هو متعلِّق بقصَّة اليتامى، فإنَّ الله تعالى لما قال : وإنْ تُخَالِطُوهم فَإِخْوَانُكُمْ  وأراد مخالطة النِّكاح عطف عليه بما يبعث على الرَّغبة في اليتامى، وأنَّ ذلك أولى ممَّا كانوا يتعاطونه من الرَّغبة في المشركات، وبيَّن أنَّ أمةً مؤمنةً خيرٌ من مشركة، فإنها بلغت النِّهاية فيما يُفْضي إلى الرَّغبة فيها ليدلَّ بذلك على ما يبعث على التَّزوُّج بالتيامى، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعيةً لما أمر به من النَّظر في صلاحهم وصلاح أموالهم. وعلى الوجهين، فحكم الآية لا يختلف. 
### فصل في بيان جواز نكاح الكتابيَّة


الأكثرون من الأُمَّة قالوا : يجوز للرَّجل أن يتزوَّج بالكتابيَّة. وقال ابن عمر، ومحمَّد بن الحنفيَّة، والهادي - وهو أحد أئمَّة الزَّيديَّة - إنَّ ذلك حرامٌ، واستدلَّ الجمهور بقوله تعالى في سورة المائدة : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ  \[ المائدة : ٥ \] وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء أصلاً. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من آمن منهنّ بعد الكفر، ومن كان على الإيمان من أول الأمر ؟
قلنا : قوله : مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ  \[ آل عمران : ١٨٦ \] يفيد حصول هذا الوصف في حال الإباحة، ويدلُّ على ذلك فعلُ الصحابة، فإنهم كانوا يتزوَّجون الكتابيَّات، ولم يظهر من أحد منهم إنكار ذلك وكان إِجماعاً على الجواز ١ - انظر: الشواذ ١٣، والمحرر الوجيز ١/٢٩٦، والبحر المحيط ٢/ ١٧٣، والدر المصون ١/٥٤٠. والتخريجات النحوية ٢٣٠..
٢ - ينظر ديوانه (١٣٧)، اللسان (نكح)، الدر المصون ١/ ٥٤٠..
٣ - ينظر البحر ٢/١٦٥، الدر المصون ١/٥٤٠..
٤ - أخرجه بهذا اللفظ ابن عساكر (١/٤٠٢) والخطيب (٢/ ٢٢٤) وأخرجه بلفظ لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل:
 أبو داود (٢٠٨٥) والترمذي (١/٢٠٣-٢٠٤) والدارمي (٢/١٣٧) والطحاوي (٢/٥) وابن أبي شيبة (٤/١٣٠) وابن الجارود (٧٠٢) وابن حبان (١٢٤٣) والدارقطني (٣/٢١٩) والحاكم (٢/١٧٠) والبيهقي (٧/١٠٧) وأحمد (٤/٣٩٤، ٤١٣) عن أبي موسى.
 وأخرجه ابن ماجه (١٨٨٠) والبيهقي (٧/١٠٩-١١٠) وأحمد ١/٢٥٠، عن ابن عباس.
 وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن جابر كما في "المجمع" (٤/ ٢٨٦) وقال الهيثمي: وفيه عمرو بن عثمان الرقي وهو متروك وقد وثقه ابن حبان..
٥ - أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" ص(٣١٨) وأبو نعيم في "أعلام النبوة" (١/١١) والعدني في "مسنده" كما في "الدر المنثور" (٢/ ٢٩٤) والطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" (٨/ ٢١٤) عن علي بن أبي طالب وقال الهيثمي: وفيه محمد بن جعفر بن محمد بن علي صحح له الحاكم في المستدرك وقد تكلم فيه وبقيه رجاله ثقات.
 وأخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٦) والبيهقي (٧/١٩) وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" (٢/ ٢٩٤) عن محمد الباقر وأخرجه ابن سعد (١/٣٢) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
 قال الذهبي في تاريخ الإسلام (١/٢٩): هذا حديث ضعيف فيه متروكان الواقدي وأبو بكر بن أبي سبرة.
 وأخرجه البيهقي (٧/١٩٠) والطبراني في "الكبير" كما في "المجمع" (٨/٢١٥) من طريق المديني عن أبي الحويرث عن ابن عباس.
 قال الهيثمي: ولم أعرف المديني ولا شيخه وبقية رجاله وثقوا وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/٣٢) عن عائشة بلفظ خرجت من نكاح غير سفاح..
٦ - ينظر: المفردات للراغب ٥٢٦..
٧ - أخرجه البخاري (٧/٧٦) كتاب الطلاق باب من أجاز طلاق الثلاث (٥٢٦٠) و(٧/١٠٠) كتاب الطلاق باب إذا طلقها ثلاثا... رقم (٥٣١٧) و(٨/٤٢) رقم (٦٠٨٤) ومسلم (٤/١٥٤-١٥٥) والنسائي (٢/٨٠) والترمذي (١/٢٠٨-٢٠٩) والدارمي (٢/ ١٦١-١٦٢) وابن ماجه (١٩٣٢) وابن الجارود (٦٨٣) والبيهقي (٧/٣٧٣، ٣٧٤) والطيالسي (١٤٣٧ و١٤٣٨) وأحمد (٦/٣٤، ٣٧) من طريق عروة عن عائشة.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
٨ - ذكره بهذا اللفظ القاري في "الأسرار المرفوعة" رقم (١٠٢٢) وقال: قال الرهاوي في حاشيته: لا أصل له وتبعه العجلوني في كشف الخفاء (٢/٤٤٩).
 وأورده الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٣/١٨٨) وعزاه لأبي الفتح الأزدي في "الضعفاء" عن الحسن بن عرفة في جزئه المشهور..
٩ - البيت للمتنبي ينظر شرح ديوانه للمعري ١/٦٧، الرازي٦/٤٨..
١٠ - أخرجه مسلم (٣/١٣٥٧) كتاب الجهاد: باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث حديث (٣/ ١٧٣١) وأبو داود (٣/ ٣٧) كتاب الجهاد: باب في دعاء المشركين (٢٦١٢) والشافعي في "المسند" (٢/١١٤-١١٥) والبيهقي (٩/١٥) والبغوي في "شرح السنة" (٥/٥٤٥) من حديث بريدة بلفظ: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم...
 ولفظ الشافي في "المسند" إذا لقيت عدوا من المشركين... إلى آخره..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ٤٩..
١٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٥٨) وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر عن مقاتل بن حيان..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٤٧..

### الآية 2:222

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [2:222]

" المحيض " فعل من الحيضِ، ويُرادُ به المصدرُ، والزمانُ، والمكانُ، تقولُ : حاضِت المرأَةُ تحيضُ، حَيضاً ومَحِيضاً، ومَحاضاً، فَبَنَوْه على مِفْعلٍ ومَفْعَل بالكَسرِ والفتحِ. 
واعلم أنَّ في المَفْعَل مِنْ يَفْعِل بكسر العينِ ثلاثة مذاهب :
أحدها : أَنَّهُ كالصَّحيح، فتُفْتَحُ عينهُ مراداً به المصدرُ، وتُكسَرُ مراداً به الزَّمانُ والمكانُ. 
والثَّاني : أَنْ يُتَخَيَّر بين الفتح والكسر في المصدرِ خاصَّةً، كما جاء هنا : المَحيضُ والمحَاضُ، ووجهُ هذا القول : أنَّهُ كثُر هذان الوجهان : أعني، الكسر، والفتح فاقْتَاسا. 
والثالث : أَنْ يُقْتَصَرَ على السَّماعِ، فيما سُمِع فيه الكَسرُ، أو الفتحُ، لا يَتَعَدَّى. فالمحيضُ المُرادُ به المَصْدَرُ ليس بمقيسِ على المذهبين الأول والثالث، مقيسٌ على الثاني. ويقال : امرأَةٌ حائِضٌ ولا يقال :" حائِضَةٌ " إلا قليلاً، أنشد الفرَّاء :\[ الطويل \]
. . . \*\*\* كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْر طَاهِرِ[(١)](#foonote-١)
وَالمَعْرُوفُ أَنَّ النَّحويين فَرَّقوا بين حائضٍ، وحائضةٍ : فالمُجرَّدُ من تاء التَّأنيث بمعنى النَّسَب، أي : ذاتُ حيضٍ، وإِنْ لم يكن عليها حَيْضٌ، والملتبسُ بالتَّاءِ لِمَنْ عليها الحَيْضُ في الحال، فيُحتمل أن يكونَ مرادُ الشاعر ذلك، وهكذا كُلُّ صفةٍ مختصةٍ بالمُؤَنّثِ نحو : طَامِث ومُرْضِع وشبههما. 
قال القرطبيُّ : ويقال : نساءٌ حيض، وحوائض، والحَيضةُ : المرأَةُ الواحدة. والحِيضةُ بالكَسْر، الاسم والجمع الحيض، والحيضة أيضاً : الخرقةُ التي تَسْتَثْفِرُ بها المَرْأَةُ، قالت عَائِشَةُ : لَيْتَنِي كُنُتُ حِيْضَةٌ مُلْقَاةً " وكذلك المَحِيضَةُ، والجمع : المَحائص. 
وأصلُ الحَيض السَّيَلانُ، والانفجِارُ، يُقالُ : حَاضَ السَّيلُ وَفَاضَ، قال الفَرَّاءُ :" حَاضَتِ الشَّجَرَةُ، أي : سال صَمْغُها "، قال الأَزهرِيُّ :" وَمِنْ هَذَا قيل لِلْحَوضِ : حَيْضٌ ؛ لأَنَّ المَاءَ يسيلُ إليه " والعربُ تُدْخِلُ الواو على اليَاءِ، وَالياءَ على الواوِ ؛ لأَنَّهُما من حَيِّز واحدٍ، وهو الهواءُ. 
ويقالُ : حاضت المرأةُ وتحيَّضَتْ، ودَرَسَتْ، وعَرَكت، وطَمِثت فهي حائضٌ، ودارِسٌ، وعارِكٌ، وَطَامِثٌ، وطَامِسٌ، وكَابِرٌ، وَضَاحِكٌ. قال تعالى : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ  \[ يوسف : ٣١ \] أي : حضن، وقال تعالى : فَضَحِكَتْ  \[ هود : ٧١ \]. 
قال مجاهد[(٢)](#foonote-٢) : أي : حاضَتْ ونافس أيضاً، والظَّاهر أن المحيض مصدرٌ كالحيضِ، ومثله :" المَقِيلُ " مِنْ قال يقِيلُ ؛ قال الرَّاعِي :\[ الكامل \]
بُنِيَتْ مَرَافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ \*\*\* لاَ يَسْتَطِيعُ بِهَا القُرَادُ مَقِيلاَ[(٣)](#foonote-٣)
وكذلك قال الطَّبريُّ :" إِنَّ المَحِيضَ اسْم كالمَعِيشِ : اسمُ العَيْشِ " ؛ وأنشد لرؤية :\[ الرجز \]
إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ \*\*\* وَمَرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي[(٤)](#foonote-٤)
وقيل : المَحيضُ في الآية المُرادُ به : اسمُ موضعِ الدَّم، وعلى هذا فهو مقيسٌ اتِّفاقاً، ويؤيِّد الأَوَّل قوله : قُلْ هُوَ أَذًى . وقد يُجَابُ عنه بأنَّ ثَمَّ حذف مضافٍ، أي : هو ذُو أَذى، ويؤيِّدُ الثَّاني قوله : فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ . ومن حَمَلَه على المَصْدَرِ قَدَّر هنا حَذْفَ مُضَافٍ، أي : فاعْتَزِلُوا وَطْءَ النِّسَاءِ في زَمَانِ الحَيْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَحِيضُ الأَوَّلُ مَصْدَراً والثَّاني مكاناً. 
حكى الواحديُّ في " البَسيط " [(٥)](#foonote-٥) عن ابن السَّكِّيت : إذا كان الفعلُ من ذوات الثلاثة نحو : كَالَ يكيلُ، وحاضَ يحيض وأشباهه، فإِنَّ الاسم منه مكسور والمصدر مفتوح، مِنْ ذلك مالَ ممالاً، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً، أو كسرهما جميعاً في المصدرِ والاسمِ لجازَ، تقول : المَعَاشُ، والمَعِيشُ، والمَغَابُ، والمَغِيبُ، والمَسَارُ والمَسِيرُ فثبت أَنَّ لفظ المحيض حقيقةٌ في موضع الحيض، وأيضاً هو اسمٌ لنفس الحيضِ. 
قال ابن الخطيب[(٦)](#foonote-٦) : وعندي أَنَّهُ ليس كذلك ؛ إذ لو كان المُرادُ بالمحيض هنا الحيض، لكان قوله تعالى  فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ  معناه : فاعتزلوا النِّساء في الحيض، ويكونُ المُرادُ : فاعتزلوا النساء في زمن الحيض، يكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بهنَّ فيما فوق السُّرَّة، ودون الرّكبة، ولما كان هذا المنعُ غير ثابت لزم القول بتطرُّق النَّسخ، والتَّخصيص إلى الآية، وهو خلاف الأصل، أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض ؛ كان معنى الآية : فاعتزلوا النِّسَاءَ في موضع الحيض من النِّسَاء، وعلى هذا التَّقدير لا يتطرَّقُ إلى الآية نسخٌ، ولا تخصِيصٌ. 
ومن المعلوم أَنَّ اللَّفْظ إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإِنَّ حمل اللَّفظ على المعنى الَّذِي لا يُوجِبُ المحذورَ، أولى إذا سلَّمنا أَنَّ لفظ المحيض مشتركٌ بين الموضع، وبين المصَدرِ. 
فإن قيل : الدَّليلُ على أَنَّ المُراد من المحيض الحيضُ قوله : قُلْ هُوَ أَذًى ، ولو كانَ المُرَادُ الموضع لما صَحَّ هذا الوَصْفُ. 
قلنا : بتقدير أَنْ يكون المحيض عبارة عن الحَيض، فالحيض نفسُهُ ليس بِأَذى لأن " الحَيْضَ " عبارةٌ عن الدَّمِ المخصوص، و " الأَذَى " كيفيَّةٌ مخصوصَةٌ وهو عرض، والجسم لا يكُونُ نفس العرض فَلا بُدَّ أَنْ يقُولُوا : المرادُ منه أَنَّ الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجُوزُ لنا أيضاً أن نقول : إِنَّ المراد منه أنَّ ذلك المَوْضع ذو أذًى، وأيضاً لم لا يجوزُ أَنْ يكون المراد بالمحيض الأَوَّل الحيض، وبالمحيض الثَّاني موضع الحيضِ كَمَا تقدَّمَ وعلى هذا فيزولُ الإِشكالُ.

### فصل في بيان مغالاة اليهود وغيرهم في أمر الحيض


عن أنس بن مالك أَنَّ اليهُود، والمَجُوس كانُوا يبالغون في التَّباعد عن المرأَةِ حال حيضها، والنَّصارَى كانوا يجامعوهنّ ولا يبالون بالحيض، وأَنَّ أَهْلَ الجاهِليَّةِ كانُوا يقولُونَ مثل قولِ اليَهُودِ، والمَجُوسِ، وكانوا إذا حَاضَتِ المرأَةُ ؛ لم يُؤَاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجَالِسُوها على فراشٍ، ولم يساكنوها في بيتٍ كفعل اليهود والمجوس، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأخذ المُسْلِمُون بظاهر الآية، فأخرجوهنّ من بيوتهن، فقال ناسٌ من الأَعْراب : يا رسُول اللهِ البردُ شديدٌ، والثِّيابُ قَلِيلةٌ، فإِنْ آثرناهن بالثِّيابِ، هلك سائِرُ أهل البيت، وإن اسْتَأْثَرْنَاهَا هلكت الحيض، فقال عليه الصّلاة والسّلام :" إِنَّمَا أَمَرْتُكُم أَنْ تَعْتَزِلُوا مُجَامَعَتهنَّ إِذَا حِضْن ولَمْ آمُرُكُم بإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ كَفِعْلِ الأَعاجِمِ " فلمَّا سمع اليهُودُ ذلك قالوا : هذا الرَّجُلُ يُرِيدُ أَلاَّ يدع شيئاً من أمرنا، إلاَّ خالفنا فيه. فَجاء أُسيِّد بن حُضيرٍ وعباد بن بشر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسُول اللهِ إِنَّ اليهُود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهنّ في المحيض، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى ظننا أَنَّه غضب عليهما، فخرجا ؛ فَجَاءَتْهُ هديَّةٌ مِنْ لَبَنِ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما[(٧)](#foonote-٧). 
### فصل في مجيء " يسألونك " بحرف الواو


وجاء :" وَيَسْأَلُونَكَ " ثلاثَ مرَّاتٍ بحرفِ العطفِ بعد قوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ  وهي : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ،  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى   وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ  وجاء " يَسْأَلُونَكَ " أربع مراتٍ من غيرِ عطفٍ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ   يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ   يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ   يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ . فما الفرقُ ؟
والجوابُ : أَنَّ السُّؤالات الأَواخر وقعَتْ في وقتٍ واحدٍ، فجُمِع بينها بحرفِ الجمعِ، وهو الواوُ، أَمَّا السّؤالاتُ الأُوَلُ فوقعَتْ في أوقاتٍ متفرقةٍ، فلذلك استؤْنِفَتْ كلُّ جملةٍ، وجيء بها وحدها. 
**وقوله :" هو أَذًى " فيه وجهان :**
أحدهما : قاله أبو البقاء :" أَنْ يكُونَ ضمير الوطءِ الممنوع " وكأنه يقول : إِنَّ السِّياق يدلُّ عليه، وإِنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ. 
الثَّاني : أَنْ يعود على المحيض، قال أبو البقاء :" ويكون التَّقدير : هو سببُ أَذًى " وفيه نظرٌ ؛ فإنَّهم فَسَّروا الأَذَى هنا بالشَّيء القَذِر، فإذا أَرَدْنا بالمَحِيضِ نَفْسَ الدَّمِ، كان شيئاً مُسْتَقْذَراً، فلا حاجة إلى تقديرِ حَذْفِ مضافٍ. 
### فصل في المراد من " الأذى " 


قال عطاءٌ، وقتادةٌ، والسُّدِّيُّ : هو أَذًى، أي : قذر[(٨)](#foonote-٨) واعلم أَنَّ الأَذَى في اللُّغة ما يكره مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ويحتمل أن يَكُونَ قوله :" هُوَ أَذًى "، أي : سببُ الأَذَى قالوا : لأَنَّ من جَامَعَ في الحَيْض، قد يحصُلُ له في ذكره وأنثييه تفتيح وقروح. 
وقوله : فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ . 
الاعتزالُ : التَّنَحِّي عن الشَّيْءِ، وأَرَاد به هاهنا : تَرْكَ الوَطءِ، وقدَّم ذكر العِلَّة، وهي الأذى، ثم رَتَّبَ الحُكْم، وهو وجوب الاعتزال. فإن قيل : المرادُ ب " الأذى " هو الدَّمُ، وهو حاصِلٌ في وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة وقت الاستحاضة، غير واجب، فانتقضت هذه العِلَّةُ. 
والجواب : أَنَّ دم الحيض دَمٌ فاسِدٌ يتولّد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرَّحم، ولو احْتَبَسَتْ تلك الفضلةُ لمرضت المرأةُ، فذلك الدَّمُ جارٍ مجرى البَوْلِ، والغائط، فكان أَذًى وقذراً، وأَمَّا دمُ الاستحاضة، فليس كذلك، بل هو دَمٌ صالحٌ يسير من عروق تنفجر من عمق الرَّحِمِ، فلا يكونُ أذى، قال عليه الصَّلاة والسَّلام لما سئل عن الاستحاضة فقال :" إِنَّ ذَلكَ دَمُ عِرْق، ولَيْسَ بِالحَيْضَةِ " [(٩)](#foonote-٩). 
قال ابن الخطيب[(١٠)](#foonote-١٠) : وهذا جوابٌ طبّيٌّ مُخَلِّصٌ ظاهر القرآن مِنَ الطَّعن. 
### فصل في بيان صفات دم الحيض


اعلم أَنَّ الحيضِ موصوفٌ بصفاتٍ حقيقيةٍ، ويتفرَّعُ عليه أحكام شرعيّة فالصِّفاتُ نوعان :
الأول : المنبعُ ؛ فدم الحيض يخرجُ من الرَّحم، قال تعالى : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ  \[ البقرة : ٢٢٨ \] قيل في تفسيره إنَّ المراد منه الحيض والحمل، وأَمَّا دم الاستحاضة، فإِنَّهُ لا يخرجُ من الرَّحم، لكن من عروق تنقطع من فم الرَّحم، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في صفة دم الاستحاضة :" إِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ " [(١١)](#foonote-١١)، وهذا يؤيّدُ ما تقدَّمَ في الجواب. 
النوع الثاني : من صفات دم الحيضِ التي وصفه بها رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وهي ١ - عجز بيت وصدره
 رأيت ختون العام والعام قبله
 ينظر المذكر والمؤنث للفراء (١٥٩)، المفصل لابن يعيش (٥/١٠٠)، الدر المصون ١/٥٤٣، واللسان (حيض)، و(ختن)..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٥٥..
٣ - ينظر ديوانه ص ٢٤١، والحيوان ٥/ ٤٣٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٣٢، وشرح اختيارات المفضل ص ٢٥٠، ٩٨٣، والكتاب ٤/٨٩، ولسان العرب (حبس) (زلل)، والدر المصون ١/٥٤٣..
٤ - ينظر ديوانه ٨٧، القرطبي ٣/٨١، الدر المصون ١/٥٤٣..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٤-٥٥..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٥..
٧ - أخرجه مسلم كتاب الحيض (٣٠٢) باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها والترمذي (٢٩٨١) وأبو داود (٢٥٨) والنسائي (٢٨٩) وابن ماجه (٦٤٤) وأحمد (٣/١٣٢-١٣٣) والطيالسي (١٩٣٣) والبغوي في "شرح السنة" (٣١٤) وأبو عوانة (١/٣١١) والبيهقي (١/٣١٣) وابن حبان (١٣٥٢) وأبو يعلى (٦/ ٢٣٨-٢٣٩) رقم (٣٥٣٣).
 والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٦١) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٧٤) عن قتادة والسدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٦٣) عن قتادة وزاد نسبته لعبد الرزاق..
٩ - أخرجه البخاري (١/١٤٦) كتاب الحيض باب: إذا حاضت في شهر... الخ رقم (٣٢٥) والنسائي (١/٨٢) كتاب الحيض باب ٢ وأحمد (٦/٤٢٠) والبيهقي (١/١٧٠، ٣٢١، ٣٢٤، ٣٤٤، ٣٤٦، ٤٣٩). وانظر فتح الباري (١/٤٢٥)..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥٥..
١١ - أخرجه الترمذي (٢١٧-٢١٨) كتاب الطهارة باب في المستحاضة رقم (١٢٥).
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..

### الآية 2:223

> ﻿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [2:223]

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ  : مبتدأٌ وخبرٌ، ولا بدَّ من تأويلٍ، ليصحَّ الإخبار عن الجثة بالمصدر، فقيل : على المبالغة، جُعلوا نفس الفعل، وقيل : أراد بالمصدر، اسم المفعول، وقيل : على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي : وطء نسائكم حرثٌ، أي : كحَرْثٍ، وقيل : من الثاني، أي : نساؤُكُم ذواتُ حَرْثٍ، و " لَكُمْ " في موضع رفعٍ ؛ لأنه صفةٌ ل " حَرْث "، فيتعلَّق بمحذوفٍ، وإنما أفرد الخبر، والمبتدأ جمعٌ ؛ لأنه مصدرٌ والأفصح فيه الإفراد. 
قوله : أَنَّى شِئْتُمْ ، ظرف مكانٍ، ويستعمل شرطاً واستفهاماً بمعنى " مَتَى "، فيكون ظرف زمانٍ، ويكون بمعنى " كَيْفَ "، وبمعنى " مِنْ أَيْنَ "، وقد فسِّرت الآية الكريمة بكلٍّ من هذه الوجوهِ، وقال النحويون :" أَنَّى " لتعميم الأحوال، وقال بعضهم : إنما تجيءُ سؤالاً وإخباراً عن أمْرٍ له جهاتٌ، فَهِيَ على هذا أعمُّ مِنْ " كَيْفَ "، ومِنْ " أَيْنَ "، ومِنْ " مَتَى "، وقالوا : إذا كانت شرطيةً، فهي ظرف مكانٍ فقط، واعمل أنها مبنيةٌ ؛ لتضمُّنها : إمَّا معنى حرف الشرط، والاستفهام، وهي لازمة النصبِ على الظرفية، والعامل فيها هنا قالوا : الفعل قبلها وهو :" فَأْتُوا " قال أبو حيان : وهذا لا يصحُّ ؛ لأنَّها إمَّا شرطية أو استفهاميةٌ، لا جائزٌ أن تكون شرطيةً ؛ لوجهين :
أحدهما : من جهة المعنى، وهو أنَّها إذا كانت شرطاً، كانت ظرف مكانٍ، كما تقدَّم ؛ وحينئذٍ : يقتضي الكلام الإباحة في غير القبل، وقد ثبت تحريم ذلك. 
والثاني : من جهة الصناعة، وهو أنَّ اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله ؛ لأنَّ له صدر الكلام، بل يعمل فيه فعل الشرط ؛ كما أنه عاملٌ في فعل الشرط الجزم، ولا جائزٌ أن تكون استفهاماً ؛ لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ؛ لأنَّ له صدر الكلام، ولأنَّ " أَنَّى " إذا كانت استفهاميةً، اكتفت بما بعدها من فعلٍ واسم، نحو : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ  \[ الأنعام : ١٠١ \]  أَنَّى لَكِ هَذَا  \[ آل عمران : ٢٧ \] وهذه في هذه الآية مفتقرة لما قبلها كما ترى، وهذا موضع مشكل يحتاج إلى تأملٍ ونظر. 
ثم الذي يظهر : أنها هنا شرطيةٌ، ويكون قد حذف جوابها ؛ لدلالة ما قبله عليه، تقديره : أنَّى شئتم، فأتوه، ويكون قد جعلت الأحوال فيها جَعْلَ الظروف، وأُجريت مجراها، تشبيهاً للحال بظرف المكان ؛ ولذلك تقدَّر ب " في "، كما أُجريت " كَيْفَ " الاستفهامية مجرى الشرط في قوله : يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ  \[ المائدة : ٦٤ \] وقالوا : كيف تصنع أصنع، فالمعنى هنا ليس استفهاماً بل شرطاً ؛ فيكون ثمَّ حذفٌ في قوله :" يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ "، أي : كيف يشاء يُنْفِق، وهكذا كل موضعٍ يشبهه، وسيأتي له مزيد بيانٍ، فإن قلت : قد أخرجت " أنَّى " عن الظرفية الحقيقية، وجعلتها لتعميم الأحوال مثل " كَيْفَ " وقلت : إنها مقتضيةٌ لجملةٍ أخرى كالشرط، فهل الفعل بعدها في محلِّ جزمٍ، اعتباراً بكونها شرطيةً، أو في محلِّ رفع، كما تكون كذلك بعد " كَيْفَ " التي تستعمل شرطية ؟ قلت : تحتمل الأمرين، والأرجح الأول ؛ لثبوت عمل الجزم ؛ لأنَّ غاية ما في الباب تشبيه الأحوال بالظروف، للعلاقة المذكورة، وهو تقدير " في " في كلٍّ منهما. ولم يجزم ب " كَيْفَ " إلا بعضهم قياساً لا سماعاً، ومعفول " شِئْتُمْ " محذوفٌ، أي : شِئْتُمْ إتيانه بعد أن يكون في المحلِّ المباح. 
### فصل في بيان سبب النزول


 " روى ابن عبَّاسٍ في سبب النزول ؛ قال : جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يا رسول الله، هلكت. قال : وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ ؟ قال : حَوَّلْتُ رَحْلِي البَارِحَةَ، فلم يَرُدَّ عليه شيئاً، فَأُوحي إليه : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، يقول : أقبل، وأدبر، واتَّقِ الحَيْضَة والدُّبُرَ " [(١)](#foonote-١). 
وروى جابر بن عبد الله ؛ قال : كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها : إن الولد يكون أحولاً، فنزلت هذه الآية[(٢)](#foonote-٢). 
وروى مجاهد عن ابن عبَّاسٍ ؛ قال : كان من شأن أهل الكتاب ألاَّ يأتوا النِّساء إلاَّ على حرفٍ، وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحيُّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيُّ من قريشٍ يتلذَّذُون منهنَّ مقبلات، ومدبراتٍ، ومستلقياتٍ، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوَّج رَجُلٌ منهم امرأَةً من الأنصار، وذهب يصنعُ لها ذلك فَأَنْكَرَت ذلك عليه، وقالت : إنما كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ، فَإن شِئْتَ فَاصْنَع ذَلِك وإلا فاجْتَنِبْنِي، حتى سَرَى أَمْرهَا إلى رَسُولِ الله صلى الله عيه وسلم، فَأنزلَ الله عزَّ وجلَّ : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ  يعني : موضع الولد،  فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  مُقْبِلاتٍ، ومُدْبِرَاتٍ ومُستلقياتٍ[(٣)](#foonote-٣). 
### فصل


قال عكرمة والحسن :" أَنَّى شِئْتُمْ " إنما هو الفَرْجُ[(٤)](#foonote-٤). 
وقوله :" حَرْثٌ لَكُم " أي : مَزْرَعٌ لكم، ومنبتٌ للولد بمنزلة الأرض، وهذا دليلٌ على تحريم الأدبار ؛ لأن محلَّ الحرث والزَّرع هو القبل لا الدُّبر ؛ وأنشد ثعلبٌ :\[ الرمل \]إِنَّمَا الأَرْحَامَ أَرْضُو  نَ لَنَا مُحْتَرَثَاتُفَعَلَيْنَا الزَّرْعُ فِيهَا  وَعَلَى اللهِ النَّبَاتُ[(٥)](#foonote-٥)وقال سعيد بن المسيَّب : هذا في العزل، يعني : إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا[(٦)](#foonote-٦)، سئل ابن عبَّاس عن العزل ؛ فقال : حرثُكَ، فإن شئتَ فعطِّش، وإن شئت فَارْوِ[(٧)](#foonote-٧). 
ورُوي عنه ؛ أنَّه قال : تُسْتَأْمَر الحرَّة في العزل، ولا تُسْتَأْمَرُ الجارية[(٨)](#foonote-٨)، وكره جماعة العزل، وقالوا : هو الوَأْدُ الخفيّ. 
وروى مالك عن نافع ؛ قال : كُنْتُ أَمْسِكُ على ابن عمر المُصْحَفَ، فقرأْتُ هذه الآية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ  فقال : تدْري فيما نزلت ؛ في رجلٍ أتى امْرَأَتَهُ في دبرها، فشقَّ ذلك عليه، فنزلت هذه الآية[(٩)](#foonote-٩). ويُحكَى عن مالكٍ إباحة ذلك، وأنكر ذلك أصحابه[(١٠)](#foonote-١٠). 
وروي عن عبد الله بن الحسن ؛ أنه لقي سالم بن عبد الله، فقال له : يا أبا عمر ؛ ما حُدِّثتُ بحديث نافع عن عبد الله ؛ أنه لم يكن يرى بأساً بإتيان النِّساء في أدبارهنَّ، قال : كذب العبدُ وأخْطَأَ، إنما قال عبد الله : يُؤْتُونَ في فُرُوجِهِنَّ من أَدْبَارِهِنَّ[(١١)](#foonote-١١)، والدَّليل على تحريمِ الأدبارِ : ما روى خُزيمة بن ثابتٍ ؛ " أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إِتيان النِّساء في أَدْبَارِهِنَّ، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام :" حَلاَلٌ " فلما ولَّى الرَّجل دعاه، فقال :" كَيْفَ قُلْتَ في أَيِّ الخَرْبتين أَوْ فِي الخَرزَتَين أوْ فِي أيِّ الخَصْفَتَين، أَمِنْ قُبُلِهَا في قُبُلِهَا ؟ فَنَعَمْ، أمْ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا ؛ فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِها فِي دُبُرِهَا، فَلاَ، فإنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحيِي مِنَ الحَقِّ، لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنَّ " [(١٢)](#foonote-١٢). 
وأراد بخربتها مسلكها، وأصل الخربة : عروة المزادة. شبِّه بالثّقب بها، والخرزة هي : الثقبة التي يثقبها الخرَّاز وكنَّى به عن المأْتى، وكذلك الخصفة من قولهم : خصفت الجلد إذا خرزته. 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً في دُبُرِهَا " [(١٣)](#foonote-١٣) وقال تعالى في آيةِ المحيض : قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ  \[ البقرة : ٢٢٢ \] جعل الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى، ولا معنى للأذى إلاَّ ما يتأذَّى الإنسان مه بنتن ريحِ الدَّم، وهذه العلَّة هنا أظهر ؛ فوجب القول بتحريمه. 
وروي عن أبي هريرة، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ قال :" مَنْ أَتَى امْرَأَةً في دُبُرِهَا لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْه يَوْمَ القِيَامَةِ " [(١٤)](#foonote-١٤). 
وروى أبو داود الطَّيالسي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" تِلْكَ اللوطِيَّةُ الصُّغْرَى بإِتْيَانِ المَرْأَةِ في دُبُرِهَا " [(١٥)](#foonote-١٥). 
وعن طاوس ؛ قال : إنه كَانَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ إِتْيَانُ النِّسَاء في أَدْبَارِها. واحتج من جوَّزَهُ بوجوه :
الأول : التَّمسُّك بهذه الآية من وجهين :
أحدهما : أنه جعل الحرث اسماً للمرأة لا للموضع المعيَّن، فلمَّا قال بعده : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  كان المراد : فأتوا نساءكم أنى شئتم، فيكون إطلاقاً في إتيانهن على جميع الوجوه. 
وثانيهما : كلمة " أَنَّى " معناها : أين ؛ قال تعالى : أَنَّى لَكِ هَذَا  \[ آل عمران : ٣٧ \]، معناه : من أين لك هذا، فصار تقدير الآية : فأْتُوا حَرْثَكُم أَيْنَ شِئْتُم، وكلمة " أَيْنَ " تدلُّ على تعدُّد الأمكنة ؛ تقول : اجلِس أيْن شِئْتَ، فيكون تخييراً بين الأمكنة. 
وإذا ثبت هذا، فلا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها، أو من دبرها في قُبُلِها ؛ لأنه على هذا التَّقدير، يكون المكان واحداً، والتَّعدُّد إنَّما وقع في طريقِ الإتيان، فاللاَّئق به أن نقول : اذهبوا إليه كيف شئتم، فلمَّا لم يذكر كيف، بل ذكر لفظة " أَنَّى " وهي مشعرةٌ بالتَّخيير بين الأمكنة كما بيَّنَّا، ثبت أنَّ المراد ما ذكرنا. 
الحجة الثانية : تمسَّكوا بعموم قوله تعالى : إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ  \[ المؤمنون : ٦ \]، ترك العمل به في حقِّ الذُّكور بالإجماع، فيبقى فيما عداه على العموم. 
الحجة الثالثة : لو قال للمرأة : دُبُرِكِ عليَّ حَرَامٌ، ونوى الطَّلاق، أنه يكون طلاقاً، فيقتضي كون دبرها حلالاً له. 
والجواب عن الأوَّل : أن " الحَرْثَ " اسمٌ لموضع الحراثة، والمرأة بجميع أجزائها ليست محلاً للحراثة، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة كما تقدَّم، فلما أطلق لفظ " الحَرْثِ " على ذات المرأَة، حملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية الشَّيء باسم جزئِه، وهذه الضَّرورة مفقودةٌ في قوله :" فَأْتُوا حَرْثَكُمْ " فوجب حَمْلُ الحرث هاهنا على موضع الحراثة على التَّعيين ؛ فثبت أن هذه الآية لا دلالة فيها إلاَّ على إتيان النِّساء في محلِّ الحرث، وقد قدَّمنا أن " الحَرْثَ " إنَّما يراد للزَّرع وهو الولد، وذلك لا يكون إلاَّ في المأتى. 
وعن الثَّاني : أنه لما ثبت أن المراد ب " الحَرْثِ " ذلك الموضع المعيَّن لم يمكن حمل " أَنَّى شِئْتُمْ " على التَّخْيير في الأمكنة. 
وأما قوله : إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ  \[ المؤمنون : ٦ \] فإنه عامٌّ، ودلائلنا خاصَّةٌ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العام. 
وقولهم : دُبُرُكِ عَلَيَّ حَرَامٌ، إنما صلح أن يكون كنايةٌ عن الطَّلاق، وإنَّه لَمَحَلُّ الملامسة والمضاجعة، وهو جزؤها، فصار ذلك كقوله : يدك طالقٌ. 
هذا الجواب من حيث التَّفصيل أمّا من حيث الجملة : فقد بينَّا أنَّ قوله :" قُلْ هُوَ أَذًى " يدلُّ على التَّحريم ؛ لوجود العلَّة المقتضية له، فلو جوَّزنا ذلك، لكان جمعاً بي١ - أخرجه أحمد (١/٢٩٧) والترمذي (٢٩٨٤) والنسائي في "عشرة النساء" رقم (٩١) والحاكم (٢/١٩٥) والبيهقي (٧/١٩٨) والطبراني في "الكبير" (١١/٧٧) رقم (١١٠٩٧) وابن حبان (٦/٢٠١) رقم (٤١٩٠) والطبري في "تفسيره" (٤/٤١٢-٤١٣) وأبو يعلى (٥/١٢١) رقم (٢٧٣٦).
 والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٦٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" والضياء المقدسي في "المختارة" عن ابن عباس..
٢ - أخرجه البخاري (٨/ ١٤١، ١٤٣) ومسلم (كتاب النكاح باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها) وابن ماجه (١/٦٢٠) رقم (١٩٢٥) والترمذي (٥/٢٠٠) رقم (٢٩٧٨) وأبو داود (١/٦٥٦) رقم (٢١٦٣) والبيهقي (٧/١٩٤-١٩٥) والطبري في "تفسيره" (٤/٤١٠) عن جابر.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٦٧) وعزاه لوكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد..
٣ - أخرجه أبو داود (٢١٦٤) والحاكم (٢/١٩٥، ٢٧٩) والبيهقي (٧/١٩٥-١٩٦) والطبري في "تفسيره" (٤/٤٠٩).
 وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد نسبته لابن راهويه وابن المنذر والطبراني..
٤ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٧١) عن عكرمة بمعناه وعزاه لابن أبي شيبة والخرائطي في "مساوئ الأخلاق"..
٥ - ينظر: البحر المحيط ٢/١٨٠..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٠٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٧٦) وزاد نسبته لابن أبي شيبة..
٧ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور": (١/٤٧٧) وعزاه لعبد الرزاق عن ابن عباس..
٨ - أخرجه البيهقي (٧/٢٣١) وعبد الرزاق كما في "الدر المنثور" (١/٤٧٧).
٩ - أخرجه الدارقطني ودعلج كلاهما في "غرائب مالك" من طريق أبي مصعب وإسحاق بن محمد الفروي كلاهما عن نافع عن ابن عمر كما في "الدر المنثور" (١/٤٧٥)..
١٠ - وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث؛ لقوله تعالى: فأتوا حرثكم؛ ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل؛ فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم؛ ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض، فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه بشيء بخمسة وثلاثين؛ وأخرج يده عاقدا بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة؛ وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة، فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك؛ فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: نساؤكم حرث لكم؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبث! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل: أنى شئتم شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة؛ كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار؛ ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه "تحريم المحل المكروه". ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه "إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار". قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله؛ وهذا هو اللائق به رضي الله عنه. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه. وروى الدارميّ أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحُبَاب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض بهن؟ قال: وما التَّحْميض؟ فذكرت له الدبر؛ فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! ينظر: تفسير القرطبي ٣/٦٣..
١١ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٩٩..
١٢ - أخرجه ابن ماجه (١٩٢٤) وأحمد (٥/٢١٣) والبيهقي (٧/١٩٧) والنسائي (٢/٧٦) والدارمي (١/٢٦١) وابن حبان (١٢٩٩ و١٣٠٠) وابن الجارود (٧٢٨) والشافعي (١٦١٩) والطحاوي (٢/٢٥). وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/٢٠٠) وقال: رواه ابن ماجه والنسائي بأسانيد أحدها جيد..
١٣ - أخرجه أبو داود (٢١٦٢) وأحمد (٢/٢٧٩) والبغوي في "شرح السنة" (٥/٨٣).
 وذكره الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٣/١٨٠) وانظر كنز العمال (٤٤٨٨٣)..
١٤ - أخرجه ابن ماجه (١/٦١٩) كتاب النكاح باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن (١٩٢٣).
 قال البوصيري في "الزوائد" (٢/٩٧): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وأخرجه الترمذي (٣/٤٦٩) وابن حبان (١٣٠٢- موارد) وابن أبي شيبة (٤/٢٥١-٢٥٢) وأبو يعلى (٤/٢٦٦) رقم (٢٣٧٨) عن ابن عباس وقال الترمذي: حديث حسن غريب..
١٥ - أخرجه أبو داود الطيالسي (١٥٩٣-منحة) والبيهقي (٧/١٩٨) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا.
 وأخرجه البيهقي (٧/١٩٨) وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (١/٤٧٣) عن عبد الله بن عمرو موقوفا. وذكر القرطبي المرفوع في "تفسيره" (٣/٩٥)..

### الآية 2:224

> ﻿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:224]

اللامُ في قوله  لأَيْمَانِكُمْ  تحتملُ وجهين :
أحدهما : أن تكونَ مقويةً لتعديةِ " عُرْضَةً "، تقديره : ولا تجعلوا اللهَ معدَّى ومَرْصَداً لحَلْفِكُمْ. 
والثاني : أن تكونَ للتعيلِ، فتتعلَّقَ بفعلِ النهيِ، أي : لا تَجْعَلُوهُ عُرْضَةً لأجْلِ أَيْمَانِكُمْ. 
قوله : أَن تَبَرُّواْ  فيه ستةُ أوجهٍ :
أحدها : وهو قول الزجاج[(١)](#foonote-١)، والتِّبريزي، وغيرهما : أنها في محلِّ رفع بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ، تقديرُه : أَنْ تَبَرُّوا وتتقُوا وتُصْلِحُوا خَيْرٌ لكُمْ مِنْ أَن تجعلُوه عُرْضَةً لأَيْمانكم، أو بِرُّكُمْ أولى وأمثَلُ، وهذا ضعيفٌ ؛ لأنه يؤدِّي إلى انقطاعِ هذه الجملةِ عمَّا قبلها، والظاهرُ تعلُّقُها به. 
الثاني : أنَّها في محلِّ نصبٍ على أنها مفعولٌ من أجله، وهذا قولُ الجمهورِ، ثم اختلفوا في تقديرِه : فقيل : إرادةَ أنْ تَبَرُّوا وقيلَ : كراهةَ أن تَبَرُّوا، قاله المهدويُّ، وقيل : لِتَرْكِ أَنْ تَبَرُّوا، قاله المبرِّدُ، وقيل : لئَلاَّ تَبَرُّوا، قاله أبو عبيدة والطَّبريُّ ؛ وأنشدا :\[ الطويل \]
. . . فَلاَ واللهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً \*\*\*. . . [(٢)](#foonote-٢)
أي : لا تَهْبِطُ، فحذف " لاَ " ومثلُه : يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ  \[ النساء : ١٧٦ \]، أي : لئلا تضِلُّوا، وتقديرُ الإِرادة هو الوجهُ، وذلك أن التقاديرَ التي ذكرناها بعد تقدير الإِرادة لا يظهرُ معناها ؛ لمَا فيه من تعليل امتناعِ الحَلْفِ بانتفاء البِرِّ، بل وقوع الحَلْفِ مُعَلَّلٌ بانتفاء البِرِّ، ولا ينعقد منهما شرطٌ وجزاءٌ، لو قلتَ في معنى هذا النهي وعلَّتِه، " إِنْ حَلَفْتَ بالله، بَرَرْتَ " لم يصحَّ، بخلافِ تقديرِ الإِرادة ؛ فإنه يُعَلَّل امتناع الحَلْفِ بإرادة وجودِ البِرِّ، وينعقدُ منهما شرطٌ وجزاءٌ تقول : إِنْ حَلَفْتَ، لم تَبَرَّ، وإنْ لم تَحْلِفْ، بَرَرْتَ. 
الثالث : أنَّها على إسقاط حرف الجرِّ، أي : في أَنْ تَبَرُّوا ؛ وحينئذٍ : يَجِيء فيها القولان : قولُ سيبويه والفراء[(٣)](#foonote-٣) فتكون في محلِّ نصبٍ، وقولُ الخليل والكسائيّ، فتكونُ في محلِّ جرٍّ، وقال الزمخشري : ويتعلَّقُ " أَنْ تَبَرُّوا " بالفعل أو بالعُرْضَةِ، أي :" ولا تَجْعَلُوا اللهَ لأَجْلِ أَيْمَانِكُمْ عُرْضَةً لأنْ تَبَرُّوا ". قال أبو حيان : وهذا التقديرُ لا يصحُّ للفصل بين العامل ومعمولهِ بأجنبيٍّ، وذلك أنَّ " لأَيْمَانِكُمْ " عنده متعلقٌ ب " تَجْعَلُوا "، فوقع فاصلاً بين " عُرْضَةً " التي هي العاملُ وبين " أَنْ تَبَرُّوا " الذي هو معموله وهو أجنبيٌّ منهما، ونظيرُ ما أجازه أن تقولَ :" امْرُرْ وَاضْرِبْ بِزَيْدَ هِنْداً "، وهو غيرُ جائزٍ، ونَصُّوا على أنه لا يجوزُ :" جَاءَني رَجُلٌ ذُو فَرَسٍ رَاكِبٌ أَبْلَقَ " أي رجلٌ ذُو فَرَسٍ أَبْلَقَ راكِبٌ لِما فيه من الفصلِ بالأجنبيِّ. 
الرابع : أنها في محلِّ جَرٍّ ؛ عطفَ بيانٍ ل " أَيْمَانِكُمْ "، أي : للأمورِ المَحْلُوفِ عليها التي هي البِرُّ والتقوَى والإِصلاح كما في الحديث. قال أبو حيان :" وهو ضعيفٌ لما فيه من جَعْلِ الأيمانِ بمعنى المَحْلُوفِ عليه "، والظاهرُ أنها هي الأقسام التي يُقْسَمُ بها، ولا حاجةَ إلى تأويلها بما ذُكِرَ من كَوْنها بمعنى المَحْلُوفِ عليه ؛ إذ لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ، وهذا بخلافِ الحديثِ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا " [(٤)](#foonote-٤) فإنه لا بد من تأويله فيه بالمحلوف عليه، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك في الآية الكريمة. 
الخامسُ : أَنْ تكونَ في محلِّ جرٍّ على البدلِ من " لأَيْمَانِكُمْ " ؛ بالتأويل الذي ذكره الزمخشريُّ، وهذا أَوْلَى من وجهِ عطفِ البيانِ ؛ فإنَّ عَطْفَ البيانِ أكثرُ ما يكونُ في الأعلام. 
السادس وهو الظاهرُ - : أنَّها على إسقاطِ حرفِ الجر، لا على ذلك الوجه المتقدِّم، بل الحرفُ غيرُ الحرفِ، والمتعلِّقُ غيرُ المتعلِّقِ، والتقديرُ :" لإِقْسَامِكُمْ عَلَى أَنْ تَبَرُّوا " ف " عَلَى " متعلقٌ بإِقْسَامِكُمْ، والمعنى : وَلاَ تَجْعَلوا الله مُعَرَّضاً ومُتَبَدَّلاً لإِقْسَامكُمْ على البِرِّ والتقْوَى والإِصْلاَح الَّتي هي أوصافٌ جميلةٌ ؛ خَوْفاً من الحِنْثِ، فكيف بالإِقسامِ علَى ما ليس فيه بِرٌّ ولا تَقْوَى ! ! !
**والعُرْضَةُ في اشتقاقها ثلاثةُ أقوال :**
أحدها : أنها " فُعْلَة " بمعنى " مَفْعُول " ؛ من العَرضِ ؛ كالقُطْبَةِ والغُرْفَة، ومعنى الآية على هذا : لاَ تَجْعَلُوهُ مُعَرَّضاً للحَلْفِ من قولهم : فُلاَنٌ عُرْضَةٌ لكَذَا، أي : مُعَرَّضٌ، قال كعبٌ[(٥)](#foonote-٥) :\[ البسيط \]
مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ \*\*\* عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلاَمِ مَجْهُولُ[(٦)](#foonote-٦)
وقال حبيبٌ :\[ الطويل \]
مَتَى كَانَ سَمْعِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ \*\*\* وَكيْفَ صَفَتْ لِلْعَاذِلِينَ عَزَائِمِي[(٧)](#foonote-٧)
وقال حسَّانُ :\[ الوافر \]
. . . \*\*\* هُمُ الأَنصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ[(٨)](#foonote-٨)
وقال أوسٌ :\[ الطويل \]
وأَدْمَاءَ مِثْلَ الفَحْلِ يَوْماً عَرَضْتُهَا \*\*\* لِرَحْلِي وَفِيهَا هِزَّةٌ وَتَقَاذُفُ[(٩)](#foonote-٩)
فهذا كلُّه بمعنى مُعَرَّضٌ لكذا. 
والثاني : أنها اسمُ ما تَعْرِضُه على الشيءِ، فيكونُ من : عَرَضَ العُودَ على الإِناءِ، فيعترضُ دونَه، ويصيرُ حاجزاً ومانعاً، ومعنى الآية علَى هذا النَّهيُ عن أَنْ يَحْلِفُوا باللهِ علَى أنَّهم لا يَبَرُّونَ ولاَ يَتَّقُونَ، ويقُولُون : لا نَقْدِرُ أَنْ نَفْعَلَ ذلك لأَجْلِ حَلْفِنَا. 
والثالث : أنَّها من العُرْضَة، وهي القوة، يقال :" جَمَلٌ عُرْضَةٌ للسَّفَرِ "، أي : قويٌّ عليه ؛ وقال ابن الزَّبير :\[ الطويل \]
فَهَذِي لأَيَّامِ الحُرُوبِ وَهَذِهِ \*\*\* لِلَهْوِي وَهَذِي عُرْضَةٌ لارْتحَالِنَا[(١٠)](#foonote-١٠)
أي قوةٌ وعُدَّةٌ. ثم قيل لكُلِّ ما صَلُح لِشَيء فهو عُرْضَة له، حتى قالوا للمرأَةِ : هي عُرْضَةٌ للنِّكاح إذا صَلُحَتْ له ومعنى الآية على هذا : لا تَجْعَلُوا اليمينَ بالله تعالى قوةً لأنفسكم في الامتناعِ عن البرِّ. 
والأَيْمَانُ : جمعُ يَمِينٍ : وأصلُها العُضْوُ، واستُعْمِلَتْ في الحَلْفِ مجازاً لما جَرَتْ عادةُ المتعاقِدِينَ بتصافُح أَيْمانهم، واشتقاقُها من اليُمْن، واليمينُ أيضاً : اسمٌ للجهةِ التي تكونُ من ناحيةِ هذا العُضْو، فينتصبُ على الظرف، وكذلك اليسارُ، تقول : زَيْدٌ يَمِينُ عَمْروٍ، وبَكرٌ يَسَارهُ، وتُجْمَعُ اليمينُ على " أَيْمُنٍ وأَيْمَانٍ " وهل المرادُ بالأَيْمان في الآية القَسَمُ نفسُه، أو المُقْسَمُ عليه ؟ قولان، الأولُ أَوْلَى. وقد تقدَّمَ تجويزُ الزمخشريِّ أن يكونَ المرادُ به المحلوفَ عليه واستدلالُه بالحديث والجوابُ عنه.

### فصل


ذكر المُفسِّرون في هذه الآية أقوالاً كثيرة، وأجودها وجهان :
أحدهما : ما ذكره أبو مسلم[(١١)](#foonote-١١) الأصفهاني، وهو أنَّ قوله : وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ  نهي عن الجُرأَة على اللهِ بكثَرةِ الحَلْفِ به ؛ وذلك لأنه من أَكْثَرَ ذِكْر شيءٍ في معنًى من المعاني، فقد جعلهُ عُرْضَة له، فيقُول الرَّجُل : قد جَعَلْتَنِي عُرْضَة للَوْمك ؛ قال الشَّاعر :\[ الطويل \]
. . . \*\*\* وَلاَ تَجْعَلُوني عُرْضَةَ للَّوَائِمِ[(١٢)](#foonote-١٢)
وقد ذَمَّ الله تعالى مِنْ أكثر من الحَلْفِ بقوله : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ  \[ القلم : ١٠ \]، وقال تعالى : وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ  \[ المائدة : ٨٩ \] والعرب كانوا يَمْدَحُون الإنسان بالإقلال من الحلف ؛ كما قال كثير :\[ الطويل \]
قَلِيلُ الأَلاَيَا حافِظٌ لِيَمِينِهِ \*\*\* وَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ[(١٣)](#foonote-١٣)
والحِكْمَة في الأَمْرِ بتقليل الأَيمانِ ؛ أن من حَلَف في كُلِّ قَلِيلٍ وكثِيرٍ باللهِ، انْطَلق لِسَانهُ بذلك، ولا يبقَى لليمِين في قَلْبِهِ وقْعٌ، فلا يُؤْمَنُ إقْدَامه على الأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ، فيخْتَلُّ ما هو الغَرَضُ من اليمين، وأيضاً كُلَّمَا كان الإنسان أَكْثَرَ تعظِيماً لله تعالى، كان أكمل في العُبُوديَّة، ومن كمال التَّعظيم أن يكُون ذِكْر الله - تعالى - أَجَلَّ وأَعْلَى عِنْدَه، من أَنْ يَسْتشْهِد به في غرضٍ من الأَغراض الدُّنْيَويَّة. 
فإن قيل : كيف يَلْزَم من تَرْك الحَلْفِ حُصُول البِرِّ والتٌّقْوى، والإصْلاَح بين النَّاسِ ؟
فالجواب : أَنَّ من تَرَك الحَلْف ؛ لاعْتِقَادِه أَنّ الله أَعْظَم وأَجَلَّ من أَنْ يُسْتَشْهَد باسمِه المُعَظَّم في طَلَب الدُّنْيَا، وخَسَائِس مطالب الحَلْفِ، ولا شك أن هذا من أَعْظَمِ أَبْوَابِ البِرّ. 
### فصل في سبب النزول


نزلت هذه الآيةُ في عبد الله بن رواحة ؛ كان بينه وبَيْنَ خَتَنِهِ على أَخِيه بشير بن النُّعْمان شيء، فحلف عبد الله ألاّ يَدْخُلَ عليه، ولا يُكَلِّمَهُ، ولا يُصْلِح بَيْنَه وبين خصمهِ، وإذا قيل لهُ فيه، قال : قد حَلَفْتُ بالله ألاَّ أفْعَل، فلا يَحِلُّ لي إلاَّ أنْ تَبَرَّ يميني فأنْزَل الله هذه الآية[(١٤)](#foonote-١٤). 
وقال ابن جريج : نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق، حين حلف ألاَّ ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفْك[(١٥)](#foonote-١٥)، ومعنى الآية : لا تجعلوا الحلف باللهِ شيئاً مانعاً لكم من البرِّ والتَّقوَى، يُدعى أَحدكم إلى صلة الرَّحم أو بِرِّ، فيقول : حلفتُ بالله ألاّ أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البِرّ[(١٦)](#foonote-١٦). 
قوله : وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  خَتَم بهاتَيْن الصفتَيْن ؛ لتقدُّم مناسبتهما ؛ فإنَّ الحَلْفَ متعلِّقٌ بالسَّمْع، وإرادة البِرِّ من فِعْلِ القلْبِ متعلقةٌ بالعِلْم، وقَدَّم السميع ؛ لتقدُّم متعلِّقِه، وهو الحَلْفُ. 
١ - ينظر: معاني القرآن للزجاج ١/٢٩٣..
٢ - تقدم برقم ٩٣٥..
٣ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١٧..
٤ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٤٨..
٥ - أخرجه مسلم (٥/٨٥) ومالك في "الموطأ" (٢/٤٧٨) والترمذي (١/٢٨٩) وأحمد (٢/ ٣٦١) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
 وأخرجه مسلم (٥/٨٦) والبيهقي (١٠/ ٣١) عن أبي حازم عن أبي هريرة وأخرجه البخاري (٤/٢٥٨، ٢٨٠) ومسلم (٥/٨٢) وأبو داود (٣٢٧٦) والنسائي (٢/١٤٠-١٤١) وابن ماجه (٢١٠٧) والبيهقي (١٠/٣٢) والطيالسي (٥٠٠) وأحمد (٤/٣٩٨) من طريق أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا وأخرجه البخاري (٣/١٦٩، ٤/١٥، ٢٨٠-٢٨١، ٤٩٨-٤٩٩) ومسلم (٥/٨٣-٨٤) والطيالسي (١٠٢٧، ١٠٢٨) والبيهقي (١٠/٣٢) وأحمد (٤/٢٥٦-٢٥٩) والدارمي (٢/١٨٦) عن عدي بن حاتم.
 وأخرجه البخاري (٤/٢٥٨، ٢٨١، ٢٨٦) ومسلم (٥/٨٦) وأبو داود (٣٢٧٧) وابن الجارود (٩٢٩) والبيهقي (١٠/٣٢) والطيالسي (١٣٥١) وأحمد (٥/٦١) عن عبد الرحمن بن سمرة.
 وأخرجه النسائي (٢/١٤١)، وابن ماجه (٢١١١) والبيهقي (١٠/٣٣-٣٤) والطيالسي (٢٢٥٩) وأحمد (٢/١٨٥، ٢١١، ٢١٢) عن عبد لله بن عمرو وأخرجه ابن حبان (١١٧٠) والحاكم (٤/٣٠١) عن عائشة وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين..
٦ - ينظر: ديوانه (١٩)، الطبري ٤/٤٢٤، القرطبي ٣/ ٩٨، الدر المصون ١/ ٥٤٧..
٧ - ينظر: البحر ٢/١٨٥، الدر المصون ١/٥٤٨..
٨ - عجز بيت وصدره:
 وقال الله قد يسرت جندا
 ينظر ديوانه (١٨)، الدر المصون ١/٥٤٨..
٩ - ينظر ديوانه (٦٤)، القرطبي ٣/٩٨، الدر المصون ١/٥٤٨..
١٠ - هو عبد الله بن الزبير، بفتح الزاي وكسر الموحدة والزبير: طي البئر وهو شاعر كوفي من شعراء الدولة الأموية ت ٧٥هـ. ينظر: القرطبي (٣/٩٨)، الدر المصون ١/٥٤٨..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦٤-٦٥..
١٢ - ينظر: الكشاف ١/ ٢٦٧..
١٣ - ينظر ديوانه ٢/ ٢٢٠، البحر ٢/ ١٨٧، اللسان: (ألا)، الدر المصون ١/٥٥١..
١٤ - ذكره ابن عطية في تفسيره (١/٣٠١) والسمرقندي في "تفسيره" "بحر العلوم" (١/٢٠٦) عن الكلبي..
١٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٣٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٧٩) عن ابن جريج..
١٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٠٠..

### الآية 2:225

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:225]

واللَّغْوُ : مصدرُ لَغَا يَلْغُو، يقال : لَغَا يَلْغُو لَغْواً، مثل غَزَا يَغْزُو غَزْواً، ولغِيَ يَلْغَى لَغًى مثل لَقِيَ يَلْقَى لقًى إذا أتى بما لا يُحْتاجُ إليه من الكلام، أو بما لا خير فيه، أو بِما يلغى إثمه ؛ كقوله - عليه الصّلاة والسّلام –
 " إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمعَةِ : أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ " [(١)](#foonote-١). 
ومن الثاني قوله تعالى : وَالْغَواْ فِيهِ . 
قال الفرَّاء : اللَّغا مصدر للغَيت[(٢)](#foonote-٢). 
قال أبو العبَّاس المقري : ورد لفظ " اللَّغو " في القرآن على ثلاثة أوجه :
الأول : بمعنى اليمين بغير عقديَّةٍ كهذه الآية. 
الثاني : بمعنى الشَّتيمة ؛ قال تعالى : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً  \[ الفرقان : ٧٢ \]، أي : لم يجيبوهم ؛ ومثله : وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ  \[ القصص : ٥٥ \]. 
الثالث : بمعنى الحلف عند شُرْب الخمر ؛ قال تعالى : يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا  \[ الطور : ٢٣ \]، أي : لا يحلف بعضهم على بعض.

### فصل


والباء في " بِاللَّغْوِ " متعلِّق ب " يؤاخذكم " والباء معناها السَّببيّة، كقوله : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ  \[ العنكبوت : ٤٠ \]،  وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ  \[ النحل : ٦١ \]. 
واختلف في اللَّغْوِ : فقيل : ما سبق به اللسانُ مِنْ غيرِ قصدٍ، قاله الفرَّاء، ومنه قول الفرزدق :\[ الطويل \]
وَلَسْتَ بِمَأْخُوذٍ بِلَغْوٍ تَقُولُهُ \*\*\* إِذَا لَمْ تُعَمِّدْ عَاقِدَاتِ العَزَائِمِ[(٣)](#foonote-٣)
ويُحْكَى أن الحسن سُئِلَ عن اللَّغو وعن المَسبيَّة ذات زوجٍ، فنهض الفرزدق، وقال : أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قُلْتُ، وأَنْشَد البيت :\[ الطويل \]
وَلَسْتَ بمَأْخُوذٍ. . . \*\*\*. . . 
وقوله :\[ الطويل \]
وَذَاتِ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا \*\*\* حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ[(٤)](#foonote-٤)
فقال الحسن :" ما أَذْكَاكَ لَوْلاَ حِنْثُك "، وقد يُطْلَقُ على كلِّ كلامٍ قبيحٍ " لَغْوٌ ". 
قال تعالى : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ  \[ الفرقان : ٧٢ \]،  لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً  \[ مريم : ٦٢ \] ؛ وقال العجاج :\[ الرجز \]
وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ \*\*\* عِنِ اللَّغَا وَرَفَثَ التَّكَلُّمِ[(٥)](#foonote-٥)
وقيل : ما يُطرحُ من الكلام ؛ استغناءً عنه، مأخوذٌ من قولهم لِما لا يُعْتَدُّ به من أولاد الإِبل في الدِّيَة " لَغْوٌ " ؛ قال جريرٌ :\[ الوافر \]
وَيَهْلكُ وَسْطَهَا المَرْئيُّ لَغْواً \*\*\* كَمَا أَلْغَيْتَ فِي الدِّيَةِ الحُوَارَا[(٦)](#foonote-٦)
وقيل :" اللَّغو " السَّاقط الذي لا يُعتدُّ به سواء كان كلاماً أو غيره، فأَمَّا وروده في الكلام ؛ فكقوله تعالى : وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ  \[ القصص : ٥٥ \] وقوله : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً  \[ الواقعة : ٢٥ \]، وقوله : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ  \[ فصلت : ٢٦ \]،  لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً  \[ الغاشية : ١١ \] وقال عليه الصّلاة والسّلام :" إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمعَةِ والإِمَامُ يَخْطُبُ : أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ " [(٧)](#foonote-٧). 
وأما قوله : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ  \[ الفرقان : ٧٢ \] فيحتمل أن يكون المُرادُ وإذا مَرُّوا بالكلام الَّذي يكون لغواً، وأن يكون المُرادُ : وإذا مَرُّوا بالفعل الَّذِي يكون لغواً، وأَمَّا ورود هذه اللَّفظة في غير الكلام، فكما ورد فيما لا يعتدُّ به من الدِّية في أولاد الإِبل. 
وقيل : هو ما لا يُفهم، من قولهم :" لَغَا الطَّائِرُ "، أي : صوَّتَ، واللَّغو، ما لَهجَ به الإنسانُ، واللغةُ مأخوذةٌ من هذا. 
وقال الراغب[(٨)](#foonote-٨) : ولَغِيَ بكذا : أي لَهِجَ به لَهَجَ العُصْفُورِ بِلَغَاهُ، ومنه قيل للكلام الذي تَلْهَجُ به فرقةٌ " لُغَة " ؛ لجعلها مشتقةً من لَغِيَ بكذا، أي : أُولِعَ به، وقال ابن عيسى - وقد ذكر أن اللَّغوَ ما لا يفيدُ - :" ومنه اللغةُ ؛ لأنَّها عند غيرِ أهلِها لَغْوٌ "، وقد غَلَّطوه في ذلك. 
قوله : فِي أَيْمَانِكُمْ  فيه ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أن يتعلَّق بالفعلِ قبله. 
الثاني : أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ المصدرِ قبله ؛ كقولك :" لَغَا فِي يمينه ". 
الثالث : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حال من اللَّغْوِ، وتعرفه من حيث المعنى ؛ أنك لو جعلتَه صلةً لموصولٍ، ووصفْتَ به اللغو، لصحَّ المعنى، أي : اللغو الذي في أَيْمَانِكُمْ. وسُمِّي الحَلفُ يَميناً ؛ لأن العرب كانوا إذا تَحَالَفُوا وضع أحدهم يمينه في يمين الآخر. 
وقيل : لأَنَّه يحفظ الشَّيء كما تحفظ اليد اليمنى الشَّيء. 
### فصل في تفسير اللغو


ذكر المفسِّرون في " اللَّغو " وجوهاً :
أحدها : قال الشَّافعيُّ وغيره : هو قول الرَّجل في عرض حديثه :" لاَ واللهِ " و " بَلَى واللهِ " من غير قصدٍ إليهما، وهو قول عائشة، وإليه ذهب الشَّعبي وعكرمة، لِمَا رَوَت عائشة ؛ قالت : سَبَبُ نُزُولِ هَذِه الآية : قول الرَّجُل فِي عُرْضِ حديثه :( لاَ واللهِ ) و( بَلَى واللهِ ) أخرجه البُخاريّ[(٩)](#foonote-٩)، ويروى عن عائشة : أيمان اللَّغو ما كان في الهزل والمراء والخُصُومة، والحديث الَّذي لا ينعقِدُ عليه القلبُ[(١٠)](#foonote-١٠). 
وقال آخرون : هو أن يحلف على شيءٍ يرى أنَّه صادِقٌ، ثم تَبَيَّن أنه خلاف ذلك، وهو قول ابن عبَّاس والحسن، ومجاهد، وسليمان بن يسار، والزُّهري، والسُّدِّيّ، وإبراهيم النَّخعي، وقتادة : ومكحول، وبه قال أبو حنيفة[(١١)](#foonote-١١). 
وفائدة الخلاف : أَنَّ الشَّافعيُّ لا يوجب الكفَّارة في قول الرجل :" لاَ واللهِ " و " بَلَى واللهِ "، ويوجبها، فيما إذا حلف على شيءٍ يعتقد أَنَّهُ كان، ثم بان أَنَّه لم يكن، وأَبو حنيفة يحكم بالضِّدِّ من ذلك. 
وقال سعيد بن جبير : هو اليمين في المعصية، لا يؤاخذه الله بالحَنْثِ فيها، بل يحنث ويُكَفِّر[(١٢)](#foonote-١٢). 
وقال مسروق : ليس عليه كفَّارة، أنُكفِّرُ خطوات الشَّيطان[(١٣)](#foonote-١٣) ؟ وقال الشَّعبيُّ : الرَّجل يحلف على المعصية كفَّارته أن يتوب منها[(١٤)](#foonote-١٤)، وكُلُّ يمين لا يحلُّ لك أن تَفِي بها، فليس فيها كفَّارة، ولو أَمرته بالكفَّارة، لأمرته أَنْ يُتمَّ على قوله. 
هذا هو اللَّغو ؛ لأن اللَّغو هو المعصية ؛ قال تعالى : وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ . 
وقال عليٌّ : هو اليمين في الغضب، وبه قال طاوس[(١٥)](#foonote-١٥). 
وقال الضَّحَّاك : اللَّغو هو اليمين المُكفِّرة[(١٦)](#foonote-١٦)، سُمِّيت لغواً، لأن الكَفَّارة أسقطتِ الإثم ؛ كأنه قيل : لا يُؤاخذكُم اللهُ بِاللَّغْوِ في أيمانِكُم، إِذْ كَفَّرْتُم. 
وقال زيد بن أسلم : هو دُعاء الرَّجُل على نفسه ؛ كقوله :" أَعْمَى الله بَصَرِي إن لَمْ أَفْعَلْ كَذَا، أَخْرَجَنِي اللهُ من مَالِي إِنْ لَمْ آتِكَ غداً " أو يقول : هُوَ كَافِرٌ إن فَعَلَ كَذَا[(١٧)](#foonote-١٧)، فهذا كُلُّه لَغْوٌ لا يُؤَاخذُه الله به، ولو آخَذَ اللهُ به، لعَجَّلَ لهم العُقُوبة ؛ قال تعالى : وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ  \[ الإسراء : ١١ \]، 
 وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ  \[ يونس : ١١ \]. 
وقال القاضي[(١٨)](#foonote-١٨) : هو كُلُّ ما يقع سهواً من غير قصدٍ ؛ لقوله تعالى بعد ذلك : وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، أي : يؤاخذكم إذا تعمَّدتم، ومعلوم أنَّ المقابل للعمد هو السَّهو، حُجَّة الشَّافعي رضي الله عنه ما روت عائشة رضي الله عنها ؛ أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال :" لَغْوُ اليَمِينِ قَوْلُ الرَّجُلِ فِي قَلْبِهِ : كَلاَّ واللهِ، بَلَى واللهِ، لاَ وَاللهِ " [(١٩)](#foonote-١٩). 
وروي أنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بقوم ينتضلون، ومعه رجلٌ من أصحابه، فرمى رجلٌ من القوم، فقال : أصبت واللهِ، ثم أخطأ فقال الَّذي مع النَّبي عليه الصلاة والسلام : حَنَثَ الرَّجُل يا رَسُولَ اللهِ، فقال النَّبيُّ - عليه الصلاة والسلام - :" كُلُّ أَيْمَان الرُّمَاةِ لَغْوٌ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا، وَلاَ عُقُوبَةَ " [(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وأيضاً فقوله : وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  هو الَّذي يقصد الإنسانُ على سبيل الجِدِّ، ويربط قلبه به، وإذا كان كذلك، وجب أَنْ يكُونَ اللَّغْو كالمقابل له، ويكُون معناه : ما لا يقصدُ الإنسان بالجِدِّ، ولا يربط قلبه به، وذلك هو قول القائل في عرض حديثه : لا والله، وبلى والله مِنْ غير قصدٍ على سبيل العادة. 
وأيضاً : فَإِنَّه قال قبل هذه الآية : وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ  وتقدَّم أنَّ معناه : النَّهي عن كثرة الحلفِ، والَّذِين يقولُون على سبيل العادة لاَ والله، وبلى والله، لا شك أنَّهم يكثرون الحَلْفَ واليمين، فلمَّا ذكرهم اللهُ - تعالى - عقيب قوله : وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، وبين أنَّه لا مؤاخذة عليهم، ولا كفارة، فإيجاب مؤاخذتهم يقتضي إِمَّا أَنْ يمتنعوا عن الكلام، أو يلزمهم فِي كُلِّ لحظَةٍ كفَّارة، وكلاهُما حرجٌ في الدِّين. 
**واحتجَّ أبو حنيفة بوجوه :**
الأول : قوله عليه الصَّلاة والسَّلام - :" مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ " [(٢١)](#foonote-٢١)، فأوجب الكفَّارة على الحانِثِ مُطْلقاً، ولم يفصل بين الجَدِّ والهزل. 
الثاني : أَنَّ اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد كالطَّلاق والعتاق، وهاتان الحُجَّتان توجبان الكَفَّارة في قول النَّاس لا واللهِ، وبَلَى والله، إذا حصل الحَنثُ. 
ويؤيِّد ما قلناه : أَنَّ اليمين في اللغة عبارةٌ عن القُوَّة ؛ قال الشَّاعر :\[ الوافر \]
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ \*\*\* تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ[(٢٢)](#foonote-٢٢)
أي : بالقوَّة، والمقصود من اليمين : تقوية جانب البِرِّ على جانب الحنث بسب اليمين، وإنَّما يفعل هذا في الموضع الَّذي يكون قابلاً للتَّقوية، وهذا إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل، فأمَّا إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التَّقوية البتَّة فعلى هذا فاليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة فأمَّا اليمين على المستقبل، فإنه قابلٌ للتَّقوية. 
قوله : وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم  وقعت هنا " لَكِنْ " بين نقيضين ؛ باعتبار وجود اليمين ؛ لأنَّها لا تَخْلُو : إمَّا ألاَّ يقصدها القلبُ : بل جرتْ على اللسانِ، وهي اللَّغْوُ، وإمَّا أن يقصِدَها، وهي المنعقدةُ. 
قوله تعالى : بِمَا كَسَبَتْ  متعلِّقٌ بالفعلِ قبله، والباءُ للسببية كما تقدَّم، و " مَا " يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجه :
أظهرها : أنها مصدريةٌ لتُقابل المصدر، وهو اللَّغو، أي : لا يؤاخذكم باللغوِ، ولكن بالكسب. 
والثاني : أنها بمعنى " الذي "، ولا بُدَّ من عائدٍ محذوفٍ، أي : كَسَبَتْهُ ؛ ويرجِّحُ هذا أنها بمعنى " الَّذِي " أكثرُ منها مصدريةً. 
والثالثُ : أن تكونَ نكرةً موصوفةً، والعائدُ أيضاً محذوفٌ، وهو ضعيفٌ، ١ - أخرجه البخاري (٢/٤٨) كتاب الجمعة باب الإنصات يوم الجمعة رقم (٩٣٤) ومسلم (٣/٤) والنسائي (١/٢٠٨) والترمذي (٢/٣٨٧) وابن ماجه (١١١٠) والدارمي (١/٣٦٤) والبيهقي (٣/٢١٨) وأحمد (٢/٢٧٢، ٣٩٣، ٣٩٦، ٤٧٤، ٤٨٥) من طرق عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا وللحديث شاهد من حديث أبي بن كعب:
 أخرجه ابن ماجه (١١١١) وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/١٤٣) وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/٧٧) هذا إسناد رجاله ثقات وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٥٧) وقال إسناده حسن..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦٦..
٣ - ينظر: ديوانه (٨٥١)، الدر المصون ١/٥٤٩..
٤ - ينظر: ديوانه (٢/٥٧٦)، الدر المصون ١/٥٤٩..
٥ - ينظر: ديوانه (٨٥٦)، الدر المصون ١/٥٤٩..
٦ - وهو لذي الرمة: ينظر ديوانه (١٩٦)، أمالي القالي ٢/١٤٢ اللسان والتاج: (لغو)، الدر المصون ١/٥٤٩..
٧ - أخرجه البخاري (٢/٤١٤) كتاب "الجمعة": باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب حديث (٣٩٤)، ومسلم (٢/٥٨٣) كتاب "الجمعة": باب في الإنصات يوم الجمعة (١١/ ٨٥١)..
٨ - ينظر: المفردات للراغب ٤٧٢..
٩ - أخرجه البخاري (١١/٤٧٦) وأبو داود (٣/٣٠٤) رقم (٣٢٥٤) ومالك في الموطأ (٢/٤٧٧) والبيهقي (١٠/٤٨) والطبري في "تفسيره" (٤/٤٢٨-٤٢٩) عن عائشة موقوفا..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٤٣) عن عائشة..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦٦، وتفسير البغوي ١/٢٠١..
١٢ - أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (١/٤٧٩)..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٣٤٢) عن مسروق..
١٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٤١) عن الشعبي..
١٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٣٣٨) عن طاووس..
١٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٤٥) عن الضحاك..
١٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٥٤) عن زيد بن أسلم..
١٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ٦٨..
١٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٢٩) عن عائشة مرفوعا وأخرجه البخاري (١١/ ٤٧٦) وأبو داود (٣/٣٠٤) رقم (٣٢٥٤) ومالك في "الموطأ" (٢/٤٧٧) والبيهقي (١٠/٤٨) عن عائشة موقوفا..
٢٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٤٤) عن الحسن مرسلا وأورده الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (١/٥٢٧) من هذا الوجه وقال: هذا مرسل حسن عن الحسن..
٢١ - تقدم..
٢٢ - البيت للشماخ: ينظر: ديوانه (٣٣٦)، الأغاني ٨/٩٧، تهذيب اللغة (يمن)..

### الآية 2:226

> ﻿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:226]

قوله تعالى : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ  : هذه جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وعلى رأي الأخفش من باب الفعلِ والفاعلِ ؛ لأنه لا يشترطُ الاعتماد، و " مِن نِّسَائِهِمْ " في هذا الجارِّ ثمانيةُ أوجهٍ :
أحدها : أنْ يتعَلَّقَ ب " يُؤْلُونَ ". 
قال الزمخشريُّ :" فإنْ قلتَ : كيف عُدِّي ب " مِنْ " وهو مُعَدى ب " عَلَى " ؟ قلتُ : قد ضُمِّنَ في هذا القَسَم المخصوصِ معنى البُعْد، فكأنه قيل : يَبْعُدُونَ من نسائِهم مُؤْلِينَ، أو مُقْسِمِين ". 
الثاني : أنَّ " آلَى " يتَعَدَّى ب " عَلَى " وب " مِنْ " ؛ قاله أبو البقاء[(١)](#foonote-١) نقلاً عن غيره ؛ أنه يقال : آلَى من امرأته، وعلى امرأته. 
الثالث : أنَّ " مِنْ " قائمةٌ مقامَ " عَلَى " على رأي الكوفيِّين. 
والرابع : أنها قائمةٌ مقامَ " فِي "، ويكونُ ثم مضافٌ محذوفٌ، أي : على تَرْكِ وَطْءِ نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم. 
والخامس : أنَّ " مِنْ " زائدةٌ، والتقدير : يُؤْلُون أَنْ يَعْتَزلوا نِسَاءَهُم. 
والسادس : أَنْ تتعلَّقَ بمحذوف، والتقديرُ : والذين يُؤُلون لهم من نسائهم تربُّصُ أربعة أشهرٍ ؛ فتتعلَّق بما يتعلق به " لَهُم " المحذوفُ، هكذا قَدَّره أبو حيَّان وعزاه للزمخشريِّ قال شهاب الدين وفيه نظرٌ ؛ فإنَّ الزمخشريَّ قال : ويجوزُ أن يُرَادَ : لهم من نسائهم تَرَبُّصُ ؛ كقولك :" لِي مِنْكَ كَذَا " فقوله " لَهُمْ " لم يُرد به أن ثَمَّ شيئاً محذوفاً، وهو لفظُ " لَهُمْ "، إنما أرادَ أَنْ يعلِّق " مِنْ " بالاستقرار الذي تعلَّق به " لِلَّذِينَ "، غايةُ ما فيه : أنه أتى بضمير " الَّذِينَ " تبييناً للمعنى، وإِلَى هذا المنحَى نحا أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) ؛ فإنه قال : وقيل : الأصلُ " عَلَى "، ولا يَجُوزُ أن تقومَ " مِنْ " مقامَ " عَلَى " فَعَلَى ذلك تتعلَّقُ " مِنْ " بمعنى الاستقرار، يريدُ الاستقرارَ الذي تعلَّقَ به قوله " لِلَّذِينَ "، وعلى تقدير تسليم أنَّ لفظة " لَهُمْ " مقدرةٌ، وهي مُرادةٌ، فحينئذٍ : إنما تكونُ بدلاً من " لِلَّذِينَ " بإِعادةِ العاملِ، وإلاَّ يبقى قوله " لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ " مُفْلَتاً، وبالجملةِ فتعلُّقه بالاستقرار غيرُ ظاهرٍ، وأمَّا تقديرُ الشيخ :" والذين يُؤْلُونَ لَهُمْ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ "، فليس كذلك ؛ لأنَّ " الَّذِينَ " لو جاء كذلك غيرَ مجرور باللام، سَهُلَ الأمرُ الذي ادَّعاه، ولكن إنما جاءَ كما تراه مجروراً باللام، سهُلَ الأمرُ الذي ادَّعاه، ولكن إنما جاءَ كما تراه مجروراً باللام، ثم قال أبو حيَّان : وهذا كلُّه ضعيفٌ يُنَزَّه القرآن عنه، وإنما يتعلَّق ب " يُؤْلُونَ " على أحد وجهين : إمَّا أنْ تكونَ " مِنْ " للسَّبَبِ، أي يَحْلِفُون بسبب نسائِهم، وإمَّا أَنْ يُضَمَّن معنى الامتناع، فيتعدَّى ب " مِنْ " فكأنه قيل " لِلَّذِينَ يمتنعُونَ من نسائِهِم بالإِيلاَءِ " فهذان وَجْهان مع الستة المتقدِّمة ؛ فتكونُ ثمانيةً، وإن اعتبرت مطلقَ التضمينِ فتجيءُ سبعةً. 
والإِيلاءُ : الحَلفُ. مصدرُ آلَى يُؤْلي، نحو : أَكْرَمَ يُكْرِم إِكْرَاماً، والأصل :" إئْلاءٌ " فأُبدِلت الهمزةُ الثانيةُ ياءً ؛ لسكونها وانكسار ما قبلها ؛ نحو :" إِيمَان ". 
ويقال : تَأَلَّى وايتَلَى على افتَعَلَ، والأصلُ : ائْتَلَى، فقُلِبَت الثانيةُ ياءً ؛ لِما تقدَّم. 
والحَلْفَةُ : يقال لها : الأَلِيَّةُ والألُوَّةُ والأَلْوَةُ والإِلْوَةُ، وتُجْمَعُ الأَليَّةُ على " أَلايَا " ؛ كعَشيَّة وعَشَايَا، ويجوزُ أن تُجْمَعَ الأَلُوَّة أيضاً على " أَلاَيَا " ؛ كرَكُوبَة ورَكَائِب ؛ قال كُثَيِّر عزَّة :\[ الطويل \]

قَلِيلُ الألاَيَا حَافِظٌ ليَمِينِهِ  إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ[(٣)](#foonote-٣)وقد تقدَّم كيف تصريفُ أَلِيَّة وَأَلاَيَا عند قوله : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ  \[ البقرة : ٥٨ \] جمع خطيئة والإيلاء من عرف الشَّرع : هو اليمين على ترك الوطء ؛ كقوله : لا أُجامعك، أو لا أُباضعك، أو لا أُقاربك[(٤)](#foonote-٤). 
ومن المفسرين من قال في الآية حذف تقديره : للَّذين يؤلون من نسائهم ألاَّ يطئوهم، إلاَّ أنَّه حذف لدلالة الباقي عليه. 
قال ابن الخطيب[(٥)](#foonote-٥) : هذا إذا حملنا لفظ " الإِيلاَءِ " على المفهوم اللُّغَوِيّ، أَمَّا إذا حملناه على المفهوم الشَّرعي، لم يحتج إلى هذا الإضمار. 
وقرأ أُبيٌّ[(٦)](#foonote-٦) وابن عباس :" للَّذِينَ يُقْسِمُونَ "، نقله القرطبي. 
وقرأ[(٧)](#foonote-٧) عبد الله :" آلَوْا مِنْ نِسَائِهِم ". 
والتَّربصُ : الانتظارُ، وهو مقلوبُ التَّصبُّرِ ؛ قال :\[ الطويل \]تَرَبَّصْ بِهَا رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّهَا  تُطَلَّقُ يَوْماً أَوْ يَمُوتَ حَلِيلُهَا[(٨)](#foonote-٨)وإضافةُ التربُّص إلى الأشهرِ فيها قولان :
أحدهما : أنَّه من باب إضافة المصدر لمفعوله ؛ على الاتساع في الظرف ؛ حتَّى صارَ مفعولاً به، فأُضيفَ إليه، والحالةُ هذه كقوله :" بَيْنَهُمَا مَسِيرة يَوْمٍ " أي : مَسِيرة في يَوْم. 
والثاني : أنه أُضِيف الحَدَثُ إلى الظرف من غير اتِّساع، فتكونُ الإِضافةُ بمعنى " فِي " وهو مذهبٌ كوفيٌّ، والفاعلُ محذوفٌ، تقديره : تربُّصُهُمْ أربعةُ أشهرٍ. 
### فصل


قال قتادة : كان الإيلاء طلاقاً لأهل الجاهلية وقال سعيد بن المُسيَّب[(٩)](#foonote-٩) : كان ذلك من ضرار أهل الجاهليَّة[(١٠)](#foonote-١٠)، وكان الرَّجُلُ لا يُحِبُّ امرأته، ولا يريد أن يتزوَّجها غيره، فيحلف ألاَّ يقربها أبداً، فيتركها لا أَيماً ولا ذات بعلٍ، وكانوا في ابتداء الإِسلام يفعلون ذلك أيضاً ؛ فأزال الله تعالى ذلك، وضرب للزَّوْج مُدَّة يَتَرَوَّى فيها ويتأمَّل، فإِنْ رأى المصلحة في تركِ هذه المضارَّة، فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة، فارقها[(١١)](#foonote-١١). 
وقال القُرطبيّ[(١٢)](#foonote-١٢) : وقد آلَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وطَلَّق، وسببُ إيلائه : سُؤال نسائه إِيَّاه من النَّفقةِ ما ليس عندهُ ؛ كذا في " صَحِيح مُسْلِم " [(١٣)](#foonote-١٣)، وقيل : لأن زينب ردَّت عليه هديَّتهُ، فغضب - صلى الله عليه وسلم - فآلَى منهُنَّ، ذكره ابن ماجه[(١٤)](#foonote-١٤). 
### فصل


**واختلف أهل العلم فيه :**
فذهب أكثرهم إلى أَنَّهُ إِن حلف لا يَقْرَبُ زوجته أبداً، أَو سَمَّى مُدَّة أكثر من أربعة أشهر يكون مؤْلياً، فلا يتعرَّض لها قبل مضي أربعة أشهر، وبعد مُضيِّها يُوقفُ ويُؤمرُ بالفيئة أو الطَّلاقِ بعد مُطالبةِ المرأة، والفَيْئَة : هي الرُّجُوع عمَّا قال بالوطء إن قَدَر عليه، وإن لم يَقْدِر فبالقَوْل، فإن لم يَفِ ولم يُطَلِّق، طَلَّق عليه الحاكم واحدة. 
وذهب إلى الوَقْفِ بعد مُضِيِّ المُدَّةِ : عمر، وعثمان، وعليٌّ، وأبو الدَّرداء، وابن عمر[(١٥)](#foonote-١٥). 
قال سُليمان بن يسار : أدْرَكْتُ بضعة عشر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كُلُّهم يقول بوقف المُؤْلي[(١٦)](#foonote-١٦)، وإليه ذهب سعيد بن جُبير، وسُلَيْمان بن يسار، ومجاهد، وبه قال مالك والشَّافعي وأحمد وإِسحاق. 
وقال بعض أهل العلم : إذا مضتْ عليها أربعةُ أشهر، يقع عليها طَلْقَةً بائنة، وهو قول ابن عبَّاس وابن مسعود، وبه قال سُفيانُ الثَّورِيُّ وأصحاب الرَّأي[(١٧)](#foonote-١٧). 
وقال سعيد بن المُسيَّب والزُّهري : تقع طلقة رجعيَّةً[(١٨)](#foonote-١٨)، ولو حلف ألاَّ يطأَها أَقَلَّ من أربعة أشهر، لا يكون مُؤْلياً، بل هو حانثٌ إذا وطئها قبل مُضِيِّ تلك المُدَّة، وتجب عليه كفَّارة يمين على الصَّحيح، ولو حلف ألاَّ يطَأَهَا أربعة أشهرٍ، لا يكون مُؤلياً عند من يقول بالوقف بعد مُضِيِّ المُدَّة، لأن بقاء المُدَّة شرط للوقف، وثبوت المُطَالبة بالفيئة أو الطَّلاق، وقد مضتِ المُدَّة، وعند من لا يقول بالوقف لا يكون مؤلياً ويقعُ الطَّلاَق بمُضِيِّ المُدَّة. 
وقال ابن عبَّاس لا يكون مُؤْلياً حتى يحلف لا يَطأَها أبداً[(١٩)](#foonote-١٩). 
وقال الحسن البصريِّ وإسحاق : أي مُدَّة حَلَف عَلَيها، كان مُؤلياً وإن كان يَوْماً[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
### فصل


قال القرطبيُّ[(٢١)](#foonote-٢١) : إذا حلف أَلاَّ يطأ امرأتهُ أكثر من أربعة أشهرٍ ؛ فانقضت الأربعة أشهرٍ ولم تُطالبه، ولم ترفعهُ إلى الحاكم، لم يلزمه شيء عند مالكٍ وأكثر أهل المدينة. 
وقال بعض أصحابنا : يلزمه بانقضاء الأَربعَة أَشهر طلقة رجعيَّة، وقال بعضهم : طلقة بائِنَة. 
والصَّحِيح : ما ذهب إليه مالِكٌ، وأكثر أَهْلِ المدينة وأصحابه. 
### فصل هل ينعقد الإيلاء في الغضب ؟ !


قال ابن عبَّاس : لا يكون إيلاءً إلاَّ في حالِ الغَضَبِ[(٢٢)](#foonote-٢٢)، وهو المشهور عن عليٍّ[(٢٣)](#foonote-٢٣) - رضي الله عنه - وهو قول اللَّيث، والشَّعبي، والحسن، وعطاء قالوا : لا يكون الإيلاءُ إلاَّ على وجه مغاضبةٍ ومشادَّة[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
وقال ابن سيرين : يكون في غضبٍ، وغير غضبٍ[(٢٥)](#foonote-٢٥)، وهو قول ابن مسعود، والثوري ومالك وأهل العراق والشَّافعيِّ وأحمد. 
### فصل


والمدخول بها وغير المدخول بها سواءٌ في صِحَّة الإيلاء منها. 
قال القرطبي[(٢٦)](#foonote-٢٦) : والذِّمِّيُّ لا يصحُّ إيلاؤه كما لا يصحُّ طلاقهُ، ولا ظِهَارُهُ ؛ لأن نكاح أهل الشِّرْكِ عندنا ليس بنكاحٍ صحيحٍ. 
### فصل


ومُدَّة الإيلاء أربعة أشهر في حق الحُرِّ والعبدِ لأنَّها ضُرِبت لمعنى يرجع إلى الطَّبع، وهو قِلَّةُ صبر المرأَة عن الزَّوج، فيستوي فيه الحُرُّ والعبدُ ؛ كمُدَّة الفَيْئَةِ ومُدَّة الرِّضاع. 
وعند مالكٍ وأبي حنيفة : ينتصف بالرِّقِّ، إلاَّ عند أبي حنيفة : ينتصف بِرِقِّ المرأة، وعند مالكٍ : برِقِّ الرَّجُل ؛ كقولهما في الطَّلاَق. 
ولنا : ظاهر قوله تعالى : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ  فتتناول الكُلَّ من غير تخصيصٍ، والتَّخصيص خلاف الظَّاهر، والمعنى المُتَقَدِّم يمنع التَّخْصِيص. 
قال القرطبيُّ[(٢٧)](#foonote-٢٧) : وأَجَلُ المُؤلي من يوم حلف، لا مِنْ يوم المرافعة إلى الحاكم. 
### فصل فيمن يصح منه الإيلاء ومن لا يصح


كُلُّ زَوْج يتصوَّر منه الوِقَاع، وكان تصرُّفه مُعْتبراً في الشَّرْع، صَحَّ منه الإيلاءُ. 
وقال مالكٌ : لا يَصِحُّ الإيلاءُ إلاَّ في حال الغضب، وقال غيره : يصحُّ الإيلاءُ في حال الرِّضَى والغضب، ويصحُّ الإيلاءُ من الرَّجعيَّة ؛ لأنها زوجة ؛ بدليل أَنَّه لو قال : نسائي طوالِقٌ، وقع عليها الطَّلاَقُ. 
وإيلاء الخَصِيِّ صحيحٌ، لأنه يُجَامع كالفحلِ، وإنما فُقِد في حَقِّهِ الإِنْزَالُ، والمجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يُجَامع به، صَحَّ إِيلاؤه، وإن لم يَبْقَ، فيه خلافٌ. 
قال أبو حنيفة : لا يَصِحُّ إيلاؤه. 
وقال غيره : يَصِحُّ لعموم الآية، ولا يصحُّ الإيلاء \[ من أَجْنَبيَّة \]، فلو آلَى منها ثم تَزَوَّجها، لم يكن مُؤْلِياً. 
### فصل


فإن امتنع من وطئها بغير يمين إضراراً بها، أُمر بوطئها، فإن امتنع إضراراً بها، فرَّق الحاكم بينه وبينها، من غير ضرب مُدَّة. 
وقيل : يُضربُ له أجلُ الإيلاءِ، فإذا حلف لا يطؤها حتى يفطم ولدها ؛ لئلا يُمْغَلَ بولدها، ولم يرد إضراراً بها حتى يَنْقَضِي أَمَدُ الرِّضاع، لم يكُن لها مُطَالبته. 
### فصل


المُوْلِي لا يخلُو إمّا أن يحلف ت١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٥..
٢ - ينظر: المصدر السابق..
٣ - تقدم برقم ١٠٩٠..
٤ - الإيلاء لغة: بالمد: الحلف، وهو: مصدر. يقال: آلى بمدة بعد الهمزة، يؤلي إيلاء، وتألى وائتلى، والألية، بوزن فعيلة: اليمين، وجمعها آلايا؛ بوزن خطايا، قال الشاعر:قليل الألايا حافظ ليمينه  وإن سبقت فيه الأليّة برّت والألوة بسكون اللام، وتثليث الهمزة: اليمين أيضا.
 ينظر: الصحاح: ٦/ ٢٢٧، المغرب: ٢٨، لسان العرب: ١/١١٧ المصباح المنير: ١/٣٥.
 **واصطلاحا:**
 عرفه الحنفية: هو عبارة عن اليمين على ترك وطء المنكوحة أربعة أشهر أو أكثر.
 وعرفه الشافعية بأنه: هو حلف زوج يصح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقا أو فوق أربعة أشهر.
 وعرفه المالكية بأنه: حلف الزوج المسلم المكلف الممكن وطؤه بما يدل على ترك وطء زوجته غير المرضع أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد تصريحا أو احتمالا قيد أو أطلق وإن تعليقا.
 وعرفه الحنابلة بأنه: حلف الزوج-القادر على الوطء- بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها مدة زائدة على أربعة أشهر.
 ينظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: ٢/٢٦١، مغني المحتاج: ٣/ ٣٤٣، الشرح الصغير: ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩، المطلع: ٣٤٣، تحفة المحتاج: ٨/١٨٨، شرح المحلي على المنهاج: ٢٤.
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦٩..
٦ - انظر: القرطبي ٣/٦٨، والمحرر الوجيز ١/٣٠٢، والبحر المحيط ٢/ ١٩١..
٧ - انظر: البحر المحيط ٢/١٩١، والقرطبي ٣/٦٨..
٨ - ينظر البحر ٢/١٨٦، الجمهرة ١/٢٥٩، اللسان (ريص)، الدر المصون (١/٥٥١)..
٩ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٠٢..
١٠ - ذكره ابن عطية في "تفسيره" المحرر الوجيز (١/٣٠٢)..
١١ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٦/٦٩) عن سعيد بن المسيب..
١٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٦٨..
١٣ - أخرجه مسلم كتاب الطلاق (١٤٧٩) باب في الإيلاء واعتزال النساء والبخاري في "العلم" (٨٩) باب التفاوت في العلم وفي "المظالم" (٢٤٦٨) وفي "النكاح" (٥١٩١) باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها والترمذي (٣٣١٨) والنسائي (٤/١٣٧) وأبو يعلى (١/١٤٩ رقم ١٦٤) عن ابن عباس وأخرجه مسلم في الطلاق (١٤٧٩) (٣٢) باب في الإيلاء عن عمر بن الخطاب وأخرجه البخاري (١/١٧٠) رقم (٣٧٨) و(٣/٦٤) رقم (١٩١١) و(٣/٢٧٠) رقم (٣٤٦٩) و(٧/٥٦) رقم (٥٢٠١) و(٧/٨٨) رقم (٥٢٨٩) و(٨/٢٤٩) رقم (٦٦٨٤) عن أنس بن مالك..
١٤ - أخرجه ابن ماجه (١/٦٦٤) كتاب الطلاق باب الإيلاء رقم (٢٠٥٩).
 قال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" (٢/١٣٥): هذا إسناد فيه حارثة بن أبي الرجال وقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وابن عدي وغيرهم..
١٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٠٢..
١٦ - ذكره البغوي في "تفسيره" ١/٢٠٢..
١٧ - ينظر: المصدر السابق..
١٨ - ينظر: المصدر السابق..
١٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٧٢..
٢٠ - ينظر: المصدر السابق..
٢١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/ ٧٠..
٢٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٥٩) عن ابن عباس..
٢٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٤٦٠) عن علي بن أبي طالب وذكره السيوطي في "الدر المنثور": (١/٤٨٣) وعزاه لعبد بن حميد على علي بلفظ: الإيلاء إيلاءان إيلاء في الغضب وإيلاء في الرضا..
٢٤ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٧٠..
٢٥ - وهو مروي عن علي بن أبي طالب وقد تقدم..
٢٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٧١..
٢٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/ ٧٠..

### الآية 2:227

> ﻿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:227]

قوله تعالى : وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ  في نصب " الطَلاَقَ " وجهان :
أحدهما : أنه على إسقاط الخافضِ ؛ لأنَّ " عَزَمَ " يتعدَّى ب " عَلَى "، قال :\[ الوافر \]
عَزَمْتُ عَلَى إِقَامَةِ ذِي صَبَاحٍ \*\*\* لأَمْرٍ مَّا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ[(١)](#foonote-١)
والثاني : أن تُضَمَّن " عَزَمَ " معنى " نَوَى " ؛ فينتصب مفعولاً به. 
والعَزْمُ : عَقْدُ القلبِ وتصميمُه : عَزَم يَعْزِمُ عَزْماً وعُزْماً بالفتحة والضمة، وعَزِيمَةً وعِزَاماً بالكَسْر، ويستعمل بمعنى القَسَم : عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَفْعَلَنَّ ؛ والعزمُ والعَزِيمةُ : توطينُ النَّفْسِ على المُرادِ المَطْلُوب، والأَمر المَقْصُود. والطلاقُ : انحلالُ العقدِ، وأصلُه الانطلاق. 
وقال القرطبي[(٢)](#foonote-٢) : والطَّلاق : التَّخليةُ، يقال : نعجةٌ طالِقٌ، وناقةٌ طالِق أي : مهملة ؛ قد تُرِكت في المرعى، لا قيدَ عليها ولا رَاعِيَ وبعير طُلُق : بضم الطَّاء واللام، والجمع أَطلاقٌ ويقال : طَلَقَتْ بفتح اللام تَطْلُقُ فهي طالِقٌ وطَالِقَةٌ ؛ قال الأعشى :\[ الطويل \]
أَيَا جَارَتَا بَينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ \*\*\*. . . [(٣)](#foonote-٣)
وحكى ثعلب :" طَلُقَتْ " بالضم، وأنكره الأخفش. والطلاقُ يجوز أَنْ يكون مصدراً، أو اسمَ مصدرٍ، وهو التطليقُ. 
قوله : فَإِنَّ اللهَ  ظاهرُه أنَّه جوابُ الشرطِ، وقال أبو حيان : ويَظْهَرُ أنَّه محذوفٌ، أي : فَلْيُوقِعُوهُ، وقرأ[(٤)](#foonote-٤) عبد اللهِ :" فَإِنْ فَاءُوا فيهنَّ " وقرأ أُبيُّ " فِيهَا " والضميرُ للأَشْهُرِ. 
وقراءةُ الجمهورِ ظاهرُها أنَّ الفَيْئَة والطَّلاق إنما تكونُ بعد مُضِيِّ الأربعة الأشهر، إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ لمَّا كان يرَى بمذهبِ أبي حنيفة : وهو أنَّ الفَيْئَة في مُدَّة الأربعةِ الأشهرِ، ويؤيِّدُه القراءةُ المتقدِّمَةُ، احتاجَ إلى تأويل الآيةِ بما نصُّه :" فإِنْ قلتَ : كيف موقعُ الفاءِ، إذا كانت الفيئةُ قبل انتهاءِ مدةِ التربُّصِ ؟ قلت : موقعٌ صحيحٌ ؛ لأنَّ قوله :" فَإِنْ فَاءَوُا. وَإِنْ عَزَمُوا " تفصيلٌ لقوله : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ، والتفصيلُ يَعْقُب المُفَصَّلَ، كما تقول : أنَّا نزيلُكُمْ هذا الشَّهْرَ، فإِنْ أَحْمَدْتُكُمْ، أَقَمْتُ عندَكُمْ إلى آخره، وإلاَّ لم أقُم إلاَّ رَيْثما أَتَحَوَّلُ "، قال أبو حيان[(٥)](#foonote-٥) :" وليس بصحيحٍ ؛ لأنَّ ما مثل به ليس نظيرَ الآيةِ ؛ ألا ترَى أنَّ المثالَ فيه إخبارٌ عن المُفَصَّل حاله، وهو قوله :" أَنَا نَزِيلُكُمْ هذا الشَّهْر "، وما بعد الشرطينِ مُصَرَّحٌ فيه بالجواب الدالِّ على اختلاف متعلَّقِ فعل الجزاء، والآيةُ ليسَتْ كذلك ؛ لأنَّ الذين يُؤلُونَ ليس مُخْبَراً عنهم، ولا مُسْنَداً إليهم حُكْمٌ، وإنما المحكُومُ عليه تربُّصُهُمْ، والمعنى : تربُّصُ المُؤلين أربعةَ أَشْهُرٍ مشروعٌ لهم بعد إيلائهم، ثم قال :" فَإِنْ فَاءُوا وَإِنْ عَزَمُوا " فالظاهرُ أَنَّهُ يَعْقُبُ تربُّصَ المدةِ المشروعةِ بأَسْرِهَا، لأنَّ الفيئةَ تكونُ فيها، والعَزْمَ على الطلاقِ بعدَها ؛ لأنَّ التقييد المغاير لا يَدُلُّ عليه اللفظُ، وإنما يُطابقُ الآيةَ أَنْ تقول :" للضَّيْفِ إكرامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فإنْ أقامَ، فنحنُ كرماءُ مُؤثِرُونَ، وإنْ عَزَمَ على الرحيلِ، فله أن يَرْحَلَ "، فالمتبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الشرطين مُقَدَّرَانِ بعد إكرامهِ ". 
قوله : سَمِيعٌ عَلِيمٌ  قال أبو حنيفة : سَمِيعٌ لإِيلائِه، عليم بعزمِه. 
قال القرطبي[(٦)](#foonote-٦) : دلَّت هذه الآية على أَنَّ الأَمة الموطوءة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاءٌ، إذ لا يقع عليها طلاقٌ.

### فصل


قال أبو حنيفة والثَّوري : إنه لا يكون مُؤْلِياً حتى يحلف ألاَّ يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد. 
وقال الشَّافعيّ وأحمد ومالك : لا يكون مُؤلياً حتَّى تزيد المُدَّة على أربعة أشهر. 
وفائدة الخلاف : أنه إذا آلَى منها أكثر من أربعة أشهرٍ أجل أربعة أشهر، وهذا المُدَّة تكون حَقّاً للزَّوج، فإذا مضت تطالب المرأة الزَّوج بالفيئة أو بالطَّلاق فإن امتنع الزَّوجُ منهما، طلَّقها الحاكمُ عليه، وعند أبي حنيفة : إذا مضت أربعةُ أشهر، يقعُ الطَّلاق. حجة الشَّافعي وجوهٌ. 
الأول : أنَّ " الفاء " في قوله  فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ،  وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  يقتضي كون هذين الحُكمين مشروعين متراخياً على انقضاء الأَرْبَعة أشهُر. 
قال ابن الخطيب[(٧)](#foonote-٧) لما ذكر قول الزَّمخشريِّ المتقدِّم على سبيل الإيراد : وهذا ضعيفٌ، لأن قوله : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ  إشارةٌ إلى حُكمين :
أحدهما : صدور الإيلاء عنهم. 
والثاني : وجوب تَرَبُّص هذه المُدَّة على النِّسَاء. 
والفاء في قوله :" فَإِن فَاءُوا " ورد عقيب ذكرهما معاً، فلا بُدَّ وأن يكون هذا الحُكمُ مشروعاً عقيب الأَمرين : عقيب الإيلاءِ، وعقيب حُصُولِ التَّرَبُّص في هذه المُدَّة، بخلاف المثال الَّذِي ذكرهُ، وهو قوله :" أَنَا أَنْزِلُ عِنْدَكُم ؛ فإن أكرمتموني بقيتُ وإلا تَرَحَّلتُ " ؛ لأن هناك " الفاء " صارت مذكُورة عقيب شيء واحدٍ، وهو النُّزول، وهي هُنا مذكورة عقيب ذكر الإيلاء، وذكر التَّربُّص، فلا بُدَّ وأن يكُون ما دخلت " الفَاءُ " عليه واقعاً بين هذين الأمرين. 
الحجة الثَّانية : قوله : وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ  صريحٌ في أنّ وقوع الطَّلاَق، إنَّما يكون بإيقاع الزَّوج. 
وعند أبي حنيفة : يقع الطَّلاَق بِمُضِيِّ المُدَّة، لا بإيقاع الزَّوج. 
فإن قيل : الإيلاءُ طلاقٌ في نفسه ؛ فالمراد من قوله : وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ  الإيلاء المتقدِّم. 
فالجواب : هذا بعيد ؛ لأن قوله : وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ  لا بُدَّ وأن يكون معناه :" وإن عَزَمُوا الَّذِين يُؤلُونَ مِنْ نِسَائِهُمُ الطَّلاق " فجعل المُؤلي عازماً، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاءُ والعزم قد اجتمعا، وأما الطَّلاق فهو مُتعلَّقُ العزم، ومُتعلِّق العزم مُتأخرٌ عن العزم ؛ فإذن الطَّلاَق مُتأَخِّر عن العَزْمِ لا محالة، والإِيلاءُ إمَّا أن يَكُون مقارناً للعزم أو متقدِّماً عليه، وهذا يُفيد أن الطَّلاق مُغَاير لذلك الإِيلاءِ. 
الحجة الثَّالثة : قوله تعالى : وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  يقتضي أن يصدرَ من الزَّوج شيءٌ يكون مسموعاً وما ذاك إلاَّ أن نقول تقديره :" وإِن عَزَمُوا الطَّلاَق وطلّقوا فاللهُ سمِيعٌ لكَلاَمِهِم، عَلِيمٌ بما في قُلُوبِهِم ". 
فإن قيل : لِمَ لا يجوزُ أن يَكُون المُرادُ إن الله سَمِيعٌ لِذَلِك الإيلاءِ. 
فالجواب : أنّ هذا التهديد لم يحصُل على نفس الإيلاء، بل إنَّمَا حصل عن شيءٍ حصل بعد الإيلاء، فلا بُدَّ وأن يَصْدُر عن الزَّوج بعد ذلك الإيلاء، وهو كلام غيره ؛ حتى يكون قوله : فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  تهديداً عليه. 
الحجة الرَّابعة : قوله :" فَإِنْ فَاءُوا "، " وَإِنْ عَزَمُوا " ظاهره التَّخيير بين الأَمرين ؛ وذلك يقتضي أن يكون ثبوتهما واحداً، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك. 
الحجة الخامسة : أَنَّ الإيلاء في نفسه ليس بطلاقٍ، بل هو حلفٌ على الامتناع عن الجماع مُدَّة مخصوصة، إلاَّ أنّ الشَّرعَ ضرب لذلك مقداراً معلوماً من الزَّمان ؛ وذلك لأَنَّ الرَّجُل قد يترُك جماع المرأة مُدَّة من الزَّمان لا بسبب المضارّة، وهذا إنّما يكُون إذا كان الزَّمَانُ قصيراً، فَأَمَّا ترك الجماعِ زماناً طويلاً، فلا يَكُون إلاَّ عند قصد المضَارَّة، ولما كان الطُّول والقِصرُ في هذا الباب أَمراً غير مضبوطٍ، قَدَّر له الشَّارع حدّاً فاصِلاً بين القَصِير والطَّويل، وذلك لا يُوجبُ وقُوعَ الطَّلاق، بل اللائِقُ بحكم الشَّرع عند ظهور قصد المضارَّة، أن يَأْمُر بتركِ المَضَارَّة، أو بتخليصها من قَيْد الإيلاءِ، وهذا المعنى مُعْتَبرٌ في الشَّرع ؛ كضرب الأَجل في مُدَّة العنينِ[(٨)](#foonote-٨) وغيره. 
حجة أبي حنيفة - رضي الله عنه - : قراءة عبد الله بن مسعود :" فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ ". 
والجواب : أنّ القراءة الشَّاذَّة مردودة ؛ لأن القرآن لا يَثْبتُ كونه قُرآناً إلاَّ بالتَّواتُر ؛ فحيث فلم يثبُت بالتَّواتر، قطعنا بأنَّه ليس بقُرآن وأَوْلى النَّاس بهذا أبو حنيفة ؛ فإنّه تَمَسَّك بهذا الحرف في أَنَّ التَّسمية ليست من القُرْآن. 
١ - البيت لأنس بن مدركة ينظر: أمالي ابن الشجري ١/١٨٦، المقتضب ٤/ ٤٣٥، شرح المفصل (٣/١٢)، الدرر ١/١٦٨، الدر المصون ١/٥٥٢..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٧٤..
٣ - صدر بيت وعجزه: 
 كذاك أمور الناس غاد وطارقه
 ينظر: ديوانه (٢٦٣)، الإنصاف (٧٦٠)، المخصص ٣/٤٨، القرطبي ٣/١١٠، الدر المصون ١/ ٥٥٢..
٤ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٠٣ غير أن ابن عطية نسبهما إلى أبي، وانظر: البحر المحيط ٢/١٩٣..
٥ - ينظر: البحر المحيط ٢/١٩٥..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٧٤..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ٧٢..
٨ - (العنين) بكسر العين والنون المشددة، وهو العاجز عن الوطء، وربما اشتهاه، ولا يمكنه. مشتق من عن الشيء إذا اعترض لأن ذكره يعنّ أي يعترض عن يمين الفرج وشماله.
 وقيل: من عنان الدابة للينه، قالوا: يقال: عن يعنّ ويعنّ عنا وعنونا.
 واعتنّ اعترض، قال ابن الأعرابي: جمع العِنّين والمعنون عُنُنٌ. قال: يقال: عنَّ الرجل، وعُنِّنَ، وعُنِنَ، واعتنّ، فهو عِنْين، مَعْنُونٌ، مُعَنٌّ مُعَنَّن.
 قال صاحب المحكم: هو عِنِّينَ بين العَنَانَة والعِنْيَنة، والعِنِّينِيَّة.
 قال أبو عبيد: امرأة عنينة وهي التي لا تريد الرجال، وأما ما يقع في كتب أصحابنا من قولهم: العنّة يريدون التعنين فليس بمعروف في اللغة، وإنما العنّة الحظيرة من الخشب تجعل للإبل والغنم تحبس فيها. ينظر تحرير التنبيه ص ٢٨٣، ٢٨٤، المحكم ١/٤٨..

### الآية 2:228

> ﻿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:228]

لما ذكر - عزَّ وجلَّ - الإيلاء، وأن الطّلاق قد يقعُ بيَّن تعالى حُكم المرأة بعد التَّطْلِيق. 
قوله : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ  : مبتدأٌ وخبرٌ، وهل هذه الجملةُ من بابِ الخبرِ الواقعِ موقعَ الأمر، أي : لِيتَرَبَّصْنَ، أو عَلَى بابها ؟ قولان، وقال الكوفيون : إنَّ لفظها أمرٌ ؛ على تقدير لام الأمرِ، ومَنْ جعلها على بابها، قدَّر : وحُكْمُ المطلَّقَاتِ أَنْ يتربَّصْنَ، فحذف " حُكْمُ " مِن الأول، و " أن " المصدرية من الثاني، وهو بعيدٌ جدّاً. 
و " تَرَبَّصَ " يتعدَّى بنفسَه ؛ لأنه بمعنى انْتَظَرَ، وهذه الآيةُ تحتمِلُ وجهين :
أحدهما : أن يكون مفعول التربُّص محذوفاً، وهو الظاهرُ، تقديرُه : يتربَّصْنَ التزويجَ أو الأزواجَ، ويكونُ " ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ " على هذا منصوباً على الظرف ؛ لأنَّ اسمُ عددٍ مضافٍ إلى ظرفٍ. 
والثاني : أن يكون المفعولُ هو نفسَ " ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ " أي : ينتظرونَ مُضِيَّ ثلاثةِ قُرُوءٍ. 
وأمَّا قوله : بِأَنْفُسِهِنَّ  \[ فيحتمل وجهين، أحدهما، وهو الظاهرُ : أَنْ يتعلَّق ب " يَتَرَبَّصْنَ "، ويكونَ معنى الباءِ السببية، أي : بسبب أنفسِهنَّ \]، وذِكْرُ الأنفسِ أو الضميرِ المنفصلِ في مثلِ هذا التركيب واجبٌ، ولا يجوزُ أَنْ يُؤتَى بالضميرِ المتصل، لو قيل في نظيرِه :" الهِنْدَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِهِنَّ " لم يجُز ؛ لئلاَّ يَتَعَدَّى فِعْلُ المضمر المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل في غير الأبواب الجائز فيها ذلك. 
والثاني : أن يكونَ " بَأَنْفُسِهِنَّ " تأكيداً للمضمرِ المرفوع المتصلِ، وهو النونُ، والباءُ زائدة في التوكيد ؛ لأَنَّه يجوزُ زيادتها في النفسِ والعينِ مُؤكَّداً بهما ؛ تقولُ :" جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ وِبِنَفْسِهِ وَعَيْنُهُ وَبِعَيْنِهِ " ؛ وعلى هذا : فلا تتعلَّقُ بشيء لزيادتها، لا يقالُ : لا جائزٌ أن تكونَ تأكيداً للضمير ؛ لأنَّه كانَ يجبُ أن تُؤَكَّدَ بضميرِ رفعٍ منفصلٍ ؛ لأنه لا يُؤكَّدُ الضميرُ المرفوعُ المتصلُ بالنَّفسِ والعَيْنِ، إلاَّ بعد تأكيده بالضميرِ المرفوع المنفصلِ ؛ فيقال : زَيْدٌ جَاءَ هُوَ نَفْسُهُ عَيْنُهُ " ؛ لأنَّ هذا المؤكَّد خرجَ عن الأصلِ، لمَّا جُرَّ بالباءِ الزائدةِ أَشْبَهَ الفَضَلاَتِ، فخرج بذلك عن حكم التوابع، فلم يُلْتَزَمْ فيه ما التزِمَ في غيره، ويُؤيِّد ذلك قولهم :" أَحْسِنْ بِزَيْدٍ، وَأَجْمِلْ "، أي : به، وهذا المجرورُ فاعلٌ عند البصريِّين، والفاعلُ عندهم لا يُحْذَفُ، لكنه لَمَّا جَرَى مَجْرَى الفَضَلاتِ ؛ بسبب جَرِّه بالحرفِ، أو خَرَجَ عن أصل باب الفاعل ؛ فلذلك جازَ حَذْفُه، وعن الأَخْفَش ذَكَر في " المَسَائِلِ " أنهم قالوا :" قَامُوا أَنْفُسُهُمْ " من غير تأكيدٍ، وفائدةُ التوكيدِ هنا أن يباشِرن التربُّصَ هُنَّ، لا أنَّ غيرَهُنَّ يباشِرْنَهُنَّ التَّربُّصَ ؛ ليكونَ ذلك أَبلغَ في المرادِ. 
فإن قيل : القُرُوءُ : جمع كثرةٍ، ومن ثلاثةٍ إلى عشرة يُمَيَّزُ بجموع القلة ولا يُعْدَلُ عن القلةِ إلى ذلك، إلا عند عدم استعمالِ جمع قلَّةٍ غالباً، وهاهنا فلفظُ جمع القلَّةِ موجودٌ، وهو " أَقْرَاء "، فما الحكمةُ بالإِتيانِ بجمع الكثرةِ مع وجودِ جمعِ القلَّةِ ؟. 
**فيه أربعةُ أوجهٍ :**
أوّلها : أنه لمَّا جمع المطلَّقات جمع القُرُوء، لأنَّ كلَّ مطلقةٍ تترَّبصُ ثلاثة أقراءٍ ؛ فصارَتْ كثيرةً بهذا الاعتبار. 
والثاني : أنه من باب الاتساعِ، ووضعِ أحدِ الجمعين موضعَ الآخر. 
والثالث : أنَّ " قروءاً " جمعُ " قَرْءٍ " بفتح القافِ، فلو جاء على " أَقْرَاء " لجاء على غير القياس ؛ لأنَّ أفعالاً لا يطَّردُ في فَعْلٍ بفتح الفَاء. 
والرابع وهو مذهب المُبَرِّد : أنَّ التقدير " ثَلاثَةً مِنْ قُرُوءٍ "، فحذف " مِنْ "، وأجاز : ثَلاثَة حَمِيرٍ وثَلاثَةَ كِلاَبٍ، أي : مِنْ حِمِيرٍ، ومِنْ كِلاَبٍ، وقال أبو البقاء[(١)](#foonote-١) : وقيل : التقديرُ " ثَلاثَةَ أقْرَاءٍ مِنْ قُرُوءٍ " وهذا هو مذهبُ المبرِّد بعينِه، وإنما فسَّر معناه وأَوضحه.

### فصل


اعلم أن المُطلَّقة هي المرأةُ الَّتي وقع عليها الطَّلاق، وهي إمَّا أن تكون أجنبيةً أو منكوحةً. 
فإن كان أجنبيةً، فإذا وقع الطّلاق عليها فهي مطلَّقةٌ بحسب اللُّغة، لكنَّها غير مطلَّقةٍ بحسب عُرْف الشَّرع، والعِدَّةُ غير واجبةٍ عليها بالإجماع. 
وأما المَنْكُوحة : فإن لم يكن مدخولاً بها، لم تجب عليها العِدَّة ؛ لقوله تعالى : إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  \[ الأحزاب : ٤٩ \]، وإن كانت مدخولاً بها : فإن كانت حاملاً، فعدَّتها بوضع الحمل ؛ لقوله تعالى : وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ  \[ الطلاق : ٤ \]، وإن كانت حائلاً ؛ فإن امتنع الحيض في حقِّها لصغر مفرط أو كبر مُفرطٍ، فعِدَّتها بالأشهرِ ؛ لقوله تعالى : وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ  \[ الطلاق : ٤ \]. 
وإن لم يمتنع الحيض في حقِّها ؛ فإذا كانت رقيقة، فَعِدَّتها قَرْءان، وإن كانت حُرَّة، فعدَّتها ثلاثة قُرُوءٍ. 
فظهر من هذا أن العامَّ إِنَّما يحسن تخصيصه، إذا كان الباقي بعد التَّخصيص أكثر ؛ لأن العادة جاريةٌ بإطلاق لفظ الكُلِّ على الغالب ؛ لأنَّه يُقَالُ في الثَّوبِ : إنه أَسود إذا كان الغَالِبُ فيه السَّوَاد وإن حصل فيه بياضٌ قليل، فأمَّا إذا كان الغالبُ عليه البياض وكان السَّوادُ قليلاً، كان إطلاق لفظ السَّواد عليه كذباً ؛ فثبت شرط تخصيص العامِّ ؛ أن يكون الباقي بعد التَّخصيص أكثر[(٢)](#foonote-٢)، وهذه الآية ليست كذلك، فإنه خرج من عمومها خمسة أقسامٍ، فأطلق لفظ " المُطَلَّقَات " على قسم واحدٍ. 
والجواب : أما الأجنبيَّة فخارجةٌ عن اللَّفظ، فإنَّ الأَجنبيَّة لا يقال فيها : إنَّها مطلَّقة، وأما غيرُ المدخولِ بها فالقرينة تخرجها ؛ لأن أصل العِدَّة شُرِعت لبراءة الرَّحم[(٣)](#foonote-٣)، والحاجةُ إلى البراءة لا تحصلُ إلاَّ عند سبق الشُّغل، وأمَّا الحامل والآيسةِ فهما خارجتان عن اللَّفظ ؛ لأن إيجاب الاعتداد بالأقراء، يكون لم يجبُ الأقراء في حَقِّه. 
وأمَّا الرقيق فتزويجهن كالنَّادِر، فثبت أن الأَعمَّ الأَغلب باقٍ تحت العُمُومِ. 
فإن قيل :" يَتَرَبَّصْن " خبر والمراد منه الأمر، فما الفائدةُ في التَّعبير عن الأَمر بلفظ الخبر ؟
**فالجواب من وجهين :**
الأول : أنه - تعالى - لو ذكره بلفظ الأَمر، لكان ذلك يُوهم أَنَّه لا يحصل المقصود، إلاَّ إذا شرعت فيها بالقَصْد والاختيار، وعلى هذا التَّقدير : فلو مات الزَّوج، ولم تَعْلَم المرأَةُ حتى انقضت العِدَّةُ، وجب ألاَّ يكون ذلك كافياً في المقصود ؛ لأنَّها إذا أُمِرَت بذلك لَمْ تخرج عن العُهْدَة إلا إذا قصدت أداء التَّكليف، فلما ذكره بلفظ الخبر، زال ذلك الوهم، وعُرِف أَنَّه متى انقضت هذه القُرُوءُ، حصل المقصُود سَوَاء علمت بذلك أو لَمْ تعلم، وسواءٌ شرعت في العِدَّة بالرِّضا أو بالغضب. 
الثاني : قال الزَّمخشري : التَّعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر، والإشعار بأنَّه ممَّا يجب أن يتعلَّق بالمُسارعة إلى امتثاله، فكأنَّهُنَّ امتثلن الأمر بالتَّربُّص، فهو يُخْبِرُ عنه موجوداً ؛ ونظيره قولهم في الدُّعاء رحمك اللهُ ؛ أُخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة، كأنَّها وجدت الرَّحمة فهو يُخْبر عنها. 
فإن قيل : لو قال :" يَتَرَبَّصُ المُطلَّقات " لكان ذلك جملة من فعلٍ وفاعلٍ، فما الحكمة من ترك ذلك، وعدولِهِ عن الجملة الفعليَّة إلى الجملة الاسميَّة، وجعل المُطلَّقات مبتدأ، ثم قوله :" يتربّصن " إسنادٌ للفِعل إلى ضمير المُطَلَّقات، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المُبتدأ. 
قال الشَّيخ عبد القاهر الجرجانيُّ في كتاب " دَلاَئِل الإِعْجَازِ " : إنَّك إذا قَدَّمت الاسم، فقلت : زيدٌ فعل، فهذا يفيد من التَّأكيد والقُوَّة ما لا يُفيد قولك :" فَعَلَ زَيْدٌ " ؛ وذلك لأنَّ قولك :" زَيْدٌ فَعَل " قد يُستعمل في أمرين :
أحدهما : أن يكون لتخصيص ذلك الفعل بذلك الفاعل ؛ كقولك : أنا أكتب في المُهِمِّ الفُلانيّ إلى السُّلطان، والمراد دعوى الإنسان الانفراد. 
والثاني : ألاَّ يكون المقصود الحصر، بل إنَّ تقديم ذكر المُحَدّث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل له ؛ كقولهم :" هُوَ يُعْطِي الجَزِيلَ " ولا يريد الحصر، بل أن يُحَقِّق عند السَّامع أَنَّ إِعطَاء الجزيل دأبه ؛ وذلك مثل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ  \[ النحل : ٢٠ \]، وليس المراد تخصيص المخلوقيَّة بهم، وقوله تعالى : وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ  \[ المائدة : ٦١ \] ؛ وقول الشَّاعر :\[ الطويل \]هُمَا يَلْبِسَانِ المَجْدَ أَحْسَنَ لِبْسَةٍ  شَجِيعَانِ مَا اسْطَاعَا عَلَيْهِ كَلاَهُمَا[(٤)](#foonote-٤)والسَّببُ في حُصُولِ هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ : أنَّكَ إذا قلت :" عَبْدُ اللهِ " فقد أشعرت بأَنَّك تريد الإِخبار عنه، فيحصل في النَّفسِ شوق إلى معرفةِ ذلك، فإذا ذكرت ذلك الخبر، قبله العقل بتشوُّق، فيكون ذلك أبلغ في التَّحقيق، ونفي الشُّبهة. 
فإن قيل : هلا قيل : يَتَرَبَّصْن ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ، وما الفائدة في ذكر الأنفُسِ ؟
فالجواب : إن في ذكر الأنفس بعث على التَّربُّص وتهييجُ عليه ؛ لأن فيه ما يستنكفن منه، فيحملهنَّ على أن يتربَّصن، وذلك لأَنَّ أنفس النِّساء طوامحٌ إلى الرِّجال، فأراد أن يقعن على أنفسهن، ويغلبنها على الطُّموح، ويحرِّضنها على التَّربُّص. 
فإن قيل : لم لم يقل : ثلاث قروء ؛ كما يقال : ثَلاَث حِيَضٍ ؟
والجواب : أنه أتبع تذكير اللَّفظ، ولفظ " قَرْء " مذكَّر. 
والقرء في اللغة : أصله الوقت المعتاد تردده، ومنه : قرء النَّجم لوقت طلوعه وأفوله، يقال :" أَقْرَأَ النَّجْمُ "، أي : طلع أو أفل، ومنه قيل لوقت هبوب الرِّيح : قرؤها وقارئها ؛ قال الشاعر :\[ الوافر \]شَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ  إِذَا هَبَّتْ لِقَارِيهَا الرِّيَاحُ[(٥)](#foonote-٥)أي : لوقتها، وقيل : أصله الخروج من طهر إلى حيضٍ، أو عكسه، وقيل : هو من قولهم : قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ ؛ أي : جمعته، ومنه : قرأ القرآن. وقولهم : ما قرأت هذه الناقة في بطنها سَلاً قطٌّ، أي لم تجمع فيه جنيناً ؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم :\[ الوافر \]ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بَكْرٍ  هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا[(٦)](#foonote-٦)فعلى هذا : إذا أريد به الحيض، فلاجتماع الدَّم في الرَّحم، وإن أريد به الطهر، فلاجتماع الدَّم في البدن، وهذا قول الأصمعي، وا١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٥..
٢ - اختلف في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب:
 أحدها: أنه لا بد من بقاء جمع كثير، ونقله الرازي والآمدي عن أبي الحسين البصري، وصححه الرازي. وقال الآمدي: وبه قال أكثر أصحابنا، وإليه مال إمام الحرمين، ونقله ابن برهان عن المعتزلة. وقال الأصفهاني: ما نسبه الآمدي إلى الجمهور ليس بجيد، نعم اختاره الغزالي والرازي. واختلف في ذلك الكثير. فقال أكثرهم: لا بد أن يعرف من مدلول اللفظ العام قبل التخصيص. وقال البيضاوي: لا بد أن يكون غير محصور. وقال ابن برهان في "الأوسط": لم يحدوا الكثرة هنا؛ بل قالوا: تعرف بالقرائن، وأغرب بعضهم، فادعى أنه ليس المراد بالكثير هنا الكثير عددا؛ بل الكثير وقوعا، والغالب وجودا بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر اعتبار لفظ العام.
 وقال آخرون: شرطه أن يكون الباقي معظم الأمر إما في الكثرة وإما في الاعتبار؛ أما في الكثرة فكما إذا قلت: كل إنسان مصاب، وكل محسن مشكور، فإنه وإن كان في الناس من لم يصب بمصيبة إلا أنه يحدث قائل ذلك، ويحسن أن لا يقدح في كلامه. وأما في الاعتبار فكما إذا قلت: خرج الناس كلهم للقاء الملك، فإن المراد من له اعتبار، وإن كان أكثر الناس لم يخرجوا.
 والثاني: أن العام إن كان ظاهرا مفردا كـ"مَنْ" و"الألف واللام" نحو: اقتل من في الدار، واقطع السارق، جاز التخصيص إلى أقل المراتب: وهو واحد، لأن الاسم يصلح لهما جميعا. وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع، وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف. قاله القفال الشاشي. كذا رأيته في كتابه في نسخة قديمة، واعتمده ابن الصباغ في "العدة" أيضا، فاضبط ذلك، فقد زل الناقلون عنه في هذه المسألة. فنقل ابن برهان في "الأوسط" عنه جواز الرد إلى الواحد مطلقا، ونقل القاضي أبو الطيب في "شرح الكافية" وابن السمعاني في "القواطع" عنه جواز الرد إلى ثلاثة، ولا يجوز إلى ما دونها إلا بما يجوز به النسخ، لكن ظاهر كلام القاضي أن "من، وما" محل وفاق. فإنه قال: لنا أن كل ما جاز تخصيصه إلى ثلاثة، جاز تخصيصه إلى ما دونها "كمن، وما" انتهى. وبذلك صرح الشيخ أبو إسحاق الإسفرايني، فقال: لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد فيما إذا لم تكن الصيغة جمعا، "كمن، وما، والمفرد المحلى بالألف واللام".
 وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه ألحق أسماء الأجناس: كالسارق والسارقة، بالجمع المعرف في امتناع رده إلى الواحد كذلك؛ والفرق بين الصيغتين أن ألفاظ الجموع موضوعة للجميع، ففي التخصيص إلى الواحد إخراج عن الموضوع، ولا كذلك "من، وما، والمفرد المحلى بالألف واللام"، لتناولها الواحد والاثنين.
 قال الأصفهاني: وينبغي أن يلحق "أي" بمن، وما" قلت: وهو كذلك، لوجود العلة، وبه صرح إلِكيا الطبري. وقال بعض المتأخرين: ما أظن القَفَّال يقول به في كل تخصيص، فإنه لا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل الظاهر قصر قوله على ما عدا الاستثناء من المخصصات، بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: عليّ عشرة إلا تسعة، ويحتمل أن يعم الخلاف إلا أن الظاهر خلافه من المنقول عنه.
 والثالث: التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى الواحد، وإلا فلا. حكاه ابن المطهر.
 والرابع: أنه لا يجوز رده إلى أقل الجمع مطلقا على حسب اختلافهم في أقل الجمع. حكاه ابن برهان وغيره.
 والخامس: أنه يجوز في جميع ألفاظ العموم ما بقي في قضية اللفظ واحد، وحكاه إمام الحرمين في "التلخيص" عن معظم أصحاب الشافعي.
 والسادس: الذي اختاره ابن الحاجب. قال الأصفهاني في "شرح المحصول": ولا نعرفه لغيره، أن التخصيص إن كان متصلا، فإن كان بالاستثناء أو البدل جاز إلى الواحد، نحو أكرم الناس إلا الجهال، وأكرم الناس تميما، فيجوز وإن لم يكن العالم إلا واحدا. وإن كان بالصفة والشرط، فيجوز إلى اثنين، نحو أكرم القوم الفضلاء، أو إذا كانوا فضلاء. وإن كان التخصيص بمنفصل، وكان في العام المحصور القليل، كقولك: قتلت كل زنديق، وكانوا ثلاثة، ولم يبق سوى اثنين، جاز إلى اثنين. وإن كان غير محصور أو محصورا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول العام. ينظر البحر المحيط ٢/٢٥٥-٢٥٨..
٣ - شرع الله العدة لحكم كثيرة ومصالح جمة- منها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد، وفي ذلك ما تمنعه الشريعة الغراء-ومنها: إظهار شرف النكاح، وحرمة العقد وخطورته، وأنه ليس من الأمور التي يستهان بها، ويجعل ألعوبة بيد المرأة حتى يتسنى لها بمجرد أن تنحل عقدتها من الرجل أن تفترش لغيره من ساعته، بل لا بد من الانتظار والتربص وإظهار أثر النكاح بما يترتب عليه من العدة؛ إعلاما بأن هذا النكاح من ذوي الشأن والميزات من بين العقود، وما أجله من سر عند ذوي الأفهام الثاقبة، والقرائح المتوقدة.
 ومنها: قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. فلو لم يكن ثمة عدة وتزوجت بغيره فورا، لكان هذا من أعظم هضم لحقوق الزوج الذي طالما أمدها بنعمه وغرس في هيكل جسمها بذور نعمائه؛ فلذلك شرعت لرعاية حرمته، وحفظا لناموس كرامته.
 ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق؛ لعله أن يتذكر فيندم ويتفكر طول عشرتها معه فيتألم ويشعر بخدمتها له، فيرجع إليها فيتهذب ويتعلم.
 ومنها: الأخذ بالأحوط لمصلحة الزوج والزوجة والقيام بشئون الولد؛ لعلها بعد تفرقها من بعلها وهي ذات ولد أن ترجع عنا يهجس بخاطرها من الغضب والغطرسة، فترجع إلى زوجها؛ لتربية ولدها في عز أبيه وصولة والده، فتكون قد أحسنت لنفسها ولزوجها وولدها، وأنعم بها حكمة وأكرم بها مصلحة..
٤ - ينظر: الرازي ٦/٧٥..
٥ - البيت لمالك بن الحارث: ينظر الهذليين ٣/٨٣، الطبري ٤/٥١١، الأضداد (٢٨)، الدر المصون: ١/٥٥٤..
٦ - ينظر شرح القصائد التسع للنحاس ٦٢١، واللسان (قرأ)، والدر المصون ١/٥٥٤..

### الآية 2:229

> ﻿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:229]

قوله : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ  : مبتدأٌ وخبرٌ، و " الطَّلاَقُ " يجوز أن يكون مصدر " طَلَقَتِ المَرْأَةُ طَلاَقاً "، وأن يكون اسم مصدر، وهو التطليقُ ؛ كالسَّلام بمعنى التَّسليم، ولا بد من حذف مضافٍ قبل المبتدأ ؛ ليكون المبتدأُ عين الخبر، والتقدير : عددُ الطَّلاق المشروع فيه الرَّجعة مرَّتان. 
والتثنية في " مَرَّتَانِ " حقيقةٌ يراد بها شفعُ الواحد، وقال الزمخشريُّ :" إنها من باب التثنية الَّتي يراد بها التكرير " وجعلَهَا مثْلَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَهَذَاذَيْكَ. وردَّ عليه أبو حيَّان[(١)](#foonote-١) بأنَّ ذلك مناقضٌ في الظاهر لما قاله أولاً، وبأنه مخالفٌ للحكم في نفس الأمر، أمَّا المناقضة، فإنه قال : الطَّلاق مَرَّتَان، أي : الطلاقُ الشرعيُّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الإرسال دفعةً واحدةً، فقوله هذا ظاهرٌ في التثنية الحقيقيّة، وأمَّا المخالفة، فلأنه لا يراد أن الطلاق المشروع بقع ثلاثَ مراتٍ فأكثر، بل مرتين فقط ؛ ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك : فَإِمْسَاكٌ ، أي : بالرَّجْعَةِ من الطَّلْقَةِ الثانية، " أَو تَسْرِيحٌ " أي : بالطلقة الثالثة ؛ ولذلك جاء بعده " فَإِنْ طَلَّقَهَا ". انتهى ما ردَّ به عليه، قال شهاب الدين : والزَّمخشريُّ إنما قال ذلك لأجل معنًى ذكره، فينظر كلامه في " الكَشَّاف " ؛ فإنه صحيحٌ. 
والألف واللام في " الطَّلاَق " قيل : هي للعهد المدلول عليه بقوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ  \[ البقرة : ٢٢٨ \] وقيل : هي للاستغراق، وهذا على قولنا : إن هذه الجملة متقطعةٌ ممَّا قبلها، ولا تعلُّق لها بها. 
قوله :" فَإِمْسَاكٌ " في الفاء وجهان :
أحدهما : أنها للتعقيب، أي : بعد أن عرَّف حكم الطلاق الشرعيِّ ؛ أنه مرَّتان، فيترتَّب عليه أحد هذين الشيئين. 
والثاني : أن تكون جواب شرطٍ مقدَّرٍ، تقديره : فإن أوقع الطَّلقتين، وردَّ الزَّوجة فإمساكٌ. 
وارتفاعُ " إِمْسَاكٌ " على أحد ثلاثة أوجهٍ : إمَّا مبتدأ وخبره محذوفٌ متقدِّماً، تقديره عند بعضهم : فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكٌ، وقَدَّرهُ ابن عطية متأخِّراً، تقديره : فإِمْسَاكٌ أَمْثَلُ أَوْ أَحْسَنُ. 
والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ، أي : فالواجب إمساكٌ. 
والثالث : أن يكون فاعل فعلٍ محذوفٍ، أي : فليكن إمساك بمعروفٍ
قوله :" بِمَعْرُوفٍ " و " بِإِحْسَانٍ " في هذه الباء قولان :
أحدهما : أنها متعلِّقة بنفس المصدر الذي يليه، ويكون معناها الإلصاق. 
والثاني : أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفة لما قبلها، فتكون في محلِّ رفعٍ، أي : فإسماك كائنٌ بمعروفٍ، أو تسريح كائنٌ بإحسان. 
قالوا : ويجوز في العربيَّة نصب " فَإِمْسَاكٌ "، و " تَسْرِيحٌ " على المصدر، أي : فأمسكوهنَّ إمساكاً بمعروف، أو سرِّحُوهُنَّ تسريحاً بإحسان، إلاَّ أنَّه لم يقرأ به أحدٌ. 
والتَّسريح : الإرسال والإطلاق، ومنه قيل للماشية : سَرْحٌ، وناقَةٌ سُرُحٌ، أي : سهلة السَّير ؛ لاسترسالها فيه. 
وتسريح الشَّعر : تخليص بعضه من بعض، والإمساك خلاف الإطلاق، والمساك والمسكة اسمان منه ؛ يقال : إِنَّه لذو مُسكةٍ ومساكة إذا كان بخيلاً. 
قال الفرَّاء[(٢)](#foonote-٢) : يقال : إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي : قُوَّة. 
قال القرطبي[(٣)](#foonote-٣) : وصريح الطَّلاق ثلاثة ألفاظٍ ورد القرآن بها : وهي الطَّلاق والسَّراح والفِراق[(٤)](#foonote-٤)، وهو قول الشَّافعي.

### فصل


روى عُروة بن الزُّبير، قال : كان النَّاسُ في الابتداء يُطلِّقون من غير حصرٍ ولا عددٍ، وكان الرَّجُل يُطلق امرأَته، فإذا قاربت انقضاء عدَّتها، راجعها ثم طلَّقها كذلك، ثم راجعها يقصد مضارَّتها، فنزلت هذه الآية : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ [(٥)](#foonote-٥). 
ورُوِي : أن الرَّجُل كان في الجاهليَّة يُطَلِّق امرأَتهُ، ثم يُراجعها قبل أن تنقضي عِدَّتها، ولو طَلَّقها ألف مَرَّة، كانت القُدرة على المُراجعة ثابتةٌ، فجاءت امرأةٌ إلى عائشة - رضي الله عنها -، فشكت أَنَّ زَوْجهها يُطَلِّقُها ويُراجِعها، يُضارّها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل قوله تعالى[(٦)](#foonote-٦) : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ  يعني : الطلاق الَّذِي يملك الرَّجعة عقيبهُ مرتان، فإذا طَلَّق ثَلاَثاً، فلا تحلُّ له إلاَّ بعد نكاح زوجٍ آخر. 
### فصل


**اختلف المُفَسِّرون في هذه الآية :**
فقال بعضهم : هذا حُكم مُبتدأ، ومعناه : أن التَّطليق الشَّرعيّ يجب أن يكون تطليقةً بعد أُخرى، على التَّفريق دون الجمع والإِرسال دفعةً واحدة، وهذا قول من قال : الجمع بين الثَّلاث حرامٌ. 
قال أبو زيد الدَّبوسيّ[(٧)](#foonote-٧) : هذا قول عمر وعثمان وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وأبي موسى الأشعري وأَبي الدَّرداء، وحذيفة. 
وقال آخرون : ليس بابتداء كلام، وإنَّما هو متعلِّق بما قبله والمعنى : أن الطَّلاقَ الرَّجعيَّ مَرَّتان، ولا رجعة بعد الثَّلاث، وهو قول من جوَّز الجمع بين الثَّلاث، وهو مذهب الشَّافعي. 
حُجَّة القول الأَوَّل : أن الأَلف واللام في " الطَّلاَقِ " إذا لم يكونا للمعهود، أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية : كُلُّ الطَّلاق مرَّتان ومَرَّة ثالثة، ولو قال هكذا، لأفاد أن الطَّلاق المشروع مُتَفَرِّق ؛ لأن المرَّات[(٨)](#foonote-٨) لا تكُون إلاَّ بعد تفريق الاجتماع. 
فإن قيل : هذه الآية وردت لبيان الطَّلاق المَسْنُون. 
فالجواب : ليس في الآية بيان صفة السُّنَّة، بل مُفسَّرة لأَصل الطَّلاق، وهذا الكلام - وإن كان لفظه الخبر - إلاَّ أن معناهُ الأمر، أي : طَلِّقُوا مَرَّتَين، يعني : دَفْعتين، وإنما عدل عن لفظ الخبر ؛ لما تَقَدَّم من أن التَّعبير عن الأَمر بلفظ الخبر يُفيد تأكيد معنى الأَمر، فثبت أن هذه الآية دالَّة على الأَمر بتفريق الطَّلقاتِ، وعلى التَّشديد في ذلك الأَمر والمُبالغة فيه. واختلف القائِلُون بهذا على قولين :
الأول وهو اختيار كثيرٍ من علماء أهل البيت : أنَّه لو طَلَّقها اثنتين أو ثلاثاً، لا يقع إلاَّ واحدة. 
قال ابن الخطيب[(٩)](#foonote-٩) : وهذا القولُ هو الأَقيس، لأن النَّهْيَ يدلُّ على اشتمالِ المنهيِّ عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعيٌ في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وهو غير جائزٍ، فوجب أن يكون الحُكم بعدم الوقوع. 
والثاني : قول أبي حنيفة رضي الله عنه : إن الجمع - وإن كان مُحرَّماً - إلا أَنَّه يقعُ، وهذا منه بناءً على أَنَّ النَّهيَ لا يَدُلُّ على الفَسَادِ[(١٠)](#foonote-١٠). 
حجَّة القول الثَّاني : هو أنَّ الآية مُتعلِّقَة بما قبلها ؛ لأنه - تعالى - بيَّن في الآية الأُولى أن حقَّ المُراجعة ثابتٌ للزَّوج، ولم يُبيِّن أنَّ ذلك الحَقَّ ثابِتٌ دائماً، أو إلى غاية مُعيَّنة، فكان كالمجمل المُفتقر إلى المُبيِّن، أو العامِّ المفتقرِ إلى المُخصص، فبيَّن في هذه الآيةِ أن ذلك الطَّلاق الَّذِي ثبت فيه للزَّوج حَقّ الرَّجْعَة، هو أن يُوجد طلقتانِ، فأمّا بعد الطَّلْقَتين، فلا يثبِتُ اَلْبَتَّةَ حق الرَّجعة فالألف واللام في " الطَّلاقِ " المعهُود السَّابق، فهذا تفسيرٌ مطابِقٌ لنظم الآية، فيكُون أولى لوجوهٍ :
الأول : أن قوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ  \[ البقرة : ٢٢٨ \] إن كان عَامّاً في كُلِّ الأَحوال ؛ فهو مُفْتَقِرٌ إلى المُخَصّص، وإن لم يكُن عامّاً فهو مُجملٌ ؛ لأنه ليس فيه بيان الشَّرط الَّذِي عنده يثبت حقُّ الرَّجعة، فافتقر إلى البيان، فإذا جعلنا الآية مُتَعَلِّقة بما قبلها، كان المُخَصص حاصلاً مع العامِّ المخصوص، أو كان البيانُ حاصِلاً مع المُجْمَلِ، وذلك أَولى من ألاَّ يكون كذلك ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الخِطابِ - وإذا كان جَائِزاً -، إلا أن الأَرجح ألاَّ يَتَأَخَّر. 
الثاني : أنَّا إذا جعلنا هذا الكلام مُبتدأ، كان قوله : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ  يقتضي ذكر الطَّلقة الثَّانية، وهي قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  فصار تقدير الآية : الطَّلاق مَرَّتان ومَرَّة ؛ لأنا نقول : إن قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  متعلِّق بقوله : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ  لا بقوله : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ، ولأن لفظ التَّسريح بالإِحسانِ لا إِشعار فيه بالطَّلاق، ولأنَّا لو جعلنا التَّسريح هو الطَّلقة الثَّالثة، لكان قوله :" فَإِنْ طَلَّقَهَا " طلقة رابعة، وهو غير جائِزٍ. 
الثالث : ما روينا في سبب النُّزول : من شكوى المرأة إلى عائشة كثرة تطليقها ومراجعتها قصداً للمضارَّة، وقد أَجْمَعُوا على أَنَّ سبب النُّزول لا يجوز أن يكون خارجاً عن عُمُوم الآيةِ، فكان تنزيل الآيةِ على هذا المعنى، أولى من تنزيلها على حُكْمٍ أَجنبيٍّ عنها. 
### فصل


اعلم أن معنى الآية : أن الطَّلاق التي يَثْبُت فيه الرَّجعة[(١١)](#foonote-١١) هو أَنْ يوجد مرَّتان، ثم الواجب بعد ذلك : إمَّا إمساكٌ بمعروفٍ، وهو أن يُراجعها لا على قصد المضارَّة، بل على قصدِ الإصلاح، وإما تسريحٌ بإِحسانٍ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن يُوقِعَ عليها الطَّلقة الثَّالثة، " روي أَنَّه لمَّا نَزلَ قوله تعالى : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ، قيل له - عليه الصلاة والسلام - : فأَين الثَّالثة ؟ قال عليه الصَّلاة والسَّلام- :" هُو قَوْلُه تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ " [(١٢)](#foonote-١٢). 
الثاني : أن التَّسريح بالإحسان : أن يَتْرُكَ مُراجَعَتها حتى تَبين بانقضاءِ العِدَّة، وهو مَروِيٌّ عن الضَّحَّاك والسُّدِّيّ[(١٣)](#foonote-١٣). 
قال ابن الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : وهو أَقْرَبُ لوجوه :
أحدها : أن " الفَاء " في قوله :" فَإِنْ طَلَّقَها " تَقْتَضِي وقوع هذه الطَّلقة مُتَأَخِّرة عن ذلك التَّسريح، فلو كان المُرادُ بالتَّسريح هو الطَّلقَة الثَّالثة، لكان قوله : فإن طَلَّقها طَلْقَةً رَابِعَة ؛ وهو لا يجُوزُ. 
وثانيها : أنَّا إذا حَمَلْنَا التَّسريح على تَرْكِ المُراجعة، كانت الآيةُ مُتَنَاولة لجميع الأَحوالِ ؛ لأَنَّه بعد الطَّلْقَة الثَّانية إمَّا أن يُراجعها وهو المراد بقوله : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ  أو لا يُراجعها، بل يتركها حتى تنقضي عِدَّتُها وتبين، وهو المرادُ بقوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  أو يُطَلِّقها وهو المراد بقوله " فَإِنْ طَلَّقَها "، فكانت الآيَةُ مُشْتَمِلَةً على بَيَانِ كُلِّ الأقسام، وإذا جعلنا التَّسريح بالإِحسان طَلاَقاً آخر لزم تركُ أحد الأقسامِ الثَّلاثة، ولزِم التكرير في ذكر الطَّلاقِ، وهو غيرُ جَائِزٍ. 
وثالثها : أنَّ ظاهر التَّسرِيح هو الإرسالُ والإِهمالُ، فحمله على تركِ المُراجعة أَوْلَى من حملِهِ على التَّطليق. 
ورابعها : أنَّه قال بعد ذلك التَّسريح : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً  والمُراد به الخُلع، ومعلومٌ أنه لا يصحُّ الخلعُ بعد التَّطليقة الثَّالثة، فهذه الوجوه ظاهرة، لو لم يثبت الخبر الَّذِي رويناه، فإن صحَّ ذلك الخبر، فلا مزيد عليه. 
فصل في الحكمة في الرَّج١ - ينظر: البحر المحيط ٢/٢٠٣..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ٨٤..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٨٨..
٤ - إذا صح أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ يشعر به وما قام مقامه عند العجز كإشارة الأخرس، فاعلم أن الألفاظ التي يخاطب بها الرجل زوجته في الطلاق تنقسم إلى قسمين؛ لأنها إما أن تحتمل الفراق بوجه، أو لا تحتمله أصلا، الثاني: كقومي أو اقعدي لا يقع به الطلاق وإن نواه؛ لعدم احتمال اللفظ للفراق بوجه، وأما ما يحتمل الفراق فعلى ضربين: صريح، وهو ما لا يحتمل ظاهره غير حل عصمة النكاح وتقع به الفرقة من غير نية، وكناية؛ وهي في الأصل الخفاء والإيماء إلى الشيء من غير تصريح؛ ولما كانت ألفاظ الكناية فيها خفاء وإيماء إلى الطلاق سميت كناية، والمراد بها هنا: كل لفظ احتمل الطلاق وغيره، وتقع بها الفرقة مع النية، ولا تقع بها من غير نية، ولكل منها ألفاظ وللصريح ألفاظ تنقسم إلى قسمين: صريح بنفسه، وصريح بغيره.
 الصريح بنفسه: هو ثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح، فيقع الطلاق بما اشتق منه إجماعا؛ ولاشتهاره فيه لغة وشرعا، كطلقتك، وكذا أنت طالب، ويكون صريحا في واحدة فقط، وكناية في الثنتين والثلاثة.
 والصريح بغيره: أما الصريح بغيره، فهو مشتق كالخلع، وكذا لفظ المفاداة على التحقيق، إذا وجد أحدهما مع واحد من ثلاث، ذكر المال، أو نيته أو إضمار قبول الزوجة، ويقع في الكل بائنا إن قبلت، ويلزمه في الأول المسمى، وفي الثاني ما نواه إن اتفقت نيتهما، وإلا فما توافقا عليه، فإن اختلفا في النية رجع إلى مهر المثل، ويجب في الثالثة مهر المثل قطعا، فإن لم تقبل لم يقع شيء إن نوى التماس قبولها، وإلا فكناية.
 ومن الصريح بغيره ما لو قيل له استخبارا: أطلقت زوجتك؟ فقال نعم، أو ما يرادفها كجير وأجل، ويكون مقرا بالطلاق، فإن كان صادقا طلقت ظاهرا وباطنا، وتكون في الباطن له زوجة إن كان كاذبا، ويصدق بيمينه إن قال: أردت طلاقا ماضي وراجعت، وإن لم يعرف له طلاق سابق-لاحتمال ما يدعيه فإن قال كان بائنا وجددت لم يصدق إلا أن عرف له طلاق سابق..
٥ - أخرجه الترمذي (٢/٢١٩) ومالك في "الموطأ" ص (٢٨٨) والشافعي في "مسنده" (٢/٣٤) والبيهقي (٧/٣٣٣) والطبري في "تفسيره" (٤/٥٤٠).
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٩٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير..
٦ - أخرجه الترمذي (٢/٢١٨-٢١٩) والحاكم (٢/٢٧٩-٢٨٠) والبيهقي (٧/٣٣٣) وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" (١/٥٣٨).
 وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يتكلم أحد في يعقوب بن حميد بحجة وتعقبه الذهبي فقال: قد ضعفه غير واحد..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٣..
٨ - في ب: الثلاثة..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٣..
١٠ - اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما، هل يقتضي فسادها أو لا؟.
 فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى إفسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد: فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة؛ ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون اللغة؛ ومنهم من لم يقل بالفساد، وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية؛ وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم، ولا نعرف خلافا في أن ما ني عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
 ينظر المستصفى ٢/٢٤ المنخول ١٢٦ التبصرة ١٠٠ الإحكام للآمدي ٢/١٧٤-١٧٥ شرح الكوكب ٣/٨٣ جمع الجوامع ٢/٣٩٣ شرح العضد ٢/٨٥، كشف الأسرار ١/٢٥٨ تيسير التحرير ١/٣٧٦ القواعد والفوائد لابن اللحام (١١٠) العدة لأبي يعلى ٢/٤٣٢-٤٤٧ اللمع ص ١٤ روضة الناظر ١١٣ المسودة (٨٢) شرح تنقيح الفصول ١٧٣..
١١ - الرجعة قال في "المصباح" بالفتح بمعنى: الرجوع، وفلان يؤمن بالرجعة أي: بالعود إلى الدنيا. وأما الرجعة بعد الطلاق ورجعة الكتاب فبالفتح والكسر، وهو أفصح. قال ابن فارس: والرجعة: مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته، وطلاق رجعي بالوجهين أيضا.
 وفيه: رجعت المرأة إلى أهلها؛ بموت زوجها أو طلاق، فهي راجع، ومنهم من يفرق فيقول: المطلقة مردودة والمتوفى عنها راجع.
 قال صاحب "المختار": رجع الشيء بنفسه من باب "جلس" ورجعه غيره من باب "قطع"، وقوله تعالى: يرجع بعضهم إلى بعض القول: أي يتلاومون.
 والرجعئ الرجوع، وكذا المرجع؛ ومنه قوله تعالى: إلى ربكم مرجعكم وهو شاذ؛ لأن المصادر من "فعَل" إنما تكون بالفتح.
 وَرَجَعَه بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، والراجع: المرأة يموت زوجها، فترجع إلى أهليها، وأما المُطلّقة: فهي المردودة، والرجع: المطر؛ قال تعالى: والسماء ذات الرجع.
 وقيل: معناه النفع.
 والمراجعة المعادة، يقال: راجعه الكلام وراجع امرأته.
 فهي لغة: المرة من الرجوع، وفي الشرع: رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص.
 وحكمة التشريع التي يمكن أن تتعرفها العقول، وتصل إليها المدارك في شرع الله للرجعة بعد وقوع الطلاق: هي أن الزوج الذي أقدم على ذلك الحلال المبغوض، ربما يكون قد استوثقت بينه وبين مطلقته آصرة من المودة والإيلاف، فقد أفضى بعضهم إلى بعض، وكانت لباسا له؛ كما كان لباسا لها، وربما احتمل العلوق، أو يكون قد خرج من بينهم ذرية ضعاف يخاف عليهم الضياع والشتات.
 ولا يغيب عن البال أن الأبناء والذرية الذين يتربون في غير أحضان الآباء والأمهات معا، تكلأ لهم أعينهم، ويحوطهم الحفظ من السقوط في حمأة التشرد، لا شك يكونون شرا مستطيرا، ونواة سيئة في المجتمع الذي يعيشون فيه، وإننا لا ننكر أن الأم من الضعف، وعدم القدرة على صيانة الولد خارج المنزل، ما الله عالم به، وربما دفعها فرط الشفقة عليه، وشدة الحنان والحدب عليه إلى التغاضي عن سيئه، وقد لا تدري ما العاقبة الوخيمة وما نتيجة هذا التفريط.
 وكثيرا ما يكنّ جاهلات لا يعرفن من أمور الحياة وشئون تربية الأبناء إلا كونهم آلة تقوم بتنظيف المسكن وإنضاج الطعام وغسل الملابس؛ ولا تعرف لابنها إلا أن تلقمه ثديها رضيعا، وتقدم إليه كسر الخبز والطعام بعد فطامه وفي يفاعه.
 وأيضا قد يتزوج كل من الأبوين بعد انفصام عقدة النكاح، وهنا الطامة تَطُمُّ على الأبناء، فالأم منصرفة عن ابنها إلى الزوج الجديد، والأب لاهِ بزوجته، وربما كانت الزوجة عامل إفساد تربية هؤلاء الصغار؛ من أجل ذلك كله شاء ربك الحكيم ألا يهمل أمر هؤلاء الصغار، وألا تتوتر آصرة المحبة والإيلاف بين الزوجين، وشاء ألا يندم الزوج على ما فرط فيه، فشرع الرجعة وملكها الزوج؛ حتى لا يطول ندمه، ولا تطول محنة الأبناء، وأيضا قد تكون الزوجة لا عائل لها، وليس ثمت من يرغب في نكاحها، فكان بالرجعة مجال لدرء ما عساه أن يقع؛ ولدفع الفاقة عن البائسات.
 **واصطلاحا:**
 عرفها الحنفية بأنها: استدامة الملك القائم في العدة برد الزوجة إلى زوجها، وإعادتها إلى حالتها الأولى.
 عرفها الشافعية بأنها: رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة، على وجه مخصوص.
 عرفها المالكية بأنها: عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد.
 عرفها الحنابلة بأنها: إعادة المطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد. ينظر: القاموس المحيط ٢/٢٨.
 وانظر الاختيار١٠٠، اللباب ٥٦، الإقناع ٢/١٧٥، حاشية الدسوقي ٢/٤١٥، كشاف القناع ٥/ ٣٤١..
١٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٤٥) والبيهقي (٧/٣٤٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٩٥) وزاد نسبته لوكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبي داود في "ناسخه" وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي رزين الأسدي.
 **وللحديث شاهد عن أنس بن مالك:**
 أخرجه البيهقي (٧/٣٤٠) وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (١/٤٩٥)..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٤١-٥٤٢)..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٤..

### الآية 2:230

> ﻿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [2:230]

أي : من بعد الطلاق الثالث، فلمَّا قطعت " بعدُ " عن الإضافة بنيت على الضَّمِّ ؛ لما تقدَّم تقريره. و " له " و " مِنْ بعد "، و " حتى " ثلاثتها متعلقةٌ ب " يَحِلُّ ". ومعنى " مِنْ " : ابتداء الغاية، واللام للتَّبليغ، وحتَّى للتعليل، كذا قال أبو حيَّان[(١)](#foonote-١)، قال شهاب الدِّين : والظَّاهر أنها للغاية ؛ لأنَّ المعنى على ذلك، أي : يمتدُّ عدم التحليل له إلى أن تنكح زوجاً غيره، فإذا طلَّقها وانقضت عدَّتها منه حلَّت للأول المطلِّق ثلاثاً، ويدلُّ على هذا الحذف فحوى الكلام. 
و " غيرَه " صفةٌ ل " زوجاً "، وإن كان نكرةً، لأنَّ " غَيْرَ " وأخواتِها لا تتعرَّف بالإضافة ؛ لكونها في قوَّة اسم الفاعل العامل. 
و " زَوْجاً " هل هو للتقييد أو للتوطئة ؟ وينبني على ذلك فائدةٌ، وهي أنه إن كان للتقييد : فلو كانت المرأة أمةً، وطلَّقها زوجها، ووطئها سيِّدها، لم تحلَّ للأول ؛ لأنه ليس بزوجٍ، وإن كانت للتوطئة حلَّت ؛ لأنَّ ذكر الزوج كالملغى، كأنه قيل : حتى تنكح غيره، وإنَّما أتى بلفظ " زَوْج " ؛ لأنه الغالبُ. 
فإن قيل : ما الحكمة في إسناد النِّكاح إلى المرأة دون الرجل فقال  حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً  ؟
**فالجواب : فيه فائدتان :**
إحداهما : ليفيد أنَّ المقصود من هذا النكاح الوطء، لا مجرَّد العقد ؛ لأن المرأة لا تعقد عقد النكاح، بخلاف الرجل ؛ فإنه يطلِّق عند العقد. 
الثانية : لأنَّه أفصح، لكونه أوجز. 
فإن قيل : فقد أُسند النِّكاح إلى المرأة في قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ " [(٢)](#foonote-٢) وإنما أراد العقد. 
فالجواب : أن هذا يدلُّ لنا ؛ لأنَّ جَعْلَ إسناد النكاح إلى المرأة، والمراد به العقد، يكون باطلاً، وكلامنا في إسناد النِّكاح الصَّحيح. 
قال أهل اللُّغة : النكاح في اللغة : هو الضَّمُّ والجمع، يقال : تَنَاكَحَتِ الأشْجَارُ، إذا انضم بعضها إلى بعضٍ.

### فصل


الذين قالوا : بأن التسريح بالإحسان هو الطَّلقة الثالثة، قالوا : إنَّ قوله : فَإِنْ طَلَّقَهَا  تفسيرٌ للتسريح بالإحسان. 
واعلم أن للزَّوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية ثلاثة أحوالٍ :
إمَّا أن يراجعها، وهو المراد بقوله : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ . 
أو يتركها ؛ حتى تنقضي عدَّتها وتبين، وهو المراد بقوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . 
والثالث : أنه إذا راجعها، وطلَّقها ثالثةً ؛ وهو المراد بقوله : فَإِنْ طَلَّقَهَا . 
فهذه الأقسام الثلاثة ؛ يجب تنزيل الألفاظ الثلاثة عليها ؛ ليطابق كلُّ لفظٍ معناه، فأمَّا إن جعلنا التَّسريح بالإحسان، عبارةٌ عن الطَّلقة الثَّالثة، كنَّا قد صرفنا لفظتين إلى معنى واحدٍ ؛ على سبيل التِّكرار، وأهملنا القسم الثالث، ومعلومٌ أنَّ الأوَّل أولى، ووقوع الخلع بين هاتين الآيتين، كالأجنبي، ونظم الآية :" الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، فإن طلَّقها فلا تحل له من بعد حتَّى تنكح زوجاً غيره ". 
فإن قيل : إذا كان النَّظم الصَّحيح هو هذا، فما السبب في إيقاع الخلع فيما بين هاتين الآيتين ؟
فالجواب : أنَّ الرجعة والخلع لا يصحَّان ؛ إلاَّ قبل الطَّلقة الثالثة، وأمَّا بعدها، فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك، فلهذا السَّبب ذكر الله حكم الرجعة، ثم أتبعه بذكر الخلع، ثم ذكر بعد الكلِّ حكم الطَّلقة الثالثة ؛ لأنها كالخاتمة. 
### فصل في شروط حل المطلقة ثلاثاً لزوجها


مذهب الجمهور : أنَّ المطلقة ثلاثاً لا تحلُّ لزوجها ؛ إلاَّ بشرُوطٍ وهي :
أن تعتدَّ منه، وتتزوَّج بغيره، ويطأها ثم يطلِّقها، وتعتدَّ من الآخر. 
وقال سعيد بن جبيرٍ، وسعيد بن المسيِّب : تحلُّ بمجرد العقد[(٣)](#foonote-٣). 
واختلف العلماء في ثبوت اشتراط الوطء ؛ هل ثبت بالكتاب، أو بالسنة ؟ قال أبو مسلمٍ الأصفهانيُّ[(٤)](#foonote-٤) : الأمران معلومان بالكتاب. 
قال ابن جنّي : سألت أبا عليٍّ عن قولهم : نكح المرأة، فقال : فرَّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا : نكح امرأته، أو زوجته، أراد المجامعة، وعلى هذا فالزَّوجية مقدَّمةٌ على النكاح، الذي هو الوطء، وإذا كان كذلك فقوله : تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، أي : تتزوَّج بزوجٍ، وينكحها، أي : يجامعها[(٥)](#foonote-٥). 
وروي في سبب النزول أنَّ الآية نزلت في تميمة، وقيل : عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري كانت تحت ابن عمِّها، رفاعة بن وهب بن عتيك القرظيّ، فطلقها ثلاثاً، " قالت عائشة : جاءت امرأة رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنَّما معه مثل هدبة الثوب، وإنه طلَّقني قبل أن يمسَّني ؛ أفأرجع إلى ابن عمِّي ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ ؟ لاَ ؛ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ " والمراد ب " العُسَيْلَة " : الجماع، " فروي أنها لبثت ما شاء الله، ثم رجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن زَوْجِي قد مَسَّنِي، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - :" كَذَبْتِ فِي قَوْلِكِ الأَوَّلِ، فَلَنْ أُصَدِّقَكِ في الآخرِ "، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكرٍ، فقالت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجيَ الأول ؛ فإن زوجي الآخر قد مسني ؟ فقال لها أبو بكر : قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته، وقال لك ما قال ؛ فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكرٍ، أتت عمر، وقالت له مثل ذلك، فقال :" لئن رجعت إليه لأَرْجُمنَّكِ " [(٦)](#foonote-٦). 
ولأن المقصود من توقيف الحل على اشتراط الوطء هو زجر الزوج، وإنَّما يحصل بتوقيف الحل على اشتراط الوطء، فأما مجرد العقد، فليس فيه نفرةٌ، فلا يصلح جعله زاجراً. 
### فصل


قال بعض العلماء : إذا طلق زوجته، واحدةً أو اثنتين ثم نكحت زوجاً آخر، فأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد، عادت على ما بقي من طلاقها. 
وقال أبو حنيفة : بل يملك عليها ثلاثاً، كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث. 
### فصل هل يلحق المختلعة الطلاق


قال القرطبيُّ[(٧)](#foonote-٧) : استدلَّ بعض الحنفية بهذه الآية، على أنَّ المختلعة يلحقها الطلاق ؛ لأنَّ الله شرع صريح الطلاق بعد المفاداة، لأن " الفَاءَ " حرف تعقيبٍ، فيبعد أن يرجع إلى قوله :" الطَّلاقُ مرَّتَانِ " ؛ لأنَّ الأقرب عوده إلى ما يليه، كالاستثناء. 
### فصل


لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ[(٨)](#foonote-٨). 
قال القرطبيُّ[(٩)](#foonote-٩) : ومدار التحليل على الزوج سواء شرط التحليل، أو نواه، فمتى كان ذلك فسد نكاحه. 
### فصل


قال القرطبيُّ[(١٠)](#foonote-١٠) : وطءُ السيِّد لأمته التي طلقها زوجها، لا يحلّها ؛ إذ ليس بزوجٍ وكذلك النكاح الفاسد. 
### فصل


قال القرطبيُّ[(١١)](#foonote-١١) : سئل سعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يسار، عن رجل زوَّج عبداً له، جاريةً له، فطلَّقها العبد البتَّة، ثم وهبها سيِّدها له، هل تحل له بملك اليمين ؟
فقالا : لا تَحِلُّ له، حتى تَنْكِحَ زوجاً غيره[(١٢)](#foonote-١٢). 
### فصل


سئل ابن شهاب، عن رجلٍ كانت تحته أَمةٌ مملوكةٌ فاشتراها، وقد كان طلقها واحدةً ؛ فقال : تحل له بملك يمينه، ما لم يبت طلاقها، فإن بتَّ طلاقها، فقال : لا تحلُّ له، حتى تنكح زوجاً غيره[(١٣)](#foonote-١٣). 
فإن قيل : إذا طلَّق المسلم الذمية ثلاثاً ؛ فتزوجت بعده ذمياً، ودخل بها، حلت للأول ؛ لأن الذِّمي زوجٌ. 
قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَهَا  الضمير المرفوع عائدٌ على " زوجاً " النكرة، أي : فإن طلَّقها ذلك الزوج الثاني، وأتى بلفظ " إِنْ " الشرطية دون " إذا " ؛ تنبيهاً على أنَّ طلاقه يجب أن يكون باختياره، من غير أن يشترط عليه ذلك ؛ لأنَّ " إذا " للمحقق وقوعه و " إِنْ " للمبهم وقوعه، أو المتحقَّق وقوعه المبهم زمان وقوعه ؛ نحو قوله تعالى : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ  \[ الأنبياء : ٣٤ \]. 
قوله : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا  الضمير في " عليهما " يجوز أن يعود على المرأة، والزوج الأول المطلَّق ثلاثاً، أي : فإن طلَّقها الثاني، وانقضت عدَّتها منه، فلا جناح على الزوج المطلِّق ثلاثاً، ولا عليها ؛ أن يتراجعا. 
وهذا يؤيد قول من قال : إن الرجل إذا طلق زوجته طلقةً أو طلقتين، فتزوجت غيره، وأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديدٍ، أنَّها تعود على ما بقي من طلاقها ؛ لأنه سمَّى هذا العود بعد الطلاق الثلاث رجعةً، فبعد طلقةٍ وطلقتين أولى بهذا الاسم، وإذا ثبت هذا الاسم، كان رجعةً، والرجعية تعود على ما بقي من طلاقها. ويجوز أن يعود عليها، وعلى الزوج الثاني، أي : فلا جناح على المرأة ولا على الزوج الثاني، أن يتراجعا ما دامت عدَّتها باقيةً، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف تلك الجملة المقدَّرة، وهي " وانْقَضَتْ عِدَّتُها "، وتكون الآية قد أفادت حكمين، أحدهما : أنها لا تحلُّ للأول ؛ إلاَّ بعد أن تتزوج بغيره، والثاني : أنه يجوز أن يراجعها الثاني، ما دامت عدَّتها منه باقيةً، ويكون ذلك دفعاً لوهم من يتوهَّمُ أنها إذا نكحت غير الأول حلَّت للأول فقط، ولم يكن للثاني عليها رجعةٌ. 
وهو الذي عوَّل عليه سعيد بن المسيَّب في أنَّ التحليل يحصل بمجرد العقد ؛ لأن الوطء لو كان معتبراً، لكانت العدة واجبةً، وهذه الآية تدل على سقوط العدَّة ؛ لأن " الفَاءَ " في قوله : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا  يدلُّ على أنَّ حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني، إلاَّ أنه يجاب بأنَّ هذا المخصوص بقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ  \[ البقرة : ٢٢٨ \]. 
قوله : أَن يَتَرَاجَعَا ، أي :" في أَنْ "، ففي محلِّها القولان المشهوران : قال الفراء : موضعهما نصبٌ بنزع الخافض، وقال الكسائي، والخليل : موضعهما خفضٌ بإضمار، و " عليهما " خبر " لا "، و " في أن " متعلِّقٌ بالاستقرار، وقد تقدَّم أنه لا يجوز أن يكون " عليهما " متعلقاً ب " جُناح "، والجارُّ الخبر، لما يلزم من تنوين اسم " لا " ؛ لأنه حينئذٍ يكون مطوَّلاً. 
قوله : إِن ظَنَّا  شرطٌ جوابه محذوفٌ عند سيبويه[(١٤)](#foonote-١٤) لدلالة ما قبله عليه، ومتقدِّم عند الكوفيين وأبي زيد. والظَّنُّ هنا على بابه من ترجيح أحد الجانبين، وهو مقوِّ أن الخوف المتقدِّم بمعنى الظَّنِّ. وزعم أبو عبيدة وغيره أنه بمعنى اليقين، وضعَّف هذا القول الزمخشري لوجهين، أحدهما من جهة اللفظ وهو أنَّ " أَنْ " الناصبة لا يعمل فيها يقينٌ، وإنما ذلك للمشدَّدة والمخففة منها، لا تقول : علمت أنَّ يقوم زيدٌ، إنما تقول : علمت أنْ يقوم زيدٌ. والثاني من جهة المعنى : فإنَّ الإنسان لا يتيقَّن ما في الغد وإنما يظنُّه ظناً. 
قال أبو حيان : أمَّا ما ذكره من أنه لا يقال :" علمت أنَّ يقومَ زيد " فقد ذكره غيره مثل الفارسي وغيره، إلاَّ أن سيبويه[(١٥)](#foonote-١٥) أجاز :" ما علْمتُ إلا أن ي١ - ينظر: البحر المحيط ٢/٢١٣..
٢ - أخرجه أبو داود (٢٠٨٣) والترمذي (١/٢٠٤) وابن ماجه (١٨٧٩) وأحمد (٦/٤٧، ١٦٥) والشافعي (١٥٤٣) والدارمي (٢/١٣٧) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٤) وابن الجارود (٧٠) وابن حبان (١٢٤٨- موارد) والدارقطني (٣٨١) والحاكم (٢/١٦٨) والبيهقي (٧/١٠٥) والطيالسي (١٤٦٣).
 وقال الترمذي: هو عندي حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٠..
٤ - ينظر: المصدر السابق..
٥ - ينظر: المصدر السابق..
٦ - أخرجه بهذا اللفظ ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (١/٥٠٥) وأخرجه باختصار البخاري (٣/٣٣٣) كتاب الشهادات باب شهادة المختبئ رقم (٢٦٣٩) ومسلم (١/٤٠٧) وأحمد (٦/٢٢٩) والنسائي (٢/٨٠) والترمذي (١/٢٠٨-٢٠٩) وابن ماجه (١٩٣٢) والدارمي (٢/١٦١-١٦٢) والطيالسي (١٤٣٧ و١٤٧٣)..
٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٩٧..
٨ - ورد من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب وجابر وابن عباس وعقبة بن عامر.
 حديث عبد الله بن مسعود: أخرجه النسائي (٢/٩٨) والترمذي (١/٢٠٩) والدارمي (٢/١٥٨) وابن أبي شيبة (٧/٤٤-٤٥) والبيهقي (٧/٢٠٨) وأحمد (١/٤٤٨). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأورده الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (٣/ ١٧٠) وقال: من طرق عن نافع عن ابن عمر. وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري. حديث أبي هريرة: أخرجه ابن أبي شيبة (٧/٤٥) وابن الجارود (٦٨٤) والبيهقي (٧/٢٠٨) وأحمد (٢/٣٢٣). وعزاه الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٣/١٧٠) لإسحاق بن راهويه والبزار. حديث علي بن أبي طالب: أخرجه أبو داود (٢٠٧٦) والترمذي (١/٢١٠) وابن ماجه (١٩٣٥) والبيهقي (٧/٢٠٩) وأحمد (١/٨٣، ٨٧، ٩٣، ١٠٧). حديث ابن عباس: أخرجه ابن ماجه (١٩٣٤). حديث عقبة بن عامر: أخرجه ابن ماجه (١٩٣٦) والحاكم (٢/١٩٨) والبيهقي بلفظ ألا أخبركم بالتيس المستعار لعن الله المحلل والمحلل له. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي..
٩ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٩٩..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٩٩..
١١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٠٠..
١٢ انظر: المصدر السابق..
١٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٠٠..
١٤ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/٤٤٨..
١٥ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/٣٦٨..

### الآية 2:231

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:231]

قوله تعالى :" وَإِذَا طَلَّقْتُمُ " : شرطٌ، جوابه " فَأَمْسِكُوهُنَّ "، وقوله :" فَبَلَغْنَ " عطفٌ على فعل الشرط، والبلوغ : الوصول إلى الشيء : بلغه يبلغه بلوغاً ؛ قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]

وَمَجْرٍ كَغُلاَّنِ الأُنَيْعِمِ بالِغٍ  دِيَارَ العَدُوِّ ذِي زُهَاءٍ وَأَرْكَانِ[(١)](#foonote-١)ومنه : البلغة، والبلاغ : اسم لما يتبلَّغ به. 
قوله تعالى :" بمعروفٍ " في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبها : إمَّا الفاعل أي : مصاحبين للمعروف، أو المفعول، أي : مصاحباتٍ للمعروف. 
**قوله :" ضِرَاراً " فيه وجهان :**
أظهرهما : أنه مفعول من أجله، أي : لأجل الضِّرار. 
والثاني : أنه مصدرٌ في موضع الحال، أي : حال كونكم مضارِّين لهنَّ. 
قوله :" لِّتَعْتَدُواْ " هذه لام العلّة، أي : لا تضارُّوهنَّ على قصد الاعتداء عليهن، فحينئذٍ تصيرون عصاةً لله تعالى، وتكونوا معتدين ؛ لقصدكم تلك المعصية. 
وأجاز أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) : أن تكون لام العاقبة، أي : الصيرورة، كقوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  \[ القصص : ٨ \]، وفي متعلقها وجهان :
أحدهما : أنه " لاَ تُمْسِكُوهُنَّ ". 
والثاني : أنه المصدرُ، إنْ قلنا : إنه حالٌ، وإنْ قُلْنَا : إنه مفعولٌ من أجله، تعلَّقت به فقط ؛ وتكون علةً للعلة ؛ كما تقول :" ضربتُ ابني ؛ تأديباً ؛ لينتفع "، فالتأديب علةٌ للضرب، والانتفاع علةٌ للتأديب، ولا يجوز أن تتعلَّق - والحالة هذه - ب " لا تُمْسِكُوهُنَّ ". 
و " تَعْتَدُوا " منصوبٌ بإضمار " أنْ " وهي وما بعدها في محلِّ جر بهذه اللام، كما تقدَّم تقريره، وأصل " تَعْتَدُوا " : تَعْتَدِيُوا، فأُعِلَّ كنظائره. 
قوله : وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ  أدغم أبو الحارث[(٣)](#foonote-٣)، عن الكسائي، اللام في الذال، إذا كان الفعل مجزوماً كهذه الآية، وهي في سبعة مواضع في القرآن : وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ  \[ البقرة : ٣٣١ \] في موضعين،  وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ  \[ آل عمران : ٢٨ \]،  وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً  \[ النساء : ٣٠ \]،  وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ  \[ النساء : ١١٤ \]،  وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً  \[ الفرقان : ٦٨ \]،  وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ  \[ المنافقون : ٩ \]. وجاز لتقارب مخرجيهما، واشتراكهما في : الانفتاح، والاستفال، والجهر. 
وتحرَّز من غير المجزوم نحو : يفعل ذلك. وقد طعن قومٌ على هذه الرواية، فقالوا : لا تصحُّ عن الكسائي ؛ لأنها تخالف أصوله، وهذا غير صواب. 
### فصل في سبب النزول


هذه الآية نزلت في رجلٍ من الأنصار يدعى : ثابت بن يسارٍ، طلّق امرأته، حتى إذا قارب انقضاء عدّتها، راجعها، ثمَّ طلَّقها ؛ يقصد مضارَّتها[(٤)](#foonote-٤). 
فإن قيل : ذكر هذه الآية بعد قوله : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  \[ البقرة : ٢٢٩ \] تكريرٌ لكلامٍ واحدٍ، في موضوعٍ واحدٍ، من غير زيادة فائدةٍ، وهو لا يجوز ؟ !
فالجواب : أمَّا على قول أصحاب أبي حنيفة، فالسؤال ساقطٌ عنهم ؛ لأنهم حملوا قوله تعالى : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  \[ البقرة : ٢٢٩ \] على أن الجمع بين الطلقات غير مشروعٍ، وإنَّما المشروع هو التفريق، فإن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق، وهذه في بيان كيفية المراجعة. 
وأمَّا على قول أصحاب الشافعي، الذين حملوا تلك الآية على كيفية المراجعة، فلهم أن يقولوا : إنَّ من ذكر حكماً يتناول صوراً كثيرة وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهمَّ، أن يعيد بعد ذلك الحكم العامِّ تلك الصورة الخاصَّة مرَّةً أخرى ؛ ليدلَّ ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام، ما ليس في غيرها، وهاهنا كذلك ؛ لأن قوله : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ  \[ البقرة : ٢٢٩ \] فيه بيان أنه لا بدَّ في مدَّة العدَّة من أحد هذين الأمرين، ومن المعلوم أنَّ رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة، أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبله ؛ لأن أعظم أنواع الإيذاء، أن يطلقها، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل ؛ حتى تبقى في العدة تسعة أشهرٍ، فلمَّا كان هذا أعظم أنواع المضارة، حسن إعادة حكم هذه الصورة، تنبيهاً على أنَّ هذه الصورة أعظم اشتمالاً على المضارة، وأولى بأن يحترز المكلف عنها. 
### فصل في معنى الإمساك بالمعروف


قال القرطبيُّ[(٥)](#foonote-٥) : الإمساك بالمعروف، هو القيام بما يجب لها من حقٍّ على زوجها ؛ وكذلك قال جماعةٌ من العلماء : إنَّ من الإمساك بالمعروف أنَّ الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة، أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن حدِّ المعروف، فيطلِّق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاَّحق بها ؛ لأن في بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، ضرراً، والجوع لا يصبر أحدٌ عليه، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة، وأبو ثور، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو قول عمر، وعلي، وأبي هريرة. 
وقال سعيد بن المسيَّب : إنَّ ذلك سنةٌ، ورواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. 
وقالت طائفةٌ : لا يفرَّق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلّق النفقة بذمَّته، بحكم الحاكم ؛ لقوله تعالى : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ  \[ البقرة : ٢٨٠ \]. 
وحجَّة الأوَّلين الآية، وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" تقول المرأة إمَّا أَنْ تُطْعِمني وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي " رواه البخاري في " صحيحه " [(٦)](#foonote-٦). 
### فصل


قوله : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  إشارةٌ إلى المراجعة، واختلف العلماء في كيفيتها ؛ فقال الشَّافعيُّ : لما لم يكن النكاح والطلاق إلاَّ بكلامٍ، لم تكن الرجعة - أيضاً - إلاَّ بكلامٍ. 
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد : تصحُّ بالوطء. 
حجة الشافعي :" أنَّ ابن عمر طلَّق زوجته، وهي حائض ؛ فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال :" مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا " [(٧)](#foonote-٧) فأمره - عليه الصَّلاة والسَّلام - بالمراجعة في تلك الحال. والوطء في زمن الحيض لا يجوز. وقد يجاب عن هذا ؛ بأنَّنا لم نخصَّ الرجعة في الوطء، بل قد يكون في صورةٍ بالوطءِ، وفي صورة بالقول. 
وحجَّة أبي حنيفة، قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  أمرٌ بمجرد الإمساك، والوطء إمساكٌ، فوجب أن يكون كافياً. 
فإن قيل : إنه تعالى أثبت حقَّ المراجعة عند بلوغ الأجل، وبلوغ الأجل وهو عبارةٌ عن انقضاء العدَّة، لا يثبت حقَّ المراجعة. 
**فالجواب من وجهين :**
الأول : أنَّ المراد مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ ؛ كقول الرجل إذا قارب البلد :" قد بلغنا "، وقول الرجل لصاحبه :" إذا بلغتَ مكَّةَ، فاغْتَسلْ بِذِي طُوى " يريد مشارفة البلوغ، لا نفس البلوغ، وهو من باب مجاز إطلاق اسم الكلِّ على الأَكْثر. 
الثاني : الأَجَل اسمٌ للزمان، فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمانٍ يمكن إيقاع الرجعة فيه، بحيث إذا مات، لا يبقى بعده إمكان الرجعة على هذا، فلا حاجة إلى المجاز
فإن قيل : لا فرق بين قوله : أَمسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، وبين قوله : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً  ؛ لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه[(٨)](#foonote-٨)، فما فائدة التكرار ؟
فالجواب : الأمر لا يفيد إلاَّ مرةً واحدةً ؛ فلا يتناول كلَّ الأوقات ؛ أمَّا النهيُ فإنه يتناول كلَّ الأوقات، فلعلَّه يمسكها بالمعروف في الحال، ولكن في قلبه أن يضارَّها في الزمان المستقبل، فلما قال : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً  انْدَفَعَتْ الشبهات، وزالت الاحتمالات. 
### فصل في بيان معنى الضرار


و " الضرار " : هو المضارَّةُ ؛ قال تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً  \[ التوبة : ١٠٧ \]، ومعناه راجعٌ إلى إثارة العداوة، وإزالة الألفة، وإيقاع الوحشة ؛ وذكر المفسرون فيه وجوهاً :[(٩)](#foonote-٩)
أحدها : ما تقدَّم في سَببِ نُزولِ الآيةِ من تطويلِ العِدَّةِ تسعة أشْهُرٍ، فأكثر. 
ثانيها :" الضرارُ " سوء العشرة. 
وثالثها : تضييق النفقة، وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال ؛ لكي تختلع المرأة عنه بمالها. 
قوله تعالى : فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ  فيه وجوه :
أحدها : ظلم نفسه ؛ بتعريضها للعذاب. 
وثانيها : ظلم نفسه ؛ بأن فوَّت عليها منافع الدنيا والدِّين :
أمَّا منافع الدنيا : فإنَّه إذا اشتهر بين الناس بهذه المعاملة القبيحة فلا يرغب أحدٌ في تزويجه، ولا معاملته. 
وأما منافع الدِّين فتضييعه للثواب الحاصل على حسن عشرة الأهل، والثواب على الانقياد لأحكام الله تعالى. 
قوله : وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً  فيه وجوه :
أحدها : أنَّ من أمر بشيء، فلم يفعله بعد أن نصَّب نفسه منصب الطائعين، يقال : إنه استهزأ بذلك الأمر ولعب به ؛ فعلى هذا يكون المراد أنَّ من وصلت إليه هذه التكاليف المتقدمة من العدَّة، والرَّجعة، والخلع، وترك المضارَّة، ويسأم لأدائها يكون كالمستهزئ بها، وهذا تهديدٌ عظيمٌ للعصاة من أهل الصلاة، وغيرهم. 
وثانيها : ولا تتسامحوا في تكاليف الله تعالى، ولا تتهاونوا بها. 
وثالثها : قال أبو الدَّرداء : كان الرجل يطلِّق في الجاهلية، ويقول :" طَلَّقْتُ، وَأَنَا لاَعِبٌ " ويعتق، وينكح، ويقول مثل ذلك ؛ فنزلت هذه الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال :" مَنْ طَلَّقَ، أَوْ حَرَّرَ، أَوْ نَكَحَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ لاَعِبٌ فَهو جدٌّ " [(١٠)](#foonote-١٠). 
وروى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ثَلاَثٌ جَدُّهُنَّ جدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جدٌّ ؛ الطَّلاَقُ وَالنِّكَاحُ وَالعتَاقُ " [(١١)](#foonote-١١). 
ورابعها : قال عطاءٌ : معناه أنَّ المستغفِر من الذنبِ إذا كان مُصرّاً عليه، أو على غيره، كان مُسْتهزئاً بآيات الله تعالى[(١٢)](#foonote-١٢). 
وقال مالكٌ في " الموطأ " : بلغنا أَنَّ رجُلاً قال لابن عبَّاسٍ : إني طلقتُ امرأَتي مائةَ مَرَّةٍ، فماذا ترى ؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ : طُلِّقَتْ منك بثلاثٍ ؛ وسَبْعٌ وتسعون اتخذت آياتِ الله هُزُواً[(١٣)](#foonote-١٣). 
والأَقربُ هو الأَوَّلُ ؛ لأنه تهديد بعد ذكرِ تكاليفَ، فيكون تهدِيداً عليها، لا على غيرها. ولمَّا رَغَّبهم في أداءِ التكاليف بالتهديد، رغبهم - أيضاً - بذكر نعمِهِ عليهم في الدنيا والدين، فقال : واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم  أي : بالإسلام، وبيان الأَحكام. ويجوز في " عليكم " وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق بنفسِ " النعمة "، إن أريدَ بها الإِنعامُ ؛ لأنها اسمُ مصدرٍ ؛ كنباتٍ من أَنْبَتَ، ولا تمنع تاءُ التأنيث من عملِ هذا المصدرِ ؛ لأنه مبنيٌّ عليها كقوله :\[ الطويل \]فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ  عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالْمَوَارِدِ[(١٤)](#foonote-١٤)فأعملَ " رهبةٌ " في " عِقَابَكَ "، وإنما المحذُورُ أن يعمل المصدرُ الذي لاَ يُبنَى١ - ينظر: ديوانه (١٩٣)، البحر ٢/٢٥١، الدر المصون ١/٥٦٤..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٦..
٣ - الليث بن خالد روى عنه سلمة بن عاصم توفي سنة ٢٤٠هـ ينظر غاية النهاية ٢/٢٤..
٤ - تقدم..
٥ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/ ١٠٢..
٦ - أخرجه البخاري (٩/٤١٠) كتاب "النفقات": باب وجوب النفقة حديث رقم \[٥٣٥٥\] من حديث أبي هريرة..
٧ - أخرجه البخاري (٧/٧٣) كتاب الطلاق باب إذا طلقت الحائض رقم (٥٢٥٢) ومسلم (٤/١٨٠) ومالك (٢/ ٥٧٦) رقم (٥٣) والشافعي في "مسنده" (١٦٣٠) وأبو داود (٢١٧٩، ٢١٨٠) والنسائي (٢/٩٤) والدارمي (٢/١٦٠) وابن أبي شيبة (٧/٧٥) وابن ماجه (٢٠١٩) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٣١) وابن الجارود (٧٣٤) والبيهقي (٧/٣٢٣) وأحمد (٢/٦، ٥٤، ٦٣، ١٠٢) من طرق عن نافع عن ابن عمر..
٨ - وقبل ذكر مذاهب العلماء في هذه المسألة يجدر بنا أن نبين أن عبارات القوم قد اختلفت في التعبير عنها: 
 فمنهم من عبر عنها بقوله: "الأمر بالشيء نهي عن ضده، أو يستلزم النهي عن ضده"
 ومنهم من عبر بقوله: "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه".
 ولكن نستطيع الموازنة بين هاتين العبارتين بذكر الفرق بين الضد والنقيض لورودهما فيهما.
 وبيانه أن كل واجب كالقعود مثلا المطلوب بقولنا اقعد له أمران منافيان له أحدهما يسمى ضدا والآخر يسمى نقيضا، وكل منهما يغاير الآخر لأن النقيض ينافي الواجب بذاته، وهو عدم القعود حيث إن النقيضين هما الأمران اللذان أحدهما وجودي، والآخر عدمي لا يجتمعان ولا يرتفعان كالقعود وعدمه في المثال الذي قدمنا، بخلاف الضد كالقيام فإنه ينافيه بالعرض أي باعتبار أنه يحقق المنافي بذاته وهو النقيض لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان، وقد يرتفعان كالقعود والقيام فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد، وقد يرتفعان ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلا إلا أن كل واحد من أضداد القعود يحقق النقيض وهو عدم القعود؛ لأنه فرد من أفراده فلم يكن التنافي بين الواجب وضده ذاتيا، بل لأن أحدهما يقتضي نقيض الآخر الذي ينافيه بالذات، وهذا إذا كان النقيض له أفراد هي أضداد الواجب يحققه كل واحد منها.
 أما إذا لم يكن له إلا فرد واحد هو ضد الواجب ولا يتحقق النقيض إلا به اعتبر ذلك الضد مساويا للنقيض كالحركة والسكون فإن السكون يساوي عدم الحركة لأن عدم الحركة لا يتحقق إلا بالسكون وأخذ مع ضده حكم النقيض فلا يجتمعان ولا يرتفعان إذ لا تجتمع حركة وسكون في وقت واحد في شيء واحد ولا يرتفعان كذلك، بل لا بد أن يكون الشيء متصفا بأحدهما ضرورة أن الشيء الواحد لا يخلو عن حركة أو سكون.
 والمدقق في هاتين العبارتين يجد بينهما ثلاثة فروق.
 ١-أن التعبير بقولهم: "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه" لا يفيد إلا حكم النقيض في الوجوب. أما حكمه في الندب فلا، بخلاف التعبير بقولهم "الأمر بالشيء الخ" فإنه يفيد حكم الضد فيهما لأن الأمر بالشيء بصيغته عند عدم القرينة التي تصرف عن الوجوب إلى الندب يدل على الوجوب ومع القرينة الصارفة يدل على الندب. فالتعبير بالأمر يتناول الوجوب والندب، والتعبير بالنهي يتناول التحريم والكراهة لأن النهي إن كان جازما فهو التحريم، وإن كان غير جازم فهو الكراهة.
 ومن هذا المنطلق يكون الأمر بالشيء دالا على تحريم الضد إن كان الأمر للوجوب، ودالا على كراهته إن كان الأمر للندب فيكون التعبير بقولهم: "الأمر بالشيء نهي عن ضده" مفيدا لحكم الضد في النوعين:
 ٢-أن التعبير بقولهم "وجوب الشيء الخ" فيه بيان لحكم النقيض في الوجوب مطلقا أي: سواء كان الوجوب مأخوذا من صيغة الأمر، أو مأخوذا من غيرها مثل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والقياس وغير ذلك، بخلاف التعبير بقولهم "الأمر بالشيء الخ" فإنه لا يفيد إلا حكم الضد في الوجوب المأخوذ من صيغة الأمر دون حكم الضد في الوجوب المستفاد من غيرها كما سبق.
 ٣- أن التعبير بقولهم "الأمر بالشيء نهي عن ضده الخ" يفيد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو ضد المأمور به وليس نقيضه، أما التعبير بقولهم: "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه" فإنه يفيد أن نقيض الواجب موضع خلاف بينهم، وأن من العلماء من يقول "بأن الأمر بالشيء ليس دالا على النهي عن نقيضه" وهو باطل لأن الإجماع منعقد على أن نقيض الواجب منهي عنه؛ لأن إيجاب الشيء هو طلبه مع المنع من تركه والمنع من الترك وهو النهي عن الترك، والترك هو النقيض، فيكون النقيض منهيا عنه. فالدال على الإيجاب وهو الأمر دال على النهي عن النقيض لأنه جزؤه ضرورة أن الدال على الكل يكون دالا على الجزء بطريق التضمن. وإذا كان الأمر كذلك تعين أن يكون الخلاف في الضد فقط، ووجب أن يكون التعبير عن ذلك النزاع بما يدل صراحة على محله، والذي يفيد ذلك هو العبارة الأولى لا الثانية.
 ويرى أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني في أوله أقواله إلى أن الأمر بشيء معين إيجابا أو ندبا نهي عن ضده الوجودي تحريما أو كراهة سواء كان الضد واحدا كالتحرك بالنسبة إلى السكون المأمور به في قول القائل اسكن، أو أكثر كالقيام وغيره بالنسبة إلى القعود المطلوب للآمر بقوله: اقعد.
 ومعنى كونه نهيا أن الطلب واحد، ولكنه بالنسبة إلى السكون في مثالنا أمر، وبالنسبة إلى التحرك نهي كما يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى شيء قريبا وإلى آخر بعيدا.
 ومثل الشيء المعين في ذلك الشيء الواحد المبهم من أشياء معينة بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الذي يدور بينها فإن الأمر به نهي عن ضده الذي هو ما عداها بخلافه بالنظر إلى فرد المعين فليس الأمر به نهيا عن ضده منها.
 وذهب القاضي الباقلاني في آخر أقواله والإمام الرازي وسيف الدين الآمدي وأيضا القاضي عبد الجبار وأبو الحسين من المعتزلة إلى أن الأمر بشيء معين مطلقا يدل على النهي عن ضده استلزاما. فالأمر بالسكون يستلزم النهي عن التحرك أي طلب الكف عنه.
 وذهب أبو المعالي الجويني والغزالي إلى أن الأمر بشيء معين مطلقا لا يدل على النهي عن ضده لا مطابقة ولا التزاما.
 وذهب بعض العلماء إلى أن أمر الإيجاب يدل على النهي عن ضده التزاما دون أمر الندب فلا يدل على النهي عن ضده لا مطابقة ولا التزاما.
 والذي نختاره من هذه الآراء: أن الأمر بالشيء إيجابا أو ندبا يستلزم النهي عن ضده تحريما أو كراهة.
 ينظر المحصول (١/٢/٣٣٤) البرهان (١/٢٥٠-٢٥٢) اللمع (١١) التبصرة ١٨٩ المنخول ١١٤ المستصفى ١/٨١ الإحكام للآمدي ٢/١٥٩، شرح الكواكب المنير ٣/٥١ المسودة ص (٤٩) أصول السرخسي ١/٩٤ شرح تنقيح الفصول ص ٣٥ المعتمد ١/١٠٦ جمع الجوامع ١/٣٨٦ تيسير التحرير ١/٤٦٣ فواتح الرحموت ١/٩٧ القواعد والفوائد الأصولية ص ١٨٣ التمهيد للإسنوي ٩٤-٩٥ شرح العضد ٣/٨٥ كشف الأسرار ٢/٣٢٨ التلويح على التوضيح ٢/ ٢٣٨-٢٣٩ إرشاد الفحول (١٠١) روضة الناظر ص ٢٥ المدخل ص (١٠٢)..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٤..
١٠ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٠٩) وعزاه لابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه في تفسيره عن أبي الدرداء..
١١ - أخرجه أبو داود (٢١٩٤) والترمذي (١/٢٢٣) وابن ماجه (٢٠٣٩) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٥٨) وابن الجارود (٧١٢) والحاكم (٢/١٩٨) والبغوي في "شرح السنة" (٣/٤٦) عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وعبد الرحمن بن حبيب من ثقات المدنيين ورده الذهبي بقوله: قلت: فيه لين..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٥..
١٣ - ذكره مالك في الموطأ (٢/٥٥٠) كتاب الطلاق رقم (٣)..
١٤ - البيت من شواهد الكتاب ١/١٨٩، المفصل لابن يعيش ٦/٦١، حاشية يس ٢/٦٣، الدر المصون ١/٤٦٥..

### الآية 2:232

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:232]

الكلامُ في صدرِ هذه الآية كالتي قبلها، إلاَّ أنَّ الخِطابَ في :" طَلَّقتم " للأزواجِ، وفي :" فَلاَ تعضُلُوهُنَّ " للأولياء ؛ لأنه يروَى في سبب نُزُولِ هذه الآيةِ وجهان :
الأول : أَنَّ معقل بن يسار زوَّج أخته جميل بن عبد الله بن عاصمٍ، وقيل : كانت تحت أبي الدَّحْدَاحِ[(١)](#foonote-١) عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها، ثم تركها حتى انقضَتْ عدَّتها، ثم ندم ؛ فجاء يخطبُها، فقال : زوجتُك، وفرشتُك، وأكرمتُك ؛ فطلقتها ثم جئت تخطِبُها ؟ ! لا والله، لا تعود إليك أبداً، وكانت المرأةُ تُرِيدُ أَنْ ترجع إليه، فقال لها معقل : إنه طلَّقكِ ثُمَّ تريدين مراجعته ؟ وجهي مِنْ وَجْهِك حرامٌ، إنْ راجعته ؛ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فدعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - معقل بن يسار، وتلا عليه الآيةَ، فقال : رغم أنْفِي لأَمْرِ رِبِّي، اللَّهُمّ رضيتُ، وسلّمْتُ لأَمْرك، وأَنكح أُخْتَه زوْجَها[(٢)](#foonote-٢). 
الثاني : روَى مجاهد، والسدي : أَنَّ جابر بن عبد الله، كانت له ابنةُ عَمٍّ فطلقها زَوْجُها، وأراد رجعتها بعد العِدّة ؛ فأَبَى جابر ؛ فأنزل اللهُ - تعالى - هذه الآيةَ، وكان جابرٌ يقولَ : فِيَّ نزلت هذه الآيةُ[(٣)](#foonote-٣). 
وقيل : الخطابُ فيهما للأزواج، ونُسِبَ العَضْلُ إليهم ؛ لأنهم كذلك كانوا يفعلون، يُطَلِّقُونَ، ويأْبَونَ أن تتزوج المرأَةُ بعدَهم ؛ ظلماً وقهراً. 
قوله :" أَزْوَاجَهُنَّ " مجازٌ ؛ لأنه إذا أُريد به المطلِّقون، فتسميتُهم بذلك اعتباراً بما كانوا عليه، وإن أُريد بهم غيرُهم مِمَّن يُرِدْنَ تزويجهم فباعتبار ما يؤولون إليه. قال ابن الخطيب[(٤)](#foonote-٤) : وهذا هو المختارُ ؛ لأن قوله : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ  شرطٌ، والجزاءُ قوله :" فلا تَعْضُلُوهُنَّ " والشرطُ خطابٌ مع الأزواجِ، فيكون الجزاءُ خِطَاباً معهم أيضاً ؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لصار تقديرُ الآيةِ : إذا طلقتم النساء أَيُّها الأزواج، فلا تعضُلُوهُنَّ أيها الأولياءُ، وحينئذٍ لا يكونُ بين الشرطِ والجزاءِ مناسبةٌ أصلاً، وذلك يُوجِبُ تفكيك نظم الآيةِ، وتنزيه كلام اللهِ عز وجل عن مثل هذا، واجبٌ. ثم يتأكدُ بوجهين آخرين :
الأول : أَنَّه من أَوَّل آية الطَّلاق إلى هذا الموضع، خطابٌ مع الأزواجِ، ولم يجرِ للأولياءِ ذِكْرٌ اَلْبَتَّة، وصرفُ الخِطَابِ إلى الأَولياءِ خِلاَفُ النَّظْمِ. 
الثاني : أَنَّ ما قبل هذه الآيةِ خطابٌ مع الأَزواجِ في كيفيةِ مُعاملتهم مع النساءِ بعد انقضاءِ العِدَّة، فكان صَرْفُ الخِطابِ إلى الأزواجِ، أولى ؛ لأنه تَرتيبٌ حَسَنٌ لَطِيفٌ. 
واستدلَّ الأولُونَ بما تقدَّمَ مِنْ سَبب النزولِ. 
**ويمكِنُ الجوابُ عنه من وجهين :**
الأول : أَنَّ المحافظة على نظمِ كَلاَمِ الله - تعالى -، أَوْلى من المحافظة على خبر الواحِدِ. 
الثاني : أَنَّ الرَّوايتين في سبب النزولِ تَعَارَضَتَا ؛ فَرُوِيَ أَنَّ معقل كان يقولُ : فِيّ نزلت هذه الآية، وجابرٌ كان يقولُ فيّ نزلت، وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا فبقي ما ذكرناه من التَّمَسك بنظم كَلاَمِ الله تعالى سليماً عن المعارِضِ، وفي هذه الاستدلالِ نظرٌ، ولا تعارُضَ بين الخبرين ؛ لأن مدلولَهُمَا واحدٌ. 
واحتجوا أيضاً بأن هذه الآيةَ لو كانت خطاباً مع الأزواج، فلا تخْلُوا إِمَّا أَنْ تكونَ خِطَاباً معهم قبل انقضاءِ العِدَّةِ، أو بعد انقضائِها. 
والأولُ باطل ؛ لأنَّ ذلك مستفادٌ من الآيةِ الأُولَى، فلما حملنا هذه الآيةَ على هذا المعنى، كان تكراراً من غير فائدةٍ، وأيضاً فقد قال تعالى : فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ  فنهى عن العضل حال حُصُولِ التراضي، ولا يحصلُ التراضِي بالنكاح، إلاَّ بعد التصريح بالخطبة ولا يجوزُ التصريح بالخطبة إلاَّ بعد انقضاء العِدَّة، وقال تعالى : وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ  \[ البقرة : ٢٣٥ \]. 
والثاني - أيضاً - باطلٌ ؛ لأنَّ بعد انقضاءِ العدَّةِ، ليس للزوج قدرةٌ على عضلِ المرأة، فكيف يُصْرفُ هذا النهي إليه ؟ !
ويمكنُ أن يُجابَ : بأن الرجل يمكن أَنْ يَكُونَ بحيثُ يشتد نَدَمُه على مفارقَةِ المرأة، بعد انقضاءِ عدَّتها، وتلحقُه الغيرة، إذا رأى مَنْ يخطبُها، وحينئذٍ يعضلها عن من يَنْكِحها، إِمَّا بأن يجحد الطلاق، أو يَدَّعي أنه كان راجعها في العدَّة، أو يدس إلى مَنْ يخطبها بالتهديد والوعيد، أو يسيء القول فيها : بأنْ ينسبها إلى أمورٍ تُنَفِّر الرجال عنها، فَنَهَى اللهُ تعالى الأزواج عن هذه الأَفعالِ، وعرَّفَهم أن تركها أزكَى، وأطهر، من دنسِ الآثام. 
واحتجوا - أيضاً - بقوله تعالى : أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ  قالوا : معناه : ولا يَمْنَعُوهن أَنْ يَنْكِحْنَ الذين كانوا أزواجاً لهُنَّ قبل ذلك، وهذا الكلامُ لا ينتظِمُ إلاَّ إذا جعلنا الآيةَ خطاباً للأولياءِ. 
ويمكن الجوابُ : بأنَّ معنى قوله : أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ  أن يَنكحنَ مَنْ يُرِدْنَ أن يتزوَّجنَه، فيكونون أزواجاً لهن والعربُ تسمي الشَّيْءَ بما يَؤُول إليه. 
\[ وقيل : الخِطَابُ فيهما للأَولياء، وفيهِ بُعْدٌ ؛ من حيثُ إنَّ الطلاقَ لا يُنْسَبُ إليهم إلا بمجازٍ بعيدٍ، وهو أنْ جَعَلَ تَسَبُّبَهُمْ في الطَّلاقِ طَلاَقاً \] والفاءُ في " فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ " جوابُ " إذا ". 
والعَضْلُ : قيل : المَنْعُ، ومنه :" عَضَلَ أَمَتَهُ "، مَنَعَها من التزوُّجِ، يَعْضلُها بكسر العينِ وضَمِّها ؛ قال ابن هرمزٍ :\[ الوافر \]

وَإِنَّ قَصَائِدِي لَكَ فَاصْطَنِعْنِي  كَرَائِمُ قَدْ عُضِلْنَ عَنِ النِّكَاحِ[(٥)](#foonote-٥)وقال :\[ الطويل \]وَنَحْنُ عَضَلْنَا بِالرِّمَاحِ نِسَاءَنَا  وَمَا فِيكُمُ عَنْ حُرْمَةِ اللهِ عَاضِلُ[(٦)](#foonote-٦)ومنه :" دَجَاجَةٌ مُعْضِلٌ "، أي : احتبسَ بَيْضُها، وقيل : أَصلهُ الضِّيقُ ؛ قال أوس :\[ الطويل \]تَرَى الأَرْضَ مِنَّا بِالْقَضَاءِ مَرِيضَةً  مُعَضَّلَةً مِنَّا بِجَيْشٍ عَرَمْرَمِ[(٧)](#foonote-٧)أي : ضَيِّقة بِهم، وعَضَلَتِ المَرْأَة، أي : نَشَبَ وَلَدُها في بَطْنِهَا، وكذلك عضلت الشَّاةُ، وأَعْضَلَ الدَّاءُ الأَطِبَّاء : إِذَا أَعياهُمْ، ويُقَالُ : دَاءٌ عُضَالٌ، أي : ضَيِّقُ العِلاج ؛ وقالت ليلى الأخيلية :\[ الطويل \]شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذِي بِهَا  غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا[(٨)](#foonote-٨)والمُعْضِلاتُ : المُشْكِلاَتُ ؛ لضِيق فَهْمِها ؛ قال الشافعيُّ :\[ المتقارب \]إِذَا المُعْضِلاَتُ تَصَدَّيْنَنِي  كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ[(٩)](#foonote-٩)قوله تعالى :" أَن يَنكِحْنَ " فيه وجهان :
أحدهما : أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في " تَعْضُلُوهُنَّ " بدلُ اشْتِمالٍ، فيكون في محلِّ نصب، أي : فلا تَمْنَعُوا نكاحَهُنَّ. 
والثاني : أَنْ يَكُونَ على إسقاط الخافِضِ، وهو إمَّا " مِنْ "، أو " عَنْ " فيكونُ في محلِّ " أَنْ " الوجهان المشهُورانِ : أعني مذهب سيبويه[(١٠)](#foonote-١٠)، ومذهب الخليل. و " يَنْكِحْنَ " مضارعُ " نَكَحَ " الثّلاثيّ، وكانَ قياسُه أنْ تُفْتَحَ عينُه ؛ لأنَّ لامَه حرف حَلقٍ. 
قوله : إِذَا تَرَاضَوْاْ  في ناصبِ هذا الظَّرْفِ وجهان :
أحدهما :" ينكِحْنَ " أي : أَنْ ينكِحْنَ وقتَ التَّراضِي. 
والثاني : أَنْ يكونَ " تَعْضُلُوهنَّ " أي : لا تعضُلوهنَّ وقتَ التَّراضِي، والأولُ أظهرُ. و " إذا " هنا مُتَمحِّضَة للظرفيةِ. والضميرُ في " تراضَوا " يجوزُ أَنْ يَعُودَ إلى الأوْلياءِ وللأزواج، وأَنْ يَعُودَ على الأَزْوَاجِ والزوجاتِ، ويكونُ مِنْ تَغْلِيبِ المذكرِ على المؤنثِ. 
قوله :" بَيْنَهُمْ " ظرفُ مكانٍ مجازيّ، وناصبُه " تراضَوا ". 
قوله : بِالْمَعْرُوفِ  فيه أربعةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه متعلقٌ بتراضَوا، أي : تَرَاضَوا بما يَحْسُن مِنَ الدِّينِ والمروءَةِ. 
والثاني : أن يتعلَّق ب " يَنْكِحْنَ " فيكون " ينكِحْنَ " ناصباً للظرفِ، وهو " إِذا " ؛ ولهذا الجارِّ أيضاً. 
والثالث : أَن يتعلَّق بمحذوفٍ على أَنَّه حالٌ من فاعل تَرَاضَوا. 
والرابع : أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، دلَّ عليه الفعلُ، أي : تراضياً كائناً بالمعروف. 
### فصل


تمسّكَ بهذه الآيةِ مَنْ يشترط الوَلِيَّ في النكَاحِ ؛ بناءَ على أَنَّ الخطاب في هذه الآية للأولياء، قال : لأَنَّ المرأة لو كانت تُزوِّج نفسها، أَوْ تُوكِّلُ مَنْ يُزوِّجها، ما كان الوليُّ قادراً على عضلها من النِّكاح، ولو لم يكن قادراً على العضلِ لما نهاهُ اللهُ عن العضل وقد تقدم ما فيه من البحث، وإِنْ سلم، فلم لا يجوزُ أَنْ يكون المرادُ بالنَّهي عنِ العضلِ أَنْ يخليها ورأيها في ذلك ؛ لأَنَّ الغالب في الأَيَامَى أَن يرجعن إلى رأي الأَولياء، في بَابِ النكاحِ، وإِنْ كان الاستئذان الشرعي حاصِلاً لهن، وأَنْ يكُنَّ تحت رأيهم، وتدبيرهم، وحينئذٍ يكُونون مُتمكِّنين مِنْ منعهنَّ ؛ لتمكنهم مِنْ تخليتهن، فيكون النَّهي محمولاً على هذا الوجه، وهذا منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، في تفسير هذه الآيةِ[(١١)](#foonote-١١). وأيضاً فثبوتُ العضلِ في حَقِّ الولي مُمْتَنِعٌ ؛ لأنه متى عضل القريبُ فلا يبقى لعضله أثرٌ. 
وتمسَّك أبو حنيفة بقوله تعالى : أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ  على أَنَّ النكاح بغير وَليٍّ جائزٌ، قال : لأنه أَضَافَ النكاح إليها إضافة الفعْل إلى فاعله، ونهى الوليَّ عَنْ منعها منه، قال : ويتأكَّدُ هذا بقوله تعالى : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ  \[ البقرة : ٢٣٠ \]، وبقوله : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ  \[ البقرة : ٢٣٤ \]، وتزويجها نفسها مِنَ الكُفءِ، فعلٌ بالمعروفِ ؛ فوجب أَنْ يَصِحَّ. 
وقوله تعالى : وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ  \[ الأحزاب : ٥٠ \] دليلٌ واضِحٌ مع أَنَّهُ لم يحضر هناك ولي البتَّةَ. 
وأجاب الأولون : بأن الفِعْل كما يُضافُ إلى المباشر، قد يُضافُ إلى المتسبّب، يقال : بني الأمِيرُ داراً، وضرب ديناراً، وإنْ كان مجازاً، إلاَّ أنَّهُ يجب المصيرُ إليه ؛ لدلالةِ الأَحاديث على بُطْلان هذا النِّكَاح. 
### فصل في اختلاف البلوغين


قال الشَّافعيُّ - رحمه اللهُ - دلَّ سياقُ الكلامينِ - أي في الآيتين - على افتراق البُلُوغين، ومعناه أَنَّه تعالى قال في الآية الأولى : فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  \[ البقرة : ٢٣١ \] ولو كانت عِدَّتها قد انقضت، لما قال : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  لأن إمساكها بعد العدّة لا يجوزُ وتكون مُسَرَّحَةً، فلا حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية، فإنه نهى عن عضلهن عن التَّزويج، وهذا النَّهْي إِنَّما يحسن في الوقت الذي يمكنها أَنْ تتزوَّج فيه، وذلك إِنَّ١ - عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام البلوي العجلاني حليف الأنصار. كان سيد بني عجلان، وهو أخو معن بن عدي ويكنى: أبا عمرو، يقال: أبا عبد الله، واتفقوا على ذكره في البدريين، ويقال: إنه لم يشهدها بل خرج فكسر فرده النبي-صلى الله عليه وسلم- من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة وله ذكر في الصحيح من حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، وغاير البغوي بين عاصم بن عدي العجلاني وبين عاصم والد أبي القداح، فوهم، وصرح ابن خزيمة في صحيحه بأن والد ابن القداح هو عاصم بن عدي العجلاني، وقال ابن سعد وابن السكن وغيرهما: مات سنة خمس وأربعين وهو ابن مائة وخمس عشرة وقيل: عشرين وقال الزبير بن بكار في ترجمة عبد الرحمن بن عوف: ومن ولده عمر ومعن وزيد وأمهم سهلة بنت عاصم بن عدي العجلاني كان عبد العزيز بن عمران يحدث عن أبيه عن جده عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال عاش عاصم بن عدي عشرين ومائة سنة، فلما حضرته الوفاة بكى عليه أهله فقال: لا تبكوا علي إنما فنيت فناء وذكر الطبري أنه كان قصير القامة ينظر الإصابة ترجمة رقم (٤٣٤٦)، الأعلام ٣/٢٤٨..
٢ - أخرجه بهذا اللفظ الحاكم (٢/١٧٤) والبيهقي (٧/١٣٨) والطبري في "تفسيره" (٥/١٩) عن الحسن وأخرجه الحاكم (٢/١٨٠) والطبري في "تفسيره" (٥/١٨) مختصرا عن معقل بن يسار.
 وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
 وتعقبه الذهبي فقال: الفضل ضعفه ابن معين وقواه غيره.
 وأخرجه باختصار أيضا البخاري (٩/٤٢٥-٤٢٦) والطبري في "تفسيره" (٥/١٧) عن الحسن عن معقل بن يسار..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢١-٢٢) والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥١١) وزاد نسبته لابن المنذر عن السدي..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٦..
٥ - ينظر: الكشاف ٢/٢٧٨، الدر المصون ١/٥٦٦..
٦ - ينظر: البحر ٢/٢١٥، الدر المصون ١/٥٦٦..
٧ - ينظر ديوانه (١٢١)، اللسان: مرض، الدر المصون ١/٥٦٦..
٨ - ينظر ديوانه (١١٨)، اللسان: عضل، الدر المصون ١/٥٦٧..
٩ - ينظر ديوانه (٤٨)، البحر ٢/٢١٦، الدر المصون ١/٥٦٧..
١٠ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١٧..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٩٧..

### الآية 2:233

> ﻿۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:233]

قوله تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ  كقوله  وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ  \[ البقرة : ٢٢٨ \] فليُلْتفتْ إليه. 
قال القرطبي : لما ذكر اللهُ تعالى النِّكاح والطَّلاق ذكر الولد ؛ لأن الزَّوجين قد يفترِقانِ وثمَّ وَلَدٌ فالآية إِذن في المطلَّقاتِ اللاتي لهُنَّ أولادٌ من أزواجهنَّ، قاله السُّدِّيُّ، وغيره[(١)](#foonote-١). 
قال :" وَالوَالِدَاتُ " ولم يقل والزَّوجاتُ، لأن أُمَّ الطِّفل قد تكُونُ مَطَلَّقَةً والوالدُ والوالدةُ صفتان غالبتانِ، جاريتانِ مَجْرى الجوامد ؛ ولذلك لم يُذْكر موصوفهما. 
وقوله :" حَوْلَينِ " منصُوبٌ على ظرفِ الزمانِ، ووصفهما بكاملين دفعاً للتجوُّز، إِذْ قَد يُطْلَقُ " الحَوْلاَنِ " على الناقصين شهراً وشهرين، من قولهم أَقَامَ فلانٌ بمكان كذا حَوْلَين أو شهرين وإِنَّما أقامَ حَوْلاً وبعض الآخر، ومثله : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ  \[ البقرة : ٢٠٣ \] ومعلومٌ أنه يتعجَّل في يومٍ، وبعض اليوم الثَّاني، والحَولُ مِنْ حال الشَّيءُ يحولُ إذا انقلب، فالحَوْلُ مُنقلب من الوقْتِ الأَول إلى الثاني. وسُمِّيت السنةُ حولاً ؛ لتحوُّلها، والحَوْلُ أيضاً : الحَيْلُ، ويُقالُ : لا حول ولا قوةَ، ولا حَيْلَ وَلاَ قُوَّةَ.

### فصل في تفسير " الوالدات " 


في " الوَالِدَات " ثلاثةُ أقوال : أحدها : أَنَّ المراد منهُ جميعُ الوَالِدَاتِ سواءٌ كُنَّ مطلقاتٍ، أو متزوِّجاتٍ لعُمُومِ اللَّفظِ. 
الثاني : المرادُ مِنْهُ المطلقاتُ ؛ لأَنَّه ذكر هذه الآية عقيب آية الطَّلاقِ، ومناسبتهُ من وجهين :
الأول : أنه إذا طُلِّقَت المرأةُ، فيحصلُ التباغض، فقد تُؤذِي المرأةُ الطفلَ لأَمرين : إِمَّا لأنَّ إيذاءَهُ يتضمَّنُ إيذاءَ الأَبِ، وإِمَّا لرغبتها في زوجٍ آخر فيفضي إلى إِهْمالِ أَمْرِ الطِّفْلِ. 
الثاني : قال السُّدِّيُّ : ومما يدلُّ على أَنَّ المراد منه المطلقاتُ، قوله بعد ذلك : وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ . ولو كانت زوجةً، لوجب على الزَّوج ذلك مِنْ غير إرضاعٍ. 
ويمكن الجوابُ عن الأَوَّل : أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على حُكم مستقلٍّ بنفسه، فلم يجب تعلُّقُها بما قبلها، وعن قول السديّ : أَنَّه لا يبعُدُ أَنْ تستحِقَّ المرأةُ قدراً مِنَ المالِ، لمكانِ الزوجيَّة، وقَدْراً آخر للإرضاع، ولا مُنافاة بين الأَمرينِ. 
القول الثالث : قال الواحديُّ في " البَسيط " الأَولى أَنْ يحمل على الزوجاتِ في حالِ بقاء النكاحِ ؛ لأن المُطلَّقة لا تستحقُّ إلاَّ الأجرة. 
فإِنْ قيل : إذا كانت الزوجيةُ باقيةً، فهي مستحقةٌ للنفقة، والكُسْوةِ ؛ بسبب النكاحِ سَوَاءٌ أَرْضَعت الولد، أَوْ لَمْ تُرضِعهُ، فما وجهُ تعليق هذا الاستِحقاق بالإِرضاع ؟
قلنا : النفقةُ والكسوةُ يجبانِ في مُقابلةِ التمكين، فإذا اشتغلت بالحضانة والإرضاع ولم تتفرغْ لِخدمة الزوج، رُبَّما توهَّمَ مُتوهِّمٌ أَنَّ نفقتها وكسوتها تسقطُ بالخلل الواقع في خدمة الزوجِ ؛ فقطعَ اللهُ ذلك الوَهْمَ بإيجاب الرِّزقِ إذا اشتغلت المرأَةُ بالرضاعِ[(٢)](#foonote-٢). 
### فصل


هذا الكلامُ، وإِنْ كان خبراً فمعناه الأَمْرُ ؛ وتقديره : يرضِعْنَ أَوْلادهنّ في حُكْمِ الله الذي أَوجبه ؛ إِلاَّ أنه حذف ذلك للتصرف في الكَلامِ مع زوالٍ الإِيهامِ، وهو أَمرُ استحباب، لا إيجابٍ ؛ لأنها لو وجب عليها الرضاعُ لما استحقتِ الأُجرة، وقد قال :
 فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  \[ الطلاق : ٦ \] وقال : وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى  \[ الطلاق : ٦ \] وإذا ثبت الاستحبابُ، فهو من حيث إِنَّ تربيةَ الطفلِ بلبنِ الأُمِّ أَصْلَحُ له من سائِرِ الأَلبان، ومن حيثُ إِنَّ شفقةَ الأُم أَتَمُّ مِنْ شفقةِ غيرها. 
### فصل


قال القُرطبي[(٣)](#foonote-٣) : اختلف الناسُ في الرضاع : هَلْ هو حَقٌّ عليها أو هو حق عليه ؟ واللفظُ محتملٌ ؛ لأنه لو أراد التَّصريح بوجوبه لقال : وعلى الوَالِدَاتِ رضاعُ أَولادهُنَّ ؛ كما قال : وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ  ولكن هو حقٌّ عليها في حَقّ الزَّوجيَّة ؛ لأنه يلزمُ في العُرْفِ إذْ قد صار كالشَّرط، إلاَّ أنْ تكونَ شريفةً ذات ترفُّهٍ، فعُرفها ألاَّ تُرْضِعَ وذلك كالشرط ؛ ويجب عليها إن لم يقبل غيرها، وهو عليها إذا كان الأبُ مُعدماً ؛ لاختصاصها به، فإِن ماتَ الأَبُ ولا مال لِلصَّبِيِّ، فذهب مالكٌ في " المُدَوَّنَةِ " إلى أَنَّ الرضاعَ لازمٌ للأُمِّ بخلاف النَّفقةِ، وفي كتاب " ابن الجلاب " : رضاعه في بيتِ المالِ، فأَمَّا المطلَّقةُ طلاقاً بائِناً، فلا رضاع عليها، والرَّضَاعُ على الزَّوج إلاَّ أَنْ تشاء الأُمُّ، فهي أَحَقُّ بأجرةِ المثل، إذا كان الزوجُ مُوسِراً، فإِن كان معدماً، لم يلزمها الرضاعُ إلاَّ أَنْ يكون المولود لا يقبلُ غيرها فتجبر على الرَّضاع وكل من لزمها الإرضاعُ، فأَصابها عُذْرٌ يمنعها منه، عاد الإِرضاع على الأَبِ، وعن مالكٍ : أَنَّ الأَبَ إذا كان مُعدماً، ولا مال للصبي أَنَّ الرضاعَ على الأم لَمْ يكن لها لبنٌ ؛ ولها مالٌ، فَإِنَّ الإِرضاع عليها في مالها. وقال الشَّافعيُّ : لا يلزم الرضاعُ إلاَّ والداً أو جَدّاً وإن عَلاَ. 
### فصل في تحديد الحولين


اختلف العلماءُ في تحديد الحولينِ فقال بعضهم[(٤)](#foonote-٤) : هو حَدٌّ لبعضِ المولُودين. 
روى عكرمة عن ابن عبَّاس : أَنَّها إذا وضعت لستَّةِ أشهرٍ، فإِنَّها تُرْضِعه حولين كاملين، وإن وضعتْ لسبعةِ أشهُر، ترضعُه ثلاثةً وعشرينَ شهراً، وإنْ وضعت لتسعةِ أشهر، تُرضِعه إحدى وعشرين شهراً ؛ كل ذلك تمامُ ثلاثين شهراً[(٥)](#foonote-٥) ؛ لقوله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً  \[ الأحقاف : ١٥ \]. 
وقال آخرون : هو حَدٌّ لكُلِّ مولُودٍ، لا يُنقصُ رضاعُهُ عن حولين، إلاَّ باتِّفاق الأَبوين فأَيُّهما أراد الفِطَامَ قبل تمام الحولينِ، ليس له ذلك إلاَّ أَنْ يجتمعا عليه ؛ لقوله تعالى : فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا  وهذا قولُ ابن جريجٍ، والثوري، ورواية الوالبي، عن ابن عباس[(٦)](#foonote-٦). 
وقيل : المرادُ من الآية : بيانُ الرضاع الذي يثبتُ به الحرمةُ، أن يكون في الحولينِ، ولا يحرم ما يكون بعدَ الحولين[(٧)](#foonote-٧). 
قال قتادة : فرض اللهُ على الوالداتِ إِرضاعُ حولينِ كاملين ثم أنزل التخفيف ؛ فقال  لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ، أي : هذا منتهى الرضاع، ليس فيما دُونَ ذلك حَدٌّ محدودٌ، إِنَّمَا هو على قَدْرِ صلاحِ الصَّبي، وما يعيشُ به، وهذا قولُ عليّ، وابن مسعود، وابن عباسٍ، وابن عمر، وعلقَمة، والشَّعبيِّ، والزهريّ - رضي الله عنهم[(٨)](#foonote-٨) -. 
وقال أبو حنيفة : مدةُ الرَّضاعِ ثلاثُون شهراً، واحتج الأَولون بقوله تعالى : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ  \[ لقمان : ١٤ \] وقال عليه السلام والصلاة " لا رضاع بعد فصال " [(٩)](#foonote-٩). 
وروى ابن عباس قال : قال - عليه الصلاة والسلام - " لاَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ " [(١٠)](#foonote-١٠). 
### فصل


رُوِيَ أَنَّ رجلاً جاء إلى علي رضي الله عنه - فقال : تزوجتُ جاريةً بكراً، وما رأيتُ بها ريبةٌ، ثم وَلَدت لستَّةِ أشهرٍ، فقال عليٌّ - رضي الله عنه - قال الله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً  \[ الأحقاف : ١٥ \] وقال تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  فالحملُ ستَّةُ أشهرٍ ؛ الولدُ ولدكَ[(١١)](#foonote-١١). 
وعن عُمَر - رضي الله عنه - أنه جِيء بامرأةٍ، وضعت لستةِ أشهر، فشاور في رجمِها، فقال ابنُ عباسٍ : إِنْ خاصَمْتكُم بكتابِ اللهِ - تعالى - خَصَمْتُكُمْ، ثم ذكر هاتين الآيتين[(١٢)](#foonote-١٢) واستخرج منهما أَنَّ أَقَلَّ الحملِ ستةُ أشهرٍ، قال : فكأنما أَيْقَظَهُمْ. 
قوله :" لِمَنْ أَرَادَ " في هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه متعلقٌ بيُرْضِعْنَ، وتكونُ اللامُ للتعليل، و " مَنْ " وَاقِعَةٌ على الآباء، أي : الوالداتُ يُرْضِعْنَ لأجْلِ مَنْ أَرَادَ إِتْمام الرَّضاعةِ مِنَ الآباءِ، وهذا نظيرُ قولك :" أَرْضَعَتْ فلانةٌ لفلانٍ ولدَه ". 
والثاني : أنها للتَّبيين ؛ فتتعلَّق بمحذوفٍ، وتكونُ هذه اللامُ كاللامِ في قوله تعالى : هَيْتَ لَكَ  \[ يوسف : ٢٣ \]، وفي قولهم :" سُقْياً لك ". فاللامُ بيانٌ للمدعوِّ له بالسَّقْي وللمُهَيَّت به، وذلك أَنَّه لمّا ذكر أنَّ الوالداتِ يُرْضِعْنَ أولاَدَهُنَّ حولين كاملين، بيَّنَ أنَّ ذلك الحُكم إنما هو لمَنْ أرادَ أن يتُمَّ الرَّضاعة ؛ و " مَنْ " تحتمِلُ حينئذٍ أَنْ يُرادَ بها الوَالِدَاتُ فقط، أَوْ هُنَّ والوالدون معاً، كلُّ ذلك محتملٌ. 
والثالث : أنَّ هذه اللامَ خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ، فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، والتقديرُ : ذلك الحُكمُ لِمَن أرادَ. و " مَنْ " على هذا تكون للوالداتِ والوالدَيْنِ معاً. 
قوله : أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ  " أَنْ " وما في حَيَِّزها في محلِّ نصبٍ ؛ مفعولاً بأراد، أي : لِمَنْ أَرادَ إِتْمَامَها. والجمهورُ على " يُتمَّ الرَّضَاعَةَ " بالياء المضمومة من " أَتَمَّ " وإِعْمَالُ أنْ الناصبَة، ونصبِ " الرَّضَاعةَ " مفعولاً به، وفتح رائها. 
وقرأ[(١٣)](#foonote-١٣) مجاهدٌ، والحسنُ، وابنُ محيصن، وأَبُو رجاء :" تَتِمَّ " بفتح التاءِ من تَمَّ، و " الرضَاعَةُ " بالرفعِ فاعلاً، وقرأ أبو حيوة[(١٤)](#foonote-١٤)، وابنُ أَبِي عبلة كذلك، إلا أنهما كَسَرا راءَ " الرَّضَاعَة "، وهي لغةٌ كالحَضارةِ، والحِضارة، والبَصْرِيُّونَ يقولون : فتحُ الرَّاءِ مع هاءِ التأنيث، وكسرُها مع عدمِ الهاء، والكُوفيُّون يزعمُونَ العكسَ. وقرأ[(١٥)](#foonote-١٥) مجاهدٌ - ويُرْوى عن ابن عبَّاسٍ - :" أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ " برفعِ " يُتِمُّ " وفيها قولان :
أحدهما : قولُ البصريِّين : أنها " أَنْ " الناصبةُ، أُهْمِلت ؛ حَمْلاً عَلَى " مَا " أُخْتِها ؛ لاشتراكِهمَا في المَصْدرية، وأَنشدوا على ذلك قوله :\[ مجزوء الكامل \]إِنِّي زَعِيمٌ يَا نُوَيْ  قَةُ إِنْ أَمِنْتِ مِنَ الرَّزَاحِأَنْ تَهْبِطِينَ بِلاَدَ قَوْ  مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلاَحِ[(١٦)](#foonote-١٦)وقول الآخر :\[ البسيط \]يَا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نُفُوسَكُمَا  وَحَيْثُمَا كُنْتُمَا لَقِّيتُمَا رَشَدَاأَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا  مِنِّي السَّلاَمَ وَأَلاَّ تُشْعِرَا أَحَدَا[(١٧)](#foonote-١٧)فَأَهْمَلَها، ولذلك ثَبَتَ نونُ الرفع، وأَبَوْا أَنْ يَجعلُوها المخفَّفة مِنَ الثقيلةِ لوجهين :
أحدهما : أنه لم يُفْصَل بينها وبين الجملة الفعلية بعدها. 
والثاني : أَنَّ ما قبلها ليس بفعلِ علمٍ ويقينٍ. 
القول الثاني : وهو قول الكوفيِّين أنها المخفَّفة من الثَّقيلة، وشذَّ وقوعها موقع الناصبة، كما شذَّ وقوع " أنْ " الناصبة موقعها في قوله :\[ البسيط \]. . . قَدْ عَلِمُوا  أَلاَّ يَدَانِيَنَا فِي خَلْقِهِ أَحَدٌ[(١٨)](#foonote-١٨)وقرأ مجا١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٨)..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٠٠..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٠٦..
٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢١٢..
٥ - أخرجه الطبري ٥/٣٤ عن ابن عباس..
٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢١٢..
٧ - ينظر: المصدر السابق..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٠١، وتفسير البغوي ١/٢١٢..
٩ - أخرجه البيهقي (٧/٣١٩، ٣٢٠، ٣٦١) والطبراني في "الصغير" (٢/٦٨) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/٢٩٩، ٧/٢٥١) وعبد الرزاق (١٣٩٠١) وابن عدي (٣/ ١٢٢١)..
١٠ - أخرجه البيهقي (٧/٤٦٢) وابن عدي (٧/٢٥٦٢) وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٥٦٧٣) والسيوطي في "الدر المنثور" ( ١/٥١٣)..
١١ - ذكره هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٠) وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر..
١٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥١٣) وزاد نسبته لوكيع وعبد الرزاق وابن أبي حاتم..
١٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣١١، والبحر المحيط ٢/٢٢٣، والدر المصون ١/٥٦٩، وإتحاف فضلاء البشر ١/ ٤٤٠..
١٤ - وقرأ بها الجارود بن أبي سبرة.
 انظر: المحرر الوجيز ١/٣١١، والبحر المحيط ٢/٢٢٣، والدر المصون ١/٥٦٩..
١٥ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٢٣، والدر المصون ١/٥٦٩..
١٦ - البيتان للقاسم بن معن ينظر شرح المفصل ٧/٩، الأزهية (٥٨) العيني ٣/ ٢٩٧، الأشموني ١/٢٩٢..
١٧ - ينظر البيتان: الخزانة ٣/٥٩، الإنصاف (٥٦٣) مجالس ثعلب (٣٢٣)، أوضح المسالك ٣/١٦٦، الدر المصون ١/٥٦٩..
١٨ - تقدم برقم ١١١٤..

### الآية 2:234

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:234]

**في " الَّذِينَ " أوجهٌ :**
أحدها : أنَّها مبتدأٌ لا خبر له، بل أخبر عن الزوجات المتصل ذكرهنَّ به ؛ لأنَّ الحديث معهنَّ في الاعتداد، فجاء الخبر عن المقصود، إذ المعنى : من مات عنها زوجها، تربَّصت، وإليه ذهب الكسائيُّ والفراء[(١)](#foonote-١) ؛ وأنشد الفراء :\[ الطويل \]لَعَلِّيَ إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً  عَلَى ابْنِ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا[(٢)](#foonote-٢)فقال :" لَعَلِّيَ " ثم قال :" أَنْ يَتَنَدَّمَ " فأخبر عن ابن أبي ذِبَّانَ، فترك المتكلم ؛ إذ التقدير : لعلَّ ابن أبي ذبَّان أن يتندَّم إن مالت بي الرِّيح ميلةً. وقال آخر :\[ الطويل \]بَنِي أَسَدٍ إِنَّ ابْنَ قَيْسٍ وَقَتْلَهُ  بِغَيْرِ دَمٍ دَارُ المَذَلَّةِ حُلَّتِ[(٣)](#foonote-٣)فأخبر عن قتله بأنه دار مذلَّةٍ، وترك الإخبار عن ابن قيسٍ[(٤)](#foonote-٤). 
وتحرير مذهب الكسائيِّ والفرَّاء : أنه إذا ذكر اسمٌ، وذكر اسم مضافٌ إليه فيه معنى الإخبار ترك عن الأول، وأخبر عن الثاني ؛ نحو :" إنَّ زَيْداً وَأُخْتهُ مُنْطَلِقَةٌ "، المعنى : إن أخت زيدٍ منطلقةٌ، لكنَّ الآية الكريمة والبيت الأول ليسا من هذا الضَّرب، وإنما الذي أورده شبيهاً بهذا الضرب. قوله :\[ الوافر \]فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فَإِنِّي  وَجِرْوَةَ لاَ تَرُودُ وَلاَ تُعَارُ[(٥)](#foonote-٥)وأنكر المبرد والزجاج ذلك ؛ قالا : لأن مجيء المبتدأ بدون الخبر محال، وليس هذا موضع البحث في هذا المذهب ودلائله. 
الثاني : أنَّ له خبراً اختلفوا فيه على وجوه :
أحدها : أنه " يَتَرَبَّصْنَ "، ولا بدَّ من حذفٍ يصحِّحُ وقوع هذه الجملة خبراً عن الأول ؛ لخلوِّها من الرابط، والتقدير : وأزواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ يَتَرَبَّصْنَ ؛ ويدلُّ على هذا المحذوف قوله : وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً  فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لتلك الدلالة عليه. والتقدير : يتربَّصن بعدهم، أو بعد موتهم، قاله الأخفش[(٦)](#foonote-٦). 
وثالثها : أنَّ " يَتَرَبَّصْنَ " خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، التقدير : أزواجهم يتربَّصْنَ، وهذه الجملة خبرٌ عن الأوَّل، قاله المبرِّد. 
ورابعها : أنَّ الخبر محذوفٌ بجملته قبل المبتدأ، تقديره : فيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفَّون، ويكون قوله " يَتَرَبَّصْنَ " جملةً مبيِّنَةً للحكم، ومفسِّرة له، فلا موضع لها من الإعراب، ويعزى هذا لسيبويه. 
قال ابن عطيَّة : وَحَكَى المَهْدَوِيُّ عن سيبويه أنَّ المعنى :" وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُم الذين يُتَوَفَّونَ "، ولا أعرفُ هذا الذي حكاه ؛ لأنَّ ذلك إنما يتَّجه إذا كان في الكلام لفظ أمرٍ بعد المبتدأ، نحو قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ  \[ المائدة : ٣٨ \]  الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ  \[ النور : ٢ \] وهذه الآية فيها معنى الأمر، لا لفظه، فتحتاج مع هذا التقدير إلى تقدير آخر يستغنى عنه إذا حضر لفظ الأمر. 
وخامسها : أن بعض الجملة قام مقام شيء مضافٍ إلى عائدِ المبتدأ، والتقدير :" وَالَّذِينَ يُتَوفَّوْنَ مِنْكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ أَزْوَاجُهُمْ " فحذف " أَزْوَاجُهُمْ " بجملته، وقامت النون التي هي ضمير الأزواج مقامهنَّ بقيد إضافتهنَّ إلى ضمير المبتدأ. 
وقال القرطبيُّ : المعنى :" والرِّجَالُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِنْكُمْ " " وَيَذَرُونَ " أي : يتركون - " أَزْوَاجاً " - أي : ولهم زوجاتٌ - فالزَّوجات " يَتَرَبَّصْنَ " قال معناه الزَّجَّاج واختاره النَّحاس، وحذف المبتدأ في القرآن كثيرٌ ؛ قال تعالى : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلِكُمُ النَّارُ  \[ الحج : ٧٢ \] أي هو النَّار. 
وقرأ الجمهور " يُتَوَفَّوْنَ " مبنيّاً لما لم يسمَّ فاعله، ومعناه : يموتون ويقبضون ؛ قال تعالى : اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا  \[ الزمر : ٤٢ \]، وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً كاملاً، فمن مات، فقد وجد عمره وافياً كاملاً. 
وقرأ[(٧)](#foonote-٧) علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ورواها المفضَّل عن عاصم - بفتح الياء على بنائه للفاعل، ومعناه : يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ، قاله الزمخشريُّ. 
ويُحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازةٍ، فقال له رجلٌ : من المتوفِّي ؟ بكسر الفاء، فقال : الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على أن أمره بوضع كتابٍ في النَّحو. 
وقد تقدَّم البحث في قوله تعالى : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ  \[ البقرة : ٢٢٨ \] وهل " بِأَنْفُسِهِنَّ " تأكيدٌ أو لا ؟ وهل نصبُ " قُرُوء " على الظرف، أو المفعوليَّة ؟ وهو جارٍ هاهنا. 
قوله :" مِنكُمْ " في محلِّ نصبٍ على الحال من مرفوع " يتَوَفَّوْنَ " والعامل فيه محذوفٌ، تقديره : حال كونهم منكم، و " مِنْ " تحتمل التبعيض وبيان الجنس والأزواج هاهنا. 
### فصل في معنى " التربص " 


و " التَّرَبُّصُ " : التأنِّي والتصبُّر عن النِّكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح بألاَّ تفارقه ليلاً، ولم يذكر الله تعالى السُّكنى للمتوفَّى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلَّقة بقوله : أَسْكِنُوهُنَّ  \[ الطلاق : ٦ \]، وليس في لفظ العدَّة في القرآن ما يدلُّ على الإحداد[(٨)](#foonote-٨) وإنما قال :" يَتَرَبَّصْنَ " فبينت السُّنَّة جميع ذلك. 
قوله : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً  إنما قال " عَشْراً " من غير تاء تأنيثٍ في العدد والمراد عشرة أيام ؛ لوجوه :
الأول : أنَّ المراد " عَشْرَ لَيَالٍ " مع أيامها، وإنما أوثرت الليالي على الأَيام في التاريخ لسبقها ؛ قال الزمخشريُّ : وقيل " عَشْراً " ذهاباً إلى الليالي، والأيام داخلةٌ فيها، ولا تراهم قطُّ يستعملون التذكير ذاهبين فيه إلى الأيام، تقول :" صُمْتُ عَشْراً "، ولو ذكَّرْت خرجت من كلامهم، ومن البيِّن قوله تعالى : إِلاَّ عَشْراً  \[ طه : ١٠٣ \]،  إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً  \[ طه : ١٠٤ \]. 
الثاني : قال المبرِّد : إنَّ حذف التاء ؛ لأجل أنَّ التقدير عشر مددٍ كلُّ مدة منها يومٌ وليلةٌ، تقول العرب :" سِرْنَا خَمْساً " أي : بين يوم وليلة ؛ قال :\[ الطويل \]فَطَافَتْ ثَلاَثاً بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ  وَكَانَ النَّكِيرُ أَنْ تُضِيفَ وَتَجْأَرَا[(٩)](#foonote-٩)والثالث : أنَّ المعدود مذكَّرٌ وهو الأيام، وإنما حذفت التاء ؛ لأنَّ المعدود المذكر، إذا ذكر وجب لحاق التاء في عدده ؛ قالوا " صُمْنَا خَمْسَةَ أَيَّام "، وإذا حذف لفظاً، جاز في العدد الوجهان : ذكر التاء وعدمها، حكى الكسائيُّ :" صُمْنَا مِنَ الشَّهْرِ خَمْساً "، ومنه الحديث : وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ "، وقال الشاعر :\[ الطويل \]وَإِلاَّ فَسِيرِي مِثْلَ مَا سَارَ رَاكِبٌ  تَيَمَّمَ خَمْساً لَيْسَ فِي سَيْرِهِ أَمَمْ[(١٠)](#foonote-١٠)نصَّ النحويون على ذلك. 
قال أبو حيَّان :" فَلا يُحْتَاجُ إلى تأويلها بالليالي ولا بالمدد ؛ كما قدَّره الزَّمخشريُّ والمُبَرِّد على هذا "، قال :" وإذا تقرر هذا، فجاء قوله :" وَعَشْراً " على أحد الجازئين، وإنما حسن حذف التاء هنا ؛ لأنه مقطع كلام، فهو شبيهٌ بالفواصل ؛ كما حسَّن قوله : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً  \[ طه : ١٠٣ \] كونه فاصلةً، فقوله :" ولو ذَكَّرْتَ لَخَرجْتَ من كَلاَمِهِمْ " ليس كما ذكر، بل هو الأفصح، وفائدة ذكره " إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً " بعد قوله " إِلاَّ عَشْراً " أنه على زعمه أراد الليالي، والأيام داخلةٌ معها، فقوله :" إِلاَّ يَوْماً " دليلٌ على إرادةِ الأيَّام ". قال أبو حيان :" وهذا عندنا يدلُّ على أنَّ المراد بالعشر الأيَّام ؛ لأنهم اختلفوا في مدَّة اللَّبث، فقال بعضهم :" عَشْراً " وقال بعضهم :" يَوْماً " فدلَّ على أنَّ المقابل باليوم إنما هو أيام ؛ إذ لا يحسن في المقابلة أن يقول بعضهم : عَشْرُ لَيَالٍ، فيقول البعضُ : يَوْمٌ ". 
الرابع : أنَّ هذه الأيَّام \[ أيَّام حزن ومكروه، ومثل هذه الأيَّام \][(١١)](#foonote-١١) تسمَّى بالليالي على سبيل الاستعارة ؛ كقولهم :" خَرَجْنَا لَيَالِيَ الفِتْنَةِ، وجئنا لياليَ إِمَارَة الحَجَّاج ". 
الخامس : أنَّ المراد بها الليالي، وإليه ذهب الأوزاعيُّ وأبو بكر الأصمُّ، وبعض الفقهاء قالوا : إذا انقضى لها أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ، حلَّت للأزواج[(١٢)](#foonote-١٢). 
### فصل


لما ذكر الله تعالى عدَّة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الرَّضاع، ذكر عدَّة الوفاة أيضاً ؛ لئلاَّ يتوهَّم أن عدة الوفاة مثل عدَّة الطلاق. 
### فصل فيمن تستثنى من هذه العدَّة


هذه العدَّة واجبةٌ على كلِّ امرأةٍ مات عنها زوجها، إلاَّ في صورتين :
الأولى : أن تكون أمَةً، فإنَّها تعتدُّ عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرَّة. 
وقال أبو بكر الأصمُّ[(١٣)](#foonote-١٣) : عدتها عدَّة الحرَّة ؛ لظاهر هذه الآية، ولأن الله تعالى جعل وضع الحمل في حقِّ الحامل بدلاً عن هذه المُدَّة ؛ فوجب أن يشتركا فيه. 
وأجاب الفقهاء بأنَّ التنصيف في هذه المدة ممكنٌ، وفي وضع الحمل غير ممكن، فظهر الفرق[(١٤)](#foonote-١٤). 
الصُّورة الثانية : أن تكون حاملاً، فعدَّتها بوضع الحمل، ولو كان بعد وفاة الزَّوج بلحظة. 
وعن عليٍّ - رضي الله عنه - : أن تتربّصن بأبعد[(١٥)](#foonote-١٥) الأجلين. 
واستدلَّ الجمهور بقوله تعالى : وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ  \[ الطلاق : ٤ \]. 
فإن قيل : هذه الآية إنما وردت عقيب ذكر المطلَّقات ؛ \[ فيكون للمطلَّقات \][(١٦)](#foonote-١٦) لا للمتوفَّى عنها زوجها. 
فالجواب : أنَّ دلالة الاقتران ضعيفةٌ، والاعتبار إنَّما هو بعموم اللفظ. 
وأيضاً : قال عبد الله بن مسعود[(١٧)](#foonote-١٧) :" أُنْزِلَتْ سورةُ النِّساء القُصْرَى بعد الطُّولى " أراد بالقصرى " سُورَة الطَّلاَقِ "، وبالطُّولى " سُورَة البَقَرَةِ "، وأراد به قوله تعالى في سورة الطلاق : وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ  \[ الطلاق : ٤ \] نزلت بعد قوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً  فحمله على الفسخ، وعامَّة الفقهاء خصُّوا الآية بحديث سبيعة، وهو ما روي في " الصَّحِيحَينِ " : أنَّ سُبَيْعَة الأسلميَّة كانت تحت سعد بن خولة، فتوفِّي عنها في حجَّة الوداع، وهي حاملٌ، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهرٍ، فلمَّا طهرت من دمها تجمَّلت للخطَّاب، فدخل عليها أبو السَّنابل بن بعكك، رجلٌ من بني عبد الدَّار، فقال لها : ما لي أراك متجمِّلةً، لعلَّك تريدين النِّكاح، والله ما أنت بناكح حتَّى تمرَّ عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة : فسألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالت : فأفتاني بأنِّي قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتَّزويج، إن بدا لي[(١٨)](#foonote-١٨). 
ولا فرق في عدَّة الوفاة بين الصَّغيرة والكبيرة، وقال ابن عبَّاس : لا عدَّة عليها قبل الدُّخول[(١٩)](#foonote-١٩). 
### فصل في عدة أم الولد المتوفى عنها سيدها


اختلفوا في عدَّة أمِّ الولد، إذا توفِّي عنها سيِّدها، فقال سعيد بن المسيَّب، والزُّهريُّ، والحسن البصريُّ[(٢٠)](#foonote-٢٠)، وجماعةٌ : عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرٌ، وبه قال الأوزاعيُّ، وإسحاق. 
وروي عن عليٍّ، ١ - ينظر: معاني القرآن ١/١٥١..
٢ - ينظر: معاني الفراء ١/١٥٠، الطبري ٢/٥٢٥، البحر ٢/ ٢٣٢ والدر المصون ١/٥٧٦..
٣ - ينظر الطبري ٥/٧٨، الصاحبي ١٨٥، البحر ٢/٢٣٢، الدر المصون ١/٥٧٦..
٤ - في الأصل: بني أسد وهو سبق قلم..
٥ - البيت لشداد العبسي ينظر الكتاب ١/١٥٢، البحر ٢/١٣٢، الأغاني ١٦/٣٢، الارتشاف ٢/٣٢، النقائض (٩٧)، اللسان: جبر، الدر المصون ١/٥٧٦..
٦ - ينظر معاني القرآن: ١/١٧٦..
٧ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣١٤، والبحر المحيط ٢/ ٣٢٣، ونسبها أبو حيان إلى علي والمفضل عن عاصم.
 وانظر: الدر المصون ١/٥٧٧..
٨ - الإحداد مأخوذ من الحد وهو المنع، يقال: حددت الرجل من كذا، إذا منعته، ومنه الحدود الشرعية، لأنها تمنع من ارتكاب سببها ويقال للبواب: حداد أي: مانع، ويقال: مزيدا ومجردا؛ أحدت وحدث.
 وفي الشرع: قال ابن عرفة: ترك ما هو زينة ولو مع غيره، فيدخل فيه ترك الخاتم فقط للمبتذلة، وقوله مع غيره، معناه: أن ترك ما هو زينة وحده أي ما تتزين به كثوب الزينة وحده واجب؛ وكذا ما تتزين به مع غيره، فيدخل في ذلك من كان لها خاتم فقط، وهي مبتذلة ولا زينة لها فيجب عليها طرح الخاتم ولو حديدا اهـ من الخرشي قال العلامة العدوي: هذا التعريف غير مانع لشموله من تركت ما هو زينة، وهي غير معتدة، سواء كانت ذات زوج أو لا، مع أنه ليس من الإحداد ولو قال في التعريف: ترك ما هو زينة، ولو مع غيره لزوجة مات زوجها المسلم - لسلم من ذلك اهـ.
 واعلم أن الأصل فيه حديث الصحيحي: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" أي: فإنه يحل لها الإحداد عليه، أي: يجب؛ للإجماع على إرادته والتقييد بالإيمان جرى على الغالب، وإلا فالكتابية كذلك إذا مات زوجها المسلم.
 اعلم أنه يجب على المرأة الكبيرة في عدة الوفاة دون الطلاق ترك التزين، وعلى ولي الصغيرة أن يجنبها ما تتجنبه الكبيرة، ولا فرق بين أن تكون مسلمة أو كتابية مات زوجها المسلم أن تحقق موته، بل وإن كان مفقودا فإن زوجته تعتد عدة وفاة، وتترك التزين مدة العدة لأنه ميت حكما..
٩ - البيت للنابغة الجعدي ينظر ديوانه ٦٤، الكتاب ٢/١٧٤، البحر ٢/٣٣، المقرب ١/٣١١، الدر المصون ١/٥٧٧..
١٠ - ينظر: البحر ٢/٢٣٤، الدر المصون ١/٥٧٨..
١١ - سقط في ب..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٠٨..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٠٨..
١٤ - ينظر: المصدر السابق..
١٥ - في ب: بعد..
١٦ - سقط في ب..
١٧ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥١..
١٨ - أخرجه البخاري (٣/٣٥٧-٣٥٨) ومسلم (٤/٢٠١) ومالك (٢/٥٩٠) رقم (٨٦) والنسائي (٢/١١١) والترمذي (١/٢٢٤-٢٢٥) والدارمي (٢/١٦٥-١٦٦) وابن الجارود (٧٦٢) والبيهقي (٧/٤٢٩) وأحمد (٦/٣١٢).
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
١٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٠٩..
٢٠ أخرجه مالك عن سعيد بن المسيب كما في "الدر المثنور" (١/٥١٧)..

### الآية 2:235

> ﻿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:235]

قال القرطبيُّ : لا جناح، أي : لا إِثْمَ[(١)](#foonote-١) والجناحُ : الإثمُ، وهو أصح في الشَّرع. 
وقيل : بل هو الأَمر الشاقُّ، وهو أصحُّ في اللغة ؛ قال الشَّمَّاخ :\[ الوافر \]
إِذَا تَعْلُو بِرَاكِبِهَا خَلِيجاً \*\*\* تَذَكَّرُ مَا لَدَيْهِ مِنَ الجُنَاحِ[(٢)](#foonote-٢)
و " التَّعْريضُ " في اللغة : ضدُّ التصريح، ومعناه : أن يضمِّن كلامَهُ ما يصلحُ للدَّلالة على مقصُوده، ويصلُحُ للدَّلالة على غير مقصُوده، إلا أن إشعَاره بجانب المقصُود أتَمُّ وأرجحُ. 
وأصلُهُ مِنْ عُرض الشيء، وهو جانبُهُ ؛ كأنَّه يحوم حولَهُ ؛ ولا يظهر، ونظيره أن يقول المُحتاج للمحتاج إليه : جئتُكَ لأُسلمَ عَلَيك، ولأنْظر إلى وجهك الكريم ؛ ولذلك قال :\[ الطويل \]
. . . \*\*\* وَحَسْبُكَ بِالتَّسْلِيمِ مِنِّي تَقَاضِيَا[(٣)](#foonote-٣)
والتعريض قد يُسمَّى تلويحاً ؛ لأنَّه يَلُوحُ منه ما يريدُه، والفرقُ بين الكناية والتعريض : أنَّ الكناية ذكرُ الشَّيء بذكر لوازمه ؛ كقولك فلانٌ طويلُ النجادِ، كثيرُ الرماد ؛ لأنَّ النجاد عبارةٌ عن حَمِيلَةِ السَّيفِ، إذا كانت حميلةُ سيفهِ طويلةً، لزم منه أن يكونَ الرَّجُل طويلاً، وكذلك إذا كان كثير الرمَادِ، لزم منه أن يكون كثير الطَّبخ للأَضياف، وغيرهم، والتعريضُ أنْ يذكر كلاماً يحتمل المقصُود وغيره، إلاَّ أنَّ قرينة الحال تؤكِّد حمله على المقصُود. 
وقال الفراء[(٤)](#foonote-٤) : الخِطْبَةُ مصدرٌ بمعنى الخَطْب، وهي مثل قولك : إِنَّه لَحَسَنُ القِعْدةِ والجِلْسَةِ تريد : القُعُود والجُلُوس والخطبَةُ مصدرٌ في الأصل بمعنى الخَطْبِ، والخَطْب : الحاجة، ثم خُصَّت بالتماس النكاح ؛ لأنه بعضُ الحاجات، يقال : ما خَطْبُكَ ؟ أي : ما حاجتُك. وفي اشتقاقه وجهان :
الأول : الأمر والشأن يقال ما خطبُكَ ؟ أي : ما شأنُكَ ؟ فقولهم : خَطَبَ فلانٌ فُلانَةً، أي : سَأَلَهَا أَمراً وشأناً في نفسِها. 
والثاني : أصلُ الخِطْبة من الخطابة الَّذي هو الكلامُ، يقال : خَطَبَ المرأة، أي : خاطبها في أمر النِّكاح، والخطب : الأمر العظيم ؛ لأنَّه يحتاجُ لخطاب كثيرٍ. والخطبة بالضَّم، الكلامُ المشتملُ على الوعظِ والزَّجرِ، وكلاهما من الخَطْبِ الذي هو الكلامُ، وكانت سَجاح يُقال لها خِطْبٌ فتقول : نِكْحٌ. 
قوله تعالى : مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ  في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : الهاءُ المجرورةُ في " بِهِ ". 
والثاني :" مَا " المجرورة ب " فِي "، والعاملُ على كِلا التقديرين محذوفٌ، وقال أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) : حالٌ من الهاءِ المجرورةِ، فيكونُ العاملُ فيه " عَرَّضْتُمْ "، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من " مَا " فيكونُ العاملُ فيه الاستقرارَ. قال شهاب الدين : وهذا على ظاهره ليس بجيِّدٍ ؛ لأنَّ العاملَ فيه محذوفٌ ؛ على ما تقرَّر، إلا أَنْ يريدَ من حيث المعنى لا الصناعةُ، فقد يجوزُ له ذلك. 
والخِطبة بكسر الخاء - فعلُ الخاطِب - : من كلام وقصدٍ، واستلطافٍ، بفعل أَو قولٍ. يقال : خطبها يخطبها خطباً، أو خطبةً، ورجل خَطّاب كثيرُ التصرفِ في الخطبةِ، والخطيبُ : الخاطِبُ، والخِطِّيبَى : الخِطْبة، والخطبة فعلهُ : كجلسةٍ، وقعدةٍ، وخُطبة - بضمِّ الخاءِ - هي الكلامُ الذي يقال في النكاح، وغيره. 
قال النحاس :" والخُطبة " ما كان لها أَوَّل وآخِر، وكذلك ما كان على فعله، نحو الأَكلة، والضَّغطَة[(٦)](#foonote-٦).

### فصل في جواز التعريض بالخطبة في عدة الوفاة


التعريضُ بالخطبة مباحٌ في عدَّة الوفاة، وهو أَنْ يقول : رُبَّ راغبٍ فيك، ومَنْ يجدُ مثلك، إنَّك لجميلة إنَّك لصالِحَةٌ، إنّك عليّ كريمةٌ، إنِّي فيك لراغِبٌ، وإن مِنْ غرضي أَنْ أَتزوَّج، وإِنْ جمع اللهُ بيني وبينك بالحلالِ أعجبتني، وإِنْ تزوَّجتُك لأُحسن إليك، ونحو ذلك من الكلامِ، من غير أَنْ يقول : أَنحكيني. 
والمرأةُ تجيبه بمثله، إِنْ رغبتْ فيه. 
وقال إبراهيم : لا بأس أَنْ يُهدي لها ويقوم بشغلها في العدة، إذا كانت غير شابةٍ[(٧)](#foonote-٧). 
روي أَنَّ سُكَيْنةَ بنت حنظلة ؛ بانت من زوجها، فدخل عليها أَبُو جعفرٍ محمَّد بن علي الباقر في عِدّتها، وقال : يا ابنة حنظلة، أنا مَنْ قد عَلِمْت قرابتي مِنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وحقَّ جَدِّي عليِّ، وقدَمي في الإسلام، فقالت له سُكينة : أَتخطبني وأنا في العدَّة، وأَنْتَ يؤخذُ عنك ؟ فقال أو قد فعلت ؟ إِنَّما أخبرتُك بقرابتي مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم[(٨)](#foonote-٨) -. 
وقد دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أُمِّ سلمة، وهي في عِدَّةٍ من زوجها، أبي سلمة، فذكر لها منزلتهُ مِنَ الله - عز وجلَّ - وهو متحامِلٌ على يده ؛ حتَّى أثَّر الحصيرُ في يده من شدَّة تحامله على يده[(٩)](#foonote-٩). 
### فصل


والنٍّساء في حكم الخِطبة على ثلاثة أقسامٍ :
الأول : التي يجوز خِطْبتُها تعريضاً، وتصريحاً، وهي الخاليةُ عن الأَزْوَاجِ والعدد إلاَّ أَنْ يكونَ خطبها غيره ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام :" لا يَخْطِبَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ "، وهذا الحديثُ وإِنْ كان مطلقاً ففيه ثلاثةُ أجوالٍ :
الحالة الأولى : أَنْ يخطب الرجلُ، فيجاب صريحاً ؛ فهاهنا لا يَحِلُّ لغيره أَنْ يخطبها. 
الحالة الثانية : أَنْ يُجابَ بالردِّ صريحاً ؛ فهاهنا يَحِلُّ لغيره أَنْ يخطبها. 
الحالة الثالثة : ألاَّ يوجد صريحُ الإجابة، ولا صريحُ الرَّدِّ ؛ فهاهنا فيه خلافٌ. 
فقال بعضهم تجوزُ خطبتها ؛ لأَن السكوتَ لَمْ يدُلَّ على الرِّضا وهو الجديدُ عن الشَّافعيَّ. 
وقال مالكٌ : لا يجوزُ، وهو القديمُ ؛ لأنَّ السكوت وإِنْ لم يدُلَّ على الرضا، لكنه لا يدلُّ أيضاً على الكراهة، فربَّمَا حصلت الرغبةُ مِنْ بعضِ الوجوه ؛ فتصيرُ هذه الخِطبةُ الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة. 
القسم الثاني : التي لا تجوز خِطْبتُها ؛ لا تصريحاً، ولا تعريضاً، وهي زوجة الغير ؛ لأَنَّ خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأَمر على زوجها، مِنْ حيثُ إنها إذا علمت رغبة الخاطب، فربما حملها ذلك على الامتناع مِنْ تأدية حُقُوق الزوج، والتسبب إلى هذا حرامٌ، والرجعية كذلك ؛ لأنها في حكم الزوجة ؛ لصحة طلاقها، وظهارها، ولعانها، وعِدَّتُها منه عِدَّة الوفاة إذا مات عنها ويتوارثان. 
القسم الثالث : أَنْ يفصل في حقِّها بين التعريض، والتَّصريح، وهي المعتدة غير[(١٠)](#foonote-١٠) الرجعيَّة، وهي ثلاثة أقسامٍ :
الأول : المعتدة عِدَّة الوفاةِ، يجوز خطبتها تعريضاً ؛ لقوله تعالى : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ  فظاهره أنها المتوفَّى عنها زوجها ؛ لأنها مذكورةٌ عقب تلك الآية، ولمّا خُصِّصَ التعريضُ بعدم الجناح، دلّ على أنّ التصريحَ بخلافِهِ، والمعنى يُؤكِّدُه ؛ لأن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فربما حملها الحِرص على النكاح، على الإِخبار بانقضاء العِدَّة قبل أَوانها بخلافِ التعريضِ، فإنَّه يحتمل غير ذلك، فلا يدعوها إلى الكذب. 
الثاني : المعتدةُ عن الطلاق الثلاث، والبائن باللِّعان والرَّضاع ففي جواز التعريض بخطبتها خلافٌ. 
فقيل : يجوز التعريض بخطبتها، لأنّها ليست في نكاحٍ، فأشبهت المتوفى عنها. 
وقيل : لا يجوزُ لأنّ عدتها بالأَقراءِ، فلا يُؤمن عليها الكَذِب في الإخبارِ بانقضاء عدَّتها ؛ لرغبتها في الخُطَّاب. 
الثالث : البائِنُ لطلاقٍ أَوْ فسخٍ، وهي التي يجوزُ لزوجها نكاحُها في عدَّتها كالمختلعة، والتي انفسخ نكاحُها بعيبٍ أو عُنَّةٍ، أَو إعسار نفقةٍ، فهذه يجوزُ لزوجها التصريحُ، والتعريضُ ؛ وأَمَّا غيرُ الزوج، فلا يحلُّ له التصريحُ، وفي التعريض خلافٌ، والصحيحُ : أنّه لا يحِلُّ لأنها مُعتدةٌ، تحلُّ للزوجِ أَنْ يستنكحها في عِدَّتها، فلم يحلَّ التعريض لها كالرجعية. 
وقيل : هي كالمتوفَّى عنها زوجها، والمطلقة ثلاثاً. 
قوله تعالى :" أَوْ أَكْنَنتُمْ " " أَوْ " هنا للإباحةِ، أو التخيير، أو التفصيلِ، أو الإِبهامِ على المخاطبِ، " وأَكَنَّ " في نفسِهِ شيئاً، أي : أَخْفَاهُ، وكَنَّ الشيء بثوبٍ ونحوه : أي سَتَرَهُ به، فالهمزةُ في " أَكَنَّ " للتفرقة بين الاستعمالَيْنِ ك " أَشْرَقَتْ، وشَرَقَتْ ". 
وقال الفراءُ[(١١)](#foonote-١١) : للعرب في " أَكْنَنْتُ الشَيْءَ " أي : سترتهُ، لغتان : كنَنْتُه، وأَكْنَنْتُه في الكِنِّ، وفي النَّفْس ؛ بمعنى، ومنه  مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ  \[ القصص : ٦٩ \]، و بَيْضٌ مَّكْنُونٌ  \[ الصافات : ٤٩ \] وفرَّق قومٌ بينهما، فقالوا : كننتُ الشيء، إذا صُنته حتَّى لا تُصيبه آفةٌ، وإن لم يكن مستُوراً يقال : دُرٌّ مكنونٌ وجاريةٌ مكنونةٌ، وبيضٌ مكنونٌ مصونٌ عن التدحرج ؛ وأمَّا " أَكْنَنْتُ " فمعناه : أضمرت ويستعمل ذلك في الشيء الذي يُخفيه الإنسانُ، ويستره عن غيره، وهو ضِدُّ أَعْلنتُ وأظهرت، ومفعول " أكنَّ " محذوفٌ يعودُ على " ما " الموصولة في قوله :" فِيمَا عَرَّضْتُمْ " أي : أو أكْنَنْتُمُوهُ، ف " فِي أَنْفُسِكُمْ " متعلِّقٌ ب " أَكْنَنتُمْ "، ويضعُفُ جعلُهُ حالاً من المفعولِ المقدَّرِ. 
### فصل في عدوم وجوب الحد بالتعريض


استدلَّ بعضهم[(١٢)](#foonote-١٢) بهذه الآية على أنَّه لا يجب الحدُّ بالتعريض بالقذف \[ لأن الله تعالى لمَّا دفع الجَرَج في التعريض بالنِّكاح، دلَّ على أنَّ التعريض بالقذف \][(١٣)](#foonote-١٣) لا يوجب الحد. 
وأُجيب بأنّ الله تعالى لم يحلَّ التصريح بالخطبة في النكاح للمعتدَّة، وأَذِن في التعريض الذي يُفهم منه النكاحُ، فهذه يدلُّ على أَنَّ التعريض يُفهم منه القذف[(١٤)](#foonote-١٤) والأعراضِ يجب صيانتها، وذلك يوجب الحدَّ على المعرِّض ؛ لئلا يتعرض الفسقةُ إلى أخذ الأَعراضِ بالتعريض الذي يُفهم منه ما يُفهم بالتصريح. 
### فصل في المقصود من الآية


والمقصودُ من الآية أَنّه لا حرج في التعريض للمرأة في عِدَّة الوفاة، ولا فيما يُضمره الرجلُ من الرغبة فيها. 
فإن قيل : إنَّ التعريضَ بالخطبة أعظم حالاً مِنْ أَنْ يميل بقلبه إليها، ولا يذكر باللِّسان شيئاً، فلمّا قدّم جواز التعريض بالخطبة، كان قوله بعد ذلك  أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ  جارٍ مجرى إيضاح الواضحات. 
فالجواب : ليس المرادُ ما ذكرتم، بل المرادُ أنّه أباح التعريض، وحرّم التصريح في الحالِ، ثم قال : أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ  والمرادُ : أَنْ يعقد قلبه على أنه سيصرحُ بذلك في المستقبلِ، ففي أوَّل الآيةِ أباح التعريض في الحالِ، وحرَّم التصريح في الحالِ، وهاهنا أباح له أن يعقد عليه على أنَّه سيصرِّحُ بذلك بعد انقضاء العدّة، ثم إنّه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك، فقال :" عَلِمَ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ " لأنَّ شهوةَ النفس إذا حصلت للنكاح، لا يكاد يخلُو ذلك المشتهي من العزم، والتَّمَنِّي، فلمّا كان دفع هذا الخَاطر، كالشيء الشَّاقِّ أَسقط عنه هذا الحرج، وأباحَ له ذلك، ثُمَّ قال :{ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنّ١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٤..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٤..
٣ - ينظر: الكشاف ١/٢٨٣، الرازي ٦/١١١..
٤ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٥٢..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٨..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٥..
٧ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢١٦..
٨ - ينظر: المصدر السابق..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٩٩-١٠٠) وذكره ابن كثير في "تفسيره" (١/٥٦٧)..
١٠ - في ب: عن..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٢..
١٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٢٥.
١٣ - سقط في ب..
١٤ - في أ: النكاح..

### الآية 2:236

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [2:236]

قوله :" مَا لَمْ " في " مَا " ثلاثة أقوالٍ :
أظهرها : أن تكون مصدريةً ظرفيةً، تقديره : مدَّة عدم المسيس، كقوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ  \[ هود : ١٠٧ \] وقوله : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ  \[ المائدة : ١١٧ \]. 
وقول الآخر :\[ الكامل \]

إِنِّي بِحَبْلِكَ وَاصِلٌ حَبْلِي  وَبِرِيشِ نَبْلِكَ رَائِشٌ نَبْلِيمَا لَمْ أَجِدْكَ عَلَى هُدَى أَثَرٍ  يَقْرُو مَقَصَّكَ قَائِفٌ قَبْلِي[(١)](#foonote-١)والثاني : أن تكون شرطيةً، بمعنى " إِنْ " نقله أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢). وليس بظاهرٍ ؛ لأنه يكون حينئذٍ من باب اعتراض الشرط على الشرط، فيكون الثاني قيداً في الأول ؛ نحو :" إِنْ تَأْتِ إِنْ تُحْسِنْ إِلَيَّ أُكْرِمْكَ " أي : إن أتيت محسناً، وكذا في الآية الكريمة : إن طلَّقتموهنَّ غير ماسِّين لهنَّ، بل الظاهر : أنَّ هذا القائل إنما أراد تفسير المعنى ؛ لأنَّ " مَا " الظرفية مشبَّهة بالشرطيَّة، ولذلك تقتضي التعميم. 
والثالث : أن تكون موصولة بمعنى " الَّذِي "، وتكون للنساء ؛ كأنه قيل : إن طلَّقتم النِّساء اللاَّئي لم تمسُّوهنَّ، وهو ضعيفٌ، لأنَّ " مَا " الموصولة لا يوصف بها، وإن كان يوصف ب " الَّذِي "، و " الَّتي "، وفروعهما. 
وقرأ الجمهور :" تَمَسُّوهُنَّ " ثلاثيّاً وهى واضحةٌ ؛ لأن الغشيان من فعل الرجل ؛ قال تعالى حكاية عن مريم  وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  \[ مريم : ٢٠ \]. وقرأ حمزة[(٣)](#foonote-٣) والكسائيُّ في الأحزاب " تُمَاسُّوهُنَّ " من المفاعلة، فيحتمل أن يكون " فَاعَلَ " بمعنى " فَعَلَ " ك " سَافَرَ "، فتوافق الأولى، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة ؛ كما قال تعالى : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا  \[ المجادلة : ٣ \]، وأيضاً : فإنَّ الفعل من الرجل والتمكين من المرأة، ولذلك قيل لها زانيةٌ، ورجَّح الفارسيّ قراءة الجمهور ؛ بأنَّ أفعال هذا الباب كلَّها ثلاثيّةٌ ؛ نحو : نَكَحَ، فَرَعَ، سَفَدَ، وضَرَبَ الفَحْلُ. 
قال تعالى : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ  \[ الرحمن : ٧٤ \]، وقال : فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ  \[ النساء : ٢٥ \]، وأمّا قوله في الظّهار : مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا  \[ المجادلة : ٣ \] فالمراد به المماسَّة التي هي غير الجماع، وهي حرام في الظهار. 
قوله :" أَوْ تَفْرِضُواْ " فيه أربعة أوجهٍ :
أحدها : أنه مجزوم عطفاً على " تَمَسُّوهُنَّ "، و " أَوْ " على بابها من كونها لأحد الشيئين، قاله ابن عطيَّة. 
والثاني : أنه منصوب بإضمار " أَنْ " عطفاً على مصدر متوهَّم، و " أَوْ " بمعنى " إِلاَّ "، التقدير : ما لم تَمَسُّوهُنَّ إلا أن تفرضوا ؛ كقولهم :" لأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تَقْضِيَني حَقِّي " قاله الزمخشريُّ. 
والثالث : أنه معطوف على جملةٍ محذوفةٍ، تقديره :" فَرَضْتُمْ أَوْ لَم تَفْرِضُوا "، فيكون هذا من باب حذف الجزم وإبقاء عمله، وهو ضعيفٌ جدًّا، وكأنَّ الذي حسَّن هذا كون لفظ " لَمْ " موجوداً قبل ذلك. 
والرابع : أن تكون " أَوْ " بمعنى الواو. 
قال تعالى : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ  \[ الأعراف : ٤ \] أي : وهم قائلون  وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  \[ الصافات : ١٤٧ \] أي : ويزيدون، وقوله : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً  \[ الإنسان : ٢٤ \] وقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى  \[ النساء : ٤٣ \] معناه وجاء أحدٌ منكم من الغائط، وأنتم مرضى أو مسافرون. 
قال ابن الخطيب[(٤)](#foonote-٤) : فإذا تأمَّلت هذا القول، علمت أنّه متكلفٌ، بل خطأٌ قطعاً، والفرض في اللغة : التقدير، أي : تقدِّروا لهن شيئاً. 
**قوله :" فَرِيضَةً " فيه وجهان :**
أظهرهما : أنه مفعولٌ به، وهو بمعنى مفعولة، أي : إلاَّ أن تفرضوا لهنَّ شيئاً مفروضاً. 
والثاني : أن تكون منصوبةٌ على المصدر بمعنى فرضاً، واستجود أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) الوجه الأول ؛ قال :" وأَنْ يكونَ مفعولاً به، وهو الجَيِّدُ " والموصوف محذوفٌ، تقديره : متعةً مفروضةً. 
### فصل في سبب النزول


هذه الآية نزلت في رجلٍ من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمِّ لها مهراً، ثم طلَّقها قبل أن يمسَّها ؛ فنزلت هذه الآية ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَتِّعْهَا وَلَوْ بِقَلَنْسُوَتِك " [(٦)](#foonote-٦). 
قوله :" وَمَتِّعُوهُنَّ " : قال أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧) :" وَمَتِّعُوهِنَّ " معطوف على فعل محذوفٍ، تقديره :" فَطلِّقوهنَّ ومتِّعوهنَّ "، وهذا لا حاجة إليه ؛ فإنَّ الضمير المنصوب في " مَتِّعُوهُنَّ " عائدٌ على المطلَّقات قبل المسيس، وقبل الفرض، المذكورين في قوله : إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ. . .  إلى آخرها. 
فإن قيل : ظاهر الآية مشعرٌ بأن نفي الجناح عن المطلق مشروطٌ بعدم المسيس، وليس كذلك، فإنّه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس. 
**فالجواب من وجوه :**
الأول : أنّ الآية دالةٌ على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً في زمان الحيض، وغيره ؛ فكان عدم المسيس شرطاً في إباحة الطلاق مطلقاً. 
الثاني : ما قدمناه من أنَّ " مَا " بمعنى " الذي "، والتقدير : إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسُّوهنَّ ؛ إلاَّ أنَّ " ما " اسمٌ جامدٌ لا ينصرف، ولا يبين فيه الإعراب، وعلى هذا فلا تكون " مَا " شرطاً فزال السؤال. 
الثالث : قال القفال[(٨)](#foonote-٨) : إن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، وتقديره : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسُّوهنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضة، يعني : لا يجب المهر إلاّ بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر. 
قال ابن الخطيب[(٩)](#foonote-٩) : وهذا ظاهر، وبيان أنَّ قوله :" لاَ جُنَاحَ " معناه : لاَ مَهْرَ ؛ لأنَّ إطلاق لفظ " الجنَاحِ " على المهر محتملٌ ؛ لأن أصل الجناح في اللغة : الثقل، يقال : جَنَحتِ السفينة، إذا مالت بثقلها، والذنب يسمَّى جناحاً ؛ لما فيه من الثِّقل، قال تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  \[ العنكبوت : ١٣ \]، وإذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل، فكان جُنَاحاً، ويدلُّ على أنَّ هذا هو المراد وجهان :
الأول : أنه تعالى قال : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  نفى الجناح محدوداً إلى غاية، وهي إمَّا المسيس، أو الفرض والتقدير، فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين، ثم إنَّ الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين، هو لزوم المهر. 
الوجه الثاني : أنَّ تطليق النساء قبل المسيس، وبعد تقدير المهر، وهو المذكور في الآية التي بعدها، هو تقدير المهر، وقد أوجب فيه نصف المهر وهذا كالمقابل له، فوجب أن يكون الجناح المنفي عنه هناك، هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت في الآية التي بعدها، هو لزوم المهر، وجب أن يقال : الجناح المنفي في هذه الآية هو لزوم المهر. 
قوله : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ  جملةٌ من مبتدأ وخبر، وفيها قولان :
أحدهما : أنها لا محلَّ لها من الإعراب، بل هي استئنافيَّةٌ بيَّنت حال المطلِّق بالنسبة إلى إيساره وإقتاره. 
والثاني : أنها في موضع نصب على الحال، وذو الحال فاعل " مَتِّعُوهُنَّ ". 
قال أبو البقاء[(١٠)](#foonote-١٠) :" تقديره : بقَدر الوُسْعِ "، وهذا تفسير معنًى، وعلى جعلها حاليةً : فلا بدَّ من رابطٍ بينها وبين صاحبها، وهو محذوفٌ، تقديره : على المُوسِع مِنْكُمْ، ويجوز على مذهب الكوفيين ومن تابعهم : أن تكون الألف واللام قامت مقام الضمير المضاف إليه، تقديره :" عَلَى مُوسِعِكُمْ قَدَرُهُ ". 
وقرأ الجمهور :" المُوسِعِ " بسكون الواو وكسر السين، اسم فاعل من أوسَعَ يُوسِعُ، وقرأ[(١١)](#foonote-١١) أبو حيوة بفتح الواو وتشديد السين، اسم مفعولٍ من " وَسَّعَ ". وقرأ حمزة[(١٢)](#foonote-١٢) والكسائيُّ وابن ذكوان وحفصً :" قَدَرهُ " بفتح الدال في الموضعين، والباقون بسكونها. 
واختلفوا : هل هما بمعنًى واحدٍ، أو مختلفان ؟ فذهب أبو زيد والأخفش[(١٣)](#foonote-١٣)، وأكثر أئمة العربية إلى أنهما بمعنًى واحدٍ، حكى أبو زيدٍ :" خُذْ قَدَرَ \[ كَذَا \] وقَدْرَ كَذَا "، بمعنًى واحدٍ، قال :" ويُقْرَأُ في كتاب الله : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا  \[ الرعد : ١٧ \]، و " قَدْرِهَا "، وقال : وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ  \[ الأنعام : ٩١ \] ولو حركت الدال، لكان جائزاً. وذهب جماعةٌ إلى أنهما مختلفان، فالساكن مصدرٌ والمتحرك اسمٌ ؛ كالعدِّ والعدد، والمدِّ والمدد، وكأنَّ القدر بالتسكين الوسع، يقال :" هُوَ يُنْفِقُ عَلَى قَدْرِهِ " أي وسعه، وقيل : بالتَّسكين الطاقة، وبالتحريك المقدار، قال أبو جعفر :" وَأَكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحْرِيكِ، إذا كان مساوياً للشيء، يقال : هَذَا عَلَى قَدَرِ هَذَا ". 
وقرأ بعضهم بفتح الراء، وفي نصبه وجهان :
أحدهما : أن يكون منصوباً على المعنى. 
قال أبو البقاء[(١٤)](#foonote-١٤) : وهو مفعولٌ على المعنى ؛ لأنَّ معنى " مَتِّعُوهُنَّ " \[ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنْكُمْ قَدَرَ وُسْعِهِ " وشرح ما قاله : أن يكون من باب التضمين، ضمَّن " مَتِّعُوهُنَّ " \] معنى " أَدُّوا ". 
والثاني : أن يكون منصوباً بإضمار فعلٍ، تقديره : فأوجبوا على الموسع قدره، وجعله أبو البقاء[(١٥)](#foonote-١٥) أجود من الأول، وفي السَّجاونديِّ :" وقال ابن أبي عبلة : قَدَرَهُ، أي : قَدَرَهُ اللهُ " انتهى. 
وظاهر هذا : أنه قرأ بفتح الدال والراء، فيكون " قَدَرَهُ " فعلاً ماضياً، وجعل فيه ضميراً فاعلاً يعود على الله تعالى، والضمير المنصوب يعود على المصدر المفهوم من " مَتِّعُوهُنَّ "، والمعنى : أنَّ الله قدر وكتب الإمتاع على الموسع وعلى المقتر. 
**قوله :" مَتَاعاً " في نصبه وجهان :**
أحدهما : أنه منصوبٌ على المصدر، وتحريره أنه اسم مصدرٍ ؛ لأنَّ المصدر الجاري على صدره إنَّما هو التمتيع، فهو من باب : أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً  \[ نوح : ١٧ \]. وقال أبو حيَّان : قالوا : انتصَبَ على المصدرِ ؛ وتحريرُهُ : أن المتاع هو ما يمتع به، فهو اسمٌ له، ثم أطلق على المصدر ؛ على سبيل المجاز، والعامل فيه :" وَمَتِّعُوهُنَّ " قال شهاب الدين : وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ المعهود أن يطلق المصدر على أسماء الأعيان ؛ كضربٍ بمعنى مضروبٍ، وأمَّا إطلاق الأعيان على المصدر، فلا يجوز، وإن كان بعضهم جوَّزه على قلَّةٍ ؛ نحو قولهم :" تِرْباً وَجَنْدَلاً " و " أَقَائِماً، وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ "، والصحيح أن " تِرْباً " ونحوه مفعولٌ به، و " قائماً " نصبٌ على الحال. 
\[ والثاني من وجهي " مَتَاعاً " أن ينتصب على الحال \]، والعامل فيه ما تضمَّنه الجارُّ والمجرور من معنى الفعل، وصاحب الحال ذلك الضمير المستكنُّ في ذلك العامل، والتقدير : قدر الموسع يستقرُّ عليه في حال كونه متاعاً. 
قوله :" بِالْمَعْرُوفِ " فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق ب " مَتِّعُوهُنَّ "، فتكون الباء للتعدية. 
والثاني : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل " مَ١ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه ص ٢٣٩، وشرح أبيات سيبويه ١/٤٠٦، ولسان العرب (حبل)، وللنمر بن تولب ينظر ملحق ديوانه ص ٤٠٥، ورصف المباني ص ٤٤٧، والكتاب ١/١٦٤، والبحر ٢/٢٤٠، والجمل (٩٨)، والدر المصون ١/٥٨١..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٣ - انظر: السبعة ١٨٣-١٨٤، والحجة ٢/٣٣٦، والعنوان ٧٤، وحجة القراءات ١٣٧-١٣٨، وشرح الطيبة ١٠٤-١٠٥، وشرح شعلة ٢٩١، وإتحاف ١/٤٤١..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٨..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٦ - انظر: تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (٣/٢٠٢)..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٧..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٧..
١٠ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
١١ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣١٩، والبحر المحيط ٢/٢٤٣، والدر المصون ١/٥٨٢..
١٢ - انظر: السبعة ١٨٤، والحجة ٢/ ٣٣٨، وحجة القراءات ١٣٧، والعنوان ٧٤، وشرح الطيبة ١٠٣-١٠٥، وشرح شعلة ٢٩١، وإتحاف ١/ ٤٤١-٤٤٢..
١٣ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ٣٧٢..
١٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
١٥ - ينظر: المصدر السابق..

### الآية 2:237

> ﻿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:237]

هذه الآية في المطلَّقة قبل المسيس المفروض لها ؛ فبيَّن أنَّ لها نصف ما فرض لها. 
واختلف أهل العلم في الخلوة، فقال الشَّافعيُّ : إنها تقرر نصف المهر. 
وقال أبو حنيفة : الخلوة الصَّحيحة : أن يخلو بها، وليس هناك مانعٌ حسي، ولا شرعيٍّ، فالحسِّي : كالرَّتق، والقرن والمرض أو معهما ثالثٌ. 
والشرعي : كالحيض، والنُّفاس، وصوم الفرض، وصلاة الفرض، والإحرام المطلق ؛ فرضاً كان، أو نفلاً. 
واحتجَّ الشَّافعيُّ : بأن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر ؛ لأن قوله تعالى : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ليس كلاماً تاماً، بل لا بدَّ من إضمار، \[ شيءٍ، ليتم \][(١)](#foonote-١) الكلام، فإمَّا أن يضمر :" فنصفُ مَا فَرضْتُمْ سَاقِطٌ "، أو يضمر :" فنصفُ مَا فَرَضْتُمْ ثَابِتٌ "، والإضمار الأوّل هو المقصود ؛ لوجوه :
أحدها : أنّ المعلّق على الشَّيء بكلمة " إِنْ " عدمٌ عند عدم ذلك الشيء ظاهراً ؛ فلو حملناه على الوجوب، تركنا العلم بمقتضى التعليق، لأنّه غير منفي قبله، وإذا حملناه على السقوط، عملنا بمقتضى التَّعليق ؛ لأنه منفيٌّ قبله. 
وثانيها : أنَّ قوله تعالى : وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  يقتضي وجوب كلِّ المهر عليه، لأنه لمّا التزم كلَّ المهر، لزمه الكلُّ بقوله تعالى : أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ  \[ المائدة : ١ \] فلا حاجة إلى بيان ثبوت النصف، وإنَّما المحتاج إليه بيان سقوط النصف ؛ لأن المقتضي لوجوب الكل قائمٌ، فكان سقوط البعض هاهنا، هو المحتاج إلى البيان، فكان حمل الآية على بيان السقوط، أولى من حملها على بيان الوجوب. 
وثالثها : أن الآية الدَّالة على وجوب إيتاء المهر، قد تقدمت في قوله : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً  \[ البقرة : ٢٢٩ \] فحمل الآية على سقوط النِّصف أولى. 
ورابعها : أن المذكور في هذه الآية، هو الطلاق قبل المسيس، وهو يناسب سقوط نصف المهر، ولا يناسب وجوب شيءٍ، فلمّا كان إضمار السقوط أولى، لا جرم استقصينا هذه الوجوه ؛ لأن منهم من قال : معنى الآية : فنصف ما فرضتم واجبٌ، وتخصيص النصف بالوجوب، لا يدلُّ على سقوط الآخر، إلاّ من حيث دليل الخطاب، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجَّة. وقد ذكرنا هذه الوجوه ؛ دفعاً لهذا السؤال. 
واستدلَّ أبو حنيفة بقوله تعالى : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً  \[ النساء : ٢٠ \] إلى قوله : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  \[ النساء : ٢١ \] فنهى تعالى عن أخذ المهر، ولم يفرّق بين الطلاق، وعدم الطَّلاق، إلاَّ إن توافقنا على تخصيص الطلاق قبل الخلوة فمن ادّعى التخصيص - هاهنا - فعليه البيان، وأيضاً فإنّه تعالى نهى عن أخذ المهر، وعلَّل بعلَّة الإفضاء، وهي الخلوة، لأنَّ الإفضاء : مشتقٌّ من الفضاء، وهو المكان الخالي فعلمنا أنَّ الخلوة تقرِّر المهر. 
والجواب عن ذلك : بأن دليلهم عامٌّ، ودليلنا خاصٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ. 
قوله تعالى : وَقَدْ فَرَضْتُمْ  : هذه الجملة في موضع نصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون ضمير الفاعل، وأن يكون ضمير المفعول ؛ لأنَّ الرباط موجودٌ فيهما، والتقدير : وإن طلقتموهن فارضين لهن، أو مفروضاً لهنَّ، و " فَرِيضَة " فيها الوجهان المتقدمان. 
والفاء في " فَنِصْفُ " جواب الشرط، فالجملة في محلِّ جزمٍ ؛ جواباً للشرط، وارتفاع " نِصْفُ " على أحد وجهين : إمَّا الابتداء، والخبر حينئذٍ محذوفٌ، وإن شئت قدَّرته قبله، أي : فعليكم أو فلهنَّ نصف، وإن شئت بعده، أي : فنصف ما فرضتم عليكم - أو لهنَّ - وإمَّا على خبر مبتدأ محذوف، تقديره : فالواجب نصف. 
وقرأت[(٢)](#foonote-٢) فرقةٌ :" فَنِصْفَ " بالنصب على تقدير :" فَادْفَعُوا، أَوْ أَدُّوا "، وقال أبو البقاء[(٣)](#foonote-٣) :" ولو قُرِئَ بالنصبِ، لكان وجهه فَأَدَّوا \[ نِصْفَ \] " فكأنه لم يطَّلع عليها قراءة مرويَّةً. 
والجمهور على كسر نون " نِصْف "، وقرأ[(٤)](#foonote-٤) زيدٌ وعليٌّ، ورواها الأصمعيُّ قراءة عن أبي عمرو :" فَنُصْف " بضمِّ النون هنا، وفي جميع القرآن، وهما لغتان، وفيه لغةٌ ثالثة :" نَصِيف " بزيادة ياءٍ، ومنه الحديث :" مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ " [(٥)](#foonote-٥). 
والنَّصيف - أيضاً - : القناع، قاله القرطبي[(٦)](#foonote-٦)، والنِّصف : الجزء من اثنين، يقال : نصف الماء القدح، أي : بَلَغَ نِصْفَهُ، ونَصَفَ الإزار السّاق، وكلُّ شيءٍ بلغ نصف غيره، فقد نصفه. 
و " مَا " في " مَا فَرَضْتُمْ " بمعنى " الَّذِي "، والعائدُ محذوف لاستكمالِ الشروطِ، ويضعفُ جعلُها نكرةً موصوفةً. 
قوله تعالى : إَلاَّ أَن يَعْفُونَ  في هذا الاستثناء وجهان :
أحدهما : أن يكونَ استثناءً منقطعاً، قال ابن عطيَّة وغيره :" لأنَّ عَفْوَهُنَّ عَنِ النِّصْفِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَخْذِهِنَّ ". 
والثاني : أنه متصلٌ، لكنه من الأحوال ؛ لأَنَّ قوله :" فنصفُ ما فَرَضْتُمْ " معناه : فالواجبُ عليكم نصفُ ما فَرَضْتُمْ في كلِّ حال، إلا في حال عَفْوِهِنَّ، فإنه لا يجب، وإليه نَحَا أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧)، وهذا ظاهرٌ، ونظيرُه : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  \[ يوسف : ٦٦ \] وقال أبو حيان " إِلاَّ أَنَّ مَنْ مَنَعَ أَنْ تَقعَ " أَنْ " وصلتُها حالاً، كسيبويه[(٨)](#foonote-٨) ؛ فإنه يمنعُ ذلك، ويكونُ حينئذٍ منقطعاً ". 
وقرأ الحسن[(٩)](#foonote-٩) " يَعْفُونَهُ " بهاء مضمومةٍ وفيها وجهان :
أحدهما : أنها ضميرٌ يعودُ على النِّصف، والأصلُ : إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ عَنْهُ، فحُذِف حرفُ الجَرِّ، فاتصل الضميرُ بالفعلِ. 
والثاني : أنها هاءُ السكتِ والاستراحةِ، وإنما ضَمَّها ؛ تشبيهاً بهاءِ الضميرِ، كقول الآخر \[ الطويل \]
هُمُ الفَاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ \*\*\*. . . [(١٠)](#foonote-١٠)
على أحدِ التأويلين في البَيت أيضاً. 
وقرأ ابن أبي[(١١)](#foonote-١١) إسحاق :" تَعْفُونَ " بتاءِ الخطابِ، ووجهها الالتفاتُ من ضميرِ الغَيبة إلى الخطابِ، وفائدةُ هذا الالتفاتِ التحضيضُ على عَفْوِهنَّ، وأنه مندوبٌ. 
و " يَعْفُونَ " منصوبٌ ب " أَنْ " تقديراً ؛ فإنَّه مبنيٌّ ؛ لاتصاله بنونِ الإِناثِ، هذا رأيُ الجمهور، وأمَّا ابن درستويه، والسُّهَيْليُّ : فإنه عندهما معربٌ، وقد فَرَّق الزمخشريُّ وأبو البقاء[(١٢)](#foonote-١٢) بين قولك :" الرِّجَالُ يَعْفُونَ " و " النِّسَاءُ يَعْفُونَ " وإنْ كان \[ هذا \] من الواضحاتِ بأنَّ قولك " الرِّجَالُ يَعْفُونَ " الواو فيه ضميرُ جماعة الذكور، وحُذف قبلها واوٌ أخرى هي لام الكلمة، فإن الأصل :" يَعْفُوونَ "، فاسْتُثْقلت الضمةُ على الواوِ الأولى، فحُذِفت، فبقيت ساكنةً، وبعدها واو الضمير أيضاً ساكنةٌ، فحُذِفت الواو الأولى ؛ لئلاَّ يلتقي ساكنان، فوزنهُ " يَعْفُونَ "، والنونُ علامة الرفع ؛ فإنه من الأمثلةِ الخمسةِ وأَنَّ قولك :" النِّسَاءُ يَعْفُونَ "، الواوُ لامُ الفعل، والنون ضميرُ جماعةِ الإِناثِ، والفعل معها مبنيٌّ، لا يظهرُ للعامِل فيه أَثَرٌ قال شهاب الدين : وقد ناقش الشيخ الزمخشريَّ بأنَّ هذا من الواضحات التي بأدنى قراءة في هذا العلم تُعْرَفُ، وبأنه لم يبيِّنْ حذف الواو من قولك :" الرِّجَالُ يَعْفُونَ "، وأنه لم يذكُرْ خلافاً في بناء المضارع المتَّصلِ بنون الإناث، وكُلُّ هذا سهلٌ لا ينبغي أن يُناقَشَ بمثله. 
وقوله تعالى : أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِي  " أَوْ " هنا فيها وجهان :
أحدهما : هي للتنويع. 
والثاني : أنها للتخيير، والمشهورُ فتحُ الواو ؛ عطفاً على المنصوبِ قبله، وقرأ الحسن[(١٣)](#foonote-١٣) بسكونها واستثقل الفتحة على الواو، فقدَّرها كما يقدِّرها في الألف، وسائرُ العرب على استخفافها، ولا يجوز تقديرها إلا في ضرورةٍ ؛ كقوله - هو عامر بن الطُّفَيل - \[ الطويل \]
فَمَا سَوَّدَتْني عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ \*\*\* أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُوْ بَأُمِّ وَلاَ أَبِ[(١٤)](#foonote-١٤)
ولمَّا سكَّن الواوَ، حُذِفَت للساكن بعدها، وهو اللامُ من " الَّذِي "، وقال ابنُ عطية " والذي عندي أنه استثقل الفتحةَ على واو متطرِّفةٍ قبلها متحرِّكٌ ؛ لقلِّةِ مجيئها في كلامهم " وقال الخليل :" لم يجئ في الكلام واوٌ مفتوحةٌ متطرفةٌ قبلها فتحةٌ إلا قولهم " عَفْوَة " جمع عَفْو "، وهو ولدُ الحِمَارِ، وكذلك الحركة - ما كانت - قبل الواو المفتوحةِ فإنَّها ثقيلةٌ " انتهى. قال أبو حيَّان : فقوله :" لقلَّةِ مجيئها "، يعني مفتوحةً، مفتوحاً ما قبلَها، وهذا الذي ذكره فيه تفصيلٌ، وذلك أنَّ الحركةَ قبلها : إمَّا أَنْ تكونَ ضمةً، أو كسرةً، أو فتحةً، فإنْ كانَتْ ضمَّةً : فإمَّا أَنْ يكونَ ذلك في اسم أو فعلٍ، فإنْ كان في فعلٍ، فهو كثيرٌ، وذلك جميعُ أمثلةِ المضارع الداخلِ عليها حرف نصبٍ ؛ نحو :" لَنْ يَغْزُوَ "، والذي لحِقَه نونُ التوكيد منها ؛ نحو " هلَ يَغْزُوَنَّ "، وكذلك الأمر ؛ نحو :" اغْزُوَنَّ "، وكذا الماضي على " فَعُلَ " في التعجب ؛ نحو : سَرُوَ الرَّجُل ؛ حتى إن ذوات الياء تُرَدُّ إلى الواو في التعجُّب، فيقولون :" لَقَضُوَ الرَّجُلُ "، على ما قُرِّرَ في بابِ التصريف، وإنْ كان ذلك في اسم : فإمَّا أن يكونَ مبنيّاً على هاءِ التأنيث، فيكثر أيضاً ؛ نحو : عَرْقُوة وتَرْقُوة وقمحدوة، وإنْ كان قبلها فتحة، فهو قليل ؛ كما ذكر الخليل، وإن كان قبلها كسرةٌ، قُلِبت الواوُ ياءً ؛ نحو : الغازي والغازية، وشَذَّ من ذلك " أَفْرِوَة " جمع " فَرِوَة "، وهي مَيْلَغَةُ الكَلْب، و " سَوَاسِوَة " وهم : المستوون في الشَّرِّ، و " مَقَاتِوَة " جمع مُقْتَو، وهو السائسُ الخادِمُ، وتَلَخَّصَ من هذا أنَّ المراد بالقليل واوٌ مفتوحةٌ متطرِّفة مفْتُوحٌ ما قبلها \[ في \] اسمٍ غير ملتبسٍ بتاءِ التأنيثِ، فليس قولُ ابن عطية " والَّذي عندي إلَى آخره " بظاهر. 
والمرادُ بقوله : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ  قيل : الزوجُ، وقيلَ : الولِيُّ و " أل " في النكاح للعهدِ، وقيل بدلٌ من الإِضافةِ، أي : نكاحُه ؛ كقوله :\[ الطويل \]
لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِهَا اللهُ غَيْرَهُمْ \*\*\* مِنَ الجُودِ، وَالأَحْلاَمُ غَيْرُ عَوَازِبِ[(١٥)](#foonote-١٥)
أي : أحلامُهم، وهذا رأيُ الكوفيِّين. وقال بعضهم : في الكلامِ حذفٌ، تقديره : بيده حِلُّ عُقْدَةِ النِّكَاحِ ؛ كما قيل ذلك في قوله : وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ  \[ البقرة : ٢٣٥ \]، أي عَقْدَ عُقْدَةِ النكاح، وهذا يؤيِّد أنَّ المرادَ الزَّوْجُ.

### فصل فيمن بيده عقدة النكاح


المراد بقوله :" يَعفُونَ " أي : المطلقاتُ يعفُون عن أزواجهنَّ، فلا يطالبنهم بنصفِ المهرِ. 
واختلفوا في  الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ  فقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وسعيدُ بن جُبير، والشعبي، وشُرَيحٌ، ومجاهدٌ، وقتادة : هو الزَّوج[(١٦)](#foonote-١٦)، وبه قال أبو حنيفة. 
وقال علقمةُ، وعطاءُ، والحسنُ، والزهريُّ، وربيعةُ : هو ال١ - في ب: حتى يلتئم..
٢ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٢٠، والبحر المحيط ٢/٢٤٤، والدر المصون ١/٥٨٤..
٣ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٠..
٤ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٢٠، والبحر المحيط ٢/٢٤٤، والدر المصون ١/ ٥٨٤..
٥ - أخرجه البخاري (٧/٢١) كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا خليلا ومسلم (٤/١٩٦٧-١٩٦٨) كتاب فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة (٢٢٢-٢٥٤١) وأبو داود (٤/٢١٤) كتاب السنة باب النهي عن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والترمذي (٥/٦٥٣) كتاب المناقب باب فضل من بايع تحت الشجرة..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٣٥..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٠..
٨ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١٩٥..
٩ - انظر: الدر المصون ١/٥٨٥..
١٠ - تقدم رقم ٧٧٥..
١١ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٤٥، والدر المصون ١/٥٨٥..
١٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٠..
١٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٢١، والبحر المحيط ٢/٢٤٦، والدر المصون ١/٥٨٦..
١٤ - ينظر المفصل لابن يعيش ١٠/١٠٠، الخزانة ٣/٢٣٧، الحماسة ١/٢١، البحر ٢/٢٤٦، مغني اللبيب (٦٧٧)، العيني ١/٢٤٢، الأشموني ١/١٠١، الدر المصون ١/٥٨٦..
١٥ - البيت للنابغة ينظر ديوانه (٥٦)، القرطبي (٣/١٣٦)، البحر ٢/٢٤٦، الدر المصون ١/٥٨٦..
١٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/١٥١- ١٥٢) عن علي بن أبي طالب وقتادة وشريح وسعيد بن جبير.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٢١) وعزاه لابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وشريح وابن المسيب والشعبي ونافع ومحمد بن كعب..

### الآية 2:238

> ﻿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [2:238]

قوله تعالى :" حَافِظُواْ " : في " فَاعَلَ " هنا قولان :
أحدهما : أنه بمعنى " فَعِلَ "، كطارَقْتُ النَّعْلَ، وعاقَبْتُ اللصَّ، ولمَّا ضمَّن المحافظة معنى المواظبةِ، عدَّاها ب " عَلَى ". 
الثاني : أنَّ " فَاعَلَ " على بابها من كونها بين اثنين، فقيلَ : بين العبدِ وربِّه، كأنه قيل : احفَظْ هذه الصلاةَ يحفظْكَ اللهُ، وقيل : بين العبدِ والصلاةِ، أي : احفَظْها تَحْفَظْك. وحفظُ الصَّلاة للمُصلِّي على ثلاثة أوجهٍ :
الأول : أنها تحفظه مِنَ المعاصي ؛ كقوله : إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  \[ العنكبوت : ٤٥ \]. 
الثاني : تحفظه من البَلايا، والمِحَن ؛ لقوله : وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ  \[ البقرة : ٤٥ \]، وقال الله : إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ  \[ المائدة : ١٢ \] أي : معكم بالصَّبر، والحفظ. 
الثالث : تحفظُه : بمعنى تشفعُ له ؛ لأن الصلاة فيها القرآنُ ؛ والقرآن يشفع لقارئه، وهو شافِعٌ مُشَفَّعٌ. 
وقال أبو البقاء[(١)](#foonote-١) : ويكون وجوبُ تكرير الحِفْظ جارياً مجرى الفاعلين ؛ إذْ كان الوجوبُ حاثّاً على الفعلِ، وكأنه شريكُ الفاعلِ للحفظ ؛ كما قالوا في  وَاعَدْنَا مُوسَى  \[ البقرة : ٥١ \] فالوعدُ من اللهِ، والقَبُولُ من موسى بمنزلةِ الوعد ؛ وفي " حَافِظُوا " معنى لا يُوجَدُ في " احْفَظُوا " وهو تكريرُ الحفْظِ وفيه نظرٌ ؛ إذ المفاعلةُ لا تدُلُّ على تكريرِ الفعلِ البتةَ. 
قوله تعالى : والصَّلاَةِ الْوُسْطَى  ذكر الخاصَّ بعد العامِّ، وقد تقدَّم فائدته عند قوله تعالى : مَن كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ  \[ البقرة : ٩٨ \] والوُسطى : فعلى معناها التفضيلُ، فإنها مؤنثةٌ للأوسطِ ؛ كقوله - يمدح الرسول عليه والصلاة والسلام - :\[ البسيط \]

يَا أَوْسَطَ النَّاسِ طُرّاً فِي مَفَاخِرِهِمْ  وَأَكْرَمَ النَّاسِ أُمًّا بَرَّةً وَأَبَا[(٢)](#foonote-٢)وهي \[ من \] الوسط الذي هو الخيارُ، وليست من الوسطِ الذي معناه : متوسِّطٌ بين شيئين ؛ لأنَّ فُعْلى معناها التفضيلُ ؛ ولا يُبْنى للتفضيل، إلا ما يَقْبَلُ الزيادةَ والنقصَ، والوَسَطُ بمعنى العَدْل والخيارِ يقبلُهما بخلافِ المتوسِّطِ بين الشيئين ؛ فإنه لا يَقْبَلُهما، فلا ينبني منه أفعلُ التفضيل. 
وقرأ علي[(٣)](#foonote-٣) :" وَعَلَى الصَّلاَةِ " بإعادة حرفِ الجرِّ توكيداً، وقرأَتْ[(٤)](#foonote-٤) عائشةُ - رضي الله عنها - " وَالصَّلاَةَ " بالنصبِ، وفيها وجهان :
أحدهما : على الاختصاصِ، ذكرَه الزمخشريُّ. 
والثاني : على موضع المجرورِ قَبْلَهُ ؛ نحو : مَرَرْتُ بزيدٍ وَعَمْراً، وسيأتي بيانُه في المائدة - إن شاء الله تعالى -. 
قال القرطبي[(٥)](#foonote-٥) : وقرأ أبو جعفر[(٦)](#foonote-٦) الواسطي " والصَّلاَةَ الوُسْطَى " بالنصب على الإِغراء أي : والْزَمُوا الصَّلاة الوُسْطَى وكذلك قرأ الحلواني، وقرأ قالُونُ، عن نافع " الوُصْطَى " بالصَّادِ ؛ لمجاورَة الطاءِ ؛ لأنهما مِنْ واحدٍ، وهما لغتان ؛ كالصراط ونحوه. 
### فصل


لمّا ذكر الأحكام المتعلّقة بمصالح الدُّنيا مِنْ بيان : النكاح، والطلاقِ، والعُقُودِ، أتبعه بذكر الأَحكامِ المتعلِّقة بمصالح الآخرة. 
وأَجمع المسلمون على وجوب الصلوات الخمس، وهذه الآيةُ تدلُّ على كونها خَمْساً ؛ لأن قوله : حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ  تدل على الثَّلاثة مِنْ حيثُ إِنَّ أَقلَّ الجمع ثلاثةٌ، ثم قال : والصَّلاَةِ الْوُسْطَى  يدلُّ على شيءٍ زائدٍ عن الثلاثة ؛ وإلاَّ لزم التكرارُ، والأصلُ عدمهُ، ثم إنَّ الزَّائد يمتنع أَنْ يكون أربعةً، لأنها لا يبقى لها وسطى فلا بُدَّ وأَنْ ينضمَّ إلى تلك الثلاثة عددٌ آخرُ ؛ حتى يحصلَ به للجموع واسطةٌ، وأقلُّ ذلك خمسةٌ، فدلَّت هذه الآيةُ على أن الصلوات المفروضات خمسٌ بهذا الطَّريق، وهذا الاستبدال إنما يتم، إذا قُلنا : إنَّ المراد من الوُسْطَى ما يكونُ وسطاً في العدد، لا ما يكون وسطاً بسبب الفضيلة. 
### فصل


هذه الآيةُ وإِنْ دلّت على وجوب الصلوات الخمس لكنَّها لا تدلُّ على أوقاتها. 
قالوا : والآياتُ الدالةُ على تفصيل الأَوقاتِ أَربعٌ :
أحدها : قوله تعالى : فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  \[ الروم : ١٧ \]. 
فقوله :" سُبْحَانَ اللهِ " أي : فسبِّحوا اللهَ، معناه : صلُّوا للهِ حين تمسون، أراد به صلاة المغربِ، والعِشَاءِ، " وَحِينَ تُصْبِحُونَ " أراد صلاة الصُّبح، و " عَشيّاً " أراد به \[ صلاة \] العصر، و " حِينَ تُظْهِرُونَ "، صلاة الظهر. 
الثانية : قوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الْلَّيْلِ  \[ الإسراء : ٧٨ \] أراد ب " الدلوك " زوالها، فدخل في الآية : صلاةُ الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ  \[ الإسراء : ٧٨ \] أراد صلاة الصُّبح. 
الثالثة : قوله : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ  \[ طه : ١٣٠ \] قالوا : لأَنَّ الزمان إِمَّا أَنْ يكون قبل طُلُوعِ الشَّمسِ، أو قبل غروبها، فالليل والنهارُ داخلان في هاتين اللفظتين. 
الرابعة : قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الْلَّيْلِ  \[ هود : ١١٤ \] فالمراد ب " طَرَفَي النَّهَارِ " الصُّبحُ والعَصْر، وبقوله " وزُلْفاً من الليل " المغرب، والعشاء. 
### فصل في الصلاة الوسطى


**اختلفوا في الوسطى على سبعة مذاهب :**
الأول : أنَّ الله - تعالى - لمّا لم يبينها بل خصَّها بمزيد التوكيد، جاز في كُلِّ صلاةٍ أَنْ تكون هي الوسطَى، فيصير ذلك داعياً إلى أداء الكل بصفةِ الكمالِ، والتمام ؛ كما أنّه أخفى ليلة القَدْرِ في رمضان، وأخفى ساعةَ الإجابةَ في يوم الجُمُعةِ، وأَخْفَى اسمه الأَعظم في جميع الأَسماءِ، وأخفى وقتَ الموتِ في الأوقات ؛ ليكون المكلَّف خائِفاً من الموتِ في كل الأوقات، وهذا قولُ جماعةٍ من العُلَماءِ. 
قال محمَّد بن سيرين : سأل رجلٌ زيد بن ثابتٍ، عن الصلاة الوسطى، فقال : حافِظ على الصلوات كُلِّها تصبها[(٧)](#foonote-٧). 
وعن الربيع بن خيثم أنّه سأله واحدٌ عنها، فقال : قال ابن عمر : الوُسطى واحدة منهن، فحافِظ على الكُلِّ تكُنْ محافظاً على الوسطى، ثم قال الربيع : فإنْ حافظتَ عليهن، فقد حافظت على الوسْطى[(٨)](#foonote-٨). 
الثاني : أَنَّ الوسطى هي مجموعُ الصلوات الخَمْس ؛ لأَن هذه الصلوات الخمس : هي الوسطى من الطاعات، وتقريره : أنَّ الإِيمان بضعٌ وسبعون درجة : أعلاها شهادةُ أَنْ لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى، فهي واسطة بين الطرفين. 
وقيل : الوسطى صلاةُ الجمعة ؛ لأن وقتها وسطُ النهارِ، ولها شروط ليست لبقيَّة الفرائض : من اشتراط الخُطبة، والأَربعين، ولا تصلي في المِصْر أكثر مِنْ جمعةٍ واحدةٍ، إِلاَّ أَنْ تدعُو الحاجة إلى أكثر منها ؛ وتفوتُ بفواتِ وقتها ولا تقضى ؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. 
الثالث : أنها صلاةُ الصبح، وهو قول علي وعمر وابن عباس، وابن عمرو وجابر بن عبد الله، ومعاذ وأبي أمامة الباهِليّ، وهو قول عطاء، وطاوسٍ، وعكرمة ومجاهد[(٩)](#foonote-٩)، وإليه ذهب مالكٌ، والشافعي. واستدلُّوا بوجوه :
أحدها : أنَّ هذه الصلاة تُؤدَّى بعد طُلُوع الفجر، وقبل طلوع الشمس، وهذا الزمان ليس فيه ظُلمة باقية، ولا ضوء تام فكأنّه ليس بليلٍ ولا نهارٍ، فكان مُتوسِّطاً بينهما. 
وثانيها : أَنََّ النهار حصل فيه صلاتان : الظهر، والعصر ؛ وفي الليل صلاتان : المغرب، والعشاء ؛ وصلاةُ الصبح كالمتوسطة بين صلاتي الليل، وصلاتي النهار. 
فإنْ قيل : هذه المعاني حاصِلةٌ في صلاة المغرب. 
فالجوابُ : أنَّا نرجِّح صلاة الصُّبح على صلاة المغرب ؛ بكثرة الفضائلِ، على ما سيأتي إِنْ شاء الله تعالى. 
وثالثها : أَنَّ الظهر، والعصر صلاتا جمعٍ، وكذلك : المغربُ والعِشاءُ، وصلاة الصبح منفردةٌ بوقتِ واحدٍ ؛ فكانت وسطاً بينهما. 
ورابعها : قوله تعالى : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً  \[ الإسراء : ٧٨ \] وقد ثبت أَنَّ المراد منه صلاةُ الفجر، يعني تشهدُه ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار، فلا تجتمعُ ملائِكةُ الليل وملائكةُ النهار في وقتٍ واحد، إِلاّ في صلاةِ الفجر ؛ فثبت أَنَّ صلاةَ الفجرِ قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه ؛ فكانت كالشيءِ المتوسِّط. 
وخامسها : قوله تعالى : وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ  وصلاة الصبح مخصوصةٌ بطول القيام، والقنوت، وهذا ضعيف، لأنه يقال لا نُسلِّمُ أَنَّ المراد بالقنوت طولُ القيام، كما سيأتي في تفسير هذه الكلمة، ولا نُسَلّم أَنَّ القنوت مخصوص بالفجر ؛ بل يقنت في سائر الصَّلوات إِذَا نزل بالمسلمين، إِلاَّ فلا قنوت في شيءٍ من الفرائض. 
وسادسها : أَنَّهُ تعالى إنَّما أفردها بالذكر ؛ لأَجل التأكيد ؛ لأنها أحوجُ الصلوات إلى التَّأكيد، إِذْ ليس في الصلواتِ أشقّ منها ؛ لأنها تجب على الناس في ألذ أوقاتِ النَّوم ؛ فيترك النومَ اللذيذ إلى استعمال الماء البارِدِ، والخُروج إلى المسجد والتَّأهب للصلاة، ولا شَكَّ أن هذا شاق صعبٌ على النفس. 
وسابعها : أنها أفضلٌ الصلواتِ، فوجب أَنْ تكونَ هي الوسطى، ويدل على فضيلتها وجوه :
الأول : قوله تعالى : وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ  \[ آل عمران : ١٧ \] فختم طاعاتهم بكونهم مُسْتغفرين بالأَسحارِ، وأَعظمُ أَنواع الاستغفار الفرائضُ ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - حاكياً عن رَبّه :" لن يتقرّب المتقرّبون إليّ بمِثْل أَدَاءِ ما افترضتُ عَلَيْهِمْ " [(١٠)](#foonote-١٠). 
الثاني : رُوِيَ أَنَّ التكبيرة الأُولى فيها فِي الجماعة خيرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها[(١١)](#foonote-١١). 
الثالث : أنه ثبتَ أَنَّ صلاة الصبح مخصوصة بالأَذانِ مرَّتين : مرَّة قبل طُلُوع الفجر، ومرةً بعده. 
فالأول : لإيقاظِ الناس من نومِهم، وتأهبهم. 
والثاني : الإِعلامُ بدخول الوقت. 
الرابع : أَنَّ الله سمّاها بأسماء، فقال في بني إسرائيل  وَقُرْآنَ الْفَجْرِ  وقال في النور  مِّن قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ  \[ النور : ٥٨ \] وقال في الروم  وَحِينَ تُصْبِحُونَ  \[ الروم : ١٧ \] وقال عمر - رضي الله عنه - أن المراد من قوله
 وَإِدْبَارَ النُّجُومِ  \[ الطور : ٤٩ \] صلاة الفجر. 
الخامس : أن الله تعالى أقسَمَ بها، فقال : وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ  \[ الفجر : ١-٢ \]. 
فإن قيل : قد أقسم الله تعالى - أيضاً - بالعصر فقال : وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ  \[ العصر : ١-٢ \] قلنا : سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر، لكن في صلاة الفجر مزيدُ تأكيدٍ وهو قوله : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ  \[ هود : ١٤ \] فكما أنّ أحدَ الطرفين، وهو الصبحُ، وهو واقعٌ قبل الطلُوع والطرف الآخرُ هو المغرب ؛ لأنه واقعٌ قبل الغُرُوب، فقد اجتمع في الفجر القسمُ به، مع التأكيد بقوله : وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ  \[ هود : ١٤ \] هذا التأكيدُ لم يوجد في١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٠..
٢ - ينظر: القرطبي ٣/ ١٣٧، البحر المحيط ٢/ ٢٤٨، الدر المصون ١/٥٨٩..
٣ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٥١، والدر المصون ١/٥٨٩..
٤ - انظر: الكشاف ١/ ٢٨٨، البحر المحيط ٢/٢٥١، الدر المصون ١/٥٨٩..
٥ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٣٨..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٢٠) عن عمر وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٣٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٨/١٤٧)، وقال: أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن نافع..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٢٠) عن الربيع بن خثيم وذكره الحافظ في "الفتح" (٨/١٤٧)..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢١٥-٢١٦-٢١٧-٢١٨) عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعكرمة والربيع وجابر بن عبد الله وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٣٥) وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن عباس ولابن عبد البر في "التمهيد" عن ابن عباس أيضا ولعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن الأنباري عن أبي العالية ولابن أبي حاتم عن أبي أمامة ولابن أبي شيبة عن مجاهد وجابر ولعبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء ولعبد الرزاق أيضا عن طاووس وعكرمة.
 وأخرجه البيهقي في "سننه" (١/٤٦٢) عن جابر بن عبد الله وأخرجه البيهقي أيضا (١/٤٦٢) وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة وإسحاق ابن راهويه وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (١/٥٣٥) عن ابن عمر..
١٠ - ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (١/٢٣٠) رقم (١١٩٨) بلفظ ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء فرائضي وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت رجله التي يمشي بها ويده التي يبطش بها ولسانه الذي ينطق به وقلبه الذي يعقل به إن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته وعزاه إلى ابن السني في "الطب"..
١١ - ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٧/٤٣٤) بلفظ: التكبيرة الأولى يدركها الرجل مع الإمام خير له من ألف بدنة يهديها وعزاه إلى الديلمي في "مسند الفردوس" عن ابن عمر رضي الله عنهما..

### الآية 2:239

> ﻿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:239]

### فصل في صلاة الخوف


**صلاة الخوف قسمان :**
أحدهما : حال القتال مع العدو، وهي أقسام :
أحدها : حال التحام الحرب، وهو المذكور في هذه الآية، وباقيها مذكورٌ في سورة النِّساء \[ ١٠٢ \] والقتال إمَّا واجبٌ، أو مباحٌ، أو محظورٌ. 
فالواجب : كالقتال مع الكفار، وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية، ويلحق به قتال أهل البغي، بقوله تعالى : فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ  \[ الحجرات : ٩ \]. 
والمباح : كدفع الصائل بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه ؛ فإنه يجب الدفع، وفي الدفع عن كل حيوانٍ محترم، فإنَّه يجوز فيه صلاة الخوف. 
وأمَّا المحظور فلا يجوز فيه صلاة الخوف ؛ لأن هذا رخصةٌ، والرخصة إعانة ؛ والعاصي لا يستحقّ الإعانة. 
القسم الثاني : في الخوف الحاصل في غير القتال، كالهارب من الحرق، أو الغرق، أو السَّبع، أو المطالبة بدينٍ، وهو معسر خائفٌ من الحبس عاجزٌ عن بيِّنة الإعسار فلهم أن يصلُّوا صلاة الخوف ؛ لأن قوله تعالى :" فَإنْ خِفْتُمْ " مطلقٌ يتناول الكلَّ، فإن قيل : المراد منه الخوف من العدوِّ حال المقاتلة. 
قلنا : سلمنا ذلك، ولكن علمنا أنّه إنّما ثبت هناك، لدفع الضَّرر، وهذا المعنى قائمٌ هنا، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعاً هنا. 
### فصل في عدد ركعات صلاة الحضر والسفر والخوف


ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم. 
وروى مجاهد، عن ابن عباسٍ قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السَّفر ركعتين، وفي الخوف ركعة[(١)](#foonote-١). 
وقال سعيد بن جبير : إذا كنت في القتال، وضرب الناس بعضهم بعضاً، فقل سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، واذكر الله فتلك صلاتك[(٢)](#foonote-٢). 
### فصل


قال القرطبي[(٣)](#foonote-٣) : والمقصود من هذه الآية، أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحالٍ، حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا تميزت عن باقي العبادات ؛ لأنها تسقط بالأعذار. 
قال ابن العربيّ : ولهذا قال علماؤنا : إن تارك الصلاة يقتل لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحالٍ، ولا تحوز النيابة فيها ببدنٍ، ولا مالٍ، فيقتل تاركها كالشهادتين. 
قوله :" فَإِذَا أَمِنتُمْ " يعني بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة  فَاذْكُرُواْ اللهَ  أي : فصلُّوا الصلوات الخمس. والصلاة قد تسمَّى ذكراً، قال تعالى :
 فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ  \[ الجمعة : ٩ \]. وقيل : فَاذْكُرُواْ اللهَ  أي : فاشكروه ؛ لأجل إنعامه عليكم بالأمن. 
وطعن القاضي[(٤)](#foonote-٤) في هذا القول ؛ بأن الشُّكر يلزم مع الخوف، كما يلزم مع الأمن ؛ لأن نعم الله تعالى متصلة في الحالين. 
وقيل : إنَّ قوله تعالى : فَاذْكُرُواْ اللهَ  يدخل تحته الصلاة، والشكر جميعاً. 
قوله :" كَمَا عَلَّمَكُم " الكاف في محلِّ نصبٍ : إمَّا نعتاً لمصدر محذوفٍ، أو حالاً من ضمير المصدر المحذوف، وهو الظاهر، ويجوز فيها أن تكون للتعليل، أي : فاذكروه لأجل تعليمه إيَّاكُمْ، و " مَا " يجوز أن تكون مصدريةً، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون بمعنى " الَّّذِي "، والمعنى : فصلُّوا الصَّلاة كالصَّلاة التي عَلَّمَكُمْ، وعبَّر بالذكر عن الصلاة، ويكون التشبيه بين هيئتي الصلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن. قال ابن عطيَّة :" وعَلَى هذا التأويلِ يكون قوله :" مَا لَمْ تَكُونُوا " بدلاً من " مَا " في " كَمَا " وإلاَّ لم يتَّسق لفظ الآية " قال أبو حيان :" وهو تخريجٌ مُمْكِنٌ، وأحسن منه أن يكون " مَا لَمْ تَكُونُوا " بدلاً من الضمير المحذوف في " عَلَّمَكُم " العائد إلى الموصول ؛ إذ التقدير : عَلَّمَكُمُوهُ، ونصَّ النحويون على أنه يجوز : ضَرَبْتُ الذي رَأَيْتُ أَخَاكَ " \[ أي : رَأَيْتُهُ أَخَاكَ \]، ف " أَخَاكَ " بدلٌ من العائد المحذوف ". 
١ - أخرجه مسلم (١/٤٧٨) كتاب صلاة المسافرين باب صلاة المسافرين (٥/٦٨٧) وأبو داود (٢/١٧) رقم (١٢٤٧) والنسائي (١/٢٢٦) والبيهقي (٣/٢٦٣-٢٦٤) وأحمد (٢١٧٧- شاكر) والطبري في تفسيره (٥/٢٤٧)..
٢ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٢٢..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٤٨..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣٣..

### الآية 2:240

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:240]

قرأ ابن كثير، ونافع[(١)](#foonote-١)، والكسائي، وأبو بكرٍ، عن عاصم :" وَصِيَّةٌ " بالرفع والباقون : بالنصب. وفي رفع  الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ  ثمانية أوجهٍ، خمسةٌ منها على قراءة من رفع " وَصِيَّةً "، وثلاثةٌ على قراءة من نصب " وصيةٌ " ؛ فأوّل الخمسة، أنه مبتدأ، و " وَصِيَّةٌ " مبتدأ ثانٍ، وسوَّغ الابتداء بها كونها موصوفة تقديراً ؛ إذ التقدير :" وَصِيَّةٌ مِنَ اللهِ " أو " مِنْهُمْ " ؛ على حسب الخلاف فيها : أهي واجبةٌ من الله تعالى، أو مندوبةٌ للأزواج ؟ و " لأَزْوَاجِهِمْ " خبر المبتدأ الثاني، فيتعلَّق بمحذوفٍ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، وفي هذه الجملة ضمير الأول، وهذه نظير قولهم :" السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ " تقديره :" مَنَوَانِ مِنْهُ "، وجعل ابن عطية المسوِّغ للابتداء بها كونها في موضع تخصيص ؛ قال :" كما حَسُنَ أَنْ يرتفع :" سَلاَمٌ عَلَيْكَ " و " خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ " ؛ لأنها موضع دعاءٍ " قال شهاب الدين : وفيه نظرٌ. 
الثاني : أن تكون " وَصِيَّةٌ " مبتدأ، و " لأَزْوَاجِهِمْ " صفتها، والخبر محذوفٌ، تقديره : فعليهم وصيةٌ لأزواجهم، والجملة خبر الأوَّل. 
الثالث : أنها مرفوعة بفعل محذوفٍ، تقديره : كتب عليهم وصيَّةٌ و " لأَزْوَاجِهِمْ " صفةٌ، والجملة خبر الأول أيضاً ؛ ويؤيِّد هذا قراءة عبد الله :" كُتِبَ عَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ " وهذا من تفسير المعنى، لا الإعراب ؛ إذ ليس هذا من المواضع التي يضمر فيها الفعل. 
الرابع : أن " الَّذِينَ " مبتدأٌ، على حذف مضافٍ من الأول، تقديره : ووصيَّةُ الذين. 
الخامس : أنه كذلك إلا أنه على حذف مضافٍ من الثاني، تقديره :" وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أَهْلُ وَصيَّةٍ " ذكر هذين الوجهين الزمخشريُّ، قال أبو حيان :" ولا ضرورة تدعونا إلى ذلك ". 
فهذه الخمسة الأولى التي على رفع " وَصِيَّةٌ ". وأمَّا الثلاثة التي على قراءة النصب في " وَصِيَّةٌ " :
فأحدها : أنه فاعل فعل محذوفٍ، تقديره : وليوص الذين، ويكون نصب " وَصِيَّةٌ " على المصدر. 
الثاني : أنه مرفوع بفعل مبني للمفعول يتعدَّى لاثنين، تقديره :" وأُلْزِمَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ " ويكون نصب " وَصِيَّةً " على أنها مفعولٌ ثانٍ ل " أُلْزِمَ "، ذكره الزمخشريُّ، وهو والذي قبله ضعيفان ؛ لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل. 
الثالث : أنه مبتدأٌ، وخبره محذوف، وهو الناصب لوصية، تقديره : والذين يتوفون يوصون وصيَّة، وقدره ابن عطية :" لِيُوصُوا " و " وَصِيَّةً " منصوبةٌ على المصدر أيضاً، وفي حرف عبد الله :" الوَصِيَّةُ " رفعاً بالابتداء، والخبر الجارُّ بعدها، أو مضمرٌ أي : فعليهم الوصية، والجارُّ بعدها حالٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو بيانٌ. 
قوله تعالى :" مَتَاعاً " في نصبه سبعة أوجهٍ :
أحدها : أنَّه منصوبٌ بلفظ " وَصِيَّة " لأنها مصدرٌ منونٌ، ولا يضرُّ تأنيثها بالتاء ؛ لبنائها عليها ؛ فهي كقوله :\[ الطويل \]

فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّصْرِ مِنْكَ وَرَهْبَةٌ  عِقَابَكَ قَدْ كَانُوا لَنَا كَالْمَوَارِدِ[(٢)](#foonote-٢)والأصل : وصية بمتاع، ثم حذف حرف الجرِّ، اتساعاً، فنصب ما بعده، وهذا إذا لم تجعل " الوصيَّة " منصوبةٌ على المصدر ؛ لأن المصدر المؤكَّد لا يعمل، وإنما يجيء ذلك حال رفعها، أو نصبها على المفعول ؛ كما تقدَّم تفصيله. 
والثاني : أنه منصوبٌ بفعلٍ، إمَّا من لفظه، أي : متِّعوهنَّ متاعاً، أي : تمتيعاً، أو من غير لفظه، أي : جعل الله لهنَّ متاعاً. 
الثالث : أنه صفةٌ لوصية. 
الرابع : أنه بدل منها. 
الخامس : أنه منصوبٌ بما نصبها، أي : يوصون متاعاً، فهو مصدر أيضاً على غير الصدر ؛ ك " قَعَدْتُ جُلُوساً "، هذا فيمن نصب " وَصِيَّةً ". 
السادس : أنه حالٌ من الموصين : أي ممتَّعين أو ذوي متاعٍ. 
السابع : أنه حالٌ من أزواجهم، \[ أي \] : ممتَّعاتٍ أو ذوات متاعٍ، وهي حالٌ مقدَّرة إن كانت الوصية من الأزواج. 
وقرأ أُبيٌّ :" مَتَاعٌ لأَزْوَاجِهِمْ " بدل " وَصِيَّةٌ "، وروي عنه " فَمَتَاعٌ "، ودخول الفاء في خبر الموصول ؛ لشبهه بالشرط، وينتصب " مَتَاعاً " في هاتين الروايتين على المصدر بهذا المصدر، فإنه بمعنى التمتيع ؛ نحو :" يُعْجِبُنِي ضَرْبٌ لَكَ ضَرْباً شَدِيداً "، ونظيره : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً  \[ الإسراء : ٦٣ \]، و " إِلَى الحَوْلِ " متعلِّقٌ ب " مَتَاع " أو بمحذوفٍ ؛ على أنه صفة له. 
قوله تعالى : غَيْرَ إِخْرَاجٍ  في نصبه ستة أوجهٍ :
أحدها : أنه نعتٌ ل " مَتَاعاً ". 
الثاني : أنه بدلٌ منه. 
الثالث : أنه حالٌ من الزوجات، أي : غير مخرجات. 
الرابع : أنه حالٌ من الموصين، أي : غير مخرجين. 
الخامس : أنه منصوب على المصدر، تقديره : لا إخراجاً، قاله الأخش[(٣)](#foonote-٣). 
السادس : أنه على حذف حرف الجرِّ، تقديره : من غير إخراجٍ، قاله أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤)، قال شهاب الدين : وفيه نظر. 
### فصل في المراد بقوله " غير إخراج " 


معنى قوله :" غَيْرَ إِخْرَاجٍ " أي : ليس لأولياء الميِّت ووارثي المنزل ؛ إخراجها، " فَإِنْ خَرَجْنَ " أي : باختيارهن قبل الحول  فلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم ، أي : لا حرج على وليِّ أحدٍ وُلِّيَ، أو حاكم، أو غيره ؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولاً. 
وقيل : لا جناح في قطع النّفقة عنهن، أو لا جناح عليهنَّ في التشرُّف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهنَّ مراقبتكم أيُّها الورثة، ثم عليها أنها لا تتزوج قبل انقضاء العدَّة بالحول أو لا جناح في تزويجهنَّ بعد انقضاء العدّة، لأنه قال :" بالمَعْرُوفِ "، وهو ما يوافق الشرع. 
و  اللهُ عَزِيزٌ  صفةٌ تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدَّ في هذه النازلة، في إخراج المرأة، وهي لا تريد الخروج " حَكِيمٌ "، أي مُحْكِمٌ لما يريد من أمور عباده والله أعلم. 
قوله : فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ  هذان الجارَّان يتعلَّقان بما تعلَّق به خبر " لا " وهو " عَلَيْكُمْ " من الاستقرار، والتقدير : لا جناح مستقرٌّ عليكم فيما فعلن في أنفسهنَّ، و " مَا " موصولةٌ اسميةٌ، والعائد محذوف، تقديره : فعلنه، و " مِنْ مَعْرُوفٍ " متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من ذلك العائد المحذوف، وتقديره : فيما فعلنه كائناً من معروفٍ. 
وجاء في هذه الآية " مِن مَّعْرُوفٍ " نكرةً مجرورةً ب " مِنْ "، وفي الآية قبلها " بِالمَعْرُوفِ " معرَّفاً مجروراً بالباء ؛ لأنَّ هذه لام العهد ؛ كقولك :" رَأَيْتُ رَجُلاً فَأَكْرَمْتُ الرَّجُلَ " إلاَّ أنَّ هذه، وإن كانت متأخِّرةً في اللفظ، فهي متقدِّمة في التنزيل، ولذلك جعلها العلماء منسوخةً بها، إلا عند شذوذٍ، وتقدَّم نظائر هذه الجمل، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيها. 
### فصل في سبب النزول


**في هذه الآية ثلاثة أقوالٍ :**
الأول : وهو اختيار جمهور المفسرين أنها منسوخةٌ، قالوا : نزلت الآية في رجل من أهل الطائف، يقال له : حكيم بن الحرث، هاجر إلى المدينة، وله أولاد، ومعه أبواه وامرأته، فمات، فأنزل الله هذه الآية ؛ فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه، وأولاده ميراثه، ولم يعط امرأته شيئاً، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً كاملاً[(٥)](#foonote-٥)، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، كاملاً، وكانت عدَّة الوفاة في ابتداء الإسلام حولاً، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبةً في مال زوجها تلك السَّنة، ما لم يخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها، سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها، فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالرُّبع، والثُّمن، ونسخ عدَّة الحول ب  أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً . 
قال ابن الخطيب : دلَّت هذه الآية على وجوب أمرين :
أحدهما : وجوب النفقة، والسُّكنى من مال الزَّوج، سواءٌ قراءة " وَصِيَّةٌ ووصِيَّةً " بالرفع، أو بالنصب. 
والثاني : وجوب الاعتداد، ثم نسخ الله تعالى هذين الحكمين، أمّا الوصية بالنفقة، والسكنى، فلثبوت ميراثها بالقرآن، والسنة، دلَّت على أنَّه لا وصيَّة لوارثٍ، فصار مجموع القرآن والسنَّة ناسخاً لوجوب الوصيَّة لها بالنفقة والسكنى في الحول. 
أمَّا وجوب العدة في الحول، فنسخ بقوله : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً  \[ البقرة : ٢٣٤ \]. 
القول الثاني : وهو قول مجاهد : أنَّ الله تعالى أنزل في عدَّة المتوفى عنها زوجها آيتين :
إحداهما : قوله  يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً  \[ آية : ٢٣٤ \]، والأخرى هذه الآية ؛ فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين، فنقول : إنَّها إن لم تختر السُّكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله، وتركته ؛ فعدَّتها هي الحول، قال ابن الخطيب : وتنزيل[(٦)](#foonote-٦) الآيتين على هذين التَّقديرين أولى ؛ حتى يكون كل منهما معمولاً به، والجمع بين الدَّليلين، والعمل بهما أولى من اطراح أحدهما، والعمل بالآخر. 
القول الثالث : قال أبو مسلم الأصفهاني[(٧)](#foonote-٧) : معنى الآية : أنَّ من يتوفَّى منكم، ويذرون أزواجاً، وقد وصّوا وصيَّة لأزواجهم، بنفقة الحول، وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك، وخالفن وصيَّة أزواجهنَّ، بعد أن يقمن أربعة أشهرٍ وعشراً ؛ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروفٍ، أي : نكاحٌ صحيحٌ ؛ لأن إقامتهنَّ بهذه الوصيَّة غير لازمة. 
قال[(٨)](#foonote-٨) : والسَّبب : أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يوصون بالنَّفقة، والسُّكنى حولاً كاملاً، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّ ذلك غير واجبٍ، وعلى هذا التَّقدير، فالنَّسخ زائلٌ، واحتجَّ على ذلك بوجوهٍ :
أحدها : أنَّ النَّسخ خلاف الأصل ؛ فوجب المصير إلى عدمه، بقدر الإمكان. 
الثاني : أنَّ النَّاسخ يكون متأخِّراً عن المنسوخ في النُّزول، وإذا كان متأخِّراً عنه في النُّزول، يجب أن يكون متأخِّراً عنه في التِّلاوة، وهو إن كان جائزاً في الجملة إلاَّ أنَّ قولنا يعدّ من سوء التَّرتيب، وتنزيه كلام الله واجبٌ بقدر الإمكان، ولمَّا كانت هذه الآية متأخِّرةً عن تلك في التِّلاوة ؛ كان الأولى ألاّ يحكم بكونها منسوخةً بتلك. 
الثالث : أنَّه ثبت عند الأصوليِّين متى وقع التَّعارض بين التَّخصيص، والنَّسخ، كان النَّسخ أولى، وهاهنا إن خصَّصنا هاتين الآيتين بحالتين على ما هو قول مجاهد ؛ اندفع النَّسخ، فكان قول مجاهد أولى من التزام النَّسخ من غير دليلٍ، وأمَّا على قول أبي مسلم، فيكون أظهر ؛ لأنكم تقولون : تقدير الآية : فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها : فليوصوا وصيَّةً، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية : والذين يتوفون منكم، ولهم وصيَّةٌ لأزواجهم، أو تقديرها : وقد أوصوا وصيَّةً لأزواجهم فهو يضيف هذا الكلام إلى الزَّوج، وإذا كان لا بدَّ من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضمارنا ثم على ت١ - انظر: حجة القراءات ١٣٨، والحجة ٢/٣٤١، وشرح الطيبة ٤/١٠٦، وشرح شعلة ٢٩٢، والعنوان ٧٤، وإتحاف فضلاء البشر ١/٤٤٢..
٢ - تقدم برقم ١١١٦..
٣ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١٧٨..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠١..
٥ - أخرجه إسحاق بن راهويه في "تفسيره" عن مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" (١/٥٥٠)..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣٥..
٧ - ينظر: المصدر السابق..
٨ - ينظر: المصدر السابق..

### الآية 2:241

> ﻿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:241]

إنَّما أعاد ذكر المتعة هاهنا ؛ لزيادة معنًى ؛ وذلك أنَّ في غيرها بيان حكم غير الممسوسة، وفي هذه الآية : بيان حكم جميع المطلّقات في المتعة. 
وقيل : لأنَّه لما نزل قوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ، إلى قوله : حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ  \[ البقرة : ٢٣٦ \] قال رجلٌ من المسلمين : إن أردت ؛ فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل فقال الله تعالى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ  جعل المتعة لهن بلام الملك، وقال : حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ  يعنى المؤمنين المتَّقين الشِّرك. 
وقيل : المراد بهذه المتعة : النَّفقة، والنَّفقة قد تسمَّى متاعاً، فاندفع التَّكرار. 
واعلم أنَّ القائل بوجوب المتعة لكلِّ المطلقات : هو سعيد بن جبير، وأبو العالية والزُّهريّ[(١)](#foonote-١). 
وقال الشَّافعيُّ : لكلّ مطلقة إلاّ المطلقة التي فرض لها المهر، ولم يوجد في حقّها المسيس. 
قال أبو حنيفة : لا تجب المتعة إلاَّ للمطلَّقة التي لم يفرض لها، ولم يوجد المسيس. 
وقول الله تعالى في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ 
\[ الأحزاب : ٢٨ \] محمولٌ على أنَّه تطوُّع من النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لا على سبيل الوجوب. 
وقوله : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ  \[ الأحزاب : ٤٩ \] محمولٌ على غير المفروض لها أيضاً. 
قال القرطبيُّ[(٢)](#foonote-٢) : وأوجب الشَّافعيُّ المتعة للمختلعة، والمبارئة، وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطى، فكيف تأخذ متاعاً، لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة، أو مفتدية، أو مبارئة، أو مصالحة، أو ملاعنة، أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقاً أم لا ؛ وقد تقدَّم ذلك، ثم قال : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .

١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣٧..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٥٠..

### الآية 2:242

> ﻿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:242]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 2:243

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [2:243]

اعلم أنَّ عادته تعالى : أن يذكر القصص بعد بيان الأحكام ليفيد الاعتبار للسَّامع. 
قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ  : هذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النَّفي، فصيَّرت النَّفي تقريراً، وكذا كلُّ استفهام دخل على نفي نحو : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  \[ الشرح : ١ \]  أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ  \[ الزمر : ٣٦ \] فيمكن أن يكون المخاطب علم هذه القصّة قبل نزول هذه الآية، فيكون التَّقرير ظاهراً، أي : قد رأيت حال هؤلاء، كقول الرَّجل لغيره يريد تعريفه ابتداء :" ألم تر إلى ما جرى على فلان " ؟. 
قال القرطبيُّ[(١)](#foonote-١) : والمعنى عند سيبويه : تنبُّه إلى أمر الذين، ولا تحتاج هذه الرواية إلى مفعولين والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كل سامع، إلاَّ أنَّه قد وقع الخطاب معه ابتداءً كقوله : يأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساَءَ  \[ الطلاق : ١ \] ويجوز أن يكون المراد بهذا الاستفهام : التعجب من حال هؤلاء، وأكثر ما يرد كذلك : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّواْ قَوْماً  \[ المجادلة : ١٤ \]  أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ  \[ الفرقان : ٤٥ \] ؛ وقال الشاعر :\[ الطويل \]

أَلَمْ تَرَ أَنِّي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقاً  وَجَدْتُ بِهَا طِيباً وإنْ لَمْ تَطَيَّبِ[(٢)](#foonote-٢)والرُّؤية هنا علميَّة، فكان من حقِّها أن تتعدَّى لاثنين، ولكنَّها ضمِّنت معنى ما يتعدَّى بإلى. 
والمعنى : ألم ينته علمك إلى كذا. وقال الرَّاغب[(٣)](#foonote-٣) :" رأيت : يتعدَّى بنفسه دون الجارِّ، لكن لما استعير قولهم :" ألم تَرَ " بمعنى ألم تنظر ؛ عدِّي تعديته، وقلَّما يستعمل ذلك في غير التقدير، لا يقال : رأيت إلى كذا ". 
وقرأ السُّلمي :" تَرْ " بسكون الرَّاء، وفيها وجهان :
أحدهما : أنه توهَّم أنَّ الراء لام الكلمة، فسكَّنها للجزم ؛ كقوله :\[ الرجز \]قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا  وَاشْتَرْ فَعَجِّلْ خَادِماً لَبِيقَا[(٤)](#foonote-٤)وقيل : هي لغة قومٍ، لم يكتفوا في الجزم بحذف حرف العلَّة. 
والثاني : أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وهذا أولى، فإنَّه كثيرٌ في القرآن ؛ نحو :" الظُّنُونَا "، و " الرَّسُولاَ "، و " السَّبِيلاَ "، و " لَمْ يَتَسَنَّهُ "، و " بِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ " وقوله :" وَنُصْلِهِ "، و " نُؤْتِهِ "، و " يُؤَدِّه "، وسيأتي ذلك، إن شاء الله تعالى. 
قوله :" وَهُمْ أُلُوفٌ " مبتدأٌ وخبرٌ، وهذه الجملة في \[ موضع \] نصب على الحال، وهذا أحسن مجيئها، إذ قد جمع فيها بين الواو والضمير، و " أُلوفٌ " فيه قولان :
أظهرهما : أنه جمع " ألْف " لهذا العدد الخاصِّ، وهو جمع الكثرة، وجمع القلّة : آلاف كحمول، وأحمال. 
والثاني : أنه جمع " آلِف " على فاعل كشاهدٍ وشهود، وقاعدٍ وقُعودٍ، أي : خرجوا وهم مؤتلفون، قال الزَّمخشريُّ :" وهذا من بِدَع التَّفاسير ". 
قوله تعالى : حَذَرَ الْمَوْتِ  أي من خوف الموت وهو مفعولٌ من أجله، وفيه شروط النَّصب، أعني المصدرية، واتحاد الفاعل، والزمان. 
قوله : ثُمَّ أَحْيَاهُمْ  فيه وجهان :
أحدهما : أنه معطوفٌ على معنى : فقال لهم الله : موتوا، لأنَّه أمرٌ في معنى الخبر تقديره : فأماتهم الله ثم أحياهم. 
والثاني : أنه معطوفٌ على محذوفٍ، تقديره : فماتوا ثم أحياهم بعد موتهم، و " ثم " تقتضي تراخي الإحياء عن الإماتة. وألف " أَحْيَا " عن ياء ؛ لأنَّه من " حَيِيَ "، وقد تقدَّم تصريف هذه المادّة عند قوله : إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً  \[ البقرة : ٢٦ \]. 
### فصل


قال السُّدِّيُّ وأكثر المفسرين[(٥)](#foonote-٥) :" كانت قرية يقال لها :" دَاوْردَان " قيل واسط، وقع بها الطَّاعون، فخرج عامَّة أهلها، وبقيت طائفةٌ، فهلك أكثر الباقين وبقي منهم بقيَّةٌ في المرض والبلاء، فلما ارتفع الطَّاعون ؛ رجع الَّذين هربوا سالمين فقال من بَقِيَ من المرضى : هؤلاء أحزم منّا، لو صنعنا كما صنعوا لنجونا، ولئن وقع الطَّاعون ثانيةً لنخرجنّ إلى أرض لا وباء فيها، فوقع الطاعون من قابِلٍ ؛ فهرب عامَّة أهلها، وهم بضعةٌ وثلاثون ألفاً ؛ حتى نزلوا وادياً أفيح فلمّا نزلوا المكان الذين يبتغون فيه النَّجاة، ناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه :" أنْ مُوتُوا " فماتوا جميعاً وبليت أجسامهم، فمرَّ بهم نبيٌّ يقال له :" حِزْقِيل بن يوذي " : ثالث خلفاء بني إسرائيل، بعد موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وذلك أن القيم بعد موسى بأمر بني إسرائيل يُوشَعُ بْنُ نُون ثم كالب بن يوفنا، ثم حزقيل، وكان يقال له : ابن العجوز ؛ لأنَّه أمَّه كانت عجوزاً، فسألت الله الولد بعدما كبرت، وعقمت، فوهبه الله لها[(٦)](#foonote-٦) ". 
قال الحسن، ومقاتل[(٧)](#foonote-٧) : هو ذو الكفل، وسمِّي : ذا الكفل ؛ لأنَّه تكفَّل بسبعين نبيّاً، وأنجاهم من القتل، فلمَّا مرَّ حزقيل على أولئك الموتى، وقف متفكّراً فيهم متعجِّباً، فأوحى الله إليه أتريد أن أُريك آيةً ؟ قال : نعم، فقيل له : نادِ ! يَا أَيُّهَا العِظَامُ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكِ أن تَجْتَمِعِي، فجعلتِ العِظَامُ يَطِيرُ بعضها إلى بعض، حتى تمّت العِظَامُ، ثم أوحى اللهُ إليه ثانياً أن ينادي : يا أيَّتُها العِظَامُ ؛ إنَّ اللهَ يأمرك أنَّ تَكْتَسِي لحماً ودماً، ثم نادي : إنَّ اللهَ يأمرك أن تَقُومي ؛ فقامت، فلمَّا صاروا أحياءً قاموا، وكانوا يقولون :" سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ " ثم رجعوا إلى قريتهم، بعد حياتهم، وكانت أمارات موتهم ظاهرةً في وجوههم، ثمَّ بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم[(٨)](#foonote-٨). 
روى عبد الله بن عامر بن ربيعة أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه : خرج إلى الشَّام، فلمَّا جاء " سَرْغَ " بلغه أنَّ الوباء قد وقع بالشَّام ؛ فأخبره عبد الرحمن بن عوف : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ، وإذا وَقَعَ بِأَرْضٍ وأَنْتُمْ بِهَا ؛ فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً " ؛ فرجع عمر من " سرغ " [(٩)](#foonote-٩). 
وقال ابن عبَّاس، والكلبيُّ ومقاتل والضَّحَّاك : إنَّ ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال ؛ فخافوا القتال، وجبنوا، وكرهوا الموت، فاعتلُّوا، وقالوا لملكهم : إنَّ الأرض التي تذهب إليها بها الوباء، فلا نأتيها حتى يزول ذلك الوباء منها ؛ فأرسل الله عليهم الموت ؛ فخرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى الملك ذلك قال : اللَّهمّ ربّ يعقوب، وإله موسى، وهارون قد ترى معصية عبادك، فأرهم آيةً في أنفسهم، حتى يعلموا أنَّهم لا يستطيعون الفرار منك، فلمَّا خرجوا قال لهم الله " مُوتُوا "، فماتوا جميعاً، وماتت دوابهم كموت رجل واحدٍ، وبقوا ثمانية أيَّام، حتَّى انتفخوا وأروحت أجسادهم، وبلغ بني إسرائيل موتهم، فخرجوا لدفنهم ؛ فعجزوا لكثرتهم، فحظروا عليهم حظائر دون السِّباع، فأحياهم الله بعد الثمانية أيَّام، وبقي فيهم شيءٌ من ذلك النتن، وفي أولادهم إلى هذا اليوم[(١٠)](#foonote-١٠). 
واحتجُّوا على هذه الرِّواية بقوله عقيب ذلك : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ  \[ البقرة : ٢٤٤ \] وقال مقاتل والكلبي كانوا قوم حزقيل، أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيَّام، وذلك أنه لمَّا أصابهم ذلك، خرج حزقيل في طلبهم، فوجدهم موتى ؛ فبكى وقال :" يا ربِّ ؛ كُنْتُ من قومٍ يحمدونَكَ ويسبِّحُونَكَ ويقدِّسُونَكَ، ويكبِّرُونَكَ، ويهللونَكَ ؛ فبقيت واحداً لا قوم لي " ؛ فأوحى الله إليه : إنِّي جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل : احيوا بإذن الله تعالى ؛ فعاشوا[(١١)](#foonote-١١). 
قال مجاهدٌ : إنهم قالوا حين أُحيوا : سبحانك ربنا، وبحمدك لا إله إلاّ أنت، فرجعوا إلى قومهم، وعاشوا دهراً طويلاً وسحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوباً إلاَّ عاد دنساً مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتب لهم[(١٢)](#foonote-١٢). 
قال ابن عباس : إنَّها لتوجد اليوم في ذلك السِّبط من اليهود تلك الرِّيح[(١٣)](#foonote-١٣). 
قال الحسن : أماتهم الله قبل آجالهم عُقُوبَةً لهم، ثم بعثهم إلى بقيَّة آجالهم[(١٤)](#foonote-١٤). 
قال ابن العربيّ : أماتهم الله عقوبة لهم، ثم أحياهم، وميتة العقوبة بعدها حياةٌ، وميتة الأجل لا حياة بعدها. 
قوله تعالى : فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ . 
قال ابن الخطيب[(١٥)](#foonote-١٥) : قيل : هو من قوله : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  \[ النحل : ٤٠ \] والمراد سرعة وقوع المراد، ولا قول هناك. 
وقيل : أمر الرَّسول أن يقول لهم :" مُوتُوا " أو الملك، والأوَّل أقرب. 
قوله تعالى : ثُمَّ أَحْيَاهُمْ  يقتضي أنهم أُحيوا بعد موتهم، وذلك ممكنٌ، وقد أخبر الصَّادق به ؛ فوجب القطع. 
وقالت المعتزلة[(١٦)](#foonote-١٦) : إحياء الميِّت فعلٌ خارق للعَادَةِ، ولا يجوز إظهاره إلا معجزة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
قال ابن الخطيب[(١٧)](#foonote-١٧) : وأصحابنا يجوّزون خرق العادة كرامةً للأولياء، ولغير ذلك. 
قالت المعتزلة[(١٨)](#foonote-١٨) : وهذا الإحياء، وقع في زمن حزقيل ببركة دعائه. وهاهنا بحثٌ وهو أنَّه قد ثبت بالدَّليل أن المعارف تصير ضروريّة عند القرب من الموت ومعاينة الأهوال والشدائد، فهؤلاء إن كانوا عاينوا تلك الأهوال الموجبة للعلم الضَّروريِّ ؛ وجب إذا عاشوا أن يبقوا ذاكرين لذلك ؛ لأن الأشياء العظيمة لا تنسى مع كمال العقل ؛ لتبقى لهم تلك العلوم، ومع بقائها يمتنع التَّكليف كما في الآخرة، ولا مانع يمنع من بقائهم غير مكلَّفين وإن كان جاءهم الموت بغتةً، كالنَّوم ولم يعاينوا شدَّةَ، ولا هولاً، فذلك أيضاً ممكن. 
وقال قتادة : إنَّما أحيوا ليستوفوا بقيَّة آجالهم[(١٩)](#foonote-١٩). 
### فصل


واختلفوا في عدّتهم. 
قال الواحديُّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) رحمه الله : لم يكونوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفاً. 
والوجه من حيث اللَّفظ : أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف ؛ لأنَّ الألوف جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف، وقيل : إنَّ الألوف جمع ألفٍ، كقعودٍ وقاعدٍ، وجلوسٍ، وجالسٍ، والمعنى : أنَّهم كانوا مؤتلفي القلوب. 
قال القاضي[(٢١)](#foonote-٢١) : والوجه الأوَّل أولى ؛ لأنَّ ورود الموت عليهم دفعةً واحدةً، وهم كثرةٌ عظيمةٌ، تفيد مزيد اعتبار بحالهم ؛ لأنَّ موت الجمع العظيم دفعةً واحدةً لا يتَّفق وقوعه، وأمَّا ورود الموت على قوم تآلفوا حب الحياة، وبينهم ائتلافٌ ومحبةٌ كوروده وبينهم اختلاف، فوجه الاعتبار لا يتغيَّر. 
قال ابن الخطيب[(٢٢)](#foonote-٢٢) : ويمكن أن يجاب بأنَّ المراد كون كلّ واحد منهم آلفاً لحياته، محباً لهذه الدُّنيا، فرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم
 وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ  \[ البقرة : ٩٦ \]، ثم إنهم مع غاية حبِّهم للحياة وألُفهم بها أماتهم الله تعالى، وأهلكهم ليعلم أنّ حرص الإنسان على الحياة، لا يعصمه من الموت، فهذا القول ليس ببعيدٍ. 
### فصل


قال القرطبيُّ[(٢٣)](#foonote-٢٣) : الطَّاعون وزنه فاعول من الطَّعن، غير أنَّه لما عدل به عن أصله ؛ وضع دالاً على الموت الع١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٥١..
٢ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه ص ٤١، الأشباه والنظائر ٨/٨٥، والخصائص ٣/٢٨١، والدر المصون: ١/٥٩٢..
٣ - ينظر: المفردات للراغب ١٨٨..
٤ - تقدم برقم ٥٠٠..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٢٣، وتفسير الفخر الرازي ٦/١٣٨..
٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٢٤..
٧ - ينظر: المصدر السابق..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٧٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٥١) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم..
٩ - أخرجه البخاري (٧/٢٣٨) كتاب الطب باب الطاعون رقم (٥٧٢٩) ومسلم كتاب السلام ٩٨، ١٠٠ وأبو داود (٣١٠٣) والبيهقي (٣/٢٧٦)، (٧/٢١٨) وعبد الرزاق (٢٠١٥٩) والطبراني في "الكبير" (١/٩٤) والبغوي (٢/ ٢٧٨) وابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٢١٠، ١٠/٦٥) عن عبد الرحمان بن عوف.
 وأخرجه البخاري (٧/٢٣٧) كتاب الطب باب الطاعون رقم (٥٧٢٨) وأحمد (٥/١٦٠) عن أسامة بن زيد بلفظ: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا....
١٠ - انظر: التفسير الكبير (٦/١٣٨) للفخر الرازي..
١١ - انظر: التفسير الكبير (٦/١٣٨) للفخر الرازي..
١٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٥١-٥٥٢) عن مجاهد وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٢٤..
١٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٧٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٥٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣٩..
١٦ - ينظر: المصدر السابق..
١٧ - ينظر: المصدر السابق..
١٨ - ينظر: المصدر السابق..
١٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٧٥) عن قتادة..
٢٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣٩..
٢١ - ينظر: المصدر السابق..
٢٢ - ينظر: المصدر السابق..
٢٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٥٣..

### الآية 2:244

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:244]

قوله تعالى : وَقَاتِلُوا  هذه الجملة فيها أقوالٌ :
أحدها : أنه عطفٌ على قوله :" مُوتُوا " وهو أمرٌ لِمَنْ أَحياهُم اللهُ بعد الإِماتةِ بالجهاد، \[ أي \] فقال لهم : مُوتوا وقاتِلوا، رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ، والضَّحاك. قال الطَّبريِّ :" ولا وجهَ لهذا القَوْلِ ". 
والثاني :\[ أنها معطوفةٌ على قوله :" حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ " وما بينهما اعتراضٌ. 
والثالث \] : أَنَّها معطوفةٌ على محذوفٍ تقديره :" فَأَطِيعُوا وَقَاتلوا، أو فلا تَحْذَروا الموتَ كما حَذِرَهُ الذين مِنْ قَبْلكُم، فلم يَنْفَعهم الحذرُ، قاله أبو البقاء[(١)](#foonote-١). 
والظَّاهر أنَّ هذا أمرٌ لهذه الأمةِ بالجهاد، بعد ذكره قوماً لم ينفعهم الحذرُ من المَوتِ، فهو تشجيعٌ لهم، فيكونُ من عطفِ الجملِ ؛ فلا يُشْتَرَطُ التوافقُ في أمرٍ ولا غيره. 
قوله : فِي سَبِيلِ اللهِ  فالسَّبيلُ : هو الطَّريق، وسمِّيتُ العباداتُ سبيلاً إلى اللهِ مِن حيثُ إِنَّ الإنسان بسلوكها يتوصَّلُ إلى ثوابِ اللهِ. 
قال القرطبي[(٢)](#foonote-٢) : وهذا قول الجمهور : وهو الَّذِي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العُليا، وسُبُلُ الله كثيرةٌ، فهي عامَّةٌ فِي كُلِّ سبيل. قال تعالى : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي  \[ يوسف : ١٠٨ \] قال مالكٌ : سبل الله كثيرة، وما مِنْ سبيلٍ إِلاَّ يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دينُ الإسلامِ، فلا جرم كان المُجاهِدُ مُقاتِلاً في سبيلِ اللهِ. ثُمَّ قال : وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  أَي : يسمعُ كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد، أو في ترعيب الغيرِ عنه، و " عليمٌ " بما في ضمائركُم من البواعثِ، والأَعراضِ : أَنَّ ذلك الجهاد لغرض الدِّينِ، أو لغرض الدُّنيَا.

١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠١..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٥٤..

### الآية 2:245

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:245]

" مَّن " للاستفهام ومحلُّها الرَّفع على الابتداءِ، و " ذا " اسمُ إشارةٍ خبرُهُ، و " الَّذِي " وصلتُهُ نعتٌ لاسم الإِشارةِ، أو بدلٌ منه، ويجوزُ أن يكونَ " مَنْ ذا " كلُّه بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ تركَّبا كقولك :" مَاذَا صَنَعْتَ " كما تقدَّمَ في قوله : مَاذَا أَرَادَ اللهُ  \[ البقرة : ٢٦ \]. ومَنَع أبو البقاء[(١)](#foonote-١) هذا الوجه وفرَّق بينه وبين قولِكَ :" ماذا " حيثُ يُجْعَلان اسماً واحداً بأنَّ " ما " أشدُّ إيهاماً مِنْ " مَنْ " ؛ لأنَّ " مَنْ " لمَنْ يعقِلُ. ولا معنى لهذا المنعِ بهذه العلةِ، والنحويون نَصُّوا على أنَّ حكمَ " مَنْ ذا " حكمُ " ماذا ". 
ويجوز أن يكونَ " ذا " بمعنى الّذي، وفيه حينئذٍ تأويلان :
أحدهما : أنَّ " الَّذِي " الثاني تأكيدٌ له ؛ لأنَّه بمعناه، كأَنَّهُ قيل : مَنِ الَّذِي يُقرِضُ الله قرضاً. 
والثاني : أَنْ يكونَ " الذي " خبرَ مبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلةُ ذا، تقديرُه :" مَنْ الذي \[ هو الّذي \] يُقْرِضُ، وذا وصلتهُ خبرُ " مَنِ " الاستفهاميّة. أجاز هذين الوجهين ابن مالك، قال شهاب الدين وهما ضعيفان، والوجهُ ما قدَّمتُهُ. 
وانتصَبَ " قَرْضاً " على المصدر على حذفِ الزَّوائِد، إِذ المعنى : إقراضاً كقوله : أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً  \[ نوح : ١٧ \]، وعلى هذا فالمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديرُهُ :" يُقْرِضُ اللهَ مالاً وصدقةً "، ولا بدَّ من حذفِ مُضَافٍ تقديرهُ : يقرضُ عِبادَ اللهِ المحاويجَ، لتعاليه عن ذلك، أو يكونُ على سبيل التَّجُّوزِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى المفعول نحو : الخَلْق بمعنى المخلُوق، وانتصابُهُ حينئذٍ على أنه مفعولٌ ثانٍ ل " يُقْرِض ". 
قال الواحديُّ[(٢)](#foonote-٢) : والقَرْضُ في هذه الآيةِ اسمٌ لا مصدر، ولو كان مصدراً ؛ لكان إقراضاً. و " حَسَناً " يجوزُ أَن يكونَ صفةً لقرضاً بالمعنيينِ المذكورين، ويجوزُ أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، إذا جعلنا " قَرْضاً " بمعنى مفعول أي : إقراضاً حسناً. 
قوله :" فَيُضَاعِفَهُ " قرأ عاصمٌ[(٣)](#foonote-٣) وابن عامر هنا، وفي الحديد بنصب الفاء، إلاَّ أنَّ ابنَ عامر وعاصماً ويعقوب يشدِّدون العينَ من غير ألفٍ وبابه التشديد وقرأ أبو عمرو في الأحزاب والباقون برفعِها، إلاَّ أنَّ ابن كثير يشدِّد العينَ من غير ألفٍ ؛ فحصَلَ فيها أربعُ قراءاتٍ. 
أحدها : قرأ أبو عمرو ونافع، وحمزة، والكسائيُّ فيضاعفُهُ بالألف ورفع الفاء. 
والثانية : قراءة عاصم " فيضاعفه " بالألف ونصب الفاء. 
والثالثة : قرأ ابن كثير :" فَيُضَعِّفُهُ " بالتَّشديد، ورفع الفاءِ. 
والرابعة : قرأ ابن عامرٍ فيضعِّفَه بالتَّشْديد، ونصب الفاء. فالرَّفْعُ من وجهين :
أحدهما : أنَّهُ عطفٌ على " يقرض " الصِّلةِ. 
والثاني : أَنَّهُ رفعٌ على الاستئناف أي : فهو يُضاعِفُهُ، والأولُ أحسنُ لعدَمِ الإِضمارِ. 
**والنصبُ من وجهين :**
أحدهما : أنَّهُ منصوبٌ بإضمارٍ " أَنْ " عطفاً على المصدر المفهوم من " يقرضُ " في المعنى، فيكونُ مصدراً معطوفاً على مصدرٍ تقديرُهُ : مَنْ ذا الذي يكونُ منه إقراضٌ فمضاعفةٌ مِنَ اللهِ تعالى كقوله :\[ الوافر \]
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي \*\*\* أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ[(٤)](#foonote-٤)
والثاني : أنه نصبٌ على جوابِ الاستفهام في المعنى ؛ لأَنَّ الاستفهام وإِنْ وَقَعَ عن المُقْرِضِ لفظاً، فهو عن الإِقراضِ معنى كأنه قال : أيقرضُ اللهَ أَحَدٌ فيضاعفَه. 
قال أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) :" ولا يجوز أن يكونَ جوابَ الاستفهام على اللفظ ؛ لأنَّ المُسْتَفْهَمَ عنه في اللَّفْظِ المُقرِضُ أي الفاعلُ للقَرْضِ، لا عن القَرْضِ، أي : الذي هو الفِعْلُ " وقد مَنَع بعضُ النَّحويّين النَّصبَ بعد الفاء في جواب الاستفهام الواقع عن المسندِ إليه الحكمُ لا عن الحُكم، وهو مَحْجوجٌ بهذه الآيةِ وغيرها، كقوله :" مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي ؛ فأغفرَ له، مَنْ يَدْعُونِي ؛ فأَسْتَجِيبَ له " بالنصبِ فيهما. 
قال أبو البقاء[(٦)](#foonote-٦) : فإنْ قيلَ : لِمَ لاَ يُعْطَفُ \[ الفعل على \] المصدرِ الذي هو " قرضاً " كما يُعْطَفُ الفعلُ على المصدرِ بإضمار " أَنْ " كقولِ الشاعر \[ الوافر \]
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي \*\*\*. . . [(٧)](#foonote-٧)
**قيل : هذا لا يصحُّ لوجهين :**
أحدهما : أنَّ " قرضاً " هنا مصدرٌ مؤكِّدٌ، والمصدرُ المُؤكِّدِ لا يُقَدَّرُ ب " أَنْ " والفعلِ. 
والثاني : أنَّ عطفَهُ عليه يُوجبُ أن يكونَ معمولاً ليقرضُ، ولا يصِحُّ هذا في المعنى ؛ لأَنَّ المضاعفةَ ليستُ مُقْرِضَةً، وإِنَّما هي فعلُ اللهِ تعالى، وتعليله في الوجهِ الأولِ يُؤذِنُ بأنه يُشترط في النصبِ أنْ يُعْطَفَ على مصدرٍ يتقدَّر ب " أَنْ " والفعلِ، وهذا ليس بشرطٍ ؛ بل يجوزُ ذلك وإن كان الاسمُ المعطوفُ عليه غيرَ مصدرٍ ؛ كقوله :\[ الطويل \]
وَلَوْلاَ رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةٍ \*\*\* وآلُ سُبَيْعٍ أَوْ أَسُوءَكَ عَلْقَمَا[(٨)](#foonote-٨)
ف " أَسُوءَكَ " منصوبٌ ب " أَنْ " ؛ عطفاً على " رِجَالٌ "، فالوجهُ في مَنْعِ ذلك أنْ يُقال : لو عُطفَ على " قرضاً " ؛ لشاركه في عامِلِه، وهو " يُقْرض " فيصيرُ التَّقْدِيرُ : مَنْ ذا الذي يَقْرِضُ مضاعفةً، وهذا ليسَ صحيحاً معنى. 
وقد تقدَّم أَنَّه قرئ " يُضاعِفُ "، و " يُضَعِّفُ " فقيل : هما بمعنى، وتكونُ المفاعلَةُ بمعنى فَعَل المجرد، نحو عاقَبْت، وقيل : بل هما مختلفان، فقيل : إنَّ المضعَّفَ للتكثير. وقيل : إنَّ " يُضَعِّف " لِما جُعِلَ مثلين، و " ضاعَفَه " لِما زيد عليه أكثرُ من ذلك. 
والقَرْضُ : القَطْعُ، ومنه :" المِقْرَاضُ " لِمَا يُقْطَع به وانقطع القوم هلكوا وانقطع أثرهم وقيل للقَرْض " قرض " ؛ لأنه قَطْعُ شيءٍ من المالِ، وهذا أصلُ الاشتقاقِ، ثم اختلف أهل العِلْمِ في " القَرْض " فقيل : هو اسمٌ لكلِّ ما يُلْتَمَسُ الجزاءُ عليه. وقيل : أن يُعْطِيَ شيئاً ليرجِعَ إليه مثلُهُ. 
وقال الزَّجَّاج والكسائي[(٩)](#foonote-٩) :" هو البَلاَءُ حَسَناً كان أو سيئاً "، تقول العرب : لك عندي قرضٌ حسنٌ وسيّئ، والمرادُ منه الفعل الذي يجازى عليه. 
قال أَميَّة بن الصَّلت :\[ البسيط \]
كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزَى قَرْضَهُ حَسَناً \*\*\* أَوْ سَيِّئاً وَمَدِيناً مِثْلٌ ما دَانَا[(١٠)](#foonote-١٠)
واختلفوا في أَنَّ إِطلاق لفظ القَرْضِ على هذا، هل هو حقيقة أو مجازٌ. 
قال الزَّجَّاج[(١١)](#foonote-١١) : هو حقيقةٌ، واستدلَّ بما ذكرناه، وقيل : مجازٌ، لأَنَّ القَرْضَ : هو أَنْ يعطي الإنسان ليرجع إليه مثله وهنا إِنَّما ينفق ليرجع إِلَيه بدله، و " القِرض " بالكَسْرِ - لغةٌ فيه حكاها الكِسَائِيُّ، نقله القرطبي[(١٢)](#foonote-١٢). 
قوله :" أَضْعَافاً " فيه ثلاثة أوجهٍ :
أظهرها : أَنَّهُ حالٌ من الهاءِ في " فيضاعِفُ "، وهل هذه حالٌ مؤكِّدَةٌ أو مبيِّنة، الظَّاهِرُ أنها مُبَيِّنَةٌ ؛ لأنَّها وإنْ كانَتْ من لفظِ العامِلِ، إلاَّ أنَّها اختصَّتْ بوصفِها بشيءٍ آخَر، ففُهِم منها ما لم يُفْهَمُ من عامِلها، وهذا شأنُ المبيِّنة. 
والثاني : أنه مفعولٌ به على تضمين " يضاعفُ " معنى يُصَيِّر، \[ أي : يُصَيِّره \] بالمضاعَفَةِ أضْعافاً. 
الثالث : أنه منصوبٌ على المصدر. 
قال أبو حيان :\[ قيل \] ويجوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ على المصدرِ باعتبار أَنْ يُطْلَقَ الضِّعْفُ - وهو المضَاعفُ، أو المضعِّفُ - بمعنى المضاعفة، أو التضعيف، كما أُطلِقَ العطاء، وهو اسمُ المُعْطَى بمعنى الإِعطاء. وجُمِعَ لاختلافِ جهاتِ التضعيفِ باعتبارِ اختلاف الأشخاص، واختلاف المُقْرِضِ واختلافِ أنواعِ الجَزَاءِ. وسبقه إلى هذا أبُو البقاءِ[(١٣)](#foonote-١٣)، وهذه عبارتُهُ، وأنشد :\[ الوافر \]
أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي \*\*\* وَبَعْدَ عَطَائِكَ المِائَةَ الرِّتَاعَا[(١٤)](#foonote-١٤)
والأَضْعافُ جمعُ " ضِعْف "، والضِّعْفُ مثل قَدْرَيْنِ مُتَسَاوييْن. وقيل : مثلُ الشَّيء في المِقْدَارِ. ويقالُ : ضِعْفُ الشَّيء : مثلُهُ ثلاثَ مرات، إلاَّ أنه إذا قيل " ضعفان "، فقد يُطْلَقُ على الاثنين المِثْلَيْنِ في القَدْرِ من حيثُ إِنَّ كلَّ واحدٍ يُضعِّفُ الآخرَ، كما يُقالُ زَوْجان، من حيث إنَّ كلاً منهما زوجٌ للآخر.

### فصل


لما أمر اللهُ تعالى بالجهادِ، والقتال على الحَقّ ؛ إذ ليس شيءٌ من الشَّريعة، إِلاَّ ويجوز القِتَالُ عليه وعنه، وأعظمها دينُ الإِسلام، حرَّض تعالى على الإِنفاقِ في ذلك ؛ فَدَخل في ذلك : المُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ، فإِنَّهُ يَقْرضُ رجاء الثَّوابِ، كما فعلَ عثمانُ - رضي اللهُ عنه - في جيشِ العُسْرَةِ. 
### فصل


اختلف المُفَسِّرُون[(١٥)](#foonote-١٥) في هذه الآية على قولين :
أحدهما : أنَّ هذه الآية متعلِّقةٌ بما قبلها، والمرادُ منها القرض في الجهادِ خاصَّةً، فندب العاجز عن الجهاد أَنْ ينفق على الفقير القادر عليه، وأمر القادر على الجهاد : أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد، ثمَّ أكد ذلك بقوله تعالى : وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ . 
القول الثاني : أَنَّ هذا الكلام مبتدأٌ لا تعلُّق له بما قبله، ثم اختلفوا هؤلاء، فمنهم من قال : المراد من القرض إنفاق المال، ومنهم من قال : إِنَّه غيره والقائلون بأَنَّه إنفاق المال، اختلفوا على ثلاثة أقوال :
الأول : أَنَّه الصَّدقةُ غير الواجبة، وهو قول الأَصم[(١٦)](#foonote-١٦)، واحتجَّ بوجهين :
أحدهما : أَنَّهُ تعالى سمَّاه قرضاً والقَرْضُ لا يكون إِلاَّ تبرعاً. 
الوجه الثاني : قال ابن عبَّاسٍ : إِنَّ هذه الآية نزلت في أبي الدَّحداح، قال : يا رسول اللهِ ! إِنَّ لي حديقتين، فإِنْ تصدّقت بأحدهما، فهل لي مثلها في الجنَّة. قال :" نَعَمْ "، قال : وأمّ الدَّحداح معي ؟ قال :" نعم ". فتصدق بأفضل حديقتيه، وكانت تُسَمَّى " الحنيبة " قال : فرجع أبُو الدَّحداح إلى أهله، وكانوا في الحديقة التي تصدّق بها، فقام على باب الحديقة وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الدَّحداح : بارك اللهُ لك فيما اشتريتَ، ثمَّ خرجوا منه وسلموها ؛ فكان عليه الصَّلاة والسَّلام يقول : كم مِنْ نخلةٍ رداحٍ تُدلي عروقها في الجنَّة لأَبي الدَّحداح[(١٧)](#foonote-١٧). 
القول الثاني : أَنَّ المراد من هذا القرض : الإنفاقُ الواجب في سبيل اللهِ. قالوا : لأَنَّه تعالى ذكر في آخر الآية قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، وذلك كالزَّجر وهو إِنَّما يليقُ بالواجب. 
القول الثالث : أَنَّه يشتمل قسمين كقوله تعالى : مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ  \[ البقرة : ٢٦١ \] وأمَّا من قال : إِنَّ المُراد : إِنفاقُ شيء سوء المال. قالوا : رُوِيَ عن بعضِ أصحاب ابن مسعودٍ[(١٨)](#foonote-١٨) أنه قول الرَّجل سبحان اللهِ، والحمد للهِ، ولا إله إلاَّ الله، واللهُ أكْبَرُ. قال ابنُ الخطيب[(١٩)](#foonote-١٩) \[ قال القاضي \] وهذا بعيدٌ ؛ لأَنَّ لفظ الإِقراض لا يقعُ في عرف اللُّغة عليه، ولا يمكن حمل هذا القولِ على الصِّحَّة إِلاَّ أَنْ نقول : إذا كان الفقيرُ لا يملك شيئاً، وكان في قلبه أنه لو قدر على الإِنفاق لأنفق، وأعطى، فحينئذٍ تكون نيته قائمةً م١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠١..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٤٣..
٣ - انظر: السبعة ١٨٥، والحجة ٢/٣٤٣، ١٤٤، والعنوان ٧٤، وحجة القراءات ١٣٨، ١٣٩، وشرح شعلة ٢٩٣، وشرح الطيبة ٤/١٠٧، وإتحاف فضلاء البشر ١/٤٤٣..
٤ - تقدم برقم ٧٦٢..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٢..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - تقدم برقم ٧٦٢..
٨ - البيت للحصين بن الحمام ينظر في خزانة الأدب ٣/٣٢٤، والدرر ٤/٧٨، وشرح اختيارات المفضل ص ٣٣٤، وشرح التصريح ٢/٢٤٤، وشرح المفصل ٣/٥٠، والمقاصد النحوية ٤/٤١١، وسر صناعة الإعراب ١/٢٧٢، وشرح الأشموني ٣/٥٥٩، والمحتسب ١/٣٢٦، وهمع الهوامع ٢/١٠، ١٧، والدر المصون ١/٥٩٦..
٩ - ينظر: معاني القرآن للزجاج ١/٣١٩..
١٠ - ينظر: ديوانه (٨٠)، القرطبي ٣/١٥٦، الرازي ٦/ ١٤٢..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٤٢..
١٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٥٦..
١٣ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٢..
١٤ - تقدم برقم ٣٣٩..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٤١..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٤١..
١٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٨٤-٢٨٥) وأبو يعلى والطبراني والبزار كما في "مجمع الزوائد" (٦/٣٢٠)، (٩/٣٢٤) وقال اليهثمي: رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٥٤-٥٥٥) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٤٢..
١٩ - ينظر: المصدر السابق..

### الآية 2:246

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:246]

الملأُ من القَوْمِ وجوههم، وأشرافهم، وهو اسم للجماعة من النَّاس لا واحد لهُ من لفظه كالرَّهْطِ والقومِ، والجيشِ، والمَلأُ : الأَشرافُ سُمُّوا بذلك ؛ لأنهم يملئون العيونَ هيبةً، أو المجالسَ إذا حضروا ؛ أو لأنهم مليئون بما يُحْتاج إليهم فيه، وقال الفرَّاءُ :" المَلأُ " الرجالُ في كلِّ القرآن، وكذلك القومُ والرَّهطُ والنَّفَرُ، ويُجْمع على أَمْلاء ؛ قال :\[ الطويل \]
وَقَالَ لَهَا الأَمْلاَءُ مِنْ كُلِّ مَعْشَرٍ \*\*\* وَخَيْرُ أَقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُهَا[(١)](#foonote-١)
قال القرطبي[(٢)](#foonote-٢) : والملأ أيضاً حسن الخلق، ومنه الحديث :" أَحْسنُوا الملأَ فكلُّكُمْ سيروى " أخرجه مسلم[(٣)](#foonote-٣). 
**قوله تعالى :" من بني " فيه وجهان :**
أحدهما : أَنَّهُ صلةٌ للملأ على مذهب الكُوفيين ؛ لأنهم يجعلون المُعَرَّفَ بأل موصولاً ؛ ويُنْشِدُون :\[ الطويل \]
لَعَمْرِي لأَنْتَ الَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ \*\*\* وأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بالأصائِلِ[(٤)](#foonote-٤)
و مِن بَعْدِ مُوسَى  متعلِّقٌ بما تعلَّقَ \[ به \] الجارُّ الأولُ، وهو الاستقرار، ولا يضُرُّ اتحادُ الحرفين لفظاً لاختلافِهما معنًى، فإِنَّ الأولى للتبعيض والثانية لابتداءِ الغاية. وقال أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) :" مِنْ بعدِ " متعلِّقٌ بالجار الأول، أو بما تعلَّق به الأول يعني بالأولِ :" من بني "، وجعله عاملاً في " مِنْ بعد " لِما تضمنَّه من الاستقرار، فلذلك نَسَبَ العملَ إليه، وهذا على رأي بعضِهم، يَنْسِبُ العمل للظرف والجارِّ الواقِعَيْن خبراً أو صفةً أو حالاً أو صلةً، فتقول في نحو :" زيدٌ في الدار أبوه " أبوه : فاعلٌ بالجارِّ، والتحقيقُ أنه فاعلٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به الجارُّ، وهو الوجهُ الثاني. وقدَّر أبو البقاء[(٦)](#foonote-٦) مضافاً محذوفاً. تقديرُه : من بعدِ موسى، ليصِحَّ المعنى بذلك. 
قوله :" إِذْ قَالوا " العاملُ في هذا الظرفِ أجازوا فيه وجهين :
أحدهما : أنه العاملُ في " مِنْ بعد " لأنَّه بدلٌ منه، إذ هما زمانان، قاله أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧) : والثاني : أنه " ألم تر " قال شهاب الدين وكلاهما غيرُ صحيحٍ. 
**أمَّا الأول فلوجهين :**
أحدهما من جهة اللفظِ والآخرُ من جهة المعنى. فأمّا الذي من جهة اللفظِ فإنه على تقدير إعادة " مِنْ " و " إذ " لا تُجَرُّ ب " مِنْ ". الثاني : أنه ولو كانَتْ " إذ " من الظروف التي تُجَرُّ ب " مِنْ " كوقت وحين لم يصِحَّ \[ ذلك أيضا لأنَّ العاملَ في " مِنْ بعد " محذوفٌ فإنه حالٌ تقديره : كائنين من بعد، ولو قلت : كائن من حين قالوا لنبيٍّ لهم ابعثْ لنا ملكاً لم يصِحَّ \] هذا المعنى. 
وأمَّا الثاني فلأنه تقدَّم أن معنى " ألم تر " تقريرٌ للنفي، والمعنى : ألم ينته علمُك، أو قد نَظَرْتَ إلى الملأ وليس انتهاءُ علمِه إليهم ولا نظرُه إليهم كان في وقتِ قولهم ذلك، وإذا لم تكنْ ظرفاً للانتهاءِ ولا للنظر فكيف تكونُ معمولاً لهما أو لأحدِهما ؟
وإذ قد بَطَلَ هذان الوجهان فلا بُدَّ له من عاملٍ يصِحُّ به المعنى وهو محذوفٌ، تقديره : ألم تَر إلى قصة الملأ أو حديث الملأ أو ما في معناه ؛ وذلك لأنَّ الذواتِ لا يُتَعَجَّبُ منها، إنما يُتَعَجَّبُ من أحداثها، فصار المعنى : ألم تَرَ إلى ما جرى للملأ من بني إسرائيل إلى آخرها، فالعاملُ هو ذلك المجرورُ، ولا يصحُّ المعنى إلا به لِما تقدَّم. 
قوله تعالى :" لِنَبِيٍّ " متعلِّقٌ ب " قالوا " واللامُ فيه للتبليغ، و " لهم " متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لنبي، ومحلُّه الجرُّ، و " ابعَثْ " وما في حيِّزه في محلِّ نصبٍ بالقولِ. و " لنا " الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بابعَثْ، واللامُ للتعليلِ أي : لأجلِنا. 
قوله :" نقاتِلْ " الجمهورُ بالنونِ والجزم على جواب الأمر. وقرئ[(٨)](#foonote-٨) بالياء والجزم على ما تقدَّم، وابن[(٩)](#foonote-٩) أبي عبلة بالياءِ ورفعِ اللام على الصفةِ لملكاً، فمحلُّها النصبٌ أيضاً. \[ وقرئ بالنونِ ورفع اللام على أنها حالٌ من " لنا " فمحلُّها النصبُ أيضاً \] أي : ابعَثْه لنا مقدِّرين القتال، أو على أنها استئنافُ جوابٍ لسؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قال لهم : ما يَصْنعون بالملكِ ؟ فقالوا نقاتِلْ. 
قوله :" هَلْ عَسَيْتُمْ " عسى واسمها، وخبرها " أَنْ لا تقاتِلوا " والشرطُ معترضٌ بينهما، وجوابهُ محذوفٌ للدلالة عليه، وهذا كما توسَّط في قوله :
 وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ  \[ البقرة : ٧٠ \]، وهذا على رأي مَنْ يَجْعَلُ " عسى " داخلةً على المبتدأ والخبر، ويقولُ إنَّ " أَنْ " زائدةٌ لئلا يُخْبَرَ بالمعنى عن العين. وأمّا مَنْ يرى أنّها تُضَمَّنُ معنى فعل متعدٍّ فيقول :" عَسَيْتم " فعلٌ وفاعلٌ، و " أَنْ " وما بعدها مفعولٌ به تقديره : هل قارَبْتُم عدم القتالِ، فهي عنده ليسَتْ من النواسخِ، والأولُ هو المشهورُ. 
وقرأ نافع[(١٠)](#foonote-١٠) " عَسِيْتُم " هنا وفي القتال : بكسر السينِ، وهي لغةٌ مع تاءِ الفاعلِ مطلقاً ومع نا \[ ومع \] نونِ الإناثِ نحو : عَسِينا وعَسِين، وهي لغةُ الحجاز، ولهذا غَلِطَ مَنْ قال :" عسى تُكْسَرُ مع المضمر " وأَطْلَقَ، بل كان ينبغي له أن يُقَيِّدَ الضمير بما ذكرنا، إذ لا يقال : الزيدان عَسِيا والزيدون عَسِيوا بالكسرِ البتة. 
وقال الفارسي :" ووجهُ الكسرِ قولُ العربِ :" هو عَس بكذا " مثل : حَرٍ وشَج، وقد جاء فَعَل وفَعِل في نحو : نَقَم ونَقِم، فكذلك عَسَيْتُ وعَسِيْتُ، فإِنْ أُسْنِدَ الفعلُ إلى ظاهرٍ فقياسُ عَسِيتم - أي بالكسر - أن يقال :" عَسِيَ زيدٌ " مثل :" رَضِي زيدٌ ". 
فإن قيل : فهو القياسُ، وإِنْ لم يُقَلْ فسائِغٌ أن يُؤْخَذَ باللغتين، فتُسْتَعملَ إحداهما موضعَ الأخرى كما فُعِل ذلك في غيره " فظاهرُ هذه العبارة أنه يجوز كسرُ سينِها مع الظاهِر بطريق القياسِ على المضمرِ، وغيرهُ من النحويين يمنعُ ذلك حتى مع المضمر مطلقاً، ولكن لا يُلتفت إليه لورودِه متواتراً، وظاهرُ قوله " قولُ العرب : عَسٍ " أنه مسموعٌ منهم اسمُ فاعلها، وكذلك حكاه أبو البقاء[(١١)](#foonote-١١) أيضاً عن ابن الأعرابي، وقد نَصَّ النحاة على أن " عسى " لا تتصرَّف. 
واعلم أنَّ مدلولَ " عسى " إنشاءٌ لأنها للترجي أو للإِشفاق، فعلى هذا : فكيف دَخَلت عليها " هل " التي تقتضي الاستفهامَ ؟ فالجوابُ أن الكلامَ محمولٌ على المعنى، قال الزمخشري :" والمعنى : هل قارَبْتم ألاَّ تقاتلوا، يعني : هل الأمرُ كما أتوقّعه أنكم لا تقاتلون، أراد أن يقول : عَسَيْتُم ألا تقاتلوا، بمعنى أتوقَّعُ جبنَكم عن القتالِ، فأدخلَ " هل " مستفهِماً عما هو متوقعٌ عنده ومَظْنونٌ، وأرادَ بالاستفهام التقريرَ، وثَبَتَ أنَّ المتوقَّع كائنٌ وأنه صائبٌ في توقعه ؛ كقوله تعالى : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ  \[ الإنسان : ١ \] معناه التقريرُ " وهذا من أَحسنِ الكلامِ، وأحسنُ مِنْ قول مَنْ زعم أنها خبرٌ لا إنشاءٌ ؛ مُسْتَدِلاً بدخولِ الاستفهام عليها ؛ وبوقوعها خبراً ل " إنَّ " في قوله :\[ الرجز \]
لاَ تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسَيْتُ صَائِمَا[(١٢)](#foonote-١٢) \*\*\*. . . 
وهذا لا دليلَ فيه ؛ لأنه على إضمار القول ؛ كقوله :\[ البسيط \]
إِنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ \*\*\* لاَ تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا[(١٣)](#foonote-١٣)
ولذلك لا توصلُ بها الموصولات ؛ خلافاً لهشامٍ. 
قوله : وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ  هذه الواوُ رابطةٌ لهذا الكلام بما قبلَه، ولو حُذِفَتْ لجازَ أن يكونَ منقطعاً مِمَّا قبله. و " ما " في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، ومعناها الاستفهامُ، وهو استفهامُ إنكارٍ. و " لنا " في محلِّ رفع خبر ل " ما ". 
و " أَلاَّ نُقَاتِلَ " فيه ثلاثةُ أوجهٍ. 
أظهرها : أنَّها على حذفِ حرفِ الجرِّ وهو قول الكسائي والتقديرُ : وما لنا في ألاَّ نقاتل، أي : في تركِ القتالِ، ثم حُذِفَتْ " في " مع " أَنْ " فجرى فيها الخلافُ المشهورُ بين الخليل وسيبويه : أهي في محلِّ جر أم نصبٍ ؟ وهذا الجارَّ يتعلَّقُ بنفسِ الجارِّ الذي هو " لنا " أو بما يتعلَّق هو به على حسبِ ما تقدَّم في " مِنْ بعد موسى " [(١٤)](#foonote-١٤). 
قال البغوي[(١٥)](#foonote-١٥) : فإن قيل : فما وجه دخول " أن " في هذا الموضع، والعرب لا تقول ما لك ألاَّ تفعل، وإنما يقال : ما لك لا تفعل ؟ قيل : دخول " أن " وحذفها لغتان صحيحتان، فالإثبات كقوله تعالى : مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ  \[ الحجر : ٣٢ \]، والحذف كقوله تعالى : وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ 
\[ الحديد : ٨ \] وقال الفراء : الكلام هاهنا محمول على المعنى ؛ لأن قولك : ما لك لا تقاتل ؟ معناه : ما يمنعك أن تقاتل، فلما كان معناه المنع حسن إدخال " أن " فيه كقوله  مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ  \[ ص : ٧٥ \] وقوله : أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ  \[ الحجر : ٣٢ \] ورجح الفارسي قول الكسائي على قول الفراء. 
قال : لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر تقديره ما يمنعنا من أن نقاتل فإذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين، فعلى قول الكسائي يبقى الإضمار على ظاهره وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول الكسائي أولى. 
الثاني : مذهب الأخفش أنَّ " أَنْ " زائدةٌ، ولا يضرُّ عملها مع زيادتها، كما لا يضرُّ ذلك في حروف الجر الزائدة، وعلى هذا فالجملة المنفيَّة بعدها في محلِّ نصبٍ على الحال، كأنه قيل : ما لنا غير مقاتلين، كقوله : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً  \[ نوح : ١٣ \]  وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ  \[ المائدة : ٨٤ \] وقول العرب :" ما لك قائماً "، وقول الله تعالى : فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ  \[ المدثر : ٤٩ \] وهذا المذهب ضعيفٌ لأنَّ الأصل عدم الزيادة، فلا يصار إليها دون ضرورةٍ. 
الثالث :- وهو أضعفها - وهو مذهب الطبري أنَّ ثمَّ واواً محذوفةً قبل قوله :" أن لا نقاتلَ ". قال :" تقديره : وما لنا ولأن لا نقاتل، كقولك : إياك أن تتكلَّم، أي : إياك وأن تتكلم، فحذفت الواو " وهذا كما ترى ضعيفٌ جداً. وأمَّا قوله : إنَّ قولهم إياك أن تتكلم على حذف الواو ؛ فليس كما زعم، بل " إياك " ضمِّنت معنى الفعل المراد به التحذير، و " أَنْ تتكلمَ " في محلِّ نصبٍ به تقديره : احذر التكلم. 
قوله :" وَقَدْ أُخْرِجْنَا " هذه الجملة في محلِّ نصبٍ على الحال، والعامل فيها :" نقاتلْ "، أنكروا ترك القتال وقد التبسوا بهذه الحال. وهذه قراءة الجمهور، أعني بناء الفعل للمفعول. 
وقرأ عمرو[(١٦)](#foonote-١٦) بن عبيد :" أَخْرَجَنا " على البناء للفاعل. وفيه وجهان :
أحدهما : أنه ضمير الله تعالى، أي : وقد أخرجنا الله بذنوبنا. 
والثاني : أنه ضمير العدوّ. 
 " وأبنائنا " عطفٌ على " ديارنا " أي : ومن أبنائنا، فلا بدَّ من حذف مضافٍ تقديره :" ومن بين أبنائنا " كذا قدره أبو البقاء[(١٧)](#foonote-١٧). وقيل : إنَّ هذا على القلب، والأصل : وقد أُخرج أبناؤنا منا، ولا حاجة إلى هذا. 
قوله تعالى : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّواْ ، فاعلم أن في الكلام محذوفاً تقديره : فسألوا الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال فتولوا. 
قوله :" إِلاَّ قَلِيلاً " نصبٌ على الاستثناء المتصل من فاعل " تَوَلّ

١ - ينظر البحر ٢/٢٥٧، الدر المصون ١/٥٩٧..
٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٥٩..
٣ - أخرجه مسلم (٣/١٩٧- نووي) كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب قضاء الصلاة الفائتة حديث (٣١١/٦٨١) من حديث أبي قتادة..
٤ - تقدم برقم ١٠٧٣..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٣..
٦ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٣..
٧ - ينظر: المصدر السابق..
٨ - انظر: البحر المحيط ٢/ ٢٦٣، والدر المصون ١/٥٩٨..
٩ - وقرأ بها الضحاك.
 انظر: المحرر الوجيز ١/٣٠، والبحر المحيط ٢/٢٦٣، والدر المصون ١/٥٩٨، والقرطبي ٢/١٥٩..
١٠ - انظر: السبعة ١٨٦، والحجة للقراء السبعة ٢/٣٤٩، والعنوان ٧٤، وحجة القراءات ١٣٩، وشرح الطيبة ٤/١١٣، وشرح شعلة ٢٩٣، وإتحاف ١/٤٤٥..
١١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٣..
١٢ - البيت لأبي مكعت ينظر أمالي ابن الشجري ١/٢١٢، الهمع ١/١٣٥ المغني ٢/٥٨٥، الدرر ١/١١٢، التصريح ١/٥٩٨، الخزانة ١٠/٢٤٩، الدر المصون ١/٥٩٩..
١٣ - البيت لأبي مكعت أخي بني سعد بن مالك في خزانة الأدب ١٠/٢٤٧، ٢٤٩، ٢٥٠، والدرر ٢/ ١٧٠، وشرح التصريح ١/٢٩٨، وشرح شواهد المغني ٢/٩١٤، ومغني اللبيب ٢/٥٨٥، وهمع الهوامع ١/١٣٥، والدر المصون ١/٥٩٩..
١٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٢٧..
١٥ - انظر: البحر المحيط ٢/ ٢٦٥، والدر المصون ١/٦٠٠..
١٦ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٣..
١٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٩٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٥٩) وعزاه لعبد الرازق عن قتادة..

### الآية 2:247

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:247]

قوله تعالى : طَالُوتَ مَلِكاً  :" مَلِكاً " حال من " طالوت " فالعامل في الحال " بَعَثَ ". و " طالوتُ " فيه قولان :
أظهرهما : أنه اسمٌ أعجميٌّ فلذلك لم ينصرف للعلتين، أعني : العلمية والعجمة الشَّخصية. 
والثاني : أنه مشتقٌّ من الطول، ووزنه فعلوت كرهبوت ورحموت، وأصله طولوت، فقلبت الواو ألفاً ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكأن الحامل لهذا القائل بهذا القول ما روي في القصَّة أنه كان أطول رجلٍ في زمانه وبقوله " وزاده بسطة في العلم والجسم " إلا أنَّ هذا القول مردودٌ بأن لو كان مشتقاً من الطُّول، لكان ينبغي أن ينصرف، إذ ليس فيه إلاَّ العلمية. وقد أجابوا عن هذا بأنه وإن لم يكن أعجمياً لكنَّه شبيه بالأعجمي، من حيث إنَّه ليس في أبنية العرب ما هو على هذه الصِّيغة، وهذا كما قالوا في حمدون، وسراويل، ويعقوب، وإسحاق عند من جعلهما من سحق وعقب وقد تقدم. 
وأجاب آخرون : بأنه اسمٌ عبراني وافق عربيّاً مثل حطة وحنطة، وعلى هذا يكون أحد سببيه العجمة ؛ لكونه عبرانياً. 
قوله : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا  في " أَنَّى " وجهان :
أحدهما : أنَّها بمعنى كيف، وهذا هو الصَّحيح. 
والثاني : أنها بمعنى من أين، اختاره أبو البقاء[(١)](#foonote-١)، وليس المعنى عليه. ومحلُّها النّصب على الحال، وسيأتي الكلام في عاملها ما هو. و " يَكُونُ " فيها وجهان :
أحدهما : أنها تامَّةٌ، و " المُلْكُ " فاعلٌ بها و " له " متعلّقٌ \[ بها، و " عَلَيْنَا " متعلقٌ \] بالملك، تقول :" فلان مَلَك على بني فلان أمرهم "، فتتعدى هذه المادة ب " على "، ويجوز أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " المُلْك "، و " يَكُونُ " هي العاملة في " أنَّى "، ولا يجوز أن يعمل فيها أحد الظَّرفين، أعني " له "، و " علينا " ؛ لأنه عاملٌ معنوي والعامل المعنويُّ لا تتقدَّم عليه الحال على المشهور. 
والثاني : أنها ناقصةٌ، و " له " الخبر، و " علينا " متعلِّقٌ : إمَّا بما تعلَّق به هذا الخبر، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " المُلك " كما تقدَّم، والعامل في هذه الحال " يكون " عند من يجيز في " كَانَ " الناقصة أن تعمل في الظرف وشبهه، وإمَّا بنفس الملك كما تقدَّم تقريره، والعامل في " أنَّى " ما تعلَّق به الخبر أيضاً، ويجوز أن يكون " عَلَيْنَا " هو الخبر، و " لَهُ " نصبٌ على الحال، والعامل فيه الاستقرار المتعلِّق به الخبر، كما تقدَّم تقريره، أو " يَكُونُ " عند من يجيز ذلك في الناقصة، ولم أر من جوَّز أن تكون " أنى " في محلِّ نصب خبراً ل " يَكُونُ " بمعنى " كَيْفَ يَكُونُ المُلْكُ عَلَيْنَا لَهُ " ولو قيل به لم يمتنع معنًى ولا صناعةً. 
قوله : وَنَحْنُ أَحَقُّ  : جملةٌ حاليَّةٌ، و " بالمُلْكُ " و " مِنْهُ " كلاهما متعلّقٌ ب " أَحَقُّ ". " ولم يُؤْتَ سَعَةً " هذه الجملة الفعلية عطفٌ على الاسميَّة قبلها، فهي في محلِّ نصب على الحال، ودخلت الواو على المضارع ؛ لكونه منفياً و " سعةً " مفعول ثانٍ ليؤت، والأول قام مقام الفاعل. 
و " سَعَةً " وزنها " عَلَة " بحذف الفاء، وأصلها " وُسْعَة "، وإنما حذفت الفاء في المصدر حملاً له على المضارع، وإنما حذفت في المضارع لوقوعها بين ياء - وهي حرف المضارعة - وكسرة مقدَّرة، وذلك أنَّ " وَسِع " مثل " وَثِق " فحقٌّ مضارع أن يجيء على يفعل بكسر العين، وإنما منع ذلك في " يَسَع " كون لامه حرف حلقٍ، ففتح عين مضارعه لذلك، وإن كان أصلها الكسر، فمن ثم قلنا : بين ياء وكسرة \[ مقدرةٍ، والدَّليل على ذلك أنَّهم قالوا : وَجِلَ يَوْجَل فلم يحذفوها لمَّا كانت الفتحة أصلية غير عارضةً، بخلاف فتحة " يَسَع " و " يَهَب " وبابهما. 
فإن قيل : قد رأيناهم يحذفون هذه الواو، وإن لم تقع بين ياءٍ وكسرةٍ \]، وذلك إذا كان حرف المضارعة همزة نحو :" أَعِدُ "، أو تاءً نحو :" تَعِد " أو نوناً نحو :" نَعِد "، وكذلك في الأمر والمصدر نحو :" عِدْ عِدَةَ حَسَنَةً ". 
فالجواب أنَّ ذلك بالحمل على المضارع مع الياء طراً للباب، كما تقدَّم لنا في حذف همزة أفعل، إذا صار مضارعاً لأجل همزة المتكلِّم، ثم حمل باقي الباب عليه. وفتحت سين " السَّعة " لمَّا فتحت في المضارع لأجل حرف الحلق، كما كسرت عين " عِدة " لمَّا كسرت في " يَعِد " إلا أنَّه يشكل على هذا : وَهَبَ يَهَبُ هِبة، فإنهم كسروا الهاء في المصدر، وإن كانت مفتوحة في المضارع لأجل أنَّ العين حرف حلقٍ، فلا فرق بين " يَهَبُ "، و " يَسَع " في كون الفتحة عارضةً والكسرة مقدرةً، ومع ذلك فالهاء مكسورةٌ في " هِبة "، وكان من حقِّها الفتح لفتحها في المضارع ك " سَعَة ". 
**و " من المال " فيه وجهان :**
أحدهما : أنه متعلقٌ بيؤت. 
والثاني : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لسعة، أي : سَعَةً كائنةً من المال.

### فصل


اعلم أنَّه تعالى لما بيَّن في الآية أنَّه لمَّا أجابهم إلى سؤالهم تولَّوا، بيَّن في هذه الآية أنَّ أوّل تولِّيهم إنكارهم إِمْرَة طالوت، وذلك أنَّهم لمَّا طلبوا من نبيِّهم أن يطلب من الله أن يعيِّن لهم ملكاً ؛ فأجابهم بأنَّ الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، أظهروا التَّولي عن طاعة الله، وأعرضوا عن حكمه، وقالوا :" أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا "، واستبعدوا ذلك. 
قال المفسِّرون[(٢)](#foonote-٢) : وسبب هذا الاستبعاد : أنَّ النبوَّة كانت مخصوصةً بسبط معيَّن من أسباط بني إسرائيل، وهم سبط لاوي بن يعقوب، ومنه " مُوسَى وهارون " وسبط المملكة سبط " يَهُوذا "، ومنه " دَاوُدُ، وسُلَيْمَانُ " و " طَالُوت " لم يكن من أحد هذين السِّبطين، بل كان من ولد " بِنْيَامِين " فلهذا السَّبب ؛ أنكروا كونه ملكاً عليهم، وزعموا أنَّهم أحقُّ بالملك منه، ثمَّ أكدوا هذه الشُّبهة بشبهة أخرى وهي قولهم :" وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ "، أي : فقير. 
قال وهبٌ : كان دبَّاغاً[(٣)](#foonote-٣). 
وقال السدِّيُّ : مكارياً[(٤)](#foonote-٤). 
وقال آخرون : كان سقَّاء[(٥)](#foonote-٥)، واسمه بالعبرانية ساول بن قيس، وكان من سبط بنيامين ابن يعقوب، وكانوا عملوا ذنباً عظيماً، كانوا ينكحون النِّساء على ظهر الطَّريق نهاراً، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوة عنهم وكانوا يسمون سبط الإثم، ثمَّ إنَّ الله تعالى أجابهم عن شُبْهتهم بقوله : إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ . 
والاصطفاء : أخذ الملك من غيره صافياً، واصطفاه واستصفاه، بمعنى : الاستخلاص، وهو أخذ الشَّيء خالصاً. 
وقال الزَّجَّاج : مأخوذٌ من الصَّفوة، فأصله اصتفى بالتاء، فأبدل التَّاء بالطَّاء ليسهل النُّطق بها بعد الصَّاد. 
### فصل


اعلم أنَّهم لمَّا طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين :
أحدهما : كونه ليس من بيت المملكة. 
والثاني : كونه فقيراً ؛ ردَّ الله عليهم ذلك بأنهم قد حصل فيه وصفان :
أحدهما : العلم. 
والثاني : القدرة، وهذان الوصفان أشدُّ مناسبة لاستحقاق الملك من الوصفين الأوَّلن لوجوه :
أحدها : أنَّ العلم، والقدرة من باب الكمالات الحقيقيَّة، والمال والجاه ليسا كذلك. 
الثاني : أنَّ العلم، والقدرة يمكن التَّوصُّل بهما إلى المال والجاه، ولا ينعكس. 
الثالث : أنَّ المال والجاه، يمكن سلبهما عن الإنسان، والعلم والقدرة، لا يمكن سلبهما عنه. 
الرابع : أنَّ العالم بأمر الحرب، والقويّ الشَّديد على المحاربة، ينتفع به في حفظ مصلحة الملك، ودفع شرِّ الأعداء، أكثر من الانتفاع بالرجل النَّسيب الغنيِّ الذي لا قدرة له على دفع الأعداء، ولا يحفظ مصلحة الملك. 
### فصل


دلَّت هذه الآية على بطلان قول من يقول : إنَّ الإمامة موروثةٌ، وذلك ؛ لأنَّ بني إسرائيل لمَّا أنكروا أن يكون الملك من غير بيت المملكة ؛ أسقط الله هذا الشَّرْط، وبيَّن أنَّ المستحقَّ للملك من خصَّه الله به فقال : وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ، وهذه الآية نظير قوله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ  \[ آل عمران : ٢٦ \]. 
### فصل


والمراد بالبسطة في الجسم : الجمال، وقيل : المراد : طول القامة. قيل : كان أطول من كل أحدٍ برأسه، وبمنكبه. وقيل : المراد القوَّة. 
قال ابن الخطيب[(٦)](#foonote-٦) : وهذا القول عندي أصحُّ ؛ لأنَّ المنتفع به في دفع الأعداء هو القوَّة، والشِّدة، لا الطُّول، والجمال. 
**قوله :" فِي العِلْم " فيه وجهان :**
أحدهما : أنَّه متعلِّقٌ ب " بَسْطَة " كقولك :" بَسَطْتُ لَهُ في كَذَا ". 
والثاني : أنه متعلّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنه صفةٌ ل " بَسْطَة "، أي : بَسْطَة مستقرةً أو كائنة. 
قوله : وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ . 
قال بعض المفسِّرين : هذا من كلام الله تعالى لمحمّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام -، والمشهور : أنَّه من قول أشمويل، قال لهم ذلك، لمَّا علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمِّم كلامه بالقطعي، الذي لا اعتراض عليه فقال : وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ، وأضاف ملك الدُّنيا إلى الله إضافة مملوكٍ إلى ملكٍ. 
قوله : وَاللهُ وَاسِعٌ  فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه على النسب، أي : ذو سعة رحمة، كقولهم : لابنٌ، وتامرٌ، أي : صاحب تمرٍ ولبنٍ. 
والثاني : أنَّه جاء على حذف الزوائد من أوسع، وأصله مُوسِعٌ. وهذه العبارة إنَّما يتداولها النَّحويون في المصادر فيقولون : مصدرٌ على حذف الزوائد. 
والثالث : أنه اسمُ فاعلٍ من " وَسِع " ثلاثياً ؛ قال أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧) :" فالتَّقدير على هذا : واسع الحِلم ؛ لأنَّك تقول وسع حلمه ". 
### فصل في تفسير قوله " وَاسِعٌ عَلِيمٌ " 


في قوله :" وَاسِعٌ عَلِيمٌ " ثلاثة أقوال :
أحدها : أنَّه واسع الفضل، والرِّزق، والرَّحمة، وسعت رحمته كلَّ شيءٍ، والتَّقدير : أنتم طعنتم في طالوت، لكونه فقيراً، فالله تعالى واسع الفضل، يفتح عليه أبواب الرِّزق، والسَّعة، كما في المال ؛ لأنه فوّض إليه الملك، والملك لا يتمشَّى إلاَّ بالمال. 
والثاني، والثالث : ما تقدَّم في الإعراب آنفاً من كونه بمعنى :" مُوسِعٌ " وذو سعة، والعليم العالم وقيل : العالم بما كان، والعليم بما يكون. 
١ - انظر التفسير الكبير (٦/١٤٧..
٢ - انظر: المصدر السابق..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٠٨، ٣٠٩) وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (١/٥٥٩) عن السدي.
 وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣١١) وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٦٠) لعبد بن حميد..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٤٨..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٤..
٦ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٣٣، والبحر المحيط ٢/٢٧٠، والدر المصون ١/ ٦٠٣..
٧ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٧١، والدر المصون ١/٦٠٣..

### الآية 2:248

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:248]

اعلم أنَّه لما أخبرهم نبيهم : بأنَّ الله تعالى، بعث لهم طالوت ملكاً، وأبطل حجَّتهم قالوا :" فَمَا آيَةُ مُلْكِهِ ؟ قال : أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ . 
قوله تعالى : أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ  :" أَنْ "، وما في حيِّزها في محلِّ رفع خبرٍ ل " إِنَّ " تقديره : إنَّ علامة ملكه إيتاؤكم التَّابوت. 
**وفي " التَّابوتِ "، قولان :**
أحدهما : أنه فاعولٌ، ولا يعرف له اشتقاقٌ، ومنع قائل هذا أن يكون وزنه فعلوتاً مشتقاً من تاب يتوب كملكوت من الملك ورهبوت من الرُّهب، قال : لأنَّ المعنى لا يساعد على ذلك. 
الثاني : أن وزنه فعلوت كملكوت، وجعله مشتقاً من التَّوب وهو الرُّجوع، وجعل معناه صحيحاً فيه، لأنَّ التَّابوت هو الصُّندوق الذي توضع فيه الأشياء، فيرجع إليه صاحبه عند احتياجه إليه، فقد جعلنا فيه معنى الرجوع. 
والمشهور أن يوقف على تائه بتاءٍ من غير إبدالها هاءً ؛ لأنَّها إمَّا أصلٌ إن كان وزنه فاعولاً، وإمَّا زائدةٌ لغير التَّأنيث كملكوت، ومنهم من يقلبها هاءً، وقد قرئ بها شاذّاً، قرأها أُبيّ[(١)](#foonote-١)، وزيد بن ثابت، وهي لغة الأنصار، ويحكى أنهم لمَّا كتبوا المصاحف زمن عثمان - رضي الله عنه - احتلفوا فيه فقال زيد :" بالهَاءِ "، وقال :\[ أُبَيّ :\] " بالتَّاءِ "، فجاءوا عثمان فقال :" اكْتبوه على لغة قريش " يعني بالتَّاءِ. 
وهذه الهاء هل هي أصل بنفسها، فيكون فيه لغتان، ووزنه على هذا فاعول ليس إلاَّ، أو بدلٌ من التَّاء ؛ لأنها قريبةٌ منها لاجتماعهما في الهمس، أو إجراءٌ لها مجرى تاء التَّأنيث ؟ قال الزَّمخشريُّ :" فإنْ قلت : ما وزنُ التابوت ؟ قلت : لا يَخْلو أن يَكُونَ فَعَلوتاً، أو فاعُولاً، فلا يَكُونُ فاعُولاً لقلته نحو سَلِسٌ وقَلِقٌ " يعني : في الأوزان العربيَّة، ولا يجوز ترك المعروف \[ إليه \] فهو إذاً فعلوت من التَّوب وهو الرُّجوع ؛ لأنَّه ظرفٌ تودع فيه الأشياء، فيرجع إليه كلَّ وقتٍ. 
وأمَّا من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده، إلاَّ من يجعل هاءه بدلاً من التَّاء لاجتماعهما في الهمس، ولأنَّهما من حروف الزِّيادة، ولذلك أُبدلت من تاء التَّأنيث. 
قوله :" فِيهِ سَكينةٌ " يجوز أن يكون " فيه " وحده حالاً من التَّابوت، فيتعلَّق بمحذوفٍ، ويرتفع " سَكِينَة " بالفاعليَّة، والعامل فيه الاستقرار، والحال هنا من قبيل المفردات، ويجوز أن يكون " فيه " خبراً مقدّماً، و " سكينةٌ " مبتدأ مؤخراً، والجملة في محلِّ نصب على الحال، والحال هنا من قبيل الجمل، و " سكينةٌ " فعيلة من السكون، وهو الوقار. أي هو سبب سكون قلوبكم، فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، ونظيره  فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ  \[ التوبة : ٤٠ \] قيل : كان التَّابوت سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه، ولم يفرّوا عن التَّابوت، إذا كان معهم في الحرب. 
وقرأ أبو السَّمَّال بتشديد الكاف، قال الزَّمخشريُّ :" وَهُوَ غريبٌ ". 
قوله :" مِّن رَّبِّكُمْ " يجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه صفةٌ ل " سَكِينَة "، ومحلُّه الرَّفع. ويجوز أن يتعلَّق بما تعلَّق به " فيه " من الاستقرار. و " مِنْ " يجوز أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون للتبعيض. وثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي : من سكينات ربكم.

### فصل


اعلم أنَّ مجيء التَّابوت لا بدَّ وأن يكون على وجهٍ خارقٍ للعادة ؛ حتى يصح كونه آية من عند الله دالَّة على صدق تلك الدَّعوة، وذلك يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون المعجز نفس التَّابوت. 
قال أصحاب الأخبار : إنَّ الله تعالى، أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده، وكان من عود من الشمشار نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات فتوارثه أولاده إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -، فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعاً من متاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثمَّ تداولته أنبياء بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلَّم، وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدَّموه بين أيديهم، ليستفتحوا على عدوِّهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر، ثمَّ يقاتلون العدوَّ، فإذا سمعوا من التَّابوت صيحةً ؛ استيقنوا النَّصر، فلمَّا عصوا، وفسدوا سلَّط الله عليهم العمالقة، فغلبوهم على التَّابوت وسلبوه، فلمَّا سألوا نبيَّهم على ملك طالوت ؛ قال لهم النَّبيُّ :" إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ " أنكم تجدون التَّابوت في داره، ثمَّ إنَّ الكفَّار حين سلبوا التَّابوت ؛ جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا نبيُّ ذلك الوقت عليهم، فسلَّط الله عليهم البلاء حتى كل من بال، أو تغوّط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفَّار أن ذلك سبب استخفافهم بالتَّابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثَّوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا منزل طالوت، ثمَّ إنَّ قوم ذلك النَّبيّ رأوا التَّابوت عند طالوت، فعلموا أنَّ ذلك دليل على كونه ملكاً لهم. 
وقيل : إنَّ التَّابوت صندوقٌ كان موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - يضع التوراة فيه، وكان من خشب يعرفونه، ثم إنَّ الله - تعالى - رفعه لمّا قبض موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - لسخطه على بني إسرائيل، ثمَّ قال نبيُّ أولئك القوم : إنّ آية ملك طالوت أن يأتيكم التَّابوت من السَّماء، والملائكة يحفظونه، والقوم كانوا ينظرون إليه ؛ حتَّى نزل عند طالوت، وهذا قول ابن عباسٍ - رضي الله عنه -، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين، لأنَّ من حفظ شيئاً في الطَّريق ؛ جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء، وإن لم يحمله، كقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيدٍ، إذا حفظها في الطَّريق، وإن كان الحامل غيره. 
الثاني : ألا يكون التَّابوت معجزاً، بل يكون المعجز فيه بأن يشاهدوا التَّابوت خالياً، ثمَّ إنَّ ذلك النَّبيّ يضعه بمحضرٍ من القوم في بيتٍ، ويغلقون البيت عليه، ثمَّ يدعي ذلك النَّبي أنَّ الله تعالى يخلق فيه ما يدلُّ على ما وصفنا، فإن فتحوا باب البيت، ونظروا في التَّابوت ؛ رأوا فيه كتاباً يدلُّ على أنَّ ملكهم هو طالوت، وأنَّ الله ينصرهم على عدوِّهم، فهذا يكون معجزاً قاطعاً دالاً على أنَّه من عند الله، ولفظ القرآن محتملٌ للوجهين. 
### فصل في المراد بالسكينة


اختلفوا في السَّكينة : قال عليٌّ - رضي الله عنه - : هي ريحٌ تخرج، أي : شديدة هفَّافةٌ لها رأسان، ووجه كوجه الإنسان[(٢)](#foonote-٢). 
وقال ابن عبَّاسٍ، ومجاهدٌ : هي صورةٌ من زبرجدٍ وياقوت لها رأسٌ كرأس الهِرّ وذنبٌ كذنبه، ولها جناحان، وقيل : لها عينان لهما شعاعٌ، وكانوا إذا سمعوا صوتها تيقنوا بالنَّصر، وكانوا إذا خرجوا، وضعوا التَّابوت قدَّامهم، فإذا سار ساروا، وإذا وقف وقفوا[(٣)](#foonote-٣). 
وعن ابن عبَّاس : هي طستٌ من ذهب من الجنَّة ؛ كان يغسل فيها قلوب الأنبياء. 
وقال أبو مسلم[(٤)](#foonote-٤) : كان في التَّابوت بشارات من كتب الله المنزَّلة على موسى وهارون - عليهما الصَّلاة والسَّلام - ومن بعدهما من الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام بأن الله تعالى ينصر طالوت، وجنوده، ويزيد خوف العدوّ عنهم. 
وعن وهب بن منبِّه قال : هي روحٌ من الله تتكلَّم إذا اختلفوا إلى شيءٍ من أمورهم تخبرهم ببيان ما يريدون. وقال أبو بكر الأصمٌّ : معنى السَّكينة ؛ أي : تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك، وتزول نفرتكم عنه ؛ لأنه متى جاءهم التَّابوت من السَّماء، وشاهدوا تلك الحالة، فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم. 
وقال قتادة، والكلبيُّ : السَّكينة فعيلة من السّكون، أي : طمأنينة من ربكم[(٥)](#foonote-٥)، ففي أي مكان كان التَّابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. 
قوله :" وَبَقِيَّة " وزنها فعيلة والأصل : بَقِيْيَة بياءين، الأولى زائدة، والثانية لام الكلمة، ثم أُدغم، ولا يستدلُّ على أنَّ لام " بَقِيَّة " ياء بقولهم :" بَقِيَ " في الماضي، لأنَّ الواو إذا انكسر ما قبلها قلبت ياء، ألا ترى أنَّ " رَضِي " و " شَقِيَ " أصلهما من الواو : الشِّقْوَة والرِّضوان. 
و " مِمَّا تَرَكَ " في محلِّ رفعٍ ؛ لأنه صفةٌ ل " بَقِيَّة " فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي : بقيةٌ كائنةٌ. و " مِنْ " للتَّبعيض، أي : من بقيَّات ربِّكم، و " مَا " موصولةٌ اسميَّةٌ، ولا تكون نكرةً ولا مصدريةً. 
و " آل " تقدم الكلام فيه، وقيل : هو هنا زائدٌ ؛ كقوله :\[ الطويل \]بُثَيْنَةُ مِنْ آلِ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا  يَكُنَّ لِوَصْلٍ لاَ وِصَالَ لِغَائِبِ[(٦)](#foonote-٦)يريد " بُثَيْنَةُ " من النساء. قال الزَّمخشريُّ : وَيَجُوزُ أن يريد : ممَّا تَرَكَ موسى وهارون، والآلُ مقحمٌ لتفخيم شأنهما، أي زائدٌ للتعظيم، واستشكل أبو حيان كيفيَّة إفادة التَّفخيم بزيادة الآل. و " هَارُون " أعجميٌّ. قيل : لم يرد في شيءٍ من لغة العرب، قاله الراغب[(٧)](#foonote-٧)، أي : لم ترد مادته في لغتهم. 
### فصل في المقصود بالبقية


اختلفوا في البقية، فقيل : مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ  من الدِّين، والشَّريعة، والمعنى : أنَّ بسبب هذا التَّابُوت ينتظمُ ما بَقِيَ من دينهما، وشريعتيهما. 
وقيل : كان فيه لوحان من التَّوراة، ورضاض الألواح الَّتي تكسَّرت، وعصا موسى ونعلاهُ، وثيابه، وعمامة هارون وعصاه، وقفيزٌ من المنّ الذي كان ينزلُ على بني إسرائيل، واختلفوا في الآلِ على قولين[(٨)](#foonote-٨) :
أحدهما : المراد موسى، وهارون نفسهما كقوله - عليه الصلاة والسلام - لأبي موسى الأَشعريّ :" لَقَدْ أُوتِيَ هذا مِزْماراً مِنْ مَزَامِير آل داوُدَ " [(٩)](#foonote-٩) وأراد به داود نفسه ؛ لأنه لم يكُن لأحد من آلِ داوُدَ من الصَّوتِ الحسن مثل ما كان لداود. 
الثاني : قال القفَّال : إنَّما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون ؛ لأَنَّ ذلك التَّابوت تداولته القُرُونُ بعدهما إلى وقتِ طالُوت، وما في التَّابُوت توارثه العلماء عن أتباع موسى وهارون، فيكون الآل : هم الأتباع قال تعالى : أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  \[ غافر : ٤٦ \]. 
قوله : تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ  هذه الجملةُ تحتمِلُ أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعرابِ على أنها حالٌ من التَّابُوت أي : محمولاً للملائكةِ وألاَّ يكونَ لها محلٌّ لأنها مستأنفةٌ، إِذْ هي جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قيل : كيف يأتي ؟ فقيل : تحمِلُهُ الملائكةُ. 
وقرأ مجاهد[(١٠)](#foonote-١٠) " يَحْمِلُه " بالياءِ من أسفلِ ؛ لأنَّ الفِعْل مُسْنَدٌ لجمعِ تكسيرٍ، فيجوزُ في فعله الوجهان. و " ذلك " مشارٌ به قيل : إلى التَّابوت. وقيل : إلى إتيانه، وهو الأَحسنُ ليناسِبَ آخرُ الآيةِ أولها \[ و " إِنْ " \] الأظْهَرُ فيها \[ أنها \] على بابها من كونِها شرطيةً وجوابُها محذوفٌ. وقيل : هي بمعنى " إذ " فإنّ هذه الآية معجزة باهِرَة للمؤمنين. 
قال ابن عبَّاسٍ : إِنَّ التَّابُوت، وعصا موسى في بحيرة طبرية وإنهما يخرجان قبل يوم القيامة[(١١)](#foonote-١١). 
مِنَ النَّاسِ من قال : إن طالُوتَ كان نبيّاً ؛ لأن اللهَ تعالى أظهر المعجزة على يديه، ١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٣٢٦) والحاكم (٢/٤٦٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٦٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق وأبي عبيدة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق أبي الأحوص عن علي بن أبي طالب.
 وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وأخرجه الطبري (٥/٣٢٧) من طريق خالد بن عرعرة عن علي وأخرجه الطبري أيضا (٥/٣٢٦) وسفيان بن عيينة كما في "الدر المنثور" (١/٥٦٢) من طريق سلمة بن كهيل عن علي بن أبي طالب..
٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٦٢) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٢٧) عن مجاهد..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٢٨) عن ابن عباس..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ١٥١..
٥ - أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس بمعناه كما في "الدر المنثور" (١/٥٦٢)..
٦ - البيت لجميل ينظر الطبري ٢/٣٧، البحر ٢/٢٧٢، الدر المصون ١/٣٠٤..
٧ - ينظر: المفردات للراغب ٥٤٠..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٥١..
٩ - أخرجه البخاري (٨/٧١٠) كتاب فضائل القرآن باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن (٥٠٤٨) ومسلم (١/٥٤٦) صلاة المسافرين باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن (٢٣٥/٧٩٣)..
١٠ - ينظر: البحر المحيط ٢/٢٧٢، والدر المصون ١/٦٠٤..
١١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٢٢) رقم (٥٦٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما..

### الآية 2:249

> ﻿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:249]

\[ قوله تعالى :" فَصَلَ " : أي : انْفَصَلَ، فلذلك كان قاصِراً. وقيل إِنَّ أصلَه التَّعدِّي إلى مفعولٍ ولكن حُذِفَ، والتقديرُ : فَصَلَ نفسه ثم إن هذا المفعول حذف حتى صار الفعلُ كالقاصِرِ. 
و " بِالجُنُودِ " متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من " طَالُوت " أي مصاحباً لهم \]. وبين جملةِ قوله :" فلمَّا فَصَلَ " وبين ما قبلَها من الجملِ جُمل محذوفةٌ يَدُلُّ عليها فحوى الكلامِ وقوتُه، تقديرُهُ : فلما أتاهم بالتَّابُوت أذعنوا له وأجابوا فَمَلَّكُوا طالوتَ، وتأهَّبوا للخروجِ، وهي كقوله : فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ  \[ يوسف : ٤٥، ٤٦ \]. ومعنى الفصل : القَطْعُ. 
يقال : فصلت اللَّحْمَ عن العَظم فَصْلاً، وفاصل الرَّجُل شريكهُ وامرأته فصالاً. ويُقالُ للفطام فِصالٌ ؛ لأَنَّه يقطعُ عن الرَّضاع وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه، قال تعالى : وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ  \[ يوسف : ٩٤ \] والجنود جمع جُنْدٍ، وكل صنف من الخلق جُنْدٌ على حدةٍ، يقال للجراد الكثيرة : إنَّها جنود اللهِ، ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام :" الأَرْوَاح جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ " [(١)](#foonote-١).

### فصل


روي أنَّ طَالُوت خرج من بيت المقدس بالجنود، وهم يومئذٍ سبعون ألفاً، وقيل : ثمانُون ألف مُقاتل، وذلك أَنَّهُم لمَّا رأَوا التَّابُوت لم يشكوا في النَّصْر، فساروا إلى الجهاد، فقال طالُوتُ : لا حاجة لي في كُلِّ ما أَرى، لا يخرجُ معي رجُلٌ بنا بيتاً لم يفرغ منه، ولا تاجِرٌ مشتغلٌ بالتِّجارة، ولا مَنْ تزوّج امرأة لم يبنِ بها، ولا يتبعني إلا الشاب النّشيط الفارغ، فاجتمع إليه مما اختار ثَمَانُون ألفاً، وكان في حَرٍّ شديد، فشكوا قلَّة الماءِ بينهم، وبين عدوِّهم وقالوا : إِنَّ المياه قليلة لا تحملنا، فادعُ اللهَ أن يجري لنا نهراً فقال : إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ، واختلفوا في هذا القائل، فقال الأكثرون هو طالوت ؛ لأنَّهُ المذكور السَّابِقُ، وعلى هذا، فإِنَّه لم يقلهُ عن نفسه، فلا بُدَّ وأن يكُون عن وحي أَتَاهُ عن رَبِّهِ وذلك يقتضي أَنَّه كان مع الملك نبيٌّ، وقيل : القائِلُ هو النَّبِيُّ المذكور في أول القِصَّةِ، وهو أشمويل عليه الصَّلاة والسَّلام، وعلى هذا التَّقدير إن قلنا : هذا الكلامُ من طالُوت، فيكون تحمَّلَهُ عن ذلك النَّبي، وحينئذٍ لا يكون طالُوت نبيّاً، وإن قلنا : الكلام من النَّبيّ فتقديره : فَلَمَّا فصل طالُوت بالجنود قال لهم نبيهم : إن اللهَ مبتليكم بنهرٍ، وفي هذا الابتلاء وجهان :
الأول : قال القاضي[(٢)](#foonote-٢) : كان المشهُورُ من أمر بني إسرائيل مخالفة الأنبياء، والملوك مع ظهور الآيات، والمعجزات، فأراد اللهُ تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدوّ يتميز بها الصَّابِرُ على الحرب من غيره. 
الثاني : أَنَّهُ تعالى ابتلاهم ليتعوَّدُوا الصَّبر على الشَّدائد والابتلاء الامتحان وفيه لغتان من " بَلاَ يَبْلُو " و " ابْتَلَى يَبْتَلِي " ؛ قال :\[ الكامل \]وَلَقَدْ بَلَوْتُكَ وَابْتَلَيْتُ خَلِيفَتِي  وَلَقَدْ كَفَاكَ مَوَدَّتِي بِتَأَدُّبِ[(٣)](#foonote-٣)فجاء باللُّغتين، وأصلُ الياءِ في مبتليكم واوٌ لأَنَّهُ من بلا يبلُو ؛ وابتلى يَبْتَلِي، أي : اختبر، وإِنَّما قلبت لانكِسَارِ ما قبلها. 
قوله " بِنَهَرٍ " الجمهورُ على قراءتَه بفتح الهاء وهي اللَّغة الفصيحةُ، وفيه لغةٌ أخرى : تسكينُ الهاءِ، وبها قرأ مجاهد[(٤)](#foonote-٤) وأبو السَّمَّال في جميع القرآن وكلُّ ثلاثي حشوه حرف حلق، فإِنّهُ يجيء على هذين الوجهين ؛ كقوله : صَخَرَ وَصَخْر وشَعَر وشَعْر وَبَحَر وَبَحْر ؛ قال :\[ البسيط \]كَأَنَّمَا خُلِقَتْ كَفَّاهُ مِن حَجَرٍ  فَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالنِّى عَمَلُيَرَى التَّيَمُّمَ فِي بَرٍّ وفي بَحَرٍ  مَخَافَةَ أَنْ يُرَى فِي كَفِّهِ بَلَلُ[(٥)](#foonote-٥)وتقدم اشتقاقُ هذه اللَّفظة عند قوله تعالى : مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  \[ البقرة : ٢٥ \]. 
قوله :" فَلَيْسَ مِنِّي "، أي : من أَشياعي وأصحابي، و " مِنْ " للتَّبعيض ؛ كأنه يجعلُ أصحابَه بعضه ؛ ومثله قول النَّابغة :\[ الوافر \]إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُوراً  فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي[(٦)](#foonote-٦)ومعنى يَطْعَمْهُ : يَذُقْهُ ؛ تقولُ العربُ :" طَمِعْتُ الشَّيْءَ " أي : ذُقْتُ طَعْمَهُ ؛ قال :\[ الطويل \]فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ  وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا[(٧)](#foonote-٧)والنقاخ : الماءُ العذبُ المروِي، والبردُ : هو النَّومُ. 
### فصل


قال أهلُ اللُّغة : وإِنَّما اختير هذا اللَّفظُ لوجهين :
أحدهما : أَنَّ الإِنسانَ إذا عطش جدّاً، ثم شربَ الماء، وأراد وصف ذلك الماء، فإِنَّهُ يصفُهُ بالطُّعُومِ اللَّذِيذة، فقوله : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ، أي : وَإِنْ بلغ به العطشُ إلى حيث يكون الماءُ في فَمِهِ موصوفاً بالطُّعوم الطَّيِّبة ؛ فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وألا يشرب. 
الثاني : أَنَّ مَنْ جعل الماءَ في فمه، وتمضمض به، ثم أخرجه فإنّه يصدق عليه أَنَّهُ ذاقه وطعمه، ولا يصدُق عليه أَنَّه شربه، فلو قال : ومن لم يشربه فإِنَّهُ مني، كان المنعُ مقصوراً على الشّرب. فلما قال : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ  حصل المنعُ في الشُّربِ، والمضمضة، ومعلومٌ أَنَّ هذا التَّكليف أَشَقُّ، فإِنَّ الممنُوع من الشُّربِ، إِذَا تَمَضْمضَ بالماءِ وجد نوع خِفَّةٍ وراحةٍ. 
فإن قيل : هَلاَّ قيل :" وَمَنْ لَمْ يَطْْعَمْ مِنْهُ " ليكون آخر الآية مُطابقاً لأَوَّلها ؟
فالجواب : إِنَّما اختير ذلك لفائدة وهي أَنَّ الفُقهاء اختلفوا في أَنَّ مَنْ حَلَفَ ألاَّ يشرب مِنَ هذا النَّهرِ. قال أبو حنيفة : لا يحنثُ إلا إِذَا كرع منهُ ؛ حتى لو اغترف بكوزٍ من النَّهرِ، وشرب لا يحنث ؛ لأَنَّ الشُّرب من الشَّيء هو : أَنْ يكُونَ ابتداء شُربِهِ مُتَّصلاً بذلك الشَّيء، وهذا لا يحصل إِلاَّ بالشُّرب مِنَ النَّهر. 
وقال الباقون : يحنثُ بالشُّرب مِنَ الكُوزِ، إذا اغترف به مِنَ النَّهر ؛ لأَنَّ هذا وَإِنْ كان مجازاً، فهو مجازٌ معروفٌ، وإذا تقرَّر هذا فقوله : مَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي  ظاهره : أَنَّ النَّهْيَ مقصورٌ على الشُّرب من النَّهْرِ، حتّى لو اغترف بكُوزٍ، وشرب، لا يكُونُ داخلاً تحت النَّهي فلما كان هذا الاحتمالُ قائِماً في اللَّفظ الأَوَّل ذكر في اللَّفظ الثَّاني ما يزيلُ هذا الاحتمال، فقال : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي  أضاف الطَّعم والشّرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الاحتمال. 
### فصل


قال ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ : إِنَّه نهر فلسطين[(٨)](#foonote-٨)، وقال قتادة والرَّبيع : هو نهرٌ بين الأُردن وفلسطين[(٩)](#foonote-٩) قال القاضي[(١٠)](#foonote-١٠) : والتوفيقُ بين القولين : أَنَّ النَّهر المُمتد من بلدٍ إلى بلدٍ قد يُضافُ إلى أحد البلدين. وروى الزَّمخشريُّ أَنَّ الوقت كان قيظاً، فسلكوا مفازةً فسألوا أَنْ يجري اللهُ لهم نهراً، فقال : إِنَّ اللهَ مبتليكم بما اقترحتُمُوهُ مِنَ النَّهرِ. 
قوله : إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ  منصوبٌ على الاستثناء، وفي المُستَثنى منه وجهان :
الصَّحيح أَنَّهُ الجملةُ الأولى، وهي : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ، والجملةُ الثانيةُ معترِضةٌ بين المُستَثنى والمُستَثنى مِنْهُ وأصلُها التَّأخيرِ، وإِنَّما قُدِّمَتْ، لأنها تَدلُّ عليها الأولى بطريقِ المفهوم، فإنَّه لمَّا قال تعالى : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ، فُهِمَ منه أَنَّ من لم يشرب فإنَّه منه، فَلَمَّا كانت مدلولاً عليها بالمفهوم، صارَ الفصلُ بها كلا فصلٍ. 
وقال الزمخشريُّ : والجُمْلَةُ الثَّانيةُ في حُكم المُتَأَخِّرة، إلاَّ أَنَّها قُدِّمَتْ للعناية، كما قُدِّمَ " والصَّابِئُونَ " في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ  \[ المائدة : ٦٩ \]. 
والثاني : أَنَّهُ مستثنى من الجملة الثَّانية، وإليه ذهب أبو البقاء[(١١)](#foonote-١١). قال شهاب الدين : وهذا غيرُ سديدٍ لأنه يؤدِّي إلى أَنَّ المعنى : ومَنْ لم يطعمْه فإِنَّهُ مِنِّي، إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرفة بيده ؛ فإنه ليس مني، لأَنَّ الاسْتثناء من النَّفْي إثباتٌ، ومن الإِثبات نفيٌ، كما هو الصَّحيحُ، ولكن هذا فاسدٌ في المعنى ؛ لأنهم مفسوحٌ لهم في الاغترافِ غرفةً واحدةً. 
والاستثناءُ إذا تعقَّبَ الجُمَلَ، وصلح عَوْدُهُ على كلٍّ منها هل يختصُّ بالأخيرة، أم لا ؟
خلافٌ مشهورٌ، فإنْ دلَّ دليلٌ على اختصاصِهِ بإحدى الجُمَلِ عمِلَ به، والآيةُ من هذا القبيل، فإنَّ المعنى يعودُ إلى عودِهِ إلى الجُملة الأولى، لا الثَّانية لِمَا قَرَّرْنَاهُ. 
وقرأ الحرمِيَّان[(١٢)](#foonote-١٢) وأبو عمرو :" غَرْفَة " بفتح الغين وكذلك يعقوب وخلفٌ. والباقون بضمها. فقيل : هما بمعنى المصدر، إلاَّ أنهما جاءا على غير الصَّدر كنبات من أَنْبَتَ، وَلَوْ جاءَ على الصَّدر لقيل : اغترافاً. وقيل : هما بمعنى المُغْتَرف كالأَكل بمعنى المأكولِ. وقيل : المَفْتوح مصدرٌ قُصِدَ به الدَّلالة على الوحدةِ، فإنَّ " فَعْلَة " يدُلُّ على المَرَّة الواحدة، ومثله الأكلة يقال فلان يأكل بالنهار أكلة واحدة والمضمُومُ بمعنى المفعول، فحيثُ جعلتهما مَصْدراً فالمفعولُ \[ محذوفٌ، تقديره : إلاَّ مَن اغترف ماءً، وحيثُ جعلتهما بمعنى المفعول \] كانا مفعولاً به، فَلا يُحتاج إلى تقديرِ مَفْعُولٍ. 
ويدل على الشَّيء الَّذي يحصُلُ بالكَفِّ كاللُّقمة والحُسْوة والخُطوةِ بالضم، والحُزَّة القطعة اليسيرة من اللحم. قال القرطبيُّ[(١٣)](#foonote-١٣) : وقال بعضهم : الغرفة بالكَفّ الواحد، والغُرفة بالكفين. 
وقال المبرِّدُ " غَرْفَةً " بالفتح مصدر يقعُ على قليل ما في يده وكثيره وبالضَّمِّ اسم ملء الكف، أو ما اغترف به، فحيثُ جعلتهما مصدراً، فالمفعولُ محذوفٌ تقديره : إِلاَّ من اغترف ماءً، وحيثُ جعلتهما بمعنى المفعول كان مفعولاً به، فلا يحتاجُ إلى تقديره مفعولٍ ونُقِلَ عن أبي علي أَنَّهُ كان يُرَجِّح قراءة الضَّمِّ ؛ لأَنَّه في قراءةِ الفتح يجعلها مصدراً، والمصدرُ لا يوافق الفعل في بنائِهِ، إِنَّما جاءَ على حذفِ الزوائد وجعلُها بمعنى المفعول لا يحوج إلى ذلك فكان أرجح. 
قوله :" بِيَدِهِ " يجوزُ أن يتعلَّق ب " اغْتَرَفَ " وهو الظَّاهر. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه نعتٌ ل " غُرْفَة "، وهذا على قولنا : بأن " غُرْفَة "، بمعنى المفعول أَظْهر منه على قولنا : بأنها مَصْدَرٌ، فإنَّ الظَّاهِرَ من الباء على هذا أن تكون ظرفيَّةٌ، أي : غُرفةً كائِنَةً في يده. 
### فصل


قال ابن عباس : كانت الغرْفَةَ تَشْرَبُ منها هو، ودوابُّهُ، وخدمه، ويحمل منها[(١٤)](#foonote-١٤). قال ابن الخطيب[(١٥)](#foonote-١٥) : وهذا يحتملُ وجهين :
أحدهما : أَنَّهُ كان مَأْذوناً له أَنْ يأخذ من الماء ما شاء مرَّةً واحِدَةً بغرفةٍ واحدةٍ ب١ - أخرجه البخاري ٦/٤٢٦، كتاب الأنبياء: باب الأرواح جنود مجندة (٣٣٣٦) ومسلم (٤/٢٠٣١) كتاب البر والصلة: باب الأرواح جنود مجندة (١٥٩-٢٦٣٨)..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٥٢..
٣ - ينظر: الرازي ٦/١٥٣.
٤ - قرأ بها حميد الأعرج.
 انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٤، والبحر المحيط ٢/ ٢٧٣، والدر المصون ١/٦٠٤..
٥ - ينظر: الرازي ٦/١٥٣..
٦ - ينظر: ديوانه (١٢٣)، الكتاب ٤/١٨٦، شرح الحماسة ١/٤٧٤، القرطبي ٣/٢٥٢، البحر ٢/٢٧٣، الدر المصون ١/٦٠٤..
٧ - البيت للعرجي ينظر ديوانه (١٠٩)، البحر ٢/٢٧٣، الأضداد (٦٤) التهذيب ١٤/١٠٥، الكشاف ١/٢٢٤، اللسان: برد، الدر المصون ١/٦٠٤..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٤٠-٣٤١) عن ابن عباس وقتادة والسدي.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٦٤) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٤٠) عن قتادة والربيع..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٥٣..
١١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٤..
١٢ - انظر: السبعة ١٨٧، والحجة ٢/٣٥٠، ٣٥١، وحجة القراءات ١٤٠، وشرح الطيبة ٤/١١٣، وشرح شعلة ٢٩٤، والعنوان ٧٤، وإتحاف ١/٤٤٥..
١٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٦٥..
١٤ أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بمعناه كما في "الدر المنثور" (١/٥٦٤)..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٥٤..

### الآية 2:250

> ﻿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:250]

قوله تعالى : بَرَزُواْ لِجَالُوتَ  في هذه اللام وجهان :
أحدهما : أنَّها تتعلَّق ب " برزوا ". 
والثاني : أنها تتعلَّقُ بمحذُوفٍ على أَنَّها ومجرورها حالٌ من فاعل :" بَرَزوا " قال أبو البقاء :" وَيَجُوزُ أن تكُونَ حالاً أي : برزوا قاصِدِين لِجَالُوتَ ". ومعنى برزوا : صاروا إلى بَراز من الأرض، وهو ما انْكَشَفَ منها وَاسْتَوَى، وسميت المبارزة لظهور كُلّ قرنٍ لصاحبه، واعلم أَنَّ عسكر طالُوت لما برزوا إلى عسكر جالوت، ورأوا قِلَّة جانبهم، وكثرة عدوهم، لا جرم اشتغلوا بالدُّعاء، والتَّضرع، فقالوا : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً . وفي ندائِهِم بقولهم :" رَبَّنَا " : اعترافٌ منهم بالعُبُوديَّة، وطلبٌ لإِصلاحهم ؛ لأَنَّ لفط " الرَّبَّ " يُشْعر بذلك دونَ غيرها، وأَتوا بلفظِ " عَلَى " في قولهم " أَفْرغ عَلَيْنَا " طلباً ؛ لأنْ يكونَ الصَّبْرُ مُسْتعلِياً عليهم، وشاملاً لهم كالظرفِ. ونظيره ما حكى اللهُ عن قوم آخرين أَنَّهُم قالوا حين لاقوا عدوَّهم : ومَا كَانوا قَوْلَهُم إِلاَّ أَنْ قالُوا : ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا  إلى قوله  وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  \[ آل عمران : ١٤٧ \] وكذلك كان عليه الصَّلاة والسَّلام يفعل في المواطن كما رُوِيَ عنه في قصّة بدرٍ أنه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يَزَلْ يُصَلِّي، ويستنجز من الله وعده، وكان إِذَا لقي عدُوّاً قال :" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِم وَاجْعَلْ كَيْدَهُم فِي نُحُورِهِمْ " وكان يقول :" اللَّهُمَّ بِكَ أَصُولُ وَأَجُولُ " [(١)](#foonote-١). 
والإفراغ : الصَّبُّ، يقال : أفرغت الإِناءَ : إذا صببت ما فيه، أصله : من الفراغ يقال : فلان فارغٌ معناه : خالٍ ممَّا يشغله، والإفراغ : إخلاءُ الإناء من كلِّ ما فيه. 
واعلم أنَّ الأمور المطلوبة عند لقاء العدو ثلاثة :
الأول : الصَّبر على مشاهدة المخاوف وهو المراد بقولهم : وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا . 
الثاني : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات ما يمكنه أن يقف ويثبت، ولا يصير ملجأ إلى الفرار. 
الثالث : زيادة القوَّة على العدوِّ ؛ حتى يقهره، وهو المراد من قولهم  وانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ .

### فصل في دفع شبه المعتزلة في خلق الأفعال


احتجَّ أهل السُّنَّة بقوله : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً. . .  الآية على أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ؛ لأنه لا معنى للصَّبر إلاّ : القصد على الثبات ولا معنى للثبات إلاّ السُّكون والاستقرار، وهذه الآية دالَّة على أنَّ ذلك القصد بالصَّبر من الله تعالى. 
أجاب القاضي[(٢)](#foonote-٢) : بأنَّ المراد من الصبر، وتثبيت الأقدام : تحصيل أسباب الصّبر، وأسباب ثبات القدم : إمَّا بأن يلقي في قلوب أعدائهم الاختلاف، فيعتقد بعضهم أنَّ البعض الآخر على الباطل، أو يحدث في ديارهم وأهليهم البلاء، كالموت، والوباء، أو يبتليهم بالموت، والمرض الذي يعمهم، أو يموت رئيسهم، ومن يدبّر أمرهم، فيكون ذلك سبباً لجرأة المسلمين عليهم. 
والجواب عما[(٣)](#foonote-٣) قاله القاضي من وجهين :
الأول : أنَّا بيَّنَّا أنَّ الصَّبر عبارة عن القصد إلى السكون والثبات عبارة عن السكون وهو الذي أراده العبد من الله - تعالى -، وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره، وتحملونه على أسباب الصَّبر، وترك الظَّاهر لغير دليل لا يجوز. 
الثاني : أنَّ هذه الأسباب التي سلمتم أنَّها بفعل الله تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في التَّرجيح الدَّاعي، أو ليس لها أثرٌ فيه ؟ وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله تعالى فائدة، وإن كان لها أثرٌ في التَّرجيح ؛ فعند صدور هذه الأسباب المرجحة يحصل الرجحان، وعند حصول الرُّجحان، يمتنع الطَّرف المرجوح، فيجب حصول الطَّرف الرَّاجح، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض وهو المطلوب. 
١ - انظر تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (٣/٢٥٦)..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٥٨..
٣ - ينظر: المصدر السابق..

### الآية 2:251

> ﻿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:251]

" الهَزْمُ " : أصله الكسر، يقال " سِقَاءٌ مَتَهزِّم " إذا انشق و " قَصَبٌ مُتَهَزِّمٌ "، أي متكسِّر. 
والهزمة : نقرة في الجبل، أو في الصَّخرة. قال سفيان بن عيينة في زمزم : وهي هزمة جبريل، يريد هزمها برجله فخرج الماء. ويقال : سمعت هزيمة الرعد كأنَّه صوت تشقُّقٍ. ويقال للسَّحاب هزيم ؛ لأنَّه ينشق بالمطر. 
قوله :" بِإِذْنِ اللهِ " فيه الوجهان المتقدِّمان أعني كونه حالاً، أو مفعولاً به.

### فصل


أخبر تعالى أنَّ تلك الهزيمة كانت بإذن الله تعالى وإعانته وتيسيره، ثم قال : وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ . 
قال القرطبيُّ[(١)](#foonote-١) : وكان جالوت رأس العمالقة وملكهم، ظلُّه ميل ويقال : إنَّ البربر من نسله. 
قال ابن عبَّاس : إنَّ داود - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان راعياً، له سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم " إِيشَا " ؛ أرسل إليهم داود ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجياد إلى البراز، وكان من قوم عاد، فقال داود لإخوته : أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف ؟ فسكتوا فذهب إلى ناحية أخرى من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت، وهو يحرض الناس. 
فقال له داود : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف ؟
فقال طالوت : أنكحه ابنتي، وأعطيه نصف ملكي، فقال داود : فأنا أخرج إليه ؛ وكانت عادته أنه يقاتل الأسد والذِّيب بالمقلاع في المرعى، وكان طالوت عارفاً بجلادته، فلما همَّ داود بالخروج إلى جالوت، مرّ بثلاثة أحجار فقلن : يا داود، خذنا معك ففينا منيَّة جالوت، ثمَّ لما خرج إلى جالوت، رماه، فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه، وقتل بعده ناساً كثيرة، فهزم الله جنود جالوت، وقتل داود جالوت[(٢)](#foonote-٢) وهو داود بن إيشى بكسر الهمزة. وقيل داود بن زكريَّا بن مرشوى من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - وكان من أهل بيت المقدس، فحسده طالوت، وأخرجه من مملكته، ولم يف له بوعده، ثم ندم على صنعه، فذهب يطلبه إلى أن قتل، وملك داود، وحصلت له النُّبوَّة، وهو المراد من قوله : وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ  هو العلم مع العمل والحكمة : هي وضع الأمور موضعها على الصَّواب، والصَّلاح. 
قوله : وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ. . . . 
قال الكلبيُّ وغيره :" صنعة[(٣)](#foonote-٣) الدُّرُوعِ ". 
قال تعالى : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ  \[ سبأ : ١٠-١١ \] وقيل : منطق الطَّير والنّمل، وقيل الزّبور، وعلم الدّين، وكيفية الحكم، والفصل. 
قال تعالى : وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً  \[ الأنبياء : ٧٩ \]. 
وقيل : الألحان الطَّيِّبة. قيل كان إذا قرأ الزَّبور ؛ تدنو الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وتظله الطّير مصغية له، ويركد الماء الجاري، وتسكن الرّيح. 
وروى الضَّحَّاك[(٤)](#foonote-٤) عن ابن عباس : هو أنَّ الله تعالى أعطاه سلسلةً موصولة بالمجرّة، ورأسها عند صومعته، وقوّتها قوّة الحديد، ولونها لون النّار وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر، مدسَّرة بقضبان اللُّؤلؤ الرطب، فلا يحدث في الهواء حدث إلاّ صلصلت السلسلة، فيعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسُّها ذو عاهة إلاَّ برأ، فكانوا يتحاكمون إليها بعد داود إلى أن رفعت فمن تعدَّى على صاحبه، وأنكر حقه أتى إلى السِّلسلة، فمن كان صادقاً مدّ يده إلى السِّلسلة، فنالها، ومن كان كاذباً، لم ينلها، وكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة، فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلاً جوهرة ثمينة، فلما استردَّها أنكرها فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكَّازه، فنقرها وضمنها الجوهرة، واعتمد عليها حتى حضروا السلسلة، فقال صاحب الجوهرة : ردَّ عليَّ الوديعة. فقال له صاحبه : ما أعرف لك عندي من وديعة، فإن كنت صادقاً فتناول السلسلة، فقام صاحب الجوهرة، فتناولها بيده. فقيل للمنكر قم أنت، فتناولها. 
فقال لصاحب الجوهرة : خذ عكَّازي هذا، فاحفظها حتى أتناول السِّلسلة، فأخذها فقال الرجل :" اللَّهم إِن كنت تَعْلم أنَّ هذه الوديعة التي يدّعيها، قد وصلت إليه فقرب مني السّلسلة، فمد يده فتناولها، فتعجب القوم، وشكُّوا فيها، فأصبحوا وقد رفع الله السِّلسلة. 
قوله " مِمَّا يَشَاءُ " : فاعلٌ، " يشاء " ضمير الله تعالى. 
وقيل : ضمير داود، والأول أظهر. 
قوله :" وَلَوْلاَ دَفْعُ " ؛ قرأ[(٥)](#foonote-٥) نافعٌ هنا، وفي الحج :" دِفَاع "، والباقون :" دَفْع ". فأمَّا " دَفْع "، فمصدر " دَفَعَ " " يَدْفَعُ " ثلاثياً، وأمَّا " دِفَاع " فيحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون مصدر " دَفَعَ " الثلاثيِّ أيضاً، نحو : كَتَب كتاباً، وأن يكون مصدر " دَافَعَ " ؛ نحو : قاتل قتالاً ؛ قال أبو ذؤيبٍ :\[ الكامل \]وَلَقَدْ حَرِصْتُ بَأَنْ أُدَافِعُ عَنْهُمُ  فَإِذَا المَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لاَ تُدْفَعُ[(٦)](#foonote-٦)قالوا وفعال كثيراً يجيء مصدراً للثلاثي من فَعَلَ وفَعِلَ، تقول : جمح جماحاً وطمح طماحاً وتقول لقيته لقاءً، وقمت قياماً، وأن يكون مصدر لدفع تقول : دفعته، دفعاً، ودفاعاً نحو : قتل قتلاً وقتالاً. 
و " فاعل " هنا بمعنى فَعَلَ المجرد، فتتَّحد القراءتان في المعنى ويحتمل أن يكون من المفاعلة، والمعنى أنه سبحانه إنَّما يكفّ الظَّلمة، والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه، ورسله، وأئمة دينه، وكان يقع بين أولئك المحقين، وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة كقوله تعالى : يُحَارِبُونَ اللهَ  \[ المائدة : ٣٣ \] و شَاقُّواْ اللهَ  \[ الأنفال : ١٣ \] ونظائره كثيرة. 
ومن قرأ " دِفَاع "، وقرأ في الحجّ  يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُواْ  \[ الحج : ٣٨ \] أو قرأ " دَفْع "، وقرأ " يَدْفَع " وهما أبو عمرو وابن كثير فقد وافق أصله، فجاء بالمصدر على وفق الفعل، وأمَّا من قرأ هنا :" دَفْع "، وفي الحجّ " يُدافِع "، وهم الباقون، فقد جمع بين اللُّغتين، فاستعمل الفعل من الرُّباعي والمصدر من الثلاثي. والمصدر هنا مضافٌ لفاعله وهو الله تعالى، و " النَّاس " مفعول أول، و " بعضهم " بدلٌُ من " الناسِ " بدل بعضٍ من كلٍّ. 
و " ببعضٍ " متعلِّقٌ بالمصدر، والباء للتعدية، فمجرورها المفعول الثاني في المعنى، والباء إنَّما تكون للتعدية في اللاَّزم، نحو :" ذَهَبَ بِهِ " فأمَّا المتعدِّي لواحدٍ فإنَّما يتعدَّى بالهمزة، تقول :" طَعِمَ زيدٌ اللَّحْمَ، وأَطْعَمْتُه اللَّحْم "، ولا تقول :" طَعِمْته باللَّحْم "، فتعدِّيه إلى الثاني بالباء، إلاَّ فيما شذَّ قياساً، وهو " دَفَعَ "، و " صَكَّ "، نحو : صككت الحجر بالحجر، أي : جعلت أحدهما يصكُّ الآخر، ولذلك قالوا : صككت الحجرين أحدهما بالآخر. 
### فصل في المدفوع والمدفوع به


اعلم أنَّه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع، والمدفوع به، وأمَّا المدفوع عنه، فغير مذكورٍ، وهو يحتمل وجوهاً :
الأول : أن يكون المعنى : ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض، فيكون الدَّافعون هم الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام والأئمة الذين يمنعون النَّاس عن الكفر بسبب البعض بإظهار الدَّلائل. 
قال تعالى : أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  \[ إبراهيم : ١ \]. 
الثاني : دفع بعض الناس عن المعاصي، والمنكرات بسبب البعض، فيكون الدافعون هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ؛ لقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ  \[ آل عمران : ١١٠ \]. 
الثالث : ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج، والمرج، وإثارة الفتن في الدُّنيا بسبب البعض، فيكون الدَّافعون هم الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام ثم الأئمة والملائكة والذّابّون عن شرائعهم، وذلك أنَّ الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده، ما لم يخبز هذا لذاك، ويطحن ذاك لهذا، ويبني هذا لذاك، وينسج ذاك لهذا، ولا تتمّ مصلحة الإنسان. 
فالظَّاهر أن مصلحته لا تتمُّ إلاّ باجتماع جمع في موضع واحد، ولهذا قيل إن الإنسان مدنيٌّ بالطبع، ثم إنَّ الاجتماع سبب للمنازعة المفضية إلى المخاصمة، ثم إلى المقاتلة، فلا بدّ في الحكمة الإلهيَّة من وضع شريعةٍ بين الخلق ليقطع بها الخصومات، والمنازعات، فبعث الله الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - بالشَّرائع ؛ ليدفع بهم، وبشرائعهم الآفات، والفساد عن الخلق فإنَّ الخلق ما داموا متمسكين بالشَّرائع لا يقع بينهم خصامٌ ولا نزاعٌ، والملوك والأئمة متى كانوا متمسكين بالشرائع كانت الفتن زائلة والمصالح حاصلة، ولهذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام :" الإِسْلاَمُ والسُّلْطَانُ[(٧)](#foonote-٧) أَخَوَان " وقال أيضاً :" الإِسْلاَمُ أميرٌ، والسُّلْطَانُ حَارِسٌ، فمن لا أمير له فهو مُنْهَزِمٌ، ومن لا حَارِسَ له فَهُو ضَائِعٌ " [(٨)](#foonote-٨). 
وعلى هذا الوجه فيكون تفسير قوله : لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ، أي : لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي، وذلك يسمّى فساداً. قال تعالى : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ  \[ البقرة : ٢٠٥ \] وقال : أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ  \[ القصص : ١٩ \]. 
الرابع : ولولا دفع الله بالمؤمنين، والأبرار عن الكفّار، والفجّار، لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها. قال عليه الصَّلاة والسَّلام :" إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِم الصَّالِح عَنْ مائَةِ أَهْلِ بَيٍْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ " [(٩)](#foonote-٩). وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" إِنَّ اللهَ يَدْفَعُ بمن يُصَلِّي مِنْ أُمَّتِي عمَّن لا يصلِّي، وبمن يزكّي عمن لا يُزكِّي، وبمن يصوم عمَّن لا يصوم وبمن يحجّ عمَّن لا يحجّ، وبمن يجاهد عمَّن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية[(١٠)](#foonote-١٠). 
ويدلُّ على صحَّة هذا القول قوله تعالى : وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً  \[ الكهف : ٨٢ \]. وقال تعالى : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً  \[ الفتح : ٢٥ \] وقال :
 وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  \[ الأنفال : ٣٣ \]. وعلى هذا التأويل يكون معنى قوله :" لَفَسَدَتِ الأَرْضُ "، أي : لأهلك الله أكثر أهلها الكفّار والعصاة. 
قال القرطبيُّ[(١١)](#foonote-١١) : وقيل : هم الأبدال، وهم أربعو١ ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٦٧..
٢ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٦/١٥٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما..
٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٣٥..
٤ - ينظر: المصدر السابق..
٥ - انظر: السبعة ١٨٧، والحجة ٢/٣٥٢، وحجة القراءات ١٤٠، والعنوان ٧٤، وإعراب القراءات السبع ١/٩١، وشرح الطيبة ٤/١١٤، وشرح شعلة ٢٩٣، وإتحاف ١/٤٤٦..
٦ - ينظر: ديوان الهذليين ١/٢، البحر ٢/٢٧٨، الدر المصون ١/٦٠٨..
٧ - أخرجه الديلمي عن ابن عباس كما في "كنز العمال" (٦/١٠) رقم (١٤٥١٣)..
٨ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٦/١٦٢). ووقع في المخطوطة أ بلفظ: الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو متهدم وما لا حارس له فهو ضائع.
 والحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٧٤) والبغوي في "تفسيره" (١/٢٥٦) وابن عدي في "الكامل" (٢/٧٩٠) والعقيلي في "الضعفاء" (٤/٤٠٤) والطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (٨/١٦٤).
 وقال الهيثمي: وفيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف.
 وقال العقيلي: يحيى بن سعيد العطار شامي مكر الحديث لا يتابع على حديثه..
١٠ - وذكره القرطبي في "تفسيره" الجامع لأحكام القرآن" (٢/١٦٩)..
١١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٦٩..

### الآية 2:252

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [2:252]

قوله تعالى : تِلْكَ آيَاتُ اللهِ  : مبتدأٌ وخبرٌ، و " نَتْلُوهَا " فيه قولان :
أحدهما : أن تكون حالاً، والعامل فيها معنى الإشارة. 
والثاني : أن تكون مستأنفةً فلا محلَّ لها. ويجوز غير ذلك، وهو يؤخذ مما تقدم. 
قال القرطبيُّ[(١)](#foonote-١) : وإن شِئْتَ كان " آيَاتُ الله " بدلاً، والخبر نتلوها عليك بالحقّ وأشير إليها إشارة البعيد لما بينا في قوله : ذَلِكَ الْكِتَابُ  \[ البقرة : ٢ \] أن " تلك " و " ذَلِكَ " يرجع إلى معنى هذه، وهذا، وأيضاً فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشَّيء الذي انقضى، ومضى، فكانت في حكم الغائب، فلهذا التأويل قال :" تِلْكَ " وأشير إليها إشارة البعيد لما تقدَّم في قوله : ذَلِكَ الْكِتَابُ . قوله :" بِالْحَقِّ " يجوز فيه أن يكون حالاً من مفعول " نَتْلُوها "، أي : ملتبسةً بالحقّ، أو من فاعله ؛ أي : نتلوها ومعنا الحقُّ، أو من مجرور " عَلَيْكَ "، أي : ملتبساً بالحقّ. 
قوله : وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . قال القرطبيُّ[(٢)](#foonote-٢) : خبر إن أي : وإنك لمرسل.

### فصل


اعلم أنَّه أشار بقوله :" تِلْكَ " إلى القضيَّة المذكورة من نزول التَّابوت، وغلب الجبابرة على يد داود، وهو صبيٌّ فقير. ولا شكّ أنَّ هذه الأحوال آياتٌ باهرةٌ دالّة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، وفي معنى قوله :" بِالْحَقِّ " وجوه :
أحدها : أنَّ المراد : أن تعتبر بها يا محمَّد أنت، وأمتك في احتمال الشَّدائد في الجهاد، كما احتملها المؤمنون، فيما مضى، وقال " نَتْلُوهَا "، أي : يتلوها جبريل، وأضاف ذلك إليه تشريفاً له كقوله : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ  ورسوله \[ الفتح : ١٠ \]. 
وثانيها :" بِالْحَقِّ " أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب ؛ لأنه في كتبهم كذلك من غير تفاوت أصلاً. 
وثالثها : أنَّا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالَّة على نبوتك بسبب ما فيها من الفصاحة والبلاغة. 
ورابعها :" بِالْحَقِّ "، أي : يجب عليك أن تعلم : أنَّ نزول هذه الآيات من قبل الله تعالى، وليس من قبل الشياطين، ولا تحريف الكهنة والسحرة، وقوله عقيب ذلك : وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . يحتمل وجهين :
الأول : أن إخبارك عن هذه القصص من غير تعلُّم، ولا دراسة دليل على أنَّك رسول وإنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى. 
الثاني : أن يكون المراد منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى أنك إذا عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء من الخلاف والرد لقولهم، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالفك، لأنَّ لك بهم أسوة وإنَّما بعثوا لتأدية الرِّسالة على سبيل الاختبار، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك إنَّما يرجع عليهم. 
١ - ينظر تفسير القرطبي ٣/١٧٠..
٢ - ينظر: المصدر السابق..

### الآية 2:253

> ﻿۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [2:253]

قال القرطبيُّ[(١)](#foonote-١) : قال " تِلْكَ "، ولم يقل " ذَلِكَ " مراعاةً لتأنيث لفظ الجماعة، وهي رفع بالابتداء، و " الرُّسُلُ " نعته، وخبر الابتداء الجملة وقيل :" الرسل " عطف بيان، و " فضَّلنا " الخبر.

### فصل في مناسبة الآية لما قبلها


قال أبو مسلمٍ[(٢)](#foonote-٢) : وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، ما ذكر في الآية التي قبلها من تسلية الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وهو أنَّه أخبر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بأخبار الأنبياء المتقدّمين، وأقوال أُممهم لهم، كسؤال قوم موسى : أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً  \[ النساء : ١٥٣ \]، وقولهم : اجْعَلْ لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  \[ الأعراف : ١٣٨ \]. وكقوم عيسى بعد مشاهدة إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، فكذبوه، وراموا قلته، ثم أقام فريقٌ منهم على الكفر به، وهم اليهود، وزعم فريقٌ منهم أنَّهم أولياؤه، وكالملأ من بني إسرائيل الذين حسدوا طالوت، ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، فذكر ذلك كلَّه تسلية للرَّسول صلى الله عليه وسلم عمّا رأى من قومه من التّكذيب والحسد، فقال : هؤلاء الرُّسل الذين كلَّم الله بعضهم، ورفع الباقين درجات، وأيّد عيسى بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك من مشاهدة المعجزات، فلا يحزنك ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدَّره، فهو واقع. 
### فصل


**في المراد من تلك الرُّسل أقوال :**
أحدها : أنَّ المراد من تقدم ذكرهم من الأنبياء في القرآن كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وموسى وغيرهم - صلوات الله عليهم -. 
الثاني : أنَّ المراد من تقدّم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل، وداود، وطالوت على قول من يجعله نبيّاً. 
الثالث : قال الأصمُّ[(٣)](#foonote-٣) : المراد منه الرُّسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد، وأشار إليهم بقوله : وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ . 
قوله تعالى : فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ  : يجوز أن يكون حالاً من المشار إليه، والعامل معنى الإشارة كما تقدَّم، وقال " تلك " ولم يقل أولئك الرُّسل ؛ لأنه ذهب إلى معنى الجماعة كأنه قيل : تلك الجماعة، ويجوز أن يكون مستأنفاً، ويجوز أن يكون خبر " تِلْكَ " على أن يكون " الرُّسل " نعتاً ل " تِلْكَ "، أو عطف بيان أو بدلاً. 
### فصل في تفاضل الأنبياء


أجمع الأمَّة على أنَّ الأنبياء بعضهم أفضل من بعضٍ، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من الكلِّ، ويدلُّ على ذلك وجوه :
الأول : قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  \[ الأنبياء : ١٠٧ \] فلما كان رحمة للعالمين، لزم أن يكون أفضل من كلِّ العالمين. 
الثاني : قوله : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  \[ الشرح : ٤ \] قيل فيه لأنه قَرَنَ ذكره بذكره في الشَّهادتين والأذان، والتّشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء. 
الثالث : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته فقال : مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ  \[ النساء : ٨٠ \] وبيعته ببيعته فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ 
\[ الفتح : ١٠ \] وعزته بعزته فقال : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ  \[ المنافقون : ٨ \] ورضاه برضاه فقال : واللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  \[ التوبة : ٦٢ \]، وإجابته بإجابته فقال : اسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم  \[ الأنفال : ٢٤ \]. 
الرابع : أنَّ معجزات سائر الأنبياء قد ذهبت، ومن بعض معجزاته - عليه الصَّلاة والسَّلام - القرآن، وهو باقٍ إلى آخر الدَّهر. 
الخامس : قوله تعالى بعد ذكر الأنبياء : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ  \[ الأنعام : ٩٠ \] فأمر محمداً بالاقتداء بهم، وليس هو الاقتداء في أصول الدين ؛ لأن شرعه نسخ سائر الشّرائع، فلم يبق إلا أن يكون الاقتداء في محاسن الأخلاق، فكأنه تعالى قال : إنّي أطلعتك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت أجودها، وأحسنها. فمقتضى ذلك أنه اجتمع فيه من الخصال ما كان متفرقاً فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. 
السادس : أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - بعث إلى الخلق كلهم، فوجب أن يكون مشقته أكثر من بعث إلى بعضهم، فإذا كانت مشقته أكثر كان أجره أكثر، فوجب أن يكون أفضل. 
السابع : أن دين محمَّد أفضل الأديان ؛ فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. 
بيان الأول : أنَّ الله تعالى جعل دينه ناسخاً لسائر الأديان، والنَّاسخ أفضل من المنسوخ، قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  \[ آل عمران : ١١٠ \]. وإنَّما نالت الأمة هذه الفضيلة لمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع. 
الثامن : قال صلى الله عليه وسلم :" آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ القِيَامَةِ " [(٤)](#foonote-٤) وذلك يدل على أنه أفضل من آدم، ومن كل أولاده، وقال صلى الله عليه وسلم :" أَنَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ " [(٥)](#foonote-٥) وقال صلى الله عليه وسلم :" لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ النَّبيِّين حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا، ولا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنَ الأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتي " وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال :" أَنَا أَوَّل النَّاسِ خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا، وَأَنا خَطِيبُهُم إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَّا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أيسُوا، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلى رَبِّي وَلاَ فَخْرَ " [(٦)](#foonote-٦). 
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : جلس ناسٌ من الصَّحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم : عجبا إنَّ الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليماً، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر : آدم اصطفاه الله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" سَمِعْتُ كَلاَمَكُم، وحُجَّتُكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ وهُوَ كَذَلِك، ومُوسَى نَجِيُّ الله، وَهُوَ كَذلِكَ، أَلاَ وَأَنَا حَبِيبُ اللهِ، وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الحَمْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ ولا فَخْرَ، وَأَنَا أوّل مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَة الجَنَّة فَيُفْتَحُ لي، فَأَدْخُلها، ومَعِي فُقَرَاءُ المُؤْمِنِينَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ وَلاَ فَخْرَ " [(٧)](#foonote-٧). 
التاسع : روى البيهقي في " فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ " - رضي الله عنهم - أنه ظهر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من بعيد ؛ فقال صلى الله عليه وسلم :" هَذَا سَيِّدُ العَرَبِ " فقالت عائشة رضي الله عنها : ألَسْتَ أَنْتَ سَيِّدَ العَرَبِ ؟ فقال :" أَنَا سَيِّدُ العَالَمِينَ وهو سيِّدُ العرب " [(٨)](#foonote-٨). 
العاشر : جاء في الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَلاَ فَخْرَ، بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ، والأَسْوَدِ، وكان النَّبي قبل يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ، وجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِداً وطَهُوراً وَنُصِرْتُ بالرُّعْبِ أَمَامِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ ولَمْ تُحَلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وأُعْطِيتِ الشَّفَاعَةَ، فادَّخَرْتُهَا لأُمَّتِي، فهِيَ نائلة إن شاء الله تعالى مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئاً " [(٩)](#foonote-٩). 
الحادي عشر : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إِنَّ الله تعالى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ومُوسَى نَجِيّاً وَاتَّخَذَنِي حَبيباً. قال : وعزَّتي لأوثرنّ حبيبي على خليلي " [(١٠)](#foonote-١٠). 
الثاني عشر : أنَّ الله تعالى كلما نادى نبيّاً في القرآن ناداه باسمه قال : يَا آدَمُ اسْكُنْ  \[ البقرة : ٣٥ \]  يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ  \[ المائدة : ١١٦ \]  ينُوحُ اهْبِطْ  \[ هود : ٤٨ \]  يا دَاوُودُ  \[ ص : ٢٦ \]  وَنَادَيْنَاهُ أَن يإِبْرَاهِيمُ  \[ الصافات : ١٠٤ \]  يا مُوسَى إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ  \[ طه : ١١-١٢ \] وأما النبي صلى الله عليه وسلم فناداه بقوله : يأَيُّهَا النَّبِيُّ  \[ الأنفال : ٦٤ \]  يأَيُّهَا الرَّسُولُ  \[ المائدة : ٤١ \] وذلك يفيد التفضيل. 
قال القرطبي[(١١)](#foonote-١١) رحمة الله عليه : فإن قيل : قد روى الثِّقات أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :" لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ وَلاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ "، فأجاب بعض العلماء عن ذلك، فقال : كان هذا قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيّد ولد آدم، وأن القرآن ناسخٌ للمنع من التَّفضيل. 
وقال قوم : إنَّ المنع من التَّفضيل إنما هو من جهة النُّبوة، التي هي خصلة واحدة، لا تفاضل فيها، وإنَّما التَّفاضل في زيادة الأحوال، والكرامات، والألطاف، والمعجزات المتباينة. 
وأما النُّبوَّة في نفسها، فلا تفاضل فيها، وإنما التَّفاضل في أمورٍ أخر زائدةٍ عليها ؛ ولذلك منهم " أُولُو العَزْمِ "، ومنهم من اتُّخِذَ خَليلاً، ومنهم مَنْ كَلَّم اللهُ، ورفع بعضهم درجات. 
قال القرطبي[(١٢)](#foonote-١٢) : وهذا أحسن الأقوال، فإنَّه جمع بين الآي، والأحاديث من غير نسخ، وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى اشتركوا في الصُّحبة، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب، والوسائل، مع أنَّ الكلَّ شملتهم الصُّحبة والعدالة. 
قال ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) : فإن قيل إنَّ معجزات سائر الأنبياء، كانت أعظم من معجزاته، فإن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - جعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النَّار العظيمة ؛ فانقلبت برداً وسلاماً عليه، وموسى أوتي تلك المعجزات العظيمة من قلب العصا حية تسعى، وتلقفها ما صنعوا، وإخراج اليد البيضاء من غير سوء، وفلق البحر، وفلق الحجر، ومكالمة ربه، وداود ألان له الحديد، وسخّر الجبال يسبحن معه والطّير، وسخر لسليمان الجن، والإنس، والطير والوحوش والرِّياح، وعيسى أنطقه في المهد، وأقدره على إحياء الموتى، ونفخ فيه من روحه، وجعله يبرئ الأكمه، والأبرص، ولم يكن ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " [(١٤)](#foonote-١٤) وقال :" لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْراً مِنْ يَحْيى ابن زَكَرِيَّا[(١٥)](#foonote-١٥) "، وذكر أنه لم يعمل سيئة قط. 
فالجواب : أن كون آدم - عليه الصّلاة والسّلام - مسجوداً للملائكة ؛ لا يوجب أَنْ يكون أفضل من محمد - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله صلى الله عليه وسلم :" آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لوَائِي يَوْمَ القِيَامَةِ " وقال :" كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ والطِّينِ "، وروي أَنَّ جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام - أخذ بركاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج، وهذا أعظم من السُّجُود. وقال تعالى : إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ  \[ الأحزاب : ٥٦ \] - صلى الله عليه وسلم - فصلّى بنفسه على محمَّد، ١ - ينظر تفسير القرطبي ٣/١٧٠..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٦٥..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٦٥..
٤ - أخرجه أحمد (١/٢٨١-٢٩٥) وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢/٢٢٦-منحة) رقم (٢٧٩٨) وأبو يعلى (٤/٢١٥-٢١٦) رقم (٢٣٢٨) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٣٧٢-٣٧٣) وقال: وفيه علي بن زيد وقد وثق على ضعفه وبقية رجالهما رجال الصحيح.
 **وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري:** 
 أخرجه الترمذي (٥/٢٨٨) رقم (٣١٤٨) وابن ماجه كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة.
 وقال الترمذي: حديث حس صحيح. وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام:
 أخرجه ابن حبان (٨/١٣٧) رقم (٦٤٤٤) وأبو يعلى (٧٤٩٣)..
٥ - تقدم..
٦ - أخرجه الترمذي (٥/٥٨٥) رقم (٣٦١٠) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٤٨٤)..
٧ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٣٠) وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس..
٨ - أخرجه الحاكم (٣/١٢٤) والطبراني في "الكبير" (٣/٩٠) عن عائشة مرفوعا.
 وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وفي إسناده عمر بن الحسن وأرجو أنه صدوق.
 ورده الذهبي بقوله: قلت: أظن أنه هو الذي وضع هذا..
٩ - أخرجه البخاري (١/١٩٠) كتاب التيمم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض... الخ رقم (٤٣٨) ومسلم كتاب المساجد ٣ والنسائي (٤٣٢) وأحمد (٣/٣٠٤) والدارمي (٢/٢٢٤) والبيهقي (١/٢١٢) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/٣١٦)..
١٠ - أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٤٩٤) وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة (١/٣٣٣) من رواية ابن الجوزي في الموضوعات.
 وقال ابن الجوزي: لا يصح تفرد به مسلمة بن علي الخشني وهو متروك وتعقبه السيوطي في "اللآلئ" (١/١٤١) بأن البيهقي أخرجه في "الشعب" وضعفه والخشني وإن ضعف فلم يكذب وهو من رجال ابن ماجه..
١١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٧٠-١٧١..
١٢ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٧١..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٦٨..
١٤ - أخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب الفضائل: باب في ذكر يونس عليه السلام حديث (١٦٦-١٦٧) من حديث أبي هريرة..
١٥ - ذكره بهذا اللفظ المتقي الهندي في "كنز العمال" (١١/٥٢١) رقم (٣٢٤٣٥) عن يحيى بن جعفر مرسلا وعزاه إلى ابن عساكر..

### الآية 2:254

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:254]

اعلم أنه تعالى لما أمر بالقتال بقوله : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ  \[ البقرة : ٢٤٤ \] أعقبه بالحض على النفقة في الجهاد فقال : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً  \[ البقرة : ٢٤٥ \] والمقصود منه الإنفاق في الجهاد، ثمَّ إنَّه أكد الأمر بالقتال بذكر قصَّة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد في هذه الآية الكريمة. 
قوله :" أَنْفِقُواْ " : مفعوله محذوفٌ، تقديره : شيئاً ممَّا رزقناكم، فعلى هذا " مِمَّا رَزَقْنَاكُم " متعلّقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعه صفةً لذلك المفعول، وإن لم تقدِّر مفعولاً محذوفاً، فتكون متعلِّقة بنفس الفعل. و " مَا " يجوز أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، أي : رزقناكموه، وأن تكون مصدريَّةً، فلا حاجة إلى عائدٍ، ولكن الرّزق المراد به المصدر لا ينفق، فالمراد به اسم المفعول، وأن تكون نكرةً موصوفةً وقد تقدَّم تحقيق هذا عند قوله تعالى : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  \[ البقرة : ٣ \]. 
قوله :" مِّن قَبْلِ " متعلِّقٌ أيضاً بأنفقوا، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافهما معنًى ؛ فإنَّ الأولى للتَّبعيض والثانية لابتداء الغاية، و " أَنْ يَأْتي " في محلِّ جرٍّ بإضافة " قبل " إليه، أي : من قبل إتيانه. 
وقوله : لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ  إلى آخره : الجملة المنفيَّة صفةٌ ل " يَوم " فمحلُّها الرَّفع. وقرأ[(١)](#foonote-١) " بَيْعٌ " وما بعده مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيه ذلك تقدم في قوله تبارك وتعالى : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ  \[ البقرة : ١٩٧ \]. 
والخلَّة : الصَّداقة، كأنها تتخلَّل الأعضاء، أي : تدخل خلالها، أي وسطها. 
والخلَّة : الصديق نفسه ؛ قال :\[ الطويل \]

وَكَانَ لَهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ خُلَّةٌ  يُسَارِقُ بِالطَّرْفِ الخِبَاءَ المُسَتَّرَا[(٢)](#foonote-٢)وكأنه من إطلاق المصدر على العين مبالغةً، أو على حذف مضافٍ، أي : كان لها ذو خلَّة، والخليل : الصَّديق لمداخلته إيَّاك، ويصلح أن يكون بمعنى فاعل، أو مفعول، وجمعه " خُلاَّن "، وفعلان جمع فعيل يقل في الصّفات، وإنما يكثر في الجوامد نحو :" رُغْفَانٍ ". 
قال القرطبيُّ : والخُلَّة : خالص المودَّة \[ مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين والخِلالة والخَلالة، والخُلالة : الصداقة، والمودة \][(٣)](#foonote-٣) ؛ قال الشاعر :\[ المتقارب \]وَكَيْفَ تُواصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ  خِلاَلَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ[(٤)](#foonote-٤)وأبو مرحب كنية الظِّلّ، ويقال : هو كنية عرقوب الذي قيل فيه :" مواعيد عرقوب " [(٥)](#foonote-٥). 
والخَلَّة بالضَّمِّ أيضاً ما خالل من النبت يقال : الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها. 
والخَلَّة :- بالفتح - الحاجة والفقر، يقال : سدَّ خلته، أي : فقره. 
والخِلَّة بالكسر ابن مَخَاض، عن الأصمعي : يقال أتاهم بقرص كأنَّه فِرْسِنُ خلة. 
والأنثى خلَّة أيضاً، والخلّة : الخمرة الحامضة. 
والخِلَّة - بالكسر - واحدة خلل السُّيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السُّيوف منقوشة بالذَّهب وغيره، وهي أيضاً سُيُور تلبس ظهور سيتي القوس، والخلّة أيضاً ما يبقى بين الأسنان. 
و " هم " يجوز أن تكون فصلاً أو مبتدأ ثانياً، و " الظَّالِمُونَ " خبره والجملة خبر الأوَّل. 
### فصل


قالت المعتزلة[(٦)](#foonote-٦) : لما أمر بالإنفاق من كلِّ ما كان رزقاً، وبالإجماع لا يجوز الإنفاق من الحرام وجب القطع بأنَّ الرّزق لا يكون إلاّ حلالاً. 
وأجاب ابن الخطيب[(٧)](#foonote-٧) : بأنَّ الأصحاب مخصَّصة بالأمر بإنفاق ما كان رزقاً حلالاً أو حراماً. واختلفوا في هذه النَّفقة، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة[(٨)](#foonote-٨) قال : لأنَّ قوله  مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ  كالوعد والوعيد، ولا يتوجه الوعيد إلاَّ على الواجب، وهو قول السُّدي. 
وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب، والمندوب[(٩)](#foonote-٩) وليس في الآية وعيد، فكأنه قال : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدُّنيا، فإنكم في الآخرة لا يمكنكم تحصيلها. 
وقال الأصمُّ[(١٠)](#foonote-١٠) : المراد منه الإنفاق في الجهاد. 
**وفي المراد من البيع هنا وجهان :**
أحدهما : أنَّه بمعنى الفدية كما قال : فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ  \[ الحديد : ١٥ \] وقال : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ  \[ البقرة : ١٢٣ \]، وقال : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا  \[ الأنعام : ٧٠ \] فكأنه قيل من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه، فتكسب ما تفتدي به من العذاب. 
الثاني : أن يكون المعنى : قدِّموا لأنفسكم من المال الذي هو ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة يكتسب بسببها شيء من المال. 
 " وَلاَ خُلَّةٌ " ولا صداقة، ونظيره قوله تعالى : الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ  \[ الزخرف : ٦٧ \] وقال  وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ  \[ البقرة : ١٦٦ \]. 
وقوله :" وَلاَ شَفَاعَةٌ " يقتضي نفي كلّ الشَّفَاعَاتِ، فقوله : وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ  عام في الكل إلاَّ أنَّ سائر الدَّلائل دلَّت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة بين المؤمنين والسبب في عدم الخلة والشفاعة أمور :
أحدها : أنَّ كل واحد يكون مشغولاً بنفسه. قال تبارك وتعالى : لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ  \[ عبس : ٣٧ \]. 
الثاني : أنَّ الخوف الشَّديد يغلب على كلِّ أحدٍ \][(١١)](#foonote-١١)  يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ  \[ الحج : ٢ \]. 
الثالث : أنَّه إذا نزل العذاب بسبب الكفر، أو الفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين وإذا صار مبغضاً لهما ؛ صار مبغضاً لمن اتَّصف بهما. 
وقوله : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، نقل عن ابن يسار أنَّه كان يقول : الحمد لله الذي قال : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ  ولم يقل " والظَّالِمُونَ هم الكافرون " [(١٢)](#foonote-١٢). 
**وذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً :**
أحدها : أنَّ نفي الخلَّة، والشَّفاعة مختص بالكافرين، لأنّه أطلقه ثم عقبه بقوله  وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ  وعلى هذا تصير الآية دالَّةً على إثبات الشَّفاعة في حقّ الفسَّاق. 
قال القاضي[(١٣)](#foonote-١٣) : هذا التأويل غير صحيحٍ ؛ لأن قوله : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ  كلام مبتدأ، فلم يجب تعليقه بما تقدَّم. 
والجواب : أنَّا لو جعلناه كلاماً مبتدأً تطرق الخُلْفُ إلى كلام الله تعالى ؛ لأنَّ غير الكافرين قد يكون ظالماً، وإذا علَّقناه بما تقدَّم زال الإشكال. 
الثاني : أنَّ معناه أنَّ الله لم يظلم الكافر بإدخاله النَّار، وإنَّما الكافر هو الذي ظلم نفسه، حيث اختار الكفر والفسق، ونظيره قوله تعالى : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً  \[ الكهف : ٤٩ \]. 
الثالث : معناه : أنَّكم أيُّها الحاضرون لا تقتدوا بالكفَّار حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، وحاجتهم، ولكن قدّموا لأنفسكم ما يفديها يوم القيامة. 
الرابع : الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ  حيث وضعوا أنفسهم في غير مواضعها لتوقعهم الشَّفاعة بمن لا يشفع لهم عند الله، لأنهم كانوا يقولون عن الأوثان  هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ  \[ يونس : ١٨ \] وقالوا : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى  \[ الزمر : ٣ \]. 
الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق قال تعالى : آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً  \[ الكهف : ٣٣ \] أي أعطت فلم تمنع فيكون معنى الآية الكريمة والكافرون هم التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأمَّ المسلم فلا بدَّ أن ينفق شيئاً قلَّ أو كثر. 
السادس : وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ  أي هم الكاملون في الظلم البالغون الأمر العظيم فيه. ذكر هذه الوجوه القفال. 
١ - انظر السبعة ١٨٧، والحجة ٢/٣٥٤، وحجة القراءات ١٤١، والعنوان ٧٥، وشرح شعلة ٢٩٤، وشرح الطيبة ٤/١١٤، وإتحاف ١/٤٤٧..
٢ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه (٦٠)، البحر ٢/٢٨١، الدر المصون ١/٦١٢..
٣ - سقط في ب..
٤ - البيت للنابغة الجعدي. ينظر: اللسان (خلل)، القرطبي ٣/١٧٣.
٥ - قال أبو عبيد: هو رجل من العماليق أتاه أخ له يسأله، فقال له عُرْقُوب: إذا أَطْلَعَتْ هذه النخلة فلك طَلْعُهَا، فلما أطلعت، أتاه لِلْعِدَة، فقال: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت، قال: دعها حتى تصير زَهْوًا، فلما زَهَتْ، قال: دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت، قال: دعها حتى تصير تمرا، فلما أَتْمَرَتْ، عمد إليها عرقوب من الليل، فجدها ولم يعط أخاه شيئا، فصار مثلا في الخُلْفِ، وفيه يقول الأشجعيّ:وَعَدْتََ وَكَانَ الخُلْفَ مِنْكَ سَجِيَّةً  مَوَاعِيدَ عُرْقُوب أَخَاهُ بِيَتْرَبِ ينظر: مجمع الأمثال ٣/٣٣٠ (٤٠٧٠)، اللسان (عرقب) والقرطبي ٣/١٧٣..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٤..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٤..
٨ - ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (١/٢٨٥) وانظر تفسير البغوي (١/٢٣٧) وغرائب النيسابوري (٣/١٠) والوجيز (١/٧٣)..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٢٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٧١) وزاد نسبته لابن المنذر عن ابن جريج بمعناه..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٥..
١١ - سقط في ب..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٥..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٧٦..

### الآية 2:255

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [2:255]

اعلم أنَّ عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أن يذكر علم التَّوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص، فإنَّ الإنسان إذا بقي في النَّوع الواحد، كان يوجب بعض الملال فإذا انتقل من نوع إلى نوع آخر، كان كأنَّه انشرح صدره، وفرح قلبه، فكأنه سافر من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، وانتقل من بستان إلى بستان آخر، أو من تناول طعام لذيذ إلى تناول طعام آخر، ولا شكّ أنه يكون ألذَّ، وأشهى، فلمَّا تقدَّم من علم الأحكام وعلم القصص ما رآه مصلحة، ذكر الآن ما يتعلَّق بالتَّوحيد. 
قوله تعالى : اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ  : مبتدأٌ وخبرٌ وهو مرفوعٌ محمولٌ على المعنى، أي : ما إله إلاَّ هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلاَّ إيَّاه، نصب على الاستثناء. 
وقيل :" اللهُ " مبتدأٌ، و " لاَ إِلَهَ " مبتدأ ثان، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود. 
**و " الْحَيُّ " فيه سبعة أوجه :**
أحدها : أن يكون خبراً ثانياً للجلالة. 
الثاني : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي : هو الحيُّ. 
الثالث : بدل من موضع :" لا إِله إِلاَّ الله هو " فيكون في المعنى خبراً للجلالة، وهذا في المعنى كالأول، إلا أنَّه هنا لم يخبر عن الجلالة إلاَّ بخبرٍ واحدٍ بخلاف الأول. 
الرابع : أن يكون بدلاً من " هُوَ " وحده، وهذا يبقى من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، لأنَّ جملة النَّفي خبرٌ عن الجلالة، وإذا جعلته بدلاً حلَّ محلَّ الأول، فيصير التقدير : الله لا إله إلا الله. 
الخامس : أن يكون مبتدأٌ وخبره  لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ . 
السادس : أنه بدلٌ من " اللهِ ". 
السابع : أنه صفة لله، وهو أجودها، لأنه قرئ[(١)](#foonote-١) بنصب " الحيَّ القَيُّومَ " على القطع، والقطع إنَّما هو في باب النَّعت، ولا يقال في هذا الوجه الفصل بين الصِّفة والموصوف بالخبر، لأنَّ ذلك جائزٌ حسن \[ تقول : زيدٌ قائمٌ العاقلُ \]. 
**و " الْحَيُّ " فيه قولان :**
أحدهما : أن أصله حييٌ بياءين من حيي يحيا فهو حيٌّ، وإليه ذهب أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢). 
والثاني : أنَّ أصله حيوٌ فلامه واو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها متطرِّفة، وهذا لا حاجة إليه، وكأنَّ الذي أحوج هذا القائل إلى ادِّعاء ذلك أنَّ كون العين، واللام من واد واحدٍ هو قليل في كلامهم بالنسبة إلى عدم ذلك فيه، ولذلك كتبوا " الحَيَاةَ " بواوٍ في رسم المصحف العزيز تنبيهاً على هذا الأصل، ويؤيده " الحَيَوَانُ " لظهور الواو فيه. ولناصر القول الأول أن يقول : قلبت الياء الثانية واواً تخفيفاً ؛ لأنَّه لمَّا زيد في آخره ألفٌ ونونٌ استثقل المثلان. 
**وفي وزنه أيضاً قولان :**
أحدهما : أنه فعل. 
والثاني : أنَّه فيعل فخُفِّف، كما قالوا ميْت، وهيْن، والأصل : هيّن وميّت. 
قال السُّدِّيُّ المراد ب " الحَيّ " الباقي ؛ قال لبيدٌ :\[ الطويل \]
فَإِمَّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أَصْبَحْتُ سَالِماً \*\*\* فَلَسْتُ بِأَحْيَا مِنْ كِلاَبٍ وَجَعْفَرِ[(٣)](#foonote-٣)
وقال قتادة : والحيُّ الذي لا يموتُ[(٤)](#foonote-٤) والحيُّ اسمٌ من أسمائه الحسنى، ويقال إنه اسم الله الأعظم. 
وقيل إنَّ عيسى ابن مريم - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء " يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ[(٥)](#foonote-٥) ". 
ويقال : إنَّ آصف بن برخيا، لمَّا أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان - عليه الصَّلاة والسَّلام - دعا بقوله :" يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ " [(٦)](#foonote-٦). 
ويقال إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم " أيا هيا شراهيا " يعني " يا حي يا قيوم "، ويقال هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يا حي يا قيوم وعن علي - رضي الله عنه - لما كان يوم بدر جئت أنظر ما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ساجدٌ يقول " يَا حَيُّ يَا قيُّومُ "، فترددت مرات، وهو على حاله لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له[(٧)](#foonote-٧). 
وهذا يدلُّ على عظمة هذا الاسم. 
والقيُّوم : فيعولٌ من : قام بالأمر يقوم به، إذا دبَّره ؛ قال أميَّة :\[ الرجز \]
لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ والنُّجُومُ \*\*\* وَالشَّمْسُ مَعْهَا قَمَرٌ يَعُومُ
قَدَّرَهُ مُهَيْمِنٌ قَيُّومُ \*\*\* وَالحَشْرُ وَالجَنَّةُ والنَّعِيمُ
إلاَّ لأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ[(٨)](#foonote-٨) \*\*\*. . . 
وأصله " قَيْوُومٌ "، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصار قيُّوماً. 
وقرأ ابن مسعود[(٩)](#foonote-٩) والأعمش ويروى عن عمر :" الحَيُّ القَيَّام "، وقرأ علقمة[(١٠)](#foonote-١٠) :" القَيِّم " وهذا كما يقولون : ديُّور، وديار، وديِّر. ولا يجوز أن يكون وزنه فعُّولاً ك " سَفُّود " إذ لو كان كذلك ؛ لكان لفظه قوُّوماً ؛ لأنَّ العين المضاعفة أبداً من جنس الأصليَّة كسُبُّوح، وقُدُّوس، وضرَّاب، وقتَّال، فالزَّائد من جنس العين، فلمَّا جاء بالياء دون الواو ؛ علمنا أنَّ أصله فيعول، لا فعُّول، وعدَّ بعضهم فيعولاً من صيغ المبالغة كضروبٍ، وضرَّاب. 
قال بعضهم : هذه اللَّفظة عبريَّة ؛ لأنَّهم يقولون " حياً قياماً "، وليس الأمر كذلك ؛ لأنا قد بيَّنا أن له وجهاً صحيحاً في اللُّغة.

### فصل


اعلم أنَّ تفسير الجلالة قد تقدَّم في أوَّل الكتاب، والإله ؛ قال بعضهم : هو المعبود[(١١)](#foonote-١١)، وهو خطأ من وجهين :
الأول : أنه تبارك وتعالى كان إلهاً في الأزل، وما كان معبوداً. 
الثاني : أنَّه تعالى أثبت معبوداً سواه في قوله : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ  \[ الأنبياء : ٩٨ \]. 
قال ابن الخطيب رحمه الله : وإنما " الإله " هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة، وأما " الحيُّ " قال المتكلِّمون : هو كلُّ ذاتٍ يصحُّ أن يعلم، ويقدر، واختلفوا في أنَّ هذا المفهوم صفةٌ وجوديَّةٌ أم لا، فقال بعضهم : إنَّه عبارةٌ عن كون الشَّيء بحيث لا يمتنع أنَّه يعلمُ ويقدرُ، وعدم الامتناع صفةٌ موجودة، أم لا ؟
قال المحقِّقون : لما كانت الحياة عبارةٌ عن عدم الامتناع، وقد ثبت أنَّ الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفاً موجوداً ؛ لكان الموصوف به موجوداً، فيكون ممتنع الوجود موجوداً، وهو محالٌ، وإذا ثبت أنَّ الامتناع عدمٌ وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع، وثبت أنَّ عدم العدم : وجودٌ، لزم أن يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة، وهو المطلوب. 
قال ابن الخطيب[(١٢)](#foonote-١٢) - رحمه الله تعالى - : ولقائل أن يقول لمّا كان الحيّ أنَّه الذي يصحّ أن يعلم، ويقدر، وهذا القدر حاصلٌ لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات. 
والذي عندي في هذا الباب : أنَّ الحيَّ عبارةٌ عن الكامل في نفسه، ولما لم يكن كذلك مقيداً بأنه كاملٌ في هذا دون ذاك دلّ على أنه كاملٌ على الإطلاق. 
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّه كان يقول : أعظم أسماء الله تعالى " الحيّ القيوم ". 
روي أنَّه -عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان يزيد على ذكره في السجود يَومَ بَدْرٍ. 
والقيوم ؛ قال مجاهدٌ : القائم على كلِّ شيءٍ[(١٣)](#foonote-١٣) وتأويله قائمٌ بتدبير الخلائق في إيجادهم وأرزاقهم. 
وقال الكلبيُّ : القائم على كلّ نفس بما كسبت[(١٤)](#foonote-١٤). 
وقال الضحاك : القيُّوم الدَّائم الوجود[(١٥)](#foonote-١٥) الذي يمتنع عليه التغيير. 
وقيل : القيُّوم الذي لا ينام، وهذا القول بعيد ؛ لأنه يصير قوله تعالى  لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ  تكراراً. 
وقال أبو عبيدة[(١٦)](#foonote-١٦) : القيُّوم الذي لا يزول. 
قوله : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ  في هذه الجملة خمسة أوجه :
أحدها : أنها في محلِّ رفع خبراً للحيّ كما تقدَّم في أحد أوجه رفع الحيّ. 
الثاني : أنَّها خبرٌ عن الله تعالى عند من يجيز تعدُّد الخبر. 
الثالث : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في " القَيُّومِ " كأنَّه قيل : يقوم بأمر الخلق غير غافل، قاله أبو البقاء[(١٧)](#foonote-١٧) رحمه الله تعالى. 
الرابع : أنها استئناف إخبارٍ، أخبر - تبارك وتعالى - عن ذاته القديمة بذلك. 
الخامس : أنها تأكيد للقيُّوم ؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيُّوماً، قاله الزَّمخشريُّ، فعلى قوله إنَّها تأكيدٌ يجوز أن يكون محلُّها النصب على الحال المؤكَّدة، ويجوز أن تكون استئنافاً، وفيها معنى التأكيد، فتصير الأوجه أربعةً. 
والسِّنة : النُّعاس، وهو ما يتقدَّم النَّوم من الفتور ؛ قال عديّ بن الرقاع :\[ الكامل \]
وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ \*\*\* في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ[(١٨)](#foonote-١٨)
وهي مصدر وسن يَسِنُ ؛ مثل : وَعَد، يَعِد، وقد تقدَّم علة الحذف عند قوله
 سَعَةً مِّنَ الْمَالِ  \[ البقرة : ٢٤٧ \]. 
فإن قيل : إذا كانت السِّنة عبارةً عن مقدِّمة النَّوم، فقوله تعالى : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ  يدلُّ على أنَّه لا يأخذه نومٌ بطريق الأولى، فيكون ذكر النَّوم تكراراً. 
فالجواب : تقدير الآية : لا تأخذه سنة، فضلاً عن أن يأخذه نومٌ. 
وقيل هذا من باب التكميل. 
وقال ابن زيد :" الوَسْنَانُ : الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّومِ وهو لا يَعْقِلُ ؛ حَتَّى إنَّه رُبَّمَا جَرَّدَ السَّيْفَ على أهْلِهِ "، وهذا القول ليس بشيء، لأنَّه لاَ يفهم من لغة العرب ذلك، وقال المفضَّل :" السِّنَةُ : ثِقَلٌ في الرَّأْسِ، والنُّعَاسُ في العَيْنَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ ". 
وكُرّرت " لاَ " في قوله تعالى :" وَلاَ نَوْمٌ " تأكيداً، وفائدتها انتفاء كلِّ واحدٍ منهما، ولو لم تذكر لاحتمل نفيهما بقيد الاجتماع، ولا يلزم منه نفيُ كلِّ واحدٍ منهما على حدته، ولذلك تقول :" مَا قَامَ زيدٌ، وعمرو، بل أحدهما "، \[ ولو قلت :" مَا قَامَ زيدٌ وَلاَ عمْرو، بل أحدهما " \] لم يصحَّ. 
### فصل في تفسير " الوَسْنَانِ " 


والوسنان : بين النَّائم، واليقظان، والنَّوم : هو الثَّقيل المزيل للقوَّة والعقل. 
وقيل السِّنة : أوَّل النَّوم، وهو النُّعاس، والنَّوم : غشيةُ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء. 
قيل : إنَّ النَّوم عبارةٌ عن ريح تخرج من أعصاب الدِّماغ فإذا وصلت العينين، حصل النُّعاس، وإذا وصلت إلى القلب، حصل النوم. 
### فصل


والمعنى : لا يغفل عن شيءٍ دقيقٍ، ولا جليلٍ، فعبَّر بذلك عن الغفلة، لأنه سببها، فأطلق اسم السَّبب على مسببه. 
نفى الله - تعالى - عن نفسه النَّوم، لأنَّه آفةٌ وهو منزَّهٌ عن الآفات ؛ ولأنَّهُ تغيُّرٌ، ولا يجوز عليه التَّغيُّر. 
عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال :" إنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ بَالْقِسْطِ، ويَرْفَعُهُ وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجهه مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ[(١٩)](#foonote-١٩) ". 
يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكى عن موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنَّه وقع في نفسه هل ينام الله تعالى ! فأرسل إليه ملكاً فأرَّقه ثلاثاً، ثمّ١ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المصون ١/٦١٢، وقال القرطبي ٣/١٧٦: "ويجوز في غير القرآن النصب على المدح"..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٦..
٣ - ينظر: ديوانه ص ٤٧، القرطبي ٣/١٧٧..
٤ - أخرجه الطبري (٥/ ٣٨٧) عن الربيع بمعناه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥، ٩) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن الربيع..
٥ - حكاه القرطبي في "تفسيره" الجامع لأحكام القرآن (٣/١٧٦)..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٤٩) والخبر ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/١٧) وذكره أيضا ابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/٢٦٧)..
٨ - ينظر: ديوانه (٥٧) الطبري ٥/٣٨٨، القرطبي ٣/٢٧١، البحر ٢/٢٨٧، الدر المصون ١/٦١٣..
٩ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٠، والبحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المون ١/٦١٣..
١٠ - انظر: البحر المحيط ٢/٢٨٧، والدر المصون ١/٦١٣..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٧..
١٢ - ينظر: المصدر السابق..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٨٨) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٧٩) وزاد نسبته لآدم بن أبي إياس والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن مجاهد..
١٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٣٨..
١٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٨٩) عن الضحاك وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٢/٢٨٧)..
١٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٣٨..
١٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٦..
١٨ - ينظر: الحماسة الشجرية ٢/٦٨٢، البحر ٢/٢٨١؛ تهذيب اللغة ٢/١٠٥، الزمخشري ١/٣٠٠، اللسان نعس، الدر المصون ١/٦١٣..
١٩ - أخرجه مسلم كتاب الإيمان (٢٩٤، ٢٩٥) وابن ماجه (١٩٥) وأحمد (٤/٣٩٥، ٤٠١، ٤٠٥) والطيالسي (٦-منحة) والبغوي في "شرح السنة" (١/١٧٣) وفي "تفسيره" (١/٢٦٩) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٢٧٢)..

### الآية 2:256

> ﻿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:256]

قوله تعالى : لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  : كقوله : لاَ رَيْبَ فِيهِ  \[ البقرة : ٢ \] وقد تقدَّم. وأل في " الدِّين " للعهد، وقيل : عوضٌ من الإضافة أي " في دِينِ اللهِ " لقوله تعالى : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى  \[ النازعات : ٤١ \]، أي : تأوي. 
والجمهور على إدغام دال " قَد " في تاء " تَبَيَّن " ؛ لأنها من مخرجها. 
والرُّشد : مصدر رشد بفتح العين يرشد بضمِّها، ومعناه في اللُّغة، إصابة الخير. وقرأ[(١)](#foonote-١) الحسنُ " الرُّشُد " بضمتين كالعنق، فيجوز أن يكون هذا أصله، ويجوز أن يكون إتباعاً، وهي مسألة خلاف أعني ضمَّ عين الفعل. وقرأ[(٢)](#foonote-٢) أبو عبد الرحمن الرَّشد بفتح الفاء والعين، وهو مصدر رشد بكسر العين يرشد بفتحها، وروي عن أبي عبد الرَّحمن أيضاً :" الرَّشَادُ " بالألف. 
ومعنى الإكراه نسبتهم إلى كراهة الإسلام. قال الزَّجَّاج :" لاَ تَنْسُبوا إلى الكَرَاهَةِ مَنْ أَسْلَمَ مُكْرِهاً "، يقال :" أَكْفَرَهُ " نسبه إلى الكفر ؛ قال :\[ الطويل \]

وَطَائِفَةٌ قَدْ أَكْفَرُوني بِحُبِّهِمْ  وَطَائِفَةٌ قَالُوا مُسِيٌ وَمُذنِبُ[(٣)](#foonote-٣)قوله :" مِنَ الْغَيِّ " متعلِّقٌ بتبيَّن، و " مِنْ " للفصل، والتمييز كقولك : ميَّزت هذا من ذاك. وقال أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) :" في موضع نَصْبٍ على أنَّه مفعولٌ " وليس بظاهرٍ ؛ لأنَّ معنى كونه مفعولاً به غير لائقٍ بهذا المحلِّ. ولا محلِّ لهذه الجملة من الإعراب ؛ لأنَّها استئنافٌ جارٍ مجرى التّعليل لعدم الإكراه في الدين. 
والتّبيين : الظهور والوضوح، بان الشَّيء، واستبان، وتبيَّين : إذا ظهر ووضح ومنه المثل : تَبَيَّنَ الصُّبح لذي عينين. 
قال ابن الخطيب : وعندي أنَّ الإيضاح، والتعريف، إنَّما سمِّي بياناً ؛ لأنَّه يوقع الفصلة، والبينونة بين المقصود وغيره. 
والغيُّ : مصدر غوى بفتح العين قال : فَغَوَى  \[ طه : ١٢١ \]، ويقال :" غَوَى الفَصِيلُ " إذا بَشِمَ، وإذا جاع أيضاً، فهو من الأضداد. وأصل الغيّ :" غَوْيٌ " فاجتمعت الياء والواو، فأُدغمت نحو : ميّت وبابه. 
والغيُّ : نقيض الرُّشد : يقال : غَوَى يَغْوِي، غيّاً، وغَوَايَةٌ إذا سلك خلاف طريق الرُّشد. 
### فصل في معنى " الدِّين " في الآية


قال القرطبيُّ[(٥)](#foonote-٥) : المراد " بالدِّينِ " في هذه الآية الكريمة المعتقد، والملة بدليل قوله  قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . 
قال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس : كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة، لا يعيش لها ولد، فكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنَّه فإذا عاش ولدها جعلته في اليهوديَّة. فلمَّا جاء الإسلام، وفيهم منهم، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عددٌ من أولاد الأنصار، فأرادت الأنصار استردادهم، وقالوا : أبناؤنا وإخواننا، فنزلت : لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قَدْ خَيَّرَ اللهُ أَصْحَابَكُمْ، فإن اخْتَارُوكم فهم منكم، وإن اخْتَارُوهم، فأجلوهم مَعَهمْ[(٦)](#foonote-٦) ". 
وقال مجاهد : كان ناسٌ مسترضعين في اليهود من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النّضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم : لنذهبنّ معهم ولندينن بدينهم، فمنهم أهلوهم وأكرهوهم على الإسلام فنزلت  لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. . . [(٧)](#foonote-٧). 
وقال مسروقٌ : كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصّران قبل مبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النَّصارى يحملون الطَّعام فلزمهما أبوهما، وقال لا أدعكما حتى تسلما فأبيا أن يسلما فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يَا رَسُولَ الله أَيَدْخُلُ بعضي النَّار وأنا أَنْظُرُ، فأنزل الله تعالى  لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، فخلى سبيلهما[(٨)](#foonote-٨). 
وقال قتادة وعطاء : نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية، وذلك أنَّ العرب كانت أُمَّة أمّية لم يكن لهم كتاب، فلم يقبل منهم إلاَّ الإسلام، فلما أسلموا طوعاً، أو كرهاً ؛ أنزل الله تعالى  لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  ؛ فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا، أو يقرُّوا بالجزية، فمن أعطى منهم الجزية، لم يكره على الإسلام[(٩)](#foonote-٩). 
وقال ابن مسعود كان هذا في ابتداء الإسلام، قبل أن يؤمر بالقتال، فصارت منسوخة بآية السَّيف[(١٠)](#foonote-١٠). ومعنى  تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، أي : تميَّز الحقّ من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضّلالة بالحجج والآيات الظَّاهرة. 
قوله :" بِالطَّاغُوتِ " متعلِّقٌ ب " يَكْفر "، والطاغوت بناء مبالغةٍ كالجبروت والملكوت. واختلف فيه، فقيل : هو مصدرٌ في الأصل، ولذلك يوحَّد ويذكَّر، كسائر المصادر الواقعة على الأعيان، وهذا مذهب الفارسيّ، وقيل : هو اسم جنس مفردٍ، فلذلك لزم الإفراد والتَّذكير، وهذا مذهب سيبويه[(١١)](#foonote-١١) رحمه الله. وقيل هو جمعٌ، وهذا مذهب المبرّد، وهو مؤنّث لقوله تعالى  وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ  \[ البقرة : ٢٥٧ \] قال أبو علي الفارسي : وليس الأمر كذلك، لأن " الطَّاغُوتَ " مصدر كالرّغبوت، والرَّهبوت، والملكوت، فكما أنَّ هذه الأسماء آحاد، كذلك هذا الاسم مفردٌ، وليس بجمع ومما يدلّ على أنَّه مصدر مفرد وليس بجمع قوله تبارك وتعالى : أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ، فأفرد في موضع الجمع، كما يقال هم رضاً، وهم عدل[(١٢)](#foonote-١٢) انتهى. وهو مؤنَّث لقوله تعالى  وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا  \[ الزمر : ١٧ \]. 
وأجاب من ادَّعى التّذكير عن هذا الاستدلال بأنَّه إنما أنَّث هنا ؛ لإرادة الآلهة وقال آخرون[(١٣)](#foonote-١٣) : ويكون مذكراً، ومؤنثاً، وواحداً وجمعاً قال تعالى في المذكر والواحد : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ  \[ النساء : ٦٠ \] وقال في المؤنث : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا  \[ الزمر : ١٧ \] وقال في الجمع : يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ  \[ البقرة : ٢٥٧ \]. واشتقاقه من طغَى يَطْغَى، أو من طَغَا يَطْغُو، على حسب ما تقدَّم أول السورة، هل هو من ذوات الواو أو من ذوات الياء ؟ وعلى كلا التّقديرين، فأصله طَغَيُوت، أو طَغَوُوت لقولهم :" طُغْيان " في معناه، فقلبت الكلمة بأن قدِّمت اللاّم وأُخِّرت العين، فتحرَّك حرف العلَّة، وانفتح ما قبله فقلب ألفاً، فوزنه الآن فلعوت، وقيل : تاؤه ليست زائدةً، وإنَّما هي بدلٌ من لام الكلمة، ووزنه فاعول من الطُّغيان كقولهم " حانوت "، و " تابوت "، والتاء فيهما مبدلة من " هَا " التأنيث. 
قال مكي[(١٤)](#foonote-١٤) " وقد يجُوز أن يكون أصلُ لامه واواً، فيكون أصله طغووتاً ؛ لأنه يقال : طَغَى يَطْغى ويَطْغو، وطَغَيْتُ وطَغَوْتُ، ومثله في القلب والاعتلال، والوزن : حانوت ؛ لأَنَّه من حَنا يحنو وأصله حَنَووت، ثم قُلِب وأُعِلَّ، ولا يجوزُ أن يكونَ من : حانَ يَحِين لقولهم في الجمعِ حَوانيت " انتهى قال شهاب الدين : كأنَّه لمَّا رأى أنَّ الواوَ قد تُبْدَل تاءً كما في تُجاه، وتُخَمَة، وتُراث، وتُكَأة، ادَّعى قَلْبَ الواوِ التي هي لامٌ تاءً، وهذا ليس بشيءٍ. 
وقدَّم ذِكْرَ الكفر بالطَّاغوت على ذِكْرِ الإِيمان باللهِ تعالى اهتماماً بوجوبِ الكفرِ بالطَّاغوتِ، وناسبَهَ اتصالُهُ بلفظ " الغَيّ ". 
### فصل في المراد بالطاغوت


واختلف في الطَّاغوت فقال عمر، ومجاهدٌ، وقتادة : هو الشَّيطان[(١٥)](#foonote-١٥). 
وقال سعيد بن جبير : هو الكاهن[(١٦)](#foonote-١٦). وقال أبو العالية : هو الساحر[(١٧)](#foonote-١٧). وقال بعضهم : الأَصنام[(١٨)](#foonote-١٨). 
وقيل مردة الجنّ والإنس[(١٩)](#foonote-١٩)، وكلُّ ما يطغى الإِنسان[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقيل : الطَّاغُوتُ هو كلّ ما عُبِدَ مِنْ دون الله، وكان راضياً بكونه معبُوداً، فعلى هذا يكُونُ الشَّيطان والكهنة، والسَّحرة، وفرعون والنمروذ كلُّ واحد منهم طاغوتاً ؛ لأنهم راضون بكونهم معبودين وتكونُ الملائكة، وعزير، وعيسى ليسوا بطواغيت، لأنهم لم يرضوا بأن يكونوا معبودين. 
قوله :" وَيْؤْمِنُ بِاللهِ " عطف على الشَّرط وقوله  فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى  جواب الشَّرط، وفيه دليل على أنَّهُ لا بدّ للكافر من أن يتوب أوَّلاً عن الكفر، ثم يؤمنُ بعد ذلك. 
وفيه دليل على أَنَّ درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح[(٢١)](#foonote-٢١) ؛ لأنَّهُ قدّم الكُفر بالطَّاغوت \[ على الإيمان باللهِ اهتماماً به فإن قيل الإيمان باللهِ مستلزم لِلْكُفر بالطَّاغُوت. 
قلنا : لا نسلم، قد يكفر بالطَّاغوت \][(٢٢)](#foonote-٢٢) ولا يؤمن بالله واستمسك أي : استمسك واعتصم " بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " أي العقد الوثيق المحكم في الدِّين. 
و " العُرْوَة " : موضعُ شَدِّ الأَيدي، وأصلُ المادّةِ يَدُلُّ على التَّعلُّق، ومنه : عَرَوْتُه : أَلْمَمْتُ به متعلِّقاً، وَاعتراه الهَمُّ : تعلَّق به، و " الوُثْقى " : فُعْلى للتفضيل تأنيث الأوثق، كفُضْلى تأنيث الأفضل، وجمعُها على وُثَق نحو : كُبْرى وكُبَر، فأمَّا " وُثُق " بضمّتين فجمع وَثيق. وهذا استعارة المحسُوس للمعقول ؛ لأَنّ من أراد إمساك هذا الدِّين تعلّق بالدلائل وأوضحها الدّالة عليه، ولما كانت دلائِلُ الإِسلام أقوى الدَّلائل وأوضحها وصفها الله تبارك وتعالى بأَنَّها العروة الوثقى. 
قال مجاهِدٌ :" العُرْوَةُ الوثقى " الإيمان[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
وقال السُّدِّي : الإِسلام[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
وقال ابن عباسٍ، وسعيد بن جبير والضحاك : لا إِله إلاَّ الله[(٢٥)](#foonote-٢٥). 
قوله :" لاَ انفِصَامَ لَهَا " كقوله : لاَ رَيْبَ فِيهِ  \[ البقرة : ٢ \] والجملةُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أن تكونَ استئنافاً، فلا مَحَلَّ لها حينئذٍ. 
والثاني : أنها حالٌ من العُرْوة، والعاملُ فيها " اسْتَمْسَكَ ". 
والثالث : أنها حالٌ من الضميرِ المستترِ في " الوُثْقَى ". و " لها " في موضعِ الخبرِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي : كائنٌ لها. والانفصامُ بالفَاءِ القَطْعُ من غير بَيْنُونة، والقصمُ بالقافِ قَطْعُ بينونةٍ، وقد يُستعمل ما بالفاءِ مكانَ ما بالقافِ. 
والمقصودُ من هذا اللَّفظ المُبالغةُ ؛ لأَنَّهُ إذا لم يكن لها انفِصَام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى، ومعنى الآية : بالعُرْوَة الوثقى التي لا انفصام لها، والعرب تُضْمِرُ " الَّتي " و " الذي " و " مَن " وتكتفي بصلاتها منها. 
قال سلامة بن جندل :\[ البسيط \]وَالعَادِيَاتُ أَسَالِيُّ الدِّمَاءِ بِهَا  كَأَنَّ أَعْنَاقَهَا أَنْصَابُ تَرْجِيبِ[(٢٦)](#foonote-٢٦)يريد والعاديات التي قال تعالى : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  \[ الصافات : ١٦٤ \] أي من له. 
قوله : وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  فيه قولان :
أحدهما : أنَّهُ تعالى يسمع قول من يتكلم بالشَّهادتين، وقول من يتكلَّم بالكُفْر، ويعلمُ ما في قلب المؤمِنِ من الاعتقاد الطاهر، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث. 
الثاني : روى عطاء عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال١ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٤، البحر المحيط ٢/٢٩٢، الدر المصون ١/٦١٧..
٢ - ونسبها ابن عطية ١/٣٤٤ إلى الحسن والشعبي ومجاهد..
٣ - البيت للكميت ينظر: البحر ٢/٢٩٢، الدر المصون ١/٦١٦..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٧..
٥ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٨١..
٦ - أخرجه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٥/٤٠٨-٤٠٩) والبيهقي (٩/١٨٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٢) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤١١) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن مجاهد..
٨ - أخرجه عبد بن حميد عن عبد الله بن عبيدة كما في "الدر المنثور" (١/٥٨٣)..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤١٣) عن قتادة. وزاد السيوطي نسبته في "الدر المنثور" (١/٥٨٣) لعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه..
١٠ - ذكره البغوي في "تفسيره" (١/٢٤٠)..
١١ - ينظر: الكتاب لسيبويه ٢/٢٢..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٤..
١٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٤١..
١٤ - ينظر: المشكل ١/١٠٧..
١٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤١٧) عن عمر ومجاهد وقتادة والشعبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٤) وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب..
١٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤١٨) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٤) عن عكرمة وعزاه لابن أبي حاتم..
١٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤١٧-٤١٨) عن أبي العالية..
١٨ - انظر: تفسير الرازي (٧/١٥)..
١٩ - انظر: المصدر السابق..
٢٠ - انظر: المصدر السابق..
٢١ - القوانين العادلة: هي التي تقوم على رعاية حفظ المصالح ودرء المفاسد، ولا يختلف علماء الإسلام في أن أحكام الشريعة قائمة على رعاية هذين الأصلين، وإذا كانت المصالح والمفاسد قد تخفى في بعض ما يشرع على أنه عبادة-فإن الأحكام المشروعة لغير العبادات من آداب الاجتماع، ونظم المعاملات، والجنايات لا تقصر العقول السليمة عن إدراك أسرارها، ومن الميسور تقريرها على وجه يظهر به فضل الشريعة السماوية على القوانين الوضعية.
 يقرر الباحثون عن حكمة التشريع من علمائنا: أن المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها، والأفراح وأسبابها، وأن المفاسد أربعة أنواع: الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها، ويسمون اللذات، والأفراح بالمصالح الحقيقية، وأسبابها: المصالح المجازية؛ كما يسمون الآلام والغموم المفاسد الحقيقية، وأسبابها المفاسد المجازية، ويذكرون أن المصالح المحضة كالمفاسد المحضة نادرة الوجود، وأكثر الوقائع ما تجتمع فيه المصلحة والمفسدة، فما كان مصلحة محضة، فحكمه الإذن قطعا. وما كان مفسدة محضة فحكمه النهي بلا مراء، فأما ما يكون مصلحة من ناحية ومفسدة من ناحية أخرى، فالشارع الحكيم ينظر إلى الأرجح منهما، ويفصل الحكم على قدر الأرجحية، فما رجحت مصلحته على مفسدته، أذن فيه على وجه الإباحة، أو الندب، أو الوجوب، وما رجحت مفسدته على مصلحته، نهي عنه على وجه الكراهة أو التحريم.
 ينظر: رسائل الإصلاح ٣/ ٢٧، ٢٨..
٢٢ - سقط في ب..
٢٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٢١) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٤) وزاد نسبته لسفيان وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد..
٢٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٢١) عن السدي..
٢٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٢١) عن سعيد بن جبير والضحاك..
٢٦ - ينظر: ديوانه (٩٦)، والرازي ٧/١٥..

### الآية 2:257

> ﻿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:257]

" الوليّ " فعيل بمعنى : فاعل من قولهم : ولي فلان الشَّيء يليه ولاية، فهو وَال وولى، وأصله من الوَلْي الَّذي هو القُرْبُ ؛ قال الهُذليُّ :\[ الكامل \]
. . . \*\*\* وَعَدَتْ عَوَادٍ دُونَ وَلْيِكَ تَشْعَبُ[(١)](#foonote-١)
ومنه يقال داري تلي دارها، أي : تقرب منها ومنه يُقالُ للمحبّ المقارب ولي ؛ لأَنَّهُ يقرب منك بالمحبَّةِ والنُّصرة، ولا يفارقك، ومنه الوالي ؛ لأَنَّه يلي القوم بالتَّدبير والأمر والنّهي، ومنه المولى، ومن ثمّ قالوا في خلاف الولاية : العداوة من عدا الشَّيء : إذا جاوزه، فلأجل هذا كانت العَدَاوةُ خلاف الوِلاَية ومعنى قوله تبارك وتعالى : اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ ، أي : ناصرهم ومعينهم، وقيل : مُحبهم. 
وقيل : متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره. 
وقال الحسنُ : ولي هدايتهم. 
قوله : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، أي : من الكُفْرِ إلى الإيمان. 
قال الواقدي[(٢)](#foonote-٢) : كلّ ما في القرآن من الظُلُماتِ، والنور فالمرادُ منه : الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام  وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ  \[ الأنعام : ١ \] فالمراد منه اللَّيل والنَّهار، سُمي الكفر ظُلمة لالتباس طريقه، وسُمي الإسلام نُوراً، لوضوح طريقه. 
وقال أَبو العبَّاس المُقْرئُ " الظُّلُمَات " على خمسة أوجه :
الأول :" الظُّلُمَاتُ " الكفر كهذه الآية الكريمة. 
الثاني : ظُلمة اللَّيلِ قال تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ  يعني اللَّيل والنهار. 
الثالث : الظُّلُمَات ظلمات البر والبحر والأهوال قال تعالى : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  \[ الأنعام : ٦٣ \] أي من أهوالهما. 
الرابع :" الظُّلُمَات " بطون الأُمَّهات، قال تعالى : فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ  \[ الزمر : ٦ \] يعني المشيمة والرحم والبطن. 
الخامس : بطنُ الحُوتِ قال تعالى : فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ  \[ الأنبياء : ٨٧ \] أي في بطنِ الحوت.

### فصل في سبب النُّزولِ


ظاهر الآية يقتضي أنهم كانُوا في الكفر، ثم أخرجهم اللهُ تعالى من ذلك الكُفْرِ إلى الإِيمان، وهاهنا قولان :
الأول : أَنَّ هذه الآية مختصَّةٌ بمن كان كافراً، ثم أَسلم، وذكر في سبب النُّزول روايات :
أحدها : قال مجاهدٌ : نزلت هذه الآية في قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به، فلما بعث اللهُ سبحانه وتعالى محمداً - عليه الصَّلاة والسَّلام - آمن به من كفر بعيسى وكفر به من آمن بعيسى[(٣)](#foonote-٣). 
وثانيتهما : أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - على طريقة النَّصَارى، ثم آمنوا بعده بمحمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فقد كان إِيمانهم بعيسى حين آمنوا به كفراً، وظلمةً، لأَنَّ القول بالاتِّحاد كفرٌ باللهِ تعالى، أخرجهم من تِلْكَ الظُّلمات إلى نور الإِسلامِ[(٤)](#foonote-٤). 
وثالثتها : أنها نزلت في كُلِّ كافر أسلم وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم[(٥)](#foonote-٥) -. 
القول الثاني : أَنْ يحمل اللَّفظ على كُلِّ مَنْ آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - سواء كان ذلك الإيمان بعد كُفْرٍ، أو لم يكن ؛ لأنه إخراج من ظُلُمات الكفر إلى نور الإِسلامِ ؛ لقوله تعالى : وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } \[ آل عمران : ١٠٣ \] ومعلومٌ أَنهم ما كانوا في النار اَلْبَتَّةَ، وقال في قِصَّة يُوسُف عليه الصَّلاة والسَّلام  إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ  \[ يوسف : ٣٧ \] ولم يكن فيها قطّ، وسمي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إنساناً يقولُ : أشهد ألا إله إِلا الله، فقال :" عَلَى الفِطْرَةِ "، فلما قال : أشهَدُ أَنَّ محمداً رسول اللهِ قال :" خَرَجَ مِنَ النَّارِ[(٦)](#foonote-٦) "، ومعلوم أنه ما كان فيها. 
روي أنه عليه السَّلامُ أقبل على أَصحابه، فقال " تَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ تَهَافُتَ الجَرَادِ، وَهَا أَنَا آخِذٌ بِحُجزِكُم[(٧)](#foonote-٧) " ومعلوم أَنَّهم ما كانوا متهافتين في النَّارِ. 
### فصل


استدلَّ بعضُ العُلماء بهذه الآية على أَنَّ الغاية تدخل في المُغيَّا. لقوله تعالى على لسانه - عليه الصلاة والسلام - : يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  فلو لم يدخلون في النُّور لم يخرجهم من الظُّلمات إِلى النُّور، ولو لم تدخل الغايةُ في المُغيّا، لما أدخلوهم في النُّور. 
### فصل


فإن قيل : هذه الآية صريحة في أَنَّ الله سبحانه وتعالى هو الَّذي أخرج الإِنسان من الكُفْر، وأدخله في الإيمان، فيلزمُ أن يكون الإِيمانُ بخلق الله تعالى ؛ لأَنَّهُ لو حصل بخلق العبد، لكان العبدُ هو الذي أخرجَ نفسهُ من الكُفر إلى الإِيمان وذلك يناقض صريح الآية[(٨)](#foonote-٨). 
أَجَاب المعتزلةُ بأَنَّ هذا محمولٌ على نصبِ الأَدلَّةِ وإِرسال الأنبياء، وإِنزالِ الكُتُبِ، والتَّرغيب في الإِيمانِ، والتَّحذير عن الكُفْرِ بأقصى الوجوه :
قال القاضي[(٩)](#foonote-٩) : وقد نَسَبَ اللهُ الإِضلال إِلى الصَّنَم بقوله تعالى : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ  \[ إبراهيم : ٣٦ \]، لأجل أَنَّ الأَصْنَامَ سبب بوجه ما لضلالهم، فبأن يضاف الإِخراج من الظُّلمات إلى النُّور إلى الله تعالى مع قوَّةِ الأسبابِ التي فعلها بمن يؤمن أولى. 
**والجواب : من وجهين :**
أحدهما : أَنَّ هذا حمل للَّفظ على خلاف حقيقته. 
الثاني : أَن هذه التَّرغيبات إِنْ كانت مؤثرة في ترجيح الدَّاعية، صار الرَّاجح واجباً والمرجوح ممتنعاً، وحينئذٍ يبطلُ قولهم، وإن لم تؤثر في التَّرجيح لم يصحّ تسميتها بالإِخراج. 
قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ  :" الذين " مبتدأ أولُ، وَأَوْلياؤهم مبتدأ ثانٍ، وَالطَّاغُوتُ : خبرهُ، والجملةُ خبرُ الأَوَّلِ. وقرأ[(١٠)](#foonote-١٠) الحسنُ " الطَّوَاغيت " بالجمع، وإن كان أصلُه مصدراً ؛ لأنه لمَّا أطلق على المعبود مِنْ دُونِ الله اختلفَت أنواعهُ، ويؤيِّد ذلك عَوْدُ الضميرِ مَجْمُوعاً من قوله :" يُخْرِجونهم ". 
قوله :" يُخْرِجونهم " هذه الجُملة وما قبلها من قوله :" يُخْرِجُهم " الأحسنُ ألاَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعرابِ، لأَنَّهُمَا خَرَجا مخرجَ التفسير للولاية، ويجوزُ أن يكونَ " يُخْرِجُهم " خبراً ثانياً لقوله :" الله " وَأَنْ يكونَ حالاً من الضَّمير في " وليُّ "، وكذلك " يُخْرِجُونَهُم " والعاملُ في الحالِ ما في معنى الطَّاغُوتِ، وهذا نظيرُ ما قاله الفارسيُّ في قوله تعالى : نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى  \[ المعارج : ١٦ \] إنها حالٌ العاملُ فيها " لَظَى " وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى و " مَنْ " \[ و \] " إِلى " مُتعلِّقان بفعلي الإِخراج. 
فإن قيل كيف قال " يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلى الظُّلماتِ " وهم كفارٌ لم يكونوا في نور قطّ. 
فالجواب هم اليهود كانوا مؤْمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أنْ يُبعث لما يجدون في كتبهم من نعته، فلما بُعث كَفَرُوا به. 
وقال مُقاتلٌ : يعني كعب بن الأَشرف وحيي بن أخطب، وسائر رؤوس الضلالة ؛ " يُخْرِجُونَهُم " يدعونهم. 
وقيل هو على العُموم في حقِّ جميع الكُفَّار، وقالوا : منعهم إياهم من الدخول فيه إخراج، كما يَقُولُ الرَّجُل لأبيه أخرجتني من مالك، ولم يكن فيه، ولما قدَّمنا في التي قبلها. 
### فصل في دفع شبهة للمعتزلة


احتجت المعتزلةُ[(١١)](#foonote-١١) بهذه الآية الكريمة على أَنَّ الكُفْر ليس من الله تعالى، قالوا : لأنه تعالى أضافه إلى الطَّاغوت لا إلى نفسه. 
وأُجيبوا بأَنَّ إسناد هذا إلى الطَّاغُوت مجاز بالاتفاق بيننا وبينكم ؛ لأن المراد ب " الطَّاغُوت " على أظهر الأقوال هو الصَّنَمُ، وإذا كانت هذه الإضافة مجازية بالاتفاق، خرجت عن أن تكُون حجة لكم. 
قوله : أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  يحتمل أَنْ يرجع ذلك إلى الكُفَّار فقط ويحتمل أَنْ يرجع إلى الكُفَّار والطَّواغيت معاً. 
١ - عجز بيت لساعدة بن جؤية وصدره:
 هجرت غضوب وحب من يتغضب
 ينظر ديوان الهذليين ١/١٦٧، الأشباه والنظائر ٦/٢١، ولسان العرب (شعب)، خزانة الأدب ٩/٤٢٩، شرح المفصل (١٣٨)، تذكرة النحاة ص ٥٩٩..
٢ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٤١..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٢٦)..
٤ - انظر: "التفسير الكبير" للفخر الرازي (٧/١٨)..
٥ - ينظر المصدر السابق..
٦ - أخرجه أحمد (١/٤٠٧) والطبراني في "الكبير" (١٠/١١٥) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/١٤٦) والخطيب (٨/٢٢٠)..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي (٧/١٨)..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٧..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٧..
١٠ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٥، والبحر المحيط ٢/٢٩٤، والدر المصون ١/٦١٨..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٨..

### الآية 2:258

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [2:258]

تقدَّم الكلامُ في " أَلَمْ تَرَ إِلَى " في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ  \[ البقرة : ٢٤٣ \] قال القرطبيّ[(١)](#foonote-١) : وهذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التَّعجب، أي : أعجبوا له قال الفرَّاء[(٢)](#foonote-٢) :" أَلَمْ تَرَ "، بمعنى : هل رأيتَ الَّذي حاجَّ إبراهيم، وهل رأَيْتَ الَّذي مرَّ على قرية ؟
وقرأ عليٌّ[(٣)](#foonote-٣) رضي اللهُ عنه : بِسُكون الرَّاء وتقدَّم أيضاً توجيهها. والهاءُ في " رَبِّهِ " فيها قولان :
أظهرهما : أنها تعود على " إبراهيم ". 
والثاني : على " الَّذِي "، ومعنى حاجَّه : أظهرَ المغالبة في حجته.

### فصل


أعلم أَنَّه تعالى ذكر هاهنا قصصاً ثلاثاً. 
الأولى : في بيان إِثبات العالم بالصَّانع، والثانية والثالثة : في إثبات الحشرِ والنَّشرِ والبعث. 
فالأولى مناظرة إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع ملك زمانِهِ، وهي هذه. 
قال مجاهِدٌ هو النُّمروذُ بن كنعانَ بن سام بن نُوح، هو أول من وضع التَّاجَ على رأسه، وتجبر وادَّعى الرُّبوبية[(٤)](#foonote-٤) ؛ حاجَّ إبراهيم أي : خاصمَهُ وجادله، واختلفوا في وقتِ هذه المحاجَّةِ. فقال مقاتل : لمّا كسَّرَ الأَصنامَ سجنه النمروذ، ثم أخرجه ليحرقهُ فقال \[ له \] : من رَبُّكَ الذي تَدعُونا إليه ؛ فقال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ . 
وقال آخرون : كان هذا بعد إلقائه في النَّار[(٥)](#foonote-٥). 
وقال قتادةُ : هو أَوَّلُ من تَجَبَّرَ، وهو صاحب الصَّرح ببابل[(٦)](#foonote-٦). 
وقيل هو نُمروذُ بن فالج بن عابر بن شالخ بن أَرفخشذ بن سام، وحكى السُّهيليُّ أنه النُّمروذُ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وكان ملكاً على السَّواد، وكان ملكه الضحاك الَّذي يُعْرَفُ بالأزدهاق وذلك أن النَّاس قحطوا على عهد نمروذ، وكان النَّاسُ يمتارون من عنده الطَّعام، وكان إذا أتاه الرَّجلُ في طلب الطَّعام سأَلَ : مَنْ رَبُّكَ فإن قال : أَنْت ؛ نال من الطعام فأتاه إبراهيم فيمن أتاه، فقال له نمروذُ : من رَبُّكَ ؛ فقال له إبراهيم : ربيّ الّذِي يُحْيي وَيُمِيتُ. فاشتغل بالمحاجَّة، ولم يعطه شيئاً، فرجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمر على كثيبٍ من رَمْلٍ أعفرٍ، فأخذ منه تطييباً لقلوبِ أهْلِه إذا دخل عليهم ؛ فلما أَتى أَهلهُ، ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته فإذا هو بأجود طعام رأَتهُ ؛ فصنعت له منه فقربته إليه، فقال من أين هذا ؟ قالت مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جئت به، فعرف أن الله - تعالى - رزقه فَحَمَدَ اللهَ تعالى[(٧)](#foonote-٧). 
قوله : أَنْ آتَاهُ اللهُ  فيه وجهان :
أظهرهما : أَنَّهُ مفعولٌ من أجله على حذفِ العِلّة، أي : لأَنْ آتاه، فحينئذٍ في محلِّ " أَنْ " الوجهان المشهوران، أعني النَّصب، أو الجرِّ، ولا بُدَّ من تقديرِ حرفِ الجرِّ قبل " أَنْ " ؛ لأَنَّ المفعول مِنْ أجلهِ هنا نَقَّص شرطاً، وهو عدمُ اتِّحادِ الفاعلِ، وإنما حُذفت اللامُ، لأَنَّ حرف الجرِّ يطَّرد حذفُهُ معها، ومع أنَّ، كما تقدَّم. وفي كونِهِ مفعولاً من أجلِهِ وجهان :
أحدهما : أَنَّهُ من باب العكسِ في الكلام بمعنى : أنه وضعَ المُحاجَّة موضع الشُّكْر، إذ كان مِنْ حقِّه أن يشكرَ في مقابلة إتيانِ المُلْكِ، ولكنَّهُ عَمِلَ على عكس القضية، كقوله تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ  \[ الواقعة : ٨٢ \]، وتقول :" عَادَاني فُلانٌ ؛ لأني أَحسنت إليه " وهو باب بليغٌ. 
والثاني : أَنَّ إيتاءَ المُلْكِ حَمَلَه على ذلك ؛ لأَنَّهُ أورثه الكِبْرَ وَالبَطَرَ، فَنَشَأَ عنهما المُحاجَّةُ. 
الوجه الثاني : أنَّ " أَنْ "، وما في حيِّزها واقعةٌ موقعَ ظرفِ الزَّمانِ، قال الزَّمخشريُّ رحمه الله " وَيَجُوزُ أن يكونَ التَّقديرُ : حاجَّ وقتَ أَنْ آتاهُ اللهُ ". وهذا الذي أجازه الزمخشريُّ فيه نظر ؛ لأَنَّهُ إِنْ عنى أَنَّ ذلكَ على حذفِ مُضافٍ ففيه بُعْدٌ من جهةِ أَنَّ المحاجَّة لم تقع وقتَ إِيتاءِ اللهِ له المُلْك، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الوقتِ، فلا يُحْمَل على الظَّاهر، وهو أنَّ المُحاجَّة وَقَعَت ابتداء إيتاءِ المُلْك، بل يُحْمَلُ على أنَّ المُحاجَّة وقعت وقتَ وجود المُلْك، وإن عنى أَنَّ " أَنْ " وما حيِّزها واقعةٌ موقع الظَّرف، فقد نصَّ النَّحويون على منع ذلك وقالوا : لا يَنُوب عن الظَّرف الزَّماني إلا المصدرُ الصَّريحُ، نحو :" أَتيتُكَ صِيَاحَ الدِّيكِ " ولو قلت :" أَنْ يصيحَ الدِّيكُ " لم يَجز. كذا قاله أبو حيَّان قال شهاب الدين وفيه نظرٌ، لأنه قال :" لا ينوبٌ عن الظَّرفِ إلا المصدرُ الصّريح "، وهذا معارضٌ بأنهم نَصُّوا على أنَّ " ما " المصدريةَ تنوبُ عن الزَّمانِ، وليست بمصدرٍ صريحٍ. 
**والضمير في " آتاه " فيه وجهان :**
أظهرهما : أَنْ يعودَ على " الَّذِي "، وهو قول جمهور المفسرين وأَجاز المهدويُّ أن يعودَ على " إِبْرَاهِيم "، أي : ملك النُّبُوَّة. قال ابن عطيَّة :" هذا تَحَاملٌ من التَّأْوِيل "، وقال أبو حيان : هذا قولُ المعتزلة، قالوا : لأنَّ الله تعالى قال : لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ  \[ البقرة : ١٢٤ \] والمُلْك عهدٌ، ولقوله تبارك وتعالى : فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً  \[ النساء : ٥٤ \]. وعودُ الضَّمير إِلى أقرب مذكور واجب، وأقرب مذكورٍ إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأجيب عن الأَوَّل بأَنَّ الملك حصل لآل إبراهيم، وليس فيها دلالةٌ على حصوله لإبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -. 
وعن الثاني : بأن الذي حاج إبراهيم كان هو المَلِكُ، فعود الضَّمير إليه أَوْلَى. 
قوله :" إِذْ قَالَ " فيه أربعةُ أوجهٍ :
أظهرها : أَنَّهُ معمولٌ لحاجَّ. 
والثاني : أن يكون معمولاً لآتاه، ذكرهُ أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨). وفيه نظرٌ من حيثُ إنَّ وقت إيتاءِ المُلْكِ ليس وقتَ قولِ إبراهيم،  رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، إِلاَّ أَنْ يُتَجَوَّز في الظَّرفِ كما تقدَّم. 
والثالث : أن يكون بدلاً من  أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ  إذا جُعِلَ بمعنى الوقت، أجازه الزَّمخشريّ بناءً منه على أَنَّ " أَنْ " واقعةٌ موقعَ الظَّرف، وقد تقدَّم ضعفُهُ، وأيضاً فإِنَّ الظّرفين مختلفان، كما تقدَّم إلا بالتَّجوز المذكورِ. وقال أبو البقاء[(٩)](#foonote-٩) رحمه الله " وَذَكَرَ بَعْضُهم أنه بَدَلٌ من " أَنْ آتَاهُ الملك " وليس بشيءٍ ؛ لأَنَّ الظرفَ غيرُ المصدرِ، فلو كان بدلاً لكان غلطاً إلا أَنْ تُجْعَل " إذ " بمعنى " أَنْ " المصدرية، وقد جاء ذلك " انتهى. وهذا بناءً منه على أنَّ " أَنْ " مفعولٌ من أجله، وليست واقعةً موقع الظَّرفِ، أمَّا إِذَا كانت " أَنْ " واقعةٌ موقع الظرف فلا تكون بدل غلط، بل بدلُ كلِّ من كُلِّ، كما هو قول الزمخشري وفيه ما تقدَّم بجوابه، مع أَنَّه يجوزُ أَنْ تكون بدلاً مِنْ " أَنْ آتاهُ "، و " أَنْ آتَاهُ " مصدرٌ مفعولٌ من أجلِهِ بدلَ اشتمالٍ ؛ لأَنَّ وقتَ القولِ لاتِّسَاعِهِ مُشتملٌ عليه وعلى غيره. 
الرابع : أَنَّ العامِلَ فيه " تَرَ " منق وله :" أَلَمْ تَرَ " ذكره مكيٌّ[(١٠)](#foonote-١٠) رحمه الله تعالى، وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأَنَّ الرُّؤية على كِلاَ المذكورين في نظيرها لم تكن في وقتِ قوله : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ . 
قوله : الَّذِي يُحْيِي  مبتدأٌ في محلِّ نصب بالقول. 
### فصل


الظَّاهر أن هذا جواب سؤالٍ سابق غير مذكورٍ ؛ لأَنَّ الأَنبياء بعثوا للدَّعوة ومتى ادَّعى الرسالة والدَّعوة، فلا بدَّ وأن يطالبه المنكر بإثبات أَنَّ للعالم إلهاً ؛ ألا ترى لما قال موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -  إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ  \[ الشعراء : ١٦ \]  قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ  \[ الشعراء : ٢٣ \] فاحتجَّ موسى على إثبات الإِله بقوله  رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  \[ الشعراء : ٢٤ \] فكذا هاهنا لما ادَّعى إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - الرِّسالة قال النُّمروذ من ربك ؟ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. 
وقرأ حمزة : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ  بإسكان الياء، وكذلك  حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ  \[ الأعراف : ٣٣ \]  سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ  \[ الأعراف : ١٤٦ \]، و قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ  \[ إبراهيم : ٣١ \]، و آتَانِيَ الْكِتَابَ  \[ مريم : ٣٠ \] و مَسَّنِيَ الضُّرُّ  \[ الأنبياء : ٨٣ \] و مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ  \[ ص : ٤١ \] و عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ  \[ الأنبياء : ١٠٥ \]، و عِبَادِيَ الشَّكُورُ  \[ سبأ : ١٣ \] و إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ  \[ الزمر : ٣٨ \]، و إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ  \[ تبارك : ٢٨ \] أسكن الياء فيهن حمزة ؛ وافق ابن عامر والكسائي في " لعبادي الذين آمنوا " وابن عامر في " آيَاتِي الَّذِين "، وفتحها الآخرون. 
### فصل


استدلَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام على إثبات الإله بالإحياء والإماتة، وهو دليلٌ في غاية القُوَّة لأَنَّهُ لا سبيل إلى معرفةِ اللهِ تعالى إِلاَّ بواسطة أفعاله التي لا يُشاركُهُ فيها أحدٌ من القادرين، والإحياء والإماتة كذلك ؛ لأَنَّ الخلق عاجزون عنهما والعلم بعد الاختيار ضروري، وهذا الدَّليل ذكره اللهُ تعالى في مواضع من كتابه كقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ  \[ المؤمنون : ١٢ \] إلى آخرها وقوله : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  \[ التين : ٤، ٥ \] وقال : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ  الملك : ٢ \]. 
فإن قيل : لِمَ قدَّم هنا ذِكر الحياةِ على الموتِ في قوله  رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وقدَّمَ الموتَ على الحياةِ في آياتٍ كقوله  وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ  \[ البقرة : ٢٨ \] وقال  الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ  \[ الملك : ٢ \]، وحكى عن إِبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام قوله في ثنائِهِ على الله تعالى  وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ  \[ الشعراء : ٨١ \]. 
فالجواب : أَنَّ الدَّليل إذا كان المقصود منه الدَّعوة إلى اللهِ تعالى يجب أَنْ يكون في غاية الوضُوح، ولا شكّ أَنَّ عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإِنسان عليها أتم، فلا جرم قَدَّم ذكر الحياة هُنا. 
 " قَالَ أَنَا أُحْيِي " مبتدأٌ، وخبرٌ منصوب المحلِّ بالقول أيضاً. وأخبر عن " أَنَا " بالجملة الفعلية، وعن " رَبّي " بالموصولِ بها ؛ لأَنَّه في الإِخبار بالموصولِ يُفيد الاختصاص بالمُخبَرِ عنه بخلافِ الثاني، فإِنَّهُ لم يدَّعِ لنفسه الخسيسة الخصوصية بذلك. 
و " أَنَا " : ضميرٌ مرفوعٌ مُنفصلٌ، والاسمُ منه " أَنَ " والألفُ زائدةٌ ؛ لبيان الحركةِ في الوقفِ، ولذلك حُذِفت وصلاً، ومن العربِ مَنْ يثبتها مطلقاً، فقيل : أُجريَ الوصلُ مجرى الوقف ؛ قال القائل في ذلك :\[ المتقارب \]
وَكَيْفَ أَنَا وَانْتِحَالي القَوَا \*\*\* فِي بَعْدَ المَشِيبِ كَفَى ذَاكَ عَا١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٨٤..
٢ - ينظر: المصدر السابق..
٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٥، البحر المحيط ٢/٢٩٧، الدر المصون ١/٦١٨..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٣٠) عن مجاهد..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٤١..
٦ - ذكره هذه الأقوال الفخر الرازي في "تفسيره" (٧/٢٠)..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٣٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٦) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" عن زيد بن أسلم..
٨ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٨..
٩ - ينظر: المصدر السابق..
١٠ - ينظر: المشكل ١/١٠٨..

### الآية 2:259

> ﻿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:259]

هذه القصة الثانية والجمهور على سكون واو " أَوْ " وهي هنا للتفضيل، وقيل : للتخيير بين التعجُّب من شأنهما، وقرأ[(١)](#foonote-١) سفيان بن حسين " أَوَ " بفتحها، على أنها واو العطف، والهمزة قبلها للاستفهام. 
وفي قوله :" كَالَّذِي " أربعة أوجهٍ :
أحدها : أنه عطفٌ على المعنى وهو قولٌ عند الكسائي والفرَّاء[(٢)](#foonote-٢) وأبي علي الفارسيِّ وأكثر النحويّين، قالوا : ونظيره من القرآن قوله تعالى : لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ  \[ المؤمنون : ٨٤-٨٥ \] ثم قال : مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ  \[ المؤمنون : ٨٦-٨٧ \]. فهذا عطف على المعنى ؛ لأنَّ معناه : لمن السَّموات ؟ ! فقيل لله ؛ وقال الشَّاعر :\[ الوافر \]
مُعَاوِيَ، إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ \*\*\* فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلاَ الحَدِيدَا[(٣)](#foonote-٣)
فحمل على المعنى، وترك اللفظ، وتقدير الآية :
هل رأيت كالذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قريةٍ، هكذا قال مكيٌّ[(٤)](#foonote-٤)، أمَّا العطف على المعنى، فهو وإن كان موجوداً في لسانهم ؛ كقوله :\[ الطويل \]
تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكَثِّرْ غَنِيمَةٌ \*\*\* بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى وَلاَ بِحَقَلَّدِ[(٥)](#foonote-٥)
وقول الأخر في هذين البيتين :\[ الوافر \]
أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَاتٍ \*\*\* وَلاَ بَيْدَانَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ[(٦)](#foonote-٦)
وَلاَ مُتَدَارِكٍ وَاللَّيْلُ طَفْلٌ \*\*\* بِبَعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُمُولاَ
فإنَّ معنى الأول : ليس بمكثِّر، ولذلك عطف عليه " وَلاَ بِحَقَلَّد "، ومعنى الثاني : أجِدَّك لست بِرَاءٍ، ولذلك عطف عليه " وَلاَ مُتَدَارِكٍ "، إلا أنهم نصُّوا على عدم اقتياسه. 
الثاني : أنه منصوبٌ على إضمار فعلٍ، وإليه نحا الزمخشريُّ، وأبو البقاء[(٧)](#foonote-٧)، قال الزمخشريُّ :" أو كالَّذِي : معناه أوَ رَأَيْتَ مَثَلَ الَّذِي "، فحذف لدلالة " أَلَمْ تَرَ " عليه ؛ لأنَّ كلتيهما كلمتا تعجُّبٍ، وهو حسنٌ ؛ لأنَّ الحذف ثابتٌ كثيرٌ، بخلاف العطف على المعنى. 
الثالث : أنَّ الكاف زائدةٌ ؛ كهي في قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  \[ الشورى : ١١ \]، وقول الآخر :\[ السريع أو الرجز \]
فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ[(٨)](#foonote-٨) \*\*\*. . . 
والتقدير : ألم تر إلى الذي حاجَّ، أو إلى الذي مرَّ على قريةٍ. وفيه ضعفٌ ؛ لأنَّ الأصل عدم الزيادة. 
والرابع : أنَّ الكاف اسم بمعنى مثل، لا حرفٌ ؛ وهو مذهب الأخفش[(٩)](#foonote-٩). قال شهاب الدِّين : وهو الصحيح من جهة الدليل، وإن كان جمهور البصريين على خلافه، فالتقدير : ألم تر إلى الذي حاجَّ، أو إلى مثل الذي مرَّ، وهو معنى حسنٌ. وللقول باسمية الكاف دلائل مذكورةٌ في كتب القوم، ذكرنا أحسنها في هذا الكتاب. 
منها : معادلتها في الفاعلية ب " مِثْل " في قوله :\[ الطويل \]
وَإِنَّكَ لَمْ يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفَاخِرٍ \*\*\* ضَعِيفٍ وَلَمْ يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ[(١٠)](#foonote-١٠)
ومنها دخول حروف الجر، والإسناد إليها. وتقدَّم \[ الكلام \] في اشتقاق القرية. 
قوله :" وهي خَاوِيَةٌ " هذه الجملة فيها خمسة أوجهٍ :
أحدها : أن تكون حالاً من فاعل " مَرَّ " والواو هنا رابطةٌ بين الجملة الحالية وصاحبها، والإتيان بها واجبٌ ؛ لخلوِّ الجملة من ضمير يعود إليه. 
الثاني : أنها حالٌ من " قرية " : إمَّا على جعل " عَلَى عُرُوشِهَا " صفةٌ لقرية على أحد الأوجه الآتية في هذا الجارِّ، أو على رأي من يجيز الإتيان بالحال من النكرة مطلقاً ؛ وهو ضعيف عند سيبويه[(١١)](#foonote-١١). 
الثالث : أنها حالٌ من " عُرُوشِهَا " مقدَّمةٌ عليه، تقديره : مرَّ على قرية على عروشها خاويةٌ. 
الرابع : أن تكون حالاً من " هَا " المضاف إليها " عُرُوش " قال أبو البقاء[(١٢)](#foonote-١٢) :" والعَامِلُ مَعْنَى الإِضَافَةِ، وهو ضَعِيفٌ مع جوازه " انتهى. والذي سهَّل مجيء الحال من المضاف إليه، كونه بعض المضاف ؛ لأنَّ " العُرُوشَ " بعض القرية، فهو قريب من قوله تعالى : مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً  \[ الحجر : ٤٧ \]. 
الخامس : أن تكون الجملة صفةً لقرية، وهذا ليس بمرتضى عندهم ؛ لأنَّ الواو لا تدخل بين الصفة والموصوف، وإن كان الزمخشريُّ قد أجاز ذلك في قوله تعالى : وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ  \[ الحجر : ٤ \] \[ فجعل :" وَلَهَا كِتَابٌ " \] صفةً، قال :" وتَوَسَّطَتِ الواوُ ؛ إيذاناً بإلصاق الصفة بالموصوف " وهذا مذهب سبقه إليه أبو الفتح ابن جنِّي في بعض تصانيفه، وفي ما تقدَّم، وكأنَّ الذي سهَّل ذلك تشبيه الجملة الواقعة صفةً، بالواقعة حالاً، لأنَّ الحال صفةٌ في المعنى، ورتَّب أبو البقاء[(١٣)](#foonote-١٣) جعل هذه الجملة صفةً لقرية، على جواز جعل " عَلَى عُرُوشِهَا " بدلاً من " قَرْيَةٍ " على إعادة حرف الجرِّ، ورتَّب جعل " وَهِي خَاوِيَةٌ " حالاً من العروش، أو من القرية، أو من " ها " المضاف إليها، على جعل " عَلَى عُرُوشِهَا " صفةٌ للقرية، وهذا نصُّه، قد ذكرته ؛ ليتضح لك، فإنه قال : وقد قيل : هو بدلٌ من القرية تقديره : مرَّ على قريةٍ على عروشها، أي : مَرَّ على عروش القرية، وأعاد حرف الجرِّ مع البدل، ويجوز أن يكون " عَلَى عُرُوشِهَا " على هذا القول صفةً للقرية، لا بدلاً، تقديره : على قرية ساقطةٍ على عروشها، فعلى هذا لا يجوز أن تكون " وَهِيَ خَاوِيَةٌ " حالاً من العروش وأن تكون حالاً من القرية ؛ لأنها قد وصفت، وأن تكون حالاً من " هَا " المضاف إليه، وفي هذا البناء نظرٌ لا يخفى. 
قوله :" عَلَى عُرُوشِهَا " فيه أربعة أوجهٍ :
أحدها : أن يكون بدلاً من " قرية " بإعادة العامل. 
الثاني : أن يكون صفةً ل " قَرْيَةٍ " كما تقدَّم فعلى الأول : يتعلَّق ب " مَرَّ " ؛ لأنَّ العامل في البدل العامل في المبدل منه، وعلى الثاني : يتعلَّق بمحذوفٍ، أي : ساقطةٍ على عروشها. 
الثالث : أن يتعلَّق بنفس خاوية، إذا فسَّرنا " خَاوِيَةٌ " بمعنى متهدِّمة ساقطة. 
الرابع : أن يتعلَّق بمحذوفٍ يدلُّ عليه المعنى، وذلك المحذوف قالوا : هو لفظ " ثَابِتَةٌ " ؛ لأنهم فسَّروا " خَاوِيَةٌ " بمعنى : خاليةٌ من أهلها ثابتةٌ على عروشها، وبيوتها قائمة لم تتهدَّم، وهذا حذفٌ من غير دليلٍ، ولا يتبادر إليه الذهن، وقيل :" عَلَى " بمعنى " مَعَ "، أي : مع عروشها، قالوا : وعلى هذا فالمراد بالعروش الأبنية. 
وقيل :" عَلَى " بمعنى " عَنْ " أي : خاويةٌ عن عروشها، جعل " عَلَى " بمعنى " عَنْ " كقوله : إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ  \[ المطففين : ٢ \] أي : عنهم[(١٤)](#foonote-١٤). 
والخاوي : الخالي. يقال : خوت الدار تخوي خواءً بالمد، وخويّاً، وخويت أيضاً بكسر العين تَخْوَى خَوًى بالقصر، وخَوْياً، والخَوَى : الجوع ؛ لخلوِّ البطن من الزَّاد. والخويُّ على فعيل : البطن السَّهل من الأرض، وخوَّى البعير : جَافَى جنبه عن الأرض ؛ قال القائل في ذلك :\[ الرجز \]
خَوَّى عَلَى مُسْتَوِيَاتٍ خَمْسِ \*\*\* كِرْكِرَةٍ وَثَفِنَاتٍ مُلْسِ[(١٥)](#foonote-١٥)
ومنه الحديث :" كان النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ خَوَّى[(١٦)](#foonote-١٦) " أي : خلا عن عضده، وجنبيه، وبطنه، وفخذيه، وخوَّى الفرس ما بين قوائمه، ويقال للبيت إذا انهدم خوى ؛ لأنه بتهدمه يخلو من أهله، وكذلك خوت النجوم وأخوت إذا سقطت. 
والعُرُوشُ : جمع عرش، وهو سقف البيت، وكذلك كلُّ ما هُيِّئَ ليستظلَّ به، وقيل : هو البنيان نفسه ؛ قال القائل في ذلك :\[ الكامل \]
إِنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ \*\*\* بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحَارِثِ بِنْ شِهَابِ[(١٧)](#foonote-١٧)
اختلفوا في الذي[(١٨)](#foonote-١٨) مرَّ بالقرية فقال مجاهد، وأكثر المفسرين من المعتزلة : كان رجلاً كافراً شاكّاً في البعث[(١٩)](#foonote-١٩). 
وقال قتادة، وعكرمة، والضحاك، والسديُّ : هو عُزَيرُ بن شرخيا[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقال وهب بن منبه، ورواه عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما هو إرمياء بن خلقيا[(٢١)](#foonote-٢١)، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم : إنَّ إرمياء هو الخضر عليه السَّلام، وهو من سبط هارون بن عمران عليه الصَّلاة والسَّلام وهو قول محمد بن إسحاق[(٢٢)](#foonote-٢٢). 
وقال وهب بن منبِّه : إنَّ إرمياء، هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله عندما خرَّب بخت نصَّر بيت المقدس، وأحرق التوراة[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
**واحتجَّ من قال إنه كان كافراً بوجوه :**
الأول : استبعاده الإحياء بعد الإماتة من الله وذلك كفرٌ. 
فإن قيل : يجوز وقوع ذلك منه قبل البلوغ. 
قلنا : لو كان كذلك، لم يجز أن يعجب الله رسوله منه إذ الصَّبيُّ لا يتعجَّب من شكِّه في مثل ذلك، وضعَّفوا هذه الحجة ؛ بأن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشَّكِّ في قدرة الله تعالى، بل يحتمل أن يكون بسبب اطِّراد العادات في أنَّ مثل ذلك الموضع الخراب قلَّما يصيِّره الله معموراً، كما أنَّ الواحد إذا رأى جبلاً، فيقول : متى يقلب الله هذا ذهباً، أو ياقوتاً ؟ لا أن مراده الشَّكُّ في قدرة الله، بل إنَّ ذلك لا يقع في مطرد العادات، فكذا هاهنا. 
الحجة الثانية : قوله تعالى في حقه : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ  وهذا يدلُّ على أنه قبل ذلك لم يحصل له التبين، وضعِّف ذلك بأن تبيُّن الإحياء على سبيل المشاهدة، ما كان حاصلاً له قبل ذلك، وأمَّا التبين على سبيل الاستدلال فلا يسلم أنه لم يكن حاصلاً له. 
الحجة الثالثة : قوله : أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  وهذا يدلُّ على أنَّ هذا العلم إنما حصل له في ذلك الوقت، وهذا أيضاً ضعيفٌ ؛ لأن تلك المشاهدة أفادت نوع توكيد، وطمأنينة، وذلك إنما حصل في ذلك الوقت، وهذا لا يدلُّ على أنَّ أصل العلم ما كان موجوداً قبل ذلك. 
الحجة الرابعة : انتظامه مع النمروذ في سلكٍ واحدٍ، وهذا أيضاً ضعيفٌ ؛ لأنه وإن كان قبله قصَّة النمروذ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام فوجب أن يكون نبياً من جنس إبراهيم. 
**واحتج من قال إنه كان مؤمناً بوجوه :**
منها قوله تعالى : أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  وهذا يدلُّ على أنَّه كان عالماً بعد موتها بالله تعالى وبأنَّه يصحُّ منه الإحياء في الجملة، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء، إنما يصحُّ إذا حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة، فأما من يعتقد أنَّ القدرة على الإحياء ممتنعةٌ لم يبق لهذا التخصيص فائدة. 
ومنها مخاطبة الله تعالى له بقوله :" كَمْ لَبِثْتَ " وبقوله : بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ، وبقوله : فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ، وبقوله : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ، وبقوله  وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً  وهذه المخاطبات لا تليق بالكافر، قال تعالى : وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ  \[ الأنبياء : ٩١ \]، فجعله آية للناس، دليلٌ على مزيد التشريف. 
ومنها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن بختنصر غزا بني إسرائيل ف

١ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٤٧، والبحر المحيط ٢/٣٠١، والدر المصون ١/٦٢١..
٢ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٧٠..
٣ - البيت لعقبة أو لعقيبة الأسدي ينظر الإنصاف ١/٣٣٢، وخزانة الأدب ٢/٢٦٠، وسر صناعة الإعراب ١/١٣١، ٢٩٤، وسمط اللآلي ص ١٤٨، ١٤٩، شرح أبيات سيبويه ص ٣٠٠، شرح شواهد المغني ٢/٨٧٠، والكتاب ١/٦٧، الأشباه والنظائر ٤/٣١٣، ابن الحاجب ص ١٦٠، رصف المباني ص ٢١٢، ١٤٨، الشعر والشعراء ١/١٠٥، مغني اللبيب ٢/٤٧٧، المقتضب ٢/٣٣٨، ٤/١١٢، ٣٧١، اللسان غمز..
٤ - ينظر: المشكل لمكي ١/١٠٨..
٥ - ينظر ديوان زهير (٢٣٤)، المغني (٥٨٢)، اللسان: حقلد، الدر المصون ١/٦٢١..
٦ - البيتان للمرار بن سعيد. ينظران في: مجالس ثعلب ١/١٥٩، الخزانة ١/٢٦٢، الطبري ١/٤٤٣، معاني الفراء ١/١٧١، الدر المصون ١/٦٢١..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٩..
٨ - تقدم برقم (٢٤٢)..
٩ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١٨٢..
١٠ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه (٤٤)، الخزانة ٤/٢٦٤ الدرر ٢/٢٩، الأضداد (٥٣)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها ٢/٤٨٧، رصف المباني ص ١٩٦، اللسان (غلب)، الدر المصون ١/٦٢٢..
١١ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/٢٨٢..
١٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٩..
١٣ - ينظر: المصدر السابق..
١٤ - سقط في ب..
١٥ - ينظر: ديوان العجاج ٢/٢٠١، اللسان: ثفن، الدر المصون ١/٦٢٣..
١٦ - أخرجه مسلم كتاب الصلاة باب ٤٦ رقم ٢٣٨ والنسائي (٢/٢٣٢) والبيهقي (٢/١١٤) والخطيب (٥/٢٣٢) وذكره القرطبي في "تفسيره" (١/٣٤٦) والزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" (٣/٦٨)..
١٧ - نسب هذا البيت لرجل من بني نصر ونسب لأبي ذؤيب ونسب لداود بن ربيعة ينظر: شرح الحماسة ٢/٨٤٣، أشعار الهذليين ٣/١٣٠٦، معاهد التنصيص ٣/٢٠١، شواهد الشافية (٤١٤)، الدر المصون ١/٦٢٣..
١٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٢٦..
١٩ - ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٧/٢٦) عن مجاهد وأكثر علماء المعتزلة..
٢٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٣٩-٤٤٠) عن عكرمة وقتادة وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٥٨٧)..
٢١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٤٠-٤٤١) عن وهب بن منبه..
٢٢ - انظر: تفسير الطبري (٥/٤٤٠)..
٢٣ - انظر: تفسير الفخر الرازي (٧/٢٧)..

### الآية 2:260

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:260]

هذه القصة الثالثة الدالَّةُ على صحَّة البعث. 
**في العامل في " إذْ " ثلاثةُ أوجه :**
أظهرها : أنه قال :" أَوَلَمْ تُؤْمِن "، أي : قال له ربَّه وقتَ قوله ذلك. 
والثاني : أنه " أَلَمْ تَرَ " أي : ألم تر إذ قال إبراهيم. 
والثالث : أنه مضمرٌ تقديره : واذكر قاله الزجاح ف " إِذْ " على هذين القولين مفعولٌ به، لا ظرفٌ. و " ربِّ " منادى مضافٌ لياءِ المتكلم، حُذفَتْ ؛ استغناءً عنها بالكسرةِ قبلَها، وهي اللغةُ الفصيحةُ، وحُذِف حرفُ النداءِ. 
وقوله :" أَرِنِي " تقدَّم ما فيه من القراءات، والتوجيه في قوله : وَأَرِنَا  \[ البقرة : ١٢٨ \] والرؤية هنا بصرية تتعدَّى لواحدٍ، ولمَّا دخلَتْ همزةُ النقل، أكسبته مفعولاً ثانياً، والأولُ ياءُ المتكلم، والثاني الجملة الاستفهامية، وهي معلقة للرؤية و " رأى " البصرية تُعَلَّق، كما تعلق " نَظر " البصرية، ومن كلامهم :" أَمَا تَرَى أَيُّ بَرْقٍ هاهنا ". 
و " كَيْفَ " في محلِّ نصب : إمَّا على التشبيه بالظرف، وإمَّا على التشبيه بالحال، كما تقدَّم في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ  \[ البقرة : ٢٨ \]. والعاملُ فيها " تُحيي " وقدَّره مكي[(١)](#foonote-١) : بأي حالٍ تُحْيي الموتى، وهو تفسيرُ معنًى، لا إعرابٍ. 
قال القرطبيُّ[(٢)](#foonote-٢) : الاستفهامُ بكيف، إنما هو سؤالٌ عن حالةِ شيءٍ موجودٍ متقرر الوجوه عند السائل، والمسؤول ؛ نحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا : ومتى قلت : كيف ثوبُكَ ؟ وكيف زيدٌ ؟ فإِنَّما للسؤال عن حالٍ من أحواله، وقد تكون " كَيْفَ " خبراً عن شيءٍ شأنه أَنْ يُسْتفهم عنه بكيف، نحو قولك : كيف شِئتَ فكُنْ، ونحو قول البخاريّ :" كَيْفَ كان بَدْءُ الوَحْي "، و " كَيْفَ " في هذه الآية إِنَّما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإحياءُ متقرِّرٌ، ولكن لمَّا وجدنا بعض المنكرين لوجود شيءٍ، قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة ذلك الشيء، يعلم أنها لا تصح ؛ فيلزم من ذلك أَنَّ الشيء في نفسه لا يصحُّ ؛ مثاله أَنْ يقول مُدَّعٍ أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المكذِّب له : أَرِني كيف ترفعه فهذه طريقةُ مجاز في العبارة، ومعناها تسلِيمٌ جدلي، كأنه يقول : افرِض أَنَّكَ ترفعه، فأرني كيف ترفعه فلما كان في عبارة الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام هذا الاشتراك المجازي، خلص اللهُ له ذلك، وحمله على أَنْ بيَّن له الحقيقة، فقال له :" أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ ؟ قال : بَلَى " فكمل الأَمر، وتخلص من كُلِّ شكٍّ. 
فإِن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى لم يُسَمِّ عزيراً، بل قال : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ  \[ البقرة : ٢٥٩ \]، وهاهُنَا سمَّى إبراهيم، مع أَنَّ المقصُودَ في كِلتا القصَّتين شيءٌ واحِدٌ ؟ !
فالجواب[(٣)](#foonote-٣) : قال ابن الخطيب رحمه الله : والسببُ فيه : أَنَّ عزيراً لم يحفظِ الأَدَبَ، بل قال  أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  \[ البقرة : ٢٥٩ \] ولذلك جعل الإِحياء، والإِماتة في نفسه، وإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام حفظ الأَدب، ورَاعاهُ ؛ فقال أَوَّلاً " رَبِّ " ثُمَّ دعا فقال : أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى  ولذلك جعل الإِحياء، والإِماتة في الطيور. 
قوله : قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن  في هذه الواوِ وجهان :
أظهرهما : أنها للعطفِ قُدِّمت عليها همزةُ الاستفهامِ، لأنها لها صدرُ الكلامِ والهمزةُ هنا للتقريرِ ؛ لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على النفي، قَرَّره ؛ كقول القائل :\[ الوافر \]

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا  وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ[(٤)](#foonote-٤)و أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  \[ الشرح : ١ \]، المعنى : أنتم خيرُ، وقد شرحنا. 
والثاني : أنها واوُ الحالِ، دخلت عليها ألفُ التقرير، قال ابن عطية ؛ وفيه نظرٌ من حيث إنها إذا كانَتْ للحالِ، كانت الجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ، وإذا كانت كذلك، استدعَتْ ناصباً، وليس ثمَّ ناصبٌ في اللفظِ، فلا بُدَّ من تقديره ؛ والتقديرُ " أَسأَلْتَ وَلَمْ تُؤْمِنْ "، فالهمزةُ في الحقيقة، إِنما دخَلَتْ على العامل في الحالِ. وهذا ليس بظاهر، بل الظاهرُ الأَوَّلُ، ولذلك أُجيبت ببلى، وعلى ما قال ابنُ عطية يَعْسُر هذا المعنى. 
وقوله :" بلى " جوابٌ للجملة المنفيَّة، وإنْ صار معناه الإِثبات اعتباراً باللفظ لا بالمعنى، وهذا من قسم ما اعتبر فيه جانبُ اللفظِ دون المعنى، نحو : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ  \[ البقرة : ٦ \] وقد تقدَّم تحقيقه واللهُ أَعْلَمُ. 
قوله :" لِّيَطْمَئِنَّ " اللامُ لامُ كَيْ، فالفعلُ منصوبٌ بعدها، بإضمار " أَنْ "، وهو مبنيٌّ لاتِّصاله بنون التوكيد واللامُ متعلِّقة بمحذوفٍ بعد " لكنْ " تقديرُه : ولكن سألتُكَ كيفية الإِحياء للاطمئنان، ولا بُدَّ من تقدير حذفٍ آخر، قبل " لكنْ " ؛ حتَّى يصحَّ معه الاستدراكُ، والتقديرُ : بلى آمنْتُ، وما سألتُ غير مؤمنٍ، ولكنْ سألتُ ليطمئِنَّ قَلْبي ليحصل الفرقُ بين المعلوم بالبرهان وبين المعلوم عياناً. 
قال السُّدِّيُّ، وابن جبير :" أَوَلَمْ تُؤْمِن " بأَنَّكَ خليلي  قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  بالخُلَّةِ[(٥)](#foonote-٥). 
والطُّمأنينةُ : السكونُ، وهي مصدرُ " اطمأنَّ " بوزن : اقْشَعَرَّ، وهي على غير قياس المصادر، إذ قياسُ " اطْمَأنَّ " أَن يكون مصدرُه على الاطمئنان. واختلف في " اطْمَأَنَّ " هل هو مقلوبٌ ؛ أم لا ؟ فمذهب سيبويه[(٦)](#foonote-٦) رحمه الله أنه مقلوبٌ من " طَأْمَنَ "، فالفاءُ طاءٌ، والعينُ همزةٌ، واللامُ ميمٌ، فقُدِّمت اللامُ على العينِ فوزنه : افْلَعَلَّ بدليل قولهم : طامنتُه، فتطامَنَ. ومذهبُ الجرمي : أنه غيرُ مقلوب، وكأَنَّه يقول : إِنَّ اطمَأَنَّ وطَأْمَنَ مادَّتانِ مُسْتَقلَّتانِ، وهو ظاهرُ كلام أبي البقاء[(٧)](#foonote-٧) فإنه قال : والهَمزةُ في " لِيَطْمَئِنَّ " أصلٌ، ووزنه يفعَلِلُّ، ولذلك جاء  فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ  \[ النساء : ١٠٣ \] مثل :" اقْشَعْرَرْتُمْ ". انتهى. فوزنه على الأصل دونَ القلب، هذا غيرُ بعيدٍ ؛ ألا ترى أَنَّهم في " جَبَذَ، وجَذَبَ، قالوا : ليس أحدهما مقلُوباً من الآخر لاستواءِ المادَّتين في الاستعمال. 
ولترجيح كلٍّ من المذهبين موضعٌ غير هذا. 
### فصلٌ في الداعي على السؤال


ذكروا في سبب سؤال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام وجوهاً :
أحدها : قال الحسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، وعطاءٌ، وابن جريج : أَنَّهُ رأى جيفةً مطروحةً على شطّ البحر، قال ابن جريج[(٨)](#foonote-٨) : جيفة حمارٍ، بساحل البحر وقال عطاءٌ : بحيرة طبريَّة ؛ فإذا مَدَّ البحر أكل منها دوابُّ البحر، وإذا جزر البحر، جاءت السِّباعُ وأَكلت، وإذا ذهب السباع، جاءت الطيورُ، فأكلت وطارت، فقال إبراهيم : ربِّ أَرِنِي كيف تجمعُ أجزاءَ الحيوانِ من بطون السباع، والطيور، ودوابِّ البحر ؟ فقيل : أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ ؟ قال : بلى، ولكن المطلُوبُ من السؤال[(٩)](#foonote-٩) أن يصير العلمُ الاستدلاليُّ ضروريًّا. 
الثاني : قال محمد بن إسحاق، والقاضي[(١٠)](#foonote-١٠) إِنَّ سببهُ أَنَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام في مناظرته مع النُّمروذ، لما قال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ  \[ البقرة : ٢٥٨ \] قال الملعون  أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ  \[ البقرة : ٢٥٨ \] فأطلق محبوساً، وقتل رجلاً، فقال إبراهيم ليس هذا بإحياءٍ وإماتة، وإنما الإِحياءُ، أن \[ الله \] يقصد إلى جسد ميِّت فيُحْييه. فقال له نمروذ : أَنتَ عانيته ؟ فلم يقدر أن يقول : نعم، فقال له نمروذ : قُل لربّك حتَّى يحيي، وإِلاَّ قتلتك، فسأل اللهَ تعالى ذلك. 
وقوله :" لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " يعني : بنجاتي من القتل، أو ليطمئِنَّ قلبي بقوة حُجَّتي، وإذا قيل لي : أنت عانيته ؟ فأقول : نعم، وأَنَّ عدولي منها إلى غيرها، ما كان بسبب ضعفِ تلك الحُجَّة، بل بسبب جهل \[ المستمع \]. 
الثالث : قال ابن عباسٍ، وسعيد بن جبير، والسديُّ : إِنَّ الله تعالى أوحى إليه إِنِّي متَّخذٌ بشراً خليلاً، فاستعظم إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك، وقال : إِلهي، ما علامةُ ذلك ؟ فقال تعالى : علامتُه : أَنْ يُحْيي الميِّت بدعائه فلمَّا عظُم مقام إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام في مقام العُبُودية وأداءِ الرسالة خطر بباله إنّي لعلِّي أكون ذلك الخليل فسأل إحياء الميت، فقال الله : أَوَ لَمْ تُؤْمِنُ ؟ قال : بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بأَنِّي خليلٌ لك[(١١)](#foonote-١١). 
الرابع : أنه عليه السلام إِنَّما سأل ذلك لقومه ؛ لأَنَّ أَتْبَاع الأَنبياءِ كانوا يُطالبونهم بأشياء : تارةً باطلةٌ وتارةً حقة، كقولهم لموسى  اجْعَلْ لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  \[ الأعراف : ١٣٨ \] فسأل إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك. والمقصودُ أَنْ يُشاهِدَه قومه فيزول الإنكارُ عنهم. 
الخامس : قال ابن الخطيب[(١٢)](#foonote-١٢) رحمه الله : إِنَّ الأمَّة لا يحتاجون إلى العلم بأَنَّ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام صادق في ادِّعاء الرسالة إلى معجزة تظهر عليه، فكذلك الرسولُ، عن وصول الملك إليه، وإِخباره بأَنَّ اللهَ بعثه رسولاً يحتاج إلى معجزة تظهرُ على يد ذلك الملك ؛ ليعلم الرسولُ أَنَّ ذلك الواصل ملكٌ لا شيطانٌ، فلا يبعد أَن يقال : إنه لمَّا جاء الملك إلى إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام وأخبره بأن اللهَ بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة، فقال  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  على أَنَّ الآتي ملكٌ كريمٌ لا شيطانٌ رجيمٌ. 
\[ قال ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) : وعلى قول المتكلمين طلب العلم الضروريِّ، لأَنَّ الاستدلاليَّ مما يتطرقُ إليه الشكوكُ، والشُّبهاتُ، ولعلَّه طالع في الصُّحف المتقدمة أَنَّ عيسى يُحيي الموْتَى بدعائه، ومعنى " لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " على أَني لستُ أَقَلَّ منزلةً من عيسى، أو أَنَّهُ سارع في الطَّاعة بذبح ولده، كأنه قال أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح، ففعلتُ، فأنا أسألُك أن تجعل غير ذي روح رُوحانيّاً ؛ ليطمئن قلبي بإجابتك، أو أَنَّ المعنى أَرِني كيف يكونُ الحشرُ يوم القيامة ؟ أَي : ليطمئِنَّ قلبي بهذا التشريف أو يكون قصَّة سماع الكلام، لا نفس الإِحياء \][(١٤)](#foonote-١٤). 
قال ابن الخطيب[(١٥)](#foonote-١٥) : وهاهنا سؤالٌ صعبٌ، وهو أنَّ الإنسان حال حصول العلم له إمَّا يكون مجوِّزاً لنقيضه أو لا. 
فإن جوَّز نقيضه بوجهٍ من الوجوه، فذلك ظنٌّ قويٌّ لا اعتقاد جازم، وإن لم يجوّز نقيضه بوجه من الوجوه، امتنع وقوع التفاوت في المعلوم. 
وهذا الإشكال إنما يتوجَّه إذا قلنا : المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أمَّا إذا قلنا : المقصود شيءٌ آخر، فالسؤال زائلٌ. 
روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قال : رَبِّ أَرِنِي كَ١ - ينظر: المشكل ١/١٠٩..
٢ - ينظر: القرطبي ٣/١٩٤..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٣..
٤ - تقدم برقم (٣٥٧)..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٨٩)..
٦ - ينظر: الكاتب لسيبويه ٢/٣٨٠..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٠٣..
٨ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٤٧..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٤٨٦-٤٨٧)..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٤..
١١ - تقدم..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٤..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٤-٣٥..
١٤ - سقط في ب..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٥-٣٦..

### الآية 2:261

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:261]

لمَّا بين تعالى أصل العلم بالمبدأ، والمعاد، وبيَّن دلائل صحَّتها، أتبع ذلك ببيان الشرائع، والأحكام، فبدأ ببيان التكليف، بالإنفاق. 
قال القاضي[(١)](#foonote-١) في كيفية النَّظم : إنه تعالى لمَّا أجمل قوله تعالى  مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  \[ البقرة : ٢٤٥ \] فصل بهذه الآية الكريمة تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلَّة على قدرته بالإحياء والإماتة، من حيث : لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب، لكان الإنفاق، وسائر الطاعات عبثاً فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق : قد عرفت أنِّي خلقتك، وأكملت نعمتي عليك، بالإحياء، والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال ؛ فإنه يجازي القليل بالكثير، ثمَّ ضرب لذلك الكثير مثلاً. 
وقال الأصم[(٢)](#foonote-٢) : إنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتجّ على الكلِّ بما يوجب تصديق النبي عليه الصَّلاة والسَّلام ؛ ليرغبوا بالمجاهدة بالنفس، والمال، في نصرته، وإعلاء شريعته. 
وقيل : لما بيَّن تعالى أنَّه وليُّ المؤمنين، وأن الكفَّار أولياؤهم الطاغوت، بيَّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله، وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.

### فصل في سبب نزول الآية


\[ روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفَّان، وعبد الرحمن بن عوف \][(٣)](#foonote-٣) رضي الله عنهما ؛ " وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حثَّ الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة " تَبُوك "، جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم، فقال : يا رسول الله، كان عندي ثمانية آلافٍ، فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلافٍ، وأربعة آلافٍ أقرضتها لربِّي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ[(٤)](#foonote-٤) " وقال عثمان : يا رسول الله، عليَّ جهاز من لا جهاز له ؛ فنزلت هذه فيهما. 
وروى البستي عن ابن عمر، قال :" لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي " ؛ فنزلت : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  \[ البقرة : ٢٤٥ \] قال صلى الله عليه وسلم :" رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي "، فنزلت  إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ  \[ الزمر : ١٠ \][(٥)](#foonote-٥). 
قوله " مَثَلُ " مبتدأُ، و " كَمَثَلِ حَبَّةٍ " خبره. ولا بدَّ من حذفٍ، حتى يصحَّ التشبيه ؛ لأنَّ الذين ينفقون لا يشبَّهون بنفس الحبة. 
واختلف في المحذوف، فقيل : من الأول، تقديره : ومثل منفق الذين، أو نفقة الذين. 
وقيل : من الثاني، تقديره : ومثل الذين ينفقون كزارع حبةٍ ؛ أو من الأول، والثاني باختلاف التقدير، أي : مثل الذين ينفقون، ونفقتهم كمثل حبَّةٍ وزارعها. 
وهذه الأوجه قد تقدَّم تقريرها محررةً عند قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ  \[ البقرة : ١٧١ \]. والقول بزيادة الكاف، أو " مِثْلَ " بعيدٌ جدّاً، فلا يلتفت إليه. 
والحبَّة : واحدة الحبِّ، وهو ما يزرع للاقتيات، وأكثر إطلاقه على البر، قال المتلمِّس :\[ البسيط \]
آلَيْتُ حَبَّ العِرَاقِ الدَّهْرَ أَطْعَمُهُ \*\*\* وَالحَبُّ يَأْكُلُهُ فِي الْقَرْيَةِ السُّوسُ[(٦)](#foonote-٦)
و " الحِبَّة " بالكسر : بذور البقل ممَّا لا يقتات به، و " الحُبَّة " بالضَّمِّ : الحُبُّ. 
والحُبُّ : المحبة، وكذلك " الحِبّ " بالكسر، والحِبُّ أيضاً : الحبيب، وحبة القلب سويداؤه، ويقال ثمرته، وهو ذاك. 
قوله : أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ  أي : أخرجت وهذه الجملة في محلِّ جرٍّ ؛ لأنها صفةٌ لحبة، كأن قيل : كمثل حبَّةٍ منبتةٍ. 
وأدغم تاء التأنيث[(٧)](#foonote-٧) في سين " سَبْع " أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشامٌ. وأظهر الباقون، والتاء تقارب السين، ولذلك أُبدلت منها ؛ قالوا : ناسٌ، وناتٌ، وأكياسٌ، وأكياتٌ ؛ قال :\[ الرجز \]
عَمْرو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرَارَ النَّاتِ \*\*\* لَيْسُوا بَأَجْيَادٍ وَلاَ أَكْيَاتِ[(٨)](#foonote-٨)
أي : شرار الناس، ولا أكياسِ. 
وجاء التَّمييز هنا على مثال مفاعل، وفي سورة يوسف مجموعاً بالألف والتَّاء، فقال الزمخشريُّ :" فإنْ قلتَ : هلاَّ قيل :" سَبْعَ سُنْبُلاَتٍ " على حقِّه من التمييز بجمع القلّة، كما قال : وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ  \[ يوسف : ٤٣ و٤٦ \]. قلت : هذا لما قدَّمت عند قوله : ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ  \[ البقرة : ٢٢٨ \] من وقوع أمثلة الجمع \[ متعاورةً \] مواقعها ". 
يعني : أنه من باب الاتساع، ووقوع أحد الجمعين موقع الآخر، وهذا الذي قاله ليس بمخلِّص، \[ ولا محَصِّلٍ \]، فلا بدَّ من ذكر قاعدةٍ مفيدة في ذلك. 
قال شهاب الدين - رحمه الله - : اعلم أن جمعي السَّلامة لا يميَّز بهما عددٌ إلا في موضعين :
أحدهما : ألا يكون لذلك المفرد جمعٌ سواه، نحو : سبع سموات، وسبع بقرات، وسبع سنبلات، وتسع آيات، وخمس صلوات، لأنَّ هذه الأشياء لم تجمع إلا جمع السلامة، فأمَّا قوله :\[ الطويل \]
. . . \*\*\*. . . فَوْقَ سَبْعِ سَمَائِيَا[(٩)](#foonote-٩)
فشاذٌ، منصوصٌ على قلَّته، فلا يلتفت إليه. 
والثاني : أن يعدل إليه لمجاورة غيره، كقوله : وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ  عدل من " سَنَابِلَ " إِلى " سُنْبُلاَتٍ " ؛ لأجل مجاورته " سَبْعَ بَقَرات "، ولذلك إذا لم توجد المجاورة، ميِّز بجمع التكسير دون جمع السلامة، وإن كان موجوداً نحو :" سَبْعِ طَرَائِق، وسَبْعِ لَيَالٍ " مع جواز : طريقات، وليلات. 
والحاصل أنَّ الاسم إذا كان له جمعان : جمع تصحيح، وجمع تكسيرٍ، فالتكسير إمَّا للقلة، أو للكثرة، فإن كان للكثرة : فإمَّا من باب مفاعل، أو من غيره، فإن كان من باب مفاعل، أُوثر على التصحيح، تقول : ثلاثة أحَامِدَ، وثَلاَثُ زَيَانِبَ، ويجوز قليلاً : أَحْمَدِينَ وَزَيْنَبَات. 
وإن كان من غير باب مفاعل : فإمَّا أن يكثر فيه من غير التصحيح، وغير جمع الكثرة، أو يقلَّ. 
فإن كان الأول : فلا يجوز التصحيح، ولا جمع الكثرة إلا قليلاً ؛ نحو : ثَلاثَةُ زُيُودٍ، وَثَلاثُ هُنُودٍ، وثَلاَثَةُ أَفْلُسٍ، ولا يجوز : ثلاثةُ زيْدِينَ، ولا ثَلاَثُ هِنْدَات، ولا ثَلاَثةُ فُلُوسٍ، إلاَّ قليلاً. 
وإن كان الثاني : أُوثر التصحيح وجمع الكثرة، نحو : ثلاثُ سُعَادَات، وثلاثة شُسُوع، وعلى قلّة يجوز : ثَلاثُ سَعَائد، وثلاثةُ أشْسُع. فإذا تقرَّر هذا، فقوله :" سَبْعَ سَنَابِلَ " جاء على المختار، وأمَّا قوله " سَبْعِ سُنْبُلاَتٍ " ؛ فلأجل المجاورة كما تقدَّم. 
وقيل : لمَّا كان الكلام - هاهنا - في تضعيف الأجر، ناسبها جمع الكثرة، وفي سورة يوسف ذكرت في سياق الكلام في سني الجدب ؛ فناسبها التقليل ؛ فجمعت جمع القلة. 
**والسُّنْبُلَةُ فيها قولان :**
أحدهما : أنَّ نونها أصليةٌ ؛ لقولهم :" سَنْبَلَ الزرعُ " أي : أخرج سنبله. 
والثاني : أنها زائدةٌ، وهذا هو المشهور ؛ لقولهم :" أَسْبَلَ الزرعُ "، فوزنها على الأول : فُعلُلَةٌ، وعلى الثاني : فُنْعُلَة، فعلى ما ثبت من حكاية اللُّغتين : سَنْبَلَ الزرعُ، وأسْبَلَ تكون من باب سَبِط وسِبَطْر. 
قال القرطبي[(١٠)](#foonote-١٠) : من أسْبَلَ الزرعُ : إذا صار فيه السُّنبل، كما يسترسل الستر بالإسبال وقيل : معناه : صار فيه حبٌّ مستورٌ، كما يستر الشيء بإسبال السَّتر عليه. 
قوله : فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ  هذا الجارُّ في محلِّ جر ؛ صفةً لسنابل، أو نصبٍ ؛ صفةً لسبع، نحو : رأيت سبع إماءٍ أحرارٍ، وأحراراً، وعلى كلا التقديرين فيتعلَّق بمحذوفٍ. 
**وفي رفع " مئة " وجهان :**
أحدهما : بالفاعلية بالجارِّ ؛ لأنه قد اعتمد إذ قد وقع صفةً. 
والثاني : أنها مبتدأٌ والجارُّ قبله خبره، والجملة صفةٌ، إمَّا في محلِّ جرٍّ، أو نصبٍ على حسب ما تقدَّم، إلاَّ أنَّ الوجه \[ الأول \] أولى ؛ لأنَّ الأصل الوصف بالمفردات، دون الجمل. ولا بدَّ من تقدير حذف ضميرٍ، أي : في كلِّ سنبلة منها، أي : من السنابل. 
والجمهور على رفع :" مِئَة " على ما تقدَّم، وقرئ[(١١)](#foonote-١١) : بنصبها. 
وجوَّز أبو البقاء[(١٢)](#foonote-١٢) في نصبها وجهين :
أحدهما : بإضمار فعلٍ، أي : أَنْبَتَتْ، أو أَخْرَجَتْ. 
والثاني : أنها بدلٌ من " سَبْعِ "، وردَّ بأنَّه لا يخلو : إمَّا أن يكون بدل \[ كلٍّ \] من كلٍّ، أو بدل بعضٍ من كلٍّ، أو بدل اشتمالٍ. 
فالأول : لا يصحُّ ؛ لأنَّ المائة ليست كلَّ السبع سنابل. 
والثاني : لا يصحُّ - أيضاً ؛ لعدم الضمير الراجع على المبدل منه، ولو سلِّم عدم اشتراط الضمير، فالمئة ليست بعض السبع ؛ لأنَّ المظروف ليس بعضاً للظرف، والسنبلة ظرفٌ للحبة، ألا ترى قوله : فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ  فجعل السُّنْبُلَة وعاءٌ للحَبِّ. 
والثالث - أيضاً - لا يصحُّ ؛ لعدم الضَّمير، وإن سُلِّم، فالمشتمل على " مِئَةِ حَبَّةٍ " هو سنبلة من سبع سنابل، إلا أن يقال إنَّ المشتمل على المشتمل على الشيء، هو مشتملٌ على ذلك الشيء، فالسنبلة مشتملةٌ على مائة والسنبلة مشتمل عليها سبع سنابل، فلزم أنَّ السبع مشتملةٌ على " مائة حبة ". 
وأسهل من هذا كلِّه أن يكون ثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي : حبَّ سَبْع سَنَابِلَ، فعلى هذا يكون " مِئَةُ حَبَّةٍ " بدل بعضٍ من كل. 
### فصل في المقصود بسبيل الله


معنى  يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ  يعني : دينه، قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصَّةً، وقيل : جمع أبواب الخير من الواجب والنَّفل. 
قال القرطبيُّ[(١٣)](#foonote-١٣) : شبَّه المتصدِّق بالزَّارع، وشبَّه البذر بالصدقة، فيعطيه بكل صدقةٍ له سبعمائة حسنة، ثمَّ قال  وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ  يعني على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزَّارع، إن كان حاذقاً في عمله فيكون البذر جيّداً، وتكون الأرض عامرةً يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحاً، والمال طيِّباً، ويضعه موضعه، فيصير الثواب أكثر. 
فإن قيل : لم نر سُنبُلَةً فيها مائة حبَّةٍ، فكيف ضرب المثل بها ؟
فالجواب[(١٤)](#foonote-١٤) : قال القفَّال : المقصود أنه لو علم طالب الزيادة والرِّبح أنَّه إذا بذر حبَّةً واحدةً، أخرجت له سبعمائة حبةٍ ما كان ينبغي له ترك ذلك، فكذلك ينبغي لطالب الآخرة والأجر عند الله ألاَّ يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة وسبعمائة، وإذا كان المراد منه هذا المعنى فسواء وجدت هذه السنبلة، أو لم توجد، فإنَّ المعنى حاصل مستقيم. وقيل : وجد ذلك في الدُّخن. 
 وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ . 
قيل : معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. 
وقيل يضاعف على هذا، ويزيد لمن يشاء، ما بين سبع إلى سبعين، إلى سبعمائة، إلى ما شاء الله من الأضعاف، مما لا يعلمه إلا الله تعالى.  وَاللهُ وَاسِعٌ  أي : القدرة على سبيل المجازاة على الجود، والإفضال عليهم بنية من ينفق ماله. 
فصل في الاستدلال بالآية ع١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٩..
٢ - ينظر: المصدر السابق..
٣ - سقط في ب..
٤ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٢٦٢) وعزاه للبزار وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة.
 وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٣٥-٣٦) وقال: رواه البزار من طريقين إحداهما متصلة عن أبي هريرة والأخرى عن أبي سلمة مرسلة قال: ولم نسمع أحدا أسنده من حديث عمر بن أبي سلمة إلا طالوت بن عباد، وفيه عمر بن أبي سلمة وثقه العجلي وأبو خيثمة وابن حبان وضعفه شعبة وغيره وبقية رجالهما ثقات..
٥ - أخرجه ابن حبان (١٦٤٨-موارد) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/٣٦) رقم (٤٢٨٠) من حديث ابن عمر.
 وذكره ابن كثير في "تفسيره" (١/٥٤٤) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وذكره أيضا السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣١٣) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه..
٦ - ينظر ديوانه ص ٩٥، وتخليص الشواهد ص ٥٠٧، والجنى الداني ص ٤٧٣، وخزانة الأدب ٦/٣٥١، وشرح التصريح ١/٣١٢، وشرح شواهد المغني ١/٢٩٤، والكتاب ١/٣٨، والمقاصد النحوية ٢/٥٤٨، وأوضح المسالك ٢/١٨٠، وشرح الأشموني ١/١٩٧، ومغني اللبيب ١/٩٩، والدر المصون ١/٦٣٣..
٧ - انظر: شرح الطيبة ٤/١٤١، والسبعة ١٢٠، وإتحاف ١/٤٥١..
٨ - البيت لعلباء بن أرقم ينظر الخصائص (٢/٥٣)، أمالي القالي ٢/٧١، الإنصاف (١١٩)، المفصل لابن يعيش١٠/٣٦، الدر المصون ١/٦٣٣..
٩ - تقدم برقم (٢٤٨)..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٩٧..
١١ - انظر: الشواذ ١٦، والمحرر الوجيز ١/٣٥٦، والبحر المحيط ٢/٣١٧، والدر المصون ١/٦٣٥..
١٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١١..
١٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/١٩٧..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٣٩..

### الآية 2:262

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:262]

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ  فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون مرفوعاً بالابتداء، وخبره الجملة من قوله تعالى : لهم أَجْرُهُم ، ولم يضمَّن المبتدأ هنا معنى الشَّرط، فلذلك لم تدخل الفاء في خبره، لأنَّ القصد بهذه الجملة تفسير الجملة التي قبلها ؛ لأنَّ الجملة قبلها أخرجت مخرج الشَّيء الثَّابت المفروغ منه، وهو تشبيه نفقتهم بالحبَّة المذكورة، فجاءت هذه الجملة كذلك، والخبر فيها أُخرج مخرج الثَّابت المستقرِّ غير المحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع \[ غيره \] ما قبله. 
والثاني : أنَّ " الَّذِينَ " خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي : هم الذين ينفقون، وفي قوله : لَّهُمْ أَجْرُهُمْ  على هذا وجهان :
أحدهما : أنَّها في محل نصبٍ على الحال. 
والثاني :- وهو الأولى - أن تكون مستأنفةٌ، لا محلَّ لها من الإعراب، كأنها جواب سائل قال : هل لهم أجرٌ ؟ وعطف ب " ثمّ " جَرْياً على الأغلب ؛ لأنَّ المتصدِّق لغير وجه الله لا يحصل منه المنُّ عقيب صدقته، ولا يؤذي على الفور، فجرى هذا على الغالب، وإن كان حكم المنِّ والأذى الواقعين عقيب الصّدقة كذلك. 
قال الزَّمخشريُّ : ومعنى " ثُمَّ " : إظهار التَّفاوت بين الإنفاق، وترك المنِّ والأذى، وأنَّ تركهما خبرٌ من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدُّخول فيه بقوله : ثُمَّ اسْتَقَامُواْ  \[ فصلت : ٣٠ \]، فجعلها للتَّراخي في الرُّتبة، لا في الزَّمان، وقد تكرَّر له ذلك غير مرَّةٍ. 
و " مَا " في قوله تعالى : مَا أَنْفَقُواُ  يجوز أن تكون موصولةً اسميّةً، فالعائد محذوفٌ، أي : ما أنفقوه، وأن تكون مصدريةً، فلا تحتاج إلى عائدٍ، أي : لا يتبعون إنفاقهم. ولا بدَّ من حذفٍ بعد " مَناً "، أي : مناً على المنفق عليه، ولا أذى له، فحذف للدّلالة عليه. 
والمنُّ : الاعتداد بالإحسان، وهو في الأصل : القطع، ولذلك يطلق على النِّعمة ؛ لأنَّ المنعم يقطع من ماله قطعةً للمنعم عليه. يقال : قد منَّ الله على فلان، إذا أنعم عليه، ولفلان عليَّ منَّةٌ، أي : نعمة ؛ وأنشد ابن الأنباريّ :\[ الطويل \]فَمُنِّي عَلَيْنَا بالسَّلاَمِ فَإِنَّمَا  كَلاَمُكِ يَاقُوتٌ وَدُرٌّ مُنَظَّمٌ[(١)](#foonote-١)ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - :" ما مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَمَنّ عَلَيْنَا في صُحْبَتِهِ، وَلاَ ذَات يَدِهِ مِنْ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ[(٢)](#foonote-٢) " يريد أكثر إنعاماً بماله، وأيضاً فالله تعالى يوصف بأنَّه منَّانٌ، أي : منعمٌ، و " المنّ " أيضاً النَّقص من الحقّ. قال تبارك وتعالى : وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ  \[ القلم : ٣ \] أي : غير مقطوع وغير ممنوع ؛ ومنه سمي الموت منوناً ؛ لأنه ينقص الحياة، ويقطعها، ومن هذا الباب : المنَّةُ المذمومة ؛ لأنَّها تنقص النّعمة، وتكدّرها، والعرب يمتدحون بترك المنّ بالنِّعمة قال قائلهم :\[ الرمل \]زَادَ مَعْرُوفُكَ عِنْدِي عِظَماً  أَنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حَقِيرْتَتَنَاسَاهُ كَأَنْ لَمْ تَأْتِهِ  وَهْوَ في العَالَمِ مَشْهُودٌ كَثِيرْ[(٣)](#foonote-٣)والمنُّ : الذي يوزن به، ويقال في هذا :" مَنَا " مثل : عَصَا. وتقدَّم اشتقاق الأذى. 
و " مَنّاً " مفعولٌ ثانٍ، و " لاَ أَذًى عطفٌ عليه، وأبعد من جعل " وَلاَ أَذًى " مستأنفاً، فجعله من صفات المتصدِّق، كأنَّ قال : الذين ينفقون، ولا يتأذَّون بالإِنفاق، فيكون " أَذى " اسم لا، وخبرها محذوفٌ، أي : ولا أذًى حاصل لهم، فهي جملةٌ منفيةٌ في معنى النَّهي. 
قال شهاب الدِّين : وهذا تكلُّفٌ، وحقُّ هذا القائل أن يقرأ " وَلاَ أَذَى " بالألف غير منوَّنٍ ؛ لأنَّه مبنيٌّ على الفتح على مشهور مذهب النُّحاة. 
### فصل في سبب النزول


قال الكلبيُّ[(٤)](#foonote-٤) : نزلت في عثمان بن عفَّان، وعبد الرَّحمن بن عوف. 
أمَّا عثمان فجهّز جيش العسرة في غزوة " تبوك "، بألف بعيرٍ بأقتابها، وأحلاسها، وألف دينارٍ. 
 " قال عبد الرَّحمن بن سمرة : جاء عثمان بألف دينارٍ في جيش العسرة، فصبّها في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيها يده الكريمة ويقلبها، ويقول :" مَا ضَرَّ ابْنَ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْم ". وقال " يَا رَبِّ ؛ عُثْمَانُ رَضِيتُ عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ[(٥)](#foonote-٥) " فنزلت هذه الآية الكريمة. 
 " وأمَّا عبد الرحمن بن عوفٍ، فإنَّه جاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كانت عندي ثمانية آلاف، فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلافٍ أقرضتها ربّي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ، وفِيمَا أَعْطَيْتَ[(٦)](#foonote-٦) " فنزلت الآية. وقال بعض المفسِّرين[(٧)](#foonote-٧) : إن الآية المتقدِّمة مختصّة فيمن أنفق على نفسه وهذه الآية الكريمة فيمن أنفق على غيره، فبين تعالى أنَّ الإنفاق على الغير، يوجب الثَّواب المذكور في الآية المتقدِّمة، إذا لم يتبعه " مَنّ "، " ولا أَذًى " قال القفَّال[(٨)](#foonote-٨) : وقد يحتمل أن يكون هذا الشَّرط معتبراً أيضاً فيمن أنفق على نفسه كمن ينفق على نفسه في الجهاد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، ولا يؤذي أحداً من المؤمنين، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تمَّ هذا الأمر، ويقول لغيره : أنت ضعيفٌ لا منفعة بك في الجهاد. 
وقال بعضهم :" فِي سبيلِ "، أي : طاعة الله - تعالى - ؛ ولا يمنّ بعطائه، ولا يعدّ عليه نعمه، فيكدرها عليه ولا يؤذيه بأن يعيره، فيقول : إلى كم تسأل، وكم تؤذيني ؟ وقيل : الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه. 
وقال سفيان :" مَنّاً وَلاَ أَذًى " : هو أن يقول : قد أعطيتك، فما شكرت[(٩)](#foonote-٩). قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان أبي يقول : إذا أعطيت رجلاً شيئاً، ورأيت أنَّ سلامك يثقل عليه، فكف سلامك عنه، فحظر الله على عباده المنَّ بالصَّنيعة[(١٠)](#foonote-١٠)، واختصّ به صفةً لنفسه ؛ لأنَّه من العباد تعييرٌ وتكديرٌ، ومن الله إفضال، وتذكير، وإنَّما كان المنُّ، والأذى مذموماً، لأنَّ الفقير الآخذ للصَّدقة منكسر القلب، لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطي، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك : إظهار ذلك الإنعام، زاد ذلك في انكسار قلبه، فيكون في حكم المضرَّة بعد المنفعة، وينفِّر أهل الحاجة عن الرَّغبة في صدقته[(١١)](#foonote-١١) إذا اشتهر بتلك الطَّريقة، وأمَّا " الأذَى "، فمنهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين، وليس بظاهرٍ، بل اختصاصه بما تقدَّم من أذى الفقير أولى. 
فإن قيل : ظاهر اللَّفظ : أنَّ مجموع المنّ، والأذى يبطلان الأجر، فيلزم منه أنَّه لو وجد أحدهما دون الآخر، لا يبطل الأجر. 
قلنا : بل الشَّرط ألاَّ يوجد واحدٌ منهما ؛ لأن قوله : لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى  يقتضي ألاَّ يقع منه، لا هذا، ولا ذاك. 
### فصل في دفع شبهة للمعتزلة


قالت المعتزلة : الآية الكريمة دلَّت على أنَّ الكبائر تحبط ثواب فاعلها ؛ وذلك لأنَّ الله - تعالى - بين أنَّ هذا الثَّواب إنَّما يبقى إذا لم يوجد المنّ والأذى ؛ لأنَّه لو ثبت مع فقدهما، ومع وجودهما ؛ لم يكن لهذا الاشتراط فائدة[(١٢)](#foonote-١٢). 
وأُجيبوا بأنَّ المراد منها أنَّ حصول المنّ والأذى يخرجان الإنفاق عن أن يكون فيه أجر وثواب أصلاً من حيث يدلاَّن على أنَّه إنَّما أنفق لكي يمنّ، ولم ينفق[(١٣)](#foonote-١٣)، لطلب رضوان الله، ولا على وجه القربة والعبادة، فلا جرم، بطل الأجر. 
### فصل في دفع شبهة للمعتزلة


احتجَّت المعتزلة بقوله تعالى : لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ  على أنَّ العمل موجبٌ للأجر على الله - تعالى -. 
وأجيبوا بأنَّ حصول الأجر بسبب الوعد، لا بسبب نفس العمل ؛ لأن العمل واجبٌ على العبد، وأداء الواجب لا يوجب الأجر. 
### فصل


وأجمعت الأمَّة على أنَّ قوله : لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ  مشروطٌ بعدم الكفر، وذلك يدلُّ على جواز التَّكلُّم بالعام لإرادة الخاصّ، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللَّفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التَّمسُّك بالعمومات على القطع بالوعيد. 
قوله : وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  فيه قولان :
أحدهما : أنَّ إنفاقهم في سبيل الله، لا يضيع، بل يجدونه يوم القيامة، فلا يخافون فقده " وَلاَ يَحْزَنُونَ " بسبب ألاَّ يوجد، ونظيره  وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً  \[ طه : ١١٢ \]. 
الثاني : أنهم يوم القيامة، لا يخافون العذاب البتة، ونظير  وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ  \[ النمل : ٨٩ \] وقال  لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ  \[ الأنبياء : ١٠٣ \]. 
١ - ينظر: الرازي ٧/٤١..
٢ - ذكره الرازي في "تفسيره" (٧/٤١)..
٣ - ينظر: الرازي (٧/٤١)..
٤ - ينظر: تفسير البغوي (١/٢٤٩)..
٥ - أخرجه الترمذي (٥/٥٨٥) رقم (٣٧٠١) والحاكم (٣/١٠٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٢١٠) عن عبد الرحمن بن سمرة.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
 وأخرجه الترمذي (٥/٥٨٤) رقم (٣٧٠٠) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٢١٤-٢١٥) من حديث عبد الرحمن بن خباب.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه..
٦ - تقدم..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٠..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٠..
٩ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥٠..
١٠ - في ب: بالنفقة بما..
١١ - في ب: رغبته..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٢..
١٣ - في ب: إنما أنفق..

### الآية 2:263

> ﻿۞ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [2:263]

في قوله : مَّعْرُوفٌ  ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنه مبتدأٌ، وساغ الابتداء بالنَّكرة لوصفها، وللعطف عليها. و " مَغْفِرةٌ " عطفٌ عليه، وسوَّغ الابتداء بها العطف، أو الصِّفة المقدَّرة، إذ التَّقدير : ومغفرةٌ من السَّائل، أو من الله. و " خَيْرٌ " خبرٌ عنهما. وقال أبو البقاء[(١)](#foonote-١) في هذا الوجه :" والتَّقدير : وسبب مغفرة، لأنَّ المغفرة من الله تعالى، فلا تفاضل بينهما، وبين فعل العبد، ويجوز أن تكون المغفرة : مجاوزة المتصدّق، واحتماله للفقير، فلا يكون فيه حذف مضافٍ ". 
الثاني : أنَّ  قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ  مبتدأٌ وخبره محذوفٌ، أي : أمثل، أو أولى بكم، و " مَغْفِرَةٌ " مبتدأٌ، و " خَيْرٌ " خبرها، فهما جملتان، ذكره المهدوي وغيره. قال ابن عطيَّة :" وهذا ذهابٌ برونق المعنى ". 
والثالث : أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ تقديره : المأمور به قولٌ معروفٌ. 
وقوله : يَتْبَعُهَا أَذًى  في محلِّ جرِّ صفةً لصدقةٍ، فإن قيل لم يعد ذكر المنِّ فيقول : يتبعها منٌّ، وأذى. فالجواب ؛ لأنَّ الأذى يشمل المنَّ، وغيره، وإنَّما نصَّ عليه في قوله : لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى  \[ البقرة : ٢٦٢ \] لكثرة وقوعه من المتصدِّقين، وعسر تحفُّظهم منه، ولذلك قدِّم على الأذى.

### فصل


القول المعروف : هو القول الذي تقبله القلوب، والمراد منه هنا : ردُّ السَّائل بطريقٍ حسنٍ. 
وقال عطاءٌ : عِدَةٌ حسنة[(٢)](#foonote-٢). 
وقال القرطبيُّ : وروي من حديث عمر - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" إِذَا سأَلَ السَّائِلُ فَلاَ تَقْطَعُوا عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ رُدّوا عليه بِوَقَارٍ، وَلِينٍ، أو ببذل يَسِيرٍ، أوْ رَدٍّ جميلٍ، فقد يأْتِيكُم مَنْ لَيْسَ بإِنْسٍ ولا جَانّ يَنْظُرُونَ صَنِيعَكُم فيما خَوَّلَكُمُ اللهُ تعالى[(٣)](#foonote-٣) ". 
وأمَّا المغفرة فقيل : هي العفو عن بذاءة الفقير، والصَّفح عن إساءته فإنه إذا ردَّ بغير مقصوده ؛ شقَّ عليه ذلك، فربَّما حمله ذلك على بذاءة اللِّسان. 
وقيل المراد ونيل مغفرةٍ من الله بسبب ذلك الردّ الجميل. 
وقال الضَّحَّاك : نزلت في إصلاح ذات البين[(٤)](#foonote-٤). 
وقيل المراد : أن يستر حاجة الفقير، فلا يهتك ستره، ولا يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله. 
وقيل : إن قوله  قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ  خطابٌ مع المسؤول بأن يردّ السَّائل بأحسن الطُّرق. 
وقوله " مَغْفِرَةٌ " : خطابٌ مع السَّائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرَّدِّ، فإنَّه ربَّما لم يقدر على ذلك المطلوب في تلك الحالة، ثمَّ بيَّن تعالى أنَّ فعل الرَّجل لهذين الأمرين خير له من صدقةٍ يتبعها أذى ؛ لأنَّه إذا أعطى، وأَتْبع الإعطاء بالأذى، فقد جمع بين النفقة والإضرار. 
وأمَّا القول المعروف، فقيه نفعٌ بلا ضررٍ ؛ لأنَّه يتضمَّن إيصال السُّرور إلى قلب المسلم، فكان خيراً من الأوَّل. 
قال بعضهم : الآية الكريمة واردة في التَّطوُّع ؛ لأنَّ الواجب لا يحلُّ منعه ولا ردّ السّائل منه، ويحتمل أن يراد به الواجب، فإنَّه قد يعدِل به عن سائلٍ إلى سائلٍ، وعن فقيرٍ إلى فقيرٍ. ثم قال : وَاللهُ غَنِيٌّ  عن صدقة العباد، وإنما أمركم بها ليثيبكم عليها  حَلِيمٌ  لم يتعجَّل بالعُقُوبة على من يمنّ، ويؤذي بصدقته. 
١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٢..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٣..
٣ - ذكره القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (٣/٢٠١) فقال: روي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره..
٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥٠..

### الآية 2:264

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [2:264]

اعلم أنَّه تعالى، لما ذكر هذين النَّوعين من الإنفاق ضرب واحداً منهما مثلاً. 
قوله :" كَالَّذِي " الكاف في محلِّ نصبٍ، فقيل : نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي : لا تبطلوها إبطالاً كإبطال الذي ينفق رئاء النَّاس. وقي : في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير المصدر المقدَّر كما هو رأي سيبويه[(١)](#foonote-١)، وقيل : حالٌ من فاعل " تُبْطِلُوا "، أي : لا تبطلوها مشبهين الذي ينفق ماله رياء النَّاس. 
**و " رِئَاءَ " فيه ثلاثة أوجهٍ :**
أحدها : أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ تقديره : إنفاقاً رئاء النَّاس، كذا ذكره مكي[(٢)](#foonote-٢). 
والثاني : أنه مفعول من أجله، أي : لأجل رئاء النَّاس، واستكمل شروط النَّصب. 
الثالث : أنه في محلِّ حالٍ، أي : ينفق مرائياً. 
والمصدر هنا مضافٌ للمفعول، وهو " النَّاس "، ورئاء مصدر راءى كقاتل قتالاً، والأصل :" رِئايا " فالهمزة الأولى عين الكلمة، والثانية بدلٌ من ياءٍ هي لام الكلمة، لأنها وقعت طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ. والمفاعلة في " راءَى " على بابها، لأنَّ المرائي يري النَّاس أعماله ؛ حتى يروه الثَّناء عليه، والتَّعظيم له. وقرأ[(٣)](#foonote-٣) طلحة - ويروى عن عاصم - :" رِيَاء " بإبدال الهمزة الأولى ياء، وهو قياس الهمزة تخفيفاً ؛ لأنَّها مفتوحةٌ بعد كسرةٍ. 
قوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ  مبتدأٌ وخبرٌ، ودخلت الفاء، قال أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) :" لتربط الجُمْلَة بِمَا قَبْلَهَا " كما تقدَّم، والهاء في " فَمَثَلُهُ " فيها قولان :
أظهرهما : أنها تعود على " الَّذي يُنْفِقُ رِئَاءَ النَّاسِ " ؛ لأنَّه أقرب مذكورٍ فيكون المعنى أنَّ الله شبّه المانَّ المؤذي بالمنافق، ثم شبَّه المنافق بالحجر. 
والثاني : أنها تعود على المانِّ المؤذي، كأنه تعالى شبَّهه بشيئين : بالذي ينفق رئاء وبصفوان عليه ترابٌ، فيكون قد عدل من خطاب إلى غيبة، ومن جمع إلى إفراد. 
والصَّفوان : حجرٌ كبيرٌ أملس، وفيه لغتان :
أشهرهما سكون الفاء، والثانية فتحها، وبها قرأ ابن المسيّب والزُّهريُّ، وهي شاذَّةٌ ؛ لأنَّ " فَعَلان " إنَّما يكون في المصادر نحو : النَّزوان، والغليان، والصفات نحو : رجلٌ طغيان وتيس عدوان، وأمَّا في الأسماء فقليلٌ جداً. واختلف في " صَفْوَان " فقيل : هو جمعٌ مفرده : صفا، قال أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥) :" وجَمْعُ " فَعَلَ " على " فَعْلاَن " قليلٌ ". وقيل : هو اسم جنس. 
قال أبو البقاء[(٦)](#foonote-٦) :" وهو الأجود، ولذلك عاد الضَّمير عليه مفرداً في قوله : عَلَيْه ". 
وقيل : هو مفردٌ، واحده " صُفيٌّ " قاله الكسائي، وأنكره المبرَّد. قال :" لأنَّ صُفيّاً جمع صفا نحو : عصيّ في عصا، وقُفِيّ في قَفَا ". ونقل عن الكسائي أيضاً أنه قال :" صَفْوان مفردٌ، ويجمع على صِفوان بالكسر ". 
قال النَّحاس[(٧)](#foonote-٧) :" ويجوز أن يكون المكسور الصَّاد واحداً أيضاً، وما قاله الكسائيُّ غير صحيح، بل صفوان - يعني بالكسر - جمعٌ لصفا ك " وَرَل " وَوِرْلان، وأخ وإخوان وكرى وكروان ". 
وحكى أبو عبيدٍ عن الأصمعي أن الصَّفوان، والصَّفا، والصَّفو واحد والكلُّ مقصورٌ. 
وقال بعضهم[(٨)](#foonote-٨) : الصَّفوان : جمع صفوانة، كمرجانٍ ومرجانةٍ وسعدان، وسعدانة. 
وقال بعضهم[(٩)](#foonote-٩) : الصَّفوان : هو الحجر الأملس، وهو واحدٌ وجمعٌ. 
و  عَلَيْهِ تُرَابٌ  : يجوز أن يكون جملةً من مبتدأ، وخبرٍ، وقعت صفةً لصفوان، ويجوز أن يكون " عَلَيْه " وحده صفةً له، و " تُرَابٌ " فاعلٌ به، وهو أولى لما تقدَّم عند قوله  فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ ماِئَةُ حَبَّةٍ . \[ البقرة : ٢٦١ \]. والتُّراب معروفٌ وهو اسم جنسٍ، لا يثنَّى، ولا يجمع. 
وقال المبرِّد : وهو جمع واحدته " ترابة ". وذكر النَّحَّاس له خمسة عشر اسماً : ترابٌ وتَوْرَبٌ، وتَوْرَابٌ، وتَيْرَابٌ وإِثْلَب وأَثْلَب وَكَثْكَثٌ وَكِثْكِثٌ ودَقْعَمٌ وَدَقْعَاءُ ورَغام بفتح الراء، ومنه : أرغم الله أنفه أي : ألصقه بالرَّغام وبَرى، وقرى بالفتح مقصوراً \[ كالعصا وكملح وعثير \][(١٠)](#foonote-١٠) وزاد غيره تربة وصعيد. 
ويقال : ترب الرَّجل : افتقر. ومنه : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ  \[ البلد : ١٦ \] كأنَّ جلده لصق به لفقره، وأترب، أي : استغنى، كأنَّ الهمزة للسَّلب، أو صار ماله كالتُّراب. 
قوله :" فَأَصَابَهُ " عطفٌ على الفعل الذي تعلَّق به قوله :" عَلَيْهِ "، أي : استقرَّ عليه ترابٌ، فأصابه. والضَّمير يعود على الصَّفوان، وقيل : على التُّراب. وأمَّا الضَّمير في " فَتَرَكَهُ " فعلى الصفوان فقط. وألف " أصَابَه " من واوٍ ؛ لأنه من صاب يصوب. 
والوابل : المطر الشَّديد، وبلت السَّماء تبل، والأرض موبولة، ويقال أيضاً : أوبل، فهو موبل، فيكون ممَّا اتفق فيه فعل، وأفعل، وهو من الصِّفات الغالبة كالأبطح، فلا يحتاج معه إلى ذكر موصوفٍ. قال النَّضر بن شميلٍ :
أولُ ما يَكُونُ المَطَرُ رَشاً، ثم طشاً، ثم طَلاًّ، ورَذاذاً، ثم نضحاً، وهو قطرٌ بين قطرين، ثم هطلاً وتهتاناً، ثم وابلاً وجوداً. والوبيل : الوخيم، والوبيلة : حزمة الحطب، ومنه قيل للغليظة : وبيلةٌ على التَّشبيه بالحزمة. 
قوله : فَتَرَكَهُ صَلْداً  كقوله تعالى : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ  \[ البقرة : ١٧ \]. والصَّلد : الأجرد الأملس، ومنه :" صَلَدَ جبينُ الأصْلَعِ " : أي برق، والصَّلد أيضاً صفة، يقال : صلد بكسر اللام يصلد بفتحها، فهو صلد. قال النَّقَّاش :" الصَّلْدُ بلغة هُذَيل ". وقال أبان بن تغلب :" الصَّلْد : اللَّيِّن من الحجارة " وقال علي بن عيسى :" هو من الحجارة ما لا خير فيه، وكذلك من الأرضين وغيرها، ومنه :" قِدْرٌ صَلُود " أي : بطيئة الغَلَيان "، وصلد الزّند : إذا لم يورد ناراً. 
قوله : لاَّ يَقْدِرُونَ  في هذه الجملة قولان :
أحدهما : أنها استئنافية فلا موضع لها من الإعراب. 
والثاني : أنها في محلِّ نصب على الحال من " الَّذِي " في قوله : كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ ، وإنما جمع الضَّمير حملاً على المعنى، لأنَّ المراد بالذي الجنس، فلذلك جاز الحمل على لفظه مرَّةً في قوله :" مَالَهُ " و " لاَ يُؤْمِنُ "، " فمثلُه " وعلى معناه أخرى. وصار هذا نظير قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً  \[ البقرة : ١٧ \] ثم قال : بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ  \[ البقرة : ١٧ \]، وقد تقدَّم. 
وزعم ابن عطيَّة أنَّ مهيع كلام العرب الحمل على اللَّفظ أولاً، ثم المعنى ثانياً، وأنَّ العكس قبيحٌ، وتقدَّم الكلام معه في ذلك. وقيل : الضَّمير في " يَقْدِرُونَ " عائدٌ على المخاطبين بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم  ويكون من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وفيه بعدٌ. 
وقيل : يعود على ما يفهم من السِّياق، أي : لا يقدر المانُّون، ولا المؤذون على شيءٍ من نفع صدقاتهم. وسمَّى الصّدقة كسباً. 
قال أبو البقاء[(١١)](#foonote-١١) :" وَلا يَجُوزُ أن يَكُونَ " لاَ يَقْدِرُونَ " حالاً من " الَّذِي " ؛ لأنه قد فصل بينهما بقوله :" فَمَثَلُه " وما بعده ". ولا يلزم ذلك ؛ لأنَّ هذا الفصل فيه تأكيدٌ، وهو كالاعتراض ".

### فصل


قال القاضي : إنه تبارك وتعالى أكَّد النَّهي عن إبطال الصَّدقة بالمنّ، والأذى، وأزال كلّ شبهة للمرجئة، وبيَّن أنَّ المنَّ والأذى يبطلان الصَّدقة، ومعلومٌ أنَّ الصَّدقة قد وقعت، فلا يصحُّ أن تبطل، فالمراد إبطال أجرها، لأنَّ الأجر لم يحصل بعد، وهو مستقبل، فيصحُّ إبطاله بما يأتيه من المنّ والأذى. 
واعلم أنَّه تعالى ضرب لكيفية إبطال الصَّدقة بالمنّ والأذى مثلين، فمثله أوَّلاً : بمن ينفق ماله رئاء النَّاس، وهو مع ذلك لا يؤمن بالله، واليوم الآخر، لأنَّ بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر، أظهر من بطلان أجر صدقة من يُتْبعها بالمنّ، والأذى. ثم مثَّله ثانياً : ب " الصَّفْوَانِ " الذي وقع عليه تُرابٌ، وغبارٌ، ثم أصابه المطر القويُّ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتّى يصير كأنه لم يكن عليه غبار أصلاً، فالكافر كالصَّفوان، والتُّراب مثل ذلك الإنفاق، والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر، وكالمنّ والأذى اللَّذين يحبطان عمل هذا المنفق. 
قال : فكما أنَّ الوابل أزال التُّراب الذي وقع على الصَّفوان، فكذلك المنّ والأذى، وجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريحٌ في القول بالإحباط. 
قال الجبَّائيُّ[(١٢)](#foonote-١٢) : وكما دلّ هذا النَّص على صحَّة قولنا فالعقل دلَّ عليه أيضاً ؛ لأن من أطاع، فلو استحقّ ثواب طاعته، وعقاب معصيته لوجب أن يستحقّ النّقيضين[(١٣)](#foonote-١٣) ؛ لأنَّ شرط الثَّواب أن يكون منفعة خالصةً دائمةً مقرونةً بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرةً خالصةً دائمةً مقرونةً بالإهانة فلو لم تقع المحابطة، لحصل استحقاق النّقيضين وذلك محال، ولأنَّه حين يعاقبه، فقد منعه الإثابة، ومنع الإثابة ظلمٌ، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنَّه حقّه، وأن يكون ظلماً من حيث إنَّه منع الإثابة، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادلٌ فيه ؛ وذلك محال، فصحّ بهذا النَّصّ ودلالة العقل صحّة قولنا في الإحباط والتَّكفير. 
وأجيبوا بأنه ليس المراد بقوله " لاَ تُبْطِلُوا " النَّهي عن إزالة هذا الثَّواب بعد ثبوته، بل المراد به ألاَّ يأتي بهذا العمل باطلاً ؛ لأنَّه إذا قصد به غير وجه الله تعالى، فقد أتى به من الابتداء موصوفاً بالبطلان. 
قال ابن الخطيب[(١٤)](#foonote-١٤) : ويدلّ على بطلان قول المعتزلة وجوه :
أولها : أنَّ الباقي والطّارئ إن لم يكن بينهما منافاة، لم يلزم من طَرَيَانِ الطَّارئ زوال الباقي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن زوال الباقي أولى من اندفاع الطَّارئ، بل ربَّما كان اندفاع الطَّارئ، أولى ؛ لأن الدفع أسهل من الرفع[(١٥)](#foonote-١٥). 
وثانيها : أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي، وهو محال ؛ لأنَّ الماضي قد انقضى، ولم يبق في الحال، وإعدام المعدوم محالٌ، وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال ؛ لأنَّ الموجود في الحال، لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محالٌ، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محالٌ، لأنَّ الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال، وإعدام ما لم يوجد بعد محال. 
وثالثها : أنَّ شرط طريان الطَّارئ، زوال الباقي، فلو جعلنا زوال النافي معلّلاً بطريان الطَّارئ، لزم الدَّور، وهو محالٌ. 
ورابعها : أنَّ الطَّارئ إذا طرأ وأعدم الثَّواب السَّابق، فالثَّواب السَّابق إمَّا أن يعدم من هذا الطَّارئ شيئاً، أو لا يعدم منه شيئاً، والأول هو الموازنة، وهو قول أبي هاشم[(١٦)](#foonote-١٦)، وهو باطلٌ، وذلك لأنَّ الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو حصل العدمان معاً اللَّذان هما معلومان، لزم حصول الموجودين اللَّذين هما علَّتان، فيلزم أن يكون كلّ واحد منهما موجوداً حال كون كلّ واحد منهما معدوماً وهو محالٌ. 
والثاني، وهو قول أبي علي ا١ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١١٦..
٢ - ينظر: المشكل ١/١٠٣..
٣ - وقرأ بها علي كما في الشواذ ١٦، وانظر: المحرر الوجيز ١/٣٥٨، والبحر المحيط ٢/٣٢١، والدر المصون ١/٦٣٧، وإتحاف ١/٤٥٢ وفيه نسبها إلى أبي جعفر..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٢..
٥ - ينظر: المصدر السابق..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - ينظر: إعراب القرآن للنحاس ١/٢٨٧..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٧..
٩ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥١..
١٠ - في ب: كالقضاه وكملح وغيره..
١١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٢..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٤..
١٣ - في ب: النقيضان..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٤..
١٥ - وهذه قاعدة من قواعد الشرع ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر ص ١٤٨ وقال: ولهذا الماء المستعمل، إذا بلغ قلتين، في عوده طهورا وجهان. ولو استعمل القلتين ابتداء، لم يصر مستعملا، بلا خلاف.
 والفرق أن الكثرة في الابتداء دافعة، وفي الأثناء رافعة؛ والدفع أقوى من الرفع.
 ومن ذلك: للزوج منع زوجته من حج الفرض، ولو شرعت فيه بغير إذنه؛ ففي جواز تحليلها قولان. 
 ووجود الماء قبل الصلاة للمتيمم، يمنع الدخول فيها، وفي أثنائها لا يبطلها؛ حيث تسقط به.
 واختلاف الدين-المانع من النكاح- يدفعه ابتداء، ولا يرفعه في الأثناء بل يوقف على انقضاء العدة.
 والفسق: يمنع انعقاد الإمامة ابتداء، ولو عرض في الأثناء لم ينعزل..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٤٥..

### الآية 2:265

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:265]

قوله : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ  كقوله " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كمثلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْع " في جميع التَّقادير فليُراجع. وقرأَ الجحدريُّ " كَمَثَلِ حَبَّةٍ " بالحاءِ المُهملة والباءِ. 
**في قوله :" ابْتِغَاءَ " وجهان :**
أحدهما : أَنَّهُ مفعولٌ من أجله، وشروطُ النَّصب متوفّرة. 
والثاني : أَنَّهُ حالٌ، و " تَثْبِيتاً " عطفٌ عليه بالاعتبارين، أي : لأجل الابتغاء والتَّثبيت، أو مُبتغين مُتَثَبِّتين. ومنع ابن عطيَّة أن يكون " ابتغاء " مفعولاً من أجله، قال :" لأَنَّهُ عَطَفَ عليه تَثْبِيتاً، وتثبيتاً لا يصحَّ أن يكونَ مفعولاً من أجله، \[ لأنَّ الإِنفاقَ لا يكُونُ لأجل التَّثبيتِ \]. وحَكَى عن مكي[(١)](#foonote-١) كونه مفعولاً من أجله \] قال :" وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا بَيَّنَّاهُ ". 
وهذا الَّذي رَدَّه لا بُدُّ فيه من تفصيلٍ، وذلك أَنَّ قوله تبارك وتعالى :" وَتَثْبِيتاً " إِمَّا أن يُجْعَل مصدراً متعدّياً، أو قاصراً، فإِنْ كان قاصراً، أو متعدّياً، وقدَّرنا المفعول هكذا :" وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنفُسهِم الثَّوابَ على تلك النَّفَقَة "، فيكُونُ تثبيتُ الثَّواب وتحصيله من اللهِ حاملاً لهم على النَّفقة، وحينئذٍ يصحُّ أَنْ يكونَ " تَثْبِيتاً " مفعولاً من أجلِهِ. 
وإن قدَّرنا المفعول غير ذلك، أي : وتَثْبِيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، أو جعلنا " مِنْ أَنْفُسِهِمْ " هو المفعول في المعنى، وأنَّ " مِنْ " بمعنى اللام، أي : لأنفسهم، كما تقول :" فَعَلْتُه كَسْراً مِنْ شَهوتي " فلا يتضحُ فيه أن يكون مفعولاً لأجله. 
وأبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) قد قدَّر المفعول المحذوف " أَعْمالَهم بإِخلاص النيةِ "، وجوَّز أيضاً أن يكونَ " مِنْ أنفسهم " مفعولاً، وأن تكونَ " مِنْ " بمعنى اللام، وقد كان قدَّم أولاً أنه يجوزُ فيهما المفعولُ من أجله، والحالية ؛ وهو غيرُ واضحٍ كما تقدَّم. 
وتلخَّص أنَّ في " من أنفسهم " قولين :
أحدهما : أنه مفعولٌ بالتجوُّز في الحرف. 
والثاني : أنه صفة ل " تثبيتاً "، فهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ، وتلخَّص أيضاً أن التثبيت يجوزُ أن يكونَ متعدّياً، وكيف يقدَّر مفعوله، وأَنْ يكونَ قاصراً. 
فإن قيل :" تَثْبِيتٌ " مصدر ثَبَّت ؛ وثَبَّت مُتَعدٍّ، فكيف يكون مصدرُه لازماً ؟
فالجواب : أَنَّ التثبيت مصدرُ تَثَبَّتَ، فهو واقعٌ موقعَ التثبُّتِ، والمصادرُ تنوبُ عن بعضها ؛ قال تعالى : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً  \[ المزمل : ٨ \] والأصل :" تَبتُّلاً " ويؤيِّد ذلك قراءة مجاهد[(٣)](#foonote-٣) " وَتَثَبُّتاً "، وإلى هذا نحا أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤). 
قال أبو حيان :" ورُدَّ هذا القول ؛ بأنَّ ذلك لا يكون إلا مع الإِفصاح بالفعلِ المتقدِّم على المصدرِ، نحو الآيةِ، وأمَّا أَنْ يُؤْتَى بالمصدرِ من غيرِ نيابةٍ على فعلٍ مذكورٍ، فلا يُحْمَلُ على غير فعله الذي هو له في الأصل "، ثم قال :" والذي نقولُ : إنَّ ثَبَتَ - يعني مُخفَّفاً - فعلٌ لازمٌ، معناه تمكَّن ورَسَخ، وثَبَّت مُعدًّى بالتضعيف، ومعناه مكَّنَ وحقَّق ؛ قال ابن رواحة :\[ البسيط \]

فَثَبَّتَ اللهُ مَا أَتَاكَ مِنْ حَسَنٍ  تَثْبِيتَ عِيسَى وَنَصْراً كَالَّذِي نُصِرُوا[(٥)](#foonote-٥)فإذا كان التثبيتُ مُسنداً إليهم، كانت " مِنْ " في موضع نصب متعلقةً بنفس المصدرِ، وتكونُ للتبعيض ؛ مثلُها في " هَزَّ من عِطْفِهِ "، و " حَرَّك مِنْ نشاطِه " وإن كان مُسْنداً في المعنى إلى أنفسهم، كانت " مِنْ " أيضاً في موضعِ نصبٍ ؛ صفة لتثبيتاً ". 
قال الزمخشريُّ :" فإنْ قُلْتَ : فما معنى التبعيضُ ؟ قلتُ : معناه أنَّ مَنْ بَذَلَ مالَه لوجه الله تعالى، فقد ثَبَّتَ بعض نفسه، ومَنْ بَذَلَ روحَه، وماله معاً، فقد ثَبَّت نفسَه كُلَّها ". قال أبو حيان :" والظاهرُ أنَّ نفسَه هي التي تُثَبِّته، وتَحْمِله على الإِنفاق في سبيل الله، ليس له مُحرِّكٌ إلا هي ؛ لما اعتقدته من الإِيمانِ والثواب " يعني : فيترجَّحُ أنَّ التثبيتَ مسندٌ في المعنى إلى أنفسهمِ. والابتغاءُ : افتعالٌ من بغيتُ، أي : طلبتُ، وسواءٌ قولك : بغيتُ، وابتغَيْتُ. 
### فصلٌ


معنى قوله : ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ ، أي : طلب رضي الله " وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ " قال قتادة : احتساباً[(٦)](#foonote-٦). 
وقال الشعبيُّ، والكلبيُّ : تصديقاً من أنفسهم[(٧)](#foonote-٧)، أي : يخرجون الزكاة طيبةً بها أنفسهم، على يقين الثواب، وتصديقٍ بوعد الله، ويعلمون أَنَّ ما أخرجوا خيرٌ لهم مما تركوا، وقيل : على يقينٍ بإِخلافِ الله عليهم. 
وقال عطاءٌ، ومُجاهدٌ : يتثبتون، أي : يضعونَ أَموالهُم[(٨)](#foonote-٨). 
قال الحسن : كان الرجل إذا همّ بصدقةٍ يتثبت، فإن كان لله، أَمضى، وإن كان يخالطه شكٌّ، أمسك[(٩)](#foonote-٩)، ثم إنه تعالى لمَّا بين أن غرضهم من الإنفاق هذان الأَمران، ضرب الإِنفاق مثلاً، فقال : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ . 
قال القرطبي[(١٠)](#foonote-١٠) : الجنة هي البستانُ، وهي قطعة أرض تَنْبُت فيها الأشجار، حتى تُغطيها، مأخوذةٌ من لفظِ الجنّ والجنين، لاستتارهم. 
قوله :" بِرَبْوَةٍ " في محلِّ جرٍّ ؛ لأنه صفةٌ لجنة. والباءُ ظرفيةٌ بمعنى " في "، أي : جنةٍ كائنةٍ في ربوةٍ. والربوةُ : أرضٌ مرتفعةٌ طيبةٌ، قاله الخليلُ. وهي مشتقةٌ من : رَبَا يَرْبُو، أي : ارتفَع، وتفسيرُ السدّيِّ لها بما انخفض من الأرض ليس بشيءٍ. ويقال : رَبْوةٌ ورَباوَةٌ، بتثليثِ الراءِ فيهما، ويُقال - أيضاً - : رابيةٌ، قال القائل :\[ الطويل \]وَغَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيِّ حُوِّ تلاَعُهُ  أَجَابَتْ رَوَابِيهِ النِّجَاءَ هَوَاطِلُهْ[(١١)](#foonote-١١)وقرأ[(١٢)](#foonote-١٢) ابن عامرٍ، وعاصم :" رَبْوَة " بالفتح، والباقون : بالضمِّ، قال الأخفشُ[(١٣)](#foonote-١٣) :" وَنَخْتَارُ الضمَّ ؛ لأنه لا يكاد يُسْمع في الجمع إلا الرُّبا " يعني فدلَّ ذلك على أن المفرد مضمومُ الفاءِ، نحو بُرمة، وبُرَم، وصورة، وصُوَر. وقرأ ابن عباسٍ[(١٤)](#foonote-١٤) :" رِبْوَة " بالكسر، \[ والأشهب \] العقيلي :" رِبَاوة "، مثل رسالة، وأبو جعفر :" رَبَاوة " مثل كراهة، وقد تقدَّم أنَّ هذه لغاتٌ. 
### فصلٌ


تقدم أَنَّ الربوة : هي المرتفع من الأَرض، ومنه الرابيةُ، لأن أجزاءها ارتفعت ومنه الرَّبو إذا أصابه نفسٌ في جوفه زائِدٌ، ومنه الرِّبا ؛ لأنه الزيادةُ قال المفسِّرون[(١٥)](#foonote-١٥) : إِن البُستان إذا كان في ربوةٍ من الأَرضِ، كان أحسنَ، وأكثر ريعاً. 
قال ابن الخطيب[(١٦)](#foonote-١٦) : وفيه إشكالٌ : وهو أن البُستان إذا كان في موضع مرتفع من الأَرض، فلا ترتفع إليه الأَنهارُ، وتضر به الرياحُ كثيراً ؛ فلا يحسنُ ريعه وإذا كان في وهدةٍ من الأرض، انصبت إليه مياه الأَنهار، ولا يصل إليه إثارة الرياح، فلا يحسن أيضاً ريعه فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوةً، ولا وهدةً فإذن ليس المرادُ من هذه الربوة، ما ذكروه، بل المراد منه كونُ الأَرضِ طيناً حُرّاً بحيث إذا نزل المطرُ عليها، انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت بهذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل أشجارها، ويؤيد هذا التأويل قوله تبارك وتعالى : وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ  \[ الحج : ٥ \] والمرادُ من ربوها ما ذكرنا، فكذا هاهنا. 
وأيضاً فإنه تبارك وتعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأَول، وهو الصَّفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمُو ؛ بسبب نزول المطر عليه، فكان المرادُ بالربوةِ في هذا المثل كون الأَرض بحيثُ تربُو، وتنمُو والله أعلم. 
قال ابن عطيَّة : ورياضُ الحزن ليست من هذا، كما زعم الطبريُّ ؛ بل تلك هي الرياضُ المنسوبةُ إلى نجد ؛ لأنها خيرٌ من رياض تهامة ونباتُ نجدٍ أَعطرُ، ونسيمهُ أبردُ وأرقُّ، ونجد يقال لها حزن وقلَّما يصلح هواء تهامة إلاَّ بالليل، ولذلك قالت الأَعرابية :" زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَة[(١٧)](#foonote-١٧) ". 
قوله : أَصَابَهَا وَابِلٌ  هذه الجملةُ فيها أربعةُ أوجهٍ :
أحدها : أنها صفةٌ ثانيةٌ لجنة، هنا بالوصفِ بالجارِّ والمجرور، ثم بالجملةِ ؛ لأنه الأكثرُ في لسانهم ؛ لقُرْبهِ من المفرد، وبُدئ بالوصفِ الثابتِ المستقرِّ وهو كونها بربوة، ثم بالعارض، وهو إصابةُ الوابل. وجاء قوله في وصفِ الصَّفوانِ بقوله :" عَلَيْهِ تُرَابٌ " ثم عطف على الصفةِ " فأَصابه وابلٌ " وهنا لم يعطفِ بل أَخرج صفةً. 
والثاني : أن تكونَ صفةً ل " رَبْوَة ". 
قال أبو البقاء[(١٨)](#foonote-١٨) :" لأنَّ الجنةَ بعضُ الرَّبْوَة " كأنه يعني أنه يلزمُ من وصفِ الربوة بالإِصابة، وصفُ الجنَّةِ به. 
الثالث : أن تكون حالاً من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ ؛ لوقوعهِ صفةً. 
الرابع : أن تكونَ حالاً من " جنة "، وجاز ذلك ؛ لأنَّ النكرة قد تخَصَّصت بالوصفِ. 
قوله : فَآتَتْ أُكُلَهَا  أي أعطت و " أكلها " فيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : وهو الأصحُّ أنَّ " آتَتْ " تتعدَّى لاثنين، حذف أولهما وهو " صاحبها "، أو " أهلها ". والذي حسَّن حذفه، أنَّ القصدَ الإِخبارُ عمَّا تُثْمِرُ، لا عمَّن تُثْمَرُ له ؛ ولأنه مقدرٌ في قوله :" كَمَثَلِ جَنَّةٍ " أي : غارس جَنَّةٍ، أو صاحب جنةٍ ؛ كما تقدَّم. و " أُكُلَها " هو المفعول الثاني. و " ضِعْفَيْن " نصبٌ على الحالِ من " أُكُلَها ". 
والثاني : أَنَّ " ضِعْفَيْن " هو المفعول الثاني، وهذا غَلَطٌ. 
والثالث : أنَّ " آتَتْ " هنا بمعنى أَخرجت، فهو متعدِّ لمفعولٍ واحدٍ. قال أبو البقاء[(١٩)](#foonote-١٩) :" لأنَّ معنى " آتَتْ " : أَخْرَجَتْ، وهو من الإِتاءِ، وهو الرَّيع ". قال أبو حيان[(٢٠)](#foonote-٢٠) :" لاَ نَعْلَم ذلك في لسان العرب ". ونسبةُ الإِتَاءِ إليها مجازٌ. 
وقرأ نافع[(٢١)](#foonote-٢١) وابن كثير وأبو عمرو " أُكْلَها " بضمِّ الهمزة، وسكونِ الكافِ، وهكذا كلُّ ما أُضيف من هذا إلى مؤنثٍ، إلاَّ أبا عمرو، فإنه يُثَقِّل ما أُضيف إلى غير ضمير، أو إلى ضمير المذكر، والباقون : بالتثقيل مطلقاً، وسيأتي إيضاحُ هذا كلّه. والأُكُلُ بالضم : الشيءُ المأكولُ والأَكلةُ في المعنى مثل الطّعمة ؛ وأنشد الأخفش :\[ الطويل \]فَمَا أَكْلَةٌ إِنْ نِلْتُهَا بغَنِيمَةٍ  وَلاَ جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُهَا بغرَامِ[(٢٢)](#foonote-٢٢)وقال أبو زيدٍ : يقال : إنه لذو أكلٍ، إذا كان له حظٌّ من الدنيا. وبالفتح مصدرٌ، وأُضيف إلى الجنَّةِ ؛ لأنها محلُّهُ أو سببهُ ومعنى " ضِعْفَيْنِ " أي : ضَعُفَتْ في الحملِ ؛ لأن ضعفَ الشيءِ مثله زائداً عليه، وقيل : ضِعفُ الشيء مِثْلاهُ. 
قال عطاءٌ : حملت في سنةٍ من الرَّيع ما يحملُ غيرها في سنتين[(٢٣)](#foonote-٢٣). 
وقال عكرمة : حملتْ في السنة مرَّتين[(٢٤)](#foonote-٢٤). 
وقال الأَصمُّ[(٢٥)](#foonote-٢٥) : ضِعْفَ ما يكونُ في غيرها. 
قوله : فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ . الفاءُ : جواب الشرطِ، ولا بُدَّ من حذفٍ بعدها ؛ لتكمل جملة الجواب. واختلف في ذلك على ثلاثة أوجه :
فذهب المبردُ إلى أنَّ المحذوف١ - ينظر: المشكل ١/١١٢..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٣..
٣ - انظر: البحر المحيط ٢/٣٢٣، والدر المصون ١/٦٣٩..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٣..
٥ - ينظر: ديوانه (٩٤)، والبحر المحيط ٢/٣٢٣، والدر المصون ١/٦٤٠..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٣٤) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٠١) وعزاه لابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان..
٧ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٣٢) عن عامر الشعبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٠١) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٣٢) وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (١/٦٠١) عن مجاهد..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٣٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٠١) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٠٤..
١١ - البيت لزهير: ينظر ديوانه (١٢٧)، البحر ٢/٣١٤، والدر المصون ١/٦٤٠..
١٢ - انظر: السبعة ١٩٠، والكشف ١/٣١٣، وحجة القراءات ١٤٦، والعنوان ٧٥، وشرح الطيبة ٤/١٢٠، وشرح شعلة ٢٩٧، وإعراب القراءات ١/٩٨، ٩٩، وإتحاف ١/٤٥٢..
١٣ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١٨٤..
١٤ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٥٩، والبحر المحيط ٢/٣٢٤، والدر المصون ١/٦٤٠..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٥٠..
١٦ - ينظر: المصدر السابق..
١٧ - ينظر: المحرر الوجيز ١/٣٥٩..
١٨ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٣..
١٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٣..
٢٠ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٢٤..
٢١ - انظر: السبعة ١٩٠، والكشف ١/٣١٣، والعنوان ٧٥، والحجة ٢/٣٩٤، وإعراب القراءات ١/١٠٠، وشرح شعلة ٢٩٧، وإتحاف ١/٤٥٢..
٢٢ - ينظر: الرازي ٧/٥٠..
٢٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٥١، والبغوي ١/٢٥٢..
٢٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥٢..
٢٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٥١..

### الآية 2:266

> ﻿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:266]

هذا مثالٌ آخر ذكره اللهُ تعالى في حقِّ من يُتبعُ إنفاقه بالمَنِّ والأَذَى، " الودُّ " : هو المحبةُ الكامِلةُ، والهمزةُ في " أَيَودُّ " للاستفهام، وهو بمعنى الإِنكارِ، وإنما قال :" أَيَوَدُّ "، ولم يقل أَيُرِيد ؛ لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبةُ التامةُ، ومعلومٌ أن محبةَ كُلِّ أحدٍ لعدم هذه الحالة محبةً كاملة، فلهذا ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت ؛ تنبيهاً على الإِنكار التَّام، والنفرةِ البالغةِ إلى الحد الذي لا مزيد فوقه. 
قوله تعالى : مِّن نَّخِيلٍ  في محلِّ رفعٍ ؛ صفةً لجنة، أي : كائنة من نخيل. و " نَخِيلٍ " فيه قولان :
أحدهما : أنه اسم جمع. 
والثاني : أنه جمع " نَخْل " الذي هو اسم الجنسِ، ونحوه : كلب وكَلِيب، قال الراغب :" سُمِّي بذلك ؛ لأنه منخولُ الأشجارِ، وصَفِيُّها ؛ لأنه أكرمُ ما يَنْبُتُ " وذكر له منافع وشبهاً من الآدميين. 
والأعنابُ : جمع عِنَبَة، ويقال :" عِنَباء " مثل " سِيرَاء " بالمدِّ، فلا ينصرفُ. وحيثُ جاء في القرآن ذكرُ هذين، فإنما يَنصُّ على النخلِ دون ثمرتها، وعلى ثمرةِ الكَرْم دون الكَرْم ؛ لأنَّ النخلَ كلَّه منافعُ، وأعظمُ منافِع الكَرْم ثَمرَتهُ دونَ باقيه. 
قوله : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا  هذه الجملة في محلِّها وجهان :
أحدهما : أنَّها في محلِّ رفعٍ ؛ صفةً لجنة. 
والثاني : أنها في محلِّ نصب، وفيه أيضاً وجهان، فقيل : على الحال من " جنَّة " ؛ لأنها قد وُصِفَتْ. وقيل : على أنها خبرُ \[ تكون \] نقله مكيّ. 
قوله : لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ  جملة من مبتدإٍ، وخبرٍ، فالخبر قوله :" لَهُ " و " مِنْ " كُلِّ الثَّمَراتِ " هو المبتدأُ، وذلك لا يستقيمُ على الظاهر، إذ المبتدأُ لا يكونُ جارّاً ومجروراً ؛ فلا بُدَّ من تأويله. واختلف في ذلك :
فقيل : المبتدأ في الحقيقة محذوفٌ، وهذا الجارُّ والمجرورُ صفةٌ قائمةٌ مقامه، تقديره :" له فيها رِزقٌ من كلِّ الثمراتِ، أو فاكهةٌ مِنْ كلِّ الثمرات " فحُذف الموصوفُ، وبقيت صفتُه ؛ ومثله قول النَّابغة :\[ الوافر \]

كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ  يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ[(١)](#foonote-١)أي : جملٌ من جمالِ بني أُقَيْشٍ، وقوله تعالى : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  \[ الصافات : ١٦٤ \] أي : وما مِنَّا أحدٌ إِلاَّ له مقامٌ. 
وقيل :" مِنْ " زائدةٌ تقديره : له فيها كلُّ الثمرات، وذلك عند الأخفش ؛ لأنه لا يَشْتَرِطُ في زيادتها شيئاً. 
وأمَّا الكُوفيُّون : فيشترطون التنكير، والبصريون يَشْتَرطونه وعدم الإِيجاب، وإذا قُلنا بالزيادة، فالمرادُ بقوله :" كُلِّ الثَّمَرَاتِ " التكثيرُ لا العموم، لأنَّ العُمومَ مُتعذِّرٌ. 
قال أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) : ولا يجوزُ أَنْ تكونَ " مِنْ " زائدةً، لا على قولِ سيبويه ولا قولِ الأخفشِ ؛ لأنَّ المعنى يصيرُ : له فيها كُل الثمراتِ، وليسَ الأمرُ على هذا، إلاَّ أَنْ يُرادَ به هنا الكثرة لا الاستيعاب، فيجوزُ عند الأخفش ؛ لأنه يُجَوِّزُ زيادةَ " مِنْ " في الواجب. 
فإن قيل : كيف عطف " وأَصَابَهُ " على " أيودُّ " ؟ وكيف يجوزُ عطفُ الماضي على المستقبل ؟
**فالجواب : من وجوه :**
أحدها : أَنَّ الواو للحالِ، والجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، و " قد " مقدَّرةٌ أي : وقد أصابه، وصاحبُ الحال هو " أَحَدُكُمْ "، والعاملُ فيها " يَودُّ "، ونظيرُها : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ  \[ البقرة : ٢٨ \]، وقوله تعالى : وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا  \[ آل عمران : ١٦٨ \] أي : وقد كُنتم، وقد قَعَدوا. 
والثاني : أَن يكون قد وضع الماضي موضع المضارع، والتقديرُ " ويُصيبَه الكِبَر " كقوله تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ  \[ هود : ٩٨ \] أي : يوردهُم. قال الفراء[(٣)](#foonote-٣) : يجوزُ ذلك في " يَوَدُّ " ؛ لأنه يُتَلَقَّى مرةً ب " أَنْ " ومرةً ب " لو " فجاز أن يُقَدَّر أحدُهما مكان الآخر. 
الثالث : أنه حُمِل في العطفِ على المعنى ؛ لأنَّ المعنى : أَيَودُّ أحدُكم أَنْ لو كانَتْ، فأصابه الكِبَرُ، وهذا الوجهُ فيه تأويلُ المضارع بالماضي ؛ ليصِحَّ عطفُ الماضي عليه، عكسُ الوجه الذي قبله، فإنَّ فيه تأويلَ الماضي بالمضارع. واستضعف أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) هذا الوجه ؛ بأنه يُؤدّي إلى تغيير اللفظ مع صحّة المعنى. 
والزمخشريُّ نَحَا إلى هذا الوجه - أيضاً - فإنه قال " وقيل : يُقالُ : وَدِدْتُ لو كان كذا ؛ فحُمِل العطفُ على المعنى، كأنه قيل : أَيَودُّ أحدُكم لو كانت له جَنَّةٌ، وأصابَه الكِبَرُ ". 
قال أبو حيان :" وظاهرُ كلامه أَنْ يكونَ " أَصَابَهُ " معطوفاً على متعلِّق " أَيَودُّ " وهو " أَنْ تَكُونَ " ؛ لأنه في معنى " لَوْ كانَتْ "، إذ يقال : أيودُّ أحدكم لو كانت، وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنه يمتنع من حيثُ المعنى أَنْ يكونَ معطوفاً على " كانت " التي قبلها " لو " ؛ لأنه متعلَّق الوُدِّ، وأمَّا " أَصابَه الكِبَرُ " فلا يمكنُ أن يكون متعلَّق الودِّ ؛ لأنَّ " أصَابه الكِبَرُ " لا يودُّه أَحَدٌ ولا يتمنَّاه، لكن يُحْمل قول الزمخشريُّ على أنه لمّا كان " أَيَوَدُّ " استفهاماً معناه الإِنكارُ جُعِلَ متعلَّقُ الودادةِ الجمع بين الشيئين، وهما : كونُ جنةٍ له، وإصابةُ الكِبَر إياه، لا أنَّ كلَّ واحد منهما يكونُ مَوْدُوداً على انفراده، وإنما أَنكروا ودادة الجمع بينهما ". 
قوله تعالى : وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ  هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الهاءِ في " وأَصابَه "، وقد تقدَّم اشتقاقُ الذريَّة. وقُرئ " ضِعافٌ "، وضُعفاءُ، وضعاف، منقاسان في ضعيف، نحو : ظريف، وظُرَفَاء، وظِراف، وشَريف، وشُرَفاء وشِراف. 
قوله : فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ  هذه الجملة عطفٌ على صفةِ الجنة قبلها، قاله أبو البقاء[(٥)](#foonote-٥). يعني على قوله تعالى : مِّن نَّخِيلٍ  وما بعده. 
وأتى في هذه الآياتِ كلِّها بلفظ الإِصابة نحو فأصابه وَابِلٌ، وأَصابَه الكِبَر، فأصابها إعصارٌ ؛ لأنه أبلغُ، وأَدَلُّ على التأثير بوقوعِ الفعلِ على ذلك الشيء، من أنه لم يُذكر بلفظ الإِصابة، حتى لو قيل :" وَبَل "، و " كَبِر "، و " أَعْصَرَتْ " لم يكن فيه ما في لفظِ الإِصابة من المبالغةِ. 
والإِعصارُ : الريحُ الشديدةُ المُرتفعةُ، وتُسَمِّيها العامَّةُ : الزَّوبعة. وقيل : هي الريحُ السَّموم، سُمِّيت بذلك ؛ لأنها تَلُفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ المعصورُ، حكاه المهدوي. وقيل : لأَنها تَعْصِر السَّحابَ، وتُجمع على أَعَاصير، قال :\[ البسيط \]أ- وَبَيْنَما المَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ  إِذْ هُوَ فِي الرَّمْسِ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ[(٦)](#foonote-٦)والإعصارُ من بين سائر أسماءِ الريحِ، مذكرٌ، ولهذا رجع إليه الضمير مذكَّراً في قوله :" فيه نارٌ ". 
و " نَارٌ " يجوز فيه الوجهان : أعني الفاعلية، والجارُّ قبلها صفةٌ ل " إِعْصار " والابتدائية، والجارُّ قبلها خبرها، والجملة صفةُ " إِعْصارٌ "، والأول أَولى ؛ لما تقدَّم من أنَّ الوصف بالمفرد أَولى، والجارُّ أقربُ إليه من الجملة. 
قوله :" فَاحْتَرَقَتْ " أي : أحرقها، فاحترَقَتْ، فهو مطاوعٌ لأَحْرق الرباعي، وأمَّا " حَرَقَ " من قولهم :" حَرَقَ نابُ الرجُلِ " إذا اشتدَّ غيظهُ، فيُستعمل لازِماً، ومتعدِّياً، قال :\[ الطويل \]ب- أَبَى الضَّيْمَ وَالنُّعْمَانُ يَحْرِقُ نَابُهُ  عَلَيْه فَأَفْضَى وَالسُّيُوفُ مَعَاقِلُهْ[(٧)](#foonote-٧)رُوي برفع " نَابهُ " ونصبه، وقوله  كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ  إلى آخره قد تقدَّم نظيرُه. 
### فصل


قال عبيد بن عمير : قال عمر - رضي الله عنه - لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن ترون هذه الآية نزلت  أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ  ؟ قالوا : الله أعلم، فغضب عمر - رضي الله عنه - فقال : قولوا : نعلم، أو لا نعلم، فقال ابن عباس - رضي الله عنه - : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر - رضي الله عنه - يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس - رضي الله عنه - : ضُرِبَت مثلاً لعمل فقال عمر : أيُّ عملٍ ؟ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لعمل منافقٍ، ومراءٍ، قال عمر - رضي الله عنه - : لأي رجل ؟ قال لرجل غني يعمل بطاعة الله، بعث الله له الشيطان ؛ فعمل بالمعاصي ؛ حتى أحرق أعماله[(٨)](#foonote-٨). 
وقال المفسّرون[(٩)](#foonote-٩) : هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لعمل المنافق، والمرائي، يقول : عمله في حسنه كحسن الجنَّة، ينتفع به، كما ينتفع صاحب الجنَّة بالجنة. 
 مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ  وإنما خصهما بالذكر ؛ لأنهما أشرف الفواكه وأحسنها منظراً حيث تكون باقيةً على الأشجار، ووصف تلك الجنَّة بأن الأنهار تجري من تحتها، وذلك زيادةٌ في الحسن، وأنَّ فيها من كلِّ الثمرات، وهذا سبب لكمال حال هذه الجنَّة من الرؤية، والمنظر، وكثرة النَّفع، والرَّيع، ولا يمكن الزيادة على ذلك، فإذا كبر أو ضعف وصار له أولادٌ ضعافٌ، أي : بسبب الصِّغر، والطفوليَّة، فإنه إذا صار كبيراً ؛ عجز عن الاكتساب، وكثرت جهات حاجاته في مطعمه، وملبسه، ومسكنه، ومن يقوم بخدمته، وتحصيل مصالحه، فإذا تزايدت حاجاته، وتناقصت جهات مكسبه، أصاب جنَّته إعصار فيه نارٌ فاحترقت، وهو أحوج ما يكون إليها، وضعف عن إصلاحها ؛ لكبره، وضعف أولاده عن إصلاحها ؛ لصغرهم، فلم يجد هو ما يعود به على أولاده، ولا أولاده ما يعودون به عليه، فبقوا جميعاً متحيرين عجزةً لا حيلة بأيديهم، كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق، والمرائي حيث لا مغيث لهما، ولا توبة، ولا إقالة، ونظير هذه الآية الكريمة  وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ  \[ الزمر : ٤٧ \] وقوله تعالى : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً  \[ الفرقان : ٢٣ \]. 
١ - هو النابغة الجعدي ينظر ديوانه ص ١٢٦، وخزانة الأدب ٥/٦٧، ٦٩، والكتاب ٢/٣٤٥، ولسان العرب (وقش)، (قعع)، (شنن)، وشرح أبيات سيبويه ٢/٥٨، وشرح المفصل ٣/٥٩، والمقاصد النحوية ٤/٦٧، وبلا نسبة في لسان العرب (خدر)، (أقش)، (دنا)، والمقتضب ٢/١٣٨، شرح المفصل ١/٦١، وشرح الأشموني ٢/٤٠١، وسر صناعة الإعراب ١/٢٨٤، والدر المصون ١/٦٤٣..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٣..
٣ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٥٧..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٤..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٤..
٦ - البيت لعثير بن لبيد أو حريث بن جبلة أو أبي عيينة المهلبي. وهو في أمالي القالي ٢/١٧٧، ورصف المباني ٣١٨، والدرر ١/١٧٣، واللسان (دهر)، والدر المصون ١/٦٤٤..
٧ - البيت لزهير: ينظر ديوانه (١٤٣)، الكامل ١/١٢٠، الجمهرة ٢/١٣٩، المحتسب ١/٥٨، البحر ٢/٣١٥، الحماسة للمرزوقي ٢/٥٧٦، التهذيب: حرق، الدر المصون ١/٦٤٤..
٨ - أخرجه البخاري (٦/٦٧) كتاب التفسير باب سورة البقرة رقم (٤٥٣٨) والطبري في "تفسيره" (٥/٥٤٥) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٠٢) وزاد نسبته لابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس..
٩ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥٣..

### الآية 2:267

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [2:267]

اعلم أنه تعالى لما ذكر الإنفاق على قسمين، وبين كل قسم وضرب له مثلاً، ذكر في هذه الآية كيفية الإِنفاق. 
قوله تعالى : أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ  : في مفعول " أَنْفِقُوا " قولان :
أحدهما : أنه المجرور ب " مِنْ "، و " مِنْ " للتبعيض، أي : أنفقوا بعض ما رزقناكم. 
والثاني : أنه محذوفٌ قامت صفته مقامه، أي : شيئاً ممَّا رزقناكم، وتقدَّم له نظائر. 
و " ما " يجوز أن تكون موصولةً اسمية، والعائد محذوفٌ ؛ لاستكمال الشروط، أي : كسبتموه، وأن تكون مصدريةً أي : من طيِّبات كسبكم، وحينئذٍ لا بدَّ من تأويل هذا المصدر باسم المفعول، أي : مكسوبكم، ولهذا كان الوجه الأول أولى. 
و  مِمَّا أَخْرَجْنَا  عطفٌ على المجرور ب " مِنْ " بإعادة الجار، لأحد معنيين : إمَّا التأكيد، وإمَّا للدلالة على عاملٍ آخر مقدرٍ، أي : وأنفقوا ممَّا أخرجنا. ولا بدَّ من حذف مضافٍ، أي : ومن طيبات ما أخرجنا. و " لكم " متعلِّقٌ ب " أخرجنا "، واللام للتعليل. و " مِنَ الأرض " متعلِّقٌ ب " أخرجنا "، و " مِنْ " لابتداء الغاية. 
قوله : وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ  الجمهور على " تَيَمَّموا "، والأصل : تتيمموا بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفاً : إمَّا الأولى، وإمَّا الثانية، وقد تقدّم تحريره عند قوله : تَظَاهَرُونَ  \[ البقرة : ٨٥ \]. 
وقرأ البزِّيُّ[(١)](#foonote-١) هنا وفي مواضع أُخر بتشديد التاء، على أنه أدغم التاء الأولى في الثانية، وجاز ذلك هنا وفي نظائره ؛ لأنَّ الساكن الأول حرف لين، وهذا بخلاف قراءته  نَاراً تَلَظَّى  \[ الليل : ١٤ \]  إِذْ تَلَقَّوْنَهُ  \[ النور : ١٥ \] فإنه فيه جمع بين ساكنين، والأول حرفٌ صحيحٌ، وفيه كلامٌ لأهل العربية، يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. 
قال أبو علي[(٢)](#foonote-٢) : هذا الإدغام غير جائزٍ ؛ لأنَّ المدغم يسكَّن، وإذا سكِّن، وجب أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به كما جلبت في أمثلة الماضي، نحو  فَادَّارَأْتُمْ  \[ البقرة : ٧٢ \] و ارْتَبْتُمْ  \[ المائدة : ١٠٦ \] و اطَّيَّرْنَا  \[ النمل : ٤٧ \]. 
لكن أجمعوا على أنَّ همزة الوصل لا تدخل على المضارع. 
وقرأ ابن عباس[(٣)](#foonote-٣)، والزُّهريُّ " تُيَمِّمُوا " بضم التاء، وكسر الميم الأولى، وماضيه : يمَّم، فوزن " تُيَمِّمُوا " على هذه القراءة : تفعِّلوا من غير حذفٍ، وروي عن عبد الله[(٤)](#foonote-٤) " تُؤَمِّموا " من أمَّمت، أي : قصدت. 
والتيمم : القصد، يقال : أمَّ ك " رَدَّ "، وأمَّم ك " أخَّر "، ويمَّم، وتيمَّم بالتاء، والياء معاً، وتأمَّم بالتاء والهمزة. وكلُّها بمعنى قصد. وفرَّق الخليل - رحمه الله - بينها بفروقٍ لطيفةٍ، فقال :" أمَّمْتُه أي قصدت أمامه، ويمَّمْتُه : قصدته من أيِّ جهةٍ كان ". 
والخبيث والطيب : صفتان غالبتان، لا يذكر موصوفهما ؛ قال تعالى : وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ  \[ النور : ٢٦ \]،  وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ  \[ الأعراف : ١٥٧ \]، قال صلى الله عليه وسلم : مِنَ الخُبْثِ، والخَبائث[(٥)](#foonote-٥) ". 
قوله : مِنْهُ تُنْفِقُونَ  " منه " متعلِّقٌ بتنفقون، وتنفقون فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل في " تَيَمَّموا " أي : لا تقصدوا الخبيث منفقين منه، قالوا : وهي حالٌ مقدَّرة، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه، قاله أبو البقاء[(٦)](#foonote-٦) وغيره. 
والثاني : أنها حالٌ من الخبيث ؛ لأن في الجملة ضميراً يعود إليه، أي : لا تقصدوا منفقاً منه. 
والثالث : أنه مستأنف منه ابتداء إخبار بذلك، وتمَّ الكلام عند قوله : وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ  ثم ابتدأ خبراً آخر، فقال : تنفقون منه، وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم، كأن هذا عتابٌ للناس، وتقريعٌ. 
والتقدير : تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الإغماض، فهو استفهامٌ على سبيل الإنكار. قال شهاب الدِّين : وهذا يردُّه المعنى.

### فصل في بيان المراد من النفقة


اختلفوا في المراد بهذه النفقة : فقال الحسن : المراد بها الزكاة المفروضة[(٧)](#foonote-٧) ؛ لأن هذا أمرٌ، والأمر للواجب. 
وقال قومٌ : صدقة التطوع ؛ لما روي عن علي، والحسن، ومجاهد : أنهم قالوا : كانوا يتصدَّقون بشرار ثمارهم، ورديء أموالهم[(٨)](#foonote-٨) ؛ فنزلت هذه الآية. 
 " وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال جاء رجلٌ ذات يوم بعذق خشف فوضعه في الصَّدقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" بِئْسَ مَا صَنَعَ صاحبُ هذا[(٩)](#foonote-٩) " فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
وقال آخرون : المراد الفرض، والنفل ؛ لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز وهذا المفهوم قدرٌ مشتركٌ بين الفرض والنَّفل ؛ فوجب أن يدخلا فيه، فعلى القول بأنَّه الزكاة فنقول : ظاهر الآية يدلُّ على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان، من الذَّهب، والفضَّة، والتجارة، وزكاة الإبل، والغنم، والبقر ؛ لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسبٌ. 
قال القرطبيُّ[(١٠)](#foonote-١٠) : والكسب يكون بتعب بدنٍ، وهي الإجارة، أو مقاولة في تجارةٍ، وهو البيع، والميراث داخلٌ في هذا ؛ لأن غير الوارث قد كسبه. 
وقال ابن خويزمنداد : ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" أَوْلاَدُكُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِ أَوْلاَدِكُمْ هَنِيئاً[(١١)](#foonote-١١) ". 
قوله : وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ  يدلُّ على وجوب الزَّكاة في كل ما تنبته الأرض، على ما هو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وخصَّ مخالفوه هذا العموم بقوله - صلى الله عليه وسلم - :" لَيْسَ في الخُضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ[(١٢)](#foonote-١٢) " وأستدل أبو حنيفة - رحمه الله - أيضاً بهذه الآية الكريمة على وجوب إخراج الزكاة من كلِّ ما أنبتته الأرض، قليلاً كان، أو كثيراً ؛ لظاهر الآية وخصَّ مخالفوه هذا العموم بقوله - صلى الله عليه وسلم - : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُق صَدَقَةٌ[(١٣)](#foonote-١٣) ". 
أما المعدن والرِّكازُ فقال - صلى الله عليه وسلم - :" العَجْمَاءُ جَرْحُها جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، والمعْدنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكاز الخمسُ[(١٤)](#foonote-١٤) " الجبار : الهدر الذي لا شيء فيه، والعجماء : الدَّابَّة، والرِّكاز : هو ما دفنه أهل الجاهلية وعليه علامتهم. 
### فصل


اختلفوا في الطَّيب : فقيل : هو الجيد، فعلى هذا يكون الخبيث هو الرديء. وقال ابن مسعودٍ، ومجاهدٌ، والسدّي : الطيب هو الحلال، وعلى هذا، فالخبيث هو الحرام. 
حجة الأول ما ذكرنا في سبب النزول، ولأن المحرم لا يجوز أخذه ؛ لا بإغماضٍ ولا غيره، والآية تدلُّ على جواز أخذه بالإغماض. 
قال القفَّال[(١٥)](#foonote-١٥) - رحمه الله - : ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الإغماض : المسامحة، وترك الاستقصاء، فيكون المعنى : ولستم بآخذيه، وأنتم تعلمون أنه محرَّم ؛ إلاَّ أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، ولا تبالون من أيِّ وجهٍ أخذتم المال أمن حلالٍ، أم حرام. 
واحتجُّوا - أيضاً - بقوله تعالى : لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ  \[ آل عمران : ٩٢ \] وذلك يؤكد أنَّ المراد بالطيب هو النَّفيس الذي يستطاب تملكه، لا الخسيس الذي يرفضه كل أحد واحتجَّ القاضي[(١٦)](#foonote-١٦) للقول الثاني : بأنَّا أجمعنا على أن الطيِّب في هذه الآية ؛ إمَّا الجيد ؛ وإما الحلال، فإذا بطل الأول، تعيَّن الثاني. 
وإنما قلنا : بطل الأول ؛ لأن المراد لو كان هو الجيد، لكان ذلك أمراً بإنفاق مطلق الجيِّد سواءٌ كان حلالاً أو حراماً، وذلك غير جائزٍ، والتزام التخصيص خلاف الأصل ؛ فتعين الحلال. 
قال ابن الخطيب[(١٧)](#foonote-١٧) : ويمكن أن يذكر فيه قولٌ ثالثٌ، وهو : أن المراد من " الطَّيِّب " - هاهنا - ما يكون طيِّباً من كلِّ الوجوه، فيكون طيّباً بمعنى : الحلال، ويكون طيِّباً بمعنى : الجودة، وليس لقائلٍ أن يقول إنَّ حمل اللفظ المشترك على مفهوميه، لا يجوز ؛ لأنا نقول : الحلال إنما يسمى طيِّباً ؛ لأنه يستطيبه العقل، والدِّين، والجيد : إنما يسمَّى طيباً ؛ لأنه يستطيبه الميل، والشهوة. فمعنى الاستطابة مفهومٌ واحدٌ مشترك بين القسمين، فكان اللفظ محمولاً عليه. إذا ثبت أنَّ المراد منه الجيد الحلال ؛ فنقول : الأموال الزكاتيَّة إما أن تكون كلُّها شريفةً، أو كلها خسيسةً، أو تكون متوسطة أو مختلطة، فإن كان الكل شريفاً، كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك، وإن كان الكل خسيساً، كانت الزكاة كذلك، أيضاً، ولا يكون ذلك خلافاً للآية ؛ لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيساً من ذلك المال بل إذا كان في المال جيد ورديء، فحينئذٍ يقال للإنسان : لا تجعل الزكاة من رديء مالك، وأمَّا إن كان المال مختلطاً، فالواجب هو الوسط، " قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذٍ حين بعثه إلى اليمن :" إِيَّاكَ وكَرَائِمَ أَمْوَالهمْ[(١٨)](#foonote-١٨) " وأما إن قلنا : المراد صدقة التطوع أو كلاهما، فنقول : إنَّ الله تعالى ندبهم إلى التقرُّب إليه بأفضل ما يملكونه، كمن يتقرب إلى السُّلطان بتحفة، وهدية، فلا بدّ وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه، فكذا - هاهنا -. 
قوله : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ  هذه الجملة فيها قولان :
أحدهما : أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، وإليه ذهب أبو البقاء[(١٩)](#foonote-١٩). 
والثاني : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، ويظهر هذا ظهوراً قوياً عند من يرى أن الكلام قد تمَّ عند قوله : وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ  وما بعده استئنافٌ، كما تقدَّم. 
والهاء في " بِآخِذِيهِ " تعود على " الخَبِيث " وفيها، وفي نحوها من الضمائر المتصل باسم الفاعل ؛ قولان مشهوران :
أحدهما : أنها في محلِّ جر، وإن كان محلُّها منصوباً ؛ لأنها مفعولٌ في المعنى. 
والثاني :- وهو رأي الأخفش - أنها في محلِّ نصبٍ، وإنما حذف التنوين، والنون في نحو :" ضَارِبَيْكَ " للطافة الضمير، ومذهب هشام أنه يجوز ثبوت التنوين مع الضمير، فيجيز :" هذا ضَارِبُنْكَ " بثبوت التنوين، وقد يستدلُّ لمذهبه بقوله :\[ الطويل \]
هُمُ الفَاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ \*\*\*. . . [(٢٠)](#foonote-٢٠)
وقوله الآخر :\[ الطويل \]
وَلَمْ يَرْتَفِقْ وَالنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ \*\*\*. . . [(٢١)](#foonote-٢١)
فقد جمع بين النون النائبة عن التنوين، وبين الضمير. 
قوله : إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ  الأصل : إلاَّ بأن، فحذف حرف الجرِّ مع " أنْ " فيجيء فيها القولان : أهي في محلِّ جرٍّ، أم نصب ؟ وهذه الباء تتعلَّق بقوله :" بِآخذيه ". وأجاز أبو البقاء[(٢٢)](#foonote-٢٢) - رحمه الله - أن تكون " أنْ " وما في حيِّزها في محلِّ نصب على الحال، والعامل فيها " آخِذيه ". والمعنى : لَسْتُم بآخذِيه في حالٍ من الأحوال إلا في حال الإغماض، وقد تقدَّم أنَّ سيبويه[(٢٣)](#foonote-٢٣) - رحمه الله - لا يجيز أن تقع " أَنْ "، وما في حيِّزها موقع الحال. وقال الفراء[(٢٤)](#foonote-٢٤) : المعنى على الشرط والجزاء ؛ لأنَّ معناه : إن أغمضتم أخذتم، ولكن لمَّا وقعت " إلاَّ " على " أَنْ " ١ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٦٢، والبحر المحيط ٢/٣٣٠، والدر المصون ١/٦٤٥، وشرح شعلة ٢٩٧- ٢٩٨..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٥٥..
٣ - وقرأ بها مسلم بن جندب.
 انظر: المحرر الوجيز: ١/٣٦٢، والبحر المحيط ٢/٣٣١، والدر المصون ١/٦٤٥..
٤ - انظر: السابق..
٥ - أخرجه البخاري (١/٧٩) كتاب الوضوء باب ما يقال عند الخلاء (١٤٢)، (٨/١٢٨) كتاب الدعوات باب الدعاء عند الخلاء رقم (٦٣٢٢) ومسلم (١/١٩٥) وأبو داود (١/٢) والنسائي (١/٩) والترمذي (١/١٠) وابن ماجه (١/١٢٨) وأحمد (٣/٩٩، ١٠١، ٢٨٢). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
٦ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٤..
٧ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦١٢) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة عن هذه الآية.. فذكره..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٦٢) عن مجاهد..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٦١) عن عطاء بمعناه..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٠٨..
١١ - أخرجه أحمد (٦/٤١) والنسائي (٧/٢٤١) وأبو داود كتاب البيوع باب ٧٩ وابن ماجه (٢٢٩٢) والترمذي (٢/٢٨٧) وسعيد بن منصور (٢٢٨٨، ٢٢٨٩) والبيهقي (٧/٤٨٠) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/١٥٨) والحميدي (٢٤٦) وأبو نعيم في "تاريخ أصفهان" (١/٢٨٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن..
١٢ - أخرجه الدارقطني (٢/٩٥) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/٤٩٨) عن علي بن أبي طالب مرفوعا.
 وأخرجه الدارقطني (٢/٩٦) والبزار (١/٤١٩-٤٢٠-كشف) والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٣/٦٨) عن طلحة مرفوعا.
 وقال الهيثمي: وفيه الحارث بن نبهان وهو متروك وقد وثقه ابن عدي وأخرجه الدارقطني (٢/٩٦) عن أنس مرفوعا.
 وأخرجه الدارقطني أيضا (٢/٩٧) من حديث معاذ بن جبل مرفوعا.
 وللحديث شاهد عن عائشة مرفوعا بلفظ: ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة.
 أخرجه الدارقطني (٢/٩٥)..
١٣ - أخرجه البخاري (٢/٢١٩) كتاب الزكاة باب ما أدي ذكاته.. (رقم (١٤٠٥)، (٣/٢٣٤) كتاب الزكاة باب الورق رقم (١٤٤٧) ومسلم (٣/٦٦) ومالك (١/٢٤٤) وأبو داود (١٥٥٨) والنسائي (١/٣٤٢) والترمذي (١/١٢٢) والدارمي (١/٣٨٤-٣٨٥) وابن ماجه (١٧٩٣) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/٣١٤) وابن أبي شيبة (٤/٧، ١٠) وابن الجارود (١٧٣، ١٨١) والبيهقي (٤/١٢٠) والطيالسي (٢١٩٧) وأحمد (٣/٦، ٣٠، ٤٥، ٥٩)..
١٤ - أخرجه البخاري (٢/٢٥٨) كتاب الزكاة باب في الركاز الخمس رقم (١٤٩٩)، (٩/٢١) كتاب الديات باب المعدن جبار رقم (٦٩١٢) ومسلم (٣/١٢٧-١٢٨) وأبو داود (٣٠٨٥) والنسائي (١/٣٤٥) والترمذي (١/٢٥٩) وابن ماجه (٢٥٠٩) والدارمي (١/٣٩٣) وابن الجارود (١٩١) والبيهقي (٤/١٥٥) والطيالسي (٢٣٠٥) وأحمد (٢/٢٣٩، ٢٥٤، ٢٧٤، ٢٨٥، ٤١٥). وليس عند ابن ماجه إلا لفظ: وفي الركاز الخمس.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٥٤..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٥٥..
١٧ - ينظر: المصدر السابق..
١٨ - أخرجه البخاري (٣/٤١٨) كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء (١٣٩٦) ومسلم (١/٥٠) كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١٩) وأبو داود (١٥٨٤) والنسائي (١/٣٤٨) والترمذي (١/١٢٢) وابن ماجه (١٧٨٣) والدارمي (١/٣٧٩) وابن أبي شيبة (٤/٥) والبيهقي (٤/٩٦)، (٧/٧، ٨) وابن خزيمة (٢٢٧٥، ٢٣٤٦) والبغوي في "شرح السنة" (٣/٣٥٧)..
١٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٤..
٢٠ - تقدم برقم (٧٧٥)..
٢١ - صدر بيت وعجزه:
 جميعا وأيدي المعتقين رواهقه
 ينظر: خزانة الأدب ٤/٢٦٦، ٢٧١، شرح المفصل ٢/١٢٥، والكتاب ١/١٨٨، والمقرب ١/١٢٥، الكامل ٣١٧، والدر المصون ١/٦٤٦..
٢٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٤..
٢٣ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١٩٥..
٢٤ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٧٨..

### الآية 2:268

> ﻿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:268]

قوله تعالى : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ. . .  الآية : مبتدأٌ وخبرٌ، وتقدَّم اشتقاق الشيطان، وما فيه عند الاستعاذة. ووزن يعدكم : يعلكم بحذف الفاء، وهي الواو ؛ لوقوعها بين ياءٍ، وكسرةٍ، وقرأ الجمهور :" الفَقْر " بفتح الفاء، وسكون القاف، وروى أبو حيوة، عن بعضهم :" الفُقْر " بضم الفاء وهي لغةٌ، وقرئ " الفَقَر " بفتحتين. 
والوعد : يستعمل في الخير، والشَّرِّ ؛ قال تعالى في الخبر : وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً  \[ الفتح : ٢٠ \] وقال في الشَّرِّ : النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ  \[ الحج : ٧٢ \] ويمكن أن يحمل هذا على التهكم به كقوله تعالى : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  \[ آل عمران : ٢١ \] فإذا لم يذكر الخير والشر، قلت في الخير : وعدته، وفي الشر أوعدته ؛ قال :\[ الطويل \]
وَإِنِّيَ إِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ \*\*\* لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي[(١)](#foonote-١)
والفَقْر والفُقْر لغتان ؛ وهو الضعيف بسبب قلَّة المال، وأصله في اللغة : كسر الفقار، يقال : رجلٌ فقيرٌ وفَقِرٌ، إذا كان مكسور الفقار ؛ قال طرفة :\[ الرمل \]
. . . \*\*\* إِنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ[(٢)](#foonote-٢)
وسيأتي له مزيد بيان في قوله :" لِلْفُقَراءِ ".

### فصل في المراد من الآية


معنى الآية الكريمة أن الشيطان يخوّفكم الفقر، ويقول للرجل : أمسك عليك مالك ؛ فإنك إذا تصدقت به افتقرت. 
وهذه أوجه اتصال هذه الآية بما قبلها. 
قيل المراد ب " الشيطان " : إبليس، وقيل : شياطين الجن، والإنس. 
وقيل : النَّفس الأمَّارة بالسُّوء. 
 وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ  أي : بالبخل، ومنع الزكاة[(٣)](#foonote-٣). 
قال الكلبي : كلُّ فحشاء في القرآن فهو الزنا إلاَّ هذا، والفاحش عند العرب : البخيل، قال طرفة :\[ الطويل \]
أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ وَيَصْطَفِي \*\*\* عَقِيلَةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَددِ[(٤)](#foonote-٤)
 " يعتامُ " : منقولٌ من عام فلانٌ إلى اللبن، إذا اشتهاه، وقد نبَّه الله تعالى في هذه الآية الكريمة على لطيفةٍ، وهي أنَّ الشيطان يخوفه أولاً بالفقر، ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، ويغريه على البخل ؛ وذلك لأن البخل صفةٌ مذمومةٌ عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلاَّ بتقديم تلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر، وقيل " الفَحْشَاءُ " : هو أن يقول : لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله تعالى ؛ لئلا تصير فقيراً ؛ فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك، زاد الشيطان فيمنعه من الإنفاق بالكلية ؛ حتى لا يعطي الجيد، ولا الرديء، وحتى يمنع الحقوق الواجبة، فلا يؤدِّي الزكاة، ولا يصل الرحم، ولا يردُّ الوديعة، فإذا صار هكذا، سقط وقع الذنوب عن قلبه، ويصير غير مبالٍ بارتكابها، وهناك يتَّسع الخرق، ويصير مقداماً على كلِّ الذنوب، وذلك هو الفحشاء، وتحقيقه : أنَّ لكل خلقٍ طرفين، ووسطاً، فالطرف الكامل : هو أن يكون بحيث يبذل كلَّ ما يملكه في سبيل الله : الجيِّد، والرديء، والطرف الفاحش النَّاقص لا ينفق شيئاً في سبيل الله : لا الجيد، ولا الرديء، والمتوسط بأن يبخل بالجيد، وينفق الرديء، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش، لا يمكنه إلاَّ بأن يجره إلى الوسط، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام، انقطع طمع الشيطان عنه، وإن أطاعه فيه، طمع في أن يجرَّه من الوسط إلى الطرف الفاحش، فالوسط : هو قوله تعالى : يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ  والطرف الفاحش قوله تعالى : وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ . 
وقال القرطبيُّ[(٥)](#foonote-٥) :" الفَحْشَاءُ " : المعاصي، قال : ويجوز في غير القرآن : ويأمركم الفحشاء بحذف الباء، وأنشد سيبويه :\[ البسيط \]
أ- أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ \*\*\* فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبٍ[(٦)](#foonote-٦)
### فصل في بيان هل الفقر أفضل من الغنى ؟ !


تمسك بعضهم[(٧)](#foonote-٧) بهذه الآية في أنَّ الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. 
قال ابن عطية : وليس في الآية حجَّةٌ ؛ لقوله تعالى : وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ  \[ سبأ : ٣٩ \] ثم قال : وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ  لذنوبكم، كقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا  \[ التوبة : ١٠٣ \]. 
وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة :
أحدهما : التنكير في لفظ " المغْفِرَةِ "، والمعنى : مغفرةٌ وأيُّ مغفرة. 
والثاني : قوله :" مَغْفِرَةً مِنْه " يدل على كمال حال هذه المغفرة ؛ لأن كمال كرمه ونهاية جوده، معلومٌ لجميع العقلاء، فلما خص هذه المغفرة بكونها منه، علم أنَّ المقصود تعظيم حال هذه المغفرة ؛ لأنَّ عظم المعطي يدلُّ على عظم العطيَّة. 
**قوله :" منه " فيه وجهان :**
أحدهما : أن يتعلَّق بمحذوفٍ ؛ لأنه نعتٌ لمغفرة. 
والثاني : أن يكون مفعولاً متعلقاً بيعد، أي : يعدكم من تلقاء نفسه. 
و " فَضْلاً " صفته محذوفةٌ، أي : وفضلاً منه، وهذا على الوجه الأول، وأمَّا الثاني، فلا حذف فيه. 
### فصل


يحتمل أن يكون المراد من كمال هذه المغفرة ما قاله في آيةٍ أخرى : فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  \[ الفرقان : ٧٠ \]، ويحتمل أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب سائر المذنبين[(٨)](#foonote-٨)، ويحتمل أن يكون المقصود أمراً لا يصل إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا، فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا، ما دمنا[(٩)](#foonote-٩) في الدنيا. 
وأمَّا معنى الفضل، فهو الرزق، والخلف المعجَّل في الدنيا. 
ثم قال تعالى : وَاللهُ وَاسِعٌ ، أي : واسع المغفرة والقدرة على إغنائكم[(١٠)](#foonote-١٠)، وإخلاف ما تنفقونه  عَلِيمٌ  لا يخفى عليه ما تنفقون ؛ فهو يخلفه عليكم. 
١ - البيت لعامر بن الطفيل: ينظر ديوانه ص (٥٨)، إنباه الرواة ٤/١٣٩، مراتب النحويين ص (٣٨)، اللسان: وعد. والقرطبي ٥/٢١٥..
٢ - عجز بيت وصدره:
 وإذا تلسنني ألسنتها
 ينظر ديوانه ص ٥٣، واللسان (فقر)، الرازي ٧/٥٧..
٣ - ينظر تفسير البغوي ١/٢٥٦..
٤ - ينظر: ديوانه (٣٤)، اللسان (حش)، الرازي ٧/٥٧، البحر المحيط ٢/٣٣٣..
٥ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢١٣..
٦ - البيت لعمرو بن معدي كرب ينظر ديوانه ص ٦٣ ونسب أيضا لخفاف بن ندبة ينظر ديوانه ص ١٢٦ وللعباس بن مرداس ينظر ديوانه ص ١٣١ ونسب أيضا لأعشى طرود ولزرعة بن خفاف ينظر الكتاب ١/٣٧ خزانة الأدب ١/٣٣٩-٣٤٢ و٩/١٢٤، المحتسب ١/٥١- ٣٧٢، المقتضب ٢/٣٦-٨٦-٣٢١ شرح أبيات سيبويه ١/٢٥٠، شرح شواهد المغني ص ٧٢٧ مغني اللبيب ص ٣١٥، الأشباه والنظائر ٤/١٦، ٨/٥١، اللامات ص ١٣٩ شرح المفصل ٨/٥٠، شرح شذور الذهب ص ٤٧٧، الدرر ٥/١٨٦..
٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢١٣، والمحرر الوجيز ١/٣٦٤..
٨ - في ب: الزنوب..
٩ - في ب: ما دامت..
١٠ - في ب: عقابكم..

### الآية 2:269

> ﻿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [2:269]

قال السَّدِّي : هي النبوة[(١)](#foonote-١). 
وقال ابن عباس، وقتادة : علم القرآن : ناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدّمه، ومؤخره، وحلاله، وحرامه، وأمثاله[(٢)](#foonote-٢). 
قال الضحاك : في القرآن مائةٌ وتسع آياتٍ، ناسخةٌ ومنسوخةٌ، وألف آية حلالٌ وحرامٌ، لا يسع المؤمنين تركهن، حتى يتعلموهنَّ، ولا يكونوا كأهل النهروان فإنهم تأوَّلوا آيات من القرآن في أهل القبلة، وإنما أنزلت في أهل الكتاب، جهلوا علمها، فسفكوا بها الدماء، وانتهبوا الأموال، وشهدوا علينا بالضلال، فعليكم تعلم القرآن ؛ فإنه من علم فيما أُنزل ؛ لم يختلف في شيء منه. 
وقال مجاهد : هي القرآن، والعلم، والفقه[(٣)](#foonote-٣)، وروى ابن أبي نجيح عنه هي الإصابة في القول، والفعل[(٤)](#foonote-٤). 
وقال إبراهيم النخعيُّ : هي معرفة معاني الأشياء، وفهمها[(٥)](#foonote-٥). 
وروي عن مقاتل، قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه :
أحدها : مواعظ القرآن. قال : وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ  \[ البقرة : ٢٣١ \] وفي النساء  وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  \[ النساء : ١١٣ \] يعني المواعظ ومثلها في آل عمران. 
وثانيها : الحكمة بمعنى : الفهم، والعلم قال  وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً  \[ مريم : ١٢ \] وفي لقمان : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ  \[ لقمان : ١٢ \] يعني الفهم، والعلم، وفي الأنعام  أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ  \[ الأنعام : ٨٩ \] وفي " ص "  وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ  \[ ص : ٢٠ \]. 
وثالثها : النبوة. 
ورابعها : القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، قال في النحل : ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [(٦)](#foonote-٦) \[ النحل : ١٢٥ \] وفي هذه الآية  وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً  وعند التحقيق ترجع هذه الوجوه إلى العلم. 
قال أبو مسلم : الحكمة : فعلةٌ من الحكم، وهي كالنَّحلة : من النَّحل، ورجلٌ حكيمٌ إذا كان ذا حِجًى، ولُبٍّ، وإصابة رأي وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل، ويقال : أمر حكيمٌ، أي : محكمٌ. 
قوله تعالى : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ  : الجمهور على " يُؤْتِي " " وَمَنْ يُؤْتَ " بالياء فيهما، وقرأ[(٧)](#foonote-٧) الريع بن خيثم : بالتاء على الخطاب فيهما. وهو خطابٌ للباري ؛ على الالتفات. 
وقرأ الجمهور :" وَمَنْ يُؤْتَ " مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير " مَنْ " الشرطية، وهو المفعول الأول فتكون في محل رفع، و " الحكمة " مفعول ثانٍ. 
وقرأ[(٨)](#foonote-٨) يعقوب :" يُؤْتِ " مبنياً للفاعل، والفاعلُ ضميرُ الله تعالى، و " مَنْ " مفعولٌ مقدمٌ، و " الحكمة " مفعولٌ ثانٍ ؛ كقولك :" أَيّاً يُعْطِ زيداً دِرْهماً أُعْطِه درهماً " ويدل لهذه القراءة قراءة الأعمش[(٩)](#foonote-٩). 
وقال الزمخشريُّ : بمعنى " وَمْن يُؤْتِهِ اللهُ ". قال أبو حيان :" إِن أرادَ تفسير المعنى، فهو صحيحٌ، وإن أراد الإعراب، فليس كذلك ؛ إذ ليس ثمَّ ضمير نصب محذوفٌ، بل مفعول " يُؤْتِ " من الشرطية المتقدمة ". قال شهاب الدين : ويؤيِّد تقدير الزمخشري قراءة الأعمش. 
قوله : فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً  جواب الشرط، والماضي المقترن بقد، الواقع جواباً للشرط، تارةً يكون ماضي اللفظ مستقبل المعنى، كهذه الآية الكريمة، فهو الجواب حقيقةً، وتارةً يكون ماضي اللفظ، والمعنى نحو : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ } \[ فاطر : ٤ \] فهذا ليس جواباً، بل الجواب محذوفٌ، أي : فتسلَّ، فقد كذِّبت رسلٌ، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى. 
والتنكير في " خَيْراً " قال الزمخشريُّ : يفيد التعظيم، كأنه قال : فقد أُوتي \[ أيَّ \] خير كَثيرٍ ". قال أبو حيَّان[(١٠)](#foonote-١٠) : وتقديره هكذا، يؤدي إلى حذف الموصوف ب " أَيَّ " وإقامة الصفة مقامه، فإنَّ التقدير : فقد أُوتِيَ خيراً أي خيرٍ كثيرٍ، وحذف " أيَّ " الواقعة صفةً، وإقامة المضاف إليها مقامها، وكذلك وصف ما يضاف إليه " أيَّ " الواقعة صفةً، نحو : مررت برجلٍ أيِّ رجلٍ كريم، وكلُّ هذا يحتاج في إثباته إلى دليلٍ، والمحفوظ عن العرب : أنَّ " أيّاً " الواقعة صفةً تضاف إلى ما يماثل الموصوف نحو :

ب- دَعَوْتُ امْرَأً أَيَّ امْرِئٍ فَأَجَابَنِي  وَكُنْتُ وَإِيَّاهُ مَلاَذاً وَمَوْئِلاً[(١١)](#foonote-١١)وقد يحذف الموصف ب " أي " ؛ كقوله :\[ الطويل \]أ- إِذَا حَارَبَ الحَجَّاجُ أَيَّ مُنَافِقٍ  عَلاَهُ بِسَيْفٍ كُلَّما هُزَّ يَقْطَعُ[(١٢)](#foonote-١٢)تقديره : منافقاً أيَّ منافقٍ، وهذا نادرٌ، وقد تقدم أنَّ تقدير الزمخشريِّ كذلك، أعني كونه حذف موصوف " أيّ " كقراءة الأعمش بإثبات " ها " الضمير و " مَنْ " في قراءته مبتدأٌ، لاشتغال الفعل بمعموله، وعند من يجوِّز الاشتغال في أسماء الشَّرط، والاستفهام، يجوز في " مَنْ " النصب بإضمار فعلٍ، وتقديره متأخراً والرفع على الابتداء، وقد تقدم نظائر هذا. 
### فصل في دفع شبهة للمعتزلة


احتجُّوا بهذه الآية الكريمة على أنَّ فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى ؛ لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم، لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ؛ لأنها حاصلة للبهائم، والمجانين، والأطفال، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكمة، فهي مفسرة بالعلوم النظرية، وإن فسرناها بالأفعال الحسية فالأمر ظاهرٌ، وعلى التقديرين : فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية، والحسية ثابتاً من غيرهم، وبتقدير مقدِّرٍ من غيرهم، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوة أو القرآن، أو قوة الفهم أو الخشية، على ما قال الرَّبيع بن أنسٍ[(١٣)](#foonote-١٣) ؟
فالجواب : إنَّ الدليل الذي ثبت بالتواتر أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء فتكون الحكمة مغايرة للنبوة والقرآن، بل هي مفسرة : إمَّا بمعرفة حقائق الأشياء، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة، وعلى التقديرين، فالمقصود حاصلٌ فإن حاولت حمل الإيتاء على التوفيق، والإعانة، والألطاف، قلنا : كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين، فقد فعل مثله في حق الكفَّار، مع أن هذا المدح العظيم لا يتناولهم، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيءٌ آخر سوى فعل الألطاف. 
قوله : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ  وأصل " يَذَّكَّرُ " : يتذكر، فأدغم. 
 " وأُولُوا الأَلْبَابِ " ذوو العقول، ومعناه : أن الإنسان إذا تأمَّل، وتدبر هذه الأشياء، وعرف أنها لم تصل إلاَّ بإيتاء الله تعالى، وتيسيره، كان من أولي الألباب. 
١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٧٩) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦١٦) وعزاه لعبد بن حميد عن ابن عباس..
٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٧٦) وزاد السيوطي نسبته في "الدر المنثور" (١/٦١٦) لابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس موقوفا..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٧٦)..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٧٧) عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦١٦) وعزاه لعبد بن حميد عن مجاهد..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥٧..
٦ - انظر: "التفسير الكبير" للفخر الرازي (٧/٥٩)..
٧ - الذي ذكر عن الربيع أنه قرأ بالتاء في "تؤتي" و"تشاء". انظر: الشواذ ١٧، والبحر المحيط ٢/٣٣٤، والدر المصون ١/٦٤٨..
٨ - انظر: الشواذ ١٧، والبحر المحيط ٢/٣٣٤، والدر المصون ١/٦٤٨، وإتحاف فضلاء البشر ١/٤٥٥..
٩ - انظر: الشواذ ١٧، والتخريجات النحوية ٨٠، ٢٧٧، والبحر المحيط ٢/٣٣٤، والدر المصون ١/٦٤٨..
١٠ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٥٥..
١١ - ينظر: الدرر ١/٧٠، وهمع الهوامع ١/٩٢، البحر المحيط ٢/٣٣٥..
١٢ - البيت للفرزدق: ينظر ديوانه (٣٦٠)، والدرر ١/٧١، همع الهوامع ١/٩٣، والبحر المحيط ٢/٣٣٥، والدر المصون ١/٦٤٩..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي..

### الآية 2:270

> ﻿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [2:270]

قوله تعالى : وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ  كقوله : مَا نَنسَخْ  \[ البقرة : ١٠٦ \]  وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ  \[ البقرة : ١٩٧ \] وقد تقدَّم. وأيضاً تقدَّم الكلام في مادة " نَذَرَ " في قوله : أَأَنذَرْتَهُمْ  \[ البقرة : ٦ \]، إلاَّ أنَّ النَّذر له خصوصيَّة : وهو عقد الإنسان ضميره على شيءٍ، يقال : نذر فهو ناذرٌ ؛ قال عنترة :\[ الكامل \]

ب- الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمْهُمَا  والنَّاذِرَيْنِ إِذَا لَم الْقَهُمَا دَمِي[(١)](#foonote-١)وأصله من التَّخويف تقول أنذرت القوم إنذاراً بالتخويف، وفي الشرع على ضربين : مفسر : كقوله للهِ عليَّ عَتْق رَقَبةٍ، ولِلَّهِ عليَّ حجٌّ فهاهنا يلزم الوفاء، ولا يجزيه غيره، وغير مفسَّر كقوله : نذرت لله تعالى ألاَّ أفعل كذا، ثم يفعله، أو يقول : لله عليَّ نذرٌ، ولم يسمِّه، فيلزمه كفارة يمينٍ ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - :" َمَنْ نَذَرَ نَذْراً، وسَمَّى فَعَلْيهِ ما سمَّى، ومَنْ نَذَرَ نَذْراً، ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارةُ يَمِينٍ[(٢)](#foonote-٢) ". 
قوله : فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ  جواب الشرط ؛ إن كانت " ما " شرطيةً، أو زائدة في الخبر، إن كانت موصولة. 
فإن قيل : لم وحَّد الضمير في " يَعْلَمُه " وقد تقدم شيئان النفقة، والنذر ؟
فالجواب أن العطف هنا ب " أو "، وهي لأحد الشيئين، تقول :" إنْ جاء زيدٌ، أو عمروٌ أكرمتُه "، ولا يجوز : أكرمتها، بل يجوز أن تراعي الأول نحو : زيدٌ أو هندٌ منطلقٌ، أو الثاني، نحو : زيدٌ أو هندٌ منطلقة، والآية من هذا، ولا يجوز أن يقال : منطلقان. ولهذا أوَّل النحاة : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا  \[ النساء : ١٣٥ \] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ومن مراعاة الأول قوله : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا  \[ الجمعة : ١١ \]، على هذا لا يحتاج إلى تأويلات ذكرها المفسرون. وروي عن النَّحاس[(٣)](#foonote-٣) أنه قال : التقدير : وما أنفقتم من نفقةٍ، فإنَّ الله يعلمها، أو نذرتم من نذر، فإنَّ الله يعلمه، فحذف، ونظَّره بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا  \[ التوبة : ٣٤ \] وقوله :\[ المنسرح \]نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا  عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ[(٤)](#foonote-٤)وقول الآخر في هذا البيت :\[ الطويل \]رَمَانِي بأَمْرٍ كُنْتُ مِنْه وَوَالِدِي  بَرِيئاً وَمِنْ أَجْلِ الطَوِيِّ رَمَانِي[(٥)](#foonote-٥)وهذا لا يحتاج إليه ؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الواو المقتضية للجمع بين الشيئين، وأمَّا " أَوْ " المقتضية لأحد الشيئين، فلا. وقال الأخفش : الضمير عائدٌ إلى الأخير كقوله : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً  \[ النساء : ١١٢ \] وقيل : يعود إلى " ما " في قوله :" وَمَا أَنْفَقْتُمْ " لأنها اسمٌ كقوله : وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ  \[ البقرة : ٢٣١ \]، ولا حاجة إلى هذا أيضاً ؛ لما عرفت من حكم " أو ". 
قوله : فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ  أفاد : الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد للمتمردين، لأنه يعلم ما في قلب المتصدق من الإخلاص فيتقبل منه تلك الطاعة ؛ كما قال : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  \[ المائدة : ٢٧ \]، وقوله : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ  \[ الزلزلة : ٧، ٨ \]. 
قوله : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  اعلم أنَّ الظالم قسمان :
الأول : من ظلم نفسه وهو يشتمل على كل المعاصي. 
الثاني : من ظلم غيره بأن لا ينفق أو لا يصرف الإنفاق عن المستحق إلى غيره، أو ينفق على المستحقِّ رياءً وسمعةً، أو يفسدها بالمعاصي وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظُّلم على الغير، بل من باب الظلم على النَّفس. 
### فصل في دحض شبهة للمعتزلة في إنكار الشفاعة


تمسَّك المعتزلة بهذه الآية، في نفي الشَّفاعة عن أهل الكبائر، قالوا : لأنَّ ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه، فلو اندفعت العقوبة عنهم بالشفاعة، لكان أولئك الشفعاء أنصاراً لهم، وذلك يضاد الآية. 
**وأجيبوا بوجوه :**
الأول : أن الشفيع لا يسمَّى في العرف ناصراً، بدليل قوله : وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  \[ البقرة : ١٢٣ \] ففرَّق تعالى بين الشفيع، والناصر ؛ فلا يلزم من نفي الناصر نفي الشفيع. 
الثاني : أن الشفيع إنما يشفع عن المشفوع عنده على سبيل استعطافه، والناصر ينصره عليه، والفرق ظاهرٌ. 
وأجاب آخرون : بأنه ليس لمجموع الظالمين من أنصارٍ. 
فإن قيل : لفظ " الظَّالِمِينَ "، ولفظ " الأَنْصَارِ " جمعٌ، والجمع إذا قوبل بالجمع، توزع الفرد على الفرد، فكان المعنى : ليس لأحدٍ من الظالمين، أحدٌ من الأنصار. 
قلنا لا نسلّم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد ؛ لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد. 
الوجه الثالث : أن هذا الدليل للشفاعة عامٌّ في حقِّ الكلِّ في الأشخاص، والأوقات، ودليل إثبات الشفاعة خاصٌّ في بعض الأوقات، والخاصُّ مقدمٌ على العامِّ. 
الوجه الرابع : ما بينا أن اللفظ العامَّ لا يكون قاطعاً في الاستغراق ؛ بل ظاهرٌ على سبيل الظن القويِّ، فصار الدليل ظنياً، والمسألة ليست ظنِّية، فسقط التمسُّك بها. 
و " الأَنْصَارُ " جمع نصير ؛ كأشرافٍ، وشريف، وأحبابٍ، وحبيب. 
١ - ينظر: ديوانه (٢٢٢)، شرح القصائد العشر (٣٧٧)، العيني ٢/٥٥١، الأشموني ٢/٢٤٦، التصريح ٢/٦٩، شرح شواهد الألفية ٣/٥٥١ والمقاصد النحوية ٣/٥٥١، والشعر والشعراء ١/٢٥٩. والأغاني ٩/٢١٢، البحر ٢/٣٢٨، الدر المصون ١/٦٤٩..
٢ - ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (٣/٣٠٠) وقال: غريب وأخرجه أبو داود (٣٣٢٢) وابن ماجه (٢١٢٧، ٢١٢٨) والدارقطني (٤/١٦٠) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/١٣٠) والطبراني في "الكبير" (١١/٤١٢) عن ابن عباس بلفظ: من نذر نذرا ولم يسم فعليه كفارة يمين وأخرجه الترمذي (١/١٩٧) عن عقبة بن عامر مرفوعا بلفظ: كفارة النذر إذا لم تسم كفارة يمين.
 وقال: حديث حسن صحيح غريب.
 وأخرجه مسلم (٢/٤٥) بلفظ كفارة النذر كفارة يمين..
٣ - ينظر: إعراب القرآن للنحاس ١/٢٩٠..
٤ - البيت لمالك بن العجلان وقيل لقيس بن الخطيم وهو في ديوانه (١٧٣) ينظر الكتاب (١/٣٨) الأشموني ٣/١٥٢، أمالي ابن الشجري ١/٩٦، الدر المصون ١/٦٤٩..
٥ - البيت لعمرو بن أحمر ينظر ديوانه ص ١٨٧، والدرر ٢/٦٢، وشرح أبيات سيبويه ١/٢٤٩، والكتاب ١/٧٥، وله أو للأزرق بن طرفة بن العمرد في لسان العرب (جول)، والدر المصون ١/٦٤٩..

### الآية 2:271

> ﻿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:271]

قوله : إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ  أي تُظهرونها " فنعمَّا هي ". 
الفاء جواب الشرط، و " نِعْمَ " فعلٌ ماضٍ للمدح، نقيض بئس، وحكمها في عدم التصرف، والفاعل، واللغات حكم بئس، كما تقدَّم. 
و " مَا " في محلِّ الرفع. و " هِيَ " في محل النصب، كما تقول : نِعْمَ الرجل رجلاً، فإذا عرَّفت، رفعت فقلت : نِعْمَ الرجلُ زَيْدٌ. 
قال الزجاج[(١)](#foonote-١) :" ما " في تأويل الشيء، أي : نعم الشيء هو. 
قال أبو علي[(٢)](#foonote-٢) : الجيد في تمثيل هذا أن يقال :" ما " في تأويل شيءٍ ؛ لأن " مَا " هاهنا نكرةٌ فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن " ما " هاهنا نكرةٌ أنها لو كانت معرفةً، فلا بد لها من صلة، وليس هاهنا ما يوصل به ؛ لأن الموجود بعد " ما " هو " هي " وكلمة " هِيَ " مفردةٌ، والمفرد لا يكون صلةً ل " مَا " وإذا بطل هذا، فنقول " مَا " نصبٌ على التمييز، والتقدير : نِعْمَ شيئاً هي إبداء الصدقات، فحذف المضاف ؛ لدلالة الكلام عليه. 
وقرأ ابن عامرٍ[(٣)](#foonote-٣)، وحمزة، والكسائيُّ، هنا وفي النساء :" فَنَعِما " بفتح النون، وكسر العين، وهذه على الأصل ؛ لأنَّ الأصل على " فَعِل " كعلم، وقرى ابن كثير، وورش[(٤)](#foonote-٤)، وحفص : بكسر النون والعين، وإنما كسر النون إتباعاً لكسرة العين، وهي لغة هذيل. 
قيل : وتحتمل قراءة كسر العين أن يكون أصل العين السكون، فلمّا وقعت بعدها " ما " وأدغم ميم " نِعْم " فيها، كسرت العين ؛ لالتقاء الساكنين، وهو محتملٌ. 
وقرأ أبو عمرو[(٥)](#foonote-٥)، وقالون، وأبو بكر : بكسر النون، وإخفاء حركة العين. 
وروي عنهم الإسكان أيضاً، واختاره أبو عبيد، وحكاه لغةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - في \[ نحو \] قوله :" نِعْمَّا المالُ الصالح مع الرجلِ الصالحِ[(٦)](#foonote-٦) ". 
والجمهور على اختيار الاختلاس على الإِسكان، بل بعضهم يجعله من وهم الرواة عن أبي عمرو، وممَّن أنكره المبرد، والزجاج[(٧)](#foonote-٧) والفارسي، قالوا : لأنَّ فيه جمعاً بين ساكنين على غير حدِّهما. قال المبرد :" لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يَنْطِقَ به، وإنما يَرُومُ الجمعَ بين ساكنين فيحرِّك، ولا يَشْعُر " وقال الفارسي :" لعل أبا عمرو أخفى فظنَّه الراوي سُكُوناً ". 
وقد تقدَّم الكلام على " مَا " اللاحقة لنعم، وبئس. و " هي " مبتدأٌ ضميرٌ عائدٌ على الصدقات على حذف مضاف، أي : فنعم إبداؤها، ويجوز ألاَّ يقدَّر مضافٌ، بل يعود الضمير على " الصَّدَقَاتِ " بقصد صفة الإبداء، تقديره : فنعمَّا هي، أي : الصدقات المبداة. وجملة المدح خبرٌ عن " هي "، والرابط العموم، وهذا أولى الوجوه، وقد تقدَّم تحقيقها. 
والضمير في  وَإِن تُخْفُوهَا  يعود على الصدقات. قيل : يعود عليها لفظاً ومعنًى، وقيل : يعود عليها لفظاً لا معنًى ؛ لأنَّ المراد بالصدقات المبداة : الواجبة، وبالمخفاة : المتطوَّع بها، فيكون من باب " عِنْدِي دِرْهمٌ، ونصفُه "، أي : ونصف درهمٍ آخر ؛ وكقول القائل :\[ الوافر \]

كَأَنَّ ثِيَابَ رَاكِبِهِ بِرِيحٍ  خَرِيقٌ وَهْيَ سَاكِنَةُ الهُبُوبِ[(٨)](#foonote-٨)أي : وريحٌ أخرى ساكنة الهبوب، ولا حاجة إلى هذا في الآية. 
والفاء في قوله :" فهو " جواب الشرط، والضمير يعود على المصدر المفهوم من " تُخْفُوهَا " أي : فالإخفاء، كقوله : اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  \[ المائدة : ٨ \] و " لكم " صفةٌ لخير، فيتعلَّق بمحذوفٍ. و " خَيْر " يجوز أن يكون للتفضيل، فالمفضَّل عليه محذوف، أي : خيرٌ من إبدائها، ويجوز أن يراد به الوصف بالخيريَّة، أي : خيرٌ لكم من الخيور. 
وفي قوله :" إِن تُبْدُواْ، وَإِن تُخْفُوهَا " نوعٌ من البديع، وهو الطِّباق اللَّفظيّ. وفي قوله : وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ  طباق معنوي ؛ لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء، فكأنه قيل : إن يبد الأغنياء الصدقات، وإن يخف الأغنياء الصدقات، ويؤتوها الفقراء، فقابل الإبداء بالإخفاء لفظاً، والأغنياء بالفقراء معنًى. 
والصَّدقة : قال أهل اللغة : موضوع :" صَ دَ قَ " على هذا الترتيب للصحة، والكمال ومنه قولهم : رجلٌ صدقُ النَّظر، وصدقُ اللقاء، وصدقُوهم القتال، وفلانٌ صادق المودَّة، وهذا خلٌّ صادق الحموضة، وشيءٌ صادق الحلاوة، وصدق فلانٌ في خبره، إذا أخبر به على وجه الصِّحة كاملاً، والصَّديق يسمى صديقاً ؛ لصدقه في المودَّة، وسمِّي \[ الصَّداق صداقاً لأن \][(٩)](#foonote-٩) مقصود العقد يتمُّ به ويكمل، وسميت الزكاة صدقةً ؛ لأن المال بها يصحُّ ويكمل، فهي إمَّا سببٌ لكمال المال، وبقائه، وإما أنها يستدلُّ بها على صدق إيمان العبد، وكماله فيه. 
### فصل في بيان فضيلة صدقة السِّر


سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صدقة السرِّ أفضل أم صدقة العلانية ؟ فنزلت هذه الآية. 
 " وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ. . . " إلى أن قال :". . . ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعلم شِمَالُه ما تُنْفِقُ يَمِينُه[(١٠)](#foonote-١٠) " ". 
وقيل : الآية في صدقة التطوُّع ؛ أما الزكاة المفروضة، فالإظهار فيها أفضل ؛ حتى يقتدي الناس به ؛ كالصلاة المكتوبة في الجماعة، والنافلة في البيت أفضل. 
وقيل : الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيراً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَّا في زماننا، فالإظهار فيها أفضل ؛ حتى لا يساء به الظن. 
واعلم أنَّ الصدقة تطلق على الفرض والنَّفل ؛ قال تعالى  خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ  \[ التوبة : ١٠٣ \] وقال : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ  \[ التوبة : ٦٠ \]، " وقال - صلى الله عليه وسلم - :" نَفَقَةُ المرْءِ عَلَى عِيَالِهِ صَدَقَةٌ " [(١١)](#foonote-١١) والزكاة لا تطلق إلا على الفرض. 
قوله :" وَيُكَفِّرُ " قرأ الجمهور[(١٢)](#foonote-١٢) :" ويُكَفِّرُ " بالواو، والأعمش : بإسقاطها، والياء، وجزم الراء ؛ وفيها تخريجان :
أحدهما : أنه بدلٌ من موضع قوله : فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  ؛ لأنه جواب الشرط، كأنَّ التقدير : وإن تخفوها، يكن خيراً لكم، ويُكَفِّرْ. 
والثاني : أنه حذف حرف العطف، فتكون كالقراءة المشهورة، والتقدير :" ويُكَفِّرُ " وهذا ضعيفٌ جداً. 
وقرأ ابن كثير[(١٣)](#foonote-١٣)، وأبو عمرو، وأبو بكر : بالنون ورفع الراء، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي : بالنون وجزم الراء، وابن عامرٍ، وحفصٌ عن عاصم : بالياء ورفع الراء، والحسن[(١٤)](#foonote-١٤) : بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش أيضاً : بالياء ونصب الراء، وابن عباس :" وتُكَفِّرْ " بتاء التأنيث وجزم الراء، وعكرمة : كذلك ؛ إلا أنه فتح الفاء ؛ على ما لم يسمَّ فاعله، وابن هرمز : بالتاء ورفع الراء، وشهر بن حوشب - ورويت عن عكرمة أيضاً - : بالتاء ونصب الراء، وعن الأعمش إحدى عشرة قراءةً، والمشهور منها ثلاثٌ. 
**فمن قرأ بالياء، ففيه ثلاثة أوجه :**
أظهرها : أنه أضمر في الفعل ضمير الله تعالى ؛ لأنه هو المكفِّر حقيقةً، وتعضده قراءة النون ؛ فإنها متعيِّنةٌ له. 
والثاني : أنه يعود على الصَّرف المدلول عليه بقوة الكلام، أي : ويكفِّر صرف الصدقات. 
والثالث : أنه يعود على الإخفاء المفهوم من قوله : وَإِن تُخْفُوهَا ، ونسب التكفير للصَّرف، والإخفاء مجازاً ؛ لأنَّهما سببٌ للتكفير، وكما يجوز إسناد الفعل إلى فاعله، يجوز إسناده إلى سببه. 
ومن قرأ بالتاء ففي الفعل ضميرُ الصَّدقات، ونُسب التكفير إليها مجازاً كما تقدَّم، ومن بناه للمفعول ؛ فالفاعل هو الله تعالى، أو ما تقدَّم. 
ومن قرأ بالنون، فهي نون المتكلِّم المعظِّم نفسه. 
ومن جزم الراء ؛ فللعطف على محلِّ الجملة الواقعة جواباً للشرط ؛ ونظيره قوله تعالى : مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  \[ الأعراف : ١٨٦ \] في قراءة من جزم " وَيَذَرُهُمْ ". 
ومن رفع، فعلى ثلاثة أوجهٍ :. 
أحدها : أن يكون مستأنفاً لا موضع له من الإعراب، وتكون الواو عاطفةً جملة كلام على جملة كلام آخر. 
والثاني : أنه خبرُ مبتدأ مضمر، وذلك المبتدأ : إمَّا ضمير الله تعالى، أو الإخفاء، أي : وهو يُكفِّر ؛ فيمن قرأ بالياء، ونحن نكفِّر ؛ فيمن قرأ بالنون، أو وهي تُكَفِّر ؛ فيمن قرأ بتاء التأنيث. 
والثالث : أنه عطفٌ على محلِّ ما بعد الفاء، إذ لو وقع مضارعٌ بعدها، لكان مرفوعاً ؛ كقوله تبارك وتعالى : ومعناه وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ  \[ المائدة : ٩٥ \]، ونظيره  وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  \[ الأعراف : ١٨٦ \] في قراءة من رفع. 
ومن نصب، فعلى إضمار " أَنْ " ؛ عطفاً على مصدر متوهَّم، مأخوذ من قوله : فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ، والتقدير : وإن تخفوها يكن، أو يوجد خيرٌ لكم وتكفيرٌ. ونظيرها قراءة من نصب :" فيغفر " بعد قوله : يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ  \[ البقرة : ٢٨٤ \]، إلاَّ أنَّ تقدير المصدر في قوله :" يُحَاسِبْكُمْ " ثَمَّ أسهل منه هنا ؛ لأنَّ ثمَّة فعلاً مصرَّحاً به، وهو " يُحَاسِبْكُمْ "، والتقدير : يقع محاسبةً فغفرانٌ، بخلاف هنا، إذ لا فعل ملفوظٌ به، وإنما قدَّرنا المصدر من مجموع قوله : فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ . 
وقال الزمخشريُّ :" ومعناه : وإِنْ تُخْفُوها، يكُنْ خَيْراً لكم، وأَنْ يُكَفِّرَ " قال أبو حيَّان[(١٥)](#foonote-١٥) :" وظاهِرُ كَلاَمِهِ هذا أنَّ تقديره :" وأَنْ يُكَفِّرَ " يكون مقدَّراً بمصدر، ويكون معطوفاً على " خَيْراً " الذي هو خبر " يَكُنْ " التي قدَّرها، كأن قال : يكنِ الإخفاء خيراً لكم وتكفيراً، فيكون " أَنْ يُكَفِّرَ " في موضع نصبٍ، والذي تقرَّر عند البصريِّين : أنَّ هذا المصدر المنسبك من :" أنْ " المضمرة مع الفعل المنصوب بها، هو معطوفٌ على مصدر متوهَّم مرفوع، تقديره من المعنى. فإذا قلت :" مَا تَأْتِينَا فتحدثنا " فالتقدير : ما يكون منك إتيانٌ فحديثٌ، وكذلك :" إِنْ تَجِيءْ وتُحْسِنَ إليَّ، أُحْسِنْ إليك " التقدير : إن يكن منك مجيءٌ، وإحسانٌ أُحْسن إليك، فعلى هذا يكون التقدير : وإن تخفوها، وتؤتوها الفقراء، فيكون زيادة خير للإخفاء على خير الإبداء وتكفيرٌ ". انتهى. قال شهاب الدين : ولم أدر ما حمل الشيخ على العدول عن تقدير أبي القاسم، إلى تقديره وتطويل الكلام في ذلك ؛ مع ظهور ما بين التقديرين ؟
وقال المهدويُّ :" هو مُشَبَّهٌ بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء، لوجوب غيره كالاستفهام ". وقال ابن عطيَّة :" الجزمُ في الراء أفصحُ هذه القراءات ؛ لأنها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التكفير في الجزاء، وكونه مَشْرُوطاً إن وقع الإخفاء، وأمَّا رفع الراء، فليس فيه هذا المَعْنَى " قال أبو حيان[(١٦)](#foonote-١٦) :" ونقولُ إنَّ الرفع أبلغُ وأعمُّ ؛ لأنَّ الجزم يكون على أنَّه معطوفٌ على جواب الشرط الثاني، والرفع يدلُّ على أنَّ التكفير مترتِّبٌ من جهة المعنى على بذل الصدقات أُبْدِيَتْ، أو أُخْفيت، لأنَّا نعلم أنّ١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٦٤..
٢ - ينظر: المصدر السابق..
٣ - ينظر: السبعة ١٩٠، والكشف ١/٣١٦، والحجة ٢/٣٩٦، وحجة القراءات ١٤٦، ١٤٧، وإعراب القراءات ١/١٠٠، ١٠٢، والعنوان ٧٥، وشرح طيبة النشر ٤/١٢٨، وشرح شعلة ٣٠٢، وإتحاف ١/٤٥٥، ٤٥٦..
٤ - السابق..
٥ - السابق..
٦ - أخرجه الحاكم (٢/٢٣٦) وأحمد (٤/٢٠٢) وابن أبي شيبة (٧/١٨) والطبراني في "الأوسط" و"الكبير" وأبو يعلى كما في "المجمع" (٩/٣٥٦) وقال الهيثمي: ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وقال الذهبي صحيح..
٧ - ينظر: معاني القرآن ١/٣٥٣..
٨ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٣٨، الدر المصون ١/٦٥٠..
٩ - في ب: الصدقات لأن..
١٠ - أخرجه البخاري (٢/٢٢٦) كتاب الزكاة باب الصدقة باليمين (١٤٢٣)، (٨/١٨١) كتاب الرقاق باب البكاء من خشية الله (٦٤٧٩) ومسلم (٣/٩٣) والترمذي (٢/٦٣) وأحمد (٢/٤٣٩) والنسائي (٢/٣٠٣)..
١١ أخرجه البخاري (٥/١٩٨) كتاب المغازي باب ١٢ رقم (٤٠٠٦) والترمذي (١٩٦٥) وابن أبي شيبة (٩/١٠٦)..
١٢ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٦٦، والبحر المحيط، ٢/٣٣٨، والدر المصون ١/٦٥١ والتخريجات النحوية ١٥٠..
١٣ - انظر: السبعة ١٩١، والحجة للقراء السبعة ٢/٣٩٩، ٤٠٠، وحجة القراءات ١٤٧، والعنوان ٤٦، وإعراب القراءات ١/١٠٢، وشرح شعلة ٣٠٢، ٣٠٣، وشرح الطيبة ٤/١٣١، وإتحاف ١/٤٥٦..
١٤ - انظر هذه الروايات في:
 المحرر الوجيز ١/٣٦٦، والبحر المحيط ٢/٤٣٨، ٤٣٩، والدر المصون ١/٦٥١..
١٥ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٣٩..
١٦ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٣٩..

### الآية 2:272

> ﻿۞ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [2:272]

هذا الكلام متصلٌ بما قبله من ذكر الصدقات، كأنه بيَّن فيه جواز الصدقة على المشركين. 
قوله :" هُداهُمْ " : اسم ليس، وخبرها الجارُّ والمجرور. و " الهُدَى " مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، أي : ليس عليك أن تهديهم، ويجوز أن يكون مضافاً لفاعله، أي : ليس عليك أن يهتدوا، يعني : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء. 
وفيه طباقٌ معنويٌّ، إذ التقدير : هَدْيُ الضَّالِّين، وفي قوله : وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي  مع قوله تعالى : هُدَاهُمْ  جناسٌ مغاير ؛ لأنَّ إحدى الكلمتين اسمٌ، والأخرى فعلٌ، ومفعول  يَشَاءُ  محذوفٌ، أي : هدايته.

### فصل في بيان سبب النزول


**روي في سبب النزول وجوه :**
أحدها : أن قُتَيْلَةَ أمَّ أسماء بنت أبي بكر، أتت إليها ؛ تسألها شيئاً، وكذلك جدَّتها، وهما مشركتان ؛ فقالت : لا أُعطيكما حتى أستأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنَّكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك ؛ فنزلت هذه الآية ؛ فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تتصدق عليهما[(١)](#foonote-١). 
الثاني : كان أُناسٌ من الأنصار، لهم قرابةٌ من قريظة والنَّضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئاً ؛ فنزلت هذه الآية الكريمة[(٢)](#foonote-٢). 
الثالث : قال سعيد بن جبير : كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التصدق على المشركين ؛ كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام ؛ فنزلت الآية[(٣)](#foonote-٣) الكريمة فتصدقْ عليهم والمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى من خالفك ؛ حتى تمنعهم الصدقة ؛ لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدقْ عليهم، لوجه الله، ولا توقف ذلك على إسلامهم، والمراد بهذه الهداية هداية التوفيق، وأما هداية البيان، والدعوة، فكان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. 
وظاهر هذه الآية أنها خطابٌ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن المراد به هو، وأُمَّته ؛ ألا تراه قال : إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ  \[ البقرة : ٢٧١ \] وهذا عامٌّ، ثم قال : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ  وظاهره خاصٌّ، ثم قال بعده  وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ  وهذا عامٌّ، فيفهم من عموم ما قبل الآية الكريمة، وعموم ما بعدها : عمومها أيضاً. 
فَصْلٌ في بَيان هدايةِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ
دلَّت هذه الآية الكريمة على أن هداية الله تبارك وتعالى غير عامَّةٍ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين، لأن قوله تعالى : وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ  إثباتٌ للهداية المنفيَّة بقوله : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ  ولكنَّ المنفي بقوله تعالى : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ  هو حصول الاهتداء، على سبيل الاختيار، فكان قوله : وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ  عبارةٌ عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار، وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً بتقدير الله تعالى، وتخليقه وتكوينه ؛ وهو المطلوب. 
وحمله المعتزلة على أنه يهدي بالإثابة، والألطاف، وزيادة الهدى ؛ وهو مردودٌ بما قررناه. 
قوله : فَلأَنْفُسِكُمْ  خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي : فهو لأنفسكم شرط وجوابه، " والخَيْرُ " في هذه الآية المال ؛ لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى المال ؛ نحو قوله : خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً  \[ الفرقان : ٢٤ \] وقوله : مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  \[ الزلزلة : ٧ \] ونحوه. 
وقوله : إِلاَّ ابْتِغَاءَ  فيه وجهان :
أحدهما : أنه مفعولٌ من أجله، أي : لأجل ابتغاء وجه الله، والشروط هنا موجودةٌ. 
والثاني : أنه مصدرٌ في محلّ الحال، أي : إلاَّ مبتغين، وهو في الحالين استثناءٌ مفرَّغٌ، والمعنى : وما تنفقون نفقة معتداً بقبولها ؛ إلاَّ ابتغاء وجه \[ الله \]، أو يكون المخاطبون بهذا ناساً مخصوصين، وهم الصحابة، لأنهم كانوا كذلك، وإنما احتجنا إلى هذين التأويلين ؛ لأنَّ كثيراً ينفق لابتغاء غير وجه الله. 
قال بعض المفسرين[(٤)](#foonote-٤) : هذا جحدٌ لفظه نفيٌ، ومعناه نفيٌ، أي : لا تنفقوا إلاَّ ابتغاء وجه. 
قوله : وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ  تأكيدٌ وبيان ؛ كقوله : وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ . 
وقوله : يُوَفَّ إِلَيْكُمْ  جواب الشرط، وقد تقدَّم أنه يقال :" وَفَّى " بالتشديد و " وَفَى " بالتخفيف و " أَوْفَى " رباعياً. 
وإنما حسن قوله :" إِلَيْكُمْ " مع التوفية ؛ لأنها تضمَّنت معنى التَّأدية، ومعناه[(٥)](#foonote-٥) يوفّ لكم جزاؤه في الآخرة. 
وقوله : وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ  جملةٌ من مبتدأ، وخبرٍ : في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير في " إِلَيْكُمْ "، والعامل فيها " يُوَفَّ "، وهي تشبه الحال المؤكِّدة ؛ لأنَّ معناها مفهومٌ من قوله :" يُوَفَّ إِلَيْكُم " ؛ لأنهم إذا وفُّوا حقوقهم، لم يظلموا. ويجوز أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب، أخبرهم فيها أنه لا يقع عليهم ظلمٌ، فيندرج فيه توفية أجورهم ؛ بسبب إنفاقهم في طاعة الله تعالى، اندراجاً أوَّلياً. 
### فصل في المراد من الآية


**في معنى الآية وجوه :**
الأول : أن معناه : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين لا تقصدون إلاَّ وجه الله تعالى، وقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله تعالى في صلة رحم، وسدِّ خلَّة مضطر، وليس عليكم اهتداؤهم، حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم. 
الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبراً، إلاَّ أن معناه النهي، أي : ولا تنفقوا إلاَّ ابتغاء وجه الله وورود الخبر بمعنى الأمر، والنهي كثير ؛ قال تعالى :
 وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ  \[ البقرة : ٢٣٣ \]  وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ  \[ البقرة : ٢٢٨ \]. 
الثالث : معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح ؛ حتى تبتغوا بذلك وجه الله. 
فصل في ذكر الوجه في قوله  إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ 
إذا قلت : فعلته : لوجه زيدٍ، فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته له ؛ لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، وإذا قلت : فعلت هذا الفعل له، فيحتمل أن يقال فعلته له ولغيره، أما إذا قلت : فعلت هذا الفعل لوجهه، فهذا يدل على أنَّك فعلت هذا الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركةٌ. 
### فصل في بيان عدم صرف الزكاة لغير المسلم


أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير مسلم ؛ فتكون هذه الآية مختصةً بصدقة التطوع، وجوّز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره ؛ وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق الله، لكان لك ثواب نفقتك. 
١ - انظر: تفسير الفخر الرازي (٧/٦٧).
٢ - انظر: المصدر السابق..
٣ - انظر: المصدر السابق..
٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٥٨..
٥ - في ب: ومعنى..

### الآية 2:273

> ﻿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:273]

قوله تعالى : لِلْفُقَرَاءِ  الآية : في تعلُّق هذا الجارِّ خمسة أوجهٍ :
أحدها :- وهو الظاهر - أنه متعلِّق بفعل مقدرٍ، يدلُّ عليه سياق الكلام، واختلفت عبارات المعربين فيه، فقال مكي[(١)](#foonote-١) - ولم يذكر غيره - :" أَعْطُوا لِلْفقراءِ "، وفي هذا نظرٌ ؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى، ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل : إمَّا بتقدُّم معموله كقوله تعالى : لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ  \[ يوسف : ٤٣ \]، وإمَّا لكونه فرعاً ؛ نحو قوله تعالى : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ  \[ هود : ١٠٧ \] ويبعد أن يقال : لمَّا أُضمر العامل، ضعف ؛ فقوي باللام، على أنَّ بعضهم يجيز ذلك، وإن لم يضعف العامل، وجعل منه  رَدِفَ لَكُم  \[ النمل : ٧٢ \]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقدَّره أبو البقاء[(٢)](#foonote-٢) :" اعْجَبُوا لِلْفُقَرَاءِ " وفيه نظرٌ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب. وقدَّره الزمخشريُّ :" اعْمدُوا، أو اجعلوا ما تُنْفقون للفقراء " والأحسن من ذلك ما قدَّره مكي، لكن فيه ما تقدَّم. 
الثاني : أنَّ هذا الجارَّ خبر مبتدأ محذوف، تقديره : الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء، وهو في المعنى جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأنهم لما حثُّوا على الصدقات، قالوا : فلمن هي ؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء، وفيها بيان مصرف الصَّدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري. 
قال ابن الخطيب[(٣)](#foonote-٣) : لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق، قال بعدها " لِلْفُقَرَاءِ " أي : ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل، فتقول : عاقلٌ لبيبٌ، والمعنى : أن ذلك الذي مرَّ وصفه عاقلٌ لبيبٌ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس يجعلون فيه الذهب، والفضَّة : ألفان، أو مائتان، أي : ذلك الذي في الكيس ألفان، أو مائتان. 
وأنشد ابن الأنباري :\[ الرجز \]
تَسْأَلُنِي عَنْ زَوْجِهَا أَيُّ فَتَى \*\*\* خبٌّ جَرُوزٌ وَإِذَا جَاعَ بَكَى[(٤)](#foonote-٤)
يريد : هو خبٌّ. 
الثالث : أنَّ اللام تتعلَّق بقوله تعالى : إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ  \[ البقرة : ٢٧١ \] وهو مذهب القفَّال، واستبعده الناس ؛ لكثرة الفواصل. 
الرابع : أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى : وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ  وفي هذا نظرٌ ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب، فيصير نظير قولك : مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صرَّح الواحديُّ بالمنع من ذلك، معلِّلاً بما ذكرناه، فقال : وَلاَ يجوزُ أن يكون العاملُ في هذه اللام " تنفقوا " الأخير في الآية المتقدمة الكريمة ؛ لأنه لا يفصل بين العامل، والمعمول بما ليس منه، كما لا يجوز :" كانَتْ زَيْداً الحُمَّى تأخُذُ ". 
الخامس : أنَّ " للفقراء " بدلٌ من قوله :" فلأَنْفُسِكُمْ "، وهذا مردودٌ ؛ قال الواحدي، وغيره :" لأنَّ بدل الشيء من غيره، لا يكون إلا والمعنى مشتملٌ عليه، وليس كذلك ذكر النفس هاهنا ؛ لأنَّ الإنفاق من حيث هو عائدٌ عليها، وللفقراء من حيث هو واصلٌ إليهم، وليس من باب  وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  \[ آل عمران : ٩٧ \] ؛ لأنَّ الأمر لازمٌ للمستطيع خاصةً " قال شهاب الدين رحمه الله تعالى : يعني أنَّ الفقراء ليست هي الأنفس، ولا جزاءً منها، ولا مشتملةً عليها، وكأن القائل بذلك توهَّم أنه من باب قوله تعالى : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ  \[ النساء : ٢٩ \] في أحد التأويلين. 
والفقير : قيل : أصله من " فَقَرَتْه الفَاقِرَةُ "، أي : كسرت فقرات ظهره الداهية. قال الراغب[(٥)](#foonote-٥) : وأصل الفقير : هو المكسُورُ الفقار، يقال :" فَقَرَتْه الفاقرةُ " أي : الداهية تكسر الفقار، و " أَفْقَرَكَ الصَّيْدُ \[ فَارْمِهِ " \] أي أمكنك من فقاره، وقيل : هو من الفُقرة، أي : الحفرة، ومنه قيل لكلِّ حفرةٍ يجتمع فيها الماء، فقيرٌ : وفقرت للفسيل : حفرت له حفرة ؛ غرسته فيها ؛ قال :\[ السريع أو الرجز \]
مَا لَيْلَةُ الفَقِيرِ إِلاَّ شَيْطَانْ[(٦)](#foonote-٦) \*\*\*. . . 
قيل : هو اسم بئر، وفقرت الخرز : ثقبته. 
وقال الهروي : يقال " فَقَره " إذا أصاب فقار ظهره، نحو : رَأَسَهُ، أي : أصاب رأسه، وبَطَنَهُ، أي : أصاب بطنه. وقال الأصمعي :" الفقر : أن يحزَّ أنف البعير، حتى يخلص الحزُّ إلى العظم، ثم يلوي عليه جريراً يذلَّل به الصَّعب من الإبل، ومنه قيل : عمل به الفاقرة ". والفقرات - بكسر الفاء، وفتح القاف - : جمع فقرة : الأمور العظام، ومنه حديث السَّعي :" فِقَراتُ ابن آدَم ثلاثٌ : يَوْمَ وُلِد، ويومَ يَمُوتُ، ويومَ يُبْعَثُ ". والفقر - بضم الفاء، وفتح القاف - : جمع فقرة ؛ وهي الحزُّ، وخرم الخطم، ومنه قول أبي زيادٍ :" يُفْقَرُ الصَّعْبُ ثلاثَ فُقَرٍ في خطْمِه " ومنه حديث سعدٍ :" فَأَشَارَ إلى فُقَرٍ في أنْفِهِ "، أي : شقٍّ، وحزٍّ. وقد تقدَّم الكلام في الإحصار عند قوله :" فإن أحصرتم ". 
قوله :" فِي سَبِيلِ " في هذا الجار وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق بالفعل قبله ؛ فيكون ظرفاً له. 
والثاني : أن يكون متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من مرفوع " أُحصروا "، أي : مستقرين في سبيل الله. وقدَّره أبو البقاء[(٧)](#foonote-٧) بمجاهدين في سبيل الله، فهو تفسير معنًى لا إعراب ؛ لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّق إلا بالكون المطلق.

### فصل في بيان سبب النزول


نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائةٍ، وهم أصحاب الصُّفَّة، لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد ؛ يتعلمون القرآن الكريم، ويرضخون النوى بالنهار ويخرجون في كل سريَّةٍ يبعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحث الله عليهم الناس ؛ فكان من عنده فضلٌ أتاهم به، إذا أمسى[(٨)](#foonote-٨). 
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم، وجهدهم ؛ فطيَّب قلوبهم، فقال :" أَبْشِرُوا يَا أَصْحَابَ الصُّفَّةِ فإنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللهَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى النَّعْتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ رَاضِياً بِمَا فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْ رُفَقَائِي[(٩)](#foonote-٩) " 
واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفاتٍ :
الأولى : قوله : الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ  والإحصار : أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره من مرضٍ، أو كسرٍ، أو عدوٍّ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال : أحصر الرجل : فهو محصرٌ، وفي معنى هذا الإحصار، وجوه :
الأول : أنَّهم حصروا أنفسهم، ووقفوها على الجهاد ؛ لأن قوله : فِي سَبِيلِ اللهِ  مختصٌّ بالجهاد في عرف القرآن. 
الثاني : قال قتادة - رحمه الله - وابن زيد : منعو أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش ؛ خوف العدوِّ[(١٠)](#foonote-١٠) ؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم، قتلوهم[(١١)](#foonote-١١). 
الثالث : قال سعيد بن جبير ؛ وهو اختيار الكسائي : إنَّ هؤلاء القوم أصابتهم جراحاتٌ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض، والزمانة عن الضَّرب في الأرض[(١٢)](#foonote-١٢). 
الرابع : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هؤلاء القوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله[(١٣)](#foonote-١٣). 
الصفة الثانية : قوله تعالى : لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ  في هذه الجملة احتمالان :
أظهرهما : أنها حالٌ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنه " الفقراء "، وثانيهما : أنه مرفوع " أُحْصِرُوا ". 
والاحتمال الثاني : أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب ؛ و " ضَرْباً " مفعولٌ به، وهو هنا السفر للتجارة ؛ قال :\[ الوافر \]
لَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ مِنْ بَقَاهُ \*\*\* وَضَرْبٌ في البِلاَدِ بِغَيْرِ زَادِ[(١٤)](#foonote-١٤)
ويقال : ضَرَبْتُ في الأَرْضِ ضَرْباً، ومَضْرِباً، أي : سرتُ. 
### فصل في بيان عدم الاستطاعة في الآية


عدم استطاعتهم : إمَّا أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدِّين، بأمر الجهاد ؛ فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإمَّا لخوفهم من الأعداء، وإمَّا لمرضهم، وعجزهم ؛ وعلى جميع الوجوه فلا شكَّ في احتياجهم إلى من يعينهم. 
الصفة الثالثة : قوله :" يَحْسَبُهم " يجوز في هذه الجملة ما جاز فيما قبلها من الحالية والاستئناف، وكذلك ما بعدها. 
 " يَحْسَبُهُمْ " هو الظَّنُّ، أي : إنّهم من الانقباض، وترك المسألة، والتوكل على الله، بحيث يظنهم الجاهل أغنياء. 
وقرأ ابن عامرٍ[(١٥)](#foonote-١٥)، وعاصمٌ، وحمزة :" يَحْسَبُ " - حيث ورد - بفتح السين، والباقون : بكسرها. فأمَّا القراءة الأولى ؛ فجاءت على القياس ؛ لأنَّ قياس فعل - بكسر العين - يفعل بفتحها لتتخالف الحركتان فيخفَّ اللفظ، وهي لغة تميم، والكسر لغة الحجاز، وبها قرأ رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، وقد شذَّت ألفاظٌ أخر ؛ جاءت في الماضي، والمضارع بكسر العين منها : نَعِم يَنْعِم، وبَئِس يَبْئِسُ، ويَئِسَ يَيْئِس، ويَبِس يَيْبِس من اليُبوسة، وعَمِد يَعْمِد، وقياسها كلُّها الفتح، واللغتان فصيحتان في الاستعمال، والقارئ بلغة الكسر اثنان من كبار النحاة : أبو عمرو - وكفى به -، والكسائي، وقارئا الحرمين : نافع، وابن كثير. 
والجاهل هنا : اسم جنس لا يراد به واحدٌ بعينه. 
ولم يرد - هنا - به الجهل الذي هو ضدّ العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ضدُّ الاختبار، يقول : يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء، و " أغنياءَ " هو المفعول الثاني. 
قوله :" من التَّعَفُّفِ " في " مِنْ " هذه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها سببيةٌ، أيك سَبَبُ حُسْبَانِهم أغنياء تعفُّفهم، فهو مفعولٌ من أجله، وجرُّه بحرف السبب هنا واجبٌ، لفقد شرطٍ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، وذلك أنَّ فاعل الحسبان الجاهل، وفاعل التعفُّف هم الفقراء، ولو كان هذا المفعول له مستكملاً لشروط النصب، لكان الأحسن جرَّه بالحرف ؛ لأنه معرَّفٌ بأل، وقد تقدَّم أنَّ جرَّ هذا النوع أحسن من نصبه ؛ نحو : جئت للإكرام، وقد جاء نصبه ؛ قال القائل :\[ الرجز \]
لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ \*\*\* وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ[(١٦)](#foonote-١٦)
والثاني : أنها لابتداء الغاية، والمعنى أنَّ محسبة الجاهل غناهم، نشأت من تعفُّفهم ؛ لأنه لا يحسب غناهم غنى تعففٍ، إنما يحسبه غنى مالٍ، فقد نشأت محسبته من تعفُّفهم، وهذا على أنَّ تعفُّفهم تعففٌ تام. 
والثالث : أنها لبيان الجنس، وإليه نحا ابن عطية، قال : يكون التعففُ داخلاً في المحسبة، أي : إنه لا يظهر لهم سؤالٌ، بل هو قليلٌ، فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه، ف " مِنْ " لبيان الجنس على هذا التأويل. 
قال أبو حيَّان :" وليس ما قالَه مِنْ أنَّ " مِنْ " هذه في هذا المعنى وهو أن تتقدَّر " مِنْ " بموصولٍ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف ؛ كقوله تعالى : فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ  \[ الحج : ٣٠ \] يصح أن يقال : الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا :" يَحْسَبُهُم الجَاهِلُ أغنياء الَّذِي هُوَ التَّعفف " لم يصحَّ هذا التقدير ؛ وكأنه سمَّى الجهة ١ - ينظر: المشكل ١/١١٥..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٧٠..
٤ - البيت للشماخ: ينظر ديوانه (١٠٧)، المحتسب ١/٦٠، الدر المصون ١/٦٥٤..
٥ - ينظر: المفردات للراغب ٣٩٧..
٦ - البيت للجليخ. ينظر المفردات للراغب (٥٧٧)، الدر المصون ١/٦٥٤، جمهرة ابن دريد ٢/٧٨٤..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٨ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٧/٧٠)..
٩ - أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/٢٧٧) وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٦٥٧٧) وعزاه للخطيب في تاريخه..
١٠ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٩٣) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٣٣) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١١ - في ب: المعدوم..
١٢ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٣٣) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
١٣ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٧/٧٠)..
١٤ - ينظر: الدر المصون ١/٦٥٥..
١٥ - انظر: السبعة ١٩١، والكشف ١/٣١، وحجة القراءات ١٤٨، والحجة ٢/٤٠٢، والعنوان ٧٦، وإعراب القراءات ١/١٠٣، وشرح شعلة ٣٠٣، وشرح الطيبة ٤/١٣١-١٣٣ وإتحاف ١/٤٥٧..
١٦ - تقدم برقم (٢٥٢)..

### الآية 2:274

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:274]

قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ  : مبتدأٌ، وخبره الجملة من قوله : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ  ودخلت الفاء ؛ لما تضمَّنه الموصول من معنى الشرط. وقال ابن عطية رحمه الله :" وإنما يوجد الشَّبه - يعني بين الموصول، واسم الشرط - إذا كان الموصول موصولاً بفعل، وإذا لم يدخل على الموصول عاملٌ يغيِّر معناه ". قال أبو حيَّان[(١)](#foonote-١) - رحمه الله - :" فَحَصر الشَّبه فيما إذا كان " الَّذِي " موصولاً بفعل، وهذا كلامٌ غير محرَّرٍ، أمَّا قوله :" الَّذِي " فلا يختصُّ ذلك ب " الذي "، بل كلُّ ما كان موصولاً غير الألف واللام، حكمه حكم الذي " بلا خلافٍ، وفي الألف واللام خلاف، ومذهب سيبويه[(٢)](#foonote-٢) المنع من دخول الفاء. 
الثاني : قوله " مَوْصولاً بفعل " فأطلق الفعل واقتصر عليه، وليس كذلك، بل شرط الفعل أن يصلح لمباشرة أداة الشرط، فلو قلت : الذي سَيَأْتِيني، أو لمَّا يأتيني، أو ما يأتيني، أو ليس يأتيني - فله درهمٌ - لم يجز شيءٌ من ذلك ؛ لأنَّ أداة الشرط لا يصلح أن تدخل على شيءٍ من ذلك، وأمَّا الاقتصار على الفعل، فليس كذلك ؛ بل الظرف والجارُّ والمجرور في الوصل كذلك، متى كان شيءٌ منهما صلةً لموصول، جاز دخول الفاء. 
وقوله :" وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ على " الَّذي " عاملٌ يغيِّر معناه " عبارةٌ غير ملخَّصةٍ ؛ لأن العامل لا يغيِّر معنى الموصول، إنما يغيِّر معنى الابتداء، بأن يصيِّره تمنِّياً، أو ترجِّياً، أو ظناً، نحو : لعل الذي يأتضيني، أو ليت الذي يأتيني، أو ظننت الذي يأتيني - فله درهمٌ، لا يجوز دخول الفاء لتغيُّر معنى الابتداء. 
وكان ينبغي له - أيضاً - أن يقول :" بِشَرْطِ أَنْ يكونَ الخبرُ مستحِقاً بالصلةِ ؛ كالآية الكريمة ؛ لأنَّ ترتُّبَ الأجرِ إنما هو على الإِنْفاقِ ". 
وقول الشيخ أيضاً :" بل كلُّ مَوْصُولٍ " ليس الحكم - أيضاً - مقتصراً على كلِّ موصولٍ، بل كلُّ نكرةٍ موصوفةٍ بما يجوز أن يكون صلةً مجوِّزةً لدخول الفاء، أو ما أُضيف إلى تلك النكرة، أو إلى ذلك الموصول، أو الموصوف بالموصول - حكمه كذلك. وقد تقدمت المسألة.

### فصل في بيان سبب النُّزول


**في سبب النزول وجوه :**
الأول : لما نزل قوله تعالى : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ  \[ البقرة : ٢٧٣ \]، بعث عبد الرَّحمن بن عوف بدنانير كثيرةٍ إلى أصحاب الصُّفة، وبعث عليٌّ - كرم الله وجهه - بوسق تمرٍ ليلاً ؛ فكان أحبَّ الصَّدقتين إلى الله تعالى، صدقه عليٍّ ؛ فنزلت الآية. 
وقدَّم الله تعالى ذكر الليل ؛ ليعرف أنَّ صدقة اللَّيل كانت أكمل، رواه الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاسٍ[(٣)](#foonote-٣). 
الثاني : روى مجاهدٌ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : نزلت هذه الآية في عليٍّ - رضي الله عنه - كان عنده أربعة دراهم، لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً وبدرهم علانيةً ؛ فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام - :" مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ " فقال : أن أستوجب ما وعدني ربِّي، فقال :" لَكَ ذَلِكَ[(٤)](#foonote-٤) ". 
الثالث : قال الزَّمخشريُّ نزلن في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين تصدَّق بأربعين ألف دينار : عشرةٌ باللَّيل، وعشرةٌ بالنهار، وعشرةٌ في السِّرِّ، وعشرة في العلانية. 
الرابع : قال أبو أمامة، وأبو الدَّرداء، ومكحولٌ، والأوزاعي : نزلت هذه الآية الكريمة في الذين يربطون الخيل للجهاد ؛ فإنها تعتلف ليلاً ونهاراً، وسراً وعلانية، فكان أبو هريرة - رضي الله عنه - إذا مرَّ بفرسٍ سمين، قرأ هذه الآية[(٥)](#foonote-٥). 
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" مَنِ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللهِ إيمَاناً، وتَصْدِيقاً بوعدِهِ، فإنَّ شِبَعَهُ وريَّه ورَوْثَهُ، وبَوْلَهُ في ميزانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ[(٦)](#foonote-٦) ". 
الخامس : أن الآية الكريمة عامةٌ في الذين يعمون الأوقات، والأحوال بالصدقة، تحريضاً لهم على الخير. 
وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السِّرِّ أفضل ؛ لأنه قدم اللَّيل على النهار، والسر على العلانية في الذكر، وتقدم نظير هذه الآية ؛ ومدلولها، وهو مشروطٌ عند الكل بألاَّ يحصل عقيبه الكفر، وعند المعتزلة ألاَّ يحصل عقيبه كبيرةٌ محبطةٌ. 
١ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٤٤-٣٤٥..
٢ - ينظر الكتاب ١/٧٢-٧٣..
٣ - انظر: تفسير الفخر الرازي (٧/٧٣) و"البحر المحيط" (٢/٣٣٤) لأبي حيان..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٩٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٤٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وانظر غرائب النيسابوري (٣/٧٤) وأسباب النزول للواحدي (٦٤) وفتح القدير (١/٢٩٤)..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٥٩٦) عن أبي الدرداء وأخرجه ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي كما في "الدر المنثور" (١/٦٤١). وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي من طريق حنش الصنعاني عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (١/٦٤١).
 وانظر تفسير ابن كثير (١/٤٨٢) والقرطبي (٣/٢٢٤)..
٦ - أخرجه البخاري (٤/٩٠) كتاب الجهاد والسير باب الجهاد ماض-الخ رقم (٢٨٥٣) والنسائي (٦/٢٢٥) وأحمد (٢/٣٧٤) والحاكم (٢/٩٢) والبغوي في "تفسيره" (١/٢٩٦) وفي "شرح السنة" (١٠/٣٨٨) والبيهقي (١٠/١٦) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/٢٧٤)..

### الآية 2:275

> ﻿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:275]

" الرِّبَا " في اللُّغة[(١)](#foonote-١) : عبارةٌ عن الزِّيادة ؛ يقال ربا الشيء يربو ربواً، ومنه قوله : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ  \[ الحج : ٥ \]، أي زادت، وأربى الرَّجل : إذا عامل في الربا، ومنه الحديث " مَنْ أَجْبَى فَقَدْ أَرْبَى "، أي : عامل بالرِّبا، والإجباء : بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه[(٢)](#foonote-٢). 
والمادة تدلُّ على الزيادة والارتفاع، ومنه الرَّبوة. وقال حاتم الطائيُّ يصف رمحاً :\[ الطويل \]
وَأَسْمَرَ خَطِّيًّا كَأَنَّ كُعُوبَهُ \*\*\* نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْبَى ذِرَاعاً عَلَى العُشْرِ[(٣)](#foonote-٣)
والرِّبا : لامه واوٌ ؛ لقولهم : ربا يربو ؛ فلذلك يثنَّى بالواو، ويكتب بالألف. وجوَّز الكوفيُّون تثنيته بالياء، وكذلك كتابته، قالوا : لكسر أوَّله، ولذلك أمالوه، وليس هذا مختصّاً بمكسور الأول، بل الثُّلاثيُّ من ذوات الواو، المكسور الأول، أو المضمومه ؛ نحو :" رِبا "، و " عُلا " حكمه ما ذكرته عنهم، فأمَّا المفتوح الأول نحو : عصا، وقفا، فلم يخالفوا البصريين، وكتب في القرآن بخطِّ الصحابة بواوٍ بعدها ألفٌ. 
وقيل : إنما بالواو ؛ لأنَّ أهل الحجاز تعلَّموا الخطَّ من أهل الحيرة، وأهل الحيرة يقولون :" الرِّبَوا " بالواو، فكتبوها كذلك، ونقلها أهل الحجاز كذلك ؛ خطّاً لا لفظاً. 
قرأ العدويُّ :" الرِّبَو " كذلك بواوٍ خالصةٍ بعد فتحة الباء[(٤)](#foonote-٤). فقيل : هذا القارئ أَجرى الوصل مجرى الوقف، وذلك أنَّ من العرب من يقلب ألف المقصور واواً ؛ فيقول : هذه أفعو، وهذا من ذاك، إلاَّ أنه أجْرَى الوصل مُجْرى الوقف. 
وقد حكى أبو زيدٍ ما هو أغرب من ذلك، فقال :" قرأ بعضهم[(٥)](#foonote-٥) بكسر الراء، وضمِّ الباء، وواو بعدها "، ونسب هذه للغلط ؛ وذلك لأنَّ العرب لا يبقى واواً بعد ضمة في الأسماء المعربة، بل إذا وجد ذلك، لم يقرَّ على حاله، بل تقلب الضَّمَّة كسرةً، والواو ياءً، نحو : دلوٍ وأدلٍ، وجروٍ وأَجْرٍ ؛ وأنشد أبو عليّ :\[ البسيط \]
لَيْثٌ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عِنْدَ خِيسَتِهِ \*\*\* بِالرَّقْمَتَيْنِ لَهُ أَجْرٍ وأَعْرَاسُ[(٦)](#foonote-٦)
ونهاية ما قيل فيها : أنَّ قارئها قلب الألف واواً ؛ كقولهم في الوقف : أَفْعَو، ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك، قيل : ولم يضبط الرَّاوي عنه ما سمع ؛ فظنَّه بضمِّ الباء ؛ لأجل الواو ؛ فنقلها كذلك، وليت الناس أخلوا تصانيفهم من مثل هذه القراءات التي لو سمعها العامة لمجُّوها، ومن تعاليلها، ولكن صار التارك لها، يعده بعضهم جاهلاً بالاطِّلاع عليها. 
ويقال : رِبا ورِما، بإبدال بائه ميماً ؛ كما قالوا : كثم في كثب. والألف واللام في " الرِّبا " : يجوز أن تكون للعهد، إذ المراد الرِّبا الشرعيُّ، ويجوز أن تكون لتعريف الجنس.

### فصل في وجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها


اعلم أنَّ بين الصدقة، والرِّبا مناسبةٌ من جهة التضادِّ ؛ لأن الصدقة عبارةٌ عن تنقيص المال بسبب أمر الله تبارك وتعالى بذلك ؛ والرِّبا عبارةٌ عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله - سبحانه وتعالى - عنه، فكانا كالمتضادَّين، ولهذا قال تعالى : يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ  \[ البقرة : ٢٧٦ \] فلما حصلت المناسبة بينهما من هذا النوع، ذكر حكم الربا عقيب حكم الصدقات، وخصَّ الأكل ؛ لأنه معظم الأمر ؛ كقوله : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً  \[ النساء : ١٠ \] فنبَّه بالأَكل على ما سواه من وجوه الإتلافات، ولأنَّ نفس الرِّبا الذي هو الزيادة لا يؤكل، وإنما يصرف في المأكول، وقال - صلى الله عليه وسلم - :" لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه وشاهده وكَاتِبَهُ، والمحلِّلَ لَهُ[(٧)](#foonote-٧) " فعلمنا أنَّ الحرمة غير مختصة بالأكل. 
### فصل في تقسيم الرِّبا


الرِّبا قسمان : ربا النَّسيئة، وربا الفضل. 
أمَّا ربا النسيئة، فهو الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهليَّة، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلَّ شهرٍ قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلَّ الدَّين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا[(٨)](#foonote-٨) في الحقِّ والأجل، فهذا هو الرِّبا الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية. 
وأمَّا " ربا الفضل " فهو أن يباع منٌّ من الحنطة بمنوين منها، أو ما أشبه ذلك. 
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان لا يحرِّم إلاَّ القسم الأول، فكان يقول لا ربا إلاَّ في النَّسيئة، وكان يجوِّز ربا الفضل ؛ فقال له أبو سعيدٍ الخدريّ : أشهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم نسمع ! ثمَّ روى له الحديث المشهور في هذا الباب، ثم قال أبو سعيدٍ : لا أواني وإيَّاك ظلُّ بيتٍ، ما دمت على هذا. 
ثمَّ روي أنه رجع عنه. 
قال محمد بن سيرين : كنَّا في بيتٍ، ومعنا عكرمة، فقال رجلٌ : يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلانٍ، ومعنا ابن عباس فقال : إنما كنت استحللت الصرف برأيي، ثم بلغني أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرَّمه، فاشهدوا أنِّي حرمته، وبرئت منه إلى الله. 
وحجَّة ابن عباس أنَّ قوله : وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ  يتناول بيع الدرهم بالدِّرهمين نقداً ؛ وقوله : وَحَرَّمَ الرِّبَا  \[ لا يتناوله ؛ لأن الرِّبا عبارةٌ عن الزيادة، وليست كلُّ زيادةٍ محرمةً ؛ بل قوله  وَحَرَّمَ الرِّبَا [(٩)](#foonote-٩) \] إنما يتناول العقد المخصوص المسمَّى فيما بينهم رباً، وذلك هو ربا النَّسيئة، فكان ذلك مخصوصاً بالنَّسيئة ؛ فثبت أنَّ قوله  وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ  يتناول ربا الفضل، وقوله : وَحَرَّمَ الرِّبَا  لا يتناوله ؛ فوجب أن يبقى على الحلِّ ولا يمكنه أن يقال إنما يحرمه بالحديث ؛ لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد، وهو غير جائزٍ وهذا هو عرف ابن عباسٍ، وحقيقته راجعةٌ إلى أنَّ تخصيص القرآن بخبر الواحد : هل يجوز أم لا ؟
وأمَّا جمهور العلماء، فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أمَّا القسم الأوَّل، ربا النَّسيئة فبالقرآن، وأمَّا ربا الفضل، فبالخبر، ثم إن الخبر دلَّ على حرمة ربا الفضل في الأشياء الستة، ثم اختلفوا. فقال جمهور الفقهاء[(١٠)](#foonote-١٠) : حرمة ربا الفضل غير مقصورةٍ على هذه النسيئة ؛ بل ثابتةٌ في غيرها بالعلَّة الجامعة وقال نفاةُ القياس : بل الحرمة مقصورة عليها. 
### فصل في سبب تحريم الربا


**ذكروا في سبب تحريم الرِّبا وجوهاً :**
أحدها : أنه يُفضي إلى أخد الإنسان مال غيره من غير عوضٍ ؛ لأنه إذا باع الدِّرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئةً، فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض ومال الإنسان له حرمةٌ عظيمةٌ، قال - صلى الله عليه وسلم - :" حُرْمَةُ مَالِ المسلمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ[(١١)](#foonote-١١) " ؛ فكان أخذ ماله بغير عوض محرَّماً. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكونَ لبقاء رأس المال في يده مدَّةً مديدةً عوضاً عن الدِّرهم الزَّائد ؟ لأنَّ رأس المال لو بقي في يد مالكه، لتمكّن من التجارة به، والربح، فلمَّا تركه في يد المديون، وانتفع المديون به، لم يبعد أن يدفع إلى ربِّ المال ذلك الدرهم الزَّائد ؛ عوضاً عن انتفاعه بماله. 
فالجواب أنَّ هذا الانتفاع المذكور أمرٌ موهومٌ قد يحصل له منه كسبٌ، وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمرٌ متيقنٌ فتفويت المتيقن لأجل أمر موهوم، لا ينفكُّ عن نوع ضرر. 
وثانيها : أنَّ الرِّبا يمنع النَّاس عن الاشتغال بالمكاسب ؛ لأنه إذا حصّل الدرهم بالربا، فلا يكاد يحتمل مشقَّة التَّكسُّب بالتجارة، والصناعة، فيفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أنَّ \[ مصالح العالم \][(١٢)](#foonote-١٢) لا تنتظم إلاَّ بالتجارات، والعمارات، والحرف، والصِّناعات. 
وثالثها : أنَّ الربا يفضي[(١٣)](#foonote-١٣) إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض ؛ لأن الرِّبا إذا حرم، طابت النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله، ولو حلَّ الربا، لكانت حاجة المحتاج تحمله حاجته على أخذ الدرهم بالدرهمين، فيفضي ذلك إلى قطع المواساة، والمعروف، والإحسان. 
ورابعها : أنَّ الغالب أنَّ المقرض يكون غنيّاً، والمستقرض يكون فقيراً، فالقول بتجويز الرِّبا تمكينٌ للغني من أن يأخذ من الفقير الضَّعيف مالاً زائداً[(١٤)](#foonote-١٤)، وهو غير جائزٍ برحمة الرَّحيم. 
وخامسها : أنَّه غير معقولٍ المعنى. 
قوله :" لاَ يَقُومُونَ " الظَّاهر أنَّها خبر الموصول المتقدِّم، وقال بعضهم : إنها حالٌ، وهو سهوٌ، وقد يتكلَّف تصحيحه بأن يضمر الخبر ؛ كقراءة من قرأ  وَنَحْنُ عُصْبَةٌ  \[ يوسف : ٨ \] ؛ وقوله :\[ الطويل \]
. . . لاَ أَنَا بَاغِيَا \*\*\*. . . [(١٥)](#foonote-١٥)
في أحد الوجهين. 
والمراد القيام يوم القيامة أو من القبور. 
قوله : إِلاَّ كَمَا يَقُومُ  فيه الوجهان المشهوران وهما :
النصب على النعت ؛ لمصدر محذوف، أي : لا يقومون إلا قياماً مثل قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو المشهور عند المعربين. 
أو النصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المقدَّر، أي : لا يقومونه، أي : القيام إلاَّ مشبهاً قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو رأي سيبويه[(١٦)](#foonote-١٦)، وقد قدَّمت تحقيقهما. 
و " ما " الظاهر أنها مصدريةٌ، أي : كقيام. وجوَّز بعضهم أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، والتقدير : إلا كالقيام الذي يقومه الذي يتخبَّطه الشيطان، وهو بعيدٌ. 
و " يتخبَّطه " يتفعَّله، وهو بمعنى المجرد أي يخبطه ؛ فهو مثل : تعدَّى الشيء وعداه فهو تفعَّل بمعنى فعل، نحو تقسَّمه : بمعنى قسمه، وتقطَّعه : بمعنى قطعه. ومعنى ذلك مأخوذٌ من خبط البعير بأخفافه : إذا ضرب بها الأرض. ويقال : فلانٌ يخبط خبط عشواء ؛ قال علقمة :\[ الطويل \]
وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ \*\*\* فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ[(١٧)](#foonote-١٧)
وقال زهير :\[ الطويل \]
رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ \*\*\* تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِئ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ[(١٨)](#foonote-١٨)
والتخبط معناه : الضَّرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه، إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير الأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان، إذا مسَّه بخبلٍ، أو جنونٍ ؛ لأنه كالضَّرب على غير استواء في الإدهاش. 
قوله :" مِنَ الْمَسِّ " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلقٌ بيتخبَّطه من جهة الجنون، فيكون في موضع نصبٍ، قاله أبو البقاء[(١٩)](#foonote-١٩). 
الثاني : أنه يتعلَّق بقوله تبارك وتعالى : لاَ يَقُومُونَ ، أي : لا يقومون من المسِّ الذي بهم، إلا كما يقوم المصروع. 
الثالث : أنه يتعلَّق بقوله :" يَقومُ "، أي : كما يقوم المصروع من جنونه ؛ ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشريُّ. 
قال أبو حيَّان[(٢٠)](#foonote-٢٠) : وكان قدَّم في شرح المسِّ أنه الجنون، وهذا الذي ذهب إليه في تعلُّق " مِنَ المَسِّ " بقوله :" لاَ يَقُومُونَ " ضعيفٌ ؛ لوجهين :
أحدهما[(٢١)](#foonote-٢١) : أنه قد شرح المسَّ بالجنون، قلت : وهو بابٌ في البلاغة مشهورٌ، وهو أعلى رتب التشبيه ؛ ومنه قوله :\[ الطويل \]
وَرَمْلٍ كَأَوْرَاكِ العَذَارَى قَطَعْتُهُ \*\*\*. . . [(٢٢)](#foonote-٢٢)
### فصل في دفع شبهة في تحليل الرِّبا


القوم كانوا في تحليل الرِّبا على هذه الشُّبه١ - تقدم..
٢ - تقدم..
٣ - ينظر: ديوانه (٨٠)، الدر المصون ١/٦٦٠..
٤ - انظر: الشواذ ١٧، والبحر المحيط/ ٢/٣٤٦، والدر المصون ١/٦٦٠..
٥ - ينظر: المصدر السابق..
٦ - البيت لمالك بن خالد (أو خويلد) الخناعي ينظر شرح أشعار الهذليين ١/٤٤٢، ولسان العرب (عرس)، ولمالك بن خالد أو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/٢٢٦، وشرح شواهد الإيضاح ٦٩، وشرح المفصل ٤/١٢٣، ٥/٣٥، والدر المصون ١/٦٦٠..
٧ - أخرجه مسلم كتاب المساقاة باب لعن الله آكل الربا وموكله رقم (١٥٩٧) وأبو داود (البيوع باب ٤) والترمذي (١٢٠٦) وابن ماجه (٢٢٧٧) والنسائي (٨/١٤٧) والبيهقي (٥/٢٨٥) وابن حبان (١١٢) والبغوي في "شرح السنة" (٨/٥٤) والخطيب (١١/٤٢٣)..
٨ - في ب: فلا يصبر عليه إلا إذا زاد..
٩ - سقط في ب..
١٠ - في ب: العلماء..
١١ - أخرجه البزار (١٣٧٢-كشف) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/٣٣٤) والدارقطني (٣/٢٦).
 وذكره الهيثمي في "المجمع" (٤/١٧٢) وقال: رواه البزار وأبو يعلى وفيه محمد بن دينار وثقه ابن حبان وجماعة وضعفه جماعة وبقية رجال أبي يعلى ثقات ورجال البزار فيهم عمرو بن عثمان الكلابي وثقه ابن حبان وقال الأزدي: متروك..
١٢ - في ب: منافع الخلق..
١٣ - في ب: يؤدي..
١٤ - في ب: ما لا بد..
١٥ - تقدم برقم (٤٢٠)..
١٦ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١١٦..
١٧ - البيت لعلقمة الفحل ينظر ديوانه ص ٤٨، والكتاب ٤/٤٧١، وشرح أبيات سيبويه ٢/٤٠٠، وشرح المفصل ٥/٤٨، ١٠/١٥١، ولسان العرب (جنب)، (شأس)، (خبط)، ومجالس ثعلب ص ٩٧، وسر صناعة الإعراب ص ٢١٩، والممتع في التصريف ص ٣٦١، والمنصف ٢/٣٣٢..
١٨ - ينظر ديوانه (٢٩) الشنقيطي (٨٦) الدر المصون ١/٦٦١..
١٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٢٠ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٤٨..
٢١ - ذكره الوجه الأول ولم يذكر الوجه الثاني..
٢٢ - صدر بيت لذي الرمة وعجزه:
 إذا جللته المظلمات الحنادس 
 ينظر ديوانه ١١٣١، الخصائص ١/٣٠٠، الدر المصون ١/٦٦٣..

### الآية 2:276

> ﻿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [2:276]

قوله تعالى : يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي  : الجمهور على التخفيف في الفعلين من : مَحَقَ، وأربى. وقرأ[(١)](#foonote-١) ابن الزبير : ورويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يُمَحِّقُ، ويُرَبِّي " بالتشديد فيهما. 
والمحق : النقص، يقال : محقته فانمحق، وامتحق ؛ ومنه المحاق في القمر ؛ قال :\[ البسيط \]

يَزْدَادُ حَتَّى إِذَا مَا تَمَّ أَعْقَبَهُ  كَرُّ الجَدِيدَيْنِ نَقْصاً ثُمَّ يَنْمَحِقُ[(٢)](#foonote-٢)وأنشد ابن السِّكِّيتِ :\[ الطويل \]وَأَمْصَلْتُ مَالِي كُلَّهُ بِحَيَاتِهِ  وَمَا سُسْتَ مِنْ شَيْءٍ فَرَبُّكَ مَاحِقُهْ[(٣)](#foonote-٣)ويقال : هجيرٌ ماحقٌ : إذا نقص كلُّ شيءٍ بحرِّه. 
وقد اشتملت هذه الآية على نوعين من البديع :
أحدهما : الطِّباق في قوله :" يَمْحَقُ، ويُرْبِي " فإنهما ضدَّان، نحو : أَضْحَكَ وَأَبْكَى  \[ النجم : ٤٣ \]. 
والثاني : تجنيس التغاير في قوله :" الرِّبا، ويُرْبي " إذ أحدهما اسم والآخر فعل. 
### فصل في بيان وجه النَّظم


لما كان الداعي إلى فعل الرِّبا، تحصيل الزيادة، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقص الخيرات - بيَّن تعالى - هاهنا - أنَّ الربا وإن كان زيادةً، فهو نقصانٌ في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصاً في الصورة، فهي زيادةٌ في المعنى، فلا يليق بالعاقل أن يلتفت إلى ما يقضي به الطبع، والحسُّ من الدواعي والصَّوارف ؛ بل يعوِّل على ما ندبه الشرع إليه ؛ فهذا وجه النظم. 
### فصل


اعلم أن محق الربا، وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة. 
**أما محق الربا في الدنيا فمن وجوه :**
أحدها : أنَّ الغالب في المربي - وإن كثر ماله - أن تؤول عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله ؛ قال - صلى الله عليه وسلم - :" الرِّبا وَإِنْ كَثُرَ فإنَّ عَاقِبتَهُ تَصِيرُ إِلى قلٍّ[(٤)](#foonote-٤) ". 
وثانيها : أنه وإن لم ينتقص ماله، فإن عاقبته الذَّمُّ والنقص، وسقوط العدالة، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق، والقسوة، والغلظة. 
ثالثها : أنَّ الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا، يلعنونه، ويبغضونه، ويدعون عليه ؛ وذلك يكون سبباً لزوال الخير، والبركة عنه في نفسه وماله. 
الرابع : أنه متى اشتهر بين الناس بأنه إنما جمع ماله من الرِّبا، توجهت إليه الأطماع، وقصده كلُّ ظالمٍ، ومارقٍ وطمَّاعٍ، ويقولون : إنَّ ذلك المال ليس له في الحقيقة، فلا يترك في يده. 
وأمَّا أن الربا سبب للمحق في الآخرة فمن وجوهٍ :
أحدها : قال ابن عباس : معنى هذا المحق : أن الله تعالى لا يقبل منه صدقةً، ولا جهاداً ولا حجّاً، ولا صلة رحم[(٥)](#foonote-٥). 
ثانيها : أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى عليه التبعة، والعقوبة، وذلك هو الخسار الأكبر. 
وثالثها : ثبت في الحديث : أنَّ الأغنياء يدخلون الجنَّة بعد الفقراء بخمسمائة عامٍ[(٦)](#foonote-٦)، فإذا كان الغِنَى من الحلال كذلك، فما ظنُّك بالغنى من الحرام المقطوع به فذلك هو المحق والنقصان !
وأمَّا " إِرْبَاءُ الصدقاتِ " فيحتمل - أيضاً - أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة. 
**أما في الدنيا : فمن وجوهٍ :**
أحدها : أن من كان لله كان الله له، فإذا كان الإنسان يحسن إلى عبيد الله، فالله تعالى لا يتركه ضائعاً، ولا جائعاً في الدنيا، وقد ورد في الحديث أنَّ ملكاً ينادي كلَّ يومٍ :" اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِكُلِّ مُنْفِقٍ خَلَفاً، ولكل مُمْسِكٍ تَلَفاً[(٧)](#foonote-٧) ". 
وثانيها : أنه يزداد كلَّ يومٍ في جاهه، وذكره الجميل، وميل القلوب إليه. 
وثالثها : أن الفقراء يعينونه بالدعاء الخالص من قلوبهم. 
ورابعها : أنَّ الأطماع تنقطع عنه، فإنه متى اشتهر بإصلاح مهمَّات الفقراء، والضعفاء ؛ فكلُّ أحدٍ يحترز عن منازعته، وكلُّ ظالم، وطمَّاع يتخوف من التعرض إليه، اللهم إلاَّ نادراً، فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدنيا. 
وأما إرباؤها في الآخرة، فروى أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقبلُ الصَّدَقَاتِ وَلاَ يَقْبَلُ مِنْهَا إِلاَّ الطَّيِّبَ ويَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مَهرَهُ أَوْ فَلُوَّهُ حتى إنَّ اللقمةَ تَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ[(٨)](#foonote-٨) " وتصديق ذلك بيِّنٌ في كتاب الله تعالى  أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ  \[ التوبة : ١٠٤ \]. 
وقال ابن الخطيب[(٩)](#foonote-٩) : ونظير قوله : يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا  المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوانٍ عليه ترابٌ فأصابه وابلٌ فتركه صلداً ونظير قوله : وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ  المثل الذي ضربه الله بحبةٍ أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلةٍ مائة حبَّةٍ. 
قوله : وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ  اعلم أن الكفَّار فعَّالٌ من الكفر، ومعناه : أن ذلك عادته، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا فتقول : فلان فعَّالٌ للخير أمَّارٌ به و " الأَثِيم " فعيل بمعنى فاعلٍ، وهو الآثم، وهو - أيضاً - مبالغةٌ في الاستمرار على اكتساب الإثم والتمادي فيه، وذلك لا يليق إلاَّ بمن ينكر تحريم الربا، فيكون جاحداً. 
وفيه وجه آخر وهو أن يكون " الكَفَّارُ " راجعاً إلى المستحلّ " والأَثيم " يكون راجعاً إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم ؛ فتكون الآية الكريمة جامعةً للفريقين. 
١ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٥٠، المحرر الوجيز ١/٣٧٣، والدر المصون: ١/٦٦٣..
٢ - ينظر البحر المحيط ٢/٣٤٦، الدر المصون ١/٦٦٤..
٣ - ينظر: إصلاح المنطق (٢٧٩)، والدر المصون ١/٦٦٤..
٤ - أخرجه أحمد (١/٣٩٥، ٤٢٤) والحاكم (٢/٣٧) وابن عدي (٤/١٣٣٣).
 وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٨٣..
٦ - أخرجه الترمذي (٢٣٥٤) وابن ماجه (٤١٢٢) وابن حبان (٢٥٦٧-موارد) وأبو يعلى (١٠/٤١١) رقم (٦٠١٨) وابن أبي شيبة (١٣/٢٤٦) رقم (١٦٢٣٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/٩١، ٢٥٠) من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمس مئة سنة" وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه ابن حبان..
٧ - أخرجه البخاري (٣/٣٥٧) كتاب الزكاة: باب اللهم أعط متفقا خلفا، حديث (١٤٤٢) من حديث أبي هريرة..
٨ - أخرجه أحمد (٢/٤٧١) والطبراني في "الصغير" (١/١١٩) والبغوي في "شرح السنة" (٦/١٣٠) وابن عدي في "الكامل" (٤/١٦٤٦) عن أبي هريرة.
 وأخرجه الطبراني في "الأوسط" كما في المجمع (٣/١١٤) عن عائشة وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٨٤..

### الآية 2:277

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:277]

اعلم أنَّ من عادته تعالى في القرآن الكريم مهما ذكر وعيداً، ذكر بعده وعداً فلما بلغ هاهنا في وعيد المرابي، أتبعه بهذا الوعد، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية. 
واحتجّ من قال بأن العمل الصالح خارجٌ عن مسمى الإيمان بهذه الآية، فإنه عطف عمل الصالحات على الإيمان ؛ والمعطوف يغاير المعطوف عليه. 
وأجيب عنه بأنه قال : وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ  ولا نزاع في أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، داخلان تحت عمل الصالحات، فكذا ما ذكرتُم، وأيضاً قال تبارك وتعالى : الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ  \[ النحل : ٨٨ \] وقال : وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا  \[ البقرة : ٣٩ \] ويمكن أن يجاب بأن الأصل حمل كل لفظةٍ على فائدةٍ جديدة، تُرِكَ العملُ به عند التَّعذُّر، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل. 
فإن قيل إنَّ الإنسان إذا بلغ عارفاً بالله تعالى وقبل وجوب الصلاة والزكاة عليه، ثم مات، فهو من أهل الثواب بالاتفاق، فدلَّ على أن استحقاق الثواب لا يتوقَّف على حصول العمل. 
وأيضاً فقد يثيب الله تعالى المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال، وإذا كان كذلك فكيف وقف الله هاهنا حصول الأجر على حصول العمل ؟
فالجواب : أنه تبارك وتعالى إنما ذكر هذه الخصال ؛ لا لأجل أنَّ استحقاق الثواب مشروطٌ بهذا، بل لأجل أنَّ لكل واحد منهما أثراً في جلب الثواب، كما قال في ضدِّ هذا  وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ  \[ الفرقان : ٦٨ \] ثم قال : وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً  \[ الفرقان : ٦٨ \] ومعلومٌ أنَّ من ادعى مع الله إلهاً آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر، وإنما جمع اللهُ الزِّنا، وقتل النَّفس، مع دعاء غير الله إلهاً، لبيان أنَّ كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة.

### الآية 2:278

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:278]

اعلم أنه تعالى لمَّا بيَّن في الآية المتقدمة أنَّ من انتهى عن الربا، فله ما سلف ؛ فقد يظنُّ أنه لا فرق بين المقبوض منه، وبين الباقي في ذمَّة الغريم، فبين في هذه الآية الكريمة بقوله : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا  أي : الذي لم يقبض فالزيادة حرامٌ، وليس لهم أن يأخذوا إلاَّ رؤوس أموالهم، فقال : اتَّقُواْ اللهَ  والاتقاء إنما يكون باتقاء ما نهى عنه،  وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا  يعني : إن كنتم قد قبضتم منه شيئاً، فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه أو لم تقبضوا بعضه، فالذي لم يقبض حرامٌ قبضه، وهذه الآية دليلٌ على أحكام الكفَّار إذا أسلموا ؛ لأن ما مضى في زمن الكفر، فإنه لا ينقض، ولا يفسخ، وما لم يوجد منه شيء في حال الكفر، فحكمه حكم الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم، ولا يجوز في الإسلام فمعفوٌّ عنه، وإن وقع على مهرٍ حرامٍ، وقبضته المرأة، فقد مضى، وليس لها شيءٌ، وإن لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المسمى. 
قوله تعالى : وَذَرُواْ  : فتحت العين من " ذَرْ " حملاً على " دَعْ "، إذ هو بمعناه، وفتحت في " دَعْ " ؛ لأنه أمرٌ من " يَدَعُ "، وفتحت من " يَدَعُ "، وإن كان قياسها الكسر ؛ لكون الفاء واواً ؛ \[ كيَعِدُ \] لكون لامه حرف حلقٍ. 
ووزن " ذَرُوا " : علوا ؛ لأنَّ المحذوف الفاء لا يستعمل منه ماضٍ إلاَّ في لغيَّة، وكذلك " دَعْ ". 
وقرأ الحسن[(١)](#foonote-١) :" مَا بَقَى " بقلب الكسر فتحةً، والياء ألفاً، وهي لغةٌ لطَيِّئٍ، ولغيرهم ؛ ومنه قول علقمة :\[ الطويل \]

زَهَا الشَّوْقُ حَتَّى ظَلَّ إِنْسَانُ عَيْنِهِ  يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الدَّمْعِ مُتْأَقِ[(٢)](#foonote-٢)وقال آخر :\[ الوافر \]. وَمَا الدُّنْيَا بِبَاقَاةٍ عَلَيْنَا  وَمَا حَيٌّ عَلَى الدُّنْيَا بِبَاقِ[(٣)](#foonote-٣)ويقولون في الناصية : ناصاةٌ. وقرأ الحسن[(٤)](#foonote-٤) أيضاً :" بَقِيْ " بتسكين الياء، قال المبرد :" تسكين ياء المنقوص في النصب من أحسن الضرورة، هذا مع أنَّه معربٌ، فهو في الفعل الماضي أحسنُ " قال شهاب الدين : وإذا كانوا قد حذفوها من الماضي صحيح الآخر، فأولى من حرف العلة، قال :\[ مجزوء الرمل \]إِنَّمَا شِعْرِيَ قَيْدٌ  قَدْ خُلِطْ بِجُلْجُلانِ[(٥)](#foonote-٥)وقال جرير في تسكين الياء :\[ البسيط \]هُوَ الخَلِيفَةُ فَارْضُوا مَا رَضِيْ لَكُمُ  مَاضِي العَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ[(٦)](#foonote-٦)وقال آخر :\[ الطويل \]لَعَمْرُكَ لاَ أَخْشَى التَّصَعْلُكَ مَا بَقِيْ  عَلَى الأَرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأَبَاعِرَا[(٧)](#foonote-٧)قوله : مِنَ الرِّبَا  متعلِّقٌ ببقي، كقولهم :" بَقِيَتْ منه بقيةٌ "، والذي يظهر أنه متعلقٌ بمحذوفٍ ؛ على أنه حال من فاعل " بقَى "، أي : الذي بقي حال كونه بعض الربا، فهي تبعيضيةٌ. 
ونقل ابن عطية هنا أنَّ العدويَّ - وهو أبو السَّمَّال - قرأ[(٨)](#foonote-٨) " مِنَ الرِّبُو " بتشديد الراء مكسورة، وضمِّ الباء بعدها واوٌ. قال شهاب الدين : قد تقدم أنَّ أبا السَّمَّال إنما قرأ " الرِّبَا " في أول الآية الكريمة بواوٍ بعد فتحة الباء، وأنَّ أبا زيدٍ حكى عن بعضهم : أنه ضمَّ الباء، وقدَّمت تخريجهما على ضعفه. 
وقال ابن جنِّي[(٩)](#foonote-٩) :" شَذَّ هَذَا الحَرْفُ في أمرين :
أحدهما : الخروج من الكسر إلى الضم بناءً لازماً. 
والآخر : وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلاَّ في الفعل ؛ نحو : يغزو ويدعو، وأمَّا " ذو " الطائية بمعنى الذي فشاذةٌ جداً، ومنهم من يغيِّر واوها، إذا فارق الرفع، فيقول :" رأيتُ ذَا قَامَ ". 
ووجه القراءة أنه لمَّا فخَّم الألف انتحى بها الواو التي الألف بدل منها، على حدِّ قولهم : الصَّلاة والزكاة، وهي بالجملة قراءة شاذةٌ ". قال شهاب الدين : غيره يقيِّد هذه العبارة، فيقول :" ليس في الأسماء المعربة واو قبلها ضمة " حتى يخرج عنه " ذُو " بمعنى الذي، و " هو " من الضمائر، وابن جنِّي لم يذكر القيد استثناء " ذو الطائية " ويرد عليه نحو " هو "، ويرد على العبارة " ذُو " بمعنى صاحب ؛ فإنَّها معربةٌ في آخرها واوٌ بعد ضمةٍ. 
وقد أجيب عنه بأنها تتغيَّر إلى الألف والياء فلم يبال بها، وأيضاً فإنَّ ضمة الدَّال عارضةٌ، إذ أصلها الفتح، وإنما ضمَّت ؛ إتباعاً على ما تقرر في إعراب الأسماء الستة في كتب النحو. 
وقله :" بناءً لازماً " تحرُّزٌ من وجود الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ، بطريق العرض ؛ نحو : الحِبُك ؛ فإنه من التداخل، ونحو : الرِّدُءْ " موقوفاً عليه، فالخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ في هاتين الكلمتين، ليس بلازمٍ. 
وقوله :" مِنْهُمْ مَنْ يغيِّرُ واوَها " المشهور بناؤها على الواو مطلقاً، وقد تعرب ؛ كالتي بمعنى صاحب ؛ وأنشدوا :\[ الطويل \]فَإِمَّا كِرَامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتُهُمْ  فَحَسْبِيَ مِنْ ذِي عِنْدَهُمْ مَا كَفَانِيَا[(١٠)](#foonote-١٠)ويروى :" مِنْ ذُو " على الأصل. 
### فصل


قوله : إِن كُنْتُمْ  شرطٌ، وجوابه محذوفٌ عند الجمهور، أي : فاتَّقوا، وذروا، ومتقدِّم عند جماعةٍ، وقيل :" إِنْ " هنا بمعنى إذ ؛ وهذا مردودٌ. 
فإن قيل : كيف قال  يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ  ثم قال  إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  فالجواب من وجوهٍ :
الأول : أن هذا كما يقال إن كنت أخي فأكرمني، معناه : إِنَّ من كان أخاً، أكرم أخاه. 
الثاني : أنَّ معناه إن كنتم مؤمنين قبله، أي : معترفين بتحريم الرِّبا. 
الثالث : إن كنتم تريدون استدامة حكم الإيمان. 
الرابع : يا أيُّها الذين آمنوا، بلسانهم، ذروا ما بقي من الرِّبا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم. 
الخامس : ما تقدم أنَّ " إن " بمعنى " إذْ ". 
### فصل في سبب النزول


**في سبب النزول رواياتٌ :**
الأولى : أن أهل مكة كانوا يرابون، فلما أسلموا عند فتح مكة، أمرهم الله تعالى بهذه الآية، أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة[(١١)](#foonote-١١). 
الثانية : قال مقاتلٌ : نزلت في أربعة إخوةٍ من ثقيف : مسعودٍ، وعبد \[ ياليل \]، وحبيبٍ، وربيعة، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزومٍ وكانوا يرابون. فلما ظهر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الطائف، أسلم هؤلاء الإخوة، فطلبوا رباهم من بني المغيرة. فقال بنو المغيرة : والله ما نعطي الرِّبا في الإسلام، وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين، فاختصموا إلى عتَّاب بن أسيد، فكتب عتَّابٌ - وكان عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصة الفريقين، وكان ذلك مالاً عظيماً ؛ فنزلت الآية[(١٢)](#foonote-١٢). 
الثالثة : قال عطاء، وعكرمة : نزلت في العباس بن عبد المطَّلب، وعثمان بن عفَّان - رضي الله عنهما - وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ، قال لهما صاحب التمر : إن أنتما أخذتما حقكما، لا يبقى لي ما يكفي عيالي ! فهل لكما أن تأخذا النصف، وتؤخِّرا النّصف ؛ وأضعف لكما ؟ ففعلا، فلما جاء الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاهما فأنزل الله هذه الآية ؛ فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما[(١٣)](#foonote-١٣). 
الرابعة : قال السُّدِّيُّ : نزلت في العباس، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عميرٍ، وناسٍ من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الربا ؛ فأنزل الله هذه الآية[(١٤)](#foonote-١٤). فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في " حجةِ الوَدَاعِ " في خطبته يوم عرفة " أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، ودِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَم أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابنِ رَبِيعَةَ بن الحَارِثِ، كان مُسْتَرْضعاً في بني سعدٍ ؛ فقَتَلَه هُذيْلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأَوَلُّ رِباً أَضَعُ رِبَا العباسِ بنِ عَبْد المطلبِ ؛ فإنه مَوْضُوعٌ كُلُّه[(١٥)](#foonote-١٥) ". 
### فصل


القاضي[(١٦)](#foonote-١٦) قوله : إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  يدلُّ على أنَّ الإيمان لا يتكامل إذا أصرَّ الإنسان على الكبائر، ولا يصير الإنسان مؤمناً على الإطلاق، إلاَّ إذا اجتنب كل الكبائر. 
والجواب : لمَّا دلَّت الدلائل الكثيرة المذكورة في قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  \[ البقرة : ٣ \] على أنَّ العمل خارج عن مسمَّى الإيمان، كانت هذه الآية محمولةً على كمال الإِيمان وشرائعه، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه ؛ لتلك الدلائل. 
١ - انظر: البحر المحيط ٢/٣٥١، والدر المصون ١/٦٦٤..
٢ - ينظر ديوانه (٧٢)، البحر (٢/٣٥١)، الدر المصون ١/٦٦٥..
٣ - ينظر الإنصاف ٧٥، والدر المصون ١/٦٦٥..
٤ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٧٥، والبحر المحيط ٢/٣٥١، والدر المصون ١/٦٦٥..
٥ - تقدم برقم ١٣٤..
٦ - البيت لجرير ينظر ديوانه ص ١٧٥، والمحتسب ١/١٤١، والكشاف ٤/٤٥٦، والدر المصون ١/٦٦٥..
٧ - ينظر: القرطبي ٣/٢٧٩، سيبويه ١/١٤١، البحر ٢/٣٥١، الدر المصون ١/٦٦٥..
٨ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٧٥..
٩ - ينظر: المحتسب لابن جني ١/١٤٢..
١٠ - البيت لمنظور بن سحيم ينظر الدرر ١/٢٦٨، وشرح التصريح ١/٦٣، ١٣٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١١٥٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٠، وشرح المفصل ٣/١٤٨، والمقرب ١/٥٩، والمقاصد النحوية ١/١٢٧، وللطائي في مغني اللبيب ٢/٤١٠، وأوضح المسالك ١/٤٢، وتخليص الشواهد ص ٥٤، ١٤٤، وشرح الأشموني ١/٧٢، وشرح ابن عقيل ص ٣٠، ٨٢، وشرح عمدة الحافظ ص ١٢٢، وهمع الهوامع ١/٨٤..
١١ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٤٧) وعزاه لعبد بن حميد عن الضحاك..
١٢ - أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" (١/٦٤٧) وانظر تفسير الرازي (٧/٨٧)..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٢-٢٣)..
١٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٢) وانظر "تفسير الرازي" (٧/٨٧)..
١٥ - أخرجه مسلم كتاب الحج (١٤٧) وانظر تفسير ابن الجوزي "زاد المسير" (١/٣٣٢)..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٨٧..

### الآية 2:279

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [2:279]

فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟
قلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر " مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً، فَقَدْ بَارَزَنِي بالمُحَارَبَةِ "، وعن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :" مَنْ لم يَدَع المخابرة، فليأذَن بحرب من اللهِ ورسُوله " وقد جعل كثيرٌ من المفسرين والفقهاء قوله : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ  \[ المائدة : ٣٣ \] أصلاً في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب وسنة رسوله. 
**وفي الجواب عن السؤال وجهان :**
الأول : أن المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب. 
الثاني : أن المراد منه نفس الحرب، وفيه تفصيلٌ ؛ فنقول : إنّ المصرَّ على فعل الربا، إذا كان من شخص، وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التَّعزير، والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان المصر ممن له عسكرٌ وشوكة، حاربه الإمام، كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكرٍ - رضي الله عنه - مانعي الزكاة، وكذا القول لو اجتمعوا على ترك الأذان، وترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه. 
وقال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - من عامل بالربا، يستتاب، فإن تاب، وإلاَّ ضرب عنقه[(١)](#foonote-١). 
والقول الثاني : أنه خطابٌ للكفار، وأن معنى قوله : إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ  أي : معترفين بتحريم الربا  فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ  أي : فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه  فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ  ومن ذهب إلى هذا القول، قال : إنَّ فيه دليلاً على أنَّ من كفر بشريعة واحدةٍ من شرائع الإسلام، فهو خارجٌ من ملة الإسلام، كافرٌ كما لو كفر بجميع شرائعه. 
قوله : وَإِنْ تُبْتُمْ  فالمعنى على القول الأول : وإن تبتم عن معاملة الربا، وعلى الثاني : من استحلال الربا  فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ  أي : لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال  وَلاَ تُظْلَمُونَ  أي : بنقصان رأس المال. 
قوله : لاَ تَظْلِمُونَ  فيها وجهان :
أظهرهما : أنها لا محلَّ لها ؛ لاستئنافها، أخبرهم تعالى بذلك، أي : لا تظلمون غيركم بأخذكم الزيادة منه، ولا تظلمون أنتم - أيضاً - بضياع رؤوس أموالكم. 
والثاني : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير في " لَكُمْ " والعامل ما تضمَّنه الجارُّ من الاستقرار ؛ لوقوعه خبراً وهو رأي الأخفش. 
وقرأ الجمهور الأول مبنيّاً للفاعل، والثاني مبنياً للمفعول. وروى أبانٌ[(٢)](#foonote-٢)، والمفضَّل، عن عاصم بالعكس. ورجَّح الفارسي[(٣)](#foonote-٣) قراءة العامة ؛ بأنها تناسب قوله :" وإن تُبْتُمْ " في إسناد الفعلين إلى الفاعل، فتظلمون مبنياً للفاعل أشكل بما قبله. وقال أبو البقاء[(٤)](#foonote-٤) رحمه الله : يُقْرَأُ بتسميةِ الفَاعِلِ في الأوَّلِ، وترْكِ التسمية في الثاني ؛ ووجهه : أنَّ منعهم من الظلم أهمُّ ؛ فبدئ به، ويقرأ بالعكس، والوجه فيه : أنه قدَّم ما تطمئن به نفوسهم من نفي الظلم عنهم، ثم منعهم من الظلم، ويجوز أن تكون القراءتان بمعنى واحدٍ ؛ لأنَّ الواو لا ترتِّب.

١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٨٨..
٢ - انظر: السبعة ١٩٢، والحجة ٢/٤١٣، والبحر المحيط ٢/٣٥٣ والدر المصون ١/٦٦٧..
٣ - انظر: الحجة للقراء السبعة ٢/٤١٤..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٧..

### الآية 2:280

> ﻿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:280]

قوله تعالى : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ  : في " كان " هذه وجهان :
أحدهما :- وهو الأظهر - أنها تامةٌ بمعنى حدث، ووجد، أي : وإن حدث ذو عسرةٍ، فتكتفي بفاعلها كسائر الأفعال، قيل : وأكثر ما تكون كذلك إذا كان مرفوعها نكرةٌ، نحو :" قد كان مِنْ مَطَرٍ ". 
والثاني : أنها الناقصة والخبر محذوفٌ. قال أبو البقاء[(١)](#foonote-١) :" تقديره : وإن كان ذو عسرة لكم عليه حقٌّ، أو نحو ذلك " وهذا مذهب بعض الكوفيين في الآية، وقدَّر الخبر : وإن كان من غرمائكم ذو عسرةٍ. وقدَّره بعضهم : وإن كان ذو عسرةٍ غريماً. 
قال أبو حيَّان[(٢)](#foonote-٢) :" وَحَذْفُ خبرِ كَانَ لا يجيزه أصحابنا ؛ لا اختصاراً ؛ ولا اقتصاراً، لعلَّةٍ ذكروها في كتبهم. وهي أنَّ الخبر تأكّد طلبه من وجهين :
أحدهما : كونه خبراً عن مخبر عنه. 
والثاني : كونه معمولاً للفعل قبله، فلما تأكدت مطلوبيته، امتنع حذفه. 
فإن قيل : أليس أن البصريين لمَّا استدلَّ عليهم الكوفيون في أنَّ " ليس " تكون عاطفةً بقوله :\[ الرمل \]
. . . \*\*\* إِنَّمَا يَجْزِي الفَتَى لَيْسَ الجَمَلْ[(٣)](#foonote-٣)
تأوَّلُوهَا على حَذْفِ الخَبَرِ ؛ وأَنْشدوا شَاهِداً على حَذْفِ الخبرِ قولَه :\[ الكامل \]
. . . \*\*\* يَبْغِي جِوَارَكِ حِينَ لَيْسَ مُجِيرُ[(٤)](#foonote-٤)
وإذا ثبت هذا، ثبت في سائر الباب. 
فالجواب أن هذا مختصٌّ بليس ؛ لأنها تشبه لا النافية، و " لا " يجوز حذف خبرها، فكذا ما أشبهها ". 
وتقوَّى الكوفيُّون بقراءة عبد الله، وأُبيّ[(٥)](#foonote-٥) ؛ وعثمان :" وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ " أي : وإن كان الغريم ذا عُسْرَةٍ. قال أبو عليّ : في " كان " اسمها ضميراً تقديره : هو، أي : الغريم، يدلُّ على إضماره ما تقدَّم من الكلام ؛ لأنَّ المرابي لا بدَّ له ممَّن يرابيه. 
وقرأ[(٦)](#foonote-٦) الأعمش :" وإِنْ كان مُعْسِراً " قال الدَّاني، عن أحمد بن موسى :" إنها في مُصْحَفِ عبد الله كذلك ". 
ولكنَّ الجمهور على ترجيح قراءة العامة وتخريجهم القراءة المشهورة. قال مكي[(٧)](#foonote-٧) : وَإِنْ وقع ذُو عُسْرَةٍ، وهو سائغٌ في كلِّ الناس، ولو نصبت " ذا " على خبر " كان "، لصار مخصوصاً في ناس بأعيانهم ؛ فلهذه العلة أجمع القرَّاء المشهورون على رفع " ذو ". 
وقد أوضح الواحديُّ هذا، فقال :" أي : وإنْ وقع ذو عسرةٍ، والمعنى على هذا يصحُّ، وذلك أنه لو نصب، فقيل : وإن كان ذا عسرة، لكان المعنى : وإن كان المشتري ذا عُسْرةٍ، فنظرةٌ ؛ فتكون النظرة مقصورةً عليه، وليس الأمر كذلك ؛ لأن المشتري، وغيره إذا كان ذا عسرةٍ، فله النظرة إلى الميسرة ". 
وقال أبو حيَّان[(٨)](#foonote-٨) : مَنْ نصب " ذَا عُسْرَةٍ "، أو قرأ " مُعْسِراً " فقيل : يختصُّ بأهل الرِّبا، ومن رفع، فهو عامٌّ في جميع من عليه دينٌ، قال :" وليس بلازمٍ، لأنَّ الآية إنما سِيقَتْ في أهل الربا، وفيهم نزلت " قال شهاب الدين : وهذا الجواب لا يجدي ؛ لأنه وإن كان السياق كذا، فالحكم ليس خاصاً بهم. 
وقرئ [(٩)](#foonote-٩) " وَمَنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ "، وقرأ[(١٠)](#foonote-١٠) أبو جعفرٍ " عُسُرَةٍ " بضم السين.

### فصل


قال ابن الخطيب[(١١)](#foonote-١١) : لما كنتُ ب " خَوَارِزْم "، وكان هناك جمعٌ من أكابر الأدباء، فأوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب ؛ فقلت : إنكم تقولون : إنَّ " كان " إذا كانت ناقصةً، أنها تكون فعلاً ؛ وهذا محالٌ ؛ لأن الفعل ما دلَّ على اقتران حدثٍ بزمان، فقولك " كان " يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى، كانت تامةً، لا ناقصةً، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً، كانت تامةً لا ناقصة، وإن لم تكن تامةً لم تكن فعلاً البتة ؛ بل كانت حرفاً، وأنتم تنكرون ذلك ؛ فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً، وصنَّفوا في الجواب عنه كتباً، وما أفلحوا فيه، ثم انكشف لي فيه سرٌّ أذكره - هاهنا - وهو : أنَّ " كانَ " لا معنى له إلاَّ أنه حدث، ووقع، ووجد إلاَّ أن قولك وجد، وحدث على قسمين :
أحدهما : أن يكون المعنى وجد، وحدث الشيء ؛ كقولك : وجد الجوهر، وحدث العرض. 
والثاني : أن يكون المعنى وجد، وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت : كان زيدٌ عالماً، فمعناه : حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم. 
والقسم الأول هو المسمَّى ب " كان " التامة. 
والقسم الثاني : هو المسمَّى ب " الناقصة " وفي الحقيقة : فالمفهوم من " كان " في الموضعين هو الحدوث، والوقوع إلاَّ أنه في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً، بل لا بدَّ فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث. 
فأما إن قلنا إنه فعل، كان دالاًّ على وقوع المصدر في الزمان الماضي فحينئذٍ تكون تامةً لا ناقصةً، وإن قلنا إنه ليس بفعل بل حرفٌ، فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل، والأمر، وجميع خواصِّ الأفعال ؟ وإذا حمل الأمر على ما قلناه، تبيَّن أنه فعلٌ وزال الإشكال بالكلية. 
المفهوم الثالث ل " كان " أن تكون بمعنى " صَارَ " ؛ وأنشدوا :\[ الطويل \]
بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالمَطِيُّ كَأَنَّهَا \*\*\* قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا[(١٢)](#foonote-١٢)
وعندي أنَّ هذا اللفظ - هاهنا - محمولٌ على ما ذكرناه، فإنَّ معنى " صار " أنَّها حدثت موصوفية الذات بهذه الصفة، بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك ؛ فتكون " كان " هنا أيضاً بمعنى حدث، ووقع ؛ إلاَّ أنه حدوثٌ مخصوصٌ وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة، بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى. 
المفهوم الرابع : أن تكون زائدة ؛ وأنشدوا :\[ الوافر \]
سَرَاةُ بَنِي أبي بَكْرٍ تَسَامَى \*\*\* عَلَى كَانَ المُسَوَّمَةِ الجِيَادِ[(١٣)](#foonote-١٣)
و " العُسْرَةِ " اسم من الإعسار، ومن العسر، وهو تعذُّر الموجود من المال ؛ يقال : أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي الحالة التي يتعسَّر فيها وجود المال. 
قوله :" فَنَظِرَةٌ " الفاء جواب الشرط، و " نَظِرَةٌ " خبر مبتدأ محذوف، أي : فالأمر أو فالواجب، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أي : فعليكم نظرةٌ. 
وقرأ العامَّة :" نَظِرَةٌ " بزنة " نَبِقَة ". وقرأ الحسن[(١٤)](#foonote-١٤)، ومجاهدٌ، وأبو رجاء :" فَنَظْرةٌ " بتسكين العين، وهي لغةٌ تميمةٌ يقولون :" كَبْد " في " كَبِد " و " كَتْف " في " كَتِف[(١٥)](#foonote-١٥) ". 
وقرأ عطاء " فَنَاظِرَةٌ " على فاعلة، وقد خرَّجها أبو إسحاق[(١٦)](#foonote-١٦) على أنها مصدر نحو : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ  \[ الواقعة : ٢ \]  يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ  \[ غافر : ١٩ \]  أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ  \[ القيامة : ٢٥ \]. وقال الزمخشري :" فناظِرُهُ، أي : فصاحب الحقّ ناظره، أي : منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب ؛ كقولهم : مَكَانٌ عَاشِبٌ، وبَاقِلٌ ؛ بمعنى ذو عشبٍ، وذو بقلٍ، وعنه :" فناظِرْهُ " على الأمر بمعنى : فسامحه بالنظرة، وباشره بها " فنقله عنه القراءة الأولى يقتضي أن تكون قراءته " ناظِر " اسم فاعل مضافاً لضمير ذي العسرة، بخلاف القراءة التي قدمها عن عطاء، فإنها " نَاظِرَةٌ " بتاء التأنيث، ولذلك خرَّجها الزَّجَّاج على المصدر. وقرأ[(١٧)](#foonote-١٧) عبد الله :" فناظِرُوه " أمراً للجماعة بالنظرة، فهذه ستُّ قراءات مشهورها واحدةٌ. 
وهذه الجملة لفظها خبرٌ، ومعناها الأمر ؛ كقوله تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ  \[ البقرة : ٢٣٣ \] وقد تقدَّم. والنظرة : من الانتظار، وهو الصبر والإمهال. 
تقول : بعته الشيء بنظرة، وبإنظار. قال : قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ  \[ الأعراف : ١٤-١٥ \]  إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ  \[ الحجر : ٣٨ \]. 
قوله : إِلَى مَيْسَرَةٍ  قرأ نافع وحده :" مَيْسُرَة " بضمِّ السِّين، والباقون بفتحها. والفتح هو المشهور ؛ إذ مفعل، ومفعلة بالفتح كثيرٌ، ومفعُلٌ بالضم، معدومٌ ؛ إلا عند الكسائي، فإنه أورد منه ألفاظاً، وأمَّا مفعلةٌ، فقالوا : قليلٌ جدّاً وهي لغة الحجاز، وقد جاءت منها ألفاظٌ، نحو : المسرُقة، والمقبرة، والمشربة، والمسربة، والمقدرة، والمأدبة، والمفخرة، والمزرعة، ومعربة، ومكرمة، ومألكة. 
وقد ردَّ النحاس[(١٨)](#foonote-١٨) الضمَّ ؛ تجرؤاً منه، وقال :" لم تَأْتِ مَفْعُلَةٌ إِلاَّ في حُرُوفٍ معدودةٍ ليس هذه منها، وأيضاً فإنَّ الهاء زائدةٌ، ولم يَأْتِ في كلامِهِم مَفْعُل الْبتةَ " انتهى. 
وقال سيبويه[(١٩)](#foonote-١٩) :" لَيْسَ في الكَلاَمِ مَفْعُل " قال أبو عليّ :" يَعْنِي في الآحاد ". وقد حكى سيبويه " مَهْلك " مثلَّث اللاَّم، وقال الكسائيُّ :" مَفْعُل " في الآحاد، وأورد منه مكرُماً في قول الشاعر :\[ الرجز \]
لِيَوْمِ رَوْعٍ أَوْ فَعَالِ مَكْرُمِ[(٢٠)](#foonote-٢٠) \*\*\*. . . 
ومَعْوُن في قول الآخر - هو جميلٌ - :\[ الطويل \]
بُثَيْنُ، الْزَمِي " لاَ " ؛ إنَّ " لاَ " إِنْ لَزِمْتِهِ \*\*\* عَلَى كَثْرَةِ الوَاشِينَ أَيُّ مَعْوُنِ[(٢١)](#foonote-٢١)
ومألكاً في قول عديّ :\[ الرمل \]
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَأْلُكاً \*\*\* أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي[(٢٢)](#foonote-٢٢)
**وهذا لا يرد على سيبويه لوجهين :**
أحدهما : أنَّ هذا جمعٌ لمكرمةٍ، ومعونة، ومألكة، وإليه ذهب البصريون، والكوفيون خلا الكسائي، ونقل عن الفراء أيضاً. 
والثاني : أن سيبويه لا يعتدُّ بالقليل، فيقول :" لم يَرِدْ كذا " وإن كان قد ورد منه الحرف والحرفان، لعدم اعتداده بالنادر القليل. 
وإذا تقرَّر هذا، فقد خطَّأ النحويون مجاهداً، وعطاءً في قراءتهما :" إلى مَيْسُرِهِ " بإضافة " مَيْسُر " مضموم السين إلى ضمير الغريم ؛ لأنهم بنوه على أنه ليس في الآحاد مفعل، ولا ينبغي أن يكون هذا خطأً ؛ لأنه على تقدير تسليم أنَّ مفعلاً ليس في الآحاد، فميسر هنا ليس واحداً، إنما هو جمع ميسرة، كما قلتم أنتم : إنَّ مكرماً جمع مكرمةٍ، ونحوه، أو يكون قد حذف تاء التأنيث للإضافة ؛ كقوله :\[ البسيط \]
إِنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا \*\*\* وأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا[(٢٣)](#foonote-٢٣)
أي : عدة الأمر ؛ ويدلُّ على ذلك أنهم نقلوا عنهما، أنهما قرآ أيضاً :" إِلَى مَيْسَرِهِ " بفتح السين، مضافاً لضمير الغريم، وهذه القراءة نصٌّ فيما ذكرته لك من حذف تاء التأنيث للإضافة ؛ لتوافق قراءة العامَّة :" إلى مَيْسَرَةٍ " بتاء التأنيث. 
وقد خرَّجها أبو البقاء[(٢٤)](#foonote-٢٤) على وجهٍ آخر، وهو أن يكون الأصل :" مَيْسُورِه " فخفِّف بحذف الواو ؛ اكتفاءً بدلالة الضمة عليها، وقد يتأيَّد ما ذكره على ضعفه، بقراءة عبد الله، فإنه قرأ : إلى " مَيْسُورِه " بإضافة " مَيْسورٍ " للضمير، وهو مصدرٌ على مفعول ؛ كالمجلود والمعقول، وهذا إنما يتمشَّى على رأي الأخفش ؛ إذ أثبت من المصادر زنة مفعول، ولم يثبته سيبويه. 
 " والمَيْسَرَةُ " : مفعلةٌ من اليسر، واليسار الذي هو ضدُّ الإعسار، وهو تيسر الموجود من المال ومن١ - ينظر: المصدر السابق..
٢ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٥٤..
٣ - عجز بيت للبيد وصدره:
 إذا أقرضت قرضا فاجزه
 ينظر ديوانه (١٧)، أوضح المسالك (٣/٣٨)، التصريح (١/١٩١) اللسان قرض، الدر المصون ١/٦٦٨..
٤ - عجز بيت لشمردل الليثي وصدره:
 لهفي عليك للهفة من خائف.
 ينظر المغني (٧٠٠)، التصريح (١/٢٠٠) الأشموني ١/٢٥٦، الهمع ١/١١٦، العيني ٢/١٠٣، الدرر ١/٨٥، الدر المصون ١/٦٦٨..
٥ - وهي قراءة ابن عباس.
 انظر: البحر المحيط ٢/٣٥٤، والدر المصون ١/٦٦٨..
٦ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٧٦، وعبارة الداني كما أوردها ابن عطية ليس فيها ذكر لمصحف عبد الله، قال: قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبي بن كعب..." ولعل عمدة المصنف هاهنا ما ذكره السمين الحلبي في الدر ١/٦٦٨، ووافقه أبو حيان ٢/٣٥٤.
 وانظر: التخريجات النحوية ٣٦٣، والقرطبي ٣/٢٥١..
٧ - ينظر: المشكل لمكي ١/١١٧..
٨ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٥٤..
٩ - وهي قراءة أبان عن عثمان كما في البحر المحيط ٢/٣٥٤..
١٠ - انظر: إتحاف فضلاء البشر ١/٤٥٨..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٨٨..
١٢ - تقدم برقم ٣٨٧..
١٣ - ينظر: الرازي ٧/٨٩..
١٤ - انظر: الشواذ ١٧، والمحرر الوجيز ١/٣٧٦، والبحر المحيط ٢/٣٥٤ ونسبها أبو حيان –أيضا- إلى الضحاك وقتادة.
 وانظر: الدر المصون ١/٦٦٩، وإتحاف ١/٤٥٨..
١٥ - وقرأ بها مجاهد.
 انظر: المحرر الوجيز ١/٣٧٧، والبحر المحيط ٢/٣٥٤، والدر المصون ١/٦٦٩..
١٦ - ينظر: معاني القرآن للزجاج ١/٣٥٩..
١٧ - انظر: السبعة ١٩٢، والكشف ١/٣١٩، والحجة ٢/٤١٤، وإعراب القراءات ١/١٠٣، وحجة القراءات ١٤٩، وشرح شعلة ٣٠٤، وشرح الطيبة ٤/١٣٣، والعنوان ٧٦، وإتحاف ١/٤٥٨..
١٨ - ينظر: إعراب القرآن للنحاس ١/٢٩٦..
١٩ - ينظر: الكتاب لسيبويه ٢/٣٢٨..
٢٠ - البيت لأبي الأخزر الحماني ينظر الكتاب ٢/٣٧٩، الخصائص ٣/٣١٢، معاني الفراء ٢/١٥٢، الدر المصون ١/٦٧٠..
٢١ - ينظر: ديوانه ص ٢٠٨، وأدب الكاتب ص ٥٨٨، ولسان العرب(أكل)، (كرم)، (عون)، (أيا)، وشرح شواهد الشافية ص ٦٧، والخصائص ٣/٢١٢، وشرح شافية ابن الحاجب ١/١٦٨، والمحتسب ١/١٤٤، والممتع في التصريف ١/٧٩، والمنصف ١/٣٠٨، إصلاح المنطق ص ٢٢٣، والدر المصون ١/٦٧٠..
٢٢ - ينظر: ديوانه (٩٣)، المحتسب ١/٤٤، حاشية يس ٢/٧٩، البحر٢/٣٥٥، الاشتقاق (٢٦)، الأغاني ٢/٩٤، خزانة الأدب ٨/٥١٣، شواهد المغني ٢/٦٥٨، الشعر والشعراء ١/٢٣٥، المنصف ٢/١٠٤، جمهرة اللغة ص ٩٨٢، الممتع في التصريف ١/٧٩، الدر المصون ١/٦٧٠..
٢٣ - البيت للفضل بن العباس: ينظر الخصائص ٣/١٧١، والتصريح ٢/٣٩٦، والأشموني ٢/٢٣٧، وأوضح المسالك ٣/٣٤٦، الدر المصون ١/٦٧٠..
٢٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٧..

### الآية 2:281

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [2:281]

قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ  الآية انتصب قوله " يَوْماً " على المفعول به، لا على الظرف ؛ لأنه ليس المعنى واتَّقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهَّبوا للقائه، بما تقدِّمون من العمل الصالح، ومثله : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً  \[ المزمل : ١٧ \] أي : كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه، مع الكفر بالله تعالى.

### فصل في آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن


قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه آخر آيةٍ نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما حجَّ نزلت  وَيَسْتَفْتُونَكَ  \[ النساء : ١٧٢ \] وهي آية الكلالة ثم نزلت، وهو واقفٌ بعرفة  اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  \[ المائدة : ٣ \] ثم نزل  وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ  فقال جبريل - عليه السلام - يا محمد ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدها أحداً وثمانين يوماً[(١)](#foonote-١)، وقيل أحداً وعشرين يوماً. 
وقال ابن جريجٍ : تسع ليالٍ[(٢)](#foonote-٢). 
وقال سعيد بن جبير : سبع ليالٍ، وقيل : ثلاث ساعاتٍ، ومات يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، حين زاغت الشمس، سنة إحدى عشرة من الهجرة[(٣)](#foonote-٣). 
وقال الشعبي، عن ابن عباس : آخر آيةٍ نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية الرِّبا[(٤)](#foonote-٤). 
قوله تعالى : تُرْجَعُونَ فِيهِ  : هذه الجملة في محلِّ نصبٍ ؛ صفةً للظرف. وقرأ أبو عمرو[(٥)](#foonote-٥) :" تَرْجِعُونَ " بفتح التاء ؛ مبنياً للفاعل، والباقون بضَمِّ التَّاءِ مبنياً للمفعُولِ. وقرأ الحسنُ[(٦)](#foonote-٦) :" يَرْجِعُون " بياء الغيبة ؛ على الالتفات. قال ابن جنِّي[(٧)](#foonote-٧) :" كأنَّ اللهَ تعالى رَفَقَ بالمؤمنينَ عن أنْ يواجِهَهُم بذكر الرَّجْعَة، إذ هي ممَّا تتفطَّر لها القلوب، فقال لهم :" واتَّقُوا " ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة، فقال : يَرْجِعُون ". 
واعلم أنَّ الرجوع لازمٌ ومتعدٍّ، وعليه خرِّجت القراءتان. 
### فصل في المراد باليوم


قال القاضي : اليوم : عبارةٌ عن زمانٍ مخصوصٍ، وذلك لا يتَّقى ؛ إنَّما يتقى ما يحدث فيه من الشِّدة، والأهوال، واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلاَّ في دار الدُّنيا بمجانبة المعاصي، وفعل الواجبات ؛ فصار قوله : وَاتَّقُوا يَوْماً  يتضمن الأمر بجميع أنواع التكليف. 
قال جمهور العلماء : المراد بهذا اليوم المحذَّر منه هو يوم القيامة. 
وقيل يوم الموت، قال ابن عطية : والأول أصحُّ. 
### فصل


اعلم أنَّ الرجوع إلى الله ليس المراد منه، ما يتعلق بالمكان والجهة ؛ فإن ذلك محالٌ على الله تعالى، وليس المراد الرجوع إلى علمه، وحفظه ؛ فإنه معهم أينما كانوا، لكن كل ما في القرآن من الرجوع إلى الله، فله معنيان :
الأول : أن الإنسان له ثلاثة أحوالٍ مرتَّبين، فالأولى : كونهم في بطون أمَّهاتهم لا يملكون نفعهم، ولا ضرَّهم ؛ بل المتصرف فيهم ليس إلاَّ الله تعالى. 
والثانية : بعد خروجهم من البطون، فالمتكفل بإصلاح أحوالهم في أوَّل الأمر الأبوان، ثم بعد ذلك، يتصرف بعضهم في بعض، في حكم الظاهر. 
الثالثة : بعد الموت وهناك لا يتصرف فيهم إلاَّ الله تعالى، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا، فهذا معنى الرجوع إلى الله. 
المعنى الثاني : أن المراد يرجعون إلى ما أعدَّ الله لهم من ثوابٍ، وعقابٍ. 
قوله : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَت  معناه : أنَّ المكلف يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ  \[ الزلزلة : ٧، ٨ \]، وقال : وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ  \[ الأنبياء : ٤٧ \]. 
وفي تأويل قوله : مَا كَسَبَتْ  وجهان :
أحدهما : فيه حذفٌ تقديره : جزاء ما كسبت. 
والثاني : أنَّ المكتسب إنَّما هو الجزاء في الأصل، فقوله " مَا كَسَبَتْ " معناه : ذلك الجزاء وهذا أولى ؛ لأنه لا يحتاج إلى الإضمار. 
قوله : وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  جملة حالية من " كلِّ نَفْسٍ " وجمع اعتباراً بالمعنى، وأعاد الضمير عليها أولاً مفرداً في " كَسَبَتْ " اعتباراً باللفظ، وقدِّم اعتبار اللفظ ؛ لأنه الأصل، ولأنَّ اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة ؛ فكان تأخيره أحسن. 
قال أبو البقاء[(٨)](#foonote-٨) : وَيَجُوزُ أن يكون حالاً من الضمير في :" يُرْجَعُون " على القراءة بالياء، ويجوز أن يكون حالاً منه - أيضاً - على القراءة بالتاء، على أنَّه خروج من الخطاب إلى الغيبة ؛ كقوله تعالى : حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم  \[ يونس : ٢٢ \]، قال شهاب الدين : ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. 
فإن قيل : لما قال  تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ  فهم منه عدم الظلم، فيكون قوله : وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  من باب التكرير. 
فالجواب : أنه تعالى لما قال  تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ  دلَّ على إيصال العذاب إلى الكفار والفسَّاق، فكان لقائلٍ أن يقول : كيف يليق بأكرم الأكرمين تعذيب عبيده ؟ فأجاب بقوله : وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  والمعنى : أن العبد هو الذي ورط نفسه ؛ لأن الله تعالى مكَّنه، وأزاح عذره، فهو الذي أساء إلى نفسه. 
وهذا الجواب إنَّما يستقيم على أصول المعتزلة، وأمَّا على أصولنا، فالله سبحانه مالك الخلق، يتصرف في ملكه كيف شاء، وأراد ؛ فلا يكون ظلماً. 
١ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٠) والطبراني كما في "المجمع" (٦/٣٢٤).
 وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٥٣) وزاد نسبته لأبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس..
٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤١) عن ابن جريج..
٣ - أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (١/٦٥٣)..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ١/٢٦٦..
٥ - انظر: السبعة ١٩٣، والكشف ١/٣١٩، والعنوان ٧٦، والحجة ٢/٤١٧، وإعراب القراءات ١/١٠٤، وحجة القراءات ١٤٩، وشرح شعلة ٣٠٤، وإتحاف ١/٤٥٩..
٦ - انظر: المحرر الوجيز: ١/٣٧٨، والبحر المحيط ٢/٤٥٦، والدر المصون: ١/٦٧١..
٧ - ينظر: المحتسب لابن جني ١/١٤٥..
٨ - ينظر الإملاء لأبي البقاء ١/١١٨..

### الآية 2:282

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:282]

**في كيفية النظم وجهان :**
الأول : أنَّ تعالى لمَّا ذكر الإنفاق في سبيل الله، وهو يوجب تنقيص المال، وذكر الرِّبا، وهو - أيضاً - سبب تنقيص المال، وختم هذين الحكمين بالتهديد بقوله  وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ 
\[ البقرة : ٢٨١ \] والتقوى تسدُّ على الإنسان أكثر أبواب المكاسب، والمنافع - أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال، وصونه عن الفساد، فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله، وعلى ترك الرِّبا، وعلى ملازمة التقوى، لا يتم إلاَّ عند حصول المال ؛ فلأجل هذا بالغ في الوصيَّة بحفظ المال، ونظيره  وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً  \[ النساء : ٥ \] فحثَّ على الاحتياط في أمر الأموال ؛ لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد. 
قال القفَّال[(١)](#foonote-١) - رحمه الله تعالى - ويدلُّ على ذلك : أنَّ ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسطٌ شديدٌ ؛ ألاَّ ترى أنَّه قال تعالى  إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ، ثم قال ثانياً : وَلَيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ ، ثم قال ثالثاً : وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ ، فكان هذا كالتَّكرار لقوله : وَلَيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ  ؛ لأنَّ العدل هو ما علَّمه الله، ثم قال رابعاً :" فَلْيَكْتُبْ " وهذا إعادةٌ للأمر الأول ؛ ثم قال خامساً : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ  وفي قوله : وَلَيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ  كفاية عن قوله : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ  ؛ لأنَّ الكاتب بالعدل إنَّما يكتب ما يملُّ عليه، ثم قال سادساً : وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ، وهذا تأكيدٌ، ثم قال سابعاً : وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ، وهذا كالمستفاد من قوله : وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ، ثم قال ثامناً : وَلاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ، وهو أيضاً تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعاً : ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ ، فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التَّأكيدات السَّالفة[(٢)](#foonote-٢)، وكلُّ ذلك يدلُّ على المبالغة في التَّوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك ؛ ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله : من الرِّبا، وغيره، والمواظبة على تقوى الله. 
الوجه الثاني : قال بعض المفسرين[(٣)](#foonote-٣) : إنَّ المراد بهذه المداينة " السَّلَمُ " فإن الله تبارك وتعالى لما منع من الرِّبا في الآية المتقدِّمة ؛ أذن في السَّلم في هذه الآية، مع أنَّ جميع المنافع المطلوبة من الرِّبا حاصلة في السَّلم، وبهذا قال بعض العلماء : لا لذَّة، ولا منفعة يوصل إليها بالطَّريق الحرام، إلا والله - صلى الله عليه وسلم - سبحانه وتعالى - وضع لتحصيل تلك اللَّذَّة طريقاً حلالاً، وسبيلاً مشروعاً. 
### فصل


قال سعيد بن المسيَّب : بلغني أنَّ أحدث القرآن بالعرش آية الدَّين[(٤)](#foonote-٤). 
التداين تفاعل من الدَّين كتبايع من البيع، ومعناه : داين بعضكم بعضاً، وتداينتم : تبايعتم بدين. 
يقال : داينت الرجل أي : عاملته بدينٍ، وسواء كنت معطياً، أم آخذاً ؛ قال رؤبة :\[ الرجز \]دَايَنْتُ أَرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى  فَمَطلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا[(٥)](#foonote-٥)ويقال : دنت الرجل : إذا بعته بدينٍ، وأدنته أنا : أخذت منه بدين ففرَّقوا بين فعل وأفعل. 
قال ابن الخطيب[(٦)](#foonote-٦) : قال أهل اللغة القرض غير الدين ؛ لأنَّ القرض أن يقرض الرجل الإنسان دراهم أو دنانير أو حباً أو تمراً وما أشبه ذلك، ولا يجوز فيه الأجل، والدَّين يجوز فيه الأجل ويقال من الدّين : ادَّان إذا باع سلعته بثمن إلى أجلٍ، ودان يدين إذا أقرض ودان إذا استقرض ؛ وأنشد الأحمر :\[ الطويل \]نَدِينُ وَيَقْضِي اللهُ عنَّا وَقَدْ نَرَى  مَصَارعَ قَوْمٍ لاَ يَدِينُونَ ضُيَّعِ[(٧)](#foonote-٧)### فصل في بيان إباحة السلف


قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لما حرم الله تعالى الرِّبا ؛ أباح السَّلف، وقال : أشهد أن السَّلف المضمون إلى أجل مسمّى، قد أحلَّه الله في كتابه، وأذن فيه ثمَّ قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [(٨)](#foonote-٨). 
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : نزلت في السَّلف ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وهم يسلفون الثِّمار السَّنتين، والثَّلاث ؛ فقال - صلى الله عليه وسلم - :" مَنْ أَسْلَفَ ؛ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ[(٩)](#foonote-٩) ". 
وقال آخرون : المراد القرض، وهو ضعيف ؛ لأن القرض لا يشترط فيه الأجل والآية فيها اشتراط الأجل، وقال أكثر المفسِّرين البياعات على أربعة أوجه :
أحدها : بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة البتة. 
والثاني : بيع الدَّين بالدَّين، وهو باطلٌ، فلا يدخل تحت الآية. بقي قسمان، وهما بيع العين بالدَّين، وهو بيع الشَّيء بثمن مؤجَّل، وبيع الدَّين بالعين، وهو المسمَّى ب " السّلم " وكلاهما داخلان تحت هذه الآية الكريمة. 
فإن قيل : المداينة : مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كلّ واحدٍ منهما دين، وذلك هو بيع الدَّين بالدَّين، وهو باطلٌ بالاتفاق. 
فالجواب : أنَّ المراد من " تَدَايَنْتُمْ " : تعاملتم، والتَّقدير تعاملتم بما فيه دين. 
فإن قيل : قوله " تَدَايَنْتُمْ " يدلُّ على الدّين، فما الفائد في قوله :" بِدَيْنٍ ". 
**فالجواب من وجوه :**
أحدها : قال ابن الأنباريّ[(١٠)](#foonote-١٠) : التَّداين يكون لمعنيين :
أحدهما : التَّداين بالمال ؛ والتَّداين بمعنى المجازاة من قولهم :" كَمَا تَدِينُ تُدَانُ[(١١)](#foonote-١١) " فذكر الدين لتخصيص أحد المعنيين. 
الثاني : قال الزَّمخشريُّ : وإنَّما ذكر الدَّين ؛ ليرجع الضمير إليه في قوله تبارك وتعالى  فَاكْتُبُوهُ  إذ لو لم يذكر[(١٢)](#foonote-١٢)، لوجب أن يقال : فاكتبوا الدُّين. 
الثالث : ذكره ليدلّ به على العموم، أي : أي دين كان من قليلٍ، أو كثيرٍ من قرضٍ، أو سلمٍ، أو بيع دين إلى أجل. 
الرابع : أنَّه تبارك وتعالى ذكره للتَّأكيد كقوله تبارك وتعالى  فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ  \[ الحجر : ٣٠ \] وقوله : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  \[ الأنعام : ٣٨ \]. 
الخامس : قال ابن الخطيب[(١٣)](#foonote-١٣) - رحمه الله تعالى - : إنَّ المداينة مفاعلة، وهي تتناول بيع الدَّين بالدَّين وهو باطلٌ، فلو قال إذا تداينتم لبقي النص مقصوراً على بيع الدين بالدين وهو باطل فلما[(١٤)](#foonote-١٤) قال : إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ  كان المعنى : إذا تداينتم تدايناً يحصل فيه دين واحد وحينئذٍ يخرج عن بيع الدّين بالدين، ويبقى بيع العين بالدّين أو بيع الدّين بالعين، فإن الحاصل في كلِّ واحدٍ منهما دين واحد لا غير. 
فإن قيل : إن كلمة " إذَا " لا تفيد العموم، والمراد من الآية العموم ؛ لأن المعنى كلَّما تداينتم بدين فاكتبوه فلم عدل عن كلما وقال : إِذَا تَدَايَنتُم . 
فالجواب : أنَّ كلمة " إِذَا "، وإن كانت لا تقتضي العموم إلا أنَّها لا تمنع من العموم، وهاهنا قام الدَّليل على أنَّ المراد هو العموم ؛ لأنه تعالى بين العلَّة في الأمر بالكتابة في آخر الآية، وهي قوله تعالى : ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ  والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدّين، ولم يكتب فالظَّاهر أنه تنسى الكيفيَّة فربَّما توهم الزِّيادة، فطلب الزِّيادة ظلماً، وربَّما توهم النُّقصان، فترك حقَّه من غير حمد ولا أجر، فأمَّا إذا كتب كيفيَّة الواقعة أمن من هذه المحذورات، فلمَّا دلَّ النَّصُّ على أن هذا هو العلَّة، وهي قائمةٌ في الكلّ كان الحكم أيضاً حاصلاً في الكلِّ. 
قوله تعالى : إِلَى أَجَلٍ  : متعلِّق بتداينتم، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفة لدين، و مُّسَمًّى  صفة لدين، فيكون قد قدَّم الصفة المؤولة على الصَّريحة، وهو ضعيفٌ، فكان الوجه الأول أوجه. 
والأجل : في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدّين لوقت معيَّن في المستقبل، وأصله من التَّأخير يقال : أجل الشَّيء بأجل أجولاً إذا تأخَّر، والآجل : نقيض العاجل. 
فإن قيل : المداينة لا تكون إلا مؤجلة، فما فائدة ذكر المداينة ؟
فالجواب : إنَّما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله " مُّسَمًّى " والفائدة في قوله " مُّسَمًّى " ليعلم أنَّ من حقّ الأجل أن يكون \[ معلوماً \] كالتَّوقيت بالسَّنة، والأشهر، والأيَّام، فلو قال إلى الحصاد، أو إلى الدياس، أو إلى رجوع قدوم الحاج ؛ لم يجز لعدم التَّسمية. 
وألف " مُسَمًّى " منقلبةٌ عن ياءٍ، تلك الياء منقلبةٌ عن واو ؛ لأنه من التَّسمية، وقد تقدَّم أنَّ المادَّة من سما يسمو. 
### فصل


والأجل يلزم في الثَّمن في البيع، وفي السّلم بحيث لا يكون لصاحب الحقّ الطلب قبل محله، وفي القرض، لا يلزم الأجل عن أكثر أهل العلم. 
قال القرطبي[(١٥)](#foonote-١٥) : شروط السّلم تسعة، ستّة في المسلم فيه، وثلاثة في رأس مال السّلم. 
أمَّا السِّتَّة التي في المسلم فيه فأن يكون في الذِّمَّة[(١٦)](#foonote-١٦)، وأن يكون موصوفاً[(١٧)](#foonote-١٧)، وأن يكون الأجل معلوماً، وأن يكون مؤجّلاً، وأن يكون عام الوجود عند الأجل، وأمَّا الثلاثة التي في رأس مال السلم، فأن يكون معلوم الجنس، معلوم المقدار، وأن يكون نقداً. 
قوله : فَاكْتُبُوهُ  الضَّمير يعود على " بِدَيْنٍ ". 
### فصل


**أمر الله تعالى في المداينة بأمرين :**
أحدهما : الكتابة بقوله : فَاكْتُبُوهُ . 
الثاني : الإشهاد. بقوله : وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رجَالِكُمْ ، وفائدة الكتابة والإشهاد أنَّ دخول الأجل تتأخّر فيه المطالبة، ويتخلَّله النِّسيان[(١٨)](#foonote-١٨) ويدخله الجحد، فالكتابة سبب لحفظ المال من الجانبين، لأنَّ صاحب الدّين إذا علم أنَّ حقّه مقيّد بالكتابة، والإشهاد تحذر من طلب زيادة، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، والمديون يحذر من الجحد، ويأخذ قبل حلول الدّين في تحصيل المال ليتمكن من أدائه وقت الحلول. 
### فصل


القائلون بأن ظاهر الأمر النَّدب، لا إشكال عليهم، واختلف القائلون بأن ظاهر الأمر الوجوب، فقال عطاء، وابن جريج والنَّخعي بوجوب الكتابة[(١٩)](#foonote-١٩)، وهو اختيار محمد بن جرير الطَّبري، قال النَّخعي : يشهد، ولو على دُسْتُجَةِ بَقْلٍ[(٢٠)](#foonote-٢٠). 
وقال جمهور الفقهاء : هذا أمر ندب ؛ لأنّا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار المسلمين يبيعون بالأثمان المؤجَّلة من غير كتابة، ولا إشهاد، وذلك إجماعٌ على عدم وجوبها، ولأنَّ في إيجابها حرجٌ شديدٌ، ومشقَّة عظيمةٌ. وقال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  \[ الحج : ٧٨ \]. 
وقال صلى الله عليه وسلم :" بُعِثْت١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٩٤..
٢ - في ب: السابقة..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٩٤..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٥٦) عن سعيد بن المسيب وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٥٤) وعزاه للطبري..
٥ - ينظر: ديوانه (٧٩)، الكتاب ٢/٣٠٠، الخصائص ٢/٩٦، البحر ٢/٣٥٧، الدر المصون ١/٦٧٢..
٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي٧/٩٤..
٧ - البيت للعجير السلولي. ينظر: اللسان (دين)، الرازي ٧/٩٤..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٥) وعبد الرزاق (٤/٢٥٢) والشافعي في "الأم" (٣/٨٠-٨١) والحاكم في "المستدرك" (٢/٢٨٦) والبيهقي (٦/١٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٥٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني..
٩ - أخرجه البخاري (٣/١٧٥) كتاب السلم باب السلم في وزن معلوم رقم (٢٢٤٠) ومسلم (٥/٥٥) وأبو داود (٣٤٦٣) والنسائي (٢/٢٢٦) والترمذي (١/٢٤٦) والشافعي (١٣١٢) وابن ماجه (٢٢٨٠) وابن الجارود (٦١٤، ٦١٥) وأحمد (١/٢١٧، ٢٢٢، ٢٨٢، ٣٥٨) عن ابن عباس..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٩٥..
١١ - علقه البخاري في صحيحه (٨/٦) وقال الحافظ في "الفتح": وقد ورد هذا في حديث مرفوع أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وهو مرسل رجاله ثقات ورواه عبد الرزاق بهذا الإسناد أيضا عن أبي قلابة عن أبي الدرداء موقوفا وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء وله شاهد موصول من حديث ابن عمر أخرجه ابن عدي وضعفه..
١٢ - في ب: يوجب..
١٣ -ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/٩٥..
١٤ - في ب: فلو..
١٥ - ينظر: القرطبي ٣/٢٤٥..
١٦ - وقولهم: في الذمة: معنى الذمة في اللغة: العهد، وعن الفقهاء: هي صوف شرعي يصير به الإنسان أهلا للإلزام والالتزام، وهذا الوصف هو السبب في صحة تكليف الشخص بالحقوق له أو عليه..
١٧ - وقولهم: موصوف: المراد به: أن يكون السلم فيه مبينة أوصافه التي يختلف بها الثمن عادة، بحيث تنفى عنه الجهالة الفاحشة المؤدية للمنازعة..
١٨ - في ب: الإنسان..
١٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٧) عن ابن جريج..
٢٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي٧/٩٦..

### الآية 2:283

> ﻿۞ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [2:283]

قوله : وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ . 
قال أهل اللُّغة ( س ف ر ) تركيب هذه الحروف للظُّهور، والكشف، والسفر هو الكتاب ؛ لأنه يبيِّن الشيء ويوضحه، وسمي السِّفر سفراً ؛ لأنَّه يسفر عن أخلاق الرِّجال، أي : يكشف، أو لأنه لمّا خرج من الكن[(١)](#foonote-١) إلى الصَّحراء فقد انكشف للنَّاس ؛ أو لأنه لمَّا خرج إلى الصَّحراء فقد صارت أرض البيت منكشفةً خاليةً، وأسفر الصُّبح : إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها : إذا كشفته، وسفرت عن القوم أسفر سفارة، أي : كشفت ما في قلوبهم، وسفرت أُسفر، أي : كنست، والسَّفر : الكنس، وذلك لأنك إذا كنست، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار، والسّفر من الورق ما سفر به الرِّيح، ويقال لبقية بياض النَّهار بعد مغيب الشَّمس سفر لوضوحه.

### فصل في بيان وجه النَّظم


اعلم أنَّه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام :
بيع بكتاب وشهود، وبيع برهن مقبوضة، وبيع بالأمانة، ولما أمر في آخر الآية المتقدّمة بالكتاب، والإشهاد، وأعلم أنَّه ربما تعذَّر ذلك في السَّفر إمَّا ألاَّ يوجد الكاتب[(٢)](#foonote-٢)، أو إن وجد لكنَّه لا توجد آلات الكتابة، ذكر نوعاً آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرَّهن، فهذا وجه النَّظم، وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتابة والإشهاد. 
قوله : وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً  في هذه الجملة ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنَّها عطفٌ على فعل الشَّرط، أي :" وَإِنْ كُنْتُم "، " وَلَمْ تَجِدُواْ " فتكون في محلِّ جزمٍ لعطفها على المجزوم تقديراً. 
والثاني : أن تكون معطوفةً على خبر " كان "، أي : وإن كنتم لم تجدوا كاتباً. 
والثالث : أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها نصب على الحال، فهي على هذين الوجهين الأخيرين في محلّ نصبٍ. 
والعامة على " كاتباً " اسم فاعل. وقرأ أُبي ومجاهدٌ، وأبو العالية[(٣)](#foonote-٣) :" كِتاباً "، وفيه وجهان :
أحدهما : أنَّه مصدرٌ أي ذا كتابة. 
والثاني : أنه جمع كاتبٍ، كصاحبٍ وصحابٍ. ونقل الزمخشريُّ هذه القراءة عن أُبيّ وابن عبَّاسٍ فقط، وقال :" وَقَالَ ابْنُ عباس : أرأيت إن وَجَدْتَ الكاتب، ولم تجد الصَّحيفة والدَّواة ". وقرأ ابن عباس[(٤)](#foonote-٤) والضَّحَّاك :" كُتَّاباً " على الجمع \[ اعتباراً \] بأنَّ كلَّ نازلةٍ لها كاتبٌ. وقرأ[(٥)](#foonote-٥) أبو العالية :" كُتُباً " جمع كتاب، اعتباراً بالنَّوازل، قال شهاب الدين : قول ابن عباس :" أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتَ الكَاتِبَ. . . الخ " ترجيحٌ للقراءة المرويَّة عنه واستبعادٌ لقراءة غيره " كاتباً "، يعني أن المراد الكتاب لا الكاتب. 
قوله :" فَرِهَانٌ " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي : فيكفي عن ذلك رهنٌ مقبوضةٌ. 
الثاني : أنه مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي : فرهن مقبوضة تكفي. 
الثالث : أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديره : فالوثيقة، أو فالقائم مقام ذلك رهن مقبوضةٌ. 
وقرأ[(٦)](#foonote-٦) ابن كثير، وأبو عمرٍو :" فَرُهُنٌ " بضم الرَّاء، والهاء، والباقون " فَرِهَانٌ " بكسر الرَّاء وألف بعد الهاء، روي عن ابن كثير، وأبي عمرو تسكين الهاء في رواية. 
فأمَّا قراءة ابن كثير، فجمع رهن، وفَعْلٌ يجمع على فُعُلٍ نحو : سَقْف وسُقُف. ووقع في أبي البقاء[(٧)](#foonote-٧) بعد قوله :" وسَقْف وسُقُف. وأسَد وأُسُد، وهو وهمٌ " ولكنَّهم قالوا : إنَّ فعلاً جمع فعل قليل، وقد أورد منه الأخفش[(٨)](#foonote-٨) ألفاظاً منها : رَهْن ورُهُن، ولَحْد القبر، ولُحُد، وقَلْب النَّخلة، وقُلُب، ورجلٌ ثَطٌّ وقومٌ ثُطٌّ، وفرس وَرْدٌ، وخيلٌ وُرُدٌّ، وسَهمٌ حَشْرٌ وَسِهَامٌ حُشُرٌ. وأنشد أبو عمرو حجةً لقراءته قول قعنب :\[ البسيط \]
بَانَتُ سُعَادُ وأَمْسَى دُونَها عَدَنُ \*\*\* وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَبْلِكَ الرُّهُنُ[(٩)](#foonote-٩)
وقال أبو عمرو :" وإنما قرأت فرُهُن للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع " رَهْن " في غيرها " ومعنى هذا الكلام أنما اخترت هذه القراءة على قراءة " رهَان " ؛ لأنه لا يجوز له أن يفعل ذلك كما ذكر دون اتِّباع روايةٍ. 
واختار الزَّجَّاج[(١٠)](#foonote-١٠) قراءته هذه قال :" وَهَذِه القِرَاءَة وافَقَت المصحف، وما وافق المصحف وصحَّ معناه، وقرأ به القرَّاء فهو المختار ". قال شهاب الدين : إن الرسم الكريم " فرهن " دون ألفٍ بعد الهاء، مع أنَّ الزَّجَّاج يقول :" إنَّ فُعُلاً جمع فَعْلٍ قليلٌ "، وحكي عن أبي عمرو أنه قال :" لا أَعْرِفُ الرِّهان إلا في الخيل لا غيرُ ". وقال يونس :" الرَّهْنُ والرِّهان : عربيان، والرُّهُن في الرَّهْنِ أكثر، والرِّهان في الخيل أكثر " وأنشدوا أيضاً على رَهْنٍ ورُهُن قوله :\[ الكامل \]
آلَيْتُ لاَ نُعْطِيهِ مِنْ أَبْنَائِنَا \*\*\* رُهُناً فيُفْسِدُهُمْ كَمَنْ قَدُ أَفْسَدَا[(١١)](#foonote-١١)
وقيل : إنَّ رُهُناً جمع رهان، ورهان جمع رَهْن، فهو جمع الجمع، كما قالوا في ثمار جمع ثمر، وثُمر جمع ثمار، وإليه ذهب الفراء[(١٢)](#foonote-١٢) وشيخه، ولكنَّ جمع الجمع غير مطرَّدٍ عند سيبويه[(١٣)](#foonote-١٣) وجماهير أتباعه. 
وأمَّا قراءة الباقين " رِهان "، فرهان جمع " رَهْن " وفعل وفعال مطردٌ كثير نحو : كَعْب، وكِعَاب، وكَلْب وكِلاَب، ومَنْ سَكَّن ضمة الهاء في " رُهُن " فللتخفيف وهي لغةٌ، يقولون : سُقْفٌ في سُقُف جمع سَقْفٍ. 
والرَّهنُ في الأصل مصدر رهنت، يقال : رهنت زيداً ثوباً أرهنه رهناً أي : دفعته إليه رهناً عنده، قال :\[ الوافر \]
يُرَاهِنُنِي فَيَرْهَنُنِي بَنِيهِ \*\*\* وأَرْهَنُهُ بَنِيَّ بِمَا أَقُولُ[(١٤)](#foonote-١٤)
وأرهنت زيداً ثوباً، أي : دفعته إليه ليرهنه، ففرَّقوا بين فعل وأفعل. وعند الفرَّاء رهنته وأرهنته بمعنى، واحتجَّ بقول همَّامٍ السَّلوليِّ :\[ المتقارب \]
فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ \*\*\* نَجَوْتُ وَأَرْهَنْتُهُمْ مَالِكَا[(١٥)](#foonote-١٥)
وأنكر الأصمعيُّ هذه الرِّواية، وقال إِنَّما الرِّواية :" وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا " والواو للحال ؛ كقولهم :" قَمْتُ وأَصُكُّ عَيْنَهُ " وهو على إضمار مبتدأ. 
وقيل : أرْهَنَ في السِّلعة إذا غالى فيها حتّى أخذها بكثير الثَّمن، ومنه قوله :\[ البسيط \]
يَطْوِي ابنُ سَلْمَى بِهَا مِنْ رَاكِبٍ بُعْداً \*\*\* عِيديَّةً أُرْهِنَتْ فِيهَا الدَّنَانيِرُ[(١٦)](#foonote-١٦)
ويقال : رَهنتُ لساني بكذا، ولا يُقال فيه " أَرْهَنْتُ " ثم أُطْلق الرَّهنُ على المرهون من باب إطلاق المصدرِ على اسم المفعول كقوله تعالى : هَذَا خَلْقُ اللهِ  \[ لقمان : ١١ \]، و " درهَمٌ ضَرْبُ الأَمِير "، فإذا قلت :" رَهَنْتُ زيداً ثوباً رَهْناً " فرهناً هنا مصدرٌ فقط، وإذا قلت " رهنْتُ زيداً رَهْناً " فهو هنا مفعولٌ به ؛ لأن المراد به المرهونُ، ويُحتملُ أن يكونَ هنا " رَهْناً " مصدراً مؤكداً أيضاً، ولم يذكرِ المفعول الثَّاني اقتصاراً كقوله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ  \[ الضحى : ٤ \]. 
و " رَهْن " مِمَّا استغني فيه بجمعِ كثرته عن جمع قلَّته، وذلك أنَّ قياسه في القلةِ أفعل كفلس، وأفلسُ، فاستُغنيَ برَهن ورِهان عن أرَهُن. 
وأصل الرَّهن : الثُّبوت والاستقرارُ يقال : رهن الشَّيءُ، فهو راهنٌ إذا دام واستقر، ونعمةٌ راهنةٌ، أي : دائمة ثابتة، وأنشد ابن السَِّكِّيت :\[ البسيط \]
لاَ يَسَفِيقُونَ مِنْهَا وَهْيَ رَاهِنَةٌ \*\*\* إِلاَّ بهَاتِ وَإِنْ عَلُّوا وإنْ نَهِلُوا[(١٧)](#foonote-١٧)
ويقال :" طَعَامٌ رَاهِنٌ " أي : مُقيمٌ دائمٌ ؛ قال :\[ البسيط \]
الخُبْزُ واللَّحْمُ لَهُمْ رَاهِنٌ \*\*\*. . . [(١٨)](#foonote-١٨)
أي : دائمٌ مستقرٌّ، ومنه سُمِّي المرهونُ " رَهْناً " لدوامِه واستقراره عند المُرتهِن. 
### فصل في إثبات الرهن في الحضر والسفر


جمهورُ الفُقهاء على أَنَّ الرهن في الحضرِ، والسَّفر سواءٌ، وفي حال وجود الكاتب، وعدمهِ، وذهب مجاهِدٌ : إلى أَنَّ الرهنَ لا يجوزُ إِلاَّ في السقر ؛ لظاهر الآية، ولا عمل عليه، وإِنَّما قيدت الآيةُ بالسفر ؛ لأَنَّ الغالبَ في السفرِ عدمُ الكاتِب ؛ فهو كقوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ  \[ النساء : ١٠١ \] وليس الخوفُ من شرط جواز القصرِ ؛ ويدلُّ عليه ما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ رهن دِرْعَهُ عند أَبِي الشَّحم اليهوديِّ ولم يكن ذلك في سفرٍ. 
قوله :" فَإِنْ أَمِنَ " قرأ أُبي[(١٩)](#foonote-١٩) فيما نقله عنه الزَّمخشريُّ " أُومِنَ " مبنيّاً للمفعول، قال الزَّمخشريُّ : أي :" أَمِنَه الناسُ وَوَصَفُوا المَدْيُونَ بالأمانةِ والوفاءِ " قلت : وعلامَ تنتصبُ بَعْضاً ؟ والظاهرُ نصبه بإسقاطِ الخافض على حذف مضافٍ، أي : فإن أُومِنَ بعضُكم على متاعٍ بعضٍ، أو على دينِ بعضٍ. 
وفي حرف أُبيّ[(٢٠)](#foonote-٢٠) :" فَإِن اؤْتُمِنَ " يعني : وإن كان الذي عليه الحقُّ أَمِيناً عند صاحب الحقِّ ؛ فلم يرتهن منه شيئاً ؛ لحسن ظنه به. 
قوله : فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  إذا وُقِفَ على الَّذِي، وابتُدئَ بما بعدها قيل :" اوتُمِنَ " بهمزةٍ مضمومةٍ، بعدها واوٌ ساكنةٌ، وذلك لأنَّ أصله اؤْتُمِنَ ؛ مثل اقتُدر بهمزتين : الأُولى للوصل، والثَّانية فاءُ الكلمة، ووقعت الثانيةُ ساكنةً بعد أُخرى مثلها مضمومةً ؛ فوجب قَلْبُ الثانية لمُجانس حركة الأُولى، فقلت : اوتُمِنَ ؛ فأمَّا في الدَّرج، فتذهبُ همزةُ الوصل ؛ فتعودُ الهمزةُ إلى حالها ؛ لزوالِ موجب قلبها واواً، بل تُقلبُ ياءً صريحةً في الوصلِ ؛ في رواية ورشٍ. 
ورُوي عن عاصم :" الَّذِي اؤْتُمِنَ " برفع الأَلف ويُشير بالضَّمَّةِ إلى الهمزةِ، قال ابن مجاهدٍ[(٢١)](#foonote-٢١) :" وهذه الترجمةُ غلطٌ " ورَوَى سليم عن حمزة إشمامَ الهمزةِ الضَّمَّ، وفي الإِشارة، والإِشمام المذكُورَين نظرٌ. 
وقرأ عاصمٌ[(٢٢)](#foonote-٢٢) أيضاً في شاذِّه :" الَّذِي اتُّمِنَ " بإِدغام الياء المبدلة من الهمزة في تاءِ الافتعال، قال الزمخشريُّ : قياساً على :" اتَّسَرَ " في الافتعال من اليُسْر، وليس بصحيح ؛ لأَنَّ الياءَ منقلبةٌ عن الهمزةِ، فهي في حُكمِ الهمزةِ، واتَّزر عامِّيٌّ، وكذلك " رُيَّا " في " رُؤْيَا ". 
قال أبو حيَّان[(٢٣)](#foonote-٢٣) : وَمَا ذَكَرهُ الزمخشريُّ فيه : أَنَّهُ ليس بصحيح، وأَنَّ " اتَّزَرَ " عامِّيٌّ - يعني أنه مِنْ إِحداث العامَّةِ لا أصلَ له في اللغة - قد ذكره غيره أنَّ بعضهم أَبدلَ، وأدْغَمَ :" اتَّمَنَ واتَّزَرَ " وأنَّ ذلك لغةٌ رديئةٌ، وكذلك " رُيَّا " في رُؤْيَا، فهذا التشبيهُ إمَّا أَنْ يعودَ على قوله :" واتَّزَرَ عَامِّيٌّ "، فيكون إدغام " رُيَّا " عَامِّيًّا، وإمَّا أن يعود إلى قوله " فَلَيْسَ بِصَحِيح " أي : وكذلك إدغامُ " رُيَّا " ليس بصحيحٍ، وقد حكى الكِسائيُّ الإدغام في " رُيَّا ". 
وقوله :" أَمَانَتَهُ " يجوزُ أن تكونَ الأمانةُ بمعنى الشَّيءِ المُؤْتَمَنِ عليه ؛ فينتصبَ انتصابَ المفعولِ به بقوله :" فَلْيُؤَدِّ " ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدراً على أصلها، وتكونَ على حذفِ مضافٍ، أي : فليؤدِّ دين أَمانتهِ، ولا جائزٌ أن تكونَ منصوبة على مصدرِ اؤْتمنَ، والضَّم١ - في ب: البادية..
٢ - في ب: الكتاب..
٣ - ونسبها ابن عطية ١/٣٨٦، إلى ابن عباس وانظر: البحر المحيط ٢/٣٧١، والدر المصون ١/١٨٥..
٤ - ونسبها ابن عطية ١/٣٨٦ إلى ابن عباس.
 وانظر: البحر المحيط ٢/٣٧١، والدر المصون ١/٦٨٥..
٥ - السابق..
٦ - انظر: السبعة ١٩٤، والكشف ١/ ٣٢٢، والحجة ٢/٤٤٢، وحجة القراءات ١٥٢، وإعراب القراءات ١/١٠٥، والعنوان ٧٦، شرح الطيبة ٤/١٣٧، وشرح شعلة ٣٠٦، وإتحاف ١/٤٦٠..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١٢١..
٨ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ١/١٩٠-١٩١..
٩ - ينظر: اللسان رهن، الدر المصون ١/٦٨٦..
١٠ - ينظر: معاني القرآن للزجاج ١/٣٦٨..
١١ - البيت للأعشى: ينظر ديوانه (٢٢٩)، اللسان: رهن، البحر ٢/٣٧١، الدر المصون ١/٦٨٦..
١٢ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٨٨..
١٣ - ينظر: الكتاب لسيبويه ٢/٢٠٠..
١٤ - البيت لأحيحة بن الجلاح ينظر اللسان: رهن، الدر المصون ١/ د ٦٨..
١٥ - تقدم برقم ٤٤٥..
١٦ - البيت لرداد الكلبي ينظر: الدر المصون ١/٦٨٧..
١٧ - البيت للأعشى ينظر اللسان: رها، الدر المصون ١/٦٨٧..
١٨ - صدر بيت وعجزه:
 وقهوة راووقها ساكب
 ينظر القرطبي ٣/٤٠٩، اللسان: رهن، الدر المصون ١/٦٨٧..
١٩ - انظر: الكشاف ١/٣٢٩، البحر المحيط ٢/٣٧٢، الدر المصون ١/٦٨٨..
٢٠ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٧٠..
٢١ - ينظر: السبعة ١٩٥..
٢٢ - انظر: البحر المحيط ٢/٣٧٢، والدر المصون ١/٦٨٨، وإتحاف ١/٤٦١..
٢٣ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٧٢..

### الآية 2:284

> ﻿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:284]

**في كيفية النَّظم وجوه :**
الأول : قال الأَصمّ[(١)](#foonote-١) : إنه تعالى لمَّا جمع في هذه السُّورة أشياءَ كثيرةً مِنْ علم الأُصُول : من دلائل التَّوحيدِ، والنُّبوةِ، والمعادِ، وبيان الشَّرائِع، والتكاليف ؛ كالصلاةِ والزكاةِ، والصومِ، والحجِّ، والقِصَاصِ، والجهادِ، والحيضِ، والطَّلاَقِ، والعِدَّةِ، والصَّدَاقِ، والخُلعِ، والإِيلاءِ، والرَّضَاعةِ، والبيع، والرِّبَا، وكيفيَّةِ المُداينةِ - ختم هذه السورة بهذه الآية على سبيل التَّهديد. 
قال ابن الخطيب[(٢)](#foonote-٢) : لمَّا كان أكملُ الصفاتِ هو العلم والقدرة عبَّرَ عن كمالِ قُدْرته بقول  للَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  مِلكاً ومُلْكاً، وعبَّرَ عن كمال علمه، وإِحاطته بالكُلِّيَّاتِ، والجُزْئِيَّاتِ بقوله : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ، وإذا اختصَّ بكمال العلم، والقُدرة، فكل من في السموات والأرض عبيدٌ مربوبون له، وجدوا بتخليقه، وتكوينه، وهذا غاية الوعدِ للمطيعين، ونهايةُ الوعيد للمذنبين، ولهذا ختم السورة بهذه. 
الثاني : قال أبو مسلم[(٣)](#foonote-٣) : إنه تعالى لمَّا نزَّل في آخر الآية المتقدِّمة :" إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عليمٌ "، ذكر عقيبهُ ما يجرِي مجرى الدليل العقلي فقال : للَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  ومعنى هذا الملك أَنَّ هذه الأشياء لمَّا كانت محدثةً، فقد وجدت بتكوينه ؛ وإبداعه، ومن أتقن هذه الأفعال العجيبة الغريبة المشتمِلة على الحِكم المُتكاثرة ؛ والمنافع العظيمة، فلا شَكَّ أَنَّ ذلك مِنْ أعظم الأَدِلَّة على كونه عالماً مُحيطاً بأجزائها. 
الثالث : قال القاضي[(٤)](#foonote-٤) : إنه تعالى لمَّا أمر بهذه الوثائِق - أعني الكتابة، والإِشهادَ، والرهنَ، وكان المقصودُ من الأَمر بها صيانة الأَموالِ، والاحتياط في حفظها - بيَّن تعالى أن المقصودَ من ذلك إنما يرجع لمنفعة الخلقِ، لا لمنفعةٍ تعُودُ إليه سبحانه، فإنَّ له مُلْكَ السَّموات، والأَرضِ. 
الرابع : قال الشعبيُّ، وعكرمةُ، ومجاهدٌ : إنه تعالى لما نهى عن كِتمان الشهادة، وأَوعد عليه، بيَّن أَنَّ له مُلك السمواتِ، والأَرضِ ؛ فيجازِي على الكِتْمانِ، والإِظهارِ[(٥)](#foonote-٥). 
### فصلٌ في بيان سبب النُّزُول


قال مقاتلٌ : نزلت فيمن يتولَّى الكافرين من المؤمنين، يعني : وإن تُعْلِنُوا ما في أَنفُسِكُم من ولاية الكُفَّار، أو تُسِّروه، يُحَاسِبكُم به الله[(٦)](#foonote-٦)، كما ذكر في سورة آل عمران
 لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ  \[ آل عمران : ٢٨ \]، إلى أن قال : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ  \[ آل عمران : ٢٩ \]. 
وذهب الأَكثرُون إلى أنَّها عامَّةٌ. 
### فصلٌ


رُوِي عن ابن عبَّاسٍ ؛ أنه قال : لمَّا نزلت هذه الآية، " جاء أبو بكرٍ وعمرُ، وعبدُ الرَّحمن بن عوف، ومعاذ، وناسٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثم بركُوا على الرَّكبِ، فقالوا : يا رسُول اللهِ، كُلِّفنا من الأَعمالِ ما نُطيقُ ؛ الصلاةُ، والصِّيامُ، والجِهَادُ، والصَّدَقَةُ، وقد أُنزِلت عليك هذه الآيةُ ولا نُطِيقُهَا، إنَّ أَحدنا ليُحدِّثُ نفسهُ بما لا يحبّ أن يثبتَ في قلبهِ وإنَّ له الدُّنيا، فقال - صلى الله عليه وسلم - :" أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْل الكِتابينِ مِنْ قَبْلِكُمْ : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ؟ بل قولوا :" سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ " فَلمَّا قرأها القومُ، ذلَّتْ بهم أَنفُسُهُم، فأنزل الله في إثرها  آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  \[ البقرة : ٢٨٥ \] فمكَثُوا في ذلك حولاً، واشتدَّ ذلك عليهم، فأَنزل اللهُ - تعالى -  لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  \[ البقرة : ٢٨٦ \] فَنَسَخَتْ هذه الآية، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم :" إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُم مَا لَمْ يَعْمَلُوا أَوْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ[(٧)](#foonote-٧) ". 
قال ابن مسعود، وابن عبَّاسٍ، وابن عمر : هذه الآية منسوخةٌ[(٨)](#foonote-٨)، وإليه ذهب محمَّد بن كعبٍ القرظِيّ ؛ ويدُلُّ عليه ما رَوَى أَبو هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : قال :" إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ[(٩)](#foonote-٩) ". 
وقال آخرون : الآية من باب الخبر، والنَّسخُ لا يتطرَّق إلى الأخبارِ، إنما يرِدُ على الأمرِ والنَّهي، وقوله : يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ  خبر، وهؤلاء ذكرُوا في الآيةِ وجُوهاً :
الأول : أن الخواطر الواردة على النَّفس قسمان :
منها : ما يعزمُ على فعله وإيجاده، فيكون مؤاخذاً به ؛ لقوله - تعالى - : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِالَّلغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  \[ البقرة : ٢٢٥ \]، وقال بعد هذه الآية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } \[ البقرة : ٢٨٦ \]، وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  \[ النور : ١٩ \]. 
ومنها : ما يخطر بالبالِ مع أَنَّ الإنسان يكرهُهَا ولا يمكنه دفعها، فهذا لا يُؤاخذُ به. 
الثاني : أن كُلَّ ما كان في القلب ممَّا لا يدخُل في العملِ ؛ فإنه في محلِّ العفوِ. 
وقوله : إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ  فالمرادُ منه أن يوجد ذلك العمل، إمَّا ظاهراً وإمَّا خُفيَةً، وأمَّا ما يُوجدُ في القلبِ من العزائم والإراداتِ، ولم تتَّصِل بعمل، فذلك في محلِّ العفو. 
قال ابن الخطيب[(١٠)](#foonote-١٠) : وهذا ضعيفٌ ؛ لأن أكثر المُؤاخذاتِ إنَّما تكون بأفعالِ القُلُوبِ ؛ ألا ترى أنَّ اعتقادَ الكُفْرِ والبدَع إِلاَّ مِنْ أَعمال القُلُوبِ، وأعظم أَنواع العِقَابِ مُتَرتِّبٌ عليه. 
وأيضاً : فأفعالُ الجوارح إذا خلت عن أفعال القُلُوبِ، لا يترتَّب عليها عقابٌ ؛ كأفعال النَّائِمِ والسَّاهي. 
الثالث : قال[(١١)](#foonote-١١) الحسن : كُلُّ من أسرَّ عملاً أو أَعْلَنهُ من حركةٍ من جوارحه، أو همّةٍ في قلبه، إِلاَّ يُخْبرُه الله به ويُحاسبُه عليه، ثم يغفِر ما يشاءُ ويُعذِّب من يشاء ؛ لأن الله - تعالى - أَثبت للقلبِ كسباً ؛ فقال : وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  \[ البقرة : ٢٢٥ \]. 
الرابع : أن الله - تعالى - يُحاسِبُ خلقهُ بجميع ما أَبدوا من أعمالهم أو أخفوهُ، ويُعاقِبُهُم عليه، غير أنَّ معاقبَتَهُ على ما أَخفوهُ ممَّا يعملُوه هو ما يحدث لهم في الدُّنيا من الهَمِّ والغَمِّ والمصائِبِ، والأُمُور التي يحزنزن عليها. 
روى الضَّحَّاك " عن عائشة - رضي الله عنها - : قالت : سألت رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ما حدَّث العبد به نفسهُ من شرٍّ كانت مُحاسبةُ الله - تعالى - عليه، فقال : يا عائشة، هذه مُعاتَبةُ الله - عزّ وجلّ - العبد بما يُصيبُهُ من الحُمَّى والنّكبة، حتَّى الشَّوكة والبضاعة يضعُهَا في كُمِّهِ فيفقدها فيرُوعُ لها فيجِدُها في ضِبْنه حتَّى إنَّ المؤمن ليخرُجُ من ذُنُوبه ؛ كما يخرج التِّبرُ الأحمرُ من الكِير[(١٢)](#foonote-١٢). " 
وعن أنس بن مالكٍ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :" إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِه الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِه الشَّرَّ أَمْسَك عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوافِيَهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ[(١٣)](#foonote-١٣) ". 
فإن قيل : كيف تحصل المُؤَاخذةُ في الدُّنيا مع قوله : الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  \[ غافر : ١٧ \]. 
قلنا : هذا خاصٌّ، فيُقدَّمُ على ذلك العامِّ. 
الخامس : أنه - تعالى - قال :" يُحَاسِبْكُم " ولم يَقُل " يُؤَاخِذْكُم " وقد ذكرنا في معنى كونه حسيباً ومُحَاسباً وجوهاً كثيرة، ومن جملتها كونه عالماً بها، فيرجعُ معنى الآية إلى كونه عالماً بكُلِّ ما في الضَّمائر والسَّرائر. 
والمرادُ من المُحاسبة : الإِخبار والتَّعريفُ. 
ومعنى الآية : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فتعملُوا به أَوْ تُخْفُوهُ ممَّا أضمرتم ونويتم، يحاسبكم به الله، ويُخبركم به، ويُعرفكم إيَّاه ثم يغفر للمؤمنين إظهاراً لفضله، ويعذِّب الكافرين إظهاراً لعدلِهِ. 
وهذا معنى قول الضَّحَّاك، ويُروَى عن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - ؛ يدلُّ عليه أَنَّهُ قال : يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ  ولم يَقُلْ :" يُؤَاخِذْكُمْ "، والمُحاسبةُ غير المُؤَاخذة. 
ورُوِي عن ابن عبَّاسٍ أنه - تعالى - إذا جمع الخلائق يُخْبرهم بما كان في نفوسهم، فالمُؤْمِنُ يُخبِرهُ ويعفو عنه، وأهل الذُّنُوب يُخبرهم بما أَخفوا من التَّكذِيب والذَّنب[(١٤)](#foonote-١٤) روى صفوان بن محرز قال : كُنتُ آخِذاً بيد عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فأتاهُ رجلٌ، فقال : كيف سمعتَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النَّجوى ؟ قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" إِنَّ اللهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ يَسْتُرُه من النَّاسِ، فيقُولُ : أي عَبْدِي، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا ؟ فيقولُ : نَعَمْ أي ربِّ، ثم يقُول : أي رَبِّ، حتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى في نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ، قال : فَإِنِّي قد سترتُها عليك في الدُّنيا وقد غَفَرْتُهَا اليَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ \[ بِيَمِينِهِ \]، وأَمَّا الكافِرُ والمُنَافِقُ فَيقُولُ الأَشهادُ هؤلاءِ الَّذِين كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ[(١٥)](#foonote-١٥) ". 
السادس : أنه - تعالى - قال : فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ  فيكون الغُفرانُ لمن كان كارِهاً لورُودِ تلك الخواطِرِ، والعَذَابُ إن كان مُصِرّاً على تِلك الخواطِرِ مستحسِناً لها. 
السابع : المراد كتمان الشَّهادة ؛ وهذا ضعيفٌ، لعُموم اللَّفظ. 
قوله تعالى :" فَيَغْفِرُ " : قرأ[(١٦)](#foonote-١٦) ابن عامر وعاصمٌ برفع " يَغْفِرُ " و " يُعَذِّبُ "، والباقون من السبعةِ بالجزم، وقرأ ابن عباس[(١٧)](#foonote-١٧) والأعرجُ وأبو حيوة :" فَيَغْفِرَ " بالنصب. 
فأمَّا الرفعُ : فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ، وفيه احتمالان :
أحدهما : أن يكونَ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي : فهو يَغْفِرُ. 
والثاني : أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ، عُطِفت على ما قبلها. 
وأمَّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم. 
وأمَّا النصبُ : فبإضمار " أَنْ "، ١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي (٧/١٠٧)..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي (٧/١٠٨)..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي (٧/١٠٨)..
٤ - ينظر: المصدر السابق..
٥ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/١٠٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٦٠) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي (٣/٢٧٣)..
٧ - أخرجه مسلم (١/٤٦-٤٧) وأحمد (٢/٤١٢) والطبري في "تفسيره" (٦/١٠٤) وابن حبان (١/٢٢٥-٢٢٦) عن أبي هريرة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٦١) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي داود في "ناسخه"..
٨ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/١٠٨) وأحمد (٣٠٧١-شاكر) وذكره السيوطي في الدر المنثور" (١/٦٦١) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس.
 وأخرجه الطبري (٦/١٠٨) والحاكم (٢/٢٨٧) وأبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص: ٨٦ عن سالم أن أباه –عبد الله بن عمر- أقرأه هذه الآية... فذكره وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٦١) وزاد نسبته لابن أبي شيبة..
٩ - أخرجه البخاري (٣/٢٩٠) كتاب العتق باب الخطأ والنسيان رقم (٢٥٢٨)، (٧/٨١) كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق رقم (٥٢٦٩)، (٨/٢٤٣) كتاب الأيمان والنذور باب إذا حنث ناسيا (٦٦٦٤) ومسلم (١/١١٦) كتاب الإيمان: باب تجاوز الله عن حديث النفس (٢٠١-١٢٧) وأبو داود (٢٢٠٩) والنسائي (١٥٧٦) وابن ماجه (٢٠٤٠، ٢٠٤٧) عن أبي هريرة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٦٢) وزاد نسبته لسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٠٩..
١١ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٧٢..
١٢ - أخرجه أبو داود الطيالسي (١٥٨٣) وأحمد (٦/٢١٨) والترمذي (٤/٧٨-٧٩) والطبري في " تفسيره" (٦/١١٧) وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٢/٨٥) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٨٠٩) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.
 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٦٦٣) وزاد نسبته لابن المنذر..
١٣ - أخرجه الترمذي (٢٣٩٦) والحاكم (٤/٦٠٨) والبغوي في "تفسيره" (١/٣١٢) عن أنس بن مالك.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
 وأخرجه ابن عدي (٣/١١٩٢) عن أبي هريرة.
 وأخرجه هناد بن السري في "الزهد" عن الحسن مرسلا كما في "كنز العمال" (١١/١٠٢) رقم (٣٠٨٠٠)..
١٤ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٧/١١٠)..
١٥ - أخرجه البخاري (٣/٢٥٧) كتاب المظالم باب قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين رقم (٢٤٤١) ومسلم كتاب التوبة باب قبول توبة القاتل رقم (٢٧٦٨) وأحمد (٢/٧٤) والبغوي في "تفسيره" (١/٣١٢) وابن أبي شيبة (١٣/١٨٩)..
١٦ - انظر: السبعة ١٩٥، والكشف ١/٣٢٣، وحجة القراءات ١٥٢، والعنوان ٧٦، وإعراب القراءات ١/١٠٥، وشرح الطيبة ٤/١٣٨، وشرح شعلة ٣٠٦، وإتحاف ١/٤٦١..
١٧ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣٩٠، والبحر المحيط ٢/٢٧٦، والدر المصون ١/٦٩٠..

### الآية 2:285

> ﻿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [2:285]

**في كيفية النَّظم وجوهٌ :**
الأول : لما بيَّن في الآيةِ المتقدِّمة كمال المُلْكِ والعلم والقُدرةِ له – تعالى-، وأنَّ ذلك يوجب كمال صفة الرُّبُوبيَّة، أَتْبَع ذلك ببيان كون المؤمن في نهاية الانقياد والطَّاعة والخُضُوع لله - تعالى -، وذلك هو كمالُ العُبُوديَّة. 
الثاني : أنه - تعالى - لَمَّا قال : إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ  \[ البقرة : ٢٨٤ \] وبيَّن أنه لا يخفى عليه من سِرِّنا وجهرنا شيءٌ اَلبتَّة، ذكر عقيب ذلك ما يَجْرِي مُجْرَى المَدْحِ لنا ؛ فقال : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ  كأنَّهُ بفضله يقول : عبدي، أنا وإن كُنْتُ أعلم جميع أحوالِك، فلا أَذكُرُ مِنها إِلاَّ ما يكون مدحاً لك، حتى تَعْلَمَ أَنِّي الكامِلُ في العِلم والقُدْرَة، فأنا كامِلٌ في الجُودِ والرَّحْمَةِ، وفي إِظهارِ الحسناتِ، وفي السَّتْرِ على السَّيِّئَاتِ. 
الثالث : أنه بَدَأَ السُّورة بمدح المُتَّقين  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  \[ البقرة : ٣ \] بيَّن في آخر السُّورة أنَّ الَّذِين مدحهُم في أوَّل السُّورة هم أُمَّةُ محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فقال : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ  وهذا هو المراد بقوله في أَوَّل السُّورة : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  \[ البقرة : ٣ \]، ثم قال هاهنا  وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  \[ البقرة : ٢٨٥ \]. وهو المراد بقوله في أَوَّل السُّورة : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  \[ البقرة : ٣ \]، ثم قال هاهنا  غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  وهو المراد بقوله أَوَّل السُّورة : وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  \[ البقرة : ٤ \] ثم حكى عنهم هاهنا كيفيَّة تضرُّعِهِمِ في قولهم : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا. . .  \[ البقرة : ٢٨٦ \] إلى آخر السُّورَة، وهو المراد بقوله أَوَّل السورة : أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  \[ البقرة : ٥ \]. 
### فصلٌ في بيان سبب النُّزُول


قال القرطبيُّ[(١)](#foonote-١) : سبب نزول هذه الآية : الآيةُ الَّتِي قبلها، وهو قوله : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ  \[ البقرة : ٢٨٤ \] " فإنه لمَّا نزل هذا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم اشتدَّ ذلك على أصحابِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَوا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثم بَرَكُوا على الرُّكب، فقالوا : أي رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذْ كُلِّفْنَا من الأَعمالِ ما نُطِيق ؛ الصَّلاة والصِّيام والجِهَادُ، وقد أُنزِل عليكَ هذه الآيةُ ولا نُطِيقُهَا، فقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - :" أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ من قَبْلِكُمْ : سَمِعنَا وعَصَيْنَا، بل قولُوا : سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ " فلما قَرَأَها القومُ وذَلَّت بها أنْفُسُهْم، أَنزَل اللهُ في إِثرها  آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ  إلى قوله : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  فلما فعلُوا ذلك، نسخَها اللهُ، فأنزلَ اللهُ  لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ  \[ البقرة : ٢٨٦ \] قال : نعم،  رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا  قال : نعم  رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ  قال : نعم  وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  قال : نعم " 
أخرجهُ مسلمٌ، عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه[(٢)](#foonote-٢) -. 
### فصلٌ


معنى قوله : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ  : أنه عَرَفَ بالدَّلائل القاهرة ؛ أن هذا القُرْآن وجُملة ما فيه من الشَّرائع والأَحكامِ مُنزَّلٌ من عِندِ الله - تعالى -، وليس من إلقاء الشَّيَاطين ولا السِّحر والكهانة، بل بما ظَهر من المُعجزات على يد جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام -. 
وقوله : والمُؤْمِنُونَ  فيه احتمالان :
أحدهما : أَنَّهُ يَتِمُّ الكلامُ عند قوله - تعالى -  وَالْمُؤْمِنُونَ ، فيكُونُ المعنى : آمَن الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ بما أُنزِل إِلَيهم من ربِّهم، ثم ابتدأ \[ بعد \] ذلك بقوله : كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ  والمعنى : كُلُّ أحَدٍ من المذكُورين وهم الرَّسُول والمُؤْمِنُون آمَنَ بالله. 
والاحتمال الثَّاني : أن يتمَّ الكلامُ عند قوله : بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ  ثم يَبْتَدِىءُ  الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ  ويكون المعنى : أن الرَّسول آمَنَ بكُلِّ ما أُنزلَ إليه من ربِّه، وأمَّا المُؤْمِنُونَ فإِنَّهم آمَنُوا بالله ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. 
فالوجه الأول يشعر بأنه - عليه السَّلام - ما كان مؤمناً بِرَبِّه، ثم صار مُؤْمِناً به، ويَحْتمِلُ عدم الإِيمان إلى وقت الاستدلالِ. 
وعلى الوجه الثاني يُشْعِر اللَّفْظُ بأنَّ الَّذِي حدث هو إيمانُهُ بالشَّرائع التي نَزَلَتْ عليه ؛ كما قال - تعالى -  مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ 
\[ الشورى : ٥٢ \] فأمَّا الإِيمانُ بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ على الإِجمال، فقد كان حاصلاً منذُ خُلِقَ من أَوَّل الأَمْرِ، وكيف يُسْتَبْعَدُ ذلك مع أَنَّ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - حين انفصَلَ عن أُمِّهِ، قال  إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ  \[ مريم : ٣٠ \] فإذا لم يَبْعُد أن يكُونَ عيسى رسولاً من عند اللهِ حين كان طِفْلاً، فكيف يُستبعد أن يقال : إن محمَّداً كان عارفاً بربِّه من أَوَّل \[ مَا \] خُلِقَ كامل العقلِ. 
### فصلٌ


دلَّت الآية على أنَّ الرَّسُول آمَنَ بما أُنزِل إليه من رَبِّه، والمؤْمِنُون آمَنُوا بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وإنما خُصَّ الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسَّلام - بذلك ؛ لأنَّ الذي أُنزِل إليه من رَبِّه قد يكُونُ كلاماً مَتْلُوّاً يسمعهُ الغير ويعرِفُه، فيمكنُه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمُه سواه فيكونُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - مُختصّاً بالإيمان به، ولا يتمكَّنُ غيره من الإِيمان به، فلهذا السَّبب كان الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - مختصّاً في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره. 
قوله تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ  : يجوزُ فيه وجهان :
أحدهما : أنه مرفوعٌ بالفاعلية عطفاً على " الرَّسُول " - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيكونُ الوقفُ هنا، ويدُلُّ على صحَّةِ هذا قراءةُ عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه - :" وَآمَنَ المُؤْمِنُونَ "، فأَظْهَرَ الفعلَ، ويكون قوله :" كُلٌّ آمَنَ " جملةً من مبتدأ وخبر يدُلُّ على أنَّ جميع مَنْ تقدَّم ذكره آمَنَ بما ذكر. 
والثاني : أن يكون " المُؤْمِنُونَ " مبتدأٌ، و " كلٌّ " مبتدأ ثانٍ، و " آمَنَ " خبرٌ عن " كُلّ " وهذا المبتدأ وخبرُه خبرُ الأوَّل ؛ وعلى هذا فلا بُدَّ من رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين ما أخبر بها عنه، وهو محذوفٌ، تقديرُه :" كُلٌّ مِنْهُمْ " وهو كقولهم :" السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ "، تقديرُه : مَنَوَانِ مِنْهُ، قال الزمخشريُّ :" والمؤمنُونَ إن عُطِفَ على الرسول، كان الضّميرُ الذي التنوينُ نائبٌ عنه في " كُلّ " راجعاً إلى " الرَّسُول " - صلى الله عليه وسلم - و " المُؤْمِنُونَ " أي : كلُّهم آمَنَ بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ من المذكورين. ووُقِفَ عليه، وإن كان مبتدأً كان الضميرُ للمؤمنين ". 
فإن قيل : هل يجوزُ أَنْ يكون " المُؤْمِنُونَ " مبتدأ، و " كُلٌّ " تأكيد له، و " آمَنَ " \[ خبر هذا \] المبتدأ ؟ فالجوابُ : أنَّ ذلك لا يجوزُ ؛ لأنهم نَصُّوا على أَنَّ " كُلاًّ " وأخواتها لا تقعُ تأكيداً للمعارف، إلا مضافةٌ لفظاً لضميرِ الأولِ، ولذلك ردُّوا قولَ مَنْ قال : إِنَّ كُلاًّ في قراءة مَنْ قَرَأَ : إِنَّا كُلاًّ فِيهَا  \[ غافر : ٤٨ \] تأكيدٌ لاسم " إِنَّ " وقرأ الأَخَوان[(٣)](#foonote-٣) هنا " وَكِتَابِهِ " بالإِفراد، والباقون بالجمعِ، وفي سورة التحريم \[ آية١٢ \] قرأ أبو عمرو وحفصٌ عن عاصم بالجَمْع، والباقون بالإفراد، فتلخّصَ من ذلك أنَّ الأخوين يَقْرَآن بالإِفراد في الموضعين، \[ وأنَّ أبا عمرو وحفصاً يقْرآن بالجمعِ في الموضعَيْن \]، وأنَّ نافعاً وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصمٍ قَرَءُوا بالجمع هنا، وبالإِفرادِ في التحريم. 
فأمَّا الإِفرادُ، فإنه يُراد به الجنسُ، لا كتابٌ واحدٌ بعينه، وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - :" الكتَابُ أكثرُ من الكُتُب " قال الزمخشريُّ : فإنْ قلت : كيف يكون الواحدُ أكثرَ من الجمعِ ؟ قلت : لأنه إذا أُريد بالواحدِ الجنسُ، والجنسيةُ قائمةٌ في وحداتِ الجنس كُلِّها، لَمْ يَخْرُج منه شيءٌ، وأمَّا الجمعُ، فلا يَدْخُل تحته إلاَّ ما فيه الجنسية من الجُمُوع. قال أبو حيان :" وليس كما ذكر ؛ لأنَّ الجمعَ متى أُضيفَ، أو دَخَلَتْه الألفُ واللامُ \[ الجنسية \]، صارَ عامّاً، ودلالةُ العامِّ دلالةٌ على كلِّ فردٍ فردٍ، فلو قال :" أَعْتَقْتُ عَبِيدِي "، لشمل ذلك كلَّ عَبْدٍ له، ودلالةُ الجمعِ أظهرُ في العموم من الواحدِ، سواءٌ كانت فيه الألف واللام أو الإِضافة، بل لا يُذهَبُ إلى العموم في الواحد، إلاَّ بقرينةٍ لفظيَّةٍ، كأَنْ يُسْتَثْنَى منه أو يوصفَ بالجمع ؛ نحو : إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ  \[ العصر : ٢-٣ \] " أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ " أو قرينةٍ معنويةٍ ؛ نحو :" نِيَّة المُؤْمِنِ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ " وأقصى حالِهِ : أن يكونَ مثل الجمعِ العامِّ، إذا أريد به العموم ". قال شهاب الدِّين[(٤)](#foonote-٤) : للناس خلافٌ في الجمع المحلَّى بأَلْ أو المضافِ : هل عمومُه بالنسبةِ إلى مراتبِ الجموعِ، أم إلى أعمَّ من ذلك، وتحقيقُه في علم الأُصُول. 
وقال الفارسيُّ : هذا الإِفرادُ ليس كإفراد المصادر، وإن أريدَ بها الكثيرُ ؛ كقوله تعالى : وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً  \[ الفرقان : ١٤ \] ولكنه كما تُفْرَدُ الأسماءُ التي يُرَاد بها الكثرةُ، نحو : كَثُرَ الدِّينَارُ والدِّرهمُ، ومجيئها بالألف واللام أكثرُ من مجيئها مضافةً، ومن الإِضافةِ :{ وَإِن تَعُدُّواْ ١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٧٥..
٢ - تقدم..
٣ - يعني حمزة والكسائي، وانظر: السبعة ١٩٥، ١٩٦، والكشف ١/٣٢٣، والحجة ٢/٤٥٥، وحجة القراءات ١٥٢، ١٥٣، والعنوان ٧٦، وشرح الطيبة ٤/١٣٨، وشرح شعلة ٣٠٧، وإعراب القراءات ١/١٠٦، وإتحاف ١/٤٦٢..
٤ - ينظر: الدر المصون ١/٦٩٣..

### الآية 2:286

> ﻿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:286]

قوله تعالى : لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ  :" وُسْعَهَا " مفعولٌ ثانٍ، وقال ابن عطية :" يُكَلِّفُ يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما محذوفٌ، تقديره : عبادةً أو شيئاً ". قال أبو حيان :" إن عَنَى أنَّ أصله كذا، فهو صحيحٌ ؛ لأنَّ قوله :" إِلاَّ وُسْعَهَا " استثناءٌ مفرَّغٌ من المفعول الثاني، وإن عَنَى أنَّه محذوفٌ في الصناعة، فليس كذلك، بل الثاني هو " وُسْعَهَا " ؛ نحو :" مَا أَعْطَيْتُ زَيْداً إِلاَّ دِرْهَماً "، و " مَا ضَرَبْتُ إِلاَّ زَيْداً " هذا في الصِّناعة هو المفعول، وإن كان أصلُه : ما أعْطَيْتُ زَيْداً شَيْئاً إِلاَّ دِرْهَماً "، والوُسع : ما يسع الإنسانَ، ولا يضيقُ عليه، ولا يخرجُ منه. 
قال الفرَّاء : هو اسم كالوجد والجهد. 
وقال بعضهم : الوسع هو دون المجهود في المشقَّة، وهو ما يتَّسع له قدرة الإنسان. 
وقرأ ابن أبي[(١)](#foonote-١) عبلة :" إِلا وَسِعَهَا " جعله فعلاً ماضياً، وخرَّجوا هذه القراءة على أنَّ الفعل فيها صلةٌ لموصول محذوفٍ تقديره :" إِلاَّ ما وَسِعَهَا " وهذا الموصول هو المفعول الثاني، كما كان " وُسْعَهَا " كذلك في قراءة العامَّة، وهذا لا يجوز عند البصريِّين، بل عند الكوفيِّين، على أنَّ إضمار مثل هذا الموصول ضعيفٌ جدّاً ؛ إذ لا دلالة عليه ؛ وهذا بخلاف قول الآخر حيث قال :\[ الخفيف \]
مَا الَّذِي دَأْبُهُ احْتِيَاطٌ وَحَزْمٌ \*\*\* وَهَوَاهُ أَطَاعَ يَسْتَوِيَانِ[(٢)](#foonote-٢)
وقال حسَّان أيضاً - \[ الوافر \]
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ \*\*\* وَيَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُهُ سَواءُ[(٣)](#foonote-٣)
وقد تقدَّم تحقيق هذا، وهل لهذه الجملة محلٌّ من الإعراب، أم لا ؟ الظاهر الثاني ؛ لأنها سيقت للإخبار بذلك، وقيل : بل محلُّها نصبٌ ؛ عطفاً على " سَمِعْنَا " و " أَطَعْنَا "، أي : وقالوا أيضاً : لا يكلِّف الله نفساً، وقد خرِّجت هذه القراءة على وجه آخر ؛ وهو أن تجعل المفعول الثاني محذوفاً لفهم المعنى، وتجعل هذه الجملة الفعليَّة في محلِّ نصبٍ لهذا المفعول، والتقدير : لا يكلِّف الله نفساً شيئاً إلا وسعها. قال ابن عطية : وفي قراءة ابن أبي عبلة تجوُّزٌ ؛ لأنه مقلوبٌ، وكان يجوز وجه اللفظ : إلا وسعته ؛ كما قال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ  \[ البقرة : ٢٥٥ \]  وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً  \[ طه : ٩٨ \]، ولكن يجيء هذا من باب " أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي ".

### فصل في كيفيَّة النَّظم


إن قلنا إِنَّه من كلام المؤمنين، فإنَّهم لمَّا قالوا :" سَمِعْنَا وأَطَعْنَا " فكأنَّهم قالوا : كيف نسمع ولا نطيع، وهو لا يكلِّفنا إلاَّ ما في وسعنا وطاقتنا بحكم الرَّحمة الإلهيَّة. 
وإن قلنا : إنه من كلام الله - تبارك وتعالى -، فإنَّهم لمَّا قالوا :" سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " ثم قالوا بعده :" غُفْرَانَكَ رَبَّنَا "، طلبوا المغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التَّقصير على سبيل الغفلة \[ والسَّهو ؛ لأنَّهم لمَّا سمعوا وأطاعوا، لم يتعمّدوا التَّقصير، فطلبوا المغفرة لما يقع منهم على سبيل الغفلة \][(٤)](#foonote-٤)، فلا جرم خفَّف الله عنهم، وقال : لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  والتَّكليف : هو إلزام ما فيه كلفة ومشقَّة، يقال : كلَّفته فتكلَّف. 
### فصل في بيان مسألة تكليف ما لا يطاق


استدلَّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة ونظائرها ؛ كقوله : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  \[ الحج : ٧٨ \]،  يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  \[ البقرة : ١٨٥ \]،  يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ  \[ النساء : ٢٨ \] على أنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق، وإذا ثبت هذا فهاهنا أصلان :
الأول : أن العبد موجدٌ لأفعال نفسه ؛ لأنه لو كان موجدها هو الله تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة، ولا قدرة للعبد البتَّة على فعله ولا تركه ؛ أمَّا أنَّه لا قدرة له على الفعل ؛ فلأنَّ ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، والموجود لا يوجد ثانياً، وأمَّا أنَّه لا قدرة للعبد على الدَّفع، فلأنَّ قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى، وإذا لم يخلق الله الفعل، استحال أن يكون للعبد قدرة على تحصيل الفعل ؛ فثبت أنَّه لو كان موجد فعل العبد هو الله، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق. 
الثاني : أن الاستطاعة قبل الفعل، وإلاَّ لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان، فكان ذلك تكليفاً بما لا يطاق. 
وأجيبوا : بأنَّ الدَّلائل العقليَّة دلَّت على وقوع هذا التَّكليف، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية، وذلك من وجوهٍ :
أحدها : أنَّ من مات على الكفر، تبيَّنَّا بموته على الكفر أنَّ الله تعالى كان في الأزل عالماً بأنَّه يموت على الكفر، ولا يؤمن أصلاً، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النَّقيضين، وهذه الحجَّة كما جرت في العلم، فتجري أيضاً في الجبر. 
وثانيها أيضاً : أن صدور الفعل عند العبد يتوقَّف على الدَّاعي، وتلك الدَّاعية مخلوقةٌ لله تعالى، ومتى كان الأمر كذلك، لزم تكليف ما لا يطاق ؛ لأنَّ قدرة العبد لمَّا كانت صالحةً للفعل والترك، فلو ترجَّح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجِّح، لزم وقوع الممكن من غير مرجِّح، وذلك نفيٌ للصَّانع. 
وإنما قلنا : إن تلك الدَّاعية من الله تعالى ؛ لأنَّها لو كانت من العبد، لافتقر إيجادها إلى داعيةٍ أخرى ولزم التَّسلسل، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك، لزم الجبر، لأنَّ عند حصول الدَّاعية المرجِّحة لأحد الطَّرفين، صار الطَّرف الآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان المرجوح ممتنعاً، كان الرَّاجح واجباً ضرورة أنَّه لا خروج عن النَّقيضين ؛ فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلّف به، فلزم تكليف ما لا يطاق. 
وثالثها : أنه تعالى كلَّف " أبَا لَهَب " بالإيمان، والإيمان تصديق الله في كلِّ ما أخبر عنه، ومن جملة ما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فقد صار " أبُو لَهَب " مكلَّفاً بأن يؤمن بأنَّه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق. 
ورابعها : أن العبد غير عالم بتفاصيل فعله ؛ لأن من حرَّك أصبعه، لم يعرف عدد الأحيان التي حرَّك أصبعه فيها، ولم يخطر بباله أنه حرَّك أصبعه في بعض الأوقات، وسكن في بعضها وأنَّه أين تحرَّك وأين سكن، وإذا لم يكن عالماً بتفاصيل فعله، لم يكن موجداً لها، وإذا لم يكن موجداً، لزم تكليف ما لا يطاق. 
### فصل في تأويل هذه الآية


**اختلفوا في تأويل هذه الآية :**
فقال ابن عباس[(٥)](#foonote-٥) وعطاء وأكثر المفسِّرين : أراد به حديث النَّفس المذكور في قوله : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ  \[ البقرة : ٢٨٤ \]. 
وروي عن ابن عباس[(٦)](#foonote-٦) ؛ أنه قال : هم المؤمنون خاصَّة، وسَّع الله عليهم أمر دينهم، ولم يكلِّفهم فيه إلاَّ ما يطيقونه ؛ كقوله : يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  \[ البقرة : ١٨٥ \]، وقوله : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  \[ الحج : ٧٨ \]. 
قوله : لَهَا مَا كَسَبَتْ  هذه الجملة لا محلَّ لها ؛ لاستئنافها، وهي كالتفسير لما قبلها ؛ لأنَّ عدم مؤاخذتها بكسب غيرها، واحتمالها ما حصَّلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما \[ لا \] تسعه، وهل يظهر بين اختلاف لفظي فعل الكسب معنى، أم لا ؟ فقال بعضهم : نعم، وفرَّق بأنَّ الكسب أعمُّ، إذ يقال :" كَسَبَ " لنفسه ولغيره، و " اكْتَسَبَ " أخصُّ ؛ إذ لا يقال :" اكْتَسَبَ لِغَيْرِهِ " ؛ وأنشد قول الحطيئة :\[ البسيط \]
أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٧)](#foonote-٧)
ويقال : هو كاسب أهله، ولا يقال : مكتسب أهله. 
وقال الزمخشريُّ :" فإنْ قلت : لم خصَّ الخير بالكسب، والشرَّ بالاكتساب ؟ قلت : في الاكتساب اعتمالٌ، ولمَّا كان الشرُّ ممَّا تشتهيه النفس، وهي منجذبةٌ إليه وأمَّارةٌ به، كانت في تحصيله أعمل وآجد، فجعلت لذلك مكتسبةً فيه، ولمَّا لم تكن كذلك في باب الخير، وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال ". 
وقال ابن عطيَّة : وكَرَّر فعلَ الكسب، فخَالَفَ بين التصريف حُسناً لنمط الكلام ؛ كقوله تعالى : فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ  \[ الطارق : ١٧ \]، قال شهاب الدين :" والذي يظهر لي في هذا : أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلُّفٍ ؛ إذ كاسبها على جادَّة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ؛ إذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها ؛ فحسن في الآية مجيء التصريفين ؛ إحرزاً لهذا المعنى ". 
وقال آخرون :" افْتَعَل " يدلُّ على شدَّة الكلفة، وفعل السَّيِّئة شديدٌ لما يئول إليه. 
وقال الواحديُّ[(٨)](#foonote-٨) :" الصَّحيح عند أهل اللغة : أنَّ الكسب والاكتساب واحدٌ، لا فرق بينهما. 
وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في موردٍ واحدٍ ؛ قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ  \[ المدثر : ٣٨ \]. وقال تعالى : وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  \[ الأنعام : ١٦٤ \] وقال تعالى : بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً  \[ البقرة : ٨١ \]، وقال تعالى : بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ  \[ الأحزاب : ٥٨ \] فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشرِّ ". 
قال ذو الرُّمَّة :\[ البسيط \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* أَلْفَى أَبَاهُ بِذَاكَ الكَسْبِ يَكْتَسِبُ[(٩)](#foonote-٩)
وإنما أَتَى في الكسب باللام، وفي الاكتساب ب " عَلَى " ؛ لأنَّ اللام تقتضي الملك، والخير يحبُّ ويسر به، فجيء معه بما يقتضي الملك، ولمَّا كان الشرُّ يحذر، وهو ثقلٌ ووزرٌ على صاحبه جيء معه ب " عَلَى " المقتضية لاستعلائه عليه. 
وقال بعضهم :" فيه إيذانٌ أنَّ أدنى فعلٍ من أفعال الخير يكون للإنسان تكرُّماً من الله على عبده ؛ حتَّى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير علمه به ؛ لأنه من كسبه في الجملة، بخلاف العقوبة ؛ فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدَّ فيها واجتهد "، وهذا مبنيٌّ على القول بالفرق بين البنائين، وهو الأظهر. 
### فصل في دفع شبهة للمعتزلة


احتجت المعتزلة بهذه الآية على أنَّ فعل العبد بإيجاده ؛ قالوا : لأنَّ الآية صريحةٌ في إضافة خيره وشرِّه إليه، ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى، لبطلت هذه الإضافة، ويجري صدور أفعاله مجرى لونه، وطوله، وشكله، وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها البتَّة. 
قال القاضي[(١٠)](#foonote-١٠) : لو كان تعالى خالقاً أفعالهم، فما فائدة التَّكليف، والكلام فيه معلوم. 
### فصل


احتجوا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة ؛ لأنَّه - تعالى - أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع، فبيَّن أن لها ث١ - انظر: الكشاف ١/٣٣٢، والمحرر الوجيز ١/٣٩٣، والبحر المحيط ٢/٣٨١، والدر المصون ١/٦٩٦..
٢ - تقدم برقم ٨٦٣..
٣ - تقدم برقم ٨٦٧..
٤ - سقط في ب..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/٢٧٤..
٦ - ينظر: المصدر السابق..
٧ - صدر بيت وعجزه:
 فاغفر عليك سلام الله يا عمر
 ينظر ديوانه (٢٠٨)، خزانة الأدب ٣/٢٩٤، الدر المصون ١/٦٩٦..
٨ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٢٣..
٩ - عجز بيت وصدره:
 ومطعم الصيد هبّال لبغيته
 ينظر ديوانه (٩٩)، اللسان: هبل، الدر المصون ١/٦٩٧..
١٠ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٧/١٢٤..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/2.md)
- [كل تفاسير سورة البقرة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/2.md)
- [ترجمات سورة البقرة
](https://quranpedia.net/translations/2.md)
- [صفحة الكتاب: اللباب في علوم الكتاب](https://quranpedia.net/book/169.md)
- [المؤلف: ابن عادل الحنبلي](https://quranpedia.net/person/4200.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/169) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
