---
title: "تفسير سورة البقرة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/339"
surah_id: "2"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة البقرة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة البقرة - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/2/book/339*.

Tafsir of Surah البقرة from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 2:1

> الم [2:1]

قوله تعالى : الم \[ البقرة : ١ \]. 
اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولَيْنِ، فقال الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين : هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها. واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً. 
فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما : الحروف المقطَّعة في القرآن : هي اسم اللَّه الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. 
وقال ابن عبَّاس أيضًا : هي أسماء اللَّه أقسم بها. وقال أيضًا : هي حروف تدلُّ على : أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَا اللَّهُ أرى، وقال قومٌ :. . . . . . . هي حسابُ أَبِي جَاد، لتدلَّ على مدَّة ملَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب، وهو قول أبي العالية وغيره. 
( ت ) : وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ في **«الرَّوْضِ الأُنُفِ »**، فانظره.

### الآية 2:2

> ﻿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2:2]

قوله تعالى : ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ \[ البقرة : ٢ \]. 
الاسمُ من ****«ذَلِكَ »**** : الذال، والألف، واللام، لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب. 
واختلف في ****«ذَلِكَ »**** هنا، فقيل : هو بمعنى **«هَذَا »**، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل : هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب. 
واختلفوا في ذلك الغائب، فقيل : ما قد كان نزل في القرآن، وقيل غير ذلك انظره. 
 لاَ رَيْبَ فِيهِ  \[ البقرة : ٢ \] : معناه : لا شَكَّ فيه، و هُدًى \[ البقرة : ٢ \] معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله : لِّلْمُتَّقِينَ  \[ البقرة : ٣ \] : اللفظ مأخوذ من **«وقى »**، والمعنى : الذين يَتّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه.

### الآية 2:3

> ﻿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [2:3]

قوله تعالى : الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ \[ البقرة : ٣ \].  يُؤْمِنُونَ  : معناه يُصَدِّقون، وقوله : بالغيب \[ البقرة : ٣ \] قالت طائفةٌ معناه : يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا، وَخَلَوْا لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون : معناه : يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله : يُقِيمُونَ الصلاة \[ البقرة : ٣ \] معناه : يظهرونها ويثبتونها، كما يقال : أُقِيمَتِ السُّوقُ. 
( ت )، : وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ : إِقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود، والتلاوة والخشوع، والإِقبال عليها. انتهى. 
قال :( ص ) : يقيمون الصلاةَ من التقويمِ، ومنه : أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ، ومنه : قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ، ومنه : قام بالأمر انتهى. 
وقوله تعالى : وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ  \[ البقرة : ٣ \] : الرزْقُ عند أهل السنة ما صَحَّ الانتفاع به، حلالاً كان أو حرامًا. و يُنفِقُونَ  : معناه هنا : يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ، من زكاةٍ وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.

### الآية 2:4

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [2:4]

قوله تعالى : والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ أولئك على هُدًى مِّنْ رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون \[ البقرة : ٤ و٥ \] : اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم : الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون : هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون : الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ، وفيه نزلت. 
وقوله : بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ \[ البقرة : ٤ \] : يعني القرآن،  وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ \[ البقرة : ٤ \]، يعني : الكتب السالفة، و يُوقِنُونَ \[ البقرة : ٤ \] معناه : يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.

### الآية 2:5

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2:5]

وقوله تعالى : أولئك على هُدًى مِّنْ رَّبِّهِمْ \[ البقرة : ٥ \] إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا : الإِرشاد والفلاحُ، الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.

### الآية 2:6

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:6]

قوله تعالى : إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ  إلى  عَظِيمٌ \[ البقرة : ٦و٧ \]. 
اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة، لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم : هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ : نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ، ونظرائهم. 
والقولُ الأول هو المعتمد عليه. 
وقوله : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ \[ البقرة : ٦ \] معناه : معتدلٌ عندهم، والإِنذار : إعلام بتخويف، هذا حدُّه،

### الآية 2:7

> ﻿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:7]

وقوله تعالى : خَتَمَ \[ البقرة : ٧ \] : مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ : الطابَعُ، قال في مختصر الطبريِّ : والصحيح إن هذا الطبع حقيقة، لا أنه مجاز، فقد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :**« إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ، حتى تَغَلَّقَ قَلْبُهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى : كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  \[ المطففين : ١٤ \] »** انتهى. 
و( الغشَاوَةُ ) : الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ \[ البقرة : ٧ \] : معناه : لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرِهِمْ باللَّهِ، و عَظِيمٌ  : معناه، بالإضافة إِلى عذابٍ دونه.

### الآية 2:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [2:8]

قوله تعالى : وَمِنَ الناس مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بالله. . .  إِلَى  وَمَا يَشْعُرُونَ \[ البقرة : ٨و٩ \]. 
هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ، لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل.

### الآية 2:9

> ﻿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [2:9]

واختلف المتأوِّلون في قوله : يخادعون الله \[ البقرة : ٩ \]، فقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون إليهم أسرارهم. 
( ع ) تقول خادَعْتُ الرجُلَ بمعنى : أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ بمعنى : تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ : بل يخادعون اللَّهَ، والمؤمنين بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب،  وَمَا يَشْعُرُونَ \[ البقرة : ٩ \] بذلك معناه : وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من الشِّعَار كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم : لَيْتَ شِعْرِي : معناه : ليت فطنتي تُدْرِكُ. 
واختلف، ما الذي نَفي اللَّه عنهم أنْ يشعروا له، فقالت طائفة : وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم، لخلودهم في النَّار، وقال آخرون : وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سِرَّهم ومخادعتهم في قولهم : ءَامَنَّا .

### الآية 2:10

> ﻿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [2:10]

قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ \[ البقرة : ١٠ \]، أي : في عقائدهم فسادٌ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم : المَرَضُ غمُّهم بظهوره صلى الله عليه وسلم،  فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ، قيل : هو دعاءٌ عليهم، وقيل : هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين. 
( ت ) : لما تكلَّم ( ع ) : على تفسير قوله تعالى : عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء  \[ الفتح : ٦ \]. قال : كل ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فإِنما هو بمعنى إيجاب الشيء، لأنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته، ومن هذا : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ  \[ الهمزة : ١ \]،  وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  \[ المطففين : ١ \]، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، أي : مؤلم.

### الآية 2:11

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [2:11]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ في الأرض \[ البقرة : ١١ \] أي : بالكفر، وموالاةِ الكفرةِ، ولقول المنافقين : إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  ثلاثُ تأويلاتٍ :
أحدها : جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق. 
والثاني : أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار، ويدَّعون أنها صلاحٌ من حيث هم قرابةٌ توصل. 
والثالث : أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.

### الآية 2:12

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [2:12]

و **«أَلاَ »** : استفتاحُ كلامٍ، و**«لكن »** : حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا : لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد : لا يشعرون أن اللَّه يفْضَحُهم.

### الآية 2:13

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [2:13]

قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَا ءَامَنَ الناس. . . \[ البقرة : ١٣ \] الآية : المعنى : صدِّقوا بمحمَّد وشرعه، كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا : أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه : الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال : ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم، وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.

### الآية 2:14

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [2:14]

وقوله تعالى : وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ. . .  \[ البقرة : ١٣ \]. 
هذه كانت حالَ المنافقين، إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه، مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه، أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ بْنِ سَلُول، قال مَالِكٌ : النِّفَاقُ في عهد رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما : هم رؤساء الكفر، وقيل : الكُهَّان، قال البخاريُّ : قال مجاهدٌ : إلى شياطينهم ، أي : أصحابهم من المنافقين والمشركين. 
قال :( ص ) :( شياطينهم ) : جمع شيطانٍ، وهو كل متمرِّد من الجنِّ والإِنْسِ، والدوابِّ. قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة. انتهى. 
( ت ) : ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ »**. رواه أبو داود، وفيه عنه صلى الله عليه وسلم :**« مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ »** انتهى. من سنن أبي داود.

### الآية 2:15

> ﻿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [2:15]

الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ \[ البقرة : ١٥ \]. 
اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء : هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا. وقال قوم : أن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ، روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة فتخسف بهم، وما روي ( أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج )، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن. 
( ت ) وقوله تعالى : قِيلَ ارجعوا وَرَاءَكُمْ فالتمسوا نُوراً  \[ الحديد : ١٣ \] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ. انتهى. 
وقيل : استهزاؤه بهم هو استدراجُهُمْ بُدرُور النعم الدنيوية، و يمدُّهم  أي : يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد : معناه يملي لهم، والطغيان الغُلُوُّ وتعدِّي الحدِّ كما يقال : طَغَى المَاءُ، وَطَغَتِ النَّارُ، و يَعْمَهُونَ  معناه : يتردَّدون حيرةً والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النَّظَر، والعَامِهُ الذي كأنه لا يُبْصِرُ.

### الآية 2:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [2:16]

و **«أَلاَ»** : استفتاحُ كلامٍ، و **«لكن»** : حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله يفضحهم.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣ الى ١٦\]
 وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)
 قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ... الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم.
 وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا... الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول **«١»**، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما: هم رؤساء الكفر **«٢»**، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: إِلى شَياطِينِهِمْ، أي:
 أصحابهم من المنافقين والمشركين **«٣»**.
 قال ص **«٤»** : شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرّد من الجنّ والإنس

 (١) عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحباب، المشهور ب **«ابن سلول»**، وسلول جدته لأبيه، من **«خزاعة»**، رأس المنافقين في الإسلام، من أهل المدينة. كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم. كان كلما نزلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها. لما مات تقدّم النبي صلّى الله عليه وسلم فصلّى عليه ولم يكن ذلك من رأي **«عمر»** فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة: ٨٤]. ينظر: **«الأعلام»** (٤/ ٦٥)، **«طبقات ابن سعد»** (٣/ ٩٠)، **«جمهرة الأنساب»** (٣٣٥).
 (٢) أخرجه الطبري (١/ ١٦٣) برقم (٣٤٩)، وذكره القرطبي (١/ ١٧٩).
 (٣) أخرجه الطبري (١/ ١٦٤) برقم (٣٥٥)، وذكره البغوي في **«التفسير»** (١/ ٥١)، والسيوطي في **«الدر»** (١/ ٧٠)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وذكره ابن كثير (١/ ٥١).
 (٤) **«المجيد في إعراب القرآن المجيد»** (ص ١١٨).

والدوابِّ. قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة. انتهى.
 ت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: **«مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ»**.
 رواه أبو داود **«١»**، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلم: **«مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ له يوم القيامة لسانان ١١ أمن نَارٍ»**. انتهى. / من سنن أبي داود **«٢»**.
 اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء:
 هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة **«٣»**، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن.
 ت: وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً \[الحديد: ١٣\] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ. انتهى.
 وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، ويَمُدُّهُمْ، أي:
 يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم **«٤»**، والطغيان الغلوّ وتعدّي الحدّ

 (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٤)، كتاب ******«الأدب»******، باب في ذي الوجهين، حديث (٤٨٧٢)، من طريق أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعا بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (١٠/ ٤٨٩)، كتاب ******«الأدب»******، باب ما قيل في ذي الوجهين، حديث (٦٠٥٨)، ومسلم (٤/ ١٩٥٨)، كتاب **«فضائل الصحابة»**، باب خيار الناس، حديث (١٩٩/ ٢٥٢٦)، بلفظ: **«تجدون من شر الناس... »**
 الحديث.
 (٢) أخرجه أبو داود (٢/ ٦٨٤- ٦٨٥)، كتاب ******«الأدب»******، باب في ذي الوجهين، حديث (٤٨٧٣)، والدارمي (٢/ ٣١٤)، كتاب **«الرقاق»**، باب ما قيل في ذي الوجهين، والبخاري في **«الأدب المفرد»** (١٨٨)، وابن حبان (١٩٧٩- موارد)، والطيالسي (٢/ ٥٩- منحة)، رقم (٦١٧٥)، وابن أبي شيبة (٨/ ٥٥٨) رقم (٥٥١٥)، والبغوي في **«شرح السنة»** (٦/ ٥٢٣- بتحقيقنا)، والبيهقي في **«شعب الإيمان»** (٤/ ٢٢٩)، رقم (٤٨٨١)، كلهم من طريق شريك بن عبد الله، عن الركين، عن نعيم بن حنظلة، عن عمار بن ياسر مرفوعا، وصححه ابن حبان.
 وقال العراقي في **«تخريج الإحياء»** (٣/ ١٣٧) : وسنده حسن.
 (٣) الإهالة: الدّهن. ينظر: **«عمدة الحفاظ»** (١/ ١٥٣).
 (٤) أخرجه الطبري (١/ ١٦٨) برقم (٣٦٤) عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم. وبرقم (٣٦٥) عن مجاهد، وذكره السيوطي في **«الدر»** (١/ ٧٠) عن ابن مسعود.

### الآية 2:17

> ﻿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [2:17]

قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً \[ البقرة : ١٧ \] إلى قوله : يا أيها الناس \[ البقرة : ١٧ \] قال الفَخْر : اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ، لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل، وذلك هو النهاية في الإِيضاح، ألا ترى أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّداً عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب، كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالى : وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  \[ الحشر : ٢١ \] انتهى. 
والمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه : الشبيه، قاله أهل اللغة. 
و استوقد  قيل : معناه أوقد. 
واختلف المتأولون في فعل المنافقين، الذي يشبه فعل الذي استوقد نارا، ، فقالت فرقةٌ : هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ منهم قتادة : نطقهم ب **«لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ »**، والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها، قال جمهورُ النحاة : جواب ****«لَمَّا »****، **«ذَهَبَ »**، ويعود الضمير من نورهم على **«الذي »**، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ، لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر، كبقاء المنافق على الخلاف المتقدِّم. 
وقال قومٌ : جوابُ ****«لَمَّا »**** مضمرٌ، وهو **«طُفِئَتْ »**، فالضمير في **«نُورِهِمْ »**، على هذا للمنافقين، والأخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ. . .  الآيةَ \[ الحديد : ١٣ \] الآية، وهذا القول غير قويٍّ.

### الآية 2:18

> ﻿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [2:18]

والأصم : الذي لا يسمع، والأبكم : الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل : الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات إِذْ أعمالهم من الخطأ وعدم الإِجابة كأعمال من هذه صفته. 
و **«صُمٌّ »** : رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير **«أُولَئِكَ »**، أو إِضمارهم. 
وقوله تعالى : فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ \[ البقرة : ١٨ \] قيل : معناه : لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل : معناه : فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ

### الآية 2:19

> ﻿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [2:19]

أَوْ كَصَيِّبٍ \[ البقرة : ١٩ \] :**«أَوْ »** : للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ : المَطَرُ من صَابَ يَصُوبُ، إِذا انحط من عُلْو إِلى سُفْل. 
و ظلمات  : بالجمع إِشارة إِلى ظلمة الليل، وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفوس، بخلاف السحاب والمطر إذا انجلى دجنه فإنه سارٌّ جميل. 
واختلف العلماء في **«الرَّعْدِ »**، فقال ابن عباس، ومجاهد، وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ، وغيرهم : هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ، كلَّما خالفتْ سحابةٌ صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك : الرَّعْد. 
وقيل : الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ. 
وقيل : الرعد : اسم الصوْتِ المسموعِ، قاله عليُّ بن أبي طالب. 
وأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح، ويزجرُ السحابَ. 
واختلفوا في البَرْقِ. 
فقال علي بن أبي طالب، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ ) وهذا أصحُّ ما روي فيه. 
وقال ابن عبَّاس : هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ، وروي عنه :" أنَّ البرق ملَكٌ يتراءى " 
واختلف المتأوِّلون في المقْصِد بهذا المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ، والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ. 
فقال جمهور المفسِّرين : مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ، والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور، والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن. 
وقال ابنُ مسعود : إِن المنافقين في مجلسِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم، وهذا وفاقٌ لقول الجمهورِ. 
و مُحِيطٌ بالكافرين \[ البقرة : ١٩ \] معناه : بعقابهم، يقال : أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالى : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ  \[ الكهف : ٤٢ \]

### الآية 2:20

> ﻿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:20]

و  يَكَادُ  فعل ينفي المعنى مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ : الانتزاعُ بسرعة. 
ومعنى  يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم \[ البقرة : ٢٠ \]، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال : يكاد ذلك يصيبهم. 
و **«كُلَّمَا »** : ظرفٌ، والعامل فيه **«مَشَوْا »**، و**«قَامُوا »** معناه : ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره، كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي : ثَبَتُوا على نفاقهم. 
وروي عن ابن مسعودٍ أنَّ " معنى الآية : كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا : دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم ". 
ووحَّد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع. 
وقوله سبحانه : على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \[ البقرة : ٢٠ \] لفظه العمومُ ومعناه عند المتكلِّمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنى قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ بالذِّكُر، لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ، والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.

### الآية 2:21

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:21]

قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ  \[ البقرة : ٢١ \]. 
 يَا  : حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و**«أَيُّ »** هو المنادى، قال مجاهد : يا أيها الناس  حيث وقع في القرآن مَكِّيٌّ، و  يا أيها الذين ءَامَنُواْ  مدنيٌّ. 
قال :( ع ) : قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المَدَنِيِّ : يا أيها الناس . 
وأما قوله في : يا أيها الذين ءَامَنُواْ  فصحيح. 
 اعبدوا رَبَّكُمُ \[ البقرة : ٢١ \]. : معناه : وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، و لعل  في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين : هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي **«مختصر الطَّبَرِيِّ »**  لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ \[ البقرة : ٢١ \]. عن مجاهد أي : لعلَّكم تطيعون، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته وهي من الوقاية، وأما ****«لَعَلَّ »**** هنا، فهي بمعنى ****«كَيْ »**** أو **«لامِ كَيْ »**، أي : لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى ****«كَيْ »**** في اللغة، قال الشاعر :( الطويل )

وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا  نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِانتهى. 
قال :( ع )، وقال سيبويه، ورؤساءُ اللِّسَان : هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي : إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و****«لَعَلَّ »**** : متعلِّقة بقوله : اعبدوا \[ البقرة : ٢١ \]. ، ويتجه تعلُّقها بخَلَقَكُمْ أي : لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و**«تَتَّقُونَ »** مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى **«صَيَّرَ »** في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين.

### الآية 2:22

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:22]

و فِرَاشا \[ البقرة : ٢٢ \] معناه : تفترشونها، و السَّمَاء \[ البقرة : ٢٢ \] قيل : هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل : هو جمعٌ واحدة سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء فهو سماء،  وَأَنزَلَ مِنَ السماء \[ البقرة : ٢٢ \]. يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة، ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]

إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ  رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَافتجوز أيضاً في **«رَعَيْنَاهُ »**، وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوِّلون من المخاطب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين : المخاطَبُ جميع المشركين فقوله سبحانه على هذا : وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ٢٢ \] يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل : المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى : وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنَّ اللَّه لا ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.

### الآية 2:23

> ﻿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:23]

قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ \[ البقرة : ٢٣ \]. 
أي في شكٍّ  فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ \[ البقرة : ٢٣ \] : الضمير في  مِثْلِهِ  عند الجمهور عائد على القرآن،  وادعوا شُهَدَاءَكُم \[ البقرة : ٢٣ \]، أي مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير، قاله ابنُ عَبَّاس : إِن كُنتُمْ صادقين \[ البقرة : ٢٣ \]، أي : فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته. 
ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى،  لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا  \[ الأنفال : ٣١ \]

### الآية 2:24

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [2:24]

وفي قوله جل وعلا : وَلَنْ تَفْعَلُواْ \[ البقرة : ٢٤ \] إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن. 
وقوله تعالى : فاتقوا النار \[ البقرة : ٢٤ \]. 
أمر بالإيمانِ، وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر : ولما ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإِذا صح ذلك ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد، فأقيم قوله : فاتقوا النار \[ البقرة : ٢٤ \] مُقَامَ قوله :**«واتركوا العِنَادَ »**، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة، وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة، وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها، قال تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  \[ الأنبياء : ٩٨ \] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوعِ ما منعوا، انتهى.

### الآية 2:25

> ﻿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:25]

قوله تعالى : وَبَشِّرِ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات. . . \[ البقرة : ٢٥ \]. 
 بَشِّرْ  : مأخوذ من البَشَرَةِ لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثرٌ في بَشَرة الوجه، والأغلب استعمال البِشَارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيَّدة به، كما قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  \[ آل عمران : ٢١ \]، ومتى أطلق لفظ البِشَارة، فإِنما يحمل على الخير وفي قوله تعالى : وَعَمِلُواْ الصالحات  ردٌّ على من يقول إِن لفظة الإِيمان بمجرَّدها تقتضي الطاعاتِ، لأنه لو كان كذلك ما أعادها، و جنات  جمع جَنَّة، وهي بستان الشجرِ والنخلِ، وبستانُ الكَرْم يقال له الفِرْدَوسُ، وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أَنَّ ثِيَابَ الجَنَّةِ تَشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الجَنَّةِ )، وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ ) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن. انتهى من **«التَّذْكِرَةِ »**. 
( ت ) وفي الباب عن ابن عبَّاس، وجرِيرِ بن عبد اللَّهِ، وغيرهما : وسمِّيتِ الجنةُ جنَّةً لأنها تجنُّ من دخلها، أي تستره، ومنه المِجَنُّ، وَالْجَنَنُ، وجَنَّ اللَّيْلُ. 
و مِنْ تَحْتِهَا  معناه من تحت الأشجار التي يتضمَّنها ذِكْر الجنة. 
( ت ) ومن أعظم البِشَارات أنَّ هذه الأمة هم ثلثا أهْلِ الجنَّة، وقد خرَّج أبو بكر بن أبي شيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ثُلُثَا أَهْلِ الجَنَّةِ، إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا )، وخرَّج ابن ماجه، والترمذيُّ، عن بُرَيْدة بن حُصَيْب، قال رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَم )، قال أبو عيسى، هذا حديث حسن انتهى. من **«التذْكرة »** للقرطبيِّ. 
 والأنهارُ \[ البقرة : ٢٥ \] : المياه في مجاريها المتطاولة الواسعَةِ، مأخوذةٌ من أنْهَرْتُ أي وسَّعت، ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسم اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ ). معناه : ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهْرِ، ونسب الجري إِلى النهر، وإِنما يجري الماء تجوُّزاً كما قال سبحانه : واسأل القرية  \[ يوسف : ٨٢ \]، وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إِنما تجري على سطْح أرض الجنة منضبطةً. 
وقولهم : هذا الذي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ \[ البقرة : ٢٥ \] إِشارة إِلى الجنس، أي هذا من الجنس الذي رزقْنَا منه من قبل، والكلام يحتمل أن يكون تعجباً منهم، وهو قولُ ابنِ عَبَّاس، ويحتمل أن يكون خَبَراً من بعضهم لبعْضٍ، قاله جماعة من المفسِّرين، وقال الحسنُ، ومجاهدٌ : يرزقُونَ الثمرةَ، ثم يرزقُونَ بعْدَها مثْلَ صورتها، والطَّعْم مختلفٌ، فهم يتعجَّبون لذلك، ويخبر بعضهم بعضاً، وقال ابن عبَّاس : ليس في الجنة شيْءٌ ممَّا في الدنيا سوى الأسماءِ، وأما الذوات فمتباينة، وقال بعض المتأوِّلين : المعنى أنهم يرون الثمر فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون : هذا الذي رزقْنَا مِنْ قبل \[ البقرة : ٢٥ \] في الدنيا، وقال قومٌ : إن ثمر الجنة إِذا قطف منه شيء خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إِشارة إِلى الخارج في موضع المجني. 
وقوله تعالى : متشابها \[ البقرة : ٢٥ \]. قال ابن عباس وغيره : معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر، ويختلف في الطعمِ، و أزواج \[ البقرة : ٢٥ \] جمع زوج، ويقال في المرأة زوجة، والأول أشهر، و مُّطَهَّرَةٌ \[ البقرة : ٢٥ \] : أبلغ من طَاهِرَة أي مُطَهَّرة من الحَيْض والبُزَاق، وسائر أقذار الآدميَّات، والخلودُ الدوامُ، وخرَّج ابن ماجة عن أسامة بن زيد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ لأَِصْحَابِهِ :( أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، فِي مَقَامِ أَبَدٍ، فِي حَبْرةٍ وَنَضْرَةٍ فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ، قَالُوا : نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ :**«قُولُوا : إِنْ شَاءَ اللَّهُ »**، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ » انتهى من **«التذْكرَةِ »**. 
وقوله : لا خَطَرَ لها بفتح الطاء قيل معناه : لا عِوَضَ لها.

### الآية 2:26

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [2:26]

قوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا \[ البقرة : ٢٦ \]. 
لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله : إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا \[ البقرة : ٢٦ \] على القائلين كيف يضرب اللَّه مثلاً بالذُّبَابِ ونحوه. 
واختلف في قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا \[ البقرة : ٢٦ \]، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى. ولا خلاف أن قوله تعالى : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين \[ البقرة : ٢٦ \] من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ : الخروجُ عن الشيء، يقال : فَسَقَتِ الفَأْرَةُ إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ : الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان.

### الآية 2:27

> ﻿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:27]

قوله تعالى : الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله \[ البقرة : ٢٧ \]. 
النَّقْضُ : ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ في هذه الآية : التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد، أنه في جميع الكُفَّار. 
( ع ) وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَضَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْضُ، كان في ميزانٍ أو غيره.

### الآية 2:28

> ﻿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:28]

قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله \[ البقرة : ٢٨ \]. 
هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي كيف تَكْفُرون ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله : وَكُنتُمْ \[ البقرة : ٢٨ \] واو الحال، واختلف في قوله تعالى : وَكُنتُمْ أمواتا. . . \[ البقرة : ٢٨ \] الآية، فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد المعنى : كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا، دارسين، كما يقال للشيء الدَّارِسِ ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا،  فأحياكم ثم يميتكم \[ البقرة : ٢٨ \] الموتَ المعهُودَ،  ثم يحييكم \[ البقرة : ٢٨ \] للبَعْثِ يوم القيامة، وهذا التأويل هو أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في  إِلَيْهِ \[ البقرة : ٢٨ \] عائد على اللَّه تعالى أي إلى ثوابه أو عقابه.

### الآية 2:29

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:29]

و خَلَقَ  : معناه : اخترع، وأوجد بعد العدمِ، و لَكُمْ \[ البقرة : ٢٩ \] معناه : لِلاِعتبار، ويَدُلُّ عليه ما قبله، وما بعده، من نَصْب العِبَرِ : الإِحياء، والإِماتة، والاستواء إلى السماء، وتسويتِها. 
وقوله تعالى : ثُمَّ استوى إِلَى السماء \[ البقرة : ٢٩ \]. 
 ثُمّ  هنا : لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر في نفسه، و استوى  قال قومٌ معناه : علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان معناه : قصد إلى السماء. 
( ع ) أي : بخلقه واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادثِ ويبقى استواءُ القدرةِ والسلطان. 
 فسَوَّاهُنَّ \[ البقرة : ٢٩ \] قيل : جعلهن سواءً، وقيل : سوى سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ : فَسَوَّاهُنَّ ، أي : خلقهن. انتهى. وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه، والتي في سورة ( المُؤْمِنِ )، وفي ( النازعات ).

### الآية 2:30

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:30]

وقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً \[ البقرة : ٣٠ \]. 
( إِذْ ) ليست بزائدةٍ عند الجمهور، وإِنما هي معلَّقة بفعل مقدَّر تقديره : واذكر إِذ قال، وإِضافةُ رَبٍّ إِلى محَّمدٍ صلى الله عليه وسلم ومخاطبتُهُ بالكاف تشريفٌ منه سبحانه لنبيِّه، وإِظهار لاِختصاصه به، و للملائكة  : واحدها ملَكٌ، والهاء في ملائكة لتأنيث الجُموعِ، غير حقيقيٍّ، وقيل : هي للمبالغة كَعَلاَّمَةٍ وَنسَّابَةٍ، والأول أبين. 
و جَاعِلٌ  في هذه الآية بمعنى خَالِقٍ، وقال الحسن وقتادة : جاعلٌ  بمعنى فاعل، وقال ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إِنَّ الأَرْضَ هُنَا هِيَ مَكَّةُ لأَنَّ الأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا وَلأنَّهَا مَقَرُّ مَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. وَأَنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ بَيْنَ المَقَامِ وَالرُّكْنِ، و خَلِيفَةً  معناه : من يخلف. 
قال ابن عبَّاس : كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا وسَفَكُوا الدماء، فبعث اللَّه إِليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم، وألْحَقَ فَلَّهُمْ بجزائرِ البحار، ورؤوسِ الجبالِ، وجعل آدم وذريته خليفةً، وقال ابن مسعود : إنما معناه خليفةٌ مني في الحُكْمِ. 
وقوله تعالى : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا \[ البقرة : ٣٠ \]. 
قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم الغيْبَ، ولا تسبق بالقول، وذلك عَامٌّ في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى : لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول  \[ الأنبياء : ٢٧ \] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطَّيِّب : فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطَيْن إِلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأٌ ومقدِّمة. 
قال ابن زيد وغيره : إن اللَّه تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكونُ من ذريته قومٌ يفسدونَ ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالةَ، إِما على طريق التعجُّب من استخلاف اللَّه من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفُهُ اللَّهُ في أرضه وينعم علَيْه بذلك، وإِما على طريق الاِستعظامِ والإِكبار للفصلَيْن جميعاً، الاستخلاف والعصيان. 
وقال أحمد بن يَحْيَى ثَعْلَبٌ وغيره : إنما كانت الملائكة قد رأَتْ، وعلمت ما كان من إفساد الجِنِّ، وسفكهم الدماء في الأرض، فجاء قولهم : أَتَجْعَلُ فِيهَا. . . \[ البقرة : ٣٠ \] الآية على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة يا ربَّنَا على طريقة من تقدَّم من الجِنِّ أم لا ؟
وقال آخرون : كان اللَّه تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرضِ خلْقاً يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك : إِنِّي جَاعِلٌ \[ البقرة : ٣٠ \] قالوا : قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا. . . \[ البقرة : ٣٠ \] الآيةَ على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفةُ هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل أو غيره ؟ ونحو هذا في **«مختصر الطبريِّ »**، قال : وقولهم : أَتَجْعَلُ فِيهَا \[ البقرة : ٣٠ \] ليس بإنكار لفعله عز وجلَّ، وحكمه، بل استخبارٌ هل يكون الأمر هكذا ؟ وقد وجَّهه بعضهم بأنهم استعظموا الإِفسادَ، وسفْكَ الدماء، فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك إِذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إِلا حكمة انتهى. 
( ت ) والعقيدة أن الملائكة معصومون فلا يقع منهم ما يوجب نقصانًا من رتبتهم، وشريف منزلتهم، صلوات اللَّه وسلامُهُ على جميعهم، والسفك صبُّ الدَّمِ هذا عُرْفُه وقولهم : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ \[ البقرة : ٣٠ \]. 
قال بعض المتأوّلين : هو على جهة الاستفهام كأنهم أرادوا  وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ \[ البقرة : ٣٠ \] الآيةَ أم نتغير عن هذه الحال ؟
قال :( ع ) وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحْضِ في قولهم : أَتَجْعَلُ ، وقال آخرون معناه : التمدُّح ووصف حالهم وذلك جائز لهم، كما قال يوسُفُ : إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ  \[ يوسف : ٥٥ \]، وهذا يحسن مع التعجُّب والاستعظام، لأَِنْ يستخلف اللَّه من يعصيه في قولهم : أَتَجْعَلُ \[ البقرة : ٣٠ \] وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ٣٠ \] ومعنى  نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ  ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه، وقال قتادةُ : تسبيحهم قولهم :**«سبحانَ اللَّهِ »**، على عرفه في اللغة، و بِحَمْدِكَ  معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم : بِحَمْدِكَ  اعتراضا بين الكلامين، كأنهم قالوا : ونحن نسبِّح ونقدِّس وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك. وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرّ قال : قال لِي رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى، إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى :**«سبحان الله وَبِحَمْدِهِ »** )، وفي رواية :" سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلَّم، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ :( مَا اصطفي اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ) وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هُرَيْرَة قال : قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَن، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ ). وهذا الحديثُ به ختم البخاريُّ رحمه اللَّه. انتهى. 
 وَنُقَدِّسُ لَكَ \[ البقرة : ٣٠ \]. 
قال الضَّحَّاك وغيره : معناه : نُطَهِّرُ أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك. والتقديسُ : التطهير بلا خلافٍ، ومنه الأرض المقدَّسة، أي : المطهَّرة، وقال آخرون : وَنُقَدِّسُ لَكَ  معناه : نقدِّسك، أي : نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره. 
وقوله تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ٣٠ \]. 
قال ابن عبَّاس : كان إِبليس لعنه اللَّه قد أُعْجِبَ بنفسه، ودخله الكِبْرُ، لما جعله اللَّه خَازِنَ السماء الدنيا، واعتقد أن ذلك لمزيَّة له، فلما قالت الملائكة : ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك \[ البقرة : ٣٠ \] وهي لا تعلم أنَّ في نفْسِ إِبليسَ خلافَ ذلك، قال اللَّه سبحانه : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ٣٠ \] يعني ما في نفس إِبْلِيسَ. 
وقال قتادة : لما قالتِ الملائكةُ : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا \[ البقرة : ٣٠ \]، وقد علم اللَّه أنَّ في مَنْ يستخلفُ في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ، وأهلَ طاعةٍ، قال لهم : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ٣٠ \] يعني : أفعالَ الفضلاءِ.

### الآية 2:31

> ﻿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:31]

وقوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا \[ البقرة : ٣١ \]. 
معناه : عرَّف، وتعليم آدم هنا عند قومٍ إِلهامُ علمه ضرورةً، وقال قوم : بل تعليمٌ بقولٍ، إما بواسطة مَلَكٍ، أو بتكليمٍ قبل هبوطه الأرضَ، فلا يشارك موسى عليه السلام في خَاصَّة. 
( ت ) قال الشيخ العارفُ باللَّه عبد اللَّه بن أبي جَمْرَةَ : تعليمه سبحانه لآِدم الأسماء كلَّها إِنما كان بالعلْم اللدنيِّ بلا واسطة، انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاريِّ، وكل ما أنقله عنه فمنه، واختلف المتأوِّلون في قوله : الأسماء  فقال جمهور الأُمَّة : علَّمه التسميات، وقال قومٌ عرض عليه الأشخاص، والأول أبين، ولفظة عَلَّمَ تعاطي ذلك، ثم اختلف الجمهورُ في أيِّ الأسماء علَّمه، فقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ : علَّمه اسم كلِّ شيء من جميع المخلوقات دقيقها وجليلها، وقال الطبريُّ : علَّمه أسماء ذريته، والملائكة، ورجَّحه بقوله تعالى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ  وقال أكثر العلماء : عَلَّمه تعالى منافعَ كلِّ شيء، ولما يصلَح وقيل غير هذا، واختلف المتأوِّلون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص ؟. 
 وأَنْبِئُونِي  معناه : أخبروني، والنبأ : الخبر، وقال قوم : يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ، ويتقرَّر جوازه، لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا يعلمون. 
وقال المحقِّقون من أهل التأويل : ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف. 
وقوله تعالى : هَؤُلاَءِ  ظاهره حضورُ أشخاصٍ، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ أن الاسم هو المسمى كما ذهب إِليه مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ، 
والذي يظهر أن اللَّه تعالى علَّم آدم الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلَّمها آدم، ثم إِن آدم قال لهم : هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. 
 وهَؤُلاَءِ  : مبنيٌّ على الكسر،  وَكُنْتُمْ  في موضع الجزمِ بالشرْطِ والجواب عند سيبويه فيما قبله، وعند المبرِّد محذوفٌ تقديره : إِن كنتمْ صادِقِينَ، فَأَنْبِئوني، وقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، وناسٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم معنى الآية : إِنْ كنتم صادِقِينَ في أنَّ الخليفةَ يُفْسِدُ ويسفك. 
( ت ) وفي النفس من هذا القول شيءٌ، والملائكة منزَّهون معصومون كما تقدَّم والصواب ما تقدَّم من التفسير عند قوله تعالى : أَتَجْعَلُ فِيهَا. . . \[ البقرة : ٣٠ \] الآية. 
وقال آخرون : إِن كنتم صادِقِينَ \[ البقرة : ٣١ \] في أنِّي إِن استخلفتكم سبَّحتم بحَمْدِي وقدَّستم لي. 
وقال قوم معناه : إن كنتم صادقين في جوابِ السؤالِ، عالمين بالأسماء.

### الآية 2:32

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [2:32]

و سبحانك \[ البقرة : ٣٢ \] معناه : تنزيهاً لك وتبرئةً أنْ يعلم أحدٌ من علمك إِلا ما علمته، و العَلِيمُ \[ البقرة : ٣٢ \] معناه : العَالِمُ، ويزيد عليه معنى من المبالغةِ والتكثيرِ في المعلوماتِ، و الحكيمُ \[ البقرة : ٣٢ \] معناه : الحاكِمُ، وبينهما مزية المبالغةِ، وقيل : معناه المُحْكِمُ، وقال قوم : الحَكِيمُ  المانعُ من الفساد، ومنه حَكَمَةُ الفرسِ مانعته.

### الآية 2:33

> ﻿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:33]

وقوله تعالى : قَالَ يَا ءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ \[ البقرة : ٣٣ \]. 
( أَنْبِئْهُمْ ) : معناه أخبرهم، والضمير في  أَنْبِئْهُمْ  عائدٌ على الملائكة بإجماعٍ، والضميرُ في  بأَسْمَائِهِمْ  مختلَفٌ فيه حَسَبَ الاختلاف في الأسماء التي علَّمها آدم، قال بعض العلماء في قوله تعالى : فَلَمَّا أَنبَأَهُم  نبوءةً لآدم عليه السلام، إِذ أمره اللَّه سبحانه أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم اللَّه عز وجَلَّ. 
وقوله تعالى : أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض \[ البقرة : ٣٣ \]. 
معناه : ما غاب عنكم، لأنَّ اللَّه تعالى لا يغيبُ عنه شيء، الكلُّ معلوم له. 
واختلف في قوله تعالى : مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ \[ البقرة : ٣٣ \] فقالت طائفة : ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع.

### الآية 2:34

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [2:34]

وإِذ  من قوله : وَإِذْ قُلْنَا للملائكة \[ البقرة : ٣٤ \] معطوفةٌ على  إذ  المتقدِّمة، وقولُ اللَّه تعالى وخطابه للملائكةِ متقرِّر قديم في الأَزَلِ، بشرط وجودهم وفهمهم. وهذا هو الباب كله في أوامر اللَّه تعالى ونواهيه ومخاطباته. 
( ت ) ما ذكره رحمه اللَّه هو عقيدةُ أهل السنة، وها أنا أنقل من كلام الأئمة، إن شاء اللَّه، ما يتبيَّن به كلامه، ويزيده وضوحاً، قال ابن رُشْدٍ : قوله صلى الله عليه وسلم :( أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ) لا يفهم منه أن للَّه عز وجلَّ كلماتٍ غَيْرَ تامَّات، لأن كلماته هي قوله، وكلامه هو صفةٌ من صفات ذاتِهِ، يستحيلُ عليها النقص، وفي الحديث بيانٌ واضحٌ على أن كلماته عز وجل غير مخلوقة، إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، وهذا هو قول أهل السنة. والحقّ أن كلام اللَّه عزَّ وجلَّ صفة من صفات ذاته، قديمٌ غيرُ مخلوقٍ، لأن الكلام هو المعنى القائِمُ في النفسِ، والنطقُ به عبارةٌ عنه، قال اللَّه عزَّ وجلَّ : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ  \[ المجادلة : ٨ \] فأخبر أن القول معنًى يقوم في النفْسِ، وتقول : في نَفْسِي كَلاَمٌ أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهومُ من كلامه، وأما الذي تسمعه منه، فهو عبارةٌ عنه، وكذلك كلام اللَّه عز وجلَّ القديمُ الذي هو صفة من صفاتِ ذاته هو المفهومُ من قراءة القارئ لا نَفْسُ قراءته التي تسمعها لأنَّ نفس قراءته التي تسمعها مُحْدَثَةٌ لم تكن حتى قرأ بها، فكانت، وهذا كله بيِّن إلا لمن أعمى اللَّه بصيرته، انتهى بلفظه من **«البَيَانِ »**. 
وقال الغَزَّالِيُّ بعد كلامٍ له نحو ما تقدَّم لابن رشد : وكما عقل قيامُ طلبِ التعلُّم وإرادته بذات الوالدِ قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده، وعقل، وخلق اللَّه سبحانه له علْماً بما في قلْب أبيه من الطَّلَب، صار مأموراً بذلك الطلب الذي قام بذاتِ أبيه، ودام وجوده إِلى وقت معرفة ولده، فليعقل قيام الطلب الذي دلَّ عليه قوله عزَّ وجلَّ :
 فاخلع نَعْلَيْكَ  \[ طه : ١٢ \] بذات اللَّه تعالى، ومصير موسى عليه السلامُ سَامِعاً لذلك الكلامِ مخاطَباً به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلبِ، ومعرفةُ بذلك الكلامِ القديمِ، انتهى بلفظه من **«الإحياء »**. 
وقوله : للملائكة \[ البقرة : ٣٤ \]. 
عمومٌ فيهم، والسجودُ في كلام العرب : الخضوعُ والتذلُّل، وغايته وضع الوجْه بالأرض، والجمهور على أنَّ سجود الملائكة لآدم إيماءٌ وخضوعٌ، ولا تدفع الآية أنْ يكونوا بلغوا غاية السجود، وقوله تعالى : فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ  \[ الحجر : ٢٩ \] لا دليل فيه، لأن الجاثي على ركبتيه واقعٌ. واختُلِفَ في حال السجودِ لآدم، فقال ابن عَبَّاسٍ : تعبَّدهم اللَّه بالسجود لآدم والعبادةُ في ذلك للَّهِ. وقال عليُّ بن أبي طالب، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عبَّاس أيضاً : كان سجودَ تحيَّة كسجود أبوَيْ يوسُفَ عليه السلام له، لا سجودَ عبادة، وقال الشَّعبيُّ : إنما كان آدم كالقِبْلة، ومعنى  لأَدَمَ  : إلى آدَمَ. 
( ع ) وفي هذه الوجوهِ كلِّها كرامةٌ لآدم عليه السلام. 
وقوله تعالى : إِلاَّ إِبْلِيسَ \[ البقرة : ٣٤ \] نصبٌ على الاستثناءِ المتَّصِلِ لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً ومَلَكاً على سماء الدنْيا والأرض، واسمه عَزَازِيلُ قاله ابن عباس، وقال ابن زيد والحسن : هو أبو الجِنِّ، كما آدمُ أبو البشر، ولم يكُن قطُّ ملَكاً، وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضاً، قال : واسمه الحارثُ، وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ : كان من الْجِنِّ الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكةُ فسَبَوْهُ صغيراً، وتعبَّد مع الملائكة وخُوطِبَ معها، وحكاه الطبريُّ عن ابن مسعود، والاستثناءُ على هذه الأقوال منقطعٌ. واحتجَّ بعض أصحاب هذا القول بأن اللَّه تعالى قال في صفة الملائكة : لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  \[ التحريم : ٦ \] ورجَّح الطبريُّ قَوْلَ من قال : إن إِبليسَ كان من الملائكَةِ، وقال : ليس في خلقه مِنْ نارٍ ولا في تركيبِ الشَّهْوَةِ والنسلِ فيه حينَ غُضِبَ عليه، ما يدْفَعُ أنه كان من الملائكة. وقوله تعالى : كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  \[ الكهف : ٥٠ \] يتخرَّج على أنه عمل عملهم، فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جِنًّا لاستتارها، قال اللَّه تعالى : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً  \[ الصافات : ١٥٨ \] وقال الأعشى في ذكر سليمانَ عليه السلام :\[ الطويل \]وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلاَئِكِ تِسْعَةً  قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بِلاَ أَجْرِأو على أن يكون نسبه إلى الجَنَّةِ كما ينسب إلى البَصْرَةِ بِصْرِيَّ، قال عِيَاضٌ : ومما يذكرونه قصَّةُ إبليس، وأنه كان من الملائكة، ورئيساً فيهم، ومن خُزَّان الجَنَّة، إلى ما حكَوْه، وهذا لم يتفقْ عليه، بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن، انتهى من **«الشِّفا »**. 
وإِبْلِيسُ : لا ينصرفُ لأنه اسم أعجميٌّ. قال الزَّجَّاج : ووزنه فِعْلِيلُ، وقال ابن عبَّاس وغيره : هو مشتقٌّ من أُبْلِيسَ، إِذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا أُفْعِيلُ، ولم تصرفه هذه الفرقةُ لشذوذه وقلَّته، ومنه قوله تعالى :
 فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ  \[ الأنعام : ٤٤ \] أيْ : يائسون من الخَيْر، مبعدُونَ منه، فيما يَرَوْنَ، و أبى  : معناه : امتنَعَ من فعْلِ ما أمر به،  واستكبر \[ البقرة : ٣٤ \] دخل في الكبرياءِ، والإبَايَةُ مقدَّمة على الاِستكبارِ في ظهورهما عليه، والاستكبارُ والأَنَفَة مقدَّمة في معتقده، وروى ابْنُ القاسم عن مَالك أنه قال : بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ معْصيَةٍ كانت الحسدُ، والكِبْرُ، والشُّحُّ، حسد إِبليسُ آدم، وتكبَّر، وشحَّ آدم في أكله من شجرة قد نُهِيَ عن قربها. 
( ت ) إِطلاق الشحِّ على آدم فيه ما لا يخفي عليك، والواجب اعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحُطُّ من رتبتهم، وقد قال اللَّه تعالى في حق آدَمَ : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  \[ طه : ١١٥ \]. 
وقوله تعالى : وَكَانَ مِنَ الكافرين \[ البقرة : ٣٤ \]. 
قالت فِرقَةٌ معناه : وصار من الكافرين، وردَّه ابن فُورَكَ، وقال جمهور المتأوِّلين معنى : وَكَانَ مِنَ الكافرين ، أيْ : في علْمِ اللَّهِ تعالى، وقال أبو العالية، معناه : من العاصين، وذهب الطبريُّ إِلى أن اللَّه تعالى أراد بقصة إبْلِيسَ تقريعَ أشباهه من بني آدم، وهم اليهودُ الذين كفروا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوءته، ومع تقدُّم نعم اللَّه عليهم، وعلى أسلافهم. 
( ت ) ولفظ الطبريِّ : وفي هذا تقريعٌ لليهود إذ أبوا من الإسلام مع علمهم بنبوءة رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم من التوارة، والكُتُبِ، حَسَداً له، ولبني إِسماعيل، كما امتنع إِبليسُ من السجود حَسَداً لآدَم وتكبُّراً عن الحق، وقبولِهِ، فاليهود نظراء إِبْليسَ في كُفْرهم وكِبْرهم وحَسَدهم، وتَرْكِهِمْ الانقيادَ لأمر اللَّه تعالى، انتهى من **«مختصر الطبريِّ »** لأبي عبد اللَّه اللَّخْمِيِّ النحْويِّ. 
واختلف هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً ؟ على قولَيْن بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالماً باللَّه قبل كفره، ولا خلاف أن اللَّه تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم : اسكن .

### الآية 2:35

> ﻿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [2:35]

قوله تعالى : وَقُلْنَا يَا ءادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة \[ البقرة : ٣٥ \]. 
 اسكن  معناه : لاَزِمِ الإقامةَ، ولفظه لفظ الأمر ومعناه الإِذن، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام، هل هي جنةُ الخُلْدِ أو جنةٌ أخرى ؟. 
( ت ) والأول، هو مذهب أهل السنة والجماعة  وَكُلاَ مِنْهَا \[ البقرة : ٣٥ \] أي : من الجنةِ، والرغَد العيشَ، الدارَّ الهنيَّ، و**«حَيْثُ »** مبنيةٌ على الضمِّ. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة \[ البقرة : ٣٥ \]. 
معناه : لا تقرباها بأكْلٍ، والهاءُ في  هَذِهِ  بدلٌ من الياء، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرةٍ معيَّنة واحدة، واختلف في هذه الشجرة، ما هي ؟ فقال ابن عَبَّاس، وابن مسعود : هي الكَرْم، وقيل : هي شجرة التِّين، وقيل : السنبلة، وقيل غير ذلك. 
وقوله : فَتَكُونَا مِنَ الظالمين \[ البقرة : ٣٥ \] الظالمُ في اللغة : الذي يضع الشيء في غير موضعه، والظلم في أحكام الشرع على مراتب : أعلاها الشِّرْكُ، ثم ظُلْمُ المعاصِي وهي مراتبُ.

### الآية 2:36

> ﻿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [2:36]

فأَزَلَّهُمَا \[ البقرة : ٣٦ \] مأخوذ من الزَّلَلِ، وهو في الآية مجازٌ، لأنه في الرأْي والنَّظر، وإنما حقيقة الزَّلَلِ في القَدَمِ. وقرأ حمزة :**«فأَزَالَهُمَا »** مأخوذ من الزوالِ، ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعينَ هو متولِّي إغواء آدم عليه السلام، واختلف في الكيفيَّة. 
فقال ابن عباس، وابن مسعود، وجمهور العلماء : أغواهما مشافهةً، بدليل قوله تعالى : وَقَاسَمَهُمَا  \[ الأعراف : ٢١ \]، والمقاسمة ظاهرها المشافهةُ. 
وقالت طائفةٌ : إن إبليس لم يدخُلِ الجنةَ بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانِهِ، وسُلْطَانه، ووَسَاوِسِهِ، التي أعطاه اللَّه تعالى، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ). 
( ت ) وإلى هذا القوْلِ نَحَا المَازِرِيُّ في بعض أجوبته، ومن ابتلي بشيء من وسوسة هذا اللعينِ، فأعظم الأدوية له الثقَةُ باللَّه، والتعوُّذ به، والإعراض عن هذا اللعين، وعدمُ الالتفاتِ إليه ما أمكن. قال ابن عطاءِ اللَّه في **«لَطَائِفِ المِنَنِ »** : كان بي وسواسٌ في الوضوءِ، فقال لي الشيخُ أبو العبَّاس المُرْسِيُّ : إن كنت لا تترك هذه الوسوسةَ لا تَعْدُ تَأْتِينَا، فَشَقَّ ذلك علَيَّ، وقطع اللَّه الوسواسَ عني، وكان الشيخ أبو العباس يُلَقِّنُ للوسواسِ : سُبْحَانَ المَلِكِ الخَلاَّقِ،  إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ \[ إبراهيم : ١٩ \]  وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ  \[ فاطر : ١٧ \] انتهى. 
قال عِيَاضٌ في **«الشِّفا »** : وأما قصة آدم عليه السلام، وقوله تعالى : فَأَكَلاَ مِنْهَا  \[ طه : ١٢١ \] بعد قوله : وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين \[ البقرة : ٣٥ \]، وقوله تعالى : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة  \[ الأعراف : ٢٢ \] وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله : وعصى ءادَمُ رَبَّهُ فغوى  \[ طه : ١٢١ \] أي : جهل، وقيل : أخطأ، فإن اللَّه تعالى قد أخبر بعذره بقوله : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  \[ طه : ١١٥ \] قال ابن عبَّاس : نسي عداوة إِبليس، وما عهد اللَّه إِليه من ذلك، بقوله :
 إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ. . .  \[ طه : ١١٧ \] الآيَة، وقيل : نسي ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس : إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إِليه فنسي، وقيل : لم يقصد المخالفة، استحلالا لها، ولكنهما اغترا بِحَلِفِ إِبليس لهما : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين  \[ الأعراف : ٢١ \] وتوهَّما أن أحداً لا يحلف باللَّه حانِثاً، وقد روي عذر آدم مثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جُبَيْر : حلف باللَّه لهما حتى غَرَّهُمَا، والمؤمن يخدع، وقد قيل : نسي، ولم ينو المخالفَةَ، فلذلك قال تعالى : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  \[ طه : ١١٥ \] أَيْ : قَصْداً للمخالفةِ، وأكثر المفسرين على أن العزمَ هنا الحزمُ، والصبرُ، وقال ابن فُورَكَ وغيره : إِنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوءة، ودليل ذلك قوله تعالى : وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى  \[ طه : ١٢١، ١٢٢ \] فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل : بل أكلها، وهو متأوِّل، وهو لا يعلم أنَّها الشجرة التي نهي عنها، لأنه تأول نهي اللَّه تعالى عن شجرة مخصوصةٍ، لا على الجنْسِ، ولهذا قيل : إنما كانت التوبةُ من ترك التحفُّظ، لا من المخالفة، وقيل : تأول أن اللَّه تعالى لم ينهه عنها نَهْيَ تحريمٍ، انتهى بلفظه فجزاه اللَّه خيرًا، ولقد جعل اللَّه في شِفَاهُ شِفَاءً. 
والضمير في  عَنْهَا \[ البقرة : ٣٦ \] يعود على الجنة، وهنا محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهر، تقديره : فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ. 
وقوله تعالى : فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ \[ البقرة : ٣٦ \]
قيل معناه : مِنْ نعمة الجنَّةِ إلى شقاء الدنيا، وقيل : من رفعة المنزلةِ إلى سُفْل مكانة الذنب. 
( ت ) وفي هذا القول ما فيه، بل الصوابُ ما أشار إليه صاحب **«التَّنْوِيرِ »**، بأن إخراج آدَم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرام آدم، وجعله في الأرض خليفةً، هو وأخيارَ ذرّيته، قائمين فيها بما يجبُ للَّه من عبادتِهِ، والهبوطُ النزولُ من عُلْو إلى سُفْل، واختلف من المخاطَبُ بالهبوط. 
فقال السُّدِّيُّ وغيره : آدم وحَوَّاء، وإِبليس، والحَيَّة التي أدخلت إبليس في فَمِها، وقال الحسن : آدمُ وحواءُ والوَسْوَسَة. 
و بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ \[ البقرة : ٣٦ \] جملةٌ في موضع الحال،  وَلَكُمْ في الأرض مُسْتَقَرٌّ \[ البقرة : ٣٦ \]، أيْ : موضع استقرار، وقيل : المراد الاستقرار في القبور، والمتاع : ما يستمتع به من أكل ولُبْس، وحَدِيثٍ، وأنس، وغيرِ ذلك. 
واختلف في **«الحِينِ »** هنا فقالت فرقةٌ : إلى المَوْتِ، وهذا قولُ من يقول : المستقرُّ هو المُقام في الدنيا، وقالت فرقة : إلى حِينٍ  : إلى يومِ القيامةِ، وهذا هو قول من يقول : المستَقَرُّ هو في القبور، والحِينُ المدَّة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان، والالتزامات سَنَةٌ قال اللَّه تعالى : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ  \[ إبراهيم : ٢٥ \] وقيل : أقصرها ستَّةُ أشهر، لأن من النخل ما يطعم في كلِّ ستة أشهر. 
وفي قوله تعالى : إلى حِينٍ \[ البقرة : ٣٦ \] فائدةٌ لآدم عليه السلام، ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقلٌ إِلى الجنة التي وعد بالرجوع إِليها، وهي لغير آدم دالَّة على المعاد، وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سَرَنْدِيبَ، وأن حواء نزلَتْ بِجدَّةَ، وأن الحية نزلَتْ بِأصْبَهَانَ، وقيل : بِمَيْسَانَ، وأن إبليسَ نزل عند الأبلَّةِ.

### الآية 2:37

> ﻿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:37]

قوله تعالى : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ \[ البقرة : ٣٧ \]. 
المعنى : فقال الكلماتِ، ( فتابَ اللَّه علَيْه ) عنْد ذلك، وقرأ ابن كثير  آدَمَ  بالنصب  مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ  بالرفع، واختلف المتأوِّلون في الكلماتِ، فقال الحسنُ بن أبي الحسن : هي قوله تعالى : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا. . .  \[ الأعراف : ٢٣ \] الآية، وقالت طائفة : إِنَّ آدم رأى مكتوباً على ساق العرش : محمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ، فتشفَّع به، فهي الكلماتُ، وسئل بعض سَلَفِ المسلمين عمَّا ينبغي أن يقوله المُذْنِبُ، فقال : يقول ما قاله أبواه : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا  \[ الأعراف : ٢٣ \] وما قاله موسى : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي  \[ القصص : ١٦ \]، وما قال يونس : لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ سبحانك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظالمين  \[ الأنبياء : ٨٧ \]،  فتَابَ عَلَيْهِ \[ البقرة : ٣٧ \] معناه : راجعٌ به، والتوبةُ من اللَّه تعالى الرجوعُ على عبده بالرحمةِ والتوفيقِ، والتوبةُ من العبد الرجوعُ عن المعصيةِ، والندمُ على الذنب مع تركه فيما يستأنف
( ت ) يعني : مع العزم على تركه فيما يستقبل، وإنما خص اللَّه تعالى آدم بالذكْرِ في التلقِّي، والتوبة، وحواءُ مشارِكَةٌ له في ذلك بإجماع لأنه المخاطَبُ في أول القصَّة، فكملت القصة بذكُره وحْدَه، وأيضاً : فَلأَنَّ المرأة حُرْمَةٌ ومستورةٌ، فأراد اللَّه تعالَى السِّتْر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : وعصى ءادَمُ رَبَّهُ  \[ طه : ١٢١ \] وبنية التَّوَّاب للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى : هُوَ التواب \[ البقرة : ٣٧ \] تأكيدٌ فائدتُهُ أنَّ التوبة على العبد إنما هي نعمة من اللَّه تعالى، لا من العبد وحده، لئلاَّ يعجب التائبُ، بل الواجب عليه شكر اللَّه تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علَّق بكل أمر منهما حكمًا غير حكم الآخر، فعلَّق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى.

### الآية 2:38

> ﻿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:38]

( ت ) وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تَكْرِمَةٍ، لما ينشأ عن ذلك من أنواع الخيرات، وفنون العباداتِ. 
و  جَمِيعاً  : حالٌ من الضمير في  اهبطوا ، واختلف في المقصود بهذا الخطاب. 
فقيل : آدم، وحواء، وإبليس، وذريَّتهم، وقيل : ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هُدًى، والأول أصح، لأن إبليس مخاطَبٌ بالإيمان بإجماع. 
وأِنْ في قوله : فَإِمَّا  هي للشرط، دخلت ( مَا ) عليها مؤكِّدة ليصح دخول النون المشدَّدة، واختلف في معنى قوله : هُدًى  فقيل : بيان وإرشاد، والصواب أن يقال : بيان ودعاءٌ، وقالت فرقة : الهُدَى الرسُلُ، وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر هو فَمَنْ بعده. 
وقوله تعالى : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ \[ البقرة : ٣٨ \]. 
شرطٌ جوابه،  فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ \[ البقرة : ٣٨ \]، قال سيبوَيْهِ : والشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم \[ البقرة : ٣٨ \]. 
وقوله تعالى : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ \[ البقرة : ٣٨ \]. 
يحتمل فيما بين أيديهم من الدنيا،  وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ \[ البقرة : ٣٨ \] على ما فاتهم منها، ويحتمل : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  يوم القيامة،  وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  فيه. 
( ت ) وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر في اختصار الطبريِّ، ولفظه عن ابن زيد : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ \[ البقرة : ٣٨ \]، أي : لا خوف عليهم أمامهم، قال وليس شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموتِ، فأمَّنهم سبحانه منْه، وسَلاَّهم عن الدنيا انتهى.

### الآية 2:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:39]

وقوله تعالى : والذين كَفَرُواْ. . . \[ البقرة : ٣٩ \]
لما كانت لفظة الكُفْرِ، يشترك فيها كفر النعمِ، وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلودٌ، بيَّن سبحانه أن الكفر هنا هو الشرك بقوله : وَكَذَّبُواْ بآياتنا. . . \[ البقرة : ٣٩ \] والآياتُ هنا يحتمل أن يريد بها المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ، والصُّحْبَةُ الاقتران بالشيْءِ في حالةٍ مَّا زَمَنًا.

### الآية 2:40

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [2:40]

قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ \[ البقرة : ٤٠ \]. 
إسْرَائِيلَ : هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عليهم السلام، وإِسْرَا : هو بالعبرانية عبد، وإِيلُ : اسم اللَّه تعالى، فمعناه : عَبْدُ اللَّهِ، والذِّكْرُ في كلام العَرَبِ على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضدّ النسيان، والنعمة هنا اسم جنس، فهي مفردة بمعنى الجَمْعِ، قال ابن عَبَّاس : وجمهور العلماء : الخِطَابُ لجميع بني إسرائيل في مدَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ \[ البقرة : ٤٠ \]
أمر وجوابه، وهذا العهد في قول جمهور العلماءِ عامٌّ في جميع أوامره سبحانه، ونواهيه، ووصاياه لهم، فيدخل في ذلك ذكر محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة، والرهبةُ يتضمَّن الأمر بها معنى التهديد، وأسند الترمذيُّ الحَكِيمُ في **«نَوَادِرِ الأُصُولَ »** له عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :( قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ : لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَمَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ فِي الآخِرَةِ ) انتهى في **«التذكرة »** للقرطبيِّ. 
ورواه ابن المبارك في **«رَقَائِقِهِ »** من طريق الحسن البصريِّ، وفيه : قَالَ اللَّهُ :" وَعِزَّتِي، لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَإذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ) انتهى، ورواه أيضاً الترمذيُّ الحكيمُ في كتاب **«خَتْمِ الأَوْلِيَاءِ »**. قال صاحب " الكَلِمِ الفَارِقِيَّةِ "، والحِكَمِ الحقيقيَّة بقدر ما يدخل القلْبَ من التعظيم والحرمة، تنبعثُ الجوارحُ في الطاعةِ والخدمة، انتهى.

### الآية 2:41

> ﻿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [2:41]

و  ءَامِنُواْ \[ البقرة : ٤١ \] معناه : صدِّقوا، و مُصَدِّقاً  نصبٌ على الحال من الضمير في  أَنزَلْتُ ، و  مَا أَنزَلْتُ  كنايةٌ عن القرآن، و لِّمَا مَعَكُمْ ، يعني التوراةَ. 
وقوله : وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ \[ البقرة : ٤١ \]. 
هذا من مفهوم الخطاب الذي المذكورُ فيه والمسكوتُ عنه حكُمُهما واحدٌ، وَحُذِّرُوا البدارَ إلى الكفر به، إِذ على الأول كِفْلٌ من فعل المقتدى به، ونصب **«أَوَّلَ »** على خبر **«كَانَ »**. 
( ع ) وقد كان كَفَر قبلهم كفار قريشٍ، وإِنما معناه من أهل الكتاب، إِذ هم منظورٌ إِليهم في مثل هذا، واختلف في الضمير في **«به »**، فقيل : يعود على محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقيل : على القرآن، وقيل : على التوراة، واختلف في الثمن الذي نُهُوا أن يشتروه بالآياتِ. 
فقالتْ طائفةٌ : إن الأحبار كانوا يُعلِّمُونَ دينَهم بالأجرة، فَنُهُوا عن ذلك، وفي كتبهم :**«عَلِّمْ مَجَّاناً، كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّاناً »**، أي : باطلاً بغير أجرة، وقيل : كانتْ للأَحبار مأكلة يأكلونها على العِلْمِ، وقال قوم : إن الأحبار أخذوا رُشاً على تغييرِ صفَةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم في التوراة، فنُهُوا عن ذلك. 
وقال قوم : معنى الآية : ولا تشتروا بأوامري، ونواهِيَّ، وآياتي ثمناً قليلاً، يعني : الدنيا ومدَّتها والعيش الذي هو نزْرٌ لا خَطَر له، وقد تقدَّم نظير قوله : وإياي فاتقون ، وبيْنَ **«اتقون »**، و **«ارهبون »** فرق، إن الرهبة مقرونٌ بها وعيدٌ بالغٌ.

### الآية 2:42

> ﻿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:42]

وقوله تعالى : وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل ، أي : لا تخلطوا، قال أبو العاليةِ، قالت اليهود : محمَّد نبيٌّ مبعوثٌ، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم : إلى غيرنا باطلٌ،  وَتَكْتُمُواْ الحق \[ البقرة : ٤٢ \] أي : أمْرَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وفي هذهِ الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من وقع فيه، مع العلم به، وأنه أعصى من الجاهل،  وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  \[ البقرة : ٤٢ \] جملةٌ في موضع الحال. 
قال :( ص )  وَتَكْتُمُوا  مجزومٌ معطوف على  تَلْبِسُوا ، والمعنى النهْيُ عن كلٍّ من الفعلين انتهى.

### الآية 2:43

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [2:43]

وَأَقِيمُواْ الصلاة \[ البقرة : ٤٣ \] معناه : أظهروا هيئَتَها، وأديموها بشروطها. و الزكاة  في هذه الآية هي المفروضة، وهي مأخوذة من النماء، وقيل : من التطهير. 
وقوله تعالى : واركعوا مَعَ الراكعين \[ البقرة : ٤٣ \]
قيل : إنما خص الركوع بالذِّكْر، لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوعٌ. 
( ت ) وفي هذا القول نظرٌ، وقد قال تعالى في مَرْيم : اسجدي واركعي  \[ آل عمران : ٤٣ \]، وقالت فرقة : إنما قال  مَعَ ، لأن الأمر بالصلاة أولاً لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمرهم بقوله : مَعَ  شهود الجماعة. 
( ت ) وهذا القول هو الذي عوَّل عليه ( ع ) في قصَّة مرْيَمَ عليها السلام، والركوع الانحناء بالشخْصِ.

### الآية 2:44

> ﻿۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:44]

وقوله تعالى : أَتَأْمُرُونَ \[ البقرة : ٤٤ \]. 
خرج مخرج الاستفهامِ، ومعناه : التوبيخُ، و البِرُّ : يجمع وجوه الخيرِ والطاعاتِ.  وتَنسَوْنَ  معناه : تتركون أنفسكم. 
قال ابنُ عَبَّاس : كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلِّديهم باتباع التوراة، وكانوا هم يخالفونَهَا في جَحْدهم منْها صفةَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة : كان الأحبار إذا استرشدَهُمْ أحد من العرب في اتباع محمَّد صلى الله عليه وسلم، دلُّوه على ذلك، وهم لا يفعلونه. 
( ت ) : وخرَّج الحافظُ أبو نُعَيْمٍ أحمد بن عبد اللَّه الأصبهانيُّ في كتاب **«رِيَاضَةِ المُتَعَلِّمِينَ »**، قال :" حدَّثنا أبو بكر بن خَلاَّد، حدَّثنا الحارث بن أبي أُسَامَةَ، حدثنا أبو النَّضْرِ، حدثنا محمَّد بن عبد اللَّه بن علي بن زيْدٍ عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال : قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاَءِ ؟ قَالَ الخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ) انتهى.

### الآية 2:45

> ﻿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [2:45]

واستعينوا بالصبر والصلاة \[ البقرة : ٤٥ \]
قال مقاتل معناه : على طلب الآخرة، وقيل : استعينوا بالصبر على الطاعات، وعن الشهوات، على نيلِ رضوانِ اللَّه سبحانه، وبالصلاةِ على نيل رضوانِ اللَّه، وحطِّ الذنوب، وعلى مصائب الدهْر أيضاً، ومنه الحديثُ :( كان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ )، ومنْهُ ما روي أنَّ عبد اللَّه بن عباس نُعِيَ له أخوه قُثَمُ وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأُ : واستعينوا بالصبر والصلاة \[ البقرة : ٤٥ \] وقال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوْمُ، ومنه قيل لرمضانَ شهْرُ الصبْرِ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكْرِ لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهواتِ، ويزهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنْكَرِ، وتُخشِّع، ويقرأُ فيها القرآن الذي يذكِّر بالآخرة، وقال قومٌ : الصبر على بابه، والصلاة الدعاءُ، وتجيء الآية على هذا القولِ مشْبِهةً لقوله تعالى : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله  \[ الأنفال : ٤٥ \] لأن الثبات هو الصبر، وذكر اللَّه هو الدعاءُ، وروى ابن المبارك في رقائقه، قال : أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ عن ثابتٍ البُنَانِيِّ عن صِلَةَ بْنِ أشْيَمِ قال : قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( مَنْ صلى صَلاَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاه ) وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ، قال : سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صلى صَلاَةً غَيْرَ سَاهٍ، وَلاَ لاَهٍ، كُفِّرَ عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ شَيْءٍ ) انتهى. 
وهذان الحديثان يُبَيِّنَانِ ما جاء في **«صحيح البخاريِّ »** " عن عثمانَ حيثُ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثاً، ثم قال : قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) انتهى. 
والضمير في قوله تعالى : وَإِنَّهَا  قيل : يعود على الصلاة، وقيل : على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبْرِ والصلاة. 
قال :( ص ) و إنَّهَا  الضمير للصلاة، وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل، انتهى. 
ثم ذكر أبو حَيَّان وجوهاً أُخَرَ نحو ما تقدَّم. 
 كَبِيرَةٌ  معناه : ثقيلةٌ شاقَّة، والخَاشِعُونَ : المتواضعون المخبتُونَ، والخشوعُ هيئة في النفْسِ يظهر منها على الجوارحِ سكُونٌ وتواضُعٌ.

### الآية 2:46

> ﻿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:46]

و يَظُنُّونَ  في هذه الآية، قال الجمهور معناه : يوقنُونَ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشَّكُّ مع ميلٍ إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع اليقين، لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحِسِّ، لا تقول العرب في رجل مَرْئِيٍّ أظن هذا إنسانًا، وإنَّمَا تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس، كهذه الآية، وكقوله تعالى : فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا  \[ الكهف : ٥٣ \]. 
قال :( ص ) قلتُ : وما ذكره ابن عَطيَّةَ، هو معنى ما ذكره الزَّجَّاج في " معانيه " عن بعْض أهل العلْمِ، أنَّ الظنَّ يقع في معنى العلْمِ الذي لم تشاهدْه، وإِنْ كان قد قامت في نفسك حقيقتُهُ، قال : وهذا مذهبٌ إلا أن أهل اللغة لم يذكروه، قال : وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، رواه عن زيد بن أسْلَمَ. انتهى. 
والمُلاَقَاةُ هي لِلثوابِ أو العقابِ، ويصحُّ أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواترُ الْحَدِيث. 
و راجعون  قيل : معناه بالموْتِ، وقيل : بالحشرِ والخروجِ إلى الحساب، والعرضِ ويقوِّي هذا القوْل الآيةُ المتقدِّمة، قوله تعالى : ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ \[ البقرة : ٢٨ \].

### الآية 2:47

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:47]

قوله تعالى : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. . . \[ البقرة : ٤٧ \]. 
قد تكرَّر هذا النداءُ، والتذكيرُ بالنعمة، وفائدةُ ذلك أن الخطاب الأول يصحُّ أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرِّر إنما هو للكافرين، بدلالة ما بعده. وأيضاً : فإن فيه تقويةَ التوقيف، وتأكيدَ الحضِّ على أيَادِي اللَّه سبحانه، وحُسْن خطابهم بقوله سبحانه : فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين \[ البقرة : ٤٧ \] لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيلٌ لهم، وفي الكلام اتساعٌ، قال قتادة وغيره : المعنى على عَالَمِ زمانِهِمُ، الذي كانتْ فيه النبوءةُ المتكرِّرة، لأن اللَّه تعالى يقول لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  \[ آل عمران : ١١٠ \].

### الآية 2:48

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:48]

واتقوا يَوْمًا \[ البقرة : ٤٨ \] أي : عذابَ يوم أو هولَ يومٍ، ويصح أن يكون  يوماً  نصبه على الظرف، و لاَ تَجْزِي  معناه : لا تغني، وقال السُّدِّيُّ : معناه لا تقضي، ويقوِّيه قوله : شَيْئاً ، وفي الكلام حذفٌ، التقدير : لا تجزي فيه، وفي مختصر الطبريِّ : أي واتقوا يوماً لا تقضي نفْسٌ عن نفس شيئاً ولا تغني غَنَاءً، وأَحَدُنَا اليومَ قد يقضي عن قريبه دَيْناً، وأما في الآخرة فيسر المرء أن يترتَّب له على قريبه حقٌّ، لأنَّ القضاء هناك من الحسنات والسيئات، كما أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم انتهى. 
والشَّفَاعَةُ : مأخوذة من الشَّفْع، وهما الاثنان، لأن الشافع والمشفوع له شَفْعٌ، وسبب هذه الآية أنَّ بني إسرائيل قالوا : نَحْنُ أبناءُ أنبياءِ اللَّه، وسيشفع لنا آباؤنا، وهذا إنما هو في حق الكافرين، للإجماع، وتواترِ الأحاديث بالشفاعة في المؤمنين. 
وقوله تعالى : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ \[ البقرة : ٤٨ \]. 
قال أبو العالية العَدْلُ : الفدية. 
قال :( ع ) عدل الشيْءِ هو الذي يساويه قيمةً وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْلُ، بكسر العين : هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه، والضمير في قوله : وَلاَ هُمْ  عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآيةُ، ويحتمل أن يعود على النفسينِ المتقدِّمِ ذكرُهما، لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنْسِ وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا، فإِن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلَّص إِلاَّ بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى. 
( ت ) أو يمنّ عليه إلا أنَّ الكافرَ ليس هو بأهلٍ لأنْ يمنّ عليه.

### الآية 2:49

> ﻿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [2:49]

وقوله تعالى : وَإِذْ نجيناكم مِّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ \[ البقرة : ٤٩ \]. 
أي : خلَّصناكم وَآل : أصْلُهُ أَهْل قلبت الهاء أَلِفاً، ولذلك رَدَّها التصغيرُ إلى الأصل، فقيل : أُهَيْل، وآلُ الرجل قرابته، وشيعته، وأتباعه،  فرعونُ  اسمٌ لكلِّ من ملك من العَمَالِقَةِ بمصْرَ، وفرعونُ موسى، قيل : اسمه مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّان، وقال ابْن إِسحاق : اسمه الوليدُ بْنُ مُصْعب، وروي أنه كان من أهل إِصْطَخْر وَرَدَ مِصْرَ، فاتفق له فيها المُلْك، وكان أصل كون بني إِسرائيل بمصر نزولَ إسرائيل بها زمَنَ ابنه يُوسُفَ عليهما السلام. 
و يَسُومُونَكُمْ  معناه : يأخذونكم به، ويُلْزمُونَكم إياه، والجملة في موضعِ نصبٍ على الحال، أي : سائمين لكم سُوءَ العذاب، وسوءُ العذاب أشدُّه وأصعبه، وكان فرعَوْنُ على ما روي قد رأى في منامه ناراً خرجَتْ من بيت المقْدِس، فأحرقت بيوتَ مِصْرَ، فأولت له رؤياه أنَّ مولوداً من بني إسرائيل ينشأ فيخرب مُلْكَ فرعون على يَدَيْهِ، وقال ابن إسْحَاق، وابن عبَّاس، وغيرهما : إن الكهنة والمنجِّمين قالُوا لفرعون : قد أظلك زمانُ مولودٍ من بني إسرائيل يخرب مُلْكَك. 
و يُذَبِّحُونَ  بدلٌ من  يَسُومُونَ ،  ذلكم  إشارةٌ إلى جملة الأمر، و بَلاءٌ  معناه : امتحان واختبار، ويكون البلاء في الخير والشر، وحكى الطبريُّ، وغيره في كيفية نجاتهم أن موسى عليه السلام أوحى إلَيْه أن يسري من مصر ببني إِسرائيل، فأمرهم موسى أن يستعيروا الحُلِيَّ والمتاعَ من القِبْطِ، وأحل اللَّه ذلك لبني إسرائيل، ويروى أنهم فعلوا ذلك دون رَأْيِ موسى عليه السلام، وهو الأشبه به، فسرى بهم موسى من أول الليْلِ، فأعلم بهم فرعون، فقال : لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدِّيَكَةُ، فلم يَصِحْ تلك الليلة بمصر دِيكٌ حتى أصبح، وأمات اللَّه تلك الليلةَ كثيراً من أبناء القِبطِ، فاشتغلوا بالدَّفْنِ، وخرجوا في الأتباع مشرِّقين، وذهب موسى عليه السلام إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني إِسرائيل نيِّفاً على ستِّمائة ألف، وكانت عِدَّة فرعون أَلْفَ ألْفٍ ومِائَتَي ألْفٍ، وحكي غير هذا مما اختصرته لقلَّة ثبوته، فلما لحق فرعَوْنُ موسى ظن بنو إِسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لموسى : أين أُمِرْتَ ؟ فقال : هكذا، وأشار إلى البحر، فركض يُوشَعُ فرسه حتى بلغ الغَمْرَ، ثم رجع فقال لموسى : أين أُمِرْتَ ؟ فواللَّه : ما كَذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، فأشار إِلى البحر، وأوحى اللَّه تعالى إليه أنِ اضرب بعصاك البَحْرَ وأوحى اللَّه إلى البحر أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد فانفلَقَ، وكان ذلك في يَوْمِ عَاشُورَاءَ.

### الآية 2:50

> ﻿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:50]

وقوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر \[ البقرة : ٥٠ \]
 فَرَقْنَا  : معناه جعلْنَاه فِرَقاً، ومعنى  بِكُمُ  أي بسببكم، و البحر  هو بحر القُلْزُمِ، ولم يفرق البحر عَرْضاً من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ، بسبب جبالٍ وأوعار حائلة، وقيل انفرق البحْرُ عَرْضاً على اثني عَشَرَ طَريِقا طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة : غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسى عليه السلام : اللهمَّ أَعِنِّي على أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق، يرى بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم على مَاذِيَانةٍ يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ : مَهْلاً حتى يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة، فاتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبَقَ البحْرُ عليهم، فغرقوا، وَ تَنظُرُونَ \[ البقرة : ٥٠ \] قيل : معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل : ببصائركم للاعتبار، لأنهم كانوا في شُغُلٍ، قال الطبريُّ : وفي أخبار القرآن على لسان النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل، دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائمْ عليهم بنبوءة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 2:51

> ﻿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:51]

وموسَى : اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ : هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخَليِلِ صلى الله عليه وسلم. 
وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى : وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً \[ البقرة : ٥١ \] إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش : وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم، لأنه لو ذكر الأيام لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها. 
قال :( ع ) حدَّثني أبي رضي اللَّه عنه قال : سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ رحمه اللَّه، يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى، في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول : أين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ، من قوله حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم : آتِنَا غَدَاءَنَا  \[ الكهف : ٦٢ \]. 
( ت ) وأيضاً في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب، حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام. 
قال :( ع ) وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد. 
وقوله تعالى : ثُمَّ اتخذتم العجل \[ البقرة : ٥١ \]. 
أي إلهاً، والضمير في  بَعْدِهِ  يعود على موسى، وقيل : على انطلاقه للتكليمِ، إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم : إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغَيْرِ إذن موسى عليه السلام، وهو الأشبه، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى : ولكنا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا  \[ طه : ٨٧ \] فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى : إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ، والهدى لكم، فلما جازوا البحر طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا : هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال : إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل : لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة : أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة : كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً، وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له : كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل : إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين. 
وقيل : بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون، وقيل : بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار، حتى يجيء موسى، وروي وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة أو نحوِها، وجاء السامريُّ فطرح القبضة، وقال : كن عجلاً. 
وقيل : إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. 
وقيل : بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ. 
( ت ) والذي في القرآن  يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَهُمْ  \[ الأعراف : ١٣٨ \] قيل : كانت على صور البقر،  َقَالُواْ يا مُوسَى اجعل لَنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَة  \[ الأعراف : ١٣٨ \] فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه، والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتْلُ، وبلغ سبعين ألفاً، عفا اللَّه عنهم، وجعل من مات شهيداً، وتاب على البقية، فذلك قوله سبحانه : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم \[ البقرة : ٥٢ \] وقال بعض المفسِّرين : وقف الذين عبدوا العجْلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم، وقالت طائفة : جلس الذين عبدوا بالأفْنِيَةِ، وخرج يُوشَعُ بنُ نُونٍ ينادي : ملعونٌ مَن حَلَّ حُبْوَتَهُ، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى صلى الله عليه وسلم في خلالِ ذلك يدعو لقومه، ويَرْغَبُ في العفو عنهم، وإِنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال، لأنهم لم يغيِّروا المُنْكَرَ، حين عُبِدَ العِجْلُ. 
 وَأَنتُمْ ظالمون \[ البقرة : ٥١ \] ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ، والعفو تغطيةُ الأثر، وإِذهابُ الحالِ الأول، من الذنب أو غيره. 
( ت ) ومنه الحديثُ فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تعفي أَثَرَهَا. 
قال( ع ) : ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذَّنْبِ.

### الآية 2:52

> ﻿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:52]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥١:وموسَى : اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ : هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخَليِلِ صلى الله عليه وسلم. 
وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى : وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً \[ البقرة : ٥١ \] إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش : وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم، لأنه لو ذكر الأيام لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها. 
قال :( ع ) حدَّثني أبي رضي اللَّه عنه قال : سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ رحمه اللَّه، يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى، في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول : أين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ، من قوله حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم : آتِنَا غَدَاءَنَا  \[ الكهف : ٦٢ \]. 
( ت ) وأيضاً في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب، حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام. 
قال :( ع ) وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد. 
وقوله تعالى : ثُمَّ اتخذتم العجل \[ البقرة : ٥١ \]. 
أي إلهاً، والضمير في  بَعْدِهِ  يعود على موسى، وقيل : على انطلاقه للتكليمِ، إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم : إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغَيْرِ إذن موسى عليه السلام، وهو الأشبه، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى : ولكنا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا  \[ طه : ٨٧ \] فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى : إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ، والهدى لكم، فلما جازوا البحر طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا : هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال : إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل : لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة : أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة : كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً، وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له : كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل : إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين. 
وقيل : بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون، وقيل : بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار، حتى يجيء موسى، وروي وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة أو نحوِها، وجاء السامريُّ فطرح القبضة، وقال : كن عجلاً. 
وقيل : إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. 
وقيل : بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ. 
( ت ) والذي في القرآن  يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَهُمْ  \[ الأعراف : ١٣٨ \] قيل : كانت على صور البقر،  َقَالُواْ يا مُوسَى اجعل لَنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَة  \[ الأعراف : ١٣٨ \] فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه، والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتْلُ، وبلغ سبعين ألفاً، عفا اللَّه عنهم، وجعل من مات شهيداً، وتاب على البقية، فذلك قوله سبحانه : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم \[ البقرة : ٥٢ \] وقال بعض المفسِّرين : وقف الذين عبدوا العجْلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم، وقالت طائفة : جلس الذين عبدوا بالأفْنِيَةِ، وخرج يُوشَعُ بنُ نُونٍ ينادي : ملعونٌ مَن حَلَّ حُبْوَتَهُ، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى صلى الله عليه وسلم في خلالِ ذلك يدعو لقومه، ويَرْغَبُ في العفو عنهم، وإِنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال، لأنهم لم يغيِّروا المُنْكَرَ، حين عُبِدَ العِجْلُ. 
 وَأَنتُمْ ظالمون \[ البقرة : ٥١ \] ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ، والعفو تغطيةُ الأثر، وإِذهابُ الحالِ الأول، من الذنب أو غيره. 
( ت ) ومنه الحديثُ فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تعفي أَثَرَهَا. 
قال( ع ) : ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذَّنْبِ. ---

### الآية 2:53

> ﻿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:53]

والكتابُ هنا هو التوراةُ بإجماع، واختلف في الفُرْقَانِ هنا، فقال الزجَّاج وغيره : هو التوراة أيضاً كرر المعنى لاختلاف اللفظ، وقال آخرون : الكتاب التوراةُ، والفرقانُ سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام، لأنها فَرَقَتْ بين الحق والباطل، واختلف هل بقي العجْلُ مِنْ ذَهَب. 
فقال ذلك الجمهور، وقال الحسن بن أبي الحسن : صار لحماً ودماً، والأول أصحُّ.

### الآية 2:54

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:54]

( ت ) وقوله تعالى : فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ \[ البقرة : ٥٤ \]. 
عن أبي العالية إلى خالقكم مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الخَلْقَ، أي : خلقهم، فالبريئة فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة. انتهى من مختصر أبي عبد اللَّه اللَّخْميِّ النحوي للطبريِّ.

### الآية 2:55

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:55]

وقوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى \[ البقرة : ٥٥ \]. 
يريد السبعينَ الذين اختارهم موسى، واختلف في وقت اختيارهمْ. 
فحكى أكثر المفسِّرين أن ذلك بعد عبادة العجل، فاختارهم ليستغفِروا لبني إسرائيل، وحكى النقَّاش وغيره، أنه اختارهم حين خَرَجَ من البحْرِ، وطلب بالميعاد، والأول أصح. 
وقصة السبعين أنَّ موسى عليه السلام، لما رجع من تكليم اللَّه تعالى، ووجد العجْلَ قد عُبِدَ، قالتْ له طائفة ممَّن لم يعبد العجلَ : نحن لم نكْفُرْ، ونحن أصحابك، ولكنْ أسمعْنَا كلام ربِّك، فأوحى اللَّه إِليه أن اختَرْ منهم سَبْعِينَ، فلم يجد إلا ستِّين، فأوحى إليه أن اختر من الشباب عَشَرةً، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستَّةً من كلِّ سبط، فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحُّوا فيمن يتأخَّر، فأُوحِيَ إِليه أنَّ من تأخَّر له أجْرُ مَنْ مضى، فتأخَّر يوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكَالُوثُ بْنُ يُوفَنَّا، وذهب موسى عليه السلام بالسبْعين، بعد أن أمرهم أن يتجنَّبوا النساء ثلاثاً، ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجَبَلَ، فألقي عليهم الغمام، قال النَّقَّاش : غشيتهم سحابة، وحِيلَ بينهم وبين موسى بالنور، فوقعوا سجوداً، قال السُّدِّيُّ وغيره : وَسَمِعوا كلامَ اللَّهِ يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطتْ أذهانهم، ورَغِبُوا أن يكون موسى يسمع ويعبِّر لهم، ففعل، فلما فرغوا وخرجوا، بدَّلت منهم طائفةٌ ما سمعت من كلام اللَّهِ، فذلك قوله تعالى : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كلام الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ  \[ البقرة : ٧٥ \] واضطرب إيمانهم، وامتحنهم اللَّه تعالى بذلك، فقالوا : لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً \[ البقرة : ٥٥ \]، ولم يطلبوا من الرؤية محالاً، أما إِنه عند أهل السُّنَّة ممتنعٌ في الدنيا من طريق السمع، فأخذتهم حينئذ الصاعقةُ فاحترقوا، وماتوا موْتَ همودٍ، يعتبر به الغَيْرُ، وقال قتادة : ماتوا وذهبت أرواحهم، ثم رُدُّوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود، جعل موسى يناشد ربَّه فيهم، ويقول : أيْ ربِّ، كيف أرجع إِلى بني إِسرائيل دونهم ؟ فيَهْلِكُون، ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا، وهم الأخيار. 
قال :( ع ) يعني هم بحال الخير وقْتَ الخروج، وقال قومٌ : بل ظن موسى أنَّ السبعين، إِنما عوقبوا بِسَبَبِ عبادة العجْلِ، فذلك قوله : أَتُهْلِكُنَا  يعني السبعين : بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا \[ الأعراف : ١٥٥ \] يعني : عَبَدَةَ العجلِ، وقال ابن فورك : يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى : أَرِنَا  \[ النساء : ١٥٣ \] وليس ذلك من مقدورِ موسى عليه السلام. 
قال :( ع ) ومن قال : إن السبعين سَمِعُوا ما سمع موسى، فقد أخطأ، وأذهب فضيلةَ موسى واختصاصه بالتكْلِيم. 
و جَهْرَةً  : مصدر في موضع الحالِ، والجهرُ العلانيةُ، ومنه الجَهْرُ ضد السر، وجَهَرَ الرَّجُلُ الأَمْرَ : كشفه، وفي **«مختصر الطبريِّ »** عن ابن عبَّاس : جَهْرَةً  قال علانيةً، وعن الربيع : جَهْرَةً  عياناً. انتهى.

### الآية 2:56

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:56]

وقوله تعالى : ثُمَّ بعثناكم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ \[ البقرة : ٥٦ \]. 
أجاب اللَّه تعالى فيهم رغبةَ موسى عليه السلام، وأحياهم من ذلك الهمودِ، أو الموت، ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإِثارة، و لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ \[ البقرة : ٥٦ \] أي : على هذه النعمة، والترجِّي إِنَّمَا هو في حق البَشَر.

### الآية 2:57

> ﻿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [2:57]

وذكر المفسِّرون في تظليل الغمامِ، أنَّ بني إِسرائيل لما كان من أمرهم ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص التِّيه بَيْن مصْر والشَّام، فأُمِرُوا بقتال الجَبَّارين فَعَصَوْا، وقالوا : فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا  \[ المائدة : ٢٤ \] فدعا موسى عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحْص أربعين سَنَةً، يتيهون في مقدارِ خَمْسَة فراسِخَ أو ستَّةٍ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كلَّه، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيثُ كانوا بكرةَ أَمْسِ، فندم موسى على دعائه علَيْهم، فقيل له : فلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين  \[ المائدة : ٢٦ \]. 
وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التِّيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحْصِ التيه، وقاتلوا الجَبَّارين، وإذ كان جميعُهم في التيه، قالوا لموسى : من لنا بالطعامِ ؟ قال : اللَّه، فأنزل اللَّه عليهم المَنَّ والسلوى، قالوا : مَنْ لنا من حَرِّ الشمس ؟ فظلَّل عليهم الغمامَ، قالوا : بِمَ نستصْبِحُ بالليل، فضَرَبَ لهم عمودَ نُورٍ في وَسَطَ مَحَلَّتهم، وذكر مكِّيٌّ عمود نار، قالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر موسى بضرب الحَجَرِ، قالوا : من لنا باللباس ؟ فَأُعْطُوا أنَّ لا يبلى لهم ثوبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأن تنمو صِغَارُهَا حَسَب نُمُوِّ الصبيانِ، والمَنُّ صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ هذا قول فرقةٍ، وقيل : هو عسل، وقيل : شراب حُلْوٌ، وقيل : الذي ينزل اليوْمَ على الشجَر، وروي أنَّ المَنَّ كان ينزل عليهم من طُلُوع الفَجْر إلى طُلُوع الشمس، كالثلج فيأخذ منه الرجُلُ ما يكفيه ليومه، فإِنِ ادَّخَرَ فسد عليه إِلا في يوم الجمعة، فإِنهم كانوا يدَّخرون ليوم السبْتِ فلا يفسد عليهم، لأن يوم السبت يومُ عبادةٍ، والسلوى طيرٌ بإِجماع المفسِّرين، فقيل : هو السُّمَّانا. 
وقيل : طائر مثل السُّمَّانَا، وقيل : طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجَنُوب. 
( ص ) قال ابن عطيَّة : وغلط الهُذَلِيُّ في إِطلاقه السلوى على العَسَلِ حيث قال :\[ الطويل \]

وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ عَهْداً لأنْتُمُ  أَلَذُّ مِنَ السلوى إِذَا مَا نَشُورُهَا( ت ) قد نقل صاحبُ المختصر، أنه يطلق على العَسَلِ لغةً فلا وجه لتغليطه، لأنَّ إِجماع المفسِّرين لا يمنع من إِطلاقِهِ لغةً بمعنى آخر في غير الآية. انتهى. 
وقوله تعالى : كُلُواْ. . .  \[ البقرة : ٥٧ \]. 
معناه وقلنا : كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهرة عليه، والطَّيِّبَاتُ، هنا جَمَعَتِ الحلال واللذيذ. 
( ص ) وقوله : وَمَا ظَلَمُونَا \[ البقرة : ٥٧ \] قدَّر ابن عطية قبل هذه الجملةِ محذوفًا أي : فَعَصوْا، وما ظَلَمُونا وقدَّر غيره : فظَلَمُوا ومَا ظَلَمُونَا، ولا حاجَة إِلى ذلك، لأن ما تقدَّم عنهم من القبائِح يُغْنِي عنه انتهى. 
( ت ) وقول أبي حَيَّان : لا حاجة إلى هذا التقديرإِلى آخره : يُرَدُّ بأن المحذوفاتِ في الكلام الفصيحِ هذا شأنها، لا بد من دليل في اللفظ يدلُّ عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوحِ والخفاءِ، فأما حذف ما لا دليل عليه، فإِنه لا يجوزُ.

### الآية 2:58

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [2:58]

وقوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ \[ البقرة : ٥٨و٥٩و٦٠ \]. 
 القَرْيَةَ  : المدينةُ، سمِّيت بذلك لأنها تَقَرَّتْ أي : اجتمعت، ومنه : قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي : جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقْدِسِ في قول الجمهور، وقيل : إلى أَرِيحَاء، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شَبَّة : كانت قاعدةً ومسْكنَ ملوكٍ ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ فماتوا فيه، وروي أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه لأنه عَذَابٌ والأول أكْثَرُ. 
( ت ) لكن ظاهر قوله : فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين  \[ المائدة : ٢٥ \] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإِمام الفَخْر. انتهى. 
وَ كُلُواْ  إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغَلَّة، فلذلك قال : رَغَدًا . 
والباب، قال مجاهد : هو باب في مدينة بَيْت المَقْدِسِ يُعْرَفُ إِلى اليوم بباب حِطَّة، و سُجَّدًا  قال ابن عبَّاس معناه : ركوعاً، وقيل : متواضعين خضوعاً، والسجودُ يعم هذا كلَّه، و حِطَّة  فِعْلَةٌ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء كأنهم قالوا سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة وغيره : أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا :**«لا إِله إِلاَّ اللَّهُ »** لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ، وقال ابن عَبَّاس : قيل لهم : استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم. 
( ت ) قال أحمد بن نصرٍ الدَّاوُدِيُّ في **«تفسيره »** :" وَرُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَارَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ : قُولُوا : نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ : وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ على بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا " انتهى. 
وحكي عن ابن مَسْعود وغيره، أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا : حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ على أَسْتَاِهِمْ، ويَقُولُونَ : حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ ويروى غير هذا من الألفاظ. 
وقوله تعالى : وَسَنَزِيدُ المحسنين \[ البقرة : ٥٩ \]. 
عِدَةٌ المعنى : إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم، وقولِكُمْ زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال : لا إله إلا اللَّه، فقيل : هم المراد ب  المحسنين  هنا.

### الآية 2:59

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [2:59]

وقوله تعالى : فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ \[ البقرة : ٥٩ \]. 
روي أنهم لما جاءوا الباب دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث ( أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ على أَسْتَاِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا : حَبَّة في شَعْرَة ) وقيل : قالوا : حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل : شعيرة، وحكى الطبريُّ، أنهم قالوا :**«هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه »** وتفسيره ما تقدَّم، وفي اختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال : أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّداً، ويقولُوا : حِطَّة، وطُؤْطِئ لهم البابُ، ليسجدوا فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا : حِنْطَة. 
وذكر عزَّ وجلَّ فعل سلفهم تنبيهاً أنَّ تكذيبهم لمحمَّد صلى الله عليه وسلم جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم بهم، واستهزائهم بأمر ربِّهم انتهى. 
و( الرِّجْز ) العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره : فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفاً، وقال ابن عبَّاس : أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفاً على عشرينَ ألْفاً.

### الآية 2:60

> ﻿۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [2:60]

و استسقى  : معناه : طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ استفعل طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى : واستغنى الله  \[ التغابن : ٦ \]، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالى بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأسِ الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر، لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً مربَّعاً منْفَصِلاً تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسى، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ ورحَلُوا جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ تقديره : فضربه فانفجرت الانفجار : انصداع شيء عن شَيْء، ومنه الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار، 
و أُنَاسٍ  : اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه ومعناه هنا : كلُّ سِبْطٍ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ، أولادُ يعقُوبَ عليه السلام. 
وقوله سبحانه : كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله. . .  الآية\[ البقرة : ٦٠ \]. 
( ت ) رُوِّينَا من طريق أنس بن مالك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :( إنَّ اللَّهَ ليرضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ) رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ انتهى. 
والمَشْرَبُ : موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون لا يتعداها. 
 وَلاَ تَعْثَوْاْ  : معناه : ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ. 
( ص )،  مُفْسِدِينَ  حالٌ مؤكِّدة، لأن : ولاَ تَعْثَوْا  معناه : لا تفسدوا انتهى.

### الآية 2:61

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [2:61]

وقوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد. . .  \[ البقرة : ٦١ \]. 
كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس، وأكثر المفسِّرين : الفُومُ الحِنْطَة، وقال قتادة وعطاء : الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز، وقال الضحَّاك : الفوم : الثُّوم وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ، كما قالوا : مَغَاثِيرُ ومَغَافِير. 
( ت ) قال أحمد بن نصر الدَّاوُديُّ : وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي : من العَدَسِ والبَصَلِ انتهى. 
 وَأَدْنَى  : قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ. مأخوذٌ من الدَّنِيءِ البيِّنِ الدناءةِ، بمعنى : الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره : هو مأخوذ من الدُّون أي : الأحط، فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية : أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ، الَّتي هي أدنى، بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ. 
وجمهور النَّاس يقرءون  مِصْراً  بالتنوين، قال مجاهدٌ وغيره : أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم، بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة : أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم قال في **«مختصر الطبريِّ »** : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى : أنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم واستعبادكم وأسْركم، ثمَّ قال : والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها واللَّه أعلم، انتهى. 
وقوله تعالى : فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ \[ البقرة : ٦١ \]. 
يقتضي أنه وَكَلَهُمْ إِلى أنفسهم،  وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة \[ البقرة : ٦١ \] معناه : ألزموها كما قالت العربُ : ضَرْبَةُ لاَزِبٍ،  وَبَاءُو بِغَضَبٍ \[ البقرة : ٦١ \] معناه : مروا متحمِّلين له، قال الطبري : باءووا به، أي : رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ. انتهى. 
وقوله تعالى : ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق \[ البقرة : ٦١ \]. 
الإشارة بذلك إلى ضرب الذلَّة، وما بعدهُ. وقوله تعالى : بِغَيْرِ الحق  تعظيمٌ للشنعة والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في **«بِمَا »** باء السبب. 
و يَعْتَدُونَ  معناه : يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.

### الآية 2:62

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:62]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين. . .  \[ البقرة : ٦٢ \]. 
اختلف في المراد ب  الذين ءَامَنُواْ  في هذه الآية، 
فقالت فرقة : الذين آمنوا  هم المؤمنون حقًّا بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقوله : مَنْ ءَامَنَ بالله  يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق : بمعنى : مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ : هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمَّداً صلى الله عليه وسلم،  والذين هَادُوا ، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمَّداً صلى الله عليه وسلم  والذين هَادُواْ  هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك، لقولهم :
 هُدْنَا إِلَيْكَ  \[ الأعراف : ١٥٦ \]، أي : تبنا،  والنصارى  لفظةٌ مشتقَّة من النَّصْرِ. 
قال :( ص )،  والصابئين  : قرأ الأكثر بالهمز من صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي : خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي : مَالَ ومنه :\[ الهزج \]

إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي  وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِيانتهى. 
قال :( ع ) والصَّابِيُ، في اللغة : من خرج من دين إلى دين. 
وأما المشار إليهم في قوله تعالى : والصابئين  فقال السديُّ : هم فرقة من أهل الكتاب، وقال مجاهد : هم قوم لا دِينَ لهم، وقال ابنُ جرَيج : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة، وقال ابنُ زَيْد : هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ، كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة : هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور، رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ.

### الآية 2:63

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:63]

وقوله تعالى : وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور. . .  \[ البقرة : ٦٣ \]. 
 الطور  : اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام، قاله ابنُ عبَّاس، وقال مجاهدٌ وغيره : الطور  : اسمٌ لكلِّ جبلٍ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح فيها التوراة، قال لهم : خُذُوهَا والتزموها، فقَالُوا : لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا ثم أُحْيُوا، فقال لهم : خُذُوها، فقالوا : لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَاراً من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم : خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء : لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم على شِقٍّ، لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل خوْفاً، فلما رحمهم اللَّه سبحانه، قالوا : لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم على شِقٍّ واحدٍ. 
قال :( ع ) والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهاً، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال : وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين. 
وَ بِقُوَّةٍ  : قال ابن عباس معناه : بجِدٍّ واجتهاد. 
وقال ابن زيد معناه : بتصديق وتحقيق. 
 واذكروا مَا فِيهِ ، أي : تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره، ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه.

### الآية 2:64

> ﻿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [2:64]

وقوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُم. . . \[ البقرة : ٦٤ \]. 
( تولَّى ) أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ والأديانِ والمعتقداتِ اتِّساعاً ومجازاً، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ، لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يُؤْمِنُ.

### الآية 2:65

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [2:65]

وقوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت. . . \[ البقرة : ٦٥ \].  علمتمْ  معناه : عرفتم، و السَّبْتُ  مأْخوذٌ من السُّبُوت الَّذِي هو الراحةُ والدَّعَة، وإِما من السبت، وهو القَطْع لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتمَّت خِلْقَتُها، وقصَّة اعتدائهم فيه أن اللَّه عز وجلَّ أمر موسى عليه السلام بيَوْمِ الجُمُعَةِ، وعرَّفه فَضْلَه، كما أمر به سائر الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فذكر موسى ذلك لبني إِسرائيل عن اللَّه سبحانه، وأمرهم بالتشرُّع فيه، فأبوا وتعدَّوْه إلى يوم السَّبْت، فأوحى اللَّه إلى موسى أنْ دَعْهم، وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأنْ أمرهم بترك العَمَل فيه، وحرَّم عليهم صَيْدَ الحِيتَانِ، وشدَّد عليهم المِحْنَة، بأن كانت الحِيتَانُ تأتي يوم السبْتِ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن. 
وقيل حتى تخرج خراطيمُهَا من الماء، وذلك إِما بإِلهامٍ من اللَّه تعالى، أو بأمر لا يعلَّل، وإما بأن ألهمها معنى الأَمَنَةِ التي في اليومِ مع تكراره، كما فَهِمَ حمام مَكَّة الأَمَنَةَ، وكان أمر بني إِسرائيل بِأَيْلَةَ على البحْر، فَإِذا ذهب السَّبْت ذهبت الحيتان، فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقُوا على ذلك زماناً، حتى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فعَمَدَ رجُلٌ يوم السبْتِ فربط حوتاً بخزمة، وضرب له وَتِداً بالساحل، فلما ذهب السَّبْتُ جاء فأخذه، فسَمِع قومٌ بفعْلِهِ، فصنعوا مثْلَ ما صنع. 
وقيل : بل حفر رجُلٌ في غير السَّبْت حَفِيراً يخرج إِلَيْه البحر، فإِذا كان يوم السبت خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر ذهب الماء من طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت فأخذه، ففعل قَوْمٌ مثْلَ فعله، وكَثُرَ ذلك حتى صادوه يوم السبت علانيةً، وباعوه في الأسواقِ، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إِسرائيل فرقةٌ نهَتْ عن ذلك، فنجَتْ من العقوبة، وكانت منهم فرقةٌ لم تَعْصِ ولم تَنْهَ، فقيل : نجت مع الناهين، وقيل : هلَكَتْ مع العاصينَ. 
وَ كُونُواْ  لفظةُ أمر وهو أمر التكوينِ، كقوله تعالى لكُلِّ شَيْءٍ : كُنْ فَيَكُونُ  \[ البقرة : ١١٧ \]، قال ابن الحاجب في مختصره الكَبِيرِ المسمى ب **«منتهى الوُصُولِ »** : صيغةُ : أفعل وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملاً. 
الوجوبُ  وأَقِمِ الصلاة  \[ هود : ١١٤ \] والنَّدْبُ  فكاتبوهم  \[ النور : ٣٣ \]. 
والإِرشادُ  وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  \[ البقرة : ٢٨٢ \] والإِباحةُ  فاصطادوا  \[ المائدة : ٢ \]. 
والتأديب كُلْ مِمَّا يَلِيكَ، والامتنانُ : وكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله  \[ المائدة : ٨٨ \]. والإِكرامُ  ادخلوها بِسَلامٍ  \[ الحجر : ٤٦ \] والتَّهديد  اعملوا مَا شِئْتُمْ  \[ فصلت : ٤٠ \]، والإِنذار  تَمَتَّعُواْ  \[ هود : ٦٥ \] والتسخيرُ  كُونُواْ قِرَدَةً  \[ البقرة : ٦٥ \]، والإِهانة : كُونُواْ حِجَارَةً  \[ الإسراء : ٥٠ \] والتَّسويةُ : فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ  \[ الطور : ١٦ \]، والدعاءُ  واغفر لَنَا  \[ البقرة : ٢٨٦ \]، والتمنِّي :\[ الطويل \]
أَلاَ انجلي \*\*\* وكمالُ القدرة  كُنْ فَيَكُونُ  \[ البقرة : ١١٧ \]، انتهى. 
وزاد غيره كونها للتعجيزِ أعني صيغةَ أفعل. 
قال ابن الحاجِبِ، وقد اتفق على أنها مجازٌ فيما عَدَا الوُجُوبَ، والنَّدْبَ، والإِباحةَ، والتهديدَ، ثم الجمهورُ على أنها حقيقةٌ في الوجوب، انتهى. 
و خاسئين  معناه : مُبْعَدِينَ أذلاَّء صاغِرِينَ، كما يقال للكَلْب وللمطْرُود إخسأ، وروي في قصصهم أنَّ اللَّه تعالى مسخ العاصِينَ قردَةً في الليل، فأصبح الناجُونَ إلى مساجِدِهِمْ ومجتمعاتِهِمْ، فلم يروا أحداً من الهالكينَ، فقالوا : إِن للنَّاس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبوابَ، لما كانت مغْلَقة باللَّيْل، فوجدوهم قردَةً، يعرفون الرجُلَ والمرأة. 
وقيل إن الناجينَ كانُوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القريَةَ بجِدَارٍ تَبَرِّياً منهم، فأصبحوا ولم تفتحْ مدينةُ الهالكين، فتسوَّروا عليهم الجدارَ، فإِذَا هم قردةٌ يثبُ بعضُهم على بعْضٍ. 
وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وثبت أنَّ المُسُوخَ لا تنسل ولا تأكل ولا تشرَبُ، ولا تعيشُ أكثَرَ من ثلاثة أيامٍ، ووقع في كتاب مسْلِمٍ عنه صلى الله عليه وسلم ( إنَّ أُمَّةً من الأُمَمِ فُقِدَتْ، وَأُرَاهَا الفأر )، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا فهو ظَنٌّ منه صلى الله عليه وسلم في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل، ونظير ما قُلْناه نزولُهُ صلى الله عليه وسلم على مياهِ بَدْرٍ، وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلى الله عليه وسلم :( إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا فإِنما أنا بشَرٌ مثلُكُم ).

### الآية 2:66

> ﻿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [2:66]

والضمير في  جَعَلْنَاهَا \[ البقرة : ٦٦ \] يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية، إِذ معنى الكلام يقتضيها، و نكالا \[ البقرة : ٦٦ \] الزجْرُ بالعقاب، و لمَّا بَيْنَ يَدَيْهَا \[ البقرة : ٦٦ \] قال السُّدِّيُّ : ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم،  وما خَلْفها \[ البقرة : ٦٦ \] لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب، وقال غيره : لما بين يدَيْها  من حضرها من الناجين،  وما خلفها  أي : لمن يجيءُ بعدها، وقال ابن عبَّاس : لما بين يديها وما خلْفَها  من القرى. 
 وَمَوْعِظَةً \[ البقرة : ٦٦ \] من الاتعاظ والازدجار، و لِّلْمُتَّقِينَ \[ البقرة : ٦٦ \] معناه : الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ : معناه لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.

### الآية 2:67

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [2:67]

وقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ. . .  \[ البقرة : ٦٦ \] المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي، أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل : أخوه، وقيل : ابنا عمه، وقيل : ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ ديته ويلطِّخهم بدمه. 
وقيل : كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه، حتى وجده قتيلاً فتعلَّق بالسبط أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء، حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى منهم : أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم : إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً \[ البقرة : ٦٧ \]، فكان جوابهم أنْ قَالُواْ : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا \[ البقرة : ٦٧ \] وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله : ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال : إن اللَّه يأمرُ بكذا : أتتخذُنَا هُزُواً \[ البقرة : ٦٧ \] ولو قال ذلك اليوْمَ أحدٌ عن بعض أقوال النبيِّ صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره. 
وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى عليه السلام : أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين \[ البقرة : ٦٧ \] يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ :
أحدهما : الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئاً. 
والآخر : من الجهل كما جهلوا في قولهم.

### الآية 2:68

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [2:68]

وقوله تعالى : قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ  \[ البقرة : ٦٨ \]. 
هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم، قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره. 
و الفارض  المسنَّة الهَرِمَة، و البِكْر  من البقر التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت  عَوَانٌ  على خبر ابتداءِ مضمرٍ تقديره هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة. 
قال ( م ) قال الجَوْهَرِيُّ : والعَوَانُ النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عُونٌ انتهى. 
( ت ) قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان :\[ الرجز \]

معنى عَوَانٌ نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ  وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْوكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً فمن أرجوزته هذه. 
وقوله : فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ \[ البقرة : ٦٨ \] تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه.

### الآية 2:69

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [2:69]

قال ابنُ زَيْد : وجمهورُ الناسِ في قوله  صَفْرَاءُ \[ البقرة : ٦٩ \] أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي **«مختصر الطبريِّ »**،  فَاقِعٌ لَّوْنُهَا \[ البقرة : ٦٩ \] أي صافٍ لونُها انتهى. 
والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة، كما خُصَّ أحمرُ بِقَانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره : الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية. 
وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إِلَيْهَا أَبَداً ).

### الآية 2:70

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [2:70]

الفأر»، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنّ منه صلّى الله عليه وسلم في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله صلّى الله عليه وسلم على مياهِ بَدْرٍ وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلّى الله عليه وسلم: إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم، والضمير في فَجَعَلْناها يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال:
 الزجر بالعقاب، ولِما بَيْنَ يَدَيْها. قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب **«١»**، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها **«٢»**، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القرى **«٣»**.
 وَمَوْعِظَةً: من الاتعاظ، والازدجار، ولِلْمُتَّقِينَ: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ٦٧ الى ٧٣\]
 وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)
 وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)
 وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ... الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته، ويلطّخهم بدمه.

 (١) ذكره ابن عطية في ****«التفسير»**** (١/ ١٦١)، والماوردي (١/ ١٣٦).
 (٢) ذكره ابن عطية في ****«التفسير»**** (١/ ١٦١).
 (٣) ذكره ابن عطية (١/ ١٦١)، وقد رجح هذا الخبر الذي رواه ابن عباس.

وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء **«١»** حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فكان جوابهم أنْ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لوجب تكفيره.
 وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
 أحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئاً.
 والآخر: من الجهل كما جهلوا في قولهم.
 ٢٤ ب وقوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ/... الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره **«٢»**.
 والفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت **«عَوَانٌ»** على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة.
 قال م: قال الجَوْهَرِيُّ **«٣»** : والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عون. انتهى.

 (١) اللّحاء- ممدود-: الملاحاة كالسّباب، ولاحى الرّجل وملاحاة ولحاء: شاتمه. ولاحيته ملاحاة ولحاء:
 إذا نازعته. ينظر: **«لسان العرب»** (٤٠١٥).
 (٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٨٩) برقم (١٢٣٩)، وذكره السيوطي في **«الدر»** (١/ ١٥١)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. كلاهما عن ابن عباس.
 (٣) إسماعيل بن حماد الجوهري، كان من أعاجيب الزمان ذكاء، وفطنة، وعلما، كان إماما في اللغة والأدب، قرأ على ابن علي الفارسي، والسيرافي. له: **«الصحاح»**، و **«مقدمة في النحو»**، مات سنة ٣٩٣ هـ.
 ينظر: **«البغية»** (١/ ٤٤٦، ٤٤٧). [.....]

ت: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ **«١»** في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: \[الرجز\]

معنى **«عَوَانٌ»** نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ  وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ وكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً، فمن أرجوزته هذه.
 وقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه. قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: صَفْراءُ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي **«مختصر الطبريِّ»** : فاقِعٌ لَوْنُها أي: صافٍ لونُها. انتهى.
 والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة كما خُصَّ أحمر بقانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية **«٢»**.
 وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر. ورُوِيَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: **«لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إليها أبدا»** **«٣»**.
 (١) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، محدث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة، زين الدين أبو الفضل، العراقي الأصل، الكردي. ولد سنة (٧٢٥)، أحب الحديث، وسمع كثيرا، وولع بتخريج أحاديث **«الإحياء»**، ورافق الزيلعي الحنفي، وكان مفرط الذكاء، أكثر الرحلة والسماع، أخذ عنه الهيثمي، وغيره كابن حجر وبرهان الدين الحلبي، صنف **«ألفية الحديث»** وعمل نكتا على ابن الصلاح، وشرع في تكملة شرح الترمذي تذييلا على ابن سيد الناس. ت (٨٠٦).
 ينظر: **«طبقات ابن قاضي شهبة»** (٤/ ٢٩)، **«الضوء اللامع»** (٤/ ١٧١)، **«إنباء الغمر»** (٥/ ١٧٠).
 (٢) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٦٣).
 (٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٣)، رقم (٧٢٧)، والبزار (٣/ ٤٠- كشف)، رقم (٢١٨٨)، وابن مردويه كما في **«تفسير ابن كثير»** (١/ ١١١)، كلهم من طريق عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: **«لولا أن بني إسرائيل قالوا: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ \[البقرة: ٧٠\] لما أعطوا، ولكن استثنوا»** وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد.
 وقال الهيثمي في **«المجمع»** (٦/ ٣١٩) : رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.
 وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.
 والحديث ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (١/ ١٥٠)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
 وللحديث شاهد مرسل عن عكرمة.
 ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (١/ ١٥٠)، وعزاه إلى سعيد بن منصور، والفريابي، وابن المنذر.

وقوله: لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، وتُثِيرُ الْأَرْضَ معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: **«تُثِيرُ»** فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، ومُسَلَّمَةٌ: بناء مبالغة من السلامة قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب **«١»**، وقال مجاهد: معناه: من الشّيات والألوان **«٢»**، وقيل: من العمل **«٣»**.
 ولا شِيَةَ فِيها، أي: لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أبقع، وثور أشبه كل ذلك بمعنى البلقة.
 وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة **«٤»**، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتطّ عليهم، فأتوا به موسى ٢٥ أعليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه. / فاشتروها منه بوزنها مرّة قاله عبيدة السّلمانيّ **«٥»**،

 (١) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٤- ٣٩٥) برقم (١٢٦٢- ١٢٦٣- ١٢٦٤)، عن قتادة وأبي العالية، وذكره السيوطي في **«الدر»** (١/ ١٥٢) عن أبي العالية، وعزاه لابن جرير.
 (٢) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٩٤).
 (٣) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٦٤).
 (٤) الغيضة: الأجمة، وهي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. ينظر: **«لسان العرب»** (٣٣٢٧).
 (٥) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٨) برقم (١٢٩٠) عن عبيدة السلماني من طريق محمد بن سيرين. كما أخرجه عبد الرزاق في التفسير (١/ ٤٩).
 وهو عبيدة بن عمرو السّلماني، قبيلة من **«مراد»**. مات النبي صلّى الله عليه وسلم وهو في الطريق. عن علي، وابن مسعود. وعنه الشعبي، والنخعي، وابن سيرين. قال ابن عيينة: كان يوازي شريحا في القضاء والعلم.
 قال أبو مسهر: مات سنة اثنتين وسبعين. وقال الترمذي: سنة ثلاث.
 ينظر: **«الخلاصة»** (٢/ ٢٠٧)، **«طبقات ابن سعد»** (٦/ ٩٣)، **«سير أعلام النبلاء»** (٤/ ٤٠)، **«العبر»** (١/ ٧٩)، و **«التقريب»** (١/ ٥٤٧).

وقيل: بوزنها مرتَيْنِ **«١»**. وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات **«٢»**، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير **«٣»**.
 والْآنَ: مبنيٌّ على الفتح **«٤»**، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وجِئْتَ بِالْحَقِّ: معناه عن من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ.
 وقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البقرة **«٥»**، وقيل: كان

 (١) ذكره ابن عطية الأندلسي (١/ ١٦٤)، ولم يذكر له سندا.
 (٢) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٨) برقم (١٢٨٢) عن السدي.
 (٣) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٨) برقم (١٢٨٤) بلفظ: **«كانت البقرة لرجل يبر أمه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له، فباعها بملء جلدها ذهبا»**. عن مجاهد. اهـ.
 (٤) واختلف في علّة بنائه، فقال الزجاج: **«لأنّه تضمّن معنى الإشارة لأنّ معنى أفعل الآن أي: هذا الوقت»**. وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لفظ واحد، من حيث إنه لا يثنّى ولا يجمع ولا يصغّر.
 وقيل: لأنه تضمّن معنى حرف التعريف وهو الألف واللام كأمس، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه ولم يعهد معرّف بأل إلّا معربا، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في **«الذي»** و **«التي»** وبابهما، ويعزى هذا للفارسي. وهو مردود بأنّ التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه.
 وهو لازم للظرفيّة ولا يتصرّف غالبا، وقد وقع مبتدأ في قوله- عليه السلام-: **«فهو يهوي في قعرها الآن حين انتهى»** فالآن مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدّم، و **«حين»** خبره، بني لإضافته إلى غير متمكّن، ومجرورا في قوله:
 أإلى الآن لا يبين ارعواء...
 **وادعى بعضهم إعرابه مستدلا بقوله:**كأنّهما ملآن لم يتغيّرا  وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر يريد: **«من الآن»** فجرّه بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر. وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماض، وأن أصله آن بمعنى حان فدخلت عليه أل زائدة واستصحب بناؤه على الفتح، وجعله مثل قولهم: **«ما رأيته مذ شبّ إلى دبّ»** وقوله عليه السلام: **«وأنهاكم عن قيل وقال»**، وردّ عليه بأنّ أل لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي أن يجوز إعرابه كنظائره، وعنه قول آخر أنّ أصله **«أوان»** فحذفت الألف ثم قلبت الواو ألفا، فعلى هذا ألفه عن واو، وقد أدخله الراغب في باب **«أين»** فتكون ألفه عن ياء، والصواب الأول.
 ينظر: **«الدر المصون»** (١/ ٢٦٠، ٢٦١).
 (٥) أخرجه الطبري (١/ ٣٩٧) برقم (١٢٧٩) بلفظ: **«من كثرة قيمتها»** قال العلامة أحمد شاكر: **«وفيه أبو معشر بن عبد الرحمن السندي المدني، وهو ضعيف»**. ، وذكره السيوطي في **«الدر»** (١/ ١٥٢)، وعزاه لابن جرير، وذكره الشوكاني في **«تفسيره»** (١/ ١٦٣).

### الآية 2:71

> ﻿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [2:71]

وقوله : لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض \[ البقرة : ٧١ \]، أي : غير مذللة بالعمل والرياضة، و تُثِيرُ الأرض  معناه : بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة أي : لا ذلول مثيرة، وقال قوم : تُثِيرُ  فعلٌ مستأنفٌ، والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ ولا تسقي، و  مُسَلَّمَةٌ  : بناء مبالغة من السلامة، قال ابن عبَّاس وغيره : معناه من العيوب، وقال مجاهد : معناه من الشِّيَاتِ والألوانِ، وقيل : من العمل، 
و  لاَّ شِيَةَ فِيهَا \[ البقرة : ٧١ \] أي : لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها، قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه : وَشْيُ الثَّوْب، تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة، يقال : فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أَبْقَعُ، وثَوْرٌ أَشْيَهُ، كل ذلك بمعنى البلقة، 
وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة، وقال : اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ قالت له أمه : إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة جاءت إلَيْه، حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة ساموا صاحبها، فاشتط عليهم، فَأَتَوْا به موسى عليه السلام، وقالوا له : إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى : أرضُوهُ في مِلْكِه، فاشتروها منه بِوَزْنِهَا مرَّةً، قاله عَبِيدة السَّلْمَانِيُّ، وقيل : بوزنها مرتَيْنِ وقيل : بوزنها عشْرَ مرَّات، وقال مجاهد : كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملْء جلْدها دنانير. 
و الئان  : مبنيٌّ على الفتح، معناه : هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضِي والمستقبلِ، و جِئْتَ بالحق  معناه : عند من جعلهم عُصَاةً بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر وإن نحرت أَجْزَأَ. 
وقوله تعالى : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ \[ البقرة : ٧١ \]. 
عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ : كان ذلك منهم لغلاء البَقَرة، وقيل كان ذلك خوف الفَضيحة في أمر القاتل.

### الآية 2:72

> ﻿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:72]

و  فادارءتم \[ البقرة : ٧٢ \] معناه : تدافَعْتُم قتْلَ القتيل، و فِيهَا  أي : في النَّفْس.

### الآية 2:73

> ﻿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:73]

وقوله تعالى : اضربوه بِبَعْضِهَا \[ البقرة : ٧٣ \]. 
آية من اللَّه تعالى على يدَيْ موسى عليه السلام، أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيلَ، فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل ضربوه، وقيل ضربوا قبره، لأن ابن عباس ذكر أنَّ أمر القتيل وقع قَبْل جواز البَحْر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنَةً. 
وقوله تعالى : كذلك يُحْيِ الله الموتى \[ البقرة : ٧٣ \]
في هذه الآية حض على العبرة، ودلالةٌ على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حُكِيَ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم ليعتبر به إلى يوم القيامة. 
وذهب الطبريُّ إلى أنها خطاب لمعاصِرِي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله : اضربوه بِبَعْضِهَا  وروي أن هذا القتيل لما حَيِيَ وأخبر بقاتله عاد ميتاً كما كان.

### الآية 2:74

> ﻿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:74]

وقوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم. . .  \[ البقرة : ٧٤ \]. 
أي : صلبت وجفَّت، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات اللَّه تعالى، قال قتادة وغيره : المراد قلوب بني إسرائيل جميعاً في معاصيهم، وما ركبوه بعد ذلك، و أَوْ  لا يصحُّ أن تكون هنا للشكِّ، فقيل : هي بمعنى الواو، وقيل : للإضراب، وقيل : للإبهام، وقيل غير ذلك. 
وقوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الحجارة. . .  \[ البقرة٧٤ \]
معذرةٌ للحجارة وتفضيلٌ لها على قلوبهم، قال قتادة : عذر اللَّه تعالى الحجارة، ولم يعذِر شقيَّ بني آدم. 
( ت ) وروى البَزَّار عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :( أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ : جُمُودُ العَيْنِ، وَقَسَاوَةُ القَلْبِ، وَطُولُ الأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا ). انتهى من **«الكوكبِ الدُّرِّيِّ »** لأبي العباس أحمد بن سَعْد التُّجِيبِيِّ، قال الغَزَّاليُّ في **«المِنْهَاج »** : واعلم أن أول الذنب قسوةٌ، وآخره والعياذ باللَّه شؤمٌ وشِقْوَةٌ، وسوادُ القلْب يكون من الذنوب، وعلامةُ سواد القلب ألاَّ تجد للذنوب مفزعاً، ولا للطاعات موقعاً، ولا للموعظة منجعاً، انتهى. وقيل في هبوط الحجارة تفيُّؤ ظلالها، وقيل : إن اللَّه تعالى يخلُقُ في بعض الأحجار خشيةً وحياةً، يهبط بها من عُلْوٍ تواضعاً، وقال مجاهد : ما تردى حجرٌ من رأسِ جبلٍ، ولا تَفَجَّرَ نهر من حَجَر، ولا خَرَج ماء منه، إلا من خشية اللَّه عز وجلَّ، نزل بذلك القرآن، وقال مثله ابْنُ جُرَيْجٍ.

### الآية 2:75

> ﻿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:75]

وقوله تعالى : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ \[ البقرة : ٧٥ \]. 
الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود، للحلْف والجِوَار الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطابِ التقرير على أمر فيه بُعْد، إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهودِ أفاعيلُ سوءٍ، وهؤلاء على ذلك السَّنَن، وتحريفُ الشيء إِمالته من حالٍ إلى حال، وذهب ابن عبَّاس إلى أن تحريفهم وتبديلهم إِنما هو بالتأويل، ولفْظُ التوراة باق، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدَّلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأنَّ ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ حفظه، قلْتُ : وعن ابن إسحاق أن المراد ب الفريقِ هنا طائفةٌ من السبعين الذين سمعوا كلامَ اللَّه مع موسى. انتهى من **«مختصر الطبريِّ »**، وهذا يحتاج إلى سند صحيح.

### الآية 2:76

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:76]

وقوله تعالى : وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا. . .  \[ البقرة : ٧٦ \]
المعنى : وهم أيضاً، إذا لُقُوا يفعلون هذا فكيف يُطْمَع في إيمانهم ؟ ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنَفاً فيه كشف سرائرهم، وَرَدَ في التفسير أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :( لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ )، فقال كَعْبُ بن الأشْرَفِ وأشباهه : اذهبوا وتحسَّسوا أخبارَ من آمَنَ بمحمَّد، وقولوا لهم : آمنا، واكفروا إِذا رجعتم )، فنزلتْ هذه الآية، وقال ابن عبَّاس : نزلَتْ في المنافقين من اليهود، وروي عنه أيضاً أنها نزلَتْ في قومٍ من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين : نحن نؤمن أنه نبيٌّ، ولكن ليس إلَيْنا، وإنما هو إِليكم خاصَّة، فلما خلوا، قال بعضهم : لم تُقِرُّونَ بنبوءته، وقال أبو العالية وقتادةُ : إِن بعض اليهود تكلَّم بما في التوراة من صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كفرةُ الأحبار : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ \[ البقرة : ٧٦ \]، أي : عرَّفكم من صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم، و ليُحَاجُّوكُم  من الحجة، و عِندَ رَبِّكُمْ  معناه : في الآخرة. 
وقوله تعالى : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ \[ البقرة : ٧٦ \]. 
قيل : هو من قول الأحبار لَلأتباعِ، وقيل : هو خطابٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، أي : أفلا تعقلون أن بني إِسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال.

### الآية 2:77

> ﻿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [2:77]

\[سورة البقرة (٢) : الآيات ٧٦ الى ٧٨\]

 وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨)
 وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا... الآية: المعنى: وهم أيضاً، إذا لُقُوا يفعلون هذا، فكيف يُطْمَع في إيمانهم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنَفاً فيه كشف سرائرهم ورد في التفسير أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: **«لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ «١»** المَدِينَةِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ»، فقال كَعْبُ بن الأشْرَفِ وأشباهه: اذهبوا وتحسَّسوا أخبارَ من آمَنَ بمحمَّد، وقولوا لهم: آمنا، واكفروا إِذا رجعتم، فنزلتْ هذه الآية، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في المنافقين من اليهود **«٢»**، وروي عنه أيضاً أنها نزلَتْ في قومٍ من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين: نحن نؤمن أنه نبيٌّ، ولكن ليس إلَيْنا، وإنما هو إليكم خاصّة، فلما دخلوا، قال بعضهم: لم تُقِرُّونَ بنبوءته **«٣»**، وقال أبو العالية وقتادةُ: إِن بعض اليهود تكلَّم بما في التوراة من صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال لهم كفرةُ الأحبار: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: عرَّفكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم **«٤»**.
 ولِيُحَاجُّوكُمْ: من الحجة، وعِنْدَ رَبِّكُمْ: معناه: في الآخرة.
 وقول تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ: قيل: هو من قول الأحبار لَلأتباعِ، وقيل: هو خطابٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أن بني إِسرائيل لا يؤمنون، وهم بهذه الأحوال.
 وأُمِّيُّونَ هنا: عبارةٌ عن عامَّة اليهود، وجهلتهم، أي: أنهم لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضَّلاَل، والأُمِّيُّ في اللغة: الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتابٍ نُسِبَ إلى الأُمِّ إِما لأنه بحالِ أمِّه من عَدَمِ الكتب، لا بحال أبيه إذ النساء ليس من شغلهن الكَتْبُ قاله الطبريُّ وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها، لم ينتقل عنها.
 والْكِتابَ: التوراة.
 (١) قصبة البلد: مدينته، وقيل: معظمه، والقصبة: جوف الحصن، يبنى فيه بناء هو أوسطه، والقصبة:
 القرية. وقصبة القرية: وسطها.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٣٦٤١).
 (٢) أخرجه الطبري (١/ ٤١٣) برقم (١٣٣٩)، وذكره السيوطي في ****«الدر»**** (١/ ١٥٧)، وعزاه لابن جرير.
 وذكره ابن عطية الأندلسي في **«التفسير»** (١/ ١٦٨).
 (٣) ذكره ابن عطية الأندلسي في **«تفسيره»** (١/ ١٦٨).
 (٤) ذكره السيوطي في ****«الدر»**** (١/ ١٥٨)، وعزاه لعبد بن حميد.

### الآية 2:78

> ﻿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [2:78]

و  أُمِّيُّونَ  هنا : عبارةٌ عن عامَّة اليهود وجهلتهم، أي : أنهم لا يطمع في إيمانهم، لما غمرهم من الضَّلاَل، والأُمِّيُّ في اللغة : الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتابٍ، نُسِبَ إلى الأُمِّ، إِما لأنه بحالِ أمِّه من عَدَمِ الكتب لا بحال أبيه، إذ النساء ليس من شغلهن الكَتْبُ، قاله الطبريُّ، وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها لم ينتقل عنها، و الكتاب  : التوراة. 
و الأَمَانِيُّ  جمع أُمْنِيَّة، واختلف في معنى  أَمَانِيَّ ، فقالت طائفة : هي ههنا من : تمنَّي الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئاً سمعه فيتمنى أنه من الكتاب، وقال آخرون : هي من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]

تمنى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ  وَآخِرَهُ لاقى حِمَامَ المَقْادِرِفمعنى الآية أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يتلى، لا عِلْمَ لهم بصحَّته، وقال الطبريُّ : هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم يظنُّونها من الكتاب. 
( ص )  وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ \[ البقرة : ٧٨ \]. إِنْ نافية بمعنى مَا، انتهى.

### الآية 2:79

> ﻿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [2:79]

وقوله تعالى : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله \[ البقرة : ٧٩ \]. 
قال الخليلُ : الوَيْلُ : شِدَّةُ الشر، وهو مصدر لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل الرفْعُ، لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي : ألزمه اللَّه وَيْلاً، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم، وروى سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ، يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفاً، وروى عثمانُ بن عفَّانَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار، والذين يكْتُبُونَ هم الأَحْبَارُ والرؤساءُ، و بِأَيْدِيهِمْ  قال ابن السَّرَّاج : هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدَّلوه هو صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليستديمُوا رئاستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ أنهم كانوا يكتبون كتباً يبدِّلون فيها صفةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عند اللَّه، والثَّمَنُ : قيل : عَرَضُ الدنيا، وقيل : الرُّشَا والمآكلُ التي كانتْ لهم، و يَكْسِبُونَ  معناه : من المعاصي، وقيل : من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن.

### الآية 2:80

> ﻿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:80]

وقوله تعالى : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً. . .  \[ البقرة : ٨٠ \]. روى ابن زَيْد وغيره، أنَّ سببها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْيَهُودِ :( مَنْ أَهْلُ النَّارِ ؟ فَقَالُوا : نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَا أَنْتُمْ، فَقَالَ لَهُمْ : كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ ) فنزلَتْ هذه الآية.

### الآية 2:81

> ﻿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:81]

قال أهل التفسير : العهد في هذه الآية الميثاقُ والموعد، و " بلى " رد بعد النفْيِ، بمنزلة **«نَعَمْ »** بعد الإِيجاب، وقالت طائفة : السيئة هنا الشرك، كقوله تعالى : وَمَنْ جَاءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار  \[ النمل : ٩٠ \]، والخَطِيئاتُ : كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن والسُّدِّيُّ : كل ما توعد اللَّه عليه بالنار فهي الخطيئة المحيطَةُ، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه. 
قال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ : أجمعتِ الأمَّة على تخليد مَنْ مات كافراً، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسُول صلى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن بأن الله : إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ  \[ النساء : ٤٨ \]، لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، اجتنب كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي، اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار، انتهى.

### الآية 2:82

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:82]

وقوله تعالى : والذين ءامَنُواْ. . .  \[ البقرة : ٨٢ \]
يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى : بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً \[ البقرة : ٨١ \] في الكفار، لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضاً قوله : وأحاطت  لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته، ويدل على ذلك أيضاً أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أياماً معدودةً، فهم المراد بالخلود، واللَّه أعلم.

### الآية 2:83

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [2:83]

وقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ. . .  \[ البقرة٨٣ \]
أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم، على لسان موسى عليه السلام، وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى قلنا لهم : لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله. . .  \[ البقرة : ٨٣ \]، قال سيبوَيْهِ :( لا تعبدون ) متلق لقسم، والمعنى : وإذ استحلفناهم واللَّهِ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع بِرِّ الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ فَقْدُ الأبِ، وفي البهائمِ فَقْدُ الأمِّ، وقال صلى الله عليه وسلم :( لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ ) وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ، وقيل : هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامى، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين. 
وقوله تعالى : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا \[ البقرة : ٨٣ \]. 
أمر عطف على ما تضمَّنه  لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله \[ البقرة : ٨٣ \] وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ :( حَسَناً ) بفتح الحاء والسين، قال الأخفش : وهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج وغيره : بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا قَوْلاً حَسَناً بفتح الحاء والسين، أو قولاً ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى، قال ابن عبَّاس : معنى الكلام قولُوا للنَّاس : لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها، وقال ابن جُرَيْجٍ : قولوا لهم حُسْناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ : معناه مروهم بالمَعْروف، وانهوهم عن المُنْكَر، وقال أبو العالية : قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تُقُبّلَ منها، دون ما لم يتقبل. 
وقوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ. . .  \[ البقرة : ٨٣ \]. 
خطابٌ لمعاصري النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أسند إليهم تولّي أسلافهم، إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره، والمراد بالقليلِ المستثنى جميعُ مؤمنيهم قديماً من أسلافهم، وحديثاً كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة على هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان والأول أقوى. 
( ص )  إِلاَّ قَلِيلاً  : منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو : إلاَّ قَلِيلا  بالرفع، ووجَّهه ابن عطية على بدل ( قليل ) من ضمير : تَوَلَّيتُمْ  على أن معنى **«تَوَلَّيْتُم »** النفي، أي : لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب، لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت : قام إلا زيد، لم يجز، لأن **«إِلاَّ »** لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه، فيجوز إِذَنْ :**«قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ »**، على تأويل :**«لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ »** ولم تبن العَرَب على ذلك كلامها، وإِنما أجازوا :**«قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ »** بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه لذلك باباً في كتابه انتهى.

### الآية 2:84

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [2:84]

و دِمَاءَكُمْ \[ البقرة : ٨٤ \] جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ أصله دَمَيٌ.  وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دياركم \[ البقرة : ٨٤ \] معناه : ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول. 
وقوله تعالى : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ \[ البقرة : ٨٤ \]. أي : خَلفَاً بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم.

### الآية 2:85

> ﻿ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:85]

وقوله : وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ \[ البقرة : ٨٤ \] قيل الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى : وأنتم شهود، أي : حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار، وقيل : المراد : من كان في مدة محمَّد صلى الله عليه وسلم، والمعنى : وأنتم شهداء أي : بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم فمنْ بعدهم منْكُمْ. 
وقوله تعالى : ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ. . .  \[ البقرة : ٨٥ \]. 
 هؤلاء  دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل : تقدير الكلام يا هؤلاءِ، فحذف حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه، مع المبهمات، وقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بْن أحمد شيخُنا : هؤلاء  رفع بالابتداء، و أَنتُمْ  : خبر، و تَقْتُلُونَ  حال بها، تَمَّ المعنى وهي المقصود. 
( ص ) قال الشيخ أبو حَيَّان : ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله  هؤلاء  مبتدأً، و أَنتُمْ  خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك ؟ وفي عدوله عن جعل ( أَنتُمْ ) مبتدأ، و( هؤلاء ) الخبر إلى عكسه ؟ انتهى. 
( ت ) قيل : العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه، لاختصاصها بأول الكلام، ويدلُّ على ذلك قولهم : هَا أَنَذَا قَائِماً، ولم يقولوا : أَنَا هَذَا قَائِماً، قال معناه ابنُ هِشَامٍ، فقَائِماً في المثال المتقدِّم نصب على الحال، انتهى. 
وهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ، وقُرَيْظة، حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج، والديارُ : مباني الإِقامة. وقال الخليلُ : مَحَلَّةِ القَوْمِ دَارُهُمْ. 
ومعنى  تظاهرون \[ البقرة : ٨٥ \] تتعاونون، و  العُدْوَانِ  تجاوز الحدُودِ، والظلم، وقرأ حمزة  أسارى تُفْادُوهُمْ \[ البقرة : ٨٥ \]، و  أسارى  : جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر استعماله حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ : فَعِيلِ : بمعنى مفعول،  تفادوهم  : معناه في اللغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ : يقال : فدى إِذا أعطى مالاً، وأخذ رجلاً، وفادى إِذا أعطى رجلاً، وأخذ رجُلاً، فتُفْدُوهم معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي : مفاداة الأسير بالأسير، انتهى. 
( ت ) وفي الحديث من قوْل العَبَّاس رضي اللَّه عنه :" فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وعَقِيلاً، وظاهره لا فَرْق بينهما. 
وقوله تعالى : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. . .  \[ البقرة : ٨٥ \] والذي آمنوا به، فداءُ الأسارى، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضاً، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم، وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ الفضيحة والعقوبة، فقيل : خزيهم ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل : قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل : الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناسِ هو غلبةُ العدوِّ، و الدنيا  : مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقاً بين الأسماء والصفات،  وأَشَدّ العَذَابِ  الخلودُ في جهنم. 
وقوله تعالى : وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ \[ البقرة : ٨٥ \]. 
قرأ نافعٌ وابن كَثِير بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم، والآية واعظةٌ لهم بالمعنى، إذ اللَّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص، وقرأ الباقون بناء على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب. . .  \[ البقرة : ٨٥ \] الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم، فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب رضي اللَّه عنه قال :" إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا يا أمة محمَّد، يريد هذا وما يجري مجراه.

### الآية 2:86

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:86]

وقوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. . .  \[ البقرة : ٨٦ \]. جعل اللَّه ترك الآخرةِ وأخْذَ الدنيا عوضاً عنها مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا،  فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب  في الآخرة،  وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  لا في الدنيا ولا في الآخرة.

### الآية 2:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [2:87]

( ص )،  وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب \[ البقرة : ٨٧ \] اللام في لَقَدْ، يحتمل أن تكون توكيداً، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السُّهَيْلِيُّ، ومَرْيَمَ معناه في السُّرْيانية : الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسى، فصار علماً عليها انتهى. 
و الكتاب  التوراةُ،  وَقَفَّيْنَا  مأخوذ من القَفَا، تقول قَفَيْتُ فُلاَناً بِفُلاَنٍ إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه قَفَا يَقْفُو إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد موسى فإِنما جاء بإِثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسَى عليهم السلام، و البينات  الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسى، وقيل : هي آياته من إحياء وإبراء وخَلْق طَيْرٍ، وقيل هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك، 
و وأيدناه  معناه : قويْناه، والأَيْدُ القوة، قال ابن عبَّاس : رُوح القدس هو الاسم الذي كان يُحْيِي به الموتى، وقال ابن زِيْد : هو الإِنجيل، كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحاً، وقال السُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، والربيع، وقتادة : رُوحُ القدس  : جبريلُ عليه السلام، وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِحَسَّان :( أهج قُرَيْشاً، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ ) ومرةً قال له :( وَجِبْرِيلُ مَعَكَ )، و كُلَّمَا  ظرف، والعامل فيه  استكبرتم ، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ، روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار، والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك، لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات.

### الآية 2:88

> ﻿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [2:88]

ومعنى : قُلُوبُنَا غُلْفٌ \[ البقرة : ٨٨ \] أي : عليها غشاواتٌ، فهي لا تفقه، قاله ابن عبَّاس، ثم بيَّن تعالى سبب نُفُورهم عن الإِيمان، إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه واللعن : الإبعاد والطرد. 
و قَلِيلاً  نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ تقديره : فإِيماناً قَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ، والضميرُ في ( يُؤْمِنُونَ ) لحاضري محمَّد صلى الله عليه وسلم منْهُمْ، و مَا  في قوله : مَّا يُؤْمِنُونَ \[ البقرة : ٨٨ \] زائدةٌ موكِّدَة.

### الآية 2:89

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [2:89]

وقوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله. . .  \[ البقرة : ٨٩ \]. 
الكتاب : القرآن، و مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ \[ البقرة : ٨٩ \] يعني التوراةَ، و يَسْتَفْتِحُونَ  معناه : أن بني إِسرائيل كانوا قبل مَبْعَثِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما علموا عنْدَهُمْ من صفته، وذكر وقته، وظنُّوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوْسَ والخَزْرجَ، فغلبتهم العَرَبُ قالوا لهم : لو قد خرج النبيُّ الذي أظلَّ وقتُهُ لقاتلْنَاكُم معه، واستنصرنا عليكم به، و يَسْتَفْتِحُونَ  معناه يستنصرُونَ، قال أحمد بن نَصْرٍ الداوديُّ : ومنه : فعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالفَتْحِ \[ المائدة : ٥٢ \] أي : بالنصر انتهى. 
وروى أبو بكر محمد بن حُسَيْنٍ الآْجُرِّيُّ عن ابن عبَّاس قال : كانت يهودُ خَيْبَرَ يُقَاتِلُونَ غَطَفَانَ، فكُلَّمَا التقوا هزمت اليهودَ، فَعَاذَ اليهودُ يوماً بالدعاء، فقالوا : اللهم، إِنا نسألكَ بحَقِّ محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي وعدتَّنَا أن تخرجَهُ لَنَا في آخر الزمان، إِلاَّ نَصَرْتَنا علَيْهم، فكانوا إِذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غَطَفَانَ، فلما بُعِثَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَفَرُوا به، فأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ \[ البقرة : ٨٩ \]، والاستفتاحُ : الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قُبَيْل الإِسلام، انتهى من تأليف حسن بن عليِّ بن عبد المَلْكِ الرّهونيِّ المعروفِ بابْنِ القَطَّان، وهو كتابٌ نفيسٌ جِدًّا ألَّفه في معجزات النبيِّ صلى الله عليه وسلم وآيات نبوءته. 
وروي أن قريظة والنضير وجميعَ يَهُودِ الحجازِ في ذلك الوقْتِ كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبيِّ المنتظر، كانت نقلتهم إلى الحجاز وسُكْناهم به، فإِنهم كانوا علموا صُقع المَبْعَث، وما عرفوا هو محمَّد صلى الله عليه وسلم وشرعه، ويظهر في هذه الآية العنادُ منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة و لَعْنَةُ الله  إبعاده لهم، وخزيهم لذلك.

### الآية 2:90

> ﻿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [2:90]

و بيْسَ  أصله **«بَئِسَ »**، سُهِّلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، و **«مَا »** عند سيبويه : فَاعِلَةٌ " ببيسَ " والتقدير : بِئْسَ الذي اشتروا به أنفسُهُمْ. 
و اشتروا  بمعنى : بَاعُوا،  بمَا أَنزَلَ الله \[ البقرة : ٩٠ \]، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن يراد الجميع من توراة، وإِنجيل، وقرآن، لأن الكفر بالبعض يستلزمُ الكفر بالكلِّ، و مِن فَضْلِهِ ، يعني : من النبوءة والرسالة،  مَن يَشَاءُ ، يعني به محمَّداً صلى الله عليه وسلم، لأنهم حَسَدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب، ويدخلُ في المعنى عيسى صلى الله عليه وسلم لأنهم كفروا به بَغْياً، واللَّه قد تفضَّل عليه، 
و فبَاءُو  معناه : مَضَوْا متحمِّلين لما يذكر أنهم بَاءُوا به. 
وقال البُخَاريُّ، قال قتادة : بَاءُو  معناه : انقلبوا، انتهى. 
و بِغَضَبٍ  معناه من اللَّه تعالى لكفرهم بمحمَّد صلى الله عليه وسلم،  على غَضَبٍ  متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل : لعبادتهم العِجْلَ. 
وقيل : لكفرهم بعيسى عليه السلام فالمعنى : على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ، بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبِهِمْ لها. 
و مُّهِينٌ  مأخوذ من **«الهَوَانِ »**، وهو الخلود في النَّار، لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له.

### الآية 2:91

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:91]

وقوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ \[ البقرة : ٩١ \]. د
يعني لليهود  آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ْ \[ البقرة : ٩١ \] على محمَّد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن،  قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا \[ البقرة : ٩١ \] يعنون التوراةَ،  وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ \[ البقرة : ٩١ \]، قال قتادة : أي بما بعده، قال الفَرَّاء : أي بما سواه، ويعني به القرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق و مُصَدِّقاً  حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ. 
وقوله تعالى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ الله مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ \[ البقرة : ٩١ \]. 
ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيبٌ لهم في ذلك، واحتجاج عليهم.

### الآية 2:92

> ﻿۞ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:92]

وقوله تعالى : وَلَقَدْ جَاءَكُم موسى بالبينات \[ البقرة : ٩٢ \]. 
 البينات  : التوراةُ، والعصَا، وفَرْقُ البَحْرِ، وسَائِرُ الآياتِ.

### الآية 2:93

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:93]

وَ خُذُواْ مَا ءاتيناكم \[ البقرة : ٩٣ \] : يعني : التوراةَ والشرْعَ  بِقُوَّةٍ ، أي : بعزمٍ، ونشاطٍ. وجِدٍّ،  وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل  : أي : حبَّ العجْلِ، والمعنى : جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم. 
وقوله تعالى : بِكُفْرِهِمْ \[ البقرة : ٩٣ \]. 
يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى **«مَعَ »**. 
وقوله تعالى : قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم \[ البقرة : ٩٣ \]. 
أمر لمحمَّد صلى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم، لأنَّه بيس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم، الذي زعمتُمْ في قولكم : نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا \[ البقرة : ٩١ \].

### الآية 2:94

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:94]

وقوله تعالى : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة. . .  \[ البقرة : ٩٤ \]. 
أمر لمحمَّد صلى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنى : إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها،  فَتَمَنَّوُاْ الموت ، و الدَّارُ  اسمُ كان، و خَالِصَة  خبرها، و مِّن دُونِ الناس  يحتملُ أن يراد بالنَّاس محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيِّنة أعطاها اللَّه رسولَهُ محمَّداً صلى الله عليه وسلم، لأن اليهود قالَتْ : نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ  \[ المائدة : ١٨ \] وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه، فَرَقاً من اللَّه لِقبحِ أفعالهم، ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل : إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه، لتظهر الآية لنبيِّه صلى الله عليه وسلم. 
( ت ) قال عِيَاضٌ :" ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن أيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك، كقوله تعالى لليهود : قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً. . .  \[ البقرة : ٩٤ \] الآية، قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج في هذه الآية : أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة، لأنهُ قال لهم  فَتَمَنَّوُاْ الموت ، وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم :( والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ ) يعني : يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ : من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ، ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم " انتهى من **«الشِّفَا »**. 
والمراد بقوله : تَمَنَّواْ  أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس : المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب.

### الآية 2:95

> ﻿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:95]

ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي، إِذ الأَكْثَرُ من كسب العبد، الخير والشرَّ، إِنما هو بِيَدَيْهِ، فحمل جميعُ الأشياء على ذلك. 
وقوله تعالى : والله عَلِيمٌ بالظالمين \[ البقرة : ٩٥ \] ظاهره الخبر، ومضمَّنه الوعيدُ، لأن اللَّه سبحانه عليمٌ بالظالمينَ، وغيرهمْ، ففائدة تخصيصهم حصولُ الوعيد.

### الآية 2:96

> ﻿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [2:96]

وقوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة \[ البقرة : ٩٦ \]. وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم، وأن لا خير لهم عند اللَّه تعالى. 
وقوله تعالى : وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ \[ البقرة : ٩٦ \]
قيل : المعنى واحرصُ من الذين أشركوا، لأن مشركِي العَرَبِ لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، والضمير في  أَحَدُهُمْ  يعودُ في هذا القول على اليهودِ، وقيل : إِن الكلام تَمَّ في  حياةٍ ، ثم استؤنف الإِخبار عن طائفة من المشركين أنهم  يودُّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنَةٍ \[ البقرة : ٩٦ \]، والزحزحة الإبعاد والتنحية، وفي قوله تعالى : والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ \[ البقرة : ٩٦ \] وعيدٌ.

### الآية 2:97

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [2:97]

وقوله تعالى : قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ. . .  \[ البقرة : ٩٧ \]. 
أجمع أهل التفْسير أن اليهود قالتْ : جبريلُ عدوُّنا، واختلف في كيفيَّة ذلك، فقيل : إن يهود فَدَك قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم :" نَسْأَلُكَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ عَرَفْتَهَا، اتبعناك، فَسَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ، فَقَالَ : لُحُومُ الإِبِلِ وأَلْبَانُهَا، وَسَأَلُوهُ عَنِ الشَّبَهِ فِي الوَلَدِ، فَقَالَ : أَيُّ مَاءٍ عَلاَ كَانَ لَهُ الشَّبَهُ، وَسَأَلُوهُ عَنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ : تَنَامُ عَيْنِي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَسَأَلُوهُ عَنْ مَنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَقَالَ : جِبْرِيلُ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ، قَالُوا : ذَاكَ عَدُوُّنَا، لأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ، وَالشَّدَائِدِ، وَالجَدْبِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكَائِيلُ، مَلَكُ الرَّحْمَةِ، وَالخِصْب، والأَمْطَار، لاتَّبَعْنَاكَ ". وَفِي جِبْرِيلَ لغاتٌ : جِبْرِيلُ بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، وجَبْرِيلُ بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال : رأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ :( جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ )، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك. 
( ت ) يعني، واللَّه أعلم مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ : والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها، انتهى. 
وذكر ابن عبَّاس وغيره : أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف، هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى : عَبْد، وممْلُوك، وإِيلُ : اللَّهُ. 
وقوله تعالى : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ \[ البقرة : ٩٧ \]. 
الضمير في ( إِنَّهُ ) عائد على اللَّه تعالى، وفي ( نَزَّلَهُ ) عائدٌ على جِبْرِيل، أي : بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل : الضمير في  فإنَّهُ  عائدٌ على جبريل، وفي  نَزَّلَهُ  عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر، لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف. 
و بِإِذْنِ الله  معناه : بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، و مُصَدِّقاً  حالٌ من ضمير القرآن في  نَزَّلَهُ ، و لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  : ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى،  وَهُدًى ، أي : إِرشاد.

### الآية 2:98

> ﻿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [2:98]

وقوله تعالى : مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ \[ البقرة : ٩٨ \]. 
وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عَنهما تشريفاً لهما، وقيل : خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما، فذكرا لئلا تقول اليهود : إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوةُ العبدِ للَّه هي : مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ : تعذيبُهُ، وإظهار أثر العداوة عليه.

### الآية 2:99

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [2:99]

وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.
 ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.
 انتهى.
 وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ **«١»**.
 وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في **«إِنَّهُ»** عائد على اللَّه تعالى، وفي ****«نَزَّلَهُ»**** عائدٌ على **«جِبْرِيل»**، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في **«إنَّهُ»** عائدٌ على جبريل، وفي ****«نَزَّلَهُ»**** عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.
 وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في **«نزّله»**، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ٩٨ الى ١٠٤\]
 مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
 وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)

 (١) ذكره ابن عطية في **«تفسيره»** (١/ ١٨٣).

وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ... الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.
 وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً... الآيةَ: قال سيبوَيْه **«١»** :**«الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام»**، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.
 وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.
 وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ... الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ **«٢»**، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع **«٣»**، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.

 (١) اختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال فقال الأخفش: إن الهمزة للاستفهام والواو زائدة، وهذا على رأيه في جواز زيادتها. وقال الكسائي: هي **«أو»** العاطفة التي بمعنى بل، وإنما حركت الواو ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة. وقال البصريون هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف، والزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف شيئا يعطف عليه ما بعده، لذلك قدره هنا: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. ينظر: **«الدر المصون»** (١/ ٣١٦)، و **«الكتاب»** (٣/ ١٨٩).
 (٢) ذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (١/ ١٨٥) بلفظ: **«تقرأ من التلاوة»** عن عطاء.
 (٣) أخرجه الطبري (١/ ٤٩٢) برقم (١٦٥٨)، وقال العلامة أحمد شاكر: ووقع في المطبوعة **«العبقري»** وهو تصحيف، وتصحيحه كالآتي: الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي- ضعيف قال أبو زرعة **«لا يصدق»**، وهو مترجم في **«لسان الميزان»**، و **«ابن أبي حاتم»** (١/ ٢/ ٦١- ٦٢)، وذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (١/ ١٨٥)، والسيوطي في **«الدر»** (١/ ١٨٣)، وعزاه لابن جرير.

وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً.
 وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام.
 والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: **«مَا»** عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو **«١»** على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.
 قال ع **«٢»** : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:
 **«إِنَّمَا»** عطف على ****«ما»**** في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: ****«ما»**** نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.
 ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة **«٣»**، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع **«٤»** ت: قال عياض **«٥»** : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة

 (١) أخرجه الطبري (١/ ٤٩٩) برقم (١٦٨٠)، وذكره السيوطي في **«الدر»** (١/ ١٨٣)، وابن عطية الأندلسي في **«تفسيره»** (١/ ١٨٦).
 (٢) ******«المحرر الوجيز»****** (١/ ١٨٦).
 (٣) وقرأ بها الحسن بن علي وابن عباس، كما في مختصر الشواذ ص ١٦ وقرأ بها أيضا أبو الأسود الدؤلي، والضحاك، وابن أبزى.
 ينظر: ******«المحرر الوجيز»****** (١/ ١٨٦)، و **«البحر المحيط»** (١/ ٤٩٧)، و **«الدر المصون»** (١/ ٣٢١).
 (٤) ينظر: ******«المحرر الوجيز»****** (١/ ١٨٧).
 (٥) ينظر: **«الشفا»** (ص ٨٥٣- ٨٥٥).

هَارُوت ومَارُوت. وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس **«١»** هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم **«٢»** كما نصَّه اللَّه أول الآيات. انتهى. انظره.
 وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ... الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ **«٣»** في **«اليَاقُوتَةِ»** أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى **«يُعْلِمَانِ «٤»**، ويشعران» كما قال كعب بن زهير **«٥»** :\[الطويل\]

 (١) وليس هو أي ما تضمنته قصتهما. يؤخذ بقياس: يستنبط بقياس أي ليس مما يجري فيه القياس على غيره، مما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة فلا ينبغي الخوض فيه نفيا أو إثباتا.
 قال في **«نسيم الرياض»** : وهذا الذي ذكره من أنه لم يرد فيه حديث ضعيف، ولا صحيح ردوه- كما نقله السيوطي في **«مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا»** - بأنه ورد من طرق كثيرة منها ما في مسند أحمد، عن ابن عمر (رضي الله عنهما) مرفوعا ورواه ابن حبان، والبيهقي، وابن جرير وابن حميد في **«مسنده»**، وابن أبي الدنيا وغيرهم من طرق عديدة.
 وقال ابن حجر في **«شرح البخاري»** : إن له طرقا تفيد العلم بصحته. وكذا في حواشي البرهان الحلبي، وذكره مسندا عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أنه سمعه صلّى الله عليه وسلم يقول: **«لما أهبط الله (تعالى) آدم إلى الأرض، قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها! وقالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. فقال الله تعالى: هلما بملكين يهبطان الأرض. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا، فتمثلت لهما الزهرة امرأة حسنة من البشر فراوداها عن نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تتكلما بهذه الكلمة من الشرك، فأبيا.
 فذهبت وأتت بابن جار لها تحمله، فراوداها. فقالت: لا، حتى تقتلا هذا الصبي فقالا: لا. ثم راوداها مرة أخرى، فأتت بقدح خمر، فقالت: لا، حتى تشرباه. فشربا وسكرا، فتكلما بكلمة الكفر، وقتلا الصبي، فخيرهما الله (تعالى) بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا: «فعلقا بين السماء والأرض»**. قال الخفاجي: وقد جمع السيوطي طرق هذا الحديث في تأليف مستقل، فبلغت نيفا وعشرين طريقا. [.....]
 (٢) هذه الأخبار التي ذكرها بعض المفسرين منقولة من كتب اليهود في الإسرائيليات وافترائهم وكذبهم على أنبياء الله تعالى وملائكته.
 (٣) محمد بن زياد، المعروف ب **«ابن الأعرابي»**، راوية، ناسب، علامة باللغة، ولد ١٥٠ هـ من أهل **«الكوفة»**، كان أحول، لم ير أحد في علم الشعر أغزر منه. له تصانيف منها: **«أسماء الخيل وفرسانها»**، و **«الأنواء»** و **«الفاضل»** و **«البشر»** وغيرها. وتوفي ٢٣١ هـ.
 ينظر: **«وفيات الأعيان»** (١/ ٤٩٢)، و **«تاريخ بغداد»** (٥/ ٢٨٢)، و **«المقتبس»** (٦/ ٣- ٩)، و **«نزهة الألباء»** (٢٠٧)، و **«الأعلام»** (٦/ ١٣١).
 (٤) وهي قراءة طلحة بن مصرف، كما في **«مختصر الشواذ»** (ص ١٦)، و **«البحر المحيط»** (١/ ٤٩٨)، و **«الدر المصون»** (١/ ٣٢٢).
 (٥) كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني، أبو المصرب. شاهر عالي الطبقة من أهل **«نجد»**، له «ديوان-

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي  وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ **«١»** وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.
 ٣١ أص **«٢»** : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: **«مِنْ»** هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم. انتهى.
 ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ **«٣»** الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:
 اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: **«لَمَن»** للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.
 م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء **«٤»** : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم
 شعر» كان ممن اشتهر في الجاهلية، ولما ظهر الإسلام هجا النبي صلّى الله عليه وسلم وأقام يشبب بنساء المسلمين، فهدر النبي دمه، فجاءه **«كعب»** مستأمنا، وقد أسلم، وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها: **«بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»** فعفا عنه النبي صلّى الله عليه وسلم وخلع عليه بردته. وهو من أعرق الناس في الشعر.
 ينظر: **«الأعلام»** (٥/ ٢٢٦).
 (١) البيت في ملحق ديوانه (٢٥٨)، و **«أمالي المرتضى»** (٢/ ٧٧)، و **«المحرر الوجيز»** (١/ ١٨٧)، و **«تفسير القرطبي»** (٢/ ٥٤)، و **«الدر المصون»** (٣٢٢). ويروى ملفقا من بيتين لأسيد بن أبي إياس الهذلي في **«شرح أشعار الهذليين»** (٢/ ٦٢٧) وبلا نسبة في **«شرح الأشموني»** (١/ ١٥٨) و **«شرح شذور الذهب»** (ص ٤٦٨) و **«مغني اللبيب»** (ص ٢/ ٥٩٤).
 والشاهد فيه استعمال الفعل **«تعلّم»** بمعنى **«اعلم»**، فنصب به مفعولين بواسطة **«أنّ»** المصدريّة المؤكّدة، وهذا هو الأكثر في تعدّي هذا الفعل.
 (٢) **«المجيد»** (ص ٣٦١).
 (٣) التأخيذ: حبس السواحر أزواجهن عن غيرهن من النساء. والتأخيذ- أيضا-: أن تحتال المرأة بحيل في منع زوجها من جماع غيرها، يقال: لفلانة أخذة تؤخذ بها الرجال عن النساء.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٣٦).
 (٤) **«التبيان»** (١/ ١٠١) وأبو البقاء هو عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، الإمام محبّ الدين، أبو البقاء العكبريّ، البغداديّ الضّرير، النحويّ، الحنبليّ، صاحب الإعراب. قال القفطي: أصله من **«عكبرا»**، وقرأ بالرّوايات على أبي الحسن البطائحيّ، وتفقّه بالقاضي أبي يعلى الفرّاء، ولازمه حتى برع في المذهب والخلاف والأصول، وقرأ العربيّة على يحيى بن نجاح وابن الخشّاب حتى حاز قصب السّبق، وصار فيها من الرّؤساء المتقدّمين، وقصده الناس من الأقطار، وأقرأ النّحو، واللّغة، والمذهب، والخلاف، والفرائض، والحساب. ينظر: **«بغية الوعاة»** (٢/ ٣٨، ٣٩).

محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في **«بِهِ»** عائدٌ على السحر، أو الكفر. انتهى.
 وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في **«يَعْلَمُونَ»** عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: **«لَوْ»** : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.
 وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.
 وقرأ جمهورُ النَّاس **«١»** : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ **«٢»** لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.

 (١) وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي: **«راعونا»** على إسناد الفعل لضمير الجمع، وذكر أيضا أن في مصحف عبد الله (ارعونا) خاطبوه بذلك إكبارا وتعظيما إذ أقاموه مقام الجمع، وقرأ الحسن وابن أبي ليلى، وأبو حيوة، وابن محيصن: **«راعنا»** بالتنوين جعله صفة لمصدر محذوف، أي: قولا راعنا، وهو على سبيل النسب كلابن، وتامر.
 ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ١٨٩)، و **«البحر المحيط»** (١/ ٥٠٨)، و **«الدر المصون»** (١/ ٣٣٢)، و **«مختصر الشواذ»** (ص ١٦)، و **«إتحاف فضلاء البشر»** (١/ ٤١١).
 (٢) وسدّ الذّرائع: هي التّوصّل بما هو مصلحة إلى مفسدة، كما يرى الشاطبي، أو وسيلة وطريقة إلى الشيء، عن شمس الدين ابن القيم، فالشاطبي يقتصر على الذّرائع سدّا، وابن القيم يشملها سدّا وفتحا.
 فسدّ الذرائع وسيلة مباحة يتوصّل بها إلى ممنوع مشتمل على مفسدة.
 قال الباجيّ: ذهب مالك إلى المنع من سدّ الذّرائع، وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصّل بها إلى فعل المحظور، مثل: أن يبيع السّلعة بمائة إلى أجل، ويشتريها بخمسين نقدا، فهذا قد توصل إلى خمسين بذكر السلعة.

### الآية 2:100

> ﻿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:100]

وقوله تعالى : أَوَ كُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا نبذه. . .  \[ البقرة : ١٠٠ \]. 
قال سيبوَيْه : الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام، والنبذ : الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه : هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة، من أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم  وَلَمَّآ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله  هو محمَّد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 2:101

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [2:101]

و مُصَدِّقٌ  نعْتٌ لرسولٍ وكتابُ اللَّه : القُرْآن، وقيل التوراة، لأن مخالفتها نبذٌ لَهَا، و وَرَاء ظُهُورِهِمْ \[ البقرة : ١٠١ \] مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول : جَعَلَ هذا الأمْرَ وراءَ ظهره، ودَبْرَ أُذُنِهِ، و كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١٠١ \]
تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم، فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على عِلْمٍ.

### الآية 2:102

> ﻿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:102]

وقوله تعالى : واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين. . .  \[ البقرة : ١٠٢ \]. 
يعني اليهود، و تَتْلُواْ  قال عطاءٌ : معناه تقرأ، وقال ابن عبَّاس : تَتْلُواْ  تتبع، و على مُلْكِ سليمان \[ البقرة : ١٠٢ \] أي : على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريُّ : واتبعوا  بمعنى : فَضَّلُوا، و على مُلْكِ سليمان ، أي : على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل : إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل، حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت : إن ذلك كان علْمَ سُلَيْمَان، وروي أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ عليه السلام في الأنبياء، قال بعضُ اليهود : انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً. 
وقوله تعالى : وَمَا كَفَرَ سليمان \[ البقرة : ١٠٢ \] تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان عليه السلام. 
والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ : يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون : أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل،  وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين \[ البقرة : ١٠٢ \] ( مَا ) عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعوله، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن، ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره : أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر أو على القول إن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه. 
قال( ع ) : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل :( إِنَّمَا ) عطف على ( ما ) في قوله : مَا تَتْلُواْ ، وقيل :( ما ) نافية، ردٌّ على قوله : وَمَا كَفَرَ سليمان ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا : إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفي اللَّه ذلك. 
( ت ) قال عِيَاضٌ : والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة، وبَابِل : قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ : بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ، وكذا قال :( ع ). 
( ت ) قال عياض :" وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة هَارُوت ومَارُوت، وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - في خَبَرِهما وابتلائهما، فاعلم - أكرمك اللَّه - أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وليس هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نصَّه اللَّه أول الآيات " انتهى، انظره. 
وقوله تعالى : وَمَا يُعَلِّمَانِ. . .  \[ البقرة : ١٠٢ \]، ذكر ابْنُ الأعرابيِّ في **«اليَاقُوتَةِ »** أنَّ  يُعَلِّمَانِ  بمعنى يُعْلِمَانِ ويشعران، كما قال كعب بن زهير :\[ الطويل \]

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي  وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِوحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ : بل التعليمُ على عرفه. 
( ص ) وقوله تعالى : مِنْ أَحَدٍ  :( مِنْ ) هنا زائدةٌ مع المفعول، لتأكيد استغراق الجنْس، لأن أحداً من ألفاظ العموم، انتهى. 
وَ يَفْرِّقُونَ  : معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل : معناه يُؤْخِّذُونَ الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضاً فرقةٌ، و بِإِذُنِ الله  معناه : بعلمه وتمكينه، و يَضُرُّهُمْ  معناه : في الآخرة، والضميرُ في  علموا  عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال  اشتراه  لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ : النصيب، والحظُّ، وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله  لَمَن  للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط، ( م )  وَلَبِئْسَ مَا  أبو البقاء : جواب قسمٍ محذوفٍ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ، أي السحر أو الكفر، والضمير في  بِهِ  عائدٌ على السحر أو الكفر، انتهى. 
وَ شَرَوْاْ  معناه : باعوا، والضمير في  يَعْلَمُونَ  عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا.

### الآية 2:103

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:103]

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ \[ البقرة : ١٠٣ \] يعني : الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ :**«لَوْ »**  لَمَثُوبَةٌ ، والمثوبةُ عند الجمهور بمعنى الثواب، وقوله سبحانه : لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١٠٣ \] يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.

### الآية 2:104

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:104]

وقرأ جمهورُ النَّاس  راعنا  من المراعاة بمعنى : فَاعِلْنَا، أي : أرعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ : هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة، التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول، سَدًّا للذريعةِ، لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، و انظرنا 
\[ البقرة : ١٠٤ \] معناه : انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى : تفقَّدنا، من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن، المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر حض بَعْدُ على السمع، الذي في ضمنه الطاعةِ وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر عذاباً أليماً وهو المؤلم 
و واسمعوا  معطوفٌ على  وقُولُواْ ، لا على معمولها.

### الآية 2:105

> ﻿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [2:105]

وقوله سبحانه : مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب. . .  \[ البقرة : ١٠٥ \] يتناول لفظُ الآيةِ كلَّ خير، والرحمةُ في هذه الآية عامَّة لجميعِ أنواعها، وقال قومٌ : الرحمة القرآن.

### الآية 2:106

> ﻿۞ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:106]

وقوله تعالى : مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا. . .  \[ البقرة : ١٠٦ \]
النَّسْخُ في كلام العرب، على وجهين :
أحدهما : النَّقْل، كنقل كتابٍ من آخر، وهذا لا مدْخَل له في هذه الآية، وورد في كتاب اللَّه تعالى في قوله : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  \[ الجاثية : ٢٩ \]. 
الثاني : الإِزالةُ، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسمٌ في اللغة على ضَرْبَيْنِ :
أحدهما : يثبت الناسخ بعد المنسوخ، كقولهم : نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، 
والآخر لا يثبت كقولهم : نَسَخَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ، وورد النسخ في الشَّرْع حسب هذَيْن الضربَيْن، وحَدُّ **«النَّاسِخ »** عنْد حُذَّاق أهل السنة : الْخِطَابُ الدالُّ على ارتفاع الحُكْمِ الثَّابتِ بالخطابِ المتقدِّمِ، على وجْهٍ لولاه لكان ثَابِتاً مع تراخيه عنه. 
( ت ) قال ابن الحاجِبِ : والنَسْخُ لغةً : الإِزالة، وفي الاصطلاح : رفع الحُكْمِ الشرعيِّ، بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر، انتهى من **«مختصره الكبير »**. 
والنسْخُ جائز على اللَّه تعالى عقلاً، لأنه لا يلزم عنه محالٌ، ولا تغييرُ صفة من صفاته تعالى، وليست الأوامر متعلِّقة بالإِرادة، فيلزم من النسْخ أنَّ الإِرادة تغيَّرت، ولا النسخ لطرو علْم بل اللَّه تعالى يعلم إلى أيِّ وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له بالثاني، والبَدَاُ لا يجوزُ على اللَّه تعالى، لأنه لا يكون إلا لطرو علْمٍ، أو لتغيُّر إِرادة، وذلك محالٌ في جهة اللَّه تعالى، وجعلت اليهود النسْخَ والبَدَاَ واحداً، فلم يجوِّزوه، فضَلُّوا، والمنسوخُ عند أئمتنا : الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت، فيما يستقبلُ، والذي قادهم إلى ذلك مذهَبُهم في أنَّ الأوامر مرادةٌ، وأن الحُسْن صفةٌ نفسيَّةٌ للحَسَنِ، ومراد اللَّه تعالى حَسَنٌ، وقد قامت الأدلَّة على أنَّ الأوامر لا ترتبطُ بالإِرادة، وعلى أن الحُسْن والقُبْح في الأحكام، إِنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسيَّة، والتخصيصُ من العموم يوهم أنه نسْخ، وليس به، لأن المتخصَّص لم يتناولْه العمومُ قطُّ، ولو تناوله العموم لكان نسخاً، والنسخ لا يجوز في الأخبار، وإِنما هو مختصٌّ بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبراً، بأن قال : أليس معناه : وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا كذا، فهذا خبر، والجوابُ أن يقال : إِن في ضمن المعنَى : إِلاَّ أنْ أنْسَخَهُ عنْكُم، وأرفعه، فكما تضمَّن لفظ الأمر ذلك، الإِخبار كذلك تضمَّن هذا الاستثناءُ، وصور النسخ تختلفُ، فقد ينسخ الأثقل إِلى الأَخَفِّ، وبالعكس، وقد ينسخ المثلُ بمثلهِ ثِقَلاً وخِفَّةً، وقد ينسخ الشيء لا إِلى بدل، وقد تُنْسَخُ التلاوة دون الحُكْم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نَسْخ أحدهما دون الآخر، ونسْخُ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحدِ بخبر الواحدِ، وهذا كله مُتَّفَقٌ عليه، وحُذَّاق الأئمَّة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله عليه السلام :( لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ )، وهو ظاهر مسائل مالكٍ. 
( ت ) ويعني بالسنةِ الناسخة للقرآن : الخَبَرَ المتواترَ القطعيَّ، وقد أشار إلى أن هذا الحديث مُتَوَاتِرٌ، ذكره عند تفسير قوله تعالى : إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت  \[ البقرة : ١٨٠ \]، واختلف القُرَّاء في قراءة قوله تعالى : أَوْ نُنسِهَا \[ البقرة : ١٠٦ \] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو :**«نَنْسَأْهَا »**، بنون مفتوحةٍ، وأخرى ساكنة، وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزةٍ، وهذه بمعنى التأخير، وأما قراءة نافعٍ والجمهورِ :( نُنْسِهَا ) من النسيان، وقرأَتْ ذلك فرقةٌ، إِلاَّ أنها همزت بعد السين، فهذه بمعنى التأخير، والنِّسْيَان في كلام العربِ يجيء في الأغلب ضدَّ الذكر، وقد يجيء بمعنى التَّرْك، فالمعاني الثلاثة مقولَةٌ في هذه القراءات، فما كان منها يترتَّب في لفظةَ النسيان الذي هو ضدُّ الذكْر، فمعنى الآية به : ما ننسَخْ من آيةٍ أو نقدِّر نسيانَكَ لَهَا، فإنَّا نأتي بخيرٍ منها لكُمْ، أو مثلها في المنفعة، وما كان على معنى الترك، أو على معنى التأخيرِ، فيترتَّب فيه معانٍ انظرها إِنْ شئْتَ فإِنِّي آثرت الاختصار. 
( ع ) والصحيح أن نسيان النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَا أراد اللَّه أن يَنْسَاهُ، ولم يرد أن يثبته قرآناً جائزٌ، فأما النِّسْيَان الذي هو آفة في البشر، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ منْه قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظْه أحد من أصْحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز علَيْه ما يجوز على البَشَر، لأنه صلى الله عليه وسلم قد بَلَّغَ وأدَّى الأمانة، ومنه الحديثُ، " ِحينَ أَسْقَطَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ :( أَفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ : فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي ؟ قَالَ : حَسِبْتُ أَنَّهَا رُفِعَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا ) ".

### الآية 2:107

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:107]

وقوله تعالى : أَلَمْ تَعْلَمْ \[ البقرة : ١٠٧ \]
معناه التقرير، ومعنى الآية أن اللَّه تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو قدير على ذلك، وعلى كلِّ شيء، وهذا لإِنْكَارِ اليَهُودِ النَّسْخَ، وقوله : على كُلِّ شَيْءٍ \[ البقرة : ١٠٧ \] عمومٌ معناه الخصوصُ، إِذ لا تدخل فيه الصفاتُ القديمةُ بدليل العقل، ولا المحالاتُ لأنها ليستْ بأشياء، والشيء في كلام العرب الموجودُ، و قَدِيرٌ  اسم فاعل على المبالغةِ، قال القُشَيْرِيُّ : وإِن من علم أن مولاه قديرٌ على ما يريد، قَطَعَ رجاءه عن الأغيار، كما قال تعالى عن إِبراهيم - عليه السلام - : رَبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ  \[ إبراهيم : ٣٧ \]، قال أهل الإِشارة : معناه سهلت طريقهم إِليك، وقطَعْت رجاءهم عن سواك، ثم قال : لِيُقِيمُواْ الصلاة  \[ إبراهيم : ٣٧ \] أي : شغلتهم بخدمتك، وأنت أولى بهم،  فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تَهْوِي إِلَيْهِمْ  \[ إبراهيم : ٣٧ \]، أي : إِذا احتاجوا شيئاً، فذلل عبادك لهم، وأوصل بكرمك رعايتهم إليهم، فإِنك على ذلك قديرٌ، وإِن من لزم بابه أوصل إليه محابَّه، وكفاه أسبابه، وذلل لهُ كلَّ صعب، وأورده كلَّ سهل عذبٍ، من غير قطعِ شُقَّة، ولا تحمل مشقة، انتهى من " التحبير ". 
وقوله تعالى : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض. . .  \[ البقرة : ١٠٧ \] المُلْك السلطانُ، ونفوذُ الأمرِ، والإِرادةِ، وجَمْع الضمير في  لَكُمْ  دالٌ على أن المراد بخطاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم خطابُ أمته.

### الآية 2:108

> ﻿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [2:108]

وقوله تعالى : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ. . .  \[ البقرة : ١٠٨ \]. 
قال أبو العالية : إِن هذه الآية نزلَتْ حين قال بعض الصحابة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم :«لَيْتَ ذُنُوبَنَا جَرَتْ مجرى ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( قَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً مِمَّا أعطى بَنِي إِسْرَائِيلَ )، وتَلاَ : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَحِيماً  \[ النساء : ١١٠ \]، وقال ابنُ عَبَّاس : سَبَبُهَا أنَّ رافعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ اليهوديَّ، سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم تفجيرَ عُيونٍ، وغير ذلك، وقيل غير هذا، وما سئل موسى عليه السلام هو أَنْ يرى اللَّه جهرةً، وكنى عن الإِعراض عن الإِيمان، والإِقبال على الكفر بالتبدُّل، و ضَلَّ  أخطأ الطريق، والسواء مِنْ كل شيءٍ الوسَطُ، والمعظَمُ، ومنه  فِي سَوَاءِ الجحيم \[ الصافات : ٥٥ \]، وقال حَسَّانُ بنُ ثابتٍ في رثاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم \[ الكامل \] :

يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِه  بَعْدَ المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِو السبيلُ  : عبارة عن الشريعة التي أنزلها اللَّه تعالى لعباده.

### الآية 2:109

> ﻿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:109]

وقوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا. . .  \[ البقرة : ١٠٩ \]. 
قال ابنُ عَبَّاس : المراد ابنا أَخْطَبَ حُيَيٌّ، وأَبُو يَاسِرً، أي : وأتباعهما، واختلف في سبب هذه الآيةِ، فقيل : إن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، وعَمَّار بْنَ يَاسِرٍ أتيا بَيْتَ المِدْرَاس، فأراد اليهودُ صرْفَهما عن دينهما، فثبتا عليه، ونزلت الآية، وقيل : إن هذه الآية تابعةٌ في المعنى لما تقدَّم من نَهْيِ اللَّه عزَّ وجلَّ عن متابعة أقوال اليهود في : راعنا  \[ البقرة : ١٠٤ \] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيْرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفاراً من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمَّد صلى الله عليه وسلم. 
( ت ) وقد جاءَتْ أحاديث صحيحةٌ في النهيِ عن الحسدِ، فمنْها حديثُ مالكٍ في الموطَّأ عن أنسٍ، أن رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال :( لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَاد اللَّهِ إخْوَاناً، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهُجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ ) وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن الزُّبَيْر، قال : قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، حَالِقَتَا الدِّينِ، لاَ حَالِقَتَا الشَّعْرِ ) انتهى من **«التمهيد »**. 
والعَفْوُ : تركُ العُقُوبةِ، والصفْح : الإِعراض عن المُذْنِبِ، كأنَّه يولي صفحة العُنُق، قال ابنُ عَبَّاس : هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى : قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ  \[ التوبة : ٢٩ \] الآيةَ إلى قوله : صاغرون . 
وقيل : بقوله : فاقتلوا المشركين  \[ التوبة : ٥ \]، وقال قوم : ليس هذا حدَّ المنسوخِ، لأن هذا في نفْس الأمر كان التوقيفَ على مدَّته. 
( ت ) وينبغي للمؤمن أَن يتأدَّب بآداب هذه الآية، وفي الحديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَال :( أَلاَ أَدُلُّكُمْ على مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ :( تَحْلُمُ على مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ ) خرَّجه النسائيُّ، انتهى من **«الكوكب الدرِّيِّ »** لأبي العبَّاس أحمد بن سعيد التُّجِيبِيِّ. 
وقوله تعالى : إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \[ البقرة : ١٠٦ \]. 
مقتضاه في هذا الموضِعِ : وَعْدٌ للمؤمنين.

### الآية 2:110

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:110]

وقوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ. . .  \[ البقرة : ١١٠ \] الآية : قال الطبريُّ : إِنما أمر اللَّه المؤمنين هنا بالصَّلاة والزَّكاة، ليحطَّ ما تقدَّم من ميلهم إِلى قول اليهودِ : راعنا  \[ البقرة : ١٠٤ \] لأنَّ ذلك نَهْيٌ عن نوعه، وقوله : تَجِدُوهُ  أي : تجدوا ثوابه، وروى ابن المبارك في **«رَقَائِقِهِ »** بسنده قال :" جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي لاَ أُحِبُّ المَوْتَ ؟ فَقَالَ : هَلْ لَكَ مَالٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ : فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنَّ المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَهُ، وَإِنْ خَلَفَهُ، أَحَبَّ التَّخَلُّفَ ) انتهى. 
وقوله تعالى : إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ \[ البقرة : ١١٠ \]. خبرٌ في اللفظِ، معناه الوعْدُ والوعيدُ.

### الآية 2:111

> ﻿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:111]

وقوله تعالى : وقالوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى \[ البقرة : ١١١ \]، معناه قال اليهودُ : لن يدخل الجَنَّة إلاَّ مَنْ كان هُوداً، وقال النصارى : لن يدخل الجنة إِلا من كان نصارى، فجمع قولهم. ودلَّ تفريقُ نوعَيْهم على تفريقِ قولَيْهم، وهذا هو الإِيجازُ واللفُّ. 
و  هُودًا  : جمعُ هَائِدٍ، ومعناه : التائبُ الراجعُ، وكذَّبهم اللَّه تعالى، وجعل قولهم أمنيَّةً، وأمر نبيَّه - عليه السلام - بدعائهم إِلى إِظهار البُرْهان، وهو الدليلُ الذي يوقع اليقينَ، وقولهم : لَنْ  نفي حسُنت بعده بلى إذ هي ردٌّ بالإيجاب في جواب النفي، حرْفٌ مرتَجَلٌ لذلك.

### الآية 2:112

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:112]

و أَسْلَمَ \[ البقرة : ١١٢ \] معناه : استسلم وخضَع، ودان، وخص الوجْهَ بالذكْر، لكونه أشرف الأعضاء وفيه يظهر أثر العِزِّ والذُّلِّ،  وَهُوَ مُحْسِنٌ \[ البقرة : ١١٢ \] جملة في موضعِ الحالِ.

### الآية 2:113

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [2:113]

وقوله تعالى : وَقَالَتِ اليهود. . .  \[ البقرة : ١١٣ \] الآية، معناه : أنه ادعى كلُّ فريقٍ أنه أحقُّ برحمةِ اللَّه من الآخر، وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينةِ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فتسابُّوا، وكَفَرَ اليهودُ بعيسى، وبملَّته، وبالإِنجيلِ، وكَفَر النصارى بموسى وبالتَّوراة. 
( ع ) وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها، لأن الإِنجيلَ يتضمَّن صدْقَ موسى، وتقرير التَّوْراة، والتوراةَ تتضمَّن التبشيرَ بعيسى، وكلاهما يتضمَّن صدْقَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فعنفهم اللَّه تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلافُ ما قالوا. 
وفي قوله تعالى : وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب \[ البقرة : ١١٣ \] تنبيهٌ لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم على ملازمة القُرْآن، والوقوف عند حدوده، والكتَابُ الذي يتلونه قيل : هو التوراةُ والإِنجيل، فالألف واللام للْجِنْسِ، وقيل : التوراةِ لأن النصارى تمتثلُها. 
وقوله تعالى : كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١١٣ \]
يعني : كفار العَرَبِ، لأنهم لا كتابَ لهم،  فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة. . .  \[ البقرة : ١١٣ \] الآية، أي : فيثيب من كان على شيءٍ، ويعاقب من كان على غَيْر شيء.

### الآية 2:114

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:114]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله. . .  \[ البقرة : ١١٤ \] الآيةَ أي : لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابنُ عَبَّاس، وغيره : المراد النصارَى الذين كانِوا يؤذون من يصلِّي ببَيْت المَقْدِسِ، وقال ابن زَيْد : المراد كُفَّار قُرَيْش حين صدُّوا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن المسجِدِ الحرامِ، وهذه الآية تتناوَلُ كلَّ من منع من مسجد إِلى يوم القيامة. 
وقوله سبحانه : أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ. . .  \[ البقرة : ١١٤ \]. 
فمن جعل الآية في النصارى، روى أنَّه مَرَّ زمَنٌ بعْد ذلك، لا يدخل نصرانيٌّ بيْتَ المَقْدِس إِلا أوجع ضرباً، قاله قتادةُ والسُّدِّيُّ، ومن جعلها في قريش، قال : كذلك نودي بأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أَلاَّ يَحُجَّ مُشْرِكٌ، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ ).

### الآية 2:115

> ﻿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:115]

فأَيْنَمَا \[ البقرة : ١١٥ \] شرط، و  تُوَلُّواْ  جزمٌ به، و  ثَمَّ  : جوابه، و وَجْهُ الله  : معناه : الذي وجَّهنا إِلَيْه كما تقولُ : سافَرْتُ في وجه كذا، أي : في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه، كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّة أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في سبب نزولِ هذه الآيةِ، فقال ابنُ عُمَر : نزلَتْ هذه الآية في صلاة النافلةِ في السفَرِ حيث توجَّهت بالإِنسان دابَّته، وقال النَّخَعِيُّ : الآية عامَّة، أينما تولوا في متصرَّفاتكم، ومساعِيكُمْ، فثَمَّ وجْه اللَّه، أي : موضع رضاه وثوابه، وجهه رحمته الَّتي يوصِّل إِليها بالطاعة، وقال عبد اللَّه بن عامِرِ بنِ ربيعَةَ : نَزَلَتْ فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ، ووَرَدَ في ذلكَ حديثٌ رواه عامرُ بْنُ رَبِيعَةَ، قال :" كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فتحرى قَوْمٌ الْقِبْلَةَ، وأَعْلَمُوا عَلاَمَاتً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَخْطَأوَا، فَعَرَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَنَزلَت هَذِهِ الآية ". 
وقيلَ : نزلت الآية حين صُدَّ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن البَيْتِ. 
و واسع  : معناه مُتَّسِعُ الرحمة،  عَلِيمٌ  أين يضعها، وقيل : واسع  معناه هنا أنه يوسِّع على عباده في الحُكْم، دينُهُ يُسْرٌ،  عَلِيمٌ  بالنيَّات التي هي ملاكُ العمل.

### الآية 2:116

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [2:116]

وقوله تعالى : وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا سبحانه. . .  \[ البقرة : ١١٦ \]. 
اختلف على مَنْ يعود ضميرُ  وقَالُوا ، فقيل : على النصارى، وهو الأشبه، وقيل : على اليهود، لأنهم قالوا : عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، وقيل : على كفرة العربِ، لأنهم قالوا : الملائكة بنَاتُ اللَّه. 
( ت ) وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ : ويحتمل أن يعني بالآية كلُّ من تقدَّم ذكره من الكفرة، وقد تقدَّم ذكر اليهود والنصارى، والذين لا يعلمون، وهم المشركون، وكلُّهم قد ادعى للَّه ولداً تعالى اللَّه عن قولهم. انتهى من **«مختصر الطبريِّ »**. 
و سبحانه  مصدر معناه : تنزيهاً له وتبرئةً مما قالوا، والقُنُوتُ في اللغة : الطاعةُ، والقنوتُ : طول القيام، فمعنى الآية : أن المخلوقات تقنُتُ للَّه، أي : تخشع وتطيع، والكفار قنوتُهم في ظهور الصنعة عليهم، وفيهم، وقيل : الكافر يسجد ظلُّه، وهو كارهٌ.

### الآية 2:117

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2:117]

و بَدِيعُ  : مصروفٌ من مُبْدعٍ، والمُبْدِعُ : المخترعُ المنشئُ، وخص السَّموات والأرضَ بالذكْر، لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جلَّ وعلاَ. 
و قَضَى  : معناه : قدَّر، وقد يجيء بمعنى : أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنَيَانِ، والأمر : واحد الأمور، وليس هو هنا بمصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وتلخيص المعتَقَدِ في هذه الآية أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم ينزل أمراً للمعدومات بشرط وجودِهَا، قادراً مع تأخُّر المقدورات، عالماً مع تأخُّر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآية ممَّا يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأموراتِ، إِذ المحدَثَاتُ تجيء بعد أنْ لم تكنْ، وكل ما يستند إِلى اللَّه تعالى من قدرةٍ وعلمٍ وأمر، فهو قديمٌ لم يزَلْ، والمعنى الَّذي تقتضيه عبارةُ  كُن  هو قديمٌ قائمٌ بالذاتِ، والوضوح التامُّ في هذه المسألة يحتاج أكثر من هذا البَسْط. 
( ت ) وقد قدَّمنا ما يزيدُ هذا المعنى وضُوحاً عند قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ  \[ البقرة : ٣٤ \] فانظره.

### الآية 2:118

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [2:118]

وقوله تعالى : وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله. . .  \[ البقرة : ١١٨ \]. قال الربيعُ والسُّدِّيَّ : هم كفار العرب، وقد طلب عبد اللَّه بن أمية وغيره من النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وقال مجاهدٌ : هم النصارى، وقال ابن عباس : المراد من كان على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم من اليهود، لأنَّ رافع بن حُرَيْمِلَةَ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : أَسْمِعْنَا كَلاَمَ اللَّهِ، وقيل : الإشارة إلى جميع هذه الطوائف، لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، و لَوْلاَ  تحضيضٌ بمعنى هَلاَّ، والآية هنا العلامة الدالَّة، و الذين مِن قَبْلِهِمْ \[ البقرة : ١١٨ \] هم اليهودُ والنصارى، في قول من جعل 
 الذين لاَ يَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١١٨ \] كفَّارَ العرب، وهم اليهودُ في قول مَنْ جعل  الذين لاَ يَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١١٨ \] النصارَى، وهم الأمم السالفة في قول من جعل  الذين لاَ يَعْلَمُون \[ البقرة : ١١٨ \] العربَ، النصارى واليهُودَ، وتشابه القلوب هنا في طَلَب ما لا يَصِحُّ، أو في الكفر. 
وقوله تعالى : قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ \[ البقرة : ١١٨ \]. قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينةٌ أخرى أنَّ الكلام مدْحٌ لهم.

### الآية 2:119

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [2:119]

وقوله تعالى : إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا \[ البقرة : ١١٩ \]. 
أي : لمن آمن، ونذيراً لمن كفر، وقرأ نافع وحده  ولا تُسأل \[ البقرة : ١١٩ \] أي : لا تسأل عن شدَّة عذابهم، كما تقول : فلانٌ لا تَسْأَلْ عَنْه، تعني أنه في نهاية تشهره من خيْرٍ أو شرٍّ. 
( ت ) وزاد في **«مختصر الطبرِّي »**، قال : وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، وهو واللَّه أعلم أظهر، أي : ولا تسأل عنهم سؤالَ مكْتَرِثٍ بما أصابهم، أو بما هم عليه من الكُفْر، الذي يوردهم الجحيمَ، نظيرَ قوله عز وجل : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات  \[ فاطر : ٨ \]، وأما ما روي عن محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ، ومن وافقه، من أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ، مَا فَعَلَ أَبَوَايَ ؟ فنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، فهو بعيدٌ، ولا يتصل أيضاً بمعنى مَا قبله، انتهى. 
وقرأ باقي السبعة : وَلاَ تُسْأَلُ \[ البقرة : ١١٩ \] بضم التاء واللام. 
و الجَحِيمِ  إحدى طبقات النار.

### الآية 2:120

> ﻿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:120]

وقوله تعالى : قل إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى \[ البقرة : ١٢٠ \]. 
أي : ما أنت عليه يا محمَّد من هدى اللَّه هو الهدَى الحقيقيُّ، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال تعالى لنبيِّه : وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الذي جَاءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ \[ البقرة : ١٢٠ \] فهذا شرط خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأمته معه داخلةٌ فيه. 
( ت ) والأدب أن يقال : خُوطِبَ به صلى الله عليه وسلم، والمراد أُمَّتُهُ لوجودِ عصمته صلى الله عليه وسلم، وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنى من الآيِ، وقد نبَّه - رحمه اللَّه - على هذا المعنى في نظيرتها كما سيأتي، وكان الأولى أن ينبِّه على ذلك هنا أيضاً، وقد أجاب عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالاً، فقال - رحمه اللَّه - : اعلم، وفَّقنا اللَّه وإياك، أنه - عليه السلام - لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل على اللَّه ما لا يجبُ أو يفتري عليه، أو يضل، أو يختم على قلبه، أو يطيع الكافرين، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان في البلاغ للمخالِفِينَ، وإن إِبلاغه، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ، وطيَّب نفسه، وقوَّى قلبه بقوله تعالى :
 والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  \[ المائدة : ٦٧ \] كما قال لموسى وهارون - عليهما السلام : لاَ تَخَافَا  \[ طه : ٤٦ \] لتشتد بصائرهم في الإِبلاغ، وإِظهار دين اللَّهِ، ويذهب عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين، وأما قوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل. . .  \[ الحاقة : ٤٤ \]الآية، وقوله  إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة  \[ الإسراء : ٧٥ \] فمعناه : أنَّ هذا هو جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو صلى الله عليه وسلم لا يفعله، وكذلك قوله تعالَى : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض  \[ الأنعام : ١١٦ \] فالمراد غيره، كما قال : إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ. . .  \[ آل عمران : ١٤٩ \] الآية وقوله : فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ  \[ الشورى : ٢٤ \] وَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  \[ الزمر : ٦٥ \] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال مَنْ أشرك، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يَجُوزُ عليه هذا، وقوله تعالَى  اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين  \[ الأحزاب : ١ \] فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء، ويأمره بما يشاء، كما قال تعالى : وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم  \[ الأنعام : ٥٢ \] الآية، وما كان طَرَدَهُمْ - عليه السلام - ولا كَانَ من الظالمين. انتهى من **«الشِّفَا »**. 
( ص )  وَلَئِنِ  : هذه اللام هي الموطِّئة والموذنةُ، وهي مشعرةٌ بِقَسَمٍ مقدَّر قبلها. انتهى.

### الآية 2:121

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:121]

وقوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يَتْلُونَهُ. . .  \[ البقرة : ١٢١ \]. 
قال قتادة : المراد ب  الَّذِينَ  في هذا الموضع : مَنْ أَسْلَمَ من أمَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، و الكتابُ  على هذا التأويل : القرآن، وقال ابنُ زَيْد : المراد مَنْ أسلم من بني إِسرائيل، والكِتَابُ على هذا التأويلِ : التوراةُ، و ءاتيناهم  معناه : أعطيناهم، و  يَتْلُونَهُ  معناه : يتبعونه حقَّ اتباعه بامتثال الأمر والنهي، قال أحمد بن نَصْرالداودِيُّ : وهذا قول ابن عباس، قال عِكْرِمَةُ : يقال : فلانٌ يتلو فلاناً، أي : يتبعه، ومنه : والقمر إِذَا تلاها  \[ الشمس : ٢ \] أي : تبعها، انتهى. 
وللَّه دَرُّ مَنِ اتبع كلامَ ربِّهِ، واقتفي سُنَّة نبيِّه، وإِن قلَّ عِلْمُهُ، قال القُضَاعِيُّ في اختصاره لِلمدارك : قال في ترجمة سُحْنُون : كان سُحْنُون يقول :" ومَثَلُ العلْمِ القليلِ في الرجُلِ الصالحِ مَثَلُ العَيْنِ العَذْبَةِ، في الأرض العَذْبة، يزرع علَيْها صاحبُها ما ينتفعُ به، ومَثَلُ العلْمِ الكثيرِ في الرجُلِ الطالحِ، مَثَلُ العَيْن الخَرَّارة، في السَّبِخَةِ، تهرُّ الليلَ والنَّهارَ، ولا ينتفعُ بها " انتهى. 
وقيل : يَتْلُونَهُ  يقرءونه حقَّ قراءته، وهذا أيضاً يتضمَّن الاِتّباع والاِمتثالَ، و حَقَّ  : مصدرٌ، وهو بمعنَى أفْعل، والضمير في  بِهِ  عائدٌ على الكتاب، وقيل : يعود على محمَّد صلى الله عليه وسلم، لأن مُتَّبِعِي التوراةِ يجدُونه فيها، فيؤمنون به، والضميرُ في  يَكْفُرْ بِهِ  يحتمل من العود ما ذكر في الأول.

### الآية 2:122

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:122]

وقوله تعالى : يا بَنِى إسرائيل. . .  \[ البقرة : ١٢٢ \]. 
تقدَّم بيان نظيرها.

### الآية 2:123

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:123]

ومعنى : وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة \[ البقرة : ١٢٣ \] أنه ليستْ ثَمَّ، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحَدَّ فيردّ، وأما الشفاعةُ التي هي في تعجيلِ الحسَابِ، فليستْ بنافعة لهؤلاءِ الكَفَرة. 
( ت ) ولم ينبِّه - رحمه اللَّه - على هذا في التي تقدَّمت أولَ السورة.

### الآية 2:124

> ﻿۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [2:124]

و ابتلى \[ البقرة : ١٢٤ \] معناه : اختبر، وفي **«مختَصَرِ الطَّبريِّ »** : ابتلى ، أي : اختبر، والاختبارُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لعباده على علْمٍ منه سبحانه بباطِنِ أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابقُ علمه فيهم، وقد روي ذلك عن عليٍّ - رضي اللَّه عنه - في قوله عز وجَلَّ : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أخباركم  \[ محمد : ٣١ \] فقال رضي اللَّه عنه : إِن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزلْ عالماً بأخبارِهِمْ وخُبْرِهِمْ وما هُمْ عليه، وإن قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ ، أي : حتى نسوقَكُم إِلى سابقِ علْمِي فيكم، انتهى، وهو كلام حسنٌ. 
وقد نبه ( ع ) على هذا المعنى فيما يأتي، والعقيدةُ أنَّ علمه سبحانه قديمٌ، عَلِمَ كلَّ شيء قبْلَ كونه، فجرى على قَدَرِهِ لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو. 
و  إِبْرَاهِيمَ \[ البقرة : ١٢٤ \] يقال : إِنَّ تفسيره بالعربيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ، واختلف أهل التأويل في الكلمات، فقال ابن عَبَّاس : هي ثلاثُونَ سَهْماً، هي الإسلام كلُّه، لم يتمَّه أحدٌ كاملاً إلا إبراهيمُ - عليه السلام - منْها في ( براءة ) :
 التائبون العابدون. . .  الآية \[ التوبة : ١١٢ \]الآية، وعشرة في ( الأحزاب ) : إِنَّ المسلمين والمسلمات. . .  \[ الأحزاب : ٣٥ \]الآية، وعَشَرة في 
 سَأَلَ سَائِلٌ  \[ المعارج : ١ \]. 
( ت ) وقيل غير هذا، وفي **«البخاريِّ »** : أنه اختتن، وهو ابن ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ، قال الراوي : فأوحى اللَّه إليه : إِنِّي جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا 
\[ البقرة : ١٢٤ \] والإِمام القُدْوة، وإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ، لأنها اقترنتْ بها أوامر هي كلمات، وروي أن إبراهيم، لما أتمَّ هذه الكلماتِ، أو أتمَّها اللَّه عليه، كتب اللَّه له البراءة من النَّار، فذلك قوله تعالى : وإبراهيم الذي وفي  \[ النجم : ٣٧ \]. وقول إبراهيم عليه السلام : وَمِن ذُرِّيَّتِي \[ البقرة : ١٢٤ \] هو على جهةِ الرغباءِ إلى اللَّه أو من ذريتي، يا ربِّ، فاجعل. 
وقوله تعالى : قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين \[ البقرة : ١٢٤ \]. 
أي : قال اللَّه، والعهد فيما قال مجاهد : الإِمامة.

### الآية 2:125

> ﻿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [2:125]

وقوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا البيت \[ البقرة : ١٢٥ \] أي : الكعبة  مَثَابَةً  يحتملُ مِنْ ثَابَ إِذا رجع، ويحتمل أن تكون من الثواب، أي : يثابون هناك،  وَأَمْناً  للناسِ، والطيرِ، والوُحُوشِ، إذ جعل اللَّه لها حرمةً في النفوس، بحيث يَلْقَى الرجُلُ بها قاتِلَ أبيه، فلا يهيجه، وقَرَأَ جمهور الناس :
 واتخذوا ، بكسر الخاء على جهة الأمر لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ،  واتخذوا  بفتح الخاء على جهة الخبر عن مَنِ اتخذه مِنْ متبعي إبراهيم - عليه السلام – و مقام إبراهيم  في قول ابن عَبَّاس، وقتادة، وغيرهما، وخرَّجه البُخَارِيُّ هو الحَجَر الذي ارتفع عليه إِبراهيم حينَ ضَعُف عن رفْع الحجارةِ الَّتي كان إِسماعيلُ يناوله إِياها في بنَاء البَيْت، وغَرِقَتْ قدماه فيه، و مُصَلًّى  : موضع صلاة. 
( ص )  مِن مَّقَامِ  : مِنْ تبعيضيةٌ على الأظهر، أو بمعنى في، أو زائدة على مذهب الأخفش، والمقامُ : مَفْعَلٌ من القيامِ، والمراد به هنا المكانُ، انتهى. يعني : المكانَ الذي فيه الحَجَر المسمى بالمقام. 
وقوله تعالى : وَعَهِدْنَا \[ البقرة : ١٢٥ \]. 
العَهْدُ في اللغة : على أقسام، هذا منها الوصية بمعنى الأمر، و طَهِّرَا  قيل : معناه ابنياه وأسِّساه على طَهَارَةٍ ونيَّةِ طَهَارَةٍ، وقال مجاهدٌ : هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان، و  لِلطَّائِفِينَ  ظاهره أهل الطوافِ، وَقَالَهُ عطاء وغيره، وقال ابن جُبَيْر : معناه : للغرباءِ الطارئِينَ على مكَّة، 
 والعاكفين ، قال ابن جُبَيْر : هم أهل البلد المقيمُونَ، وقال عطاء : هم المجاورُونَ بمكَّة، وقال ابنُ عبَّاس : المصَلُّون، وقال غيره : المعتكفُونَ، والعكُوف في اللغة : الملازمة.

### الآية 2:126

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [2:126]

وقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا \[ البقرة : ١٢٦ \]. أيْ من الجبابرة، والعدُوِّ المستأصل، وروي أن اللَّه تعالى، لما دعاه إِبراهيم أمر جبريل فاقتلع فِلَسْطِينَ، وقيل : بقعة من الأرْدُن، فطاف بها، حَوْلَ البيتِ سبْعاً، وأنزلها بِوَج، فسمِّيت الطَّائِفَ بسبب الطواف. 
وقوله تعالى : قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً. . .  \[ البقرة : ١٢٦ \]. 
قال أبيُّ بن كَعْب، وابن إسحاقَ، وغيرهما : هذا القَوْلُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لإِبراهيم، وقال ابنُ عَبَّاس وغيره : هذا القول من إِبراهيم. 
قال :( ع ) فكأنَّ إِبراهيم دعا للمؤمنين، وعلى الكافرين، وفي **«مختصر الطبريِّ »** وقرأ بعضهم، ( فأُمْتِعْهُ ) بالجزم والقَطْع على الدعاء، ورآه دعاءً من إِبراهيم، وروي ذلك عن أبي العالية، كان ابنُ عبَّاس يقول : ذلك قولُ إبراهيم، سأل ربَّه أنَّ من كَفَر به،  فأمتعه قليلاً ، يقول : فارزقه قليلاً،  ثم أضطره إِلى عذاب النارِ \[ البقرة : ١٢٦ \] أي : أَلْجِئْهُ، انتهى. وعلى هذِهِ القراءةِ يجيءُ قولُ ابن عبَّاس، لا على قراءة الجمهور، و قَلِيلاً  معناه : مُدَّة العُمُر، لأن متاع الدنيا قليلٌ.

### الآية 2:127

> ﻿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:127]

وقوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت. . .  \[ البقرة : ١٢٧ \]. القواعدُ : جمع قاعدةٍ، وهي الأساس. 
( ص )  القواعدُ  قال الكسائيُّ والفَرَّاء : هي الجُدُر، وقال أبو عُبَيْدة : هي الأساس، انتهى. 
واختلفوا في قصص البَيْت، فقيل : إِن آدم أمر بِبِنَائِهِ، ثم دثر، ودرس، حتى دلَّ عليه إبراهيم، فرفع قواعده، وقيل : إِن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر اللَّه، وقيل غير هذا. 
( ع ) والذي يصحُّ من هذا كلِّه أن اللَّه سبحانه أمر إبراهيمَ برَفْعِ قواعدِ البيتِ، وجَائِزٌ قِدَمُهُ، وجَائز أن يكون ذلك ابتداءً، ولا يرجح شيء من ذلك إِلا بسند يقطع العُذْر. 
و وإسماعيل  : عطْفٌ على  إِبْرَاهِيمُ ، والتقديرُ : يقولاَنِ  رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم \[ البقرة : ١٢٧ \]، أي : السميع لدعائنا، العليمُ بنيَّاتنا، وخصَّا هاتين الصفتين لتناسبهما مع حالهما.

### الآية 2:128

> ﻿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:128]

وقولهما : اجْعَلْنَا \[ البقرة : ١٢٨ \] بمعنى : صيِّرنا مُسْلِمَيْن، وكذلك كانا، وإنما أرادا التثبيتَ والدوامَ، والإِسلام في هذا الموضعِ الإِيمانُ، والأعمالُ جميعاً، و مِنْ  في قوله : وَمِن ذُرِّيَّتِنَا  للتبعيض، لأن اللَّه تعالى قد كان أعلمه أنَّ منهم ظالمين، والأُمَّة : الجماعةُ،  وَأَرِنَا  قالتْ طائفةٌ : من رؤية البصَرِ، وقالت طائفةٌ : من رؤية القلبِ، وهذا لا يصحُّ، قال قتادة : المناسكُ معالم الحجِّ، واختلف في معنى طلبهم التوبةَ، وهم أنبياء معصومُونَ، فقالتْ طائفةٌ : طلبا التثْبيتَ والدوامَ، وقيل : أرادا من بعدهما مِنَ الذُّرِّيَّة، وقيل، وهو الأحسن : إِنهما لما عرفا المناسكَ، وبنيا البيتَ، أرادا أن يسنا للناس أنَّ تلك المواطنَ مكانُ التنصُّل من الذنوبِ، وطلبِ التوبة. 
وقال الطبريُّ : إِنه ليس أحد من خلق اللَّه إِلا بينه وبين اللَّه معانٍ، يجب أنْ تكون أحسن ممَّا هي، وأجمعت الأمة على عصْمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائر ومن الصغائر الَّتي فيها رذيلةٌ، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومُونَ من الجميع، وإنَّ قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( إنِّي لأَتُوبُ فِي اليَوْمِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ سَبْعِينَ مَرَّةً )، إِنَّما هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ إلى أَرْفَعَ مِنْهَا، لِتَزَيُّدِ علومه، وإطلاعه على أمر ربه، فهو يتوب من منزلة إلى أعلى، والتوبةُ هنا لُغَوِيَّةٌ.

### الآية 2:129

> ﻿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [2:129]

وقوله : رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ. .  \[ البقرة : ١٢٩ \]. 
هذا هو الذي أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله :( أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وبشرى عيسى )، ومعنى  مِّنْهُمْ ، أي : يعرفُوهُ، ويتحقَّقوا فضلَه، ويشفق عليهم، ويحرص. 
( ت ) وقد تواتَرَتْ أخبار نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وبعثته في الكتب السالفة، وعَلِمَ بذلك الأحْبارُ، وأخبروا به، وبتعيين الزَّمَن الذي يبعث فيه، وقد روى البيهقيُّ أحمد بن الحُسَيْن، وغيره، عن طلحة بن عُبَيْد اللَّه - رضي اللَّه عنه - قَالَ :" حَضَرْتُ سُوقَ بصرى، فَإِذَا رَاهِبٌ في صومعة، يقول : سَلُوا أَهْلَ هَذَا المَوْسِمِ، أفيهِمْ مَنْ هو مِنْ هذا الحَرَمِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا، فما تَشَاءُ ؟ قَالَ : هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ ؟ قُلْتُ : ومَنْ أَحْمَدُ ؟ قَالَ : أحمدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، مَخْرَجُهُ مِنَ الحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إلى نَخْلٍ وَسِبَاخٍ، إِذَا كَانَ، فَلاَ تُسْبَقَنَّ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ، وَأَسْرَعْتُ اللَّحَاق بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتَ، هَلْ ظَهَرَ بَعْدِي أَمْرٌ ؟ فَقَالُوا : مُحَمَّدٌ الأُمِّيُّ قَدْ تَنَبَّأَ، وَتَبِعَهُ أبو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحَافَةَ، فَمَشَيْتُ إلى أَبِي بَكْرٍ، وَأَدْخَلَنِي إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمْتُ "، وقد روى العُذْرِيُّ وغيره عن أبي بكر - رضي اللَّه عنه - أنَّه قَالَ :«لقيتُ شيخاً باليمن، فقال لي : أنْتَ حَرَمِيٌّ ؟ فقلت : نعم، فقال : وأحسبكَ قُرَشِيًّا ؟ قلت : نعم، قال : بَقِيَتْ لِي فيكَ واحدةٌ، اكشف لي عن بَطْنك ؟ قُلْتُ : لا أفعل، أو تخبرني لِمَ ذلك، قال : أجدُ في العلْمِ الصحيحِ أن نبيًّا يبعثُ في الحرمين، يقارنه على أمره فتًى، وكَهْل، أمَّا الفتى، فخوَّاض غمراتٍ، ودفَّاع مُعْضِلاَتٍ، وأما الكَهْل، فأبيضُ نحيفٌ، على بطنه شَامَةٌ، وعلى فَخِذِهِ اليسرى علامةٌ، وما عليك أنْ تريني ما سألتُكَ عَنْه، فقد تكامَلَتْ فيك الصِّفَةُ، إِلا ما خَفِيَ علَيَّ، قال أبو بكر : فكَشَفْتُ له عَنْ بطني، فرأى شامَةً سوداء فوق سُرَّتي، فقالَ : أَنْتَ هو وربِّ الكعبة، إِني متقدِّم إِليك في أمْرٍ، قُلْتُ : مَا هُوَ ؟ قال : إِيَّاكَ، والمَيْلَ عن الهدى، وعليك بالتمسُّك بالطريقةِ الوسطى، وخَفِ اللَّه فيما خَوَّلَكَ، وأعطى، قال أبو بكر : فلمَّا ودعتُهُ، قال : أَتَحْمِلُ عنِّي إِلى ذلك النبيِّ أبياتاً ؟ قلت : نعم، فأنشأ الشيخ يَقُولُ :\[ الطويل \]

أَلَمْ تَرَ أَنِّي قَدْ سَئِمْتُ مُعَاشِرِي  وَنَفْسِي وَقَدْ أَصْبَحْتُ فِي الحَيِّ عَاهِنَاحَيِيتُ وَفِي الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ عِبْرَةٌ  ثَلاَثَ مِئينَ بَعْدَ تِسْعِينَ آمِنَاوَقَدْ خَمَدَتْ مِنِّي شَرَارَةُ قُوَّتِي  وَأُلْفِيتُ شَيْخاً لاَ أُطِيقُ الشِّوَاحِنَاوَأَنْتَ وَرَبِّ الَبْيتِ تَأْتِي مُحَمَّداً  لِعَامِكَ هَذَا قَدْ أَقَامَ البَرَاهِنَافَحَيِّي رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي فَإِنَّنِي  على دِينِهِ أَحْيَا وَإِنْ كُنْتُ قَاطِنَاقال أبو بكر : فحفظْتُ شعره، وقَدِمْتُ مكَّة، وقد بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فجاءني صناديد قُرَيْشٍ، وقالوا : يا أبا بكْرٍ، يتيمُ أَبِي طالِبٍ، يَزْعُم أنه نبيٌّ، قال : فجئْتُ إلى منزلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقرعْتُ علَيْه، فخرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ : يَا مُحَمَّدُ، فُقِدْتَ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِكَ، وَتَرَكْتَ دِينَ آبَائِكَ، فَقَالَ :( يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَآمِنْ بِاللَّهِ، فَقُلْتُ : وَمَا دَلِيلُكَ ؟ قَالَ : الشَّيْخُ الَّراهِبُ الَّذِي لَقِيتَهُ بِاليَمَنِ، قُلْتُ : وَكَمْ مِنْ شَيْخٍ لَقِيتُ ؟ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الشَّيْخَ الَّذِي أَفَادَكَ الأَبْيَاتَ، قُلْتُ : وَمَنْ أَخْبَرَكَ بِهَا ؟ قَالَ : الرُّوحُ الأمِينُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الأَنْبِيَاءَ قَبْلِي، قُلْتُ : مُدَّ يَمِينَكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فانصرفت وَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَشَدُّ مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَرَحاً بِإِسْلاَمِي ". 
انتهى من تأليف ابن القَطَّان في **«الآياتِ والمعجزاتِ »**. 
و يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك \[ البقرة : ١٢٩ \]، أي : آيات القُرآن، و الكتاب  : القرآن، قال قتادة : والحكمة  السنة، وروى ابن وهْب عن مالكٍ أن  الحكمة  : الفقْهُ في الدين، والفهم الذي هو سجيَّة ونور من اللَّه تعالى. 
( ت ) ونقل عِيَاضٌ في **«مداركه »** عن مالك أن  الحكمة  نورٌ يقذفه اللَّه في قلب العبد، وقال أيضاً : يقع في قلبي أنَّ  الحكمة  الفقْهُ في دين اللَّه، وأمر يدخلُه اللَّه القلُوبَ من رحمته وفَضْله، وقال أيضاً : الحكمة  التفكُّر في أمر اللَّه، والاتِّباعُ له، والفقْه في الدِّين، والعمل به. انتهى. 
وقد أشار ( ع ) إلى هذا عند قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَة مَن يَشَاءُ  \[ البقرة : ٢٦٩ \]. 
( ت ) والظاهر أن المراد ب  الحكمة  هنا : ما قاله قتادة، فتأمَّله. 
 وَيُزَكِّيهِمْ \[ البقرة : ١٢٩ \] معناه يطَهِّرهم، وينمِّيهم بالخَيْر، و العزيز  : الَّذي يغلب، ويتم مراده، و الحكيم  : المصيبُ مواقعَ الفعْلِ، المُحْكِمُ له.

### الآية 2:130

> ﻿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [2:130]

وقوله تعالى : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبراهيم. .  \[ البقرة : ١٣٠ \]
( مَن ) استفهام، والمعنى : ومَنْ يزهد فيها، ويربأ بنفسه عنها إِلا مَنْ سفه نفسه، والملَّة : الشريعة والطريقَةُ، و( سَفِهَ ) من السَّفَه الَّذي معناه الرِّقَّة والْخِفَّة، و اصطفي  من الصَّفْوَة، معناه : تخيَّر الأصفي، ومعنى هذا الاِصطفاءِ أنه نبأه، واتَّخذه خليلاً. 
 وَإِنَّهُ في الآخرة لَمِنَ الصالحين \[ البقرة : ١٣٠ \] قيل : المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذف مضافٍ.

### الآية 2:131

> ﻿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [2:131]

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ \[ البقرة : ١٣١ \] كان هذا القول من اللَّه تعالى حين ابتلاه بالكوكبِ، والقمرِ، والشمس، والإِسلامُ هنا على أتمِّ وجوهِهِ، والضميرُ في  بِهَا  عائدٌ على كلمته التي هي  أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين \[ البقرة : ١٣١ \]، وقيلَ : على الملة، والأول أصوبُ، لأنه أقرب مذكور.

### الآية 2:132

> ﻿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [2:132]

وَيَعْقُوبُ  قيل : عطْفٌ على  إِبْرَاهِيمَ ، وقيل : مقطوعٌ منفردٌ بقوله : يَا بَنِيَّ ، والتقدير : ويعقوب قال : يا بَنِيَّ. 
و اصطفي  هنا معناه : تخيَّر صفوةَ الأديان. 
وقوله : فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ \[ البقرة : ١٣٢ \] إِيجاز بليغ، وذلك أنَّ المقصود من أمرهم بالإِسلام الدوامُ علَيْه، فأتى بلفظ موجَزٍ يقتضي المقصودَ، ويتضمَّن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقَّق أنه يموت، ولا يدري متى، فإِذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إِلاَّ وهو عليه، فقد توجَّه من وقت الأمر دائباً لازماً.

### الآية 2:133

> ﻿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:133]

وقوله تعالى : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت \[ البقرة : ١٣٣ \]. 
هذا الخطابُ لليهودِ والنصارَى، الذين انتحلوا الأنبياءَ - صلوات اللَّه عليهم - ونَسَبوهم إِلَى اليهوديَّة والنصرانية، فردَّ اللَّه عليهم وكذَّبهم، وأعلمهم أنهم كانُوا على الحنيفيَّة الإِسلامِ، وقال لهم على جهة التقريرِ والتوبيخ : أَشهدتُّمْ يعقوبَ بما أوصى، فتدَّعُونَ عنْ علْمٍ أَم لم تشهدوا،  بل أنتم تفترُونَ وأم : للاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَةٌ، وحكى الطبريُّ أنَّ ( أَمْ ) يستفهم بها في وسط الكلام، قد تقدَّمَ صدره، وهذا منه، 
و شُهَدَاءَ  : جمع شاهدٍ، أي : حاضر، ومعنى الآية حضر يعقوبَ مقدِّماتُ الموت. 
و مِن بَعْدِي \[ البقرة : ١٣٣ \] أي : من بَعْدِ مَوْتِي، ودخل إِسماعيل في الآباء لأنه عَمَّ، وقد أطلق النبيُّ صلى الله عليه وسلم على العَبَّاس اسم الأب، فقال : هذا بقية آبائي، وقال :( رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي ) الحَدِيثَ، وقال :( أَنَا ابن الذِّبِيحَيْنِ )، على القول الشهيرِ، في أنَّ إِسحاق هو الذبيحُ. 
( ت ) وفي تشهيره نظَرٌ، بل الراجحُ أنه إِسماعيل على ما هو معلومٌ في موضعه، وسيأتي إِنْ شاء اللَّه تعالى.

### الآية 2:134

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:134]

وقوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ. . .  \[ البقرة : ١٣٤ \]. 
يعني بالأُمَّةِ الأنبياءَ المذكورينَ، والمخاطَبُ في هذه الآية اليهودُ والنصارى.

### الآية 2:135

> ﻿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2:135]

وقولهم : كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ \[ البقرة : ١٣٥ \] نظير قولهم : لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى  \[ البقرة : ١١١ \]، والحنيف في الدين : الذي مال عن الأديان المكروهة إِلى الحقِّ، ويجيء الحنيفُ في الدين، بمعنى المستقيمِ على جميع طاعاتِ اللَّهِ.

### الآية 2:136

> ﻿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:136]

وقوله تعالى : قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّون مِن رَّبِّهِمْ. . .  \[ البقرة : ١٣٦ \]. 
هذا الخطابُ لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم،  وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا  يعني القُرْآن، و الأَسْبَاطِ  هم ولَدُ يعقوبَ، وهم : رُوبِيل، وشَمْعُون، ولاَوي، ويَهُوذَا، وريالُون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خَلَف على أختها رَاحِيل، فولَدَتْ له يوسُفَ، وبِنْ يَامِين، ووُلِدَ له من سُرِّيَّتَيْنِ : ذان، وتفثالا، وجاد، واشر. 
والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسُمُّوا الأسباط لأنه كان من كل واحدٍ منهم سِبْطٌ. 
وَ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ \[ البقرة : ١٣٦ \]، أي : لا نؤمن ببعضٍ، ونكْفُر ببعض كما تفعلون.

### الآية 2:137

> ﻿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:137]

فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءَامَنتُمْ بِهِ \[ البقرة : ١٣٧ \]، أيْ : فإن صَدَّقوا تصديقاً مثْلَ تصديقكم،  فَقَدِ اهْتَدَواْ، وَّإِن تَوَلَّوْاْ \[ البقرة : ١٣٧ \]، أي : أعرضوا، يعني : اليهودَ والنصارى،  فَإِنَّمَا هُمْ في شِقَاقٍ \[ البقرة : ١٣٧ \]، أي : في مشاقَّةٍ ومخالفةٍ لَكَ، هم في شِقٍّ، وأنت في شِقٍّ، وقيل : شَاقَّ معناه : شَقَّ كل واحدٍ وصل ما بينَه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إِياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قَتْل بني قَيْنُقَاعَ، وبني قريظة، وإِجلاء النَّضِير، وهذا الوَعْدُ وانتجازه من أعلام نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. 
و السميع  لقولِ كل قائلٍ، و العليم  بما ينفذه في عبادِهِ.

### الآية 2:138

> ﻿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [2:138]

و صِبْغَةَ الله \[ البقرة : ١٣٨ \] شريعتُهُ، ودينُهُ، وسنَّته، وفطْرته، قال كَثِيرٌ من المفسِّرين : وذلك أن النصارى لهم ماءٌ يصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك، وقيل : سمي الدِّين صبغةً استعارةً من حيث تظهر أعْمَالُهُ، وسِمَتُهُ على المتدِّين، كما يظهر الصِّبْغ في الثَّوْب، وغيره، ونصب الصِّبْغة على الإِغراء.

### الآية 2:139

> ﻿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [2:139]

وقوله تعالى : قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ. . .  \[ البقرة : ١٣٩ \]. 
معنى الآية : قل يا محمَّد لهؤلاءِ اليهودِ والنصارى : أتحاجُّوننا في اللَّه  أي : أتجادلونَنَا في دِينِهِ، والقُرْب منه، والحُظْوة لديه سُبْحانه، والرب واحدٌ، وكلٌّ مجازًى بعمله، ثم وبَّخهم بقوله : وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ  \[ البقرة : ١٣٩ \]، أي : ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدَّعون ما نَحْن أولى به منْكُمْ.

### الآية 2:140

> ﻿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:140]

وقوله تعالى : أَمْ تَقُولُونَ \[ البقرة : ١٤٠ \] عطْفٌ على ألف الاستفهامِ المتقدِّمة، وهذه القراءة بالتاء من فوقُ قراءةُ ابن عامر، وحمزةَ، وغيرهما، وقرأ نافعٌ وغيره بالياء من أسفل، وأَمْ على هذه القراءةِ مقطوعةٌ، ووقفهم تعالى على موضعِ الانقطاعِ في الحُجَّة، لأنهم إِنْ قالوا : إنَّ الأنبياء المذكُورين على اليهوديَّة والنصرانية، كَذَبوا، لأنه قد عُلِمَ أن هذين الدينَيْن حَدَثَا بعدهم، وإِن قالوا : لم يكونوا على اليهودية والنصرانية، قيل لهم : فهلُمُّوا إِلى دينهم إِذ تقرُّون بالحق. 
وقوله تعالى : قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله \[ البقرة : ١٤٠ \]. 
تقريرٌ على فساد دعواهم، إذ لا جواب لمفطورٍ إلا أن اللَّه تعالى أعلم،  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شهادة \[ البقرة : ١٤٠ \]، أيْ : لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى بكتمانِ الشهادةِ، قال مجاهد وغيره : فالذي كتموه هو ما في كتبِهِمْ مِنْ أنَّ الأنبياء على الحنيفيَّة، لا على ما ادعوه، وقال قتادةُ وغيره : هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والأولُ أشبه بسياقِ الآيةِ،  ومِن  متعلِّقةٌ بعِنْده، ويحتمل أن تتعلق بكَتَمَ. 
 وَمَا الله بغافل. .  \[ البقرة : ١٤٠ \] فيه وعيد وإِعلام، إنه لا يترك أمرهم سدًى، والغافل : الذي لا يفطنُ للأمور إهْمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغُفْلِ، وهي التي لا مَعْلَمَ بها

### الآية 2:141

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:141]

وقوله تعالى،  تِلْكَ أُمَّةٌ \[ البقرة : ١٤١ \]. 
كرَّرها عن قرب لأنها تضمَّنت معنى التهْديدِ والتخويفِ، ولترداد ذكرهم أيضاً في معنى غيْر الأول.

### الآية 2:142

> ﻿۞ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:142]

وقوله تعالى : سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس. . .  \[ البقرة : ١٤٢ \]. 
اختلف في تعْيينِ هؤلاء السفهاءِ، فقال ابن عبَّاس : هم الأحبارُ، وذلك أنهم جاءوا إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمَّد، ما ولاَّك عَنْ قبلتنا ؟، ارجع إِلَيْها، نتبعك ونؤمنْ بك، يريدُونَ فتنتَهُ، وقيل : اليهود والمنافقُونَ، وقالَتْ فرقة : هم كُفَّار قريش. 
و ولاهم  معناه : صَرَفَهُمْ، و يَهْدِي مَن يَشَاءُ \[ البقرة : ١٤٢ \] إِشارة إِلى هداية اللَّه تعالى هذه الأمة إلى قبلة إِبراهيم.

### الآية 2:143

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [2:143]

وكذلك جعلناكم \[ البقرة : ١٤٣ \] أيْ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، و جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً \[ البقرة١٤٣ \] أي : عدولاً روي ذلك عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط : الخيارُ، والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها، ومنه قوله تعالى : قَالَ أَوْسَطُهُمْ  \[ القلم : ٢٨ \]. 
و شُهَدَاءَ  : جمع شاهدٍ، والمراد بالناسِ هنا في قول جماعة : جميعُ الجنْسِ، وأن أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم تشهدُ يوم القيامة للأنبياءِ على أممهم بالتبليغِ، وروي في هذا المعنى حديثٌ صحيحٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وروي عنه أنَّ أُمته تشهدُ لكُلِّ نبيٍّ نَاكَرَهُ قومه. ( ت ) وهذا الحديثُ خرَّجه البخاريُّ، وابن ماجة، وابن المبارك في **«رقائقه »** وغيرهم، قائلاً صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا. . .  الآية. 
وكون الرسولِ شهيداً، قيل : معناه : بأعمالكم يوم القيامة، وقيل : عليكم  بمعنى **«لَكُمْ »**، أي : يَشْهَدُ لَكُمْ بالإِيمان. 
وقوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا القبلة. . .  \[ البقرة : ١٤٣ \] الآية، قال قتادةُ وغيره : القِبْلة هنا بيْتُ المَقْدِس، أي :( إِلا فِتْنَةً ) لنعلَمَ من يتبعك مِنَ العربِ الذين لم يألفوا إِلا مسجد مكَّة، أو من اليهود على ما قاله الضَّحَّاك، الذين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : إِنْ صَلَيْتَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، اتبعناك، فأمره اللَّه بالصَّلاة إِليه امتحانا لهم، فلم يؤمنوا. 
وقال ابنُ عَبَّاس : القبلة في الآيَةِ : الكعبةُ، و كُنتَ عَلَيْهَا  بمعنى : أَنْتَ عليه، كقوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  \[ آل عمران : ١١٠ \]، بمعنى : أنتم. 
 وَمَا جَعَلْنَاهَا  وَصَرَّفْنَاكَ إلَيْهَا ( إلا فتنةً )، وروي في ذلك أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إِلى الكعبة أكْثَرَ في ذلك اليهودُ والمنافقونَ، وارتاب بعض المؤمنين، حتى نزلتِ الآية، ومعنى : لِنَعْلَمَ ، أي ليعلم رسولِي والمؤمنون به، والقاعدة نَفْيُ استقبال العلْمِ بعد أنْ لم يكُنْ، و يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ \[ البقرة : ١٤٣ \] عبارةٌ عن المرتدِّ، والرجوعُ على العَقِبِ أَسوأُ حالات الراجع. 
وقوله تعالى : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله. . .  \[ البقرة : ١٤٣ \] الضمير في **«كَانَتْ »** راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حَسْبما تقدَّم من الخلاف في القبلة، **«وكَبِيرَة »** هنا معناه : شاقَّة صعبةٌ، تكبُرُ في الصدور، ولما حُوِّلَتِ القبلة، كان من قول اليهود : يا محمَّدُ، إن كانَتِ الأولى حقاً، فأنتَ الآنَ على باطلٍ، وإن كانتْ هذه حقًّا، فكنْتَ في الأولى على ضلالٍ، فَوَجَمَتْ نفوسُ بعْضِ المؤمنين، وأشْفَقُوا على مَنْ مات قبل التحويل من صلاتِهِمُ السالفة، فنزلَتْ : وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم \[ البقرة : ١٤٣ \] أي : صلاتكم، قاله ابن عبَّاس وغيره، وسمَّى الصلاة إِيماناً لَمَّا كانَتْ صادرةً عن الإيمان، ولأن الإِيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إِذ هو الأصل، ولئلاَّ يندرج في اسم الصلاة صلاةُ المنافقين إِلى بيت المَقْدِسِ، فذكر المعنَى الَّذي هو ملاك الأمر، وأيْضاً سُمِّيتْ إِيماناً إِذ هي من شُعَب الإِيمان. 
( ت ) وفي العتبية من سماع ابن القاسم قال مالكٌ : قال اللَّهُ تبارَكَ وتعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم \[ البقرة : ١٤٣ \] قال : هي صلاة المؤمنين إلى بيت المَقْدِس، قال ابنُ رُشْد : وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير، وقد قيل : إن المعنى في ذلك،  وما كان اللَّه ليضيعَ إِيمانكم  بفَرْضِ الصلاة عليكم إلى بيْتِ المقدِسِ. انتهى من **«البَيَان »**. 
والرَّأْفَةُ : أعلى منازل الرحْمَة.

### الآية 2:144

> ﻿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [2:144]

وقوله تعالى : قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء. . .  \[ البقرة : ١٤٤ \]
المقْصِد تقلُّب البصر، وأيضاً : فالوجه يتقلَّب بتقلُّب البصر، قال قتادة وغيره : كان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الدعاءِ إلى اللَّه تعالى أيْ يحوِّله إِلى قبلة مكَّة، ومعنى التقلُّب نحو السماء : أنَّ السماء جهةٌ، قد تعوَّد العالَمُ منْها الرحمةَ كالمطر، والأنوار، والوَحْي، فهم يجعلون رغبتهم حيْثُ توالَتِ النعَمُ. 
قال :( ص )  فَلَنُوَلِّيَنَّكَ \[ البقرة : ١٤٤ \] يدلُّ على تقدير حالٍ، أي : قد نرى تقلُّب وجهك في السماءِ طالباً قبلةً غير التي أنْتَ مستقبلها، فلنولينَّكَ. انتهى. 
و تَرْضَاهَا  معناه : تحبُّها، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحبُّ الكعبةَ، والتحوُّل عن بيت المَقْدِسِ لوجوه ثلاثة رُوِيَتْ :
أحدها : لقول اليهودِ :**«مَا عَلِمَ محمَّدٌ دينَهُ، حتَّى اتبعنا »** قاله مجاهد. 
الثاني : ليصيب قبلة إِبراهيمَ - عليه السلام - قاله ابن عَبَّاس. 
الثالث : ليستأنف العربَ لمحبَّتها في الكَعْبة، قاله الربيع والسُّدِّيُّ. 
( ع ) والميزابُ هو قبلة المدينةِ والشامِ، وهنالك قبلةُ أهل الأندلسِ بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلةٌ من كل أُفُقٍ. 
وقوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ. . .  \[ البقرة : ١٤٤ \]. 
أمر بالتحوُّل، ونسخ لقبلة الشام، و شَطْره  نصبٌ على الظرف، ومعناه : نحو وتلقاء،  وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ \[ البقرة : ١٤٤ \] أَمْر للأمة ناسخٌ. 
 وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب. . .  \[ البقرة : ١٤٤ \] الآية، المعنى : أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم، أمام الأمم، وأن استقبالها هو الحقُّ الواجب على الجميع اتباعا لمحمَّد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وتضمَّنت الآيةُ الوعيد.

### الآية 2:145

> ﻿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [2:145]

وقوله جلَّت قدرته : وَلَئِنْ أَتَيْتَ. . .  \[ البقرة : ١٤٥ \]. 
أعلَمَ اللَّه تعالى نبيَّه - عليه السلام - حين قالَتْ له اليهودُ : راجِعْ بيْتَ المَقْدِسِ، ونؤمن بكَ أن ذلك مخادَعَةٌ منهم، وإنهم لا يتَّبعون له قِبْلَةً، يعني : جملتهم لأن البعض قد اتبع، كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ وغيره، وأنهم لا يؤمنون بدينه، أي : فلا تُصْغِ إِليهم، والآية هنا العَلاَمَةُ. 
وقوله جلَّت عظمته : وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ. . .  \[ البقرة : ١٤٥ \]. 
لفظ خبرٍ يتضمَّن الأمر، أي : فلا تركنْ إِلى شيء من ذلك،  وَمَا بَعْضُهُم. . .  \[ البقرة : ١٤٥ \] الآية، قال ابن زيد وغيره : المعنى ليستِ اليهودُ متبعةً قبلة النصارى، ولا النصارى متبعةً قبلةَ اليهودِ، فهذا إِعلام باختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم، وقبلةُ النصارى مَشْرِقُ الشمْسِ، وقبلةُ اليهود بيْتُ المَقْدِسِ. 
وقوله تعالى : وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم. . .  \[ البقرة : ١٤٥ \]. 
خطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمرادُ أمته، وما ورد من هذا النوع الَّذي يوهمُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ظُلْماً متوقّعاً، فهو محمولٌ على إِرادة أمته، لعصمة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقَطْعاً أن ذلك لا يكُونُ منْه، وإِنما المرادُ مَنْ يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطِبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر، قال الفَخْر :" ودلَّت هذه الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرهم، لأن قوله : مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم \[ البقرة : ١٤٥ \] يدلُّ على ذلك "، انتهى، وهو حَسَنٌ. 
( ص )  وَلَئِنْ أَتَيْتَ  : لام **«لَئِنْ »** مؤذنةٌ بقَسَمٍ مقدَّرٍ قبلها، ولهذا كان الجواب له  مَّا تَبِعُواْ ، ولو كان للشرط، لدخلت الفاء، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضياً، لأنه إِذا حذف جوابه، وجب فعله لفظاً. انتهى.

### الآية 2:146

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:146]

وقوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ. . .  \[ البقرة : ١٤٦ \]. 
الضمير في ( يعرفونه ) عائدٌ على الحق في القبلة، والتحوُّل إلى الكعبة، قاله ابن عبَّاس وغيره، وقال مجاهدٌ وغيره : هو عائدٌ على محمَّد صلى الله عليه وسلم، أي : يعرفون صدْقَه ونبوَّته. 
( ت ) بل وصفاتِهِ. 
 وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق \[ البقرة : ١٤٦ \]. الفريقُ : الجماعةُ، وخص، \[ لأن \] منهم من أسلم ولم يكتم، والإشارة بالحق إلى ما تقدَّم على الخلاف في ضمير ( يَعْرِفُونَهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )، ظاهرٌ في صحَّة الكفر عناداً.

### الآية 2:147

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [2:147]

وقوله تعالى : الحق مِن رَّبِّكَ \[ البقرة : ١٤٧ \]، أي : هو الحق،  فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين \[ البقرة : ١٤٧ \] الخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمرادُ أمَّته، وامترى في الشيء، إِذا شك فيه، ومنه : المراءُ، لأن هذا يشك في قول هذا.

### الآية 2:148

> ﻿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:148]

وقوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ \[ البقرة : ١٤٨ \] الوجهةُ : من المواجهة، كالقبلة، والمعنى : ولكلِّ صاحبِ ملَّة وجهةٌ،  هو مولِّيها \[ البقرة : ١٤٨ \] نفْسَه، قاله ابن عَبَّاس وغيره. 
وقرأ ابن عامر :( هُوَ مَولاهَا ) أيْ : اللَّه مُوَلِّيها إياهم، ثم أمر تعالى عباده باستباق الخَيْرات، والبدارِ إلى سبيل النجاة، وروى ابن المُبَارك في **«رقائقه »** بسنده أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :( مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الخَيْرِ فَلْيَنْتَهُزْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، متى يُغْلَقُ عَنْهُ ) انتهى. 
ثم وعظهم سبحانه بذكْر الحشر موعظةً تتضمَّن وعيداً وتحذيراً. 
( ص )  أينما  ظرفٌ مضمَّن معنى الشرط في موضعِ خَبَرِ كان، انتهى. 
وقوله : يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا \[ البقرة : ١٤٨ \]. يعني به البعْثَ من القبور.

### الآية 2:149

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:149]

وقوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ \[ البقرة : ١٤٩ \] معناه : حيثُ كنْتَ، وأَنى توجَّهْتَ، من مشارقِ الأرض، ومغاربِها، وكرَّرت هذه الآية تأكيداً من اللَّه سبحانه لأن موقع التحويلِ كان صَعْباً في نفوسهم جدًّا، فأكَّد الأمر ليرى الناسُ التهمُّم به، فيخفَّ عليهم، وتسكُنَ نفوسُهم إليه.

### الآية 2:150

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:150]

وقوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ. . .  \[ البقرة : ١٥٠ \]. 
المعنى : عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك  لئلاَّ يكون للناسِ عليكم حجةٌ \[ البقرة : ١٥٠ \] والمراد بالنَّاس العمومُ في اليهودِ والعربِ، وغيرهم،  إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ \[ البقرة : ١٥٠ \] أي : من المذكورين ممَّن تكلَّم في النازلة في قولهم : مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ  \[ البقرة : ١٤٢ \]. 
وقوله تعالى : فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني. . .  \[ البقرة : ١٥٠ \]. 
\[ فيه \] تحقيرٌ لشأنهم، وأمر باطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفَخْر : وهذه الآية تدلُّ على أن الواجب علَى المَرْء في كلِّ أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه خشيةَ ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخَلْقِ شيء البتَّةَ وألاَّ يكون مشتغل القَلْب بهم، ولا ملتفت الخاطر إلَيْهِم، انتهى. 
قال ( ص )  إِلاَّ الذين  استثناءٌ متَّصِلٌ، قاله ابن عباس وغيره، أي : لئلاَّ تكون حجةٌ من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا وتوجَّه للكعبة إِلاَّ حبًّا لبلده، وقيل : منقطع، أي : لكن الذين ظلموا منهم فإِنهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبَه، وزعم أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بْنُ المثنى : أن ( إِلاَّ ) في الآية بمعنى الواو، قال ومنه :\[ الوافر \] :

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوه  لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِأي : والَّذين ظلموا، وَالفَرْقَدَان، ورُدَّ بأنَّ إِلاَّ بمعنى الواو لا يقوم علَيْه دليلٌ، انتهى. 
وقوله تعالى : فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ \[ البقرة : ١٥٠ \] أمر باستقبال القبْلَة، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد. 
وقوله سبحانه : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ \[ البقرة : ١٥٠ \] عطْفٌ على قوله :( لَئِلاَّ )، وقيل : هو في موضع رفع بالاِبتداء، والخبرُ مضمرٌ، تقديره : ولأتمَّ نعمتي عليكم عرَّفتكم قبلتي، ونحوهُ،  وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ \[ البقرة : ١٥٠ \] ترجٍّ في حقِّ البشر، والكافُ في قوله : كَمَا  ردٌّ على قوله : وَلأُتِمَّ ، أي : إِتماماً كما، وهذا أحسنُ الأقوال، أي : لأتم نعمتي عليكم في بيان سُنَّة إِبراهيم عليه السلام.

### الآية 2:151

> ﻿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:151]

كَما أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ \[ البقرة : ١٥١ \] إِجابة لدعوته في قوله : رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ  \[ البقرة : ١٢٩ \]. 
وقيل : الكاف من ( كمَا ) رَدٌّ على **«تَهْتَدُونَ »**، أي : اهتداء كما قال الفَخْر : وهنا تأويلٌ ثالثٌ، وهو أن الكاف متعلِّقة بما بعدها، أي : كما أرسلنا فيكم رسولاً، وأوليتكم هذه النعم، ( ت ) وهذا التأويل نقله الدَّاوُدِيُّ عن الفراء. انتهى. وهذه الآيةُ خطابٌ لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم و ءاياتنا  يعني : القُرآن، وَ يُزَكِّيكُمْ ، أي : يطهركم من الكفر، وينمِّيكم بالطاعة، و  الكتاب  : القُرآن، و الحكمة  ما يتلقى عنه صلى الله عليه وسلم من سنَّةٍ، وفقْهٍ، ودينٍ، و ما لم تكونوا تعلمون \[ البقرة : ١٥١ \] قصص من سلف، وقصص ما يأتي من الغيوب.

### الآية 2:152

> ﻿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [2:152]

قوله تعالى : فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ. . .  \[ البقرة : ١٥٢ \]
قال سعيد بن جُبَيْر : معنى الآية : اذكروني بالطاعةِ، أذكركم بالثواب. 
( ت ) وفي تفسير أحمد بن نصر الداوديِّ، عن ابن جُبَيْر : اذكروني بطاعتِي، أذكرْكُمْ بمغفرتي، وروي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :( مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَقَدْ ذَكَر اللَّهَ، وإِنْ قلَّت صلاته، وصيامه، وتلاوته القُرآن، ومن عَصَى اللَّه، فقد نَسِيَ اللَّه، وإِن كَثُرَتْ صلاته، وصيامه، وتلاوته القُرآن ) انتهى. 
وروى ابن المبارك في **«رقائقه »** بسنده عن أنس بن مالك، قال :" مَا مِنْ بُقْعَةٍ يُذْكَرُ اللَّهُ عَلَيْهَا بصَلاةٍ أو بذكْرٍ إِلاَّ افتخرت على ما حَوْلَهَا من البِقَاعِ، واستبشَرَتْ بذكْر اللَّه إِلى منتهاها منْ سبعِ أرَضِينَ، وما مِنْ عَبْدٍ يقومُ يصلِّي إِلا تزخرفَتْ له الأرض " قال ابنُ المُبَارك : وأخبرنا المسعوديُّ عن عَوْنِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال : الذاكِرُ في الغافِلِينَ، كالمقاتل خَلْف الفارِّين، انتهى. 
وقال الربيعُ والسِّدّي : المعنى : اذكروني بالدعاءِ، والتسبيحِ، ونحوه، وفي صحيح البخاريِّ ومسلمٍ، وغيرهما، عن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه- قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وتعالى :( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإِ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ. . . ) " الحديثَ، انتهى. 
 واشكروا لِي ، أي : نعمي وأيادِيَّ،  وَلاَ تَكْفُرُونِ \[ البقرة : ١٥٢ \] أي : نعمي وأياديَّ. 
( ت ) وعن جابر، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ، فَقَالَ : الحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ وَقَدْ أدى شُكْرَهَا، فَإِنْ قالها الثانيةَ، جدَّد اللَّهُ لها ثوابَهَا، فَإن قالها الثالثةَ، غفر اللَّه له ذُنوبَه ) رواه الحاكمُ في **«المستَدْرَكِ »**، وقال : صحيح. انتهى من **«السِّلاح »**.

### الآية 2:153

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:153]

وقوله تعالى : إِنَّ الله مَعَ الصابرين \[ البقرة : ١٥٣ \]. 
أي : بمعونته وإِنجاده.

### الآية 2:154

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [2:154]

وقوله تعالى : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ. . .  \[ البقرة : ١٥٤ \]. سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأُحُدٍ من المؤمنين : مَاتَ فلانٌ، ماتَ فلانٌ، فكره اللَّه سبحانه أن تُحَطَّ منزلةُ الشهداءِ إِلى منزلة غيرهم، فنزلَتْ هذه الآية، وأيضاً : فإِن المؤمنين صَعْبٌ عليهم فراقُ إِخوانهم وقراباتِهِمْ، فنزلَتِ الآيةُ مسلِّية لهم، تعظِّم منزلة الشهداءِ، وتخبر عن حقيقةِ حالِهِمْ، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم، ويظهر ذلك من حديث أُمِّ حارثَةَ في السِّيَرِ. 
( ت ) وخرَّجه البخاريُّ في **«صحيحه »** عن أنسٍ، قال :" أُصِيبَ حارثةُ يوم بَدْر أصابه غَرْبُ سَهْمٍ، وهو غلامٌ، فجاءَتْ أُمُّهُ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَتْ : يا رسُولَ اللَّهِ، قد عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِب، وَإِن تَكُن الأخرى، ترى مَا أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ :( وَيْحَكِ، أَوَ هُبِلْتِ ؟ أَو جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هَيَ ؟ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى. . . ) الحديثَ، انتهى. 
( ع ) والفرق بين الشهيدِ وغيرهِ، إِنما هو الرِّزْقُ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى فضَّلهم بدوام حالِهِمُ التي كانَتْ في الدنيا فرزَقهُم. 
( ت ) وللشهيدِ أحوالٌ شريفةٌ منها ما خرَّجه الترمذيُّ وابن ماجة عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ، يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، ويرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ الْعِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقْرِبَائِهِ ) قال الترمذيُّ : هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، زاد ابن ماجَة :( ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ )، قال القرطبيُّ في **«تذكرته »** : هكذا وقع في نسخ الترمذيِّ وابن ماجة :**«ستَّ خِصَالٍ »** وهي في متن الحديث سَبْعٌ، وعلى ما في ابن ماجة :**«ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ »** تكون ثمانياً، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سَلْمَان النَّجَّاد بسنده عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ ثَمَانِ خِصَالٍ )، انتهى. وخرَّج الترمذيُّ، والنسائِيُّ عنْه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( الشَّهِيدُ لاَ يَجِدُ أَلَمَ القَتْلِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ القَرْصَةِ ) انتهى. 
( ع ) روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أنَّ أرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ )، وروي :( أَنَّهُمْ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ )، ورويَ :( أنهم في قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ )، إِلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوالٌ لِطَوَائِفَ، أو للجميع في أوقات متغايرة. 
( ت ) وكذا ذكر شَبِيبُ بن إِبراهيم في كتاب " الإِفصاح " أنَّ المنعَّمين على جهاتٍ مختلفةٍ، بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم، قال صاحب **«التذكرة »** : وهذا قول حَسَنٌ، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع، انتهى. 
قال :( ع ) وجمهور العلماء على أنهم في الجَنَّة، ويؤيِّده قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمِّ حَارِثَةَ :( إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى ). 
وقال مجاهد : هم خارجُ الجَنَّةِ ويعلَّقون من شجرِهَا، وفي **«مختصر الطبريِّ »**، قال : ونهى عزَّ وجَلَّ أنْ يقال لِمَنْ يقتلُ في سبيلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ، وأعْلَمَ سبحانه أنهم أحياءٌ، ولكنْ لا شعورَ لَنَا بذلك، إذ لا نُشَاهِدُ باطنَ أمرهم، وخُصُّوا مِنْ بين سائر المُؤمنين، بأنهم في البَرْزَخِ، يرزَقُون من مطاعِم الجَنَّة، ما يُرْزَقُ المؤمنون من أهْل الجنة، على أنه قد ورد في الحديثِ :" إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ "، ومعنى :**«يُعَلَّق »** : يأكل، ومنه قولهم : ما ذقْتُ عَلاقاً، أي : مأكلاً، فقد عم المؤمنين بأنهم يرزقُونَ في البرزخ، من رزق الجنة، ولكن لا يمتنعُ أن يخصَّ الشهداء من ذلك بقَدْر لا يناله غيرهم، واللَّه أعلم، انتهى. 
وروى النسائيُّ ( أن رجلاً قال : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُون فِي قُبُورِهِمُ إِلاَّ الشَّهِيدَ ؟ قَالَ : كفي بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ على رَأْسِهِ فِتْنَةً ) انتهى. 
( ت ) وحديثُ :" إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ " خرَّجه مالك رحمه اللَّه، قال الدَّاوديُّ : وحديث مالكٍ، هذا أصحُّ ما جاء في الأرواح، والذي روي ( أنها تجعل في حواصِلِ طيرٍ ) لا يصحُّ في النقل، انتهى. 
قال أبو عُمَرَ بْنُ عبْدِ البَرِّ في **«التمهيد »** : والأشبه قولُ من قال : كَطَيْرٍ أو كصُوَرِ طيرٍ لموافقته لحديثِ **«الموطَّأ »** هذا، وأسند أبو عمر هذه الأحاديثَ، ولم يذكر مطعناً في إسنادها، انتهى. 
ثم أعلمهم تعالى أن الدنيا دارُ بلاءٍ ومحنةٍ.

### الآية 2:155

> ﻿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [2:155]

ثم وعد على الصَّبْر، فقال : وَلَنَبْلُوَنَّكُم \[ البقرة : ١٥٥ \] أي : نمتحنكم  بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف ، أي : من الأعداء في الحروبِ،  وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال \[ البقرة : ١٥٥ \] أي بالجوانحِ، والمصائبِ،  والأنفس  بالموت، والقَتْل،  والثمرات  بالعَاهَاتِ، والمرادُ بشيءٍ من هذا، وشيءٍ من هذا، واكتفي بالأول إِيجازاً.

### الآية 2:156

> ﻿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:156]

ثم وصف سبحانه الصابرين الَّذين بشَّرهم بقوله : الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون \[ البقرة : ١٥٦ \]، فجعل سبحانه هذه الكلماتِ ملجأً لذوي المصائبِ، لما جمعتْ من المعاني المباركةِ، من توحِيدِ اللَّهِ سبحانه، والإِقرار له بالعبودية، والبعثِ من القبورِ، واليقينِ بأنَّ رجوع الأمر كلِّه إِليه كما هو له، قال الفَخْرُ :" قال أبو بَكْرٍ الوَرَّاق الوراق : إِنَّا لِلَّهِ  إقرارٌ منَّا له بالمُلْكِ، و إِنَّا إِلَيْهِ راجعون  إِقرارٌ على أنفسنا بالهلاكِ ". 
 " واعلم أن قوله : إِنَّا لِلَّهِ  يدلُّ على كونه راضيًا بكلِّ ما نَزَلَ به، ووردَتْ أخبارٌ كثيرةٌ في هذا البابِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فمنِ استرجع عند المصيبة، جَبَر اللَّه مصيبته، وأحْسَنَ عقباه، وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضَاهُ "، انتهى. 
ورُوِيَ :" أنَّ مَصْبَاحَ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم انطفأ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون ، فَقِيلَ : أَمُصِيبَةٌ هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ، كُلُّ مَا آذَى المُؤْمِنَ، فَهُوَ مُصِيبَةٌ )، قال النوويُّ : ورُوِّينَا في **«كتاب ابن السُّنِّيِّ »** عن أبي هريرة، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( ليسترجعْ أحدُكُمْ في كلِّ شيء، حتى في شِسْعِ نَعْلِه، فَإِنها من المصائِبِ ) انتهى من **«الْحِلْيَةِ »**.

### الآية 2:157

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [2:157]

وقوله تعالى : أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مِّن رَّبِّهِمْ. . .  \[ البقرة : ١٥٧ \]
نِعَمٌ من اللَّه تعالى، على الصابرين المسترجعين، وصلوات اللَّه على عبده، عفْوُهُ، ورحمتُه، وبركته، وتشريفه إِياه في الدنيا والآخرة، وكرَّر الرحْمَة، وهي من أعظم أجزاء الصلاة، لمَّا اختلف اللَّفْظ، تأكيداً منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء. 
( ت ) وفي **«صحيح البخاري »** :( وقال عُمَرُ : نِعْمَ العدلان، ونَعْمُ العِلاَوة الَّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ، قالوا : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون. . .  إلى  المهتدون ، قال النوويُّ في **«الحلية »** : ورُوِّينا في " سنن ابن ماجة "، والبيهقيِّ بإِسناد حَسَنٍ، عن عمرِو بْنِ حَزْمٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلاَّ كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْم القِيَامَةِ )، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ، " والسنن الكَبيِرِ " للبيهقيِّ، عن ابْنِ مسعودٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ عزى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ) إِسناده ضعيف، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ أيضاً عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ عزى ثكلى، كُسِيَ بِرِدَاءٍ فِي الجَنَّةِ ) قال الترمذيُّ ليس إِسناده بالقَوِيِّ، انتهى.

### الآية 2:158

> ﻿۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [2:158]

قوله تعالى : إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله \[ البقرة : ١٥٨ \]
 الصَّفَا  : جمع صَفَاةٍ، وهي الصَّخْرة العَظيمة،  والمَرْوَة  واحدةُ المَرْوِ، وهي الحجارة الصِّغَار الَّتي فيها لِينٌ، و مِن شَعَائِرِ الله  معناه : معالمه، ومواضع عبادته، وقال مجاهدٌ : ذلك راجعٌ إِلى القول، أي : مما أشعركم اللَّه بفضله، مأخوذٌ من شَعَرْتُ، إِذا تحسَّست. 
و حَجَّ  : معناه : قصد، وتكرَّر، و اعتمر  : زار وتكرَّر، مأخوذٌ من عَمَرْتُ الموضعَ،  والجُنَاحُ  الإِثمُ، والمَيْلُ عن الحقِّ والطاعةِ، ومن اللفظةِ الجناح لأنه في شِقٍّ، ومنه : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا  \[ الأنفال : ٦١ \] و يَطَّوَّفَ  أصله يتطوَّف، فقوله : إِنَّ الصفا والمروة. . .  الآيةَ، خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما، وقوله : فَلاَ جُنَاحَ  ليس المقصودُ منه إباحة الطوافِ لمن شاءه، لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيمُ، وإِنما المقصودُ رفْعُ ما وقع في نفوسِ قومٍ من العربِ من أنَّ الطوَافَ بينهما فيه حرجٌ، وإِعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غيرُ صوابٍ، وفي " الصحيح " عن عائشَةَ - رضي اللَّه عنها أنَّ ذَلِكَ فِي الأنْصارِ. 
ومذهبُ مالكٍ والشافعيِّ، أنَّ السعْيَ بينهما فرضٌ، لا يجزئ تاركه إِلاَّ العودة، قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** والدليلُ على ركنيَّته ما رُويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمُ السَّعْيَ، فاسعوا )، صحَّحه الدارقطنيُّ، ويعضِّده المعنى، فإنه شعار أي : معلم لا يخلو عنه الحجُّ والعمرة، فكان ركناً كالطواف، انتهى. 
 وَمَن تَطَوَّعَ  أي : زاد بِرًّا بعد الواجبِ في جميع الأعمال، وقال بعضهم معناه : من تطوَّع بحجٍّ أو عمرةٍ بعد حجَّةِ الفريضةِ، ومعنى  شَاكِرٌ ، أي : يبذل الثوابَ والجزاءَ،  عَلِيمٌ  : بالنيات والأعمال، لا يضيعُ معه لعاملٍ عَمَلٌ.

### الآية 2:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [2:159]

وقوله سبحانه : إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا. . .  \[ البقرة : ١٥٩ \]
المراد بالذين : أحبار اليهود، ورهبانُ النصارَى، الذين كتموا أمْرَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وتتناول الآية بَعْدُ كلَّ من كتم علمًا من دين اللَّه يُحْتَاجُ إلى بَثِّهِ، وذلك مفسَّر في قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ ). قال ابن العربيِّ : وللآية تحقيقٌ، وهو أن العَالِمَ إِذا قصد الكتمانَ عصى، وإِذا لم يقصده لم يلزمْهُ التبليغُ، إذا عرف أن معه غيره، وقد كان أبو بكر وعمر لا يحدِّثان بكلِّ ما سمعا من النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ عند الحاجةِ، وكان الزُّبَيْرُ أقلَّهم حديثاً، ثم قال ابنُ العَرَبِيِّ : فأما من سئل، فقد وجَبَ عليه التبليغُ لهذه الآية، وأما إِن لم يُسْأل، فلا يلزمُ التبليغ إِلا في القرآن وحْده، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فضيلةِ التبْلِيغِ بأنَّه قال :( نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ). انتهى من **«أَحْكَامِ القُرْآن »**. 
و البينات والهدى \[ البقرة : ١٥٩ \]. 
أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم، ثم يعمُّ بعدُ كلَّ ما يكتم من خير، و  فِي الكتاب \[ البقرة : ١٥٩ \] يراد به التوراةُ والإنجيلُ، ويدخل القرآن في عموم الآية. 
واختلف في **«اللاَّعِنينَ »**، فقال قتادة والربيع : الملائِكةُ والمؤمنون، وهذا ظاهرٌ واضحٌ، وقيل : الحشرات والبهائمُ، وقيل : جميع المخلوقات ما عدا الثقلَيْن الجِنَّ والإِنْسَ، وهذان القولانِ لا يقتضيهما اللفظُ، ولا يثبتان إلا بسندٍ يقطعُ العُذْر.

### الآية 2:160

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:160]

ثم استثنى اللَّه سبحانه التائبين  وَأَصْلَحُواْ \[ البقرة : ١٦٠ \] أي : في أعمالهم وأقوالهم. 
 وَبَيَّنُواْ ، أي : أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 2:161

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [2:161]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ. . .  \[ البقرة : ١٦١ \]
هذه الآية محكمةٌ في الذين وَافَوْا على كفرهم، واختلف في معنى قوله : والناس أَجْمَعِينَ \[ البقرة : ١٦١ \] والكُفَّار لا يلعنُون أنفسهم. 
فقال قتادة والربيع : المراد ب  الناس  : المؤمنون خاصَّة، وقال أبو العالية : معنى ذلك في الآخرة.

### الآية 2:162

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [2:162]

وقوله : خالدين فِيهَا \[ البقرة : ١٦٢ \]. 
أي : في اللعنة، وقيل : في النار، وعاد الضمير علَيْها، وإِن لم يَجْرِ لها ذكر، لثبوتها في المعنى. 
 وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ \[ البقرة : ١٦٢ \] أي : لا يُؤَخَّرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النَّظَر، نحو قوله تعالى : وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة  \[ آل عمران : ٧٧ \] والأول أظهر لأن النظر بالعين إنما يعدَّى بإلى إلا شاذًّا في الشعر.

### الآية 2:163

> ﻿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ [2:163]

وقوله تعالى : وإلهكم إله واحد. . .  \[ البقرة : ١٦٣ \]. 
إِعلام بالوحدانيّة.

### الآية 2:164

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [2:164]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦٣:وقوله تعالى : وإلهكم إله واحد...  \[ البقرة : ١٦٣ \]. 
إِعلام بالوحدانيّة. ---


قال عطاءٌ : لما نزلَتْ هذه الآية بالمدينَةِ، قال كفَّار قريشٍ بمكَّة : ما الدليلُ على هذا ؟ وما آيته، وعلامته ؟ ونحوه عن ابن المُسَيَّب، فنزل عنْد ذلك قولُه تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض. . .  \[ البقرة : ١٦٤ \] الآية، أي : في اختراعها وإنشائها. 
و النهار  : من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ :( إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ، وَسَوَادُ الَّليْلِ ). وهذا هو مقتضى الفقْهِ في الإيْمَانِ ونحوها، وأما على ظاهر اللغة، وأخذه من السعة، فهو من الأِسْفَار، وقال الزَّجَّاج في **«كتاب الأنوار »** : أَوَّلُ النهارِ ذُرُورُ الشمسِ، قال : وزعم النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ أن أول النهار ابتداء طلوعِ الشمسِ، ولا يعدُّ ما قبل ذلك من النَّهار. 
قال :( ع ) وقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم هو الحَكَم. 
 والفلك  : السُّفُن، ومفرده وجمعه بلفظ واحد. 
 وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاءٍ \[ البقرة : ١٦٤ \]. 
يعني به الأمطارَ،  وَبَثَّ  معناه : فرّق وبسط، و دابَّةٍ  : تجمع الحيوان كلَّه. 
و وَتَصْرِيفِ الرياح \[ البقرة : ١٦٤ \] إِرسالها عقيماً، وملقَّحة، وَصِرًّا، ونَصْراً، وهلاكاً، وجنوباً، وشَمالاً، وغير ذلك، و( الرِّيَاحُ ) : جمع ريحٍ، وجاءت في القرآن مجموعةً مع الرحمة، مفردةً مع العذاب إِلا في يُونُسُ، في قوله سبحانَه : وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  \[ يونس : ٢٢ \] وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديثِ :( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ، اجعلها رِيَاحاً، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً )، وذلك لأن ريح العذابِ شديدةٌ ملتئمة الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى ( نشر )، وأفردت مع الفلك، لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ يقال : رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال : أَرْيَاحٌ، وإِنما يقال : رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ، فاستعمل الأَرْيَاحَ في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ : إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال : أما تَسْمَعُ قولهم : رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ : هذا خلافُ ذلك، فقال : صدَقْتَ، ورَجَع.  والسحاب  : جمع سحابَةٍ، سمي بذلك لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات.

### الآية 2:165

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [2:165]

وقوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا. . .  \[ البقرة : ١٦٥ \]. النِّدُّ : النظير، والمقاوم، قال مجاهد وقتادة : المراد بالأنداد : الأوثانُ  كَحُبِّ الله ، أي : كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى :( كَحُبِّهِمْ )، أي : يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق. 
وقوله تعالى : وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ \[ البقرة : ١٦٥ \]. 
أي : ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعاً، فجواب ( لَوْ ) مضمَرٌ على التقديرين، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته. 
وقرأ حمزةُ وغيره بالياء، أي : ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذابَ، لعلموا أن القوة للَّه.

### الآية 2:166

> ﻿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [2:166]

و الذين اتبعوا \[ البقرة : ١٦٦ \] بفتح التاء والباء : هم العَبَدة لغير اللَّه، الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا : إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم. 
والسَّبَبُ في اللغة : الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به، فَيَصِلُ بين شيئين.

### الآية 2:167

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [2:167]

وَقَالَ الذين اتبعوا \[ البقرة : ١٦٧ \] أي : الأتباع. 
والكَرَّة : العودة إِلى حال، قد كانَتْ  كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم. . .  \[ البقرة : ١٦٧ \] الآيةَ، يحتمل أن يكون من رؤية البَصَر، ويحتمل رؤية القلب، أي : يريهم اللَّه أعمالهم الفاسدة الَّتي ارتكبوها، وقال ابنُ مَسْعود : أعمالهم الصالحة التي تركوها، والحَسْرَة : أعلى درجات النَّدامة، والهَمِّ بما فات، وهي مشتقَّة من الشيء الحَسِيرِ، الذي انقطع، وذهبت قوَّته، وقيل : من حَسَر إِذا كشف.

### الآية 2:168

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:168]

وقوله تعالى : يا أيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حلالا طَيِّباً. . .  \[ البقرة : ١٦٨ \] الخطابُ عامٌّ، و( ما ) بمعنى : الَّذِي، و( حَلاَلاً ) حال من الضمير العائد على ( مَا )، و( طَيِّباً ) نعتٌ، ويصح أن يكون حالاً من الضمير في ( كُلُواْ )، تقديره : مستطيبِينَ، والطَّيِّبُ عند مالك : الحلال، فهو هنا تأكيدٌ لاختلاف اللفظِ، وهو عند الشافعيِّ : المستَلَذُّ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِرِ. 
قال الفَخْر : الحلالُ هو المباحُ الذي انحلَّتْ عقدة الحَظْر عنه، وأصله من الحَلِّ الذي هو نقيضُ العَقْد، انتهى. 
و خطوات  جمع خطوةٍ، والمعنى : النهْيُ عن اتباع الشيطان، وسلوكِ سبله، وطرائقه. 
قال ابن عَبَّاس : خطواته أَعماله، وقال غيره : آثاره. 
( ع ) وكلُّ ما عدا السنَنَ والشرائعَ من البِدَعِ والمعاصِي، فهي خطواتُ الشيطان. 
و عَدُوّ  يقع للمفرد والمثنى والجمع.

### الآية 2:169

> ﻿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:169]

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء. . .  \[ البقرة : ١٦٩ \] الآيةَ، ( إِنما ) هاهنا : للحصر، وأمر الشيطان إما بقوله في زَمَن الكهنة، وإِما بوَسْوسته. 
و السوء  : مصدرٌ من : سَاءَ يَسُوءُ، وهي المعاصِي، وما تسوء عاقبته،  والفحشاء  : قيل : الزنا، وقيل : ما تفاحَشَ ذكره، وأصل الفُحْش : قُبْحِ المنظر، ثم استعملت اللفظة فيما يستقبحُ، والشَّرْعُ : هو الذي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فكُّل ما نهتْ عنه الشريعةُ، فهو من الفحشاء. 
و مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١٦٩ \] قال الطبري : يريد ما حرموا من البَحِيرة، والسِّائبة، ونحوها، وجعلوه شرعاً.

### الآية 2:170

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [2:170]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ \[ البقرة : ١٧٠ \]، يعني : كفَّارَ العرب، وقال ابن عبَّاس : نزلَتْ في اليهود، والألفُ في قوله سبحانه : أَوَلَوْ كَانَ  للاستفهامِ، لأن غاية الفساد في الاِلتزامِ أنْ يقولوا : نتبع آباءنا، ولو كانوا لا يعقلون، فقُرِّرُوا على التزامهم هذا، إذ هذه حال آبائهم. 
وقوةُ ألفاظ هذه الآية تُعطِي إِبْطَال التقليد، وأجمعتِ الأمَّة على إِبطاله في العقَائدِ.

### الآية 2:171

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [2:171]

وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ. . .  \[ البقرة : ١٧١ \] المرادُ تشبيهُ واعظِ الكافرينَ، وداعِيهِمْ بالراعي الذي يَنْعِقُ بالغَنَمِ أو الإِبل، فلا تسمع إِلا دعاءه، ونداءه، ولا تَفْقَهُ ما يقول، هكذا فسر ابن عباس، وعكْرمة، والسُّدِّيُّ، وسيبويه، فذكَرَ تعالى بعْضَ هذه الجملة، وبعضَ هذه، ودَلَّ المذْكُور على المحذوفِ، وهذه نهايةُ الإِيجاز. 
والنَّعِيقُ : زجْر الغَنَم، والصِّيَاحُ بها.

### الآية 2:172

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [2:172]

وقوله تعالى : يا يها الذين ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رزقناكم. . .  \[ البقرة : ١٧٢ \] ( الطَيِّب ) : هنا يجمع الحلال المستلَذَّ، والآية تشير بتبعيض ( مِنْ ) إلى أن الحرام رزْقٌ، وحضّ سبحانه على الشكر، والمعنى في كل حالةٍ، وفي **«مصابيح البَغَوِيِّ »** عن أبي دَاوُدَ والنَّسائِيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال :( الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ، كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ ) انتهى. 
قال القُشَيْرِيُّ : قال أهل العلْمِ بالأصول : نِعَمُ اللَّهِ تعالى على ضربَيْن : نعمةُ نَفْعٍ، ونعمةُ دَفْعٍ، فنعمةُ النفْعِ : ما أولاهم، ونعمةُ الدفع : ما زوى عنهم، وليس كلُّ أِنعامه سبحانه انتظام أسبابِ الدنيا، والتمكُّنَ منها، بل ألطافُ اللَّه تعالى فيما زوى عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالى على حسب تباعُدِهِ من الدنيا. انتهى من **«التَّحْبير »**. 
وقال أبو عمر بن عبد البَرِّ في كتابه المسمى ب **«بهجة المجالس »**. قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا، وَمَا عَلَمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً على ذَنْبٍ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ، حتى يُغْفَرَ لَهُ ) قال أبو عُمَر : مكتوبٌ في التوراةِ :**«اشكر لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ على مَنْ شَكَرَكَ، فَإِنَّهُ لاَ زَوَالَ لِلنِّعَمِ إِذَا شُكِرَتْ وَلاَ مُقَامَ لَهَا إِذَا كُفِرَتْ »**. انتهى. 
و إِنْ  من قوله : إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ \[ البقرة : ١٧٢ \] شرطٌ، والمراد بهذا الشرط التثبيتُ، وهزُّ النفوس، كما تقول : افعل كَذَا، إِنْ كنْتَ رجلاً،

### الآية 2:173

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:173]

و( إِنَّمَا ) هاهنا حاصرة، ولفظ الميتة عمومٌ، والمعنى مخصِّص، لأنَّ الحوتَ لم يدخُلْ قطُّ في هذا العموم، وفي مسند البَزَّار عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَثَمَنَهُ ). انتهى من **«الكوكب الدُّرِّيِّ »** للإمام أبي العباس أحمد بن سَعْدٍ التُّجِيبِيِّ. 
 والدم  يراد به المسفوحُ، لأن ما خالط اللحْمَ فغير محرَّم بإِجماع. 
( ت ) بل فيه خلافٌ شاذٌّ ذكره ابن الحاجبِ وغيره، والمشهورُ : أظهر لقول عائشةَ رضي اللَّه عنها : لَوْ حُرِّمَ غَيْرُ المَسْفُوحِ، لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي العُرُوقِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ اللَّحْمَ، وَالبُرْمَةُ تَعْلُوهَا الصُّفْرَةُ. انتهى. 
 وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله \[ البقرة : ١٧٣ \]. 
قال ابن عبَّاس وغيره : المراد ما ذُبِحَ للأنْصَاب والأوثان، و أُهِلَّ بِهِ  معناه : صِيحِ به، ومنه : استهلالُ المولودِ، وجرَتْ عادة العرب بالصياحِ باسم المقصودِ بالذبيحةِ، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النيَّة التي هي علَّة التحريم. 
 فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ \[ البقرة : ١٧٣ \] قال قتادة وغيره : معناه غيْرَ قاصدِ فسادٍ، وتعدٍّ بأن يجدَ عن هذه المحرَّمات مندوحةً، ويأكلها، وأصحاب هذا القول يجيزونَ الأكل منها في كلِّ سفر، مع الضرورة، وقال مجاهد وغيره : المعنى : غير باغٍ على المسلمين، وعَادٍ عليهم فيدخل في الباغِي والعادِي قُطَّاعُ السبل، والخارجُ على السلطانِ، والمسافر في قَطْع الرحمِ، والغَارَةُ على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء : هي الرخصةُ. 
قال مالك رحمه اللَّه : يأكل المضطَرُّ شِبَعَهُ، وفي **«الموطَّأ »** وهو لكثير من العلماءِ أنه يتزوَّد، إِذا خشي الضرورة، فيما بين يديه، من مفازةٍ وقَفْرٍ. 
قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »**، " وقد قال العلماء : إِنَّ من اضطرَّ إلى أكل الميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزيرِ، فلم يأكلْ دخل النَّار، إِلا أنْ يَغْفِرَ اللَّه له. " انتهى. والمعنى : أنه لم يأكلْ حتى مات جوعاً، فهو عاصٍ، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  \[ النساء : ٢٩ \] الآية إِلى قوله : وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً  \[ النساء : ٣٠ \] قال ابن العربيِّ : وإذا دامتِ المَخْمَصة، فلا خلاف في جواز شبع المضطَرِّ، وإن كانت نادرةً، ففي شبعه قوْلانِ : أحدهما لمالك يأكل حتى يَشْبَعَ، ويتضلَّع، وقال غيره : يأكل بمقدارِ سدِّ الرَّمقِ، وبه قال ابن حَبِيبٍ، وابن المَاجِشُونِ. انتهى.

### الآية 2:174

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:174]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب. . .  \[ البقرة : ١٧٤ \]. 
قال ابن عَبَّاس وغيره : المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمْر محمَّد صلى الله عليه وسلم، و الكتاب  : التوراة والإِنجيل. 
( ع ) وهذه الآية وإِن كانَتْ نزلَتْ في الأحبار، فإِنها تتناوَلُ من علماء المسلمين مَنْ كتم الحقَّ مختاراً لذلك بسبب دُنْيَا يصيبُهَا، وفي ذكر البَطْنِ تنبيهٌ على مذمَّتهم، بأنهم باعوا آخرتهم بحظِّهم من المطعم الذي لا خَطَرَ له، وعلى هُجْنَتِهمْ بطاعة بُطُونهم، قال الرَّبِيع وغيره : سمي مأكولهم ناراً، لأنه يؤول بهم إِلى النار، وقيل : يأكلون النار في جَهَنَّمَ حقيقةً. 
( ت ) وينبغي لأهل العلْمِ التنزُّه عن أخْذ شيء من المتعلِّمين على تعليم العلْم، بل يلتمسُونَ الأجر من اللَّه عزَّ وجلَّ، وقد قال تعالى لنبيِّه - عليه السلام - : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً. . .  \[ الأنعام : ٩٠ \]، وفي سنن أبي دَاوُدَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قال :" عَلَّمْتُ نَاساً مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وأهدى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْساً، فَقُلْتُ : لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلأسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أهدى إِلَيَّ قَوْساً مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ : إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ فاقبلها، وَفِي روايةٍ :" فَقُلْتُ مَا ترى فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهُ ؟ قَالَ : جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا، " انتهى. 
وقوله تعالى : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله \[ البقرة : ١٧٤ \]. 
قيل : هي عبارةٌ عن الغضب عليهم، وإِزالة الرضَا عنهم، إِذ في غير موضعٍ من القُرآن ما ظاهره أن اللَّه تعالى يكلِّم الكافرين، وقال الطبريُّ وغيره : المعنى لا يكلِّمهم بما يحبُّونَهُ. 
 وَلاَ يُزَكِّيهِمْ \[ البقرة : ١٧٤ \] أي : لا يطهِّرهم من موجباتِ العذابِ، وقيل : المعنى : لا يسمِّيهم أزكياء.

### الآية 2:175

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [2:175]

وقوله تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار \[ البقرة : ١٧٥ \]. 
قال جمهور المفسِّرين :( ما ) تعجُّب، وهو في حيِّز المخاطبين، أي : هم أهلٌ أن تَعْجَبُوا منْهم، وممَّا يطول مُكْثُهم في النَّار، وفي التنزيل : قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ  \[ عبس : ١٧ \] و أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ  \[ مريم : ٣٨ \]. 
وقال قتادة، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْر، والربيع : أظهر التعجُّب من صبرهم على النار، لَمَّا عملوا عملَ مَنْ وَطَّن نفْسه علَيْها، وتقديره ما أجرأَهم علَى النَّارِ إِذ يعملون عملاً يؤدِّي إِليها، وذهب مَعْمَرُ بْنُ المثنى إِلى أن ( ما ) استفهامٌ معناه : أيُّ شَيْءٍ صبرهم عَلَى النار، والأول أظهر.

### الآية 2:176

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [2:176]

وقوله سبحانه : ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق. . .  \[ البقرة : ١٧٦ \] المعنى : ذلك الأمر بأنَّ اللَّه نزَّل الكتابَ بالحَقِّ، فكفروا به، والإِشارة إِلى وجوب النَّار لهم. 
و الكتاب  : القُرْآن، و بالحق ، أي : بالأخبار الحقِّ، أي : الصادقة. 
و  الذين اختلفوا في الكتاب  هم اليهودُ والنصارى، في قول السُّدِّيِّ، وقيل : هم كفَّار العرب، لقول بعضهم هو سِحْرٌ، وبعضهم أساطير، وبَعْضهم مفترًى، إِلى غير ذلك. 
و بَعِيدٍ ، هنا : معناه من الحقِّ، والاستقامة.

### الآية 2:177

> ﻿۞ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [2:177]

وقوله تعالى : لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب. . .  \[ البقرة : ١٧٧ \]. قال ابن عَبَّاس وغيره : الخِطَابُ بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى : ليس البرُّ الصلاةَ وحْدها، وقال قتادة والربيع : الخطاب لليهودِ والنصارى، لأنهم تكلَّموا في تحويل القبلة، وفضَّلت كل فرقة تولِّيها، فقيلَ لهم : ليس البرَّ ما أنتم فيه، ولكنَّ البرَّ من آمن باللَّه. 
وقوله تعالى : وَآتَى المال على حُبِّهِ. . .  \[ البقرة : ١٧٧ \] هذه كلُّها حقوقٌ في المال سوى الزكاةِ، قال الفَخْر : وروَتْ فاطمةُ بنْتُ قَيْسٍ، أنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ، وتَلاَ  وَآتَى المال على حُبِّهِ. . .  \[ البقرة : ١٧٧ \]، وعنه صلى الله عليه وسلم :( لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ طَاوِياً إلى جَنْبِهِ ) انتهى. 
قال ابن العربيِّ في **«أحكامه »** : وإِذا وقع أداء الزكاة، ثم نزلَتْ بعد ذلك حاجةٌ، فإِنه يجبُ صرف المال إِليها، باتفاق من العلماءِ، وقد قال مالك : يجبُ على كافَّة المسلمين فِدَاءُ أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالَهُمْ، وكذلك إِذا منع الوالي الزكاةَ، فهل يجبُ على الأغنياء إِغناءُ الفقراء ؟ الصحيحُ : وجوبُ ذلك علَيْهم، انتهى. 
ومعنى : آتى  أعطى ( على حبِّه ) أي : على حبِّ المال، ويحتملُ أن يعود الضميرُ على اسْمِ اللَّه تعالى، من قوله : مَنْ آمَنَ بالله \[ البقرة : ١٧٧ \] أي : من تَصَدَّقَ مَحَبَّة في اللَّه وطاعته. 
( ص ) والظاهر أن الضمير في ( حُبِّهِ ) عائدٌ على المال، لأن قاعدتهم أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إِلاَّ بدليلٍ، انتهى. 
قال ( ع ) والمعنَى المقصودُ أن يتصدَّق المرءُ في هذه الوجوهِ، وهو صحيحٌ شحيحٌ، يخشَى الفَقْر، ويأمل الغنى، كما قال صلى الله عليه وسلم، والشحُّ في هذا الحديث : هو الغريزيُّ الذي في قوله تعالى : وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح  \[ النساء : ١٢٨ \] وليس المعنَى أنْ يكون المتصدِّق متَّصِفاً بالشحِّ الذي هو البُخْل. 
 وَفِي الرقاب  أي : العتق، وفَكّ الأسرى. 
 والصابرين  نصبٌ على المدح، أو على إِضمار فعْلٍ، وهذا مَهْيَعٌ في تكرار النعوتِ، و البأساء  : الفَقْر والفاقة. 
 والضراء  المرض، ومصائبُ البدن، وعن ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( أَوَّلُ مَنْ يدعى إِلَى الجَنَّةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ) رواه الحاكم في " المستَدْرَكِ " وقال : صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، انتهى من **«السلاح »**. 
وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن صُهَيْب، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِذَا أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ َشَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ ) انتهى. 
 وَحِينَ البأس \[ البقرة : ١٧٧ \] أي : وقْتَ شدَّة القتال، هذا قولُ المفسِّرين في الألفاظ الثلاثة، تقولُ العربُ : بَئِسَ الرَّجُلُ إِذَا افتقر، وبَؤُسَ إِذا شَجُح، ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البَرَّة بالصدْقِ في أمورهم، أي : هم عند الظنِّ بهم، والرجاء فيهم، كما تقول : صَدَقَنِي المَالُ، وصَدَقَنِي الرُّمْحُ، ووصفهم تعالى بالتقى، والمعنى : هم الذين جَعَلُوا بينهم وبين عذاب اللَّه وقايةً.

### الآية 2:178

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:178]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص. . .  \[ البقرة : ١٧٨ \]
 كُتِبَ  معناه : فُرِضَ، وأُثْبِتَ، وصورةُ فَرْضِ القصاصِ، هو أنَّ القاتل فُرِضَ عليه إِذا أراد الوليُّ القتل، الاِستسلامُ لأمر اللَّه، وأن الوليَّ فرض عليه الوقوفُ عند قتل وليِّه، وترك التعدِّي على غيره، فإِن وقع الرضَا بدون القصاص من دية أو عفو، فذلك مباحٌ، والآية معلِّمة أن القِصَاصَ هو الغايةُ عند التَّشَاحِّ. 
و القصاص  مأخوذ من : قَصِّ الأثر، فكأن القاتل سلك طريقاً من القتل، فقص أثره فيها. 
روي عن ابن عَبَّاس أنَّ هذه الآية مُحْكَمة، وفيها إِجمال فسَّرته آية المائدة، وأن قوله سبحانه : الحر بِالْحُرِّ \[ البقرة : ١٧٨ \] يعمُّ الرجال والنساء، وأجمعتِ الأمة على قتل الرجُلِ بالمرأةِ، والمرأة بالرجل. 
وقوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ. . .  \[ البقرة : ١٧٨ \] فيه تأويلاتٌ :
أحدها : أنَّ ( مَنْ ) يرادُ بها القاتلُ، و عُفِيَ  : تتضمن عافياً، وهو وليُّ الدم، والأخُ هو المقتولُ، و( شَيْءٌ ) : هو الدمُ الذي يعفى عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابْنِ عَبَّاس، وجماعة من العلماء، والعَفْوُ على هذا القولِ على بابه. 
والتأويلُ الثَّاني : وهو قول مالكٍ أنَّ ( مَنْ ) يراد بها الوليُّ، وعُفِيَ : بمعنى : يُسِّرَ، لا على بابها في العَفْو، والأخُ : يراد به القاتل، وشَيْءٌ : هي الديةُ، والأخوَّة على هذا أخوَّة الإِسلام. 
والتأويل الثالثُ : أنَّ هذه الألفاظ في معنى : الَّذين نزلَتْ فيهم الآيةُ، وهم قومٌ تقاتَلُوا، فقتل بعضُهم بعضاً، فأُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يصلحَ بينهم، ويُقَاصَّهم بعضَهم من بعض بالدِّيَات، على استواء الأحرار بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد، فمعنى الآية : فمن فضِل له من إِحدى الطائفتين على الأخرى شيْءٌ من تلك الدِّيَاتِ، وتكون : عُفِيَ بمعنى فَضِلَ. 
وقوله تعالى : فاتباع \[ البقرة : ١٧٨ \] تقديره : فالواجبُ والحُكْمُ : اتباع، وهذا سبيلُ الواجباتِ، كقوله تعالى : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ  \[ البقرة : ٢٢٩ \] وأما المندوبُ إِلَيْه، فيأتي منصوباً، كقوله تعالى : فَضَرْبَ الرقاب  \[ محمد : ٤ \]، وهذه الآية حضٌّ من اللَّه تعالى على حسن الاقتضاءِ من الطالِبِ، وحُسْنِ القضاء من المُؤَدِّي. 
وقوله سبحانه : ذلك تَخْفِيفٌ \[ البقرة : ١٧٨ \] إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَطْ، والاعتداء المتوعَّد عليه في هذه الآية، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم. 
واختلف في العذابِ الأليم الَّذي يلحقه، فقال فريقٌ من العلماء، منهم مالك : هو كَمَنْ قتل ابتداءً، إِن شاء الوليُّ قتله، وإِن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره : يقتل البتَّةَ، ولا عَفْوَ فيه، ورُوِيَ في ذلك حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

### الآية 2:179

> ﻿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:179]

وقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي القصاص حياة \[ البقرة : ١٧٩ \]
المعنى : أن القصاص إِذا أقيم، وتحقَّق الحكْمُ به، ازدجر مَنْ يريد قتْلَ أحدٍ مخافَةَ أن يقتصَّ منه، فَحَيِيَا بذلك معاً، وأيضاً : فكانت العربُ إِذا قتل الرجلُ الآخَر، حمي قبيلاَهُما، وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى موت العددِ الكثيرِ، فلمَّا شرَعَ اللَّه سبحانه القِصَاص، قنع الكلُّ به، ووقَف عنده، وتركوا الاقتِتال، فلهم في ذلك حياةٌ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، تنبيهاً عليهم، لأنهم العارفون القابلُون للأوامر والنواهِي، وغيرُهم تَبَعٌ لهم. 
و تَتَّقُونَ  معناه : القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعيةً لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن اللَّه سبحانه يثيبُ على الطاعة بالطاعة.

### الآية 2:180

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:180]

وقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت. . .  \[ البقرة : ١٨٠ \].  كُتِبَ  معناه : فُرِضَ وأُثْبِتَ، وفي قوله تعالى : إِذَا حَضَرَ  مجازٌ، لأن المعنى : إِذا تخوَّف، وحضرتْ علاماتُهُ. 
و( الخير ) في هذه الآية المالُ، واختُلِفَ في هذه الآية، هل هي مُحْكَمَةٌ، أو منسوخةٌ، فقال ابنُ عبَّاس، وقتادةُ، والحَسَن : الآيةُ عامَّة، وتقرَّر الحكم بها برهةً، ونسخ منها كلّ من يرث بآية الفرائض، وقال بعضُ العلماء : إِن الناسخ لهذه الآية هي السُّنَّة المتواترةُ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ). و  بالمعروف  معناه بالقصد الَّذي تعرفه النفوسُ دون إِضرار بالورثة، ولا تَنْزِير للوصية، و حَقّاً  مصدر مؤكِّد، وخُصَّ المتقون بالذكر، تشريفاً للرتبة، ليتبادر النَّاس إِليها.

### الآية 2:181

> ﻿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:181]

وقوله تعالى : فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فإنما. . .  \[ البقرة : ١٨١ \]. 
الضمير في بَدَّلَهُ ) عائدٌ على الإيصاء وأمر الميت، وكذلك في سَمِعَهُ، ويحتمل أن يعود الذي في سَمِعَهُ على أمر اللَّه تعالى في هذه الآية، والأول أسبق للناظر، و سَمِيعٌ عَلِيمٌ \[ البقرة : ١٨١ \] صفتان لا يخفى معهما شيْءٌ من جَنَفِ الموصِينَ، وتبديلِ المتعدينَ.

### الآية 2:182

> ﻿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:182]

والجَنَفُ : الميل. 
ومعنى الآية على ما قال مجاهد : من خشي أن يحيف الموصِي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمَّد الإِذاية، فذلك هو الجَنَفُ في إِثم، وإِن لم يتعمَّد، فهو الجنف دون إِثم، فالمعنى : مَنْ وعظه في ذلك وردَّه عنه، وأصلح ما بينه وبين ورثَتِهِ، وما بين الورثة في ذاتهم، فلا إِثم عليه  إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ \[ البقرة : ١٨٢ \] بالموصِي، إِذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الإذاية. 
وقال ابن عبَّاس وغيره معنى الآية : مَنْ خَافَ ، أي : علِم، ورأى بعد موت الموصِي، أن الموصِيَ حَافَ وجَنَف، وتعمَّد إذاية بعض ورثته،  فَأَصْلَحَ  ما بين الورثة،  فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وإِن كان في فعله تبديلٌ مَّا، لأنه تبديلٌ لمصلحة، والتبديلُ الذي فيه الإِثم إِنما هو تبديلُ الهوى.

### الآية 2:183

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:183]

قوله جلَّت قدرته : يا أيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام. . .  \[ البقرة : ١٨٣ \]. 
 كُتِبَ  : معناه فُرِضَ، والصيام، في اللغة : الإِمساك، ومنه قوله سبحانه : إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً  \[ مريم : ٢٦ \] وفي الشرع : إِمساكٌ عن الطعام والشراب، مقترنةٌ به قرائنُ مِنْ مُراعاة أوقاتٍ، وغير ذلك. 
وقوله تعالى : كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ \[ البقرة : ١٨٣ \]. 
اختلف في موضع التشبيه، قالتْ فرقة : التشبيهُ كُتِبَ عليكم كصيامٍ قد تقدَّم في شرع غيركم، فالَّذِينَ عامٌّ في النصارى وغيرهم، و لَعَلَّكُمْ  : ترجٍّ في حقهم. 
و تَتَّقُونَ  قيل على العموم، لأن الصيام، كما قال صلى الله عليه وسلم :( جُنَّةٌ ) ووِجَاءٌ، وسببُ تقوى، لأنه يميتُ الشهوات.

### الآية 2:184

> ﻿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:184]

و أَيَّامًا معدودات \[ البقرة : ١٨٤ \] قيل رمضان، وقيل : الثلاثةُ الأيام من كل شهرٍ، ويومُ عاشوراءَ، الَّتي نُسخَتْ بشهر رمضان. 
( ص ) و أَيَّامًا  : منصوبٌ بفعل مقدَّر يدلُّ عليه ما قبله، أي : صوموا أياماً، وقيل : أَيَّامًا  : نصب على الظرف انتهى. 
وقوله سبحانه : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ \[ البقرة : ١٨٤ \]. التقدير : فأفْطَرَ،  فَعِدَّةٌ ، وهذا يسمونه فَحْوَى الخطابِ، واختلف العلماءُ في حَدِّ المرض الذي يقع به الفطْر، فقال جمهور العلماء : إِذا كان به مرضٌ يؤذيه، ويؤلمه، أو يخاف تَمادِيَهُ، أو يخافُ من الصوم تزيُّده، صحَّ له الفطْرُ، وهذا مذْهَبُ حُذَّاقِ أصحاب مالكٍ، وبه يناظرونَ، وأما لفظ مالكٍ. فهو المرضُ الَّذي يَشُقُّ على المرء، ويبلغ به، واختلف في الأفضل من الفِطْرِ أو الصَّوْمِ، ومذهبُ مالكٍ استحباب الصومِ، لمن قَدَرَ علَيْه، وتقصيرُ الصَّلاة حَسَنٌ، لأن الذمَّة تبرأ في رخصة الصلاة، وهي مشغولةٌ في أمر الصيام، والصوابُ : المبادرةُ بالأعمال. 
والسَّفَرُ : سفَرُ الطاعةِ، كالحجِّ، والجهادِ، بإجماع، ويتصلُ بهذَيْن سفَرُ صلَةِ الرَّحِمِ، وطلبِ المعاشِ الضروريِّ. 
وأما سفر التجارة، والمباحاتِ، فمختلَفٌ فيه بالمنع، والجواز، والقولُ بالجواز أرجحُ. 
وأما سفر العصْيَان، فمختلف فيه بالجوازِ، والمنعِ، والقولُ بالمنع أرجحُ. 
ومسافةُ سفر الفطر، عند مالك، حيث تقصر الصلاة ثمانيةٌ وأربعون ميلاً. 
وقوله تعالى : فَعِدَّةٌ \[ البقرة : ١٨٤ُ \]. 
أي : فالحكم أو الواجب عِدَّةٌ، وفي وجوبِ تتابعها قولانِ، و أُخَرَ  لا ينصرف للعَدْلِ. 
وقوله تعالى : وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ. . .  \[ البقرة : ١٨٤ \]. 
قرأ باقي السبعة غيْرَ نافعٍ وابنِ عامر :( فِدْيَةٌ )، بالتنوين  طَعَامُ مِسْكِينٍ \[ البقرة : ١٨٤ \]، بالإِفراد، وهي قراءة حَسَنةٌ، لأنها بيَّنت الحكم في اليوم. 
واختلفوا في المراد بالآية، فقال ابن عُمَر وجماعةٌ كان فرضُ الصيامِ هكذا على الناس، مَنْ أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يفطر أطعم مسكيناً، وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  \[ البقرة : ١٨٥ \]. وقالتْ فرقةٌ : في الشيوخ الذين يطيقونه بتكلُّف شديدٍ، والآيةُ عند مالك : إِنما هي فيمَنْ يدركه رمضانٌ ثانٍ، وعليه صومٌ من المتقدِّم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوْمَ، فتركه، والفديةُ عند مالك وجماعةٍ من العلماء، مُدٌّ لكلِّ مسكين. 
وقوله تعالى : فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّه. . .  \[ البقرة : ١٨٤ \]. 
قال ابنُ عَبَّاس وغيره : المراد مَنْ أطعم مسكينَيْنِ فصاعدًا، وقال ابن شِهَابٍ : من زاد الإِطعام مع الصوم، وقال مجاهدٌ : مَنْ زاد في الإِطعام على المُدِّ، و خَيْرًا  الأول قد نُزِّل منزلة مالٍ أو نفعٍ، و خَيْرٌ  الثاني، والثالثُ، صفةُ تفضيلٍ. 
وقوله تعالى : إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١٨٤ \]. 
يقتضي الحضَّ على الصوْمِ، أي : فاعلموا ذلك وصوموا. 
( ت ) وجاء في فضل الصومِ أحاديثُ صحيحةٌ مشهورةٌ، وحدث أبو بكر بْنُ الخَطِيبُ بسنده عن سهل بن سعد الساعديِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ صَامَ يَوْماً تَطوُّعاً، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ بِثَوَابٍ دُونَ الجَنَّةِ )، قال : وبهذا الإِسناد عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمثله، انتهى. 
قال ابن عبد البَرِّ في كتابه المسمى " ببهجة المَجالِسِ " قال أبو العالية : الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتَبْ، قال الشيخُ الصالحُ أبو عبد اللَّه محمَّد البلاليُّ الشافعيُّ في **«اختصاره للإحياء »** : وذكر السُّبْكِيُّ في شرحه، أن الغِيبَةَ تمنع ثوابَ الصوْمِ إِجماعاً، قال البلاليُّ : وفيه نظر، لمشقَّة الاحتراز، نعم، إِن أكثر، توجَّهت المقالة، انتهى. وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ، ورويتُ عنه كتابه هَذَا. 
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ) قال أبو عمر في **«التمهيد »** : وذلك لأن الصوْمَ جُنَّةٌ يستجنُّ بها العَبْدُ من النار، وتُفْتَحُ لهم أبوابُ الجنة، لأن أعمالهم تزكُو فيه، وتُقْبَل منهم، ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا، خُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ حتى يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ : يُوشِكُ عِبَادِي الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ المَئُونَةَ والأذى، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلاَ يَخْلُصُونَ إلى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، ويَغْفِرُ لَهُمْ آخِرَ لَيْلَةٍ، قيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ ؟ قَالَ : لاَ، ولَكِنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يوفي أَجْرَهُ إِذَا انقضى )، قال أبو عمر : وفي سنده أبو المِقْدام، فيه ضعف، ولكنَّه محتملٌ فيما يرويه من الفضائل. 
وأسند أبو عمر عن الزهْريّ، قال :( تسبيحةٌ في رمَضَان أفضلُ من ألفِ تسبيحةٍ في غيره )، انتهى. 
( ت ) وخرَّجه الترمذيُّ عن الزهري قال :( تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ تسبيحةٍ في غيره )، انتهى.

### الآية 2:185

> ﻿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:185]

قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن \[ البقرة : ١٨٥ \]. 
الشَّهْرُ : مشتقٌّ من الاشتهار، قال :( ص ) الشهر مصْدَرُ : شَهَر يَشْهر، إِذا ظهر، وهو اسم للمدَّة الزمانيَّة، وقال الزجَّاج : الشَّهْر : الهلالُ، وقيل : سمِّي الشهْرُ باسمِ الهلالِ، انتهى. 
( ورَمَضَانُ ) عَلِقَهُ هذا الاسمُ من مُدَّة كان فيها في الرَّمَضِ، وشدَّة الحَرِّ، وكان اسمه قبل ذلك نَاثراً. 
واختلف في إنزال القرآن فيه، فقال الضَّحَّاك : أنزل في فَرْضِهِ، وتعظيمِهِ، والحضِّ عليه، وقيل : بدئ بنُزُوله فيه علَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابنُ عبَّاس : فيما يؤثر أنزل إِلى السماء الدنيا جملةً واحدةً ليلةَ أربعٍ وعشرينَ من رمَضَان، ثم كان جبريلُ ينزله رِسْلاً رِسْلاً في الأوامر والنواهي والأسباب، وروى وَاثِلَةٌ بن الأَسْقَعِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالتَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْهُ، وَالإِنْجيلُ لِثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَالْقُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ )، و هُدًى  في موضع نصبٍ على الحال من القُرآن، فالمراد أن القرآن بجملته مِنْ مُحْكَمٍ ومتشابِهٍ، وناسخٍ ومنسوخٍ، هُدًى، ثم شُرِّفَ بالذِّكْر، والتخصيصِ البيناتُ منه، يعني : الحلالَ والحرامَ، والمواعظَ والمُحْكَمَ كلّه، فالألفُ واللامُ في الهدى للعهْدِ، والمراد الأول. 
قال :( ص )  هُدًى  : منصوبٌ على الحال، أي : هادياً، فهو مصدرٌ وضع موضعَ اسم الفاعلِ، وذو الحال القُرآن، والعاملُ أنزل، انتهى. 
و الفرقان  : المُفَرِّق بين الحق والباطل، و شَهِدَ  : بمعنى حَضَر، والتقدير : مَنْ حضر المِصْرَ في الشَّهْر، فالشهر نصْبٌ على الظرف. 
وقوله سبحانه : يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر \[ البقرة : ١٨٥ \]. 
قال مجاهد والضَّحَّاك : اليُسْر الفِطْر في السفر، والعسر الصوم في السفر. 
( ع ) والوجْهُ عمومُ اللفظِ في جميع أمورِ الدينِ، وقد فسر ذلك قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ ). 
قلتُ : قال ابْنُ الفاكهانيِّ في **«شرح الأربعينَ »** للنَّوويِّ فإِن قلْتَ : قوله تعالى : إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً. .  \[ الشرح : ٦ \] الآيةَ، يدلُّ على وقوع العُسْر قطعاً، وقوله تعالى : يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر \[ البقرة : ١٨٥ \] يدلُّ على نفي العسرِ قطعاً، لأن ما لا يريده تعالى لا يكون بإجماع أهل السنة، قلْتُ : العسرُ المنفيُّ غير المثبت، فالمنفيُّ : إنما هو العسر في الأحكام لا غير، فلا تعارض. انتهى. 
وترجم البخاريُّ في **«صحيحه »** قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا )، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ، وَاليُسْرَ عَلَى النَّاسِ، ثم أسند هو ومسلمٌ عن أنس، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تْنَفِّرُوا )، وأسند البخاريُّ ومسلم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال لأبِي موسى، ومعاذٍ :( يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا )، قال البخاريُّ : حدَّثنا أبو النعمان، قال : حدَّثنا حمَّاد بْنُ زَيْدٍ، عن الأزرقِ بْن قَيْسٍ قال :" كُنَّا على شَاطِئِ نَهْرٍ بِالأَهْوَاز قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ على فَرَسٍ فصلى، وخلى فَرَسَهُ، فانطلق الفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلاَتَهُ، وَتَبِعَهَا، حتى أَدْرَكَهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ فقضى صَلاَتَهُ، وفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ : انظروا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ : مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ : وَقَالَ : إِنَّ مَنْزِلِي مْنْزَاحٌ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ "، وذكَر أَنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فرأى من تَيْسِيرِهِ، انتهى. 
وقوله تعالى : وَلِتُكْمِلُواْ العدة \[ البقرة : ١٨٥ \]. 
معناه : ولْيُكْمِلْ من أَفْطَرَ في سفره، أو في مرضه عدَّةَ الأيام التي أفطر فيها. 
وقوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُواْ الله \[ البقرة : ١٨٥ \] حضٌّ على التكبير في آخر رمضان. 
قال مالكٌ : وهو من حينِ يَخْرُجُ الرجلُ من منزله إِلى أنْ يخرج الإِمامُ إلى المصلى، ولفظه عند مالك وجماعةٍ من العلماء : اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثلاثاً. 
ومن العلماء من يكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح أثناء التكبيرِ، ومنهم من يقول : اللَّه أكبر كبيراً، والحمدُ للَّهِ كَثيراً، وسبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلاً، وقيل غير هذا. والجميعُ حسنٌ وَاسعٌ مع البداءة بالتكبير. 
و هَداكُمْ  : قيل : المرادُ لِمَا ضَلَّ فيه النصارى من تبديلِ صيامِهِمْ، وتعميمُ الهدى جيدٌ. 
 وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ \[ البقرة : ١٨٥ \] ترجٍّ في حق البَشَر، أي : على نعم اللَّه في الهدى. 
( ص )  وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  علَّةَ الترخيصِ والتيسيرِ، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلكِ، انتهى.

### الآية 2:186

> ﻿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [2:186]

وقوله جلَّ وعلا : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ. . .  \[ البقرة : ١٨٦ \]. 
قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن : سببُها أن قوماً قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم :" أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ "، فنزلتِ الآية. 
و أُجِيبُ  قال قومٌ : المعنى أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم : إِن اللَّه تعالى يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ **«الموطَّأِ »**، وهو :( مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بَيْنَ إحدى ثَلاَثٍ. . . ) الحديثَ. 
( ت ) وليس هذا باختلاف قولٍ. 
قال ابن رُشْدٍ في **«البيان »** : الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وها أنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من " صحيح الأحاديث " في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ رضي اللَّه عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ ) رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في المُسْتَدْرَكِ على الصحيحين "، وابن حِبَّانَ في ****«صحيحه »****، واللفظ له، وقال الحاكم : صحيحُ الإِسناد، وعن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( الدُّعَاءُ سِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ )، رواه الحاكم في ******«المستدرك »******، وقال : صحيحٌ، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - رضي اللَّه عنهما - عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ : عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ، أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ : أَمَا إِنَّكَ لَمْ تَدْعُنِي بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ، أَنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ ؟ ! فَيَقُولُ : نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ : فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ، أنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً ؟ قَالَ : نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ : إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا \[ و \] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ : نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ : فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ : نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ : إِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ : فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ )، رواه الحاكم في ******«المستدرك »******. 
وعن ثَوْبَانَ - رضي اللَّه عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ )، رواه الحاكمُ في ******«المستدرك »****** وابنُ حِبَّانَ في ****«صحيحه »****، واللفظ للحاكمِ، وقال : صحيحُ الإِسناد. 
قلت : وقد أخرج ابن المبارك في ****«رقائقه »**** هذا الحديثَ أيضاً، قال : حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن قيس عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد، عن ثَوْبَان، قال : قَال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ) انتهى. 
وعن عائشةَ -رضي اللَّه عنها- قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ ) رواه الحاكم في **«مستدركه »**، وقال : صحيحُ الإِسناد، وقوله ( فَيَعْتَلِجَانِ )، أي : يتصارعان، وعن سَلْمَانِ -رضي اللَّه عنه- قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ )، رواه الحاكمُ أيضاً، وقال : صحيحُ الإِسناد، وعن ابْنِ عمر -رضي اللَّه عنهما- قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ )، قال الغَزَّالِيُّ -رحمه اللَّه- في كتابِ **«الإِحياء »** **«فإِن قُلْتَ : فما فائدةُ الدعاءِ، والقضاءُ لا يُرَدُّ ؟ فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة، كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب مع اللَّه عزَّ وجلَّ، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاءُ يردُّ القلْبَ إِلى اللَّه عز وجلَّ بالتضرُّع والاستكانةِ، فانظره فإِني آثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن »** الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ. 
ومن **«جامع الترمذيِّ »**. ( عن أبي خُزَامَةَ، واسمه رفَاعَةُ، عن أبِيهِ، قال : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نتداوى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئاً ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ )، قال أبو عيسى : هذا حديث حسنً صحيحٌ، وانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة ( نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه. . . ) الحديث هو من هذا المعنى. انتهى، واللَّه الموفق بفضله. 
وقوله تعالى : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي \[ البقرة : ١٨٦ \]
قال أبو رجاء الخُرَاسانِيُّ : معناه : فَلْيَدْعُونِي. 
قال :( ع ) المعنى : فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ **«استفعل »**، أي : طلب الشيء إِلا ما شَذَّ، مثل : استغنى اللَّهُ. 
وقال مجاهد وغيره : المعنى : فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي : بالطاعة، والعملِ. 
( فائدةٌ ) : قال صاحب " غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم " وهو إِمام عارفٌ بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال : ذكر الدِّينَوَرِيُّ في **«كتاب المُجَالَسَة »**، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ، أن رجلاً وقَفَ على قوم، فقال : مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أعمى : عندي، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءاً، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ فتوضَّأ، وصلى ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فانتبه الأعمى، وجَعَلَ يسمع لدعائهِ، فقال : اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ، ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال : فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلى ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ. انتهى من **«غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم »**. 
وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده، وروى ابنُ المبارك في ****«رقائقه »**** بسنده عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ :( إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ )، انتهى. 
قال ابن عطاء اللَّهِ في **«لطائفِ المِننِ »** وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبداً شيئاً وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه، فيطلبه بالاِضطرارِ، فيعطي، وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبداً أمراً، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه، ثم منعه إِياه، فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ، وتطلب فلا تعطى، بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ، فتحرم الطَّلَب، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ، فتحرم العطاء، انتهى. 
وقوله سبحانه : وَلْيُؤْمِنُواْ بي \[ البقرة : ١٨٦ \]. 
قال أبو رجاءٍ : في  فإَّني قريب أجيبُ  دعاءهم، وقال غيره : بل ذلك دعاءٌ إِلى الإِيمان بجملته.

### الآية 2:187

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [2:187]

وقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام. . .  \[ البقرة : ١٨٧ \]. 
لفظة  أُحِلَّ  تقتضي أنه كان محرَّماً قبل ذلك، و لَيْلَةَ  : نصب على الظَّرْف. 
و الرفث  : كناية عن الجِمَاع، لأن اللَّه تعالى كريمٌ يُكَنِّي، قاله ابن عَبَّاس وغيره، والرَّفَثُ في غير هذا : ما فَحُشَ من القول، وقال أبو إِسْحَاق : الرَّفَثُ كلُّ ما يأتيه الرجُلُ، مع المرأة من قُبْلةٍولمس. ٍ
( ع ) أو كلامٍ في هذا المعنى، وسببُ هذه الآيةِ فيما قال ابن عَبَّاس وغيره : إِن جماعةً من المسلمين اختانوا أنفُسَهُم، وأصابوا النِّسَاء بعد النَّوْم، أو بعد صلاة العشَاء على الخلافِ في ذلك، منْهم عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب، جاء إِلى امرأته، فأرادها، فقالَتْ له قد نِمْتُ، فَظَنَّ أنها تَعْتَلُّ بذلك، فوقع بها، ثم تحقَّق أنها قد كانت نامَتْ، وكان الوطْءُ بعد نَوْمِ أحدهما ممنوعاً، فذهب عُمَرُ فاعتذر عنْدَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فنَزَلَ صدْرُ الآية، وروي أن صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ نام قَبْل الأكْلِ، فبقي كذلك دُونَ أكْلٍ، حتى غُشِيَ علَيْهِ في نهارِهِ المُقْبِلِ، فنَزَلَ فيه مَنْ قوله تعالى : وَكُلُواْ واشربوا \[ البقرة : ١٨٧ \]. 
و( اللِّبَاسُ ) أصله في الثِّيَاب، ثم شبه التباس الرَّجُلٍ بالمرأةِ بذلك. 
و( فتَابَ عَلَيْكُمْ ) أي : من المعصية التي وقعتم فيها. 
قال ابنُ عبَّاس وغيره : باشروهن  كنايةٌ عن الجماعة،  وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ \[ البقرة : ١٨٧ \]. 
قال ابن عبَّاس وغيره : أي : ابتغوا الوَلَدَ، قال الفَخْر والمعنى : لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقطْ، ولكنْ لابتغاء ما وَضَعَ اللَّه له النِّكاح من التناسُلِ، قال عليه السلام :( تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ ) انتهى. 
وقيل المعنى : ابتغوا ليلةَ القَدْرِ، وقيل : ابتغوا الرُّخْصَة، والتوسعَةَ، قاله قتادة، وهو قول حَسَنٌ. 
 وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ. . .  \[ البقرة : ١٨٧ \] الآيةُ، نزلت بسبب صِرْمَةَ بْنِ قَيْسٍ، و حتى  غايةٌ للتبيُّن، ولا يصحُّ أن يقع التبيُّن لأحد، ويحرم عليه الأكل إِلا وقدْ مَضَى لطُلُوع الفجْرِ قدْرٌ، و الخيط  استعارةٌ وتشبيه لرقَّة البياضِ أولاً، ورقَّةُ السوادِ إِلحاقٌ به، والمرادُ فيما قال جميع العلماء : بياضُ النهارِ، وسوادُ الليل. 
و مِنَ  الأولى لابتداء الغايةِ، والثانيةُ للتبعيض، و الفجر  : مأخوذ من تَفَجُّر الماء، لأنه ينفجر شيئاً بعد شيْء، وروي عن سَهْل بن سعدٍ وغيره من الصحَابة، أن الآية نزلَتْ إِلا قوله : مِنَ الفجر ، فصنع بعض الناسِ خَيْطَيْنِ، أَبْيَضَ وأسْوَدَ، فنزَلَ قوله تعالى : مِنَ الفجر . 
( ع ) ورُوِيَ أنَّهُ كَانَ بَيْنَ طرفَيِ المُدَّة عامٌ، من رمَضَان إِلى رمَضَان، تأخّر البيان إِلى وقت الحاجة، وعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جعل خيطَيْن على وسَادِةِ، وأخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ :( إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ) واختلف في الحدِّ الذي بتبيُّنه يجبُ الإِمساك، فقال الجمهورُ، وبه أخذ الناس، ومضَتْ عليه الأمصار والأعصار، ووردتْ به الأحاديثُ الصِّحَاحُ، أِنه الفَجْر المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فبطلوعِ أوله في الأفق يجبُ الإمساكُ. وروي عن عثمانَ بن عفَّان، وحذيفةَ بن اليَمَانِ، وابن عبَّاس وغيرهم، أن الإِمساك يجبُ بتبيُّن الفَجْر في الطُّرُق، وعلى رءوس الجبالِ، وذكر عن حُذَيفة، أنه قال :" تَسَحَّرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ النَّهارُ إِلاَّ أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ ". 
ومن أكل وهو يشكُّ في الفجر، فعليه القضاء عند مالك. 
وقوله سبحانه : ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل \[ البقرة : ١٨٧ \]. 
أمر يقتضي الوجوب. و إلى  غايةٌ، وإِذا كان ما بعدها من جنْسِ ما قبلها، فهو داخلٌ في حكمه، وإِذا كان من غير جنْسه، لم يدخلْ في المحدودِ، والليلُ : الذي يتم به الصيامُ : مَغِيبُ قرص الشمسِ، فمن أفطر شاكًّا في غروبها، فالمشهورُ من المَذْهَب أنَّ عليه القضاءَ والكفَّارةَ. 
وروى أبو هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( ثَلاَثةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، والإِمَامُ العَادِلُ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تعالى : وَعِزَّتِي، لأَنْصُرَنَّكِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ) رواه الترمذيُّ، وابن ماجة، وابن حِبَّان في **«صحيحه »**، وقال الترمذيُّ واللفظ له : حديثٌ حسنٌ، ولفظ ابن ماجة ( حتى يُفْطِرَ ) انتهى من **«السِّلاح »**. 
وعنه صلى الله عليه وسلم :( أِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَّا تُرَدُّ )، رواه ابنُ السُّنِّيِّ، انتهى من **«حِلْيَة النوويِّ »**. 
وعنه صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( أن لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ ). رواه البخاريُّ، ومسلم، انتهى. 
وروى ابنُ المبارك في **«رقائقه »**، قال :( أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ، عن واصل مولى أبي عُيَيْنَة، عن لقيد أبِي المُغيرَةِ، عن أبي بُرْدَة : أنَّ أبا موسَى الأَشْعَرِيَّ كَانَ في سفينة في البَحْر مرفوعٍ شراعُها، فإِذا رجُلٌ يقول : يأَهْلَ السفينةِ، قِفُوا سبْعَ مرارٍ، فقلْنا : ألا ترى على أيِّ حالٍ نحْنُ، ثم قال في السابعة، قِفُوا أخبرْكُمْ بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ، أنَّه من عَطَّشَ نَفْسَهُ للَّهِ في يومٍ حارٍّ من أيامِ الدُّنْيَا شديدِ الحَرِّ، كان حقًّا على اللَّه أنْ يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يبتغي اليَوْمَ الشَّديدَ الحَرِّ، فيصومه )، انتهى. 
قال يوسُفُ بن يَحْيَى التَّادِلِيُّ في **«كتاب التشوُّف »**، وخرَّج عبد الرزَّاق في **«مصنَّفه »** ( عن هشامِ بنِ حَسَّان، عن واصلِ بن لَقِيط، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قَالَ :" غَزَا النَّاسُ بَرًّا وبحراً، فكنْتُ ممَّن غَزَا في البَحْر، فبينما نحْنُ نسيرُ في البَحْر، إِذ سمعنا صوتاً يقول : يأهل السفينة، قِفُوا أخبرْكُم، فنظرنا يميناً وشَمالاً، فلم نر شيئاً إِلا لُجَّةَ البحر، ثم نادى الثانيةَ، حتى نادى سبْعَ مراتٍ، يقول كذلك، قال أبو موسى : فلما كانَتِ السابعةُ، قُمْتُ، فقُلْتُ : ما تخبرنا ؟ قال : أخبركم بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ، أنَّ من عَطِشَ للَّه في يوم حَارٍّ، أنْ يرويه اللَّه يوم القيامة )، وذكره ابن حَبِيب في " الواضحة "، بلفظ آخر، انتهى. 
قال ابن المبارك : وأخبرنا أبو بكر بن أبي مَرْيَم الغَسَّانيّ، قال : حدَّثني ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قال : قَالَ رَسُولُ الّلَه صلى الله عليه وسلم :( إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ بَاباً، وأِنَّ بابَ العبادة الصيام ) انتهى. 
وروى البخاريُّ ومسلم في **«صحيحيهما »**، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ : إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّمَا يَدَعُ شَهْوتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ) انتهى. 
وقوله تعالى : وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد \[ البقرة : ١٨٧ \]. قالتْ فرقة : المعنى ولا تجامعوهُنَّ، وقال الجمهور : ذلك يقع على الجِمَاعِ، فما دونه ممَّا يُتلذَّذ به من النساء، و عاكفون  أيْ : مُلاَزِمُون، قال مالكٌ -رحمه اللَّه- وجماعةٌ معه : لا اعتكاف إلا في مساجد الجُمُعَاتِ، وروي عن مالكٍ أيضاً، أنَّ ذلك في كل مسجدٍ، ويخرج إِلى الجُمُعة، كما يخرج إِلى ضروريِّ أشغالِهِ، قال ابن العربيِّ في " أحكامه " : وحرم اللَّه سبحانه المباشَرَةَ في المَسْجد، وكذلك تحرم خارجَ المَسْجِدِ، لأن معنى الآية، ولا تباشرُوهُنَّ وأنتم ملتزمون لِلاعتكاف في المساجد، معتقدُونَ له، انتهى. و تِلْكَ  إِشارةٌ إِلى هذه الأوامر والنواهِي. 
و الحُدُودُ  : الحواجزُ بيْن الإِباحة والحظر، ومنه قيل للبوَّاب حَدَّاد، لأنه يمنع، ومنه الحَادُّ، لأنها تُمنع من الزينةِ، والآياتُ : العلاماتُ الهاديةُ إِلى الحق.

### الآية 2:188

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:188]

وقوله تعالى : وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل. . .  \[ البقرة : ١٨٨ \]. الخطابُ لأمة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويدخلُ في هذه الآيةِ القِمَارُ، والخُدَعُ، والغُصُوب، وجَحْد الحُقُوق، وغَيْرُ ذلك. 
وقوله سبحانه : وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام. . .  \[ البقرة : ١٨٨ \]
يقال : أَدْلَى الرَّجُلُ بحجَّة، أو بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر، يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ : معنى الآية تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم، إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ، كاليتيم ونحوه، ممَّا يكون القولُ فيه، قوله فالباء في ( بِهَا ) باءُ السبب، وقيل : معنى الآية : تُرْشُوا بهَا على أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ، وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضاً، فإِن اللفظتين متناسبتَان. 
 تُدْلُواْ  : من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ : من الرِّشَاءِ، كأنها يمدُّ بها، لتقضي الحاجة. 
و( الفريقُ ) : القطْعة، والجزء. 
و بالإثم  أي : بالظلم. 
 وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ \[ البقرة : ١٨٨ \] أي : أنكم مبطلون.

### الآية 2:189

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [2:189]

وقوله تعالَى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة \[ البقرة : ١٨٩ \]. 
قال ابنْ عَبَّاس وغيره : نَزلَتْ على سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيَّ صلى الله عليه وسلم عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ وكمالِهِ، ومخالفته لحالِ الشمْسِ. 
و مَوَاقِيتُ  أي : لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ، والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضاً : يعرف بها وقته وأشهره. 
وقوله سبحانه : وَلَيْسَ البر. . .  \[ البقرة : ١٨٩ \]
قال البَرَاء بن عَازِبٍ، والزهْريُّ، وقتادة : سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو اعتمروا، يلتزمون تشرُّعاً ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ، وقيل : كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحاً، يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه.

### الآية 2:190

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [2:190]

وقوله تعالى : وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله. . .  \[ البقرة : ١٩٠ \]. 
هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ، قال ابن زَيْد، والربيعُ قوله : وَلاَ تَعْتَدُواْ \[ البقرة : ١٩٠ \] أي : في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى : وقاتلوا المشركين كَآفَّةً  \[ التوبة : ٣٦ \] وقال ابن عَبَّاس وغيره : وَلاَ تَعْتَدُواْ  في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم، فهي مُحْكَمَةٌ.

### الآية 2:191

> ﻿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [2:191]

وقوله تعالى : واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ \[ البقرة : ١٩١ \]. 
قال ابْنُ إِسحاق وغيره : نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش، و ثَقِفْتُمُوهُمْ  معناه : أحكمتم غلبتهم، يقال : رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِماً لما يتناوَلُهُ من الأمور. 
و أَخْرِجُوهُم  : خطابٌ لجميع المؤمنين، والضميرُ لكفار قريش. 
و الفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل \[ البقرة : ١٩١ \] أي : الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر، أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنى : والفتنةُ أي : الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به، في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ. 
وقوله تعالى : وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام. . .  \[ البقرة : ١٩١ \]. 
قال الجمهورُ كان هذا ثُمَّ نُسِخَ : وقال مجاهد : الآية محكمةٌ، ولا يجوز قتال أحد، يعني : عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل. 
قلتُ : وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم :( وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي ) يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجحُ عند الإِمام الفَخْر، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتالِ في الحرم. انتهى. 
قال ابن العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : وقد روى الأئمَّة عن ابن عَبَّاس، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال يَوْمَ فَتْح مكَّة :( إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَأِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ). فقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآناً وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدئ الكافر بالقتَال فيها، فيقتل، بنصِّ القرآن، انتهى. 
وقرأ حمزة والكسائيّ : وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حتى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فاقتلوهم \[ البقرة : ١٩١ \]، أي : فإِن قتلوا منْكم.

### الآية 2:192

> ﻿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:192]

والانتهاء في هذه الآية هو الدخولُ في الإِسلام.

### الآية 2:193

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [2:193]

وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين لِلَّهِ \[ البقرة : ١٩٣ \]. 
الفتنة : هنا الشِّرْك، وما تابعه من أذى المؤمنين، قاله ابن عَبَّاس وغيره، 
و الدين  هنا الطاعةُ والشَّرْعُ، والانتهاءُ في هذا الموضع يصحُّ مع عموم الآية في الكفار، أنْ يكون الدُّخُولَ في الإِسلام، ويصحُّ أن يكون أداء الجزية.

### الآية 2:194

> ﻿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [2:194]

وقوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ \[ البقرة : ١٢٥ \]
قال ابن عبَّاس وغيره : نزلَتْ في عمرة القَضِيَّةِ، وعامِ الحديبيَةِ سنَةَ ستٍّ، حين صدَّهم المشركون، أي : الشهرُ الحرامُ الذي غلَّبكم اللَّه فيه، وأدخلكم الحَرَمَ عليهم، سنَةَ سَبْعٍ بالشهر الحرامِ الذي صدُّوكم فيه، والحرمات قصاصٌ. 
وقالتْ فرقةٌ : قوله : والحرمات قِصَاصٌ \[ البقرة : ١٩٤ \] مقطوعٌ مما قبله، وهو ابتداء أمر كان في أول الإِسلام أنَّ من انتهك حرمَتَكَ، نِلْتَ منه مثْلَ ما اعتدى عليك. 
 واتقوا الله \[ البقرة : ١٩٤ \] قيل : معناه في أن أَلاَّ تعتدوا، وقيل : في ألاَّ تزيدُوا على المثل.

### الآية 2:195

> ﻿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [2:195]

وقوله تعالى : وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  \[ البقرة : ١٢٥ \]
سبيلُ اللَّهِ هنا : الجهادُ، واللفظ يتناوَلُ بَعْدُ جميعَ سُبُلِهِ، وفي الصحيح أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ كان على القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فحمل رجُلٌ على عَسْكَر العدُوِّ، فقال قومٌ : ألقى هذا بيده إِلى التهلكة، فقال أبو أيوب : لا، إِنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الأنصار، حين أرادوا، لمَّا ظهر الإِسلام، أن يتركوا الجهادَ، ويَعْمُروا أموالهم، وأما هذا، فهو الذي قال اللَّه تعالى فيه : وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاتِ الله  \[ البقرة : ٢٠٧ \]. 
وقال ابن عبَّاس، وحذيفةُ بْنُ اليَمَانِ، وجمهورُ الناس : المعنى لا تُلْقُوا بأيديكم، بأنْ تتركُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّه، وتخافوا العَيْلَةَ. 
 وَأَحْسِنُواْ  قيل معناه : في أعمالكم، بامتثال الطَّاعات، روي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل : المعنى وأحسنوا في الإِنفاق في سبيل اللَّهِ، وفي الصَّدَقَات، قاله زَيْدُ بْنُ أَسْلَم، وقال عِكْرِمَة : المعنى : وأحْسِنُوا الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ. 
( ت ) ولا شَكَّ أن لفظ الآية عامٌّ يتناول جميعَ ما ذكر، والمخصَّص يفتقر إِلى دليل. 
فأما حُسْن الظن باللَّه سبحانه، فقد جاءَتْ فيه أحاديثُ صحيحةٌ، فمنها :( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي )، وفي **«صحيح مسلم »**، عن جابرٍ، قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ :( لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ) انتهى. 
وأخرج أبو بكر بن الخَطِيبِ بسنده، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ )، انتهى. 
قال عبد الحَقِّ في **«العاقبة »** :" أَمَّا حسْنُ الظنِّ باللَّهِ عزَّ وجلَّ عند الموت، فواجبٌ، للحديث "، انتهى. 
ويدخل في عموم الآية أنواعُ المعروف، قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ )، قَالَ أبُو جُرَيٍّ الُْجَهيْمِيُّ، " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ :( لاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئاً مِنَ المَعْرُوفِ، أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنْ تُفَرِّغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ المُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تلقى أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ )، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام :( أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا، هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ )، وقال عليه الصلاة والسَّلام :( إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ )، انتهى من كتابه المسمى ببهجة المَجَالسِ و أُنْس المُجَالِسِ ".

### الآية 2:196

> ﻿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:196]

وقوله تعالى : وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ \[ البقرة : ١٩٦ \]. 
قال ابنُ زَيْد وغيره : إِتمامهما أن لا تفسخا، وأن تتمهما إِذا بدأْتَ بهما. وقال ابن عَبَّاس وغيره : إِتمامهما أنْ تقضي مناسكهما كاملةً، بما كان فيهما من دماء، وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ : إِتمامهما أنْ تخرج قاصداً لهما، لا لتجارةٍ، ولا لغيرِ ذلك، ويؤيد هذا قولُهُ : لِلَّهِ . 
وفروضُ الحجِّ : النيَّة، والإِحرامُ، والطوافُ المتصلُ بالسعْيِ، يعني طواف الإِفاضة، والسَّعْيِ بين الصفا والمروة عنْدنا، خلافاً لأبي حنيفة، والوقوفُ بعرفة، وزاد ابن الماجِشُونَ : جَمْرة العَقَبَة. 
وقوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي \[ البقرة : ١٩٦ \]
هذه الآية نزلَتْ عام الحديبية عنْد جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهورُ النَّاس على أنَّ المُحْصَرَ بالعَدُوِّ، يَحِلُّ حيثُ أُحْصِرَ، وينحر هَدْيه إِن كان ثَمَّ هَدْيٌ، ويحلق رأسه. وأما المُحْصَرُ بمرضٍ فقال مالك وجمهور من العلماء : لا يحله إِلا البيتُ، ويقيم حتى يُفِيقَ، وإِن أقام سنين، فإِذا وصل البيتَ بعد فوت الحجِّ، قطع التلبيةَ في أوائل الحرم، وحلَّ بعمرة، ثم تكون عليه حجَّة قضاء، وفيها يكون الهَدْي. 
و مَا  في موضع رفعٍ، أي : فالواجبُ، أو : فعليكُمْ ما استيسر، وهو شاةٌ عند الجمهور. 
وقال ابن عمر وعروة : جَملٌ دون جَمَلٍ، وبقرةٌ دون بقرة. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ \[ البقرة : ١٩٦ \]. الخطابُ لجميعِ الأمَّة، وقيل : للمحصَرِينَ خاصَّة، ومَحِلُّ الهَدْيِ حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يُحصَرْ بمنى، والترتيب : أن يرمي الحاجُّ الجَمْرَة، ثم ينحر، ثم يَحْلِق، ثم يَطُوف للإِفاضة. 
وقوله تعالى : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا. . .  \[ البقرة : ١٩٦ \]. 
المعنى : فحَلَق لإِزالة الأذى،  فَفِدْيَةٌ ، وهذا هو فحْوَى الخطاب عند أكثر الأصوليِّين، ونزلَتْ هذه الآية في كَعْب بن عُجْرَةَ، حِينَ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَأْسُهُ يَتَنَاثَرُ قملاً، فَأَمَرَهُ بِالحَلاَّقِ، ونَزَلَتِ الرخْصَةُ. 
والصيامُ عند مالك، وجميع أصحابه ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ستَّة مساكين، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وذلك مُدَّانِ بمُدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والنُّسُكُ : شاة بإِجماع، ومَنْ أتى بأفضلَ منها ممَّا يذبح أو ينحر فهو أفضلُ، والمفتدِي مخيَّر في أيِّ هذه الثلاثة شاء، حيثُ شاء، من مكَّة وغيرها. 
قال مالكٌ وغيره : كلَّما أتى في القرآن أَوْ، فإِنه على التخْيير. 
وقوله تعالى : فَإِذَا أَمِنتُمْ \[ البقرة : ١٩٦ \]. 
أي من العدُوِّ والمُحْصِرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره، وهو أشبهُ باللَّفظ، وقيل : معناه إِذا برأتم من مَرَضِكم. 
وقوله سُبحانه : فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج. . .  \[ البقرة : ١٩٦ \]. 
قال ابن عبَّاس وجماعةٌ من العلماء : الآيةُ في المحصَرين وغيرهم، وصورة المتمتِّع أنْ تجتمعَ فيه ستَّةُ شروطٍ، أن يكون معتمراً في أشْهُر الحجِّ، وهو من غير حاضِرِي المَسْجِد الحرام، ويحل وينشئ الحَجَّ من عَامِهِ، وذلك دون رُجُوع إِلى وطنه أو ما ساواه بُعْداً، هذا قول مالِكٍ، وأصحابه، واختلف، لِمَ سُمِّيَ متمتعاً. 
فقال ابن القاسِمِ : لأنه تمتع بكلِّ ما لا يجوز للمُحْرِمِ فعْلُه مِنْ وقْت حلِّه في العمرة إِلى وقْت إِنشائه الحجِّ، وقال غيره : سمي متمتعاً، لأنه تمتَّع بإِسقاط أحد السفرين، وذلك أنَّ حق العمرة أنْ تقصد بسَفَرٍ، وحقّ الحج كذلك، فلمَّا تمتع بإِسقاط أحدهما ألزمه اللَّه تعالى هَدْياً كالقَارن، الَّذي يجمع الحجَّ والعمرةَ في سَفَر واحدٍ، وجُلُّ الأمة على جواز العُمْرة في أَشْهُر الحجِّ للمكِّيِّ، ولا دَمَ عليه. 
وقوله تعالى : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج \[ البقرة : ١٩٦ \]. يعني : من وقتِ يُحْرِمْ إِلى يومِ عرفة، فإِنْ فاته صيامها قبل يوم النحرِ، فليصُمْها في أيام التشريق، لأنها من أيام الحج. 
 وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ \[ البقرة : ١٩٦ \] قال مجاهد وغيره : أي إِذا رجعتم من منى، وقال قتادة والربيع : هذه رخصةٌ من اللَّه سبحانه، والمعنى : إِذا رجعتم إِلى أوطانكم، ولما جاز أنْ يتوهَّم متوهم التخْيير بين ثلاثةِ أيَّامٍ في الحجِّ أو سبعة إِذا رجع، أُزِيلَ ذلك بالجليَّةِ من قوله تعالى : تِلْكَ عَشَرَةٌ . 
و كَامِلَةٌ  قال الحسن بن أبي الحَسَن : المعنى كاملة الثوابِ، وقيل : كاملةٌ تأكيدٌ كما تقول : كَتَبْتُ بيَدِي، وقيل : لفظها الإِخبار، ومعناها الأمر، أي : أكملوها، فذلك فرضها. 
وقوله تعالى : ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ. . .  \[ البقرة : ١٩٦ \]. الإِشارة بذلك على قول الجمهورِ هي إِلى الهَدْي، أي : ذلك الاشتداد والإِلزام، وعلى قول من يرى أن المكِّيَّ لا تجوز له العُمْرة في أشهر الحج، تكون الإِشارة إِلى التمتُّع، وحُكْمِه، فكأن الكلام، ذلك الترخيصُ لمن لَمْ، ويتأيَّد هذا بقوله : لِمَن لَّمْ ، لأن اللام أبداً إِنما تجيء مع الرخص، واختلف الناس في  حَاضِرِي المسجد الحرام  بعد الإِجماع على أهل مكة، وما اتصل بها، فقيل : من تَجِبُ عليه الجمعة بمكَّة، فهو حَضَرِيٌّ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو بَدَوِيٌّ. 
قال ( ع ) فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة. 
وقيل : من كان بحيثُ لا يَقْصُرُ الصلاة، فهو حاضرٌ، أي : مشاهدٌ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو غائبٌ. 
وقال ابن عبَّاس ومجاهد : أهل الحرم كلِّه حَاضِرُو المَسْجِدِ الحرامِ، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذَّر من شديد عقابه.

### الآية 2:197

> ﻿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [2:197]

وقوله تعالى : الحج أَشْهُرٌ معلومات \[ البقرة : ١٩٧ \]. 
في الكلام حذفٌ تقديره : أشهر الحج أشهرٌ، أو وقتُ الحجِّ أشهر معلوماتٌ، قال ابن مسعود وغيره : وهي شوَّال، وذُو القَعْدة، وذو الحَجَّة كلُّه. 
وقال ابن عبَّاس وغيره : هي شَوَّال، وذو القَعْدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة، والقولان لمالكٍ -رحمه اللَّه-  فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج \[ البقرة : ١٩٧ \] أي : ألزمه نفْسَهُ، وفرض الحج هو بالنيةِ، والدخولِ في الإِحرام، والتلبيةُ تَبَعٌ لذلك، وقوله تعالى : فِيهِنَّ ، ولم يجئ الكلام فيها، فقال قوم : هما سواء في الاستعمال، وقال أبو عثمانَ المَازِنِيُّ : الجمعُ الكثيرُ لما لا يعقل يأتي كالواحدةِ المؤنَّثة، والقليلُ ليس كذلك، تقول : الأجذاعُ انكسرن، والجُذُوعُ انكسرت، ويؤيد ذلك قوله تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله  \[ التوبة : ٣٦ \] ثم قال : مِنْهَا  \[ التوبة : ٣٦ \]. 
وقوله تعالى : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ. . .  \[ البقرة : ١٩٧ \]. 
وقرأ ابن كثيرٍ، وأبو عمرٍو : فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالَ  \[ البقرة : ١٩٧ \]، بالرفع في الاثنين، ونصب الجدال، و ( لا ) بمعنى لَيْسَ، في القراءة الرفع، والرَّفَثُ : الجماعُ في قول ابن عبَّاس، ومجاهد، ومالك، والفُسُوقُ : قال ابن عبَّاس وغيره : هي المعاصِي كلُّها، وقال ابن زَيْد، ومالك، الفُسُوقُ : الذبْح للأصنام، ومنه قوله تعالى : أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ  \[ الأنعام : ١٤٥ \] والأول أولى. 
قال الفَخْر : وأكثر المحقِّقين حملوا الفِسْقَ هنا على كل المعاصِي، قالوا : لأن اللفظ صالِحٌ للكلِّ، ومتناولٌ له، والنهي عن الشيء يوجبُ الاِنتهاءَ عن جَميعِ أنواعه، فحمل اللفْظ على بعض أنواع الفسوقِ تحكُّم من غير دليل، انتهى. 
قال ابن عباس وغيره : الجِدَالُ هنا : أن تماري مسلماً. 
وقال مالك وابن زَيْد : الجدالُ هنا أن يَخْتَلفَ الناسُ أيهم صادَفَ موقفَ إِبراهيمَ -عليه السلام-، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، قُلْتُ : ومعنى الآية : فلا تَرْفُثُوا، ولا تفسُقُوا، ولا تجادلُوا، كقوله صلى الله عليه وسلم :( وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ، وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امرؤ صَائِمٌ ) الحديث، انتهى. 
قال ابن العربيِّ في **«أحكامه »** : قوله تعالى : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ  \[ البقرة : ١٩٧ \]، أراد نفيه مشروعاً لا موجوداً، فإِنا نجد الرفَثَ فيه ونشاهده، وخبَرُ اللَّه سبحانه لا يَقَعُ بخلافِ مخبره، انتهى. 
قال الفَخْر : قال القَفَّال : ويدُخُل في هذا النهْيِ ما وقَعَ من بعضهم من مجادلة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حين أمرهم بفَسْخِ الحَجِّ إِلى العمرة، فشَقَّ عليهم ذلك، وقالوا : أنروحُ إلى منى، ومَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مَنِيًّا ؟ الحديث، انتهى. 
وقوله تعالى : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله \[ البقرة : ١٩٧ \]. 
المعنى : فيثيب عليه، وفي هذا تحضيضٌ على فعل الخير. 
( ت ) وروى أُسَامَةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ :( مَنْ صُنِعَ إِليْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ ) رواه الترمذيُّ، والنَّسائي، وابنُ حِبَّانَ في **«صحيحه »** بهذا اللفظ. انتهى من " السلاح ". ونحو هذا جوابُهُ صلى الله عليه وسلم للمهاجرينَ، حَيْثُ قَالُوا :" مَا رَأَيْنَا كَالأَنْصَارِ "، وأثنوا علَيْهم خيراً. 
وقوله سبحانه : وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى. . .  \[ البقرة : ١٩٧ \]. 
قال ابن عُمَرَ وغيره : نزلَتِ الآية في طائفةٍ من العرب، كانت تجيء إِلى الحج بلا زادٍ، ويبقون عالة على النَّاس، فأمروا بالتزوُّد، وقال بعض النَّاس : المعنى تزوَّدوا الرفيقَ الصالحَ، وهذا تخصيصٌ ضعيفٌ، والأولى في معنى الآية، وتزوَّدوا لمعادِكُمْ من الأعمال الصالحة، قُلْتُ : وهذا التأويلُ هو الذي صَدَّر به الفخْرُ، وهو الظاهرُ، وفي قوله : فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى  حضٌّ على التقوى.

### الآية 2:198

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [2:198]

وقوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ. . .  \[ البقرة : ١٩٨ \]
الجُنَاحُ : أعم من الإِثم، لأنه فيما يقتضي العقابَ، وفي ما يقتضي الزجْرَ والعتاب. 
و تَبْتَغُواْ  معناه : تَطْلبوا، أي : لأدَرك في أنْ تتجروا، وتطلبوا الربْحَ. 
وقوله تعالى : فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات \[ البقرة : ١٩٨ \]. 
أجمع أهْل العْلمِ على تمامِ حجِّ من وقف بعرفاتٍ بعد الزوال، وأفاض نهاراً قبل الليل إِلا مالك بن أنس، فإِنه قال : لا بدَّ أن يأخذ من الليل شيئاً، وأمَّا من وقف بعرفة ليلاً، فلا خلافَ بيْن الأمَّة في تمام حَجِّه. 
وأفاض القومُ أو الجيشُ، إِذا اندفعوا جملةً، واختلف في تسميتها عرفةَ، والظاهر أنه اسم مرتجلٌ، كسائر أسماء البقاع، وعرفةُ هي نَعْمَانُ الأَرَاكِ، والمَشْعَر الحَرَامُ، جمعٌ كله، وهو ما بين جبلَيِ المزدَلِفَةِ من حَدِّ مفضى مَأْزِمَي عرفَةَ إِلى بطن مُحَسِّرٍ، قاله ابن عبَّاس وغيره، فهي كلُّها مشعر، إِلا بطن مُحَسِّرٍ، كما أن عرفة كلُّها موقف، إِلا بطن عُرَنَةَ بفتح الراء وضمها، روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَشْعرٌ، أَلاَ وارتفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ )، وذكر هذا عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ في خطبته، وذِكْرُ اللَّه تعالى  عند المشعر الحرام \[ البقرة : ١٩٨ \] ندْبٌ عند أهل العلْم، قال مالك : ومن مَرَّ به، ولم ينزلْ، فعليه دَمٌ. 
وقوله تعالى : واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ \[ البقرة : ١٩٨ \] تعديد للنعمة، وأمر بشكرها. 
( ص )  كَمَا هَدَاكُمْ  : الكاف للتشبيهِ، وهو في موضع نصْبٍ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ، و ( مَا ) مصدريةٌ، أي : كهدايتِهِ، فتكون ( مَا ) وما بعدها في موضع جَرٍّ، إِذ يَنْسَبِكُ منْها مع الفعل مصْدَرٌ، ويَحتملُ أن تكون للتعليلِ على مذهب الأخفش، وابن بَرْهَانَ، وجوَّز ابن عطيَّة وغيره، أنْ تكون ( مَا ) كافَّة للكاف عن العَمَل، والأول أولى، لأن فيه إِقرار الكافِ على عملها الجرّ، وقد منع صاحبُ " المستوفى " أنْ تكون الكافُ مكفوفةً بمَا، واحتج من أثبته بقوله :\[ الوافر \]

لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ  كَمَا النِّسْوَانُ وَالرَّجُلُ الْحَلِيمُأُريدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي  وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ لَئِيمٌانتهى. 
ثم ذكّرهم سبحانه بحالِ ضلالهم، ليظهر قدر إِنعامه عليهم. 
 وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ  أي : من قبل الهدى.

### الآية 2:199

> ﻿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:199]

وقوله سبحانه : ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس \[ البقرة : ١٩٩ \]. المخاطب بهذه الآيةِ قريشٌ، ومن وَلَدَتْ قاله ابن عبَّاس وغيره، وذلك أنهم كانوا لا يخرجُونَ من الحَرَم، ويَقِفُون بجَمْعٍ ويفيضون منْه، مع معرفتهم أنَّ عرفة هي موقفُ إِبراهيم، فقِيلَ لهم : أفيضُوا من حيثُ أفاضَ النَّاس  أي : من عرفة، و( ثُمَّ ) ليست في هذه الآية للترتيبِ، إِنما هي لعطف جملة كلامٍ على جملة هي منها منقطعةٌ. 
وقال الضَّحَّاك : المخاطب بالآيةِ جملةُ الأمَّة، والمرادُ بالناسِ إبراهيم، ويحتملُ أن تكون إِفاضةً أخرى، وهي التي من المزدلفة، وعلى هذا عوَّل الطَبريُّ، فتكون ( ثُمَّ ) على بابها، وقرأ سعيدُ بن جُبَيْر :( النَّاسِي )، وتأوَّله آدم -عليه السلام-، وأمر عز وجل بالاستغفار، لأنها مواطنه، ومظَانُّ القبولِ، ومساقطُ الرحْمَةِ، وفي الحديث أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم خَطَب عشيَّة عَرَفَةَ، فقال :( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي مَقَامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ، وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، إِلاَّ التَّبِعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، أَفِيضُوا عَلَى اسم اللَّهِ )، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ جَمْعٍ، خَطَبَ، فَقَالَ :( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ، فَعَوَّضَ التَّبِعَاتِ مِنْ عِنْدِهِ ).

### الآية 2:200

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [2:200]

وقوله تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم \[ البقرة : ٢٠٠ \]. 
قال مجاهد : المناسكُ : الذبائحُ، وهي إِراقة الدِّماء. 
( ع ) والمناسكُ عندي : العباداتُ في معالمِ الحجِّ، ومواضع النسك فيه. 
والمعنى : إِذا فرغتُمْ من حجِّكم الذي هو الوقوفُ بعرفة، فاذكروا اللَّه بمحامده، وأثْنُوا عليه بآلائه عندكم، وكانت عادَةُ العَرَبِ إِذا قَضَتْ حجَّها تقفُ عند الجَمْرة، تتفاخَرُ بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بَسَالةٍ وكَرَم، وغير ذلك فنزلَتِ الآية، أنْ يُلْزِموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيامِ الجاهلية، هذا قول جمهور المفسِّرين. 
وقال ابن عبَّاس، وعطاء : معنى الآيةِ : واذكروا اللَّه، كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهمْ، أي : فاستغيثوا به، والْجأوا إِليه. 
قال النوويُّ في " حليته " : والمرادُ من الذِّكْر حضورُ القَلْب، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبَّر ما يذكر، ويتعقَّل معناه، فالتدبُّر في الذكْر مطلوبٌ، كما هو مطلوب في القراءة، لاشتراكهما في المعنَى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيحُ المختارُ استحبابَ مَدِّ الذاكرِ قوله :**«لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ »**، لما فيه من التدبُّر، وأقوالُ السلفِ، وأئمةِ الخَلَف في هذا مشهورةٌ، انتهى. 
قال الشيخُ العارفُ أبو عبد اللَّه محمَّد بن أحمد الأنصاريُّ الساحليُّ المَالقِيُّ : ومنفعةُ الذكْرِ أبداً إِنما هي تَتْبع معناه بالفكْرِ، ليقتبس الذاكِرُ من ذُكْرِهِ أنوار المعرفة، ويحصل على اللُّبِّ المراد، ولا خير في ذِكْرٍ مع قَلْبٍ غافلٍ ساهٍ، ولا مع تضْييعِ شيءٍ من رسوم الشرعِ، وقال في موضعٍ آخر من هذا الكتاب الذي ألَّفه في السُّلوك : ولا مَطْمع للذَّاكر في دَرْكِ حقائقِ الذِّكْرِ إِلا بإِعمال الفكْر فيما تحْت ألفاظ الذكْر من المعانِي، وليدفع خَطَرات نفْسه عن باطنه، راجِعاً إِلى مقتضى ذكْره، حتى يغلب معنى الذكْر على قلبه، وقد آن له أنْ يدخل في دائرة أهْل المحاضَرَات، انتهى. 
وقوله تعالى : فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا. . .  \[ البقرة : ٢٠٠ \]. 
قال أبو وائلٍ وغيره : كانت عادتهم في الجاهلية الدُّعَاءَ في مصالحِ الدنْيا، فقطْ، إذ كانوا لا يعرفون الآخرةَ، فَنُهُوا عن ذلك الدعاءِ المخصوصِ بأمر الدنيا، وجاء النهْيُ في صيغة الخبر عنه، و الخَلاَقُ  : الحظُّ والنصيبُ.

### الآية 2:201

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [2:201]

قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن : حَسَنَةُ الدنيا : العلْمُ والعبَادة. ( ع ) واللفظ أَعمُّ من هذا، وحَسَنةُ الآخِرة الجنَّة بإِجماع، وعن أنس قال :" كان أكثر دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) " رواه البخاريُّ ومسلم وغيرهما، زاد مسلمٌ، وكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ، انتهى.

### الآية 2:202

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [2:202]

أولئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ \[ البقرة : ١٠٢ \] وعْدٌ على كسْب الأعمال الصالحة، والربُّ سبحانه سريعُ الحسابِ، لأنه لا يحتاجُ إِلى عقْد، ولا إِعمال فكْر، قيل لعليٍّ -رضي اللَّه عنه- كيف يحاسِبُ اللَّه الخلائِقَ في يَوْمٍ ؟ فقال : كما يَرْزُقُهُمْ فِي يومٍ، وقيل : الحسابُ هنا المجازاتُ. 
وقيل : معنى الآية سريعُ مجيءِ يومِ الحسابِ، فيكون المقصدُ بالآية الإِنذارَ بيَوْم القيامة.

### الآية 2:203

> ﻿۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [2:203]

وقوله تعالى : واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات \[ البقرة : ٢٠٣ \]. 
أَمَرَ اللَّه سبحانه بذكْره في الأْيام المعدوداتِ، وهي الثلاثة الَّتي بعد يَوْم النحر، ومن جملة الذكْر التكبيرُ في إِثْر الصَّلواتِ. 
قال مالك : يكبِّر من صلاة الظُّهْر يوم النَّحْر إِلى صلاة الصُّبْح من آخر أيام التَّشْريق، وبه قال الشافعيُّ، ومشهور مذهبِ مالكٍ، أنه يكبِّر إِثْر كلِّ صلاةٍ ثلاثَ تكْبيراتٍ، ومن خواصِّ التكبير وبركتِهِ ما رواه ابن السُّنِّيِّ، بسنده، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ، فَكَبِّرُوا، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ )، انتهى من **«حلية النوويِّ »**. 
وقوله تعالى : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ. . .  \[ البقرة : ٢٠٣ \]. 
قال ابنُ عبَّاس وغيره : المعنى من نَفَر في اليوم الثَّاني من الأيام المعدوداتِ، فلا حرج عليه، ومن تأخَّر إِلى الثالث، فلا إِثم عليه، أي كلُّ ذلك مباحٌ، إِذ كان من العربِ مَنْ يذمُّ المتعجِّل وبالعكْس، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ قُلْتُ : وأهل مكة في التعجيلِ كغيرهم على الأصحِّ، 
ثم أمر سبحانه بالتقوى، وذكَّر بالحَشْر، والوقوفِ بين يَدَيْهِ.

### الآية 2:204

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [2:204]

وقوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا. . .  \[ البقرة : ٢٠٤ \]. 
قال السُّدِّيُّ : نزلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شريقٍ : أظهر الإِسلام، ثم هَرَب، فمرَّ بقومٍ من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حُمُراً. 
قال :( ع ) ما ثبت قطُّ أن الأخنس أسلم، قُلْتُ : وفي ما قاله :( ع ) نَظَرٌ، ولا يلزم من عدم ثبوتِهِ عِنْده ألاَّ يثبت عنْد غيره، وقد ذكر أحمدُ بن نصرٍ الدَّاوديُّ في تفسيره، أنَّ هذه الآية نزلَتْ في الأخْنَس بْنِ شريق. انتهى، وسيأتي للطبريِّ نحوه. 
وقال قتادةُ وجماعة : نزلَتْ هذه الآيةُ في كل مُبْطِن كُفْرٍ، أو نفاقٍ، أو كذبٍ، أو ضرارٍ، وهو يظهر بلسانه خلافَ ذلك، فهي عامَّة، ومعنى : وَيُشْهِدُ الله ، أي يقول : اللَّه يعلم أنِّي أقول حقًّا، والأَلَدُّ : الشديدُ الخصومةِ الذي يَلْوِي الحجج في كل جانبٍ، فيشبه انحرافُه المَشْيَ في لَدِيديِ الوَادِي، وعنه صلى الله عليه وسلم :( أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصْمُ ).

### الآية 2:205

> ﻿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [2:205]

و تولى   سعى \[ البقرة : ٢٠٥ \] يحتمل معنيين :
أحدهما : أن يكونا فِعْلَ قَلْبٍ، فيجيء تولى بمعنى : ضَلَّ وغَضِبَ، وأنف في نَفْسه، فسعى بِحِيَلِهِ وإِدارته الدوائر علَى الإِسلام، نحا هذا المنحى في معنى الآية ابْنُ جُرَيْج وغيره. 
والمعنى الثاني : أن يكونا فِعْلَ شخصٍ، فيجيء تَوَلَّى بمعنى : أدبر، ونَهَض، وسعى، أي بقدميه، فقطع الطريقَ وأفسدها، نحا هذا المنحَى ابن عبَّاس وغيره. 
وقوله تعالى : وَيُهْلِكَ الحرث والنسل \[ البقرة : ٢٠٥ \]. قال الطبريُّ : المراد الأخنَسُ في إِحراقه الزرْعَ، وقتلِهِ الحُمُرَ، 
قال :( ع ) والظاهر أن الآية عبارةٌ عن مبالغته في الإِفساد. 
و لاَ يُحِبُّ الفساد  معناه : لا يحبُّه من أهل الصَّلاح، أو لا يحبُّه دِيناً، وإِلا فلا يقع إِلاَّ ما يحبُّ اللَّه وقوعه، والفسادُ : واقعٌ، وهذا على ما ذهب إِليه المتكلِّمون، من أنَّ الحُبَّ بمعنى الإِرادة. 
قال :( ع ) والحُبُّ له على الإِرادة مزيَّة إِيثارٍ، إِذ الحبُّ من اللَّه تعالى إِنما هو لما حَسُنَ من جميع جهاته.

### الآية 2:206

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [2:206]

وقوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله  \[ البقرة : ٢٠٦ \]. 
هذه صفة الكَافِرِ والمنافقِ الذاهِبِ بنَفْسِهِ زَهْواً، ويحذر المؤمن أن يوقعه الحَرَجُ في نحو هذا، وقد قال بعْضُ العلماءِ : كفي بالمرء إِثماً أنّ يقول له أخُوهُ : اتق اللَّهَ، فيقول له : عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي. قُلْتُ : قال أحمد بن نَصْرٍ الداوديُّ عن ابن مسعودٍ : من أكبر الذنبِ أنْ يقال للرجُلِ : اتق اللَّه، فيقولَ : علَيْكَ نَفْسَكَ، أَنْتَ تَأْمُرُنِي ؟ انتهى. 
و العزة  هنا : المنعة، وشدَّة النفْس، أي : اعتز في نفسه، فأوقعته تلك العزةُ في الإِثم، ويحتمل المعنى : أخذته العزَّةُ مع الإِثم. 
و فحَسْبُهُ  أي : كافيه، و المهاد  : ما مهد الرجلُ لنفسه، كأنه الفراشُ.

### الآية 2:207

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [2:207]

وقوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ \[ البقرة : ٢٠٧ \]. 
تتناول كلَّ مجاهدٍ في سبيل اللَّهِ، أو مستشهدٍ في ذاته، أو مغيِّر منْكَرٍ، وقيل : هذه الآية في شهداء غزوة الرَّجِيعِ، عاصمِ بْنِ ثَابِتٍ، وخُبَيْب، وأصحابِهِمَا، وقال عكرمةُ وغيره : هي في طائفةٍ من المهاجرينَ، وذكروا حديثَ صُهَيْبٍ، و يَشْرِي  معناه يبيعُ، ومنه  وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  \[ يوسف : ٢٠ \]، وحكى قوم، أنه يقالُ : شرى، بمعنى اشترى، ويحتاجُ إِلى هذا من تأوَّل الآية في صُهَيْبٍ، لأنه اشترى نفْسَه بمالِهِ. 
وقوله تعالى : والله رَءُوفٌ بالعباد \[ البقرة : ٢٠٧ \]. 
ترجيةٌ تقتضي الحضَّ على امتثال ما وقع به المدْحُ في الآية، كما أن قوله سبحانه : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ \[ البقرة : ٢٠٧ \] تخويفٌ يقتضي التحذيرَ ممَّا وقع به الذمُّ في الآية.

### الآية 2:208

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:208]

يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين \[ البقرة : ٢٠٨ \]. 
ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخولِ في السِّلْم، وهو الإِسلام والمُسَالمة، وقال ابن عبَّاس : نزلَتْ في أهل الكتابِ، والألف واللام في الشيطانِ للجنْسِ. 
و عَدُوٌّ  : يقع للواحدِ، والاثنينِ، والجمعِ.

### الآية 2:209

> ﻿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:209]

وقوله تعالى : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البينات \[ البقرة : ٢٠٩ \] الآية، أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاِعتقاداتِ والآراءِ، وغَيْرِ ذلك، والمعنى : ضللتم، و البينات  محمَّد صلى الله عليه وسلم وآياته، ومعجزاته، إِذا كان الخطابُ أوَّلاً لجماعةِ المؤمنين، وإِذا كان الخطابُ لأهل الكتاب، فالبيناتُ ما ورد في شرائعهم من الإِعلام بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، والتعريفِ به. 
و عَزِيزٌ  : صفة مقتضيةٌ أنَّه قادرٌ عليكم لا تعجزونَهُ، ولا تمتنعون منه، و حَكِيمٌ ، أي : مُحْكِمٌ فيما يعاقبكم به لِزَلَلِكُمْ.

### الآية 2:210

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [2:210]

وقوله تعالى : هَلْ يَنظُرُونَ \[ البقرة : ٢١٠ \]. 
أيْ : ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلُّون، و ظُّلَلُ  : جمع ظُلَّة، وهي ما أظَلَّ من فوق، والمعنى : يأتيهم حكم اللَّه، وأمره، ونهيه، وعقابه إِياهم. 
وذهب ابن جُرَيْج وغيره، إِلى أن هذا التوعُّد هو مما يقع في الدنيا، وقال قومٌ : بل هو توعُّد بيوم القيامة، وقال قوم :( إِلا أن يأتيهم اللَّه ) وعيد بيومِ القيامةِ. 
وأما  الملائكة ، فالوعيد بإِتيانهم عنْدَ المَوْت، و الغمامُ  : أرقُّ السحابِ، وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظُلِّلَ به بنو إِسرائيل. 
وقال النَّقَّاش : هو ضَبَابٌ أبيض،  وقُضِيَ الأمرُ  : معناه وقع الجزاء، وعُذِّبَ أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جَبَلٍ : و( قضاء الأمر ). 
 وإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ  هي راجعةٌ إِليه سبحانه قَبْل وبَعْد، وإِنما نبه بذكْر ذلك في يَوْم القيامة، على زوالِ ما كان منْها إِلى الملوك في الدنيا.

### الآية 2:211

> ﻿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:211]

وقوله سبحانه : سَلْ بَنِي إسرائيل. . .  \[ البقرة : ٢١١ \]. 
معنى الآية : توبيخُهم على عنادهم بعد الآياتِ البيِّناتِ، والمراد بالآيةِ كم جاءَهُمْ في أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم من آية مُعرِّفةٍ به، دالَّةٍ عليه، و نِعْمَةَ الله  : لفْظٌ عامٌّ لجميع أنعامه، ولكنْ يقوِّي من حال النبيِّ صلى الله عليه وسلم معهم، أنَّ المشار إِليه هنا هو محمَّد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى : ومن يبدِّلْ من بني إِسرائيل صفةَ نعمة اللَّه، ثم جاء اللفظ منسحباً على كلِّ مبدِّل نعمةً اللَّه، ويدخل في اللفظ كفَّار قريشٍ، والتوراةُ أيضاً نعمةٌ على بني إِسرائيل، فبدَّلوها بالتحريفِ لها، وجَحْدِ أمرِ محمَّد صلى الله عليه وسلم،  فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب  خبرٌ يتضمنُ الوعيد.

### الآية 2:212

> ﻿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [2:212]

وقوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا \[ البقرة : ٢١٢ \]
الإِشارة إِلى كفار قريشٍ، لأنهم كانوا يعظمون حالهم في الدنيا، ويغتبطون بها، ويسخرون من أتْبَاعِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كبلالٍ، وصُهَيْبٍ، وابنِ مَسْعودٍ، وغيرهم، فذكر اللَّه قبيحَ فعلهم، ونبه على خَفْض منزلتهم، بقوله : والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة ، ومعنى الفوقيَّة هنا في الدرجَةِ والقَدْر، ويحتمل أن يريد أنَّ نعيم المتَّقِينَ في الآخرة فوْقَ نعيمِ هؤلاءِ الآن، قُلْتُ : وحكى الداوديُّ عن قتادة ( فوقهم يوم القيامة ) قال : فَوْقَهُم في الجَنَّة، انتهى. 
ومهما ذكرتُ الداوديَّ في هذا **«المختصر »**، فإِنما أريد أحمد بن نَصْرٍ الفقيهَ المَالِكِيَّ، ومن تفسيره أنا أنقل، انتهى. 
فإِن تشوَّفَتْ نفسُك أيها الأخُ إِلى هذه الفوقيَّة. ونَيْلِ هذه الدرجة العَليَّة، فارفض دنياك الدنيَّة، وازهَدْ فيها بالكليَّة، لتسلَمَ من كل آفة وبليَّة. واقتد في ذلك بخَيْر البريَّة. قال عِيَاضٌ في **«شِفَاهُ »** : فانظُرْ -رحمك اللَّه- سِيرَةَ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وخُلُقَه في المال، تجده قد أوتي خزائنَ الأرْض \[ ومفاتيح البلاد، وأُحلّت له الغنائم، ولم تحلَّ لنبي قبله، وفتح عليه في حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن، وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق \]، وجُبِيَتْ إِلَيْه الأخماس، \[ وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إِلاَّ بعضه \]، وهادَتْه جماعةٌ من الملوك، فما استأثر بشيء من ذلك، ولا أمْسَكَ دِرْهَماً منْه، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين، ومات صلى الله عليه وسلم، ودِرْعُهُ مرهُونَةٌ في نفقةِ عيَالِهِ، واقتصر من نفقته ومَلْبَسِهِ على ما تدْعُوه ضرُورتُهُ إِليه، وزهد فيما سواه، فكان -عليه السلام- يلبس مَا وَجَدَ، فيلْبَسُ في الغالِبِ الشَّمْلَة، والكساءَ الخَشِنَ، والبُرْدَ الغليظَ. انتهى.

### الآية 2:213

> ﻿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:213]

وقوله تعالى : كَانَ الناس أُمَّةً واحدة \[ البقرة٢١٣ \]. 
قال ابن عبَّاس : الناس  القُرُونُ التي كانَتْ بين آدم ونوح، وهي عَشَرةٌ، كانوا على الحَقِّ، حتى اختلفوا، فبعث اللَّه تعالى نوحاً فمن بعده، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً : كَانَ الناس أُمَّةً واحدة ، أي : كفاراً يريد في مدَّة نوحٍ، حين بعثه اللَّه، وقال أُبَيُّ بن كعب، وابنُ زَيْد : المرادُ ب  الناس  بنو آدم حين أخرجهم اللَّه نسماً من ظهر آدم، أي : كانوا على الفطْرة، وقيل غير هذا، وكل من قدَّر الناسَ في الآية مؤمنين، قدَّر في الكلام، فاختلفوا، وكلُّ من قدَّرهم كفاراً، قدَّر : كانت بعثة النبيِّين إِلَيْهم. 
والأُمَّة : الجماعة على المَقْصد، ويسمَّى الواحدُ أُمَّةٍ، إِذا كان منفرداً بمَقْصِد، و مُبَشِّرِينَ  : معناه بالثواب على الطاعةِ، و مُنذِرِينَ  : بالعقابِ، و  الكتاب  : اسم الجنَسِ، والمعنى : جميع الكتب، و لِيَحْكُمَ  : مسند إِلى الكتاب، في قول الجمهور، والذين أوتوه أرباب العلْم به، وخصوا بالذكْر، تنبيهاً منه سبحانه على عظيمِ الشُّنْعة والقُبْح، و البينات  : الدَّلالات، والحججُ، و البغي  التعدِّي بالباطل، و هدى  معناه أرشد، والمرادُ ب  الذين ءَامَنُواْ  من آمن بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، فقالتْ طائفةٌ : معنى الآية أن الأمم كَذَّب بعضهم كتابَ بعض، فَهَدَى اللَّه أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم للتصديقِ بجمِيعِهَا، وقالتْ طائفة : إِن اللَّه سبحانه هَدَى المؤمنين للحَقِّ فيما اختلف فيه أهلُ الكتاب من قولهم : إِنَّ إِبراهيمَ كَانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا، قال زيْدُ بن أسلم : وكاختلافهم في يوم الجُمُعَة، فإِن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :( هذا اليومُ الَّذي اختلفوا فيه، فهَدَانا اللَّه له، فلليهود غَدٌ، وللنصارى بَعْدَ غد ) وفي صيامهمْ، وجميع ما اختلفوا فيه، قال الفَرَّاء : وفي الكلام قلْبٌ، واختاره الطبريُّ، قال : وتقديرُهُ : فهدَى اللَّه الذين آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا فيه، ودعاه إِلى هذا التقديرِ خوْفُ أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحَقِّ، فهدى اللَّه المؤمنين لبَعْضِ ما اختلفوا فيه، وعَسَاه غير الحق في نَفْسه، نحا إِلى هذا الطبريُّ في " حكايته " عن الفَرَّاء. 
قال :( ع ) وادعاء القَلْب على كتابِ اللَّه دُونَ ضرورة تَدْفَعُ إِلى ذلك عَجْزٌ، وسُوء نَظَرٍ، وذلك أنَّ الكلام يتخرَّج على وجهه ورَصْفه، لأن قوله : فهدى  يقتضي أنهم أصابوا الحَقَّ، وتم المعنى في قوله : فِيهِ ، وتبيَّن بقوله : مِنَ الحق  جنسُ ما وقع الخلاف فيه، و بِإِذْنِهِ  قال الزجَّاج : معناه بعِلْمِهِ. 
( ع ) والإِذن هو العلم، والتمكين، فإِن اقترن بذلك أمرٌ، صار أقوى من الإِذن بمزية.

### الآية 2:214

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [2:214]

وقوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم. . .  \[ البقرة : ٢١٤ \]. أكثر المفسرين أنها نزلَتْ في قصَّة الأحزاب حين حصروا المدينة، وقالَتْ فرقةٌ : نزلَتْ تسليةً للمهاجرين، حين أصيبَتْ أموالهم بعْدَهم، وفيما نَالَهم من إذاية الكَافرينَ لهم. 
و خَلَوْاْ  معناه : انقرضوا، أي : صاروا في خَلاَءٍ من الأرض، و البأساء  في المال، و  الضراء  في البدن، و مَّثَلُ  : معناه شبه، والزَّلْزَلَة : شِدَّة التحريك، تكون في الأشْخَاص والأحوال. 
وقرأ نافع : يَقُولُ  بالرفع، وقرأ الباقون بالنَّصْب، وحتى : غايةٌ مجرَّدة تنصبُ الفعل بتقدير **«إلى أَنْ »** وعلى قراءة نافعٍ، كأنها اقترن بها تسبيبٌ، فهي حرفُ ابتداءٍ ترفَعُ الفعلَ. 
وأكثر المتأوِّلين على أن الكلام إِلى آخر الآية من قول الرَّسُول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسُولِ على طلب استعجال النَّصْر، لا على شَكٍّ ولا ارتياب، و الرسولُ  اسم الجنْسِ، وقالتْ طائفةٌ : في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ : حتى يقول الذين آمنوا : متى نَصْرُ اللَّهِ ، فيقولَ الرسولُ : ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريبٌ ، فقدم الرسولَ في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين، لأنه المتقدِّم في الزمان. 
قال :( ع ) وهذا تحكُّم، وحمل الكلام على وجهه غيرُ متعذِّر، ويحتملُ أن يكون : أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ  إِخباراً من اللَّه تعالى مؤتنفاً، بعد تمام ذكْرِ القَوْل.

### الآية 2:215

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:215]

وقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ. . .  \[ البقرة : ٢١٥ \]. 
السَّائِلُون : هم المؤمنون، والمعنى : يسألونك، ما هي الوجوهُ التي ينفقون فيها ؟ و ما  يصحُّ أنْ تكونَ في موضع رفعٍ على الابتداء، و( ذَا ) خبرها بمعنى ( الَّذِي ) و( يُنْفِقُونَ ) صلةٌ، و( فِيهِ ) عائدٌ على ( ذَا ) تقديرُه : ينفقونَهُ، ويصحُّ أن تكون ( مَاذَا ) اسما واحداً مركَّباً في موضع نصب. 
قال قومٌ : هذه الآية في الزكاة المفروضةِ، وعلى هذا نسخَ منها الوالِدَانِ، وقال السُّدِّيُّ : نزلَتْ قبل فرض الزكاة، ثم نسختها آية الزكاة المفروضَة، وقال ابن جُرَيْجٍ وغيره : هي ندْبٌ، والزكاة غيْرُ هذا الإِنفاق، وعلى هذا لا نَسْخَ فيها. 
و مَا تَفْعَلُواْ  جزم بالشرط، والجوابُ في الفاءِ، وظاهر الآية الخبرُ، وهي تتضمَّن الوعْدَ بالمجازاتِ، و كُتِبَ  : معناه فُرِضَ واستمر الإِجماع على أن الجهاد على أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية.

### الآية 2:216

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:216]

وقوله تعالى : وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا. . .  \[ البقرة : ٢١٦ \]
قال قومٌ : عسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، والمعنى : عسى أن تكرهوا ما في الجهادِ من المشقَّة،  وهو خيرٌ لكم  في أنكم تَغْلِبُونَ وتَظْهرون، وتَغْنَمُون، وتؤجَرُون، ومن مات مَاتَ شهيداً، و عسى أن تُحِبُّوا  الدَّعَةَ، وترك القتَالِ،  وهو شرٌّ لكم  في أنَّكم تُغْلَبُونَ، وتذلُّون، ويذْهَب أمركم. 
قال :( ص ) قوله : وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا  عسى هنا للترجِّي، ومجيئها له كثيرٌ، في كلام العرب، قالوا : وكل عسى في القُرآن للتحقيق، يعْنُون به الوقوعَ إِلاَّ قوله تعالى : عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ  \[ التحريم : ٥ \] انتهى. 
وفي قوله تعالى : والله يَعْلَمُ. . .  \[ البقرة : ٢١٦ \]، قوة أمر.

### الآية 2:217

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:217]

وقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام. . .  \[ البقرة : ٢١٧ \]. 
نزلَتْ في قصَّة عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، وذلك أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً علَيْها عبد اللَّه بن جَحْشٍ الأسَدِيُّ مَقْدَمَهُ من بَدْر الأولى، فلقوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، ومعه عثمانُ بنُ عبد اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخوه نَوْفَلٌ، المخزوميَّان، والحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ في آخر يومٍ من رَجَبٍ، على ما قاله ابْنُ إِسْحَاق، وقالوا : إِن تركْنَاهم اليَوْمَ، دخَلُوا الحَرَم، فأزمعوا قتالَهُم، فرمى واقدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ عمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بسهْمٍ فقتله، وأَسَرَ عثمانَ بْنَ عبدِ اللَّهِ، والحَكَمَ، وفَرَّ نوفَلٌ، فأعجزهم، واستسهل المسْلمون هذا في الشَّهْر الحرام، خوف فوتهم، فقالَتْ قريشٌ : محمَّد قد استحلَّ الأشهر الحُرُم، وعَيَّروا بذلك، وتوقَّف النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقَالَ :( مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ )، فنزلَتْ هذه الآية، و قِتَالٍ  بدلُ اشتمالٍ عند سيبوَيْه. 
وقال الفَرَّاء : هو مخفوضٌ بتقدير ( عَنْ ) وقرئ بِهِ، والشهْرُ في الآيةِ : اسمُ الجنسِ، وكانتِ العربُ قد جعل اللَّه لها الشهْرَ الحرامَ قِوَاماً تعتدلُ عنده، فكانت لا تسفكُ دماً، ولا تغيِّر في الأشهر الحرم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم، ورَجَبٌ، وروى جابر بن عبد اللَّه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيهَا إِلاَّ أَنْ يغزى، فذلكَ قولُهُ تعالى : قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ  مبتدأٌ مقطوعٌ ممَّا قبله، والخبرُ ( أَكْبَرُ )، ومعنى الآيةِ، على قول الجمهورِ : إِنكم يَا كُفَّار قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُون علَيْنا القتالَ في الشَّهْرِ الحَرَام، وما تفْعَلُون أنْتُمْ من الصَّدِّ عن سبيلِ اللَّهِ لِمَنْ أراد الإِسلام، وكُفْرِكم بِاللَّه، وإِخراجِكُم أهْلَ المسْجد عنْه، كما فعلتم برَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، أَكْبَرُ جُرْماً عند اللَّه، 
قال الزُّهْرِيُّ ومجاهدٌ وغيرهما : قوله تعالى : قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  منسوخٌ. 
( ص ) و سبيل اللَّه  دينُهُ، و المسجد  : قراءة الجمهور بالخَفْض، قال المبرِّد، وتبعه ابن عطية وغيره : هو معطوفٌ على  سَبِيلِ الله ، وردَّ بأنه حينئذٍ يكون متعلِّقاً بصَدّ، أي : وصَدّ عن سبيل اللَّهِ، وعن المسجدِ الحرامِ، فيلزم الفَصْلُ بين المصدر، وهو صَدّ، وبين معموله، وهو المسجد، بأجنبيٍّ، وهو :( وكُفْرٌ بِهِ )، ولا يجوز. 
وقيل : معطوفٌ على ضمير ( بِهِ )، أي : وكُفْرٌ بِهِ وَبِالْمَسجِدِ، ورُدَّ بأن فيه عطفاً على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض، ولا يجوز عند جمهور البَصْرِيِّين، وأجازه الكوفيُّون، ويونُسُ وأبو الحَسَنِ، والشَّلَوْبِينُ، والمختار جوازه لكثرته سماعاً، ومنه قراءة حمزة : تَسَاءَلُونَ بِهِ والأرحام  \[ النساء : ١ \] أي : وبالأرحام، وتأويلها على غيره بعيدٌ يُخْرِجُ الكلام عن فصاحته، انتهى. 
وقوله تعالى : والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل . 
المعنى عند جمهور المفسِّرين : والفتنةُ التي كُنْتُمْ تفتنون المُسْلمين عن دينهم حتى يهلكوا، أشدُّ اجتراما من قَتْلكم في الشَّهْر الحرام، وقيل : المعنى والفِتْنَة أشَدُّ من أن لو قتلوا ذلك المَفْتُون. 
وقوله تعالى : وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ \[ البقرة : ٢١٧ \]. 
هو ابتداءُ خبرٍ من اللَّه تعالى، وتحذيرٌ منه للمؤمنين. 
وقوله تعالى : وَمَن يَرْتَدِدْ \[ البقرة : ٢١٧ \]. 
أي : يرجع عن الإِسلام إِلى الكفر، عياذاً باللَّه، قالَتْ طائفةٌ من العلماء : يُستَتَابُ المرتدُّ ثلاثةَ أيامٍ، فإِن تاب، وإِلا قتل، وبه قال مالك، وأحمد، وأصحابُ الرَّأيِ، والشَّافعيُّ في أحد قولَيْه، وفي قولٍ له : يُقْتَلُ دون استتابةٍ، وحبط العمل، إِذا انفسد في آخره فبطل، وميراث المرتدِّ عند مالكٍ والشافعيِّ : في بيْتِ مال المسلمين.

### الآية 2:218

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:218]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله \[ البقرة : ٢١٨ \]
قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره : لما عَنَّفَ المسلمون عبْدَ اللَّه بن جَحْشٍ، وأصحابه، شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم اللَّه عز وجل بهذه الآية، ثم هي باقيةٌ في كلِّ من فعل ما ذكره اللَّه عزَّ وجلَّ. 
وهَاجَرَ الرجُلُ، إِذا انتقل نقلة إِقامة من موضعٍ إِلى موضعٍ، وقصد ترك الأول إِيثاراً للثاني، وهي مُفَاعَلَةٌ من هَجَرَ، وجَاهَدَ مفاعلة من جهد، إِذا استخْرَج الجُهْد، و يَرْجُونَ  : معناه يَطْمَعُون ويستقْربُون، والرجاء تنعُّم، والرجاء أبداً معه خوفٌ، ولا بدَّ، كما أن الخوف معه رجاء. 
( ت ) والرجاءُ ما قارنه عمَلٌ، وإِلا فهو أمنيَّة.

### الآية 2:219

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:219]

قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر. . .  \[ البقرة : ٢١٩ \]. 
السائلُون : هم المؤمنُونَ، والخَمْر : مأخوذ من خمر، إِذا ستر، ومنه : خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ : ما واراك من شَجَر، وغيره، ومنه قولُ الشاعر :\[ الوافر \]

أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا  فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّرِيقِولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة على أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ. 
وروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده : لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى  \[ النساء : ٤٣ \] ثم  إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ \[ المائدة : ٩١ \] إلى قوله : فَهَلْ أَنتُمْ مُّنتَهُونَ  \[ المائدة : ٩١ \] ثم قوله تعالى : إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه  \[ المائدة : ٩٠ \] فقال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( حُرِّمَتِ الخَمُرْ )، ولم يحفَظْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرَّجه مسلم، وأبو داود، وروي عَنْه صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحَدَّ، وجعله كَأخفِّ الحدود ثَمَانِينَ، وبه قال مالك. 
ويجتنبُ من المضروبِ : الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر، بإِجماع. 
قال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم : كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ، مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتَّى لِعْب الصِّبْيَان بالجَوْز. 
( ت ) وعبارةُ الداوديّ : وعن ابْنِ عُمَر : المَيْسِرُ القِمَار كلُّه، قال ابن عبَّاس : كلُّ ذلك قمارٌ، حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب، انتهى. 
وقوله تعالى : قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ. . .  \[ البقرة : ٢١٩ \]. 
قال ابن عبَّاس، والرَّبيع : الإِثم فيهما بعد التحريم، والمنفعةُ قبله. 
وقال مجاهد : المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها، وقيل : اللَّذَّة بها، إِلى غير ذلك من أفراحِها، ثم أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ، أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم. 
وقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو \[ البقرة : ٢١٩ \] قال جمهور العلماء : هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى : أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس. 
وقوله تعالى : كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ \[ البقرة : ٢١٩ \]. الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى، أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكْرته. 
قال الداوديّ : وعن ابن عبَّاس :( لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ )، يعني : في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائِها، انتهى. 
قال الغَزَّالِيُّ -رحمه اللَّه تَعَالَى- : العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة، فإِنها مصيره ومستقرُّه، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ، أو نارٍ، أو غيرهما عبرةٌ، فإن نظر إلى سوادٍ، ذكر ظلمة اللَّحْد، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة، تذكَّر مُنْكَراً ونكيراً والزبانيةَ، وإِن سمع صوتاً هائلاً، تذكَّر نفخة الصُّور، وإِنْ رأى شيئاً حسَناً، تذكَّر نعيم الجنَّة، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ، من ردٍّ أو قبول، وما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ على قَلْبِ العاقِلِ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة استحقر الدنيا، إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه، وأعميتْ بصيرته، انتهى من **«الإِحياء »**.

### الآية 2:220

> ﻿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:220]

وقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ \[ البقرة : ٢٢٠ \]. قال ابن عبَّاس، وسعيد بن المسيَّب : سبب الآية أن المسلمين لما نزلَتْ : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم  \[ الأنعام : ١٥٢ \] و \[ الإسراء : ٣٤ \] ونزلت : إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  \[ النساء : ١٠ \] تجنبوا اليتامى، وأموالَهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت : وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم. . .  \[ البقرة : ٢٢٠ \] الآية، وأمر اللَّه سبحانه نبيَّه، أن يجيب بأن من قصد الإِصلاح في مال اليتيمِ، فهو خيْرٌ، فرفع تعالى المشقَّة، وأباح الخُلْطة في ذلك، إِذا قُصِدَ الإِصلاح، ورفْقُ اليتيم. 
وقوله سبحانه : والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح \[ البقرة : ٢٢٠ \] تحذيرٌ. 
وقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ الله لأَعْنَتَكُمْ \[ البقرة : ٢٢٠ \]. 
أي : لأتعبكم في تجنُّب أمر اليتامَى، والعَنَتُ : المشقَّة، ومنه عَقَبَةٌ عَنُوتٌ، ومنه : عَنَتُ العُزْبَةِ، و عَزِيزٌ  : مقتضاه لا يرد أمره، و حَكِيمٌ  : أي : مُحْكِمٌ ما ينفذه.

### الآية 2:221

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [2:221]

وقوله تعالى : وَلاَ تَنكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ \[ البقرة : ٢٢١ \]. 
ونَكَح : أصله في الجمَاع، ويستعمل في العَقْد تجوُّزاً، قالت طائفة : المشركاتُ هنا : من يُشْرِكُ مع اللَّه إِلهاً آخرْ، وقال قتادة، وابْنُ جُبَيْر : الآية عامَّة في كل كَافِرة، وخصَّصتها آية المائدة، ولم يتناوَلِ العمومُ قطُّ الكتابيَّاتِ، وقال ابنُ عبَّاس، والحسن : تناولهن العمومُ، ثم نَسَخَتْ آيةُ المائدة بَعْضَ العمومِ في الكتابيَّات، وهو مذهب مالكٍ -رحمه اللَّه- ذكره ابن حَبِيبٍ. 
وقوله تعالى : وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ. . .  \[ البقرة : ٢٢١ \]. 
هذا إِخبار من اللَّه سبحانَه أن المؤمنة المَمْلُوكة، خَيْرٌ من المشركة، وإِن كانت ذاتَ الحَسَب والمَالِ،  ولو أعجبتْكم  في الحُسْن، وغير ذلك، هذا قول الطَّبَرِيِّ وغيره. 
وقوله سبحانه : وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ. . .  \[ البقرة : ٢٢١ \]. أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجْهٍ، لما في ذلك من الغَضَاضَةِ على دين الإِسلام. 
قال بعض العلماء : إِن الولايةَ في النكاحِ نصٌّ في هذه الآية، قلت : ويعني ببعض العلماءِ محمَّدَ بْنَ عليِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قاله ابنُ العَرَبِيِّ. انتهى. 
 ولَعَبْدٌ مُؤمنٌ  مملوكٌ  خَيْرٌ من مشركٍ  حسيبٍ، ولو أعجبكم حُسْنُه، ومالُهُ، حسبما تقدَّم. 
قال :( ع ) وتحتمل الآية عنْدي أن يكون ذكْر العَبْدِ والأمةِ عبارةً عن جميع الناسِ، حُرِّهم ومملوكِهِم، إِذْ هم كلُّهم عبيده سُبْحَانه. 
وقوله تعالى : أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار \[ البقرة : ٢٢١ \]. 
أي : بصحبتهم، ومعاشرتهم، والاِنحطاطُ في كثيرٍ من أهوائهم، واللَّه عزَّ وجلَّ مُمِنٌّ بالهداية، ويبيِّنُ الآياتِ، ويحضُّ على الطاعات التي هي كلُّها دواعٍ إِلى الجنَّة، والإِذن : العلْم والتمكينُ، فإِن انضاف إلى ذلك أمْرٌ، فهو أقوى من الإِذن، لأنك إِذا قلْتَ : أذنْتُ في كذا، فليس يلزمك أنَّكَ أمرْتَ، و لَعَلَّهُمْ  ترجٍّ في حق البشر، ومن تذَكَّر، عمل حَسَبَ التذكُّر، فنَجَا.

### الآية 2:222

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [2:222]

قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى \[ البقرة : ٢٢٢ \]
قال الطبريُّ عن السُّدِّيِّ : إنَّ السائلَ ثابتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ، وقال قتادةُ وغيره : إِنما سألوه، لأنَّ العرب في المدينةِ وما والاها، كانُوا قد استنوا بسُنَّة بني إِسرائيل في تجنُّب مواكلة الحائِضِ، ومساكَنَتِها، فنزلَتِ الآية. 
وقوله تعالى : فاعتزلوا النساء فِي المحيض \[ البقرة : ٢٢٢ \]
يريدُ : جماعَهُنَّ، بما فَسَّر من ذلك رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مِنْ أنْ تشدَّ الحائِضُ إِزارها، ثُمَّ شأنُه بأعلاها. 
قال أحمدُ بن نَصْرِ الداوديّ : روي أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ :( اتقوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ، فَإِنَّ الجُذَامَ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ المَحِيضِ )، انتهى. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ \[ البقرة : ٢٢٢ \]. 
وقرأ حمزة وغيره  يَطَّهَّرْنَ ، بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكلُّ واحدة من القراءَتَيْنِ يحتملُ أنْ يراد بها الاِغتسالُ بالماء، وأن يراد بها انقطاعُ الدمِ وزوالُ أذاه، قال ابنُ العربيُّ في " أحكامه " : سمعْتُ أبا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ يقولُ : إِذا قيل : لا تَقْرَبْ، بفتح الراء، كان معناه : لا تَلْتَبِسْ بالفعلِ، وإِذا كان بضم الراء، كان معناه لا تَدْن منه، انتهى. 
وجمهورُ العلماء على أنَّ وطأها في الدَّمِ ذنْبٌ عظيمٌ يتاب منْه، ولا كفَّارة فيه بمالٍ، وجمهُورهم على أن الطُّهْر الذي يُحِلُّ جماعَ الحائِض، هو بالماءِ، كطهر الجُنُب، ولا يجزئ من ذلك تَيَمُّمٌ ولا غيره. 
وقوله تعالى : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ. . .  \[ البقرة : ٢٢٢ \]. 
الخلافُ فيها كما تقدَّم، وقال مجاهدٌ وجماعةٌ : تَطَهَّرْنَ ، أي : اغتسلن بالماء بقرينةِ الأمر بالإِتيان، لأنَّ صيغة الأمْرِ من اللَّهِ تعالى لا تقعُ إِلا على الوَجْه الأكمل، و فَأْتُوهُنَّ  : أمر بعد الحَظْر، يقتضي الإِباحة، والمعنى : من حيثُ أمركم اللَّه باعتزالهن وهو الفَرْج، أو من السُّرَّة إِلى الرُّكْبة، على الخلاف في ذلك، وقال ابن عبَّاس : المعنى : من قِبَلِ الطُّهْرِ، لا من قِبَلِ الحَيض، وقيل : المعنى مِنْ قِبَلِ حالِ الإِباحة، لا صائماتٍ ولا مُحْرِماتٍ، ولا غيرَ ذلك، و التَّوَّابُون  : الرجَّاعون، وعُرْفُهُ من الشَّرِّ إِلى الخير، و المُتَطَهِّرْونَ  قال عطاءٌ وغيره : المعنى بالماء، وقال مجاهد وغيره : المعنى من الذنوب.

### الآية 2:223

> ﻿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [2:223]

وقوله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ. . .  \[ البقرة : ٢٢٣ \]
مبيحةٌ لهيآت الإِتيان كلِّها، إِذا كان الوطء في موضع الحرثِ، ولفظة **«الحَرْث »** تعطي أنَّ الإِباحة لم تقعْ إِلا في الفَرْجِ خاصَّة، إِذ هو المُزْدَرَعُ. 
قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : وفي سبب نزولِ هذه الآية رواياتٌ :
الأولى عن جابرٍ، قال : كانَتِ اليهودُ تقولُ : من أتَى امرأة فِي قُبُلِهَا منْ دُبُرِهَا، جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فنزلَتِ الآية، وهذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه الأئمَّة. 
الثانية : قالتْ أمُّ سلَمَة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ  قال :( يَأْتِيَها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ ) خرَّجه مسْلم، وغيره. 
الثالثة : ما رَوَى الترمذيُّ : أنَّ عمر جاء إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ لَهُ : هَلَكْتُ، قَالَ :( وَمَا أَهْلَكَكَ ؟ ) قَالَ : حَوَّلْتُ البَارِحَةَ رَحْلِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، حتى نزلَتْ : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ  أَقْبِلْ، وَأَدْبِرْ، واتق الدُّبُرَ ) انتهى. 
قال :( ع ) وَ أنى شِئْتُمْ  : معناه عند جمهور العلماء : من أيِّ وجهٍ شئتم، مقبلةً، ومدبرةً، وعلى جَنْب. 
قال :( ع ) وقد ورد عَنْ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في مصنَّف النسائيِّ وفي غيره، أنه قَالَ :( إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ )، وورد عنْه فيه، أنَّه قال :( مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرَهَا )، وورد عنه، أنَّه قال :( مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ على قَلْبِ مُحَمَّدٍ )، وهذا هو الحقُّ المتَّبع، ولا ينبغي لمؤمنٍ باللَّه أن يعرج بهذه النازلة على زَلَّة عالِمٍ بعد أنْ تصحَّ عنْه، واللَّه المرشِدُ لا ربَّ غيره. 
وقوله جلَّت قُدْرته : وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ \[ البقرة : ٢٢٣ \]. 
قال السُّدِّيُّ : معناه قدِّموا الأجْر في تجنُّب ما نُهِيتُمْ عنْه، وامتثال ما أُمِرْتُمْ به -  واتقوا الله  : تحذيرٌ -  واعلموا أَنَّكُم ملاقوه  : خبرٌ يقتضي المبالغَةَ في التحْذير، أي : فهو مجازيكُمْ علَى البِرِّ والإِثم  وَبَشِّرِ المؤمنين  : تأنيسٌ لفاعلي البرِّ، ومِتَّبِعِي سُنَن الهدى.

### الآية 2:224

> ﻿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:224]

قوله تعالى : وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم. . .  \[ البقرة : ٢٢٤ \] 
مقصد الآيةِ : ولا تُعرِّضوا اسم اللَّهِ تعالى، فتكثروا الأيمان به، فإِن الحِنْثَ يقع مع الإِكثار، وفيه قِلَّة رَعْيٍ لحقِّ اللَّه تعالى. 
وقال الزجَّاج وغيره : معنى الآيةِ : أنْ يكون الإِنسان، إِذا طُلِبَ منه فعْلُ خيرٍ ونحوه، اعتل باللَّه، وقال : عليَّ يمينٌ، وهو لم يحلفْ. 
وقوله : عُرْضَةً ، قال ابن العربيِّ في **«أحكامه »** : اعلم أنَّ بناء عرض في كلامِ العربِ يتصرَّف على معانٍ مرجعُها إِلى المَنْع، لأنَّ كلَّ شيء عرض فقد منع، ويقال لما عرض في السَّمَاء من السحَابِ عَارِضٌ، لأنه يمنع من رؤيتها، ومن رؤية البدْرَيْن، والكواكبِ، انتهى. 
و أَن تَبَرُّواْ  : مفعولٌ من أجله، والبِرُّ : جميع وجوه البرِّ، وهو ضِدُّ الإِثم و سَمِيعٌ ، أي : لأقوالِ العبادِ  عَلِيمٌ  بنياتهمْ، وهو مُجَازٍ على الجميع، واليمين : الحَلِفُ، وأصله أنَّ العَرَب كانت إِذا تحالَفَت، أو تعاهَدَت، أخذ الرجل يمينَ صاحبه بيمينه، ثم كَثُر ذلك حتى سمي الحلف والعَهْد نفسه يميناً.

### الآية 2:225

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:225]

وقوله تعالى : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم \[ البقرة : ٢٢٥ \]. 
اللَّغْو : سَقَطُ الكلامِ الَّذي لا حُكْم لَه، قال ابنُ عَبَّاس، وعائشَةُ، والشَّعْبِيُّ، وأبو صالِحٍ، ومجاهد : لَغْو اليمينِ : قولُ الرجلِ في دَرْجِ كلامِهِ واستعجاله في المحاورة : لا واللَّهِ، وبلى وَاللَّهِ، دون قصدٍ لليمينِ، وقد أسنده البخاريُّ عن عائشة. 
وقال أبو هريرة، والحَسَن ومالكٌ وجماعة : لغو اليمين : ما حلف به الرجُلُ على يقينه، فكشف الغيبُ خلافَ ذلك. 
( ع ) وهذا اليقينُ هو غلبة الظَّنِّ، وقال زيدُ بْنُ أسْلَمَ : لغو اليمينِ : هو دعاءُ الرجلِ على نَفْسه. 
وقال الضَّحَّاك : هي اليمينُ المكفَّرة. 
وحكى ابنُ عبد البَرِّ قَولاً، أن اللغو أيمانُ المُكْرَهِ. 
قال :( ع ) وطريقةُ النَّظَر أن تتأمَّل لفظة اللغْو، ولفظة الكَسْب، ويُحَكَّم موقعهما في اللغة، فكَسْب المرء ما قَصَده، ونواه، واللَّغْوُ : ما لم يتعمَّده، أو ما حقُّه لهجنته أن يسقط، فيقوَّى على هذه الطريقة بعْض الأقوال المتقدِّمة، ويضعَّف بعضها، وقد رفع اللَّه عز وجَلَّ المؤاخذة بالإِطلاق في اللَّغْو، فحقيقته : ما لا إِثم فيه، ولا كفارة، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبةِ الآخِرَةِ في الغَمُوس المَصْبُورة، وفيما تُرِكَ تكفيره ممَّا فيه كفَّارة، وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة، لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها، وتخصيصُ المؤاخذة، بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم. 
( ت ) والقولُ الأوَّل أرجح، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ، وغيره. 
وقوله تعالى : ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ \[ البقرة : ٢٢٥ \]. 
قال ابن عبَّاس وغيره : ما كسب القلْبُ هي اليمينُ الكاذبة الغموسُ، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرةِ، أي : ولا تكفّر. 
( ع ) وسمِّيت الغَمُوسَ، لأنها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإِثم، و غَفُورٌ حَلِيمٌ  صفتان لائقتان بما ذكر من طَرْح المؤاخذة، إِذ هو بابُ رفْقٍ وتوسعة.

### الآية 2:226

> ﻿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:226]

وقوله تعالى : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ. . .  \[ البقرة : ٢٢٦ \]
 يُؤْلُونَ  : معناه يَحْلِفُون، والإِيلاءُ اليمين، واختلف مَنِ المرادُ بلزومِ حكمِ الإِيلاء. فقال مالكٌ : هو الرجُلُ يغاضب امرأته، فيحلفُ بيمينٍ يلحقُ عن الحِنْثِ فيها حُكْمُ أن لاَّ يطأها، ضرراً منْه، أكْثَرَ من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إِصلاحَ ولَدٍ رضيعٍ ونحوه، وقال به عطاءٌ وغيره. 
وقوله تعالى : مِن نِّسَائِهِمْ \[ البقرة : ٢٢٦ \]. 
يدخل فيه الحرائرُ والإِماء، إِذا تزوَّجن، والتربُّص : التأنِّي والتأخُّر، و أربعَةَ أشْهُرٍ  عند مالك، وغيره : للحر، وشهران : للعبد. 
وقال الشافعيُّ : هو كالحرِّ، و فاؤُوا  : معناه : رجَعُوا، ومنه : حتى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ  \[ الحجرات : ٩ \] قال الجُمْهور : وإِذا فاء، كَفَّر، والفَيْءُ، عند مالكٍ : لا يكون إِلا بالوطْء، أو بالتكْفير في حال العُذْر.

### الآية 2:227

> ﻿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:227]

وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها، وتخصيصُ المؤاخذة بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم.
 ت: والقولُ الأوَّل أرجح، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ وغيره.
 وقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ.
 قال ابن عبَّاس وغيره: ما كسب القلْبُ هي اليمينُ الكاذبة الغموسُ **«١»**، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرةِ، أي: ولا تكفّر.
 ع **«٢»** : وسمِّيت الغَمُوسَ لأنها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثم، وغَفُورٌ حَلِيمٌ:
 صفتان لائقتان بما ذكر من طَرْح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧\]
 لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
 وقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ... الآية: يُؤْلُونَ: معناه يَحْلِفُون، والإِيلاءُ: اليمين.
 واختلف مَنِ المرادُ بلزومِ حكمِ الإِيلاء **«٣»**. فقال مالكٌ: هو الرجل يغاضب امرأته،

 - واختلفوا في اليمين الغموس هل لها كفارة؟ فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه:
 لا كفارة لها لأنها أعظم من أن تكفّر، وقال الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى: تكفّر.
 ينظر: **«أنيس الفقهاء»** (١٧٢).
 (١) أخرجه الطبري (٢/ ٤٢٧) برقم (٤٤٧٢)، وذكره ابن عطية في ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٣٠٢). [.....]
 (٢) ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٣٠٢).
 (٣) الإيلاء لغة: الحلف، وهو: مصدر. يقال: آلى بمدة بعد الهمزة، يؤلي إيلاء، وتألّى وأتلى، والآليّة، بوزن فعيلة: اليمين، وجمعها ألايا: بوزن خطايا، قال الشاعر: [الطويل]قليل الألايا حافظ ليمينه  وإن سبقت فيه الأليّة برّت والألوة (بسكون اللام، وتثليث الهمزة) : اليمين أيضا.
 ينظر: **«الصحاح»** (٦/ ٢٢٧)، **«المغرب»** (٢٨)، **«لسان العرب»** (١/ ١١٧)، **«المصباح المنير»** (١/ ٣٥).
 **واصطلاحا:**
 عرفه الحنفية بأنه: عبارة عن اليمين على ترك وطء المنكوحة أربعة أشهر أو أكثر.
 وعرّفه الشافعية بأنه: حلف زوج يصح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقا أو فوق أربعة أشهر.
 وعرفه المالكية بأنه: حلف الزوج المسلم المكلف الممكن وطؤه بما يدل على ترك وطء زوجته غير الموضع أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد، تصريحا أو احتمالا، قيد أو أطلق وإن تعليقا. -

### الآية 2:228

> ﻿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:228]

قوله تعالى : والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوءٍ \[ البقرة : ٢٢٨ \]. حكم هذه الآية قصْدُ الاِستبراءِ، لا أنه عبادةٌ، ولذلك خرجَتْ منه مَنْ لم يُبْنَ بها، بخلاف عِدَّة الوفاةِ الَّتي هي عبادةٌ والقَرْءُ، في اللغةِ : الوقْتُ المعتادُ تردُّده، فالحَيْضُ يسمى على هذا قُرْءاً، وكذلك يسمَّى الطُّهْرُ قُرءاً. 
واختلف في المراد بالقُرُوء هنا : فقال عُمَرُ وجماعةٌ كثيرةٌ : المراد بالقروء، في الآية : الحَيْضُ، وقالتْ عائشةُ وجماعةٌ من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم : المراد : الأطهار، وهو قولُ مالكٍ. 
واختلف المتأوِّلون في قوله : مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ \[ البقرة : ٢٢٨ \]. 
فقال ابن عُمَر، ومجاهدٌ، وغيرهما : هو الحَيْضُ، والحَبَل جميعاً، ومعنى النهْيِ عن الكتمان : النهْيُ عن الإِضرار بالزَّوْجِ في إِلزامه النفقَةَ، وإِذهابِ حقه في الارتجاع، فأُمِرْنَ بالصدْقِ نفياً وإِثباتاً، وقال قتادة : كانتْ عادتهُنَّ في الجاهليةِ أنْ يكتمْنَ الحَمَل، لِيُلْحِقْنَ الولد بالزوْج الجديدِ، ففي ذلك نزلَتِ الآية. 
وقال ابن عَبَّاس : إِن المرادَ الحَبَل، والعموم راجحٌ، وفي قوله تعالى : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ  ما يقتضي أنهنَّ مؤتمناتٌ على ما ذكر، ولو كَان الاِستقصَاءُ مباحاً، لم يمكن كَتْمٌ. 
وقوله سبحانه : إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله. . .  \[ البقرة : ٢٢٨ \]. 
أي : حقَّ الإِيمان، وهذا كما تقولُ : إِن كُنْتَ حُرًّا، فانتصر، وأنتَ تخاطبُ حُرًّا، والبَعْلُ : الزوْجُ، ونصَّ اللَّه تعالى بهذه الآية على أن للزوْجِ أن يرتجعَ امرأته المطلَّقة، ما دامَتْ في العدَّة، والإِشارة بذلك إِلى المدَّة بشرط أنْ يريدَ الإِصْلاَح، دون المُضَارَّة، كما تُشُدِّدَ على النساء في كَتْمِ ما في أرحامهن، وقوله تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ. . .  الآية : تعمُّ جميعَ حقوقِ الزوجيَّة. 
وقوله تعالى : وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ \[ البقرة : ٢٢٨ \]. 
قال مجاهدٌ : هو تنبيهٌ على فضْلِ حظِّه على حظِّها في الميراث، وما أشبهه، وقال زيد بن أسلم : ذلك في الطَّاعة، علَيْها أنْ تطيعه، وليس علَيْه أن يطيعَهَا، وقال ابن عباس : تلك الدرَجَةُ إِشارة إِلى حضِّ الرجُلِ على حُسْن العِشرة، والتوسُّع للنساء في المالِ، والخُلُقِ، أي : أنَّ الأفضل ينبغِي أنْ يتحامَلَ على نفسه، وهذا قولٌ حسَنٌ بارعٌ.

### الآية 2:229

> ﻿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:229]

وقوله تعالى : الطلاق مَرَّتَانِ. . .  \[ البقرة : ٢٢٩ \]
قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره : نزلَتْ هذه الآية بياناً لِعَدَدِ الطلاقِ الذي للمرء فيه أنْ يرتجعَ دون تجديدِ مَهْرٍ ووليٍّ، وقال ابن عبَّاس وغيره : المراد بالآية التعريفُ بسُنَّة الطلاقِ، وأنَّ من طلَّق اثنتَيْنِ، فليتَّق اللَّه في الثالثَةِ، فإِما تركَهَا غيْرَ مظلومةٍ شيئاً من حقِّها، وإِما أمسكها محسناً عشْرَتَها. 
( ع ) والآية تتضمَّن هذين المعنيين. 
( ص ) ( الطلاقُ ) : مبتدأٌ، على حذفِ مضافٍ، أي : عدد الطلاق، ( ومرَّتانِ ) خبره، انتهى. 
والإِمساكُ بالمعروفِ : هو الاِرتجاعُ بعد الثانية إِلى حسن العِشْرةِ، والتسْريحُ : يحتمل لفظه معنَيَيْنِ :
أحدهما : تركها تتمُّ العدة من الثانية، وتكون أملكَ بنَفْسها، وهذا قولُ السُّدِّيِّ، والضَّحَّاك. 
والمعنَى الآخر : أن يطلقها ثالثةً، فيسرِّحها بذلك. وهذا قولُ مجاهِدٍ، وعطاءٍ، وغيرهما، و فإِمْسَاك  مرتفع بالاِبتداءِ والخبر أمثل أو أحسن. 
وقوله تعالى : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا. . .  \[ البقرة : ٢٢٩ \]. 
خطابٌ للأزواجِ نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا، على وجه المضارَّة، وهذا هو الخُلْع الذي لا يصحُّ إِلاّ بأن لا ينفردَ الرجُلُ بالضَّرر، وخصَّ بالذكْر ما آتى الأَزْوَاجُ نساءَهم، لأنه عرف الناس عند الشِّقَاق والفَسَاد، أنْ يطلبوا ما خَرَجَ من أيديهم، وحرَّم اللَّه تعالى علَى الزَّوْجِ في هذه الآية أنْ يأخذ إِلا بعد الخوف ألاَّ يقيما حدودَ اللَّه، وأكَّد التحريم بالوعيدِ، وحدود اللَّه في هذا الموضعِ هي ما يلزمُ الزوجَيْنِ مِنْ حُسْنِ العشرة، وحقوقِ العِصْمَة. 
وقوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله \[ البقرة : ٢٢٩ \]. 
المخاطبة للحُكَّام، والمتوسِّطين لهذا الأمر، وإِن لم يكونوا حُكَّاماً، وتَرْكُ إِقامة حدود اللَّه هو استخفاف المرأة بحقِّ زوجها، وسوءُ طاعتها إِياه، قاله ابن عباس، ومالكٌ، وجمهور العلماء. 
وقال الشَّعبيُّ : أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله  معناه : ألاَّ يطيعَا اللَّه، وذلك أنَّ المغاضبة تَدْعُو إِلى ترك الطاعة. 
وقوله تعالى : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ \[ البقرة : ٢٢٩ \]. 
إِباحة للفدْية، وشَرَّكَهَا في ارتفاع الجُنَاحِ، لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيثُ لا يجُوزُ له أخْذه، وهي تَقْدِرُ على المخاصَمَةِ. 
قال ابن عَبَّاس، وابنُ عمر، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرهم : مباحٌ للزَّوْج أن يأخذ من المرأةِ في الفدْيَة جميعَ ما تملكُهُ، وقضى بذلك عمر بن الخَطَّاب، وقال طَاوُسٌ، والزُّهْرِيّ، والحَسَن، وغيرهم : لا يجوزُ له أنْ يزيدَ على المَهْر الذي أعطاها، وقال ابن المُسَيِّب : لا أرى أن يأخذ منها كلَّ مالِها، ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا. 
وقوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ الله. . .  \[ البقرة : ٢٢٩ \]. 
أي : هذه الأوامر والنواهي، فلا تتجاوزُوها، ثم توعَّد تعالى على تجاوُزِ الحَدِّ بقوله : وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون ، وهو كما قال صلى الله عليه وسلم :( الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ ).

### الآية 2:230

> ﻿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [2:230]

قوله تعالى : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ. . .  \[ البقرة : ٢٣٠ \]
قال ابنُ عَبَّاس وغيره : هو ابتداء الطلْقةِ الثالثةِ. 
قال :( ع ) فيجيء التسريحُ المتقدِّم، ترك المرأة تتمُّ عِدَّتها من الثانية، وأجمعتِ الأُمَّةُ في هذه النازلةِ على اتباع الحديثِ الصحيحِ، في امرأة رِفَاعَةَ حِينَ تزوَّجت عبْدَ الرحمنِ بْنَ الزَّبِيرِ، قال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( لَعَلَّكِ أَرَدتِّ الرُّجُوعَ إلى رِفَاعَةَ، لاَ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ )، فرأَى العلماء أنه لا يُحِلُّها إِلا الوطءُ. وكلُّهم على أن مَغِيبَ الحَشَفة يُحِلُّ، إِلا الحسنَ بْنَ أبي الحَسَن قال : لا يحلُّها إِلا الإِنزال، وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةَ، والذي يُحِلُّها عند مالك النكاحُ الصحيحُ، والوطْء المُباح. 
وقوله تعالى : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله \[ البقرة : ٢٣٠ \]. 
المعنى : فإِنْ طلَّقها المتزوِّج الثَّاني، فلا جُنَاح عليهما، أي : المرأة والزوج الأول، قاله ابن عَبَّاس، ولا خلاف فيه، والظنُّ هنا على بابه من تغليبِ أحد الجائزَيْن، وخص الذين يعلمون بالذكْر تشريفاً.

### الآية 2:231

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:231]

وقوله تعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء. . .  \[ البقرة : ٢٣١ \]
خطابٌ للرجالِ، نُهِي الرجُلُ أن يطول العدَّة مضارَّةً لها، بأن يرتجع قرب انقضائها، ثم يطلِّق بعد ذلك، قاله الضَّحَّاك وغيره، ولا خلاف فيه. 
ومعنَى : بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ  قاربْنَ، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإِمساك، ومعنى : أمسكوهنَّ  راجِعُوهنَّ - و بِمَعْرُوفٍ  قِيلَ : هو الإِشهاد، و لاَ تُمْسِكُوهُنَّ  أي : لا تراجعوهنَّ  ضِرَارًا  وباقي الآية بَيِّنٌ. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا. . .  \[ البقرة : ٢٣١ \]. 
المرادُ بآياته النازلَةُ في الأوامر والنَّواهِي، وقال الحسن : نزلَتْ هذه الآية فيمَنْ طَلَّق لاعباً أو هازئاً أو راجَعَ كذلك. 
وقالتْ عائشةُ : قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ، النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ ). ثم ذَكَّرَ اللَّه عباده بإِنعامه سبحانه علَيْهم بالقرآن، والسُّنَّة، و الْحِكْمَةِ  : هي السُّنَّة المبينة مرادَ اللَّه سبحانه.

### الآية 2:232

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:232]

وقوله تعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ. . .  \[ البقرة : ٢٣٢ \]
خطابٌ للمؤمنين الذين منْهم الأزواج، ومنهم الأولياءُ، لأنهم المراد في ( تَعْضُلُوهنَّ )، وبلوغ الأجلِ في هذا الموضِعِ تناهِيهِ، لأن المعنى يقتضي ذلكَ. 
وقد قال بعضُ النَّاسِ في هذا المعنى : أن المراد ب  تَعْضُلُوهُنَّ  الأزواجُ، وذلك بأن يكون الاِرتجاعُ مضارَّة عضْلاً عن نكاحِ الغَيْر، فقوله  أزواجهن ، على هذا، يعني به : الرجالَ، إِذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب  تَعْضُلُوهُنَّ  الأولياءُ، فالأزواج هم الذين كُنَّ في عصمتهم. 
وَالعَضْل : المَنْع وهو من معنى التضْييقِ والتعسيرِ، كما يقال : أعْضَلَتِ الدجاجَةُ، إِذا عَسُر بيضُها، والدَّاء العُضَال : العسيرُ البرءِ، وقيل : نزلَتْ هذه الآيةُ في مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ، وأخته، لما طلَّقها زوجها، وتمَّتْ عدَّتُها، أراد ارتجاعها، فمنعَهُ وليُّ المرأة، وقيل : نزلَتْ في جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وأختِهِ، وهذه الآيةُ تقتضي ثبوتَ حَقِّ الولي في إِنكاح وليَّته، وقوله : بالمعروف  معناه : المهر، والإِشهاد. 
وقوله تعالى : ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ \[ البقرة : ٢٣٢ \]
خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم رجُوعٌ إِلى خطابِ الجَمَاعة، والإِشارة في  ذلكم أزكى  إِلى ترك العَضْل، و  أزكى. . . وَأَطْهَرُ  معناه : أطيبُ للنفْسِ، وأطهر للعِرْضِ، والدِّين، بسبب العلاقاتِ التي تكونُ بين الأزواجِ، وربَّما لم يعلمها الوليُّ، فيؤدِّي العَضْلُ إِلى الفسادِ، والمخالطةِ على ما لا ينبغِي، واللَّه تعالى يعلَمُ من ذلك ما لا يعلَمُ البَشَر.

### الآية 2:233

> ﻿۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:233]

قوله تعالى : والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة \[ البقرة : ٢٣٣ \]. 
 يُرْضِعْنَ أولادهن  : خبر معناه الأمرُ على الوجوب، لبَعْضِ الوالداتِ، وعلى الندْبِ لبعضهنَّ، فيجب على الأمِّ الإِرضاع، إِن كانَتْ تحت أبيه، أو رجعيَّةً، ولا مانع من عُلُوِّ قدْرٍ بغير أجر، وكذلك إِن كان الأبُ عديماً، أو لم يقبلِ الولَدُ غيرها. 
وهذه الآياتُ في المطلَّقات جعَلَها اللَّه حدًّا عند اختلاف الزوجَيْن في مدَّة الرَّضَاع، فمَنْ دعا منهما إِلى إِكمالِ الحَوْلَيْنِ، فذلك له. 
وقوله تعالى : لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة  مبنيٌّ على أن الحولَيْن ليسا بفَرْض، لا يُتَجَاوَزُ، وانتزع مالِكٌ -رحمه اللَّه- وجماعةٌ من العلماء من هذه الآيةِ، أنَّ الرضاعةَ المحرِّمة الجاريةَ مَجْرى النَّسَبِ، إِنما هي ما كان في الحولَيْن، لأنَّ بانقضاء الحولَيْنِ، تمَّتِ الرَّضَاعة، فلا رضَاعَة. 
( ت ) فلو كان رضاعُه بعد الحولَيْن بمدَّة قريبة، وهو مستمرُّ الرضاعِ، أو بعد يومَيْن من فِصَالِهِ اعتبر، إِذ ما قارب الشيْءَ فله حكمه، انتهى. 
وقوله تعالى : وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ. . .  \[ البقرة : ٢٣٣ \]
المولودُ له اسم جنْسٍ، وصنْفٌ من الرجال، والرِّزْقُ في هذا الحكم : الطعامُ الكافِي، وقوله : بالمَعْرُوفِ  يجمع حُسْن القَدْر في الطعام، وجَوْدَةَ الأداء له، وحُسْنَ الاقتضاء من المرأةِ. 
ثم بيَّن سبحانه أنَّ الإِنفاق على قدر غِنَى الزوْجِ بقوله : لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ، وقرأ أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ، وأبانُ عن عاصمٍ : لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ  بضم الراء، وهو خبر معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصلُ : لاَ تُضَارِرُ، بكسر الراءِ الأولى، فوَالِدَةٌ فاعلةٌ، ويحتمل بفَتْح الرَّاء الأولى، فوَالِدَةٌ : مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، ويعطف ( مولود له ) على هذا الحدِّ في الاحتمالين، وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والْكسَائِيُّ، وعاصمٌ :( لاَ تُضَارَّ ) بفتح الراء، وهذا على النهْيِ، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كلِّ قراءة النهْيُ عن الإِضرار، ووجوهُ الضَّرَرِ لا تنحصرُ، وكل ما ذُكِرَ منْها في التفاسير، فهو مثالٌ. 
( ت ) وفي الحديثِ :( لاَ ضَرَرَ، وَلاَ ضِرَارَ )، رواه مالكٌ في **«الموطأ »** مرسلاً. 
قال النوويُّ في **«الحِلْية »** : ورويناه في **«سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ »** وغيره من طرقٍ متصلاً وهو حسن، انتهى. 
وقوله تعالى : وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك \[ البقرة : ٢٣٣ \]. 
قال مالكٌ، وجميع أصحابه، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وجماعةٌ من العلماء : المرادُ بقوله  مِثْلُ ذلك  أَن لاَّ يُضَارَّ، وأمَّا الرزقُ، والكُسْوة، فلا شيء علَيْه منه. 
قال :( ع ) فالإِجماع من الأُمَّة في أن لاَّ يُضَارَّ الوارثُ، وإِنَّما الخلافُ هل عليه رزقٌ وكُسْوَة أم لا ؟
وقوله تعالى : فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً. . .  \[ البقرة : ٢٣٣ \]. 
أي : فإِن أراد الوالَدانِ، و( فِصَالاً ) معناه : فِطَاماً عن الرَّضَاع، 
وتحرير القول في هذا : أن فَصْله قَبْل الحولَيْن لا يصحُّ، إلا بتراضيهما، وأن لاَّ يكونَ على المولودِ ضَرَرٌ، وأمَّا بعد تمامهما فمن دعا إِلى الفَصْل فذلك له، إِلاَّ أن يكون في ذلك علَى الصبيِّ ضَرَرٌ. 
وقوله تعالى : وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم \[ البقرة : ٢٣٣ \]
مخاطبة لجميعِ النَّاسِ، يجمع الآباءَ والأمهاتِ أي : لهم اتخاذُ الظِّئْر، مع الاتفاقِ على ذلك، وأما قوله : إِذَا سَلَّمْتُم ، فمخاطبةٌ للرجال خاصَّة، إِلا عَلَى أحد التأويلَيْن في قراءة مَنْ قرأ : ءاتيتُمْ ، وقرأ السِّتَّة من السبعةِ : آتَيْتُمْ ، بالمدِّ، بمعنى أَعْطَيْتم، وقرأ ابن كثير :( أَتَيْتُمْ )، بمعنى : فعلتم، كما قال زُهَيْرٌ :\[ الطويل \]

وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا  تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبائِهِمْ قَبْلُفأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول، والتأويل الثَّاني لقتادَةَ، وهو ( إِذا سلَّمتم ما آتيتم ) من إِرادة الاِسترضاع، أيْ : سلم كلُّ واحدٍ من الأبوين، ورضي، وكان ذلك عَلَى اتفاقٍ منهما، وقَصْدِ خَيْرٍ، وإِرادةِ مَعْروفٍ، وعلى هذا الاِحتمال يدخلُ النساءُ في الخطاب. 
( ت ) وفي هذا التأويل تكلُّف. 
وقال سفيانُ : المعنى إِذا سلَّمتم إِلى المستَرْضعة، وهي الظِّئْر أَجْرَها بالمَعْروف، وباقي الآية أمْرٌ بالتقْوَى، وتوقيفٌ على أن اللَّه تعالى بصيرٌ بكلِّ عمل، وفي هذا وعيدٌ وتحذيرٌ، أي : فهو مُجازٍ بحَسَبِ عَمَلِكُم.

### الآية 2:234

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:234]

وقوله تعالى : والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ \[ البقرة : ٢٣٤ \]. 
هذه الآيةُ في عدَّة المتوفي عنها زوجُها، وظاهرها العمومُ، ومعناها الخصوصُ في الحرائرِ غيْرِ الحَوَامِلِ، ولم تعن الآية لما يشذُّ من مرتابةٍ ونحوها، وعدَّة الحَامِلِ : وضْعُ حملها، عند الجمهور. 
ورُوِيَ عن عليٍّ، وابن عبَّاس : أقصَى الأجلَيْن، وَ( يَتَرَبَّصْنَ ) خبر يتضمَّن معنى الأمر، والتربُّص الصبْر، والتأنِّي، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة أن التربُّص بإِحْدَادٍ، وهو الامتناع عن الزينة، ولُبْس المَصْبُوغ الجميلِ، والطِّيب، ونحوه، والتزامِ المَبِيتِ في مَسْكنها، حيث كانَتْ وقت وفَاة الزَّوْج، وهذا قولُ جمهورِ العُلَماء، وهو قولُ مالكٍ، وأصحابه، وجعل اللَّه تعالى  أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا  عبادةً في العِدَّة فيها استبراء للحَمْل، إِذ فيها تكمل الأربعون، والأربعون، والأربعون، حسب الحديثِ الَّذي رواه ابن مَسْعود وغيره، ثم ينفخ الرُّوحُ، وجعل تعالى العَشْر تكملةً، إِذ هي مَظِنَّةٌ لظهورِ الحركةِ بالجنينِ، وذلك لنقْصِ الشهور، أو كمالها، أو لسُرْعة حركةِ الجنين، أو إِبطائها. 
قاله ابن المُسَيِّب، وغيره. 
وقال تعالى : وَعَشْرًا ، تغْليباً لحكْم الليالِي، وقرأ ابن عَبَّاس : وَعَشْرَ لَيَالٍ ، قال جمهور العلماء : ويدخل في ذلك اليَوْمُ العَاشِر. 
وقوله تعالى : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بالمعروف والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ \[ البقرة : ٢٣٤ \]. 
 فِيمَا فَعَلْنَ  يريدُ به التزوُّجَ، فما دونَهُ من زينةٍ، واطراح الإِحداد، قاله مجاهد وغيره، إِذا كان مَعْرُوفاً غيْرَ منكر. 
قال :( ع ) ووجوه المُنْكَر كثيرةٌ، وقوله سبحانه : والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  وعيدٌ يتضمَّن التحذيرَ، و خَبِيرٌ  : اسم فاعلٍ مِن خَبَرَ، إِذا تَقَصَّى علْم الشيء.

### الآية 2:235

> ﻿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:235]

وقوله تعالى : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء. . .  \[ البقرة : ٢٣٥ \]. 
تصريحُ خطبةِ المعتدَّة حرامٌ، والتعريضُ جائزٌ، وهو الكلام الذي لا تصريحَ فيه،  أَوْ أَكْنَنتُمْ  : معناه : سترتم، وأخفيتم. 
وقوله تعالى : سَتَذْكُرُونَهُنَّ \[ البقرة : ٢٣٥ \]. 
قال الحَسَن : معناه ستخطُبُونَهُنَّ، وقال غيره : معناه علم اللَّه أنكم ستذكُرونَ النِّسَاء المعتدَّاتِ في نفوسكم، وبألسنتكُمْ، فنهى عن أنْ يوصل إِلى التواعُدِ معَهُنَّ. 
( ع ) والسرُّ في اللغة : يقع على الوَطْء حلالِهِ وحرامِهِ، والآية تعطي النهْيَ عن أنْ يواعد الرجُلُ المعتدَّةَ، أن يطأها بعد العدَّة بوجْه التزويجِ، وقال ابن جُبَيْر : سِرًّا ، أيْ : نكاحاً، وهذه عبارة مخلصة. 
وأجمعتِ الأمة على كراهةِ المواعَدَةِ في العدَّةِ. 
وقوله تعالى : إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا \[ البقرة : ٢٣٥ \]. 
استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروف هو ما أبيح من التعريض، كقول الرجُل : إِنَّكم لأَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وما قُدِّرَ كَانَ، ونحو هذا. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ \[ البقرة : ٢٣٥ \]. 
عزمُ العقدةِ : عَقْدها بالإِشهاد، والوليِّ، وحينئذ : تسمى عُقْدة. 
( ت ) والظاهر أن العَزْم غَيْرُ العقد، وقوله تعالى : حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ  يريد تمام العدَّة، و الكتاب  هنا هو الحدُّ الذي جُعِل، والقَدْر الذي رُسِمَ من المدَّة، وقوله : واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فاحذروه. . .  الآية : تحذيرٌ من الوقوع فيما نهى عْنه، وتوقيفٌ على غَفْره وحِلْمه.

### الآية 2:236

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [2:236]

وقوله تعالى : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً \[ البقرة : ٢٣٦ \]. 
هذا ابتداءُ إِخبارٍ برفع الجُنَاحِ عن المُطَلِّق قبل البِنَاءِ والجِمَاعِ، فَرَض مَهْراً أو لم يَفْرِضْ، ولمَّا نهى رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن التزوُّج لمعنَى الذَّوْقِ وقضَاءِ الشَّهْوةِ، وأمر بالتزوُّج طلباً للعصْمَة، والتماس ثَوَابِ اللَّهِ، وقَصْدِ دوامِ الصُّحْبَةِ، وقع في نُفُوسِ المؤمنِينَ، أنَّ من طلَّق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ في ذلك، إِذا كان أصْل النَّكاح علَى المَقْصِد الحَسَن. 
وقال قَوْمٌ : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ  معناه : لا طَلَبَ لجميعِ المَهْر، بل عليكُمْ نصْفُ المفروض لِمَنْ فرض لها، والمتعةُ لمن لم يُفْرَضْ لها، وفَرْضُ المهرِ : إثباتُه، وتحديدُهُ، وهذه الآية تُعْطِي جوازَ العَقْد على التفْويض، لأنه نكاحٌ مقرَّر في الآية، مُبَيَّنٌ حكْمُ الطلاق فيه، قاله مالك في المدوّنة، والفريضَةُ : الصداق. 
وقوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ \[ البقرة : ٢٣٦ \]. 
أي : أعطوهنَّ شيئاً يكون متاعاً لهنَّ، وحمله ابن عُمَر، وغيره على الوجُوبِ، وحمله مالكٌ، وغيره على الندْبِ، واختلف النَّاس في مقدارِ المُتْعة، قال الحَسَن : يمتَّع كلٌّ على قدْره، هذا بخادم، وهذا بأثوابٍ، وهذا بثوبٍ، وهذا بنفقةٍ، وكذلك يقول مالك. 
وقوله تعالى : عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ \[ البقرة : ٢٣٦ \]. 
دليلٌ على رفض التحديد، والمُوسِعُ أي : من اتسع حالُه، والمُقْتِر : المقلُّ القليلُ المالِ، و متاعا  : نصبٌ على المصدر. 
وقوله تعالى : بالمعروف \[ البقرة : ٢٣٦ \]. 
أي : لا حمل فيه، ولا تكلُّف على أحد الجانبَيْنِ، فهو تأْكيدٌ لمعنى قوله : عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ ، ثم أكَّد تعالى الندْبَ بقوله : حَقًّا عَلَى المحسنين ، أي : في هذه النازلةِ من التمتيعِ هُمْ محسِنُون، ومن قال، بأنَّ المتعةَ واجبةٌ، قال : هذا تأكيدٌ للوجوب، أي : على المحسنينَ بالإِيمان والإِسلام، و حَقًّا  : صفةٌ لقوله تعالى : متاعا . 
( ت ) وظاهر الآيةِ عمومُ هذا الحكْمِ في جميع المطلَّقات، كما هو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرأْي، والظاهرُ حمل المُتْعَة على الوجوبِ، لوجوه منها : صيغةُ الأمر، ومنها : قولُه : حَقًّا ، ومنْها : لفظةُ ( على )، ومنها : من جهة المعنى ما يترتَّب على إِمتاعها من جَبْر القلوبِ، وربَّما أدى ترك ذلك إِلى العَدَاوة والبَغْضاء بَيْن المؤمنين، وقد مال بعضُ أئمَّتنا المتأخِّرين إِلى الوجوب. انتهى.

### الآية 2:237

> ﻿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:237]

وقوله تعالى : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ. . .  \[ البقرة : ٢٣٧ \]. اختلف في هذه الآية، فقالتْ فرقةٌ فيها مالك : إِنها مُخْرِجَةٌ للمطلَّقة بعد الفَرْض من حُكْم التمتيعِ، إِذ يتناولها. 
وقوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ \[ البقرة : ٢٣٧ \]. 
وقال قتادةُ : نَسَخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ الَّتي قبلها، وقال ابن القاسِمِ في **«المدوَّنة »** : كان المتاعُ لكلِّ مطلَّقة، بقوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف  \[ البقرة : ٢٤١ \]، ولغير المدخولِ بها بالآيةِ الَّتي في سورة ( الأحزاب )، فاستثنى اللَّه سبحانَهُ المَفْرُوضَ لها قَبْل الدخولِ بهذه الآية، وأثبت لها نصْفَ ما فَرَضَ، فقَطْ، وزعم زيْدُ بْنُ أسْلَم، أنها منسوخة، حكى ذلك في " المدوَّنة " عن زيد بن أسْلَم زعْماً. 
وقال ابن القاسِمِ : إنها استثناءٌ، والتحرير يردُّ ذلك إِلى النسخ الَّذي قال زيْدٌ، لأنَّ ابْنَ القاسِمِ قال : إِن قولَه تعالى : وللمطلقات متاع  \[ البقرة : ٢٤١ \] عمَّ الجميعَ، ثم استثنَى اللَّه منْه هذه التي فُرِضَ لها قبل المَسِيسِ، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثَوْر : المُتْعَة لكلِّ مطلَّقة عموماً، وهذه الآية إِنما بينت أن المفروض لها تأخُذُ نصْفَ ما فرض، أي : مع مُتْعَتها، وقرأ الجمهورُ : فَنِصْفُ ، بالرفع، والمعنى : فالواجبُ نصْفُ ما فرضْتُمْ. 
وقوله تعالى : إِلاَّ أَن يَعْفُونَ \[ البقرة : ٢٣٧ \]. 
استثناء منقطعٌ، و( يَعْفُونَ ) : معناه : يتركْنَ ويصفحْنَ، أي : يتركْن النِّصْفَ الذي وجَبَ لهنَّ عند الزوْجِ، وذلك إِذا كانت المرأةُ تمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها. 
واختلف في المرادِ بقوله تعالى : أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح . 
فقال ابن عَبَّاس، ومُجَاهدٌ، ومالكٌ، وغيرهم : هو الوليُّ الذي المَرْأَة في حِجْره، وقالتْ فرْقَة : الذي بيده عُقْدة النكاح هو الزَّوْج، فعلى القول الأول : الندْبُ في النَّصْف الذي يجبُ للمرأة إِمَّا أن تعفو هي، وإِما أن يعفو وليُّها، وعلى القول الثَّاني : إِما أنْ تعفو هي أيضاً، فلا تأخذَ شيئاً، وإِما أن يعفو الزوْجُ عن النِّصْفِ الذي يُحَطُّ، فيؤدّي جميع المَهْر، ثم خاطب تعالَى الجميعَ، نادباً بقوله : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ، أي : يا جميعَ الناسِ، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ. وغيره : وَلاَ تَنَسَوا الفَضْلَ ، وهي قراءةٌ متمكِّنة المعنى، لأنه موضع تناسٍ، لا نسيان إِلا على التشْبيه. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل \[ البقرة : ٢٣٧ \] ندْبٌ إِلى المجاملة. 
وقوله تعالى : إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ \[ البقرة : ٢٣٧ \] خَبَرٌ، وضمنه الوَعْد للمحسِنِ، والحِرْمان لغير المُحسن.

### الآية 2:238

> ﻿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [2:238]

قوله تعالى : حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى. . .  \[ البقرة : ٢٣٨ \]. 
الْخِطابُ لجميع الأمة، والآية أَمْر بالمحافظةِ عَلَى إِقامة الصَّلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرَّج الطحاويُّ عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال :( أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تعالى وَيَدْعُوهُ، حتى صَارَتْ وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَاراً، فَلَمَّا ارتفع عَنْهُ، أَفَاقَ، فَقَالَ : عَلاَمَ جَلَدتَّنِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ومَرَرْتَ على مَظْلُومٍ، فَلَمْ تَنْصُرْهُ ) انتهى من **«التذْكِرَة »** للقرطبيِّ. 
وفي الحديثِ :( إنَّ الصَّلاَةَ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ : الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثُلُثٌ، وَالسُّجُودُ ثُلُثٌ، فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ ) رواه النَّسَائِيّ، انتهى من **«الكوكب الدَّرِّيِّ »**. 
وروى مالكٌ في **«الموطَّأ »**، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ، أنه قال :( بلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ، نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ، لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ ). قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في **«التمهيد »** : وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مسنَداً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وجوهٍ صِحَاحٍ، ثم أسند أبو عمر عن أنَسِ بنِ حكيمٍ الضَّبِّيِّ، قال : قَالَ لِي أبو هُرَيْرة : إِذا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ صَلاَةُ المَكْتُوبَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا، وَإِلاَّ قِيلَ : انظروا، هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الأَعْمَالِ المَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ )، وفي روايةِ تَمِيمِ الدَّارِيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بهذا المعنى. 
قال :( ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ على حَسَبِ ذَلِكَ ) انتهى. 
وذكَرَ اللَّه سبحانه الصَّلاةَ الوسطى ثانيةً، وقد دَخَلَتْ قَبْلُ في عموم قوله : الصَّلَوَاتِ ، لأنه أراد تشريفَهَا. 
واختلف النَّاس في تعيينها، فقال عليٌّ، وابن عبَّاسٍ، وجماعة من الصَّحابة : إِنها صلاةُ الصُّبْح، وهو قول مالكٍ، وقالتْ فرقةٌ : هي الظُّهْر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة : هي صلاةُ العَصْر، وفي مُصْحَف عائشةَ، وإِملاء حَفْصَة : صَلاَةِ العَصْرِ، وعلى هذا القول جمهورُ العلماءِ، وبه أقولُ. 
وقال قَبِيصَةُ بن ذُوَيْبٍ : هي صلاة المَغْرِب، وحكى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن فرقة، أنها صلاة العشَاءِ الآخِرَةِ، وقالتْ فرقة : الصلاة الوسطى لم يعيِّنها اللَّه سبْحانه، فهي في جملة الخَمْس غير معيَّنة، كليلة القَدْر، وقالت فرقة : هي صلاة الجُمُعَة، وقال بعضُ العلماء : هي الخَمْس، وقوله أولاً عَلَى الصلوات يعم النفْلَ، والفَرْض، ثم خَصْ الفرْضَ بالذِّكْر. 
وقوله تعالى : وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين \[ البقرة : ٢٣٨ \]. 
معناه في صلاتِكُمْ، واختلف في معنى  قانتين ، فقال الشَّعْبِيُّ وغيره : معناه مطيعين، قال الضَّحَّاك : كل قُنُوتٍ في القرآن، فإِنما يعني به الطاعة، وقاله أبو سعيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابْنُ مسعودٍ وغيره : القُنُوت : السُّكُوت، وذلك أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة، حتى نزلَتْ هذه الآيةُ، فأمروا بالسُّكُوت، وقال مجاهد : معنى  قانتين  خاشِعِينَ، فالقنوتُ : طُولُ الركوعِ والخشوعِ، وغضُّ البصر، وخَفْضُ الجَنَاح. 
قال :( ع ) وإِحضارُ الخَشْية، والفِكْرُ في الوقوف بين يَدَيِ اللَّه سبحَانَه، وقال الرَّبِيعُ : القنوتُ : طولُ القيَامِ، وطولُ الرُّكُوعَ. 
وقال قومٌ : القنوتُ : الدعاء، و قانتين  معناه دَاعِينَ، روي معناه عن ابن عَبَّاس.

### الآية 2:239

> ﻿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:239]

وقول تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا. . .  \[ البقرة : ٢٣٩ \]
أمر اللَّه تعالى بالقيامِ له في الصلاة بحالة قُنُوت، وهو الوقار، والسَّكينة، وهدوء الجوارحِ، وهذا على الحالة الغالبَةِ من الأمْن والطُّمأْنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخَوْف الطارئَة أحياناً، فرخَّص لعبيده في الصَّلاة  رِجَالاً  : متصرِّفين على الأقدام، و رُكْبَانًا  : على الخَيْل، والإِبل، ونحوهما إِيماء وإِشارة بالرأس، حيث ما توجَّه، هذا قول جميع العلماءِ، وهذه هي صلاة الفَذِّ الذي قد ضايقه الخَوْفُ على نَفْسه، في حال المسايفة، أو مِنْ سَبُعٍ يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سَيْلٍ يحملُه، وبالجملة فكلُّ أمرْ يخافُ منْه على رُوحِهِ، فهو مبيحٌ ما تضمَّنته هذه الآية. 
وأما صَلاَةُ الخَوْف بالإِمام، وانقسام النَّاس، فليس حكْمُها في هذه الآية، وسيأتي إِن شاء اللَّه، في سورة النساء. 
والرُّكْبَان : جمع رَاكِبٍ، وهذه الرخْصَة في ضِمنها، بإِجماعٍ من العلماء : أن يكون الإنسان حيثُ ما توجَّه، ويتقلَّب ويتصرَّف بحسب نَظَره في نجاة نَفْسِهِ. 
( ت ) وروى أبو دَاوُد في سننه، ( عن عبد اللَّه بن أُنَيْسٍ، قال : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ : اذهب فاقتله، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ : إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فانطلقت أَمْشِيَ، وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي : مَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ : إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي، حتى بَرَدَ ) انتهى. وقد ترْجَم عليه **«بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ »**. 
قال :( ع ) واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات ؟ والذي عليه مالكٌ، وجماعةٌ، أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئاً، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن. 
واختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه : فَإِذَا أَمِنتُمْ فاذكروا الله. . .  الآية فقالَتْ فرقةٌ : المعنى إِذا زال خَوْفُكُم، فاذكروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة : اذكروا اللَّه  أي : صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يُسْتقْبلُ من الصَّلَوات.

### الآية 2:240

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:240]

قوله تعالى : والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ في أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ \[ البقرة : ٢٤٠ \]. 
 الذين  : رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ تقديره : فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود :( كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً )، قالت فرقة : كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالى تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة : كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها لها السكنى، والنفقة حولاً في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفَقَة بالرُبع، أو بِالثُّمُنِ الَّذِي في سورة النساءِ، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر، والعَشْر، وقاله ابن عَبَّاس وغيره : و متاعا  نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى : غَيْرَ إِخْرَاجٍ  معناه : ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى : فَإِنْ خَرَجْنَ. . .  الآية : معناه أنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ أو غيره،  فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ  من تزويجٍ، وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف، الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى : والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ  صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه.

### الآية 2:241

> ﻿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:241]

وقوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف حَقًّا عَلَى المتقين كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آياته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ \[ البقرة : ٢٤١و٢٤٢ \]. 
قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره : هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ، إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ. 
وقال ابنُ زَيْد : هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة، لأنه نزل قبل  حَقًّا عَلَى المحسنين  \[ البقرة : ٢٣٦ \]، فقال رجُلٌ : فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ : حَقًّا عَلَى المتقين \[ البقرة : ٢٤١ \] قال الطبريُّ : فوجب ذلك عليهم.

### الآية 2:242

> ﻿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:242]

الله صلّى الله عليه وسلم إلى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ: **«اذهب فاقتله»**، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فانطلقت أَمْشِيَ وأنا أصلّي أومئ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: **«مَنْ أَنْتَ»** ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حتى بَرَدَ» **«١»**. انتهى، وقد ترْجَم عليه **«بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ»**.
 قال ع **«٢»** : واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات؟ والذي عليه مالكٌ وجماعةٌ: أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئاً، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن.
 واختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ... الآية: فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إِذا زال خَوْفُكُم، فاذكروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة: اذكروا اللَّه، أي: صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يستقبل من الصّلوات.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٠ الى ٢٤٢\]
 وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
 قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ ٦٠ ب غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ/ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: الَّذِينَ: رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ، تقديره: فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود **«٣»** : كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً، قالت فرقة: كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالى تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة: كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها، لها السكنى والنفقة حولاً في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها **«٤»**، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثّمن

 (١) أخرجه أبو داود (١/ ٤٠١) كتاب **«الصلاة»**، باب صلاة الطالب، حديث (١٢٤٩).
 وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى أبي داود.
 (٢) ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٣٢٥).
 (٣) وهي في **«مختصر شواذ ابن خالويه»** ص (٢٢) هكذا: كتب عليكم الوصية لأزواجكم. وينظر:
 **«الكشاف»** (١/ ٢٨٩). وحكاها ابن عطية في **«المحرر»** (١/ ٣٢٦) : الوصية لأزواجهم.
 (٤) ذكره ابن عطية في ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٣٢٦).

### الآية 2:243

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [2:243]

قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ. . .  \[ البقرة : ٢٤٣ \]. 
هذه رؤية القَلْب، بمعنى ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك : أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء، ثم أحياهم.

### الآية 2:244

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:244]

وأمرهم بالجهادِ بقوله : وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله. . . \[ البقرة : ٢٤٤ \]. 
وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس، أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله : وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله . 
قال :( ع ) وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ اللَّه تعالى أخبر نبيَّه محمَّداً صلى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر، خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم، ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم، أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أُمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري، وهو ظاهرُ رَصْف الآية. 
والجمهورُ على أنَّ  أُلُوفٌ  جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة، وقال ابن زَيْد في لفظة  أُلُوفٌ  : إِنما معناها، وهم مؤتلفُونَ. 
وقوله تعالى : إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ. . .  \[ البقرة : ٢٤٣ \]. 
تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، أن لاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه، حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا، وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي : فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه، في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى الأَكْثَر دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر. 
وقوله تعالى : وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله. . .  \[ البقرة : ٢٤٤ \]. 
الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوي به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا، حَسَب الحديث. 
وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك : الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل، قال الطبريُّ : ولا وجه لهذا القَوْل.

### الآية 2:245

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:245]

ثم قال تعالى : مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله. . .  \[ البقرة : ٢٤٥ \] الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض، رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ ( قال أبو الدَّحْدَاحِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ ؟ قَالَ : نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ، قَالَ : فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي، لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدَّحْدَاحِ، فَقَالَ : اخرجي، فَإِنِّي قَدّ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ ) ". واستدعاء القَرْض، في هذه الآية وغيرها، إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للإفهام،  واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ . 
قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة، كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ : يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ : يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدتَّهُ، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ : يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ : يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ ؟ قَالَ : استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي )، انتهى. واللفظ لصحيح مسلم، قال ابنُ العَرَبِيِّ : وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطِبَ، انتهى. 
وقوله : حَسَنًا \[ البقرة : ٢٤٥ \]. 
معناه : تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته. 
وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة. 
( ت ) والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد، إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ، فيصار إِليه، وقد بيَّن ذلك صلى الله عليه وسلم فيما خرَّجه مُسْلِم والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى : كَمَثَلِ حَبَّةٍ  \[ البقرة : ٢٦١ \]
قال :( ع ) رُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ :( إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ، وَلاَ مَالٍ ). قال صاحب **«سِلاحِ المؤمن »** عند شَرْحه لاسمه تعالَى **«القَابِضِ البَاسِطِ »** : قال بعْضُ العلماءِ : يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما، ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة، كقوله تعالى : والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ \[ البقرة : ٢٤٥ \] وإِذا قلْتَ :**«القَابِض »** مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين، وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ، والمُعِزِّ والمُذِلِّ، انتهى. وما ذكره عن بعض العلماءِ هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه : القابضُ والباسطُ : الأحسنُ في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر، ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ، ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى : والله يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ  وإذا ذكرت القابضَ منْفرداً عن البَاسِطِ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله : المُعِزُّ المُذِلّ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر، انتهى.

### الآية 2:246

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:246]

قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بَنِي إسرائيل مِن بَعْدِ موسى. . .  \[ البقرة : ٢٤٦ٌ \]. 
هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ، فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلَمَّا أُمِرُوا ركَعَّ أكثرهم، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين، ليحذروا المَكْرُوه منْه، ويقتدوا بالحَسَن، و الملأ  : في هذه الآية جميعُ القَوْم، لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ المَلأَ، تشبيهاً، و مِن بَعْدِ موسى \[ البقرة : ٢٤٦ \] معناه : مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته. 
وقوله تعالى : لِنَبِيٍّ لَّهُمُ \[ البقرة : ٢٤٦ \]. 
قال أبو إِسحاق وغيره : هو شمويلُ بْن بَابِل، وقال السدِّيُّ : هو شَمْعُونُ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حارَبَها، وروي أنها كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ، حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم، بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم. 
وقال السُّدِّيُّ : كان الغالبُ لهم **«جَالُوتَ »**، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم، حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ : ابعث لَنَا مَلِكًا. . .  الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل، يقال لهم : بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ :( نُقَاتِلْ )، بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور -عليه السلام- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة التَّقْرِيرِ، وسَبْرِ ما عنْدَهم، بقوله : هَلْ عَسَيْتُمْ ، ومعنى هذه المقالةِ هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار  إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ . 
( ص )  لِنَبِيٍّ  متعلِّق ب  قَالُواْ ، واللامُ معناها : التبليغُ، انتهى. 
ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ  تولَّوْا  أي : اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم،  إلا قليلاً منهم ، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب كَعت، وعن هذا المعنى نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم، بِقَوْلِهِ :( لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا ). ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر، بقوله : والله عَلِيمٌ بالظالمين .

### الآية 2:247

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:247]

وقوله تعالى : وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا. . .  \[ البقرة : ٢٤٤ \] \[ البقرة : ٢٤٧ \]. 
قال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ : وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً، وقال السُّدِّيُّ : سَقَّاءً، وكان من سِبْط بِنْيَامِينَ، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ فقالوا : أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال \[ البقرة : ٢٤٧ \]. أي : لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ. 
قال :( ع ) وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ، فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و اصطفى  : مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل : المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ : إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت. 
( ت ) قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ : قوله  وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم  أي : انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم. انتهى من شرحه " لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام ". 
ولما علم نبيُّهم -عليه السلام- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّ كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله : والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم -عليه السلام-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، و واسع  معناه : وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء.

### الآية 2:248

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:248]

وأما قولُ النبيِّ لهم : إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ ، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم : وما آية مُلْكِ طالُوتَ ؟ وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله : إِنَّ اللَّه بَعَثَ . 
قال :( ع ) ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ، فإِنَّهم أهل تكذيبٍ وتعنُّتٍ واعوجاج، وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس، وغيره. 
واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب : لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم أوجاعٌ، فقالُوا : ما هذا إِلاَّ لهذا التابوتِ، فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ، حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر. 
وقال قتادةُ، والربيعُ : كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور، حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء، حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم. 
وقوله تعالى : فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ. . .  \[ البقرة : ٢٤٨ \]
قال ابن عَبَّاس : السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة، وقال مجاهدٌ : السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب. 
وقال عطاءٌ : السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها، وقال قتادة : سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ  أي : وقار لكم من ربِّكم. 
قال :( ع ) والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى، أن مجيء التابوتِ آية لهم، إِنْ كانوا ممَّن يؤمن ويُبْصر. 
( ت ) وهذا يؤيِّد تأويلَ الطبريِّ المتقدِّم.

### الآية 2:249

> ﻿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:249]

وقوله تعالى : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود. . .  \[ البقرة : ٢٤٩ \]. 
أي : لما اتفق ملأهم على تمليك طالوتَ، و( فصل بهم ) أيْ : خرج بهم من القُطْرِ، وفَصَلَ حالَ السفر من حال الإِقامة. 
قال السُّدِّيُّ وغيره : وكانوا ثمانين ألفاً،  قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ  أي : مختبركم، فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى، ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة، ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال. 
( ت ) ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غُرفةً بيد الزهْدِ، وأقبل على ما يعنيه من أمر آخرته نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه. 
قال ابن عَبَّاس : وهذا النَّهَر بيْن الأَرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ، وقال أيضاً : هو نَهْرُ فِلَسْطِينَ. 
قال :( ع ) وظاهرُ قولِ طالوتَ  إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم ، إنه بإِخبار من النبيِّ لطالوتَ، ويحتمل أنْ يكون هذا مما ألهم اللَّه إِليه طالوتَ، فجرَّب به جنده، وهذه النَّزْعة واجبٌ أنْ تقع من كلِّ متولِّي حَرْب، فليس يحارِبُ إِلا بالجنْدِ المطيعِ، وبَيِّنٌ أن الغرفة كَافَّةُ ضرر العَطَش عنْد الحَزَمَةِ الصَّابرين على شَظَف العَيْش، الَّذين هم في غير الرفاهيَةِ، وقوله : فَلَيْسَ مِنِّي ، أي : ليس من أصحابي في هذه الحَرْب، ولم يخرجْهم بذلك عن الإِيمان، ومثلُ هذا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا ) و ( مَنْ رَمَانَا بِالنَّبْلِ، فَلَيْسَ مِنَّا )، و( لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ ). وفي قوله : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ  سدُّ الذرائعِ، لأنَّ أدْنَى الذَّوْق يدْخُل في لفظ الطّعم، فإِذا وقع النَّهْيُ عن الطُّعْم، فلا سبيل إِلى وقوع الشُّرْبِ ممَّن يتجنَّب الطعْم، ولهذه المبالغةِ لم يأْتِ الكلامُ : ومَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ. 
( ص )  إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ  استثناءٌ من الجملة الأولى، وهو قوله : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ، أيْ  إِلاَّ من اغترف غُرْفة بيَده ، دون الكَرْع،  فإنه منِّي  والاستثناء إِذا تعقَّب جملتين فأكثر أمكَنَ عَوْده إِلى كلِّ منها، فقيل : يعود على الأخيرة، وقيل : إِلى الجميع. 
وقال أبو البقاء : إِنْ شئْتَ، جعلته مِنْ مَنِ الأولى، وإِنْ شئْتَ مِنْ مَنِ الثانيةِ، وتُعُقِّبَ، بأنه لو كان استثناءً من الثانية، وهي : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ، لَلَزِمَ أنْ يكون : مَنِ اغترف غُرْفَةً  ليس منه، لأن الاستثناء من الإِثبات نفيٌ، ومن النفي إِثبات، على الصحيح، وليس كذلك، لأنه أبيحَ لهم الاغترافُ، والظاهر عوده إِلى الأولى، والجملةُ الثانية مفهومةٌ من الأولى، لأنه حين ذكر أنَّ من شربه فليس منه فُهِمَ من ذلك أنَّ مَنْ لم يشرب منه فإِنه منه، انتهى. 
ثم أخبر تعالى، أن الأكثر شَرِبَ، وخالَفَ ما أريد منه، روي عن ابن عَبَّاس وغيره : أن القوم شَرِبوا على قدر يقينهم، فشرب الكُفَّار شُرْبَ الهيم، وشرب العاصُون دُون ذلك، وانصرف من القوْمِ ستَّة وسبْعُون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين لم يَشْرَبْ شيئاً، وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما مَنْ شرب فلم يُرو بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فَحَسُنَتْ حاله، وكان أَجْلَدَ ممن أخذ الغُرْفَة. 
وقوله تعالى : فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ. . .  \[ البقرة : ٢٤٩ \]. 
أكثر المفسِّرين على أنه إِنَّما جاوز النَّهَرَ مَنْ لم يشرَبْ إِلا غُرْفة، ومن لم يَشْرَبْ جملةً، ثم كانَتْ بصائرُ هؤلاء مختلفةً، فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّم، وهم عِدَّة أهل بدرٍ ثَلاثُمِائَةٍ، وبضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً. 
وقوله تعالى : قَالُواْ لاَ طَاقَةَ \[ البقرة : ٢٤٩ \]. 
قال ابن عبَّاس : قال كثير من الأربعةِ الآلافِ الباقيَةِ مع طالُوت، الذين جاوزوا النَّهَر : لاَ طَاقَةَ لَنَا  على جهة الفَشَل، والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوتَ، فقال المؤمنون الموقنُون بالبَعْث، والرجوعِ إِلى اللَّه تعالى، وهم عِدَّة أهل بَدْر : كَم مِّن فِئَةٍ ، والظنُّ على هذا القول : اليقينُ، والفئةُ : الجماعة التي يرجعُ إِليها في الشدائد، وفي قولهم -رضي اللَّه عنهم- : كَم مِّن فِئَةٍ. . .  الآية : تحريضٌ بالمثالِ، وحضٌّ واستشعارٌ للصبر، واقتداء بمن صَدَق ربَّه،  والله مَعَ الصابرين  بنصره وتأييده.

### الآية 2:250

> ﻿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:250]

وقوله تعالى : وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا \[ البقرة : ٢٥٠ \]. 
 بَرَزُواْ  : معناه صَارُوا في البَرَازِ، وهو الأفْيَحُ، من الأرض المتَّسِع، والإِفْرَاغُ : أعظم الصبِّ، وكان جالوتُ أمير العمالقة ومَلِكَهُم، ورُوِيَ في قصَّة داود وقَتْله جالوتَ، أنَّ أصحَابَ طالُوتَ كان فيهم إِخوة دَاوُد، وهم بنو أيش، وكان داود صغيراً يرعى غنَماً لأبيه، فلمَّا حضَرَتِ الحربُ، قال في نفْسه : لأذهبنَّ لرؤية هذه الحرْب، فلمَّا نهض مَرَّ في طريقه بحَجَر، فناداه : يا دَاوُد، خُذْنِي، فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثم ناداه حَجَرٌ آخَرُ، ثم آخر، ثم آخَرُ، فأخَذَها، وجعَلَها في مِخْلاَتِهِ، وسار، فلَمَّا حَضَر البأْسُ، خَرَجَ جالُوتُ يطلب مُبَارِزاً، فكَعَّ الناسُ عَنْه، حتى قال طالوتُ : مَنْ بَرَز له، ويَقْتُلُه، فأنا أزوِّجه ابنَتِي، وأحكِّمه في مالِي، فجاء داوُدُ، فقال : أنا أَبْرُزُ له، وأقتلُه، فقال له طالوت : فاركب فَرَسِي، وخُذْ سلاحِي، ففَعَلَ وخَرَج في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فلمَّا مشى قَليلاً رجَع، فقال الناسُ : جَبُنَ الفتى، فقَالَ داوُد : إِنَّ اللَّه سبحانه، إِنْ لم يَقْتُلْهُ لِي، ويعينَنِي علَيْه، لم ينفعْنِي هذا الفَرَسُ، ولا هذا السِّلاحُ، ولكنِّي أحبُّ أنْ أقاتِلَهُ على عادَتِي، قال : وكان داوُدُ من أرْمَى النَّاس بالمِقْلاعِ، فنَزَلَ، وأخَذَ مِخْلاَته، فتقلَّدها، وأخَذَ مِقْلاَعه، فخَرَج إِلى جَالُوتَ، وهو شَاكٍ فِي السِّلاحِ، فقال له جالوت : أنْتَ، يا فتى، تَخْرُجُ إِلَيَّ ؟ قَالَ : نعم، قال : هكذا، كما يُخْرَجُ إِلى الكَلْبِ، قال : نعم، وأنْتَ أهْوَنُ، قَالَ : لأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطيرَ، والسِّبَاعَ، ثُمَّ تدَانَيَا، فأدار دَاوُدُ مِقْلاَعَهُ، وأدْخَلَ يدَهُ إِلى الحجارةِ، فرُوِيَ أنَّها التأمت، فصارَتْ واحداً، فأَخذه، ووضَعَه في المِقْلاَع، وسمَّى اللَّهَ، وأدارَهُ ورَمَاه، فأصَابَ به رَأسَ جالُوت، فقتله، وحزَّ رأسَهُ، وجعَلَهُ في مِخْلاَته، واختلط النَّاسُ، وحَمَل أصْحَاب طالُوتَ، وكانَتِ الهزيمةُ، ثم إِنَّ داوُدَ جاء يَطْلُبُ شرطَهُ من طالُوتَ، فقال له : إِن بناتِ المُلُوكِ لهُنَّ غرائِبُ من المَهْرِ، ولا بُدَّ لك من قَتْل مائَتَيْنِ من هؤُلاَء الجَرَاجِمَةِ الذينَ يُؤْذُونَ النَّاس، وتجيئَنِي بغُلُفهِمْ، وطمع طالوتُ أنْ يُعَرِّض داوُدَ للقَتْلِ بهذه النَّزْعَة، فقَتَل داوُدُ منْهم مائَتَيْنِ، وجاء بذلك، وطَلَبَ امرأته، فدَفَعَهَا إِليه طالُوتُ، وعَظُم أمْرُ داود، فيروى، أنَّ طالُوتَ تخلى له عن المُلْك، وصار هو المَلِكَ، وقد أكْثَر الناس في قَصَص هذه الآية، وذلك كلُّه ليِّن الأَسانيد، فلذلك انتقَيْتُ منه ما تنفكُّ به الآية، ويعلم به مناقلُ النازلة. 
وأما الحكْمَةُ التي آتاه اللَّه فَهِيَ النبوَّة، والزَّبُور، وعلَّمه سبحانه صَنْعَة الدُّرُوع، ومَنْطِقَ الطَّيْر، وغيْرَ ذلك من أنواع علْمه -صلَّى اللَّه على نبيِّنا وعلَيْه.

### الآية 2:251

> ﻿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:251]

وقوله تعالى : وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض. . .  \[ البقرة : ٢٥١ \]. 
أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآية، أنه لوْلاَ دفعه بالمؤمنين في صدور الكَفَرة على مرِّ الدَّهْر، لَفَسَدَتِ الأرْض، لأن الكُفْر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه، إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة، له الحَمْدُ كَثيراً. 
( ص )  ولكن  استدراكٌ بإثبات الفضل للَّه سبحانه على جميع العالمين، لما يتوهَّمه من يريد الفَسَاد أنَّ اللَّه غير متفضِّل عليه، إِذ لم يبلِّغه مقاصده، واحتيج إلى هذا التقديرِ، لأن ( لَكِنَّ ) تكونُ بين متنافِيَيْن بوجْهٍ مَّا، انتهى.

### الآية 2:252

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [2:252]

والإِشارةُ ب  تِلْكَ  إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصَّة بجملتها مثالٌ عظيمٌ للمؤمنين، ومعتَبَرٌ، وقد كان أصحابُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم معدِّين لحَرْب الكفَّار، فلهم في هذه النازلة معتَبَرٌ، يقتضي تقْوِيَة النفُوسِ، والثقَةَ باللَّه سبحانه، وغيْرَ ذلك من وجوه العِبَر.

### الآية 2:253

> ﻿۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [2:253]

قوله سبحانه : تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ. . .  \[ البقرة : ٢٥٣ \]. ( تِلْكَ ) رفْعٌ بِالابتداءِ، و( الرسُل ) : خبره، ويجوز أنْ يكُونَ الرُّسُلُ عطْفَ بيانٍ، و ( فَضَّلْنَا ) : الخبَر، و( تِلْكَ ) إِشارة إِلى جماعة، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على تفضيل بعْض النَّبيِّين على بعضٍ، من غير تعْيين. 
وقوله تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات  قال مجاهد وغيره : هي إِشارة إلى نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث إِلى الناس كافَّة، وأعطي الخُمُسَ الَّتي لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قبله، وهو أعْظَمُ النَّاس أمَّةً، وختم اللَّه به النبوءات إِلى غير ذلك، ممَّا أعطاه من الخُلُقِ العظيمِ، ومِنْ معجزاتِهِ، وباهرِ آياته، ويَحْتَمِلُ اللفْظُ أن يراد به نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وغيره، ممَّن عظُمَتْ آياته، وبيِّناتُ عيسى عليه السلام إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَه، والأبْرَص، وخَلْق الطَّيْر من الطِّين، ورُوحُ القُدُسِ : جبريلُ عليه السلام، وقد تقدَّم ما قال العلماءُ فيه. 
وقوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم. . .  \[ البقرة : ٢٥٣ \]. معنى الآيةِ : ولو شاء اللَّه ما اقتتل النَّاس بعد كُلِّ نبيٍّ،  فمنهم مَنْ آمَنَ، ومِنْهُمْ مَنْ كفر  بغياً وحَسَداً، وعلى حُطَامِ الدنيا، وذلك كلُّه بقضاء، وقَدَرٍ، وإِرادةٍ من اللَّه سبحانه، ولو شاء اللَّه خلافَ ذلك لكان، ولكنَّه المستأْثِرُ بسرِّ الحكمة في ذلك، وهو الفَعَّال لما يريد سبحانه. 
( ص )  وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتلوا ، قيل : في الكلام حذْفٌ، أي : فاختلف أممهم، فاقتتلوا،  ولو شاء اللَّهُ  فمفعولُ شَاءَ محذوفٌ، أي : أَن لاَّ يَقْتَتِلُوا، انتهى. 
وقوله  مَا اقتتلوا ، أي : بأنْ قاتل المؤمنُونَ الكافرينَ على مَرِّ الدهْر، وذلك هو دفَاعُ اللَّه النَّاسَ بعضَهُم ببعض.

### الآية 2:254

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:254]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم. . .  \[ البقرة : ٢٥٤ \]. قال ابن جُرَيْج : هذه الآيةُ تجمعُ الزكاةَ والتطوُّع، أي : وجميعَ وجوهِ البرِّ من سبيلٍ وصلةِ رحمٍ، وهذا كلامٌ صحيحٌ، لكن ما تقدَّم من الآيات في ذكْر القتَالِ يرجِّح أنَّ هذه النفقةَ في سَبيل اللَّه، ويقوِّي ذلك قولُه : والكافرون هُمُ الظالمون ، أي : فكافِحُوهم بالقتَالِ بالأنْفُس، وإِنفاقِ الأموال ممَّا رزقْنَاكم، وهذا غاية الإِنعام، والتفضُّل منه سبحانه، أنْ رَزَق، ثم نَدَب للنفقةِ ممَّا به أنعم، وحذَّر سبحانه من الإِمساك، إِلى أنْ يأتي يَوْم لا يمكنُ فيه بيْعٌ، ولا شراءٌ، ولا استدراك نفقةٍ في ذاتِ اللَّه تعالى، إِذ هي مبايعةٌ، إِذ البيعُ فديةٌ، لأن المرء قد يشتري نفْسَه، ومرادَهُ بماله، فكان معنى الآية أنْ لا فديةَ يوم القيامة، ولا خُلَّةَ نافعة، وأهل التقوى في ذلك اليَوْمِ بينهم خُلَّة، ولكنَّه غير محتاج إِلَيْها. 
( ت ) وفي قوله : غَيْر مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا قلقٌ، ولا شفاعة يَومَئِذٍ إِلا لِمَنْ أذن له سبحانه، فالمنفيُّ مثل حال الدُّنيا من البَيْع، والخُلَّة، والشَّفاعة، بغير إِذْن المَشْفوع عنده، قال عطاءُ بن دِينَار : الحَمْدُ للَّهِ الَّذي قال : والكافرون هُمُ الظالمون ، ولم يقلْ : والظَّالمُونَ هم الكافرون.

### الآية 2:255

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [2:255]

وقوله تعالى : الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم. . .  \[ البقرة : ٢٥٥ \]. 
هذه الآيةُ سيِّدة آي القرآن، وورد في الحديثِ، " أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآن "، وورد " أنَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ لَيْلِهِ، لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ "، وكذلك مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ نَهارِهِ، وهي متضمِّنة التوحيدَ والصِّفاتِ العُلى، وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لفاطمةَ :( مَا مَنَعَكِ أَنْ تَسْمَعِي، مَا أَوْصَيْتُكِ بِهِ، تَقُولِينَ، إِذَا أَصْبَحْتِ، وَإِذَا أَمْسَيْتِ : يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ )، رواه النَّسائيُّ، واللفظ له، والحاكمُ في ****«المستدرك »**** عَلَى الصَّحيحَيْن، وقال : صحيحٌ على شرط الشيخَيْن، يعني البخاريَّ ومسلماً. انتهى من ****«السِّلاح »****. 
وعن ابن مسعود، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ، قَالَ :( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ) رواه الحاكم في ****«المستدرك »****، وقال : صحيح الإِسناد، ورواه الترمذيُّ من حديث أنسٍ، والنَّسائيّ من حديثِ رَبِيعَةَ بْنِ عامرٍ، انتهى من ****«السِّلاح »****. 
و( اللَّه ) مبتدأ، و( لا إِلَهَ ) مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوفٌ، تقديره معبودٌ أو موجودٌ، و( قَيُّوم ) : بناءُ مبالغةٍ، أي : هو القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ، بهذا المعنى فسَّره مجاهدٌ، والرَّبيع، والضَّحَّاك، ثم نفي عزَّ وجلَّ، أنْ تأخذه سِنَةٌ أو نَوْم، وفي لفظٍ : الأَخْذُ غَلَبَةٌ مَّا، فلذلك حَسُنَتْ في هذا الموضِعِ بالنفْيِ، والسِّنَةُ : بدْء النُّعَاس، وليس يفقد معه كلّ الذِّهْن، والنَّوْمُ هو المستثْقَلُ الذي يزولُ معه الذهْن، والمراد بالآية : التنزيهُ، أنه سبحانه لا تدركُه آفة، ولا يلحقه خَلل بحالٍ من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك، وأقيمَ هذا المذكورُ من الآفاتِ مقام الجميعِ، وهذا هو مفهومُ الخطَابِ، كما قال تعالى : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ  \[ الإسراء : ٢٣ \]. 
( ت ) وبيانه أنه إِذا حرم التأفيف، فأحرى ما فوقه من الشَّتْمِ، والضَّرْب في حقِّ الأبوَيْن، وروى أبو هريرة، قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي عَنْ موسى عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ :( وَقَعَ فِي نَفْسِ موسى : هَلْ يَنَامُ اللَّهُ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأرَّقَهُ ثَلاَثاً، ثُمَّ أعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةً، وأَمَرَهُ بِأَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ : فَجَعَلَ يَنَامُ، وتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأخرى، حتى نَامَ نَوْمَةً، فاصطفقت يَدَاهُ، فانكسرت القَارُورَتَانِ، قَالَ : ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلاً أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ، لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالأرْضِ ". 
وقوله تعالى : لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض \[ البقرة : ٢٥٥ \]. 
أي : بالملك، فهو مالكُ الجميع، وربُّه، ثم قرَّر، ووَقَفَ تعالى من يتعاطى أنْ يشفع  إِلاَّ بإذنه  أي : بأمره. 
( ص )  مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ   مَنْ  مبتدأ، وهو استفهام معناه النفْيُ، ولذا دخلَت ( إِلاَّ ) في قوله : إِلاَّ بِإِذْنِهِ ، والخبر  ذَا ، و  الَّذِي  نعْتٌ لذَا، أو بدل منه، وهذا على أنَّ ذا اسمُ إِشارةٍ، وفيه بُعْد، لأن الجملة لم تستقلَّ بمَنْ مع ذَا، ولو كان خبراً لاستقلَّ، ولم يحتجْ إِلى الموصولِ، فالأولى أنَّ مَنْ ركِّبت مع ذَا لِلاستفهامِ، انتهى. 
قال مجاهدٌ وغيره : مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ  : الدُّنيا،  وَمَا خَلْفَهُمْ  الآخرة، وهذا صحيحٌ في نفْسه عند موت الإِنسان، لأن ما بين اليَدِ هو كلُّ ما تقدَّم الإِنسان، وما خَلْفه : هو كلُّ ما يأتي بعده،  وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ، أي : مِن معلوماته، لأن علْم اللَّه تعالى لا يتبعَّض، ومعنى الآية : لاَ مَعْلُومَ لأحدٍ إلا ما شاء اللَّه أنْ يعلمه، قال ابن عبَّاس : كُرْسيُّه  علْمه، \[ قالَ \] الطبريُّ : ومنه الكُرَّاسَة. 
قال :( ع ) والذي تقتضيه الأحاديثُ أنَّ الكرسيَّ مخلوقٌ عظيمٌ، بَيْن يَدَيِ العَرْشِ، والعَرْشُ أعظمُ منْه، وقد قال رُسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :( مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ، إِلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ ) وقال أبو ذَرٍّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( مَا الكُرْسيُّ فِي العَرْش إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ ) وهذه الآية مُنْبِئَةٌ عن عِظَمِ مخلوقاتِ اللَّه سبحانَهُ، والمستفادُ من ذلك عِظَمُ قدرتِهِ جل وعلا، إِذ لا يئوده حفْظُ هذه المخلوقاتِ العظيمةِ،  وَلاَ يئودُهُ  : معناه : لا يُثْقِلُهُ، ولا يشقُّ عليه، وهو تفسيرُ ابن عبَّاس وغيره، و  العلي  : يراد به عُلُوُّ القَدْر، والمنزلةِ، لا عُلُوُّ المكانِ، لأن اللَّه سبحانه منزَّه عن التَّحَيُّز، وكذا  العظيم  : هو صفةٌ، بمعنى عِظَم القَدْر، والخَطَر، لا على معنى عِظَمِ الأجْرَامِ. ومن " سلاح المؤمن " قال :" وعن أبي أُمَامَةً، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ ) رواه النَّسَائِيُّ عن الحُسَيْن بن بِشْرٍ عن محمَّد بن حِمْيَرَ، عن محمَّد بن زيَادٍ الإلهانيِّ عن أبي أُمَامَةَ، فأما الحُسَيْن، فقال فيه النَّسائيُّ : لا بأس به، وقال في موضِعٍ آخر : ثِقَة، وقال أبو حاتِمٍ : شيخ، وأما المُحمَّدان، فاحتج بهما البخاريُّ في صحيحه، وقد أخرج شيخُنا الحافظُ أبو محمَّد الدِّمْيَاطِيُّ -رحمه اللَّه- الْحَدِيثَ في بَعْضِ تصانِيفِهِ، مِنْ حديثِ أبِي أمَامَةَ، وعليٍّ، وعبد اللَّه بنِ عُمَر، والمُغِيرَة، وجابرٍ، وأنَس، قال : وإِذَا ضمت هذه الأحاديث بعضُها إلى بعض، أخذت قوة ". انتهى من **«السلاح »**. 
وقد أخْرج البخاريُّ والنَّسَائِيُّ من حديث أبي هُرَيْرة في قصَّته مع الشَّيْطَان، وأخْذِهِ الطَّعام، ما هو مَعْلُومٌ من فَضْل هذه الآية، وفيه : أنه إِذا قرأْتَهَا حِينَ تَأوي إلى فِرَاشِكَ، لَمْ يَزَلْ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبْكَ شَيْطَانٌ، حتى تُصْبِحَ، وخرَّجه الترْمِذِيُّ من حدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قصَّته مع الغُول، نحْو حديث أبِي هريرة، قال الغزَّاليُّ ما معناه : إِنما وصفت بكونها سيِّدة آي القرآن، لاشتمالها على اسم اللَّه الأعظم، وهو الحيُّ القيومُ، قاله في " الجَوَاهِر ". وأسند صاحبُ " غاية المَغْنَمِ في اسم اللَّهِ الأعْظَمِ "، عن غَالِبٍ القَطَّان، قال : مكثْتُ عشْرَ سنينَ، أدعو اللَّه أنْ يعلِّمني اسمه الأعْظَم الَّذي إِذا دُعِيَ به أجَابَ، وإِذا سُئِلَ به أعطى، فأتانِي آتٍ في مَنَامِي ثَلاَثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ يَقُولُ : يَا غَالِبُ قُلْ : يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، يَا صَادِقَ الوَعْدِ، يَا مُوفِياً بِالْعَهْدِ، يَا مُنْجِزاً لِلْوَعْدِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ، انتهى من **«غاية المَغْنَمِ »**.

### الآية 2:256

> ﻿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:256]

قوله تعالى : لا إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي \[ البقرة : ٢٥٦ \]. الدِّينُ، في هذه الآية : هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة، ومقتضى قولِ زَيْدِ بن أسْلَمَ أن هذه الآية مكِّيَّة، وأنها من آيات الموادَعَة الَّتي نسخَتْها آية السَّيْف، وقال قتادةُ والضَّحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ : هذه الآية مُحْكَمَةٌ خاصَّة في أهل الكتاب الذينَ يبذُلُون الجزْيَة، وقوله تعالى : قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي  : معناه : بنصب الأدلَّة، ووجودِ الرسُول صلى الله عليه وسلم الدَّاعِي إِلى اللَّه، والآياتِ المُنيرة، و( الرُّشْدُ ) مصْدَر من قولك : رَشِدَ، بكسر الشين، وضَمِّها، يَرْشُدُ رُشْداً، ورَشَداً، ورَشَاداً، و( الغيُّ ) مصدر من : غَوِيَ يغوي، إِذا ضلَّ في معتقد، أو رأْيٍ، ولا يُقَال : الغيُّ في الضلال على الإِطلاق، و الطَّاغُوتَ  بنَاءُ مبالغةٍ من : طغى يطغى، واختلف في مَعْنى الطَّاغوت، فقال عُمَر بْنُ الخَطَّاب وغيره : هو الشَّيْطَان، وقيل : هو السَّاحِر، وقيل : الكَاهِنُ، وقيل : الأصْنَام، وقال بعضُ العلماء : كُلُّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فهُوَ طَاغُوتٌ. 
( ع ) وهذه تسميةٌ صحيحة في كلِّ معبودٍ يرضى ذلك، كفرعَوْنَ ونُمْرُوذ، وأما مَنْ لا يرضى ذلك، فسمي طاغوتاً في حقِّ العَبَدَةِ، قال مجاهد :( العروةُ الوثقَى ) : الإِيمانُ، وقال السُّدِّيُّ : الإِسلام، وقال ابن جُبَيْر وغيره : لا إِله إِلا الله. 
قال :( ع ) وهذه عباراتٌ تَرْجِعُ إِلى معنًى واحدٍ، و( الاِنْفِصَامُ ) : الاِنكسارُ من غَيْر بَيْنُونَةٍ، وقد يجيءُ بمعنى البَيْنُونة، والقَصْم : كسر بالبينونة. 
( ت ) وفي **«الموطَّأ »** عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( إِنَّ الوَحْيَ يَأْتِينِي أَحْيَاناً فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ ) قال أبو عُمَر في **«التمهيد »** : قوله :( فَيَفْصِمُ عَنِّي ) : معناه : ينفرجُ عنِّي، ويذهب، كما تفصمُ الخلخال، إِذا فتحته، لتخرجَهُ من الرِّجْل، وكلُّ عُقدْة حلَلْتَهَا، فقد فَصَمْتَها، قال اللَّه عز وجلَّ : فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا ، وانفصامُ العروةِ أنْ تنفَكَّ عن موضعها، وأصْلُ الفَصْم عند العرب : أنْ تفكَّ الخلخال، ولا يبين كَسْره، فإِذا كسرته، فقد قَصَمْتَهُ بالقافِ، انتهى. 
ولما كان الإِيمان ممَّا ينطقُ به اللِّسان، ويعتقده القلبُ، حَسُن في الصفاتِ،  سَمِيعٌ  : من أجْل النُّطْق، و عَلِيمٌ  من أجْل المعتقَدِ.

### الآية 2:257

> ﻿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:257]

قوله سبحانه : الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ. . .  \[ البقرة : ٢٥٧ \]. 
الوليُّ : من وَلِيَ، فَإِذا لازم أحدٌ أحداً بنَصْره، وودِّه، واهتباله، فهو وليُّه، هذا عُرْفُهُ لغةً، ولفظ الآية مترتِّب في الناس جميعاً، وذلك أن منْ آمن منهم، فاللَّه وليُّه، أخرجه من ظلمة الكُفْر إِلى نور الإِيمان، ومَنْ كفر بعد وجودِ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم فَشَيْطَانَهُ ومُغْوِيهِ أخرجه من الإِيمان، إِذ هو معدٌّ وأهل للدخول فيه، ولفظ  الطاغوت  في هذه الآيةِ يَقْتَضِي أنَّه اسم جنْسٍ، ولذلك قال : أَوْلِيَاؤُهُمُ ، بالجَمْع، إِذ هي أَنْوَاع.

### الآية 2:258

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [2:258]

قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَاجَّ إبراهيم فِي رِبِّهِ. . .  \[ البقرة : ٢٥٨ \].  أَلَمْ تَرَ  : تنبيهٌ، وهي رؤية القَلْب، والَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، هو نُمْرَوذُ بْنُ كَنْعَانَ مَلِكُ زمانه، وصاحبُ النَّار، والبَعُوضَةِ، قاله مجاهد وغيره، قال قتادة : هو أولُ من تجبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ، قيل : إِنه مَلكَ الدُّنْيَا بأجمعها، وهو أحد الكَافِرَيْنِ، والآخر بُخْتَنَصَّرَ، وقيل : إِن النُّمْرُوذَ الذي حاجَّ إِبراهيم هو نُمْرُوذُ بْنُ فَالخ، وفي قصص هذه المحاجَّة روايتان :
إحداهما : ذكر زيْد بن أسْلم أنَ النُّمْروذ هذا قَعَدَ يأمر للنَّاس بالميرة، فكلَّما جاء قومٌ، قال : مَنْ رَبُّكُمْ وَإِلَهُكِمْ ؟، فيقولُونَ : أَنْتَ، فيقولُ : مِيرُوهُمْ، وجاء إِبراهيم -عليه السلام-، يَمْتَارُ، فَقَالَ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ وَإِلَهُكَ ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ :( رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ )، فَلَمَّا سَمِعَهَا نُمْرُوذُ، قَالَ :( أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) فَعَارَضَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ الشَّمْسِ،  فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ، وَقَالَ : لاَ تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ على كَثِيبٍ رَمْلٍ كَالدَّقِيقِ، فَقَالَ : لَوْ مَلأْتُ غَرَارَتِي مِنْ هَذَا، فَإذَا دَخَلْتُ بِهِ فَرِحَ الصِّبْيَانُ، حتى أَنْظُرَ لَهُمَا، فَذَهَبَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ، وَجَعَلاَ يَلْعَبَانِ فَوْقَ الغِرَارَتَيْنِ، وَنَامَ هُوَ مِنَ الإِعْيَاءِ، فَقَالَتِ امرأته : لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعَاماً يَجِدُهُ حَاضِراً، إِذَا انتبه، فَفَتَحَتْ إِحْدَى الْغِرَارَتَيْنِ، فَوَجَدَتْ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحَوَارِيِّ، فَخَبَزَتْهُ، فَلَمَّا قَامَ، وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا ؟ قَالَتْ : مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إِبْرَاهِيمُ، أنَّ اللَّه يسَّر لَهُمْ ذَلِكَ. 
وقال الربيعُ وغيره في هذا القصص : إِن النُّمروذَ لَمَّا قال :( أنَا أُحْيِي وأُمِيتُ ) أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَل أحَدَهُمَا، وأَرْسَلَ الآخَرَ، وقَالَ : قَدْ أحْيَيْتُ هَذَا، وأَمَتُّ هذا، فردَّ علَيْهِ إِبراهيمُ بأمْرِ الشمْسِ. 
والروايةُ الأخرى : ذكر السُّدِّيُّ، أنه لما خَرَجَ إِبراهيمُ من النَّار، وأُدْخِلَ على المَلِكِ، قالَ له : مَنْ ربُّكَ ؟ قَالَ :( ربِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ). 
يقالُ : بُهِتَ الرَّجُلُ، إِذا انقطعَ، وقامَتْ عليه الحُجَّةُ. 
وقوله تعالى : والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين \[ البقرة : ٢٥٨ \]. 
إِخبارٌ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى : لا يرشدهم في حججهم على ظُلْمهم، وظاهر اللفْظ العمومُ، ومعناه الخصوصُ، لأنَّ اللَّه سبحانه قد يَهْدي بعْضَ الظالمينَ بالتَّوْبة والرجوع إِلى الإِيمان.

### الآية 2:259

> ﻿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:259]

قوله تعالى : أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا. . .  \[ البقرة : ٢٥٩ \]. 
عطفت ( أوْ ) في هذه الآية على المعنى الَّذِي هو التعجُّب في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَاجَّ \[ البقرة : ٢٥٨ \]. 
قال ابن عبَّاس وغيره : الذي مَرَّ على القَرْيَة هو عُزَيْرٌ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ وغيره : هو أَرْمِيَا، قال ابن إِسحاق : أَرْمِيَا هو الخَضِرُ، وحكاه النَّقَّاش عن وهْب بن منَبِّه. 
واختلف في القَرْيَةِ، مَا هِيَ ؟ فقِيلَ : المُؤْتَفِكَةُ، وقال زيْدُ بن أسلم : قريةُ ( الَّذين خَرَجُوا مِنْ ديارهم، وهم أُلُوفٌ ) وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ، وقتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع، وعِكْرِمَة هي بَيْت المَقْدِسِ، لما خرَّبها بُخْتَ نَصَّرُ البابليُّ، والعَرِيشُ : سقْف البيتِ، قال السُّدِّيُّ : يقول : هي ساقطةٌ على سَقْفِها، أي : سقطت السقْف، ثم سقطت الحيطانُ عليها، وقال غيره : معناه : خاوية من الناس، وخاوية : معناه : خاليةٌ، يقال : خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وخُوِيًّا، ويقال : خويت، قال الطبريُّ : والأول أفْصَحُ. 
قال :( ص )  وَهِيَ خَاوِيَةٌ \[ البقرة : ٢٥٩ \] في موضع الحالِ من فَاعِلِ مَرَّ أو من قَرْيَةٍ، و على عُرُوشِهَا  : قيل : على بابِهَا، والمعنى : خاويةٌ من أهلها، ثابتةٌ على عروشها، والبُيُوت قائمةٌ، والمَجْرور على هذا يتعلَّق بمحذوفٍ، وهو ثابتةٌ، وقيل : يتعلَّق بخَاوِيَة والمعنى : وقعتْ جُدُرَانُهَا على سقوفها بعْد سُقُوط السقوفِ، انتهى. وقد زدنا هذا المعنى وضوحاً في سورة الكهف، واللَّه الموفِّق بفضله. 
وقوله : أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا  ظاهر اللفظ السؤَالُ عن إِحياءِ القَرْيَة بعمارةٍ أو سُكَّانٍ، فكأنَّ هذا تلهُّفٌ من الواقِفِ المعتبر على مدينة أحبَّته، ويحتمل أنْ يكونَ سؤاله إِنما كانَ عن إِحياء الموتى، فضرب له المَثَل في نَفْسه، وحكى الطبريُّ عن بعضهم، أنَّ هذا القَوْلَ منه شك في قدرة اللَّه على الإِحياء. 
قال :( ع ) والصواب أن لاَّ يتأول في الآية شكٌّ، وروي في قصص هذه الآية، أنَّ بني إِسرائيل، لَمَّا أحدثوا الأحدَاثَ، بعث اللَّه عليهم بُخْتَنَصَّرَ، فقتَلَهُم، وجَلاَهم من بْيتِ المَقْدِسِ، وخرَّبه، فلَمَّا ذهب عنه، جاء عُزَيْرٌ أَوْ إرمِيَّا، فوقَف على المدينة معتبراً فقال : أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا ، فأماته اللَّه تعالى، وكان معه حمارٌ، قد رَبَطَهُ بحَبْلٍ جديدٍ، وكان معه سَلَّة فيها تِينٌ هو طعامه، وقيل : تِينٌ، وعِنَبٌ، وكانتْ معه رِكْوة من خَمْر، وقيل : من عصيرٍ، وقيل : قُلَّة من ماءٍ هي شرابُهُ، وبقي ميتاً مائةَ عامٍ، فروي أنَّه بَلِيَ، وتفرَّقت عظامه، هو وحمارُهُ، وروي أنَّ الحمار بَلِيَ، وتفرَّقت أوصاله، دون عُزَيْرٍ. 
وقوله تعالى : ثُمَّ بَعَثَهُ \[ البقرة : ٢٥٩ \]. 
معناه : أحياه، فسأله اللَّه تعالى بوسَاطَةِ المَلَكِ،  كَمْ لَبِثْتَ ، على جهة التقرير، فقال : لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، قال ابن جُرَيْج، وقتادة، والربيع : أماته اللَّه غدوة يَوْمٍ، ثم بعثه قُرْبَ الغروبِ، فظنَّ هو اليومَ واحداً، فقال : لَبِثْتُ يوماً  ثم رأى بَقِيَّةً مِن الشمْسِ، فَخَشِيَ أنْ يكون كاذباً، فقال : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، فقيل له : بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ . 
وقوله تعالى : فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ \[ البقرة : ٢٥٩ \]. 
أي : لم يتغيَّر. 
( ت ) قال البخاريُّ في **«جامعه »** : يَتَسَنَّهْ  : يتغيَّر. 
وأمَّا قوله تعالى : وانظر إلى حِمَارِكَ ، فقال وهْبُ بن منَبِّه، وغيره : المعنى : انظر إِلى اتصال عظامِهِ، وإِحيائه جُزْءاً جُزْءاً، ويروى، أنه أحياه اللَّهُ كذلك، حتى صار عظَاماً ملتئِمَةً، ثم كساه لَحْماً، حتى كمل حماراً، ثم جاء ملَكٌ، فنفَخَ في أنْفِهِ الرُّوح، فقام الحمارُ ينْهَقُ. 
ورُوِيَ عن الضَّحَّاكِ، ووهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيضاً، أنهما قالا : بل قيلَ لَهُ : وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه، لم يُصِبْهُ شيء مِائَةَ سَنَةٍ، قالا : وإِنما العظامُ التي نَظَر إِلَيْها عظامُ نَفْسِهِ، وأعمى اللَّه العُيُون عنه، وعن حِمَاره طُولَ هذه المُدَّة، وكَثَّر أهْلُ القصص في صورة هذه النَّازلة تَكْثيراً اختصرته، لعدم صحته. 
وقوله تعالى : وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ \[ البقرة : ٢٥٩ \]. 
قال :( ع ) وفي إِمَاتَتِهِ هذه المُدَّةَ، ثم إِحيائِهِ أعظمُ آية، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر. 
( ت ) قال ابن هِشَامٍ : لا يصحُّ انتصاب مِائَة بأَمَاتَه، لأن الإِماتة سلْبُ الحياة، وهي لا تمتدُّ، وإِنما الوجْهُ أنْ يضمَّن ( أَمَاتَهُ ) معنى أَلْبَثَهُ، فكأنه قيلَ : فألبثه اللَّه بالمَوْت مِائَةَ عامٍ، وحينئذٍ يتعلَّق به الظرف، انتهى من " المُغْنِي ". 
ومعنى  نُنْشِزُهَا ، أي : نُحْيِيها، وقرأ حمزةُ وغيره : نُنْشِزُهَا  ومعناه : نرفعها، أي : ارتفاعا قليلاً قليلاً، فكأنه وَقَفَ على نباتِ العظامِ الرُّفَاتِ، وقال النَّقَّاشُ :( نُنْشِزُهَا ) معناه : نُنْبِتُهَا، ومِنْ ذلك : نَشَزَ نَابُ البَعِيرِ. 
وقوله تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ \[ البقرة : ٢٥٩ \]. 
المعنى : قال هو  أَعلَمُ أنَّ اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ  وهذا عنْدي لَيْسَ بإِقرار بما كان قَبْلُ يُنْكِرُهُ، كما زعم الطبريُّ، بل هو قولٌ بَعَثَهُ الاعتبارُ، كما يقول الإِنسان المؤمن، إِذا رأى شيئاً غريباً مِنْ قدرةِ اللَّهِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ونحْو هذا. 
وأما قراءة حمزةَ والكسائي قال :( اعلم ) موصولةَ الألفِ، ساكنةَ الميمِ، فتحتمل وجهيْن :
أحدهما : قال المَلَكُ له : أعلم، وقد قرأ ابن مسعود، والأعمشُ : قِيلَ أعلم. 
والوجه الثاني : أنْ يُنَزِّلَ نفسه منزلةَ المُخَاطَبِ الأجنبيِّ المُنْفَصِلِ، أي قال لنفسه : أعلم وأمثلةُ هذا كثيرةٌ.

### الآية 2:260

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:260]

قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى. . .  \[ البقرة : ٢٦٠ \]. 
قال جمهور العلماء : إِن إبراهيم -عليه السلام- لم يكُنْ شَاكًّا في إِحياء اللَّه الموتى قطُّ، وإنما طلب المعايَنَة، وأما قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ) فمعناه : أنْ لو كانَ شَكَّ لكنَّا نحْنُ أَحَقُّ به، ونحْنُ لا نشكُّ، فإِبراهيم -عليه السلام- أحرى أن لاَّ يشكَّ، فالحديث مبنيٌّ على نفْيِ الشكِّ عن إِبراهيم، والذي روي فيه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ )، إِنما هو في الخواطر الجاريَةِ الَّتي لا تثبتُ، وأما الشَّكُّ، فهو توقّف بيْن أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخرِ، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل صلى الله عليه وسلم. 
وإِحياء الموتى إِنما يثبُتُ بالسمْع، وقد كان إِبراهيمُ أُعْلِمَ بذلك، يدلُّك على ذلك قولُهُ : رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ  \[ البقرة : ٢٥٨ \] والشكُّ يبعد على مَنْ ثبت قدمه في الإِيمان فقَطْ، فكيف بمرتبة النبوَّة والخُلَّة ؟، والأنبياءُ معصومون من الكبائرِ، ومن الصغائرِ التي فيها رذيلةٌ إِجماعاً، وإِذا تأمَّلت سؤاله -عليه السلام- وسائِرَ ألفاظ الآيةِ، لم تعط شكًّا، وذلك أنَّ الاستفهام بكَيْفَ، إِنما هو عن حالِ شيء موجودٍ، ومتقرّر الوجودِ عند السائل والمسئول، نحو قولكَ : كَيْفَ عِلْمُ زَيْدٍ ؟ وَكَيْفَ نَسْجُ الثَّوْبِ ؟ فكَيْفَ في هذه الآية إِنما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإِحياءُ متقرِّر، ولما وجدنا بعض المنكرين لوجودِ شيْء قد يعبَّر عن إِنكاره بالاستفهام عن حالةٍ لذلك الشيء، يعلم أنها لا تصحُّ، فيلزم من ذلك، أنَّ الشيْءَ في نفْسه لا يصحُّ، مثال ذلك : أنْ يقولَ مدَّعٍ : أنا أرفَعُ هذا الجَبَلَ، فيقول المكذِّب : كَيْفَ ترفعه ؟ فهذه طريقة مجازٍ في العبارة، ومَعْنَاها : تسليمٌ جدليٌّ، كأنه يقول : افرض أنَّك ترفعه، أَرِنِي كَيْفَ ؟ فَلَمَّا كان في عبارةِ الخَلِيلِ صلى الله عليه وسلم هذا الاشتراكُ المجازيُّ، خَلَّصَ اللَّه سبحانه ذلك، وحمَلَهُ على أنْ يبيّن الحقيقةَ، فقال له : أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى  فكمل الأمر، وتخلَّص من كلِّ شك، ثم علَّل -عليه السلام- سؤالَهُ بالطُّمَأْنينة. 
( ت ) قال الداوديُّ : وعن ابن جُبَيْر  أَوَلَمْ تُؤْمِن  بالخُلَّة، قال مجاهدٌ والنَّخَعِيُّ : ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  أي : أزداد إِيماناً إِلى إِيماني، وعن قتادة : لأزداد يقيناً، انتهى. 
قال :( ع ) وقوله تعالى : أَوَلَمْ تُؤْمِن  معناه : إِيماناً مطلقاً دخل فيه فصْل إِحياء الموتى، والواو : واو حالٍ دخَلَتْ عليها ألِفُ التقريرِ. 
وقال :( ص ) الهمزة في  أَوَلَمْ تُؤْمِن  للتقرير، كقوله تعالى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  \[ الشرح : ١ \]، وكقوله \[ الوافر \]
( أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا\*\*\* )
أي : قد شَرَحْنا لك صدرك، وأنتم خَيْر. 
وقولُ ابن عطيَّة : الواو للحالِ، دخَلَتْ عليها ألفُ التقرير : متعقَّب، والظاهر أنَّ التقرير منسحبٌ على الجملة المنفيَّة فقطْ، وأن الواو للعطْف، انتهى. 
 ولِّيَطْمَئِنَّ  معناه ليسكُنَ، فطمأنينةُ القَلْب هي أنْ تَسْكُنَ فِكَرُهُ في الشيء المعتَقَدِ، والفِكَرُ في صورة الإِحياء غيْرُ محظورةٍ، كما لنا نحن اليوم أنْ نفكِّر فيها، بل هي فِكَرٌ فيها عِبَرٌ، فأراد الخليلُ، أن يعاين، فتذهب فِكَرُهُ في صُورة الإِحياء، إِذ حرَّكه إِلى ذلك، إِما الدابَّةُ المأكولةُ في تأويل، وإِمَّا قولُ النُّمْرُوذِ : أنا أُحْيِي وأميتُ في تأويل آخر، ورُوِيَ أن الأربعة التي أَخَذَ إِبراهيم -عليه السلام - هي الدِّيكُ، وَالطَّاوُوسُ، والحَمَامُ، وَالغُرَابُ، قاله مجاهد، وغيره. وقال ابن عباس : مكان الغرابِ الكَرْكِيّ، فروي أنه أخذها -عليه السلام- حَسَب ما أمر، وذكَّاها ثم قَطَعها قِطَعاً قِطَعاً صِغَاراً، وجمع ذلك مع الدم والرِّيش، ثم جعل من ذلك المجْمُوع المختلط جزْءاً على كلِّ جبل، ووقَفَ هو من حيثُ يرى تلك الأجزاء، وأمْسَك رُءُوس الطَّيْر في يده، ثم قال : تَعَالَيْنَ، بإِذنِ اللَّه، فتطايَرَتْ تلك الأجزاءُ، وطار الدمُ إِلى الدمِ، والريشُ إِلى الريشِ، حتى التأمت، كما كانَتْ أولاً، وبقيتْ بلا رؤوسٍ، ثم كرر النداء، فجاءته سعياً، حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارتْ بإِذن اللَّه تعالى. 
وقوله تعالى : فَصُرْهُنَّ ، يقال : صُرْتُ الشَّيْءَ، أصُورُهُ، بمعنى : قطعته، ويقال أيضاً : صُرْتُ الشيْءَ، بمعنى : أَمَلْتُهُ، وقد تأوَّل المفسِّرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالَةِ، وقد قال ابن عَبَّاس وغيره في هذه الآية :( صُرْهُنَّ ) معناه : قَطِّعْهُنَّ، وقال قتادة :( صُرْهُنَّ ) فَصِّلْهن، وقال عطاء بن أبي رَبَاح :( صُرْهُنَّ ) اضممهن، وقال ابن زيد : معناه : أجمعهن، وعن ابن عباس أيضاً : أوْثِقْهُن، وقرأ قومٌ :( فَصُرَّهُنَّ )، بضم الصاد، وشدِّ الراء، كأنه يقول : فَشُدَّهُنَّ، ومنه : صُرَّة الدَّنَانِيرِ.

### الآية 2:261

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:261]

قوله تعالى : مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ والله يضاعف لِمَنْ يَشَاءُ والله واسع عَلِيمٌ \[ البقرة : ٢٦١ \]. 
في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة، وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد، لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة : اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ ما فيه مائةُ حبَّة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، وقد ورد القُرآن بأن الحسنة بعَشْر أمثالها، واقتضت الآية أنَّ نفقة الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه : والله يضاعف لِمَن يَشَاءُ  فقيل : هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء : بل هو إِعلام من اللَّه تعالى، بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ. 
( ت ) وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبَّاس، عن رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال :( إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ) الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ، انتهى. 
وقال ابن عمر : لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي ) فَنَزَلَتْ : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. . .  \[ البقرة : ٢٤٥ \] الآية، فَقَالَ :( رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي )، فَنَزَلَتْ : إِنَّمَا يُوَفي الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ  \[ الزمر : ١٠ \]. وفي الآية حذفُ مضافٍ تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة.

### الآية 2:262

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:262]

وقوله تعالى : الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ \[ البقرة : ٢٦٢ \]. 
لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه ظنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ : ذِكْرُ النِّعمة، على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى : السَّبُّ، والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه، لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم : لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه فلا تسلِّم علَيْه، وقالَتْ له امرأةٌ : يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجُلٍ يخرج في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا، فإِنهم إِنما يخرجُون، ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً، فقالَ لَهَا : لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ. 
وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ : الجَنَّة ونفي عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه، لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ. 
( ت ) وممَّا جاء من " صحيح الآثار " في هذا البابِ، ما رواه مالِك في **«الموطَّأ »**، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف، عن أبي هريرة، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُم ) قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في **«التمهيد »** : في هذا الحديثِ من الفقْه :\[ والفضائل \] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى ( زوجَيْنِ ) أي : شيئين من نوعٍ واحدٍ، نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه : أَنَّ من أكثر مِنْ شيء عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه، ألا ترى إِلى قوله :( فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ )، يريد : مَنْ أكثر منها، فنُسِبَ إِلَيْها، لأن الجميع من أهل الصلاة، وكذلك : مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ : فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب : إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه : أنَّ للجنَّة أبواباً، يعني : متعدِّدة بحَسَب الأعمال، انتهى. 
وروى ابن أبي شَيْبَة في **«مُسْنَدِهِ »** عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ ) هذا لفظه على ما نقله صاحب **«الكوكب الدري »** انتهى.

### الآية 2:263

> ﻿۞ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [2:263]

قوله تعالى : قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى \[ البقرة : ٢٦٣ \]. 
هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ، وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء، لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة : السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ، ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ : مِمَّنِ الرجُل ؟ فَقَالَ :**«اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ »**. 
وقال النَّقَّاشُ يقال : معناه ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا إِذا حُرِم. 
ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ. 
وحدَّث \[ ابن \] الجَوْزِيِّ في **«صَفْوة الصَّفْوَة »** بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الصحابيِّ -رضي اللَّه عنه- قال : لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط، حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ : نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ : سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ ) انتهى.

### الآية 2:264

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [2:264]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى. . . \[ البقرة : ٢٦٤ \]. 
العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية : إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي، فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل : بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها. قال :( ع ) وهذا حسنٌ، لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية. 
ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمة نيته، بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه، والرِّيَاءُ : مصدرٌ من فَاعَلَ من الرؤية : كأنّ الرياءَ تظاهُر، وتفاخُر بيْن من لا خير فيه من الناس. 
قال المَهْدَوِيُّ : والتقدير : كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً. 
وقوله تعالى : وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر \[ البقرة : ٢٦٤ \]. 
يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق، إِذْ كلٌّ منهما ينفق ليقال جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً، كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ : الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ : الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة : الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه. 
وقوله تعالى : لاَّ يَقْدِرُونَ \[ البقرة : ٢٦٤ \]. يريد : الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كَسْبهم. 
وقوله تعالى : والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين \[ البقرة : ٢٦٤ \]. إِما عمومٌ يراد به الخصوصُ، ويحتمل لا يهْدِيهِمْ في كفرهم، إِذ هو ضلالٌ محضٌ، ويحتمل : لا يهديهم في صدَقَاتِهِم، وأعمالِهِم، وهم على الكُفْر.

### الآية 2:265

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:265]

وقوله تعالى : وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتِ الله. . .  \[ البقرة : ٢٦٥ \]. 
من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكْرُ نقيضِ ما يتقدَّم ذكره، ليتبيَّن حال التضادِّ بعرضها على الذهْن، ولما ذكر اللَّه صدقاتِ القوم الذين لا خَلاَق لصدَقَاتهم، ونَهَى المؤْمنين عن مواقَعَة ما يشبه ذلك بوَجْهٍ مَّا، عَقَّبَ في هذه الآية بذكْرِ نفقاتِ القَوْم الذين بذَلُوا صدقاتِهِمْ على وجْهها في الشرع، فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام : ومَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّة، أو تقدِّر الإِضمار في آخر الكلام، دون إِضمار في أوله، كأنه قال : كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةِ و( ابتغاء ) معناه طلب، وهو مصدر في موضع الحالِ، و( تَثْبِيتاً ) مصدر، و( مَرْضَات ) مصدر من رَضِيَ. 
قال :( ص )  ابتغاء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتًا  كلاهما مفعولٌ من أجله، وقال مكِّيٌّ، وردَّه ابن عَطيَّة بأن ابتغاء لا يكون مفعولاً من أجله لعطف، وَتَثْبِتا عليه، ولا يصحُّ في تثبيت أنْ يكون مفعولاً من أجله، لأنَّ الإِنفاق ليس من أجل التثبيت. 
وأجيب : بأنه يمكن أنْ يقدَّر مفعولُ التثبيت الثوابَ، أي : وتحصيلاً لأنفسهم الثوابَ على تلك النفقة، فيصحّ أنْ يكون مفعولاً من أجله، ثم قال أبو حَيَّان، بعد كلام : والمعنى أنَّهم يُثَبِّتُونَ من أنفسهم على الإِيمان، وما يرجُونه من اللَّه تعالى بهذا العمل. انتهى. 
قال قتادة وغيره : وَتَثْبِيتًا  : معناه : وتيقُّناً، أي : أنَّ نفوسهم لها بصائرُ متأكِّدة، فهي تثبتهم على الإِنفاق في طاعة اللَّه تثبيتاً، وقال مجاهد والحَسَن : معنى قوله : وَتَثْبِيتًا ، أي : أنهم يتثبَّتون، أين يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ. 
قال الحَسَن : كان الرجُلُ، إِذا هَمَّ تثبَّت، فإِنْ كان ذلك لِلَّه أمضاه، وإِنْ خالَطَهُ شيْء أَمْسَك. 
والقولُ الأول أصوبُ، لأن هذا المعنى الذي ذهب إِليه مجاهدٌ، والحسنُ، إِنما عبارته : وتَثبتا، فإِنَّ قال محتجٌّ : إِن هذا من المصادر الَّتِي خُرِّجَتْ على غير المصدْر، كقوله تعالى : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً  \[ المزمل : ٨ \]  والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً  \[ نوح : ١٧ \] فالجوابُ : أنَّ هذا لاَ يسُوغُ إلاَّ مع ذِكْر المصدرِ، والإِفصاحِ بالفعْلِ المتقدِّم للمصدر، وأمَّا إِذا لم يقع إِفصاحٌ بفعْلٍ، فليس لك أنْ تأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول : أحمله على فعْلِ كذا وكذا، لفعلٍ لم يتقدَّم له ذكْرٌ، هذا مَهْيَعُ كلامِ العربِ فيما علمتُ. 
والرَّبْوَةُ : ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيراً معه في الأغلب كثافةُ الترابِ وطِيبُهُ وتعمُّقه، وما كان كذلك، فنباتُه أحْسَنُ، ولفظ الرَّبْوَة : مأخوذ من : رَبَا يَرْبُو، إِذا زاد،  وآتَتْ  معناه أعطت، والأُكُل، بضم الهمزة : الثمر الَّذي يُؤْكَل، والشيء المأْكُول مِنْ كُلِّ شيء، يقال له : أُكُل، وإِضافته إِلى الجنَّة إِضافة اختصاص، كَسَرْج الدَّابَّة، وبابِ الدَّارِ، و ضِعْفَيْن  معناه اثنين مِمَّا يظن بها، ويُحْزَر من مثلها. 
ثم أكَّد سبحانه مدْحَ هذه الربوة، بأنها إِنْ لم يصبْها وابلٌ، فإِن الطَّلَّ يكفيها، وينوبُ مناب الوابِلِ، وذلك لكَرَمِ الأرض، والطَّلُّ : المستدَقُّ من القَطْرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره، وهو مشهورُ اللغة، فشبه سبحانه نُمُوَّ نفقاتِ هؤلاء المُخْلِصِينَ الذين يُرْبِي اللَّه صدقاتِهِمْ، كتربية الفَلُوِّ والفصيلِ، حسب الحديثِ بنموِّ نباتِ هذه الجنة بالرَّبْوَة الموصُوفةِ، وذلك كلُّه بخلافِ الصَّفْوان، وفي قوله تعالى : والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ \[ البقرة : ٢٦٥ \] وعد ووعيد.

### الآية 2:266

> ﻿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:266]

وقوله تعالى : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ. . .  \[ البقرة : ٢٦٦ \]. 
حكى الطبريُّ عن ابْن زَيْد، أنَّه قرأ قوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن. . .  \[ البقرة : ٢٦٤ \] الآية : ثم قال : ضرَبَ اللَّه في ذلك مثلاً، فقال : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ. . .  \[ البقرة : ٢٦٦ \] الآية، وهذا بيِّن، وهو مقتضى سياقِ الكلامِ، وقال ابنُ عَبَّاس : هذا مثَلٌ ضربه اللَّه، كأنه قال : أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير، فإذا فَنِيَ عمره، واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ مِنْ عمل أهْل الشقاء، فَرَضِيَ ذلك عُمَرُ منه، رضي اللَّه عنه، وروى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عن عُمَر نحوه. 
( ع ) فهذا نظرٌ يحمل الآية على كلِّ ما يدخل تحْتَ ألفاظها، وقال بنَحْو هذا مجاهدٌ، وغيره، ونقل الثَّعْلَبِيُّ عن الحَسَن، قال : قَلَّ واللَّهِ، من يعقلُ هذا المَثَلَ ؟ شيْخٌ كبر سنه، وضَعُف جسمه، وَكَثُرَ عياله، أَفْقَرُ ما كان إِلى جنته، وأحدُكُم أفْقَرُ ما يكُونُ إلى عمله، إِذا انقطعت الدنْيَا عنه. انتهى. وهو حَسَنٌ جدًّا. 
وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في **«مختصره »** لتفسير الطبريِّ : وعن قتادة : هذا مثلٌ، فأعقلوا عن اللَّه أمثالَهُ، هذا رجلٌ كَبرت سنُّه، ورَقَّ عظمه، وكَثُر عياله، ثم احترقت جنَّته، أحْوجَ ما يَكُون إِليها، يقول : أيحبُّ أحدكم أنْ يضلَّ عنه عمله يَوْمَ القيامةِ، أحْوَجَ ما يكُونُ إِلَيْه، وعن الحَسَنِ نحوه، انتهى. 
وخصَّ الأعناب والنَّخيل بالذكْر، لشرفهما، وفَضْلهما على سائر الشَّجَر، والواو في قوله : وَأَصَابَهُ  واو الحالِ، وكذلك في قوله : وَلَهُ ، و ضعفاءُ  جمعُ ضعيفٍ، والإعصار : الريحُ الشديدةُ العاصفةُ التي فيها إِحراق لكلِّ ما مرَّت عليه، يكونُ ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البَرْد، وكلُّ ذلك من فيح جهنَّم. 
و لَعَلَّكُمْ  : تَرَجٍّ في حقِّ البَشَر، أي : إِذا تأمَّل من بُيِّنَ له هذا البيان رُجِيَ له التفكُّر، وكان أهْلاً له، وقال ابنُ عَبَّاس :( تتفكَّرونَ ) في زوالِ الدنْيَا وفنَائِها، وإِقبال الآخرةِ وبقائها.

### الآية 2:267

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [2:267]

قوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ. . .  \[ البقرة : ٢٦٧ \]. 
هذا خطابٌ لجميع أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغةُ أمر بالإِنفاق، واختلف المتأوِّلون، هل المرادُ بهذا الإِنفاق الزَّكَاةُ المفروضةُ أو التطوُّع ؟ والآية تعمُّ الوجهَيْن، لكنَّ صاحب الزكاة يتلَقَّاها على الوُجُوب، وصاحب التطوُّع يتلَقَّاها على الندْبِ، وجمهورُ المتأوِّلين قالوا : معنى  مِن طَيِّبَاتِ  : من جَيِّد، ومختارِ ما كسبتُمْ، وجعلوا الخبيثَ بمعنَى الرديء، وقال ابن زَيْد : معناه من حلالِ ما كسبتمْ، قال : وقوله : وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث ، أي : الحرام. 
( ع ) وقولُ ابن زيدٍ ليس بالقويِّ من جهة نَسَق الآيةِ، لا من معناه في نَفْسه. 
و كَسَبْتُم  معناه : كانت لكُمْ فيه سعاية،  وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض  النباتات، والمَعَادن، والرِّكَاز، وما ضَارع ذلك، و تَيَمَّمُواْ  معناه : تعمدوا، وتَقْصِدوا، والتيمُّم : القصْد، وقال الجُرْجَانِيُّ : قال فريقٌ من الناس : إِن الكلام تَمَّ في قوله : الخبيث ، ثم ابتدأ خَبَراً آخر، فقال : تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إِلا إِذا أغمضتم أي : ساهَلْتُم. 
قال :( ع ) كأنَّ هذا المعنى عتابٌ للنَّفْسِ، وتقريعٌ وعلى هذا، فالضميرُ في  مِنْهُ  عائدٌ على  الخبيث . 
قال الجُرْجَانِيُّ : وقال فريقٌ آخر : بل الكلامُ متَّصِلُ إِلى قوله : فِيهِ ، وعلى هذا، فالضمير في **«مِنْهُ »** عائدٌ على :( مَا كَسَبْتُمْ )، كأنه في موضعَ نصبٍ على الحالِ، والمعنى في الآية : فَلاَ تَفْعَلُوا مع اللَّهِ ما لا ترضَوْنه لأنفُسِكم، واعلموا أنَّ اللَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، فمَنْ تقرب وطلب مثوبةً، فلْيفعلْ ذلك بما لَهُ قَدْرٌ. 
( ت ) وهذا يقوِّي القولَ بأنها في الزكَاةِ المفروضَةِ، و حَمِيدٌ  : معناه محمودٌ.

### الآية 2:268

> ﻿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:268]

وقوله تعالى : الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر. . .  \[ البقرة : ٢٦٨ \]. 
هذه الآيةُ وما بعدها، وإِن لم تكُنْ أمراً بالصدقة، فهي جالبةُ النفوس إلى الصدقة، بيَّن -عزَّ وجلَّ- فيها نزغاتِ الشيطانِ، ووسوستَهُ، وعداوتَهُ، وذكَّر بثوابه هو سبحانه، لا رَبَّ غيره، وذَكَّر بتفضُّله بالحكْمة، وأثنى عليها، ونبَّه أنَّ أهل العقول هم المتذكِّرون الذين يقيمُونَ بالحكْمة قدْرَ الإِنفاق في طاعةِ اللَّه، وغير ذلك، ثم ذكر سبحانه علْمَهُ بكلِّ نفقة ونَذْر، وفي ذلك وعْدٌ، ووعيدٌ، ثم بيَّن الحِكَمَ في الإِعلان والإِخفاء، وكذلك إِلى آخر المعنى. 
والوعد، في كلامِ العربِ، إِذا أطلق فهو في الخير، وإِذا قُيِّد بالموعود، فقد يقيد بالخَيْر، وقد يقيَّد بالشر، كالبِشَارة، وهذه الآية مما قُيِّدَ الوعْدُ فيها بمكْرُوه، والفَحْشَاءُ : كلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذكْرُه، روى ابْنُ مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً مِن ابن آدَمَ، وَلِلْمَلِكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ، فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ، فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأخرى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ). 
ثُمَّ قرأَ صلى الله عليه وسلم : الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء. . .  الآية، قُلْتُ : هذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه أبو عيسَى التِّرمذيُّ، وقال فيه : حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ، والمغفرةُ : هي السَّتْر على عبادِهِ في الدنيا والآخرة، والفَضْل : هو الرزق في الدنيا، والتوسعةُ فيه، والنَّعِيمُ في الآخرة، وَبِكُلٍّ قدْ وعد اللَّه جلَّ وعلاَ، وروي أنَّ في التوراة :( عَبْدِي، أَنْفِقْ مِنْ رِزْقِي، أَبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإِنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ على كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ )، وفي القُرآن مصداقه، وهو : وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين  \[ سبأ : ٣٩ \]. 
( ت ) : روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حتى يُشْبِعَهُ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ، حتى يَرْوِيَهُ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ، مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ ). انتهى. 
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي اللَّه عنه- عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال :( أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً على عُرْيٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً على جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ ). أخرجه أبو داود، مِنْ حديثِ أبي خالدٍ، هو الدَّولانِي عن نُبَيْح، وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ، وسُئِل أبو زُرْعَة عن نُبَيْح، فقال : هو كوفيٌّ ثقة. انتهى من **«الإِلمام في أحاديثِ الإحْكَامِ »**، لابن دقيقِ العِيدِ. 
و واسع  : لأنه وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً.

### الآية 2:269

> ﻿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [2:269]

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ \[ البقرة : ٢٦٩ \]
أَيْ : يعطيها لِمَنْ يَشَاء من عباده، والحكمةُ : مصدرٌ من الإِحكام، وهو الإِتقان في عملٍ أو قولٍ، وكتابُ اللَّهِ حكْمَةٌ، وسُنَّةُ نبيِّه -عليه السلام- حِكْمَةٌ، وكلُّ ما ذكره المتأوِّلون فيها، فهُوَ جُزْء من الحكْمة التي هي الجنْس، قال الإِمامُ الفَخْر في " شرحه لأسماء اللَّه الحسنى " : قال المحقِّقون العلماءُ : ثلاثةٌ علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط، وهم العلماءُ أصحابُ الفتوى، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ، وهم الحكماءُ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن، وهُمُ الكبراءُ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه، ويضيءُ لغَيْره، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل، لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه، وسره بنُور جلالِ اللَّه، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ، لا يصلُ أَثَرُه إلى غيره، وأما القسمُ الثالثُ، فهم أشرفُ الأقسامِ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ، لأنه تامٌّ، وفوْقَ التامّ، انتهى. 
وباقي الآية تذكرةٌ بيِّنة، وإقامة لِهِمَمِ الغَفَلَةِ - و الألباب  : العقولُ، واحدها لُبٌّ.

### الآية 2:270

> ﻿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [2:270]

وقوله تعالى : وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ. . .  \[ البقرة : ٢٧٠ \]. يقال : نَذَرَ الرَّجُلُ كَذَا، إِذا التزم فعله. 
وقوله تعالى : فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ \[ البقرة : ٢٧٠ \]. 
قال مجاهدٌ : معناه : يُحْصِيه، وفي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ، أي : مَنْ كان خالص النيَّة، فهو مثابٌ، ومن أنْفَقَ رياءً أو لمعنًى آخَرَ ممَّا يكْشفه المَنُّ والأذى، ونحو ذلك، فهو ظالمٌ يذهب فعْلُه باطلاً، ولا يجد ناصراً فيه.

### الآية 2:271

> ﻿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:271]

وقوله تعالى : إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ. . .  \[ البقرة : ٢٧١ \]. 
ذهب جمهورُ المفسِّرين إِلى أنَّ هذه الآيةَ في صدَقَةِ التطوُّع، قال ابن عبَّاس : جعل اللَّه صدَقَةَ السِّرِّ في التطوُّع، تفضُلُ علانيتها، يقال : بسبعين ضِعْفاً، وجعل صدَقَةَ الفريضَةِ علانيتَهَا أفْضَلَ من سرِّها، يقال : بخَمْسَةٍ وعشْرين ضِعْفاً، قال : وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياء كلِّها. 
( ع ) ويقوِّي ذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي المَسْجِدِ إِلاَّ المَكْتُوبَة )، وذلك أن الفرائضَ لا يدْخُلُها رياءٌ، والنوافل عُرْضَةٌ لذلك، قال الطبريُّ : أجمعَ النَّاس على أن إِظهار الواجِبِ أفضلُ. 
وقوله تعالى : فَنِعِمَّا هِيَ  ثناءٌ على إِبداء الصدقةِ، ثم حكم أنَّ الإِخفاء خيْرٌ من ذلك الإِبداءِ، والتقديرُ : نِعْمَ شيءٌ إِبداؤها، فالإِبداء هو المخصوصُ بالمدْحِ، وخرَّج أبو داود في سننه، عن أبي أُمَامَةَ، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( انطلق بِرَجُلٍ إلى بَابِ الجَنَّةِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ : الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ الوَاحِدُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لأنَّ صاحب القرضِ لا يأتيك إِلاَّ وهو محتاجٌ، والصدقةُ ربما وُضِعَتْ في غنيٍّ )، وخرَّجه ابن ماجه في **«سننه »**، قال : حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّه بن عبد الكريمِ، حدَّثنا هشام بْنُ خالدٍ، حدَّثنا خالدُ بن يَزِيدَ بْنِ أبي مالكٍ، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ : الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ : مَا بَالُ القَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ : إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ )، انتهى من **«التذكرة »**. 
وقرأ ابن كثير وغيره : و( نُكَفِّرُ )، بالنون ورفع الراء، وقرأ ابن عامر : وَ( يُكَفِّرُ ) بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره : وَ( نُكَفِّرْ ) بالنون والجزمِ، فأما رفْع الراء، فهو على وجهين :
أحدهما : أن يكون الفعْلُ خبر ابتداءٍ، تقديره : ونحن نكفِّر، أو : واللَّه يكفر. 
والثَّاني : القطع، والاستِئْناف، والواو لعطْفِ جملةٍ على جملةٍ، والجزمُ في الراءِ أفصحُ هذه القراءات، لأنها تؤذن بدُخُول التكفير في الجزاء، وكونه مشروطاً إِن وقع الإِخفاء، وأمَّا رفع الراءِ، فليس فيه هذا المعنى، و ( مِنْ ) في قوله  مِّن سَيِّئَاتِكُمْ  للتبعيضِ المحْضِ، لا أنها زائدةٌ، كما زعم قومٌ،  والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  وعدٌ ووعيدٌ.

### الآية 2:272

> ﻿۞ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [2:272]

وقوله تعالى : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ. . .  \[ البقرة : ٢٧٢ \]. 
وَرَدَتْ آثار أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَنَعَ فُقَرَاء أهْلِ الذمَّة من الصَّدَقَة، فنزلَتِ الآية مبيحةً لهم، وذكر الطبريُّ : إن مَقْصِدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَنْعِ الصدَقة، إِنَّما كان ليُسْلِمُوا ولِيَدْخُلُوا في الدِّين، فقال اللَّه سبحانه : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ . 
قال ( ع ) : وهذه الصدقةُ التي أبيحَتْ لهم حسبَمَا تضمَّنته هذه الآثار، إِنما هي صدقة التطوُّع، وأما المفروضة، فلا يجزئ دفعها لكَافِرٍ، قال ابن المُنْذِرِ : إِجماعاً فيما عَلِمْتُ، وقول المَهْدَوِيِّ : إباحتها هذه الآية مردودٌ، قال ابن العَرَبِيِّ، وإِذا كان المُسْلِمُ يترك أركان الإِسْلاَم من الصَّلاة، والصيام، فلا تُصْرَفُ إِلَيْه الصدقة، حتى يتُوبَ، وسائرُ المعاصِي تُصْرَف الصدَقَةُ إلى مرتكبيها، لدخولِهِمْ في اسم المسلمين. انتهى من **«الإِحكام »**. ويعني بالصدقةِ المفروضةَ، والهدى الَّذي ليس على نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم هو خَلْق الإِيمان في قلوبهم، وأما الهُدَى الذي هو الدعاءُ، فهو علَيْه صلى الله عليه وسلم، وليس بمراد في هذه الآية، 
ثم أخبرَ سُبْحَانه، أنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وفي الآية ردٌّ على القدريَّة، وطوائفِ المعتزلةِ، ثم بيَّن تعالى، أنَّ النفقة المقبولَةَ ما كان ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وفي الآية تأويلٌ آخرُ، وهو أنها شهادة مِنَ اللَّهِ تعالى للصحابةِ، أنهم إِنما ينفقون ابتغاءَ وَجُه اللَّه سبحانه، فهو خَبَر منه لهم فيه تفضيلٌ،  وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ، أي : في الآخرة، وهذا هو بيانُ قوله : وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ ، والخير هنا : المالُ، بقرينة الإِنفاق، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنَّه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، وهذا الذي قلْناه تحرُّزاً من قول عِكْرِمَةَ : كُلَّ خَيْرٍ في كتابِ اللَّهِ، فهو المالُ.

### الآية 2:273

> ﻿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:273]

وقوله تعالى : لِلْفُقَرَاءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله. . .  \[ البقرة : ٢٧٣ \]. التقديرُ : الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ، قال مجاهد وغيره : المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ، فقراءُ المهاجرينَ من قريشٍ، وغيرهم. 
( ع ) : ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله : الذين أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ، والمعنى : حُبِسُوا، ومُنِعُوا، وتأوَّل الطبريُّ في هذه الآية، أنهم هم حَابسوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن، وقصد الجهاد، وخَوْفِ العَدُوِّ، إِذ أحاط بهم الكُفْر، فصار خوف العدو عذْراً أحْصِروا به. 
( ع ) : كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر، وقوله : فِي سَبِيلِ الله  يحتملُ الجهادَ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام، والضَّرْبُ في الأرض : هو التصرُّف في التجارة، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرض، لكون البلادِ كلِّها كفْراً مطبقاً، وهذا في صدْر الهجْرة، وكانوا -رضي اللَّه عنهم- من الانقباض، وترْكِ المسألةِ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالى، بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ. 
( ت ) : واعلم أنَّ المواساة واجبةٌ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال :" بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ، مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشَمَالاً، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ )، قَالَ : فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدَ مِنَّا فِي فَضْلٍ انتهى. 
و التعفف  : تفعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من : عَفَّ عن الشيْءِ، إِذا أمْسَك عنْه، وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنى فسره قتادةُ، وغيره. 
( ت ) : مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ على ما أعطاهم من غنى النفْسِ، وفي الحديثِ الصحيحِ :( لَيْسَ الغنى عَنْ كَثْرَةِ المَالِ، وَإِنَّمَا الغنى غِنَى النَّفْسِ، وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( اللَّهُمَّ، اجعل قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافاً ) أخرجه مسلم، وغيره، وعنْدِي أن المراد بالآلِ هنا متَّبِعُوه صلى الله عليه وسلم. 
وفي سنن ابْن مَاجَة، عن أنسٍ، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَا مِنْ غَنِيٍّ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً )، وروى مسلم، والترمذيُّ عن أبي أُمَامة، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ على كَفَافٍ، وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السفلى )، قال أبو عيسى، واللفظ له : هذا حديثٌ حسنٌ، صحيحٌ، انتهى. 
وقوله سبحانه : تَعْرِفُهُم بسيماهم  السِّيَما مقصورة العلامةُ، واختلف المفسِّرون في تعيينها، فقال مجاهد : هي التخشُّع والتواضُع، وقال الربيعُ والسُّدِّيُّ : هي جهد الحاجة، وقَضَفُ الفقر في وجوههم، وقلَّة النعمة، وقال ابن زَيْد : هي رِثَّة الثياب، وقال قوم، وحكاه مكِّيٌّ : هي أثر السجود. 
قال ( ع ) : وهذا حسنٌ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبداً والإِلحافُ، والإِلحاح بمعنى. 
قال ( ع ) : والآيةُ تحتملُ معنيين. 
أحدهما : نفْي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ، أنهم لا يسألون البَتَّة. 
والثاني : نَفْي الإِلحاف فقَطْ، أي : لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل وبإِجمال. 
( ت ) : وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية، فتأمَّله. 
( ت ) : وينبغي للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة : وقد قال أهْلُ التوفيق : مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسيرِ، فهو أسير، 
انتهى. وذكر عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ في **«الاكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء »**، قال : وتكلَّم علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- بتسْعِ كلماتٍ : ثلاثٌ في المناجاةِ، وثلاثٌ في الحكمة، وثلاثٌ في الآداب. أمَّا المناجاة، فقال : كَفَانِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ، فاجعلني كَمَا تُحِبُّ، وَأَمَّا الحِكْمَةُ، فَقَالَ : قِيمَةُ كُلِّ امرئ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَمَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَأَمَّا الآدَابُ، فَقَالَ : استغن عَمَّنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ، وَتَفَضَّلْ على مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ، واضرع إلى مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ. انتهى. 
ولما كانتِ السيما تدلُّ على حال صاحبِها، ويعرف بها حاله، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها، فقال : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ **«الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة »** : كلُّ ما دلَّ على معنًى، فقد أخبر عنه، ولو كان صامتاً، وأشار إليه، ولو كان ساكتاً، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب اعتبار المعتَبِرِ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر، انتهى. 
قال :( ع ) وفي الآية تنبيهٌ على سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافاً. 
وقال :( ص ) وقوله تعالى : لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافاً ، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ، فالأكثر في لسانهم انصراف النفْيِ إلى ذلك القيدِ، فالمعنى على هذا : ثبوتُ سؤالهم، ونَفْي الإِلحاح، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم، فينتفي ذلك القَيْد، فينتفي السؤالُ والإِلحاح، وله نظائر، انتهى. 
وقوله تعالى : وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ  وعدٌ محضٌ، أي : يعلمه، ويحصيه، ليجازي عليه، ويثيب.

### الآية 2:274

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:274]

وقوله تعالى : الذين يُنفِقُونَ أموالهم بالليل والنهار. . . \[ البقرة : ٢٧٤ \]. 
قال ابْنُ عَبَّاس : نزلَتْ هذه الآية في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ -رضي اللَّه عنه- كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلاً، وبدرهمٍ نَهَاراً، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً، وقال قتادةُ : نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ. 
قال :( ع ) والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ -رضي اللَّه عنه- فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة.

### الآية 2:275

> ﻿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:275]

وقوله تعالى : الذين يَأْكُلُونَ الربا \[ البقرة : ٢٧٥ \]. 
 الربا  : هو الزيادةُ، مأخوذ من : رَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد على ما كان، وغالبه : ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم :**«أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي »**، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ، وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنى زيادةٍ، إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية : الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل، لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره : معنَى قوله سبحانه : لاَ يَقُومُونَ ، أي : من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة  إِلاَّ كما يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ  قالوا : كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ، عقوبةً له، وتمقيتاً عند جميع المَحْشَرِ، ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود :( لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ). 
وقوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا  معناه، عند جميع المتأولين : في الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ : فَلَهُ مَا سَلَفَ ، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله : وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ، قيل : هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل : من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ : وحرم اللَّه الربَا، ليتقارض النَّاسُ. 
وقوله تعالى : فَلَهُ مَا سَلَفَ ، أي : من الربا، لاتباعه علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى : وَأَمْرُهُ إِلَى الله  أربعُ تأويلات :
أحدها : أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك. 
والثاني : أمر ما سَلَف، أي : في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها. 
والثالث : أنَّ الضمير عائدٌ على ذي الربا، بمعنى : أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية. 
والرابع : أنْ يعود الضميرُ على المنتهى، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر. 
وقوله تعالى : وَمَنْ عَادَ ، يعني : إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ، ( إِنما البيعُ الرِّبَا )، والخلودُ في حق الكافر : خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ، على معنى المبالغة.

### الآية 2:276

> ﻿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [2:276]

وقوله تعالى : يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات \[ البقرة : ٢٧٦ \]
 يَمْحَقُ  : معناه : ينقص، ويذهب، ومنه : مِحَاقُ القَمَرِ، وهو انتقاصه،  وَيُرْبِي الصدقات  : معناه : ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقولُ : رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالى، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيفُ لمن يشاء، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تعالى، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، حتى تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وأِنَّ اللُّقْمَةَ لعلى قَدْرِ أُحُدٍ ). 
قال ( ع ) : وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم، إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ، أن أبا الخَيْرِ حدَّثه، أنَّه سمع عقبة ابن عَامِرٍ يقولُ : سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( كُلُّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ، حتى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ ) أوْ قَالَ :( حتى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ )، قال يزيد : وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ )، قال الحاكم : صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني : البخاريَّ ومسلماً، انتهى من **«الإلمام في أحاديث الأحكام »**، لابن دقيقِ العيدِ. 
قال الشيخُ ابن أبي جَمْرَة : ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر، انتهى. 
قال أبو عمر في **«التمهيد »** : وروي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ على بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ )، انتهى. 
وروى أبو داود في ****«سننه »****، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ، قَالَ :" يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ :( المَاءُ، فَحَفَرَ بئْراً، وَقَالَ : هَذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ ). وروى أبو داود في ****«سننه »****، عن أبي سعيدٍ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلَماً ثَوْباً على عُرْيٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً على جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ )، انتهى. 
وقوله تعالى : والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ  يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف **«الكَفَّار »** ب **«أثيم »** إِما مبالغةٌ من حيثُ اختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في **«كَفَّار »**، إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ.

### الآية 2:277

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:277]

ولما انقضى ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم، ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال : إِنَّ الذين ءَامَنُواْ. . .  \[ البقرة : ٢٧٧ \]. وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ.

### الآية 2:278

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:278]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا. . .  \[ البقرة : ٢٧٨ \]. 
سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح :( ألا كُلُّ رِباً فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُهُ رِبَا العَبَّاسِ ) فبدأ صلى الله عليه وسلم بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إِلى المدينةِ، واستعمل على مكَّة عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، فلمَّا استنزل صلى الله عليه وسلم أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، اشترطوا شُرُوطاً، وكان في شروطهم : أنَّ كُلَّ رباً لهم على النَّاسِ، فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ رباً علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية، كما ردَّ صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً، " أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ :**«لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ »** "، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانَتْ على بني المُغِيرَةِ للمَخْزُومِيِّينَ، فقال بنو المُغِيرَةِ : لا نُعْطِي شَيئاً، فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إلى رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَتِ الآية، وكتَبَ بها رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت، هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم. 
فمعنى الآية : اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً، بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من رباً، وصَفْحِكُمْ عنه.

### الآية 2:279

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [2:279]

ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله وأمَّته، والحَرب داعية القَتْلِ. 
وقوله تعالى : فَأْذَنُواْ \[ البقرة : ٢٧٩ \]. 
قال سِيبَوَيْهِ : آذَنْتُ : أعْلَمْتُ. 
( ت ) : وهكذا فسره البخاريُّ، فقال : قال أبو عبد اللَّهِ :( فَأذَنُوا ) فاعلموا. وقال ( ع ) : هي عنْدِي من الإَذنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره : معناه فاستيقنوا بحَرْبٍ. 
ثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم :( لا تَظْلِمُونَ ) في أخذِ الزائِدِ، ( ولا تُظْلَمُونَ ) في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ ؛ ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيِّ ظُلْمٌ، كما قال -عليه الصلاة والسلام- فالمعنى أنه يكون القضاءُ، مع وضْعِ الربا، وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح، ألا ترى أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أشارَ على كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كَعْبٌ : نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلآخَرِ :( قُمْ، فاقضه )، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سُنَّةً في المصالَحَاتِ.

### الآية 2:280

> ﻿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:280]

وقوله سبحانه : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ \[ البقرة : ٢٨٠ \] حكم اللَّه تعالى لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ : ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ : التأخيرُ. 
( ت ) : وفي **«الصحيحين »** عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :( كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ : إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ : فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ )، وفي **«صحيح مسلمٍ »** :( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ )، وفي روايةٍ :( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ )، وفي رواية :( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ ) انتهى. 
والمَيْسَرَةُ : مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وارتفع :( ذُو عُسْرَةٍ ) بكان التامة الَّتي هي بمعنى :**«وُجِدَ، وَحَدَثَ »**، وارتفعَ قَوْلِه :( فَنَظِرَةٌ )، علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر تقديره ؛ فالواجبُ نَظِرَةٌ. 
واختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ على أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح، أو هو منسحبٌ على كلِّ دَيْنٍ حلالٍ، وهو قولُ جمهور العلماء. 
( ع ) : وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً. 
( ت ) : ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك. 
وقوله تعالى : وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ  نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله جمهور العلماء. 
وروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب، أنه قَالَ : كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ.

### الآية 2:281

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [2:281]

قال ابن عباس : آخر ما نزل آية الربا. 
قال ( ع ) : ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ، لأن جمهور النَّاس، ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا : آخر آية نزلَتْ قوله تعالى : واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله \[ البقرة : ٢٨١ \]
ورُوِيَ أَنَّ قوله : واتقوا  نزلَتْ قبل موْتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موتِهِ بثَلاَثِ ساعَاتٍ، وأنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ :( اجعلوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا، وَآيَةِ الدَّيْنِ )، وحكى مَكِّيٌّ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ : اجعلها على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ ). وقوله تعالى : واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله. . . \[ البقرة : ٢٨١ \]. وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان. 
( ت ) : حدَّثني من أثقُ به، أنه جَلَسَ عند شَيْخٍ من الأفاضلِ يُجَوَّدُ علَيْه القُرآن، فقرئَتْ عليه هذه الآيةُ، فبكى عندها، ثم بكى إلى أَنْ فاضتْ نفْسُه، ومَالَ، فحَرَّكُوه، فإِذا هو مَيِّتٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ونَفَعَ بِهِ، يَا هَذَا، مَنْ صَحَا عَقْلُه مِنْ سُكْر هواه، وجَهْلِهِ، احترق بنَارِ النَّدَمِ والخَجَلِ مِنْ مهابة نَظَرِ ربِّه، وتنكَّرت صُورةُ حالِهِ في عَيْنِهِ نفوسَ الأغبياءِ الجُهَّال. غَافِلَةً عن العظمة والجَلاَل. ولاَهِيَةً عن أهْوَال المَعَاد والمَآل، مَشْغُولَةً برذائلِ الأفْعَال. وفُضُولِ القِيلِ والقَال، والاِستنباطِ والاِحْتِيَالِ، لاِزدياد الأمْوَال، ولا يَعْلَمُون أنَّها فِتْنَةٌ وَوَبَال، وطُولُ حِسَابٍ وبَلاَء وبَلْبَالَ، اغتنموا، يا ذوِي البَصَائر نعْمَةَ الإِمهال. واطرحوا خَوَادِع الأمانِي، وكَوَاذِب الآمال، فكأنْ قد فجأتْكُم هواجمُ الآجال. انتهى من **«الكَلِمِ الفارقيَّة، فِي الحِكَمِ الحقيقيَّة »**. 
و يَوْماً  : نصب على المفعول، لا على الظرف، وجمهور العلماء على أنَّ هذا اليوم المحذَّر منه هو يومُ القيامةِ، والحِسَابِ والتوفيةِ، وقال قومٌ : هو يوم المَوْت، والأول أصَحُّ، وهو يومٌ تنفطرُ لذكْره القُلُوب، وفي هذه الآيةِ نصٌّ على أنَّ الثواب والعقابَ متعلِّق بكَسْب الإِنْسَان، وهذا ردٌّ على الجبريَّة.

### الآية 2:282

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:282]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه. . . \[ البقرة : ٢٨٢ \]. 
قال ابن عبَّاس : هذه الآية نزلَتْ في السَّلَمِ خاصَّة. 
قال ( ع ) : معناه إنَّ إسَلَامَ أهْلِ المدينة كانَ سَبَبَ الآيةِ، ثم هِيَ تتناوَلُ جميعَ المدايَنَات إجماعاً، ووصفُهُ الأَجَلَ ب  مُّسَمًّى  - دليلٌ على أنَّ الجهالة لا تجوزُ، وقال جمهورُ العلماء : الأمر بالكَتب ندْبٌ إِلى حفظ الأموال، وإِزالة الرّيب، وإِذا كان الغريمُ تقيًّا، فما يضرُّه الكَتْب، وإِن كان غير ذلك، فالكتب ثقافٌ في دَيْنِهِ وحَاجَة صاحبِ الحقِّ، قال بعضهم : إِن أشهدتَّ، فحَزْمٌ، وإِن ائتمنت، ففي حِلٍّ وَسَعةٍ. 
( ع ) : وهذا هو القول الصحيحُ. 
علم تعالى أنه سيقع الاِئتمانُ، فقال : إِن وقع ذلك،  فَلْيُؤَدِّ. . .  الآية، فهذه وصيَّة للذِينَ علَيْهم الدُّيون. 
واختلف في قوله تعالى : وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ . 
فقال عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ : واجبٌ على الكاتِبِ أنْ يكْتُبَ، إِذا لم يوجَدْ سواه، وقال السُّدِّيُّ : هو واجبٌ مع الفَرَاغ. 
وقوله : بالعدل  معناه : بالحَقِّ، ثم نهى اللَّه سبحانه الكُتَّابَ عن الإبايَة، وحكى المَهْدَوِيُّ عن الرَّبِيعِ، والضَّحَّاك، أنَّ قوله تعالى : وَلاَ يَأْبَ  منسوخٌ بقوله : وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ . 
قال ( ع ) : أما إذا أمكن الكتاب، فلَيْسَ يجبُ الكَتْب على معيَّن، بل له الاِمتناع، إِلا إِذا استأجره، وأمَّا إِذا عدم الكاتبُ، فيتوجَّه وجوبُ النَّدْب حينئِذٍ على الكَاتِبِ. 
وقوله تعالى : وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق. . .  الآية، أَمَرَ اللَّه تعالى الَّذي علَيْه الحقُّ بالإِملال، لأنَّ الشهادة، إِنما تكونُ بحَسَب إِقراره، وإِذا كتبت الوثيقةُ، وأقر بها، فهي كإمْلاله، والبَخْسُ : النقْصُ بنوعٍ من المخادَعَة، والمُدَافعة، وهؤلاءِ الذين أُمِرُوا بالإِملال هم المالكُون لأنفسهم، إِذا حَضَرُوا. 
ثم ذكر تعالى ثلاثةَ أنواعٍ تقَعُ نوازلُهُمْ في كلِّ زمانٍ، فقال : فَإن كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحقُّ سَفِيهاً ، والسفيهُ : الهَلْهَل الرأي في المالِ، الذي لا يحسنُ الأخذ لنَفْسِهِ ولا الإِعطاء منْها، مشبَّه بالثوْبِ السَّفِيهِ، وهو الخفيفُ النَّسْجِ، والسَّفَهُ : الخِفَّة، وهذه الصفة في الشريعةِ لا تخلُو من حجر أبٍ، أو وصيٍّ وذلك هو وليُّه، ثم قال : أَوْ ضَعِيفًا ، والضعيفُ : هو المدخُولُ في عَقْلِهِ، وهذا أيضاً قد يكونُ وليُّه أَباً أو وصيًّا، والذي ( لا يستطيعُ أن يُمِلَّ هو ) الصغيرُ، ووليُّه وصيُّه، أو أبوه، والغائبُ عن موضعِ الإشهاد، لمرضٍ أو لغيرِ ذلك مِنَ الأعذار، ووليُّه : وكيلُهُ. وأمَّا الأخْرَسُ، فيسوغُ أنْ يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممَّن لا يستطيعُ. 
وقوله : بالعدل  معناه : بالحَقِّ، وقَصْدِ الصواب. 
وقوله تعالى : واستشهدوا شَهِيدَيْنِ. . .  الآية : الاستشهادُ : طلبُ الشهادةِ، وعبَّر ببناءِ مبالغة في **«شَهِيدَيْنِ »**، دلالةً على مَنْ قد شهد، وتكرَّر ذلك منه، فكأنه إِشارة إِلى العدالة، قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : والصحيحُ أنَّ الأمر بالاستشهادِ محمولٌ على الندب، اه. 
وقوله تعالى : مِن رِّجَالِكُمْ  نصٌّ في رفضِ الكفارِ، والصِّبْيَانِ، والنِّساء. وأما العبيدُ فاللفظ يتناولهم. 
واختلف العلماء فيهم، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وجمهورِ العلماءِ : أنَّ شهادتهم لا تجوزُ، وغلبوا نقْضَ الرِّقِّ. 
واسم ( كان ) الضميرُ الذي في قوله : يَكُونَا ، والمعنى، في قول الجمهور : فإِن لم يكن المستشْهَدُ رجلَيْنِ، وقال قومٌ : بلْ المعنى : فإِن لم يوجَدْ رجلانِ. 
ولا يجوز استشهاد المَرْأَتَيْنِ إِلا مع عَدَم الرجال. 
قال ( ع ) : وهذا قول ضعيفٌ، ولفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهرُ منه قولُ الجمهور. 
وقوله : فَرَجُلٌ وامرأتان ، أي : فليشهدْ أو فليكُنْ رجُلٌ وامرأتان. 
وقوله تعالى : مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء \[ البقرة : ٢٨٢ \] رفعٌ في موضع الصفةِ، لقوله : فَرَجُلٌ وامرأتان ، وهذا الخطابُ لجميعِ الناسِ، لكن المتلبِّس بهذه القصَّة هم الحُكَّام، وهذا كثيرٌ في كتاب اللَّه يعمُّ الخطابُ فيما يتلبَّس به البعْض. 
وفي قوله : مِمَّن تَرْضَوْنَ  دليلٌ على أنَّ في الشهود من لا يرضي، فيجيء من ذلك، أنَّ الناس ليسوا بمحمولِينَ عَلَى العَدَالة، حتى تَثْبُتَ لهم. 
وقوله تعالى : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا. . .  ( أنْ ) مفعولٌ من أجله، و الشهادةُ لم تقع لأَنْ تَضِلَّ إحْدَاهما، وإِنما وقع إِشهاد امرأتين، لأنّ تُذَكِّر إِحداهما، إِنْ ضلَّت الأخرى، قال سيبوَيْهِ : وهذا كما تقول : أعْدَدتُّ هذه الخَشَبَةَ، أنْ يميلَ الحَائِطُ، فأدعمه. 
( ع ) : ولما كانتِ النفوسُ مستشرفةً إِلى معرفة أسباب الحوادِثِ، قدم في هذه العبارة ذكْرَ سبب الأمر المقْصُود إلى أنْ يخبر به، وهذا مِنْ أبْرَعِ الفَصَاحَةِ، إِذ لو قال لكَ رجُلٌ : أعْدَدْتُّ هذه الخشبةَ، أنْ أدعم بها هذا الحائطَ، لقال السامعُ : ولِمَ تدعم حائطاً قائماً ؟، فيجب ذكر السبب، فيقال : إِذا مَالَ، فجاء في كلامِهِمْ تقديمُ السَّبَبِ أخْصَرَ من هذه المحاورة، قال أبو عبيد : ومعنى : تَضِلَّ  تنسى. 
( ع ) : والضَّلال عن الشهادة : إِنما هو نسيانُ جزءٍ منها، وذكْرُ جزء، ويبقَى المرء بَيْن ذلك حيرانَ ضَالاًّ. 
وقوله تعالى : وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ. . .  قال قتادة وغيره : معنى الآيةِ : إِذا دُعُوا أنْ يشهدوا، وقال الحسن بن أبي الحسن : الآيةُ جمعت أمرَيْن : لا تأب إِذا دُعِيتَ إلى تحصيل الشهادةِ، ولا إِذا دُعِيتَ إِلى أدائها وقاله ابن عباس، وقال مجاهد : معنى الآيةِ لا تأبَ، إِذا دُعِيتَ إِلى أداء شهادة قد حصَلَتْ عندك، وأسند النَّقَّاشُ إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه فسر الآية بهذا. 
( ت ) : وهذا هو الحقيقة في الآيةِ، وأما تسمية الشيْءِ بِما يَئُولُ إِليه، فمجازٌ، والشاهد حقيقةً : من حصَلَتْ له الشهادة، قال مجاهد : فأما إِذا دُعِيتَ أوَّلاً، فإِن شئْت فاذهب، وإِن شئت، فلا تذهب، وقاله جماعة. 
قال ( ع ) : والآية كما قال الحَسَنُ جمعتْ أمرَيْنِ، والمسلمون مندوبون إِلى معونة إِخوانهم، فإِذا كانت الفُسْحَة لكَثْرة الشهودِ، والأَمْنِ مِنْ تعطُّل الحق، فالمدعُّو مندوبٌ، وإِن خِيفَ تَلَفُ الحقِّ بتأخُّر الشاهد، وجب عليه القيام بها، سِيَمَا إِن كانت محصَّلةً، ودُعِيَ لأدائها، فهذه آكَدُ، لأنها قِلاَدَةٌ في العُنُق، وأمانةٌ تقتضي الأداء. 
( م ) : وَلاَ يَأْبَ الشهداء ، قال أبو البقاءِ : مفعولُ **«يأب »** محذوفٌ، أي : ولا يأب الشهداءُ إِقامةَ الشهادةِ، أو تحمُّل الشهادةِ، و( إِذا ) : ظرفٌ ليَأْبَ، ويحتمل أنْ يكون ظرفاً للمفعول المحذوفِ، اه. 
وَ تَسْئَمُواْ  : معناه تَملُّوا، وقدَّم الصغير، اهتماما به، و أَقْسَطُ  : معناه أعدلُ، و أَقْوَمُ ، أي : أشدُّ إقامةً، وقيل : أقْوَمُ من قَامَ بمعنى : اعتدل، و أدنى  معناه : أقربُ، و تَرْتَابُواْ  : معناه : تَشُكُّوا. 
قال ابنُ هِشَامٍ : إِلَى أَجَلِهِ  : لا يصحُّ تعلُّقه بتَكْتُبُوهُ، لاِقتضائه استمرار الكتابة إِلى أجل الدَّيْن، وإِنما هو حالٌ، أي : مستقِرًّا في الذِّمَّة إِلى أجله. اه من " المُغْنِي ". 
وقوله تعالى : إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً. . . ، لما علمَ اللَّه سبحانه مشَقَّة الكتْب عليهم، نصَّ على ترك ذلك، ورَفْعِ الجُنَاح فيه في كلِّ مبايعة بنَقْد، وذلك في الأغلَبِ، إِنما هو في قليلٍ كالطَّعام، ونحوه، لا في كثير، كالأملاك ونحوها، وقال السُّدِّيُّ، والضَّحَّاك : هذا فيما كان يداً بيدٍ، تأخذ وتُعْطي. 
وقوله تعالى : تُدِيرُونَهَا  يقتضي التقابُضَ والبينونَةَ في المقبوضِ. 
وقوله تعالى : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  اختلف، هَلْ ذلك على الوجوب، أوْ على الندب، والوجوبُ في ذلك قَلِقٌ، أمَّا في الدقائق، فصعب شاقٌّ، وأما ما كَثُر، فربَّما يقصد التاجر الاِسْتيلافَ بتَرْك الإِشهاد إِلى غير ذلك من المصالِحِ، فلا يُشْهِد ويدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقَى الأمر في الإِشهاد نَدْباً، لما فيه من المصلحة في الأغلب، وحكى المهدويُّ عن قومٍ، أنهم قالوا : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ  منسوخٌ بقوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ. . .  \[ البقرة : ٢٨٣ \] الآية، وذكره مكِّيٌّ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، واختلف النَّاس في معنى قوله تعالى : وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ، أي : كاختلافهم في قوله تعالى : لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا  \[ البقرة : ٢٣٣ \]، هل الفعلُ مسند إِلى الفاعل، فأصله : وَلاَ يُضَارُ كَاتِبٌ ولاَ شَهِيدٌ، بكسر الراء، وقيل : مسندٌ إِلى المفعول الذي لم يسمَّ فعله، فأصله : وَلاَ يُضَارَ، بفتحها. 
( ع ) : ووجوه المضارَّة لا تنحصرُ، وفكُّ الفعْلِ هي لغةُ الحجازِ، والإِدغامُ لغة تَمِيمٍ. 
وقوله : وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ، أيْ : وإِنْ تفعلوا المضارَّة، وقوله : بِكُمْ ، أي : حَالٌّ بِكُمْ. 
وباقي الآية موعظةٌ وتهديدٌ، واللَّه المستعانُ لا ربَّ غيره، وقيل : معنى الآية الوعْدُ، لأنَّ من اتقى عُلِّمَ الخَيْرَ وأُلْهِمَهُ. 
( ت ) : وفي **«العتبية »** مِنْ سماع ابن القَاسِمِ، قال : سَمِعْتُ مالكاً يقولُ : سَمِعْتُ أنَّه يقالُ : ما زَهِدَ عَبْدٌ، واتقى اللَّهَ إِلا أنْطَقَهُ اللَّهُ بالحكْمَة، اه. 
والمراد بهذا العلْمِ العلْمُ النافعُ، الَّذي يُورِثُ الخشيةَ، قال أبو عُمَرَ بنُ عبْدِ البَرِّ : رُوِّينَا عنْ مَسْروقٍ، قال : كفي بالمَرْءِ عَلْماً أنْ يخشَى اللَّهَ، وكفي بالمَرْءِ جهلاً أنْ يُعْجَب بعلْمه، أبو عمر : إِنما أعرفه بعَمَلِهِ، اه. من كتاب " فضل العلْمِ ".

### الآية 2:283

> ﻿۞ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [2:283]

وقوله تعالى : وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ. . .  \[ البقرة : ٢٨٣ \]
لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر. 
قال ( ع ) : رَهَنَ الشَّيْءَ، في كلام العرب معناه : دَامَ، واستمر، قيل : ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ، عند الفقهاء : إِذا خرج مِنْ يد المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ، لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له. 
وقوله تعالى : مَّقْبُوضَةٌ  هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن. 
وأجمع الناس على صحَّة قَبْض المرتَهَن، وكذلك على قبض وكيله، فيما علمتُ. 
واختلفوا في قَبْض عدلٍ يوضَعُ الرهْنُ على يدَيْه. 
فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء : قَبْض العَدْل قبضٌ. 
وقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ، وغيره : ليس بقَبْض. 
وقولُ الجمهورِ أصحُّ، من جهة المعنى في الرهن. 
وقوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا  : شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء. 
قال ابن العربيِّ في **«أحكامه »** : قوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا  معناه : إن أسقط الكَتْبَ والإِشهادَ والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ،  وليتَّقِ اللَّه ربَّه ، وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ، إِذ لو كان واجباً، لما جاز إِسقاطه، ثم قال : وجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالى من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ على الائتمان، ثم قال ابنُ العربيِّ : وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ، أنه قرأ هذه الآية، فقال : هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني : من الأمر بالكَتْب، والإِشهاد، والرهن. اه. 
وقوله تعالى : فَلْيُؤَدِّ  : أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله  أمانته  : مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة. . .  الآية، نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالى ذكْر القَلْب، إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه، كما قال صلى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى : والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ. 
وروى البَزَّارُ في **«مسنده »**، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( مَنْ مشى إلى غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ ) اه من " الكوكب الدري ".

### الآية 2:284

> ﻿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:284]

قوله تعالى : للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض. . .  \[ البقرة : ٢٨٤ \]. 
المعنى : جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ. 
وقوله تعالى : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ. . .  الآية، قوله : مَا فِي أَنفُسِكُمْ  يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه تقرَّر في النفْسِ، واستصحبت الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا على تجوُّز. 
واختلف في معنى هذه الآية. 
فقال عِكْرِمَةُ وغيره : هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها، فلفظ الآية، على هذا التأويل : العمومُ، ومعناه الخصوصُ، وكذا نقل الثعلبيُّ. 
وقال ابن عبَّاس : وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين : إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا : هُلِكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بِخَوَاطِرِ نُفُوسِنَا، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ :( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فَقَالُوهَا : فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ : لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  \[ البقرة : ٢٨٦ \]، ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ، هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ. 
وقال ابن عبَّاس : لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالى : لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا. . .  الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ، 
وقال آخرون : هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ورجَّح الطبريُّ أنَّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة. 
( ع ) : وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ \[ البقرة : ٢٨٤ \] معناه : بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطرُ، أشفَقَ الصحابةُ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم، فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ، ( أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا )، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ، أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم :( قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا )، يجيء منْه : الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ  \[ الأنفال : ٦٥ \]، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه : التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها. 
وقوله تعالى : وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ، يعني : من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا : إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق. 
قال ( ع ) : وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلاً تأوَّله أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يثبتْ تكليفاً إِلا على الوَجْه الذي ذكَرْناه من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إياهمُ على ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ : والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه : أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة، وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها اه.

### الآية 2:285

> ﻿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [2:285]

وقوله تعالى : آمَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ. . .  \[ البقرة : ٢٨٥ \]
سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ \[ البقرة : ٢٨٥ \]. وأشفق منها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا : وقالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا \[ البقرة : ٢٨٥ \]، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالى، وأثنى عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إِلى اللَّه تعالى، لا كما قالتْ بنو إِسرائيل : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  \[ البقرة : ٩٣ \]، فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نِقَمِهِ. 
و آمَنَ  معناه : صدَّق، ( والرسولُ ) محمَّد صلى الله عليه وسلم، و مَا أُنزِلَ إِلَيْهِ  : القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إِلَيْه من جملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه : هو التصديقُ به، أي : بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته : هو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصُون اللَّه ما أمرهم، ويَفْعَلُون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه : هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه على أنبيائه. 
وقرأ الجمهور : لاَ نُفَرِّقُ ، بالنون. والمعنى : يقولون : لا نفرِّق. 
ومعنى هذه الآية : أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارى، في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض. 
وقوله تعالى : وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا \[ البقرة : ٢٨٥ \] مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غَابِرَ الدَّهْر، والطاعةُ : قبولُ الأوامرِ، و غُفْرَانَكَ  : مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ تقديره : نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ. 
( ت ) : وزاد أبو حَيَّان، قال : وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، على أنْ يكون مبتدأً، أيْ : غفرانُكَ بُغْيَتُنَا. اه. 
 وَإِلَيْكَ المصير \[ البقرة : ٢٨٥ \] إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لما أنزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وعلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ فَسَأَلَ إلى آخِرِ السُّورَةِ.

### الآية 2:286

> ﻿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:286]

وقوله تعالى : لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا. . .  \[ البقرة : ٢٨٦ \]
خبرُ جزمٍ نصَّ على أنَّه لا يكلِّف اللَّه العبادَ مِنْ وقْتِ نزولِ الآيةِ عبادةً مِنْ أَعمالِ القَلْب والجوارحِ إِلاَّ وهِيَ في وُسْعِ المكلَّف، وفي مقتضى إِدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكُرْبَةُ عن المسلِمِينَ في تأوُّلهم أمْر الخواطِرِ، وهذا المعنَى الذي ذكَرْناه في هذه الآية يَجْرِي مع معنى قوله تعالى : يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر  \[ البقرة : ١٨٥ \] وقوله تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ في الدين مِنْ حَرَجٍ  \[ الحج : ٧٨ \] وقوله : فاتقوا الله مَا استطعتم  \[ التغابن : ١٦ \]، قال العراقيُّ : وُسْعَهَا ، أي : طاقتها، اه. 
قال ( ع ) : واختلف النَّاسُ في جوازِ تكليفِ ما لا يُطَاقُ في الأحكامِ الَّتي هي في الدُّنْيا، بعد اتفاقهم على أنَّه ليس واقعًا الآنَ في الشَّرْعِ، وأنَّ هذه الآية آذَنَتْ بعدمه، واختلف القائلُونَ بجوازِهِ، هل وَقَعَ في رسالةِ سَيِّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم أمْ لاَ ؟
فقالَتْ فرقة : وقَعَ في نازلةِ أبِي لَهَبٍ، لأنه حَكَم علَيْه بتَبِّ اليدَيْنِ، وصَلْيِ النَّارِ، وذلك مُؤْذِنٌ أنه لا يؤْمِنُ، وتكليفُ الشرْعِ له الإِيمان راتب، فكأنه كُلِّف أنْ يؤمِنَ، وأنْ يكون في إيمانه أنَّه لا يؤمن، لأنه إِذا آمَن فلا محالة أنْ يُدَيَّنَ بسورة : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ \[ المسد : ١ \]. 
وقالتْ فرقةٌ : لم يقَعْ قطُّ، وقوله تعالى : سيصلى نَاراً  \[ المسد : ٣ \] إِنما معناه : إِنما وافى على كفره. 
**( ع ) : وما لا يطاقُ على أقسامٍ :**
منه المُحَالُ عقْلاً، كالجمْعِ بين الضِّدَّيْن، ومنْه المُحَالُ عادَةً، كرفع إِنسانٍ جبلاً، ومنْه ما لا يطاقُ مِنْ حيث هو مُهْلِكٌ كالاِحتراقِ بالنارِ، ونحوه، ومنه ما لا يطاقُ لِلاِشتغالِ بغَيْره، وهذا إِنما يقال فيه مَا لاَ يطاقُ على تجوُّزٍ كثيرٍ. 
وقوله تعالى : لَهَا مَا كَسَبَتْ \[ البقرة : ٢٨٦ \] يريدُ : من الحسناتِ،  وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ، يريد : من السِّيِّئاتِ، قاله جماعة المفسِّرين : لا خلاف في ذلك، والخواطُر ونحوها ليس من كَسْب الإنسان، وجاءت العَبَارةُ في الحَسَنَاتِ بلَهَا، من حيثُ هي مما يفرح الإِنسان بكسبه، ويسر المرء بها، فتضاف إِلى ملكه، وجاءَتْ في السيئة بعَلَيْهَا، من حيث هي أوزارٌ، وأثقال، ومتحَملاَتٌ صعْبَةٌ، وهذا كما تقول : لي مالٌ، وعليَّ دَيْنٌ، وكرَّر فعْلَ الكَسْب، فخالف بين التصريفَيْن حسنًا لنمط الكلامِ، كما قال : فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً  \[ الطارق : ١٧ \] هذا وجه. 
( ع ) : والذي يظهر لِي في هذا أنَّ الحسناتِ ممَّا يكسب دُونَ تكلُّف، إِذ كاسبُها على جادَّة أمر اللَّه، ورسْمِ شرعه، والسيِّئَاتُ تُكْتَسَبُ، ببناءِ المبالغة، إِذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ اللَّه تعالى، ويتخطَّاه إِلَيْها، فيحسن في الآية مجيءُ التصريفَيْن لهذا المعنى. 
وقال المهدويُّ وغيره : معنى الآيةِ : لاَ يُؤَاخَذُ أحدٌ بذَنْبِ أحدٍ. 
قال ( ع ) وهذا صحيحٌ في نفسه، لكن من غير هذه الآية. 
وقوله تعالى : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا \[ البقرة : ٢٨٦ \] معناه : قُولُوا، واختلف الناسُ في معنى قوله سبحانه : إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، فذهب كثير من العلماء إلى أَنَّ هذا الدعاءَ في النسيانِ الغالبِ، والخَطَأ غَيْر المقصودِ، وهو الصحيحُ عندي، قال قتادةُ في تفسير الآيةِ : بلغَنِي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( إنَّ اللَّهِ تعالى تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ نِسْيَانِهَا وَخَطَئِهَا ) وقال السُّدِّيُّ : لما نزلَتْ هذه الآية، فقالوها، قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم :**«قَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، يَا مُحَمَّدُ »**. 
قال ( ع ) : فظاهر قولَيْهما ما صحَّحته، وذلك أن المؤمنين، لما كُشِفَ عنهم ما خافوه في قوله تعالى : يُحَاسِبْكُم بِهِ الله  \[ البقرة : ٢٨٤ \]، أمروا بالدعاء في ذلك النوْعِ الذي لَيْسَ من طاقة الإِنسان دفْعُهُ، وذلك في النسيانِ والخطأ، و( الإِصر ) : الثقيلِ، وما لا يطاقُ على أتمِّ أنواعه، وهذه الآية على هذا القولِ تقضِي بجوازِ تكليفِ ما لا يطاقُ، ولذلك أمر المؤمنون بالدعاءِ في أن لاَّ يقع هذا الجائزُ الصَّعْبُ، ومذهب أبي الحَسَنِ الأشعريِّ وجماعةٍ من المتكلِّمين، أنَّ تكليف ما لا يطاق جائزٌ عقلاً، ولا يخرم ذلك شيئاً من عقائِد الشَّرْع. 
وذهب الطبريُّ وغيره إِلى أنَّ تكليفَ ما لا يطاقُ غيْر جائزٍ، وأنَّ النسيان في الآية بمعنى التَّرْك أيْ : إِن تركنا شيئاً من طاعتك، والخَطَأ هو المقصودُ من العَصْيَان، والإِصْر هي العباداتُ الثقيلةُ، كتكاليف بني إِسرائيل، وما لا طاقة للمرءِ به هو عندهم على تجوُّز، كما تقولُ : لا طاقة لي على خصومة فُلاَنٍ، وما لا طاقَةَ لَنَا به، من حيث هو مهلكٌ، كعذاب جهنَّم، وغيره، ثُمَّ قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله : واعف عَنَّا ، أي : فيما واقعناه،  واغفر لَنَا ، أيْ : استر علينا ما عَلِمْتَ منا  وارحمنا ، أيْ : تَفضَّلْ مبتدئاً برَحْمَةٍ منك لَنَا، فهذه مناحٍ من الدعاء متباينةٌ، و أَنتَ مولانا  : مدحٌ في ضمنه تقرُّب إِلَيْه، وشُكْر على نعمه، ومولى : هو من وَلِيَ، وفي الحديث : أنَّ جبريلَ -عليه السلام- قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم :( قُلْ : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) فقالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ، قَالَ : قُلْ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُهَا فَيَقُولُ جِبْرِيلُ : قَدْ فَعَلَ إلى آخِرِ السُّورةِ ). 
وتظاهرتْ بهذا المعنى أحاديثُ، وروى أبو مسعودٍ عُقْبَةُ بن عمرٍو عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ ) يَعْنِي مِنْ قِيَامِ الليلِ، قال صاحب ****«سلاح المؤمن »**** : هذا الحديثُ رواه الجماعةُ، يعني : الستةَ، ومعنى :**«كَفَتَاهُ »** أجزتَاهُ عنْ قيامِ الليل، وقيل : كَفَتَاهُ مِنْ كلِّ شيطانٍ، فلا يقربه ليلَتَهُ، وقيل : كفتاه ما يكُونُ مِنَ الآفاتِ تلك الليلةَ، وقيل : معناه حَسْبُهُ بهما فضلاً وأجراً، ويحتمل الجميع، واللَّه أعلم، اه. من ****«سلاح المؤمن »****. 
وقال عليٌّ -رضي اللَّه عنه- :**«ما أظنُّ أَحَداً عَقَلَ، وأدْرَكَ الإِسْلاَمَ يَنَامُ، حتى يَقْرَأَهُمَا »** وفي الحديثِ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :" أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي ". 
كمل تفسير سورة البقرة، والحمد للَّه.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/2.md)
- [كل تفاسير سورة البقرة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/2.md)
- [ترجمات سورة البقرة
](https://quranpedia.net/translations/2.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
