---
title: "تفسير سورة البقرة - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/349.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/349"
surah_id: "2"
book_id: "349"
book_name: "محاسن التأويل"
author: "جمال الدين القاسمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة البقرة - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/349)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة البقرة - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي — https://quranpedia.net/surah/1/2/book/349*.

Tafsir of Surah البقرة from "محاسن التأويل" by جمال الدين القاسمي.

### الآية 2:1

> الم [2:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

 آلم ١ . 
اعلم أن للناس في هذا وما يجري مجراه من الفواتح مذهبين :
الأول أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله تبارك وتعالى به فهو من المتشابه. ولم يرتض هذا كثير من المحققين وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق. واحتجوا بأدلة عقلية ونقلية، بسطها العلامة الفخر. 
( المذهب الثاني ) مذهب من فسرها، وتكلم فيما يصح أن يكون مرادا منها، وهو ما للجمهور. وفيه وجهان :
( الأول ) : وعليه الأكثر : إنها أسماء للسور. 
( الثاني ) : أن يكون ورود الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد : كالإيقاظ وقرع العصا لمن تُحُدِّيَ بالقرآن وبغرابة نظمه ؛ وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلوّ عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر مَعْجزتهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة وهم أمراء الكلام، وزعماء الحوار، وهم الحراص على التساجل في اقتضاب الخطب، والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق، وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحد الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس بكلام البشر، وإنه كلام خالق القوى والقُدَر. قاله الزمخشري.

### الآية 2:2

> ﻿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2:2]

ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ٢ . 
أي : هذا القرآن لاشك أنه من عند الله تعالى كما قال تعالى في السجدة  آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين  [(١)](#foonote-١). قال بعض المحققين : اختصاص ذلك/ بالإشارة للبعيد حكم عرفي لا وضعي ؛ فإن العرب تعارض بين اسمي الإشارة. فيستعملون كلا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم : وفي التنزيل من ذلك آيات كثيرة. ومن جرى على أن ذلك إشارة للبعيد يقول : إنما صحت الإشارة بذلك، هنا إلى ما ليس ببعيد، لتعظيم المشار إليه، ذهابا إلى بُعد درجته وعلو مرتبته ومنزلته في الهداية والشرف. 
والريب في الأصل : مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة. وحقيقتها : قلق النفس واضطرابها. ثم استعمل في معنى الشك مطلقا، أو مع تهمة. لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة. 
وفي الحديث[(٢)](#foonote-٢) :( دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبُك ). 
ومعنى نفيه عن الكتاب : أنه في علو الشأن، وسطوع البرهان، بحيث ليس فيه مظنة أن يُرتاب في حقيقته، وكونه وحيا منزلا من عند الله تعالى. والأمر كذلك، لأن العرب، مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية، عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن. وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه، لا أنه لا يرتاب فيه أحد أصلا. 
 هدى للمتقين  أي : هاد لهم ودال على الدين القويم المفضي إلى سعادتي الدارين. 
قال الناصر في ( الانتصاف ) : الهدى يطلق في القرآن على معنيين :
( أحدهما ) : الإرشاد وإيضاح سبيل الحق. ومنه قوله تعالى : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى  [(٣)](#foonote-٣). وعلى هذا يكون الهدى للضال باعتبار أنه رشد إلى الحق، سواء حصل له الاهتداء أو لا. 
و ( الآخر ) : خلق الله تعالى الاهتداء في قلب العبد، ومنه  أولئك / الذين هدى الله \* فبهداهم اقتده  [(٤)](#foonote-٤). فإذا ثبت وروده على المعنيين فهو في هذه الآية يحتمل أن يراد به المعنيان جميعا. وعلى الأول، فتخصيص الهدى بالمتقين للتنويه بمدحهم حتى يتبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به، كما قال تعالى : إنما أنت منذر من يخشاها  [(٥)](#foonote-٥). وقال : إنما تنذر من اتبع الذكر  [(٦)](#foonote-٦). وقد كان، صلى الله عليه وآله وسلم، منذرا لكل الناس، فذكر هؤلاء لأجل أنهم هم الذين انتفعوا بإنذاره. وهذه الآية نظير آية  قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء \* والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى \* أولئك ينادون من مكان بعيد  [(٧)](#foonote-٧)،  وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا  [(٨)](#foonote-٨). وكقوله تعالى : يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين  [(٩)](#foonote-٩). إلى غير ذلك، مما دل على أن النفع به لا يناله إلا الأبرار. 
والمراد بالمتقين ـ هنا ـ من نعتهم الله تعالى بقوله : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ٣ . 
١ \[٣٢/ السجدة /١ و٢\]..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ج ٣ ص ١٥٣ (طبعة الحلبي)..
٣ \[٤١/ فصلت/ ١٧\] ونصها: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ١٧..
٤ \[٦/ الأنعام/ ٩٠\] ونصها: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ٩٠..
٥ \[٧٩/ النازعات/ ٤٥\]..
٦ \[٣٦/ يس/ ١١\] ونصها: إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب فبشّره بمغفرة وأجر كريم ١١..
٧ \[٤١/ فصلت/ ٤٤\] ونصها: ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصّلت آياته أعجميّ وعربيّ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ٤٤..
٨ \[١٧/ الإسراء/ ٨٢\]..
٩ \[١٠/ يونس/ ٥٧\]..

### الآية 2:3

> ﻿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [2:3]

والمراد بالمتقين ـ هنا ـ من نعتهم الله تعالى بقوله : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ٣ . 
 الذين يؤمنون  أي يصدقون  بالغيب  الغيب في الأصل مصدر غاب. بمعنى استتر واحتجب وخفي. وهو بمعنى الفاعل كالزور للزائر أطلق عليه مبالغة، والمراد به ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداية العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام. والمعنى يؤمنون بما لا يتناوله حسّهم. كذاته تعالى، وملائكته، والجنة، والنار، والعرش والكرسي، واللوح ونحوها. 
 ويقيمون الصلاة  أي يؤدّونها بحدودها وفروضها الظاهرة والباطنة. كالخشوع والمراقبة وتدبر المتلوّ والمقروء. 
قال الراغب : إقامة الصلاة توفية حدودها، وإدامتها. وتخصيص الإقامة تنبيه على أنه لم يُرِد إيقاعها فقط. ولهذا، لم يأمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو  أقم الصلاة  [(١)](#foonote-١)، وقوله : والمقيمين الصلاة  [(٢)](#foonote-٢)،  والذين/ يقيمون الصلاة  [(٣)](#foonote-٣). ولم يقل : المصلي، إلا في المنافقين  فويل للمصلين \* الذين هم عن صلاتهم ساهون  [(٤)](#foonote-٤)، وذلك تنبيه على أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل كما قال عمر رضي الله عنه :( الحاجّ قليل والركب كثير ) ولهذا قال عليه السلام[(٥)](#foonote-٥) :( من صلى ركعتين مقبلا بقلبه على ربه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ). فذكر مع قوله :" صلّى " الإقبال بقلبه على الله تنبيها على معنى الإقامة، وبذلك عظم ثوابه. وكثير من الأفعال التي حث تعالى على توفية حقه، ذكره بلفظ الإقامة، نحو  ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل  [(٦)](#foonote-٦) ونحو  وأقيموا الوزن بالقسط  [(٧)](#foonote-٧) تنبيها على المحافظة على تعديله. انتهى. 
فالإقامة من أقام العود إذا قوّمه. و الصلاة  فعلة من صلّى إذا دعا، ك  الزكاة  من زكى وإنما كتبتا بالواو مراعاة للفظ المفخّم وإنما سمى الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء. 
 ومما رزقناهم ينفقون  أي يؤتون مما رزقناهم من الأموال من شرع لهم إيتاؤه والإنفاق عليه من الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وأمثالهم، على ما بيّن في آيات كثيرة.

١ \[١١ / هود/ ١١٤\] ونصها: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ١١٤.
 و\[١٨ / الإسراء/ ٨٧\] ونصها: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ٧٨.
 و\[٢٠/ طه/ ١٤\] ونصها: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ١٤.
 و\[٢٩/ العنكبوت/ ٤٥\] ونصها: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ٤٥..
٢ \[٤/ النساء / ١٦٢\] ونصها: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ١٦٢..
٣ \[٥/ المائدة/ ٥٥\] ونصها: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ٥٥..
٤ \[١٠٧/ الماعون/ ٤ و٥\]..
٥ لم أقف على هذا الحديث..
٦ \[٥/ المائدة/ ٦٦\] ونصها: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ٦٦..
٧ \[٥٥/ الرحمن/ ٩\] ونصها: وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ٩..

### الآية 2:4

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [2:4]

والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ٤ . 
 والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  والمراد  بما أنزل إليك  الكتاب المنزل كله، وإنما عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد. كما أن المراد من قوله : وما أنزل من قبلك  الكتب الإلهية السالفة كلها. وهذا كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل  [(١)](#foonote-١) الآية. والإنزال النقل من الأعلى إلى الأسفل. فنزول الكتب الإلهية إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقاها جبريل من جنابه عز وجل فينزل بها إلى الرسل عليهم السلام. ولهذا يقال : القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ أي تكلم به حقيقة لا مجازا. 
قال الإمام أحمد وغيره : وإليه يعود أي لا يبقى له أثر في الوجود أي هو المتكلم به. قال تعالى : والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق  [(٢)](#foonote-٢). وقال تعالى : قل نزّله / روح القدس من ربك بالحق  [(٣)](#foonote-٣). وقال تعالى : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم  [(٤)](#foonote-٤). 
 وبالآخرة هم يوقنون  الآخرة في الأصل : تأنيث الآخر هو نقيض الأول وهي صفة الدار، بدليل قوله تعالى : تلك الدار الآخرة  [(٥)](#foonote-٥). سميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا. وقيل للدنيا : دنيا، لأنها أدنى من الآخرة. وهما من الصفات الغالبة. ومع ذلك فقد جريا مجرى الأسماء، إذ قد غلب ترك ذكر اسم موصوفهما معهما، كأنهما ليسا من الصفات. 
والإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وفي تقديم  الآخرة  وبناء  يوقنون  على  هم  تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته. كزعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى[(٦)](#foonote-٦) ؛ وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة[(٧)](#foonote-٧)، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا ؟ وهل هو دائم أو لا ؟ فاعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة، فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين !
١ \[٤/ النساء/ ١٣٦\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ١٣٦..
٢ \[٦ / الأنعام/ ١١٤\] ونصها: أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ١١٤..
٣ \[١٦/ النحل / ١٠٢\] ونصها: قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ١٠٢..
٤ \[٣٩/ الزمر/ ١\]..
٥ \[٢٨/ القصص/ ٨٣\] ونصها: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ٨٣..
٦ إشارة إلى قوله تعالى \[٢/ البقرة/ ١١١\] وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ١١١..
٧ إشارة إلى قوله تعالى في \[٢/ البقرة/ ٨٠\] وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ٨٠.
 وقوله تعالى في: \[٣/ آل عمران/ ٢٤ \] ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ٢٤.
 .

### الآية 2:5

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2:5]

\[ ٥ \]  أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ٥ . 
 أولئك  أي : المتصفون بما تقدّم.  على هدى من ربهم  أي على نور من ربهم، وبرهان، واستقامة، وسداد بتسديده إياهم وتوفيقه لهم.  وأولئك هم المفلحون  أي المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله بإيمانهم من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب.

### الآية 2:6

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:6]

إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ٦ . 
لما بين تعالى نعوت المؤمنين قبل، شرح أحوال مقابليهم وهم الكفرة المردة بأنهم : تناهوا في الغواية والضلال إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير، كما قال تعالى : إن الذين حقّت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون \* ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب  [(١)](#foonote-١). وكقوله سبحانه وتعالى في المعاندين الكتابيين  ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك  [(٢)](#foonote-٢) الآية. 
و  سواء  اسم بمعنى : الاستواء، وصف به، كما يوصف بالمصادر، مبالغة، ومنه / قوله تعالى : تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم  وبمعنى : مستوية. 
و ( الإنذار ) الإعلام مع تخويف. والمراد هنا : التخويف من عذابه تعالى، وانتقامه، والاقتصار عليه لما أنهم ليسوا أهلا للبشارة، ولأن الإنذار أوقع في القلوب ؛ ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع للبشارة رأسا أولى. 
وقوله : لا يؤمنون  جملة مستقلة، مؤكدة لما قبلها، مبينة لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء. 
١ \[١٠/ يونس/ ٩٦، ٩٧\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ١٤٥\] ونصها: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهوائهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين١٤٥.
 .

### الآية 2:7

> ﻿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:7]

ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ٧ . 
استئناف معلل لما سبق من الحكم، أو بيان وتأكيد له. والختم على الشيء : الاستيثاق منه بضرب الخاتم عليه. والمراد : إحداث حالة تجعلها بسبب تماديهم في الغي، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن منهاج النظر الصحيح بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفذ فيها الحق أصلا. 
قال أبو السعود : وإسناد إحداث تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى، لاستناد جميع الحوادث عندنا من حيث الخلق إليه سبحانه. وورود الآية الكريمة ناعية عليهم سوء صنيعهم، ووخامة عاقبتهم، لكون أفعالهم من حيث الكسب مستندة إليهم. فإنّ خَلْقَها منه سبحانه ليس بطريق الجبر، بل بطريق الترتيب على ما اقترفوه من القبائح كما يعرف عنه قوله تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم  [(١)](#foonote-١) ونحو ذلك، / يعني كقوله تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم  وقوله : ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة  [(٢)](#foonote-٢). 
وأما المعتزلة فقد سلكوا مسلك التأويل، وذكروا في ذلك عدة من الأقاويل. 
منها : أن القوم لما أعرضوا عن الحق، وتمكن ذلك في قلوبهم، حتى صار كالطبيعة لهم، شبه بالوصف الخلقيّ المجبول عليه. 
ومنها : أن المراد به تمثيل قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن، أو بقلوب قدّر ختم الله تعالى عليها. كما في : سال به الوادي إذا هلك وطارت به العنقاء إذا طالت غيبته. 
ومنها : أن أعراقهم لما رسخت في الكفر، واستحكمت، بحيث لم يبق إلى تحصيل إيمانهم طريق سوى الإلجاء والقسر ؛ ثم لم يفعل ذلك محافظة على حكمة التكليف، عبّر عن ذلك بالختم، لأنه سدٌّ لطريق إيمانهم بالكلية. وفيه إشعار بترامي أمرهم في الغي والعناد. 
ومنها : أن ذلك حكاية لما كانت الكفرة يقولونه. مثل قولهم : قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه ،  وفي آذاننا وقر ،  ومن بيننا وبينك حجاب  [(٣)](#foonote-٣). تهكّما بهم. 
ومنها : أن ذلك في الآخرة وإنما أخبر عنه بالماضي لِتحقُّق وقوعه. ويعضده قوله تعالى : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما [(٤)](#foonote-٤). انتهى ملخصا. 
( فائدة ) قال الراغب : المراد بالقلب في كثير من الآيات : العقل والمعرفة ١ه. 
١ \[٤/ النساء/ ١٥٥\] ونصها: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ١٥٥..
٢ \[٦/ الأنعام/ ١١٠\] ونصها: ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ١١٠..
٣ \[٤١/ فصلت/ ٥\] ونصها: وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ٥..
٤ \[١٧/ الإسراء/ ٩٧\] ونصها: ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ٩٧.
 .

### الآية 2:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [2:8]

ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ٨ . 
أصل ناس أناس، حذفت همزته تخفيفا، وحذفها مع لام التعريف كاللازم. ويشهد لأصله إنسان، وأناس، وأناسيّ، وإنس. وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمى الجن لاجتنانهم ولذلك سموا بشرا. وقيل : اشتقاقه من الأُنس ضد الوحشة لأن الإنسان مدنيٌّ بالطبع. والأول أظهر. 
واعلم أن صفات المنافقين إنما نزلت في السور المدنية. لأن مكة لم يكن فيها نفاق، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب. وبها اليهود من أهل الكتاب وهم ثلاث قبائل : بنو قينقاع حلفاء الخزرج وبنو النّضير وبنو قُرَيْظَة حلفاء الأوس فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا، لأنه لم يكن للمسلمين، بعد، شوكة تُخاف ؛ بل قد كان عليه الصلاة والسلام وادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة. فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، وأعز الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول وكان رأسا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان ابن سيد الطائفتين في الجاهلية ؛ وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم، فجاءهم الخبر، وأسلموا، واشتغلوا عنه. فبقي في نفسه من الإسلام وأهله. فلما كانت وقعة بدر، قال : هذا أمر قد توجه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونِحْلَتِه وآخرون من أهل الكتاب ؛ فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب.

### الآية 2:9

> ﻿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [2:9]

يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ٩ . 
قال القاشانيّ : المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله : من يطع الرسول فقد أطاع الله  [(١)](#foonote-١). فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان الكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليه. بحقن الدماء وحصن الأموال وغير ذلك. وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبّة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين : أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال بازدياد الظلمة، والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى : ومكروا \* ومكر الله والله خير الماكرين  [(٢)](#foonote-٢) وهم من غاية تعمّقهم في جهلهم لا يحسون بذلك الأمر الظاهر. 
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو  وما يخادعون  بالألف. 
قال ابن كثير : نبه الله سبحانه على صفات المنافقين، لئلا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر وهذا من المحذورات : أن يُظَنَّ بأهل الفجور خير. ثم إن قول من قال : كان عليه / الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان[(٣)](#foonote-٣) في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا في غزوة تبوك الذين همّوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفِّروا به الناقة، ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة. 
فأما غير هؤلاء، فقد قال الله تعالى : وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة \* مردوا على النفاق لا تعلمهم  [(٤)](#foonote-٤) الآية. وقال تعالى : لئن لم ينته المنافقون \* والذين في قلوبهم مرض \* والمرجفون في المدينة \* لنغرينك بهم \* ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا  ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم، فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى : ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم \* ولتعرفنهم في لحن القول \* والله يعلم أعمالكم  [(٥)](#foonote-٥). وقد كان من أشهرهم بالنفاق، عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول. 
واستند غير واحد من الأئمة في الحكمة عن كفّه صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين، بما ثبت في ( الصحيحين ) أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه[(٦)](#foonote-٦) ( أكره أن يتحدث العرب أنّ محمدا / يقتل أصحابه ). ومعناه خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتلهم بأنه لأجل كفرهم فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون : إن محمدا يقتل أصحابه. 
١ \[٤/ النساء/ ٨٠\] ونصها: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ٨٠..
٢ \[٣/ آل عمران/ ٥٤\]..
٣ يشير إلى حديث حذيفة الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في: ٥٠ ـ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٩ و١٠ و١١..
٤ \[٩/ التوبة/ ١٠١\] ونصها: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ١٠١..
٥ \[٤٧/ محمد/ ٣٠\]..
٦ يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ١٤٢ ونصه:
 عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها. يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل. قال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبتُ وخسرتُ، إن لم أكن أعدل) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني، يا رسول الله، فأقتل، هذا المنافق. فقال: (معاذ الله، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم. يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية).
 .

### الآية 2:10

> ﻿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [2:10]

في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ١٠ . 
المرض : السقم، وهو نقيض الصحة، بسبب ما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفاعيله. استعير ههنا لعدم صحة يقينهم، وضعف دينهم وكذا توصف قلوب المؤمنين بالسلامة التي هي صحة اليقين، وعدم ضعفه، كما قال تعالى : إلا من أتى الله بقلب سليم  [(١)](#foonote-١) أي : غير مريض بما ذكرنا أو استعير لشكهم، لأن الشك تردد بين الأمرين، والمنافق متردد، كما في الحديث[(٢)](#foonote-٢) ( مثل المنافق كمثل الشاة/ العائرة[(٣)](#foonote-٣) بين الغنمين ) والمريض متردد بين الحياة والموت. 
 فزادهم الله مرضا  بأن طبع على قلوبهم، لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير والإنذار. 
وقال القاشانيّ : أي مرضا آخر حقدا وحسدا وغلا بإعلاء كلمة الدين، ونصرة الرسول والمؤمنين ثم قال : والرذائل كلها أمراض القلوب، لأنها أسباب ضعفها وآفتها في أفعالها الخاصة، وهلاكها في العاقبة. 
 ولهم عذاب أليم  أي : مؤلم بكسر اللام فعيل بمعنى فاعل كسميع وبصير. 
قال في ( المحكم ) : الأليم من العذاب الذي يبلغ إيجاعه غاية البلوغ. ومنه. يُعلم وجه إيثاره في عذاب المنافقين على " العظم " المتقدم في وصف عذاب الكافرين ويؤيده : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا  [(٤)](#foonote-٤). 
 بما كانوا يكذبون  الباء للسببية أو للمقابلة أي سبب كذبهم أو بمقابلته وهو قولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين. وفيه رمز إلى قبح الكذب، وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم مع إحاطة علم السامع بأن لحوق العذاب بهم من جهات شتى ونحوه قوله تعالى : مما خطيئاتهم أغرقوا  [(٥)](#foonote-٥) والقوم كفرة وإنما خصت الخطيئات استعظاما لها، وتنفيرا عن ارتكابها. 
١ \[٢٦/ الشعراء/ ٨٩\]..
٢ أخرجه مسلم في صحيحه في: ٥٠ ـ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ١٧ ونصه: عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين. تعير إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة)..
٣ العائرة: المترددة والحائرة لا تدري أيهما تتبع. تَعِير أي تتردد وتذهب..
٤ \[٤/ النساء /١٤٥\]..
٥ \[٧١/ نوح/ ٢٥\] ونصها: مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ٢٥..

### الآية 2:11

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [2:11]

وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ١١ . 
شروع في تعديد بعض من مساوئهم المتفرّعة على ما حكى عنهم من الكفر والنفاق و " الفساد " خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به. ونقيضه " الصلاح " وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض : تهييج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع، والمنافع الدينية والدنيوية. قال الله تعالى : وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد  [(١)](#foonote-١).  أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  [(٢)](#foonote-٢) ومنه قيل لحرب كانت بين طيىء : حرب الفساد. 
وكان إفساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يُمالِئُون الكفار على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم، وإغرائهم عليهم، واتخاذهم أولياء، مع ما يدعون في السر إلى : تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وجحد الإسلام، وإلقاء الشبه، وذلك مما يجرئ الكفرة على إظهار عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ونصب الحرب له، وطمعهم في الغلبة. فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد بتهييج الفتن بينهم قيل لهم : لا تفسدوا  كما تقول للرجل : لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار ؛ إذا أقدم على ما هذه عاقبته وقد قال تعالى : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض \* إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير  [(٣)](#foonote-٣)/ فأخبر أن موالاة الكافرين تؤدي إلى الفتنة والفساد، لما تقدم. 
وقولهم : إنما نحن مصلحون  أي : بين المؤمنين وأهل الكتاب. نُداري الفريقين ونريد الإصلاح بينهما كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا  [(٤)](#foonote-٤). أو معناه : إنما نحن مصلحون في الأرض بالطاعة والانقياد. 
قال الراغب : تصوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال : أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا  [(٥)](#foonote-٥) وقوله : وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون  [(٦)](#foonote-٦) وقوله : وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا  [(٧)](#foonote-٧). 
وقال القاشانيّ : كانوا يرون الصلاح في تحصيل المعاش، وتيسير أسبابه، وتنظيم أمور الدنيا لأنفسهم خاصة لتوغّلهم في محبة الدنيا، وانهماكهم في اللذات البدنية، واحتجابهم بالمنافع الجزئية، والملاذّ الحسية عن المصالح العامة الكلية، واللذات العقلية ؛ وبذلك يتيسر مرادهم، ويتسهل مطلوبهم، وهم لا يحسون بإفسادهم المدرك بالحس. 
١ \[٢/ البقرة/ ٢٠٥\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ٣٠\] ونصها: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ٣٠..
٣ \[٨/ الأنفال/ ٧٣\]..
٤ \[٤/ النساء/ ٦٢\] ونصها: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ٦٢..
٥ \[٣٥/ فاطر/ ٨\] ونصها: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون ٨..
٦ \[٦/ الأنعام/ ٤٣\] ونصها: فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون ٤٣..
٧ \[١٨/ الكهف/ ١٠٤\] ونصها: الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ١٠٤..

### الآية 2:12

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [2:12]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:  وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ١١ . 
شروع في تعديد بعض من مساوئهم المتفرّعة على ما حكى عنهم من الكفر والنفاق و " الفساد " خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به. ونقيضه " الصلاح " وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض : تهييج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع، والمنافع الدينية والدنيوية. قال الله تعالى : وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد  [(١)](#foonote-١).  أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  [(٢)](#foonote-٢) ومنه قيل لحرب كانت بين طيىء : حرب الفساد. 
وكان إفساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يُمالِئُون الكفار على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم، وإغرائهم عليهم، واتخاذهم أولياء، مع ما يدعون في السر إلى : تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وجحد الإسلام، وإلقاء الشبه، وذلك مما يجرئ الكفرة على إظهار عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ونصب الحرب له، وطمعهم في الغلبة. فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد بتهييج الفتن بينهم قيل لهم : لا تفسدوا  كما تقول للرجل : لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار ؛ إذا أقدم على ما هذه عاقبته وقد قال تعالى : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض \* إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير  [(٣)](#foonote-٣)/ فأخبر أن موالاة الكافرين تؤدي إلى الفتنة والفساد، لما تقدم. 
وقولهم : إنما نحن مصلحون  أي : بين المؤمنين وأهل الكتاب. نُداري الفريقين ونريد الإصلاح بينهما كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا  [(٤)](#foonote-٤). أو معناه : إنما نحن مصلحون في الأرض بالطاعة والانقياد. 
قال الراغب : تصوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال : أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا  [(٥)](#foonote-٥) وقوله : وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون  [(٦)](#foonote-٦) وقوله : وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا  [(٧)](#foonote-٧). 
وقال القاشانيّ : كانوا يرون الصلاح في تحصيل المعاش، وتيسير أسبابه، وتنظيم أمور الدنيا لأنفسهم خاصة لتوغّلهم في محبة الدنيا، وانهماكهم في اللذات البدنية، واحتجابهم بالمنافع الجزئية، والملاذّ الحسية عن المصالح العامة الكلية، واللذات العقلية ؛ وبذلك يتيسر مرادهم، ويتسهل مطلوبهم، وهم لا يحسون بإفسادهم المدرك بالحس. 
١ \[٢/ البقرة/ ٢٠٥\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ٣٠\] ونصها: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ٣٠..
٣ \[٨/ الأنفال/ ٧٣\]..
٤ \[٤/ النساء/ ٦٢\] ونصها: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ٦٢..
٥ \[٣٥/ فاطر/ ٨\] ونصها: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون ٨..
٦ \[٦/ الأنعام/ ٤٣\] ونصها: فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون ٤٣..
٧ \[١٨/ الكهف/ ١٠٤\] ونصها: الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ١٠٤..


---

### الآية 2:13

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [2:13]

وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ١٣ . 
 وإذا قيل لهم  بطريق الأمر بالمعروف، إثر نهيهم عن المنكر إتماما للنصح، وإكمالا للإرشاد  آمنوا كما آمن الناس  أي : الكاملون في الإنسانية، فإن المؤمنين هم الناس في الحقيقة لجمعهم ما يُعدّ من خواص الإنسان وفضائله  قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء  استفهام في معنى الإنكار. و( السفه ) خفة وسخافة رأي يورثهما : قصور العقل، وقلة المعرفة بمواضع المصالح والمضار ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما  [(١)](#foonote-١). 
وإنما سفّهوهم مع أنهم العقلاء المراجيح لأنهم : لجهلهم، وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل ومن ركب متن الباطل كان سفيها ولأنهم كانوا في رياسة في قومهم، ويسار ؛ وكان أكثر المؤمنين فقراء، ومنهم مَوَالٍ كصُهَيْب، وبلال، وخبّاب فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم !  ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . 
١ \[٤/ النساء/ ٥\]..

### الآية 2:14

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [2:14]

وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ١٤ . 
 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا  أي : أظهروا لهم الإيمان، والموالاة، والمصافة نفاقا، ومصانعة، وتقيّة وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم. 
 واعلم أن مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين، فليس بتكرير. لأن تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم ؛ وهذه لبيان تباينُ أحوالهم، وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تباين المخاطبين !
 وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون  يقال : خلوت بفلان وإليه أي : انفردت معه ؛ ويجوز أن يكون من خلا بمعنى : مضى، ومنه : القرون الخالية. والمراد ب  شياطينهم  : أصحابهم أولو التمرد والعناد ؛ والشيطان يكون من الإنس والجن، كما قال تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا  [(١)](#foonote-١). وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر. واشتقاق شيطان من شطن، إذا بعد، لبعده من الصلاح والخير. 
ومعنى  إنا معكم  أي في الاعتقاد على مثل ما أنتم عليه، إنما نحن في إظهار الإيمان عند المؤمنين مستهزئون ساخرون بهم. والاستهزاء بالشيء السخرية منه. يقال : هزأت واستهزأت بمعنى. 
١ \[٦/ الأنعام/ ١١٢\] ونصها: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ١١٢..

### الآية 2:15

> ﻿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [2:15]

الله يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون ١٥ . 
 الله يستهزئ بهم  يسخر بهم للنقمة منهم هكذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه الضحّاك  ويمدّهم في طغيانهم يعمهون  يزيدهم على وجه الإملاء، والترك لهم في عتوّهم وتمردهم، كما قال تعالى : ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون  [(١)](#foonote-١). 
 و( الطغيان ) المراد به هنا : الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو. وأصل المادة هي المجاوزة في الشيء، كما قال تعالى : إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية  [(٢)](#foonote-٢). 
و ( العمه ) مثل العمى إلا أن العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحيّر والتردد، لا يدري أين يتوجه. 
أي في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دَنَسُهُ، وعلاهم رجسه يترددون حيارى، ضُلاّلا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا. 
والمشهور فتح الياء من  يمدّهم ، وقرئ شاذا بضمها، وهما بمعنى واحد. يقال : مد الجيش وأمده إذا زاده، وألحق به ما يقويه ويكثره وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها. 
١ \[٦/ الأنعام/ ١١٠\]..
٢ \[٦٩/ الحاقة/ ١١\]..

### الآية 2:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [2:16]

أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ١٦ . 
 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات الشنيعة المميزة لهم عمن عداهم أكمل تمييز، بحيث صاروا كأنهم حضّار مشاهدون على ما هم عليه. وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر وسوء الحال، ومحلُّه الرفع على الابتداء، خبره قوله تعالى : الذين اشتروا  إلخ. والجملة مسُوقَة لتقرير ما قبلها، وبيان لكمال جهالتهم فيما حكى عنهم من الأقوال والأفعال بإظهار غاية سماجتها، وتصويرها بصورة ما لا يكاد يتعاطاه من له أدنى تمييز فضلا عن العقلاء. و الضلالة  الجور عن القصد ؛ و " الهدى " التوجه إليه. وقد استعير الأول : للعدول عن الصواب في الدين، والثاني : للاستقامة عليه. و " الاشتراء " استبدال السلعة بالثمن أي أخذها به / فاشتراء الضلالة بالهدى مستعار لأخذها بدلا منه أخذا منوطا بالرغبة فيها والإعراض عنه. 
فإن قيل : كيف اشتروا الضلالة بالهدى، وما كانوا على هدى ؟
قلت : جعلوا لتمكّنهم منه بتيسير أسبابه كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطّلوه، واستبدلوها به، فاستعير ثبوته لتمكّنهم بجامع المشاركة في استتباع الجدوى، ولا مُرْيَة في أن هذه المرتبة من التمكن كانت حاصلة لهم بما شاهدوه من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة من جهة النبي صلى الله عليه وسلم. 
 فما ربحت تجارتهم  عطف على الصلة داخل في حيزها. والفاء للدلالة على ترتب مضمونه عليها. والتجارة صناعة التجار، وهو التصدي للبيع والشراء، لتحصيل الربح وهو الفضل على رأس المال، وإسناد عدمه الذي هو عبارة عن الخسران إليها، وهو لأصحابها، من الإسناد المجازيّ وهو : أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين وفائدته : المبالغة في تخسيرهم، لما فيه من الإشعار بكثرة الخسار، وعمومه المستتبع، لسرايته إلى ما يلابسهم. 
فإن قلت : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح، والتجارة كأن ثم مبايعة على الحقيقة ؟
قلت : هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تُساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفّى بأشكال لها، وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ؛ وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشّح، فإيرادهما إثر الاشتراء تصوير لما فاتهم من فوائد الهدى بصورة خسار التجارة الذي يتحاشى عنه كل أحد للإشباع في التخسير والتحسير. وهذا النوع قريب من التتميم الذي يمثله أهل صناعة البديع بقول الخنساء :وإن صخرا لتَأْتَمُّ الهداة به  كأنه علم في رأسه نار.. !لمّا شبّهته في الاهتداء به بالعَلَم المرتفع، أتبعت ذلك ما يناسبه ويحققه، فلم تقنع بظهور الارتفاع حتى أضافت إلى ذلك ظهورا آخر، باشتعال النار في رأسه. 
 وقوله : وما كانوا مهتدين  أي : لزوال استعدادهم، وتكدير قلوبهم بالرَّيْن الموجب للحجاب والحرمان الأبدي. 
قال الزمخشري : فإن قيل : لِمَ عطف بالواو عدم اهتدائهم على انتفاء ربح تجارتهم، ورتِّبا معا بالفاء على اشتراء الضلالة بالهدى ؟ وما وجه الجمع بينهما مع ذلك الترتيب على أن عدم الاهتداء قد فهم من استبدال الضلالة بالهدى، فيكون تكرارا لما مضى ؟
فالجواب : أن رأس مالهم هو الهدى، فلما استبدلوا به ما يضادّه ولا يجامعه أصلا انتفى رأس المال بالكلية، وحين لم يبق في أيديهم إلا ذلك الضد أعني الضلالة وصفوا بانتفاء الربح والخسارة. لأن الضال في دينه خاسر هالك وإن أصاب فوائد دنيوية ولأن من لم يسلم له رأس ماله لم يوصف بالربح، بل بانتفائه، فقد أضاعوا سلامة رأس المال بالاستبدال، وترتب على ذلك إضاعة الربح. 
وأما قوله : وما كانوا مهتدين  فليس معناه عدم اهتدائهم في الدين فيكون تكرارا لما سبق بل لما وصفوا بالخسارة في هذه التجارة أشير إلى عدم اهتدائهم لطرق التجارة كما يهتدي إليه التجار البصراء بالأمور التي يربح فيها ويخسر فهذا راجع إلى الترشيح.

### الآية 2:17

> ﻿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [2:17]

مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ١٧ . 
ولما جاء بحقيقة صفتهم، عقّبها بضرب المثل زيادة في الكشف، وتتميما للبيان فقال تعالى : مثلهم  أي : مثالهم في نفاقهم، وحالهم فيه  كمثل الذي استوقد  أي أوقد  نارا  في ظلمة والتنكير للتعظيم  فلما أضاءت  أي : أنارت النار /  ما حوله  فأبصر، واستدفأ، وأمن مما يخافه  ذهب الله بنورهم  أي : أطفأ نارهم التي هي مدار نورهم فبقوا في ظلمة وخوف وجمع الضمير مراعاة لمعنى الذي كقوله : وخضتم كالذي خاضوا  [(١)](#foonote-١).  وتركهم في ظلمات لا يبصرون  ما حولهم متحيّرين عن الطريق، خائفين فكذلك هؤلاء استضاؤوا قليلا بالانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، حيث أَمِِنوا على أنفسهم وما يتبعها. ثم وراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمى بهم إلى ظلمة سخط الله، وظلمة العقاب السرمد ؛ ومحصوله : أنهم انتفعوا بهذه الكلمة مدة حياتهم القليلة، ثم قطعه الله تعالى بالموت. 
ونُقِلَ عن كثير من السلف تفسير آخر، وهو : تمثيل إيمانهم أولا، ثم كفرهم ثانيا. فيكون إذهاب النور في الدنيا، كما قال تعالى : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا  [(٢)](#foonote-٢) الآية، فلما آمنوا أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارا ثم لما كفروا، ذهب الله بنورهم : انتزعه كما ذهب بضوء هذه النار وعلى هذا فالتمثيل مرتبط بما قبله. فإنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى مثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم، وتركه إياهم في الظلمات. 
قال الزمخشري في ( الكشاف ) : ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المُثُل / والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيّات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيّل في صورة المحقّق، والمتوهّم في معرض المتيقّن، والغائب كأنه مشاهد وفيه تبكيت للخصم الألدّ، وقمع لسورة الجامع الأبيّ. 
ولأمر ما، أكثر الله في كتابه المبين، وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام الأنبياء والحكماء. قال الله تعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون  [(٣)](#foonote-٣). 
و ( المَثَل ) في أصل كلامهم بمعنى : المِثْل وهو النظير. يقال : مِثْل، ومَثَل، ومثيل كشِبه وشَبَه وشَبيه ثم قيل للقول السائر الممثّل مضربه بمورده : مَثَل. ولم يضربوا مثلا، ولا رأَوهْ أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثم حوفظ عليه، وحُمِيَ من التغيير. 
فإنه[(٤)](#foonote-٤) لو غُيِّرَ لربما انتفى الدلالة على تلك الغرابة. وقيل : إن المحافظة على المثل إنما هي بسبب كونه استعارة. فوجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه به. فإن وقع تغيير، لم يكن مثلا، بل مأخوذا منه، وإشارة إليه كما في قولك : بالصيف ضيعتَ اللبنَ[(٥)](#foonote-٥). بالتذكير. 
 وقال بعضهم : قد استعير المثل للحال، أو القصة، أو الصفة إذا كان لها شأن، وفيها غرابة كأنه قيل : حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكذلك قوله : مثل الجنة التي وعد المتقون  [(٦)](#foonote-٦) أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة الشأن، ثم أخذ في بيان عجائبها  ولله المثل الأعلى  [(٧)](#foonote-٧) أي : الوصف الذي له من شأن من العظمة والجلالة.  مثلهم في التوراة  [(٨)](#foonote-٨) أي : صفتهم وشأنهم المتعجّب منه. 
ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا : فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقّوا منه صفة للعجيب الشأن. 
١ \[٩/ التوبة/ ٦٩\] ونصها: كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ٦٩..
٢ \[٦٣/ المنافقون/ ٣\] ونصها: ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ٣..
٣ \[٢٩/ العنكبوت/ ٤٣\]..
٤ في حاشية الجرجانيّ على الكشاف..
٥ قال في اللسان: ومن أمثالهم: الصيف ضيّعت اللبن. إذا فرّط في أمره في وقته. معناه طلبت الشيء في غير وقته. وذلك أن الألبان تكثر في الصيف. فيضرب مثلا لترك الشيء وهو ممكن، وطلبه وهو متعذر. قال ذلك ابن الأنباريّ.
 وأول من قاله عمرو بن عمرو بن عُدَس لدَخْتَنُوسَ بنت لقِيط: وكانت تحته ففرِكته. وكان موسرا. فتزوجها عمرو بن معبد، وهو ابن عمها، وكان شابا مقترا. فمرت به إبل عمرو فسألته اللبن فقال لها ذلك..
٦ \[١٣/ الرعد/ ٣٥\] ونصها: \* مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ٣٥..
٧ \[١٦/ النحل/ ٦٠\] ونصها: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ٦٠..
٨ \[٤٨/ الفتح/ ٢٩\] ونصها: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ٢٩..

### الآية 2:18

> ﻿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [2:18]

صم بكم عمي فهم لا يرجعون ١٨ . 
 صم بكم عمي  الصمم : آفة مانعة من السماع، سمي به فقدان حاسة السمع، لما أن سببه اكتناز باطن الصِّماخ، وانسداد منافذه، بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموّجه. والبكم : الخرس. والعمى : عدم البصر عما من شأنه أن يُبصَر. 
 وصفوا بذلك مع سلامة حواسهم المذكورة لما أنهم سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبَوْا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتصّبروا بعيونهم، فجعلوا كأنما أصيب بآفة مشاعرهم كقوله :
صم إذا سمعوا خيرا ذُكِرْتُ به \*\*\* وإن ذكرت بسوء عندهم أَذِنُوا
**وكقوله :**
أصم عن الشيء الذي لا أريده \*\*\* وأسمع خلق الله حين أريد
 فهم لا يرجعون  أي بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه. أو عن الضلالة بعد أن اشتروها. فالآية الكريمة تتمة للتمثيل بأن ما أصابهم، ليس مجرد انطفاء نارهم ؛ وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة مع بقاء حاسة البصر بحالها بل اختلَّت مشاعرهم جميعا، واتصفوا بتلك الصفات فبقوا جامدين في مكانهم لا يرجعون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون ؟ وكيف يرجعون إلى ما ابتدأوا منه.

### الآية 2:19

> ﻿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [2:19]

أو كصيّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ١٩ . 
 أو كصيّب من السماء  تمثيل لحالهم إثر تمثيل، ليعمّ البيان منها كل دقيق وجليل، ويوفي حقها من التفظيع والتهويل. فإن تفنَّنهم في فنون الكفر والضلال حقيق بأن يضرب في شأنه الأمثال. وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصّل ويشبع. 
و " الصيّب " السحاب ذو الصوْب. والصوب المطر. والمراد بالسماء : السحاب، كما قال تعالى : أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون  [(١)](#foonote-١). وهي في الأصل : كل ما علاك من سقف ونحوه. 
  فيه ظلمات ورعد وبرق  التنوين في الكل للتفخيم والتهويل كأنه قيل : فيه ظلماتٌ داجية، ورعدٌ قاصف، وبرقٌ خاطف  يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق  الصاعقة : الصوت الشديد من الرعدة يسقط معها قطعة نار تنقدح من السحاب إذا اصطكَّت أجرامه لا تأتي على شيء إلا أحرقته  حذر  أي خوف  الموت  من سماعها  والله محيط بالكافرين  علما وقدرة فلا يفوتونه. والجملة اعتراضية منبّهة على أن ما صنعوا من سدّ الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئا، فإن القدر لا يدافعه الحذر، والحيل لا تردّ بأس الله عز وجل. وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيّب الإيذان بأن ما دهمهم من الأمور الهائلة المَحْكِيّة بسبب كفرهم، فيُظهر استحقاقهم شدة الأمر عليهم، على طريقة قوله تعالى : أصابت حرث قوم ظلموا  [(٢)](#foonote-٢) فإن الإهلاك الناشئ عن السخط أشد. 
١ \[٥٦/ الواقعة/ ٦٩\]..
٢ \[٣/ آل عمران/ ١١٧\] ونصها: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صرّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ١١٧..

### الآية 2:20

> ﻿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:20]

يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ٢٠ . 
 يكاد البرق يخطف أبصارهم  استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدّر كأنه قيل : فكيف حالهم مع ذلك البرق ؟ فقيل : يكاد يخطف أبصارهم، أي : يأخذها بسرعة  كلما أضاء لهم مشوا فيه  أي : في ضوئه  وإذا أظلم عليهم قاموا  أي : وقفوا، / وثبتوا في مكانهم ومنه : قامت السوق، إذا ركدت وكسدت. وقام الماء، جمد وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين : بشدّته على أصحاب الصيّب، وما هم فيه من غاية التحيُّر والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي، وفتر لمعانه، بقوا واقفين متقيدين عن الحركة  ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم  أي : لزاد في قصيف الرعد فأصمّهم، أو في ضوء البرق فأعماهم. ومفعول  شاء  محذوف، لأن الجواب يدل عليه. والمعنى : ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها. ولقد تكاثر هذا الحذف في " شاء " و " أراد ". لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله : فلو شئت أن أبكي دما لبكيته[(١)](#foonote-١) ؛ وقوله تعالى : لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا  [(٢)](#foonote-٢).  إن الله على كل شيء قدير  تعليل للشرطية، وتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إزالة مشاعرهم بالطريق البرهانيّ. 
١ استشهد به في الكشاف. وعجزه: عليه ولكن ساحة الصبر أوسع..
٢ \[٢١/ الأنبياء/ ١٧\]..

### الآية 2:21

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:21]

يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ٢١ 
 يا أيها الناس اعبدوا ربكم  لما ذكر الله علوَّ طبقة كتابه الكريم، وتحزّب الناس في شأنه إلى ثلاث فرق : مؤمنة به محافظة على ما فيه من الشرائع والأحكام، وكافرة قد نبذته وراء ظهرها بالمهاجرة والشقاق، وأخرى مذبذبة بينهما بالمخادعة والنفاق ؛ وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند الله ويرديها ؛ أقبل عليهم بالخطاب وهو من الالتفات المذكور عند قوله جل ذكره  إياك نعبد  وهو فن من الكلام جَزْلٌ، فيه هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما : إن فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث، فقلت : يا فلان ! من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، وتستوي على جادّة السّداد في مصادرك ومواردك نبهته بالتفاتك نحوه فضلَ تنبه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء ؛ وأوجدته، بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازّاً من طبعه، ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة. وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول، وإنما كثر النداء في كتابه تعالى على طريقة  يا أيها الناس  لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وأسباب من المبالغة. كالإيضاح بعد الإيهام، واختيار لفظ البعيد وتأكيد معناه بحرف التنبيه. ومعلوم أن كل ما نادى الله له عباده : من أوامره، ونواهيه، وعظاته، وزواجره، ووعده، ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك... مما أنطق به كتابه أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان علَّمهم أن يتيقَّظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ أفاده الزمخشريّ. 
 والمراد بالناس : كافة المكلفين مؤمنهم وكافرهم فطلب العبادة من المؤمنين طلب الزيادة فيها، والثبات عليها، ومن الكافرين، ابتداؤها.  الذي خلقكم  أنعم عليكم بإخراجكم من العدم إلى الوجود  و  خلق  الذين من قبلكم لعلكم تتقون  أي كي تتقون، كقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  [(١)](#foonote-١)، وقوله سبحانه : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا  [(٢)](#foonote-٢). وفي إيراد " لعل " تشبيه طلبه تعالى برجاء الراجي من المرجو منه أمرا هين الحصول. فإنه تعالى لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار، وطلب منهم الطاعة، ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليها ؛ ووعد، وأوعد، وألطف بما لا يحصى كثرة لم يبق للمكلف عذر، وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجى منه في رجحان اختياره لما يرتجى منه مع تمكُّنه من خلافه وصار طلب الله تعالى لعبادته واتقائه بمنزلة الترجي فيما ذكرناه. 
١ \[٥١/ الذاريات/ ٥٦\]..
٢ \[٦٧/ الملك/ ٢\]..

### الآية 2:22

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:22]

الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ٢٢ . 
 الذي جعل  خلق  لكم الأرض فراشا  بساطا ومهادا غير حزْنة،  والسماء بناء  البناء، في الأصل، مصدر سمي به المبني بيتا كان، أو قبّة، أو خباء. 
قال بعض علماء الفلك في معنى الآية : أي كالبنيان يشد بعضه بعضا. و السماء  يراد بها الجنس كالسماوات، والمعنيّ بها الكواكب السيارات قال : فجميع السماوات / أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس لها. 
 وأنزل من السماء  أي : السحاب  ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا  النهي متفرع على مضمون ذلك الأمر، كأنه قيل : إذا أُمِرْتُم بعبادة من هذا شأنه من التفرّد بهذه الأفعال الجليلة فلا تجعلوا له أندادا شركاء في العبادة، أي أمثالا تعبدونهم كعبادته جمع ندّ. وهو المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ فإن قيل : كيف صلح تسميتها أندادا وهم ما كانوا يزعمون أنها تخالفه وتناوئه، بل كانوا يجعلونها شفعاء عنده ؟. أجيب : بأنهم لما تقرّبوا إليها، وعظموها، وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته، ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم. وكما تهكَّم بهم بلفظ الند شنّع عليهم، واستفظع شأنهم، بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط. 
 وأنتم تعلمون  ما بينه وبينها من التفاوت، وأنها لا تفعل مثل أفعاله، كقوله : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء  [(١)](#foonote-١) ؛ أو أنتم من أهل العلم والمعرفة والتوبيخ فيه آكد أي أنتم العرافون المميزون، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادا هو غاية الجهل، ونهاية سخافة العقل. 
ومما ينبغي التفطن له في الاعتبار بهذه الآية ما قاله الزمخشري : من أنه سبحانه وتعالى قدَّم من موجبات عبادته، وملزمات حق الشكر له : خلقهم أحياء قادرين أولا لأنه سابقة أصول النعم، ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما ؛ ثم خلق الأرض التي هي مكانهم، ومستقرهم الذي لابد لهم منه وهي بمنزلة عرصة المسكن، ومتقلَّبه، ومفترشه ؛ ثم خلق السماء التي هي كالقبّة المضروبة، والخيمة المطنّة، على هذا القرار ؛ ثم ما سواه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المُقِلَّة والمُظِلَّة. / بإنزال الماء منها عليها، والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبني آدم، ليكون لهم ذلك معتبرا، ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف. ونعمة يتعرَّفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم ؛ وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقَّنوا عند ذلك أن لابد لها من خالق ليس كمثلها حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا، وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر. 
ونظير هذه الآية قوله تعالى : الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات \* ذلكم الله ربكم \* فتبارك الله رب العالمين  [(٢)](#foonote-٢). فمضمونه أنه الخالق، الرازق، مالك الدار وساكنيها، ورازقهم. فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره. 
١ \[٣٠/ الروم/ ٤٠\]..
٢ \[٤٠/ غافر/ ٦٤\]..

### الآية 2:23

> ﻿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:23]

ولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية، ويحققها. ويبطل الإشراك ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك، وتصحيحه. وعرَّفهم أن من أشرك فقد كابر عقله، وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم كيف يتعرَّفون : أهو من عند الله كما يدَّعى أم هو من عند نفسه كما يدَّعون ؟ بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم، ويذوقوا طباعهم، وهم أبناء جنسه، وأهل جلدته. فقال تعالى : وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ٢٣ . 
 وإن كنتم في ريب مما نزّلنا  أي من القرآن الذي نزلناه  على / عبدنا  محمد صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله تعالى، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر كما يعرب عنه قوله تعالى : إن كنتم صادقين  إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه ( وأما الجزم المذكور فخارج من دائرة الاحتمال، كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفا مشكوك الوقوع ) وإما للتنبيه على أن جزمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإعجاز، ونهاية قوّتها. وإنما لم يقل : وإن ارتبتم فيما نزلنا... إلخ، لما أشير إليه فيما سلف من المبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن شائبة وقوع الريب فيه حسبما نطق به قوله تعالى : لا ريب فيه  والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته العالية. واعتبار استقرارهم فيه، وإحاطته بهم، لا ينافي اعتبار ضعفه وقلّته : لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به، لا قلّته ولا كثرته. وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة من التشريف، والتنويه، والتنبيه على اختصاصه به عز وجل، وانقياده لأوامره تعالى ما لا يخفى. والأمر في قوله تعالى : فأتوا بسورة  من باب التعجيز وإلقام الحجر، كما في قوله تعالى : فأت بها من المغرب  [(١)](#foonote-١)، أو من باب المجاراة معهم بحسب حسبانهم حيث كانوا يقولون : لو نشاء لقلنا مثل هذا. و " السورة " الطائفة من القرآن العظيم المترجمة، وأقلها ثلاث آيات، وواوها أصلية. منقولة من سور البلد لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة، مُحْوِزَةٍ. أو محتوية على فنون رائقة من / العلوم، احتواء سور المدينة على ما فيها. أو من السورة التي هي الرتبة. فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رتبا من حيث الفضل والشرف، أو من حيث الطول والقصر فهي من حيث انتظامها مع أخواتها في المصحف : مراتب يرتقي إليها القارئ شيئا فشيئا. و من  في قوله تعالى : من مثله  بيانية متعلقة بمحذوف صفة لسورة، والضمير " لما نزلنا " أي بسورة كائنة من مثله في علو الرتبة، وسمو الطبقة، والنظم الرائق، والبيان البديع، وحيازة سائر نعوت الإعجاز. وقيل  من  زائدة على ما هو رأي الأخفش بدليل قوله تعالى : فأتوا بسورة مثله  [(٢)](#foonote-٢)  بعشر سور مثله  [(٣)](#foonote-٣). 
وقوله تعالى : وادعوا شهداءكم من دون الله  إرشاد لهم إلى إنهاض أمة جَمَّةٍ، ليحتشدوا في حلبة المعارضة بخيلهم ورجلهم، ويتعاونوا على الإتيان بقدر يسير مماثل في صفات الكمال لما أتى بجملته واحد من أبناء جنسهم. وهذا كقوله تعالى في سورة هود : أم يقولون افتراه \* قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات \* وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين  [(٤)](#foonote-٤) و " الشهداء " جمع شهيد، بمعنى : الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر. و من  لابتداء الغاية متعلقة ب  ادعوا  والظرف مستقر. والمعنى : ادعوا، متجاوزين الله تعالى للاستظهار، من حضركم كائنا من كان أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم الذين تفزعون إليهم في الملمات، وتعوّلون عليهم في المهمّات أو القائمين بشهاداتكم الجارية فيما بينكم من/ أمنائكم المتولّين لاستخلاص الحقوق، بتنفيذ القول عند الولاة أو القائمين بنصرتكم حقيقة أو زعما من الإنس والجن ليعينوكم. وإخراجه، سبحانه وتعالى، من حكم الدعاء في الأول مع اندراجه في الحضور لتأكيد تناوله لجميع ما عداه، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه ؛ فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه. وأما في سائر الوجوه : فللتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى، وكونهم في عدوة المحادّة والمشاقة له، قاصرين استظهارهم على ما سواه ؛ والالتفات لإدخال الروعة، وتربية المهابة  إن كنتم صادقين  أي : في زعمكم أنه من كلامه صلى الله عليه وسلم، واستلزام المقدّم للتالي من حيث أن صدقهم في ذلك الزعم يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله، بقضية مشاركتهم له صلى الله عليه وسلم في البشرية والعربية، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، لاسيما عند المظاهرة والتعاون ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به، ودواعي الأمر به.

١ \[٢/ البقرة/ ٢٥٨\] ونصها: ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ٢٥٨..
٢ \[١٠/ يونس/ ٣٨\] ونصها: أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ٣٨..
٣ \[١١/ هود/ ١٣\] ونصها: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ١٣..
٤ \[١١/ هود/ ١٣\] ونصها: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ١٣..

### الآية 2:24

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [2:24]

فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين ٢٤ . 
 فإن لم تفعلوا  أي : ما أمرتم به من الإتيان بالمثل، بعد ما بذلتم في السعي غاية المجهود  ولن تفعلوا  اعتراض بين جزأي الشرطية، مقرر لمضمون مقدمها، ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها، وهي معجزة باهرة : حيث أخبر بالغيب الخاص علمه به عز وجل وقد وقع الأمر كذلك  فاتقوا النار  جواب للشرط، على أن اتقاء النار كناية عن الاحتراز من العناد، إذ بذلك يتحقق تسبُّبه عنه، وترتبه عليه، كأنه قيل : فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله كما هو المقرر فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند الله سبحانه، فإنه مستوجب للعقاب بالنار، لكن أوثر عليه الكناية المذكورة المبنية على / تصوير العناد بصورة النار، وجعل الاتصاف به عين الملابسة بها، للمبالغة في تهويل شأنه، وتفظيع أمره، وإظهار كمال العناية بتحذير المخاطبين منه، وتنفيرهم عنه، وحثّهم على الجد في تحقيق المكنى به وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى. حيث كان الأصل : فإن لم تفعلوا فقد صح صدقه عندكم، وإذا صح ذلك كان لزومكم العناد، وترككم الإيمان به، سببا لاستحقاقكم العقاب بالنار، فاحترزوا منه واتقوا النار  التي وقودها الناس والحجارة  صفة للنار مورثة لها زيادة هول وفظاعة أعاذنا الله برحمته الواسعة و " الوقود " ما توقد به النار، وترفع من الحطب. وقرئ بضم الواو، وهو مصدر سمي به المفعول مبالغة كما يقال : فلان فَخْرُ قومه، وزين بلده فإن قيل : صلة الذي والتي يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟
قلت : لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من آيات التنزيل المتقدمة عليها، أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من أهل الكتاب. والمراد بالحجارة الأصنام، وبالناس أنفسهم حسبما ورد في قوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  [(١)](#foonote-١) فإنها مفسرة لما نحن فيه وحكمة اقترانهم مع الحجارة في الوقود : أنهم لما اعتقدوا في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستنفعون بهم، ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها الله عذابهم، فقرنهم بها مُحماة في نار جهنم إبلاغا في إيلامهم، وإغراقا في تحسيرهم. ونحوه ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضّتهم عدة وذخيرة، فشحُّوا بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم، فتُكوى جباههم وجنوبهم  أعدّت للكافرين  هُيئت لهم، وجعلت عدة لعذابهم. والمراد : إما جنس الكفار والمخاطبون داخلون فيهم دخولا أوليا وإما هم خاصة، ووضع الكافرين موضع ضميرهم لذمّهم، وتعليل الحكم بكفرهم والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، ومبينة لمن أريد بالناس، دافعة لاحتمال العموم. 
 ( تنبيه ) هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدي الكافرين بالتنزيل الكريم. وقد تحدّاهم الله تعالى في غير موضع منه، فقال في سورة القصص  قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتّبعه إن كنتم صادقين  [(٢)](#foonote-٢). وقال في سورة سبحان : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا  [(٣)](#foonote-٣). وقال في سورة هود : أم يقولون افتراه \* قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين  [(٤)](#foonote-٤). وقال في سورة يونس : وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين \* أم يقولون افتراه \* قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين  [(٥)](#foonote-٥). وكل هذه الآيات مكية. ثم تحدّاهم أيضا في المدينة بقوله : وإن كنتم في ريب...  إلى آخر هذه الآية[(٦)](#foonote-٦) فعجزوا عن آخرهم : وهم فرسان الكلام، وأرباب النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم، ما لم يخص به غيرهم من الأمم. وأوتوا من ذرابة اللسان، ما لم يؤت إنسان. ومن فصل الخطاب، ما يقيّد الألباب. جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب. فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب. ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصَّلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال، ويطوّقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل. فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب. ويذهبون الإحَن، ويهيجون الدِّمَن. ويجرِّئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البَنان. ويصيّرون الناقص كاملا، ويتركون النبيه خاملا. منهم البدويّ : ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل، والكلام الفخم، والطبع الجوهريّ، والمنزع القوي. ومنهم الحضريّ : ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية. وكلا البابين فَلَهُما في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقِدْح الفالج، والمهبع الناهج. لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قَدَحُوا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلَوْا صرحا لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفنّنوا في الغثّ والسمين، وتقاولوا في القلّ والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر ومع هذا فلم يتصدَّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لمقدار أقصر سورة منه ناهض من بلغائهم، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادّة والمضارّة، وإلقائهم الشراشر على المُعَازَّة والمعارَّة، ولقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخُطط، وركوبهم في كل ما يرمونه الشطط : إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن رماهم بمأثرة رمَوْه بمآثر. وقد جرد لهم الحجة أولا، والسيف آخرا، فلم يعارضوا إلا السيف وحده. فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر قد زخر فطمّ على الكواكب، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب ؛ وبذلك يظهر أن في قوله تعالى : ولن تفعلوا  معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم. 
قال الحافظ ابن كثير : ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة ؟ فقال له عمرو : لقد / أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال : وما هي ؟ فقال : والعصر \* إن الإنسان لفي خسر\* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر . ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال : ولقد أنزل علي مثلها. قال : وما هو ؟ فقال : يا وَبْرُ يا وَبْرُ[(٧)](#foonote-٧) ! إنما أنت أُذُنان وصدر. وسائرك حَفْر نَقْر ثم قال : كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب !.. 
وحيث عجز عرب ذلك العصر، فما سواهم أعجز في هذا الأمر.. ! وقد مضى إلى الآن أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ولم يوجد أحد من معاديه البلغاء إلا وهو مسلم، أو ذو استسلام ؛ فدل على أنه ليس من كلام البشر، بل كلام خالق القُوَى والقُدَر، أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لقوله. وهذا الوجه أعني بلوغه في الفصاحة والبلاغة إلى حد خرج عن طوق البشر كاف وحده في الإعجاز، وقد انضم إليه أوجه :
( منها ) : إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر. 
و ( منها ) : كونه لا يملُّه السمع مهما تكرر. 
و ( منها ) : جمعه لعلوم لم تكن معهودة، عند العرب والعجم. 
و ( منها ) : إنباؤه عن الوقائع الخالية، وأحوال الأمم. والحال أن من أنزل عليه، صلى الله عليه وسلم، كان أميا لا يكتب ولا يقرأ، لاستغنائه بالوحي، وليكون وجه الإعجاز بالقبول أحرى. وبذلك يُعلم أن القرآن أعظم المعجزات، فإنه آية باقية مدى الدهر، يشاهدها كل حين بعين الفكر كل ذي حجر. وسواه من المعجزات انقضت بانقضاء وقتها، فلم يبق منها إلا الخبر. 
وقد ذهب بعض علماء الشيعة في وجه إعجازه إلى : كونه قاهرا لمن يقاومه، / وغالبا على من يغالبه، ونافذا في إزهاق ما يخالفه. وكونه مؤثرا في إيجاد الأمة، وبقاء الشريعة، ونفوذ الحكم، وثبوت الكلمة، لما جعل الله فيه من النور، والهداية، والرحمة. وعبارته : إن كلام الله تعالى يمتاز عن غيره بالنفوذ، والغلبة في هداية الخلق، وإنشاء أمة مستقلة، وإبقاء شريعة جديدة. وهي علامة كافية في معرفة الكلمات الإلهية، والآيات السماوية. ثم قال : وخلاصة تقرير الدليل أن الكلام الذي يتحدّى الداعي به، وينسبه إلى الله إذا ظهر منه التأثير التام في هداية النفوس المستعدة الطالبة، وقهر الأمم المنكرة المانعة، فأوجد أمة مستقلة نامية، وشريعة جديدة باقية، فلا يبقى ثمَّتَ شك أنه هو كلام الله النازل من السماء، والقدرة الظاهرة منه هي القدرة التي منذ القديم ظهرت من المرسلين والأنبياء. وإلى هذه النكتة أشير في قوله تعالى : يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين  [(٨)](#foonote-٨) وقال تعالى : والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له حجّتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد  [(٩)](#foonote-٩) وهذه العلامة لا توجد إلا في كتب الله تعالى. ويتمكن كل إنسان أن يدركها ويفهمها منها. سواء كان عالما، أو أميا. عربيا، أو عجميا. شرقيا، أو غربيا.. ! فمن الذي يشك أن بني إسرائيل ما خرجوا عن ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وعن ذلة العبودية إلى عز الاستقلال إلا بسبب التوراة.. ؟ ! ومن الذي يجهل أن الأمم الأوروبية ما وصلوا إلى عبادة الله تعالى بعد عبادة الأوثان إلا بواسطة الإنجيل... ؟ ! ومن الذي لا يعرف أن الأمم الكبرى من حدود الشرق الأقصى إلى أقاصي إفريقية ما خرجوا عن ربقة الوثنية، / وعبادة النار إلى التوحيد وعبادة الله إلا بهداية القرآن العظيم ؟ وما تحرروا عن أغلال العقائد الفاسدة، والأعمال القبيحة، وما وصلوا إلى الأخلاق الفاضلة، والعقائد الصحيحة إلا بنور هذا السفر الكريم.. ؟ ثم قال : والخلاصة إن هذه العلامة وهي هداية النفوس، وإيجاد الديانة الجديدة بقهر الأديان القديمة، وتبديل العوائد العتيقة هي العلامة الظاهرة المميزة بين الكلمات الإلهية ! والمصنّفات البشرية. حتى أن أول نفس أذعنت بحقيقة رسالة رسول، وصدق شريعته، لو لم تعرف في نفسها هذه الهداية، ولم تشعر في ذاتها بهذه المغلوبية لما كانت أول من صدّقه ولبّاه، واتبعه وآساه ؛ فإن محبة الدين القديم الموروث راسخة في جميع النفوس. والخوف من تبديل أركانه وآدابه متمكن في أعماق القلوب. فالهداية أظهر علامة في صدق النبوة والرسالة، إذ هي صفة الفعل، ومرتبطة بالدعوة كالإبراء للطب، ومعرفة السطوح للهندسة، والبيع والشراء للتجارة، وصنع الأسرة والأبواب وغيرها للنجارة ثم قال : وإذا تصفّحت القرآن المجيد، تجد أن الله تعالى استدل بها في مواضع متعددة، ووصف القرآن بأنه حجة بما أودع فيه من الهداية والرحمة ولا ترى موضعا واحدا وصفه بأنه أفصح الكتب وأبلغ الصحف، فان١ \[٢١/ الأنبياء/ ٩٨\]..
٢ \[٢٨/ القصص/ ٤٩\]..
٣ \[١٧/ الإسراء/ ٨٨\]..
٤ \[١١/ هود/ ١٣\]..
٥ \[١٠/ يونس/ ٣٧ و٣٨\]..
٦ \[٢/ البقرة/ ٢٣\]..
٧ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج ٤ ص ٥٤٧) بعد أن ساق هذا، ما نصه: الوبر دويبة تشبه الهر، أعظم شيء فيه أذناه وصدره، وباقيه دميم. فأراد مسيلمة أن يركّب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يَرُجْ ذلك على عابد الأوثان، في ذلك الزمان..
٨ \[٨/ الأنفال/ ٧\] ونصها: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ٧..
٩ \[٤٢/ الشورى/ ١٦\]..

### الآية 2:25

> ﻿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:25]

ثم إن من عادته تعالى، في كتابه، أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار. وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على الأصح وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه أو حال السعداء ثم الأشقياء أو عكسه وحاصله ذكر الشيء ومقابله. والحكمة في ذلك : هي إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم، وأوعدهم بالعقاب، قفّاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي فقال عز وجل : وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ٢٥ .  وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ( البشارة ) : الإخبار بما يظهر سرور المخبر به. ومنه البَشَرَة : لظاهر الجلد. وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما  فبشّرهم بعذاب أليم  فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به، وتألّمه، واغتمامه ففيه استعارة أحد الضدين للآخر تهكما وسخرية. و الصالحات  ما استقام من الأعمال أي صلح لترتب الثواب عليه. وقد أجمع السلف على أن الإيمان : قول وعمل، يزيد وينقص. ثم إنه إذا أطلق دخلت فيه الأعمال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :
( الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول : لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ). 
وإذا عطف عليه كما في هذه الآية فهنا، قد قال : الأعمال دخلت فيه، وعطفت عطف الخاص على العام. وقد يقال : لم تدخل فيه، ولكن مع العطف كما في اسم الفقير / والمسكين. إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا عطف أحدهما على الآخر فهما صنفان وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البر، والتقوى، والمعروف. وفي الإثم، والعدوان، والمنكر. تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبّر القرآن. 
وقد بين حديث جبريل أن الإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله كما في ( المسند ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال[(٢)](#foonote-٢) :
( الإسلام علانية والإيمان في القلب ). 
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح[(٣)](#foonote-٣) :
( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب ). 
فإذا كان الإيمان في القلب، فقد صلح القلب. فيجب أن يصلح سائر الجسد، فلذلك هو ثمرة ما في القلب. فلهذا قال بعضهم : الأعمال ثمرة الإيمان. وصحته، لما كانت لازمة لصلاح / القلب، دخلت في الاسم. كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع، هذا ما أفاده الإمام ابن تيمية رحمه الله. 
وقوله تعالى : أن لهم جنّات  جمع ( جنة ) : وهي البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. وإنما سميت " دار الثواب " بها مع أن فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور، لما أنها مناط نعيمها، ومعظم ملاذّها. وجمعها مع التنكير : لاشتمالها على جنان كثيرة في كل منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها. وقوله : تجري من تحتها الأنهار  صفة جنات، ثم إن أريد بها الأشجار، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر ؛ وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها، فلا بد من تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار، فاعتبار التحتيّة بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة على الكل، وإنما جيء ذكر الجنات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية لما أن أنزه البساتين، وأكرمها منظرا، ما كانت أشجاره مظلِّلة، والأنهار في خلالها مطردة، وفي ذلك النعمة العظمى واللذة الكبرى. واللام في الأنهار : للجنس كما في قولك : لفلان بستان فيه الماء الجاري أو للعهد. والإشارة إلى ما ذكر في قوله تعالى : فيها أنهار من ماء غير آسن...  [(٤)](#foonote-٤) الآية. 
 كلما رزقوا منها  أي : أطعموا من تلك الجنات  من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل  أي : مثل الذي رزقناه من قبل هذا الذي أحضر إلينا فالإشارة إلى المرزوق في الجنة لتشابه ثمارها. بقرينة قوله : وأتوا به  أي : أتتهم الملائكة والولدان / برزق الجنة  متشابها  يشبه بعضه بعضا لونا، ويختلف طعما، وذلك أجلب للسرور، وأزيد في التعجب، وأظهر للمزية، وأبين للفضل. وترديدهم هذا القول، ونطقهم به عند كل ثمرة يُرزَقونها دليل على تناهي الأمر في استحكام الشَّبَه، وأنه الذي يستملي تعجبهم، ويستدعي استغرابهم ويفرط ابتهاجهم. فإن قيل : كيف موقع قوله : وأوتوا به متشابها  من نظم الكلام ؟ قلت : هو كقولك : فلان أحسن بفلان، ونعم ما فعل. ورأى من الرأي كذا، وكان صوابا. ومنه قوله تعالى : وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون  [(٥)](#foonote-٥). وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير. 
 ولهم فيها أزواج مطهرة  من الحيض والاستحاضة وما لا يختصّ بهنّ من الأقذار والأدناس ويجوز، لمجيئه مطلقا، أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهنّ وكيدهنّ. 
وقوله تعالى : وهم فيها خالدون  هذا هو تمام السعادة ؛ فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء. بل في نعيم سرمديٍّ أبديٍّ على الدوام. والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم. إنه البر الرحيم.

١ أخرجه ابن ماجة في: المقدمة، ٩ ـ باب في الإيمان، حديث ٥٧ (طبعتنا) ونصه:
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون أو سبعون بابا. أدناها إماطة الأذى عن الطريق. وأرفعها قول: لا إله إلا الله. والحياء شعبة من الإيمان)..
٢ أخرجه الإمام أحمد: ج ٣ ص ١٣٥ (طبعة الحلبيّ) ونصه:
 عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الإسلام علانية والإيمان في القلب) قال، ثم يشير إلى صدره ثلاث مرات. قال، ثم يقول: (التقوى ههنا. التقوى ههنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٢ ـ كتاب الإيمان، ٣٩ ـ باب فضل من استبرأ لدينه. ونصه:
 عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيّن والحرام بيّن. وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد القلب كله. ألا وهي القلب)..
٤ \[٤٧/ محمد/ ١٥\] ونصها: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفّى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطّع أمعاءهم ١٥..
٥ \[٢٧/ النمل/ ٣٤\] ونصها: قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون ٣٤..

### الآية 2:26

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [2:26]

ولما ضرب تعالى فيما تقدم للمنافقين مثلين : في قوله : مثلهم كمثل الذي استوقد... إلخ  وقوله : أو كصيّب... إلخ  إلى أمثال تقدمت على نزول هذه السورة، من السور المكية، ضربت للمشركين نبّه تعالى إلى موضع العبرة بها، والحكمة منها، وتضليل من لا يقدّرها قدرها ممن يتجاهل عن سرها، ويتعامى عن نورها، ويحول دون الاهتداء بها، والأخذ بسببها فقال سبحانه : \* إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ٢٦ . 
  إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ٢٦ . 
 إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها  أي : يذكر مثلا ما. يقال : ضرب مثلا، ذكره، فيتعدّى لمفعول واحد. أو صيّر، فلمفعولين. 
قال أبو إسحاق في قوله تعالى : واضرب لهم مثلا  [(١)](#foonote-١) أي : اذكر لهم. وعبارة الجوهريّ : ضرب الله مثلا أي وصف وبيّن. وفي ( شرح نظم الفصيح ) : ضرب المثل : إيراده ليمتثل به، ويتصوّر ما أراد المتكلم بيانه للمخاطب. يقال : ضرب الشيء مثلا، وضرب به ؛ وتمثَّله، وتمثّل به. ثم قال : وهذا معنى قول بعضهم : ضرب المثل اعتبار الشيء بغيره، وتمثيله به. و ما  هذه اسميّة إبهاميّة، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما، وزادته شياعا وعموما كقولك : أعطني كتابا ما، تريد أي كتاب كان كأنه قيل : مثلا ما من الأمثال أي مثل كان. فهي صفة لما قبلها. أو حرفية مزيدة لتقوية النسبة وتوكيدها كما في قوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم  [(٢)](#foonote-٢) كأنه قيل : لا يستحيي أن يضرب مثلا حقا، أو البتّة. 
 و بعوضة  بدل من  مثلا . أو هما مفعولا  يضرب  لتضمنه معنى الجعل والتصيير. ومعنى الآية : إنه تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. أي لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها. كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله تعالى : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له \* إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له \* وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه \* ضعف الطّالب والمطلوب  [(٣)](#foonote-٣) وقال : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت \* اتخذت بيتا وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت \* لو كانوا يعلمون  [(٤)](#foonote-٤) وغير ذلك من أمثال الكتاب العزيز. فما استنكره السفهاء وأهل العناد والمِراء، واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء ومضروبا بها المثل ليس بموضع للاستنكار والاستغراب. من قِبَلِ أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد. فإن كان المتمثّل له عظيما، كان المتمثّل به مثله. وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذا، إلا أمرا تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى الحق لما كان واضحا، جليا أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور ؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة ؟ أفاده الزمخشري. 
 فأما الذين آمنوا  شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر / تحقيق حقية صدوره عنه تعالى أي : فأما المؤمنون  فيعلمون أنه الحق من ربهم  كسائر ما ورد منه تعالى والحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وذلك لأن التمثل به مسوق على قضية مضر به، ومحتذى على مثال ما يستدعيه كما جعل بيت العنكبوت مثل الآلهة التي جعلها الكفار أندادا لله تعالى وجعلت أقل من الذباب، وأخس قدرا. وضربت لها البعوضة فما دونها مثلا، لأنه لا حال أحقر من تلك الأنداد وأقل.. ! فالمؤمنون الذين عادتهم الإنصاف، والعمل على العدل والتسوية، والنظر في الأمور بناظر العقل إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله  وأما الذين كفروا  ممن غلبهم الجهل على عقولهم، وغشيهم على بصائرهم فلا يتفطَّنون، ولا يلقون أذهانهم. أو عرفوا أنه الحق، إلا أن حب الرياسة، وهوى الإلف والعادة، لا يخليهم أن ينصفوا  فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا  أي : فإذا سمعوه عاندوا، وكابروا، وقضَوْا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار. ولا خفاء في أن التمثيل بالبعوضة وبأحقر منها مما لا تغبى استقامته وصحته على من به أدنى مسكة. ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل، ولا متشبّث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة، والعجز عن إعمال الحيلة، بدفع الواضح، وإنكار المستقيم، والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معولا.  يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا  جواب عن تلك المقالة الباطلة، ورد لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة، وغاية جميلة، هي كونه ذريعة إلى هداية المستعدّين للهداية، وإضلال المنهمكين في الغواية. وقدّم الإضلال على الهداية مع تقدّم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله، ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوؤهم، ويفت في أعضادهم، وهو السر في تخصيص هذه الفائدة بالذكر  وما يضل به  أي بالمثل أو بضربه  إلا الفاسقين  تكملة للجواب والردّ، وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم، ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له.

١ \[١٨/ الكهف/ ٣٢\] ونصها: \* واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ٣٢.
 و \[٣٦/ يس/ ١٣\] ونصها: واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ١٣..
٢ \[٤/ النساء/ ١٥٥\] ونصها: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ١٥٥..
٣ \[٢٢/ الحج/ ٧٣\]..
٤ \[٢٩/ العنكبوت/ ٤١\]..

### الآية 2:27

> ﻿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:27]

الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ٢٧ . 
 الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه  صفة للفاسقين، للذم. و " العهد " الذي وصفوا بنقضه : هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إيّاهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إيّاهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه، وعلى لسان رسله ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به  ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل  عام في كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى : كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام والكتب في التصديق، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر، فإنه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل  ويفسدون في الأرض  بالمنع عن الإيمان، والاستهزاء بالحق، وقطع الوُصَل التي بها نظام العالم وصلاحه  أولئك هم الخاسرون  لأنهم استبدلوا النقضَ بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، وعقابها بثوابها. وهذه الصفات المسوقة في الآية صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى \* إنما يتذكر أولوا الألباب \* الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق \* والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب  [(١)](#foonote-١) الآيات إلى أن قال : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار  [(٢)](#foonote-٢). 
١ \[١٣/ الرعد/ ١٩ و٢٠ و٢١\]..
٢ \[١٣/ الرعد/ ٢٥\]..

### الآية 2:28

> ﻿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:28]

كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ٢٨ . 
 كيف تكفرون بالله  التفات إلى خطاب المذكورين، مبني على إيراث ما عدّد من قبائحهم السابقة، لتزايد السخط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع. والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع، واستبعاده، والتعجيب منه، لأن معهم ما يصرف عن الكفر، ويدعو إلى الإيمان  وكنتم أمواتا  أجساما لا حياة لها عناصر، وأغذية، ونطفا، ومضغا مخلَّقة وغير مخلَّقة وإطلاق الأموات على تلك الأجسام الجمادية، إما حقيقة بناء على أن الميت عادم الحياة مطلقا، كما في قوله تعالى : بلدة ميتا  [(١)](#foonote-١) و وآية لهم الأرض الميتة  [(٢)](#foonote-٢). أو استعارة، جريا على أن إطلاق الميت فيما تصح فيه الحياة، لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس.  فأحياكم  بخلق الأرواح، ونفخها فيكم. وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه، غير متراخ عنه، بخلاف البواقي  ثم يميتكم  عند تقضي آجالكم  ثم يحييكم  بالنشور، والبعث، للحساب والجزاء  ثم إليه ترجعون  بعد الحشر فيجازيكم بأعمالكم : إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فما أعجب كفركم مع علمكم بحالتكم هذه.. !
فإن قيل : إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه / يرجعون، فكيف نظم ما ينكرونه، من الإحياء الأخير والرجع، في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة.. ؟
قلت : تمكّنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر. سيّما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما. وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا، قدر على أن يحييهم ثانيا. فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته.. ! أو الخطاب، مع أهل الكتابين. وإنكار اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها الله تعالى إما لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أو على نعم جسام حقها أن ُتشكر ولا تكفر. أو لإرادة الأمرين جميعا. فإن ما عدّده آيات، وهي مع كونها آيات من أعظم النعم. 
١ \[٢٥/ الفرقان/ ٤٩\] ونصها: لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسيّ كثيرا ٤٩.
 و\[٥٠/ ق/ ١١\] ونصها: رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ١١..
٢ \[٣٦/ يس/ ٣٣\] ونصها: وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ٣٣..

### الآية 2:29

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:29]

هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ٢٩ . 
 هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا  بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى. وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم، ويتم به معاشهم. ومعنى  لكم  لأجلكم، ولانتفاعكم. وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله : جميعا  أقوى دلالة على هذا.  ثم استوى إلى السماء  قال أبو العالية الرياحي : استوى إلى السماء أي : ارتفع. نقله عنه البخاري في ( صحيحه ) [(١)](#foonote-١)، ورواه محمد بن جرير الطبريّ[(٢)](#foonote-٢) في ( تفسيره ) عن الربيع بن أنس. / وقال البغويّ : قال ابن عباس وأكثر المفسرين : ارتفع إلى السماء. وقال الخليل بن أحمد في  ثم استوى إلى السماء  : ارتفع. رواه أبو عمرو ابن عبد البر في ( شرح الموطّأ )، نقله الذهبي في ( كتاب العلوّ ). وقد استدل بقوله : ثم استوى  على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، وكذلك الآية التي في ( حم السجدة ). وقوله تعالى في سورة ( والنازعات )  والأرض بعد ذلك دحاها  [(٣)](#foonote-٣) إنما يفيد تأخر دحوّها، لا خلق جرمها ؛ فإن خلق الأرض وتهيئتها لما يراد منها قبل خلق السماء. ودحوّها بعد خلق السماء. والدحوّ هو البسط، وإنبات العشب منها، وغير ذلك. مما فسره قوله تعالى : أخرج منها ماءها ومرعاها  [(٤)](#foonote-٤) الآية وكانت قبل ذلك خربة وخالية. على أن  بعد  تأتي بمعنى " مع " كقوله : عتلّ بعد ذلك زنيم  [(٥)](#foonote-٥) أي : مع ذلك، فلا إشكال. وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة.  فسوّاهن سبع سماوات  أي : صيّرهن، كما في آية أخرى  فقضاهن  [(٦)](#foonote-٦). 
( تنبيه ) قال بعض علماء الفلك : السماوات السبع المذكورة كثيرا في القرآن هي هذه السيارات السبع. وإنما خصّت بالذكر مع أن السيارات أكثر من ذلك لأنها أكبر السيارات وأعظمها ؛ على أن القرآن الكريم لم يذكرها في موضع واحد على سبيل الحصر فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع. 
وقال بعض علماء اللغة : إن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة للمبالغة / في الكثرة. فالعدد إذن غير مراد. ومنه آية  سبع سنابل  [(٧)](#foonote-٧) وآية  والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر  [(٨)](#foonote-٨) وآية  سبعين مرة  [(٩)](#foonote-٩) والله أعلم. 
وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي، وأن المراد به العالم الشمسي وحده دون غيره. وعبارته : إن قيل : إن كل ما يعلو الأرض من الشمس والقمر والكواكب هو سماء، فلماذا خصّص تعالى عددا هو سبع ؟ فالجواب : لاشك أنه يشير إلى العالم الشمسي الذي أحطنا الآن به علما وأن حصر العدد لا يدل على احتمال وجود زيادة عن سبع، لأن القول بذلك، يخرج تطبيق القرآن على الفلك، لأن العلم أثبتها سبعا كالقرآن الذي لم يوجد فيه احتمال الزيادة لأن الجمع يدخل فيه جميع العوالم التي لا نهاية لها حتى يمكن أن يقال : إن سبعا للمبالغة كسبعين وسبعمائة ولا يصح أن يكون العدد سبعة للمبالغة لأنه قليل جدا بالنسبة إلى العوالم التي تعد بالملايين مثل العالم الشمسيّ ويؤيد الحصر في هذا العدد آية  ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا \* وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا  [(١٠)](#foonote-١٠) فأخرج الشمس لأنها مركز، / وأخرج القمر لأنه تابع للأرض، ولم يبق بعد ذلك إلا سبع.. !
قال : وبذلك تتجلى الآن معجزة واضحة جليّة. لأنه في عصر التقدم والمدنية العربية، حينما كان العلم ساطعا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلا خمسا بأسمائها العربية إلى اليوم وهي : عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل. وكانوا يفسرونها بأنها هي السماوات المذكورة في القرآن. ولما لم يمكنهم التوفيق بين السبع والخمس، أضافوا الشمس والقمر لتمام العدد. مع أن القرآن يصرح بأن السماوات السبع غير الشمس والقمر. وذلك في قوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها \* ثم استوى على العرش \* وسخّر الشمس والقمر \* كل يجري لأجل مسمّى  [(١١)](#foonote-١١) فلفظ  وسخّر  دليل يفصل تعداد الشمس والقمر عن السبع السماوات. ولذلك كان المفسرون الذين لا يعرفون الهيئة لا يرون أن تعدّ الشمس سماء، ولا القمر، لعلمهم أن السماوات السبع مسكونة. وأما الشمس فنار محرقة. فذهبوا في تفسير السماوات على تلك الظنون. ولما اكتشف بعد ( بالتلسكوب ) سيّارٌ لم يكن معلوما، دعوه " أورانوس " ثم سيّار آخر سموه " نبتون " صارت مجاميع السيارات سبعا. فهذا الاكتشاف الذي ظهر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بألف ومائتي سنة دل على معجزة القرآن، ونبوة المنزل عليه صلى الله عليه وسلم. 
ثم قال : وأما كون السماوات هي السيارات السبع بدون توابعها، فلا يفهم من الآية، لأن الأقمار التي نثبتها، والنجوم الصغيرة التي مع المريخ، يلزم أن تكون تابعة للسماوات السبع لأنها تعلونا وهي في العالم الشمسي. وحينئذ، فالسماوات السبع هي مجاميع السيارات السبع. بمعنى : أن مجموعة زحل بما فيها هو نفسه أي مع أقماره الثمانية تعد سماء، لأن فلكها طبقة فوق طبقة فلك مجموعة المشتري. ويدل على هذا / التطبيق قوله تعالى : ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين \* وأعتدنا لهم عذاب السعير  [(١٢)](#foonote-١٢) يشير إلى أن السماء الدنيا أي السماء التي تلي الأرض فلك المريخ. فهو وما حوله من النجوم العديدة التي تسمى مصابيح، وتعتبر كلها سماء، وليس السيّار نفسه.. ! انتهى. 
وقوله تعالى : وهو بكل شيء عليم  اعتراض تذييليّ مقرر لما قبله من خلق السماوات والأرض وما فيها على هذا النمط البديع المنطوي على الحكم الفائقة، والمصالح اللائقة. فإن علمه عز وجل بجميع الأشياء يستدعي أن يخلق كل ما يخلقه على الوجه الرائق. 
١ أخرجه البخاري في: ٩٧ ـ كتاب التوحيد، ٢٢ ـ باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش لعظيم..
٢ جزء أول ص ٤٢٩ (طبعة المعارف)..
٣ \[٧٩/ النازعات/ ٣٠\]..
٤ \[٧٩/ النازعات/ ٣١\]..
٥ \[٦٨/ القلم/ ١٣\]..
٦ \[٤١/ فصلت/ ١٢\] ونصها: فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ١٢..
٧ \[٢/ البقرة/ ٢٦١\] ونصها: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ٢٦١..
٨ \[٣١/ لقمان/ ٢٧\] ونصها: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ٢٧..
٩ \[٩/ التوبة/ ٨٠\] ونصها: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ٨٠..
١٠ \[٧١/ نوح/ ١٥ و١٦\]..
١١ \[١٣/ الرعد/ ٢\]..
١٢ \[٦٧/ الملك/ ٥\]..

### الآية 2:30

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:30]

ولما ذكر تعالى الحياة والموت المشاهدين تنبيها على القدرة على ما اتبعهما به من البعث، ثم دل على ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع، وختم ذلك بصفة العلم ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به فضله بقوله : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ٣٠ . 
 وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة  أي قوما يخلف بعضهم بعضا، قرنا بعد قرن. كما قال تعالى : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض  [(١)](#foonote-١) وقال :/  ويجعلكم خلفاء الأرض  [(٢)](#foonote-٢) وقال : ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون  [(٣)](#foonote-٣) وقال : فخلف من بعدهم خلف  [(٤)](#foonote-٤). ويجوز أن يراد : خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض، فخلفهم فيها آدم وذريته ؛ وأن يراد : خليفة مني، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه. وكذلك كل نبي  إنا جعلناك خليفة في الأرض  [(٥)](#foonote-٥) والغرض من إخبار الملائكة بذلك، هو أن يسألوا ذلك السؤال، ويجابوا بما أجيبوا به، فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم ؛ أو الحكمة : تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة أو تعظيم شأن المجعول، وإظهار فضله، بأن بشّر بوجود سكان ملكوته، ونوّه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقَّبه بالخليفة. 
 قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون  هذا تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها، واستعلام عن الحكمة في ذلك. أي : كيف تستخلف هؤلاء، مع أن / منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ؟ فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك، ونقدس لك أي ولا يصدر عنا شيء من ذلك وهلاّ وقع الاقتصار علينا.. ؟ فقال تعالى مجيبا لهم : إني أعلم ما لا تعلمون  أي : إن لي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها. 
فإن قلت : من أين عرف الملائكة ذلك حتى تعجّبوا منه، وإنما هو غيب ؟ أجيب : بأنهم عرفوه : إما بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية. فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف  من صلصال من حمأ مسنون  [(٦)](#foonote-٦) أو فهموا من  الخليفة  أنه الذي يفصل بين الناس، ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم. 
قال العلامة برهان الدين البقاعيّ في ( تفسيره ) : وما يقال من أنه كان قبل آدم، عليه السلام، في الأرض خلق يعصون، قاس عليهم الملائكة حال آدم عليه السلام كلام لا أصل له. بل آدم أول ساكنيها بنفسه. انتهى. 
وقوله تعالى : نسبح بحمدك  أي : ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك، ملتبسين بحمدك على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة. 
وقوله : نقدّس لك  أي : نصفك بما يليق بك من العلو والعزة وننزهك عما لا يليق بك. وقيل : المعنى نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك. كأنهم قابلوا الفساد، الذي أعظمه الإشراك، بالتسبيح. وسفك الدماء، الذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم، بتطهير النفس عن الآثام. لا تمدّحا بذلك، ولا إظهارا للمنّة، بل بيانا للواقع. 
 تنبيهات
في وجوه فوائد من الآية
الأول : دلت الآية على أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، لاسيما عند الحيرة. والسؤال يكون بالمقال، ويكون بالحال، والتوجه إلى الله تعالى في إفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها كالبحث العلمي، والاستدلال العقلي، والإلهام الإلهي 
الثاني : إذا كان من أسرار الله تعالى، وحكمه، ما يخفى على الملائكة، فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا !. 
الثالث : إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم بإقامة الدليل - بعد الإرشاد - إلى الخضوع والتسليم. وذلك أنه - بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون- علّم آدم الأسماء، ثم عرضهم على الملائكة، كما سيأتي بيانه. 
الرابع : تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، عن تكذيب الناس، ومحاجتهم في النبوة بغير برهان، على إنكار ما أنكروا، وبطلان ما جحدوا. فإذا كان الملأ الأعلى قد مُثِّلوا على أنهم يختصمون، ويطلبون البيان والبرهان، فيما لا يعلمون، فأجدرْ بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين. أي فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها. وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب، وكونه لا ريب فيه، والرسول، وكونه يبلغ وحي الله تعالى، ويهدي به عباده، واختلاف الناس فيها. 
 من خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها. مع كون الجميع في سياق موضوع واحد، كذا في ( تفسير مفتي مصر ).

١ \[٦/ الأنعام/ ١٦٥\] ونصها: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ١٦٥..
٢ \[٢٧/ النمل/ ٦٢\] ونصها: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكّرون ٦٢..
٣ \[٤٣/ الزخرف/ ٦٠\]..
٤ \[١٩/ مريم/ ٥٩\] ونصها: \* فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا ٥٩..
٥ \[٣٨/ ص/ ٢٦\] ونصها: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ٢٦..
٦ \[١٥/ الحجر/ ٢٦\] ونصها: ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ٢٦.
 و\[١٥/ الحجر/ ٢٨\] ونصها: وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون ٢٨.
 و\[١٥/ الحجر/ ٣٣\] ونصها: قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ٣٣..

### الآية 2:31

> ﻿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:31]

ولما بين سبحانه وتعالى لهم أولا على وجه الإجمال والإبهام، أن في الخليفة فضائل غائبة عنهم، ليستشرفوا إليها، أبرز لهم طرفا منها، ليعاينوه جهرة، ويظهر لهم بديع صنعه وحكمته، وتنزاح شبهتهم بالكلية، فقال : وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ٣١ . 
 وعلّم آدم الأسماء كلها  إما بخلق علم ضروريّ بها فيه، أو إلقاء في روعه. وآدم اسم عبراني مشتق من أَدَمَهْ، وهي لفظة عبرانية معناها التراب، لأنه جُبل من تراب الأرض. كما أن حوّاء كلمة عبرانية معناها " حي " وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء. والمراد بالأسماء، أسماء كل شيء. قال ابن عباس : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وفي التوراة مصداق الآية : وهو أنه تعالى صور من الأرض كل حيوانات البر، وكل طيور السماء، وأحضرها إلى آدم، لينظر ما يسميها، وكل ما سماه آدم من نفس حية، فهو اسمه. وسمى آدم جميع الحيوانات بأساميها وجميع طيور السماء، وجميع وحوش الأرض. 
قال ابن جرير : وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر، والذكرى لمن ادّكر، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله عز وجل في هذا القرآن، من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن. وذلك أن الله جل ثناؤه، احتج فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم، على من كان بين ظهرانيّه، من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب، التي لم يكن تعالى / أطلع عليها من خلقة إلا خاصا، ولم يكن مدركا علمه إلا بالأنباء والأخبار، لتتقرر عندهم صحة نبوته، ويعلموا أن ما آتاهم به فمن عنده. 
قال الحافظ ابن كثير : وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام، وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك. فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام، عقيب هذا، ليبين لهم شرف آدم بما فضل عليهم في العلم  ثم عرضهم على الملائكة  أي عرض أهل الأسماء، فالضمير للمسميات المدلول عليها ضمنا  فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء  أي التي علمتها آدم. وإنما استنبأهم، وقد علم عجزهم عن الإنباء، تبكيتا لهم، وإظهارا لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجائهم من أمر الخلافة. فإن التصرف والتدبير، وإقامة المعدلة، بغير وقوف على مراتب الاستعدادات، ومقادير الحقوق، مما لا يكاد يمكن  إن كنتم صادقين  أي في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته، كما ينبئ عنه مقالكم. والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه، قد يتطرق إليه باعتبار ما يلزمه من الأخبار. فإن أدنى مراتب الاستحقاق، هو الوقوف على أسماء ما في الأرض.

### الآية 2:32

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [2:32]

ولما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم، وبدت لهم هفوة زلتهم، أنابوا إلى الله تعالى بالتوبة، وذلك ما أفاده قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم ٣٢ . 
تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه، إلا بما شاء. وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى. واعتراف منهم بالعجز والقصور عما كلفوه. وأنه العالم بكل المعلومات التي من جملتها استعداد آدم عليه السلام، لما نحن بمعزل من الاستعداد له، من العلوم الخفية المتعلقة بما في الأرض من أنواع المخلوقات التي عليها يدور فلك خلافة الحكيم الذي لا يفعل / إلا ما تقتضيه الحكمة. ومن جملته تعليم آدم عليه السلام ما هو قابل له من العلوم الكلية، والمعارف الجزئية، المتعلقة بالأحكام الواردة على ما في الأرض، وبناء أمر الخلافة عليها.

### الآية 2:33

> ﻿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:33]

قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ٣٣ . 
 قال يا آدم أنبئهم  أي أعلمهم  بأسمائهم  التي عجزوا عن علمها  فلما أنبأهم بأسمائهم قال  عز وجل تقريرا لما مر من الجواب الإجمالي واستحضارا له  ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض  إيراد ما لا تعلمون بعنوان الغيب مضافا إلى السماوات والأرض للمبالغة في بيان كمال شمول علمه المحيط، وغاية سعته. مع الإيذان بأن ما ظهر من عجزهم، وعلم آدم عليه السلام، من الأمور المتعلقة بأهل السماوات والأرض. وهذا دليل واضح على أن المراد بما لا تعلمون، فيما سبق، ما أشير إليه هناك، كأنه قيل : ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافة ما لا تعلمونه فيه، هو هذا الذي عاينتموه. وفي الآية تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم  وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون  عطف على جملة  ألم أقل لكم  لا على  أعلم ، إذ هو غير داخل تحت القول. أي ما تظهرونه بألسنتكم، وما كنتم تخفون في أنفسكم.

### الآية 2:34

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [2:34]

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ٣٤ . 
 وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم  لما أنبأهم بأسماء، وعلمهم ما لم يعلموا، أمرهم بالسجود له، على وجه التحية والتكرمة تعظيما له، واعترافا بفضله، واعتذارا عما قالوا فيه. وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم عليه السلام  فسجدوا إلا إبليس أبى  أي امتنع عن السجود  واستكبر  أي تكبر وقال : أنا خير منه فالسين للمبالغة  وكان  في سابق علم الله أو صار  من الكفرين . 
 " تنبيهات " 
الأول : للناس في هذا السجود أقوال : أحدها أنه تكريم لآدم، وطاعة لله، ولم يكن عبادة لآدم. وقيل : السجود لله، وآدم قِبْلة، أو السجود لآدم تحية، أو السجود لآدم عبادة بأمر الله، وفرضه عليهم. ذكر ابن الأنباريّ عن الفرّاءِ وجماعة من الأئمة، أن سجود الملائكة لآدم، كان تحية، ولم يكن عبادة. وكان سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : قال أهل العلم : السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه. وعلى هذا إجماع كل من يسمع قوله. فإن الله تعالى قال  اسجدوا لآدم  ولم يقل : إلى آدم. وكل حرف له معنى. وفرق بين " سجدت له " وبين " سجدت إليه " قال تعالى : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن  [(١)](#foonote-١)  ولله يسجد/ من في السماوات والأرض  [(٢)](#foonote-٢) أجمع المسلمون على أن السجود للأحجار والأشجار والدواب محرم. وأما الكعبة، فيقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس، ثم صلى إلى الكعبة، ولا يقال صلى لبيت المقدس، ولا للكعبة. والصواب أن الخضوع بالقلوب، والاعتراف بالعبودية، لا يصلى على الإطلاق إلا لله سبحانه. وأما السجود فشريعة من الشرائع يتبع الأمر. فلو أمرنا سبحانه أن نسجد لأحد من خلقه، لسجدنا طاعة وإتباعا لأمره. فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة وقربة يتقربون بها إليه. وهو لآدم تشريف وتعظيم وتكريم. وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام. ولم يأت أن آدم سجد للملائكة. بل لم يؤمر بالسجود إلا لله رب العالمين. وبالجملة، أهل السنة قالوا : إنه سجود تعظيم وتكريم وتحية له. وقالت المعتزلة : كان آدم كالقبلة يسجد إليه، ولم يسجدوا له. قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم. فإن أهل السنة قالوا : إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت : الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس  قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ لئن أخّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذريته إلا قليلا . [(٣)](#foonote-٣)
الثاني : اختلفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود، فقيل : هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض. قال تقي الدين بن تيمية : هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى. وقيل : هم جميع الملائكة، حتى جبريل وميكائيل. وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة. قال ابن تيمية : ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، / لأنه سبحانه قال : فسجد الملائكة كلهم أجمعون  [(٤)](#foonote-٤) وهذا تأكيد للعموم. 
الثالث : للعلماء في إبليس، هل كان من الملائكة أم لا ؟ قولان : أحدهما أنه كان من الملائكة. قاله ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيّب، واختاره الشيخ موفق الدين والشيخ أبو الحسن الأشعريّ وأئمة المالكية وابن جرير الطبريّ. قال البغويّ : هذا قول أكثر المفسرين، لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم. قال تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم \* فسجدوا إلا إبليس  فلولا أنه من الملائكة، لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصيا، ولما استحق الخزي والنكال. والقول الثاني أنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة. قاله ابن عباس، في رواية، والحسن وقتادة، واختاره الزمخشري وأبو البقاء العكبريّ والكواشيّ في ( تفسيره ). لقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه  [(٥)](#foonote-٥) فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية، ولا ذرية للملائكة. 
قال في ( الكشاف ) : إنما تناوله الأمر، وهو للملائكة خاصة، لأن إبليس كان في صحبتهم، وكان يعبد الله عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع. والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء. وصححه البغويّ. وأجابوا عن قوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن  أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. 
 قال ابن القيم : الصواب التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول واحد. فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان أصله من نار، وأصل الملائكة من نور. فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم يتواردا على محل واحد. وكذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في ( الفتاوى المصرية ) : وقيل إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار. سموا " جنّاً "، لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم. الدليل على ذلك قوله تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا  [(٦)](#foonote-٦) وهو قولهم : الملائكة بنات الله. ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية. 
سئل الشعبيّ : هل لإبليس زوجة ؟ قال : ذلك عرس لم أشهده ! قال : ثم قرأت هذه الآية، فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة. فقلت : نعم. وقال قوم : ليس له ذرية ولا أولاد، وذريته أعوانه من الشياطين. 
الرابع : في قوله تعالى : وكان من الكافرين  قولان : أحدهما أنه وقت العبادة كان منافقا، والثاني أنه كان مؤمنا ثم كفر، وهذا قول الأكثرين. فقيل في معنى الآية  وكان من الكافرين  في علم الله، أي كان عالما في الأزل أنه سيكفر. والذي عليه الأكثرون أن إبليس أول كافر بالله. أو يقال : معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك. واختلف الناس بأي سبب كفر إبليس، لعنه الله. فقالت الخوارج : إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وقال آخرون : كفر لأنه خالف بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله. وقال آخرون : كفر لأنه خالف الأمر الشفاهي من الله، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود. ومخالفة الأمر الشفاهي أشد قبحا. وقال جمهور الناس : كفر إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن / واعتقد أنه محق في تمرده، واستدل ب  أنا خير منه  [(٧)](#foonote-٧) كما يأتي. فكأنه ترك السجود لآدم، تسفيها لأمر الله وحكمته. وهذا الكبر عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله[(٨)](#foonote-٨) :( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) كذا في ( كتاب الاستعاذة ) للإمام مفلح الحنبليّ رحمه الله تعالى. 
١ \[٤١/فصلت/ ٣٧\] ونصها: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ٣٧..
٢ \[١٣/ الرعد/ ١٥\] ونصها: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدوّ والآصال ١٥..
٣ \[١٧/ الإسراء/ ٦٢\]..
٤ \[١٥/ الحجر/ ٣٠\] و\[٣٨/ ص/ ٧٣\]..
٥ \[١٨/ الكهف/ ٥٠\] ونصها: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ٥٠..
٦ \[٣٧/ الصافات/ ١٥٨\] ونصها: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ١٥٨..
٧ \[٧/ الأعراف/ ١٢\] ونصها: قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ١٢١..
٨ أخرجه مسلم في صحيحه: ١ ـ كتاب الإيمان، حديث ١٤٧ عن عبد الله بن مسعود( طبعتنا)..

### الآية 2:35

> ﻿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [2:35]

وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ٣٥ . 
 وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين  لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وخلق له زوجه وأقرهما في الجنة، أباحهما الأكل منها بقوله : وكلا منها رغدا  أي أكلا واسعا. و حيث  للمكان المبهم، أي أيّ مكان من الجنة شئتما. أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة. حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة. حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه بقوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة  أي هذه الحاضرة من الشجر، أي لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه. لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة داعية للمحبة. ومحبة الشيء تعمي وتصمّ. فلا يرى قبيحا، ولا / يسمع نهيا، فيقع. والسبب الداعي إلى الشرّ منهي عنه. كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به. وعلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :( العينان تزنيان ) لما كان النظر داعيا إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفض لارتكابه، فصار النظر مبدأ الزنا. وعلى هذا قوله تعالى : ولا تقربوا الزّنى  [(٢)](#foonote-٢)،  ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  [(٣)](#foonote-٣). 
قال ابن العربيّ : سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول : إذا قيل : لا تقرب، بفتح الراء، كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء ؛ معناه لا تدن، نقله ابن مفلح في ( كتاب الاستعاذة ). ونقل الفرق المذكور بينهما أيضا السيد مرتضى في ( شرح القاموس ) عن شيخه العلامة الفاسي. قال : إن أرباب الأفعال نصوا عليه، وظاهر ( القاموس ) أنهما مترادفان، فإنه قال : قرب منه، ككرم، وقرِبه كسمع قرباً وقَرباناً وقِرباناً دنا، فهو قريب. للواحد والجمع. انتهى. 
 **لطيفة :**
جاء في آية الأعراف  فكلا  [(٤)](#foonote-٤) وهنا بالواو، لأن كل فعل عطف عليه شيء، وكان ذلك الفعل كالشرط وذكر الشيء كالجزاء، عطف بالفاء دون الواو، كقوله تعالى  وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا  [(٥)](#foonote-٥) لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها ذكر بالفاء، كأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها، فالأكل يتعلق وجوده بوجود الدخول. وقوله في الأعراف : اسكنوا هذه القرية وكلوا منها  [(٦)](#foonote-٦) بالواو دون الفاء، لأنه من السكنى، وهو في المقام مع اللبث الطويل، والأكل لا يختص وجوده بوجوده، لأن من دخل بستانا قد يأكل منه، وإن كان مجتازا. فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط، عطف بالواو. وإذا ثبت هذا فنقول : قد يراد ب  اسكن  الزم مكانا دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد ادخله واسكن فيه. ففي البقرة، ورد الأمر، بعد أن كان آدم في الجنة، فكان المراد المكث. والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو. وفي الأعراف ورد قبل أن دخل الجنة. والمراد الدخول والأكل متعلق به، فورد بالفاء. 
 **تنبيه :**
لم يرد في القرآن المجيد، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة، إذ لا حاجة إليه، لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة. وما لا يكون مقصودا، لا يجب بيانه. وقوله : من الظالمين  أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله تعالى. 
قال ابن مفلح الحنبليّ في ( كتاب الاستعاذة ) : قال ابن حزم : حمل الأمر على الندب، والنهي على الكراهة، يقع فيه الفقهاء والأفاضل كثيرا، وهو الذي يقع من الأنبياء عليهم السلام، ولا يؤاخذون به، وعلى السبيل أكل آدم من الشجرة. ومعنى قوله : فتكونا من الظالمين  أي ظالمين لأنفسكما، والظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، فمن وضع الأمر والنهي في موضع الندب والكراهة، فقد وضع الشيء في غير موضعه. انتهى. 
ثم قال : وقال أبو محمد بن حزم في ( الملل والنحل ) : لا براءة من المعصية أعظم من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا. وهكذا فعل آدم عليه السلام، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا لنص القرآن، ومتأولا وقاصدا إلى الخير، لأنه قدّر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما هو فيه أبدا. فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه. ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورا، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا، كان بذلك ظالما لنفسه. وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلا، كما سمى العامد. والمخطئ لم يعمد معصية. وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة، وهو لم يعمد ذنبا. انتهى. 
وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وجماعة من المتأخرين : الصواب أن آدم عليه السلام، لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات : أحدها القسم. والثاني الإتيان بجملة اسمية لا فعلية. والثالث تصديرها بأداة التأكيد. الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث. السادس / تقديم المعمول على القليل فيه. ولم يظن آدم أن أحدا يحلف بالله كاذبا يمين غموس، فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية. اه. 
قال ابن مفلح : فآدم عليه السلام لم يخرج من الجنة، إلا بالتأويل، فالتأويل لنص الله، أخرجه وإلا فهو لم يقصد المعصية، والمخالفة، وأن يكون ظالما مستحقا للشقاء. انتهى. 
 " فوائد " 
 **الأولى :**
ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت في الأرض. قال بعضهم : هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى : اهبطوا مصرا ( [(١)](#foonote-١) )، واحتجوا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة، لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله : هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( [(٢)](#foonote-٢) ) ولما صح قوله : ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة \* إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وثانيهما : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : وما هم منها بمُخرجين ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وثالثهما : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم. فدل ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد. 
ورابعها : روى مسلم( [(٥)](#foonote-٥) ) في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه قال : سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة». 
قال ابن مفلح : أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد، دار الثواب. ثم قال : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية : وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدّة، أو غير ذلك، فهو من الملحدة المبتدعين. والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيها في " مفتاح دار السعادة " وكتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح». 
 **الفائدة الثانية :**
اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم. واختلف في الكيفية. فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله : هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( [(٦)](#foonote-٦) )، وقوله : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( [(٧)](#foonote-٧) ) ومقاسمته لهما  إني لكما لمن النّاصحين ( [(٨)](#foonote-٨) ). والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال : كان ذلك بالوسوسة، كما قال : فوسوس لهما الشيطان ( [(٩)](#foonote-٩) ) فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال صلى الله عليه وسلم( [(١٠)](#foonote-١٠) ) :****«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»****. 
وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها. والوسوسة، لغة، حديث النفس والأفكار. وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام الخفي. وظاهر الآيات يؤيد القول الأول. 
 **الفائدة الثالثة :**
لم يسمَّ الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ما سة إلى اسمه، كما تقدم في الشجرة. 
١ أخرجه الإمام أحمد في المسند. جزء ثان ص ٣٤٣ (طبعة الحلبيّ). ونصه:
 عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل بني آدم حظ من الزنى. فالعينان تزنيان وزناهما النظر. واليدان تزنيان وزناهما البطش. والرِّجلان تزنيان وزناهما المشي. والفم يزني وزناه القبل. والقلب يهوى ويتمنى. والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه)..
٢ \[١٧/ الإسراء/ ٣٢\] ونصها: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ٣٢..
٣ \[٦/ الأنعام/ ١٥٢\] ونصها: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلكم تذّكرون ١٥٢.
 و\[١٧/ الإسراء/ ٣٤\] ونصها: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ٣٤..
٤ \[٧/ الأعراف/ ١٩\] ونصها: ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ١٩..
٥ \[٢/ البقرة/ ٥٨\] ونصها: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ٥٨..
٦ \[٧/ الأعراف/ ١٦١\] ونصها: وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ١٦١..

### الآية 2:36

> ﻿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [2:36]

فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ٣٦ . 
 فأزلهما الشيطان عنها  أي أذهبهما عن الجنة، وأبعدهما. يقال : زل عن مرتبته، وزل عني ذاك، إذا ذهب عنك ؛ وزل من الشهر كذا. وقال ابن جرير : فأزلهما، بتشديد اللام، بمعنى استزلهما، من قولك زل الرجل في دينه، إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيان فيه، وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه. وقرئ " فأزالهما " بالألف، من التنحية  فأخرجهما مما كانا فيه  من الرغد والنعيم والكرامة  وقلنا اهبطوا  أي انزلوا إلى الأرض، خطاب لآدم وحواء والشيطان. أو خطاب لآدم وحواء خاصة، لقوله في الآية الأخرى  قال اهبطا منها جميعا  [(١)](#foonote-١) وجمع الضمير لأنهما أصلا الإنس، فكأنهما الإنس كلهم  بعضكم لبعض عدو  متعادين يبغي بعضكم على بعض  ولكم في الأرض مستقر  منزل وموضع استقرار  ومتاع  تمتع بالعيش  إلى حين  أي إلى الموت. 
 " فوائد " 
 **الأولى :**
ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت في الأرض. قال بعضهم : هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى : اهبطوا مصرا ( [(١)](#foonote-١) )، واحتجوا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة، لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله : هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( [(٢)](#foonote-٢) ) ولما صح قوله : ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة \* إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وثانيهما : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : وما هم منها بمُخرجين ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وثالثهما : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم. فدل ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد. 
ورابعها : روى مسلم( [(٥)](#foonote-٥) ) في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه قال : سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة». 
قال ابن مفلح : أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد، دار الثواب. ثم قال : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية : وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدّة، أو غير ذلك، فهو من الملحدة المبتدعين. والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيها في " مفتاح دار السعادة " وكتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح». 
 **الفائدة الثانية :**
اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم. واختلف في الكيفية. فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله : هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( [(٦)](#foonote-٦) )، وقوله : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( [(٧)](#foonote-٧) ) ومقاسمته لهما  إني لكما لمن النّاصحين ( [(٨)](#foonote-٨) ). والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال : كان ذلك بالوسوسة، كما قال : فوسوس لهما الشيطان ( [(٩)](#foonote-٩) ) فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال صلى الله عليه وسلم( [(١٠)](#foonote-١٠) ) :****«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»****. 
وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها. والوسوسة، لغة، حديث النفس والأفكار. وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام الخفي. وظاهر الآيات يؤيد القول الأول. 
 **الفائدة الثالثة :**
لم يسمَّ الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ما سة إلى اسمه، كما تقدم في الشجرة. 
١ \[٢٠/ طه/ ١٢٣\] ونصها: قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ١٢٣..

### الآية 2:37

> ﻿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:37]

فتلقّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ٣٧ . 
 فتلقّى آدم من ربه كلمات  استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها. قال ابن جرير : وهي الكلمات التي أخبر عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا  [(١)](#foonote-١) الآية، فدعا بها لكي تكون عنوانا له ولأولاده على التوبة  فتاب عليه  فرجع عليه بالرحمة والقبول، وتجاوز عنه، وقوله تعالى : إنه هو التواب الرحيم  في الجمع بين الاسمين وعد للتائب بالإحسان مع العفو. 
١ \[٧/ الأعراف/ ٢٣\] ونصها: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ٢٣..

### الآية 2:38

> ﻿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:38]

قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٣٨ . 
 قلنا  لآدم وحواء  اهبطوا منها  من الجنة  جميعا  ثم ذكر ذرية آدم فقال  فإما  بإدغام نون " إن " الشرطية في " ما " الزائدة  يأتينكم مني هدى  كتاب أنزله عليكم، ورسول أبعثه إليكم  فمن تبع هداي  أقبل على الهدى وقبل  فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  في الآخرة بأن يدخلوا الجنة. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكيد والإيذان بتحتم مقتضاه. وتحققه لا محالة. أو لاختلاف المقصود. فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون. والثاني بأنهم أهبطوا للتكليف. فمن اتبع الهدى نجا، ومن ضله هلك. ---

### الآية 2:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:39]

والذين كفروا وكذّبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٣٩ . 
 والذين كفروا وكذّبوا بآيتنا  بالكتاب والرسول  أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون  لا يموتون ولا يخرجون. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكيد والإيذان بتحتم مقتضاه. وتحققه لا محالة. أو لاختلاف المقصود. فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون. والثاني بأنهم أهبطوا للتكليف. فمن اتبع الهدى نجا، ومن ضله هلك. ---


 " فوائد " 
 **الأولى :**
ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت في الأرض. قال بعضهم : هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى : اهبطوا مصرا ( [(١)](#foonote-١) )، واحتجوا عليه بوجوه :
أحدها : أن هذه الجنة، لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله : هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( [(٢)](#foonote-٢) ) ولما صح قوله : ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة \* إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وثانيهما : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : وما هم منها بمُخرجين ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وثالثهما : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم. فدل ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد. 
ورابعها : روى مسلم( [(٥)](#foonote-٥) ) في ( صحيحه ) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه قال : سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة». 
قال ابن مفلح : أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد، دار الثواب. ثم قال : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية : وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدّة، أو غير ذلك، فهو من الملحدة المبتدعين. والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيها في " مفتاح دار السعادة " وكتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح». 
 **الفائدة الثانية :**
اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم. واختلف في الكيفية. فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله : هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( [(٦)](#foonote-٦) )، وقوله : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( [(٧)](#foonote-٧) ) ومقاسمته لهما  إني لكما لمن النّاصحين ( [(٨)](#foonote-٨) ). والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال : كان ذلك بالوسوسة، كما قال : فوسوس لهما الشيطان ( [(٩)](#foonote-٩) ) فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال صلى الله عليه وسلم( [(١٠)](#foonote-١٠) ) :****«إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»****. 
وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها. والوسوسة، لغة، حديث النفس والأفكار. وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام الخفي. وظاهر الآيات يؤيد القول الأول. 
 **الفائدة الثالثة :**
لم يسمَّ الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ما سة إلى اسمه، كما تقدم في الشجرة.

### الآية 2:40

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [2:40]

ولما قدم الله تعالى دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم دعا بني إسرائيل خصوصا، وهم اليهود، لأنهم كانوا أولى الناس بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، وقد جرى الكلام معهم ( من هنا إلى الآية رقم ١٤٢ ) فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم. وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر عقوباتهم التي عاقبهم بها، كما سيأتي تفصيله، فقال تعالى :
  يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ٤٠ . 
 يا بني إسرائيل  أي أولاد يعقوب. وقد هيجهم تعالى بذكر أبيهم إسرائيل، كأنه قيل : يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم، كما تقول : يا ابن الكريم، افعل كذا، ويا ابن العالم، اطلب العلم  اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  قال ابن جرير : نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل : اصطفاؤه منهم الرسل، وإنزاله عليهم الكتب، واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضراء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فأمر، جل ثناؤه، أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلى آبائهم على ذُكْرِ، وأن لا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحل بهم من النقم، ما أحل بمن نسي نعمه عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده.  وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون  العهد هو الميثاق، وقد أشير إليه في قوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا \* وقال الله إني معكم \* لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار  [(١)](#foonote-١) الآية. فعهد الله هو وصيته لهم، بما ذكر في الآية. ومنها : الإيمان برسله المتناول لخاتمهم / عليه السلام، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة. وعهده تعالى إياهم، هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة. وقوله تعالى : وإياي فارهبون  قال ابن جرير : أي اخشوني واتقوا، أيها المضيعون عهدي من بني إسرائيل، والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت على أنبيائي أن تؤمنوا به وتتبعوه، أن أحل بكم من عقوبتي إن لم تتوبوا إلي باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللت بمن خالف أمري، وكذب رسلي من أسلافكم.

١ \[٥/ المائدة/ ١٢\] ونصها: \* ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ١٢..

### الآية 2:41

> ﻿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [2:41]

وآمنوا بما أنزلت مصدّقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ٤١ . 
 وآمنوا بما أنزلت  أي من القرآن  مصدّقا لما معكم  أي موافقا بالتوحيد، وصفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، وبعض الشرائع، لما معكم من الكتاب كما في ( التنوير ) قال ابن جرير : أمرهم بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم أن تصديقهم بالقرآن تصديقا منهم للتوراة، لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه وإتباعه، نظير الذي من ذلك في الإنجيل والتوراة. ففي تصديقهم بما أنزل على محمد، تصديق منهم لما معهم من التوراة. وفي تكذيبهم به تكذيب منهم لما معهم من التوراة. انتهى. 
وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم، لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعا. 
**تنبيه :**
كثيرا ما يستدل مجادلة أهل الكتاب على عدم تحريف كتبهم بهذه الآية وأمثالها، كآية : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدّق لما معهم  [(١)](#foonote-١)، وآية : ولكن / تصديق الذي بين يديه  [(٢)](#foonote-٢) وغيرهما. مع أنه ثبت بالبراهين القاطعة ذهاب قدر كبير من كتبهم، واختلاط حقها بباطلها فيما بقي، كما صنفت في ذلك مصنفات عدة. وقد رُدَّ استدلالهم بهذه الآية وأمثالها على ما ادعوه، بأن معنى كون القرآن مصدقا لما معهم، ما ذكرناه قبل في تأويلها. وحاصله أن ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم هو طبق ما عندهم من حقية نبوته، وصحة البشائر عنه، كما قال تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم  أي أنه عليه السلام جاء طبق ما عندهم عنه في التوراة والإنجيل، بمعنى أن أحواله جميعا توافق البشائر  ولا تكونوا أول كافر به  يعني من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه. فالأولية نسبية، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، أو هو تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه، والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس، لقوله : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . 
 ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا  أي لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي، بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، فالاشتراء استعارة للاستبدال.  وإياي فاتقون  بالإيمان وإتباع الحق، والإعراض عن حطام الدنيا. 
١ \[٢/ البقرة/ ٨٩\] ونصها: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ٨٩..
٢ \[١٠/ يونس/ ٣٧\] ونصها: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ٣٧. 
 و\[١٢/ يوسف/ ١١١\] ونصها: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ١١١..

### الآية 2:42

> ﻿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:42]

ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ٤٢ . 
 ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون \* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين . 
اللبس الخلط، وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين. والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي يخترعونه أو يذكرونه في تأويله حتى يشتبه أحدهما بالآخر، وقوله : وتكتموا  مجزوم داخل تحت حكم النهي. وتكرير الحق، لزيادة تقبيح المنهي عنه، إذ في التصريح باسم الحق، ما ليس في ضميره، والتقييد بقوله : وأنتم تعلمون  لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل عسى يعذر.

### الآية 2:43

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [2:43]

وقوله : وأقيموا الصلاة  الآية، أمر بلزوم الشرائع عليهم بعد الإيمان. وذلك إقامة الصلاة بأدائها بفروضها، والمحافظة عليها. وإعطاء الصدقة المفروضة، والركوع لله، أي الخضوع لأوامره بإطاعتها. 
قال ابن جرير : هذا أمر من الله، جل ثناؤه، لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والدخول مع المسلمين في الإسلام والخضوع له بالطاعة. ونهي منه لهم عن كتمان ما قد علموه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد تظاهر حججه عليهم، وبعد الإعذار لهم والإنذار. وبعد تذكيره نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطفا منه بذلك عليهم، وإبلاغا إليهم في المقدرة اه. 
وقد قيل في قوله : واركعوا مع الراكعين  حث على إقامة الصلاة في الجماعة لما فيها من تظاهر النفوس في المناجاة.

### الآية 2:44

> ﻿۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:44]

\* أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ٤٤ . 
 أتأمرون الناس بالبر  أي بما فيه لله رضا من القول أو الفعل. وجماع البر كل ما فيه طاعة لله تعالى. والهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم  وتنسون أنفسكم  أي تتركونها من البر كالمنسيات. والمعنى تخالفون ما تأمرون به من ذلك إلى غيره. وقوله : وأنتم تتلون الكتاب  تبكيت مثل قوله : وأنتم تعلمون  يعني تتلون التوراة وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل.  أفلا تعقلون  توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وكأنكم في ذلك مسلوبوا العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه. 
روى الحافظ ابن كثير الدمشقيّ في ( تفسيره ) عن إبراهيم النخعيّ قال : إني لأكره القصص لثلاث آيات : قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  [(١)](#foonote-١) وقوله : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون \* كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون  [(٢)](#foonote-٢) وقوله إخبارا عن شعيب  وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه \* إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت \* وما توفيقي إلا بالله \* عليه توكلت وإليه أنيب  [(٣)](#foonote-٣). 
١ \[٢/ البقرة / ٤٤\] ونصها: \* أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ٤٤..
٢ \[٦١/ الصف / ٢ و٣\]..
٣ \[١١/ هود/ ٨٨\] ونصها: قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ٨٨..

### الآية 2:45

> ﻿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [2:45]

واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ٤٥ . 
 واستعينوا بالصبر  أي على الوفاء بالعهد  والصلاة  أي التي سرها خشوع القلب للرب. فإنها من أكبر العون على الثبات في الأمر. قال ابن جرير : أي استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم من طاعتي وإتباع أمري وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري وإتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه والصلاة. فالآية متصلة بما قبلها. كأنهم لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك.  وإنها  الضمير للصلاة. وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واشتمالها على ضروب من الصبر ؛ وجوَّز عود الضمير على الاستعانة بهما  لكبيرة  لشاقة ثقيلة، كقوله تعالى : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه  [(١)](#foonote-١)  إلا على الخاشعين . 
١ \[٤٢/ الشورى/ ١٣\] ونصها: \* شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ١٣..

### الآية 2:46

> ﻿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:46]

الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون ٤٦ . 
 الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  أي محشورون إليه يوم القيامة للجزاء. والظن / هنا بمعنى اليقين ومثله  إني ظننت أني ملاق حسابيه  [(١)](#foonote-١). 
قال ابن جرير : العرب قد تسمي اليقين ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفة والمغيث صارخا والمستغيث صارخا وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده. والشواهد على ذلك من أشعار العرب أكثر من أن تحصر  وأنهم إليه راجعون  أي بعد الموت فيجازيهم. 
١ \[٦٩/ الحاقة/ ٢٠\]..

### الآية 2:47

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:47]

يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين ٤٧ . 
 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  كرر التذكير للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديد به  وأني فضلتكم  عطف على نعمتي، عطف الخاص على العام لكماله. أي فضلت آباءكم  على العالمين  أي عالمي زمانهم بإنزال الكتاب عليهم وإرسال الرسل فيهم وجعلهم ملوكا، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيروا. وتفضيل الآباء شرف الأبناء.

### الآية 2:48

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:48]

واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ٤٨ . 
 واتقوا يوما  يريد يوم القيامة أي حسابه أو عذابه  لا تجزي  فيه  نفس عن نفس شيئا  أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. فانتصاب  شيئا  على المفعولية. أو شيئا من الجزاء فيكون نصبه على المصدرية. وإيراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والإقناط الكلي /  ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ  لا يقبل  منها عدل  أو فدية  ولا هم ينصرون  يمنعون من عذاب الله. وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة. وذكر لمعنى العباد أو الأناسيّ. 
**( تنبيه ) :**
تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب : أنها خاصة بالكفار. ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال : فما تنفعهم شفاعة الشافعين [(١)](#foonote-١)، وكما قال عن أهل النار : فما لنا من شافعين \* ولا صديق حميم  [(٢)](#foonote-٢) فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا يُنقذ أحدا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد. 
وفي ( الانتصاف ) : من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها، وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها، لأن قوله : يوما  أخرجه منكرا. ولا شك أن في القيامة مواطن. ويومها معدود بخمسين ألف سنة. فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة. وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها. منها قوله تعالى : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون  [(٣)](#foonote-٣) مع قوله : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون  [(٤)](#foonote-٤) / فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين : أحدهما محل للتناول والآخر ليس محلاًّ له، وكذلك الشفاعة. وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة. رزقنا الله الشفاعة. وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة. 
١ \[٧٤/ المدثر/ ٤٨\]..
٢ \[٢٦/ الشعراء/ ١٠٠ و١٠١\]..
٣ \[٢٣/ المؤمنون/ ١٠١\] ونصها: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ١٠١..
٤ \[٣٧/ الصافات/ ٢٧\]. و\[٥٢/ الطور/ ٢٥\]..

### الآية 2:49

> ﻿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [2:49]

وإذ نجّيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ٤٩ . 
 وإذ نجّيناكم من آل فرعون  تذكير لتفاصيل ما أجمل في قوله تعالى : نعمتي التي أنعمت عليكم  من فنون النعماء. أي واذكروا وقت تنجيتنا إياكم، أي آبائكم. فإن تنجيتهم تنجية لأعقابهم. والمراد بالآل، فرعون وأتباعه، فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه ( قاله في القاموس ). 
ثم بين ما أنجاهم منه بقوله : يسومونكم  أي يبغونكم  سوء العذاب  أي أفظعه وأشده  يذبّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم  أي يتركونهم أحياء  وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم  البلاء إما المحنة، إن أشير بذلكم إلى صنيع فرعون ؛ أو النعمة، إن أشير به إلى الإنجاء. قال ابن جرير : العرب تسمى الخير بلاء والشر بلاء. 
فائدة : فرعون لقب لمن ملك مصر كافرا. ككسرى لملك الفرس. وقيصر لملك الروم. وتبّع لمن ملك اليمن كافرا. والنجاشي لمن ملك الحبشة، وخاقان لملك الترك. ولعتوّه اشتق منه : تفرعن الرجل، إذا عتا وتمرد. 
وسبب سَوْمِهِ بني إسرائيل سوء العذاب من تذبيح أبنائهم ( على ما روي في التوراة ) خوفه من نموّهم وكثرة توالدهم. وكانت أرض مصر امتلأت منهم. فإن يوسف، عليه / السلام، لما استقدم أباه وإخوته وأهلهم من أرض كنعان إلى مصر، أعطاهم ملكا في أرض مصر في أفضل الأرض كما أمره ملك مصر. وكان لهم في مصر مقام عظيم بسبب يوسف عليه السلام. فتكاثروا وتناسلوا. ولما توفي يوسف عليه السلام والملك الذي اتخذه وزيرا عنده، انقطع ذلك الاحترام عن بني إسرائيل. إلى أن قام على مصر أحد ملوكها الفراعنة. فرأى غوّ ( غي ) الإسرائيليين. فقال لقومه : أضحى بنو إسرائيل شعبا أكثر منا وأعظم. فهلمّ نحتال لهم لئلا ينموا. فيكون، إذا حدثت حرب، أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا. ويخرجونا من أرضنا. فسلط عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم. وكانوا كلما اشتد تعبدهم ازدادوا كثرة وشدة. فشق على المصريين كثرتهم واختشوا منهم. فجعل أهل مصر يستعبدونهم جورا ويمرّرون عليهم حياتهم بالعمل الشديد بالطين واللَّبِن، وكل فلاحة الأرض، وكل الأفعال التي استعبدوهم بها بالمشقّة. 
وأمر فرعون بذبح أبنائهم كما قصه الله تعالى. ولم يزل الأمر في هذه الشدة عليهم حتى نجاهم سبحانه بإرسال موسى عليه السلام. وقوله جل ذكره.

### الآية 2:50

> ﻿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:50]

وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ٥٠ . 
 وإذ فرقنا بكم البحر  بيان لسبب التنجية، وتصوير لكيفيتها، إثر تذكيرها وبيان عظمها وهولها. وقد بين في تضاعيف ذلك نعمة جليلة أخرى هي الإنجاء من الغرق. أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم أو ملتبسا بكم أو بسبب إنجائكم. وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت مسالك. فالباء على الأول استعانة. مثلها في : كتبت بالقلم. وعلى الثاني للمصاحبة. مثلها في : أسندت ظهري بالحائط. وعلى الثالث للسببية. والوجه الأول / ضعيف من حيث إن مقتضاه أن تفريق البحر وقع ببني إسرائيل والمنصوص عليه في التنزيل أن البحر إنما انفرق بعصا موسى. قال تعالى : أن اضرب بعصاك البحر \* فانفلق فكان كل فرق كالطّود العظيم  [(١)](#foonote-١) فآلة التفريق العصا لا بنو إسرائيل  فأنجيناكم  أي من الغرق بإخراجكم إلى الساحل  وأغرقنا آل فرعون  أريد فرعون وقومه. وإنما اقتصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم  وأنتم تنظرون  أي إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه. ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم. 
وكانت قصة إغراق آل فرعون المشار لها في هذه الآية، على ما روي، أن الحق تعالى لما شاء إخراج بني إسرائيل من مصر من بيت العبودية، أوقع في نفس فرعون أن يطلقهم من مصر. بعد إباء شديد منه ورؤية آيات إلهية كادت تُحِل به وبقومه البوارَ. فدعا موسى وهارون وقال : اخرجوا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل جميعا. واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم. فلما ارتحلوا وأخبر فرعون أن الشعب قد هرب، تغير قلبه عليهم وقال : ماذا فعلنا حتى أطلقناهم من خدمتنا ؟ فشد مركبته وأخذ قومه معه وسعى وراءهم وأدركهم وهم نازلون عند بحر القلزم. وهو المشهور ببحر السويس. فلما رأت بنو إسرائيل عسكر فرعون وراءهم قالوا : يا موسى أين ما وعدتنا من النصر والظفر ؟ فلو بقينا على خدمة المصريين لكان خيرا لنا من أن نهلك في هذه البرية  قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا \* إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده \* والعاقبة للمتقين  [(٢)](#foonote-٢) وقال : عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون  [(٣)](#foonote-٣). وأوحى / الله إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق وأيبس قعره. فدخل بنو إسرائيل فيه. فتبعهم فرعون وجنوده. فخرج موسى وقومه من الجهة الثانية. وانطبق البحر على فرعون ومن معه فغرقوا كلهم. وسيأتي الإشارة إلى هذه القصة في مواضع من التنزيل. ومن أبسطها فيه سورة الشعراء. 
١ \[٢٦/ الشعراء/ ٦٣\] ونصها: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطّود العظيم ٦٣..
٢ ٧/ الأعراف/ ١٢٨\]..
٣ \[٧/ الأعراف/ ١٢٩\] ونصها: قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ١٢٩.
 .

### الآية 2:51

> ﻿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:51]

وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتّخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ٥١ . 
 وإذ واعدنا موسى  أي بعد فراغه من مقاومة آل فرعون وإهلاكهم  أربعين ليلة  أي لنعطيه عند انقضائها التوراة لتعملوا بها. وقد روي في ترجمة التوراة أنه تعالى قال لموسى : اصعد إلى الجبل وكن هناك فأعطيك ألواحاً من حجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعلمهم. فصعد موسى إلى الجبل وبقي هناك أربعين يوما وأربعين ليلة. وموسى كلمة عبرانية ومعناها منشول من الماء  ثم اتّخذتم العجل  أي إلها ومعبودا  من بعده  أي من بعد مضيّه للميقات  وأنتم ظالمون  أي بوضع العبادة في غير موضعها. وهو حال من ضمير اتخذتم. أو اعتراض تذليليّ. أي وأنتم قوم عادتكم الظلم.

### الآية 2:52

> ﻿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:52]

ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ٥٢ . 
 ثم عفونا عنكم  أي محونا ذنوبكم  من بعد ذلك  أي الاتخاذ والظلم القبيح  لعلكم تشكرون  لكي تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة.

### الآية 2:53

> ﻿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:53]

وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ٥٣ . 
 وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان  يعني الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل. يعني التوراة. كقولك : رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة. ونحوه قوله تعالى : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين  [(١)](#foonote-١) يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا. أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات. أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام. وقيل : الفرقان انفراق البحر. وقيل : النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى : يوم الفرقان  [(٢)](#foonote-٢) يريد به يوم بدر  لعلكم تهتدون  أي لكي تهتدوا بالعمل فيه من الضلال. 
١ \[٢١/ الأنبياء/ ٤٨\]..
٢ \[٨/ الأنفال/ ٤١\] ونصها: \* واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ٤١..

### الآية 2:54

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:54]

وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التوّاب الرحيم ٥٤ . 
 وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه / هو التوّاب الرحيم  هذه الآية بيان لكيفية وقوع العفو المذكور في الآية قبلُ. روي أن موسى عليه السلام لما رجع من الميقات ورأى ما صنع قومه بعده من عبادة العجل، غضب ورمى باللوحين من يده. فكسرهما في أسفل الجبل. ثم أحرق العجل الذي صنعوه. ثم قال : من كان من حزب الرب فليُقْبِل إليّ. فاجتمع إليه جميع بني لاوى. وقال لهم : هذا ما يقول الرب إله إسرائيل : ليتقلد كل رجل منكم سيفه. فجوزوا في وسط المحلة من باب إلى باب. وارجعوا. وليقتل الرجل منكم أخاه وصاحبه وقريبه. فصنع بنو لاوى كما أمرهم موسى فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل ( وفي رواية نحو ثلاثة آلاف رجل ) وفي غد ذلك اليوم كلم موسى الشعب وقال لهم : أنتم قد أخطأتم خطيئة عظيمة. وإني الآن أصعد إلى الرب فأتضرع إليه من أجل خطيئتكم. فصعد موسى وتضرع للرب وسأل المغفرة لقومه اه. 
ولاوى، ثالث مولود ليعقوب عليه السلام من أولاده الإثنى عشر، معناه في العربية ملتصق أو متصل. 
والأحبار اللاويّون ينسبون إليه. وقد اختارهم تعالى من بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام للخدمة المقدسة. وجعلهم من المقربين لديه. وبما سقناه يعلم أن قوله تعالى : فاقتلوا أنفسكم  أمر لمن لم يعبد العجل، أعني اللاويين، أن يقتلوا العَبَدَةَ. لا كما فهمه بعضهم من قتل بعضهم بعضا مطلقا.

### الآية 2:55

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:55]

وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ٥٥ . 
 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم / الصاعقة وأنتم تنظرون \* ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون  أي واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق. إذا سألتم رؤيتي عيانا مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم في دار الدنيا. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن القائلين لموسى ذلك هم السبعون المختارون. ويؤيده آية الأعراف[(١)](#foonote-١).  واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب  الآية. 
وقد غلط أهل الكتاب في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك. فمنع منه. فكيف يناله هؤلاء السبعون ؟ أفاده ابن كثير. وقد رأيت دعواهم المذكورة في الفصل الرابع والعشرين في سفر الخروج. وهذا من المواضع المحقق تحريفها. ويدل عليه ما في الفصل الثالث والثلاثين من السفر المذكور أنه تعالى قال لموسى : لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش اه. 
وجهرة، في الأصل، مصدر قولك جهرت بالقراءة. استعيرت للمعاينة، لما بينهما من الاتحاد. في الوضوح والانكشاف. إلا أن الأول في المسموعات، والثاني في المبصرات. ونصبها على المصدر لأنها نوع من الرؤية، فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس. أو على الحال من الفاعل أو المفعول. 
قال ابن جرير : وأصل الصاعقة كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هَوْلِه وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم. صوتا كان ذلك أو نارا. أو زلزلة أو رجفا ( قال ) ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو / حيّ غير ميت قول الله عز وجل  وخرّ موسى صعقا  يعني مغشيا عليه. ومنه قول جرير :
وهل كان الفرزدق غير قِرْدٍ \*\*\* أصابته الصواعق فاستدارا[(٢)](#foonote-٢)
فقد علم أن موسى لم يكن، حين غشي عليه وصعق، ميتا. لأن الله، جل وعز، أخبر عنه أنه لما أفاق قال : تبت إليك. ولا شبّه جرير الفرزدق، وهو حيّ، بالقرد ميتا، ولكن معنى ذلك ما وصفناه. 
وقوله تعالى : وأنتم تنظرون  أي إلى تلك الصاعقة. 
١ \[٧/ الأعراف/ ١٥٥\] ونصها: واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ١٥٥..
٢ قال السيد محمود محمد شاكر، في تعليقه على هذا البيت، في تفسير ابن جرير، ما نصه: ديوانه: ٢٨١، والنقائض: ٢٥١ وبعده في هجاء الفرزدق، وهو من أشده:
 وكنت إذا حللتَ بدار قوم رحلتَ بِخِزْيَةٍ وتركتَ عارا
 وما أشد ما قال! وقال في النقائض في شرح البيت: "ولغته ـ يعني جريرا ـ الصواعق. فاستدار: أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا.
 وكأنه أخطأ المعنى، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا. فقوله: "استدار" عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) أي عاد كما بدأ. فهو يقول: كان الفرزدق في أصل نشأته قردا. ثم تحول إنسانا. فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا اهـ. وهو كما قال..

### الآية 2:56

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:56]

ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ٥٦ . 
وقوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم  قال الراغب الأصبهانيّ في ( تفسيره ) : البعث إرسال المبعوث من المكان الذي فيه. لكن فرق بين تفاسيره بحسب اختلاف المعلق به، فقيل : بعثت البعير من مبركه أي أثرته. وبعثته في السير أي هيجته، وبعث الله الميت أحياه. وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال. وكل ذلك واحد في الحقيقة، وإنما اختلف لاختلاف صور المبعوثات ( ثم قال ) والموت حُمِلَ على المعروف، وحُمِلَ أيضا على الأحوال الشاقة الجارية مجرى / الموت، وليس يقتضي قوله : فأخذتكم الصاعقة  أنهم ماتوا. ألا ترى إلى قوله : فخرّ موسى صعقا  لكن الآية تحتمل الأمرين، وحقيقة ما كان إنما يعتمد فيها على السمع المعتدي عن الاحتمالات. انتهى. وقد يؤيد الثاني آية الأعراف المذكورة وهي  واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا \* فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي  [(٣)](#foonote-٣) فالرجفة هي المسماة بالصاعقة هنا، والتنزيل يفسر بعضه بعضا، والأصل توافق الآي. وقد ذكر ابن إسحق والسديّ أن الذين أخذتهم الرجفة هم الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، وسيأتي في الأعراف بسط ذلك إن شاء الله. 
دلت الآية على أن طلب رؤيته تعالى في الدنيا مستنكر غير جائز، ولذا لم يذكر، سبحانه وتعالى، سؤال الرؤية إلا استعظمه. وذلك في آيات. منها هذه. ومنها قوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتابا من السماء \* فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم  [(٤)](#foonote-٤) ومنها قوله تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا \* لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوّا كبيرا  [(٥)](#foonote-٥) فدلت هذه التهويلات الفظيعة الواردة لطالبيها في الدنيا على امتناعها فيها. وكما أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدنيا فقد وعد الوعد الصادق عز وجل برؤيته في الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطيعة الدلالة. لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها.

### الآية 2:57

> ﻿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [2:57]

وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ٥٧ . 
 وظلّلنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . 
لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضا بما أسبغ عليهم من النعم، فمنها تظليل الغمام عليهم. وذلك أنهم كانت تظلهم سحابة إذا ارتحلوا. لئلا تؤذيهم حرارة الشمس. وقد ذكر تفصيل شأنها في توراتهم في الفصل التاسع من سفر العدد. ومنها إنزال المنّ. وقد روي في التوراة أنهم لما ارتحلوا من إيليم وأتوا إلى بريّة سين، التي بين إيليم وسيناء، في منتصف الشهر الثاني بعد خروجهم من مصر، تذمروا على موسى وهارون في البرية، وقالوا لهما : ليتنا متنا في أرض مصر إذ كنا نأكل خبزا ولحما. فأخرجتمانا إلى هذه البرية لتُهْلِكا هذا الجمع بالجوع. فأوحى تعالى لموسى عليه السلام إني أمطر عليكم خبزا من السماء. فليخرج الشعب، ويلتقطون حاجة اليوم بيومها طعامهم من أجل أني أمتحنهم، هل يمشون في شريعتي أم لا، وليكونوا في اليوم السادس أنهم يهيئون ضعف ما يلتقطونه يوما فيوما. لأن اليوم السابع يوم عيد لا يُشخص فيه لأمر المعيشة ولا لطلبة شيء. فقال لهم موسى : إن الرب تعالى يعطيكم عند المساء لحما تأكلون. وبالغداة تشبعون خبزا. فكان في المساء أن السلوى صعدت وغطت المحلة، والغداة أيضا وقع الندى حول المحلة. ولما غطى وجه الأرض تباين في البرية شيء رقيق كأنه مدقوق بالمدقة. يشبه الجليد على الأرض. فلما نظر إليه بنو إسرائيل قالوا : ما هذا ؟ لأنهم لم يعرفوه. فقال لهم موسى : هذا هو الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا. وقد أمركم أن يلقط كل واحد على قدر ما في بيته، وقدر مأكله. ففعل بنو إسرائيل كذلك ولقطوا ما بين مكثّر ومقلّل، وقال لهم موسى : لا تُبْقُوا منه شيئا إلى الغد. فلم يطيعوا /موسى. واستفضل منه رجال إلى الغد، فضرب فيه الدود ونتن. فغضب عليهم موسى. وكانوا يلقطون غدوة. كل إنسان يلقط على قدر ما يأكل. فإذا أصابه حر الشمس ذاب. وقد أُعطوا في اليوم السادس خبز يومين ليجلس كل رجل منهم في مكانه في اليوم السابع. راحةً وتقديساً له. وكان إذا خرج بعض الشعب ليلتقط، يوم السابع، لا يجد في الأرض منه شيئا. ودعا آل إسرائيل اسمه المنّ. وكان مثل حب الكُزْبُرَة أبيض، وطعمه كرقاق بعسل، وأكل بنو إسرائيل المنّ أربعين سنة حتى أتوا إلى الأرض العامرة ودنوا من تخوم أرض كنعان. وروي في ترجمة التوراة أيضا أن المنّ كان يشبه لون اللؤلؤ. وكان يطوف الشعب ويلتقطونه ويطحنونه بالرحى. ويدقونه في الهاون ويطبخونه في القدور. ويعملون منه رغفاً طعمها كالخبز المعجون بالدهن. ومتى نزل الندى على المحلّة ليلا كان ينزل المن معه اه. 
هذا ما كان من أمر المن. وأما السلوى فروي أيضا : أن جماعة ممن صعد مع بني إسرائيل من مصر تاقت أنفسهم للحم وجلسوا يبكون، ووافقهم بنو إسرائيل على اشتهائه أيضا. وقالوا : من يطعمنا لحماً لنأكل ؟ قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله بمصر من غير ثمن. والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم. والآن قد يبست نفوسنا ولا تنظر عيوننا إلا المنّ. فلما سمع موسى الشعب يبكون بعشائرهم، وعلم غضب الرب عليهم، لذلك، ابتهل إلى ربه وقال : من أين لي لحم أطعم منه هذا الجمع وهم يبكون عليّ ويقولون أعطينا لحما لنأكل ؟ فأوحى إليه ربه أن يجمع سبعين رجلا من شيوخ شعبه وعرفائه. ويقبل بهم إلى خيمة الاجتماع فيكونوا معه. ثم كلمه ربه ووعده أن يعطيه لحما يأكلون منه شهرا حتى يأنفوا منه. فأخبر موسى الشعب بذلك. ثم انحاز إلى المحلة هو وشيوخ قومه. فخرجت ريح وحملت السلوى من البحر وألقتها على المحلة مسيرة يوم حول المحلة من كل جانب، وكانت تطير بالجوّ ذراعين على الأرض وقام الشعب يومهم ذلك كله، والليل. وفي غد اليوم الثاني. فجمعوا السلوى أقل من جمع عشرة أكرار. سطحوه سطيحا ويبسوه حول المحلة. / وقبل أن ينقطع اللحم من عندهم غضب الرب تعالى على الشعب. فضربه ضربة عظيمة جدا. ودعي اسم ذلك الموضع قبور الشهوة. لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا. ثم خرجوا من قبور الشهوة وارتحلوا لغيره. انتهى. 
وقوله تعالى : كلوا  على إرادة القول أي قائلين لهم كلوا. وقوله : وما ظلمونا  كلام عدل به عن نهج الخطاب السابق للإيذان باقتضاء جنايات المخاطبين للإعراض عنهم وتعداد قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة. معطوف على مضمر قد حذف للإيجاز، والإشعار بأنه أمر محقق غنيّ عن التصريح به. أي فظلموا بأن أكثروا من التضجر والتذمر على ربهم وشكوى سكناهم في البرية وفراقهم مصر. وما ظلمونا بذلك، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، بالعصيان. إذ لا يتخطاهم ضرره وبذلك حق عليهم العذاب الذي ضربوا به كما ذكرناه.

### الآية 2:58

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [2:58]

وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجّدا وقولوا حطّة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ٥٨ . 
 وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين \* فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون . 
هذا إشارة إلى ما حلّ ببني إسرائيل لما نكلوا عن الجهاد ودخولهم الأرض/ المقدسة أرض كنعان لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام. وإنما أطلق على الأرض المذكورة قرية، لأن القرية : كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قراراً. وتقع على المدن وغيرها كذا في ( كفاية المتحفّظ ) ثم إن ما قصّ هنا ذكر في سورة المائدة في قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين \* يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة التي كتب الله لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين \* قالوا يا موسى إن فيها قوما جبّارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون  [(١)](#foonote-١) الآيات. 
وقوله تعالى : ادخلوا الباب سجّدا  في التأويلات : يحتمل المراد من الباب حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أمروا بالدخول فيها. ويحتمل من الباب القرية نفسها، لا حقيقة الباب –كقوله : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية  ذكر القرية ولم يذكر الباب- وذلك في اللغة جائز. ( ويقال : فلان دخل في باب كذا – لا يعنون حقيقة الباب، ولكن كونه في أمر هو فيه ). 
وقوله : سجّدا  يحتمل المراد من السجود : حقيقة السجود. فيخرّج على وجوه : على التحية لذلك المكان، ويحتمل على الشكر له لما أهلك أعداءهم الجبارين، ويحتمل الكنية عن الصلاة – إذ العرب قد تسمي السجود ( صلاة ) – كأنهم أمروا بالصلاة فيها، ويحتمل أن الأمر بالسجود – لا على حقيقة السجود والصلاة - ولكن أمر بالخضوع له والطاعة والشكر على أياديه. والله أعلم. 
وقوله تعالى : وقولوا حطّة  خبر محذوف، أي مسألتنا حطة – والأصل النصب - بمعنى : حطَّ عنّا ذنوبنا حِطّةً، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات. 
١ \[٥/ المائدة/ ٢٠\]..

### الآية 2:59

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [2:59]

فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ٥٩ . 
 وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين \* فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون . 
هذا إشارة إلى ما حلّ ببني إسرائيل لما نكلوا عن الجهاد ودخولهم الأرض/ المقدسة أرض كنعان لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام. وإنما أطلق على الأرض المذكورة قرية، لأن القرية : كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قراراً. وتقع على المدن وغيرها كذا في ( كفاية المتحفّظ ) ثم إن ما قصّ هنا ذكر في سورة المائدة في قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين \* يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة التي كتب الله لكم ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين \* قالوا يا موسى إن فيها قوما جبّارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون  [(١)](#foonote-١) الآيات. 
 وقوله سبحانه : فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم  أي : بدّلوا أمره تعالى لهم – بدخول الأرض مجاهدين – بالإحجام عنه، وتثبيط الناس. ولذا قال أبو مسلم ( قوله تعالى : فبدّل  يدلّ على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم أتوا له ببدل. والدليل عليه : أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة. قال تعالى : سيقول المخلّفون إذا انطلقتم – إلى قوله - يريدون أن يبدّلوا كلام الله  [(٢)](#foonote-٢) ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول. فكذا هنا، فيكون المعنى : إنهم لما أمروا بدخول الأرض – وما ذكر معه - لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه ). 
وفي تكرير  الذين ظلموا  زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم. و( الرجز ) : هو الموت بغتة، كما تقدّم. 
قال الراغب : وتخصيص قوله : رجزا من السماء  هو أن العذاب ضربان : ضرب قد يمكن - على بعض الوجوه - دفاعه، أو يظنّ أنه يمكن فيه ذلك، وهو كل عذاب على يد آدميّ، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق. وضرب لا يمكن – ولا يظن - دفاعه بقوة آدميّ – كالطاعون، والصاعقة، والموت - وهو المعنيّ بقوله : رجزا من السماء  اه. 
١ \[٥/ المائدة/ ٢٠\]..
٢ \[٤٨/ الفتح/ ١٥\] ونصها: سيقول المخلّفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتّبعكم يريدون أن يبدّلوا كلام الله قل لن تتّبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ١٥..

### الآية 2:60

> ﻿۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [2:60]

\* وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ٦٠ . 
هذا تذكير لنعمة أخرى كفروها. روي في توراتهم أنه ارتحلت كل جماعة بني إسرائيل/ من برية سينا بأمره تعالى، وحلوا في رقادين، ولم يكن هناك ماء ليشربوا، فخاصموا موسى، وقالوا له أعطنا ماء لنشرب، أخرجتنا من مصر لتقتلنا نحن وأولادنا ودوابنا بالعطش ؟ فابتهل موسى إلى ربه في السقيا، فأوحى إليه أن امض أمام الشعب، وخذ معك من شيوخ إسرائيل. والعصا التي ضربت بها النهر خذها بيدك. واذهب إلى صخرة حوريب، فاضربها فيخرج منها ماء ليشرب الشعب. ففعل موسى كذلك أمام شيوخ إسرائيل. انتهى. 
وقوله تعالى : اثنتا عشر عينا  أي عدد أسباط يعقوب الاثني عشر، لكل سبط منهم عين قد عرفوها. قال الراغب : وأنكر ذلك بعض الطبيعيين واستبعده، وهذا المنكر، مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات الخارجة عن العادات، فقد ترك النظر على طريقته. إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجر الحديد، وأن الحجر المنفر للنحل ينفره، والحجر الحلاق يحلق الشعر، وذلك كله عندهم من أسرار الطبيعة. وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا عندهم، فغير ممتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض. اه. 
وقوله : ولا تعثوا في الأرض مفسدين  أي لا تمشوا في الأرض بالفساد، وخلاف أمر موسى. قال الراغب : فإن قيل : فما فائدة قوله : مفسدين  والعثوّ ضرب من الإفساد ؟ قيل : قد قال بعض النحويين : إن ذلك حال مؤكدة، وذكر ألفاظا مما يشبه. وقال بعض المحققين : إن العثو، وإن اقتضى الفساد، فليس بموضوع له، بل هو كالاعتداء، وقد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد، وهو مقابلة المعتدى بفعله نحو  فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  [(١)](#foonote-١) وهذا الاعتداء ليس بإفساد، بل هو، بالإضافة إلى/ ما قوبل به، عدل. ولولا كونه جزاء لكان إفسادا. فبين تعالى أن العثو المنهي عنه، هو المقصود به الإفساد. فالإفساد مكروه على الإطلاق، ولهذا قال : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها  [(٢)](#foonote-٢) وقد يكون في صورة العثو والتعدي ما هو صلاح وعدل، كما تقدم. وهذا ظاهر اه. 
١ \[٢/ البقرة/ ١٩٤\] ونصها: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ١٩٤..
٢ \[٧/ الأعراف/ ٥٦\] ونصها: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين ٥٦..

### الآية 2:61

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [2:61]

وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذّلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ٦١ . 
 وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد  قال قتادة : لما ملّوا طعامهم وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، قالوا ذلك. قال الراغب : إن قيل : كيف قال : لن نصبر على طعام واحد  وكان لهم المن والسلوى، قيل : إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك : فلان يفعل فعلاً واحداً في كل يوم، وإن كثرت أفعاله، إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها اه. وهذا المعنى في إنكار الطعام أبلغ. لأنهم لم يكتفوا في إنكاره بقولهم : لن نصبر على طعام ، حتى أكدوا بقولهم : واحد  أو / أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل  فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثّائها وفومها  هو الثوم لقراءة ابن مسعود " وثومها " وللتصريح به في التوراة في هذه القصة. وقد ذكر ابن جرير شواهد لإبدال الثاء فاءً لتقارب مخرجيها كقولهم للأثافي " أثاثي "، وقولهم وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وللمغافير " مغاثير "  وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى  أي أدون قدراً، وأصل الدنوّ القرب في المكان، فاستعير للخسة، كما استعير البعد للشرف والرفعة، فقيل : بعيد الهمة.  بالذي هو خير  أي بمقابلة ما هو خير، أي أرفع وأجل، وهو المنّ الذي فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية، والسلوى من أطيب لحوم الطير، وفي مجموعهما غذاء تقوم به البنية. وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة ولا تغذية  اهبطوا مصرا  هكذا هو منوّن مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور، بالصرف. 
قال ابن جرير : ولا أستجيز القراءة بغير ذلك، لإجماع المصاحف على ذلك، أي من الأمصار، أي انحدروا إليه  فإن لكم  فيها  ما سألتم  أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في القفار، والمعنى أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير، في أي بلد دخلتموها وجدتموه. فليس يساوي مع دناءته، وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولما حكى الله تعالى إنكار موسى عليه السلام على اليهود استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، بعد تعداد النعم، جاء بحكاية سوء صنيعهم بالأنبياء، وكفرهم، واعتدائهم، وضرب الذلة عليهم لذلك، استطرادا فقال : وضربت عليهم الذّلة والمسكنة  فمن هنا إلى قوله : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  معترض في خلال القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى، يدل على هذا قوله : ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين  فإن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم. والذلة بالكسر الصغار والهوان والحقارة، والذُّل بالضم ضد العز. والمسكنة مَفعلة من السكون، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض، لما به من الفقر. والمسكين مفعيل منه - كذا في السمين - / وفي الذلة استعارة بالكناية حيث شبهت بالقبة في الشمول والإحاطة، أو شبهت الذلة بهم بلصوق الطين بالحائط في عدم الانفكاك. وهذا الخبر الذي أخبر الله تعالى به هو معلوم في جميع الأزمنة، فإن اليهود أذلّ الفرق، وأشدهم مسكنة، وأكثرهم تصاغراً، لم ينتظم لهم جمع، ولا خفقت على رؤوسهم راية، ولا ثبتت لهم ولاية، بل مازالوا عبيد العصي في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال، وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ، فهو مرتدٍ بأثواب المسكنة.  وباؤوا بغضب من الله  أي رجعوا به، أي صار عليهم، أو صاروا أحقاء به. من قولهم : باء فلان بفلان، أي صار حقيقا أن يقتل بمقابلته. فالباء على التقديرين صلة باؤوا، لا للملابسة. وإلا لاحتيج اعتبار المرجوع إليه، ولا دلالة في الكلام عليه  ذلك  إشارة إلى ما سلف من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم  بأنهم  بسبب أنهم  كانوا يكفرون بآيات الله  الباهرة التي ظهرت على يدي عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام  ويقتلون النبيين بغير الحق  كزكريا ويحيى عليهما السلام. وقتل الأنبياء في بني إسرائيل كان ظاهراً، ولم يذكر قتل رسول من الرسل. وذلك - والله أعلم - لقوله : إنا لننصر رسلنا  [(١)](#foonote-١) وقوله : إنهم لهم المنصورون  [(٢)](#foonote-٢) وقال قوم : لم يقتل أحد من الرسل، وإنما قتل الأنبياء، أو رسل الرسل، والله أعلم. كذا في ( التأويلات ). 
وقوله : بغير الحق  لم يخرج مخرج التقييد، حتى يقال إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال، لمكان العصمة. بل المراد نعي هذا الأمر عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، حملهم عليه إتباع الهوى، وحب الدنيا، والغلوّ في العصيان، / والاعتداء، كما يفصح عنه قوله تعالى : ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون  أي جرّهم العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من الكفر، وقتل الأنبياء عليهم السلام. وقيل : كررت الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم، كما أنه بسبب الكفر والقتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي، واعتدائهم حدود الله تعالى. وعليه فيكون ذكر علل إنزال العقوبة بهم في نهاية حسن الترتيب. إذ بدئ أولا بما فعلوه في حق الله تعالى وهو كفرهم بآياته. ثم ثُنِّي بما يتلوه في العظم، وهو قتل الأنبياء. ثم بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم. ثم بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير، مثل الاعتداء. وهذا من لطائف أسلوب التنزيل. 
١ \[٤٠/ غافر/ ٥١\] ونصها: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ٥١..
٢ \[٣٧/ الصافات/ ١٧٢\]..

### الآية 2:62

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:62]

ثم أعلم تعالى بأن باب التوبة مفتوح على الوجه العامّ لليهود وغيرهم. وأن من ارتكب كبائر الذنوب التي تستوجب الغضب الإلهيّ، وضربَ الذلة والمسكنة، كما حل باليهود، إذا آمن وتاب فله في الدنيا والآخرة ما للمؤمنين. وعادة التنزيل جارية بأنه متى ذكر وعد أو وعيد، عقب بضده ليكون الكلام تاما فقيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٦٢ . 
أي إن الذين آمنوا بما دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وصاروا من جملة أتباعه. قال في ( فتح البيان ) : كأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية، وحال من قبلها من سائر الملل، يرجع إلى شيء واحد، وهو أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا استحق ما ذكره الله من الأجر. ومن فاته ذلك فاته الخير كله، والأجر دقه وجله. والمراد بالإيمان ههنا هو ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان / فقال[(١)](#foonote-١) :( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره ). 
ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية. فمن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا بالقرآن، فليس بمؤمن. ومن آمن بهما صار مسلما مؤمنا، ولم يبق يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا مجوسيًّا. انتهى. 
قال الراغب في ( تفسيره ) : تقدم أن الإيمان يستعمل على وجهين : أحدهما الإقرار بالشهادتين، الذي يؤمن نفس الإنسان، وماله عن الإباحة إلا بحق، وذلك بعد استقرار هذا الدين مختص به كالإسلام. والثاني تحري اليقين فيما يتعاطاه الإنسان من أمر دينه. فقوله :/  إن الذين آمنوا  عنى به المتدين بدين محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله  من آمن بالله  عنى به المتحري للاعتقاد اليقينيّ، فهو غير الأول. ولما كانت مشاهير الأديان هذه الأربع، بيّن تعالى أن كل من تعاطى دينا من هذه الأديان في وقت شرعه، وقبل أن ينسخ، فتحرى في ذلك الاعتقاد اليقينيّ، وأتبع اعتقاده بالأعمال الصالحة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. 
ثم قال : وقول ابن عباس :( إن هذا منسوخ بقوله : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه  [(٢)](#foonote-٢) يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين الإسلام، وأن الله عز وجل جعل لهم الأجر قبل وقت النبي عليه السلام، فأما في وقته، فالأديان كلها منسوخة بدينه. اه. أي فليس مراد ابن عباس، ومن وافقه، أنه تعالى كان وعد من عمل صالحا من اليهود، ومن ذكر معهم، على عمله، في الآخرة، الجنة، ثم نسخه بآية  ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه  بل مراده ما ذكر الراغب. وهذا ما لا شبهة فيه. ولذا قال ابن جرير : ظاهر التنزيل يدل على أنه تعالى لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان، بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله : من آمن بالله واليوم الآخر  عن جميع ما ذكر في أول الآية. 
**تنبيه :**
ظاهر هذه الآية، مع تفسير الراغب  من آمن  بالمتحري للاعتقاد اليقينيّ، مما قد يستدل به العنبريّ لمذهبه. فقد نقل الأصوليون في باب الاجتهاد والتقليد أن العنبريّ ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب، حتى في الأصول، ووافقه الجاحظ. قال الغزاليّ في ( المستصفى ) : ذهب الجاحظ إلى مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية، إن كان معاندا على خلاف اعتقاده، فهو آثم. وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور / غير آثم. وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر، فهو أيضا معذور. وإنما الآثم المعذب، المعاند فقط. لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق، ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى، إذ استد عليهم طريق المعرفة. ثم ردّه الغزاليّ بأدلة سمعية ضرورية، وذلك مثل معرفتنا ضرورة أمره عليه السلام اليهود والنصارى بالإيمان به، وذمهم على إصرارهم على عقائدهم، وذلك لا ينحصر في الكتاب والسنة. 
ثم قال الغزاليّ : وأما قوله – أي الجاحظ - : كيف يكلفهم ما لا يطيقون ؟ قلنا : نعلم ضرورة أنه كلفهم، أما أنهم يطيقون أو لا يطيقون، فلننظر فيه، بل نبه الله تعالى على أنه أقدرهم عليه بما رزقهم من العقل، ونصب من الأدلة، وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات، الذين نبّهوا العقول، وحركوا دواعي النظر، حتى لم يبق على الله لأحد حجة بعد الرسل اه. 
وقوله : والذين هادوا  أي تهودوا. يقال : هاد يهود، وتهوّد، إذا دخل في اليهودية. وهو هائد، والجمع هود. وهم أمة موسى عليه السلام، وإنما لزمهم هذا الاسم، لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة، ومن سبْي بابل إلى وطنهم القديم، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب ( بالذال المعجمة – فقلبتها العرب دالاً مهملة ). 
وقوله تعالى : والنصارى  جمع نصران، كندامى جمع ندمان، يقال : رجل نصران، وامرأة نصرانة، والياء في نصرانيّ للمبالغة، كما في أحمريّ، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام – كذا في ( الكشاف ) – أو هو جمع نصرانيّ، مغيّر عن ناصريّ، نسبة إلى ناصرة – القرية المعروفة – وقد نسب إليها المسيح عليه السلام، لأنه رُبِّي بها. وجاء في الإنجيل ( يسوع الناصري ). 
وقوله تعالى : والصابئين  جمع صابئ، ويقال لهم الصابئة. قال ابن جرير : الصابئ هو المستحدث، سوى دينه، دينا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب " صابئاً " يقال منه : صبا فلان يصبو صباء، ويقال : صبأت النجوم إذا طلعت. 
وقد اختلف أهل / التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم، من أهل الملل. فقال بعضهم : يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. وقالوا : الذي عنى الله بهذا الاسم قوما لا دين لهم. فعن مجاهد : الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، ولا دين لهم. وعن ابن زيد : الصابئون دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبيّ. وعن قتادة : أنهم قوم يعبدون الملائكة. اه. 
وقال الإمام الشهرستانيّ، في الكلام عن الصابئة ما مثاله : والصبوة في مقابلة الحنيفية. وفي اللغة : صبا الرجل إذا مال وزاغ. فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم : الصابئة. وهم يقولون : الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال. وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين. والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب، والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة. فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة. فالصابئة قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية، ولا يقولون بالشريعة والإسلام. فيقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد. والصابئة الأولى الذين قالوا بعاذ يمون وهرمس، وهما شيت وإدريس، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء. وهم أصحاب الروحانيات. فيعتقدون أن للعالم صانعا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان. والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يُتَقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهراً وفعلاً وحالة. أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية، الذين جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. قالوا فنحن نتقرب إليهم ونتوكلّ عليهم، منهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب. وأما الفعل، فقالوا : الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع وتصريف الأمور من حال إلى حال، يستمدون القوة من الحضرة الإلهية، ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية، / فمنها مدبرات الكواكب السبع السيارة في أفلاكها وهي هياكلها. ولكل روحانيٍّ هيكلٌ، ولكل هيكل فلكٌ، ونسبة الروحانيّ إلى ذلك الهيكل الذي اختصّ به نسبة الروح إلى الجسد ؛ فهو ربه ومدبره. وكانوا يسمون الهياكل أربابا، وربما يسمونها آباء، والعناصر أمهات. ففعل الروحانيات : تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات في المركبات، فيتبعها قوى جسمانية ويركب عليها نفوس روحانية : مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان ثم قد تكون التأثيرات كليّة صادرة عن روحانيٍّ كليٍّ، وقد تكون جزئية صادرة عن روحانيٍّ جزئيٍّ. فمع جنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك. ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجوّ مما يصعد من الأرض فينزل، مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح، وما ينزل من السماء : مثل الصواعق والشهب ؛ وما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب والضباب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرة ؛ وما يحدث في الأرض من الزلازل والمياه والأبخرة، إلى غير ذلك. قالوا : وأما الحالة، فأحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة واللذة والسرور في جوار رب الأرباب كيف يخفى ؟ هذا ملخص ما أفاده العلامة الشهرستانيّ في كتاب ( الملل والنحل ) ثم ساق مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء جرت في المفاضلة بين الروحانيّ المحض والبشرية النبوية، وأوردها على شكل سؤال وجواب، فلتنظر ثَمَّ. 
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ( في الرد على المنطقين ) إن حَرَّان كانت دار هؤلاء الصابئة، وفيها ولد إبراهيم عليه السلام ( أو انتقل إليها من العراق. على اختلاف القولين ) وكان بها هيكل العلّة الأولى. هيكل العقل الأول، هيكل النفس الكلية، هيكل زحل. هيكل المشتري. هيكل المريخ، هيكل الشمس. وكذلك الزهرة وعطارد والقمر. وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم. ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة / المشركين، حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت. ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها، أطباء وكتابا، وبعضهم لم يُسلم. وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور النصرانية. وكانوا يصلّون إلى القطب الشمالي. وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء. فإن الصابئة نوعان : صابئة حنفاء موحّدون، وصابئة مشركون. فالأول هم الذين أثنى عليهم بهذه الآية. فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا. من هذه الملل الأربع : المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين. فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل. والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين ملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل. وهذا بخلاف المجوس والمشركين، فإنه ليس فيهم مؤمن. فلهذا قال تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة \* إن الله على كل شيء شهيد  [(٣)](#foonote-٣) فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة. لم يذكر في الست من كان مؤمنا، وإنما ذكر في الأربعة فقط. ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين. والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين. وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا، ويؤمنون بأن الله محدِثٌ

١ أخرجه ابن ماجة في المقدمة، ٩ ـ باب في الإيمان، حديث رقم ٦٣ (طبعتنا)، ونصه: عن عمر قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم. فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد شعر الرأس، لا يُرعى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد.
 قال: فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبته إلى ركبته ووضع يده على فخذيه، ثم قال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) قال: صدقت. فعجبنا منه. يسأله ويصدقه. ثم قال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقَدَر، خيره وشره) قال: صدقت. فعجبنا منه. يسأله ويصدقه. ثم قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه. فإنك إن لا تراه فإنه يراك) قال: فمتى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) قال: فما أمارتها؟ قال: (أن تلد الأمة رََبّتَها (قال وكيع: يعني تلد العجمُ العربَ) وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البناء).
 قال ثم قال: فلقيني النبي بعد ثلاث فقال: (أتدري من الرجل)؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (ذاك جبريل، أتاكم يعلمكم معالم دينكم)..
٢ \[٣/ آل عمران/ ٨٥\] ونصها: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ٨٥..
٣ \[٢٢/ الحج/ ١٧\]..

### الآية 2:63

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:63]

ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فقال : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطّور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ٦٣ . 
 وإذ أخذنا ميثاقكم  تذكيرا لجناية أخرى لأسلافهم، أي واذكروا وقت أخذنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة،  ورفعنا فوقكم الطور  ترهيبا لتقبلوا الميثاق. وذلك أن الطور اقتلع من أصله، ورفع وظلّل فوقهم. والطور هو الجبل. وقيل لهم وهو مطلٌّ فوقهم  خذوا ما آتيناكم  من الكتاب  بقوة  أي بجد واجتهاد،  واذكروا ما فيه  واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه  لعلكم تتقون  لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تنتظموا في سلك المتقين، أو طلبا لذلك. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الأعراف  وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلّة وظنّوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون  [(١)](#foonote-١). 
قال الراغب : إن قيل إن هذا يكون إلجاء ولا يستحق به الثواب، قيل : لم يستحقوا الثواب بالالتزام وإنما استحقوه بالعمل بها من بعد. فأما في التزامها فمضطرون، وقال بعض الناس : عنى بالطور تشديد الأمر عليهم، وجعل ذلك مثلا. وذلك بعيد. ومثله قول القاشانيّ : طور الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها. فإنه بعيد يأباه ظاهر الآية الأخرى. وإن كان الإطلاق في اللغة لا ينحصر في الحقيقة.

١ \[٧/ الأعراف/ ١٧١\]..

### الآية 2:64

> ﻿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [2:64]

ثم تولّيتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ٦٣ . 
 ثم تولّيتم  أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق  من بعد ذلك  أي من بعد أخذ الميثاق المؤكد  فلولا فضل الله عليكم ورحمته  أي لكم بتوفيقكم للتوبة، أو تأخير العذاب،  لكنتم من الخاسرين  أي الهالكين بالعقوبة. 
قال الراغب : الخاسر المطلق، في القرآن، هو الذي خسر أعظم ما يقتني، وذلك نعيم الأبد، وهو المذكور في قوله : قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة  [(١)](#foonote-١). 
وقال القفال : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور، تولوا عن التوراة بأمور كثيرة. فحرفوا كلمها عن مواضعه، وتركوا العمل بها، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بهم، وعصوا أمرهم. ومنها ما عمله أوائلهم، ومنها ما فعله متأخروهم، ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه، ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك. حتى لقد خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، وعوقبوا بالطاعون. وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به، حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح، وهموا بقتله. 
والقرآن، وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة، فالجملة معروفة، وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم. فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام / من الكتاب، وجحودهم لحقه. وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر. والله أعلم. 
١ \[٣٩/ الزمر/ ١٥\]..

### الآية 2:65

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [2:65]

ثم ذكّرهم تعالى بالإيقاع بمن نقض ميثاقه وفيما أخذه عليهم من تعظيم السبت بقوله : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ٦٥ . 
 ولقد علمتم الذين اعتدوا  أي تعمدوا العدوان  منكم في السبت  بأن استحلوه وتحيَّلوا على اصطياد الحيتان فيه. وذلك أن الله ابتلاهم، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت كما قال : تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا \* ويوم لا يسبتون لا تأتيهم \* كذلك نبلوهم  [(١)](#foonote-١) فحفروا حياضا عند البحر، وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم. فتسبب عن اعتدائهم المذكور ما ذكره تعالى بقوله : فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين  أي صاغرين مطرودين مبعَدين من الخير، أذلاء. وقد روي عن الضحاك وقتادة : أنهم مسخوا قردة. لها أذناب تَعَاوى، بعد ما كانوا رجالا ونساء. وأما مجاهد فقال : مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة. وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا. رواه ابن جرير. وهكذا قال القاشانيّ : كونوا قردة  أي متشابهين الناس في الصورة وليسوا بهم. ثم قال : والمسخ بالحقيقة حق غير منكر في الدنيا والآخرة. وردت به الآيات والأحاديث. وفي أثرٍ : عدّ المسوخ ثلاثة عشر، وبيان أعمالهم ومعاصيهم وموجبات / مسخهم. والحاصل أن من غلب عليهم وصف من أوصاف الحيوانات، ورسخ فيه بحيث زال استعداده، وتمكن في طبعه، وصار صورة ذاتية له، صار طبعه طبع ذلك الحيوان، ونفسه نفسه، فصارت صفته صورته. 
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون  [(٢)](#foonote-٢).

١ \[٧/ الأعراف/ ١٦٣\] ونصها: واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ١٦٣..
٢ \[٧/ الأعراف/ ١٦٣\]..

### الآية 2:66

> ﻿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [2:66]

فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ٦٦ . 
 فجعلناها  أي المسخة والعقوبة  نكالا  عبرة تنكل المعتبر بها، أي تمنعه وتردعه. ومنه النكل للقيد  لما بين يديها  من المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها  وما خلفها  ممن جاء بعدهم، أو لأهل تلك القرية وما حواليها، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها  وموعظة للمتقين  من قومهم، أو لكل متق سمعها. وأشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور، وأن النقم تقع في غيرهم، وعظاً لهم. 
**( تنبيه ) :**
أفادت هذه الآية التنويه بشأن يوم السبت عند الإسرائيليين، إذ مستحلوه منهم مسخوا قردة. وفي ترجمة التوراة ما نصه : وكلم الرب موسى قائلا : كلم بني إسرائيل، تحفظون السبت لأنه مقدس لكم، من دنّسه يقتل، ومن صنع فيه عملا يقطع من بين شعبه. في ستة أيام تصنع الأعمال، وأما اليوم السابع ففيه سبت راحة، وليحفظ بنو إسرائيل السبت، وليتخذوه عيدا بأجيالهم. لأن الرب خلق السماء والأرض في ستة أيام، وفرغ يوم السابع. وفيها أيضا ما نصه : في ستة أيام تعمل عملك، وأما اليوم السابع ففيه تستريح، لكي يستريح ثورك وحمارك ويتنفس ابن أمتك والغريب. انتهى. 
وقد حرم على اليهود فيه أن يُعدّوا طعامهم. بل حرم عليهم أن يوقدوا نارا. وفي / سفر نحميا في الفصل الثالث عشر ما نصه : وفي تلك الأيام رأيت في يهوذا قوما يدوسون في المعاصر في السبت ويأتون بأكداسها يحملونها على الحمير، وبخمر أيضا، وعنب وتين، وكل حمل مما كانوا يأتون به إلى أورشليم في يوم السبت. فأشهدت عليهم يوم بيعهم الطعام. وكان الصوريون المقيمون بها يأتون بالسمك. وكل نوع من المبيعات، ويبيعون في يوم السبت لبني يهوذا وفي أورشليم. فخاصمتُ عظماء يهوذا، وقلت لهم : ما هذا الشرّ الذي تفعلونه وتدنّسون يوم السبت ؟ ألم تفعل آباؤكم هكذا ؟ فجلب إلهنا كل هذا الشر علينا وعلى هذه المدينة، وأنتم تزيدون الغضب على بني إسرائيل بتدنيسكم السبت، إلى آخره.

### الآية 2:67

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [2:67]

ولما بيّن تعالى قساوتهم في حقوقه العلية، أتبعه ببيان قساوتهم في مصالح أنفسهم توبيخا لأخلافهم. مع الإشارة إلى نعمته عليهم في خرق العادة في شأن البقرة، وبيان من هو القاتل بسببها، وإحياء الله تعالى المقتول، ونصه على من قتله منهم، فقال : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ٦٧ . 
 وإذ قال موسى لقومه  بني إسرائيل  إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  وذلك أنه وجد قتيل فيهم، وكانوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله بذبح بقرة وأن يضربوه ببعضها ليحيى ويخبر بقاتله  قالوا  استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الكلام، كأنه قيل : فماذا صنعوا ؟ هل سارعوا إلى الامتثال أو لا. فقيل : قالوا أتتخذنا هزوا  بضم الزاي وقلب الهمزة واواً، وقرئ بالهمزة مع الضم والسكون. أي أتجعلنا مكانا هُزُوٍ، أو أهل هُزُوٍ، أو مهزوّاً بنا، أو نفس الهزو، للمبالغة. وأشعر جوابهم ما ثبت من فظاظتهم، إذ فيه سوء الأدب على من ثبتت رسالته وقد علموها.  قال  استئناف كما سبق  أعوذ بالله / أن أكون من الجاهلين  لأن الهزؤ في أثناء تبليغ أمر الله، سبحانه، جهل وسفه. نفى عنه، عليه السلام، ما توهموه من قِبَلِهِ على أبلغ وجه، وآكده، بإخراجه مخرج ما لا مكروه وراءه بالاستعاذة منه، استفظاعا له، واستعظاما لما أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه، عليه السلام، بها. والعَوْذ : اللّجَأُ من متخوَّف لكافٍ يكفيه. والجهل : التقدم في الأمور بغير علم.

### الآية 2:68

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [2:68]

قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ٦٨ . 
 قالوا  تماديا في الغلظة  ادع لنا  أي لأجلنا  ربك يبيّن لنا ما هي  ما حالها، وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى. فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن، الخارجة عما عليه البقر، و ما  وإن شاعت في طلب مفهوم الحقيقة، لكنها قد يطلب بها الصفة والحال. تقول : ما زيد ؟ فيقال : طبيب أو عالم.  قال  أي موسى عليه السلام، بعد ما دعا ربه عز وجل بالبيان، وأتاه الوحي. 
 إنه  تعالى  يقول إنها  أي البقرة المأمور بذبحها  بقرة لا فارض  أي لا مسنّة. وقد فرضت فروضا، فهي فارض، أي أسنّت. من الفرض بمعنى القطع. كأنها قطعت سنّها وبلغت آخرها.  ولا بكر  أي لا فتيّة صغيرة لم يُلَقِّحْها الفحل.  عوان  أي نصف  بين ذلك  أي سِنَّيِ الفارض والبكر،  فافعلوا ما تؤمرون  هذا أمر من جهة موسى عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به. وفيه حثٌّ على الامتثال، وزجر عن المراجعة. ومع ذلك لم يفعلوا، بل سألوا بيان اللون بعد بيان السنّ بأن : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين ٦٩ .

### الآية 2:69

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [2:69]

قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين ٦٩ . 
 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها \* قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها  شديد الصفرة، يقال في التوكيد : أصفر فاقع ووارس، كما يقال : أسود حالك، وأبيض يقق، وأحمر قانئ، واخضر ناضر ومدهامّ. وفي إسناد الفقوع إلى اللون مع كونه من أحوال الملوّن لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيد. كأنه قيل : صفراء شديدة الصفرة صفرتها كما في : جدّ جدّه.  تسرّ الناظرين . أي تبهج نفوسهم. 
روى ابن جرير بإسناد صحيح عن ابن عباس قال :( لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشُدد عليهم ). وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، ورفعه ابن جريج والله أعلم.

### الآية 2:70

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [2:70]

قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ٧٠ . 
 قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي  زيادة استكشاف عن حالها لتمتاز عما يشاركها في التعوين والصفرة. ولذلك عللوا تكرير سؤالهم بقولهم : إن البقر  الموصوف بما تقدم  تشابه علينا  لكثرته، أي اشتبه علينا أيّها نذبح. قال البقاعيّ : وذكّر الفعل، لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحدة، فإن العرب تذكره. نقل عن سيبويه.  وإنا إن شاء الله لمهتدون  إلى البقرة المراد ذبحها.

### الآية 2:71

> ﻿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [2:71]

قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ٧١ . 
 قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث . أي لم تذلل لإثارة الأرض وسقي الحرث. و لا ذلول  صفة لبقرة. بمعنى غير ذلول. و لا  الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى. لأن المعنى : لا ذلولا تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية، والمقصود : إنها مكرمة ليست مذللة بالحراثة، ولا مُعَدة للسقي في السانية. 
 مسلّمة  سلمها الله من العيوب، أو معفاة من العمل، سلمها أهلها منه، أو مخلصة اللون لم يشب صفرتَها شيء من الألوان. من : سلم له كذا، إذا خلص له. 
 لا شية فيها ، أي لا لون فيها يخالف لون جلدها من بياض وسواد وحمرة، فهي صفراء كلها، وهي في الأصل مصدر : وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر. في ( الصحاح ) : الشية : كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله. والجمع : شيات. يقال : ثور أَشْيَه، كما يقال : فرس أبلق. 
 قالوا الآن جئت بالحق  أي بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما عداها، ولم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا. بخلاف المرتين الأوليين، فإن ما جئت به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة  فذبحوها  الفاء فصيحة، كما في  فانفجرت ، أي فحصلوا البقرة فذبحوها. 
 وما كادوا يفعلون  كاد من أفعال المقاربة، وضع لدنوّ الخبر من الحصول، والجملة حال من ضمير ذبحوا، أي فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه. اعتراض تذييليّ ومآله استثقال استقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لفرط تطويلهم وكثرة مراجعاتهم ما كاد ينتهي خيط إسهابهم فيها. 
**( تنبيه ) :**
قال الراغب : قال بعض الناس : في هذه الآية دلالة على نسخ الشيء قبل/ فعله. فإن في الأول أمروا بذبح بقرة غير معينة، وكان لهم أن يذبحوا أي بقرة شاؤوا. وفي الثاني والثالث أمروا بذبح بقرة مخصوصة. فكأنهم نهوا عما كانوا أمروا به من قبل. وليس كذلك، فإن الأول أمر مطلق، والثاني والثالث كالبيان له، لمّا راجعوا. ولم يسقط عنهم ذبح البقرة. بل زيد في أوصافها وكشف عن المراد بالأمر الأول. وفي الآية دلالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.

### الآية 2:72

> ﻿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:72]

وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ٧٢ . 
 وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها  أي اختلفتم واختصمتم في شأنها، إذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر  والله مخرج ما كنتم تكتمون  مُظهر، لا محالة، ما كتمتم من أمر القتيل، لا يتركه مكتوماً.

### الآية 2:73

> ﻿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:73]

فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ٧٣ . 
 فقلنا اضربوه  أي المقتول  ببعضها  أي البقرة. يعني فضربوه فحيي وأخبر بقاتله. كما دل عليه قوله : كذلك  أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة  يحيي الله الموتى  يوم القيامة  ويريكم آياته  أي دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير. ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء. والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت، وإخباره بقاتله، وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة. 
 لعلكم تعقلون  لتكونوا برؤية تلك الآيات على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى. 
 قال الراغب : وقوله : كذلك يحيي الله الموتى  قيل هو حكاية عن قول موسى عليه السلام لقومه، وقيل بل هو خطاب من الله تعالى لهذه الأمة، تنبيها على الاعتبار بإحيائه الموتى.

### الآية 2:74

> ﻿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:74]

ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار وإن منها لما يشقّق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون ٧٤ . 
 ثم قست قلوبكم من بعد ذلك  المخاطبون إما أهل الكتاب الذين كانوا في زمنه صلى الله عليه وسلم، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم، والأمور التي جرت عليهم، والعقاب الذي نزل بمن أصرّ على المعصية منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم، والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم، وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم. فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. وهذا أولى لأن قوله تعالى : ثم قست قلوبكم ، خطاب مشافهة. فحملُه على الحاضرين أولى. وإما أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصا، أو من قبل المخاطبين من سلفهم. والله أعلم. 
 فهي كالحجارة  في القساوة  أو أشد  منها  قسوة  أي هي في القسوة مثل الحجارة أو زائدة عليها فيها. و أو  للتخيير أو للترديد، بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى كالحديد. أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، وترك ضمير المنفصل عليه للأمن من الالتباس  وإن من الحجارة لما يتفجّر  أي يتفتح بالسعة والكثرة  منه الأنهار  بيان لأشديّة قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة  وإن منها لما يشقّق  أي يتشقق  فيخرج منه الماء  أي العيون التي هي دون الأنهار  وإن منها لما يهبط من خشية الله  أي يتردّى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادا لما سخره له من الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشانيّ. 
وقد ذهب بعض المفسرين إلى الاستدلال بظاهر الآية على خلق التمييز في الجماد حتى يخشى ويسبح. والمحققون على أن هذه الآية وأمثالها من المجاز البليغ. وأن الإطلاق لا ينحصر في الحقيقة. لاسيما وأن المجاز أكثر في اللسان منها، كما بسط في مطولات البيان. 
وقد رد الإمام ابن حزم، في أول كتابه " الفصل " على من زعم أن للحيوان والجماد تمييزا، ردا مسهبا. وقال : من ادعى ذلك أكذبه العيان. ثم استثنى ما كان معجزة للأنبياء عليهم السلام. 
( قال ) ولعل معترضا يعترض بقوله تعالى يصف الحجارة  وإن منها لما يهبط من خشية الله ، فقد علمنا بالضرورة أن الحجارة لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث إليها نبي. فإذ لا شك في هذا، فإن القول منه تعالى يخرج على أحد ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون الضمير في قوله تعالى : وإن منها لما يهبط  راجع إلى القلوب المذكورة في أول الآية في قوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة  فذكر تعالى أن من تلك القلوب القاسية ما يقبل الإيمان يوما ما، فيهبط عن القسوة إلى اللين من خشية الله تعالى، وهذا أمر يشاهد بالعيان، فقد تلين القلوب القاسية بلطف الله تعالى، ويخشى العاصي. وقد أخبر عز وجل : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم  [(١)](#foonote-١)، وكما أخبر تعالى أن من الأعراب من يؤمن بالله[(٢)](#foonote-٢) من بعد أن أخبر أن  الأعراب أشد كفرا ونفاقا  [(٣)](#foonote-٣). ( قال ) فهذا وجه ظاهر متيقن الصحة. والوجه الثاني أن الخشية المذكورة في الآية إنما هي التصرف بحكم الله تعالى وجري أقداره، كما قلنا في قوله تعالى حاكيا عن السماء والأرض  قالتا أتينا طائعين  [(٤)](#foonote-٤). / والوجه الثالث أن يكون الله تعالى عنى بقوله : وإن منها لما يهبط من خشية الله  الجبل الذي صار دكًّا، إذ تجلى الله تعالى له يوم سأله كليمه عليه السلام الرؤية، فذلك الجبل بلا شك من جملة الحجارة، وقد هبط عن مكانه من خشية الله تعالى، وهذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة. ويكون  يهبط  بمعنى " هبط " كقوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا  [(٥)](#foonote-٥) معناه : وإذ مكر، وبين قوله تعالى، مصدقا إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم في إنكاره على أبيه عبادة الحجارة  لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر  [(٦)](#foonote-٦) وقوله تعالى : أم اتّخذوا من دون الله شفعاء \* قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون  [(٧)](#foonote-٧) فصح بهذا، صحة لا مجال للشك فيها، أن الحجارة لا تعقل. وإذ تيقن ذلك بالنص وبالضرورة والمشاهدة فقد انتفى عنها النطق والتمييز والخشية، المعهود كل ذلك عندنا. وأما الأحاديث المأثورة في أن الحجر له لسان وشفتان، والكعبة كذلك، وأن الجبال تطاوت، وخشع جبل كذا، فخرافات موضوعة نقلها كل كذاب وضعيف، لا يصح منها شيء من طريق الإسناد أصلا. ويكفي من التطويل في ذلك أنه لم يُدْخِل شيئا منها من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث، أو ما يستجاز روايته، مما يقارب الصحة ( انتهى كلام ابن حزم ). 
وقال ابن جرير : اختلف أهل النحو في معنى الهبوط ما هبط من الأحجار من خشية الله فقال بعضهم : إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيّؤ ظلاله. وقال آخرون : ذلك الجبل الذي صار دكاً إذ تجلى له ربه. وقال آخرون : قوله  يهبط من خشية الله  كقوله : جدارا يريد أن ينقضّ  [(٨)](#foonote-٨) ولا إرادة له. قالوا : وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يُرى كأنه هابط خاشع من ذلّ خشية الله. قال زيد الخيل :
بجمع تضلّ البُلْقَ في حجراته \*\*\* ترى الأُكْمَ منه سجّدا للحوافر[(٩)](#foonote-٩)
وكما قال سويد بن أبي كاهل، يصف عدوًّا له :
ساجدَ المَنْخِرِ لا يرفعه \*\*\* خاشع الطّرف أصم المستمع[(١٠)](#foonote-١٠)
يريد أنه ذليل. 
 **وكما قال جرير بن عطية :**
لما أتى خبر الزُبَيْر تواضعت \*\*\* سور المدينة والجبال الخشّع[(١١)](#foonote-١١)
وقال آخرون : معنى قوله : يهبط من خشية الله  أي يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه. كما قيل : ناقة تاجرة إذا كانت، من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية :
وأَعْوَرُ من نبهان، أما نهاره \*\*\* فأعمى، وأما ليله فبصير[(١٢)](#foonote-١٢)
فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهانيّ الذي يهجوه. من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. ثم اختار ابن جرير ما يقتضيه ظاهر الآية. وتقدم رد ابن حزم له مبرهنا عليه. 
ثم رأيت الإمام الراغب حاول هنا تقريب ما نقل من الوقوف على ظاهرها بتأويله. وعبارته : قال مجاهد وابن جريح : كل حجر تردى من رأس جبل فخشية الله نزلت به، وقال الزجاج : الهابط منها قد جعل له معرفة، قال ويدل على ذلك قوله : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية الله  [(١٣)](#foonote-١٣) وقال : ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض  [(١٤)](#foonote-١٤) إلى قوله : والنجوم والجبال والشجر والدّواب  [(١٥)](#foonote-١٥) وقد روي مثل هذا عن السلف، ولابد في معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول، وحقيقته. فإن قوما استسلموا لما حكي لهم من هذا النحو، فانطووا على شبهة. وقوما استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه، فيقال وبالله التوفيق : إن قوما من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب :
الأول المعرفة التامة التي هي العلم التام. وذلك لعلاّم الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما. 
والثاني معرفة متزايدة، وهي للإنسان. وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية. وجعل له بذلك سبيلا إلى تعرف كثير مما لم يعرفه. وليس ذلك إلا للإنسان. 
والثالث معرفة دون ذلك، وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها. واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها. 
والرابع : معرفة الناميات من الأشجار والنبات، وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في استجلاب المنافع وما ينميها. 
والخامس : معرفة العناصر. فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص به كالحجر في طلب السفل، والنار في/ طلب العلّو، وذلك بتسخير الله تعالى، بلا اختيار منه. قالوا : والدلالة على ذلك أن كل واحد من هذه العناصر إذا نقل من مركزه قهراً، أبى إلا العود إليه طوعا. قالوا ويوضح ذلك أن السراج يجتذب الأدهان التي تبقيه. ويأبى الماء الذي يطفيه. وأن المغناطيس يجر الحديد ولا يجر غيره. هذا ما حكوه. 
فعلى هذا إذا قيل : لهذه الأشياء معرفة، فليس ببعيد، متى سلم لهم أن هذه القوى تسمى معرفة. فأما إذا قيل إن للجمادات معارف الإنسان في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول. ( انتهى قول الراغب ). 
وهو تأويل حسن، ومبناه على أن اصطلاح السلف في كثير من الإطلاقات غير اصطلاحات الخلف. وهو مسلم في كثير من الإطلاقات. 
وقوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون  فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى. فإن الله عز وجل إذا كان عالما بما يعملونه، مطلعا عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. 
١ \[٣/ آل عمران/ ١٩٩\] ونصها: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ١٩٩..
٢ \[٩/ التوبة/ ٩٩\] ونصها: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ٩٩..
٣ \[٩/ التوبة/ ٩٧\] ونصها: الأعراب أشدّ كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ٩٧..
٤ \[٤١/ فصلت/ ١١\] ونصها: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ١١..
٥ \[٨/ الأنفال/ ٣٠\] ونصها: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ٣٠..
٦ \[ ١٩/ مريم/ ٤٢\] ونصها: إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ٤٢..
٧ \[٣٩/ الزمر/ ٤٣\]..
٨ \[١٨/ / الكهف/ ٧٧\] ونصها: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ٧٧..
٩ قال السيد محمود محمد شاكر في تعليقه على هذا البيت في تفسير ابن جرير (٢/ ١٠٤) ما يأتي:
 البلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حَجْرة: الناحية. والأُكْم (وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة.
 قال ابن قتيبة في المعاني الكبير: (يقول إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويزيد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر. والباء في (بجمع) متعلقة ببيت سالف هو:
 بني عامر، هل تعرفون إذا غدا\*\*\* أبو مِكْنَفٍ قد شدّ عَقْدَ الدّوابر.
١٠ وقال أيضا (٢/ ٢٤٢) ما يأتي:
 يقول: أذلّة فطأطأ رأسه خزيا، وألزم الأرض بصره، وصار كأنه أصمّ لا يسمع ما يقال له، فهو لا حراك به، مات وهو حيّ قائم، لا يحير جوابا. ولذلك قال بعده:
 فرّ مني هاربا شيطانه \*\*\* حيث لا يُعطي، ولا شيئا منع.
١١ وقال أيضا (٢/ ١٧) ما يأتي:
 استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل لما أضاف (سور) إلى مؤنث وهو (المدينة) وهو بعض منها.
 قال سيبويه: وربما قالوا في بعض الكلام: ذهبت بعض أصابعه، وإنما أنث البعض لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه يؤنثه. لأنه لو قال: (ذهبت عبد أمك) لم يحسن.
 وهذا البيت يعيّر به الفرزدق بالغدر ويهجوه. فإن الزبير بن العوام رضي الله عنه، حين انصرف يوم الجمل، عرض له رجل من بني مجاشع (رهط الفرزدق) فرماه فقتله غيلة.
 ووصف الجبال بأنها "خشع" يريد: عند موته خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع..
١٢ وقال أيضا (١/ ٣١٧) ما يأتي:
 كان الأعور النبهانيّ هجا جريراً. فأكله جرير. قال أبو عبيدة: (أي هو أعور النهار عن الخيرات، بصير الليل بالسوءات، يسرق ويزني)..
١٣ \[٥٩/ الحشر/ ٢١\]..
١٤ \[٢٢/ الحج/ ١٨\] ونصها: ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدّواب وكثير من الناس وكثير حقّ عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ١٨..
١٥ \[٢٢/ الحج/ ١٨\] ونصها: ألم ترى أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدّواب وكثير من الناس وكثير حقّ عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ١٨..

### الآية 2:75

> ﻿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:75]

ولما بيّن سبحانه وتعالى قساوة قلوبهم، تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان، فالتفت إلى المؤمنين يُؤْيسهم من فلاحهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض التنكيت عليهم، والتبكيت لهم، منكرا للطمع في إيمانهم فقال : \* أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ٧٥ . 
 أفتطمعون  أيها المؤمنون بعد أن علمتم تفاصيل شؤون أسلافهم المؤيسة عنهم  أن يؤمنوا  أي هؤلاء اليهود الذين بين أظهركم وهم متماثلون في الأخلاق الذميمة، لا يأتي من أخلافهم إلا مثل ما أتى من أسلافهم، ( واللام في قوله ) : لكم  لتضمين/ معنى الاستجابة. كما في قوله عز وجل : فآمن له لوط  [(١)](#foonote-١) أي في إيمانهم مستجيبين لكم. أو للتعليل أي في أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم  وقد كان فريق منهم  أي طائفة فيمن سلف منهم  يسمعون كلام الله  وهو ما يتلونه من التوراة  ثم يحرّفونه  قال ابن كثير : أي يتأولونه على غير تأويله. وقال ابن جرير : يعني بقوله : يحرّفونه  يبدلون معناه وتأويله ويغيّرونه، وأصله من انحراف الشيء عن جهته وهو ميله عنها إلى غيرها. فكذلك قوله : يحرّفونه  أي يميلونه عن وجهه، ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره.  من بعد ما عقلوه  أي فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة  وهم يعلمون  أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. 
قال ابن جرير : هذا إخبار عن إقدامهم على البهت ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى عليه السلام. وأن بقاياهم في العصر المحمديّ على مثل ما كان عليه أوائلهم في العصر الموسويّ بغيا وحسدا. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرّفون الكلم عن مواضعه  [(٢)](#foonote-٢) والظاهر أن المراد، بالفريق منهم، أحبارهم، وإنما فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى، من بعدُ، في قوله تعالى : واشتروا به ثمنا قليلا  [(٣)](#foonote-٣) وقال : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  [(٤)](#foonote-٤). 
 ولقائل أن يقول، كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين. وأجاب القفال عنه فقال : يحتمل أن يكون المعنى : كيف يؤمن هؤلاء، وهم إنما يأخذون دينهم، ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عنادا، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيّروه عن وجهه، والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك، ولا يلتفتون إلى أقوال أهل الحق، وهو قولك للرجل كيف تفلح، وأستاذك فلان ؟ أي وأنت عنه تأخذ، ولا تأخذ عن غيره. 
ونحوه قول الراغب : لما كان الإيمان هو العلم الحقيقيّ مع العمل بمقتضاه، فمتى لم يتحر ذلك من حصل له بعض العلوم، فحقيق أن لا يحصل لمن غَبِيَ عن كل العلوم. فذكر ذلك تبعيدا لإيمانهم لا يأسا للحكم بذلك، إذ ليس كل ما لا يطمع فيه كان مأيوسا ( ثم قال الراغب ) وفي الآية تنبيه أن ليس المانع للإنسان من تحري الإيمان الجهل به فقط، بل يكون عنادا وغلبة شهوة. 
**( تنبيه ) :**
ما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير  ثم يحرّفونه  هو الأنسب باعتبار سوق الآية الكريمة، ولا يتوهم من ذلك دفع تحريفهم اللفظيّ عن التوراة، فإنه واقع بلا ريب، فقد بدلوا بعضا منها وحرفوا لفظه، وأوّلوا بعضا منها بغير المراد منه، وكذا يقال في الإنجيل. ويشهد لذلك كلام أحبارهم، فقد نقل العلامة الجليل الشيخ رحمة الله الهنديّ في كتابه ( إظهار الحق ) : أن أهل الكتاب سلفا وخلفا، عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالبا الأسماء في تراجمهم، ويوردون بدلها معانيها، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد، وأنهم يزيدون تارة شيئا بطريق التفسير في الكلام، الذي هو كلام الله في زعمهم، / ولا يشيرون إلى الامتياز، وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم. ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة. ثم ساق بعضا منها فانظره. 
وفي ( ذخيرة الألباب )، لأحد علماء النصارى، ما مثاله : إن بغضهم ذهب إلى أن روح القدس لم يق الكتبة عثرة الخطأ الطفيف، ولا كفاهم زلة القَدَم حتى لم يَسْتَحِلْ أنهم خلطوا البشريات بالإلهيات. وفيه أيضا : إن بين النسخة العبرانية والسامرية واليونانية من الأسفار الخمسة خلافا عظيما في أمر التاريخ. فإذا تحريف الأسفار الخمسة أمر بيّن. وفيه أيضا في الفصل ( ٣١ ) : أن بعض علمائهم زعم أنه وجد في الترجمة اللاتينية العامية للعهدين العتيق والجديد نيفا وأربعة آلاف غلطة، ورأى آخر فيها ما يزيد على الثمانية آلاف خطأ. انتهى. فثبت من شهادتهم وقوع التحريف اللفظيّ فيها. وهو المقصود. 
وأما القول بتحريف الأسفار كلها أو جلها، فهو إفراط. قال الحافظ ابن حجر في أواخر ( شرح الصحيح ) في باب قول الله تعالى : بل هو قرآن مجيد  [(٥)](#foonote-٥) : إن القول بأنها بدلت كلها مكابرة. والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل. من ذلك قوله تعالى :
 الذين يتّبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل  [(٦)](#foonote-٦) الآية. ومن ذلك / قصة رجم اليهوديين[(٧)](#foonote-٧) وفيه وجود آية الرجم ويؤيده قوله تعالى : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين  [(٨)](#foonote-٨). وقد أسلفنا تتمة هذا البحث في مقدمة التفسير في الكلام على الإسرائيليات. فارجع إليه.

١ \[٢٩/ العنكبوت/ ٢٦\] ونصها: \* فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ٢٦..
٢ \[٥/ المائدة/ ١٣\] ونصها: فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرّفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكّروا به ولا تزال تطّلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ١٣..
٣ \[٣/ آل عمران/ ١٨٧\] ونصها: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ١٨٧..
٤ \[٢/ البقرة/ ١٤٦\] ونصها: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ١٤٦.
 و\[٦/ الأنعام/ ٢٠\] ونصها: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ٢٠..
٥ \[٨٥/ البروج/ ٢١\]..
٦ \[٧/ الأعراف/ ١٥٧\] ونصها: الذين يتّبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ١٥٧..
٧ أخرجه البخاري في: ٦١- كتاب المناقب، ٢٦ ـ باب قول الله تعالى: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون.
 عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويُجْلَدون. فقال عبد الله بن سَلاَم: كذبتم. إن فيها الرجم. فأَتَوا بالتوراة فنشروها. فوضع أحدهم يده على آية الرجم. فقرأ ما قبلها وما بعدها.
 فقاله له عبد الله بن سلاَم: ارفع يدك.
 فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. 
 فقالوا: صَدَقَ، يا محمد، فيها آية الرجم.
 فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجما.
 قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة..
٨ \[٣/ آل عمران/ ٩٣\] ونصها: \* كلّ الطعام كان حلاّ لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ٩٣..

### الآية 2:76

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:76]

ثم أخبر تعالى، عن تخلق أولئك المأيوس من إيمانهم من اليهود بأخلاق المنافقين وسلوكهم منهاجهم، بقوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجّوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ٧٦ . 
 وإذا لقوا الذين آمنوا  أي بالله ورسوله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  قالوا آمنا  أي بأنكم على الحق، وأن محمدا هو الرسول المبشر به، وكأنهم يقولون ذلك إرضاءً لحلفائهم من الأوس والخزرج، أو جهرا بحقيقة لا يسعهم، أمام حلفائهم، السكوت عنها.  وإذا خلا بعضهم  يعني الذين لم ينافقوا  إلى بعض  أي الذين نافقوا  قالوا  أي عاتبين عليهم  أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم  أي بما بيّن لكم في التوراة من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالنبي الذي يجيئكم مصدقا لما معكم، ونصره. 
قال ابن إسحق : أي أتقرّون بأنه نبي، وقد علمتم أنه أُخِذَ له الميثاق عليكم بإتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي نجده في كتابنا، اجحدوه ولا تقرّوا به. 
قال ابن جرير : أصل الفتح في كلام العرب القضاء والحكم. والمعنى : أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم ؟ ومن حكمه تعالى وقضائه فيهم، ما أخذ ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به في التوراة. اه. 
 ليحاجّوكم  متعلقة بالتحديث، دون الفتح، أي ليقيم المؤمنون به عليكم الحجة  به عند ربكم  أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة، فيقولون : ألم تحدثونا بما في كتابكم، في الدنيا، من حقيّة ديننا، وصدق نبينا ؟ فيكون ذلك زائدا في ظهور فضيحتكم، وتوبيخكم على رؤوس الخلائق، في الموقف. لأنه ليس من اعترف بالحق، ثم كتم، كمن ثبت على الإنكار. 
وتأول الراغب الأصفهانيّ قوله تعالى : عند ربكم  أي في حكمه وكتابه، كما هو وجه في آية  فإذ لم يأتوا بالشهداء \* فأولئك عند الله هم الكاذبون  [(١)](#foonote-١) أي في / حكم الله وقضائه، وهو وجه جيد. وقوله : أفلا تعقلون  من تمام التوبيخ والعتاب، فهو من جملة الحكاية عنهم على سبيل إنكار بعضهم على بعض. قال الراغب : ويصح أن تكون استئناف إنكار من الله عز وجل، على سبيل ما يسمى في البلاغة " الالتفات ". ويصح أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين، تنبيها على ما يفعله الكفار والمنافقون.

١ \[٢٤/ النور/ ١٣\] وأولها: لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء..

### الآية 2:77

> ﻿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [2:77]

أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون ٧٧ . 
 أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرّون  أي يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره  وما يعلنون  أي يظهرون من ذلك، فيخبر به أولياءه. قال الراغب : هذا تبكيت لهم، وإنكار لما يتعاطونه، مع علمهم بأن الله لا يخفى عليه خافية.

### الآية 2:78

> ﻿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [2:78]

ولما ذكر العلماءَ من اليهود الذين عاندوا بالتحريف، مع العلم والاستيقان، مع ذكر العوامَّ الذين قلدوهم، ونبَّه على أنهم في الضلال سواء. لأن العالِمَ عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامّيّ أن لا يرضى بالتقليد والظن، وهو متمكن من العلم، فقال : ومنهم أميّون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ وإن هم إلا يظنون ٧٨ . 
 ومنهم أميّون  أي لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة، فيؤمنوا.  لا يعلمون الكتاب  أي التوراة، أي لا يدرون ما فيها من حدود وأحكام ومواثيق  إلا أمانيّ  بالتشديد جمع أمنية، أصلها أُمْنُويَة ( أفْعُولَة ) فأُعِلَّتْ إعلالَ سيّد، وميّت. مأخوذة من تمني الشيء : قدّره وأحب أن يصير إليه. أو من تمنّى : كذب. أو من تمنّى الكتاب : قرأه. وعلى كل فالاستثناء منقطع، إذ ليس ما يُتمنى، وما يُختلق وما يُتلى، من جنس علم الكتاب. أي لا يعلمون الكتاب. لكن يتمنون / أمانيّ حسبما منَّتْهم أحبارُهم من أن الله سبحانه يعفو عنهم. وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم. وغير ذلك من أمانيّهم الفارغة. المستندة إلى الكتاب، على زعم رؤسائهم. أو لا يعلمون الكتاب، لكن أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم. فتقبلوها على التقليد. أو لا يعلمون الكتاب لكن يتلقونه قدر ما يتلى عليهم. فيقبلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر والتأمل فيه. 
قال ابن جرير : وأوْلى ما روينا في تأويل قوله : إلا أماني  أن هؤلاء الأميين لا يفقهون، من الكتاب الذي أنزله الله، شيئا. ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقوّلون الأباطيل كذبا وزورا. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرّصه وافتعاله. بدليل قوله تعالى بعدُ : وإن هم إلا يظنّون  فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنا منهم، لا يقينا. 
وقال أبو مسلم الأصفهانيّ : حَمْلُهُ على تمني القلب أولى. بدليل قوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى \* تلك أمانيّهم  [(١)](#foonote-١) أي تمنيهم. وقال الله تعالى : ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب \* من يعمل سوءا يجز به  [(٢)](#foonote-٢) وقال : تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم  [(٣)](#foonote-٣)،  وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر \* وما لهم بذلك من علم \* إن هم إلا يظنون  [(٤)](#foonote-٤) بمعنى يقدّرون ويخرصون. ورجح كثيرون حمله على القراءة، كقوله تعالى :/  إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  [(٥)](#foonote-٥) إذ في الاستثناء، حينئذ، نوع تعلق بما قبله. فيكون أليقَ في طريقة الاستثناء. و إن هم إلا يظنون  ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد، من غير أن يصلوا إلى رتبة العلم. فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين ؟
**( تنبيه ) :**
قال الراغب : قد أنبأ الله عن جهل الأميين وذمهم والمبالغة في ذم علمائهم وأحبارهم. فإن الأميين لم يعرفوا إلا مجرد التلاوة. واعتمدوا على زعمائهم وأحبارهم. وهم قد ضلوا وأضلوا. ونبهنا الله تعالى بذم الأميين، على اكتساب المعارف لئلا يحتاج إلى التقليد والاعتماد على من لا يؤمن كذبه. وبذم زعمائهم، على تحرّي الصدق وتجنب الإضلال. إذ هو أعظم من الضلال اه.

١ \[٢/ البقرة/ ١١١\]..
٢ \[٤/ النساء/ ١٢٣\] ونصها: ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ١٢٣..
٣ \[٢/ البقرة/ ١١\]..
٤ \[٤٥/ الجاثية/ ٢٤\]..
٥ \[٢٢/ الحج/ ٥٢\] ونصها: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ٥٢..

### الآية 2:79

> ﻿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [2:79]

ولما بين حال هؤلاء في تمسكهم بحبال الأمانيّ وإتباع الظن، عقب ببيان حال الذين أوقعوهم في تلك الورطة، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل. فقيل على وجه الدعاء عليهم : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ٧٩ . 
 فويل  فإن أضيف، نُصِبَ. نحو : ويلَكَ وويحَك – وإذا فُصِل عن الإضافة، / رفع. نحو : ويل له. الويل : الهلاك وشدة العذاب  للذين يكتبون الكتاب  أي المحرّف. أو ما كتبوه من التأويلات الزائفة  بأيديهم  تأكيد لدفع توهم المجاز. كقولك : كتبته بيميني. وقد يقال في مثل هذا : إن فائدته تصوير الحلة في النفس كما وقعت حتى يكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدا للهيئة  ثم يقولون  لما كتبوه، كذبا وبهتانا  هذا من عند الله ليشتروا به  أي يأخذوا لأنفسهم بمقابلته  ثمنا قليلا  أي عَرَضاً يسيراً. ويجوز في الآية معنى آخر. أي : فويل للذين يكتبون كتاب التوراة بأيديهم ثم يقولون : هذا من عند الله، فيشهدون بذلك. وكان من مقتضى كتابتهم التي تقفهم من الكتاب على ما لا يقفون عليه، لو كان كتابة غيرهم، ومقتضى قولهم إقرارهم بأنه من عند الله –الوقوف مع عهوده ومواثيقه، إجلالا لمُنْزِلِهِ ومُوحيه، ودعوى الناس إلى ظواهره وخوافيه. ولكن لم يكن ذلك منهم. بل كان أن حرّفوا كلمه عن مواضعه ليشتروا به ثمنا قليلا. وحاصل هذا الوجه إبقاء الكتاب المكتوب على أصله، وصدقهم في قولهم : هذا من عند الله. ثم مخالفتهم لذلك. فيكون قوله تعالى : ليشتروا به  تعليلا لمحذوف دل عليه السياق. أي ثم بعد ذلك يحرفونه ليشتروا به. وهو وجه جيد يوافق آية  يحرّفون الكلم عن مواضعه  وربما يشير إلى هذا الوجه قول مجاهد فيما رواه ابن جرير : هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه  فويل لهم مما كتبت أيديهم  أي : فشدّة العذاب لهم مما غيرت أيديهم  وويل لهم مما يكسبون  يصيبون من الحرام والسحت. 
قال الراغب : إن قيل : لم ذكر  يكسبون  بلفظ المستقبل و كتبت  بلفظ الماضي ؟ قيل : تنبيها على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :( من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها/ ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فنبه بالآية أن ما أصّلوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا ( إن قيل ) لم ذكر الكتابة دون القول ( قيل ) لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه، إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ. لأن كلام اليد يبقى رسمه والقول يضمحل أثره. ( إن قيل ) : ما الذي كانوا يكتبونه ؟ ( قيل ) : روي عن بعض السلف أن رؤساء اليهود كانوا يغيرون من التوراة نعت النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقولون هذا من عند الله. وهذا فصل يحتاج إلى شرح. وهو أنه يجب أن يتصور أن كل نبي أتى بوصف لنبي بعده، فإنه أتى بلفظة معرّضة وإشارة مدرجة، لا يعرفها إلا الراسخون في العلم. وقد قال العلماء : ما انفك كتاب منْزَل من السماء من تضمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. لكن بإشارات. ولو كان ذلك متجليا للعوامّ لم عوتب علماؤهم في كتمانه. ثم ازداد ذلك غموضا بنقله من لسان إلى لسان : من العبرانيّ إلى السريانيّ إلى العربيّ. وقد ذكر المحصلةُ ألفاظا من التوراة والإنجيل، إذا اعتُبرت وجدت دالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بتعريض. هو عند الراسخين في العلم جليّ وعند العامة خفيّ. فبان بهذه الجملة أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرّفة. وقد نبه الله تعالى بالآية على التحذير من تغيير أحكامه، وتبديل آياته، وكتمان الحق عن أهله، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طمعا في عَرَضِ الدنيا. وقد تقدم أنه عنى بالثمن القليل، أعراض الدنيا وإن كثرت. لقوله تعالى : قل متاع الدنيا قليل  [(٢)](#foonote-٢) اه كلام الراغب رحمه الله.

١ أخرجه مسلم عن جرير في: ٤٧ ـ كتاب العلم، حديث ١٥ ونصه: (من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فعُمِل بها بعده، كُتِب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقُصُ من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعده، كُتِب عليه وزر من عمل بها، ولا ينقُصُ من أوزارهم شيء)..
٢ \[٤/ النساء/ ٧٧\] ونصها: ... قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتّقى ولا تظلمون فتيلا ٧٧..

### الآية 2:80

> ﻿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:80]

وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ٨٠ . 
 وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  بيان لبعض آخر من جناياتهم فيما ادّعوا لأنفسهم من أنهم لا تمسهم النار في الآخرة إلا مدة يسيرة. ومرادهم بذلك أنهم لا يخلدون فيها. لأن كل معدود منقض. قال مجاهد :( كانت اليهود تقول : إنما الدنيا سبعة آلاف سنة. فإنما نعذَّب، مكان كل ألف سنة، يوما. ثم ينقطع العذاب ). وروي ذلك عن ابن عباس. وعنه :( أن اليهود قالوا : لن ندخل النار إلا الأيام التي عبدنا فيها العجل، أربعين، فإذا انقضت انقطع عنا العذاب ). ثم بين تعالى إفكهم. لأن العقل لا طريق له إلى معرفة ذلك، وإنما سبيل معرفته الإخبار منه تعالى، وهو منتف. فقال سبحانه : قل  منكرا لقولهم وموبِّخا لهم  أتخذتم عند الله عهدا  أي عَهِدَ إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار  فلن يخلف الله عهده  أي فتقولوا لن يخلف الله عهده. وجعل بعضهم الفاء فصيحة مُعرِبة عن شرط مقدر. أي : إن كان الأمر كذلك فلن يخلفه  أم تقولون  أي : أم لم يكن ذلك فأنتم تقولون مفترين  على الله ما لا تعلمون  أي وقوعه جهلا وجراءة. وقولهم المحكيّ، وإن لم يكن تصريحا بالافتراء عليه سبحانه، لكنه مستلزم له. لأن ذلك الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى.

### الآية 2:81

> ﻿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:81]

بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٨١ . 
 بلى  إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله : لن تمسنا النار  أي بلى تمسكم أبدا. بدليل قوله : هم فيه خالدون ،  من كسب سيئة  أي عملها وهي والسيئ / عملان قبيحان. أصلها سيوءة. من : ساءه يسوءه. فأُعِلَّتَ إعلال سيد. ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لابد أن يكون سببه محيطا به فقال : وأحاطت به خطيئته  أي غمرته من جميع جوانبه فلا تبقى له حسنة. وسدت عليه مسالك النجاة. بأن عمل مثل عملكم أيها اليهود. وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بماله من حسنة  فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . 
**( تنبيه ) :**
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الخلود في النار إنما هو للكفار والمشركين. لما ثبت في السنة، تواترا، من خروج عصاة الموحدين من النار. فيتعين تفسير السيئة والخطيئة، في هذه الآية، بالكفر والشرك. ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود.

### الآية 2:82

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:82]

والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ٨٢ . 
 والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون  من عادة التنزيل العزيز أنه لا يذكر فيه آية في الوعيد إلا ويتلوها آية في الوعد. وذلك لفوائد : منها، ليظهر بذلك عدله سبحانه. لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرّين على الكفر، وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرّين على الإيمان. ومنها، أن المؤمن لابد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه. وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. ومنها، أنه يظهر بوعده كمال رحمته، وبوعيده كمال حكمته، فيصير ذلك سببا للعرفان. 
وقد قدمنا عند قوله تعالى : وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات  [(١)](#foonote-١) أن السلف أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل. فإذا عطف عليه العمل، فإما أن يكون من عطف الخاص على العام. أو يقال : لم يدخل فيه ولكن مع العطف. كما في اسم الفقير والمسكين. فتذكر. 
 قال الراغب : في هذه الآية دليل على أن قوله تعالى من قبل  بلى من كسب سيئة  هو الكفر. وإحاطة الخطيئة به، الأعمال السيئة، وذلك لما قابله به من الإيمان والأعمال الصالحة. 
١ \[٢/ البقرة/ ٢٥\]..

### الآية 2:83

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [2:83]

ثم شرع، سبحانه، يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم تولّيتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ٨٣ . 
 وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل  ثم بيّن الميثاق بقوله تعالى : لا تعبدون إلا الله  وهو إخبار في معنى النهي، كقوله تعالى : ولا يضارّ كاتب ولا شهيد  [(١)](#foonote-١) وكما تقول، تذهب إلى فلان وتقول له كذا، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي. وقد بدئ بأعلى الحقوق وأعظمها. وهو حق الله تبارك وتعالى، أن يُعبد وحده ولا يشرك به شيئا. وبهذا أمر جميع خلقه. ولذلك خلقهم. كما قال الله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون  [(٢)](#foonote-٢). وقال تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت  [(٣)](#foonote-٣).  وبالوالدين إحسانا  والإحسان نهاية البر، / فيدخل فيه جميع ما يجب من الرعاية والعناية، وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين. حتى قرن تعالى الأمر بالإحسان إليهما، بعبادته التي هي توحيده، والبراءة عن الشرك، اهتماما به وتعظيما له. 
قال حكيم مصر في ( تفسيره ) : العلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد، هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشؤونه أيام كان ضعيفا عاجزا جاهلا. لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا. وكانا يحوطانه بالعناية والرعاية. ويكفلانه، حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه. فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما، عن علم واختيار، بل مع الشغف الصحيح والحنان العظيم، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان. وإذا وجب على الإنسان أن يشكر، لكل من يساعده على أمر عسير، فضلَه، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد، وما كانت به المساعدة، فكيف لا يجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر لله تعالى، وهما اللذان كانا يسعدانه على كل شيء، أيام كان يتعذر عليه كل شيء اه.  وذي القربى  أي القرابة. 
قال الأستاذ الحكيم ( الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة، ويوثق الروابط الطبيعية، حتى تبلغ البيوت، في وحدة المصلحة، درجة الكمال. والأمة تتألف من البيوت، أي العائلات. فصلاحها صلاحها. 
ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة. وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدّهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد. ثم بين سائر الأقربين. فمن فسدت فطرته حتى لا خير فيه لأهله، فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين ؟ ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءا من بنية أمته. لأنه لم تنفع فيع اللحمة النسبية التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس. فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل فتجعله جزءا منهم، يسره ما يسرهم ويؤلمه ما يؤلمهم ويرى منفعتهم عين منفعته، ومضرتهم عين مضرته ؟ قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من كل نعرة، وصلتها أمتن من كل صلة. فجاء الدين يقدّم حقوق الأقربين على سائر الحقوق. وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص. ثم ذكر تعالى حقوق أهل الحاجة من سائر الناس فقال سبحانه : واليتامى والمساكين . اليتامى جمع يتيم. وهو من مات أبوه وهو صغير. قدم تعالى الوصية به على الوصية بالمسكين، ولم يقيدها بفقر أو مسكنة. فعُلِمَ أنها مقصودة لذاتها. وقد أكد تعالى في الوحي الوصية باليتيم. وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا. وحسبك أن القرآن نهى عن قهر اليتيم وشدد الوعيد على أكل ماله تشديدا خاصا. والسر في ذلك هو كون اليتيم لا يجد، في الغالب، من تبعثه عاطفة الرحمة الفطرية على العناية بتربيته والقيام بحفظ حقوقه والعناية بأموره الدينية والدنيوية. فإن الأم، إن وجدت، تكون في الأغلب عاجزة. لاسيما إذا تزوجت بعد أبيه. فأراد الله تعالى، وهو أرحم الراحمين، بما أكد من الوصية بالأيتام، أن يكونوا من الناس بمنزلة أبنائهم. يربونهم تربية دينية دنيوية، لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم ؛ فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالا. فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد. والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة. فإهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد الأمة. وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون المُلْحِفون الذين يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم، أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا. إلا أنهم قد اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملا ينفع الناس. ولكن المسكين من يعجز عن كسب ما يكفيه اه. 
 وقولوا للناس حسنا  أي قولاً حسنا. أي : كلموهم طيبا ولينوا لهم جانبا. وفيه من التأكيد والتحضيض على إحسان مقاولة الناس، أنه وضع المصدر فيه موضع الاسم، وهذا إنما يستعمل للمبالغة في تأكيد الوصف، كرجل عدل وصوم وفطر.  وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  خطاب لبني إسرائيل. فالمراد الصلاة التي كانوا يصلونها والزكاة التي كانوا يخرجونها.  ثم تولّيتم  أي أعرضتم عن المضيّ على مقتضى الميثاق الذي فيه سعادتكم ورفضتموه. وقوله : إلا قليلا منكم  استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى عليه السلام، أو في كل زمن. فإنه لا تخلو أمة من الأمم، من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم وقدر طاقتهم. والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم، وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهيّ إذا فشا فيها المنكر، وقلّ المعروف  وأنتم معرضون  عادتكم الإعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق.

١ \[٢/ البقرة/ ٢٨٢\] ونصها: ... ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلّمكم الله والله بكل شيء عليم ٢٨٢..
٢ \[٢١/ الأنبياء/ ٢٥\]..
٣ \[١٦/ النحل/ ٣٦\] ونصها: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقّت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ٣٦..

### الآية 2:84

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [2:84]

ثم نعى عليهم أيضا إخلالهم بواجب الميثاق المأخوذ عليهم في حقوق العباد بقوله : وإذ أخدنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ٨٤ . 
 وإذ أخدنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم  إخبار في معنى النهي. والمراد به النهي الشديد عن تعرض بعض بني إسرائيل لبعض بالقتل والإجلاء. أي لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرجه من منزله  ثم أقررتم  أي أظهرتم الالتزام بموجب المحافظة على الميثاق المذكور  وأنتم تشهدون  بلزومه. فهو توكيد للإقرار، كقولك : أقر فلان، شاهدا على نفسه.

### الآية 2:85

> ﻿ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:85]

\[ ٨٥ \]  ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرّم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ٨٥ . 
 ثم أنتم هؤلاء  خطاب خاص للحاضرين، فيه توبيخ شديد  تقتلون أنفسكم/ وتخرجون فريقا منكم من ديارهم  من غير التفات إلى العهد الوثيق  تظاهرون عليهم  أي تتعاونون عليهم  بالإثم  وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم  والعدوان  وهو التجاوز في الظلم  وإن يأتوكم  أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم  أسارى  بضم الهمزة، وفتح السين، والألف بعدها. وقرأ حمزة  أسرى  بفتح الهمزة، وسكون السين كقتلى، جمع أسير، وأصله المشدود بالأسْر، وهو القِدّ، وهو ما يُقَدّ أي يقطع من السير  تفادوهم  بضم التاء وفتح الفاء. وقرئ تَفْدوهم بفتح التاء وسكون الفاء، أي تخلصوهم بالمال من الفداء. وهو الفكاك بِعوَضٍ  وهو محرّم عليكم إخراجهم  الجملة حال من الضمير في  تخرجون  أو من  فريقا  أو منهما. وتخصيص بيان الحرمة ههنا بالإخراج، مع كونه قرينا للقتل عند أخذ الميثاق، لكونه مظنة للمساهلة في أمره، بسبب قلة خطره بالنسبة إلى القتل. ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم معا. وذلك مختص بصورة الإخراج حيث لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من ديةٍ أو قصاص. وهو السر في تخصيص التظاهر به فيما سبق. ثم أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام فقال : أفتؤمنون ببعض الكتاب  أي : التوراة وهو الموجب للمفاداة  وتكفرون ببعض  وهو المحرّم للقتل والإخراج. ثم اعلم أن ما ذكرناه في قوله تعالى : تفادوهم وتؤمنون ببعض الكتاب  هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين. من أن ذلك وصف لهم بما هو طاعة، وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره، والإيمان بذلك. وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك. والمراد أنكم، مع القتل والإخراج، إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال وإن كان ذلك محرما عليكم ؛ ثم عنده تخرجونه من الأسر. 
قال أبو مسلم : والمفسرون، إنما أُتُوا من جهة قوله تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم. والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض. 
وكلا القولين يحتمله لفظ المفاداة، لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه. والآخذ منه للتخليص يوصف أيضا بذلك. إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب. لأن عود قوله : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية، أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات. أفاده الرازيّ.  فما جزاء من يفعل ذلك منكم  إشارة إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعض. أو إلى ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى  إلا خزي  ذلّ وهوان مع الفضيحة. والتنكير للتفخيم.  في الحياة الدنيا  وقد فعل سبحانه ذلك، فقُتِلَتْ بنو قريظة وأُجْلِيَتْ بنو النضير إلى أَذْرِعَاتٍ[(١)](#foonote-١) وأريحا[(٢)](#foonote-٢) من الشام.  ويوم القيامة يردّون إلى أشد العذاب  يعني النار  وما الله بغافل عما تعملون .

١ قال ياقوت: 
 أذرِعات: كأنه جمع أذرعة، جمع ذراع جمع قلة. وهو بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وغسّان.
 أريحا: هي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأُردن بالشام..
٢ قال ياقوت: 
 أذرِعات: كأنه جمع أذرعة، جمع ذراع جمع قلة. وهو بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وغسّان.
 أريحا: هي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأُردن بالشام.
 .

### الآية 2:86

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:86]

أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ٨٦ . 
 أولئك الذين اشتروا  أي آثروا  الحياة الدنيا  على خساستها. واستبدلوها  بالآخرة  مع نفاستها.  فلا يخفّف عنهم العذاب  في واحدة من الدارين.  ولا هم ينصرون  قال الحافظ ابن كثير في ( تفسيره ) : أنكر تعالى على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا في الجاهلية عبّاد أصنام، وكانت / بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل : بنو قَيْنُقَاع، حلفاء الخزرج. وبنو نضير وبنو قُرَيْظة حلفاء الأوس. فكانوا، إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه. فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها، ويسفكون دماءهم، وبأيديهم التوراة. يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ولا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما ؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها وأسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم. فإذا عيرتهم العرب بذلك وقالوا : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم وحُرّم علينا قتالهم. فيقال : لم تقاتلونهم ؟ قالوا : إنا نستحيي أن تُسْتَذَلَّ حلفاؤنا. فلذلك حين عيرهم عز وجل فقال : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  أي تفادوهم بحكم التوراة وتقتلونهم. وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ؛ ابتغاء عرض الدنيا. هذا ملخص ما ساقه ابن كثير عن محمد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس. ورواه أيضا عن السدّيّ. فليحقق تصحيح هذه القصة. 
وفي الآية تفسير آخر. أي لا تقتلوا أنفسكم لشدة تصيبكم بسكّين أو خنق أو بارتكاب ما يوجب ذلك. كالارتداد والزنى بعد الإحْصان. وقتل النفس بغير الحق ونحو ذلك. ولا تسيئوا جوار من جاوركم فيضطرون إلى الخروج من دياركم. أو : لا تفسدوا فتكونوا سببا لإخراجكم أنفسكم. والله أعلم.

### الآية 2:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [2:87]

ولقد آتينا موسى الكتاب وقفّينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيّدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذّبتم وفريقا تقتلون ٨٧ . 
 ولقد آتينا موسى الكتاب  شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم. وتصديرُه بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به. والمراد بالكتاب التوراة.  وقفّينا من بعده بالرسل  يقال : قفَّاه به أتبعه إياه، من التقفية وهي متابعة شيء شيئا. كأنه يتلو قفاه، وقفا الصورة منها، خلفها المقابل للوجه. والمعنى لم تقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى، بل أرسلنا من بعده الرسل تترى، ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود.  وآتينا عيسى  اسم معرّب أصله يسوع. لفظة يونانية بمعنى مخلص. ومثله يشوع، بالمعجمة، في اللغة العبرانية  ابن مريم البينات  المعجزات الواضحات التي لا مرية فيها لذي عقل. كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص  وأيّدناه  أي قويناه على ذلك كله  بروح القدس  بالروح المقدسة كما تقول : حاتم الجود ورجل صدق. وهي الروح الطاهرة التي نفخها الله فيه وميزه بها عن غيره ممن خلق. قال تعالى : وروح منه  [(١)](#foonote-١). ولذا كان له، عليه الصلاة والسلام، بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى. وعن الحسن البصريّ : القدس هو الله. وروحه جبريل. وبالإضافة للتشريف. والمعنى :/ أَعَنَّاه بجبريل. قال الرازيّ : والذي يدل أن روح القدس جبريل قوله تعالى : قل نزّله روح القدس  [(٢)](#foonote-٢) والله أعلم. 
وتخصيصه من بين الرسل عليهم السلام بالذكر ووصفه بما ذكر من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس لحسم مادة اعتقادهم الباطل في حقه عليه السلام، ببيان حقيته وإظهار نهاية قبح ما فعلوا به عليه السلام  أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم  من الحق، أي لا تحبه. من هَوِي كفرح، إذا أحب  استكبرتم  عن الإتباع له والإيمان بما جاء به من عند الله تعالى  ففريقا  منهم  كذّبتم  إذ لم تنل أيديكم مضرّته  وفريقا  آخر منهم  تقتلون  غير مكتفين بتكذيبهم. 
١ \[٤/ النساء/ ١٧١\] ونصها: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.....
٢ \[١٦/ النحل/ ١٠٢\] ونصها: قل نزّله روح القدس من ربك بالحق ليثبّت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ١٠٢..

### الآية 2:88

> ﻿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [2:88]

وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ٨٨ . 
 وقالوا  بيان لنوع آخر من مخازيهم. والقائلون المعاصرون للنبي عليه الصلاة والسلام  قلوبنا غلف  هذا كقوله تعالى : وقالوا قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه  [(١)](#foonote-١) أي هي مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها. فلا تفقهه. مستعار من الأغلف الذي لم يختن  بل لعنهم الله بكفرهم  رد الله أن تكون قلوبهم كذلك لأنها متمكنة من قبول الحق. وإنما طردهم عن رحمته بسبب كفرهم وزيغهم. وهذا كما قال في سورة النساء : وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا  [(٢)](#foonote-٢). وقوله : فقليلا / ما يؤمنون  " ما " مزيدة للمبالغة أي فإيمانا قليلا يؤمنون. وهو إيمانهم ببعض الكتاب. 
١ \[٤١/ فصلت/ ٥\] ونصها: وقالوا قلوبنا في أكنّة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ٥..
٢ \[٤/ النساء/ ١٥٥\] ونصها: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ١٥٥..

### الآية 2:89

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [2:89]

ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدّق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ٨٩ . 
 ولما جاءهم كتاب  هو القرآن الكريم الذي مقصود هذه السورة. وصفه بالهدى. وتنكيره للتفخيم. ونعته بقوله : من عند الله  للتشريف 
 مصدّق لما معهم  من التوراة. وجواب " لما " محذوف دل عليه جواب " لما " الثانية. وعليه، فقوله تعالى : وكانوا إلخ جملة معطوفة على الشرطية، عطف القصة على القصة. وقيل : جوابها كفروا. ولما الثانية تكرار للأولى، فلا تحتاج إلى جواب. وقيل : كفروا جواب للأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد. وعلى الوجهين فجملة قوله : وكانوا من قبل  أي قبل مجيئه  يستفتحون على الذين كفروا  جملة حالية مفيدة لكمال مكابرتهم وعنادهم. والاستفتاح : الاستنصار أي طلب النصر، أي يطلبون من الله النصر على المشركين لما أنهم كانوا مستذلين في جزيرة العرب، ولذا كانوا يحالفون بعض القبائل تعزّزا بهم على ما تقدم  فلما جاءهم ما عرفوا  صحتَه وصدقَه. كان من حقهم أن يسارعوا إلى الإيمان به لظفرهم بأمنيتهم حينئذ، وهو انتصارهم على المشركين وحصول العزة لهم مع المؤمنين. ولكن  كفروا به  أي امتنعوا من الإيمان به خوفا من زوال رياستهم وأموالهم. وأصرّوا على الإنكار مع علمهم بحقيقة نبوته. ولذا قال عبد الله بن سلام في / قصة إسلامه :( يا معشر اليهود[(١)](#foonote-١) اتقوا الله. فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق ). رواه البخاريّ في الهجرة. وروى أيضا :( أن عبد الله بن سلام لما بلغه مقدم[(٢)](#foonote-٢) النبي صلى الله عليه وسلم أتاه فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. فلما أجابه عنها قال : أشهد أنك رسول الله ). وسنذكر الحديث بتمامه عند قوله تعالى : من كان عدوّا لجبريل  [(٣)](#foonote-٣) الآية إن شاء الله تعالى. وقوله : فلعنة الله على الكافرين  اللام فيه للعهد أي عليهم. ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم ؛ كما أن الفاء للإيذان بترتيبها عليه. أو للجنس وهم داخلون على الحكم دخولا أوليا. إذ الكلام فيهم. وأيًّا ما كان فهو محقق لمضمون قوله تعالى : بل لعنهم الله بكفرهم . 
١ أخرجه البخاريّ في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٦ ـ باب قوله: من كان عدوّا لجبريل..
٢ أخرجه البخاريّ في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٦ ـ باب قوله: من كان عدوّا لجبريل..
٣ \[٢/ البقرة/ ٩٧\] ونصها: قل من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدّقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ٩٧..

### الآية 2:90

> ﻿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [2:90]

بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزّل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ٩٠ . 
 بئسما اشتروا به أنفسهم  " ما " نكرة موصوفة بما بعدها، منصوبة على التمييز، مفسرة لفاعل بئس. 
أي بئس شيئا باعوا به أنفسهم واعتاضوا لها، فرضوا به وعدلوا إليه. والمخصوص بالذم قوله تعالى : أن يكفروا بما أنزل الله  أي كفرهم بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته  بغيا  حسدا  أن ينزّل الله  لأن ينزل، أو على أن ينزل. أي حسدوه على أن ينزل الله 
 من فضله  الذي هو الوحي  على من يشاء من عباده  أي يشاؤه ويصطفيه للرسالة  فباءوا بغضب  أي رجعوا لأجل ذلك بغضب، في حسدهم لهذا النبي صلى الله عليه وسلم حتى كفروا به  على غضب  كانوا استحقوه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم من أجل تحريفهم الكلم، وتضييعهم بعض أحكام التوراة، وكفرهم بعيسى عليه السلام. 
قال الرازيّ : إن غضبه تعالى يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة، كغضبه على من كفر بخصال كثيرة. 
قلت : وفي ( الصحيحين ) عن أبي هريرة[(١)](#foonote-١) :( اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك لا ملك إلا الله ). والروايات في توصيف غضبه تعالى بالشدة على بعض المنكرات متوافرة. انظر ( الجامع الصغير ). 
ويحتمل المعنى. فصاروا أحقاء بغضب مترادف، فلا يكون القصد إثبات غضبين / لأمرين متنوعين أو أمور، بل المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر، وإن كان واحدا، إلا أنه عظيم. والله أعلم. 
وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى : غير المغضوب عليهم ولا الضالين  أن الغضب صفة وصف الله تعالى نفسه بها. وليس غضبه كغضبنا. كما أن ذاته ليست مثل ذواتنا، فليس هو مماثلا لأبداننا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته. وما قيل : إن الغضب من الانفعالات النفسانية فيقال نحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لا يجب أن يكون الله منفعلا بها. كما أن نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين. فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه. وليس المنسوب كالمنسوب والمنسوب إليه كالمنسوب إليه. كما قال صلى الله عليه وسلم :( ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ) [(٢)](#foonote-٢) فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئيّ بالمرئيّ. وهذا يتبيّن بقاعدة : وهي أن كثيرا من الناس يتوهم، في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين. ثم يريد نفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير : أحدها كونه مثّل ما فهمه من النصوص لصفات المخلوقين. وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني إنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله فبقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جناية على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله، حيث خلاف الذي يفهم من كلامهما، من إثبات صفات الله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. الثالث : أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير دليل. فيكون معطِّلا عما يستحقه الرب تبارك وتعالى. الرابع : أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الموات والجماعات وصفات المعدومات. فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها الرب. ومثّله بالمنقوصات والمعدومات. وعطّل النصوص عما دلت عليه من الصفات. وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات. فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا. أفاده الإمام ابن تيمية، عليه الرحمة، في ( القاعدة التدمرية ). /  وللكافرين  أي لهم. والإظهار في موضع الإضمار للإشعار بعلّية كفرهم لما حاق بهم  عذاب مهين  يراد به إهانتهم. أي إذلالهم. فإن كفرهم، لما كان سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الآخرة كما قال تعالى : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين  [(٣)](#foonote-٣) أي صاغرين حقيرين. 
١ أخرجه البخاري في: ٧٨ ـ كتاب الأدب، ١٨ ـ باب أبغض الأسماء إلى الله، ونصه:
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخنى (أخنع) الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى ملك الأملاك). 
 وأخرجه مسلم في: ٣٨ ـ كتاب الأدب، حديث ٢٠ ونصه: 
 عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك). زاد ابن أبي شيبة في رواية (لا مالك إلا الله عز وجل).
 وحديث ٢١ ونصه: عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه وأغيظه عليه، رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله)..
٢ أخرجه البخاري في: ٩ ـ كتاب مواقيت الصلاة، ١٦ ـ باب فضل صلاة العصر..
٣ \[٤٠/ غافر/ ٦٠\]..

### الآية 2:91

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:91]

وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ٩١ . 
 وإذا قيل لهم  أي لليهود  آمنوا بما أنزل الله  على محمد صلى الله عليه وسلم وصدِّقوه واتبعوه  قالوا نؤمن بما أنزل علينا  من التوراة، ولا نقرّ إلا بها  ويكفرون بما وراءه  حال من ضمير  قالوا  بتقدير مبتدأ. أي قالوا ما قالوا وهم يكفرون بما بعده  وهو الحق مصدّقا لما معهم  منها غير مخالف له. وفيه رد لمقالتهم. لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها  قل  تبكيتا لهم ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم  فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين  أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم وأنتم تعلمون صدقهم. قتلتموهم بغيا وعنادا، واستكبارا على رسل الله. فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي كما قال تعالى : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذّبتم وفريقا تقتلون  [(١)](#foonote-١) والخطاب للحاضرين من اليهود والماضين، على طريق التغليب، وحيث كانوا مشاركين في العقد والعمل، كان الاعتراض على أسلافهم اعتراضا على أخلافهم. ودلت الآية على أن المجادلة في الدين من عرف الأنبياء عليهم السلام، وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز. 
١ \[٢/ البقرة/ ٨٧\]..

### الآية 2:92

> ﻿۞ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:92]

ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى، أقام دليلا آخر أقوى مما تقدمه. فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك. وهو النُّسَخ الموجودة بين أظهرهم الآن. وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى، وبحضرة هارون عليهما السلام. فقال تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ٩٢ . 
 ولقد جاءكم موسى بالبينات  من الآيات كفلق البحر وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك من الدلائل القاطعات على أنه رسول الله وأنه لا إله إلا الله  ثم اتخذتم العجل  معبودا من دون الله  من بعده  أي من بعد ما ذهب موسى عنكم إلى الطور لمناجاة الله عز وجل. كما قال تعالى : واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلا جسدا له خوار  [(١)](#foonote-١) وقوله تعالى : وأنتم ظالمون  أي بعبادته. واضعين لها في غير موضعها. أو بالإخلال بحقوق آيات الله تعالى. أو هو اعتراض. أي وأنتم قوم عادتكم الظلم.

١ \[٧/ الأعراف/ ١٤٨\] ونصها: واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ١٤٨..

### الآية 2:93

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:93]

ثم ذكر أمرا آخر هو أبين في عنادهم وأنهم مع الهوى فقال : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ٩٣ . 
 وإذ أخذنا ميثاقكم  على الإيمان والطاعة.  ورفعنا فوقكم الطّور  قائلين : خذوا ما آتيناكم  أي ما أمرتم به في التوراة  بقوة  بجد 
 واسمعوا  أطيعوا  قالوا سمعنا  قولك  وعصينا  أمرك. وظاهر السوق يقتضي أنهم قالوا ذلك حقيقة. 
قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى : سمعوه فتلقوه بالعصيان. فعبّر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه. كقوله تعالى : أن يقول له كن فيكون  [(١)](#foonote-١).  وأشربوا في قلوبهم العجل  أي حبه على حذف المضاف. وإقامة المضاف إليه مقامه للمبالغة. أو العجل مجاز عن صورته. فلا يحتاج إلى حذف المضاف. وعلى كل، فأشربو استعارة تبعيّة. إما من إشراب الثوب الصبغ أي تداخله فيه أو من إشراب الماء أي تداخله أعماق البدن والجامع السراية في كل جزء. وإسناد الفعل إليهم إيهام لمكان الإشراب. ثم بُيِّن بقوله : في قلوبهم  للمبالغة، فظهر وجه العدول عن مقتضى الظاهر وهو : وأشرب قلوبهم العجل.  بكفرهم  بسبب كفرهم  قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين  أي كما زعمتم، بالتوراة. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما في قصة شعيب  أصلاتك تأمرك  [(٢)](#foonote-٢) وكذا إضافة الإيمان إليهم. وقوله : إن كنتم مؤمنين  قدح في صحة دعواهم. فإن الإيمان إنما يأمر بعبادة الله وحده لا بشركة العباد لما هو في غاية البلادة. فهو غاية الاستهزاء. وحاصل الكلام : إن كنتم مؤمنين بها عاملين، فيما ذكر من القول والعمل، بما فيها، فبئسما يأمركم به إيمانكم بها. وإذ لا يسوّغ الإيمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا. فجواب الشرط محذوف، كما ترى، لدلالة ما سبق عليه.

١ \[٣٦/ يس/ ٨٢\] ونصها: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ٨٢..
٢ \[١١/ هود/ ٨٧\] ونصها: قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ٨٧..

### الآية 2:94

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:94]

قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين ٩٤ . 
 قل  كرر الأمر بتبكيتهم لإظهار نوع آخر من أباطيلهم. وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. لكنه لم يُحْكَ عنهم قبل الأمر بإبطاله، بل اكتفى بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام بقوله : إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة  نصب على الحال من الدار الآخرة. والمراد الجنة. أي سالمة لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق كما تقولون : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا  [(١)](#foonote-١).  من دون الناس  اللام للجنس أو للعهد وهم المسلمون  فتمنّوا الموت  فسلوا الموت  إن كنتم صادقين  لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الأكدار، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالموت. والذي يتوقف عليه المطلوب لا بد وأن يكون مطلوبا، نظرا إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب. والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه كما أشرنا إليه، لا مجرد خطوره بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجّة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي لأنه من ضمائر القلوب. وثَمّ تفسير آخر للتمني بأن يُدْعَوْا إلى المباهلة والدعاء بالموت. وإليه ذهب ابن جرير. والأول أقرب إلى موافقة اللفظ. 
١ \[ ٢/ البقرة/ ١١١\] ونصها: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ١١١..

### الآية 2:95

> ﻿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:95]

وقوله : ولن يتمنّوه أبدا بما قدّمت أيديهم والله عليم بالظالمين ٩٥ . 
 ولن يتمنّوه أبدا  من المعجزات لأنه إخبار بالغيب. وكان كما أخبر به. كقوله : ولن تفعلوا  [(١)](#foonote-١).  بما قدّمت أيديهم  بما أسلفوا من أنواع العصيان. واليد مجاز عن النفس. عبر بها عنها، لأنها من بين جوارح الإنسان، مناط عامة صنائعه. ولذا كانت الجنايات بها أكثر من غيرها. ولم يجعل المجاز في الإسناد، فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم، ليشمل ما قدموا بسائر الأعضاء  والله عليم بالظالمين  أي بهم. تذييل بالتهديد. والتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن سواهم. ونظير هذه الآية في سورة الجمعة قوله تعالى : قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين \* ولا يتمنّونه أبدا بما قدّمت أيديهم والله عليم بالظالمين  [(٢)](#foonote-٢). 
وقد تلطف الغزاليّ في توجيه الإتيان ب " لن " هنا و " لا " في سورة الجمعة بأن الدعوى هنا أعظم من الثانية، إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي، وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة. فلما كانت الدعوى الأولى أعظم، لا جَرَمَ بيّن تعالى فساد قولهم بلفظ " لن " لأنها أقوى الألفاظ النافية. ولما كانت الدعوة الثانية ليست في غاية العظمة اكتفى في إبطالها بلفظ " لا " لأنه ليس في نهاية القوة، في إفادة معنى النفي. والله أعلم.

١ \[٢/ البقرة/ ٢٤\] ونصها: فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين ٢٤..
٢ \[٦٢/ الجمعة/ ٦ و٧\]..

### الآية 2:96

> ﻿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [2:96]

ولما أخبر تعالى عنهم أنهم لا يتمنون الموت، أتبعه بأنهم في غاية الحرص على الحياة بقوله : ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر والله بصير بما يعملون ٩٦ . 
 ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة  التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبيّ : على الحياة.  ومن الذين أشركوا  عطف على ما قبله بحسب المعنى ؛ كأنه قيل : أحرص من الناس ومن الذين أشركوا. وإفرادهم بالذكر، مع دخولهم في الناس، للإيذان بامتيازهم من بينهم بشدة الحرص. للمبالغة في توبيخ اليهود. فإن حرصهم، وهم معترفون بالجزاء، لما كان أشد من حرص المشركين المنكرين له، ذل ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار. ويجوز أن يحمل على حذف المعطوف ثقة بإنباء المعطوف عليه، عنه ؛ أي وأحرص من الذين أشركوا. 
وأما تجويز كون الواو للاستئناف وقد تم الكلام عند قوله : على حياة  تقديره  ومن الذين أشركوا  ناس يود أحدهم، على حذف الموصوف، وقول أبو مسلم : إن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره : ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرض الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله : يود أحدكم لو يعمر ألف سنة فلا يخفي بُعده. لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر، أن يكون المراد :/ ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم : إن الدار الآخرة لنا، لا لغيرنا. والله أعلم. 
 يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة  بيان لزيادة حرصهم، على طريق الاستئناف. و لو  مصدرية، بمعنى " أن " مؤوّل ما بعدها بمصدر، مفعول يود. أي يود أحدهم تعمير ألف سنة  وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر  " ما " حجازية، والضمير العائد على أحدهم اسمها، وبمزحزحه خبرها، والباء زائدة، وأن يعمر فاعل مزحزحه، أي وما أحدهم المتمني بمن يزحزحه، أي يبعده وينجيه، من العذاب، تعميره. قال القاضي : والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير، ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول : والله بصير بما يعملون  فسوف يجازيهم عليه. 
وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة. نعم ! لو حمل أحدهما على الآخر مجازا لم يبعد، ولا ضرورة إليه هنا. ودعوى أن بعض الأعمال مما لا يصح أن يرى، فلذا حمل هذا البصر على العلم هو من باب قياس الغائب على الشاهد، وهو بديهيّ البطلان. قال شمس الدين ابن القيم الدمشقيّ في ( كتاب الكافية الشافية ) :
وهو البصير يرى دبيب النملة السّ \*\*\*وداء تحت الصخر والصّوّان
ويرى مجاري القُوت في أعضائها\*\*\*ويرى عروق بياضها بعِيَان
ويرى خيانات العيون بلحظها\*\*\*ويرى، كذاك، تقلُّب الأجفان

### الآية 2:97

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [2:97]

**وقوله تعالى :**
 قل من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ٩٧ . 
 قل من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدّقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين \* من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين . 
روى البخاري في ( صحيحه ) في كتاب التفسير عن أنس قال[(١)](#foonote-١) :( سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو في أرض يخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي. فما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما ينزِع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال. ( أخبرني بهن جبريل آنفا )، قال : جبريل ؟ قال :( نعم ) قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية : من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك . ( أما أول أشراط الساعة، فنار تَحْشُر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام أهل الجنة، فزيادة كبد حوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت ) قال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله ! إن اليهود قوم بُهُتٌ وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يَبْهَتُوني. فجاءت اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أي رجل عبد الله فيكم ) ؟ قالوا : خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال :( أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ) ؟ فقالوا : أعاذه الله من ذلك ! فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا : شرُّنا وابن شرنا. وانتقصوه. 
قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. 
وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال[(٢)](#foonote-٢) :( حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبيّ ). وساق نحوا مما تقدم. وتتمته قالوا :( أنت الآن، فحدثنا من وليّك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك، قال : فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط، إلا وهو وليه. قالوا : فعندها نفارقك. ولو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال : فما منعكم أن تصدقوه ؟ قالوا : إنه عدونا، فأنزل الله عز وجل : قل من كان عدوّا لجبريل  إلى قوله : لو كانوا يعلمون  فعندها باؤوا بغضب على غضب ). وفي رواية للإمام أحمد والترمذي والنسائي في القصة :( فأخبرنا من صاحبك ؟ قال : جبريل عليه السلام. قالوا : جبريل ! ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب، عدونا. لو قلت :" ميكائيل " الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان ! فأنزل الله تعالى : قل من كان عدوّا لجبريل  إلى آخر الآية ). ويؤخذ من روايات أخر أن سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى ابن جرير عن الشعبيّ قال :( نزل عمرُ الرَّوْحاءَ، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلّون إليها. فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ههنا. قال فكره ذلك، وقال : أيْما ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم، فقال : كنت أشهد اليهود يوم مِدْرَاسِهم، فأعجب من التوراة كيف تصدّق الفرقان، ومن الفرقان كيف يصدّق التوراة ! فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا : يا ابن الخطاب ! ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا. قال قلت : إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان قال، ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا ابن الخطاب ! ذاك صاحبكم فالحق به. قال : فقلت لهم عند ذلك : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا. قال : فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد عظَّم عليكم فأجيبوه. قالوا : أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال : أما إذ نشدتنا به. فإنا نعلم أنه رسول الله. قال : قلت ويحكم، إذا هلكتم. قالوا : إنا لم نهلك. قال : قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوّا من الملائكة، وسِلْماً من الملائكة. وإنه قُرِنَ به عدونا من الملائكة. قال : قلت : ومن عدوكم، ومن سلمكم. قالوا : عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل ؟ وفيم سالمتم ميكائيل ؟ قالوا : إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار، والتشديد والعذاب، ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف، ونحو هذا. قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قال : قلت : فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما وسِلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. قال : ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان. فقال لي : يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نزلن ؟ فقرأ علي  قل من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله  حتى قرأ الآيات. قال : قلت : بأبي وأمي أنت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر ). 
ورواه مختصرا ابن أبي حاتم أيضا، وفيه انقطاع، فإن الشعبي لم يدرك زمان عمر رضي الله عنه. كذا قاله الحافظ ابن كثير. وساقه أيضا الواحديّ، وزاد في آخره : قال عمر :( فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر ). 
قال العلامة البقاعيّ : وقد روى هذا الحديث أيضا إسحق بن راهويه في ( مسنده ) عن الشعبيّ، عن عمر رضي الله عنه. قال شيخنا البوصيريّ : وهو مرسل صحيح الإسناد، انتهى. وثم روايات متنوعات ساقها ابن كثير في ( تفسيره )، لا نطوّل كتابنا بسردها، ومرجعها واحد. فإن قيل : بين رواية البخاري الأولى وما بعدها تناف. فالجواب : لا منافاة، لأن قراءته صلى الله عليه وسلم لها في محاورة عبد الله بن سلام، ردًّا لقول اليهود، لا يستلزم نزولها حينئذ. فإن المعتمد في سبب نزولها غير قصة عبد الله بن سلام مما سلف من الروايات. فإن طرقها يقوي بعضها بعضا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عبد الله بن سلام : إن جبريل عدو لليهود، تلا عليه الآية، مذكّراً له سبب نزولها كذا قاله الحافظ ابن حجر في ( الفتح ). 
وقد أشار إلى ذلك السيوطي في " الإتقان " حيث قال ( تنبيه ) قد يكون في إحدى القصتين، ( فتلا ) فَيَهِمُ الراوي، فيقول ( فينزل ). وقال العلامة ولي الله الدهلويّ قدس سره في كتابه " أصول التفسير " وقد تحقق عند الفقير أن الصحابة والتابعين كثيرا ما كانوا يقولون : نزلت الآية في كذا وكذا، وكأن غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها. سواء تقدمت القصة أو تأخرت. إسرائيليا كان ذلك أو جاهليا أو إسلاميا. استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم. 
فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلا. وللقصص المتعددة هنالك سعة. فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية. انتهى. 
وقوله تعالى : لجبريل  قرئ في السبع بكسر الجيم والراء بلا همز، وبفتح الجيم بدونها أيضا، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة ثم ياء وبدونها. قال ابن جنيّ : العرب إذا نطقت بالأعجميّ خلطت فيه. 
وقوله : فإنه نزله  تعليل لجواب الشرط قائم مقامه، والبارز الأول لجبريل عليه السلام، والثاني للقرآن، أضمر من غير سبق ذكر، إيذانا بفخامة شأنه، واستغنائه عن الذكر، لكمال شهرته ونباهته، لاسيما عند ذكر شيء من صفاته. وقوله : على قلبك  زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحي، فإنه القابل الأول له، إن أريد به الروح. ومدار الفهم والحفظ إن أريد به العضو، وهذا كقوله : نزل به الروح الأمين على قلبك  [(٣)](#foonote-٣) وكان حق الكلام أن يقال :( على قلبي ) لأنه المطابق لقُلْ، ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به تحقيقا لكونه كلام الله. وأنه أمر بإبلاغه. وقوله : بإذن الله  أي بأمره. وقوله : مصدقا لما بين يديه  أي من التوراة وبقية الصحف المنزلة. وقوله : وهدى وبشرى للمؤمنين  أي يهدي للرشد وبشرى لهم بالجنة، كما قال تعالى : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء  [(٤)](#foonote-٤) الآية. وقال تعالى : وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  [(٥)](#foonote-٥) وفيه رد على اليهود، حيث قالوا : إن جبريل ينزل بالحرب والشدة كما تقدم، فقيل : فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا. فإن قيل : من شأن الشرط والجزاء الاتصال بالسببية والترتب، فكيف استقام قوله : فإنه نزله  جزاء للشرط ؟ أجيب بأن قوله : فإنه نزله  تعليل لجواب الشرط، كما أسلفنا. والمعنى : من عادى جبريل من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته، بل يجب عليه محبته، فإنه نزل عليك كتابا مصدقا لكتبهم. فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه، في إنزاله ما ينفعهم، ويصحح المآل عليهم. وقيل : الجواب محذوف تقدير " فليمت غيظا ". وعليه فلا يكون  فإنه نزله  نائبا عنه. ووجهه أن يقدر الجواب مؤخراً عن قوله : فإنه نزله  ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة، كأنه قيل : من عاداه، لأنه نزل على قلبك فليمت غيظا. 
قال الرضى : كثيرا ما يدخل الفاء على السبب ويكون بمعنى اللام، قال الله تعالى : فاخرج منها فإنك رجيم  [(٦)](#foonote-٦)، وقيل تقديره : فهو عدو لي وأنا عدوه، بقرينة الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم، وهي قوله تعالى : من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين  أي من كان عدوا لله لإنزاله فضله على من يشاء أو لأمر آخر. وأفادت الآية غضب الله تعالى لجبريل على من عاداه. وقد[(٧)](#foonote-٧) روى البخاري في ( صحيحه )، عن أبي هريرة حديثا قدسيا ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ). 
وصدَّر الكلام بذكره الجليل تفخيما لشأنهم وإيذانا بأن عداوتهم عداوته عز وعلا. وقدم الملائكة على الرسل، كما قدم الله على الجميع ؛ لأن عداوة الرسل بسبب نزول الوحي، ونزوله بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله تعالى ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما، والدلالة على فضلهما، وإنهما، وإن كانا من الملائكة، فقد صار باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة، تنزيلا للتغاير الوصفيّ، منزلة التغاير الذاتيّ، وللتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر، واستجلاب العداوة من الله تعالى، وإن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع، إذ الموجب لمحبتهم وعداوتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما. ووضع  الكافرين  موضع  لهم ، ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وإن عداوة الملائكة كفر. وقد قرئ في السبع " ميكال " كميزان، و " ميكائل " بهمزة مكسورة بعد الألف بدون ياء و " ميكائيل " بالهمزة والياء. 
١ أخرجه البخاريّ في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٦ ـ باب قوله من كان عدوا لجبريل..
٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند جزء أول صفحة ٢٧٨ (طبعة الحلبيّ)، وحديث رقم ٢٥١٤ (طبعة المعارف)..
٣ \[٢٦/ الشعراء/ ١٩٣ و١٩٤\] ونصهما: نزل به الروح الأمين ١٩٣ على قلبك لتكون من المنذرين ١٩٤..
٤ \[٤١/ فصلت/ ٤٤\] ونصها: ولو جعلناه قرآنا أعجميّا لقالوا لولا فصّلت آياته أعجميّ وعربيّ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ٤٤..
٥ \[١٧/ الإسراء/ ٨٢\] ونصها: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ٨٢..
٦ \[١٥/ الحجر/ ٣٤\] ونصها: قال فاخرج منها فإنك رجيم ٣٤.
 و\[٣٨/ ص/ ٧٧\]..
٧ أخرجه البخاري في: ٨١ ـ كتاب الرقاق، ٣٨ ـ باب التواضع ونصه:
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: (إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينه. ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)..

### الآية 2:98

> ﻿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [2:98]

من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين ٩٨ . 
 قل من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدّقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين \* من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين . 
روى البخاري في ( صحيحه ) في كتاب التفسير عن أنس قال[(١)](#foonote-١) :( سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو في أرض يخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي. فما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما ينزِع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال. ( أخبرني بهن جبريل آنفا )، قال : جبريل ؟ قال :( نعم ) قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية : من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك . ( أما أول أشراط الساعة، فنار تَحْشُر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام أهل الجنة، فزيادة كبد حوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت ) قال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله ! إن اليهود قوم بُهُتٌ وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يَبْهَتُوني. فجاءت اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أي رجل عبد الله فيكم ) ؟ قالوا : خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال :( أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ) ؟ فقالوا : أعاذه الله من ذلك ! فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا : شرُّنا وابن شرنا. وانتقصوه. 
قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. 
وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال[(٢)](#foonote-٢) :( حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبيّ ). وساق نحوا مما تقدم. وتتمته قالوا :( أنت الآن، فحدثنا من وليّك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك، قال : فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط، إلا وهو وليه. قالوا : فعندها نفارقك. ولو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال : فما منعكم أن تصدقوه ؟ قالوا : إنه عدونا، فأنزل الله عز وجل : قل من كان عدوّا لجبريل  إلى قوله : لو كانوا يعلمون  فعندها باؤوا بغضب على غضب ). وفي رواية للإمام أحمد والترمذي والنسائي في القصة :( فأخبرنا من صاحبك ؟ قال : جبريل عليه السلام. قالوا : جبريل ! ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب، عدونا. لو قلت :" ميكائيل " الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان ! فأنزل الله تعالى : قل من كان عدوّا لجبريل  إلى آخر الآية ). ويؤخذ من روايات أخر أن سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى ابن جرير عن الشعبيّ قال :( نزل عمرُ الرَّوْحاءَ، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلّون إليها. فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ههنا. قال فكره ذلك، وقال : أيْما ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم، فقال : كنت أشهد اليهود يوم مِدْرَاسِهم، فأعجب من التوراة كيف تصدّق الفرقان، ومن الفرقان كيف يصدّق التوراة ! فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا : يا ابن الخطاب ! ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا. قال قلت : إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان قال، ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا بن الخطاب ! ذاك صاحبكم فالحق به. قال : فقلت لهم عند ذلك : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا. قال : فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد عظَّم عليكم فأجيبوه. قالوا : أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال : أما إذ نشدتنا به. فإنا نعلم أنه رسول الله. قال : قلت ويحكم، إذا هلكتم. قالوا : إنا لم نهلك. قال : قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوّا من الملائكة، وسِلْماً من الملائكة. وإنه قُرِنَ به عدونا من الملائكة. قال : قلت : ومن عدوكم، ومن سلمكم. قالوا : عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل ؟ وفيم سألتم ميكائيل ؟ قالوا : إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار، والتشديد والعذاب، ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف، ونحو هذا. قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قال : قلت : فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما وسِلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. قال : ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان. فقال لي : يا لبن الخطاب، ألا أقرئك آيات نزلن ؟ فقرأ علي  قل من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله  حتى قرأ الآيات. قال : قلت : بأبي وأمي أنت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر ). 
ورواه مختصرا ابن أبي حاتم أيضا، وفيه انقطاع، فإن الشعبي لم يدرك زمان عمر رضي الله عنه. كذا قاله الحافظ ابن كثير. وساقه أيضا الواحديّ، وزاد في آخره : قال عمر :( فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر ). 
قال العلامة البقاعيّ : وقد روى هذا الحديث أيضا إسحق بن راهويه في ( مسنده ) عن الشعبيّ، عن عمر رضي الله عنه. قال شيخنا البوصيريّ : وهو مرسل صحيح الإسناد، انتهى. وثم روايات متنوعات ساقها ابن كثير في ( تفسيره )، لا نطوّل كتابنا بسردها، ومرجعها واحد. فإن قيل : بين رواية البخاري الأولى وما بعدها تناف. فالجواب : لا منافاة، لأن قراءته صلى الله عليه وسلم لها في محاورة عبد الله بن سلام، ردًّا لقول اليهود، لا يستلزم نزولها حينئذ. فإن المعتمد في سبب نزولها غير قصة عبد الله بن سلام مما سلف من الروايات. فإن طرقها يقوي بعضها بعضا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عبد الله بن سلام : إن جبريل عدو لليهود، تلا عليه الآية، مذكّراً له سبب نزولها كذا قاله الحافظ ابن حجر في ( الفتح ). 
وقد أشار إلى ذلك السيوطي في " الإتقان " حيث قال ( تنبيه ) قد يكون في إحدى القصتين، ( فتلا ) فَيَهِمُ الراوي، فيقول ( فينزل ). وقال العلامة ولي الله الدهلويّ قدس سره في كتابه " أصول التفسير " وقد تحقق عند الفقير أن الصحابة والتابعين كثيرا ما كانوا يقولون : نزلت الآية في كذا وكذا، وكأن غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها. سواء تقدمت القصة أو تأخرت. إسرائيليا كان ذلك أو جاهليا أو إسلاميا. استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم. 
فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلا. وللقصص المتعددة هنالك سعة. فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية. انتهى. 
وقوله تعالى : لجبريل  قرئ في السبع بكسر الجيم والراء بلا همز، وبفتح الجيم بدونها أيضا، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة ثم ياء وبدونها. قال ابن جنيّ : العرب إذا نطقت بالأعجميّ خلطت فيه. 
 وقوله : فإنه نزله  تعليل لجواب الشرط قائم مقامه، والبارز الأول لجبريل عليه السلام، والثاني للقرآن، أضمر من غير سبق ذكر، إيذانا بفخامة شأنه، واستغنائه عن الذكر، لكمال شهرته ونباهته، لاسيما عند ذكر شيء من صفاته. وقوله : على قلبك  زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحي، فإنه القابل الأول له، إن أريد به الروح. ومدار الفهم والحفظ إن أريد به العضو، وهذا كقوله : نزل به الروح الأمين على قلبك  [(٣)](#foonote-٣) وكان حق الكلام أن يقال :( على قلبي ) لأنه المطابق لقُلْ، ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به تحقيقا لكونه كلام الله. وأنه أمر بإبلاغه. وقوله : بإذن الله  أي بأمره. وقوله : مصدقا لما بين يديه  أي من التوراة وبقية الصحف المنزلة. وقوله : وهدى وبشرى للمؤمنين  أي يهدي للرشد وبشرى لهم بالجنة، كما قال تعالى : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء  [(٤)](#foonote-٤) الآية. وقال تعالى : وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  [(٥)](#foonote-٥) وفيه رد على اليهود، حيث قالوا : إن جبريل ينزل بالحرب والشدة كما تقدم، فقيل : فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا. فإن قيل : من شأن الشرط والجزاء الاتصال بالسببية والترتب، فكيف استقام قوله : فإنه نزله  جزاء للشرط ؟ أجيب بأن قوله : فإنه نزله  تعليل لجواب الشرط، كما أسلفنا. والمعنى : من عادى جبريل من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته، بل يجب عليه محبته، فإنه نزل عليك كتابا مصدقا لكتبهم. فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه، في إنزاله ما ينفعهم، ويصحح المآل عليهم. وقيل : الجواب محذوف تقدير " فليمت غيظا ". وعليه فلا يكون  فإنه نزله  نائبا عنه. ووجهه أن يقدر الجواب مؤخراً عن قوله : فإنه نزله  ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة، كأنه قيل : من عاداه، لأنه نزل على قلبك فليمت غيظا. 
قال الرضى : كثيرا ما يدخل الفاء على السبب ويكون بمعنى اللام، قال الله تعالى : فاخرج منها فإنك رجيم  [(٦)](#foonote-٦)، وقيل تقديره : فهو عدو لي وأنا عدوه، بقرينة الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم، وهي قوله تعالى : من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين  أي من كان عدوا لله لإنزاله فضله على من يشاء أو لأمر آخر. وأفادت الآية غضب الله تعالى لجبريل على من عاداه. وقد[(٧)](#foonote-٧) روى البخاري في ( صحيحه )، عن أبي هريرة حديثا قدسيا ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ). 
وصدَّر الكلام بذكره الجليل تفخيما لشأنهم وإيذانا بأن عداوتهم عداوته عز وعلا. وقدم الملائكة على الرسل، كما قدم الله على الجميع ؛ لأن عداوة الرسل بسبب نزول الوحي، ونزوله بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله تعالى ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما، والدلالة على فضلهما، وإنهما، وإن كانا من الملائكة، فقد صار باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة، تنزيلا للتغاير الوصفيّ، منزلة التغاير الذاتيّ، وللتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر، واستجلاب العداوة من الله تعالى، وإن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع، إذ الموجب لمحبتهم وعداوتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما. ووضع  الكافرين  موضع  لهم ، ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وإن عداوة الملائكة كفر. وقد قرئ في السبع " ميكال " كميزان، و " ميكائل " بهمزة مكسورة بعد الألف بدون ياء و " ميكائيل " بالهمزة والياء. 
١ أخرجه البخاريّ في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٦ ـ باب قوله من كان عدوا لجبريل..
٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند جزء أول صفحة ٢٧٨ (طبعة الحلبيّ)، وحديث رقم ٢٥١٤ (طبعة المعارف)..
٣ \[٢٦/ الشعراء/ ١٩٣ و١٩٤\] ونصهما: نزل به الروح الأمين ١٩٣ على قلبك لتكون من المنذرين ١٩٤..
٤ \[٤١/ فصلت/ ٤٤\] ونصها: ولو جعلناه قرآنا أعجميّا لقالوا لولا فصّلت آياته أعجميّ وعربيّ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ٤٤..
٥ \[١٧/ الإسراء/ ٨٢\] ونصها: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ٨٢..
٦ \[١٥/ الحجر/ ٣٤\] ونصها: قال فاخرج منها فإنك رجيم ٣٤.
 و\[٣٨/ ص/ ٧٧\]..
٧ أخرجه البخاري في: ٨١ ـ كتاب الرقاق، ٣٨ ـ باب التواضع ونصه:
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: (إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينه. ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)..

### الآية 2:99

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [2:99]

ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ٩٩ . 
 ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون  أي أنزلنا إليك علامات واضحات دالات على نبوتك. وتلك الآيات هي ما حواه القرآن من خفايا علوم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه ولم يَدْعه إلى إهلاكها الحسد والبغيّ. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصفت، من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخد شيء منه عن آدميّ. وحمل الآيات على ما ذكرناه من آيات القرآن المجيد أولى من حملها على سائر المعجزات المأثورة. لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل، كانت أخص بالقرآن. وقوله : وما يكفر بها إلا الفاسقون  أي المتمردون من الكفرة، واللام للعهد، أي الفاسقون المعهودون، وهم اليهود. أو للجنس، وهم داخلون فيه دخولا أوليا.

### الآية 2:100

> ﻿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:100]

أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ١٠٠ . 
 أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون  الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف يقتضيه المقام، أي كفروا بالآيات البينات،  وكلما عاهدوا  إلخ. أو أينكرون فسقهم وكلما إلخ، وقيل : الواو زائدة، وقيل هي " أو " التي لأحد الشيئين. حركت بالفتح. وقد قرئ شاذا بسكونها. فتكون بمعنى بل. دلت عليه القرينة. أعني قوله : بل أكثرهم لا يؤمنون  ترقيا إلى الأغلظ فالأغلظ. قال ابن جنيّ :" أو " هذه هي التي بمعنى " أم " المنقطعة، وكلتاهما بمعنى " بل " – موجودة في الكلام كثيرا. أنشد الفراء لذي الرمة. 
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى\*\*\*وصورتها. أو أنت في العين أملح
وكذا قال في قوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون  وعلى الوجه الأول، فالمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه، لأن مثل ذلك، إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت. ودل بقوله : أو كلما عاهدوا  على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه. بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم. فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن ذلك ليس ببدع منهم بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم. على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال. لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته، كصعوبة من لم تجر عادته بذلك. 
قال العلامة : واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخد الله الميثاق منهم، ومن آبائهم، فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا  الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة  [(١)](#foonote-١). والنبذ الرمي بالذمام، ورفضه. وإسناده إلى فريق منهم، لأن منهم من لم ينبذه. وفي قوله : بل أكثرهم لا يؤمنون  دفع لما يتوهم من أن النابذين هم الأقلون. 
١ \[٨/ الأنفال/ ٥٦\] وتمام الآية: وهم لا يتقون ٥٦..

### الآية 2:101

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [2:101]

قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ١٠١ .  ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون  تصريح بما طوى قبلُ. فإن نبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، أعقبهم التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته، كما قال تعالى : الذين يتّبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل  [(١)](#foonote-١). الآية، فتنكير " رسول " للتفخيم. والجار بعده متعلق بجاء، أو بمحذوف وقع صفة لرسول، لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وقوله : كتاب الله  يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله، المصدق لما معهم، كافرون بها، نابذون لها. وقيل : كتاب الله  القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. وقوله : وراء ظهورهم  مثل لتركهم وإعراضهم عنه، مثل بما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه، وقلة التفات إليه. وقوله : كأنهم لا يعلمون  جملة حالية، أن نبذوه وراء ظهورهم، مشبَّهين بمن لا يعلمه. فإن أريد بهم أحبارهم، فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان، ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. ففيه إيذان بأن علمهم به رصين، لكنهم يتجاهلون. أو كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو لا يعلمونه أصلا، كما إذا أريد بهم الكل. وفي هذين الوجهين، زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة. وهذا، وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآن، فالمراد بالعلم المنفي في  كأنهم لا يعلمون  هو العلم بأنه كتاب الله، ففيه ما في الوجه الأول من الإشعار بأنهم متيقنون في ذلك، وإنما يكفرون به مكابرة وعنادا.

١ \[٧/ الأعراف/ ١٥٧\] ونصها: الذين يتّبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم فالّذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ١٥٧..

### الآية 2:102

> ﻿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:102]

وقوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ١٠٢ . 
 واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر  هو حكاية لفن آخر من زيغهم وضلالهم، إثر نبذهم كتاب الله والعمل بما بين أيديهم. وهو إتباعهم لما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر والكفر، وإنه إنما نال ذلك الملكَ بسبب معرفته السحر. وزادوا على ذلك فنسبوه إلى الردة والكفر لأسباب افتروها عليه، فبرأه الله تعالى من هذا الافتراء والاختلاق، وألصق الكفر بأولئك الشياطين الذين يضللون العقول والأفهام بتعليم السحر والشعوذة، وإسناد التأثير إلى غير الخالق، سبحانه، والصد عن سبيل الحق، وابتغائهم إياها عوجا و تتلوا  بمعنى تقصّ وتحدث. من التلاوة، وهي القراءة. أو بمعنى تكذب وتختلق، وهو قول أبي مسلم، قال : يقال تلا عليه، إذا كذب، وتلا عنه إذا صدق. وهكذا قال الراغب في ( تفسيره ) : تلا عليه كذب، نحو روى عليه، وقال عليه : ويقولون على الله الكذب  [(١)](#foonote-١). وقال : الآية معطوفة على ما تقدم من ذكر اليهود، وهي منطوية على أمرين : ذم اليهود في تحري السحر وإيثاره، وتبرئة لسليمان عليه السلام مما نسبوه إليه، وتخرصوه عليه اه. وذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، وبنى لها المعابد، كما تراه في الفصل الحادي عشر من سفر الملوك الثالث. فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والقحة الكبيرة. ولما تنبه عقلاء أهل الكتاب المتأخرون لمثل هذه الفِرَى، اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال المندرجة في كتبهم المقدسة إلهاميا، بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين، يعني بلا إلهام، كما في " إظهار الحق ". والمراد بالشياطين شياطين الإنس، وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء، الدعاة إلى الباطل. وقوله : على ملك سليمان  أي على عهد ملكه من تلك الأقاصيص المختلقة عليه. وقوله تعالى : وما كفر سليمان  تنزيه لساحته عليه السلام من الردة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه، وتكذيب لمن تقولها. وقال كثيرون : هذا تبرئه من السحر، وأنه تعالى كنى عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبيا كان معصوما عنه. وإنما كان كفرا لكونه يكون بالتوجه إلى الأفلاك والشياطين وعبادتها، وزعم أنها مؤثرة دونه تعالى. والمعنى الأول أصرح وأوضح. وقوله تعالى : ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر  عنى بالشياطين من ذكرناهم قبل وهم خبثاء الإنس وأشرارهم. كما في قوله تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  [(٢)](#foonote-٢) وقوله : شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض  [(٣)](#foonote-٣) والذي يعيّن هذا المعنى قوله : تتلو  لأن تلاوة شياطين الجن، لا يسمعها أحد. ومعنى  تتلو  تقص كما تقدم. وقوله : يعلّمون الناس السحر  يعيّن هذا المعنى أيضا، إذ لا يتعلم أحد السحر إلا من شياطين الإنس. والمراد بقوله : كفروا  كفرهم بآيات الله المنزلة، أو عبادتهم غيره تعالى، أو كفرهم باستعمال السحر والشعوذة، تعمية على الحق، وتغشيةً للبصائر. وجملة قوله  يعلّمون الناس السحر  حالية من ضمير  كفروا ، أو خبر ثان ل  لكن ، أو مستأنفة. هذا على تقدير كون الضمير للشياطين. وأما على تقدير رجوعه إلى فاعل 
 اتبعوا  فهي إما حال منه أو استئنافية. وقوله تعالى : وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون . اعلم أن للعلماء في هذه الآية وجوها كثيرة، وأقوالا عديدة، فمنهم من ذهب فيها مذهب الأخباريين نقلة الغث والسمين، ومنهم من وقف مع ظاهرها البحت وتمحّل لما اعترضه، بما المعنى الصحيح في غنى عنه. ومنهم من ادعى فيها التقديم والتأخير وردّ آخرها على أولها، بما جعلها أشبه بالألغاز والمعميات، التي يتنزه عنها بيان أبلغ كلامه إلى غير ذلك مما يراه المتتبع لما كتب فيها. 
والذي ذهب إليه المحققون أن هاروت وماروت كانا رجلين متظاهرَيْن بالصلاح والتقوى في بابل – وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات- وكانا يعلمان الناس السحر. وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء، وما يعلمانه للناس هو بوحي من الله. وبلغ مكر هذين الرجلين، ومحافظتهما على اعتقاد الناس الحسن فيهما أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما  إنما نحن فتنة فلا تكفر ، أي إنما نحن أولو فتنة نبلوك ونختبرك، أتشكر أم تكفر، وننصح لك أن لا تكفر. يقولان ذلك ليوهما الناس أن علومهما إلهية، وصناعتهما روحانية، وأنهما لا يقصدان إلا الخير. كما يفعل ذلك دجاجلة هذا الزمان، قائلين لمن يعلمونهم الكتابة للمحبة والبغض على زعمهم : نوصيك بأن لا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجل غير زوجها، إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء. ولليهود في ذلك خرافات كثيرة. حتى إنهم يعتقدون أن السحر نزل عليهما من الله. وأنهما ملكان جاءا لتعليمه للناس. فجاء القرآن مكذبا لهم في دعواهم نزوله من السماء، وفي ذم السحر، ومن يتعلمه أو يعلمه، فقال : يعلّمون الناس السحر وما أنزل على الملكين  الآية، ف " ما " هنا نافية، على أصح الأقوال، ولفظ  الملكين  هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس في ذلك الوقت، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين عن تاريخ اليونان والمصريين وغيرهم، وكما يرد في كلام المسلم، في الرد على المسيحيين، ذكر تجسد الإله وصلبه، وإن كان لا يعتقد ذلك. وقوله تعالى : فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه  من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل، وطرق الإفساد، أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم مجتمع : كالمرء وزوجه. والخلاصة : أن معنى الآية من أولها إلى آخرها هكذا : أن اليهود كذبوا القرآن ونبذوه وراء ظهورهم، واعتاضوا عنه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه. وزعموا أنه كفر، وهو لم يكفر. ولكن شياطينهم هم الذين كفروا، وصاروا يعلمون الناس السحر، ويدعون أنه أنزل على هاروت وماروت، اللذين سمَّوْهما ملكين، ولم ينزل عليهما شيء، وإنما كانا رجلين يدّعيان الصلاح لدرجة أنهما كانا يوهمان الناس أنهما لا يقصدان إلا الخير، ويحذرانهم من الكفر. وبلغ من أمر ما يتعلمونه منهما من طرق الحيل والدهاء أنهم يفرقون به بين المجتمعين، ويحلون به عقد المتحدين. فأنت ترى من هذا أن المقام كله للذم، فلا يصح أن يرد فيه مدح هاروت وماروت. والذي يدل على صحة ما قلناه فيهما أن القرآن أنكر نزول أي ملك إلى الأرض ليعلم الناس شيئا من عند الله، غير الوحي إلى الأنبياء، ونص نصا صريحا أن الله لم يرسل إلا الإنس لتعليم بني نوعهم فقال : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم\* فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون  [(٤)](#foonote-٤)، وقال منكرا على من طلب إنزال الملك  وقالوا لولا أنزل عليه ملك\* ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون  [(٥)](#foonote-٥)، وقال في سورة الفرقان : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا –إلى قوله- فضلّوا فلا يستطيعون سبيلا  [(٦)](#foonote-٦). 
وللقصاص في هاروت وماروت أحاديث عجيبة. فزعموا أنهما كانا ملكين من الملائكة، وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي، أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض. فأوحى الله تعالى إليهما : إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني، فقالا : يا رب، لو ابتليتنا لم نفعل، فجرِّبْنا. فأهبطهما إلى الأرض، وابتلاهما الله بشهوات بني آدم، فمكثا في بلدة كانت فيها فاجرة تسمى " الزهرة " فدعواها إلى الفاحشة وواقعاها بعد أن شربا الخمر، وقتلا النفس وسجدا للصّنم. وعلماها الاسم الأعظم، الذي كانا به يعرجان إلى السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم، وعرجت إلى السماء، فمسخها الله تعالى، وصيّرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة. ثم إن الله تعالى عرّف هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا، ثم خيّرهما بين عذاب الآخرة آجلا، وبين عذاب الدنيا عاجلا، فاختارا عذاب الدنيا، فجعلهما ببابل منكوسيْن في بئر إلى يوم القيامة، وهما يعلّمان الناس السحر، ويدعوان إليه، ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة. وهذه القصة من اختلاق اليهود وتقولاتهم. ولم يقل بها القرآن قط، وإنما ذكرها التلمود، كما يعلم من مراجعة " مدارس يدكوت " في الإصحاح الثالث والثلاثين، وجاراه جهلة القصاص من المسلمين، فأخذوها منه. 
قال الرازيّ في ( تفسيره ) : إن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه :
أحدها : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما ( أي لهاروت وماروت ) : لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا : لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك، وهذا منهم تكذيب لله تعالى، وتجهيل له، وذلك من صريح الكفر. 
وثانيها : أنهما خيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد، بل كان الأولى يخيرا بين التوبة وبين والعذاب، والله تعالى خيّر بينهما من أشرك به طول عمره، وبالغ في إيذاء أنبيائه. 
وثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم : إنهما يعلمان السحر، في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه، وهما يُعاقَبان. 
وهكذا، الإمام أبو مسلم احتج على بطلان نزول السحر عليهما أيضا بوجوه :
الأول : أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزّله هو الله، وذلك غير جائز، لأن السحر كفر وعبث لا يليق بالله تعالى إنزال ذلك. 
الثاني : أن قوله : ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر  يدل على أن تعليم السحر كفر. فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر. وذلك باطل. 
الثالث : كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر، فكذلك في الملائكة بطريق الأولى. 
الرابع : إن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب ؟ وهل السحر إلا الباطل المموه ؟ وقد جرت عادة الله بإبطاله، كما قال في قصة موسى عليه السلام  ما جئتم به السحر إن الله سيبطله  [(٧)](#foonote-٧) انتهى. 
وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسيره هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب. وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه " الفصل " في بحث " عصمة الملائكة " ففيه تكلف وتمحل غريب، كما يعلم بمراجعتهما. 
وللراغب الأصفهاني احتمال

١ \[٣/ آل عمران/ ٧٥\] ونصها: \* ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمّيّين سبيل ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون ٧٥.
 و\[٣/ آل عمران/ ٧٨\] ونصها: وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند اللّه وما هو من عند اللّه ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون ٧٨..
٢ \[٢/ البقرة/ ١٤\] ونصها: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ١٤..
٣ \[٦/ الأنعام/ ١١٢\] ونصها: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربّك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ١١٢.
٤ \[٢١/ الأنبياء/ ٧\]..
٥ \[٦/ الأنعام/ ٨\]..
٦ \[٢٥/ الفرقان/ ٧ - ٩\]..
٧ \[١٠/ يونس/ ٨١\] ونصها: فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن اللّه سيبطله إن اللّه لا يصلح عمل المفسدين ٨١.

### الآية 2:103

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:103]

ولما بين سبحانه ما عليهم فيما ارتكبوا من المضار أتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال : ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ١٠٣ . 
 ولو أنهم آمنوا  أي بما دعوا إليه من القرآن الحكيم  واتقوا  أي ما يؤثمهم، ومنه السحر والتمويه وقوله : لمثوبة من عند الله خير  جواب 
 " لو " وأصله : لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم. فحذف الفعل وغيّر السبك إلى ما عليه النظم الكريم، دلالة على ثبات المثوبة لهم والجزم بخيريتها، وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من أن ينسب إليه، وقوله تعالى : لو كانوا يعلمون  أي أن ثواب الله خير. وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم.

### الآية 2:104

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:104]

يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ١٠٤ . 
 يأيها الذين آمنوا لا تقولوا  للنبي صلى الله عليه وسلم  راعنا  التي تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الخير وحفظ الجانب، فاغتنمها اليهود لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون/ بها ألسنتهم، ويقصدون بها الرعونة، وهي إفراط الجهالة، فنهاهم عن موافقتهم في القول، منعا للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح، وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال : وقولوا انظرنا  فأبقى المعنى وصرف اللفظ. أي انظر إلينا. بالحذف والإيصال. أو انتظرنا. على أنه من نظره إذا انتظره، وقرئ أنظرنا من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظ. وقرئ راعونا على صيغة الجمع للتوقير. وراعنا على صيغة الفاعل أي قولا ذا رعنٍ، كدارعٍ ولابنٍ، لأنه لما أشبه قولهم راعينا وكان سببا للسب بالرعن اتصف به 
 واسمعوا  أي قولوا ما أمرتكم به، وامتثلوا جميع أوامري، ولا تكونوا كاليهود، حيث قالوا سمعنا وعصينا  وللكافرين  أي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى التهاون بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم  عذاب أليم  لما اجترؤوا عليه من العظيمة، وهو تذييل لما سبق، فيه وعيد شديد لهم، ونوع تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة النساء : من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين\* ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا  [(١)](#foonote-١) ومن لّيهم ما جاء في الحديث أنهم كانوا إذا سلموا يقولون :( السام عليكم ) [(٢)](#foonote-٢) والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم ب " وعليكم "، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا. 
١ \[٤/ النساء/ ٤٦\]..
٢ أخرجه البخاري في: ٧٨ ـ كتاب الأدب، ٣٥ ـ باب الرفق في الأمر كله.
 عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة: فهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة.
 قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مهلاً يا عائشة. إن الله يحب الرفق في الأمر كله).
 فقلت: يا رسول الله! ولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد قلت: وعليكم)..

### الآية 2:105

> ﻿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [2:105]

ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم والله يختصّ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ١٠٥ . 
 ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم  بيان لشدة عداوة الكافرين من القبيلين للمؤمنين، حسدا وبغيا. ليقطع التشبه بهم. فإن مخالفة الأعداء من الأعراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة. ثم بين أن الحسد لا يؤثر في زوال ذلك بقوله : والله يختصّ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم  و( الاختصاص ) عناية تعيّن المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره، وفيه تنبيه على ما أنعم به على المؤمنين، من الشرع التام الكامل الذي شرعه لهم.

### الآية 2:106

> ﻿۞ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:106]

ولما أنكرت اليهود أنه يقع شيء من النسخ لآيات الله، توصلا بذلك إلى إنكار آيات القرآن، وتأييد تأبيد التوراة، رد عليهم سبحانه – بعد تحقيق حقية الوحي- بقوله : \* ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ١٠٦ . 
 ما ننسخ من آية  أي : ما نبدّل من آية بغيرها – كنسخنا آيات التوراة بآيات القرآن-  أو ننسها  أي : نذهبها من القلوب – كما أخبر بقوله : ونسوا حظّا مما ذكّروا به  [(١)](#foonote-١)- وقرئ  أو ننسأها  أي نؤخرها ونتركها بلا نسخ، كما أبقى كثيرا من أحكام التوراة في القرآن. وعلى هذه القراءة، فقد نشر على ترتيب هذا اللف قوله : نأت بخير منها  أي : من المنسوخة المبدلة – كما فعل في الآيات التي شرعت في الملّة الحنيفية ما فيه اليسر، ورفع الحرج، والعنت – فكانت خيرا من تلك الآصار والأغلال. وقوله : أو مثلها  أي : مثل تلك الآيات الموحاة قبل، كما يُرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره. 
قال الراغب : فإن قيل : إن الذي تُرك ولم يُنسخ ليس هو مثله بل هو هو، فكيف قال : بمثلها  ؟ قيل : الحكم الذي أنزل في القرآن – وكان ثابتا في الشرع الذي قبلنا- يصحّ أن يقال هو هو، إذا اعتبر بنفسه ولم يعتبر بكسوته- التي هي اللفظ. ويصح أن يقال هو مثله إذا لم يعتبر بنفسه فقط بل اعتبر باللفظ. ونحو ذلك أن يقال : ماء البئر هو ماء النهر- إذا اعتبر جنس الماء، وتارة يقال : مثل ماء النهر- إذا اعتبر قرار الماء. اه. على أن إرادة العين بالمثل شائعة - كما في قولهم : مثلك لا يبخل-  ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير  فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير. قال الراغب : أي لا تحسبنّ أن تغييري لحكم، حالا فحالا، وأني لم آت بالثاني في الابتداء – هو العجز، فإن من علم قدرته على كل شيء لا يظن ذلك. وإنما تغيّر ذلك يرجع إلى مصلحة العباد، وأن الأليق بهم، في الوقت المتقدم، الحكم المتقدم. وفي الوقت المتأخر، الحكم المتأخر.

١ \[٥/ المائدة/ ١٣\] ونصها: فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرّفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظّا مما ذكّروا به ولا تزال تطّلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن اللّه يحب المحسنين ١٣.

### الآية 2:107

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:107]

ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ومالكم من دون الله من وليّ ولا نصير ١٠٧ . 
 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض  فهو يملك أموركم ويدبّرها، وهو أعلم بما يتعبّدكم به من ناسخ أو منسوخ.  وما لكم من دون الله من وليّ  يلي أموركم ولا نصير  ناصر يمنعكم من العذاب. 
وقضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة، هو الجزم والإيقان بأنه تعالى لا يفعل بهم – في أمر من أمور دينهم أو دنياهم- إلا ما هو خير لهم، والعمل بموجبه –من الثقة به، والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه. من غير إصغاء إلى أقاويل اليهود، وتشكيكاتها التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ، حيث أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته. عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء. والذي حمل اليهود على منع النسخ إنما هو الكفر والعناد، وإلا فقد وجد في شريعتهم النسخ بكثرة. 
وقد ذكر العلامة الشيخ رحمة الله الهندي في ( إظهار الحق ) أمثلة وافرة مما وقع من ذلك في التوراة والإنجيل. فارجع إليها في الباب الثالث منه. 
تنبيهان
الأول : قال بعض الفضلاء : نزلت هذه الآية لما قال المشركون أو اليهود : إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. وفي الآية رد عليهم بأن المقصود من نسخ الحكم السابق : تهيؤ النفوس لأرقى منه. وهو معنى قوله تعالى : نأت بخير منها  لأن الخالق تعالى ربّى الأمة العربية في ثلاث وعشرين سنة تربية تدريجية لا تتم لغيرها – بواسطة الفواعل الاجتماعية - إلا في قرون عديدة. لذلك كانت عليها الأحكام على حسب قابليتها، ومتى ارتقت قابليتها بدّل الله لها ذلك الحكم بغيره. وهذه سنة الخالق في الأفراد والأمم على حدٍّ سواء. فإنك لو نظرت في الكائنات الحية – من أول الخلية النباتية إلى أرقى شكل من أشكال الأشجار، ومن أول رتبة من رتب الحيوانات إلى الإنسان- لرأيت أن النسخ ناموس طبيعي محسوس في الأمور المادية والأدبية معا.. ! فإن انتقال الخلية الإنسانية إلى جنين، ثم إلى طفل، فيافع، فشابّ، فكهل فشيخ، وما يتبع كل دور من هذه الأدوار – من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها - يريك بأجلى دليل : أن التبدل في الكائنات ناموس طبيعي محقق. وإذا كان هذا النسخ ليس بمستنكر في الكائنات، فكيف يستنكر نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة، وهي في حالة نمو وتدرج من أدنى إلى أرقى ؟ هل يرى إنسان له مسكة من عقل أن من الحكمة تكليف العرب – وهم في مبدأ أمرهم – بما يلزم أن يتصفوا به وهم في نهاية الرقي الإنساني، وغاية الكمال البشري.. ؟ ! وإذا كان هذا يصح، وجب أن الشرائع تكلف الأطفال بما تكلف به الرجال، وهذا لم يقل به عاقل في الوجود.. ! وإذا كان هذا لا يقول به عاقل في الوجود، فكيف يجوز على الله – وهو أحكم الحاكمين - بأن يكلف الأمة –وهي في دور طفوليتها - بما لا تتحمله إلا في دور شبوبيتها وكهولتها.. ؟ وأي الأمرين أفضل : أشَرْعُنا الذي سن الله لنا حدوده بنفسه، ونسخ منه ما أراد بعلمه، وأتمه – بحيث لا يستطيع الإنس والجن أن ينقضوا حرفا منه - لانطباقه على كل زمان ومكان، وعدم مجافاته لأي حالة من حالات الإنسان.. ؟ ! أم شرائع دينية أخرى، حرّفها كهانها، ونسخ الوجود أحكامها بحيث يستحيل العمل بها لمنافاتها لمقتضيات الحياة البشرية من كل وجه.. ؟ !
الثاني : أسلفنا في مقدمة التفسير إلى أن النسخ باصطلاح السلف أعم منه في اصطلاح الخلف، بما ينبغي مراجعته.

### الآية 2:108

> ﻿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [2:108]

أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدّل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ١٠٨ . 
 أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل  ( أم ) هنا، إما متصلة معادلة للهمزة في  ألم تعلم  أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور، قادر على الأشياء كلها، يأمر وينهى كما أراد... أم تعلموا وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى عليه السلام ؟ وإما منقطعة بمعنى بل للإضراب والانتقال عن حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض مخايل المساهلة منهم في ذلك، وأمارات التأثر من أقاويل الكفرة، إلى التحذير من ذلك. ومعنى ( الهمزة ) إنكار وقوع الإرادة منهم، واستبعاده. لما أن قضية الإيمان وازعة عنها. وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلّقها للمبالغة في إنكاره واستبعاده، ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته. فضلا عن صدور نفسه. وقوله : ومن يتبدّل الكفر  أي : يختره، ويأخذه لنفسه  بالإيمان . بمقابلته بدلا منه  فقد ضلّ سواء السبيل  أي عدل عن الصراط المستقيم. جملة مستقلة مشتملة على حكم كلي أخرجت مخرج المثل جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله : أم تريدون  إلخ، معطوفة عليه. ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان. فظهر وجه ذكر قوله : أم تريدون  إلخ بعد قوله تعالى : ما ننسخ . فإن المقصود من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم بالثقة بها. 
قال الراغب : فإن قيل ما فائدة قوله : ومن يتبدّل الكفر  إلخ ومعلوم أنه بدون الكفر يضل الإنسان سواء السبيل فكيف بالكفر ؟ قيل معنى ذلك من يتبدل الكفر بالإيمان يعلم أنه قد ضل، قبلُ، سواء السبيل، وفي ذلك تنبيه أن ضلاله سواء السبيل قاده إلى الكفر بعد الإيمان. ومعناه لا تسألوا رسولكم كما سئل موسى فتفضلوا سواء السبيل فيؤدي بكم إلى تبديل الكفر بالإيمان. فمبدأ ذلك، الضلال عن سواء السبيل. ووجه آخر وهو أنه سمى معاندة الأنبياء عليهم السلام، بعد حصول ما تسكن النفس إليه، كفرا. إذ هي مؤدية إليه. كتسمية العصير خمرا. فقال : ومن يتبدّل  أي يطلب تبديل الكفر، أي المعاندة التي هي مبدأ الكفر، بالإيمان أي بما حصل له من الدلالة المقتضية لسكون النفس، فقد ضل سواء السبيل. ووجه ثالث وهو أن ذلك نهاية التبكيت لمن ظهر له الحق فعدل عنه إلى الباطل. وأنه كمن كان على وضح الطريق فتاه فيه. ووجه رابع وهو أن  سواء السبيل  إشارة إلى الفطرة التي فطر الناس عليها. والإيمان إشارة إلى المكتسب من جهة الشرائع فقال : ومن يتبدّل الكفر بالإيمان  أي بالإيمان المكتسب فقد أبطله، وضيّع الفطرة التي فطر الناس عليها فلا يرجى له نزوع عما هو عليه بعد ذلك. 
هذا. وما قررناه في الآية من أن الخطاب للمسلمين هو ما يترجح ويكون كقوله تعالى : يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم  [(١)](#foonote-١). ويرشحه قوله : ومن يتبدّل الكفر بالإيمان  فإن موقع خطابه إنما يتضح مع المؤمنين. ورجّح الرازيّ كون الخطاب مع اليهود قال : لأن هذه السورة من أول قوله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي  حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأنه لم يجر ذكر غيرهم في السياق، وقد قص تعالى عنهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتابا  الآية، وحينئذ فمعنى تبدل الكفر بالإيمان، وهم بمعزل من الإيمان، وإعراضهم عنه، مع تمكنهم منه، وإيثارهم للكفر عليه. كما أن إضافة الرسول إليهم باعتبار أنهم من أمة الدعوة. 
١ \[٥/ المائدة/ ١٠١\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم عفا اللّه عنها واللّه غفور حليم ١٠١..

### الآية 2:109

> ﻿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:109]

ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ١٠٩ . 
 ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا  / علة ودّ  من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق  من صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بشهادة ما طابقه من التوراة  فاعفوا واصفحوا  أي أعرضوا عما يكون منهم من الجهل والعداوة فلا تجاوزوهم 
 حتى يأتي الله بأمره  وهو الإذن في قتالهم وإجلائهم  إن الله على كل شيء قدير  فينتقم منهم إذا آن أوانه.

### الآية 2:110

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:110]

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير ١١٠ . 
 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه  أي ثوابه  عند الله إن الله بما تعملون بصير  فلا يضيع عنده عمل عامل.

### الآية 2:111

> ﻿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:111]

وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ١١١ . 
 وقالوا  أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى  لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  نشر لما لفّته الواو في  وقالوا ، واليهود جمع هائد، كعوذ جمع عائذ. وقرئ  إلا من كان يهوديا أو نصرانيا .  تلك أمانيّهم  جملة معترضة مبينة لبطلان ما قالوا. والأمانيّ جمع أمنية وهي ما يتمنى. كالأعجوبة والأضحوكة. فإن قيل : قولهم : لن يدخل الجنة  أمنية واحدة، فلم قال : أمانيهم ؟ أجيب : بأن الجمع باعتبار صدوره عن الجميع. وأجاب صاحب ( الانتصاف ) بأنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية ومعاودتهم لها وتأكدها في نفوسهم، جمعت. ليفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ، والجمع يفيد ذلك، وإن كان مؤداه واحدا. ونظيره قولهم : مِعًى جياعٌ. فجمعوا الصفة. ومؤداها واحد، لأن موصوفها واحد، تأكيدا لثبوتها وتمكنها. وهذا المعنى أحد ما روي في قوله تعالى : إن هؤلاء لشرذمة قليلون  [(١)](#foonote-١) فإنه جمع ( قليلا ) وقد كان الأصل إفراده فيقال :" لشرذمة قليلة " كقوله تعالى : كم من فئة قليلة  [(٢)](#foonote-٢) لولا ما قصد إليه من تأكيد معنى القلة بجمعها. ووجه إفادة الجمع في مثل هذا التأكيد، أن الجمع يفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فنقل إلى تأكيد الواحد، وإبانة زيادته على نظرائه، نقلا مجازيا بديعا. فتدبر هذا الفصل فإنه من نفائس صناعة البيان. والله الموفق  قل هاتوا برهانكم  حجتهم على اختصاصكم بدخول الجنة  إن كنتم صادقين  في دعواكم. قال الرازيّ : دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا أو إثباتا، فلا بد من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد، قال الشاعر :من ادّعى شيئا بلا شاهد  لابد أن تَبْطُلَ دعواهانتهى كلام الرازيّ. وسبقه إلى ذلك الزمخشريّ حيث قال : وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين. وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل غير ثابت. انتهى. 
١ \[٢٦/ الشعراء/ ٥٤\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ٢٤٩\] ونصها: ... قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ٢٤٩..

### الآية 2:112

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:112]

بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ١١٢ . 
 بلى  إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة  من أسلم وجهه لله  من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره. وإنما عبر عن النفس بالوجه، لأنه أشرف الأعضاء، ومجمع المشاعر، وموضع السجود، ومظهر آثار الخضوع. أو المعنى : من أخلص توجهه وقصده، بحيث لا يلوي عزيمته إلى شيء غيره  وهو محسن  في عمله، موافق لهديه صلى الله عليه وسلم، وإلا لم يقبل، ولذا قال صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) رواه مسلم  فله أجره عند ربه  وهو عبارة عن دخول الجنة. وتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل.  ولا خوف عليهم  من لحوق مكروه  ولا هم يحزنون  من فوات مطلوب. والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى  من  كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ. 
١ أخرجه مسلم في: ٣٠ ـ كتاب الأقضية، ح ١٨ عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... (طبعتنا)..

### الآية 2:113

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [2:113]

وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ١١٣ . 
 وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء  بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه، إثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم. ومعنى  على شيء  أي أمر يعتد به من الدين  وهم يتلون الكتاب  الواو للحال. والكتاب للجنس. أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب. وحق من حمل التوراة أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب الله، وآمن به، أن لا يكفر بالباقي. لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني، شاهد بصحته. وكذلك كتُب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا  كذلك  أي مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج  قال  الجهلة  الذين لا يعلمون  لا علم عندهم ولا كتاب. كعبدة الأصنام. قالوا لأهل كل دين  مثل قولهم  ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم، حيث نظموا أنفسهم، مع علمهم، في سلك من لا يعلم  فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون  أي يفصل بينهم بقضائه العدل، فيحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصّابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة \* إن الله على كل شيء شهيد  [(١)](#foonote-١) وكما قال تعالى : قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتّاح العليم  [(٢)](#foonote-٢). 
قال الرازيّ : واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كل طائفة تكفّر الأخرى. مع اتفاقهم على تلاوة القرآن. انتهى. 
فها هنا تسكب العبرات بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا بسنة ولا قرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لمّا غلت مراجل العصبية في الدين، تمكن الشيطان من تفريق كلمة المسلمين، 
يأبى الفتى إلا إتباع الهوى \*\*\* ومنهج الحق له واضح
مع أن الله تعالى أمر بالجماعة والائتلاف. ونهى عن الفرقة والاختلاف. فقال تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا  [(٣)](#foonote-٣). وقال تعالى : إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء  [(٤)](#foonote-٤). وقال تعالى : ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات  [(٥)](#foonote-٥). وقال تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله  [(٦)](#foonote-٦). وقد امتاز أهل الحق، من هذه الأمة، بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعما مضت عليه جماعة من المسلمين. 
١ \[٢٢/ الحج/ ١٧\]..
٢ \[٣٤/ سبأ/ ٢٦\]..
٣ \[٣/ آل عمران/ ١٠٣\] ونصها: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ١٠٣..
٤ \[٦/ الأنعام/ ١٥٩\] ونصها: إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبّئهم بما كانوا يفعلون ١٥٩..
٥ \[٣/ آل عمران/ ١٠٥\] ونصها: ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ١٠٥..
٦ \[٦/ الأنعام/ ١٥٣\] ونصها: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون ١٥٣..

### الآية 2:114

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:114]

ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ١١٤ . 
 ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها  إنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك. ولما وجه تعالى الذم فيما سبق في حق اليهود والنصارى، ذيَّله بذم المشركين في قوله : كذلك قال الذين لا يعلمون . ثم وجهه بهذه الآية أيضا للمشركين الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وصدوهم أيضا عنه، حين[(١)](#foonote-١) ذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة عام الحديبية. وكل هذا تخريب للمسجد الحرام، لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه، سعي في تخريبه. وأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. واستحوذوا عليه بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى : وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه \* إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون  [(٢)](#foonote-٢) وقال تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر \* أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون \* إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين  [(٣)](#foonote-٣) وقال تعالى : هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محلّه  [(٤)](#foonote-٤) فإذا كان من آمن بالله واليوم الآخر إلخ مصدودا عنه، مطرودا منه فأي خراب له أعظم من ذلك. والعمارة إحياء المكان وشغله بما وضع له. وليس المراد بعمارته، زخرفته وإقامة صورته فقط، إنما عمارته بذكر الله فيه وإقامة شرعه فيه ورفعه عن الدنس والشرك. وإنما أوقع المنع على المساجد، وإن كان الممنوع هو الناس لما أن المآل عائد لها. ولا يقال : كيف قيل مساجد والمراد المسجد الحرام فقط ؟ لأنه لا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا، كما تقول، لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين ؟ وكما قال تعالى : ويل لكل همزة لمزة  [(٥)](#foonote-٥) والمنزول فيه واحد. وقوله : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين  هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام، ويذلّ لهم المشركين، حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا. يخاف أن يؤخذ فيعاقب. أو يقتل إن لم يُسلم. وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام. ونادى فيهم عامَ حجّ أبو بكر رضي الله عنه ( ألا لا يحجن بعد العام مشرك ). فحج النبي صلى الله عليه وسلم من العام الثاني ظاهرا على المسجد الحرام، لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا، المشار إليه بقوله تعالى : لهم في الدنيا خزي  لأن الجزاء من جنس العمل فكما صدوا المؤمنون صُدُّوا عنه  ولهم في الآخرة عذاب عظيم  وهو عذاب النار لما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه، من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله، والطواف به عريا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله. وفي الآية وجه آخر وهو أن الآية في ذم اليهود، تبعا للسابق واللاحق، وما جنوه بكفرهم على بيت المقدس من خرابه وتسليط عدوّهم عليهم حتى خربه ودمر مدينتهم، وقتل وسبى منهم وأسرهم وبقوا في الأسر البابليّ سبعين سنة ؛ كل ذلك كان برفضهم كتاب الله والعمل بشريعته. وفي قوله تعالى : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين  إشارة إلى رجوعهم إليه بعد الأسر على تخوف من العدو ومذلة لصقت بهم. وهو وجه وجيه. لأن لفظ  سعى  يرشد إلى ذلك. كما أن مفهومها يشعر بذم القائمين على الخراب بالأولى وهم النصارى، حينما تمكنت سلطتهم انتقاما من أعدائهم اليهود. 
روى ابن جرير عن مجاهد، قال في الآية : هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى. ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وقال قتادة : حمَلَهم بغضُ اليهود على أن أعانوا بختنصر البابليّ المجوسيّ على تخريب بيت المقدس. وتدل على أن أماكن العبادة تصان وتحترم، لأنها المدرسة العامة التي تتلى فيها الحكم والأحكام والإرشاد إلى سبل السلام. 
وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فيما رواه الإمام أحمد عن ابن بُسْر بن أرطاة قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو : اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ). 
قال الحافظ ابن كثير : وهذا حديث حسن وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيّه، وهو بُسْر بن أرطاة ( ويقال ابن أبي أرطاة ) حديث سواه، وسوى حديث :( لا تقطع الأيدي في الغزو ). 
١ هذا حديث جم الفائدة عظيم القدر يعتبر من أهم الوثائق التاريخية في سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم. وقد عنى الإمام البخاري به عنايته بكل عظيم. فأخرجه.
 في: ٢٥ ـ كتاب الحج، ١٠٦ ـ باب من أشعر وقلّد بذي الحُلَيْفة ثم أحرم.
 وفي: ٥٤ ـ كتاب الشروط، ١ ـ باب ما يجوز من الشروط في الإسلام. ١٥ ـ باب ما يجوز من الشروط في الجهاد.
 وفي: ٦٤ ـ كتاب المغازي في ثلاثة مواضع: عن عليّ بن عبد الله. وعن عبد الله بن محمد. وعن إسحاق.
 وإن أطول طريق له هو الذي أخرجه في: ٥٤ ـ كتاب الشروط، ١٥ ـ باب ما يجوز من الشروط في الجهاد، وقد استغرق سرده ست صفحات من الصحيح.
 فلا يفوتنك أيها القارئ البصير مطالعته والتفقه فيه فإن فيه علما..
٢ \[٨/ الأنفال/ ٣٤\]..
٣ \[٩/ التوبة/ ١٧ و١٨\]..
٤ \[٤٧/ الفتح/ ٢٥\] ونصها: هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محلّه ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرّة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ٢٥..
٥ \[١٠٤/ الهمزة/ ١\]..

### الآية 2:115

> ﻿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:115]

ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه الله إن الله واسع عليم ١١٥ . 
 ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه الله إن الله واسع عليم  بيان لشمول ملكوته لجميع الآفاق، المتسبب عنه سعة علمه. وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها. وقوله تعالى : إن الله واسع عليم  نظير قوله : إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان  [(١)](#foonote-١) وكقوله تعالى : وهو معكم أينما كنتم  [(٢)](#foonote-٢) وقوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  [(٣)](#foonote-٣) وقوله : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما  [(٤)](#foonote-٤) أي عمّ كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوّه عليه. 
١ \[٥٥/ الرحمن/ ٣٣\] ونصها: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ٣٣..
٢ \[ ٥٧/ الحديد/ ٤\] ونصها: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ٤..
٣ \[٥٨/ المجادلة/ ٧\] ونصها: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبّئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ٧..
٤ \[٤٠/ غافر/ ٧\] ونصها: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ٧..

### الآية 2:116

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [2:116]

وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ١١٦ . 
 وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون  يريد الذين قالوا : المسيح ابن الله، وعزيرٌ ابن الله، والملائكة بنات الله. فأكذب الله تعالى جميعهم في دعواهم وقولهم : إن لله ولدا. فقال : سبحانه  أي تقدس وتنزه عما زعموا تنزها بليغا. وكلمة  بل  للإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات. أي ليس الأمر كما زعموا، بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة، والتنوين في  كل  عوضٌ عن المضاف إليه. أي كل ما فيهما، كائنا ما كان من أولي العلم وغيرهم  له قانتون  منقادون، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشيء. ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد. 
قال الراغب في ( تفسيره ) : نبه على أقوى حجة على نفي ذلك. وبيانها : هو أن لكل موجود في العالم، مخلوقا طبيعيا، أو معمولا صناعيا، غرضا وكمالا أوجد لأجله. وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، كاليد للبطش، والرجل للمشي، والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال، والرِّجل للتناول، لكن ليس على التمام. والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه، وجزء منه، لما لم يجعل الله له سبيلا إلى بقاءه بشخصه، فجعل له بذرا لحفظ نوعه. ويقوي ذلك، أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذرا واستخلافا، لما لم يجعل لها فناء النبات والحيوان. ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم، بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى. ولهذا قال : سبحانه أن يكون له ولد  أي هو منزه عن السبب المقتضي للولد. ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما، وذلك لما تقدم، أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه لكونه غير كامل إلى نفسه – بيّن تعالى بقوله : له ما في السماوات والأرض  أنه لا يتوهم له فقر، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سدٌّ لفقره، فصار في قوله : له ما في السماوات والأرض  دلالة ثانية. ثم زاد حجة بقوله : قانتون  وهو أنه لما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال : وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة  [(١)](#foonote-١) بيّن أن كل ما في السماوات والأرض، مع كونه ملكا له، قانت أيضا، إما طائعا، وإما كارها، وإما مسخرا. كقوله : يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها  [(٢)](#foonote-٢) وقوله : وإن من شيء إلا يسبّح بحمده  [(٣)](#foonote-٣) وهذا أبلغ حجة لمن هو على المحجة. 
ثم قال الراغب : إن قيل من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله تعالى ؟ قيل قد ذكر في الشرائع المتقدمة : كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى إنهم قالوا : إن الأب هو الرب الأصغر وإن الله هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان، وإن الأب هو السبب الأخير في وجوده وإن الأب هو معبود الابن من وجه أي مخدومه. وكانوا يقولون للملائكة : آلهة. كما قالت العرب للشمس : إلاهة. وكانوا يقصدون معنى صحيحا كما يقصد علماؤنا بقولهم : الله محب ومحبوب، ومريد ومراد ونحو ذلك من الألفاظ. كما يقال للسلطان : الملك. وقول الناس : رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، مما يكشف عن تقدم ذلك التعارف. ويقوي ذلك ما يروى أن يعقوب كان يقال له بكر الله، وأن عيسى كان يقول : أنا ذاهب إلى أبي. ونحو ذلك من الألفاظ. ثم تصور الجهلة منهم، بأخرة، معنى الولادة الطبيعية. فصار ذلك منهيا عن التفوه به في شرعنا، تنزها عن هذا الاعتقاد، حتى صار إطلاقه، وإن قصد به ما قصده هؤلاء، قرين الكفر، اه كلام الراغب رحمه الله. 
١ \[١٦/ النحل/ ٧٢} ونصها: واللّه جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطّيّبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة اللّه هم يكفرون ٧٢..
٢ \[١٣/ الرعد/ ١٥\] ونصها: وللّه يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدوّ والآصال ١٥..
٣ \[١٧/ الإسراء/ ٤٤} ونصها: تسبّح له السماوات السّبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ٤٤..

### الآية 2:117

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2:117]

بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ١١٧ . 
 بديع السماوات والأرض  أي مبدعهما وخالقهما على غير مثال سبق. وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له : أبدعت. ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة : مبتدع، لأنه يأتي في دين الإسلام، ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم. وهذه الجملة حجة أخرى لدفع تشبثهم في ولادة عيسى بلا أب. وعلم عزيْر بالتوراة بلا تعلم. وتقرير الحجة : إن الله سبحانه مبدع الأشياء كلها. فلا يبعد أن يوجد أحدا بلا أب، أو يعلم بلا واسطة بشر. وقال الراغب : ذكر تعالى في هذه الآية حجة رابعة. شرحها : إن الأب هو عنصر للابن. منه تكوّن. والله مبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصرا للولد، فمن المحال أن يكون المنفعل فاعلا. وقوله تعالى : وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون  أي إذا أراد أمرا. والقضاء إنقاذ المقدّر. والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم. قال الراغب : القضاء إتمام الشيء قولا أو فعلا، فمن القول آية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  [(١)](#foonote-١) وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب  [(٢)](#foonote-٢) ومن الفعل قوله : فقضاهن سبع سماوات في يومين  [(٣)](#foonote-٣) وقضى فلان دينه، وقضى نحبه، وانقضى الأمر. ( ثم قال ) ونبه بقوله : وإذا قضى أمرا  على حجة خامسة وهو أن الولد يكون بنشوء وتركيب. حالا : بعد حال. وهو إذا أراد شيئا، فقد فعل بلا مهلة. ولم يرد ب  إذا  حقيقة الزمان، إذ كان ذلك إشارة إلى ما قبل وجود الزمان. ولم يرد أيضا ب  كن  حقيقة اللفظ، ولا بالفاء التعقيب الزمانيّ. بل استعير كل ذلك لأنه أقرب ما يتراءى لنا به سرعة الفعل وتمامه. وذكر لفظ القضاء إذ هو لإتمام الفعل، والأمر لكونه منطويا على اللفظ والفعل، والقول إذ هو أخف موجد منا وأسرعه إيجادا، ولفظ  كن  لعموم معناه واختصار لفظه، ثم قال : فيكون  تنبيها لأنه لا يمتنع عليه شيء يريد إيجاده، و كن فيكون  وإن كان مخرجها مخرج شيئين، أحدهما مبني على الآخر، فهو في الحقيقة شيء واحد. انتهى. 
والذين ذهبوا إلى أن المراد ب  كن  حقيقة اللفظ، ورد عليهم سؤال مشهور. وهو : إن  كن  لفظ أمر، والأمر لا يكون إلا لموجود. فبعضٌ أجاب بأنه أمر للشيء في حال تكونه لا قبله ولا بعده. وبعضٌ قال : هو أمر لمعلوم له، وذلك في حكم الموجود وإن كان معدوم الذات. وبعضٌ قال : هو أمر للمعدوم. قال ويصح أمر المعدوم كما يصح أمر الموجود. ولهم أجوبة أخرى أكثر تكلفاً وتمحلاً. 
 وقد سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا بأنه إن كان المخاطب ب  كن  موجودا، فتحصيل الحاصل محال. وإن كان معدوما، فكيف يتصور خطاب المعدوم ؟ فأجاب بقوله : هذه المسألة مبنية على أصلين : أحدهما الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا من المخاطب، بل هو الذي يكوّن المخاطب به، ويخلقه بدون فعل من المخاطب، أو قدرة أو إرادة أو وجود له. وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله بقدرة وإرادة. وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته. إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس. هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده أم لا يصح أن يخاطب إلا بعد وجود ؟ لا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به حكم الخطاب إلا بعد وجوده. وكذلك تنازعوا في الأول هل هو خطاب حقيقي ؟ أم هو عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة ؟. والأول هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة. والأصل الثاني أن المعدوم في حال عدمه، هل هو شيء أم لا ؟ فإنه قد ذهب طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء في الخارج وذات وعين، وزعموا أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة، وأن وجودها زائد على حقيقتها. وكذلك ذهب إلى هذا طوائف من المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة. والذي عليه جماهير الناس، وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة والجماعة ؛ إنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ولا عين. وإنه ليس في الخارج شيئان أحدهما حقيقة، والآخر وجوده الزائد على حقيقته. فإن الله أبدع الذوات التي هي الماهيات. فكل ما سواه سبحانه مخلوق ومجعول ومبدَع ومبدوء له سبحانه وتعالى. لكن في هؤلاء من يقول : المعدوم ليس بشيء أصلا، وإن سمي شيئا باعتبار ثبوته في العالم، كان مجازا. ومنهم من يقول : لا ريب أن له ثبوتا في العلم ووجودا فيه، فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات. وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت. كما فرق من قال : المعدوم شيء. ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء من الممكن والممتنع، كما فرق أولئك. إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن. وعمدة من جعله شيئا، إنما هو لأنه ثابت في العلم، وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه، وغير ذلك. قالوا : وهذه التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم المحض. فإن خُصَّ الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العينيّ، وبين الوجود الذي هو الثبوت العلميّ، زالت الشبهة في هذا الباب. 
وقوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  [(٤)](#foonote-٤) ذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إليه. وبذلك كان مقدرا مقضيا. فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما شاء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في ( صحيحه ) [(٥)](#foonote-٥) عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال : وعرشه على الماء ). وفي ( صحيح البخاري ) [(٦)](#foonote-٦) عن عمران / بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض ). 
وفي ( سنن أبي داود ) [(٧)](#foonote-٧) وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن أول ما خلق الله القلم، فقال له : اكتب قال : رب، وماذا أكتب ؟ قال : اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ). إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوما مخبرا عنه، مكتوبا. فهو شيء باعتبار وجوده العلميّ الكلاميّ الكتابيّ، وإن كانت حقيقته هي وجوده العينيّ ليس ثابتا في الخارج. بل هو عدم محض ونفيٌ صرف. وهذه المراتب الأربعة المشهورة موجودات. وقد ذكرها الله سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيه في قوله : اقرأ باسم ربك الذي خلق \* خلق الإنسان من علق \* اقرأ وربك الأكرم \* الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم  [(٨)](#foonote-٨) وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع، وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة، وتعلقت به القدرة، وخلق وكوّن كما قال : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  [(٩)](#foonote-٩) فالذي يقال له  كن  هو الذي يراد، وهو، حين يراد قبل أن يخلق، له ثبوت وتميز في العلم والتقدير. ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره، وبهذا يحصل الجواب عن التقسيم. فإن قول السائل : إن كان المخاطب موجودا، فتحصيل الحاصل محال. يقال له هذا إذا كان موجودا في الخارج وجوده الذي هو وجوده. ولا ريب أن المعدوم ليس موجودا، ولا هو في نفسه ثابت. وأما ما علم وأريد وكان شيئا في العلم والتقدير فليس وجوده في الخارج محالا، بل جميع المخلوقات لا توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة. وقول السائل : إن كان معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم ؟ يقال له : أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال، إذ من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل. والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل. فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه بمعنى أنه مطلوب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل، ولذلك أيضا يمتنع أن يخاطب المعدوم في الخارج خطاب تكوين. بمعنى أن يعتقد أنه شيء ثابت في الخارج وأنه يخاطب بأن يكون. وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل توجيه الإرادة إليه، فليس ذلك محالا بل هو أمر ممكن. بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه، فيقدر أمرا في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب، الذي قدره في نفسه، ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته. فإن كان قادرا على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم. وإن كان عاجزا، لم يحصل. وقد يقول الإنسان : ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب. فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه. والله سبحانه على كل شيء قدير. وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. انتهى. 
١ \[١٧/ الإسراء/ ٢٣\] ونصها: \* وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ٢٣..
٢ \[١٧/ الإسراء/ ٤\] ونصها: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرّتين ولتعلنّ علوّا كبيرا ٤..
٣ \[٤١/ فصلت/ ١٢\] ونصها: فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ١٢..
٤ \[١٦/ النحل/ ٤٠\]..
٥ أخرجه مسلم في صحيحه في: ٤٦ ـ كتاب القدر، حديث ١٦ (طبعتنا)..
٦ أخرجه البخاريّ في: ٥٩ ـ كتاب بدء الخلق، ١ ـ باب ما جاء في قول الله تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده. ونصه: عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم. وعقلت ناقتي بالباب. فأتاه ناس من بني تميم. فقال: (اقبلوا البشرى يا بني تميم) قالوا: قد بشرتنا فأعطنا. مرتين. ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن. فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم) فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر؟ قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره. وكان عرشه على الماء. وكتب في الذكر كل شيء. وخلق السماوات والأرض). فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين. فانطلقتُ فإذا هي يقطع دونها السراب. فوالله! لوددت أني كنت تركتها..
٧ أخرجه أبو داود في سننه في: ٣٩ ـ كتاب السنة، ١٦ ـ باب في القدر، حديث ٤٧٠٠..
٨ \[٦٦/ العلق/ ١ ـ ٤\]..
٩ \[١٦/ النحل/ ٤٠\]..

### الآية 2:118

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [2:118]

وقال الذين لا يعلمون لولا يكلّمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون ١١٨ . 
 وقال الذين لا يعلمون  من المشركين أو من أهل الكتاب وهو الأظهر. لأن ما تقدم، كلُّه في حوارهم وردّ أضاليلهم. ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به  لولا يكلّمنا الله  هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى ؟ استكبارا منهم وعتواً  أو تأتينا آية  جحودا لأن يكون ما أتاهم من آيات الله، آيات، واستهانة بها  كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم  أي هذا الباطل الشنيع فقالوا : أرنا الله جهرة. وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تُعُنِّت عليه تُعُنِّت على من قبله  تشابهت قلوبهم  أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتحكم على الأنبياء  قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون  أي بالحق. لا تعتريهم شبهة ولا ريبة. وهذا رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين المفصح عن كمال التوضيح، مكان الإتيان الذي طلبوه، ما لا يخفى من الجزالة. والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة، ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين. وإنما لم يعترض لرد قولهم : لولا يكلّمنا الله  إيذانا بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة له إلى الرد والجواب.

### الآية 2:119

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [2:119]

إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ١١٩ . 
 إنا أرسلناك بالحق بشيرا  بالثواب للمؤمنين  ونذيرا  بالعقاب للكافرين  ولا تسأل عن أصحاب الجحيم  ولا نسألك عنهم : ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغْتَ وبلغتَ جهدك في دعوتهم ؟ كقوله : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب  [(١)](#foonote-١) وفي التعبير عنهم بصاحبية الجحيم، دون الكفر والتكذيب ونحوهما، وعيد شديد لهم، وإيذان بأنهم مطبوع على قلوبهم، لا يرجى منهم الإيمان. والجحيم، من أسماء النار وتطلق على النار الشديدة التأجج، وعلى كل نار بعضها فوق بعض، وعلى كل نار عظيمة في مهواة، وعلى المكان الشديد الحر. 
١ \[١٣/ الرعد/ ٤٠\] ونصها: وإن ما نرينّك بعض الذي نعدهم أو نتوفّينّك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ٤٠..

### الآية 2:120

> ﻿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:120]

ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ١٢٠ . 
 ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم  أي لأنهم يريدون أن يكونوا متبوعين على الإطلاق. وفيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه، عليه السلام  قل  لا يتبع رسولٌ إلا الهدى و إن هدى الله  أي الذي هو الإسلام  هو الهدى  أي فليس وراءه هدى. وما تدعون إليه ليس بهدى، بل هو هوى. كما يعرب عنه قوله : ولئن اتبعت أهواءهم  أي آرائهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم  بعد الذي جاءك من العلم  بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة  ما لك من الله من وليّ  يلي أمرك  ولا نصير  يدفع عنك عقابه. وإنما أُوثِر خطابه صلى الله عليه وسلم ليدخل دخولا أوليّاً من اتبع أهوائهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم، طمعا في نصرتهم. 
قال الإمام الرازيّ : في الآية دلالة على أن إتباع الهوى لا يكون إلا باطلا. فمن هذا الوجه تدل على بطلان التقليد. انتهى. 
وفي ( فتح البيان ) ما نصه : وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتنصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه ترك الدهان لتاركي العمل بالكتاب والسنة، المُؤْثرين لمحض الرأي عليهما. انتهى.

### الآية 2:121

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:121]

الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ١٢١ . 
 الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون  لما ذكر تعالى، فيما تقدم، عدم رضا اليهود والنصارى إلا بإتباع ملتهم، لدعواهم أنهم على حق وأنهم مؤمنون بما لديهم فنّد تعالى دعواهم الإيمان به بأن من أوتي الكتاب فتلاه حق تلاوته فذاك المؤمن به. والمذكورون ممن لم يتله حق تلاوته، لما عدّد من مساوئ اليهود أولا، وشَفَعَهُ بدعوى النصارى اتخاذ الولد. ومن كان يعتقد ذلك فأنّى له الإيمان ؟ وهل هو ممن يتلو الكتاب حق تلاوته ؟ وكتابه يأمر بتوحيد ربه والمشي مع شريعته وتصديق كل نبي يصدق ما معهم، وقد كفروا بكل ذلك. فجملة  يتلونه  حال مقدرة من  هم  أو من  الكتاب . وجوِّز أن تكون الآية سيقت مدحا لمن آمن من أهل الكتاب بالقرآن. فالضمير في  يتلونه  للقرآن. فتكون كآية  الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون \* وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين \* أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون  [(١)](#foonote-١) وكآية  قل آمنوا به أو لا تؤمنوا \* إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجدا  [(٢)](#foonote-٢). 
ومن تلاوته حق تلاوته الإيمان بأنه حق من ربهم، وصبرهم ودرؤهم بالحسنة السيئة، وإنفاقهم وسجودهم له تعالى : فالآيتان مفسرتان لتلاوتهم حق تلاوته. 
 وعن ابن مسعود :( والذي نفسي بيده ! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله ). ومثله عن ابن عباس. 
وقوله تعالى : أولئك  إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه  يؤمنون به  محط الفائدة ما يلزم الإيمان به من الربح. بقرينة قوله : ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون  حيث اشتروا الضلالة بالهدى. 
١ \[٢٨/ القصص/ ٥٢ ـ ٥٤\]..
٢ \[١٧/ الإسراء/ ١٠٧\]..

### الآية 2:122

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:122]

يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين ١٢٢ . 
 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين \* واتقوا  أي خافوا  يوما لا تجزي  أي لا تغني  نفس عن نفس  فيه  شيئا ولا يقبل منها عدل  أي فداء  ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون  أي يمنعون من عذاب الله. وقد مر نظير الآيتين في صدر السورة. 
قال القاضي : ولما صدّر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها، والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة وأهوالها كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغة في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة.

### الآية 2:123

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:123]

واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون ١٢٣ . 
 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين \* واتقوا  أي خافوا  يوما لا تجزي  أي لا تغني  نفس عن نفس  فيه  شيئا ولا يقبل منها عدل  أي فداء  ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون  أي يمنعون من عذاب الله. وقد مر نظير الآيتين في صدر السورة. 
قال القاضي : ولما صدّر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها، والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة وأهوالها كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغة في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة.

### الآية 2:124

> ﻿۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [2:124]

\* وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ١٢٤ . 
 وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمّهن  لما عاب سبحانه أهل الضلال، وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام، وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب، وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ذكّر الجميع ما أنعم به عليه تذكيرا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين بإطلاع هذا النبي الأميّ، الذي لم يخالط عالما قط، على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء. وذكر البيت الذي بناه فجعله عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلّى، تعظيما لأمره وتفخيما لعليّ قدره. وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة، وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حثٌّ على الإقتداء به. وكذا ذكر الإسلام والتوحيد، هزٌّ لجميع من يعظمه إلى إتباعه في ذلك. ذكره البقاعيّ. 
و " إذ " منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين. أي واذكر لهم وقت ابتلائه عليه السلام، ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد، الوازعة عن الشرك، فيقبلوا الحق ويتركوا ما هم فيه من الباطل. ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على  اذكروا  خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى، عمن ينتمون إلى ملته من إبراهيم وبنيه عليهم السلام، من الأفعال والأقوال، فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم. أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم، فأتم ما ابتلاه به. فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله، في إيفاء العهد والثبات على الوعد، لأجازيكم على ذلك جزاء المحسنين ؟ والابتلاء، في الأصل، الاختبار. أي تطلّب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه، غالبا، فعله أو تركه. والاختبار منا لظهور ما لم نعلم. ومن الله لإظهار ما قد علم. وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعا، فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى. وقوله تعالى : بكلمات  أي بشرائع : أوامر ونواه. وللمفسرين أقاويل فيها وفي تعدادها. قال ابن جرير : ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على التعيين، إلا بحديث أو إجماع. قال : ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. انتهى. 
وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام، فأسلم لرب العالمين. وابتلاؤه بالهجرة، فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله. وابتلاؤه بالنار فصبر عليها. ثم ابتلاؤه بالختان فصبر عليه. ثم ابتلاؤه بذبح ابنه فسلم واحتسب. كما يؤخذ ذلك من تتبع سيرته في التنزيل العزيز وسفر التكوين من التوراة. ففيهما بيان ما ذكرنا في شأنه عليه الصلاة والسلام. من قيامه بتلك الكلمات حق القيام، وتوفيتهن أحسن الوفاء. وهذا معنى قوله تعالى : فأتمّهن  كقوله تعالى : وإبراهيم الذي وفّى  [(١)](#foonote-١) والإتمام التوفية. 
 قال  جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام. فكأنه قيل : فما جوزي على شكره ؟ قيل : قال له ربه : إني جاعلك للناس إماما  أي قدوة لمن بعدك. والإمام اسم لمن يؤتم به. ولم يبعث بعده نبي إلا كان مأمورا بإتباع ملته، وكان من ذريته. كما قال تعالى : وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب  [(٢)](#foonote-٢)  قال  أي إبراهيم  ومن ذريتي  أي واجعل من ذريتي أئمة  قال لا ينال  أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك. لكن لا ينال  عهدي  أي الذي عهدته إليك بالإمامة  الظالمين  أي منهم. لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين. ففي قوله : لا ينال... إلخ  إجابة خفية لدعوته عليه السلام. وعدة إجمالية منه تعالى بتشريف بعض ذريته بنيل عهد الإمامة. كما قال تعالى : وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب  [(٣)](#foonote-٣) وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، لاسيما للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد. وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما دام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، ولا يجزي أحد عنهم شيئا ولا هم ينصرون. وقرئ  الظالمون  على أن  عهدي  مفعول مقدم اهتماما ورعاية للفواصل. 
وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة. و( الكشاف ) أوسع المقال، في ذلك، هنا، وأبدع في إيراد الشواهد. كما أن الشيعة استدلت بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا. على ما نقله الرازي عنهم وحاورهم. 
أقول. إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن يكون الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك. 
المراد بالعهد، تلك الإمامة المسؤول عنها. وهل كانت إلا الإمامة في الدين وهي النبوة التي حرمها الظالمون من ذريته ؟ كما قال تعالى : وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين  ولو دلت الآية على ما ادّعوا لخالفه الواقع... فقد نال الإمامة الدنيوية كثير من الظالمين. فظهر أن المراد من العهد إنما هو الإمامة في الدين خاصة، والاحتجاج بها على عدم صلاحية الظالم للولاية تمحل. لأنه اعتبار لعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق ؛ أو ذهاب إلى أن الخبر في معنى الأمر بعدم تولية الظالم. كما قاله بعضهم. وهو أشد تمحلا. ومعلوم أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع، كما ورد. ومتى زاغ عن ذلك كان ظالما، والبحث في ذلك له غير هذا المقام. وبالله التوفيق. 
١ \[٥٣/ النجم/ ٣٧\]..
٢ \[٢٩/ العنكبوت/ ٢٧\] ونصها: ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ٢٧..
٣ \[٢٩/ العنكبوت/ ٢٧\] ونصها: ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ٢٧..

### الآية 2:125

> ﻿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [2:125]

وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ١٢٥ . 
 وإذ جعلنا البيت  أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى. وهو اسم غالب للكعبة. كالنجم للثريا  مثابة للناس  مباءة ومرجعا للحجاج والعمّار، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه. ومثابة مفعلة. من " الثوب " وهو الرجوع تراميا إليه بالكلية. وسر هذا التفضيل ظاهر في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها له. فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد. فهو الأولى بقول القائل :
محاسنه هيولى كل حسن\*\*\*ومغناطيس أفئدة الرجال
فهم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار. ولا يقضون منه وطراًَ. بل كلما ازدادوا له زيادة، ازدادوا له اشتياقا. 
لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها\*\*\* حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح ! وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح ! ورضى المحب بمفارقة فلذ الأكباد الأهل والأحباب والأوطان، مقدما بين يديه أنواع المخاوف والمتآلف والمعاطب والمشتاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه !
ذكر هذه الشذرة الإمام ابن القيم في أوائل ( زاد المعاد ). 
 وأمنا  موضع أمن. كقوله : حرما آمنا ويتخطّف الناس من حولهم  [(١)](#foonote-١) وكقوله : ومن دخله كان آمنا  [(٢)](#foonote-٢) وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسْبَوْن. وكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له. وفي هذا بيان شرف البيت من كونه محلا تشتاق إليه الأرواح ولا تقضي منه وطرا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله في قوله : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  [(٣)](#foonote-٣) إلى أن قال : ربنا وتقبّل دعاء  [(٤)](#foonote-٤) ومن كونه مأمنا لمن دخله. كما بيّنا. 
وفي ( الصحيحين ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال[(٥)](#foonote-٥) يوم فتح مكة :( إن هذا بلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض. وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ) الحديث. وقوله تعالى : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى  قرئ بكسر الخاء، أمرا معترضا بين الجملتين الخبريتين. أو بتقدير : وقلنا اتخذوا. وقرئ بفتح الحاء ماضيا معطوفا على جعلنا. أي واتخذوه مصلى، ومقام إبراهيم هو الحرم كله. عن مجاهد. وعنه : هو جمع ومزدلفة ومنى ومكة. ويقال : هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. فقد قال قتادة : إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت الأمم شيئا مما تكلفته الأمم قبلها. 
 قال الراغب الأصفهانيّ : والأولى أنه الحرم كله. فما من موضع ذكروه إلا وهو مصلى أو مدّعى أو موضع صلاة. 
أقول : كأن الأصل في الآية : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ومصلى. إلا أنه عدل إلى هذا الأسلوب الحكيم دون ذاك، ودون أن يقال مثلا : واتخذوا منه مصلى لوجوه :
( أحدها ) : التنويه بأمر الصلاة فيه والتعظيم لشأنها حيث أفرد، للعناية بها، جملة على حدة. 
( وثانيها ) : التذكير بأنه مقام الأب الأكبر للأنبياء كافة. وما كان مقامه فجدير أن يحترم ويعظم. 
( وثالثها ) : التنصيص على أن هذا الاتخاذ بأمر رباني لا بتشريع بشر، تمهيدا للأمر باستقباله، وإلزاما لمن جادل فيه، وهم اليهود. وقد روى الشيخان وغيرهما أن عمر رضي الله عنه قال[(٦)](#foonote-٦) :( يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت  واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى  قال ابن كثير : ومقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة. وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار. وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها. وهكذا حتى تم جدران الكعبة. كما جاء بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاريّ[(٧)](#foonote-٧). 
 قال ابن كثير : وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما. ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل عليه السلام، لما فرغ من بناء البيت، وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء، فتركه هناك. ولهذا، والله أعلم، أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف. وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا، وجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. 
قال ابن كثير : وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر رضي الله عنه. ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة. وقد روى البيهقيّ بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت :( إن المقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي يكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت. ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه ). 
وقال سفيان بن عُيَيْنَة، وهو إمام المكيين في زمانه : كان المقام من سُقع[(٨)](#foonote-٨) البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم. قال : ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فردّه عمر إليه. وقال سفيان : لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. وقال أيضا : لا أدري أكان لاصقا بها أم لا. وأثر عائشة المتقدم يدل على أنه كان لاصقا بها. والله أعلم. وقال الحافظ الشيخ عمر بن الحافظ التقيّ محمد بن فهد المكيّ الهاشميّ، في كتاب " إتحاف الورى بأخبار أم القرى " في حوادث سنة سبع عشرة :( فيها جاء سيل عظيم يعرف بسيل أم نهشل من أعلى مكة من طريق الردم. فدخل المسجد الحرام واقتلع مقام إبراهيم من موضعه، وذهب به حتى وجد بأسفل مكة. وعيّن مكانه الذي كان فيه لما عفاه السيل. فأتى به وربط بلصق الكعبة في وجهها. وذهب السيل بأم نهشل بنت عبيدة بن سعد ابن العاص بن أمية. فماتت فيه واستخرجت بأسفل مكة، وكان سيلا هائلا. فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة الشريفة. فهاله ذلك. وركب فزعا إلى مكة. فدخلها بعمرة في شهر رمضان. فلما وصل إلى مكة وقف على حجر المقام وهو ملصق بالبيت الشريف. ثم قال : أنشد الله عبدا عنده علم في هذا المقام. فقال المطلب بن أبي وداعة السهميّ رضي الله عنه : أنا يا أمير المؤمنين عندي علم ذلك. فقد كنت أخشى عليه مثل هذا الأمر، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر. ومن موضعه إلى زمزم بمِقاط[(٩)](#foonote-٩). وهي عندي في البيت. فقال له عمر : اجلس عندي وأرسل إليها من يأتي بها. فجلس عنده وأرسل إليها فأتى بها. فقيس، ووضع حجر المقام في هذا المحل الذي هو فيه الآن. وأحكم ذلك واستمر إلى الآن ). انتهى  وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل  أي أمرناهما. وتعديته ب " إلى " لأنه في معنى : تقدمنا وأوحينا  أن طهّرا بيتي  أي عن كل رجس حسيّ ومعنويّ : فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع. أو ابنياه على طهر من الشرك بي. كما قال تعالى : وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود  [(١٠)](#foonote-١٠) أو أخلصاه للطائفين وما بعده، لئلا يغشاه غيرهم. فاللام صلة  طهرا  على هذا. وعلى ما قبله، لام العلة. أي طهراه لأجلهم. وقوله تعالى :
 للطائفين  أي حوله. وعن سعيد بن جبير : يعني من أتاه من غربة  والعاكفين  يعني أهله المقيمين فيه أو المعتكفين. كما روى ابن أبي حاتم بسنده إلى ثابت قال :( قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير : ما أُراني إلا مكلِّم الأمير : أن امْنَع الذين ينامون في المسجد الحرام. فإنهم يُجنبون ويُحدثون. قال : لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال : هم العاكفون ). ورواه عبد بن حُمَيْد في ( مسنده ). وقد ثبت في ( الصحيح ) [(١١)](#foonote-١١) ! ( أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب ). 
وفي ( الكشاف ) : يجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين. يعني القائمين في الصلاة. كما قال للطائفين والقائمين  والركع السجود  جمع راكع وساجد والمعنى للطائفين والمصلين. لأن القيام والركوع والسجود هيئات المصلي. ولتقارب الأخيرين ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما. وجمع صفتين جمع سلامة، وأخريين جمع تكسير لأجل المقابلة. وهو نوع من الفصاحة. وأخّر صيغة " فُعُول " على " فُعَّل " لأنها فاصلة. والمراد من الآية الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له. ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى : إن الذين كفروا ويصدّون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم  [(١٢)](#foonote-١٢) ففي ذلك تبكيت لهم وتنبيه على توبيخهم بترك دينه. 
١ \[ ٢٩/ العنكبوت/ ٦٧\] ونصها: أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطّف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ٦٧..
٢ \[ ٣/ آل عمران/ ٩٧\] ونصها: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيّ عن العالمين ٩٧..
٣ \[١٤/ إبراهيم/ ٣٧\] ونصها: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ٣٧..
٤ \[١٤/ إبراهيم/ ٤٠\]..
٥ أخرجه البخاريّ في: ٢٨ ـ كتاب جزاء الصيد، ١٠ ـ باب لا يحل القتال بمكة ونصه:
 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، يوم افتتح مكة (لا هجرة. ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا. فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعضد شوكُهُ، ولا ينفّر صيده، ولا يَلتقط لُقَطَتَهُ إلا من عرّفها. ولا يختلى خلاها).
 قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقَيْنهم ولبيوتهم. قال: (إلا الإذخر)..
٦ أخرجه البخاريّ في: ٨ ـ كتاب الصلاة، ٣٢ ـ باب ما جاء في القبلة. ونصه:
 عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى. فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر. فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن. فنزلت هذه الآية..
٧ أخرجه البخاريّ في: ٦٠ ـ كتاب الأنبياء، ٩ ـ باب يزفون.
 وهو حديث طويل عن ابن عباس يبتدئ فيه بذكر أن أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَل أم إسماعيل. ثم مجيء إبراهيم بها وبابنها إسماعيل وهي ترضعه إلى مكة، وبحث الملَك بعقبه عند موضع زمزم حتى ظهر الماء. ومرت بهم رفقة من جرهم فنزلوا في أسفل مكة. ثم شبّ الغلام وتعلّم العربية، ثم تزوج منهم. ثم مطالعة إبراهيم تركته، في غيبة إسماعيل، مرتين. ثم رفعهما القواعد من البيت. إلخ. وهو حديث جليل جدا..
٨ السقْع، بالضم: ناحية من الأرض والبيت..
٩ المِقَاط: الحبل الصغير الشديد الفتل، يكاد يقوم من شدة فتله. وجمعه مُقُط..
١٠ \[٢٢/ الحج/ ٢٦\]..
١١ أخرجه البخاريّ في: ٩١ ـ كتاب التعبير، ٣٥ ـ باب الأمن وذهاب الروع في المنام..
١٢ \[٢٢/ الحج/ ٢٥\]..

### الآية 2:126

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [2:126]

وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتّعه قليلا ثم أضطرّه إلى عذاب النار وبئس المصير ١٢٦ . 
 وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا  أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني / بأن أسكنتُه من ذريتي  بلدا  أي يأنس من يحل به  آمنا  أي من الخوف. أي لا يُرْعَبُ أهله. وقد أجاب الله دعاءه. كقوله تعالى : ومن دخله كان آمنا  [(١)](#foonote-١) وقوله  أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطّف الناس من حولهم \* أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون  [(٢)](#foonote-٢) إلى غير ذلك من الآيات. وصحت أحاديث متعددة بتحريم القتال فيه. وفي ( صحيح مسلم ) عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول[(٣)](#foonote-٣) :( لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح ) فهو آمن من الآفات، لم يصل إليه جبار إلا قصمه الله. كما فعل بأصحاب الفيل. وقوله تعالى في سورة إبراهيم  هذا البلد آمنا  [(٤)](#foonote-٤) بتعريف البلد وجعله صفة لهذا، خلاف ما هنا، إما أن يحمل على تعدد السؤال بأن تكون الدعوة الأولى المذكورة هنا، وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا. كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع  [(٥)](#foonote-٥) فقال، ههنا، اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة. وإما أن يحمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر. فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين. وقد حكى ذلك هنا. واقتصر هناك على حكاية سؤال الأمن، اكتفاء عن حكاية سؤال البلدية بحكاية سؤال اجعل أفئدة الناس تهوى إليه، هذا خلاصة ما حققوه. 
وعندي أن السؤال والمسؤول واحد. إلا أنه تفنن في الموضعين. فحذف من كل ما أثبته في الآخر احتباكا. والأصل : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا. وبه تتطابق الدعوتان على أبدع وجه وأخلصه من التكلف. على ما فيه من إفادة المبالغة. أي بلدا كاملا في الأمن : كأنه قيل : اجعله بلدا معلوم الاتصاف بالأمن مشهورا به كقولك : كان هذا اليوم يوما حارا. وفي ( القاموس ) و( شرحه التاج ) : البلد والبلدة علم على مكة، شرفها الله تعالى، تفخيما لها. كالنجم للثريا. وكل قطعة من الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة خالية أو مسكونة. وفي ( النهاية ) : البلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء.  وارزق أهله من الثمرات  إنما سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك، لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر، فاستجاب الله تعالى له، فصارت يجبى إليها ثمرات كل شيء  من آمن منهم بالله واليوم الآخر  بدل " من أهله "، بدل البعض، يعني : ارزق المؤمنين من أهله خاصة. وإنما خصهم بالدعاء إظهارا لشرف الإيمان، واهتماما بشأن أهله، ومراعاة لحسن الأدب في المسألة. حيث ميّز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين، في باب الإمامة، في قوله : لا ينال عهدي الظالمين  بعد أن سأل، عليه السلام، جعلها في ذريته، فلا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء، وفيه ترغيب لقومه في الإيمان، وزجر عن الكفر  قال  الله تعالى مُعْلماً أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض  ومن كفر  أي أنيله أيضا ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق، فهو عطف على مفعول فعل محذوف، دل الكلام عليه. ويجوز أن تكون  من  مبتدأ موصولة أو شرطية. وقوله : فأمتعه  خبره أو جوابه. وعبر عن رزقه / بالمتعة التي هي الزاد القليل والبلغة، تخسيسا له، وأكد ذلك بقوله : قليلا  تمتيعا قليلا، أو زمانا قليلا  ثم أضطرّه إلى عذاب النار  أي ألجئه إليه كما قال تعالى : يوم يدعّون إلى نار جهنم دعّا  [(٦)](#foonote-٦) و يوم يسحبون في النار على وجوههم  [(٧)](#foonote-٧) وقرئ فأمتعه قليلا ثم اضطره، بلفظ الأمر فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلام، وفي  قال  ضميره  وبئس المصير  النار أو عذابها. 
١ \[٣/ آل عمران/ ٩٧\] ونصها: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيّ عن العالمين ٩٧..
٢ \[٢٩/ العنكبوت/ ٦٧\]..
٣ أخرجه مسلم في: ١٥ ـ كتاب الحج، حديث ٤٤٩ (طبعتنا)..
٤ \[١٤/ إبراهيم/ ٣٥\] ونصها: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ٣٥..
٥ \[١٤/ إبراهيم/ ٣٧\] ونصها: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ٣٧..
٦ \[٥٢/ الطور/ ١٣\]..
٧ \[٥٤/ القمر/ ٤٨\] ونصها: ثم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر ٤٨..

### الآية 2:127

> ﻿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:127]

وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم ١٢٧ . 
 وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل  أي اذكر بناءهما البيت ورفعهما القواعد منه. وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية، لاستحضار صورتها العجيبة. والقواعد : جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه، وقال الزجاج : القواعد : أساطين البناء التي تعمده  ربنا تقبّل منا  على إرادة القول أي يقولان، وترك مفعول  تقبل  ليعم الدعاء وغيره من القُرَبِ والطاعات، التي من جملتها ما هما بصدده من البناء. كما يعرب عنه جعل الجملة الدعائية حالية  إنك أنت السميع  لدعائنا  العليم  بضمائرنا ونياتنا. وفي ( صحيح البخاري ) [(١)](#foonote-١) عن ابن عباس في حديث مجيء إبراهيم لتفقّد إسماعيل عليهم السلام، ثم قال :( يا إسماعيل ! إن الله قد أمرني بأمر، قال : فاصنع ما أمرك ربك، قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك. قال : فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان : ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم . قال فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم  ). 
١ انظر الحاشية رقم ٢ ص ٣٦١..

### الآية 2:128

> ﻿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:128]

ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم ١٢٨ . 
 ربنا واجعلنا مسلمين لك  مخلصين لك أوجهنا. من قوله : أسلم وجهه لله. أو مستسلمين، يقال : أسلم له وسلم، واستسلم، إذا خضع وأذعن. والمعنى : زدنا إخلاصا أو إذعانا لك  ومن ذريتنا  واجعل من ذريتنا  أمة مسلمة لك  و " من " للتبعيض، أو للتبيين، كقوله : وعد الله الذين آمنوا منكم  [(١)](#foonote-١) وإنما خصّا الذرية بالدعاء، لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع  وأرنا مناسكنا  أي عرفنا متعبداتنا، جمع منسك بفتح السين وكسرها، وهو المتعبد، وشرعة العبادة. يقع على المصدر والزمان والمكان، من النسك مثلثة وبضمتين وهو العبادة والطاعة، وكل ما تُقرِّب به إلى الله تعالى. ومن المفسرين من حمل المناسك على مناسك الحج لشيوعها في أعماله ومواضعه. فالإراءة حينئذ لتعريف تلك الأعمال والبقاع. وقد رويت آثار عن بعض الصحابة والتابعين تتضمن أن جبريل أرى إبراهيم المناسك وأن الشيطان تعرض له، فرماه عليه السلام. قالوا : وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج، حيث كان متلقًّى عن الله بلا واسطة، لكونه عَلَماً على آتى يوم الدين، حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد. والذي عول عليه أئمة اللغة ما ذكرناه أولا من حمل المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى، واللزوم لما يرضيه، وجعل ذلك عامّا لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام. أي علمنا كيف نعبدك وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك، حتى نخدمك كما يخدم العبد مولاه ؟  وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم  هذا الدعاء استتابة لما فرط من التقصير. فإن العبد، وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه، إما على سبيل السهو والنسيان، أو على سبيل ترك الأولى. فالدعاء منهما، عليهما السلام، لأجل ذلك. 
١ \[٢٤/ النور/ ٥٥\] ونصها:وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ٥٥..

### الآية 2:129

> ﻿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [2:129]

ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنك أنت العزيز الحكيم ١٢٩ . 
 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنك أنت العزيز الحكيم . هذا إخبار عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وهم العرب من ولد إسماعيل. وقد أجاب الله تعالى لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث في ذريته رسولا منهم، وهو محمد، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، إلى الناس كافة. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه أنه دعوة إبراهيم. ومراده هذه الدعوة. وذلك فيما أخرجه الإمام أحمد[(١)](#foonote-١) عن العرباض بن سارية، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إني، عند الله، لخاتم النبيين، وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك : أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين ). وأخرج أيضا نحوه عن أبي أمامة[(٢)](#foonote-٢)، قال :( قلت : يا نبيّ الله ! ما كان أول بدء أمرك ؟ قال : دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام ). 
والمراد أن أول من نوه بذكره وشَهَره في الناس إبراهيم عليه السلام، ولم يزل ذكره في الناس مشهورا حتى أفصح باسمه عيسى ابن مريم، عليهما السلام، حيث قال : إني رسول الله إليكم مصدّقا لما بين يديّ من التوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  [(٣)](#foonote-٣) وهذا معنى قوله في الحديث :( دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم. وقوله فيه : ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منها قصور الشام ). قيل : كان منها ما رأته حين حملت به، وقصته على قومها، فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة وإرهاصا. وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا يكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في ( الصحيحين ) [(٤)](#foonote-٤) :( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك ) وفي ( صحيح البخاري ) :( وهم بالشام ) [(٥)](#foonote-٥) وقوله تعالى : يتلو عليهم آياتك  هي إما الفرقان الذي أنزل على / النبي صلى الله عليه وسلم، المتلوّ عليهم، وإما الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته تعالى. ومعنى تلاوته إياها عليهم أنه كان يذكرهم بها، ويدعوهم إليها، ويحملهم على الإيمان بها. وقوله تعالى : ويعلّمهم الكتاب  أي الكامل الشامل لكل كتاب وهو القرآن و الحكمة  هي السنة، فسرها بها كثيرون. وعن مالك : هي معرفة الدين، والفقه فيه، والإتباع له. وقوله تعالى : ويزكّيهم  أي يطهرهم من الشرك، وسائر الأرجاس، كقوله : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث  [(٦)](#foonote-٦). 
ولما ذكر عليه السلام هذه الدعوات، ختمها بالثناء على الله تعالى فقال : إنك أنت العزيز الحكيم ، والعزيز ذو العزة وهي القوة، والشدة، والغلبة، والرفعة. و الحكيم  بمعنى الحاكم، أو بمعنى الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وكلاهما من أوصافه تعالى. 
قال الراغب : إن قيل ما وجه الترتيب في الآية ؟ قيل : أما الآيات فهي الآيات الدالة على معجز النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر التلاوة لما كان أعظم دلالة نبوته متعلقا بالقرآن. وأما الترتيب فلأن أول منزلة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ادعاء النبوة، الإتيان بالآيات الدالة على نبوته، ثم بعده تعليمهم الكتاب، أي تعريفهم حقائقه لا ألفاظه فقط، ثم بتعليمهم الكتاب يوصلهم إلى إفادة الحكمة، وهي أشرف منزلة العلم، ولهذا قال : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا  [(٧)](#foonote-٧) ثم بالتدرج في الحكمة يصير الإنسان مزكى أي مطهرا مستصلحا لمجاورة الله عز وجل. انتهى. 
١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده: بالجزء الرابع بالصفحة رقم ١٢٧ (طبعة الحلبيّ)..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده: بالجزء الخامس بالصفحة رقم ٢٦٢ (طبعة الحلبيّ)..
٣ \[٦١/ الصف/ ٦\] ونصها: وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدّقا لما بين يديّ من التوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ٦..
٤ يشير إلى حديث المغيرة بن شعبة. وهذه طرقه:
 أخرج البخاريّ في: ٦١ ـ كتاب المناقب، ٣ ـ باب حدثني محمد بن المثنى عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون).
 ورواه في: ٩٦ ـ كتاب الاعتصام، ١٠ ـ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي... إلخ ونصه: عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون).
 ورواه في: ٩٧ ـ كتاب التوحيد، ٢٩ ـ باب قول الله تعالى: إنما قولنا لشيء.
 ونصه: عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله).
 ورواه مسلم في: ٣٣ ـ كتاب الإمارة، حديث ١٧١. (طبعتنا).
 ونصه: عن المغيرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون).
 أما نص المؤلف فهو مطابق لنص حديث ثوبان الذي انفرد به مسلم وأخرجه في: ٣٣ ـ كتاب الإمارة، حديث ١٧٠. (طبعتنا)..
٥ انظر الهامش رقم ٤ من نص: ٣٦٦..
٦ \[٧/ الأعراف/ ١٥٧\] ونصها: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ١٥٧..
٧ \[٢/ البقرة/ ٢٦٩\] ونصها: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكّر إلا أولوا الألباب ٢٦٩..

### الآية 2:130

> ﻿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [2:130]

ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ١٣٠ . 
 ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه  هذا إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب والمشركين، أي لا يرغب عن ملته الواضحة الغرّاء إلا من سفه نفسه، أي حملها على السفه وهو الجهل. 
قال الراغب : وسفه نفسه أبلغ من جهلها، وذاك أن الجهل ضربان : جهل بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء. وجهل مركب وهو أن يعتقد في الحق أنه باطل، وفي الباطل أنه حق. والسفه أن يعتقد ذلك ويتحرى بالفعل مقتضى ما اعتقده. فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لِسَفَهِ نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة. وذاك أن من جهل نفسه، جهل أنه مصنوع، وإذا جهل كونه مصنوعا جهل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعا، فكيف يعرف أمره ونهيه، وما حسّنه وقبّحه ؟ ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق جل ثناؤه، قال : وفي أنفسكم \* أفلا تبصرون  [(١)](#foonote-١) وقال : ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم  [(٢)](#foonote-٢). 
وقوله تعالى : ولقد اصطفيناه في الدنيا  أي اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإمامة، وتكثير الأنبياء من نسله، وإعطاء الخلة، وإظهار المناسك عليه. وجعل بيته آمنا، ذا آيات بينات إلى يوم القيامة.  وإنه في الآخرة لمن الصالحين  الذين لهم الدرجات العلى، وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح، حيث جعله من المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة، لعلو رتبته عند الله تعالى في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في إتباع دينه، والاهتداء بهديه. وأشدّ ذم لمن خالفه. 
قال الراغب : إن قيل كيف وصفه بالاصطفاء في الدنيا، وبالصلاح في الآخرة، والنظر يقتضي عكس ذلك. فإن الصلاح وصف يرجع إلى الفعل، وذلك يكون في الدنيا. والاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه صالحا، فحقه أن يكون في الآخرة ؟ قيل : الاصطفاء ضربان، أحدهما كما قلت، والآخر في الدنيا، وهو اختصاص الله بعض العبيد بولايته ونبوته بخصوصية فيه، وهو المعنيّ بقوله : شاكرا لأنعمه اجتباه  [(٣)](#foonote-٣)، والصلاح، وإن اعتبر بأحوال الدنيا، فمجازًى به في الآخرة، فبين تعالى أنه مجتبى في الدنيا لما علم الله من حكمته فيه، ومحكوم له في الآخرة، بصلاحه في الدنيا، تنبيها أن الثواب في الآخرة لم يستحقه باصطفائه في الدنيا، وإنما استحقه بصلاحه فيها. ويجوز أن يكون قوله : في الآخرة  أي في أفعال الآخرة لمن الصالحين. ويجوز أنه عنى بقوله : في الدنيا  حال بقائه، و في الآخرة  أي حال وفاته، ويكون الإشارة بصلاحه إلى الثناء الحسن عليه، الذي رغب إلى الله تعالى فيه بقوله : واجعل لي لسان صدق في الآخرين  [(٤)](#foonote-٤) ويجوز أنه لما كان الناس ثلاثة أضرب : ظالم، ومقتصد، وسابق، عبر عن السابق بالصالح، فكل سابق إلى طاعة الله ورحمته صالح. انتهى. 
وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم، وإقامة للحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على  اذكروا  في قوله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي  [(٥)](#foonote-٥). 
١ \[٥١/ الذاريات/ ٢١\]..
٢ \[٥٩/ الحشر/ ١٩\] ونصها: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ١٩..
٣ \[١٦/ النحل/ ١٢١\] ونصها: شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ١٢١..
٤ \[٢٦/ الشعراء/ ٨٤\]..
٥ \[٢/ البقرة/ ٤٠\] ونصها: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ٤٠.
 و\[٢/ البقرة/ ٤٧\] و\[٢/ البقرة/ ١٢٢\] ونصهما: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضّلتكم على العالمين ١٢٢..

### الآية 2:131

> ﻿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [2:131]

ولما ذكر إمامته عليه السلام، ذكر ما يؤتم به فيه، وهو سبب اصطفائه وصلاحه، وذلك دينه، وما أوصى به بنيه، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفا عن خلف، ولاسيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه فقال : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ١٣١ . 
 إذ  أي اصطفيناه لأنه  قال له ربه أسلم  أي لربك، أي انقد له، وأخلص نفسك له. أو استقم على الإسلام، واثبت على التوحيد  قال أسلمت لرب العالمين  وظاهر النظم الكريم أن القول حقيقيّ، وليس في ذلك مانع، ولا ما جاء ما يوجب تأويله. وقول بعضهم : هو تمثيل، والمعنى : أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام ليس بشيء. ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما.

### الآية 2:132

> ﻿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [2:132]

ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ١٣٢ . 
 ووصّى بها إبراهيم بنيه  شروع في بيان تكميله عليه السلام لغيره، إثر بيان كماله في نفسه. والتوصية التقدم إلى الغير في الشيء النافع المحمود عاقبته. والضمير في  بها  إما عائدا لقوله : أسلمت لرب العالمين  على تأويل الكلمة والجملة. ونحوه رجوع الضمير في قوله : وجعلها كلمة باقية  [(١)](#foonote-١) إلى قوله : إنني براء مما تعبدون \* إلا الذي فطرني  [(٢)](#foonote-٢) وقوله : كلمة  دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة. وإما عائد إلى الملة في قوله : ومن يرغب عن ملة إبراهيم ، وأيّد الأول بكون الموصى به مطابقا فيه اللفظ لأسلمت، وقرب المعطوف عليه. ورجح القاضي الثاني لكون المرجع مذكورا صريحا. وردّ الإضمار إلى المصرح بذكره، إذا أمكن، أولى من رده إلى المدلول والمفهوم. ولكون الملة أجمع من تلك الكلمة. والكل حسن. وقوله تعالى : بنيه  تفيد صيغة الجمع أن لإبراهيم عليه السلام من الولد غير إسماعيل وإسحق. وقرأت في سفر التكوين من التوراة[(٣)](#foonote-٣) أن إبراهيم عليه السلام تزوج، بعد وفاة سارة أم إسحق، امرأة أخرى اسمها قَطُورةُ، فولدت له : زِمْران ويَقْشان ومَدان ومِدْيان ويِشْباق وشُوحا، فعلى هذا تكون بنوه عليه السلام ثمانية  ويعقوب  معطوف على إبراهيم، ومفعوله محذوف تقديره : ووصى يعقوب بنيه. لأن يعقوب أوصى بنيه أيضا كما أوصى إبراهيم بنيه. ودليل ذلك قوله تعالى : إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي  [(٤)](#foonote-٤) كما سيأتي. وقرئ  ويعقوب  بالنصب عطفا على بنيه، ومعناه : ووصى بها إبراهيم بنيه، ونافلته يعقوب. وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وأدرك من حياته خمس عشرة سنة، كما يستفاد من سفر التكوين من التوراة، فإن فيها أن إبراهيم عليه السلام، ولد له إسحق، / وهو ابن مائة سنة[(٥)](#foonote-٥)، ومات وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، وكان لإسحق، حين ولد له يعقوب وعيسو، ستون سنة، فاستفيد من ذلك ما ذكرناه. ولوجود يعقوب في حياة جده يفهم سر ذكره في قوله تعالى : ووهبنا له إسحاق ويعقوب  [(٦)](#foonote-٦) وفي آية أخرى : ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة  [(٧)](#foonote-٧)  يا بنيّ  أي قال كل من إبراهيم ويعقوب، على القراءة الأولى. وعلى الثانية : قال إبراهيم : يا بنيّ  إن الله اصطفى لكم الدين  أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام، الذي لا دين غيره عند الله تعالى  فلا  أي فتسبب عن ذلك أنى أقول لكم : لا  تموتن إلا وأنتم مسلمون  وفي هذه الجملة إيجاز بليغ. والمراد : الزموا الإسلام، ولا تفارقوه حتى تموتوا. وهذا الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي لا تموتوا على حالة إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام. فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، لأنه هو المقدور. فلا يقال : صيغة النهي موضوعة لطلب الكف عما هو مدلولها، فيكون المفهوم منه النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام، وذا ليس بمقصود، لأنه غير مقدور. وإنما المقدور فيه هو الكون على خلاف حال الإسلام، فيعود النهي إليه، ويكون المقصود النهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت، لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يتبع الامتناع عن الموت في تلك الحال. فإما أن يقال : استعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني، فيكون مجازا. أو يقال : استعمل اللفظ في معناه لينتقل منه إلى ملزومه، فيكون كناية. 
قال الزمخشريّ : ونظير ذلك قولك : لا تصلّ إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته. والنكتة في إدخال حرف النهي عما ليس بمنهيّ عنه، هو إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام، موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وان من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم. كما تقول في الأمر : مت وأنت شهيد. فليس مرادك الأمر بالموت، ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات وإنما أمرته بالموت اعتدادا منك بميتته، وإظهارا لفضلها على غيرها، وإنها حقيقة بأن يُحَثَّ عليها. هذا. وقد قرر سبحانه بهذه الآيات بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرأ خليله والأنبياء من ذلك. 
١ \[٤٣/ الزخرف/ ٢٨\] ونصها: وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ٢٨..
٢ \[٤٣/ الزخرف/ ٢٦ و٢٧\] ونصهما: وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ٢٦ إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ٢٧..
٣ سفر التكوين، الأصحاح الخامس والعشرون، ١ و٢ ونصهما: وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قَطورَةُ. فولدت له زِمْران ويَقْشان ومَدان ومِدْيان ويَِشْباق وشُوحا..
٤ \[٢/ البقرة/ ١٣٣\] ونصها: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ١٣٣..
٥ سفر التكوين، الأصحاح الحادي والعشرون، ٥..
٦ \[٦/ الأنعام/ ٨٤\] ونصها: ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيّوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ٨٤.
 و\[٢٩/ العنكبوت/ ٢٧\] ونصها: ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ٢٧..
٧ \[٢١/ الأنبياء/ ٧٢\] ونصها: ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين ٧٢..

### الآية 2:133

> ﻿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:133]

ولما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه بالدين والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيدا للحجة على اليهود والنصارى ومبالغة في البيان بقوله : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ١٣٣ . 
 أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت  أي ما كنتم حاضرين حينئذ، ف " أم " منقطعة مقدّرة ب " بل " والهمزة، وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ. والشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضر، وحضور الموت حضور مقدماته  إذ قال  أي يعقوب  لبنيه  وهم[(١)](#foonote-١) : رَأُوبَيْن، وشِمْعُون، ولاَوِي، ويَهُوذَا، ويَسَّاَكر، وزَبُولُون، ويُوسُف، وبَنْيَامِينُ، ودَانُ، ونَفْتَالِي، وجَادُ، وأَشِيرُ، وهم الأسباط الآتي ذكرهم  ما تعبدون من بعدي  أي أيّ شيء تعبدونه بعد موتي، وأراد بسؤاله تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما  قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  عطف بيان لآبائك. وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه. لأن العم أب والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد، وهو الأخوّة، لا تفاوت بينهما. ومنه حديث الترمذيّ عن عليّ كرّم الله وجهه، رفعه[(٢)](#foonote-٢) ( عم الرجل صنو أبيه ) أي لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وفي ( الصحيحين ) عن البراء، رفعه[(٣)](#foonote-٣) ( الخالة بمنزلة الأم ) ؛ وروى ابن سعد عن محمد بن علي مرسلا ( الخالة والدة ).  إلها واحدا  بدل من إله آبائك، كقوله تعالى : بالناصية \* ناصية كاذبة خاطئة  [(٤)](#foonote-٤) أو على الاختصاص، أي نريد بإله آبائك إلها واحدا، وفي ذلك تحقيق للبراءة من الشرك، للتصريح بالتوحيد. ثم أخبروا بعد توحيدهم بإخلاصهم في عبادتهم، بقولهم : ونحن له  أي وحده لا لأب ولا غيره  مسلمون  أي مطيعون خاضعون، كما قال تعالى : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها  [(٥)](#foonote-٥) والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون  [(٦)](#foonote-٦)، والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم[(٧)](#foonote-٧) :( نحن معاشر الأنبياء أولاد علاتٍ، ديننا واحد ) وقد اشتمل نبأ وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لبنيهما على دقائق مرغبة في الدين. منها أنه تعالى لم يقل :( وأمر إبراهيم بنيه ) بل قال :( وصاهم ) ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فدل على الاهتمام بالوصي به، والتمسك به. ومنها تخصيص بينهما بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصَّاهُم بذلك في آخر عمرهما علمنا أن اهتمامهما / بذلك كان أشد من اهتمامهما بغيره. ومنها أنهما، عليهما السلام، ما مزجا بهذه الوصية وصية أخرى. وهذا يدل على شدة الاهتمام أيضا. إلى دقائق أخرى أشار إليها الفخر، عليه الرحمة.

١ سفر التكوين، الأصحاح الخامس والثلاثون، ٢٣ – ٢٦..
٢ أخرجه الترمذي في: ٤٦ ـ كتاب المناقب، ٢٨ ـ باب مناقب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه. ونصه: عن علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر، في العباس (إن عم الرجل صنو أبيه) وكان عمر تكلم في صدقته..
٣ أخرجه البخاري في: ٥٣ ـ كتاب الصلح، ٦ ـ باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان وفلان بن فلان.
 ونصه:.... فخرج النبي صلى الله عليه وسلم (من مكة) فتبعتهم ابنة حمزة: يا عم! يا عم! فتنالوها عليّ فأخذ بيدها. وقال لفاطمة عليها السلام: دونك ابنة عمك، احمليها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: (الخالة بمنزلة الأم)....
 ولم أجده في صحيح مسلم..
٤ \[٩٦/ العلق/ ١٥ و١٦\]..
٥ \[٣/ آل عمران/ ٨٣\] ونصها: أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ٨٣..
٦ \[٢١/ الأنبياء/ ٢٥\]..
٧ أخرجه البخاري في: ٦٠ ـ كتاب الأنبياء، ٤٨ ـ باب واذكر في الكتاب مريم ونصه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء أخوة لِعَلاَّت. أمهاتهم شتى ودينهم واحد). 
 وأخرجه مسلم في: ٤٣ ـ كتاب الفضائل، حديث ١٤٣ و١٤٤ و١٤٥ (طبعتنا)..

### الآية 2:134

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:134]

تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ١٣٤ . 
 تلك  إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما الموحدين  أمة  أي جيل وجماعة  قد خلت  أي سلفت ومضت  لها ما كسبت  في إسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق  ولكم ما كسبتم  أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم، لا يسألون هم عن أعمالكم  ولا تسألون عما كانوا يعملون  والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا. فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم. فما اقتص عليكم أخبارهم، وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إليه، إلا لتفعلوا ما فعلوه، فتنتفعوا. وإن أبيتم، لم تنتفعوا بأعمالهم. 
قال الرازي : الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله : لها ما كسبت  يدل على أن كسب كل أحد يختص به، ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا، لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبَّهُوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق. انتهى. 
ومعلوم أن إتباع الأنبياء عليهم السلام، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، لخروجه عن حده المقرر في كتب الأصول.

### الآية 2:135

> ﻿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2:135]

ثم أخبر تعالى أنهم اعتاضوا عن الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم، بأن صاروا دعاة إلى الكفر، مع بيان بطلان ما هم عليه من كل وجه بقوله :
 وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ١٣٥ . 
 وقالوا  أي الفريقان من أهل الكتاب  كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل  نتبع  ملة إبراهيم  ونستن بسنته لا نحول عنها كما تحولتم  حنيفا  أي مستقيما أو مائلا عن الباطل إلى الحق، لأن الحنف، محركة، يطلق على الاستقامة، ومنه قيل للمائل الرِّجل : أحنف. تفاؤلا بالاستقامة كما قالوا للديغ : سليم. وللمهلكة : مفازة. ويطلق على ميل في صدر القدم، واعوجاج في الرجل، فالحنيف المستقيم على إسلامه لله تعالى، المائل عن الشرك إلى دين الله سبحانه. 
ولما أثبت إسلامه بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله : وما كان من المشركين  وفيه تعريض بأهل الكتاب، وإيذان ببطلان دعواهم إتباعه عليه السلام، مع إشراكهم بقولهم : عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. وقد أفادت هذه الآية الكريمة أن ما عليه الفريقان محض ضلال وارتكاب بطلان، وأن الدين المرضيّ عند الله الإسلام، وهو دعوة الخلق إلى توحيده تعالى، وعبادته وحده، لا شريك له. 
ولما خالف المشركون هذا الأصل العظيم بعث الله نبيه محمدا خاتم النبيين لدعوة الناس جميعا إلى هذا الأصل.

### الآية 2:136

> ﻿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:136]

قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ١٣٦ . 
 قولوا  أي يا أيها الذين آمنوا. وفيه إظهار لمزية فضل الله عليهم حيث يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم  آمنا بالله وما أنزل إلينا  أي من الكتاب الذي تقدم إنه الهدى  وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط  من الأحكام التي كانوا متعبدين بها، مما اشتملت عليه صحف أبيهم إبراهيم عليه السلام ومن الموحي أليهم خاصة. والأسباط هم أولاد يعقوب الإثنا عشر المتقدم ذكرهم. جمع سِبط وهو الحافد. سموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق.  وما أوتي موسى وعيسى  من التوراة والإنجيل  وما أوتي النبيون من ربهم  مما ذكر، وغيرهم.  ولا نفرق بين أحد منهم  في الإيمان فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى  ونحن له مسلمون  منقادون. 
وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال[(١)](#foonote-١) :( كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم. وقولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا ). 
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ١١ ـ باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا..

### الآية 2:137

> ﻿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:137]

فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ١٣٧ . 
 فإن آمنوا  أي أهل الكتاب الذين أرادوا أن يستتبعوكم  بمثل ما آمنتم به  أي بما آمنتم به على الوجه الذي فصّل. على أن المثل مقحم. وقد قرأ ابن عباس وابن مسعود بما آمنتم به. وقرأ أُبِيّ : بالذي آمنتم به  فقد اهتدوا  إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم عكس ما قالوا : كونوا مثلنا تهتدوا  وإن تولوا  أي أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به.  فإنما هم في شقاق  أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء. 
قال القاضي : ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية إنه شقاق. وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه، وفي استحقاق النار. فصار هذا القول وعيدا منه تعالى لهم، وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول، مضمرون له السوء، مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا أمنه الله تعالى من كيدهم وأمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال :
 فسيكفيكهم الله  تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكناية في أمر حصلت الثقة به. وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم[(١)](#foonote-١). وإجلاء بني النضير[(٢)](#foonote-٢)  وهو السميع العليم  أتبع وعده بالنصر والكفاية، بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من أمرهم لا يخفى عليه تعالى. فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يردّ ضرره عليهم. فهو وعيد لهم، أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أي يسمع ما تدعو به، ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق. وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك. 
١ أخرجه البخاري في : ٦٤ - كتاب المغازي، ٣٠- باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومقاتلته إياهم.
 عن أبي أمامة قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ رضي الله عنه يقول: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد. فأتى على حمار. فلما دنا من المسجد قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) أو (خيركم) فقال: (هؤلاء نزلوا على حكمك) فقال: تَقْتُلُ مقاتلتَهم وتسْبي ذراريّهم. قال: (قضيت بحكم الله) وربما قال: (بحكم الملك)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٤ – كتاب المغازي، ١٤ – حديث بني النضير ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم.
 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حاربت النضير وقريظة. فأجلى بني النضير وأقرَّ قريظة ومنّ عليهم. حتى حاربت قريظة. فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين. إلا بعضهم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فآمنهم وأسلموا. وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة..

### الآية 2:138

> ﻿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [2:138]

صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ١٣٨ . 
 صبغة الله  مصدر مؤكد منتصب عن قوله : آمنا بالله  كذا قاله سيبويه. فهو بمثابة فعله. كأنه قيل صبغنا الله صبغة. أي صبغ قلوبنا بالهداية والبيان صبغة كاملة لا ترتفع بماء الشبه، ولا تغلَّب صبغةُ غيره عليها. والصبغة كالصبغ ( بالكسر فيهما لغة ) ما يصبَغ به وتلون به الثياب. ووصف الإيمان بذلك لكونه تطهيرا للمؤمنين من أوصار الكفر، وحلية تزيّنهم بآثاره الجميلة، ومتداخلا في قلوبهم. كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك. ويقال : صبغ يده بالماء غمسها فيه. وأنشد ثعلب :دع الشر وانزل بالنجاة تحرزا  إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغوقال الراغب : الصبغة إشارة من الله عز وجل إلى ما أوجده في الناس من بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم، ووشحنا بها لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة في قوله : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله  [(١)](#foonote-١) الآية والمعنى بقوله عليه السلام :( كل مولود يولد على الفطرة ) [(٢)](#foonote-٢)... الخبر. وتسمية ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان التي ركب عليها، إذا اعتبرت بذاته، تجري مجرى الصبغة التي هي زينة المصبوغ. ولما كانت اليهود والنصارى، إذا لقنوا أولادهم اليهودية والنصرانية، يقولون : قد صبغناه بيّن تعالى أن الإيمان بمثل ما آمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق. ولا أحد أحسن صبغة منه. 
( ثم قال ) وقول الحسن وقتادة ومجاهد : إن الصبغة هي الدين، وقول غيرهم : إنها الشريعة، وقول من قال : هو الختان إشارة إلى مغزى واحد.  ومن أحسن من الله صبغة  الاستفهام للإنكار والنفي. أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى. لأنها صبغة قلب لا تزول. لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه. والجملة اعتراضية مقررة لما في  صبغة الله  من معنى الابتهاج  ونحن له عابدون  شكرا لتلك النعمة ولسائر نعمه. فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نوكدها بالعبادة، وهي تزيل رَيْن القلب فينطبع فيه صورة الهداية. وهو عطف على آمنا، داخل معه تحت الأمر. 
١ \[٣٠/ الروم/ ٣٠\] ونصها: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ٣٠..
٢ أخرجه البخاري في : ٢٣ – كتاب الجنائز، ٩٣ – باب ما قيل في أولاد المشركين. ونصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه. كمثل البهيمة تنتج البهيمة. هل ترى فيها جدعاء؟)..

### الآية 2:139

> ﻿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [2:139]

قل أتحاجّوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون ١٣٩ . 
 قل  منكرا لمحاجتهم وموبّخا لهم عليها  أتحاجّوننا في الله  أي أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له وإتباع الهدى وترك الهوى  وهو ربنا وربكم  المستحق لإخلاص العبودية له وحده لا شريك له، ونحن وأنتم في العبودية له سواء  ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم  أي نحن برآء منكم ومما تعبدون، وأنتم برآء منا. كما قال في الآية الأخرى  وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون  [(١)](#foonote-١). وقال تعالى : فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن  [(٢)](#foonote-٢) الآية.  ونحن له مخلصون  في العبادة والتوجه، لا نشرك به شيئا وأنتم تشركون به عُزَيْراً والمسيح والأحبار والرهبان. 
١ \[١٠/ يونس/ ٤١\]..
٢ \[٣/ آل عمران/ ٢٠\] ونصها: فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميّين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ٢٠..

### الآية 2:140

> ﻿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:140]

ولما بقي من مباهتاتهم ادعاؤهم أن أسلافهم كانوا على دينهم، أبطلها سبحانه بقوله : أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون ١٤٠ . 
 أم تقولون إن إبراهيم  خليل الله  وإسماعيل وإسحاق  ابنيه  ويعقوب  ابن إسحق  والأسباط  أولاد يعقوب  كانوا هودا أو نصارى  أي على ملتهم. إما اليهودية وإما النصرانية  قل أأنتم أعلم أم الله  أي الذي له الإحاطة كلها أعلم. فلا يمكنهم أن يقولوا : نحن. وإن قالوا : الله، فقد برأ الله إبراهيم ومن معه من ذلك. فبطل ما ادعوا. وثبت أنهم، عليهم السلام، كانوا على الحنيفية مسلمين مبرَّئين عن اليهودية والنصرانية. هذا مع أن رد قولهم هذا أظهر ظاهر من حيث إنه لا يعقل أن يكون السابق على نسبة للاحق، ما حدثت إلا بعده بمدد متطاولة. وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران. ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه، عليهم السلام، على دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ذلك. مع تقرير الله لهم به واستخبارهم عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه بقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل  [(١)](#foonote-١) الآية أشار إلى أشد الوعيد في كتمان ذلك بقوله : ومن أظلم ممن كتم شهادة  موجودة وموعدة  عنده من الله  وهو كتمان العلم الذي هو الإخبار بما أنزل الله. والاستفهام إنكار لأن يكون أحد أظلم من أهل الكتاب حيث كتموا شهادته تعالى لهم، عليهم السلام، بالحنيفية والبراءة من الفريقين. 
قال التقيّ ابن تيمية : سمى تعالى ما عندهم من العلم شهادة كما قال : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى  [(٢)](#foonote-٢) الآية كأنه قال : خبرا عنده، دينا عنده من الله، وبيانا عنده من الله، وعلما عنده من الله، فإن كان قوله : من الله  متعلقا ب " كتم " فإنه يعم كل الشهادات. وإن كان متعلقا ب  عنده ، وهو الأوجه، أو بشهادة، أو بهما، فإن الأمر في ذلك واحد. أي شهادة استقرت عنده من جهة الله. فهو كتمان شهادات العلم الموروث عن الأنبياء. فسمى الإخبار به الشهادة. 
ثم قال : وكذلك الأخبار النبوية إنما يراد بالشهادة فيها الإخبار.  وما الله بغافل عما تعملون  تهديد ووعيد شديد. أي أن علمه محيط بكم وسيجزيكم عليه. 
قال الرازي : هذا هو الكلام الجامع لكل وعيد. ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه، ولا يخفى عليه خافية، وأنه من وراء مجازاته، إن خيرا فخير وإن شرا فشر لا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف. ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعدّ عليه الأنفاس، لكان دائم الحذر والوجل، مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى، إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول ؟

١ \[٢/ البقرة/ ٤٢\] ونصها: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ٤٢..
٢ \[٢/ البقرة/ ١٥٩\] ونصها: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ١٥٩..

### الآية 2:141

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:141]

تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ١٤١ . 
 تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  فلا يسألون عن أعمالكم  ولا تسألون عما كانوا يعملون  لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء المتقدمين، ولم يدع لهم متمسكا من جهتهم، أتبع ذلك الإشارة إلى الدين دائر مع أمره في كل زمان. وأنه لا ينفعهم إلا ما يستجدّونه بحكم ما تجدد من المُنْزَل المعجز لكافة أهل الأرض، أحمرهم وأسودهم.. أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تُسألون إلا عن عملكم. 
قال الراغب : إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس، صالحهم وطالحهم أن يفتخروا بآبائهم ويقتدوا بهم في متحرياتهم. لاسيما في أمور دينهم. ولهذا حكى عن الكفار قولهم : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون  [(١)](#foonote-١). فأكد الله تعالى القول في إنزالهم عن هذه الطريقة. وذكر في أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك، تنبيها أن الأمر سواء على ما قلت أو لم يكن. فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه. وفي الثاني لما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد أيضا تأكيدا عليهم تنبيها على نحو ما قال : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  [(٢)](#foonote-٢)، وقوله : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت  [(٣)](#foonote-٣)، وقوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى  [(٤)](#foonote-٤) ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم : كل شاة تناط برجليها. 
١ \[٤٣/ الزخرف/ ٢٢\] ونصها: بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ٢٢..
٢ \[١٧/ الإسراء/ ١٣\] ونصها: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ١٣..
٣ \[٢/ البقرة/ ٢٨٦\] ونصها: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.....
٤ \[٦/ الأنعام/ ١٦٤\] ونصها: قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزو وازرة وزر أخرى.....

### الآية 2:142

> ﻿۞ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:142]

\* سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ١٤٢ . 
 سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها  روى البخاري في ( صحيحه ) [(١)](#foonote-١) عن البراء رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت. وأنه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة. فداروا، كما هم، قبل البيت ). 
وروى مسلم[(٢)](#foonote-٢) عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم ولفظه :( صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفنا نحو الكعبة ). 
وروى الشيخان[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عمر قال :( بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن. وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ). ( اللفظ للمسلم ). 
والأحاديث في تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة متوافرة. وفيما ذكرنا كفاية. / وقد أعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن فريقا من الناس سينكرون تغيير القبلة وسماهم سفهاء، جمع سفيه. وهو الخفيف الحلم والأحمق والجاهل. قال أبو السعود : أي الذين حقت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر. انتهى. ومعنى قوله : ما ولاّهم  أي أيّ شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي ثابتين على التوجه إليها، وهي بيت المقدس. ومدار الإنكار، إن كان القائلون هم اليهود، كراهتهم للتحويل عنها لأنها قبلتهم. وإن كان غيرهم، فمجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه. وقد روي عن ابن عباس : أن القائلين هم اليهود، وعن الحسن أنهم مشركو العرب. وعن السدّيّ أنهم المنافقون. 
قال الراغب : ولا تنافي بين أقوالهم فكل قد عابوا، وكل سفهاء. 
( تنبيه ) ظاهر قوله تعالى : سيقول السفهاء  إلخ أنه إخبار بقولهم المذكور. ثم إن الأخبار قبل وقوعه. وفائدته توطين النفس وإعداد ما يبكتهم، فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد. والجواب العتيد لشغب الخصم الألد أردّ، مع ما فيه من دلائل النبوة حيث يكون إخبارا عن غيب، فيكون معجزا  قل لله المشرق والمغرب  جواب عن شبهتهم. وتقريره أن الجهات كلها لله ملكا. فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة. بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة. فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى. وما أمر به فهو الحق.  يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة. كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى : وطهّر بيتي  [(٤)](#foonote-٤). 
١ أخرجه البخاري في: ٦٥ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ١٢ – باب سيقول السفهاء من الناس....
٢ أخرجه مسلم في: ٥ – كتاب المسجد ومواضع الصلاة، حديث ١٢. (طبعتنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٨ – كتاب الصلاة، ٣٢ – باب ما جاء في القبلة.
 وأخرجه مسلم في: ٥ – كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ١٣. (طبعتنا)..
٤ \[٢٢/ الحج/ ٢٦\] ونصها: وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والركع السجود ٢٦..

### الآية 2:143

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [2:143]

وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ١٤٣ . 
 وكذلك  أي كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وأفضلها  جعلناكم أمة وسطا  أي عدولا، خيارا. وقوله تعالى : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا  تعليل للجعل المنوه به الذي تمت المنة به عليهم. واعلم أن أصل الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة. إما بالبصر أو بالبصيرة. قال الرازي : الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية، يقال شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته، ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة، لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب مشاهدة وشهودا، والعارف بالشيء شاهدا ومشاهدا. ثم سميت الدلالة على الشيء شاهدا على الشيء لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهدا. ولما كان المخبر عن الشيء والمبيّن لحاله جاريا مجرى الدليل على ذلك، سمي ذلك المخبر أيضا شاهدا. وبالجملة، فكل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهدا عليه. انتهى. 
والشهيد أصله الشاهد والمشاهد للشيء والمخبر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة. وهو، بالمعنى الثالث، من النعوت الجليلة. ولذلك وصف به النبيون والسادة والأئمة. كما ترى في هذه الآية وفي آية  فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على / هؤلاء شهيدا  [(١)](#foonote-١) وآية  وادعوا شهداءكم  [(٢)](#foonote-٢)  والشهداء والصالحين  [(٣)](#foonote-٣) ثم إن في اللام في قوله تعالى : لتكونوا شهداء على الناس  وجهين :
( الأول ) : إنها لام الصيرورة والعاقبة. أي فآل الأمر بهدايتكم وجعلكم وسطا أن كنتم شهداء على الناس وهم أهل الأديان الأخر. أي بصراء على كفرهم بآيات الله وما غيروا وبدلوا وأشركوا وألحدوا. مما قص عليكم في الآيات قبل، حتى أحطتم به خبرا. فعرفتم حق دينهم من باطله، ووحيه من مخترعه. يعني : وإذا شهدتم ذلك منهم وأبصرتم فاشكروا مولاكم على ما أولاكم، وعافاكم مما ابتلى به سواكم، حيث وفقكم للمنهج السويّ وهداكم للمهيع الرضيّ. وكذلك صار الرسول عليكم شهيدا بأنكم عرفتم الحق من الباطل والهدى من الضلال والنور من الظلمات، بما بلغكم من وحيه وأراكم من آياته. فعظمت المنة لله عليكم إذ أصبحتم مهتدين بعد الضلالة، علماء بعد الجهالة. ففيه إشارة إلى تحذير المؤمنين من أن يزيغوا بعد الهدى، كما زاغ أولئك الذين نعى عليهم ضلالتهم، فتقوم عليهم الحجة كما قامت على أولئك. 
( الوجه الثاني ) : أن تكون اللام للتعليل، على أصلها. والمعنى : جعلناكم أمة خيارا لتكونوا شهداء على الناس، أي رقباء قُوَّاماً عليهم بدعائهم إلى الحق وإرشادهم إلى الهدى وإنذارهم مما هم فيه من الزيغ والضلال. كما كان الرسول شهيدا عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم. فتكون الآية نظير آية  كنتم خير أمة أخرجت / للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر  [(٤)](#foonote-٤) وربما آثر هذا المعنى من قال : خير ما فسِّر القرآن بالقرآن. لتماثل الآيتين بادئ بدء. فإن الوسط بمعنى الخيار وقد صرح به في قوله : خير أمة  وإلى هذا المعنى يشير قول مجاهد في الآية : لتكونوا شهداء لمحمد عليه السلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس : أي شهداء على حقية رسالته. وذلك بالدعوة إليها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو قطب الدعوة وروحها. 
وبعد كتابة هذا رأيت السمرقنديّ في ( تفسيره ) نقل خلاصة ما قلناه. وعبارته : وللآية تأويل آخر  وكذلك جعلناكم أمة وسطا  أي عدولا  لتكونوا شهداء على الناس  إلخ يقول : إنكم حجة على جميع من خالفكم. ورسول الله عليه السلام حجة عليكم. والشهادة في اللغة هو البيان. ولهذا سمي الشاهد بينة لأنه يبيّن حق المدعي. يعني إنكم تبينون لمن بعدكم، والنبي، عليه السلام، يبين لكم. انتهى. 
وأوضح ذلك الراغب الأصفهاني بأسلوب آخر فقال : إن قيل : على أي وجه شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة وشهادة الأمة على الناس ؟ قيل : الشاهد هو العالم بالشيء المخبر عنه مثبتا حكمه. وأعظم شاهد من ثبت شهادته بحجة. ولما خص الله تعالى الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر، وكمله ببعثة الأنبياء، وخص هذه الأمة بأتم كتاب، كما وصفه بقوله : ما فرّطنا في الكتاب من شيء  [(٥)](#foonote-٥) وقوله  ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء  [(٦)](#foonote-٦) / فأفادناه عليه السلام وبينه لنا – صار حجة وشاهدا أن يقولوا : ما جاءنا من بشير ولا نذير  [(٧)](#foonote-٧). وجعل أمته، المتخصصة بمعرفته، شهودا على سائر الناس. ( إن قيل ) هل أمته شهود كلهم أم بعضهم ؟ ( قيل ) كلهم ممكن من أن يكونوا شهداء. وذلك بشريطة أن يزكوا أنفسهم بالعلم والعمل الصالح، فمن لم يزك نفسه لم يكن شاهدا ومقبولا. ولذلك قال تعالى : قد أفلح من زكّاها  [(٨)](#foonote-٨) وعلى هذا قال : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم  [(٩)](#foonote-٩) فالقيام بالقسط مراعاة العدالة. وهي، بالقول المجمل، ثلاث : عدالة بين الإنسان ونفسه – وعدالة بينه وبين الناس – وعدالة بينه وبين الله عز وجل. فمن رعى ذلك فقد صار عدلا شاهدا لله عز وجل. ( إن قيل ) فهل هم شهود على بعض الأمة أم على الناس كافة ؟ ( قيل ) بل كل شاهد على نفسه وعلى أمته وعلى الناس كافة. فإن من عرف حكمة الله تعالى وجوده وعدله ورأفته، علم أنه لم يغفل تعالى عنه ولا من أحد من الناس، ولا بخل عليهم ولا ظلمهم، ومن علم ذلك فهو شاهد لله على من في زمانه وعلم / من قبله ومن بعده. وعلى هذا الوجه ما روي في الخبر أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على الأمم. انتهى كلام الراغب. والخبر الذي أشار إليه رواه البخاري[(١٠)](#foonote-١٠) عن أبي سعد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يدعى نوح يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب. فيقول : هل بلغت ؟ فيقول : نعم. فيقال لأمته : هل بلَّغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير. فيقول : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا. فذلك قوله جل ذكره : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا  ) وقد روي مرفوعا عن جابر. أخرجه الطبريّ[(١١)](#foonote-١١). وعن ثلة من التابعين من قولهم. 
وأقول : قد بينا مرارا، أن مثل هذا الخبر وكل ما يروى مرفوعا أو غير مرفوع في تأويل هذه الآية، فكله يفيد أن للآية عموما يشمل ما ذكر. لا أنها خاصة به لا يستفاد منها غيره. كما أوضحناه في المقدمة في قولهم : نزلت الآية في كذا. وعليه، فلا تنافي بين ما يفهم من سياق الآية أو ما يتقاضاه معناها لغة، من حيث عمومها، أو ما يحمل عليها من نظائرها في التنزيل الكريم، وبين ما يروى في تفسيرها. فمآل ما يتعدد من سبب النزول في آية ما، أو ما يكثر من الآثار في وجوهها، كله من باب تفسير العام ببعض ما يتناوله لفظه. ولذلك يكثر في بعض طرق الروايات : ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى. أو ثم قرأ. أو اقرؤوا إن شئتم. مما يدل على أنه ذكرت الآية حجة لما أخبر به، لأنه مما يندرج فيها. فاحرص على ذلك. 
 ( تنبيهات )
( الأول ) : استدل بالآية على أن الإجماع حجة. لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة. والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها. فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله، فإجماع الأمة حق. لا تجتمع الأمة، والحمد لله، على ضلالة. كما وصفها الله بذلك في الكتاب فقال تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله  [(١٢)](#foonote-١٢) وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. كما وصف نبيهم صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله : الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر  [(١٣)](#foonote-١٣) وبذلك وصف المؤمنين في قوله : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر  [(١٤)](#foonote-١٤) فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال، لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه. وقد جعلهم الله شهداء على الناس. وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول. وقد ثبت في ( الصحيح ) [(١٥)](#foonote-١٥) عن عبد العزيز بن صهيب قال. سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول :( مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( وجبت ) ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال :( وجبت ). 
 فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت ؟ قال : هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض ). 
وعند الحاكم أنه قرأ هذه الآية : وكذلك جعلناكم...  إلى آخرها. 
فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء، لم يشهدوا بباطل. فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء، فقد أمر به. وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه. ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض. بل زكاهم الله في شهادتهم، كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه أنهم لا يقولون عليه إلا الحق، وكذلك الأمة لا تشهد على الله إلا الحق. هذه نبذة من كلام الإمام ابن تيمية، عليه الرحمة، في الإجماع، من بعض رسائله. 
( الثاني ) : مما يتعلق أيضا بهذا المقام، ما قاله أيضا هذا الإمام في رسالته إلى جماعة عديّ ابن مسافر. ونصه : فعصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة. ولهذا كان إجماعهم حجة، كما كان الكتاب والسنة حجة. ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب، ويعرضون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعما مضت عليه جماعة المسلمين ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، رواها عنه أهل ( السنن ) و( المسانيد )، كالإمام أحمد[(١٦)](#foonote-١٦)، / وأبي داود[(١٧)](#foonote-١٧)، والترمذي[(١٨)](#foonote-١٨) وغيرهم، أنه قال :( ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة ). وفي رواية :( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي ). وهذه الفرقة الناجية أهل السنة. وهم وسط في النِّحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل. فالمسلمون وسط في أنبياء الله، ورسله، وعباده الصالحين، لم يغْلوا فيهم كما غلت النصارى ف  اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم \* / وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا \* لا إله إلا هو \* سبحانه عما يشركون  [(١٩)](#foonote-١٩) ولا جَفَوْا عنهم، كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس[(٢٠)](#foonote-٢٠)، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا، وقتلوا فريقا[(٢١)](#foonote-٢١). بل المؤمنون آمنوا برسل الله، وعزروهم، ونصروهم، ووقّروهم، وأحبوهم، وأطاعوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أربابا. كما قال تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون \* ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا \* أيأمركم بال١ \[٤/ النساء/ ٤١\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ٢٣\] ونصها: {وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللّه إن كنتم صادقين ٢٣..
٣ \[٤/ النساء/ ٦٩\] ونصها: ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ٦٩..
٤ \[٣/ آل عمران/ ١١٠\] ونصها: كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ١١٠..
٥ \[٦/ الأنعام/ ٣٨\] ونصها: وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ٣٨..
٦ \[١٦/ النحل/ ٨٩\] ونصها: ويوم نبعث في كل أمّة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ٨٩..
٧ \[٥/ المائدة/ ١٩\] ونصها: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير واللّه على كل شيء قدير ١٩..
٨ \[٩١/ الشمس/ ٩\]..
٩ \[٤/ النساء/ ١٣٥\] ونصها: \* يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيّا أو فقيرا فاللّه أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن اللّه كان بما تعملون خبيرا ١٣٥..
١٠ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ١٣ – باب وكذلك جعلناكم أمة وسطا..
١١ تفسير الطبريّ، حديث رقم (٢١٨٢) طبعة المعارف..
١٢ \[٣/ آل عمران/ ١١٠\] انظر الحاشية رقم ٤ ص ٣٧٩..
١٣ \[٧/ الأعراف/ ١٥٧\] انظر حاشية رقم ٢ ص ٣٦٧..
١٤ \[٩/ التوبة/ ٧١\] ونصها: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ويطيعون اللّه ورسوله أولئك سيرحمهم اللّه إن اللّه عزيز حكيم ٧١..
١٥ أخرجه البخاري في: ٢٣ ـ كتاب الجنائز، ٨٦ ـ باب ثناء الناس على الميت..
١٦ الإمام أحمد بن حنبل في مسنده. الجزء الثاني ص ٣٣٢ (طبعة الحلبيّ).
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة. وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).
 وفي الجزء الثالث ص ١٢٠: (طبعة الحلبيّ).
 عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل قد افترقت على اثنتين وسبعين فرقة. وأنتم تفترقون على مثلها. كلها في النار إلا فرقة)..
١٧ سنن أبي داود في: ٣٩ ـ كتاب السنة، ١ ـ باب شرح السنة، حديث ٤٥٩٦.
 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة. وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).
 **وحديث ٤٥٩٧:** 
 عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: اثنتان وسبعون في النار. وواحدة في الجمة، وهي الجماعة)..
١٨ جامع الترمذيّ في: ٣٨ ـ كتاب الإيمان، ١٨ ـ باب ما جاء في افتراق هذه الأمة.
 عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى على مثل ذلك. وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).
 وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة) قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: (ما أنا عليه وأصحابي)..
١٩ \[٩/ التوبة/ ٣١\]..
٢٠ \[٣/ آل عمران/ ٢١\] ونصها: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشّرهم بعذاب أليم ٢١..
٢١ \[٥/ المائدة/ ٧٠\] ونصها: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ٧٠..

### الآية 2:144

> ﻿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [2:144]

ولما انطوى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم على إرادة التوجه إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ومفخرة العرب ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود أجابه الحق إلى ذلك بقوله : قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ١٤٤ . 
 قد نرى تقلّب وجهك في السماء  أي تردد وجهك وتصرّف نظرك في جهة السماء تشوفا لنزول الوحي بالتحويل. 
قالوا : وفي ذلك تنبيه على حسن أدبه حيث انتظر ولم يسأل. وهذا ألطف مما قيل : إن تقلب وجهه كناية عن دعائه، ولا مانع أن يراد بتقلب وجهه صلى الله عليه وسلم بالتحويل، ففيه إعلام بما جعله تعالى من اختصاص السماء بوجه الداعي. وهذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة، فهي متقدمة في المعنى. فإنها رأس القصة.  فلنولّينك قبلة ترضاها  أي لنعطينك أو لنوجهنك إلى قبلة تحبها وتميل إليها. ودل على أن مرضيَّه الكعبة، بفاء السبب في قوله : فولّ وجهك شطر المسجد الحرام  أي نحوه وجهته. والتعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارة إلى أن الواجب مراعاة الجهة دون العين  وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره  أي حيثما كنتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم في الصلاة تلقاء المسجد. وأما سرّ الأمر بالتولية خاصا وعاما، فقال الراغب : أما خطابه الخاص فتشريفا له وإيجابا لرغبته. وأما خطابه العام بعده، فلأنه كان يجوز أن يعتقد أن هذا أمر قد خص، عليه السلام، به. كما خص في قوله : قم الليل  [(١)](#foonote-١) ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطر، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك أبلغ وليكون لهم في ذلك تشريف. ولأن في الخطاب العام / تعليق حكم آخر به. وهو أنه لا فرق بين القرب والبعد في وجوب التوجه إلى الكعبة.  وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم  قال الفخر : الضمير في قوله : أنه الحق  راجع إلى مذكور سابق. 
وقد تقدم ذكر الرسول، كما تقدم ذكر القبلة. فجاز أن يكون المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق. فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها. ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة، وأنهم يعلمون أنه الحق. وهذا الاحتمال الأخير أقرب، لأنه أليق بالمساق. ثم ذكر من وجوده علمهم لذلك : أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وأنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر عليه من المعجزات. ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق. فكان هذا التحويل حقا. 
قلت : وثم وجه آخر أدق مما ذكره الفخر في علمهم حقيّة ذلك التحويل وأنه من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم. وبيانه أن أمره تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكافة من اتبعه، باستقبال الكعبة، من جملة الاستعلان في فاران المذكور في التوراة إشارة لخاتم النبيين وبشارة به. فقد جاء في الأصحاح الثالث والثلاثين[(٢)](#foonote-٢) من سفر التثنية ( ويقال الاستثناء ) هكذا : وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال : جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سَعِيرَ وتلألأ من جبل فارانَ. 
وهذه البشارة تنبه على موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. لأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى في طور سيناء والإنجيل على عيسى في جبل سعير. لأنه عليه السلام كان يسكن أرض الخليل من سعير بقرية تدعى الناصرة. وتلألؤه من جبل فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جبل فاران. وفاران هي مكة. لا يخالفنا في ذلك أهل الكتاب. ففي الأصحاح[(٣)](#foonote-٣) الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل / عليه السلام هكذا : وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرّية وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برِّية فاران. 
ولا شك أن إسماعيل، عليه السلام، كان سكناه في مكة وفيها مات وبها دفن. 
وقال ابن الأثير : وفي الحديث ذكر جبل فاران اسم لجبال مكة بالعبرانيّ. له ذكر في أعلام النبوة. وألفه الأولى ليست بهمزة.  وما الله بغافل عما يعملون  قرئ بالياء والتاء. فيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم.

١ \[٧٣/ المزمل/ ٢\] ونصها: قم الليل إلا قليلا ٢..
٢ سفر التثنية، الأصحاح الثالث والثلاثون، ١ و٢..
٣ سفر التكوين، الأصحاح الحادي والعشرون، ٢٠ و٢١..

### الآية 2:145

> ﻿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [2:145]

ولما بين تعالى أنهم يعلمون أن هذه القبلة حق، أعلم أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة بقوله : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ١٤٥ . 
 ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب  أي من اليهود والنصارى  بكل آية  أي برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق  ما تبعوا قبلتك  أي هذه التي حوّلت إليها. لأن تركهم إتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة. إنما هو عن مكابرة وعناد. مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. وقوله تعالى : وما أنت بتابع قبلتهم  هذا حسم لأطماعهم في العود إليها. أو للمقابلة. يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك.  وما بعضهم بتابع قبلة بعض  فلا اتفاق بين فريقين، مع كون الكل من بني إسرائيل. قال الزمخشريّ : أخبر تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه. فالمحق منهم لا يزلّ عن مذهبه لتمسكه بالبرهان. والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده. وفيه إراحة للنبي صلى الله عليه وسلم من التطلع إلى هدي بعضهم. 
 فوائد
الأولى : قال الراغب : إن قيل كيف أعلم بأنهم لا يتبعون قبلته وقد آمن منهم فريق ؟ قيل : قال بعضهم : إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض. وهذا صحيح. بدلالة أنك لو قلت : ما آمنوا ولكن آمن بعضهم، لم يكن منافيا. وقيل : عني به أقوام مخصوصون. 
الثانية : قال الراغب : في قوله تعالى : وما أنت بتابع قبلتهم  إشارة إلى أن من عرف الله حق معرفته، فمن المحال أن يرتد. ولذا قيل : ما رجع إلا من الطريق : أي ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول. 
إن قيل : فقد يوجد من يحصل له معرفة الله ثم يرتدّ ( قيل ) إن الذي يقدر أنه معرفة، هو ظن متصور بصورة العلم. فأما أن يحصل له العلم الحقيقيّ ثم يعقبه الارتداد فبعيد. ولم يعن بهذه المعرفة ما جعله الله تعالى للإنسان بالفطنة. فإن تلك كشررة تخمد إذا لم تتوقد. 
الثالثة : قال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، في ( بدائع الفوائد ) : قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من الله. بل بمشورة واجتهاد منهم. أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق. وهم يقرّون بأن قبلة المسيح قبلة بني إسرائيل. وهي الصخرة. وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة. فهم مع اليهود، متفقون على أن الله لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدا. والمسلمون شاهدون عليهم بذلك الأمر. وأما اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة، البتة. وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلّون إليه من حيث خرجوا. فإذا قَدِموا نصبوه على الصخرة وصلّوا إليه. فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة. وقوله : ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم  بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله : وما أنت بتابع قبلتهم  كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير. بمعنى : ولئن اتبعتهم، مثلا، بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر  إنك إذا لمن الظالمين  أي المرتكبين الظلم الفاحش. / وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته، ويتبع الهوى. وتهييجٌ وإلهاب للثبات على الحق. أفاده الزمخشريّ. 
( تنبيهات )
الأول : قال الراغب : حذر تعالى نبيه عن إتباع أهوائهم. ونبه أن إتباع الهوى بعد التحقق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة. وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى حتى كرر ذلك في عدة مواضع. وقول من قال : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنيّ به الأمة، فلا معنى لتخصصه. فإن الله تعالى يحذر نبيه من إتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره. فذو المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار عليه أحوج، حفظا لمنزلته وصيانة لمكانته اه. وهو كلام نفيس جدا. 
( الثاني ) : في الآية تنويه بشأن العلم. حيث سمى أمر النبوات والدلائل والمعجزات باسم العلم. فذلك ينبّه على أن العلم أعظم المخلوقات شرفا ومرتبة. 
( الثالث ) : دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم. لأن قوله تعالى : من بعد ما جاءك من العلم  يدل على ذلك. ذكره الرازيّ.

### الآية 2:146

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:146]

الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ١٤٦ . 
 الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  أي يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة لا امتراء فيها، كما لا يمترون في معرفة أولادهم من بين أولاد الناس. وهذه المعرفة مستفادة من الكتاب. كما أخبر تعالى عن نعته فيه بقوله : يجدونه مكتوبا / عندهم في التوراة والإنجيل  [(١)](#foonote-١) يعني يعرفونه بالأوصاف المذكورة في التوراة والإنجيل بأنه هو النبيّ الموعود بحيث لا يلتبس عليهم. كما يعرفون أبناءهم، ولا تلتبس أشخاصهم بغيرهم. فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية، بالمعرفة الحسيّة في أن كلا منهما يقينيّ، لا اشتباه فيه. 
وقد روي عن عمر[(٢)](#foonote-٢) ( أنه قال لعبد الله بن سلام : أتعرف محمدا كما تعرف ولدك ؟ قال : نعم وأكثر. نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته. وإني لا أدري ما كان من أمه. فقبّل عمر رأسه ).  وإن فريقا منهم  أي أهل الكتاب، مع ذلك التحقق والإيقان العلميّ  ليكتمون الحق  أي يخفونه ولا يعلنونه  وهم يعلمون  أي الحق، أو عقاب الكتمان، أو أنهم يكتمون. قال الراغب : لم يقل يكتمونه. لأن في كتمان أمره الحق جملة. وزاد في ذمهم بقوله : وهم يعلمون  فإنه ليس المرتكب ذنبا عن جهل، كمن يرتكبه عن علم. 
١ \[٧/ الأعراف/ ١٥٧\] ونصها: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ١٥٧..
٢ هذا النص نقله ابن كثير في تفسيره عن القرطبي. ج أول ص ١٩٤..

### الآية 2:147

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [2:147]

الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ١٤٧ . 
 الحق من ربك  أي الحق من الله، لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت من الله، كالذي أنت عليه. وما لم يثبت أنه من الله، كالذي عليه أهل الكتاب، فهو الباطل. أي / هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك. وقرأ عليّ رضي الله عنه  الحق  بالنصب على الإبدال من الأول، كما في ( الكشاف ). أو المفعولية ل  يعملون ، كما قاله أبو البقاء.  فلا تكونن من الممترين  الشاكّين في كتمانهم الحق مع علمهم. أو في الحق الذي جاءك من ربك، وهو ما أنت عليه. ومعلوم أن الشك غير متوقع منه. ففيه تعريض للأمة. وقال الراغب : ليس هذا بنهي عن الشك لأنه لا يكون بقصد من الشاكّ، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها. وعلى ذلك قوله : إني أعظك أن تكون من الجاهلين [(١)](#foonote-١). 
١ \[١١/ هود/ ٤٦\] ونصها: قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم......

### الآية 2:148

> ﻿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:148]

ولكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ١٤٨ . 
 ولكل وجهة  أي لكل أمة أو لكل نبيّ قبلة أو شرعة ومنهاج  هو مولّيها  وجهه. أي مائل إليها بوجهه، تابع لها. لأنها حُبِّبت إليه وزُيِّنت له. وقال أبو معاذ : موليها بمعنى متوليها. أي تولاها ورضيها واتبعها  فاستبقوا الخيرات  أي ابتدروها بالمسابقة إليها. وهذا أبلغ من الأمر بالمسارعة، لما فيه من الحث على إحراز قصب السبق. والمراد بالخيرات جميع أنواعها مما ينال به سعادة الدارين  أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا  قال الراغب : أي أيّ شغل تحريتم، وحيثما تصرفتم، وأي معبود اتخذتم، فإنكم مجموعون ومحاسبون عليها  إن الله على كل شيء قدير  تعليل لما قبله. أي هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم. 
( تنبيه ) تشير الآية إلى أن الناس على مذاهب عديدة وأديان متنوعة. وأن على العاقل أن يستبق إلى ما كان خيرها وأرقاها. وقد اتفق العقلاء قاطبة والفلاسفة أن دين الإسلام أرقى الأديان كلها لما حَوَى من حاجيات الكمال البشريّ، ووفّى بشؤون الاجتماع، وأسباب / العمران وذرائع الرقيّ وطرق السعادتين. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه  [(١)](#foonote-١) وقوله : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا \* ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم \* فاستبقوا الخيرات \* إلى الله مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون  [(٢)](#foonote-٢). 
١ ٢٢/ الحج/ ٦٧\] ونصها: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنّك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ٦٧..
٢ \[٥/ المائدة/ ٤٨\] ونصها: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتّبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء اللّه لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى اللّه مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون ٤٨..

### الآية 2:149

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:149]

ثم إنه تعالى أكد حكم التحويل وبيّن عدم تفاوت أمر الاستقبال في حالتي السفر والحضر بقوله : ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ١٤٩ . 
 ومن حيث خرجت  أي ومن أيّ بلد خرجت للسفر  فولّ وجهك شطر المسجد الحرام  إذا صليت  وإنه  أي هذا الأمر  للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون  قرئ بالياء فهو وعيد للكافرين، وبالتاء فهو وعد للمؤمنين.

### الآية 2:150

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:150]

ولما عَظُم في شأن القبلة انتشار أقوال السفهاء وتنوع شغبهم وجدالهم، كان الحال مقتضيا لمزيد تأكيد لأمرها، تعظيما لشأنها وتهوية لشبههم، فقال تعالى : ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجّة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتمّ نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون ١٥٠ . 
 ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام \* وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره  وقوله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة  أي لئلا يحتج عليكم أحد في التولي إلى غيره. ولتنتفي مجادلتهم لكم. كقول اليهود مثلا : يجحد ديننا ويتبع قبلتنا ! وقول غيرهم : يدعى ملة إبراهيم ويخالف قبلته ! فإذا صليتم إليه لا تكون لهم عليكم حجة. 
قال الراغب : وأشار بقوله : وإنه للحق من ربك  إلى تحقيق ما قدمه. فبيّن أنه إذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون لكل صاحب شرع قبلة يختص بها، وأنت صاحب شرع، فتغيير القبلة لك حق من ربك. ( ثم قال ) إن قيل : لم كرّر قوله : وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره  ؟ قيل : حثّ بإحداهما على التوجه نحو القبلة بالقلب والبدن في أي مكان حصل للإنسان، نائيا كان عنها أو دانيا منها. وذلك مآل الاختيار والتمكن. وحثَّ بالآخر على التمكن بالقلب وحده عند اشتباه القبلة. وفي النافلة في حال اليسر على الراحلة والسفر.  إلا الذين ظلموا منهم  فإنهم يظهرون فجورا ولَدَداً في ذلك، بالعناد. وهم : إما اليهود المعبر عنهم بأهل الكتاب قبلُ، أو المنافقون أو المشركون، كما حكى قبل في  السفهاء . وكان من قول اليهود، فيما حكاه قتادة : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. ومن قول المشركين، فيما حكاه مجاهد : قد رجع إلى قبلتكم فيوشك / أن يرجع إلى دينكم. وتقدم قول المنافقين. وبالجملة فالكل عابوا وخاضوا  فلا تخشوهم  تخافوا جدالهم  واخشوني  فلا تخالفوا أمري  ولأتمّ نعمتي عليكم  بالتوجه إلى أكمل الجهات المتضمنة للآيات البينات والأمن  ولعلكم تهتدون  للصراط المستقيم بالتوجه إليها، فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة. 
قال الحراليّ : وفي طيه بشرى بفتح مكة، واستيلائه على جزيرة العرب كلها، وتمكينه بذلك من سائر أهل الأرض. لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها، التي انتهى إليها ملك أمته.

### الآية 2:151

> ﻿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:151]

كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون ١٥١ . 
 كما أرسلنا فيكم رسولا منكم  وقوله تعالى : فيكم  المراد به العرب. وكذلك قوله : منكم . 
وفي إرساله فيهم ومنهم نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف. ولأن المشهور من حال العرب الأَنَفة الشديدة من الانقياد للغير. فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب  يتلو عليكم آياتنا  يقرأ عليكم القرآن الذي هو أعظم النعم. لأنه معجزة باقية. ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم، ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة  ويزكّيكم  أي يطهركم من الشرك وأفعال الجاهلية وسفاسف الأخلاق  ويعلّمكم الكتاب  وهو القرآن. وهذا ليس بتكرار. لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم  والحكمة  وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها. ولذلك قال الشافعيّ رضي الله عنه : الحكمة هي / سنة الرسول. وقوله : ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون  تنبيه على أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم. فبعث الله تعالى النبيّ بالحق. حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم. فصاروا أعمق الناس علما وأبرهم قلوبا وأقلهم تكلفا وأصدقهم لهجة. وذلك من أعظم أنواع النعم. قال تعالى : لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم  [(١)](#foonote-١) الآية. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى : ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار  [(٢)](#foonote-٢) قال ابن عباس يعني، بنعمة الله، محمدا صلى الله عليه وسلم. ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. وقال : فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ١٥٢ . 
١ \[٣/ آل عمران/ ١٦٤\]..
٢ \[١٤/ إبراهيم/ ٢٨\]..

### الآية 2:152

> ﻿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [2:152]

فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ١٥٢ . 
 فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون  قال ابن جرير : أي اذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم. وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح. وقال القاشانيّ : اذكروني بالإجابة والطاعة، أذكركم بالمزيد والتوالي. وهي بمعنى ما قبله. وقوله : واشكروا لي  قال ابن جرير : أي اشكروا لي فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته. وقوله : ولا تكفرون  أي لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم. 
قال السمرقنديّ : أي اشكروا نعمتي : أن أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة. ولا تجحدوا هذه النعمة، ويقال : النعمة، في الحقيقة. هي العلم. وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة. وليس بنعمة. والعلم / لا يملّ منه صاحبه. بل يطلب منه الزيادة. فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة، وهي نعمة بعثه رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة. كما قصه الحراليّ. ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم، جعل، تعالى ذكره، لهم عوض ما كانوا يذكرون. كما جعل كتابه عوضا من أشعارهم. وهزّ عزائمهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم. 
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :( يقول الله عز وجل : أنا مع عبدي حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم. وإن اقترب إليّ شبرا اقتربت إليه ذراعا. وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا. فإن أتاني يمشي أتيته هرولة ). صحيح الإسناد أخرجه[(٢)](#foonote-٢) البخاريّ أيضا. 
وروى[(٣)](#foonote-٣) مسلم عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة :( أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ). 
والآثار في فضل الذكر متوافرة، ويكفي فيه هذه الآية الكريمة. 
( تنبيه ) قال النوويّ رحمه الله تعالى : اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوهما. بل كل عامل لله تعالى بطاعة، فهو ذاكر لله تعالى. / كذا قاله سعيد بن جبير رضي الله عنه، وغيره من العلماء. وقال عطاء رحمه الله : مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام. كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلّق. وأشباه هذا. وقال النوويّ أيضا : إن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع، لا عارض. وقد صنف، في عمل اليوم والليلة، جماعة من الأئمة كتبا نفيسة. ومن أجمعها للمتأخرين ( كتاب الأذكار للنوويّ ) وممن جمع زبدة ما روى فيها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ( زاد المعاد ). وقال في طليعة ذلك : كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل. بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه. وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله. وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرا منه له. وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه ذكرا منه له. وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرا منه له. وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه. فكان ذكر الله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله. وكان لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا، وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيره، ونزوله وظعنه وإقامته. انتهى. 
وأما الأذكار المحدثة والسماعات المبتدعة، سماع الكف والدف، فلم يكن الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر الأكابر من أئمة الدين، يجعلون هذا طريقا إلى الله تبارك وتعالى. ولا يعدّونه من القرب والطاعات بل يعدونه من البدع المذمومة. حتى قال الشافعيّ : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ( التغبير ) يصدّون به الناس عن القرآن. وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك. ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبا وافرا. ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم. ومن كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله، كان نصيب الشيطان فيه أكثر. فسماع الغناء والملاهي من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية. وهو / سماع المشركين. قال الله تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية  [(٤)](#foonote-٤) قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وغيرهما من السلف : التصدية، التصفيق باليد. والمكاء مثل الصفير. فكان المشركون يتخذون هذا عبادة. وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، والاجتماعات الشرعية. ولم يجتمع النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط. لا بكف ولا بدف ولا تواجد. وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا، أمروا واحدا منهم أن يقرأ. والباقون يستمعون. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى الأشعريّ : ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون. ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له[(٥)](#foonote-٥) :( مررت بك البارحة / وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك. فقال : لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا ). أي لحسنته لك تحسينا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم[(٦)](#foonote-٦) :( زينوا القرآن بأصواتكم ). وقال صلى الله عليه وسلم[(٧)](#foonote-٧) :( لله أشد أذَناً ( أي استماعا ) إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به، من صاحب القينة إلى قينته ). وعن عبد الله بن مسعود قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم[(٨)](#foonote-٨) :( " اقرأ عليّ " قلت : يا رسول الله : أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال :" نعم " فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية  فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا  [(٩)](#foonote-٩) قال : حسبك الآن. فالتفت فإذا عيناه تذرفان ). 
ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه فقال : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا\* إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّدا وبكيّا  [(١٠)](#foonote-١٠) وقال تعالى في أهل المعرفة : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول / ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق  [(١١)](#foonote-١١) ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى : الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله  [(١٢)](#foonote-١٢) وقال تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا  [(١٣)](#foonote-١٣) فخلاف هذا السماع، من الباطل الذي نهى عنه. ولذلك لم يفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعله أكابر المشايخ. فليُفِقْ من كان من الفريق الأدنى في سلوك فقره. وليصحب من هو من الرفيق الأعلى إلى حلول قبره، ولْيُدَاو جراحات اجتراح بدعته، بإتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم سنته. واعلم أن ذكر الله تعالى تارة يكون لعظمته، فيتولد منه الهيبة والإجلال. وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن. وتارة لنعمته فيتولد منه الشكر، ولذلك قيل : ذكر النعمة شكرها. وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه العبر. فحق المؤمن أن لا ينفك أبدا عن ذكره تعالى على أحد هذه الأوجه. وقوله تعالى : واشكروا لي ولا تكفرون  فيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها ( فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب ). وقد وعد تعالى على شكره بمزيد الخير فقال : وإذ تأذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم \* ولئن كفرتم إن عذابي لشديد  [(١٤)](#foonote-١٤) قال ابن عطية : اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد. و " لي " أفصح وأشهر مع الشكر. 
١ مسند الإمام أحمد بن حنبل، جزء ثان ص ٢٥١ (طبعة الحلبيّ) ورقم ٧٤١٦ (طبعة المعارف)..
٢ أخرجه البخاريّ في: ٩٧ ـ كتاب التوحيد، ١٥ ـ باب قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه، حديث رقم ٢٥٩٩..
٣ أخرجه مسلم في: ٤٨ ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٣٩ (طبعتنا)..
٤ \[٨/ الأنفال/ ٣٥\] ونصها: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ٣٥..
٥ أخرجه مسلم في صحيحه في: ٦ ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٢٣٦ (طبعتنا) ونصه: 
 عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: (لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود).
 وقال الحافظ في الفتح عند الكلام على الحديث ٢٠٩٧ ما نصه:
 كذا وقع عنده مختصرا من طريق بريد. وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ (وساق نصه، كما مر) ثم قال: 
 وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه، بزيادة فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة مرَّا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته. فقاما يستمعان لقراءته. ثم إنهما مضيا. فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبى موسى! مررت بك، فذكر الحديث. فقال: أما أني لو علمت بمكانك لحبّرته لك تحبيرا..
٦ أخرجه البخاريّ في: ٩٧ ـ كتاب التوحيد، ٥٢ ـ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماهر بالقرآن مع البررة الكرام وزينوا القرآن بأصواتكم).
 وقال الحافظ في الفتح: هذا الحديث من الأحاديث التي علقها البخاريّ ولم يصلها في موضع آخر من كتابه. وقد أخرجه في كتاب (خلق أفعال العباد) من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بهذا. وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائيّ وابن ماجة والدارميّ، وابن خزيمة وابن حبان، في صحيحيهما من هذا الوجه..
٧ أخرجه ابن ماجة في: ٥ ـ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ١٧٦ ـ باب في حسن الصوت بالقرآن، حديث ١٣٤٠ (طبعتنا)، عن فضالة بن عُبَيْد..
٨ أخرجه البخاريّ في: ٦٦ ـ كتاب فضائل القرآن، ٣٣ ـ باب قول المقرئ للقارئ: حسبك. حديث رقم ١٩٩٠..
٩ \[٤/ النساء/ ٤١\]..
١٠ \[١٩/ مريم/ ٥٨\]..
١١ \[٥/ المائدة/ ٨٣\]..
١٢ \[٣٩/ الزمر/ ٢٣\]..
١٣ \[٨/ الأنفال/ ٢\]..
١٤ \[١٤/ إبراهيم/ ٧\]..

### الآية 2:153

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:153]

يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ١٥٣ . 
 يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة  أرشد تعالى المؤمنين، إثر الأمر بالشكر في الآية قبل، بالاستعانة بالصبر والصلاة. لأن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها. أو في نقمة فيصبر عليها. كما جاء في الحديث[(١)](#foonote-١) :( عجبا للمؤمن لا يقضى له قضاء إلا كان خيرا له. إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له. وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ). وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب في سبيل الله، الصبر والصلاة. كما تقدم في قوله : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين  [(٢)](#foonote-٢) وفي الحديث[(٣)](#foonote-٣) :( أن رسول الله عليه وسلم كان إذا حَزَبَهُ أمر صلّى ). ثم إن الصبر صبران : صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات. والثاني أكثر ثوابا. لأنه المقصود. وأما الصبر الثالث، وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذاك أيضا واجب. كالاستغفار من المعائب. 
 وقال الإمام ابن تيمية في كتابه ( السياسة الشرعية ) وأعظم عون لوليّ الأمر خاصة، ولغيره عامة ثلاثة أمور : أحدها الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره. وأصل ذلك المحافظة على الصلاة بالقلب والبدن. والثاني الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. والثالث الصبر على الأذى من الخلق وغيره من النوائب. ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا كقوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة  [(٤)](#foonote-٤) وكقوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل \* إن الحسنات يذهبن السيئات\* ذلك ذكرى للذاكرين \* واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين  [(٥)](#foonote-٥) وقوله : فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها  [(٦)](#foonote-٦) وأما قرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدا. فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية. إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة، يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه، وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع : من نصر المظلوم وإعانة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج. وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك الشر والبطر. انتهى.  إن الله مع الصابرين  قال الإمام ابن تيمية ( في شرح حديث النزول ) : لفظ المعية في كتاب الله جاء عامّا كما في قوله تعالى : وهو معكم أينما كنتم  [(٧)](#foonote-٧) وفي قوله :/  ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  [(٨)](#foonote-٨) إلى قوله : وهو معهم أينما كانوا  وجاء خاصا كما في قوله : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  [(٩)](#foonote-٩) وقوله : إنني معكما أسمع وأرى  [(١٠)](#foonote-١٠) وقوله : لا تحزن إن الله معنا  [(١١)](#foonote-١١) فلو كان المراد بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص. فإنه قد علم أن قوله : لا تحزن إن الله معنا  أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوّهم من الكفار، وكذلك قوله : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  خصهم بذلك دون الظالمين والفجار. وأيضا، فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى / الذاتين بالأخرى. كما في قوله : محمد رسول الله والذين معه  [(١٢)](#foonote-١٢) وقوله : فأولئك مع المؤمنين  [(١٣)](#foonote-١٣) وقوله : اتقوا الله وكونوا مع الصادقين  [(١٤)](#foonote-١٤) وقوله : وجاهدوا معكم  [(١٥)](#foonote-١٥) ومثل هذا كثير. فامتنع أن يكون قوله : وهو معكم  يدل على أن تكون ذاته مختلطة بذوات الخلق. وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبيّن أن لفظ المعية في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو إذا كان مع العباد، لم يناف ذلك علوّه على عرشه. ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان. ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد. انتهى مختصرا. 
١ أخرجه مسلم في صحيحه في: ٥٣ ـ كتاب الزهد والرقائق، حديث ٦٤ (طبعتنا).
 ما نصه: عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له. وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له).
 وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده جزء خامس ص ٢٤ (طبعة الحلبيّ) ما نصه: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيراً له)..
٢ \[٢/ البقرة/ ٤٥\]..
٣ أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بالجزء الخامس بالصفحة ٣٨٨ (طبعة الحلبيّ) عن حذيفة..
٤ \[٢/ البقرة/ ٤٥\]..
٥ \[١١/ هود/ ١١٤و ١١٥\]..
٦ \[٢٠/ طه/ ١٣٠\] ونصها: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ١٣٠..
٧ \[٥٧/ الحديد/ ٤\] ونصها: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ٤..
٨ \[٥٨/ المجادلة/ ٧\] ونصها: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ٧..
٩ \[١٦/ النحل/ ١٢٨\]..
١٠ \[٢٠/ طه/ ٤٦\] ونصها: قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ٤٦..
١١ \[٩/ التوبة/ ٤٠\] ونصها: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا
 فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ٤٠..
١٢ \[٤٨/ الفتح/ ٢٩\] ونصها: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجر عظيما ٢٩..
١٣ \[٤/ النساء/ ١٤٦\] ونصها: إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ١٤٦..
١٤ \[٩/ التوبة/ ١١٩\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ١١٩..
١٥ \[٨/ الأنفال/ ٧٥\] ونصها: والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه إن اللّه بكل شيء عليم ٧٥..

### الآية 2:154

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [2:154]

ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ١٥٤ . 
وقوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون  ينهى تعالى عباده المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتا. بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة. وتصرمت عنهم اللذات. وأضحوا كالجمادات. كما يتبادر من معنى الميت. ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم : الأحياء. لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. كما قال تعالى في آل عمران : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا \* بل أحياء عند ربهم يرزقون \* فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون \* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين  [(١)](#foonote-١) فقوله في هذه الآية : عند ربهم  يفسر المراد من حياتهم. أي إنها لأرواحهم عنده تعالى. وقوله : ولكن لا تشعرون  أي بحياتهم الروحية بعد موتهم. إذ لم يظهر منها شيء في أبدانهم، وإن حفظ بعضها عن التلف. كما ترون النيام همودا لا يتحركون. فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا، ولا عيش أرغد منه في الآخرة. 
قال الحراليّ : فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد منال المكروه من كل وجه. حتى في أن يقال عنه : ميت. فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم، لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر. انتهى. 
ولذا قال الأصم : يعني لا تسموهم بالموتى، وقولوا لهم الشهداء الأحياء. وقال الراغب الأصفهانيّ : الحياة على أوجه. وكل واحد منها يقابله موت ( الأولى ) هي القوة النامية التي / بها الغذاء، والشهوة إليه. وذلك موجود في النبات والحيوان والإنسان. ولذلك يقال : نبات حيّ. ( والثانية ) في القوة الحاسة التي بها الحركة المكانية. وهي في الحيوان دون النبات ( والثالثة ) القوة العاملة العاقلة. وهي في الإنسان دون الحيوان والنبات. وبها يتعلق التكليف. وقد يقال للعلم المستفاد والعمل الصالح : حياة. وعلى ذلك قوله تعالى : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم  [(٢)](#foonote-٢) وقيل : المحسن حيّ وإن كان في دار الأموات. والمسيء ميت وإن كان في دار الأحياء ( قال ) ونعود إلى معنى الآية فنقول : قد أجمعوا على أنه لا يثبت لهم الحياة التي بها النمو والغذاء، ولا الحياة التي بها الحس. فإن فقدانهما عن الميت محسوس ومعقول. فبعض المفسرين اعتبر الحياة المختصة بالإنسان. وقال : إن هذه الحياة مخصصة بالقوة المسماة تارة الروح وتارة النفس. قال : والموت المشاهد هو مفارقة هذه القوة، التي هي الروح، البدنَ. فمتى كان الإنسان محسنا كان منعّما بروحه مسرورا لمكانه إلى يوم القيامة. وإن كان مسيئا كان به معذبا. وإلى هذا ذهب الحكماء ودلوا عليه بالبراهين والأدلة. وهو مذهب أصحاب الحديث. ويدل على صحته الأخبار والآيات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل إليه ذهب أصحاب الملل كلها. ومما دل على صحته خبرا[(٣)](#foonote-٣) ( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) وما روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال[(٤)](#foonote-٤) :( إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد / بألفي عام ) وروي[(٥)](#foonote-٥) ( أنه لما قتل من قتل من صناديد قريش يوم بدر وجمعوا في قَلِيب، أقبل النبي صلى الله عليه وسلم فخاطبهم بقوله :( هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا ) قيل : يا رسول الله ! أتخاطب جيفا ؟ فقال :( ما أنتم بأسمع منهم، ولو قدروا لأجابوا ) ) إلى غير ذلك من الأخبار. وقال تعالى في آل فرعون : النار يعرضون عليها غدوّا وعشيّا  وهذا يعني به قبل يوم القيامة، لأنه قال في آخر الآية : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  [(٦)](#foonote-٦) انتهى. 
وفي ( البيضاويّ ) و( حواشيه ) :( إن إثبات الحياة للشهداء في زمان بطلان الجسد، وفساد البنية، ونفي الشعور بها دليل على أن حياتهم ليست الجسد، ولا من جنس حياة الحيوان، لأنها بصحة البنية، واعتدال المزاج. وإنما هي أمر يُدرك بالوحي لا بالعقل ) انتهى. 
وقد جاء الوحي ببيان حياتهم كما أسلفنا قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب ( الروح ) : وقد أخبر سبحانه عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهذه حياة أرواحهم، ورزقها دارٌّ، وإلا فالأبدان قد تمزّقت. وقد فسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه / الحياة :( بأن أرواحهم[(٧)](#foonote-٧) في جوف طير خضر لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أيّ شيء نشتهي ؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا.. ! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب ! نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى.. ! فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ). وصحّ عنه صلى الله عليه وسلم[(٨)](#foonote-٨) :( إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلُق من ثمر الجنة ) ( وتعلق بضم اللام أي : تأكل العلقة ) وهذا صريح في أكلها، وشربها، وحركتها، وانتقالها، وكلامها.. ! انتهى. 
قال الطيبيّ : قوله صلى الله عليه وسلم :( أرواحهم في جوف طير خضر ) أي : يخلق لأرواحهم، بعد ما فارقت أبدانهم، هياكل على تلك الهيئة، تتعلق بها وتكون خلفا عن أبدانهم، فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذات الحسية. وقال ابن القيم في كتاب ( الروح ) :( إن الله سبحانه وتعالى جعل الدور ثلاثة : دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وجعل لكل دار أحكاما تختص بها. وركب هذا الإنسان من بدن ونفس. وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواحُ تبع لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت النفوس خلافه. وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان / تبع لها. فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا، فتألمت بألمها، والتذّت براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها. والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية. والأبدان كالقبور لها. والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها. فتجري أحكام البرزخ على الأرواح. فترى إلى أبدانها نعيما وعذابا. كما جرى أحكام الدنيا على الأبدان فترى إلى أرواحها نعيما وعذابا. فأحِطْ بهذا الوضع علما واعرفه كما ينبغي، يزل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج. وقد أرانا الله سبحانه، بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك. أنموذجا في الدنيا من حال النائم. فإن ما ينعم به، أو يعذب في نومه، يجري على روحه أصلا، والبدن تبع له. وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم أنه في نومه ضُرِبَ، فيصبح وآثار الضرب في جسمه. ويرى أنه قد أكل وشرب، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه. ويذهب عنه الجوع والظمأ. وأعجب من ذلك أنك ترى النائم، ثم يقوم من نومه، ويضرب ويبطش ويدافع، كأنه يقظان، وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك. لأن الحكم، لما جرى على الروح، استعانت بالبدن من خارجه. ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحسّ. فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم، ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع، فهكذا في البرزخ، بل أعظم. فإن تجرد الروح هناك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها، لم تنقطع عنه كل الانقطاع. فإذا كان يوم حشر الأجساد، وقيام الناس من قبورهم، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرا باديا. ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبيّن لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه، وضيقه وسعته، وضمه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل. وأنه حق لا مرية فيه. وأن من أشكل عليه ذلك، فمن سوء فهمه، وقلة علمه. انتهى. 
١ \[٣/ آل عمران/ ١٦٩ - ١٧١\]..
٢ \[٨/ الأنفال/ ٢٤\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ٢٤..
٣ أخرجه البخاريّ في: ٦٠ ـ كتاب الأنبياء، ٢ ـ باب الأرواح جنود مجندة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول... حديث ١٥٧٦..
٤ لم أهتد إلى هذا الحديث..
٥ أخرجه مسلم في صحيحه في: ٥١ ـ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث ٧٧ (طبعتنا) ونصه: 
 عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثا. ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: (يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا).
 فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف سمعوا وأنّى يجيبوا وقد جيّفوا؟ قال: (والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا).
 ثم أمر بهم فسحبوا. فأبقوا في قليب بدر..
٦ \[٤٠/ غافر/ ٤٦\]..
٧ أخرجه مسلم في: ٣٣ ـ كتاب الإمارة، حديث ١٢١ (طبعتنا).
 عن مسروق قال: سألنا عبد الله (هو ابن مسعود) عن هذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. قال: أما إنّا قد سألنا عن ذلك. فقال... إلخ..
٨ أخرجه الترمذيّ في جامعه في: ٢٠ – كتاب فضائل الجهاد، ١٣ - باب ما جاء في ثواب الشهداء. عن ابن كعب بن مالك عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... إلخ..

### الآية 2:155

> ﻿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [2:155]

ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين ١٥٥ . 
وقوله تعالى : ولنبلونّكم بشيء  خطاب لمن آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم، خصّوا به، وإن شمل من ماثلهم، لأنهم المباشرون للدعوة والجهاد، ومكافحة الفجّار. وكل قائم بحق، وداع إليه، معرّض للابتلاء بما ذكر، كله أو بعضه. والتنوين للتقليل. أي : بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه. وإنما قلّل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان، وإن جل، ففوقه ما يقل إليه. وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم. وإنما أخبر به قبل الوقوع، ليوطّنوا عليه نفوسهم، ويزداد يقينهم، عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به. وليعلموا أنه شيء يسير، له عاقبة حميدة  من الخوف  أي خوف العدو والإرجاف به  والجوع  أي الفقر، للشغل بالجهاد، أو فقد الزاد، إذا كنتم في سرية تجاهدون في سبيل الله. وقد كان يتفق لهم ذلك أياما يتبلغون فيها بتمرة  ونقص من الأموال  أي لانقطاعهم بالجهاد عن عمارة بساتينهم، أو لافتقاد بعضها بسبب الهجرة، وترك شيء منه في البلدة المهاجر منها  والأنفس  بقتلها شهيدة في سبيل الله، أو ذهاب أطرافها فيه  والثمرات  أي بأن لا تغلّ الحدائق كعادتها، للغيبة عنها في سبيل الله، وفقد من يتعاهدها، وخصت بالذكر لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم أخص الناس بهذا الذكر، لاسيما في وقت نزول هذه الآيات. وهو أول زمان الهجرة. فكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده كما قال :/  ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين  [(١)](#foonote-١). قال الراغب : هذه الآية مشتملة على محن الدنيا كلها : أي إذا نظر إلى عموم كل فرد مما ذكر فيها، وقطع النظر عن خصوص حال المخاطبين فيها، بما يدل عليه سابقه. 
١ \[٤٧/ محمد/ ٣١\] ونصها: ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ٣١..

### الآية 2:156

> ﻿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:156]

... وبشّر الصابرين ١٥٥ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإنا إليه راجعون ١٥٦ . 
ثم بيّن تعالى ما للصابرين عنده بقوله : وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة  مكروه، اسم فاعل من أصابته شدة : لحقته. أي كهذه البلايا  قالوا إنا لله  أي ملكا وخلقا، فلا ينبغي أن نخاف غيره، لأنه غالب على الكل. أو نبالي بالجوع، لأن رزق العبد على سيده، فإن مُنع وقتا، فلا بد أن يعود إليه. وأموالنا وأنفسنا وثمراتنا ملك له، فله أن يتصرف فيها بما يشاء  وإنا إليه راجعون  في الدار الآخرة. فيحصل لنا عنده ما فوّته علينا. لأنه لا يضيع أجر المحسنين. فالمصاب يهون عليه خطبه، إذا تسلّى بقوله هذا، وتصور ما خلق له، وأنه راجع إلى ربه، وتذكر نعم الله عليه، ورأى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه. قال الراغب : وليس يريد بالقول اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح وتسخط القضاء، ليس يغني شيئا. وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله والقصد له، والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول إليه. فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها وقصد هذا المقصد ووطن نفسه عليه. 
( ثم قال ) إن قيل : ولم قلت : إن الأمر بالصبر يقتضي العلم ؟ قيل : الصبر في الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبه.

### الآية 2:157

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [2:157]

أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ١٥٧ . 
 أولئك  إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت  عليهم صلوات من ربهم  قال الراغب : الصلاة، وإن كانت في الأصل الدعاء، فهي من الله البركة على وجه، والمغفرة على وجه. وقال الرازيّ : الصلاة من الله هي الثناء والمدح والتعظيم. قال الراغب : وإنما قال : صلوات  على الجمع، تنبيها على كثرتها منه وأنها حاصلة في الدنيا توفيقا وإرشادا، وفي الآخرة ثوابا ومغفرة  ورحمة  عظيمة في الدنيا عوض مصيبتهم  وأولئك هم المهتدون  أي إلى الوفاء بحق الربوبية والعبودية، فلابد أن يوفي الله عليهم صلواته ورحمته.

### الآية 2:158

> ﻿۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [2:158]

إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرا فإن الله شاكر عليم ١٥٨ . 
قوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما  ( الصفا والمروة ) : علمان لجبلين بمكة. ومعنى كونهما من شعائر الله : من أعلام مناسكه ومتعبّداته. 
قال الرازيّ : كل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله، فهو من شعائر الله. قال الله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله  [(١)](#foonote-١) أي : علامة للقربة. وقال : ذلك ومن يعظّم شعائر الله  [(٢)](#foonote-٢)، وشعائر الحج معالم نسكه. ومنه المشعر الحرام. ومنه إشعار السنام – وهو أن يعلم بالمدية – فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هدياً لبيت الله. و( الشعائر ) جمع شعيرة وهي العلامة، مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام، ومنه قولك : شعرت بكذا أي علمت انتهى. 
 و( الحج ) في اللغة : القصد و( الاعتمار ) : الزيارة. غُلِبَا في الشريعة على قصد البيت وزيارته، على الوجهين المعروفين في النسك. و( الجُناح ) بالضم : الإثم والتضييق والمؤاخذة. وأصل ( الطواف ) : المشي حول الشيء. والمراد : السعي بينهما. 
**وقد روي في سبب نزول الآية عدة روايات :**
ولفظ البخاري عن عروة قال[(٣)](#foonote-٣) :( سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها : أرأيت قول الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما  فوالله ! ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة ! قالت : بئسما قلت يا ابن أختي ! إن هذه لو كانت كما أوّلتَها عليه، كانت : لا جناح عليه أن يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار. كانوا قبل أن يسلموا يهلّون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل. فكان مَن أهلّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ قالوا : يا رسول الله ! إنا كنا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله.....  الآية. 
قالت عائشة رضي الله عنها : وقد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. 
ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمان فقال : إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس – إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلّ بمناة – كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا : يا رسول الله ! كنا نطوف بالصفا والمروة. وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا. فهل علينا من حرج أن نطَّوَّف بالصفا والمروة ؟ فأنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله...  الآية. 
 قال أبو بكر : فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما : في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت ). 
وفي رواية معمر عن الزهري :( إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة )، أخرجه البخاري تعليقا، ووصله أحمد وغيره. 
وأخرج مسلم[(٤)](#foonote-٤) في رواية يونس عن الزهري عن عروة بن الزبير ( أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا، هم وغَسَّانُ، يهلّون لمناة، فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنّةً في آبائهم : من أحرم لمناةَ لم يطف بين الصفا والمروة. وإنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين أسلموا. فأنزل الله عز وجل في ذلك : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطوّع خيرا فإن الله شاكر عليم  ). 
وروى الفاكهيّ عن الزهريّ :( أن عمروا بن لحيّ نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قُدَيْد. فكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلّوا لها. فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة. قال : وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسان ومن دان دينهم من أهل يثرب ). 
وروى النسائي بإسناد قوي عن زيد بن حارثة[(٥)](#foonote-٥) قال :( كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس يقال لهما " إساف ونائلة " كان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما... ) الحديث. 
وروى الطبراني وابن أبي حاتم في ( التفسير ) بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال :/ ( قالت الأنصار : إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية. فأنزل الله عز وجل : إن الصفا والمروة...  الآية ). 
وروى الفاكهيّ وإسماعيل القاضي في ( الأحكام ) بإسناد صحيح عن الشعبيّ قال :( كان صنم بالصفا يدعى ( إساف )، ووثن بالمروة يدعى ( نائلة )، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما. فلما جاء الإسلام رمى بهما ؛ وقالوا : إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال : فأنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة...  الآية ). 
وقد استفيد من مجموع هذه الروايات أنه تحرّجَ طوائف من السعي بين الصفا والمروة لأسباب متعددة فنزلت في الكل. والله أعلم. 
وجواب عائشة، رضي الله عنها، لعروة هو من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ. لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح عمّن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه.  ومن تطوّع خيرا فإن الله شاكر عليم  أي : من فعل خيرا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به. ومعنى ( تطوّع ) أتى بما في طوعه أو بالطاعة، وإطلاقه على ما لا يجب عرفٌ فقهيّ لا لغوي. و( الشكر ) من الله تعالى المجازاة والثناء الجميل. 
قال الراغب : الشكر، كما يكون بالقول، يكون بالفعل، وعلى ذلك قوله تعالى : اعملوا آل داود شكرا  [(٦)](#foonote-٦) ؛ قال : وليس شكر الرفيع للوضيع إلا الإفضال عليه وقبول حمد منه. 
**تنبيهات :**
الأول : تمسّك بعضهم بقوله تعالى : ومن تطوّع خيرا  على أن السعي سنّة، وأن من تركه لا شيء عليه. فإن كان مأخذه منها : إن التطوع التبرّع بما لا يلزم فقد قدمنا أنه عرف فقهي لا لغوي، فلا حجة فيه. وإن كان نفي الجناح، فقد علمت المراد منه. 
وممن ذهب إلى أنه سنّة، لا يجبر بتركه شيء، أنس فيما نقله ابن المنذر وعطاء. نقله ابن حجر في ( الفتح ). 
وقال الرازي : روى عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه. وأما حديث[(٧)](#foonote-٧) :( اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ) رواه أحمد وغيره، ففي إسناده عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف. 
ومن ثم قال ابن المنذر : إن ثبت فهو حجة في الوجوب. ذكره الحافظ بن حجر في ( الفتح ). 
الثاني : صح أنه[(٨)](#foonote-٨) صلى الله عليه وسلم طاف بين الصفا والمروة سبعا، رواه الشيخان / وغيرهما عن ابن عمر. وأخرجه مسلم وغيره[(٩)](#foonote-٩) من حديث أبي هريرة :( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه أتى الصفا فَعَلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو ). وأخرج أيضا[(١٠)](#foonote-١٠) من حديث جابر :( إن النبي صلى الله عليه وسلم لما دنا من الصفا قرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله . أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره قال :( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ) ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ) اه. وظاهر هذا أنه كان ماشيا. 
وقد روى مسلم[(١١)](#foonote-١١) في ( صحيحه ) عن أبي الزبير : أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول :( طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت ؛ وبين الصفا والمروة، ليراه الناس، وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشُوه ). 
ولم يطف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. 
قال ابن حزم :( لا تعارض بينهما، لأن الراكب إذا انصبّ به بعيره فقد انصبّ كله وانصبّت قدماه أيضا مع سائر جسده ). 
 وعندي – في الجمع بينهما- وجه آخر أحسن من هذا وهو : أنه سعى ماشيا أوّلا، ثم أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرّحا به. 
ففي ( صحيح مسلم ) [(١٢)](#foonote-١٢) عن أبي الطفيل قال : قلت لابن عباس :( أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا ؛ أسنّة هو ؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة ! قال : صدقوا وكذبوا.. ! – قال – قلت : ما قولك صدقوا وكذبوا.. ؟ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس. يقولون هذا محمد.. ! حتى خرج عليه العواتق من البيوت – قال – وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُضْرَبُ الناس بين يديه – فلما كثر عليه ركب. والمشي والسعي أفضل ). 
وفي ( الصحيحين ) [(١٣)](#foonote-١٣) عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليُرِيَ المشركين قوّته... ) !
وعن كريب مولى ابن عباس : أن ابن عباس قال[(١٤)](#foonote-١٤) :( ليس السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة بسنة، إنما كان أهل الجاهلية يسعونها ويقولون : لا نُجِيزُ البطحاء إلا شدًّا.. ! ) رواه البخاري تعليقا، ووصله أبو نعيم في ( مستخرجه ). قال شرّاح ( الصحيح ) : المراد بالسعي المنفي هو شدة المشي والعدو. فهو، رضي الله عنه، لم ينف سنية السعي المجرد، بل مجاوزة الوادي بقوة وعدْوٍ شديد، إذ أصل السعي هديه صلى الله عليه وسلم والله أعلم. 
 الثالث : في البخاري[(١٥)](#foonote-١٥) عن ابن عباس في قصة هاجر أم إسماعيل : إن الطواف بينهما مأخوذ من طوافها وتردادها في طلب الماء. ولفظه :( وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى ( أو قال، يتلبط ) فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحد. ففعلت ذلك سبع مرات. 
قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا... ) الحديث. 
قال ابن كثير : لما ترددت هاجر في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، تطلب الغوث من الله تعالى متذللة، خائفة، مضطرة، فقيرة إلى الله عز وجل، كشف تعالى كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدّتها، وأنبع لها زمزم التي طعامها طعام طعم، وشفاء سقم. فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأنه يلتجئ إلى الله عز وجل لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه – من الذنوب والمعاصي – إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها السلام. 
١ \[٢٢/ الحج/ ٣٦\] ونصها: والبدن جعلناها لكم من شعائر اللّه لكم فيها خير فاذكروا اسم اللّه عليها صوافّ فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترّ كذلك سخّرناها لكم لعلكم تشكرون ٣٦..
٢ \[٢٢/ الحج/ ٣٢\] ونصها: ذلك ومن يعظّم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب ٣٢..
٣ أخرجه البخاري بنصه في: ٢٥ – كتاب الحج، ٧٩ – باب حدّثنا أبو اليمان..
٤ أخرجه مسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث ٢٦٣ (طبعتنا)..
٥ زيد بن حارثة، قال عنه في ذخائر المواريث: ليس له إلا حديث واحد. أخرجه ابن ماجة في الطهارة..
٦ \[٣٤/ سبأ/ ١٣\] ونصها: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشّكور ١٣..
٧ أخرجه الإمام أحمد في المسند، جزء سادس صفحة ٤٢١ (طبعة الحلبيّ) ونصه: عن حبيبة بنت أبي تجزئة قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه. وهو وراءهم وهو يسعى. حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدر به إزاره، وهو يقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي)..
٨ أخرجه البخاري في: ٨- كتاب الصلاة، ٣٠ – باب قول الله: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. ونصه:
 عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا، وصلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة. وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).
 وأخرجه مسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث ١٨٩ (طبعتنا)..
٩ أخرجه مسلم في: ٣٢ – كتاب الجهاد والسير، حديث ٨٤ (طبعتنا). وهذه الجملة آخر حديث طويل، وفيه ذكر فتح مكة، يجب الاطلاع عليه والتفقه فيه..
١٠ أخرجه مسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث ١٤٧ (طبعتنا). هو قطعة من أصح وأطول حديث، وأتم وصف لحجة النبي صلى الله عليه وسلم..
١١ أخرجه مسلم في: ١٥- كتاب الحج، حديث ٢٥٥ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه مسلم في: ١٥- كتاب الحج، حديث ٢٣٧ (طبعتنا) وهو الشطر الثاني من الحديث..
١٣ أخرجه البخاري في: ٦٤ – كتاب المغازي، ٤٣ – باب عمرة القضاء، حديث ٨٦٢.
 وأخرجه مسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث ٢٤١ (طبعتنا)..
١٤ أخرجه البخاري في : ٦٣ – كتاب مناقب الأنصار، ٢٧ – باب القسامة في الجاهلية، حديث ١٨٠٤..
١٥ أخرجه البخاري في : ٦٠ – كتاب الأنبياء، ٩ – باب يزفون. النسَلان في المشي. حديث ١١٨٣. وهو حديث طويل جدا فيه فوائد تاريخية وفقهية يجدر بالمسلم حق المسلم أن لا يفوته ما فيه..

### الآية 2:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [2:159]

إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ١٥٩ . 
 إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون . 
لما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحق، وختم ما أتبعه له بصفتي الشكر والعلم – ترغيبا وترهيبا – بأنه يشكر من فعل ما شرعه له، ويعلم من أخفاه وإن دق فعله وبالغ في كتمانه، انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم. ولعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق. إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم. والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين، لأن هذا الكتاب هدى، وكان السياق مرشدا إلى أن التقدير بعد  شاكر عليم  : ومن أحدث شرا فإن الله عليم قدير، فوصل به استئنافا قوله – على وجه يعمهم وغيرهم-  إن الذين يكتمون ما أنزلنا...  الآية، بيانا لجزائهم. فانتظمت هذه الآية في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله  ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون  [(١)](#foonote-١) فكانت البداية خاصة، وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب الله أمرا منطبقا على نحو ما كان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ومن تقدّمه من الرسل خلقا لينطبق الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا، فعم كل كاتم من الأولين والآخرين. نقله البقاعيّ. 
و ( اللعن ) الطرد والإبعاد عن الخير، هذا من الله تعالى، ومن الخلق : السبّ، والشتم، والدعاء على الملعون، ومشاقّته، ومخالفته، مع السخط عليه، والبراءة منه. والمراد بقوله  اللاعنون  كل من يصح منه لعن، وقد بينه بعد قوله تعالى : أولئك عليهم / لعنة الله والملائكة والناس أجمعين  [(٢)](#foonote-٢) وقد دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر، لأنه تعالى أوجب فيه اللعن، لأن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلّف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، وبلغ لِلَعْنِه من الشقاوة والخسران الغاية التي لا يدرك كنهها.. ! وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتمان العلم. وفي ( الصحيحين ) عن أبي هريرة قال[(٣)](#foonote-٣) :( لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا أبدا  إن الذين يكتمون...  [(٤)](#foonote-٤) الآية، قوله : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننه للناس ولا تكتمونه...  [(٥)](#foonote-٥) الآية ). 
١ \[٢/ البقرة/ ٤٢\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ١٦١\] ونصها: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ١٦١..
٣ أخرجه البخاري في: ٣ – كتاب العلم، ٤٢ – باب حفظ العلم، حديث ١٠٢ ونصه: 
 عن أبي هريرة قال: (إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة. ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم يتلو: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات، إلى قوله: الرحيم.
 إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم. وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)..
٤ \[٢/ البقرة/ ١٥٩\]..
٥ \[٣/ آل عمران/ ١٨٧\] ونصها: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ١٨٧..

### الآية 2:160

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:160]

ثم استثنى تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ١٦٠ . 
 إلا الذين تابوا  أي عن الكتمان  وأصلحوا  أي عملوا صالحا  وبيّنوا  ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع  فأولئك أتوب عليهم  أي أقبل توبتهم بإفاضة المغفرة والرحمة عليهم  وأنا التواب الرحيم .

### الآية 2:161

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [2:161]

ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى كفره بقوله : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ١٦١ خالدين فيها لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ١٦٢ . 
 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \* خالدين فيها  - أي في اللعنة، أو في النار، على أنها أضمرت من غير ذكر تفخيما لشأنها وتهويلا لأمرها  لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون  إما من الإنظار بمعنى التأخير والإمهال. أي : لا يمهلون عن العذاب ولا يؤخر عنهم ساعة بل هو متواصل دائم ؛ أو من النظر بمعنى الرؤية أي : لا ينظر إليهم نظر رحمة كقوله  ولا ينظر إليهم يوم القيامة  [(١)](#foonote-١)-.

١ \[٣/ آل عمران/ ٧٧\] ونصها: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم ٧٧..

### الآية 2:162

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [2:162]

خالدين فيها لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ١٦٢ . 
 إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \* خالدين فيها  - أي في اللعنة، أو في النار، على أنها أضمرت من غير ذكر تفخيما لشأنها وتهويلا لأمرها  لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون  إما من الإنظار بمعنى التأخير والإمهال. أي : لا يمهلون عن العذاب ولا يؤخر عنهم ساعة بل هو متواصل دائم ؛ أو من النظر بمعنى الرؤية أي : لا ينظر إليهم نظر رحمة كقوله  ولا ينظر إليهم يوم القيامة  [(١)](#foonote-١)-. 
١ \[٣/ آل عمران/ ٧٧\] ونصها: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم ٧٧..

### الآية 2:163

> ﻿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ [2:163]

وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ١٦٣ . 
 وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم  يخبر تعالى بخطابه كافة الناس عن تفرده بالإلهية. وأنه لا شريك له ولا عديل. 
قال الراغب : يجوز أن يكون قوله  وإلهكم إله واحد  خطابا عاما، أي المستحق منكم العبادة هو إله واحد لا أكثر ؛ ويجوز أن يكون خطابا للمؤمنين. والمعنى الذي تعبدونه إله واحد، تنبيها أنكم لستم كالكفار الذين يعبدون أصناما آلهة والشيطان والهوى وغير ذلك. إن قيل : ما فائدة الجمع بين  إلهكم إله واحد  وبين  لا إله إلا هو  وأحدهما يبنى على الآخر ؟ قيل : لما بين بقوله  وإلهكم إله واحد  أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها وكان يجوز أن يتوهم أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد ولا يستحق العبادة أكده بقوله  لا إله إلا هو  وحقّ لهذا المعنى أن يكون مؤكدا وتكرر عليه الألفاظ، إذ هو مبدأ مقصود العبادة ومنتهاه. انتهى. 
وقال الرازيّ : إنما خص سبحانه وتعالى هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية، وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان. انتهى.

### الآية 2:164

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [2:164]

ولما كان مقام الوحدانية لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة، نصب تعالى الأدلة، من العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات، على ذلك تبصيرا للجهّال وتذكيرا للعلماء بقوله : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ١٦٤ . 
 إن في خلق السماوات والأرض  في ارتفاع الأولى ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وفي انخفاض الثانية وكثافتها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع  واختلاف الليل والنهار  أي : اعتقابهما وكون كل منها خلفا للآخر، فيجيء أحدهما ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه لا يتأخر عنه لحظة كقوله تعالى : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة  [(١)](#foonote-١) أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ازديادا وانتقاصا كما قال  يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل  [(٢)](#foonote-٢) أي : يزيد من هذا في هذا ومن هذا في ذاك.  والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس  أي : في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى آخر لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل إقليم لغيره. 
قال الراغب : ولما لم يكن فرّق بين أن يقال  والفلك التي تجري في البحر  وبين أن يقال : والبحر الذي يجري فيه الفلك، في أن القصد الأول بالآية أن يعرف منفعة البحر / وإن أخر في اللفظ، قدم ذكر الفلك الذي هو من صنعتنا. ولما كان سبيلنا إلى معرفتها أقرب منه إلى معرفة صنعه، قدم ذكر الفلك لينظر منها إلى آثار خلق الله تعالى. اه.  وما أنزل الله من السماء  أي المزن  من ماء فأحيا به الأرض  بأنواع النبات والأزهار وما عليها من الأشجار  بعد موتها  باستيلاء اليبوسة عليها  وبث فيها  أي نشر وفرّق  من كل دابة  من العقلاء وغيرهم  وتصريف الرياح  أي : تقليبها في مهابها : قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا، وفي أحوالها : حارة وباردة وعاطفة ولينة، فتارة مبشرة بين يدي السحاب، وطورا تسوقه، وآونة تجمعه، ووقتا تفرقه، وحينا تصرفه. 
قال الثعالبيّ : إذا جاءت الريح بنفس ضعيف ورَوْح فهي النسيم، فإذا كانت شديدة فهي العاصف، فإذا حركت الأغصان تحريكا شديدا وقلعت الأشجار فهي الزعزَعان والزعزع. فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصبة، فإذا هبت من الأرض نحو السماء كالعمود فهي الإعصار ويقال لها زوبعة أيضا، فإذا هبت بالغبرة فهي الهَبْوة، فإذا كانت باردة فهي الصرصر، فإذا كان بردها ندى فهي البليل، فإذا كانت حارة فهي الحَرُور السّموم، فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا فهي العقيم. ومما يذكر منها بلفظ الجمع : الأعاصير وهي التي تهيج بالغبار، واللواقع التي تلقح الأشجار، والمعصرات التي تأتي بالأمطار، والمبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث. 
 والسحاب المسخّر بين السماء والأرض  أي : فلا يهوي إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء كما تهوي بقية الأجرام العالية حيث لم يكن لها ممسك محسوس، ولا يعلو، ولا ينقشع ؛ مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة : فالكثيف يقتضي النزول، واللطيف يقتضي العلو، والمتوسط يقتضي الانقشاع، ذكره البقاعيّ. 
**لطيفتان :**
الأولى : قال الثعالبيّ : أول ما ينشأ السحاب فهو النّشء، فإذا انسحب في الهواء / فهو السحاب، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام، فإذا أظلّ فهو العارض، فإذا ارتفع وحمل الماء وكثُف وأطبق فهو العماء، فإذا عنّ فهو العَنان، فإذا كان أبيض فهو المزن. 
الثانية : قال الراغب : التسخير القهر على الفعل. وهو أبلغ من الإكراه. فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادة منه على وجه، كحمل الرحى على الطحن اه. وقوله تعالى  لآيات  : أي عظيمة كثيرة، فالتنكير للتفخيم كمًّا وكيفا  لقوم يعقلون  أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعين العقول، فيستدلون على قدرته، سبحانه، القاهرة، وحكمته الباهرة، ورحمته الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به جل شأنه. 
قال البقاعيّ : وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة. فجعل سبحانه العلم وهو الممكنات الموجودة، وهي جملة ما سواه، الدالة على وجوده وفعله بالاختيار على قسمين : قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة، ويسمى في عرف أهل الشرع : الشهادة والخلق والملك. وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى : الغيب والأمر والملكوت. والأول يدركه عامة الناس، والثاني يدركه أولوا الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوسواس، فالله تعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم بقسميه محتويا على جمل وتفاصيل من وجوه متعددة، وطرق متكثرة، تعجز القوى البشرية عن ضبطها، يستدل بها على وحدانيته، بعضها أوضح من بعض، ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكل بقدر ما هُيِّئ له، اللهم إلا أن يكون ممن طُبع على قلبه، فذلك والعياذ بالله هو الشقيُّ انتهى. 
قال المهايميّ : وكيف ينكرون وجود الله، وتوحيده، ورحمانيته، ورحيميته، وقد دل عليها دلائل العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات ؟ ثم قال : أما دلالة السماء والأرض على وجود الإله فلأنهما حادثان. لأن لهما أجزاء يفتقران إليها، فلا بد لهما من محدث ليس بعض أجزائهما، لأنه دخله التركيب الحادث، والقديم لا يكون محلا للحوادث، والمحدث لابد أن يكون / قديما قطعا للتسلسل. وعلى التوحيد، فلأن إله السماوات لو كان غير إله الأرض لم يرتبط منافع أحدهما بالآخر. وعلى الرحمتين لأنه عز وجل جعل في الأرض مواد قابلة للصور المختلفة وأفاضها واحدة بعد أخرى بتحريك السماوات، وأما دلالة اختلاف الليل والنهار على وجود الإله فلحدوثهما من حركات السماوات ولا بد لها من محرك، فإن كان حادثا فلا بد له من محدث. وعلى التوحيد، فلأن إله الليل لو كان غير إله النهار لأمكن كل واحد أن يأتي بما هو له في وقت إتيان الآخر بما هو له، فيلزم اجتماعهما وهو محال. فإن امتنع لزم عجز أحدهما أو كليهما. وعلى الرحمتين، فلأن الاعتدال الذي به انتظام أمر الحيوانات إنما يكون من تعاقبهما، إذ دوام الليل مبرِّد للعالم في الغاية، ودوام النهار مسخِّن له في الغاية. وأما دلالة الفلك على وجود الإله، فلأنها أثقل من الماء فحقها الرسوب فيها، فإمساكها فوق الماء من الله. ودخول الهواء فيها وإن كان من الأسباب فلا يتم عند امتلاك الفلك بالأمتعة الكثيرة، إذ يقلّ الهواء جدا فيضعف أثره في إمساك هذا الثقيل جدا، فلا ينبغي أن ينسب إلا إلى الله تعالى من أول الأمر، وعلى التوحيد، فلأن إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع أحدهما من التصرف في ملكه، وهو يفضي إلى اختلال نظام العالم لاختلاف المنافع المنوطة بالفلك ؛ وعلى الرحمتين فلأنه رحم المسافرين بالتجارات، والمسافر إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها. وأما دلالة إنزال الماء على وجود الإله، فلأنه أثقل من الهواء، فوجوده في مركزه لا يكون إلا من الله. وعلى التوحيد، فلأن إله الماء لو كان غير إله الهواء، لمنع من التصرف في ملكه، وعلى الرحمتين، فلأنه أحيى به الأرض معاشا للحيوانات، وبث به الدواب تكميلا لمنافع الإنسان. وأما دلالة تصريف الرياح على وجود الإله، فلأنها حادثة تحدث هذه مرة وهذه أخرى، وقد يعدم الكل، فلا بد من محدث، فإن كان حادثا افتقر إلى قديم. وعلى التوحيد، فلأنه لو كان لكل ريح إله لأمكن للكل أن يأتي بما له، فيلزم اجتماع الرياح المختلفة وهو مخل بالنظام. وعلى الرحمتين، فلأنها تحرك الفلك والسحب وتنمي / الأشجار والثمار. وأما دلالة السحاب على وجود الإله، فلأنه لو كان ثقيلا لنزل، أو كان خفيفا لصعد، لكنه يصعد تارة وينزل أخرى فهو من الله تعالى ؛ وأما على التوحيد فلأن إله السحاب لو كان غير إله السحاب الآخر، لأمكن لكل واحد أن يجعل سحابه في مكان سحاب الآخر، فيلزم تداخل الأجسام أو العجز. وعلى الرحمتين فلأن منها الأمطار. وله وجوه أخر من الدلالات وفوائد غير محصورة، قنعنا بما ذكر. 
قال القاضي عبد الجبار : الآية تدل على أمور :( أحدها ) لو كان الحق يدرك بالتقليد، وإتباع الآباء، والجري على الإلف والعادة، لما صح ذلك. و( ثانيها ) لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام لما صح وصف هذه الأمور بأنها آيات، لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات. و( ثالثها ) أن سائر الأجسام والأعراض، وإن كانت تدل على الصانع، فهو تعالى خص هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعما على المكلفين على أوفر حظ ونصيب، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثيرا في الخواطر : نقله الرازي.

١ \[٢٥/ الفرقان/ ٦٢\] ونصها: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكورا ٦٢..
٢ \[٢٢/ الحج/ ٦١\] ونصها: ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ٦١..

### الآية 2:165

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [2:165]

ثم إن الله تعالى إنما أظهر هذه الآيات الدالة على وجوده، وتوحيده، ورحمته، ليخصّه الخلق بالمحبة والعبادة. 
 و  لكن  ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا  أي : أمثالا. مع أن الآيات منعت من أن يكون له ندّ واحد فضلا عن جماعتها يسوّون بينهم وبين الله إذ /  يحبونهم كحب الله  أي : يعظمونهم ويخضعون لهم كتعظيم الله والخضوع له. و( الأنداد ) هي : إما الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا منها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور وقربوا لها القرابين. وإما الرؤساء الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون، لاسيما في الأوامر والنواهي. ورجح هذا، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية  إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  [(١)](#foonote-١) وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أندادا وأمثالا لله تعالى يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى  والذين آمنوا أشد حبا لله  من المشركين لأندادهم، لأن أولئك أشركوا في المحبة، والمؤمنون أخلصوها كلها لله، ولأنهم يعلمون أن جميع الكمالات له ومنه، ولأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره، بخلاف المشركين فكانوا يعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه، كما أكلت باهلة إلهها من حيس، عام المجاعة. 
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ( شرح المنازل ) في باب التوبة :
أما الشرك فهو نوعان : أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو أن يتخذ من دون الله ندًّا يحبه كما يحب الله تعالى، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولذا قالوا لآلهتهم في النار  تالله إن كنا لفي ضلال مبين \* إذ نسوّيكم بربّ العالمين  [(٢)](#foonote-٢) مع إقرارهم بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء، وربّه، ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تميت ولا تحيي، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة، والتعظيم، والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم.. ! بل كلّهم يحبون معبوديهم، ويعظمونها، ويوادّونها من دون الله تعالى.. ! وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم / أعظم من محبة الله تعالى.. ! ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله تعالى.. ! ويغضبون بتنقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم ما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين.. ! وإذا انتقصت حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب الليث أو الكلب.. ! وإذا انتهكت حرمات الله تعالى لم يغضبوا لها. بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تنكر له قلوبهم.. ! قد شاهدنا نحن وغيرنا هذا منهم... انتهى. 
وقال الإمام تقي الدين أحمد بن عليّ المقريزيّ رحمه الله :
ومن أجل الشرك، وأصله الشرك في محبة الله، قال تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله..  [(٣)](#foonote-٣) الآية، فأخبر سبحانه أن من أحب مع الله شيئا غيره، كما يحبه، فقد اتخذ ندًّا من دونه ! وهذا على أصح القولين في الآية أنهم يحبونهم كما يحبون الله، وهذا هو العدل المذكور في قوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون  [(٤)](#foonote-٤) والمعنى على أصحّ القولين : أنهم يعدلون به غيره في العبادة فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة. وكذلك قول المشركين في النار لأصنامهم  تالله إن كنا لفي ضلال مبين \* إذ نسوّيكم برب العالمين  [(٥)](#foonote-٥) ؛ ومعلوم قطعا أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونهم خالقيهم، فإنهم كانوا كما أخبر الله عنهم مقرين بأن الله تعالى وحده هو ربهم وخالقهم، وأن الأرض ومن فيها لله وحده، وأنه رب السماوات ورب / العرش العظيم، وأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه... وإنما كانت هذه التسوية بينهم وبين الله تعالى في المحبة والعبادة ؛ فمن أحب غير الله تعالى، وخافه، ورجاه، وذل له كما يحبّ الله ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى.. ! فعياذاً بالله ! من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام، كانسلاخ الحية من قشرها، وهو يظن أنه مسلم موحد... !
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه :
والمتخذ إلهه هواه، له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم، ومحبة عباد العجل له، وهذه محبة مع الله لا محبة لله ! وهذه محبة أهل الشرك.. ! والنفوس قد تدّعي محبة الله، وتكون في نفس الأمر محبة شرك تحب ما تهواه وقد أشركته في الحب مع الله ! وقد يخفى الهوى على النفس، فإن حبّك الشيء يعمي ويصم.. ! وهكذا الأعمال التي يظن الإنسان أنه يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي عليه وهو يعلمه : إما لحب رياسة، وإما لحب مال، وإما لحب صورة.. ! ولهذا قالوا[(٦)](#foonote-٦) :( يا رسول الله ! الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء، فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ).. ! فلما صار كثير من الصوفية النسّاك المتأخرين يدعون المحبة ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب والسنة دخل فيها نوع من الشرك وإتباع الأهواء. والله تعالى قد جعل محبته موجبة لإتباع رسوله فقال : قل إن كنتم تحبون / الله فاتبعوني يحببكم الله  [(٧)](#foonote-٧) وهذا، لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله، وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه.. ! وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه.. ! فصار محبوب الرب ومدعوّ الرسول متلازمين، بل هذا هو هذا في ذاته، وإن تنوّعت الصفات.. ! انتهى. 
 ولو يرى الذين ظلموا  أي : باتخاذ الأنداد ووضعها موضع المعبود  إذ يرون العذاب  المعدّ لهم يوم القيامة  أن القوة لله جميعا  أي : القدرة كلّها لله، على كل شيء، من العقاب والثواب، دون أندادهم  وأن الله شديد العذاب  أي : العقاب للظالمين. وفائدة عطفها على ما قبلها : المبالغة في تهويل الخطب، وتفظيع الأمر. فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب، لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه. وجواب ( لو ) محذوف للإيذان بخروجه عن دائرة البيان : إما لعدم الإحاطة بكنهه، وإما لضيق العبارة عنه، وإما لإيجاب ذكره ما لا يستطيعه المعبّر أو المستمع من الضجر والتفجّع عليه. أي : لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم. ونظيره في حذف الجواب قوله تعالى : ولو ترى إذ وقفوا  [(٨)](#foonote-٨) وقولهم : لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. وقرئ  ولو ترى  بالتاء على خطاب الرسول أو كل مخاطب أي : ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما في الفظاعة والهول.

١ \[٢/ البقرة/ ١٦٦\] ونصها: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب ١٦٦..
٢ \[٢٦/ الشعراء/ ٩٧ و٩٨\]..
٣ \[٢/ البقرة/ ١٦٥\] ونصها: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ١٦٥..
٤ \[٦/ الأنعام/ ١\] ونصها: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ١٦٥..
٥ \[٢٦/ الشعراء/ ٩٧ و٩٨\]..
٦ أخرجه البخاري في: ٣- كتاب العلم، ٤٥ – باب من سأل، وهو قائم، عالما جالسا. حديث ١٠٥. ونصه:
 عن أبي موسى قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية. فرفع إليه رأسه (قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما) فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عز وجل)..
٧ \[٣/ آل عمران/ ٣١\] ونصها: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ٣١..
٨ \[٦/ الأنعام/ ٢٧\] ونصها: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ٢٧.
 و\[٦/ الأنعام/ ٣٠\] ونصها: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ٣٠..

### الآية 2:166

> ﻿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [2:166]

إذ تبرّأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب ١٦٦ . 
 إذ تبرّأ الذين اتبعوا  بدل من  إذ يرون  أي : تبرّأ المتبوعون وهم الرؤساء الآمرون باتخاذ الأنداد وكل ما عبد من دونه تعالى  من الذين اتبعوا  من الأتباع، بأن اعترفوا ببطلان ما كانوا يدعونه في الدنيا لهم أو يدعونهم إليه من فنون الكفر والضلال، واعتزلوا عن مخالطتهم، وقابلوهم باللعن. وقرئ الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول ؛ أي تبرّأ الأتباع من الرؤساء  ورأوا العذاب  الواو للحال، أي : تبرّأوا في حال رؤيتهم العذاب  وتقطّعت بهم الأسباب  أي : الوُصَل التي كانت بينهم : من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب، والمحابّ، والإتباع، والاستتباع.

### الآية 2:167

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [2:167]

وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرّة فنتبرّأ منهم كما تبرّءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ١٦٧ . 
 وقال الذين اتبعوا  حين عاينوا تبرّؤ الرؤساء منهم، وندموا على ما فعلوا من إتباعهم لهم في الدنيا  لو أن لنا كرّة  أي : ليت لنا رجعة إلى الدنيا  فنتبرّأ منهم  هناك، ومن عبادتهم، ونعبده تعالى وحده  كما تبرّأوا منا  اليوم. وهم كاذبون في هذا، بل لو رُدّوا لعادوا لما نُهُوا عنه، كما أخبر تعالى عنهم بذلك  كذلك  أي : مثل تلك الإراءة الفظيعة  يريهم الله أعمالهم حسرات  ندمات شديدة  عليهم  أي : تذهب وتضمحلّ، كما قال تعالى : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل / فجعلناه هباء منثورا  [(١)](#foonote-١) وقال تعالى : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف...  [(٢)](#foonote-٢) الآية، وقال تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء...  [(٣)](#foonote-٣) الآية  وما هم بخارجين من النار  ونظير هذه الآية قوله تعالى :... ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين \* قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم مجرمين \* وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا، وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل يجزون إلا ما كانوا يعملون  [(٤)](#foonote-٤).. ؟ وقال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزّا \* كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا  [(٥)](#foonote-٥). / وقال الخليل لقومه  إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودّة بينكم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين  [(٦)](#foonote-٦). وقالت الملائكة  تبرّأنا إليك، ما كانوا إيّانا يعبدون  [(٧)](#foonote-٧) ويقولون  سبحانك ! أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون  [(٨)](#foonote-٨). وقال تعالى : ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون \* وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين  [(٩)](#foonote-٩). وقال تعالى : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ، إني كفرت بما أشركتمون من قبل، إن الظالمين لهم عذاب أليم  [(١٠)](#foonote-١٠). 
١ \[٢٥/ الفرقان/ ٢٣\]..
٢ \[١٤/ إبراهيم/ ١٨\] ونصها: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ١٨..
٣ \[٢٤/ النور/ ٣٩\] ونصها: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب ٣٩..
٤ \[٣٤/ سبأ/ ٣١ ـ ٣٣\] وأول الآية الأولى: وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه..
٥ \[١٩/ مريم/ ٨١ و٨٢\]..
٦ \[٢٩/ العنكبوت/ ٢٥\]..
٧ \[٢٨/ القصص/ ٦٣\] ونصها: قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرّأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ٦٣..
٨ \[٣٤/ سبأ/ ٤١\]..
٩ \[٤٦/ الأحقاف/ ٥، ٦\]..
١٠ \[١٤/ إبراهيم/ ٢٢\]..

### الآية 2:168

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:168]

يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ١٦٨ . 
 يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا  حال أو مفعول، وهو ما انتفى عنه حكم التحريم  طيبا  أي : مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول. 
وقد روى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن ابن عباس قال :( تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم  يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا  فقام سعد بن أبي وقّاص فقال : يا رسول الله ! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ! فقال : يا سعد ! أَطِبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والذي نفس محمد بيده ! إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيّما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به ).. !  ولا تتبعوا خطوات الشيطان  وهي طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها... مما زينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في ( صحيح مسلم ) [(١)](#foonote-١) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يقول الله تعالى : إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال ) وفيه :( وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ). 
 ومما يدخل في خطوات الشيطان : كل معصية لله، ومنها : النذور في المعاصي، كما قاله بعض السلف في الآية. 
قال الشعبي : نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال : هذا من خطوات الشيطان !
وقال أبو الضحى عن مسروق :( أُتِيَ عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود : ناولوا صاحبكم ؛ فقال : لا أريده. ؛ فقال : أصائم أنت ؟ قال : لا.. ! قال : فما شأنك ؟ قال : حرمت أن آكل ضرعا أبدا.. ! فقال ابن مسعود هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفّر عن يمينك.. ! ) رواه ابن أبي حاتم. 
وروي أيضا عن أبي رافع قال : غضبت يوما على امرأتي، فقالت : هي يوما يهودية / ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك.. ! فأتيت عبد الله بن عمر فقال : إنما هذه من خطوات الشيطان.. ! وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة وأتيت عاصما وابن عمر فقالا مثل ذلك. 
وروى عبد بن حميد عن ابن عباس قال :( ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين ! ) نقله الإمام ابن كثير الدمشقي. 
 إنه لكم عدو مبين  تعليل للنهي، للتنفير عنه والتحذير منه كما قال  إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوّا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير  [(٢)](#foonote-٢) وقال تعالى  أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وهم لكم عدو، بئس للظالمين بدلا  [(٣)](#foonote-٣). 
١ أخرجه مسلم في: ٥١ – كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث ٦٣ (طبعتنا). وهاكموه بنصه الكامل:
 عن عياض بن حمار المجاشعيّ؛ (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، ذات يوم في خطبته ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم بما علّمني، يومي هذا. كل مال نحلته عبدا، حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب.
 وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتليَ بك. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائما ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: رب! إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك. وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
 قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق. ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم. وعفيف متعفّف ذو عيال.
 قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا. والخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دقَّ إلا خانه. ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك)..
٢ \[٣٥/ فاطر/ ٦\]..
٣ \[١٨/ الكهف/ ٥٠\] ونصها: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ٥٠..

### الآية 2:169

> ﻿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:169]

إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ١٦٩ . 
 إنما يأمركم بالسوء والفحشاء  استئناف لبيان كيفية عداوته، وتفصيل لفنون شره وإفساده. و( السوء ) يشمل جميع المعاصي، سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب. و الفحشاء  ما تجاوز الحدّ في القبح من العظائم.  وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون  أي : بأن تفتروا عليه تعالى بأنه حرم هذا وذاك بغير علم. فمعنى  ما لا تعلمون  ما لا تعلمون أن الله تعالى أمر به. 
 قال البقاعيّ : ولقد أبلغ سبحانه في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه، لطفا بهم ورحمة لهم، بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته، بما أنعم عليهم : بخلقه لهم أولا، وبجعله ملائما لهم ثانيا، وإباحته لهم ثالثا، وتحذيره لهم من العدو رابعا... إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن.. ! اه. 
قال الرازي : قوله تعالى : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون  يتناول جميع المذاهب الفاسدة، بل يتناول مقلد الحق.. ! لأنه وإن كان مقلدا للحق لكنه قال ما لا يعلمه، فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية.. ! انتهى. 
وقال الإمام ابن القيم في ( أعلام الموقعين ) : القول على الله بلا علم يعمّ القول عليه سبحانه في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقد جعله الله تعالى من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى : قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون  [(١)](#foonote-١). وقال تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون \* متاع قليل ولهم عذاب أليم  [(٢)](#foonote-٢) ! فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه. وقولهم لما لم يحرمه : هذا حرام. ولما لم يحله : هذا حلال. وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول : هذا حلال وهذا حرام، إلا بما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه. 
وقال بعض السلف : ليتق أحدكم أن يقول لما لا يعلم ولا ورد الوحي المبين بتحليله وتحريمه : أحله الله وحرمه، لمجرد التقليد أو بالتأويل. 
 وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح، أميره بريدة[(٣)](#foonote-٣) أن ينزل عدوّه، إذا حاصرهم، على حكم الله، وقال :( فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا.. ؟ ولكن / أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك... ) فتأمل، كيف فرّق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله. ومن هذا، لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكما حكم به فقال :( هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال : لا تقل هكذا. ولكن قل : هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ). وقال مالك : لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا أقتدي به، يقول في شيء : هذا حلال وهذا حرام. وما كانوا يجترئون على ذلك. وإنما كانوا يقولون : نكره كذا ونرى هذا حسنا. 
١ \[٧/ الأعراف/ ٣٣\]..
٢ \[١٦/ النحل/ ١١٦ و١١٧\]..
٣ هذا حديث جليل يتضمن سياسة رشيدة أوحت بها أنوار النبوة التي لا تنطق عن الهوى. فهو جدير بأن يدرسه كبار الساسة وأن يسترشدوا به في أمورهم كلها. ولنفاسته رأيت من الواجب نشره حرفيا. منقولا عن صحيح مسلم في: ٣٢ – كتاب الجهاد والسير، ح ٣ (طبعتنا) وقد أخرجه كذلك أصحاب السنن الأربعة والإمام أحمد في مسنده. وهاكموه كما أخرجه الإمام مسلم رضي الله عنه:
 عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته، بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمْثُلُوا ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين. وأخبرهم أنهم، إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين. يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين. ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء. إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك. فإنكم، أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله. ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)..

### الآية 2:170

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [2:170]

ولما نهاهم سبحانه عن متابعة العدو، ذمهم بمتابعته، مع أنه عدو، من غير حجة، بل مجرد التقليد للجهلة، فقال : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ١٧٠ . 
 وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله  على رسوله واجتهدوا في تكليف أنفسكم الرد على الهوى الذي نفخه فيها الشيطان  قالوا بل نتبع ما ألفينا  أي : وجدنا  عليه آباءنا  أي : من عبادة الأصنام والأنداد. 
فقال مبكّتا لهم  أولو  أي : أيتبعون آباءهم ولو  كان آباؤهم لا يعقلون شيئا  أي : من الدين  ولا يهتدون  للصواب إذ جهلوه ؟
قال الحرالي : فيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين. ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم. 
 قال الرازي : معنى الآية : إن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة. فهم قالوا : لا نتبع ذلك وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا. فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد. وأجاب الله تعالى عنهم بقوله : أولو كان آباؤهم... إلى آخره . 
**ثم قال : تقرير هذا الجواب من وجوه :**
أحدها : أن يقال للمقلد : هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقا أم لا ؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقا، فكيف عرفت أنه محق ؟ وإن عرفته بتقليد آخر، لزم التسلسل ؛ وإن عرفته بالعقل، فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد.. ! وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كونه محقا... فإذن قد جوّزت تقليده وإن كان مبطلا.. ! فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل... !
وثانيها : هَبْ أن ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء ؛ إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط، وما اختار فيه البتة مذهبا، فأنت ماذا كنت تعمل ؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه، كان لا بد من العدول إلى النظر، فكذا ههنا. 
وثالثها : أنك قلّدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته ؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد ؟ فإن عرفته بتقليد، لزم إما الدور وإما التسلسل. وإن عرفته لا بتقليد، بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم، وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفا له. فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلا. 
ثم قال الرازي عليه الرحمة : إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن إتباع خطوات الشيطان، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابعة التقليد، وفيه / أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. 
وقال الإمام الراغب : ذمّهم الله بأنهم أبطلوا ما خص الله به الإنسان من الفكر والرويّة، وركّب فيه من المعارف. وذلك أن الله تعالى ميز الإنسان بالفكر ليعرف به الحق من الباطل في الاعتقاد. والصدق من الكذب في الأقوال. والجميل من القبيح في الفعل. ليتحرى الحق والصدق والجميل. ويتجنب أضدادها. وجعل له من نور العقل ما يستغني به. فيدله على معرفة مطلوبه. فلما حثّ الناس على تناول الحلال الطيب، ونهاهم عن متابعة الشيطان، بين حال الكفار في تركهم الرشاد، وإتباعهم الآباء والأجداد ليحذّر الاقتداء بهم، تاركين استعمال الفكر الذي هو صورة الإنسان وحقيقته. ثم قال  أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا  أي : أيتبعونهم وإن كانوا جهلة ؟ تنبيها على أنه محال إتباع من لا عقل له ولا اهتداء. إن قيل : ما فائدة الجمع بين قوله  يعقلون  و يهتدون  وأحدهما يغني عن الآخر ؟ قيل : قد تقدم أن ( العاقل ) يقال على ضربين : أحدهما لمن يحصل له القوة التي بها يصح التكليف، والثاني لمن يحصل العلوم المكتسبة وهو المقصود ههنا. و( المهتدي ) قد يقال لمن اقتدى في أفعاله بالعالم وإن لم يكن مثله في العلم ؛ فبين أنهم لا يعقلون ولا يهتدون. ووجه آخر : وهو أن يعقل ويهتدي، وإن كان كثيرا ما يتلازمان، فإن العقل يقال بالإضافة إلى المعرفة، والاهتداء بالإضافة إلى العمل، كأنه قيل : لا علم لهم صحيح ولا مستقيم.

### الآية 2:171

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [2:171]

ثم ضرب تعالى للكافرين مثلا فظيعا كما قال سبحانه : للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء  [(١)](#foonote-١) فقال : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ١٧١ . 
 ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق  أي : يصيح، يقال : نعق الراعي بغنمه : صاح بها وزجرها. وقوله تعالى : بما لا يسمع إلا دعاء ونداء  أي : بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها، وزجر لها ولا تفقه شيئا آخر، ولا تعي كما يفهم العقلاء ويعون. وقد أفهم هذا الإيجاز البليغ تمثيلين في مثل واحد. فكأن وفاء اللفظ : مثل الذين كفروا ومثل داعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم. وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب. ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين، يقتصر على تأويله بمثل واحد، فيقدر في الكلام : ومثل داعي الذين كفروا، أشار لذلك الحراليّ فيما نقله البقاعيّ عنه. 
وقال الفرّاء[(١)](#foonote-١) : أضاف تعالى المثل إلى الذين كفروا، ثم شبههم بالراعي ولم يقل كالغنم. والمعنى والله أعلم مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت، فأضاف التشبيه إلى الراعي والمعنى في المرعي. قال : ومثله في الكلام ( فلان يخافك كخوف الأسد ) المعنى : كخوفه الأسد، لأن الأسد معروف أنه المَخُوف. 
وقيل : أريد تشبيه حال الكافر في دعائه الصنم بحال من ينعق بما لا يسمعه. والمعنى : مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء. وكذلك المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء. 
 وقال ابن القيّم في ( أعلام الموقعين ) : ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق. فإن جعلته من المركب : كان تشبيها للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه المفرق : فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق. والله أعلم. 
قال الرازيّ : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى إتباع ما أنزل الله : تركوا النظر والتدبّر، وأخلدوا إلى التقليد، وقالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ضرب لهم هذا المثل تنبيها للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه : بسبب ترك الإصغاء، وقلة الاهتمام بالدين، فصيّرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام.. ! ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقّر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسراً لقلبه، تضييقاً لصدره حيث صيّره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد. ثم زاد في تبكيتهم فقال : صم بكم عمي فهم لا يعقلون  فهم بمنزلة الصم : في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه، وبمنزلة البكم : في أنهم لم يستجيبوا لما دُعوا إليه، وبمنزلة العمي : من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها. ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاثة، فلما أعرضوا عنها، فقدوا العقل المكتسب. ولهذا قيل : من فقد حسًّا فقد علماً.. !

١ انظر كتاب معاني القران للإمام أبي زكرياء يحيى بن زياد الفرّاء. الجزء الأول صفحة ٩٩..

### الآية 2:172

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [2:172]

يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ١٧٢ . 
 يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم  أي : ما أخلصناه لكم من الشُّبَه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحلّه المشركون من المحرّمات ولا تحرّموا ما أحلّوا منها من السائبة وما معها  واشكروا لله  الذي رزقكم هذه النعم  إن كنتم إياه  أي : وحده  تعبدون  أي : إن صح أنكم تخصّونه بالعبادة، وتقرّون أنه سبحانه هو المنعم لا غير. 
قال الإمام ابن تيمية في ( جواب أهل الإيمان ) : الطيبات التي أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق. والخبائث هي الضارة في العقول والأخلاق. كما أن الخمر أم الخبائث لأنها تفسد العقول والأخلاق. فأباح الله الطيبات للمتقين التي يستعينون بها على عبادة ربهم التي خلقوا لها. وحرم عليهم الخبائث التي تضرهم في المقصود الذي خلقوا له. وأمرهم مع أكلها بالشكر، ونهاهم عن تحريمها. فمن أكلها ولم يشكر ترك ما أمر الله به واستحق العقوبة. ومن حرمها كالبرهان فقد تعدى حدود الله فاستحق العقوبة. 
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال[(١)](#foonote-١) :
( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ). وفي حديث آخر[(٢)](#foonote-٢) :( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ). 
 وقال تعالى : لتسألن يومئذ عن النعيم  [(٣)](#foonote-٣) أي : عن شكره، فإنه لا يبيح شيئا ويعاقب من فعله، ولكن يسأله عن الواجب الذي أوجبه معه. وعما حرمه عليه، هل فرّط بترك مأمور أو فعل محظور ؟ كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين  [(٤)](#foonote-٤). 
١ أخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٨٩ (طبعتنا) عن أنس بن مالك..
٢ أخرجه البخاري في: ٧٠ – كتاب الأطعمة، ٥٦ – (باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر) (ترجمة الباب)..
٣ \[١٠٢/ التكاثر/ ٨\]..
٤ \[٥/ المائدة/ ٨٧\]..

### الآية 2:173

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:173]

ولما قيد تعالى الإذن لهم بالطيب من الرزق، افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب، فبين صريحا ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ما عداه، وأنه كثير جدا ليزداد المخاطب شكرا، فقال : إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ١٧٣ . 
 إنما حرّم عليكم الميتة  وهي في عرف الشرع : ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة إما في الفاعل أو في المفعول فدخل فيها : المنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما عدا عليها السبُع. 
قال ابن كثير : وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر، لقوله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه  [(١)](#foonote-١) على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وحديث العنبر في ( الصحيح ). 
وفي ( المسند )، ( والموطّأ )، ( والسنن ) : قوله صلى الله عليه وسلم في البحر[(٢)](#foonote-٢) :( هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته ). 
 وروى الشافعيّ وأحمد وابن ماجة والدرقطنيّ حديث ابن عمر[(٣)](#foonote-٣) :( أحلت لنا ميتتان ودمان. فأما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال ).  والدم  وهو المسفوح أي : الجاري، كما صرّح بذلك في الآية الأخرى والمفسّر قاض على المبهم وكان بعض العرب يجعل الدم في المصارين ثم يشويها ويأكلها ويسمّونه الفصيد. وفي ( القاموس وشرحه ) : والفصيد دم كان يوضع في الجاهلية في مِعىً من فَصْدِ عرق البعير، ويشوى، وكان أهل الجاهلية يأكلونه ويطعمونه الضيف في الأزمة. ويحكى : أنه بات رجلان عند أعرابيٍّ فالتقيا صباحا، فسأل أحدهما صاحبه عن القرى فقال : ما قريت وإنما فُصِدَ لي. فقال : لم يحرم من فُصْد له بسكون الصاد فجرى ذلك مثلا لمن نال بعض المفصد، وسكّن الصاد تخفيفا، أي : لم يحرم القرى من فصدت له الراحلة فحظي بدمها. ويروى : من فزْد له بالزاي بدل الصاد وبعضهم يقول : من قصد له بالقاف أي : من أعطي قصدا أي قليلا. وكلام العرب بالفاء. وقال يعقوب : تأويل هذا أن الرجل كان يضيف الرجل في شدة الزمان، فلا يكون عنده ما يقريه، ويشحّ أن ينحر راحلته، فيفصدها، فإذا خرج الدم سخّنه للضيف إلى أن يجمد ويقوى فيطعمه إيّاه.  ولحم الخنزير  ويدخل شحمه وبقية أجزائه في حكم لحمه : إما تغليبا ؛ أو لأن الحكم يشمل ذلك لغة، لأنه ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه، وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلده. وعرف غلبة استعماله على رطبه الأحمر. وهو هنا على أصله في اللغة. وإما بطريق القياس على رأي، لأنه إذا حرّم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس، حرم ما يرين على القلب، فقال  وما أهلّ به لغير الله  أي : ذُبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد ونحو ذلك / مما كانت الجاهلية ينحرون له. وأصل ( الإهلال ) رفع الصوت أي : رفع به الصوت للصنم ونحوه، وذلك كقول أهل الجاهلية : باسم اللاتِ والعزّى. 
وذكر القرطبيّ عن ابن عطيّة أنه نقل عن الحسن البصريّ ( أنه سئل عن امرأة عملت عرسا لِلُعَبِها، فنحرت فيه جزورا، فقال : لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم ). وذكر أيضا عن عائشة رضي الله عنها :{ أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت : ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم ). والقصد سَدُّ ما كان مظنة للشرك. 
قال النوويّ في ( شرح مسلم ) : فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له، وكان غير الله تعالى والعبادة له، كان ذلك كفرا. فإن كان الذابح مسلما، قبل ذلك، صار بالذبح مرتدًّا. ذكره في الكلام على حديث[(٤)](#foonote-٤) عليٍّ رضي الله عنه :( لعن الله من ذبح لغير الله ). 
قال الحراليّ : وذِكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يُعلم من خفيّ الذكر. وقد روى البخاري[(٥)](#foonote-٥) عن عائشة رضي الله عنها قالت :( إن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر / اسم الله عليه أم لا ؟ فقال : سموا عليه أنتم وكلوه. وقالت : وكانوا حديثي عهد بكفر ). فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه ؛ بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه. 
وروي عن علي رضي الله عنه قال :( إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلّون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد أحلّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون ).

### فصل


 " فيما لتحريم هذه المذكورات من الحكم والأسرار الباهرات " 
فأما الميتة : فقال الحراليّ : هي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة وهي أشد مفسد للجسم، لفساد تركيبها بالموت، وذهاب تلزز أجزائها، وعفنها، وذهاب روح الحياة والطهارة منها. 
وقال المهايميّ في ( تفسيره ) : ثم أشار تعالى إلى أنه إنما يقطع محبته أكل ما حرّم وهو الميتة وما ذكر معها. فأما الميتة فلأنها خبثت بنزع الروح منها بلا مطهر من الذبح باسم الله تحقيقا أو تقديرا فتتعلق أرواحكم بالخبيث فتخبث، فينقطع عنها محبة الله. وإنما أبيح ميتة السمك لأن أصله الماء المطهر، فكما لا يؤثر فيه النجاسة، لا يؤثر نزع فيما حصل منه، والجراد لأنه حصل من غير تولد ولا خبث في ذاته كسائر الحشرات. 
وأما خبث الدم : فلأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام، ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة. 
وقال الإمام ابن تيمية : حرم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية، / وزيادته توجب طغيان هذه القوى، وهو مجرى الشيطان من البدن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم[(٦)](#foonote-٦) :( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ). 
وأما خبث لحم الخنزير : فلِأَذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرّتها في الجسم لأن من حكمة الله في خلقه : أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسانيته بنفسانية ذلك الشيء :[(٧)](#foonote-٧) ( الكبر والخيلاء في الفدّادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم ). فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة، حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق. نقله البقاعيّ. 
وقد كشف لأطباء هذا العصر من مضار لحم الخنزير المبنية على التجارب الحسية غير ما قالوه القدماء. فمن مضاره : أنه يورث الدودة الوحيدة المتسبب من وجودها في الأمعاء أعراض كثيرة : كالمغص، والإسهال، والقيء، وفقد شهوة الطعام أو النهم الشديد، وآلام الرأس، والإغماء، والدوار، واضطراب الفكر، وعروض نوبات صرعية، وتشنّجات عصبية، وإصابة مرض دودة الشعر الحلزونية الذي يفوق الحمّى، ويودي بحياة المصاب... إلى غير ذلك من التعب، وعسر الهضم، ومضار سواها. 
 قال حكيم : فالإسلام لم يأت لإصلاح الروح فقط، بل لإصلاح الروح والجسم معا.. ! فلم يترك ضارا لأحدهما إلا ونبّه عليه تصريحا أو تلويحا... وقد بسط الحكماء المتأخرون الكلام على مضرات لحم الخنزير في مقالات عديدة. 
وأما خبث المهلّ به لغير الله : فلأنه يَرِين على القلب، لأنه تقرب به لغير موجده وخالقه تقرب عبادة، وذلك من صريح الإشراك والاعتماد على غيره تعالى، فكان خبثه معنويا لتأثيره على النفوس والأخلاق كتأثير المضر بالجسم والبدن ؛ والشرع جاء للحفظ عما يضر مطلقا، ولصيانة مقام التوحيد. 
ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج، رفع حكم هذا التحريم عن المضطر، فقال  فمن اضطرّ  أي ألجأه ملجئ بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف، فأكل من شيء منه حال كونه  غير باغ  أي غير طالب له راغب فيه لذاته. من ( بغى الشيء وابتغاه : طلبه وحرص عليه )  ولا عاد  أي : مجاوز لسدّ الرمق وإزالة الضرورة  فلا إثم عليه  وإن بقيت حرمته، لأنه إذا تناوله حال الاضطرار لا يؤثر فيه الخبث لأنه كاره بالطبع. 
وقال الراغب : واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسدّ غيره مسدّه. والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلّة المذكورة، يعني : إبقاء روحه بجهة ما رآه أقرب إلى إبقائه، وهي التي أجيز تناول ما ذكر له للجوع. 
 إن الله غفور  لما أكله حال الضرورة  رحيم  حيث رخص لعباده في ذلك إبقاء عليهم. 
١ \[٥/ المائدة/ ٩٦\]..
٢ أخرجه أبو داود في: ١ – كتاب الطهارة، ٤١ – باب الوضوء بماء البحر، حديث ٨٣..
٣ أخرجه ابن ماجة في: ٢٩ – كتاب الأطعمة، ٣١ – باب الكبد والطحال، حديث ٣٣١٤ (طبعتنا)..
٤ أخرجه مسلم في: ٣٥ – كتاب الأضاحيّ، حديث ٤٣ (طبعتنا) ونصه:
 عن أبي الطفيل، عامر بن واثلة قال: كنت عند علي بن أبي طالب، فأتاه رجل فقال: (ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسرّ إليك؟ قال فغضب وقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسرّ إليّ شيئا يكتمه الناس. غير أنه قد حدّثني بكلمات أربع. قال فقال: ما هن، يا أمير المؤمنين؟ قال: قال لعن الله من لعن والده. ولعن الله من ذبح لغير الله. ولعن الله من آوى محدثا. ولعن الله من غيّر منار الأرض)..
٥ أخرجه البخاري في: ٧٢ – كتاب الذبائح والصيد، ٢١ – باب ذبيحة الأعراب ونحوهم..
٦ أخرجه البخاري في: ٩٣ – كتاب الأحكام، ٢١ – باب الشهادة تكون عند الحاكم، حديث ١٠٦٣ ونصه: عن علي بن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم أتته صفية بنت حييّ. فلما رجعت انطلق معها. فمرّ به رجلان من الأنصار فدعاهما فقال إنما هي صفية قالا: سبحان الله! قال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)..
٧ أخرجه البخاري في: ٥٩ – كتاب بدء الخلق، ١٥ – (باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال). عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأس الكفر نحو المشرق. والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدّادين أهل الوبر. والسكينة في أهل الغنم)..

### الآية 2:174

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:174]

ثم أعاد تعالى وعيد كاتمي أحكامه إثر ما ذكره من الأحكام تحذيرا لهذه الأمة أن يسلكوا سبيل من عنوا به، وهم أهل الكتاب، فقال سبحانه : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم ١٧٤ . 
 إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب  أي : من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى  ويشترون به  أي : يأخذون بدله  ثمنا قليلا  أي : مما يتمتعون به من لذات العاجلة. وقلّله لحقارته في نفسه. ففيه إشعار بدناءة نفوسهم حيث رضي بالقليل، أو بالنسبة لما فوّتوه عن أنفسهم من نعيم الآخرة الذي لا يحاط بوصفه  أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار  أي ما يستتبع النار ويستلزمها، فكأنه عين النار، وأكله أكلها، و في بطونهم  متعلق و يأكلون  وفائدته : تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقر المأكول. 
قال الراغب : أكل النار : تناول ما يؤدي إليها. وذكر الأكل لكونه المقصود الأول بتحصيل المال. وذكر  في بطونهم  تنبيها على شرههم وتقبيحا لتضييع أعظم النعم لأجل الطعم الذي هو أخس متناول من الدنيا.. !
 ولا يكلمهم الله يوم القيامة  قال الراغب : لم يعن نفي الكلام رأسا، فقد قال : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين  [(١)](#foonote-١)، وقال : ويوم يقول نادوا شركائي  [(٢)](#foonote-٢). وإنما أراد كلاما يقتضي جدوى ؛ ولهذا قال الحسن : معناه يغضب عليهم تنبيها / أنهم بخلاف من قال فيهم  تحيتهم يوم يلقونه سلام . وقيل : حقيقة ( كلَّمتُهُ ) حملتُه على الكلام، نحو حركته، لأن من كلّمتَه فقد استدعيت كلامه ؛ فكأنه قيل : لا يستدعي كلامهم نحو قوله : لا يؤذن لهم فيعتذرون  [(٣)](#foonote-٣). 
 ولا يزكّيهم  أي : يطهّرهم من دنس الذنوب لغضبه عليهم لأنهم كتموا، وقد علموا، فاستحقوا الغضب  ولهم عذاب أليم  أي : مؤلم.

١ \[٧/ الأعراف/ ٦\]..
٢ \[١٨/ الكهف/ ٥٢\] ونصها: ويوم يقول نادوا شركائي الّذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ٥٢..
٣ \[٧٧/ المرسلات/ ٣٦\]..

### الآية 2:175

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [2:175]

أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ١٧٥ . 
 أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  أي : استبدلوا إضلال أنفسهم وغيرهم من الكتمان والتحريف بالاهتداء  والعذاب بالمغفرة  أي : أسبابه بأسبابها. ولما جعل سبحانه أول مأكلهم نارا، وآخر أمرهم عذابا، وترجمة حالهم عدم المغفرة، فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا سبب عنه التعجيب من أمرهم : بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر، لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة، فقال  فما أصبرهم  أي : ما أشدّ حبسهم أنفسهم، أو ما أجرأهم  على النار  التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى نقله البقاعيّ. 
ثم قال : وإذا جعلته مجازا، كان مثل قولك لمن عاند السلطان : ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل ؟ تهديدا له. تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. 
وقد روي عن الكسائيّ أنه قال : قال لي قاضي اليمن بمكة : اختصم إلي رجلان من العرب، فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له : ما أصبرك على الله ! أي : ما أصبرك على عذاب الله. نقله الزمخشريّ. 
 قال الراغب : وقد يوصف بالصبر من لا صَبْرَ له اعتبارا بالناظر إليه، وتَصَوُّرَ أنه صابر، واستعمال لفظ التعجب في ذلك اعتبارا بالخلق لا بالخالق.

### الآية 2:176

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [2:176]

ثم ذكر تعالى السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم بقوله : ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ١٧٦ . 
 ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق  إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن الله تعالى أنزل الكتاب الجامع لأنواع الهدى. وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة. بالحق، أي : متلبّسا به. فلا جرم يكون من يختلف فيه ويرفضه بالتحريف والكتمان مبتلى بمثل هذا من أفانين العذاب، لأنه حاول نفي ما أثبت الله، فقد ضاد الله في شرعه، عياذا به سبحانه.  وإن الذين اختلفوا في الكتاب  أي : في جنس الكتاب الإلهي. بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعضها ؛ أو في التوراة. بأن آمنوا ببعض آياتها وكفروا ببعض. أو الاختلاف في تأويلها. فاجترأوا لأجله على تحريفها. أو في القرآن. بأن قال بعضهم : إنه سحر، وبعضهم : إنه شعر، وبعضهم : أساطير الأولين. 
قال الراغب : وأصل الاختلاف : التخلف عن المنهج. وقيل : اختلفوا : أتوا بخلاف ما أنزل الله. وقيل : اختلفوا : بمعنى خلفوا نحو اكتسبوا وكسبوا، وعملوا واعتملوا أي : صاروا خلفاء فيه، نحو  فخلف من بعدهم خلف  [(١)](#foonote-١) اه. 
 لفي شقاق  أي : خلاف ومنازعة  بعيد  عن الحق والصواب، مستوجب لأشد العذاب. وقوله تعالى : \* ليس البر أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ١٧٧ .

١ \[٧/ الأعراف/ ٦٩\] و\[١٩/ مريم/ ٦٩\]..

### الآية 2:177

> ﻿۞ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [2:177]

\* ليس البر أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ١٧٧ . 
 ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب  ( البر ) : اسم جامع للطاعات وأعمال الخير المقرّبة إلى الله تعالى، ومن هذا : بر الوالدين، قال تعالى : إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجّار لفي جحيم  [(١)](#foonote-١) فجعل البر ضد الفجور. وقال : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان  [(٢)](#foonote-٢) فجعل البر ضد الإثم، فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان. أي : ليس الصلاح والطاعة والفعل المرضي في تزكية النفس الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر هو أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب الاهتمام به هو هذه الخصال التي عدَّها جل شأنه. 
ولا يبعد أن يكون بعض المؤمنين عند نسخ القبلة وتحويلها حصل منهم الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدّد في شأنها، حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين. فبعثهم تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات. أشار لهذا الرازي. 
وقال الراغب : الخطاب في هذه الآية للكفار والمنافقين الذين أنكروا تغيير القبلة. وقيل : بل لهم وللمؤمنين حيث قد يرون أنهم نالوا البر كله بالتوجه إليها. 
 ولكن البر من آمن بالله  أي : إيمان من آمن بالله الذي دعت إليه آية / الوحدانية فأثبت له صفات الكمال، ونزهه عن سمات النقصان.  واليوم الآخر  الذي كذب به المشركون، فاختلّ نظامهم ببغي بعضهم على بعض  والملائكة  أي : وآمن بهم وبأنهم عباد مكرمون متوسطون بينه تعالى وبين رسله بإلقاء الوحي وإنزال الكتب  والكتاب  أي : بجنس الكتاب. فيشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، التي من أفرادها : أشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة.  والنبيين  جميعا من غير تفرقة بين أحد منهم، كما فعل أهل الكتابين. 
قال الحراليّ : ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها، ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها. 
 وآتى المال على حبه  أي : أخرجه وهو محب له راغب فيه، نص على ذلك : ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في ( الصحيحين ) من حديث أبي هريرة[(٣)](#foonote-٣) مرفوعا :( أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر ). وقوله  ذوي القربى  هم : قرابات الرجل، وهم أولى من أعطي من الصدقة. وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي وغيرهم عن سليمان بن عامر قال : قال[(٤)](#foonote-٤) رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة ). وفي / ( الصحيحين ) من حديث زينب، امرأة عبد الله بن مسعود[(٥)](#foonote-٥)، ( أنها وامرأة أخرى سألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما.. ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لهما أجران : أجْرُ القرابة وأجر الصدقة ). وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى القرابة / في غير موضع من كتابه العزيز.  واليتامى  وهم الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ.  والمساكين  وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيُعْطَوْنَ ما يسدّ به حاجتهم وخلتهم. وفي ( الصحيحين ) عن أبي هريرة[(٦)](#foonote-٦) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان. ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ).  وابن السبيل  وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته. فيعطى ما يوصله إلى بلده لعجزه بالغربة. وكذا الذي يريد سفرا في طاعة. فيُعْطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه. ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال :( ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين ). / وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو جعفر الباقر، والحسن وقتادة، والضحاك، والزهريّ، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيّان، و السبيل  اسم للطريق، وجعل المسافر ابنا لها لملازمته إياها – كما يقال لطير الماء : ابن الماء، ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون : ابن الأيام، وللشجعان : بنو الحرب، وللناس : بنو الزمان. 
 والسائلين  وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات. كما روى الإمام أحمد عن حسين بن علي عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(٧)](#foonote-٧) :( للسائل حق وإن جاء على فرس ). ورواه أبو داود.  وفي الرّقاب  معطوف على المفعول الأول – وهو ذوي – أي : وآتى المال في الرقاب، أي : دفعه في فكّها، أي : لأجله وبسببه. 
قال الراغب : الرقاب جمع رقبة. وأصل الرقبة : العنق. ويعبّر بها عن الجملة، كما يعبّر عنها بالرأس. 
وقال الحراليّ : الرقاب جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم. فالمراد : الرقاب المسترقّة التي يرام فكّها بالكتابة وفكّ الأسرى منه وقدّم عليهم أوْلئِكَ لأن حاجتهم لإقامة البنية. 
قيل : نكتة إيراد ( في ) هو أن ما يعطى لهم : مصروف في تخليص رقابهم، فلا يملكونه كالمصارف الأخر. والله أعلم. 
**لطيفة :**
قال الراغب : إن قيل : كيف اعتبر الترتيب المذكور في قوله تعالى : وآتى المال على حبه...  الآية ؟ قيل : لما كان أولى من يتفقده الإنسان بمعروفه أقاربه، كان تقديمها أولى. ثم عقبه باليتامى لأن مواساتهم بعد الأقارب أولى. ثم ذكر المساكين الذين لا مال لهم حاضرا ولا غائبا. ثم ذكر ابن السبيل الذي قد يكون له مال غائب. ثم ذكر السائلين / الذين منهم صادق وكاذب. ثم ذكر الرقاب الذين لهم أرباب يعولونهم. فكل واحد ممن أُخّر ذكره أقل فقرا ممن قدّم ذكره.. !
 وأقام الصلاة  أي : أتم أفعالها في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها – على الوجه الشرعيّ المرضيّ.  وآتى الزكاة  أي : زكاة المال المفروضة ؛ على أن المراد بما مر من إيتاء المال، التنفّل بالصدقات والبر والصلة. قدم على الفريضة مبالغة في الحث عليه، أو المراد بهما المفروضة، والأول لبيان المصارف، والثاني لبيان وجوب الأداء. وقد أبعد من حمل الزكاة هنا على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله : قد أفلح من زكّاها  وقوله : هل لك إلى أن تزكّى ، ووجه البعد : أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام  والموفون بعهدهم إذا عاهدوا  عطف على من آمن، فإنه في قوة أن يقال : ومن أوفوا بعهدهم. وإيثار صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء. 
قال الرازيّ : اعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله، أو بينه وبين رسول الله أو بينه وبين سائر الناس. فالأول : ما يلزمه بالنذور والإيمان. والثاني : فهو ما عاهد الرسول عليه عند البيعة : من القيام بالنصرة، والمظاهرة، والمجاهدة، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه. والثالث : قد يكون من الواجبات : مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم. وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن. وقد يكون من المندوبات : مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة. فالآية تتناول كل هذه الأقسام. 
قال ابن كثير : وعكس هذه الصفة النفاق. كما صح في الحديث[(٨)](#foonote-٨) :( آية المنافق ثلاث :/ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ). وفي رواية :( إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ).  والصابرين  نصب على الاختصاص. غيَّر سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيّته. وهو في الحقيقة معطوف على ما قبله. قال أبو علي : إذا ذكرت صفات للمدح أو للذم فخولف في بعضها الإعراب، فقد خولف للافْتنَان، ويسمى ذلك قطعا. لأن تغيير المألوف يدلّ على زيادة ترغيب في استماع المذكور، ومزيد اهتمام بشأنه ! وقد قرئ  والصابرون  كما قرئ  والموفين . 
قال الراغب : لما كان الصبر : من وجه مبدأ للفضائل، ومن وجه جامعا للفضائل، إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ، غير إعرابه تنبيها على هذا المقصد.. !
 وفي البأساء  أي : الشدة، أي عند حلولها بهم  والضراء  بمعنى البأساء وهي الشدة أيضا، كما فسرهما بها في ( القاموس ). وقال ابن الأثير : الضراء : الحالة التي تضرّ وهي نقيض السرّاء، وهما بناءان للمؤنث ولا مذكّر لهما  وحين البأس  أي : وقت مجاهدة العدو في مواطن الحرب، وزيادة ( الحين ) للإشعار بوقوعه أحيانا، وسرعة انقضائه. ومعنى  البأس  في اللغة : الشدة، يقال : لا بأس عليك في هذا، أي : لا شدة. وعذاب بئيس : شديد. وسميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة. والعذاب يسمى بأسا لشدته. قال تعالى : فلما رأوا بأسنا  [(٩)](#foonote-٩).  فلما أحسّوا بأسنا  [(١٠)](#foonote-١٠).  فمن ينصرنا / من بأس الله  [(١١)](#foonote-١١). وقال ابن سيده : البأس الحرب، ثم كثر حتى قيل : لا بأس عليك، أي : لا خوف. 
وقال الراغب : استوعبت هذه الجملة أنواع الضر. لأنه إما أن يحتاج إلى الصبر في شيء يعوز الإنسان، أو يريده فلا يناله، وهو البأساء. أو فيما نال جسمه من ألم، وهو الضراء. أو في مدافعة مؤذيه، وهو البأس. 
 أولئك الذين صدقوا  في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبيّ بالأقوال والأفعال، فلم تغيرهم الأحوال، ولم تزلزلهم الأهوال. وفيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه الإيمان.. !  وأولئك هم المتقون  عن الكفر وسائر الرذائل. وتكرير الإشارة لزيادة تنويه بشأنهم. وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم. 
قال الواحديّ : هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع. فمن شرائط البر، وتمام شرط البارّ، أن تجتمع فيه هذه الأوصاف. ومن قام بو احد منها لم يستحق الوصف بالبر. 
١ \[٨٢/ الانفطار/ ١٣ و١٤\]..
٢ \[٥/ المائدة/ ٢\]..
٣ أخرجه البخاري في: ٢٤ – كتاب الزكاة، ١١ – باب (أي الصدقة أفضل؟) ونصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهلُ حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا وكذا، وقد كان لفلان)..
٤ أخرجه النسائيّ في: ٢٣ – كتاب الزكاة، ٨٢ – باب الصدقة على الأقارب..
٥ أخرجه البخاري في: ٢٤ – كتاب الزكاة، ٤٤ – باب (الزكاة على الأقارب). ونصه:
 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى. ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة. فقال: (أيها الناس! تصدقوا) فمر على النساء فقال (يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال (تكثرن اللعن وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن، يا معشر النساء).
 ثم انصرف. فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه. فقيل: يا رسول الله! هذه زينب. فقال (أي الزيانب؟) فقيل: امرأة ابن مسعود. قال: (نعم. ائذنوا لها) فأُذن لها. قالت: يا نبي الله! إنك أمرت اليوم بالصدقة. وكان عندي حليّ لي. فأردت أن أتصدق به. فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (صدق ابن مسعود. زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم).
 أما حديثها والمرأة الأخرى فقد أخرجه البخاري في: ٢٤ – كتاب الزكاة، ٤٨ – باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. حديث ٧٧٨.
 عن زينب امرأة عبد الله رضي الله عنهما قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال (تصدقن ولو من حليّكن). وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حَجْرها. قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتامى في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي. فمر علينا بلال. فقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم: أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي من حجري؟ وقلنا: لا تُخبر بنا.
 فدخل فسأله. فقال من هما قال: زينب. قال أيّ الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله. قال نعم. لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة)..
٦ أخرجه البخاري في: ٢٤ – كتاب الزكاة، ٥٣ – باب قول الله تعالى: لا يسألون الناس إلحافا.
 وأخرجه مسلم في: ١٢ – كتاب الزكاة، حديث ١٠١ (طبعتنا).
 **وهاكمو سياق نص مسلم:**
 عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس. فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان.
 قالوا: فما المسكين، يا رسول الله؟
 قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا)..
٧ أخرجه أبو داود في: ٩ – كتاب الزكاة، ٣٣ – باب حق السائل، حديث ١٦٦٥..
٨ أخرجه البخاري في: ٢ – كتاب الإيمان، ٢٤ – باب علامة المنافق ونصه:
 عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان).
 وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا. ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)..
٩ \[٤٠/ غافر/ ٨٤\] ونصها: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنّا باللّه وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ٨٤..
١٠ \[٢١/ الأنبياء/ ١٢\] ونصها: فلما أحسّوا بأسنا إذا هم منها يركضون ١٢..
١١ \[٤٠/ غافر/ ٢٩\] ونصها: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرّشاد ٢٩..

### الآية 2:178

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:178]

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ١٧٨ . 
 يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى  هذا شروع في بيان الحدود والحقوق التي لآدميّ معين، وهي النفوس. و كتب  بمعنى فرض وأوجب. 
قال الراغب : الكتابة يعبّر بها عن الإيجاب. وأصل ذلك أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب. فيعبر عن المراد الذي هو المبدأ، بالكتابة التي هي المنتهى. 
 الحر  يقتل  بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له  من القاتلين  من أخيه  أي دم أخيه المقتول  شيء  بأن ترك وليّه القَوَد منه، ونزل عن طلب الدم إلى الديَة. وفي ذكر الأخوة : تعطّف داع إلى العفو، وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان  فإتباع  أي : فعلى العافي إتباع للقاتل  بالمعروف  بأن يطالبه بالديَة بلا عنف  و  على القاتل  أداء  للديّة  إليه  أي : العافي وهو الوارث  بإحسان  بلا مطل ولا بخس  ذلك  أي : ما ذكر من الحكم وهو جواز القصاص والعفو عنه على الدية  تخفيف  تسهيل  من ربكم  عليكم  ورحمة  بكم حيث وسّع في ذلك ولم يحتّم واحدا منهما  فمن اعتدى بعد ذلك  بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم أو قتل القاتل بعد العفو أو أخذ الدية  فله  باعتدائه  عذاب أليم  أما في الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حق، وأما في الآخرة فبالنار. 
 تنبيهات
الأول : قال الراغب : إن قيل : على من يتوجه هذا الوجوب في قوله تعالى : كتب عليكم  ؟ أجيب : على الناس كافة. فمنهم من يلزمه استقادته – وهو الإمام – إذا طلبه الوليّ. ومنهم من يلزمه تسليم النفس وهو القاتل. ومنهم من يلزمه المعاونة والرضا به. ومنهم من يلزمه أن لا يتعدى بل يقتص أو يأخذ الدية. والقصد بالآية : منع التعدِّي الجاهليّ. 
الثاني : القصاص مصدر قاصّه المزيد. وأصل القصّ : قطع الشيء على سبيل الاجتذاذ، ومنه : قصّ شعره، وقصّ الحديث : اقتطع كلاما حادثا جدا وغيره، والقصة اسم منه. وحقيقة القصاص : أن يفعل بالقاتل والجارح مثل ما فعلا. أفاده الراغب. 
الثالث : ذكر تقيّ الدين ابن تيمية في ( السياسة الشرعية ) جملة من أحكام القتل نأثرها عنه هنا. قال رحمه الله :
**( القتل ثلاثة أنواع :**
أحدها العمد المحض : وهو أن يقصد من يعلمه معصوما بما يقتل غالبا، سواء كان يقتل بحدّه، كالسيف ونحوه. أو بثقله، كالسندان وكودس القصار، أو بغير ذلك : كالتحريق، والتغريق، وإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى يخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم... ونحو ذلك من الأفعال، فهذا إذا فعله وجب فيه القَوَد. وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل. فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عَفَوْا، وإن أحبوا أخذوا الدية، وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله. قال الله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا  [(١)](#foonote-١). وقيل في التفسير : لا يقتل / غير قاتله. وعن أبي شريح الخزاعيّ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(٢)](#foonote-٢) :( من أصيب بدم أو خبْل والخبل الجرح فهو بالخيار بين إحدى ثلاث. فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه : أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئا من ذلك فعاد، فإن له نار جهنم خالدا مخلّدا فيها أبدا ). فمن قتل بعد العفو وأخذ الدية فهو أعظم جرما ممن قتل ابتداءً. حتى قال بعض العلماء : إنه يجب قتله حدًّا ولا يكون أمره إلى أولياء المقتول. فإن الله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى : الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء : فإتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون . قال العلماء : إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه. وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من أصحاب القاتل. كسيّد القبيلة ومقدّم الطائفة. فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويعتدي هؤلاء في الاستيفاء. كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما، أشرف من المقتول. فيفضي ذلك إلى أن أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل. وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم، وهؤلاء قوما فيفضي إلى الفتن والعداوة العظيمة. وسبب ذلك : خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى. فكتب الله علينا  القصاص  وهو المساواة والمعادلة في القتل. وأخبر أن فيه  حياة  فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين. أيضا إذا علم من يريد القتل : أنه يقتل، كفّ عن القتل.. !
وقد روي عن علي بن أبي طالب[(٣)](#foonote-٣) وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ألا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده ).. ! رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل ( السنن ) فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم أي تتساوى وتتعادل فلا يفضل عربيّ على عجميّ ولا قرشيّ أو هاشميّ على غيره من المسلمين. ولا حر أصليّ على مولى عتيق. ولا عالم أو أمير على أميّ أو مأمور. وهذا متفق عليه بين المسلمين بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود. فإنه كان يقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان من اليهود : قريظة والنضير. وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء. فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وفي حدّ الزاني. فإنهم كانوا قد غيّروه من الرجم إلى التحميم[(٤)](#foonote-٤)، وقالوا : إن حكم بينكم بذلك كان لكم / حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم التوراة، فأنزل الله تعالى : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم... إلى قوله... وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين  [(٥)](#foonote-٥).... إلى قوله  فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون\* وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص  [(٦)](#foonote-٦)... 
فبين سبحانه أنه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى قوله : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق، لكل / جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ... إلى قوله  أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون  [(٧)](#foonote-٧). 
فحكم الله سبحانه في دماء المسلمين أنها كلها سواء. خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر \_ إنما هي البغي وترك العدل. فإن إحدى الطائفتين قد تصيب بعضها دما من الأخرى أو مالا. أو يعلو عليها بالباطل فلا ينصفها. ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق ! فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء والأموال وغيرها... بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية.. ! وإذا أصلح مصلح بينهم فليصلح بالعدل، كما قال تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين \* إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون  [(٨)](#foonote-٨). وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه أفضل لهم كما قال تعالى : والجروح قصاص، فمن تصدّق به فهو كفارة له  [(٩)](#foonote-٩). قال أنس[(١٠)](#foonote-١٠) :( ما رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو.. ! ) رواه أبو داود وغيره. وروى مسلم في ( صحيحه ) [(١١)](#foonote-١١) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :/ ( ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ). وهذا الذي ذكرناه في التكافؤ، هو في المسلم الحرّ مع المسلم الحرّ، فأما الذمّيّ، فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم. كما أن المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار رسولا أو تاجرا أو نحو ذلك ليس بكفء له، وفاقا، ومنهم من يقول : بل هو كفء له. وكذلك النزاع في قتل الحرّ بالعبد. 
النوع الثاني : الخطأ الذي يشبه العمد : قال النبي صلى الله عليه وسلم[(١٢)](#foonote-١٢) :( ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا شبه العمد فيه مائة من الإبل مغلّظة منها أربعون خَلِفَةٌ في بطونها أولادُها ). سمّاه شبه العمد لأنه قصد العدوان عليه بالخيانة، لكنه بفعل لا يقتل غالبا، فقد تعمّد العدوان ولم يتعمد ما يقتل. 
الثالث : الخطأ المحض وما يجري مجراه : مثل أن يكون يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده، فهذا ليس فيه قود، وإنما فيه الدية والكفارة. وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم. 
التنبيه الرابع : قال الراغب : إن قيل : لم قال فمن عفي له من أخيه شيء ولم يقل : فمن عفا له أخوه شيئا.. ؟ قيل : العدول إلى ذلك للطيفة. وهي أن لا فرق بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة، فعفا أحدهم، إذ القصاص يبطل ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال : فمن عفي له من أخيه شيء ليدل على هذا المعنى، و( الهاء ) في قوله : أخيه يجوز أن تكون للمقتول ولوليّه. وجعله أخا لوليّ الدم لا للنسب ولا لموالاة دينية، ولكن للإحسان الذي أسداه في الرضا منه بالدية اه. 
 الخامس : هذه الآية مفسرة لما أبهم في آية المائدة وهي قوله تعالى : النفس بالنفس  [(١٣)](#foonote-١٣). كما أنها مقيدة وتلك مطلقة، والمطلق يحمل على المقيّد، وكذا ما ورد في السنة وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فإنه يبيّن ما يراد في هذه الآية وآية المائدة. وقد رويت أحاديث من طرق متعددة بأنه : لا يقتل حر بعبد. كالأحاديث والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى. فالتعويل على ذلك. وبالجملة : فقوله تعالى : الحر بالحر ... إلخ. لا يفيد الحصر البتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام. هذا ما اعتمدوه، والله أعلم. 
١ \[١٧/ الإسراء/ ٣٣\] وأول الآية: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق..
٢ أخرجه ابن ماجة في: ٢١ – كتاب الديات، ٣ – (باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث)، حديث ٢٦٢٣ (طبعتنا)..
٣ أخرجه أبو داود في: ٣٨ – كتاب الديات، ١١ – باب أيقاد المسلم بالكافر؟، حديث ٤٥٣٠ ونصه:
 عن قيس بن عبّاد قال: (انطلقت أنا والأشتر إلى عليّ عليه السلام. فقلنا: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا. إلا ما في كتابي هذا. قال فأخرج كتابا من جراب سيفه، فإذا فيه: المؤمنون تَكَافَؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ألا، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده. من أحدث حدثا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)..
٤ أخرجه مسلم في: ٢٩ – كتاب الحدود، حديث ٢٨ (طبعتنا) ونصه:
 عن البرّاء بن عازب قال: (مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديّ محمَّماً مجلوداً. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. قلنا: إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم.
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: \* يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله: إن أوتيتم هذا فخذوه \[٥/ المائدة/ ٤١\].
 يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا.
 فأنزل الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون ٤٤ \[٥/ المائدة/ ٤٤\] ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظّالمون ٤٥ \[٥/ المائدة/ ٤٥\] ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون ٤٧ \[٥/ المائدة/ ٤٧\] في الكفار كلها)..
٥ \[٥/ المائدة/ ٤١ و٤٢\]..
٦ \[٥/ المائدة/ ٤٤ و٤٥\]..
٧ \[٥/ المائدة/ ٤٨ - ٥٠\]..
٨ \[٤٩/ الحجرات/ ٩ و١٠\]..
٩ \[٥/ المائدة/ ٤٥\]..
١٠ أخرجه أبو داود في: ٣٨ ـ كتاب الديات، ٣ ـ باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، حديث ٤٤٩٧..
١١ أخرجه مسلم في: ٤٥ ـ كتاب البر والصلة والآداب، حديث ٦٩ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه النسائي في: ٤٥ ـ كتاب القسامة، حديث ٣٣ و٣٤ ـ باب كم دية شبه العمد..
١٣ \[٥/ المائدة/ ٤٥\]..

### الآية 2:179

> ﻿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:179]

ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ١٧٩ . 
وقوله تعالى : ولكم في القصاص حياة  كلام في غاية الفصاحة والبلاغة لما فيه من الغرابة، حيث جعل الشيء محل ضده، فإن القصاص قتل وتفويت للحياة. وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، وعرّف القصاص ونكر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة. وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. وكم قتل مهلهل[(١)](#foonote-١) بأخيه حتى كاد يفني بكر بن وائل ! وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر.. ! فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة.. ! أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا همّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه فارتدع، سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود. فكان / القصاص سبب حياة نفسين.. ! هذا ما يستفاد من الكشاف ). 
**لطيفة :**
اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني بالغة إلى أعلى الدرجات.. ! وذلك لأن العرب عبّروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة، كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين : أكثروا القتل ليقلّ القتل. وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم[(٢)](#foonote-٢) القتل أنفى للقتل ؛ وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها.. ! ومن المعلوم لكل ذي لبٍّ أن بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه ! وأنّى لها الوصول إلى رشاقة القرآن وعذوبته.. !
قال في ( الإتقان ) وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم ( القتل أنفى للقتل ) بعشرين وجها أو أكثر. وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال : لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق.. ! وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.. !
الأول : أن ما يناظره من كلامهم وهو  القصاص حياة  أقل حروفا، فإن حروفه عشرة وحروف ( القتل أنفى للقتل ) أربعة عشر.. !
الثاني : أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، والحياة ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه !
الثالث : أن تنكير  حياة  يفيد تعظيما، فيدل على أن في أن القصاص حياة متطاولة، كقوله تعالى : ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة  [(٣)](#foonote-٣)، ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء !
 الرابع : أن الآية فيه مطّردة، بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما. ! وإنما ينفيه قتل خاص، وهو القصاص، ففيه حياة أبدا.. !
الخامس : أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل. والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة.. !
السادس : أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف. بخلاف قولهم. فإن فيه حذف ( من ) التي بعد أفْعَل التفضيل وما بعدها، وحذف ( قصاصا ) مع القتل الأول، ( وظلما ) مع القتل الثاني، والتقدير : القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه. 
السابع : أن في الآية طباقا، لأن القصاص يشعر بضدّ الحياة بخلاف المثل.. !
الثامن : أن الآية اشتملت على فنٍّ بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت محلاًّ ومكانا لضده الذي هو الحياة. واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة.. ! ذكره في ( الكشاف )، وعبّر عنه صاحب ( الإيضاح ) بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال " في " عليه. 
التاسع : أن في المثل تواليَ أسباب كثيرة خفيفة وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكره. فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به وظهرت بذلك فصاحته ! بخلاف ما إذا تعقَّب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات. نظيره : إذا تحركت الدابة أدنى حركة، فحبست، ثم تحركت فحبست، لا تطيق إطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة !
العاشر : أن المثل كالتناقض من حيث الظاهر. لأن الشيء لا ينفي نفسه !
الحادي عشر : سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدّة، وبُعدها عن غنة النون. 
 الثاني عشر : اشتمالها على حروف متلائمة، لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد. إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق. بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض فهو غير ملائم للقاف. وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبُعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق. 
الثالث عشر : في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت، ولا كذلك تكرير القاف والتاء. 
الرابع عشر : سلامتها من لفظ ( القتل ) المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ ( الحياة ) فإن الطباع أقبل له من لفظ ( القتل ). 
الخامس عشر : أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل، بخلاف مطلق القتل. 
السادس عشر : الآية مبنية على الإثبات، والمثل على النفي، والإثبات أشرف لأنه أول، والنفي ثان عنه. 
السابع عشر : أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة، وقوله : وفي القصاص حياة  مفهوم من أول وهلة.. !
الثامن عشر : أن في المثل بناء ( أفعل التفضيل ) من فعل معتدٍّ، والآية سالمة منه.. !
التاسع عشر : أن ( أفعل ) في الغالب يقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا للقتل، ولكن القصاص أكثر نفيا.. ! وليس الأمر كذلك، والآية سالمة من ذلك. 
العشرون : أن الآية رادعة عن القتل والجرح معا، لشمول القصاص لهما. والحياة أيضا في قصاص الأعضاء، لأن قطع العضو ينقص أو ينغّض مصلحة الحياة، وقد يسري إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل.. !
 في أول الآية : ولكم  وفيها لطيفة : وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم.. ![(٤)](#foonote-٤) انتهى. 
وقوله تعالى : يا أولي الألباب  المراد به : العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف. فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعدائهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود، صار ذلك رادعا لهم. لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه. فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكفّ والامتناع.. ! إلا أن هذا الخوف إنما يتولّد من الفكر الذي ذكرناه، ممن له عقل يهديه إلى الفكر. فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر، لا يحصل له هذا الخوف.. ! فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب، ثم علل ذلك بقوله : لعلكم تتقون  أي : الله تعالى بالانقياد لما شرع، فتتحامون القتل. 
١ انظر تاريخ ابن الأثير. الجزء الأول صفحة ٢١٤ (طبعة بولاق) ذكر مقتل كليب، والأيام بين بكر وتغلب..
٢ انظر (وحي القلم) للأستاذ مصطفى صادق الرافعي. الجزء الثالث صفحة ٤٦٣ ففيه شفاء الغليل، وتحقيق عدم جاهلية هذه الكلمة..
٣ \[٢/ البقرة/ ٩٦\]..
٤ الإتقان، الجزء الثاني صفحة ٥٥ (المطبعة الأزهرية عام ١٣١٨ هـ)..

### الآية 2:180

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:180]

كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتّقين ١٨٠ . 
 كتب عليكم  أي : فرض، كما استفاض في الشرع  إذا حضر أحدكم الموت  أي أمارته وهو المرض المخوف  إن ترك خيرا  أي مالا ينبغي أن يوصي فيه، وقد أطلق في القرآن " الخير " وأريد به المال في آيات كثيرة : منها هذه، ومنها قوله : وما تنفقوا من خير  [(١)](#foonote-١)، / ومنها : وإنه لحب الخير لشديد  [(٢)](#foonote-٢)، ومنها : رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير  [(٣)](#foonote-٣) إلى غيرها. وإنما سمّى المال خيرا تنبيها على معنى لطيف : وهو أن المال الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعا من وجه محمود.. ! كما أن في التسمية إشارة إلى كثرته، كما قال بعضهم : لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا ومن مكان طيب.. ! وقد روى ابن أبي حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه :( أن عليا رضي الله عنه دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له : أوصي ؟ فقال له علي : إنما قال الله : إن ترك خيرا الوصية . إنما تركت شيئا يسيرا فاتركه لولدك.. ! ) وروى الحاكم عن ابن عباس :( من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا ! ) وقال طاوس :( لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا ). وقال قتادة :( كان يقال : ألفا فما فوقها ). 
ومنه يعلم أن لا تحديد للكثرة المفهومة، وأن مردّها للعرف لاختلاف أحوال الزمان والمكان. 
ثم ذكر نائب فاعل  كتب  بعد أن اشتدّ التشوّف إليه، فقال  الوصية  وتذكير الفعل الرافع لها : إما لأنه أُريد بالوصية الإيصاء، ولذلك ذكّر الضمير في قوله  فمن بدّله بعد ما سمعه  وإما للفصل بين الفعل ونائبه، لأن الكلام لما طال، كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث. وقوله : للوالدين  بدأ بهما لشرفهما وعظم حقّهما  والأقربين  من عداهما من جميع القرابات  بالمعروف  وهو ما تتقبله الأنفس ولا تجد منه تكرّها. 
 وفي ( الصحيحين ) [(٤)](#foonote-٤) : أن سعدا قال :( يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأوصي بثلثي مالي ؟ قال : لا.. ! قال : فبالشطر ؟ قال : لا.. ! قال : فالثلث ؟ قال الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس ! ). 
وفي ( صحيح البخاري ) [(٥)](#foonote-٥) أن ابن عباس قال :( لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الثلث والثلث كثير ).. !
وروى الإمام أحمد[(٦)](#foonote-٦) عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة : سمعت / حنظلة بن جذيم بن حنيفة أن جدّه حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشقّ ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال حنيفة :( إني أوصيت ليتيم لي بمائة من / الإبل كنا نسميها المطيبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا لا لا.. ! الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون ) ! وذكر الحديث بطوله. 
ثم أكد تعالى الوجوب بقوله : حقا  وكذا قوله  على المتقين  فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله عن النقير والقطمير. 
١ \[٢/ البقرة/ ٢٧٢\] ونصها: \* ليس عليكم هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون ٢٧٢.
 و\[٢/ البقرة/ ٢٧٣\] ونصها: للفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن اللّه به عليم ٢٧٣..
٢ \[١٠٠/ العاديات/ ٨\]..
٣ \[٢٨/ القصص/ ٢٤\] ونصها: فسقى لهما ثم تولّى إلى الظّل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ٢٤..
٤ أخرجه البخاري في: ٢٣ ـ كتاب الجنائز، ٣٦ ـ باب رثي النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة. ونصه:
 عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي. فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة. أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال (لا) فقلت: بالشطر؟ فقال: (لا) ثم قال الثلث، والثلث كبير (أو كثير) إنك أن تذرَ ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرتَ بها، حتى ما تجعل في امرأتك فقلت: يا رسول الله! أخلَّف بعد أصحابي؟ قال إنك لن تخلَّف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة. ثم لعلك أن تخلَّف حتى ينتفع بك أقوام ويُضرَّ بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم.
 لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن مات بمكة).
 وأخرجه مسلم في: ٢٥ ـ كتاب الوصية، حديث٥ (طبعتنا)..
٥ أخرجه البخاري في: ٥٥ ـ كتاب الوصايا، ٣ ـ باب الوصية بالثلث.
 ومسلم في: ٢٥ ـ كتاب الوصية، حديث ١٠ (طبعتنا)..
٦ أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بالجزء الخامس صفحة ٦٧ (طبعة الحبليّ)
 **وهاكم الحديث بطوله، بنصه:**
 عن ذيال بن عتبة بن حنظلة قال: (سمعت حنظلة بن جذيم، جدي، أن جده حنيفة قال لجذيم: اجمع لي بَنِيّ فإني أريد أن أوصي. فجمعهم فقال: إن أول ما أوصي أن ليتيمي هذا الذي في حجري مائة من الإبل، التي كنا نسميها في الجاهلية المطيبة. فقال جذيم: يا أبت! إني سمعت بنيك يقولون: إنما نقرّ بهذا عند أبينا. فإذا مات رجعنا فيه. قال: فبيني وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال جذيم: رضينا. فارتفع جذيم وحنيفة، وحنظلة معهم غلام وهو رديف لجذيم. فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم سلموا عليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما رفعك؟ يا أبا جذيم! قال: هذا. وضرب بيده على فخذ جذيم. فقال: إني خشيت أن يفجأني الكبر أو الموت. فأردت أن أوصي. وإني قلت: إن أول ما أوصي أن ليتيمي هذا، الذي في حجري، مائة من الإبل، كنا نسميها في الجاهلية المطيبة. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأينا الغضب في وجهه. وكان قاعدا فجثا على ركبتيه. وقال لا. لا. لا. الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون. فإن كثرت فأربعون.
 قال فودعوه، ومع اليتيم عصا وهو يضرب جملا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عظمت هذه هراوة يتيم.
 قال حنظلة: فدنا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي بنين ذوي لحى ودون ذلك، وإن ذا أصغرهم فادع الله له. فمسح رأسه وقال: بارك الله فيك، أو بورك فيه).
 قال ذيال: (فلقد رأيت حنظلة يؤتي بالإنسان الوارم وجهه، أو البهيمة الوارمة الضرع فيتفل على يديه ويقول: بسم الله. ويضع يده على رأسه ويقول: على موضع كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيمسحه عليه. وقال ذيال: فيذهب الورم)..

### الآية 2:181

> ﻿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:181]

فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه إن الله سميع عليم ١٨١ . 
 فمن بدّله  أي : فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقا للشرع، من الأوصياء والشهود  بعد ما سمعه  أي : بعد ما وصل إليه وتحقق لديه  فإنما إثمه  أي التبديل  على الذين يبدّلونه  لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع، فلا يلحق الموصي منه شيء وقد وقع أجره على الله  إن الله سميع عليم  وعيد شديد للمبدّلين. 
هذا، وما ذكرناه من أن المنهيّ عن التبديل إما الأوصياء أو الشهود هو المشهور. وهناك وجه آخر أراه أقرب وهو أن يكون المنهيّ عن التغيير هو الموصي. نُهِيَ عن تغيير الوصية عن المواضع التي بيّن تعالى الوصية إليها. وذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأبعدين الأجانب، طلبا للفخر والشرف. ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة والضر، فأوجب الله تعالى الوصية لهؤلاء منعا للقوم عما اعتادوه كذا قاله الأصم.

### الآية 2:182

> ﻿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:182]

فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ١٨٢ . 
 فمن خاف  أي توقّع وعلم، وهذا في كلامهم شائع، يقولون : أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقّع والظنّ الغالب، الجاري مجرى العلم  من موص جنفا  ميلا عن الحق، بالخطأ في الوصية، والتصرف فيما ليس له  أو إثما  أي : ميلا فيها عمدا  فأصلح بينهم  أي : بينه وبين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع. 
قال ابن جرير : بأن يأمره بالعدل في وصيته، وأن ينهاهم عن منعه فيما أذن له فيه وأبيح له.  فلا إثم عليه  أي : بهذا التبديل، لأن تبديله تبديل باطل إلى حق !  إن الله غفور رحيم  قال ابن جرير : أي غفور للموصي فيما كان حدّث به نفسه من الجنف والإثم إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته فتجاوز له عما كان حدث به نفسه من الجور إذ لم يمض ذلك،  رحيم  بالمصلح بين الوصي وبين من أراد أن يحيف عليه لغيره أو يأثم فيه له.. !
تنبيه
( ما أفادته الآية من فرضية الوصية للوالدين والأقربين )
ذكر بعضهم : أنه كان واجبا قبل نزول آية المواريث. فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت المواريث المقدّرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمّل منّة الموصي. ولهذا جاء في الحديث[(١)](#foonote-١) الذي في ( السنن ) وغيرها عن عمرو بن خارجة قال :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث... ! ). 
 ونص الإمام الشافعي[(٢)](#foonote-٢) على أن هذا المتن متواتر، فقال : وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح :( لا وصية لوارث ). ويأثرونه عمّن حفظوه عنه ممّن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد. 
قال الإمام مالك في ( الموطأ ) [(٣)](#foonote-٣) :( السنّة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنه : لا تجوز وصية لوارث إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت ). 
وذهبت طائفة إلى أن الآية محكمة لا تخالف آية المواريث. والمعنى : كتب عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم  أو كتب على المحتضر : أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن ينقص من أنصابهم ! فلا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء، مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى، والوصية عطية ممن حضره الموت. فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. ولو فرض المنافاة، لأمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية. بإبقاء القريب الذي لا يكون وارثا لأجل صلة الرحم. فقد أكد تعالى الإحسان إلى الأرحام وذوي القربى في غير ما آية، فتكون الوصية للأقارب الذين لا يرثون عصبة، أو ذوي رحم مفروضة.. ! قالوا : ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ وجوبها في غيرهم.. !
ومما استدل به على وجوب الوصية، من السنة : خبر ( الصحيحين ) [(٤)](#foonote-٤) عن ابن عمر قال :/ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(٥)](#foonote-٥) :( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. قال ابن عمر : ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي.. ! ) والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدا.. !
١ أخرجه الترمذي في: ٢٨ ـ كتاب الوصايا، ٥ ـ باب ما جاء لا وصية لوارث..
٢ الرسالة ـ بتحقيق أحمد محمد شاكر، الفقرة رقم ٣٩٨ و٣٩٩..
٣ الموطأ في: ٣٧ ـ كتاب الوصية، ٥ ـ باب الوصية للوارث والحيازة (طبعتنا)..
٤ أخرجه البخاري في: ٥٥ ـ كتاب الوصايا، ١ ـ باب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وصية الرجل مكتوبة عنده).
 وأخرجه مسلم في: ٢٥ ـ كتاب الوصية، حديث رقم ١ (طبعتنا)..
٥ أخرجه مسلم في: ٢٥ ـ كتاب الوصية، حديث رقم ٤ (طبعتنا)..

### الآية 2:183

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:183]

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ١٨٣ . 
 يا أيها الذين آمنوا كتب  أي : فرض  عليكم الصيام  وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. 
واعلم أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة لهم، وإحسانا إليهم، وحميّة وجُنّة.. ! فإن المقصود من الصيام : حبس النفس عن الشهوات، وفطمها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتسعد بطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتهم الأبدية.. ! ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.. ! وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحها، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المجاهدين، ورياضة الأبرار والمقربين.. ! وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، إنما ترك شهوته وطعامه / وشرابه من أجل معبوده. فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته. وهو سر بين العبد وربه، ولا يطلع عليه سواه.. !
والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر. وذلك حقيقة الصوم.. ! وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة. وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها. واستفراغ المواد الردية المانعة له من صحتها. فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها. ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات. فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى في تتمة الآية : لعلكم تتقون ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :( الصوم جُنّة ). وأمر[(٢)](#foonote-٢) من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه، بالصيام. وجعله وجاء هذه الشهوة. وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكمل الهدي، وأعظم / تحصيلا للمقصود، وأسهله على النفوس.. ! ولما كان فطم النفس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقّ الأمور وأصعبها، تأخّر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة. لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة. وألفت أوامر القرآن. فنقلت إليه بالتدريج. وكان فرضه السنة الثانية من الهجرة. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسعة رمضانات، وفرض أوّلا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينا. ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيق الصيام فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا كما سيأتي بيانه وكان للصوم رتب ثلاثة : أحدها : إيجابه بوصف التخيير. والثانية : تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرّم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة : وهي التي استقرّ عليها الشرع إلى يوم القيامة.. كذا أفاده ابن القيم في ( زاد المعاد ). 
وقوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم  تأكيد للحكم، وترغيب فيه، وتطييب لأنفس المخاطبين به ؛ فإن الشاقّ إذا عمّ سهل عمله ! والمماثلة إنما هي في أصل الوجوب لا في الوقت والمقدار، وفيه دليل على أن الصوم عبادة قديمة. 
وفي التوراة، سفر عَزْرا، الأصحاح الثاني، ص ٧٥٠ :
( ٢١ ) ( وناديت هناك بصوم على نهر أَهْوَا لكي نتذلل أمام إلهنا لنطلب منه طريقا مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل مالنا ). 
وفي سفر إِشَعْيَاءَ، الأصحاح الثامن والخمسون ص ١٠٦٢ :
( ٣ ) ( يقولون لماذا صمنا ولم ننظر. ذللنا أنفسنا ولم نلاحظ. ها إنكم في يوم صومكم توجدون مسرَّةً وبكل أشغالكم تُسَخِّرُون ). ( ٤ ) ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون ولِتَضْربوا بِلَكْمَةٍ الشر. لستم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء. ( ٥ ) أمثل هذا يكون صوم اختارُهُ. يوما يذَلّل الإنسان فيه نفسه يُحنى كالأَسَلَةِ رأسه ويفرُش تحته مِسْحاً ورماداً. هل تسمي هذا صوما ويوما مقبولا للرب ؟... إلخ. 
 وفي سفر يوئيل، الأصحاح الأول، ص ١٢٩٩ :
( ١٤ ) قدّسوا صوما. 
**وفي الأصحاح الثاني، ص ١٣٠٠ :**
( ١٢ ) ولكن الآن يقول الرب : ارجعوا إليّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح ( ١٣ ) ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطيء الغضب وكثير الرأفة.. ( ١٥ ).. قدّسوا صوما نادوا باعتكاف ( ١٦ ) اجمعوا الشعب قدّسوا الجماعة. 
وفي سفر زكريا، الأصحاح الثامن، ص ١٣٤٧ :
( ١٩ ) هكذا قال رب الجنود. إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر يكون لبيت يهوذا ابتهاجا وفرحا وأعيادا طيبة. فأحبوا الحق والسلام. 
وفي ( إنجيل متّى )، الأصحاح السادس ص ١١ :
( ١٧ ) وأما أنت صمت فادهُنْ رأسك واغسل وجهك ( ١٨ ) لكي لا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. 
**الأصحاح السابع عشر ص ٣٢ :**
لما رأى عيسى عليه الصلاة والسلام فتى وأخرج منه الشيطان قال لأصحابه ( ٢١ ) وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم. 
**وفي الأصحاح الرابع ص ٦ :**
( ٢ ) فبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا ( أي المسيح عليه السلام ). 
وفي رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنْثُوس، الأصحاح السادس ص ٢٩٥ :
( ٤ ) بل في كل شيء نُظهر أنفسنا كخُدَّام الله في صبر كثير في شدائد في ضرورات في ضَيقات ( ٥ ) في ضَرَبات في سجون في اضطرابات في أتعاب في أسهار في أصوام. 
 **وفي الأصحاح الحادي عشر ص ٣٠١ :**
( ٢٧ ) في تعب وكدّ. في أسهار مرارا كثيرة. في جوع وعطش. في أصوام مرارا كثيرة. في برد وعُرى. 
هذا، ومتى أطلق على الصوم في كل شريعة، فلا يُقصد به إلا الامتناع عن الأكل كل النهار إلى المساء، لا مجرد إبدال طعام بطعام. 
وقوله تعالى : لعلكم تتقون  أي : تجعلون بينكم وبين سخطه تعالى وقاية بالمسارعة إليه، والمواظبة عليه، رجاء لرضاه تعالى ؛ فإن الصوم يكسر الشهوة، فيقمع الهوى، فيردع عن مواقعة السوء. 
١ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ٢ ـ باب فضل الصوم، حديث ٩٦١ ونصه:
 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: (الصيام جُنة. فلا يرفث ولا يجهل. وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم (مرتين) والذي نفسي بيده! لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٧ ـ كتاب النكاح، ٣ ـ باب من لم يستطع الباءة فليصم، حديث ٩٦٧ ونصه:
 قال عبد الله (بن مسعود): (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابا لا نجد شيئا. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشاب! من استطاع الباءة فليتزوج. فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)..

### الآية 2:184

> ﻿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:184]

أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ١٨٤ . 
 أياما معدودات  نصب على الظرف، أي : كتب عليكم الصيام في أيام معدودات وهي أيام شهر رمضان، كما بيّنها تعالى فيما بعد بقوله : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن .  فمن كان منكم مريضا  أي : مرضا يضرّه الصوم، أو يعسر معه. 
و ( المرض ) : السقم وهو نقيض الصحة واضطراب الطبيعة بعد صفائها واعتدالها  أو على سفر  أي : فأفطر  فعدة  أي : فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر  من أيام أخر  غير المعدودات المذكورة، وإنما رخّص الفطر في حال المرض والسفر لما في ذلك من المشقة. وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في أعظم الغزوات وأجلها : في غزوة بدر / وغزوة الفتح. قال عمر بن الخطاب[(١)](#foonote-١) :( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان غزوتين : يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما ). 
تنبيهات
الأول : ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر، كما خيّر بعض الصحابة بين الصوم والفطر. ففي ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) : عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال :( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حارٍّ، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة ). وقوله " في بعض أسفاره " وقع في إحدى روايتي مسلم، بدله " في شهر رمضان ". وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال[(٣)](#foonote-٣) :( سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم ). وفي رواية :( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فلما غابت الشمس قال لرجل : انزل فاجدح لنا.. ! فقال : يا رسول الله ! لو أمسيت. قال : انزل فاجدح لنا قال : إن عليك نهارا. فنزل، فجدح له، فشرب، ثم قال : إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا وأشار بيده نحو المشرق فقد أفطر الصائم ). رواه الشيخان. واللفظ لمسلم. 
 وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال[(٤)](#foonote-٤) :( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عُسْفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليُريَه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان. 
فكان ابن عباس يقول : قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر ). رواه الشيخان. واللفظ للبخاري. 
وعن قزعة قال[(٥)](#foonote-٥) :( أتيت أبا سعيد الخدريّ فسألته عن الصوم في السفر فقال : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال : فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم ! فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر... 
ثم نزلنا منزلا آخر فقال : إنكم مصبحو عدوّكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال : لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر )، رواه مسلم. وعن عائشة[(٦)](#foonote-٦) :( أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام فقال : إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ). رواه البخاري. 
ورواه مسلم من طريق آخر، أنه قال :( يا رسول الله ! أجد بي قوة على الصيام في السفر / فهل علي جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي رخصة من الله. فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ). 
وعن أنس بن مالك قال[(٧)](#foonote-٧) :( كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يَعِب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ). رواه الشيخان. 
الثاني : لا يخفى أن جواز الصوم للمسافر، إذا أطاقه بلا ضرر. وأما إذا شقّ عليه الصوم، فلا ريب في كراهته، لما في ( الصحيحين ) [(٨)](#foonote-٨) : عن جابر رضي الله عنه قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاما، ورجل قد ظلل عليه، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : صائم، فقال : ليس من البر الصوم في السفر ). فلا ينافي هذا ما تقدم، كما لا يرد أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن السياق والقرائن تدل على تخصيصه بمن شق عليه الصوم. وما تقدم، في غيره. 
قال ابن دقيق العيد : وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم ؛ وبين مجرد العام على سبب. فإن بين المقامين فرقا واضحا. ومن أجراهما مجرى واحدا لم يصب. فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به. كنزول آية السرقة في قصة رداء صفوان[(٩)](#foonote-٩)، وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة إلى بيان المجملات كما في هذا الحديث. انتهى. وهو استنباط جيد. وبالجملة : فالمريض والمسافر يباح لهما الفطر. فإن صاما، صح. فإن تضرّرا، كره.. !
 الثالث : لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء. وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبيّ في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام :( قد رغبوا عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم.. ! ) وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه صلى الله عليه وسلم. كما قال عبيد بن جبر[(١٠)](#foonote-١٠) :( ركبت مع أبي بصرة الغفاريّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم نجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال : اقترب. قلت : ألست ترى البيوت ؟ قال أبو بَصْرة : أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ) رواه أبو داود وأحمد. ولفظ أحمد :( ركبت مع أبي بصرة من السفطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغذاء، وذلك في رمضان، فقلت يا أبا بصرة ! والله ما تغيبت عنا منازلنا بعدُ. فقال : أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : لا ! قال : فلم نزل مفطرين حتى بلغنا مَاحُوزَنا ). ( قيل : أي موضعهم الذي أرادوه ) وقال[(١١)](#foonote-١١) محمد بن كعب :( أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رُحِلت راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له : سنة ؟ قال : سنّة. ثم ركب ). قال الترمذي : حديث حسن. وقال الدارقنطيّ فيه :( فأكل وقد تقارب غروب الشمس.. ! ) وهذه الآثار صريحة أن من أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه. قاله في ( زاد المعاد ).  وعلى الذين يطيقونه  أي الصوم، إن أفطروا  فدية  أي إعطاء فدية وهي  طعام مسكين  و( الفدية ) ما يقي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة يقصّر فيها، و( الطعام ) ما يؤكل وما به قوام البدن  فمن تطوّع خيرا  بأن أطعم أكثر / من مسكين  فهو خير له  لأنه فعل ما يدل على مزيد حبه لربه  وأن تصوموا  أيها المطيقون  خير لكم  من الفدية وإن زادت  إن كنتم تعلمون  أي فضيلة الصوم وفوائده، أو إن كنتم من أهل العلم. 
وقد ذهب الأكثرون إلى أن هذه الآية منسوخة بما بعدها، فإنه كان في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخّص لهم في الإفطار والفدية. كما روى مسلم[(١٢)](#foonote-١٢) عن سلمة بن الأكوع قال :( لما نزلت هذه الآية  وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين  كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها ). وأسند من طريق آخر عن سلمة أيضا قال :( كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت هذه الآية  فمن شهد منكم الشهر فليصمه . وفي البخاري[(١٣)](#foonote-١٣) : قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع :( نسختها  شهر رمضان...  الآية.. ). ثم روي عن ابن أبي ليلى : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم :( نزل رمضان فشقّ عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسخت وأمروا بالصوم ). ثم أسند أيضا عن ابن عمر أنه قال :( هي منسوخة ). 
هذا وقد روى البخاري[(١٤)](#foonote-١٤) في ( التفسير ) : عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية :( ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كلّ يوم مسكينا ). 
 هذا، وقد ذكر البخاري[(١٥)](#foonote-١٥) في ( التفسير ) :( أن أنس بن مالك أطعم بعدما كبر عاما أو عامين، كل يوم مسكينا، خبزا ولحما، وأفطر ) رواه تعليقا. ووصله أبو يعلى الموصليّ في ( مسنده ). ورواه عَبْدُ بن حُمَيْد في ( مسنده ) من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه. وروى محمد بن هشام في ( فوائده ) عن حميد قال :( ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس : أطاق الصوم ؟ قال : لا.. ! فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفانٍ من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر.. ! )
١ أخرجه الترمذي في: ٦ ـ كتاب الصوم، ٢٠ ـ باب ما جاء في الرخصة للمحارب في الإفطار..
٢ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ٣٥ ـ باب حدثنا عبد الله بن يوسف، حديث ٩٨٩.
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ١٠٨ و١٠٩ (طبعتنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ٣٣ ـ باب الصوم في السفر والإفطار، حديث ٩٨٦.
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٥٢ و٥٣ (طبعتنا)..
٤ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ٣٨ ـ باب من أفطر في السفر ليراه الناس، حديث ٩٨٨. 
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٨٨ (طبعتنا)..
٥ أخرجه مسلم في: ١٣- كتاب الصيام، حديث ١٠٢ (طبعتنا)..
٦ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصيام، ٣٣ ـ باب الصوم في السفر والإفطار، حديث ٩٨٧.
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ١٠٣ و١٠٤ و١٠٧ (طبعتنا)..
٧ أخرجه البخاري في: ٣٠ – كتاب الصوم، ٣٧ – باب لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضا في الصوم والإفطار، حديث ٩٩١.
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٩٨ و٩٩ (طبعتنا)..
٨ أخرجه البخاري في: ٣٠ – كتاب الصوم، ٣٦ – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظُلِّل عليه واشتد الحر (ليس من البر الصوم في السفر)، حديث ٩٩٠.
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٩٢ (طبعتنا)..
٩ انظر: المنتقى لابن تيمية، حديث رقم (٤٠٨١)..
١٠ رواه أبو داود في: ١٤ – كتاب الصوم، ٤٦ – باب متى يفطر المسافر إذا خرج، حديث ٤٢١٢. وأحمد في ص ٣٩٦ من الجزء السادس (طبعة الحلبيّ)..
١١ أخرجه الترمذي في: ٦ – كتاب الصوم، ٧٦ – باب من أكل ثم خرج سفراً..
١٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ٢٦ – باب فمن شهد منكم الشهر فليصمه، حديث ١٩٧١.
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ١٤٩ و١٥٠ (طبعتنا)..
١٣ أخرجه البخاري في: ٣٠ – كتاب الصوم، ٣٩ – باب وعلى الذين يطيقونه..
١٤ أخرجه البخاري في: ٦٥ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ٢٥ – باب قوله أياما معدودات، حديث ١٩٧٠..
١٥ أخرجه البخاري في: ٦٥ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ٢٥ – باب قوله أياما معدودات..

### الآية 2:185

> ﻿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:185]

ولما أبهم الأمر في الأيام عيّنت هنا بقوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ١٨٥ . 
 شهر رمضان  لأن ذلك أفخم وآكد من تعيينه من أول الأمر. 
وقال الراغب : جعل معالم فرضه على الأهلة ليبادر الإنسان به في كل وقت من أوقات السنة، كما يدور الشهر فيه من الصيف والشتاء والربيعين. 
وفي رفع  شهر  وجهان :( أحدهما ) أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي شهر، يعني الأيام المعدودات. فعلى هذا يكون قوله  الذي أنزل  نعتا للشهر أو لرمضان. و( الثاني ) / هو مبتدأ. ثم في الخبر وجهان :( أحدهما )  الذي أنزل  ؛ و( الثاني ) إن  الذي أنزل  صفة، والخبر هو الجملة التي هي قوله  فمن شهد . 
فإن قيل : لو كان خبرا لم يكن فيه الفاء لأن شهر رمضان لا يشبه الشرط !
قيل : الفاء على قول الأخفش زائدة. وعلى قول غيره ليست زائدة، وإنما دخلت لأنك وصفت الشهر ب ( الذي )، فدخلت الفاء كما تدخل في خبر نفس ( الذي ). ومثله  قل إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم  [(١)](#foonote-١). فإن قيل : فأين الضمير العائد على المبتدأ من الجملة ؟ قيل : وضع الظاهر موضعه تفخيما أي : فمن شهده منكم. كذا في العكبريّ. 
 الذي أنزل فيه القرآن  أي : ابتدأ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. 
قال الرازيّ : لأن مبادي الملل والدول هي التي يؤخر بها، لكونها أشرف الأوقات، ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة. 
وقال سفيان بن عيينة : معناه : أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال : ومثله أن يقال : أنزل الله في الصديق كذا آية، يريدون في فضله. 
وقال ابن الأنباريّ : أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقال : أنزل الله في الزكاة كذا وكذا، يريد في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها، والله أعلم. 
قال الحراليّ : أشعرت الآية أن في الصوم حسن تلقٍّ لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجّد الليل، وهو صيغة مبالغة من ( القرء ) وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح. انتهى. 
 وفي مدحه بإنزاله فيه مدح للقرآن به، من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن، ليوقف على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة، من أنه لا ريب فيه، وأنه هدى، على وجه أعم من ذلك الأول. فقال تعالى : هدى للناس  نصب على الحال.  وبينات من الهدى والفرقان  عطف على الحال قبله. فهي حال أيضا. والظرف صفة. أي : أنزل حال كونه هداية للناس، وآيات واضحة مرشدة إلى الحق، فارقة بينه وبين الباطل. ولدفع سؤال التكرار في قوله  وبينات..  إلخ بعد قوله  هدى للناس  حمل بعض المفسرين  الهدى  الأول بواسطة النكرة على الهدى الذي لا يقدر قدره المختص بالقرآن أعني هدايته بإعجازه. والثاني على الهدى الحاصل باشتماله على الواضحات من أمر الدين، والفرقان بين الحلال والحرام والأحكام والحدود والخروج من الشبهات. 
وثمّت وجه آخر نقله الرازيّ : وهو أن ( الهدى ) الثاني المراد به التوراة والإنجيل. قال تعالى : نزّل عليك الكتاب بالحق مصدّقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل \* من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان  [(٢)](#foonote-٢). فبين تعالى أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان، والله أعلم. 
 فمن شهد منكم الشهر فليصمه  هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر أي : حضر فيه بأن كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة. ووضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان. ثم أعيد ذكر الرخصة بقوله تعالى : ومن كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيام أخر  لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير، أن الصوم حتم لا تتناوله الرخصة بوجه، أو /تتناوله، ولكنها مفضولة. وفيه عناية بأمر الرخصة، وأنها محبوبة له تعالى كما ورد. وفي إطلاقه، إشعار بصحة وقوع القضاء متتابعا وغير متتابع  يريد الله بكم اليسر  أي تشريع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر، وبقصر الصوم على شهر  ولا يريد بكم العسر  في جعله عزيمة على الكل، وزيادته على شهر. 
قال الحراليّ : اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم. والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم. 
قال الشعبيّ : إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق، لهذه الآية. 
وروى الإمام أحمد مرفوعا[(٣)](#foonote-٣) :( إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره ). وروى أيضا[(٤)](#foonote-٤) :( إن دين الله في يسر ( ثلاثا ) ). 
( وفي الصحيحين ) [(٥)](#foonote-٥) :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما إلى اليمن : يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تخالفا. )
وفي ( السنن ) و( المسانيد ) [(٦)](#foonote-٦) :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثت بالحنيفيّة السمحة ). أي التي / لا إِصْرَ فيها ولا حرج. كما قال تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج  [(٧)](#foonote-٧). 
 ولتكملوا العدّة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون . علل لفعل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره. ولهذه الأمور شرع ذلك. يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخّص له بمراعاة عدّة ما أفطر فيه، ومن الترخيص إباحة الفطر. فقوله  لتكملوا  علة الأمر بمراعاة العدة.  ولتكبّروا . علة ما علّم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر  ولعلكم تشكرون  علة الترخيص والتيسير. وهذا نوع من اللف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيّنه إلا النقّاب المحدث من علماء البيان ! وإنما عدّى ( فعل التكبير ) بحرف الاستعلاء لكونه مضمنا معنى الحمد، كأنه قيل :/ ولتكبّروا الله حامدين على ما هداكم. ومعنى  ولعلكم تشكرون  وإرادة أن تشكروا، ويجوز عطفها على اليسر أي : يريد بكم لتكملوا... إلخ، كقوله تعالى : يريدون ليطفئوا.... إلخ  [(٨)](#foonote-٨). والمراد بالتكبير تعظيمه تعالى والثناء عليه كذا أفاده الزمخشري. 
قال الحراليّ : وفي لفظ : ولتكبّروا الله ، إشعار لما أظهرته السنة من صلاة العيد، وأعلن فيها بالتكبير، وكرر مع الجهر فيها لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علنا. وجعلت في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير، لأن تكبير الله إنما هو بما جل من مخلوقاته. انتهى ملخصا. 
وقال ابن كثير : وقوله تعالى : ولتكبّروا الله . أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرا  [(٩)](#foonote-٩) وقال : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون  [(١٠)](#foonote-١٠) وقال : وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب \* ومن الليل فسبّحه وإدبار السجود  [(١١)](#foonote-١١) ولهذا جاءت السنّة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات. 
 وقال ابن عباس[(١٢)](#foonote-١٢) :( ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير ). 
ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية. حتى ذهب داود بن عليّ الأصبهانيّ الظاهريّ إلى وجوبه في عيد الفطر، لظاهر الأمر في قوله : ولتكبّروا الله على ما هداكم  وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه الله : أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه. انتهى. 
وفي ( زوائد المشكاة ) عن عبد الله بن عمر ( أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى. ثم يكبّر حتى يأتي الإمام ). وفي رواية : رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رواه الدارقطنيّ. وعن نافع ( أن ابن عمر كان يغدو إلى المصلّى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبّر حتى يأتي المصلّى، ثم يكبّر بالمصلّى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير ). رواه الشافعيّ. 
قال الحافظ ابن حجر في ( تخريج أحاديث الرافعيّ ) : حديث ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى )، رواه الحاكم والبيهقيّ من حديث ابن عمر من طرق مرفوعا وموقوفا، وصحّح وقفه، ورواه الشافعي موقوفا أيضا. 
وفي ( الأوسط ) عن أبي هريرة مرفوعا :( زينوا أعيادكم بالتكبير ). إسناده غريب. انتهى. 
وفائدة طلب الشكر في هذا الموضع، هو أنه تعالى، لما أمر بالتكبير، وهو لا يتم إلا بأن يعلم العبد جلال الله وكبرياءه وعزّته وعظمته، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء، وأوصاف الواصفين، وذكر الذاكرين. ثم يعلم أنه سبحانه مع جلاله وعزّته واستغنائه عن جميع المخلوقات، فضلا عن هذا المسكين خصّه الله بهذه الهداية العظيمة لا بد وأن يصير ذلك داعيا للعبد إلى الاشتغال بشكره، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته، فلهذا قال : ولعلكم تشكرون  أفاده الرازي.

١ \[٦٢/ الجمعة/ ٨\] ... ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون ٨..
٢ \[٣/ آل عمران/ ٣ و٤\] ... إن الذين كفروا بآيات اللّه لهم عذاب شديد واللّه عزيز ذو انتقام ٤..
٣ مسند الإمام أحمد، الجزء الثالث صفحة ٤٧٩ (طبعة الحلبيّ) عن أعرابيّ..
٤ مسند الإمام أحمد، الجزء الخامس صفحة ٦٩ (طبعة الحلبيّ) عن عروة الفقيميّ ونصه: (كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج رجلا يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلّى. فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: يا رسول الله! أعلينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا. أيها الناس! إن دين الله عز وجل في يسر (ثلاثا يقولها))..
٥ أخرجه البخاريّ في: ٥٦ – كتاب الجهاد، ١٦٤ – باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، حديث ١١٢٩.
 وأخرجه مسلم في: ٣٢ – كتاب الجهاد والسير، حديث ٧ (طبعتنا)..
٦ مسند الإمام أحمد، الجزء الخامس، صفحة ٢٦٦ (طبعة الحلبيّ) ونصه:
 عن أبي أمامة قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه. قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء. قال فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء. ويصيب ما حوله من بقل ويتخلى من الدنيا. ثم قال: لو أني أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فإن أذن لي فعلت. وإلا، لم أفعل. فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل. فحدّثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية. لكن بعثت بالحنيفية السمحة. والذي نفس محمد بيده! لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها. ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة)..
٧ \[٢٢/ الحج/ ٧٨\] ونصها:وجاهدوا في اللّه حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا باللّه هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ٧٨..
٨ \[٦١/ الصف/ ٨\] ونصها: يريدون ليطفئوا نور اللّه بأفواههم واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون ٨..
٩ \[٢/ البقرة/ ٢٠٠\] ونصها: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللّه كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ٢٠٠..
١٠ \[٦٢/ الجمعة/ ١٠\] ونصها: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ١٠..
١١ \[٥٠/ ق/ ٣٩ و٤٠\] وأول الآيتين: فاصبر على ما يقولون......
١٢ أخرجه البخاريّ في: ١٠ – كتاب الأذان، ١٥٥ – باب الذكر بعد الصلاة. حديث ٤٩٨ ونصه: قال ابن عباس: (كنت أعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير)..

### الآية 2:186

> ﻿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [2:186]

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ١٨٦ . 
 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  قال الراغب : هذه الآية من تمام الآية الأولى. لأنه لما حثّ على تكبيره وشكره على ما قيّضه لهم من تمام الصوم، بين أن الذي يذكرونه ويشكرونه قريب منهم، ومجيب لهم إذا دعوه، ثم تمم ما بقي من أحكام الصوم. 
قال الرازي : إن السؤال متى كان مبهما، والجواب مفصلا، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعيّن. فلما قال في الجواب  فإني قريب  علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات، أي كما صرّحت به الرواية السابقة. و( القريب ) من أسمائه تعالى الحسنى. ومعناه القريب من عبده بسماعه دعاءه، ورؤيته تضرّعَه، وعلمه به، كما قال : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  [(١)](#foonote-١) وقال : وهو معكم أينما كنتم  [(٢)](#foonote-٢) وقال : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  [(٣)](#foonote-٣). 
 قال الإمام تقيّ الدين بن تيمية، عليه الرحمة، في ( عقيدته الواسطية ) :
ودخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة. من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا. يعلم ما هم عاملون. كما جمع بين ذلك في قوله : هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير  [(٤)](#foonote-٤). وليس معنى قوله : وهو معكم أينما كنتم  أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة. وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة. وخلاف ما فطر الله عليه الخلق. بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان. وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه. مهيمن عليهم. مطلع إليهم. إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة. ودخل في ذلك : الإيمان بأنه قريب من خلقه، كما قال تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...  الآية. وفي ( الصحيح ) عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٥)](#foonote-٥) :( إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ). وما ذكر في الكتاب والسنّة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته.. ! فإنه سبحانه ليس كمثله شيء[(٦)](#foonote-٦) / في جميع نعوته. وهو عليٌّ في دنوّه، قريب في علوّه.. ! انتهى كلامه، رحمه الله تعالى. 
وقوله تعالى : أجيب دعوة الداع إذا دعان  تقرير للقرب وتحقيق له. ووعد للداعي بالإجابة. وقد قرئ في السبع بإثبات الياء في ( الداع ) و( دعان ) في الوصل دون الوقف، وبالحذف مطلقا. 
تنبيهات
**الأول : في معنى الدعاء :**
قال في ( القاموس وشرحه ) : الدعاء : الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال. ويطلق على العبادة والاستغاثة. 
الثاني : فيما فسّر به قوله تعالى : أجيب دعوة الداع  :
قال ابن القيم في ( زاد المعاد ) في هديه صلى الله عليه وسلم في سجوده ما نصه : وأمر يعني النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء في السجود، وقال[(٧)](#foonote-٧) :( إنه قمن أن يستجاب لكم ). وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود ؟ أو أمر بأن الداعي إذا دعا في محل فليكن في السجود ؟ وفرق بين الأمرين.. ! وأحسن ما يحمل عليه الحديث، أن الدعاء نوعان : دعاء ثناء، ودعاء مسألة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في سجوده من النوعين. والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة أيضا نوعان : استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، / واستجابة دعاء المثني بالثواب. وبكل واحد من النوعين فسّر قوله تعالى : أجيب دعوة الداع إذا دعان . والصحيح أنه يعمّ النوعين. انتهى. 
**الثالث : فيمن هو الداعي المجاب :**
قال الراغب : بين تعالى في هذه الآية إفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم، وعليه نبّه بقوله تعالى : ادعوني أستجب لكم  [(٨)](#foonote-٨). إن قيل : قد ضمن في الآيتين أن من دعاه أجابه، وكم رأينا من داع له لم يجبه ! قيل : إنه ضمن الإجابة لعباده، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله : إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا  [(٩)](#foonote-٩) ؛ وإنما عنى به الموصوفين بقوله : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين  [(١٠)](#foonote-١٠) وقوله : وعباد الرحمان  [(١١)](#foonote-١١) الآيات ؛ وللدعاء المجاب شرائط وهي : أن يدعو بأحسن الأسماء، كما قال تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  [(١٢)](#foonote-١٢)، ويخلص النيّة، ويظهر الافتقار، ولا يدعو بإثم، ولا بما يستعين به على معاداته. وأن يعلم أن نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوّله وأعطاه. ومعلوم أن من هذا حاله فمجاب الدعوة.. ! اه. 
وقال ابن القيّم، عليه الرحمة، أيضا في أول كتابه ( الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء / الشافي ) ما نصه، بعد جمل : وكذلك الدعاء، فإنه أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره. إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان. وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء. فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا. فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورَيْن الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها. كما في ( صحيح الحاكم ) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه ! ). فهذا دواء نافع مزيل للداء. ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته. وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في ( صحيح مسلم ) من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١٣)](#foonote-١٣) :( أيها الناس ! إن الله طيّب لا يقبل إلا طيبا. وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ) فقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم  \[ ٢٣/المؤمنون /٥١ \] وقال : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم  \[ ٢/البقرة/ ١٧٢ \] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء : يا رب يا رب ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك.. ؟ ) وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب ( الزهد ) لأبيه :( أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إليّ أكفًّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا.. ! )
ثم قال ابن القيّم رحمه الله : والدعاء من أنفع الأدوية. وهو عدوّ البلاء، يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن. كما روى الحاكم في / ( صحيحه ) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين، ونور السماوات والأرض ! ) وله مع البلاء ثلاث مقامات : أحدها، أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني، أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث، أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.. !
وقد روى الحاكم في ( صحيحه ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ) !. وفيه أيضا، من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. فعليكم، عباد الله، بالدعاء ) !. وفيه أيضا : من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يردّ القدرّ إلا الدعاء. ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ).. !
ثم قال ابن القيّم رضي الله عنه : ومن أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء. وقد روى ابن ماجة في ( سننه ) [(١٤)](#foonote-١٤) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من لم يسأل الله يغضب عليه ) ! وفي ( صحيح الحاكم ) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم :( لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد ). وذكر الأوزاعيّ عن الزهريّ عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يحب الملحّين في الدعاء ) ! وفي كتاب ( الزهد ) للإمام أحمد عن قتادة قال : قال مورّق :( ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجل في البحر على خشبة. فهو يدعو : يا رب يا رب ! لعل الله عز وجل أن ينجيه.. ! )
 ثم قال ابن القيّم، نور الله ضريحه : ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويدع الدعاء. وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا، فجعل يتعاهده ويسقيه. فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله.. ! وفي البخاري[(١٥)](#foonote-١٥) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. يقول : دعوت فلم يستجب لي ! ). وفي ( صحيح مسلم ) [(١٦)](#foonote-١٦) عنه :( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل ! قيل : يا رسول الله ! ما الاستعجال ؟ قال : يقول : قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء ). وفي ( مسند أحمد ) [(١٧)](#foonote-١٧) من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل. قالوا : يا رسول الله ! كيف يستعجل ؟ قال : يقول : قد دعوت لربي فلم يستجب لي ). 
**ثم قال :**
### فصل


وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي : الثلث الأخير من الليل، وعند الآذان، وبين الآذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي / الرب، وذلاًّ له وتضرّعا ورقّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يده إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده صلى الله عليه وسلم، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة وتملَّقَهُ ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يردّ أبدا. ولاسيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. فمنها ما في ( السنن ) وفي ( صحيح ابن حبّان ) [(١٨)](#foonote-١٨) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.. ! فقال : لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب ! ) وفي لفظ :( لقد سألت الله باسمه الأعظم. ! ) وفي ( السنن ) [(١٩)](#foonote-١٩) و( صحيح ابن حبّان ) أيض١ \[٥٠/ ق/ ١٦\] ونصها: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ١٦..
٢ \[٥٧/ الحديد/ ٤\] ونصها: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم واللّه بما تعملون بصير ٤..
٣ \[٥٨/ المجادلة/ ٧\] ونصها: ألم تر أن اللّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبّئهم بما عملوا يوم القيامة إن اللّه بكل شيء عليم ٧..
٤ \[٥٧/ الحديد/ ٤\] ونصها: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم واللّه بما تعملون بصير ٤..
٥ أخرجه مسلم في: ٤٨ – كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤٦ (طبعتنا) عن أبي موسى الأشعريّ..
٦ \[٤٢/ الشورى/ ١١\] ونصها: فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ١١..
٧ أخرجه مسلم في: ٤- كتاب الصلاة، حديث ٢٠٧ (طبعتنا) ونصه:
 عن ابن عباس قال: (كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر. فقال: أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له. ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء. فقمن أن يستجاب لكم)..
٨ \[٤٠/ غافر/ ٦٠\] ونصها: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ٦٠..
٩ \[١٩/ مريم/ ٩٣\]..
١٠ \[١٥/ الحجر/ ٤٢\]..
١١ \[٢٥/ الفرقان/ ٦٣\] ونصها: وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ٦٣..
١٢ \[٧/ الأعراف/ ١٨٠\] ونصها: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ١٨٠..
١٣ أخرجه مسلم في: ١٢ – كتاب الزكاة، حديث ٦٥ (طبعتنا)..
١٤ أخرجه ابن ماجة في: ٣٤ – كتاب الدعاء، ١ – باب فضل الدعاء، حديث ٣٨٢٧ (طبعتنا) ونصه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع الله، سبحانه، غضب عليه)..
١٥ أخرجه البخاري في: ٨٠- كتاب الدعوات، ٢٢ – باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، حديث ٢٣٩٩..
١٦ أخرجه مسلم في: ٤٨ – كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٩٢ (طبعتنا)..
١٧ أخرجه أحمد في الجزء الثالث صفحة ١٩٣ (طبعة الحلبيّ)..
١٨ أخرجه أبو داود بهذا النص في: ٨ – كتاب الوتر، ٢٣ – باب الدعاء، حديث ١٤٩٣.
 وأخرجه الترمذي في: ٤٥ – كتاب الدعوات، ٦٣ – باب جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه فقال: (والذي نفسي بيده! لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل بها أعطى)..
١٩ أخرجه أبو داود في: ٨ – كتاب الوتر، ٢٣ – باب الدعاء، حديث ١٤٩٥..

### الآية 2:187

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [2:187]

أحلّ لكم ليلة الصيام الرّفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم اللّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب اللّه لكم وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتمّوا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود اللّه فلا تقربوها كذلك يبيّن اللّه آياته للناس لعلهم يتقون ١٨٧ . 
 **وقوله تعالى :**
 أحل لكم ليلة الصيام الرّفث إلى نسائكم  إرشاد إلى ما شرّعه في الصوم بعد بيان إيجابه على من وجب عليه، وحاله معه حضرا أو سفرا، وعدّته من إحلال غشيان الزوج ليلا. وكأن الصحابة تحرّجوا عن ذلك ظنا أنه من تتمة الصوم، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عنه، فبين لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه. 
وقد روى البخاري[(١)](#foonote-١) عن البراء رضي الله عنه قال :( لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم . 
إيذانا بأنه أحلّه ولم يحرّمه، إذ لم يشرع من فضله ما فيه إعنات وحرج. 
و ( الرفث ) أصله قول الفحش. وكنى به هنا عن الجماع وما يتبعه. كما كنى عنه في قوله : فلما تغشّاها  [(٢)](#foonote-٢) وقوله : فأتوا حرثكم  [(٣)](#foonote-٣). فالله تعالى كريم يكني، وإيثار الكناية عنه هنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح عدا بقية الآيات استهجانا لما / وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. والكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه من سنن العرب. وللثعالبيّ في آخر كتابه ( فقه اللغة ) فصل في ذلك بديع. 
ثم إن المستعمل الشائع : رفث بالمرأة بالباء وإنما عدى هنا ب ( إلى ) لتضمنه معنى الإفضاء، كما في قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض  [(٤)](#foonote-٤). 
 هن لباس لكم وأنتم لباس لهن  قال الراغب : جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر منها سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السّوأة. وعلى ذلك كنى عن المرأة بالإزار، وسمى النكاح حصنا لكونه حصنا لذويه عن تعاطي القبيح. 
وهذا ألطف من قول بعضهم : شبّه كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق والضم باللباس المشتمل على لابسه، وفيه قال الجعديّ[(٥)](#foonote-٥) :
إذا ما الضجيع ثنى عطفها \*\*\* تثنّت فكانت عليه لباسا
وقال الزمخشريّ : فإن قلت : ما موقع قوله : هن لباس لكم  ؟ قلت : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو انه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة، قل صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهن ؛ فلذلك رخّص لكم في مباشرتهن. 
 علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم  استئناف آخر مبين لما ذكر من السبب وهو ( اختيان النفس )، أي : قلة تصبيرها من نزوعها إلى رغيبتها. ومنه : خانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي. أي : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم يحلّ لكم ذلك / فأحلّه رحمة بكم ولطفا. وفي ( الاختيان ) وجه آخر وهو : أنه عنى به مخالفة الحق بنقض العهد، أي : كنتم تظلمونها بذلك بتعريضها للعقاب لو لم يحلّ ذلك لكم. قالوا : والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب ففيه زيادة وشدة. 
ثم أشار تعالى إلى لطفه بالمؤمنين بتخفيفه ما كان يغلّهم ويثقلهم ويخونهم لولا رحمته، بقوله : فتاب عليكم  أي : عاد بفضله وتيسيره عليكم برفع الحرج في الرفث ليلا  وعفا عنكم  أي : جاوز عنكم تحريمه، ف ( العفو ) بمعنى التوسعة والتخفيف.  فالآن باشروهن  قال أبو البقاء : حقيقة  الآن  الوقت الذي أنت فيه، وقد يقع على الماضي القريب منك، وعلى المستقبل القريب وقوعه. تنزيلا للقريب منزلة الحاضر وهو المراد هنا لأن قوله : فالآن باشروهن  أي : فالوقت الذي كان يحرم عليكم الجماع فيه من الليل قد أبحناه لكم فيه ؛ فعلى هذا  الآن  ظرف ل  باشروهن . وقيل : الكلام محمول على المعنى، والتقدير : فالآن قد أبحنا لكم أن تباشروهنّ. ودل على المحذوف لفظ الأمر الذي يراد به الإباحة. فعلى هذا،  الآن  على حقيقته. 
وأصل ( المباشرة ) إلصاق البشرة بالبشرة. كنى بها عن الجماع الذي يستلزمها  وابتغوا ما كتب الله لكم  تأكيد لما قبله، أي : ابتغوا هذه الرخصة التي أحلها لكم. و كتب  هنا، إما بمعنى جعل كقوله : كتب في قلوبهم الإيمان  [(٦)](#foonote-٦) / أي : جعل، وقوله : فاكتبنا مع الشاهدين  [(٧)](#foonote-٧)  فسأكتبها للذين يتقون  [(٨)](#foonote-٨) أي : أجعلها. أو بمعنى قضى، كقوله : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا  [(٩)](#foonote-٩) أي : قضاه، وقوله : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز  [(١٠)](#foonote-١٠) وقوله : لبرز الذين كتب عليهم القتل  [(١١)](#foonote-١١) أي : قضى. 
قال الراغب : في الآية إشارة في تحرّي النكاح إلى لطيفة. وهي : أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية ! كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية ! فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة. فمتى تحرى به حفظ النفس وحصن النفس على الوجه المشروع، فقد ابتغى ما كتب الله له. وإلى هذا أشار من قال : عنى الولد. /  وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر  أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدّم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل. وشُبِّها بخيطين : أبيض وأسود، لأن أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل، كالخيط الممدود. قال أبو دُؤاد الإياديّ[(١٢)](#foonote-١٢) :
فلما أضاءت لنا سدفة \*\*\* ولاح من الصبح خيط أنارا.. !
وقوله : من الفجر  بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثاني. وقد رفع بهذا البيان الالتباس الذي وقع أول أمر الصيام. كما روى الشيخان[(١٣)](#foonote-١٣) وغيرهما عن سهل بن سعد قال :( أنزلت  وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود  ولم ينزل  من الفجر  / وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده  من الفجر  فعلموا إنما يعني الليل والنهار ). ورويا أيضا[(١٤)](#foonote-١٤) واللفظ لمسلم عن عديّ بن حاتم قال :( لما نزلت  حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر  قال له عديّ : يا رسول الله ! إني أجعل تحت وسادتي عقالين : عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن وسادك لعريض. إنما هو سواد الليل وبياض النهار.. ! ). 
قال ابن كثير : ومعنى قوله :( إن وسادك لعريض ) أي : إن كان يسع تحته الخيطين المرادين من هذه الآية ؛ فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.. ! وجاء في بعض هذه الألفاظ : إنك لعريض القفا. ففسره بعضهم بالبلادة وهو ضعيف بل يرجع إلى هذا ؛ لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض، والله أعلم. انتهى. 
وفي الإتيان بلفظ التفعّل في قوله نتعالى : حتى يتبيّن...  إشعار بأنه لا يكفي إلا التبيّن الواضح لا تباشير الضوء. وقد روى مسلم[(١٥)](#foonote-١٥) بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يغرّنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا. وحكاه حماد بيديه، قال : يعني معترضا ). وفي لفظ آخر عنه :( لا يغرّنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر أو قال : حتى ينفجر الفجر ). وروى الإمام أحمد[(١٦)](#foonote-١٦) عن قيس بن طلق عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ليس الفجر المستطيل في / الأفق. ولكنه المعترض الأحمر ). ورواه الترمذي[(١٧)](#foonote-١٧) بلفظ :( كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يتعرض لكم الأحمر ). قال : وفي الباب عن عديّ بن حاتم وأبي ذرّ وسمرة. ثم قال : حديث طلق بن عليّ حديث حسن غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض، وبه يقول أهل العلم. انتهى. 
قال بعضهم : المراد بالأحمر الأبيض، كما فسر به حديث[(١٨)](#foonote-١٨) ( بعثت إلى الأحمر والأسود ). وقال شمر : سموا الأبيض أحمر تطيّرا بالأبرص، حكاه عن أبي عمرو بن العلاء. ويظهر أنه لا حاجة إلى هذا، فإن طلوع الفجر يصحبه حمرة. وفي ( القاموس ) الفجر ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل. فافهم. 
وقال الحافظ عبد الرزاق في ( مصنفه ) : أخبرنا ابن جريج عن عطاء : سمعت ابن عباس يقول :( هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب ! ). وقال عطاء :( فأما إذا سطع سطوعا في السماء وسطوعه أن يذهب في السماء طولا فإنه لا يحرم به شراب للصائم، ولا صلاة، ولا يفوت به الحج. ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال حرم الشراب للصيام، وفات الحج ). 
قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء. وهكذا روي عن غير واحد من السلف. رحمهم الله.. ! انتهى. 
  ثم أتمّوا الصيام  أي : صوم كل يوم  إلى الليل  أي : إلى ظهور الظلمة من قبل المشرق وذلك بغروب الشمس. وكلمة  إلى  تفيد أن الإفطار عند غروب الشمس. كما جاء في ( الصحيحين ) [(١٩)](#foonote-١٩) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ). 
قال ابن القيّم : أي أفطر حكما وإن لم ينوه. أو دخل في وقت فطره، كما في : أصبح وأمسى. 
وقد كان صلى الله عليه وسلم يعجل الفطر ويحضّ عليه، كما في ( الصحيحين ) [(٢٠)](#foonote-٢٠) :( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ). وروى الإمام أحمد[(٢١)](#foonote-٢١) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :( يقول الله عز وجل : إن أحبّ عبادي إليّ أعجلهم فطرا ). ورواه الترمذي وقال : حديث حسن غريب. وعن أنس بن مالك[(٢٢)](#foonote-٢٢) قال :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر، قبل أن يصلّي، على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء ). رواه الترمذي / وقال : حسن غريب. وروى الإمام أحمد[(٢٣)](#foonote-٢٣) عن ليلى، امرأة بشير بن الخصاصية، قالت :( أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال : يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ثم أتمّوا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا ). 
ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة، النهي عن الوصال. وهو أن يصل يوما بيوم ولا يأكل بينهما شيئا. ففي ( الصحيحين ) [(٢٤)](#foonote-٢٤) عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تواصلوا.. ! قالوا : إنك تواصل، قال : لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى أو إني أبيت أطعم وأسقى ). قال الترمذي : وفي الباب عن علي، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وبشير بن الخصاصية. أي : فالنهي عنه قد ثبت من غير وجه. نعم ! من أحب أن يواصل إلى السحر فله ذلك، كما في حديث[(٢٥)](#foonote-٢٥) أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تواصلوا. فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، / قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله. قال : لست كهيئتكم. إني أبيت لي مُطعم يطعمني وساق يسقيني ). أخرجاه في ( الصحيحين ). والمراد بهذا الطعام والشراب، ما يغذّيه الله به من المعارف ١ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٢٧ ـ باب أحل لكم ليلة الصيام الرّفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم..
٢ \[٧/ الأعراف/ ١٨٩\] ونصها: \* هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرّت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ١٨٩..
٣ \[٢/ البقرة/ ٢٢٣\] ونصها: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدّموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشّر المؤمنين ٢٢٣..
٤ \[٤/ النساء/ ٢١\] ونصها: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ٢١..
٥ قائله النابغة الجعديّ. قال في اللسان: يقال: لبستُ امرأة أي تمتعت بها زمنا. ولبستُ قوما أي تمليت بهم دهرا. والعرب تسمي المرأة لباسا وإزارا..
٦ \[٥٨/ المجادلة/ ٢٢\] ونصها: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ٢٢..
٧ ٣/ آل عمران/ ٥٣\] ونصها: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ٥٣..
٨ \[٧/ الأعراف/ ١٥٦\] ونصها: \* واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ١٥٦..
٩ \[٩/ التوبة/ ٥١\] ونصها: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ٥١..
١٠ \[٥٨/ المجادلة/ ٢١\]..
١١ \[٣/ آل عمران/ ١٥٤\] ونصها: ثم أنزل عليكم من بعد الغمّ أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمّتهم أنفسهم يظنّون باللّه غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله للّه يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي اللّه ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم واللّه عليم بذات الصدور ١٥٤..
١٢ قال الأستاذ محمود محمد شاكر في تعليقه على هذا البيت في تفسير الطبري، بالصفحة رقم ٥٢٩ من الجزء الثالث، ما نصه:
 يصف فرسا. والسدفة ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس. وهي أيضا اختلاط الضوء والظلمة جميعا، كوقت ما بين صلاة الفجر إلى أول الإسفار.
 وأراد أبو دؤاد اختلاط الظلمة والضوء. ولاح: بدا وظهر من بعيد. والخيط: اللون هنا يكون ممتدا كالخيط..
١٣ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٢٨ ـ باب قوله: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ـ إلى قوله ـ: تتقون، حديث ٩٧٥.
 وأخرجه مسلم في: ١٣ ـ كتاب الصيام، حديث ٣٥ (طبعتنا)..
١٤ أخرجه البخاري في: ٦٥ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ٢٨ – باب قوله: وكلوا واشربوا... إلخ، حديث ٩٧٤.
 وأخرجه مسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٣٣ (طبعتنا)..
١٥ أخرجه مسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٤١ – ٤٣ (طبعتنا)..
١٦ أخرجه في المسند بالجزء الرابع، صفحة ٢٣ (طبعة الحلبيّ)..
١٧ أخرجه الترمذي في: ٦ – كتاب الصوم، ١٥ – باب ما جاء في بيان الفجر..
١٨ أخرجه الدارميّ في ١٧ – كتاب السير، ٢٨ – باب الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا. ونصه: عن أبي ذرّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن نبيّ قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب شهرا، يرعب مني العدو مسيرة شهر، وقيل لي: سل تُعْطَهْ، فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم، إن شاء الله تعالى، من لا يشرك بالله شيئا)..
١٩ أخرجه البخاري في: ٣٠ – كتاب الصوم، ٤٣ – باب متى يحلّ فطر الصائم. ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٥١ (طبعتنا) ونصه: (إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم)..
٢٠ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ٤٥ ـ باب تعجيل الإفطار، عن سهل بن سعد.
 ومسلم في: ١٣ ـ كتاب الصيام، حديث ٤٨ (طبعتنا)..
٢١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده، بالصفحة ٢٣٨ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي). والترمذي في: ٦ – كتاب الصيام، ١٣ – باب ما جاء في تعجيل الإفطار..
٢٢ أخرجه الترمذي في: ٦ – كتاب الصيام، ١٠ – باب ما جاء في ما يستحب عليه الإفطار..
٢٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده صفحة ٢٢٥ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٢٤ أخرجه البخاري في: ٣٠ – كتاب الصوم، ٤٨ – باب الوصال.
 ومسلم في: ١٣ – كتاب الصيام، حديث ٦٠ (طبعتنا) ونصه: عن أنس قال: (واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان. فواصل ناس من المسلمين. فبلغه ذلك. فقال: لو مُدّ الشهر لواصلنا وصالا. يدع المتعمقون تعمقهم. إنكم لستم مثلي. (أو قال: إني لست مثلكم) إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)..
٢٥ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ٤٨ ـ باب الوصال ونصه: إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تواصلوا. فأيكم إذا أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر) قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: (إني لست كهيئتكم. إني أبيت لي مُطعِم يطعمني وساق يسقين)..

### الآية 2:188

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:188]

ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ١٨٨ . 
 ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  قال ابن جرير : يعني تعالى ذكره بذلك : ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. فجعل بذلك آكل مال أخيه بالباطل / كالآكل مال نفسه بالباطل، ونظير ذلك قوله تعالى : ولا تلمزوا أنفسكم  [(١)](#foonote-١). وقوله : ولا تقتلوا أنفسكم  [(٢)](#foonote-٢) بمعنى : لا يلمز بعضكم بعضا ولا يقتل بعضكم بعضا. لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة. وكذلك تفعل العرب. تكني عن أنفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، لأن أخا الرجل عندها كنفسه ؛ فتأويل الكلام : ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه. اه. 
و  بينكم  : إما ظرف ل  تأكلوا  بمعنى : لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل، أو حال من ( الأموال ) أي : لا تأكلوها كائنة بينكم ودائرة بينكم. و بالباطل  في موضع نصب ب  تأكلوا  أي : لا تأخذوها بالسبب الباطل أي الوجه الذي لم يبحه الله تعالى ويجوز أن يكون حالا من  الأموال  أي : لا تأكلوها متلبسة بالباطل. أو من الفاعل في  تأكلوا  أي : لا تأكلوها مبطلين أي متلبسين بالباطل  وتدلوا بها إلى الحكام  أي : تخاصموا بها أي : بأموالهم إلى الحكام، مجزوم عطفا على النهي، ويؤيده قراءة أبيّ  ولا تدلوا  بإعادة ( لا الناهية ) والإدلاء : مأخوذ من إدلاء الدلو وهو إرسالها في البئر للاستقاء ثم استعير لكل إلقاء قول أو فعل توصّلا إلى شيء، ومنه يقال للمحتج :/ أدلى بحجته. كأنه يرسلها ليصير إلى مراده، كإدلاء المستقي الدلو ليصل إلى مطلوبه من الماء. وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم، إذا كان منتسبا إليه. فيطلب الميراث بتلك النسبة. ف ( الباء ) صلة الإدلاء تجوزا به عن الإلقاء كما ذكرناه. والمعنى : لا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام. أولا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ليعينوكم على اقتطاع أموال الناس. وقد ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم[(٣)](#foonote-٣) الراشي والمرتشي والرائش ) وهو الواسطة الذي يمشي بينهما رواه أهل ( السنن ). وذلك لأن ولي الأمر إذا كان أكل هذا السحت أعني الرشوة المسماة بالبرطيل، وتسمى أحيانا بالهدية وغيرها احتاج أن يسمع الكذب من الشهادة الزور وغيرها مما فيه إعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذا مقصود الولاية. وإذا كان الوالي يمكّن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوّك فأعان عدوك عليك. وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في سبيل الله فقاتل المسلمين. و الحكام  : جمع حاكم وهو منفذ الحكم بين الناس كالحكم، محركة.  لتأكلوا  أي : بواسطة حكمهم الفاسد، وبالتحاكم إليهم  فريقا  أي : طائفة وقطعة  من أموال الناس بالإثم  بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين الفاجرة وحكمهم الفاسد فإنه لا يفيد الحل والظلم. ف ( الباء ) للسببية. متعلّقها  لتأكلوا . وجوز كونها للمصاحبة. فالمجرور حال من فاعل  لتأكلوا  أي : متلبسين بالإثم  وأنتم تعلمون  أي : أنكم على الباطل. وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ، فالتقييد لكمال تقبيح حالهم. 
قال الراغب : أي إن خفي ظلمكم على الناس فإنه لا يخفى عليكم، تنبيها على أن الاعتبار بما عليه الأمر في نفسه، وما علمتم منه لا بما يظهر. 
 وقال ابن كثير في ( تفسيره ) : قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس :( هذه الآية في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام. وهو يعرف أن الحق عليه. وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام ). وكذا روى عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدّيّ، ومقاتل بن حيّان، وعبد الرحمان بن زيد أنهم قالوا :( لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم ). وقد ورد في ( الصحيحين ) [(٤)](#foonote-٤) عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ألا إنما أنا بشر. وإنما يأتيني الخصم. فلعل بعضك أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار. فليحملها أو ليذرها ). فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر. فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حلال، ولا يحرم باطلا هو حلال. وإنما هو ملزم في الظاهر. فإن طابق في نفس الأمر فذاك. وإلا فللحاكم أجره. وعلى المحتال وزره. ولهذا قال تعالى في آخر الآية : وأنتم تعلمون  أي : تعلمون بطلان ما تدّعونه وتروجونه في كلامكم. قال قتادة :( اعلم يا بني آدم.. ! أن قضاء القاضي لا يحل لك حراما، ولا يحق لك باطلا. وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب. واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا. 
١ \[٤٩/ الحجرات/ ١١\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ١١..
٢ \[٤/ النساء/ ٢٩\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ٢٩..
٣ أخرجه الترمذي في: ١٣ – كتاب الأحكام، ٩ – باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، عن أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح..
٤ أخرجه البخاري في: ٤٦ – كتاب المظالم والغضب، ١٦ – باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه. ونصه: عن أم سلمة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال إنما أنا بشر. وإنه يأتيني الخصم. فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صَدَق، فأقضي له بذلك. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها).
 وأخرجه مسلم في: ٣٠ – كتاب الأقضية، حديث ٥ (طبعتنا)..

### الآية 2:189

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [2:189]

يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون ١٨٩ . 
 يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج  أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية : بلغنا أنهم قالوا :( يا رسول الله ! لم خلقت الأهلة ؟ فنزلت ). وروى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال :( نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة ابن غَنْم. قالا : يا رسول الله ! ما بال الهلال يبدو أو يطلع دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدقّ حتى يعود كما كان، لا يكون على حال واحد ؟ فنزلت ). 
ومعنى كونها  مواقيت للناس  معالم لهم في حلّ دَيْنِهم، ولصومهم، ولفطرهم، وأوقات حجهم، وأجائرهم، وأوقات الحيض وعِدَدِ نسائهم، والشروط التي إلى أجل، فكل هذا مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر زيادة ونقصا. ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. 
قال بعض المفسرين : ثمرة الآية أن الأحكام الشرعية كالزكاة والعِدد للنساء والحمل تتعلق بشهور الأهلَّة لا بشهور الفرس. أما ما تعلق بالعقود والأفعال المتعلقة بفعل بني آدم فيتبع فيه العرف من حسابهم. بالأهلة أو بشهور الفرس. فهذا حكم، وذاك حكم آخر. 
وقد ذكر تعالى هذا المعنى في آيات. كقوله سبحانه : وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب  [(١)](#foonote-١). وقوله : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا / فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب  [(٢)](#foonote-٢). أي : من غير افتقار إلى مراجعة المنجِّم وحساب الحاسب، رحمة منه تعالى وفضلا. وإفراد  الحج  بالذكر هنا تنويها بشأنه. 
وقال القفال : نكتة إفراده بيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه. وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر، كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء. والله أعلم. 
والجمهور على فتح حاء  الحج ، والحسن على كسرها في جميع القرآن. قال سيبويه : هما مصدران كالردّ والذكر، وقيل : بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. و الأهلّة  جمع هلال. وجمعه باختلاف زمانه. وهو : غرّة القمر إلى ثلاث ليال أو سبع، ثم يسمى قمرا، وليلة البدر لأربع عشرة. 
قال أبو العباس : سمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، وسمي بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنه يجعلها المغيب. ويقال : سمي بدرا لتمامه وامتلائه. وكل شيء تم فهو بدر. 
**تنبيه :**
الجواب على الرواية الثانية في سبب نزول الآية من الأسلوب الحكيم. وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها للسائل على أن ذلك الغير هو الأولى بحاله أو المهم له. فلما سألوا عن السبب الفاعليّ للتشكلات النورية في الهلال، أجيبوا بما ترى من السبب الغائيّ. تنبيها على أن السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم. لأن درك الأسباب الفاعلية لتلك التشكلات مبنيّ على أمور من علم الهيئة لا عناية للشرع بها. فلو / أجيبوا : بأن اختلاف تشكلات الهلال. بقدر محاذاته للشمس، فإذا حاذاها طرف منه استنار ذلك الطرف. ثم تزداد المحاذاة والاستنارة حتى إذا تمت بالمقابلة امتلأ. ثم تنقص المحاذاة والاستنارة حتى إذا حصل الاجتماع أظلم بالكلية لكان هذا الجواب اشتغالا بعلم الهيئة الذي لا ينتفع به في الدين، ولا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان ذلك. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر. زاد ما زاد ). أخرجه الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) وأبو داود[(٤)](#foonote-٤) وابن ماجة[(٥)](#foonote-٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال علي رضي الله عنه :( من طلب علم النجوم تكهّن ). وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :( علم لا ينفع، وجهل لا يضرّ ) ! والمقصود أن الجواب، على الرواية الثانية، من الأسلوب الحكيم. إشعارا بأن الأولى السؤال عن الحكمة فيه. 
قال السكاكيّ في ( المفتاح ) : ولهذا النوع أعني إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر أساليب متفنّنة، إذ ما من مقتضى كلام ظاهريّ إلا ولهذا النوع مدخل فيه بجهة من جهات البلاغة. ترشد إليه تارة بالتصريح، وتارة بالفحوى. ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب كما قال :
 أتت تشتكي عندي مزاولة القِرى وقد رأت الضِيفان ينحون منزلي
فقلت، كأني ما سمعت كلامها : هُمُ الضيف. جِدِّي في قراهم وعجّلي. !
أو السائل بغير ما يتطلب كما قال تعالى : يسألونك عن الأهلّة .. الآية قالوا في السؤال :( ما بال الهلال يبدو دقيقا.. ! إلخ ؟ ) فأجيبوا بما ترى. وكما قال : يسألونك ماذا ينفقون[(٦)](#foonote-٦) قل : ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل . سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصرف. ينزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله، لتوخّي التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه، أو أهم له إذا تأمل. وأن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور، وأبرزه في معرض المسحور ؛ وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك الخارجي، وسلّ سخيمته، حتى آثر أن يحسن، على أن يسيء ؛ غير أن سحره بهذا الأسلوب ؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله ( لأحملنك على الأدهم ! ) فقال متغابيا : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب ! مبرزا وعيده في معرض الوعد، متوصلا أن يريه بألطف وجه : أن امرأً مثله في مسند الإمرة المطاعة خليق بأن يُصْفِد لا أن يَصْفِد، وأن يعد لا أن يُوعِد. 
 وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون . 
قال الراغب في ( تفسيره ) : الباب معروف. وعنه استعير لمدخل الأمور المتوصل به إليها وقيل في العلم : باب كذا. وقد كان سئل عليه السلام عن زيادة القمر ونقصانه. فأنزل الله هذه الآية تنبيها على أظهر فائدته للحس، وأبينها له. ثم قال : وليس البر بأن تأتوا / البيوت من ظهورها  أي : بأن تطلبوا الأمر من غير وجهه. وذلك أنه يقال : أتى فلان البيت من بابه إذا طلب الشيء من وجهه. وقال الشاعر \* أتيت المروءة من بابها \* وأتى البيت من ظهره : إذا طلب الأمر من غير وجهه. وجعل ذلك مثلا لسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عما هو ليس من العلم المختص بالنبوة. وإن ذلك عدول عن المنهج. وذلك أن العلوم ضربان :
دنيوي، يتعلق بأمر المعاش كمعرفة الصنائع، ومعرفة حركات النجوم، ومعرفة المعادن، والنبات، وطبائع الحيوانات. وقد جعل لنا سبيلا إلى معرفته على غير لسان نبيه عليه سلام. 
وشريعة : وهو البر. ولا سبيل إلى أخذه إلا من جهته. وهو أحكام التقوى.. !
فلما جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، عما أمكنهم معرفته من غير جهته، أجابهم. ثم بين لهم أنه ليس البر ترك المنهج في السؤال من النبي ما ليس مختصا بعلم نبوته. ولكن البر هو مجرد التقوى : وذلك يكون بالعلم والعمل المختص بالدين. 
وقال أبو مسلم الأصفهاني : المراد من هذه الآية، ما كانوا يعملونه من النسيء. فإنهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي عينه الله له. فيحرمون الحلال ويحللون الحرام. فذِكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. 
وأما ما رواه البخاري[(٧)](#foonote-٧) وغيره عن أبي إسحق قال : سمعت البرّاء رضي الله عنه يقول :( نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه. فكأنه عُيّر بذلك، فنزلت  وليس البر...  الآية ). فالمراد، من نزولها في ذلك، صدقها عليه حسبما رآه. لا أن ذلك كان سبب نزولها. كما بينا مرارا معنى قولهم : نزلت الآية في كذا. 
 وقد أشار، لهذا، الراغب بعد حكايته هذه الرواية وما قاله أبو مسلم بقوله : وكل ذلك لا يدفع أن تتناوله الآية. لكن الأليق أن تؤول الآية بما تقدم ذكره من أن معنى  وأتوا البيوت من أبوابها  أي : تحروا في كل عمل إتيان الشيء من وجهه، تنبيها على أن ما يطلب من غير وجهه صعب تناوله. ثم قال  واتقوا الله  حثا لنا أن نجعل تقوى الله شعارنا في كل ما نتحراه. وبين أن ذلك ذريعة إلى تحصيل الفلاح. 
١ \[١٠/ يونس/ ٥\] ونصها: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصّل الآيات لقوم يعلمون ٥..
٢ \[١٧/ الإسراء/ ١٢\] ونصها: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصّلناه تفصيلا ١٢..
٣ أخرجه الإمام أحمد في: صفحة ٢٢٧ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) وحديث رقم ٢٠٠٠ (طبعة المعارف). ونصه: (ما اقتبس رجل علما من النجوم إلا اقتبس بها شعبة من السحر. ما زاد زاد)..
٤ أخرجه أبو داود في: ٢٧ ـ كتاب الطب، ٢٢ ـ باب في النجوم ونصه: (من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد)..
٥ أخرجه ابن ماجة في: ٣٣ ـ كتاب الأدب، ٢٨ ـ باب تعلّم النجوم، حديث ٣٧٢٦ (طبعتنا)..
٦ \[٢/ البقرة/ ٢١٥\] ونصها: يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ٢١٥..
٧ أخرجه البخاري في: ٢٦ ـ كتاب العمرة، ١٨ ـ باب قول الله تعالى: وأتوا البيوت من أبوابها..

### الآية 2:190

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [2:190]

وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ١٩٠ . 
 وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم  المقاتلة في سبيل الله هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين. وفي قوله : الذين يقاتلونكم  تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله. أي : كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم. كما قال : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة  [(١)](#foonote-١)  ولا تعتدوا  أي : بابتداء القتال. أو بقتال من نُهيتم عن قتاله، من النساء، والشيوخ، والصبيان، وأصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد. أو بالمثلة، أو بالمفاجأة من غير دعوة.  إن الله لا يحب المعتدين  أي : المتجاوزين حكمه في هذا وغيره. 
١ \[٩/ التوبة/ ٣٦\] ونصها: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ٣٦..

### الآية 2:191

> ﻿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [2:191]

واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ١٩١ . 
 واقتلوهم  أي : الذين يقاتلونكم  حيث ثقفتموهم  أي : وجدتموهم.  وأخرجوهم من حيث أخرجوكم  أي : من مكة. فإن قريشا أخرجوا المسلمين منها. والمسلمون أخرجوا المشركين يوم الفتح.  والفتنة أشد من القتل  أي : المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان، يتعذب به، أشد عليه من القتل. أي : إن فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالتعذيب، والإخراج من الوطن، والمصادرة في المال أشد قبحا من القتل فيه. إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه على اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه. ورآه سعادة له في عاقبة أمره. فالجملة دفع لما فد يقع من استعظام قتلهم في مثل الحرم، وإعلام بأن القصاص منهم بالقتل دون جرمهم بفتنة المؤمنين. لأن الفتنة أشد من القتل.  ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه  لأن حرمته لذاته. وحرمة سائر الحرم من أجله. وهذا بمثابة الاستثناء من قوله تعالى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم   فإن قاتلوكم  أي : فيه فلا تفتقرون إلى الفرار عن الحرم  فاقتلوهم  فيه إذ لا حرمة لهم لهتكهم حرمة المسجد الحرام  كذلك جزاء الكافرين  لا يترك لهم حرمة كما لم يتركوا حرمة الله في آياته. 
**تنبيه :**
دلت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم، إذا بدأوا بالقتال فيه، دفعا لصولتهم. / كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية[(١)](#foonote-١) تحت الشجرة على القتال. لما تألب عليه بطون قريش ومَنْ والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذٍ. ثم كف الله القتال بينهم فقال : وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم  [(٢)](#foonote-٢). وقال صلى الله عليه وسلم لخالد ومن معه يوم الفتح[(٣)](#foonote-٣) :( إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا... فما عرض لهم أحد إلا أناموه )، وأصيب من المشركين نحو اثنى عشر رجلا. كما في السيرة. 
١ أخرجه البخاري في: ٦٤ – كتاب المغازي، ٣٥ – باب غزوة الحديبية وقول الله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة..
٢ \[٤٨/ الفتح/ ٢٤\] ونصها: وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان اللّه بما تعملون بصيرا ٢٤..
٣ أخرجه مسلم في: ٣٢ – كتاب الجهاد، حديث ٨٥ و٨٦ (طبعتنا)..

### الآية 2:192

> ﻿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:192]

فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ١٩٢ . 
 فإن انتهوا  أي : عن القتال  فإن الله غفور رحيم  أي : فكفّوا عنهم ولا تتعرّضوا لهم تخلقا بصفتي الحق تعالى المذكورتين وهما : المغفرة والرحمة، هذا ظاهر المساق. 
وقال بعضهم : فإن انتهوا  أي : عن الشرك والقتال  فإن الله غفور  لما سلف من طغيانهم  رحيم  بقبول توبتهم وإيمانهم.

### الآية 2:193

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [2:193]

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ١٩٣ . 
 وقاتلوهم  أي : هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنكم  حتى لا تكون  أي : لا توجد في الحرم  فتنة  أي تقوٍّ بسببه يفتنون الناس عن دينهم، ويمنعونهم من إظهاره والدعوة إليه  ويكون الدين لله  خالصا أي : لا يعبد دونه شيء في الحرم. ولا يخشى فيه غيره، فلا يفتن أحد في دينه. ولا يؤذى لأجله. 
وفي ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله ). 
 فإن انتهوا  عن قتالكم في الحرم  فلا عدوان  فلا سبيل لكم بالقتل  إلا على الظالمين  المبتدئين بالقتل. 
وروى البخاري في ( صحيحه ) [(٢)](#foonote-٢) عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما :( أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا : إن الناس قد ضُيِّعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال : يمنعني أن الله حرم دم أخي.. ! قالا : ألم يقل الله  وقاتلوهم / حتى لا تكون فتنة  ؟ فقال : قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله ). 
ثم ساق البخاري رواية أخرى وفيها : قال ابن عمر :( فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما يعذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة ). 
١ أخرجه البخاري في: ٢ – كتاب الإيمان، ١٧ – باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم، حديث ٢٤.
 ومسلم في: ١ – كتاب الإيمان، حديث ٣٦ (طبعتنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ٣٠ – باب وقاتلوهم حتى لا تكون فتة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين..

### الآية 2:194

> ﻿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [2:194]

الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ١٩٤ . 
وقوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام  إيذان بأن مراعاة حرمة الشهر واجبة لمن راعى حرمته، وإن من هتكها اقتصّ منه ؛ فهتك حرمته بهتكهم حرمته. فكما يقاتلون عند المسجد الحرام إذا قاتلوا فيه يقاتلون في الشهر الحرام إذا قاتلوا فيه. 
وقد روى الإمام أحمد[(١)](#foonote-١) بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغزى أو يُغزوا فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ ). ولهذا، لما سار صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، سنة ست معتمرا، وخيم بالحديبية، وبلغه أن عثمان قتل وكان بعثه في رسالة إلى المشركين بايع أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة تحت الشجرة على قتال المشركين. فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كفّ عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين وتحصّن فَلُّهم بالطائف عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق. واستمر عليها إلى كمال أربعين يوما. كما ثبت في ( الصحيحين ) عن أنس. فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها، / ولم تفتح. ثم كرّ راجعا إلى مكة. واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين. وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا عام ثمان. 
 والحرمات قصاص  أي : متساوية، فلا يفضل شهر حرام على آخر. بحيث يمتنع هتك حرمته لهتكهم حرمة ما دونه، على أنا لا نهتك حرمة الشهر والمسجد الحرام والحرم، بل نهتك حرمة من هتك حرمة أحدها قاله المهايميّ. 
و  الحرمات  جمع حرمة. وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. و( القصاص ) : المساواة. والكلام على حذف المضاف. أي : ذوات قصاص. أو المصدر بمعنى المفعول أي : مقاصة، أو الحمل بطريق المبالغة.  فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به  [(٢)](#foonote-٢) وقال : وجزاء سيئة سيئة مثلها  [(٣)](#foonote-٣).  واتقوا الله  في هتك حرمة الشهر والمسجد والحرم بدون هتكهم، وفي زيادة الاعتداء  واعلموا أن الله مع المتقين  أي : بالمعونة والنصر والحفظ والتأييد. 
١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٣٣٤ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٢ \[١٦/ النحل/ ١٢٦\] ونصها: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ١٢٦..
٣ \[٤٢/ الشورى/ ٤٠\] ونصها: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ٤٠..

### الآية 2:195

> ﻿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [2:195]

وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ١٩٥ . 
 وأنفقوا في سبيل الله  أمر بالإنفاق في سائر وجوه القربات والطاعات. ومن أهمها : صرف الأموال في قتال الأعداء، وبدلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم. 
 وقوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  أي : ما يؤدي إلى الهلاك أي : لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، وذلك بالتعرض لما تستوخم عاقبته، جهلا به. 
قال الراغب : وللآية تأويلان بنظرين أحدهما : إنه نهى عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهوّر في الإقدام، والثاني : إنه نهى عن البخل بالمال، وعن القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. فالإنسان، كما أنه منهي عن الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام عن الجهاد، ولهذا قال تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا  [(١)](#foonote-١) الآية، وقال : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  [(٢)](#foonote-٢) الآية. 
ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال، لتجرد المهاجرين عنها، وقد اشتهر في هذه الآية حديث أبي أيوب الأنصاريّ، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن حبّان في ( صحيحه )، 
والحاكم في ( مستدركه ) وغيرهم... ولفظ الترمذي[(٣)](#foonote-٣) : عن أسلم أبي عمران قال :( كنا بمدينة الروم. فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد. فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله ! يلقي بيده إلى التهلكة.. ! فقام أبو أيوب الأنصاريّ فقال : يا أيها الناس ! إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعزّ الله / الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعزّ الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ! فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يردّ علينا ما قلنا : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم ). هذا حديث حسن غريب صحيح. 
أقول : إنكار أبي أيوب رضي الله عنه إما لكونه لا يقول بعموم اللفظ بل بخصوص السبب، وإما لرد زعم أنها نزلت في القتال. أي : في حمل الواحد على جماعة العدو كما تأولوها. وهذا هو الظاهر. وإلا فاللفظ يقتضي العموم، ووروده على السبب لا يصلح قرينة لقصره على ذلك. ولا شبهة أن التعبد إنما هو باللفظ الوارد وهو عام. 
وقد استشهد بعموم الآية عمرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده :( أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فردّه. وقال عمرو : قال الله  ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ! ). 
وقد روي في سبب نزولها آثار ضعيفة ساقها ابن كثير وهي والله أعلم من باب صدق عمومها على ما رووه. 
**تنبيه :**
قال الحاكم : تدل الآية على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خاف على النفس. وتدل على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف، لأن كل ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة. وتدل على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين. كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. وكما فعله أمير المؤمنين علي عليه السلام بصفين. وكما فعله الحسن عليه السلام من مصالحة معاوية. وتدل أيضا على جواز مصالحة الإمام بشيء من أموال الناس إذا / خشي التهلكة. ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يصالح يوم الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأشارا بترك ذلك[(٤)](#foonote-٤). وهو لا يعزم إلا على ما يجوز. 
لطيفة :( الإلقاء ) لغة، طرح الشيء، عُدّي بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة في المفعول لتأكيد معنى النهي. والمراد بالأيدي : الأنفس، فذكر الجزء وإرادة الكل لمزيد اختصاص لها باليد. بناء على أن أكثر ظهور أفعال النفس بها. والتهلكة والهلاك والهلك واحد. فهي مصدر. أي : لا توقعوا أنفسكم في الهلاك. 
والتهلكة بضم اللام. قال الخارزنجي : لا أعلم في كلام العرب مصدرا على تفعلة بضم العين إلا هذا. 
وقال اليزيديّ هو من نوادر الصادر، ولا يجري على القياس !
قال الزمخشري : ويجوز أن يقال : أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما. على أنها مصدر من هلك. فأبدلت من الكسرة ضمة. كما جاء الجُوار في الجِوار. هذا ما ذكروه. 
قال الفخر الرازيّ ولله دره بعد نقله نحو ما سبق : وإني لأتعجب كثيرا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به واتخذوه حجة قوية. فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى. المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها. 
 وأحسنوا  أي : تحروا فعل الإحسان، أي : الإتيان بكل ما هو حسن، ومن أجله الإنفاق، وقوله : إن الله يحب المحسنين . قال الراغب : نبه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم. 
١ \[٢٥/ الفرقان/ ٦٧\] ونصها: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ٦٧..
٢ \[١٧/ الإسراء/ ٢٩\] ونصها: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ٢٩..
٣ أخرجه الترمذي في: ٤٤ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ١٩ ـ حدثنا عبد بن حُمَيْد..
٤ سيرة ابن هشام صفحة ٦٧٦..

### الآية 2:196

> ﻿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:196]

وأتمّوا الحج والعمرة للّه فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا اللّه واعلموا أن اللّه شديد العقاب ١٩٦ . 
 وأتموا الحج والعمرة لله  أي : أدّوهما تامّين بمناسكهما المشروعة لوجه الله تعالى. 
قال الراغب : قيل : أتمّوا  خطاب لمن خرج حاجا أو معتمرا، فأمر أن لا يصرف وجهه حتى يتمهما. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله. واحتج به في وجوب إتمام كل عبادة دخل فيها الإنسان متنفلاً. وأنه متى أفسدها وجب قضاؤها. وقيل : إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة. وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية حقها وإكمال شرائطها. وعلى هذا قوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل  [(١)](#foonote-١) وإلى هذا ذهب الشافعيّ رحمه الله واحتج به في وجوب العمرة. وإنما قال في الحج والعمرة  لله  ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة، من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم : فخصهما بالذكر لله تعالى حثا على الإخلاص فيهما، ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور. 
 فإن أحصرتم  أي : حبسكم عدو عن تمام الحج أو العمرة وأردتم التحلل  فما استيسر من الهدي  أي فعليكم، أو فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر، يقال : يسُر الأمر / واستيسر كما يقال : صعُب واستصعب ؛ و الهدي  بتخفيف الياء وتشديدها جمع هَدْية وهَدِيّة. وهو ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقربا به إلى الله. قال ثعلب : الهدي، بالتخفيف، لغة أهل الحجاز. وبالتثقيل، على فعيل، لغة بني تميم وسفلي قيس. وقد قرئ بالوجهين جميعا في الآية. وشاهد الهديّ مثقلا من كلامهم قول الفرزدق :
حلفت برب مكة والمصلّى \*\*\* وأعناق الهديِّ مقلَّداتِ
وشاهد الهدية كذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة :
إني وأيديهم وكل هدية \*\*\* مما تثج له ترائب تثعب
وأعلى الهدي بدنة. وأدناه شاة. والمعنى : أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه : من بدنة أو بقرة أو شاة. 
**تنبيه :**
قال الراغب : ظاهر قوله تعالى : أحصرتم  أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو بغيرها. وبعد عرفة أو قبلها. وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدوّ مسلم أو غيره. وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدو وإحصار المرض. لولا أن الآية نزلت في سبب العدو فلا يجوز أن تتعدى إلا بدلالة. ولأن قوله : فإذا أمنتم  يدل على أن المراد بالإحصار هو بالعدو. 
وقد يقال : العبرة في أمثاله بعمومه كما ذهب إليه ثلّة من السلف. فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل أنهم قالوا :( الإحصار من عدوّ أو مرض أو كسر ). وقال الثوريّ :( الإحصار من كل شيء آذاه ). 
وثبت في ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير / بن عبد المطلب فقالت : يا رسول الله ! إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ). ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله. 
ومن دلالة الآية ما قاله الراغب : إن ظاهرها يقتضي أن لا قضاء على المحصَر لأنه قال  فما استيسر من الهدي  واقتصر عليه. 
 ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه  أي : الموضع الذي يحل فيه نحره، وهو مكانه الذي يستقر فيه. يعني موضع الإحصار. وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه. واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه شائع. ولما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم. 
وقد ساق الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) بعض ما في قصة الحديبية من القواعد الفقهية في فصل قال فيه : ومنها أن المحصَر ينحر هديه حيث أحصر من الحل أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محله. بدليل قوله تعالى : هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله  [(٣)](#foonote-٣). ومنها أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحل لا من الحرم، لأن الحرم كله محل الهدي. 
وقال الإمام مالك في ( الموطأ ) [(٤)](#foonote-٤) :( من حبس بعدو فحال بينه وبين البيت، فإنه يحل / من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء ). 
قال[(٥)](#foonote-٥) : فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. 
 فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك  أي : فمن كان منكم مشعر المحرمين مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر ويحوجه إلى الحلق، أو كان به أذى من رأسه كجراحة وقمل فعليه، إن حلق، فدية من صيام أو صدقة أو نسك. وقد نزلت هذه الآية في كعب بن عُجْرة الأنصاريّ رضي الله عنه قال[(٦)](#foonote-٦) :( حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال : ما كنت أُرى أن الجهد قد بلغ بك هذا.. ! أما تجد شاة قلت : لا ! قال : صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. فنزلت في خاصة وهي لكم عامة )، رواه الشيخان وغيرهما. واللفظ للبخاري. وروى الإمام أحمد[(٧)](#foonote-٧) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال :( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوامّ تساقط على وجهي، فمر علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أيؤذيك هوامّ رأسك ؟ قلت : نعم. فأمره أن يحلق. قال : ونزلت هذه الآية ). قال ابن عباس : إذا كان ( أو أو ) فأيّةً أخذت أجزأ عنك ! ) وعامة العلماء : إنه يخيّر في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدّق بفرق وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدّان وإن شاء ذبح شاة وتصدّق بها على الفقراء، أي ذلك فعل أجزأه. ولما كان لفظ القرآن في بيان / الرخصة، جاء بالأسهل فالأسهل. ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل فقال :( أما تجد شاة ؟ ) فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنّة أفاده ابن كثير. 
**تنبيه :**
**استفيد من الآية أحكام :**
الأول : جواز الحلق من المحرم، واللبس للمخيط للضرورة، ووجوب الفدية عليه، وذلك لبيان سبب النزول. 
الثاني : تحريم الحلق ولبس المخيط لغير عُذر، وهذا مأخوذ من المفهوم لأنه مصرّح به، وذلك إجماع. 
الثالث : أن الفدية الواجبة تكون من أجناس الثلاثة وهي : الصيام، أو الصدقة، أو النسك، وقد ورد بيانها في حديث كعب. 
الرابع : أن الفدية واجبة على التخيير كما بينا. 
قال الراغب : وظاهر الآية يقتضي أنه لا فرق بين قليل الشعر وكثيره، بخلاف ما قاله أبو حنيفة رحمه الله، حيث لم يلزم إلا بحلق الثلث. وغيره لم يلزم إلا بحلق الربع. 
**لطيفة :**
أصل النسك العبادة، وسميت ذبيحة الأنعام نسكا لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى. 
قال أبو البقاء : والنسك في الأصل مصدر بمعنى المفعول لأنه من : نسك ينسك، والمراد به هاهنا المنسوك، ويجوز أن يكون اسما لا مصدرا، ويجوز تسكين السين. انتهى. 
 فإذا أمنتم  أي : كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين  فمن تمتّع بالعمرة  أي : بإحرامه بها في أشهر الحج. ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت، ويستمر حلالا في سفره ذلك  إلى الحج  أي : إلى وقت الإحرام بالحج  فما  / أي : فعليه ما  استيسر  أي : تيسّر  من الهدي  من النعم، يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل. 
وفي ( النهاية ) : صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوالا فقد صار متمتعا بالعمرة إلى الحج، وسمى به، لأنه : إذا قدم مكة، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، حل من عمرته، وحلق رأسه، وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه، وحل له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب، ثم ينشئ بعد ذلك إحراما جديدا للحج وقت نهوضه إلى منى، أو قبل ذلك، من غير أن يجب عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته، فذلك تمتعه بالعمرة إلى الحج، أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلق وطيب وتنظف وقضاء تفث وإلمام بأهله، إن كانت معه. 
قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) : وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القِران بمنى. وكذلك كان ابن عمر يفعل. ولم ينحر صلى الله عليه وسلم قط إلا بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة البتة. 
 فمن لم يجد  الهدي  فصيام ثلاثة أيام في الحج  أي : بعد الإحرام وقبل الفراغ من أعماله، والأوْلى سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه. 
قال الراغب : إن قيل : كيف قال  في الحج  ؟ ومتى أحرم يوم عرفة لا يمكنه صيام ثلاثة أيام في الحج لأنه منهي عنه في يوم النحر وأيام التشريق ؟ قيل : الواجب على المتمتع أن يحرم بالحج على وجه يمكنه الإتيان بالصيام لثلاثة أيام، وذلك بتقديم الإحرام قبل يوم عرفة. وقد قال ابن عمر وعائشة :( يصوم أيام التشريق ). ويحملان النهي على صوم أيام منى على غير المتمتع. 
 وسبعة إذا رجعتم  أي : إلى أهليكم، أو إذا أخذتم في الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحج. 
قال الراغب : وإطلاق اللفظ يحتمل الأمرين جميعا، فيصح حمله عليهما. 
 إلا أن الذي يرجح الوجه الأول ما روي في ( الصحيحين ) [(٨)](#foonote-٨) من حديث ابن عمر الطويل وفيه :( فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ). 
 تلك عشرة  فذلكة حساب، أي : إجمال بعد تفصيل، وفائدتها : أن لا يتوهم أن الواو بمعنى ( أو ) وأن الكلام على التخيير، بل المجموع بدل الهدي.. ! وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا، فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم. وفي المثل : علمان خير من علم، فإن أكثر العرب لا يعرف الحساب. فاللائق الخطاب الذي يفهمه الخاص والعام. وهو ما يكون بتكرار الكلام وزيادة الإفهام.. !
وفائدة ثالثة : وهو أن المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما.. !
**وفائدة رابعة : أشار لها الراغب وهو :**
إن قوله : تلك عشرة كاملة  استطراد في الكلام، وتنبيه على فضيلة علم العدد، ولذا قيل : العدد أول العلوم وأشرفها. أما أنه أول، فلأن ما عداه معدول منه، وبه يفصل ويميز. وأما كونه أشرف، فلأنه لا اختلاف فيه ولا تغيّر، بل هو لازم طريقة واحدة. فذكر العشرة ووصفها بالكاملة. إذ هي عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإن الواحد مبدأ العدد، والإثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول عدد زوج محدود أي مجتمع من ضرب عدد في نفسه والخمسة أول عدد دائر، والستة أول عدد تام أي إذا أخذ جميع أجزائه لم يزد عليه ولم ينقص منه والسبعة أول عدد أوّل أي لا يتقدمه عدد بعده والثمانية أول عدد زوج الزوج، والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة أول عدد ينتهي إليه العدد. لأن ما بعده يكون مكررا بما قبله، فإذن العشرة هي العدد الكامل.. !
  كاملة  صفة مؤكدة لعشرة تفيد المبالغة في المحافظة ١ \[٢/ البقرة/ ١٨٧\]..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٧ – كتاب النكاح، ١٥ – باب الأكفاء في الدين. ومسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث ١٠٤ و١٠٥ (طبعتنا)..
٣ \[٤٨/ الفتح/ ٢٥\] ونصها: هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محلّه ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرّة بغير علم ليدخل اللّه في رحمته من يشاء لو تزيّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ٢٥..
٤ أخرجه في الموطأ في: ٢٠ – كتاب الحج، حديث ٩٨ (طبعتنا)..
٥ أخرجه في الموطأ في: ٢٠ – كتاب الحج، حدث ٩٩ (طبعتنا)..
٦ أخرجه البخاري في: ٦٥ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ٣٢ – باب فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه، حديث ٩٢١.
 ومسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث ٨٥ (طبعتنا)..
٧ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٢٤١ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٨ أخرجه البخاري في : ٢٥ – كتاب الحج، ١٠٤ – باب من ساق البدن معه، حديث ٨٧٩.
 ومسلم في: ١٥ – كتاب الحج، حديث ١٧٤ (طبعتنا)..

### الآية 2:197

> ﻿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [2:197]

الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ١٩٧ . 
 الحج  أي : أوقات أعماله.  أشهر  وهي : شوال وذو القعدة وذو الحجة. أي عشرة الأول. نزل منزلة الكل لغاية فضله. 
قال الثعلبيّ : وقد جاء في تفسير أشهر الحج وعشر ذي الحجة وفي بعضها تسع فمن عبر بالتسع أراد الأيام، ومن عبر بالعشر أراد الليالي ؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم :( الحج عرفة ). وقد تبينت أنه يفوت الوقوف بطلوع الفجر. 
وقوله : معلومات  أي : قبل نزول الشرع عند الناس، لا يشكلن عليهم. وآذان هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه  فمن فرض  أي : أوجب على نفسه  فيهن الحج  بإحرامه  فلا رفث  أي : فمقتضى إحرامه أن لا يوجد جماع ولا مقدماته ولا فحش من القول  ولا فسوق  أي : خروج عن حدود الشريعة بارتكاب محظورات الإحرام وغيرها كالسباب والتنابز بالألقاب،  ولا جدال  أي : مماراة أحد من الرفقة والخدم والمكارين  في الحج  أي : في أيامه، بل ينبغي أن يوجد فيها كل خير من خيرات الحج. والإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه، والإشعار بعلة الحكم ؛ فإن زيارة البيت المعظم، والتقرب بها إلى الله عز وجل، من موجبات ترك الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي ؛ والدلالة على أن ذلك حقيقي بأن لا يكون، فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه، ففي تضاعيف الحج أقبح، كلبس الحرير في الصلاة. 
**لطيفة :**
قال بعضهم : النكتة في منع هذه الأشياء على أنها آداب لسانية : تعظيم شأن الحرم، / وتغليظ أمر الإثم فيه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل. ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال في مجلس السلطان. ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب، وأفضل الأحوال. وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه إليه.. ! وأما السر فيها على أنها محرمات الإحرام، فهو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى، قاصد له. فيتجرد عن عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زيٍّ كزيّ الأموات، وفي ذلك من تصفية النفس، وتهذيبها، وإشعارها بحقيقة العبودية لله، والأخوة للناس ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره.. !
 وما تفعلوا من خير يعلمه الله  حث على الخير عقيب النهي عن الشر، وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة.. ! وقد رُوِيَ[(١)](#foonote-١) فيمن حج ولم يرفث ولم يفسق أنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ! وذلك، لأن الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة، والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع، يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها، ويدخلها في حياة جديدة : لها فيها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت.. !  وتزوّدا فإن خير الزّاد التقوى  / روى البخاري[(٢)](#foonote-٢) عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ويقولون : نحن المتوكلون ! فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى : وتزوّدوا فإن خير الزّاد التقوى  ). 
أي : وتزودوا ما تتبلغون به وتكفّون به وجوهكم عن الناس، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم.  فإن خير الزاد التقوى ، أي : الاتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم.. !
وقال ابن عمر :( إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر ). وكان يشترط على من صحبه الجودة.. نقله ابن كثير. 
ويقال في معنى الآية : وتزودوا من التقوى للمعاد، فإن الإنسان لا بد له من سفر في الدنيا، ولا بد فيه من زاد، ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب ؛ وسفر من الدنيا إلى الآخرة، ولا بد فيه من زاد أيضا وهو تقوى الله، والعمل بطاعته، واتقاء المحظورات.. ! وهذا الزاد أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة.. ! وفي هذا المعنى قال الأعشى[(٣)](#foonote-٣) :
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى\*\*\* ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون كمثله\*\*\* وأنك لم ترصد لما كان أرصدا.. !
وثمّت وجه آخر : وهو أن قوله تعالى : وتزودوا  أمر باتخاذ الزاد هو طعام السفر، وقوله : فإن خير الزاد التقوى  إرشاد إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها بعد / الأمر بالزاد للسفر في الدنيا، كما قال تعالى : وريشا ولباس التقوى ذلك خير  [(٤)](#foonote-٤) لما ذكر اللباس الحسيّ نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي وهو الخشوع والطاعة، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. 
 واتقون يا أولي الألباب  أي : اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ذوي العقول والأفهام ! فإن قضية اللب تقوى الله، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لبّ له.. ! كما قال تعالى : أولئك كالأنعام بل هم أضل  [(٥)](#foonote-٥) !
وقد قرئ بإثبات الياء في  اتقون  على الأصل، وبحذفها للتخفيف ودلالة الكسرة عليه. 
١ أخرجه البخاري في: ٢٧ ـ كتاب المحصر، ٩ ـ باب قول الله تعالى: فلا رفث حديث ٨١٠.
 ومسلم في: ١٥ ـ كتاب الحج، حديث ٤٣٨ (طبعتنا).
 ولفظ البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه)..
٢ أخرجه البخاري في: ٢٥ ـ كتاب الحج، ٦ ـ باب قول الله تعالى: وتزوّدوا فإن خير الزّاد التقوى، حديث ٨١١..
٣ من قصيدة قالها الأعشى يمدح النبي صلى الله عليه وسلم ومطلعها:
 ألم تغتمض عيناك ليلة أرْمدا\*\*\* وعادك ما عاد السليم المُسهّدا.
٤ \[٧/ الأعراف/ ٢٦\] ونصها: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذّكّرون ٢٦..
٥ \[٧/ الأعراف/ ١٧٩\] ونصها: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ١٧٩..

### الآية 2:198

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [2:198]

ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ١٩٨ . 
 ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم  قال الراغب : كانت العرب تتحاشى من التجارة في الحج ؛ حتى إنهم كانوا يتجنبون المبايعة إذا دخل العشر، وحتى سمّوا من تولّى متجرا في الحج : الداج دون الحاج ؛ فأباح الله ذلك ؛ وعلى إباحة ذلك، دل / قوله : وأذّن في الناس بالحج ... إلى قوله  ليشهدوا منافع لهم  [(١)](#foonote-١) وقوله : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله  [(٢)](#foonote-٢). 
وقد روى البخاري[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عباس قال :( كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم  في مواسم الحج ). 
ففي الآية ترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق وهو المراد بالفضل هنا ومنه قوله تعالى : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  [(٤)](#foonote-٤). أي : لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم الحج رزقا ونفعا وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج... !  فإذا أفضتم من عرفات  أي : دفعتم منها  فاذكروا الله عند المشعر الحرام  أي : بالتلبية، والتهليل، والتكبير، والثناء، والدعوات. و المشعر الحرام  : موضع بالمزدلفة، ميمه مفتوحة وقد تكسر، وقد وَهَمَ من ظنه جبيلا بها. سمى به لأنه معلم للعبادة وموضع لها كذا في ( القاموس وشرحه ). 
ونقل الفخر عن الواحديّ في ( البسيط ) : إن  المشعر الحرام  هو المزدلفة. سماها الله تعالى بذلك، لأن الصلاة والمقام والمبيت به، والدعاء عنده. واستقربه الفخر قال : لأن الفاء في قوله  فاذكروا الله ... إلخ تدلّ على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة. انتهى. 
 قال البيضاوي : ويؤيد الأول ما روى جابر[(٥)](#foonote-٥) :( أنه صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام )، أي : فإنه يدل على تغاير المزدلفة والمشعر الحرام لمكان مسيره صلى الله عليه وسلم منها إلى المشعر الحرام. ! وإنما قال ( يؤيد ) لأنه يجوز أن يؤول المشعر الحرام في الحديث بالجبل، إما بحذف المضاف، أو بتسمية الجزء باسم الكل أفاده السيلكوتي. 
قال ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في سياق حجته صلى الله عليه وسلم :( فلما غربت الشمس واستحكم غروبها أفاض من عرفة بالسكينة من طريق المأزمين، ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء فإذا وجد فجوة وهو المتسع نص سيره أي : رفعه فوق ذلك وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية، حتى أتى المزدلفة فتوضأ، ثم أمر المؤذن بالأذان فأذّن، ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال ؛ فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصل بينهما شيئا ؛ فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرّع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس ). انتهى المقصود منه. 
قال بعض الأئمة : ما أحق الذكر عند المشعر الحرام بأن يكون واجبا أو نسكا، لأنه مع كونه مفعولا له صلى الله عليه وسلم، ومندرجا تحت قوله :( خذوا عني مناسككم )، فيه أيضا النص القرآني بصيغة الأمر : فاذكروا الله عند المشعر الحرام . 
 واذكروه كما هداكم  بدلائل الكتاب، أي : اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة ! فمفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال، كما تقول : اخدمه كما أكرمك، / يعني : لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه. وفيه تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج !  وإن كنتم من قبله  أي : من قبل الهدى  لمن الضالين  الجاهلين بالإيمان والطاعة، و إن  هي المخففة، و( اللام ) هي الفارقة. 
١ \[٢٢/ الحج/ ٢٧\]..
٢ \[٧٣/ المزمل/ ٢٠\]..
٣ أخرجه البخاري في: ٢٥ ـ كتاب الحج، ١٥٠ ـ باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية، حديث ٩٠٤..
٤ \[٦٢/ الجمعة/ ١٠\] ونصها: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ١٠..
٥ أخرجه مسلم في: ١٥ ـ كتاب الحج، حديث ١٤٧ (طبعتنا)..
 وهذا الحديث، ينبغي لمن ينوي الحج، أن يجعل دراسته هِجِّيرَاهُ..

### الآية 2:199

> ﻿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:199]

ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ١٩٩ . 
 ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس  أي : من عرفة لا من المزدلفة. وفي الخطاب وجهان :
أحدهما : أنه قريش. وذلك لما كانوا عليه من الترفع على الناس والتعالي عليهم، وتعظّمهم عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم : نحن أهل الله، وقطّان حرمه، فلا نخرج منه فيقفون بجمع، وسائر الناس بعرفات. 
وقد روى البخاري[(١)](#foonote-١) عن عائشة رضي الله عنها قالت :( كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمّون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ؛ فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يُفيض منها، فذلك قوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس  ). 
وثانيهما : أنه أمر لجميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس يعني : إبراهيم عليه السلام. 
قال الراغب : وسماه الناس لأن ( الناس ) يستعمل على ضربين : أحدهما للنوع من غير / اعتبار مدح وذم، والثاني المدح اعتبارا بوجود تمام الصورة المختصة بالإنسانية، وليس ذلك في هذه اللفظة، بل في اسم كل جنس ونوع نحو : هذه فرس وفلان رجل، وليس هذا بفرس ولا فلان برجل أي : ليس فيه معناه المختص بنوعه. وبهذا النظر نفي السمع والبصر عن الكفار ؛ فعلى هذا سُمّي إبراهيم ( الناس ) على سبيل المدح وهو أن الواحد يسمى باسم الجماعة تنبيها على أنه يقوم مقامهم في الحكم وعلى هذا قول الشاعر :
وليس على الله بمستنكر\*\*\* أن يجمع العالم في واحد.. !
وعلى هذا قال : إن إبراهيم كان أمّة  [(٢)](#foonote-٢) اه. 
فإن قيل : ما معنى كلمة  ثم  فإنها تستلزم تراخي الشيء عن نفسه، سواء عطف على مجموع الشرط والجزاء، أو الجزاء فقط.. ؟
فالجواب : إن كلمة  ثم  ليست للتراخي، بل مستعارة للتفاوت بين الإفاضتين أي : الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة والبعد بينهما بأن أحدهما صواب والآخر خطأ. 
قال التفتازاني : لما كان المقصود من قوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس  المعنى التعريضيّ، كان معناه : ثم لا تفيضوا من مزدلفة. والمقصود من إيراد كلمة  ثم  التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب والأخرى خطأ. 
وأجاب بعضهم بأن  ثم  بمعنى الواو. 
 واستغفروا الله  عما سلف من المعاصي  إن الله غفور رحيم . 
قال ابن كثير عليه الرحمة : كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات. ولهذا ثبت في ( صحيح مسلم ) [(٣)](#foonote-٣) :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا / وثلاثين ). وفي ( الصحيحين ) [(٤)](#foonote-٤) :( أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين ). وقد روى ابن جرير ههنا حديث[(٥)](#foonote-٥) عباس بن مرداس السلمي في استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة. 
١ أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٣٥ ـ باب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، حديث ٨٦٧..
٢ \[١٦/ النحل/ ١٢٠\] ونصها: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ١٢٠..
٣ أخرجه مسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ١٣٥ (طبعتنا).
 ونصه: عن ثوبان قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا انصرف من صلاته، استغفر الله ثلاثا وقال: (اللهم! أنت السلام ومنك السلام. تباركت يا ذا الجلال والإكرام)..
٤ أخرجه البخاري في: ١٠ ـ كتاب الأذان، ١٥٥ ـ باب الذكر بعد الصلاة، حديث ٤٩٩. ونصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم. يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون.
 قال: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم. وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه. إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبّرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين.
 فاختلفنا بيننا. فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين.
 فرجعت إليه فقال: تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر. حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين).
 وأخرجه مسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ١٤٢ (طبعتنا)..
٥ انظر الصفحة ١٩٢ من الجزء الرابع من تفسير ابن جرير، حديث رقم ٣٨٤٣ (طبعة المعارف)..

### الآية 2:200

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [2:200]

فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق ٢٠٠ . 
 فإذا قضيتم مناسككم  أي : فرغتم من أعمال الحج ونفرتم  فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا  أي : فأكثروا ذكر الله، وابذلوا جهدكم في الثناء عليه وشرح آلائه ونعمائه، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :( كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم : كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات.. ! ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله هذه الآية ). وفيها إشعار بتحويل القوم عما اعتادوه، وحث على إفراد ذكره جل شأنه. 
ثم أرشد تعالى إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة. وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال : فمن الناس  أي : الذين نسوا قدر الآخرة وكانت الدنيا أكبر همهم  من يقول  أي : في ذكره  ربنا آتنا  أي : مرغوباتنا  في الدنيا  لا نطلب غيرها  وما له في الآخرة من خلاق  أي : نصيب وحظ لأنه استوفى نصيبه في الدنيا بتخصيص دعائه به. فالجملة إخبار منه تعالى ببيان حاله في الآخرة ؛ أو المعنى : ماله في الآخرة من طلب خلاق. فهو بيان لحاله في الدنيا وتصريح بما علم ضمنا من قوله : آتنا في الدنيا ، أو تأكيد لكون همه مقصورا على الدنيا. وقوله : في الآخرة  حينئذ متعلق  بخلاق  حال منه ؛ وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك. 
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس :( كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون : اللهم ! اجعله عام غيث وعام خِصب وعام ولاد حسن. ! لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا. فنزل فيهم ذلك ). 
 وهؤلاء الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا قال قوم : هو مشركو العرب. وكونهم لا خلاق لهم في الآخرة ظاهر. إذ لا نصيب لهم فيها من كرامة ونعيم وثواب. وقال قوم : هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون الله لدنياهم لا لأخراهم، ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب، حيث سألوا الله تعالى في أعظم المواقف وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها الفاني، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة.. ! ومعنى كونهم لا خلاق لهم في الآخرة، أي : إلا أن يتوبوا، أو إلا أن يعفو الله عنه، أولا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل المولى لآخرته، والله أعلم. كذا يستفاد من الرازي.

### الآية 2:201

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [2:201]

ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ٢٠١ . 
 ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار  جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا والآخرة، وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هيّن، وثناء جميل... إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة : فأعلى ذلك رضوان الله تعالى ودخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب... وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار : فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. 
وقد ورد في السنة الترغيب في هذا الدعاء، فقد كان يقول صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري[(١)](#foonote-١) عن أنس. 
 وروى الإمام أحمد[(٢)](#foonote-٢) : سأل قتادة أنسا :( أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ؟ قال : كان أكثر دعوة يدعو بها يقول : اللهم  ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه ! ) ورواه مسلم[(٣)](#foonote-٣). وهذا لفظه. 
وروى الإمام الشافعي عن عبد الله بن السائب :( أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود : ربنا آتنا في الدنيا حسنة...  الآية ). 
١ أخرجه البخاري في: ٨٠ – كتاب الدعوات، ٥٥ – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، حديث ١٩٧٤.
 ونصه: عن أنس قال: (كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم! ربنا آتنا في الدنيا وحسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ١٠١ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..
٣ أخرجه مسلم في: ٤٨ ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٢٦ (طبعتنا)..

### الآية 2:202

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [2:202]

أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ٢٠٢ . 
 أولئك  إشارة إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجميلة، وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من الإشارة إلى علو درجتهم، وبعد منزلتهم في الفضل  لهم نصيب مما كسبوا  أي : من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. أو من أجل ما كسبوا، كقوله : مما خطيئاتهم أغرقوا  [(١)](#foonote-١). أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه في الدنيا والآخرة. وسمى الدعاء كسبا لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب  والله سريع الحساب  إما بمعنى سريع في الحساب كسريع في السير، فالجملة تذييل لقوله  أولئك...  إلخ يعني : أنه يجازيهم على قدر أعمالهم وكسبهم ولا يشغله شأن لأنه سريع في المحاسبة ؛ أو بمعنى : سريع حسابه كحسن الوجه. فالجملة / تذييل لقوله : فاذكروا الله كذكركم آبائكم...  إلخ يعني : يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد. فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة باكتساب الطاعات والحسنات. 
وقال الراغب : لما كان الحساب يكشف عن جمل الشيء وتفصيله، نبه بذلك على إحاطته بأفعال عباده ووقوفه على حقائقها. وذكر السريع تنبيها أن ذلك منه لا في زمان ولا بفكرة، وذلك أبلغ ما يمكن أن يتصور به الكافة سرعة فعل الله. 
**تنبيه :**
قال الرازي : اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام...  إلخ، ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكره فقال : فاذكروا الله كذكركم آبائكم...  إلخ، ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال : فمن الناس من يقول...  إلخ وما أحسن هذا الترتيب ! فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لا بد من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلي نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر، يشتغل الرجل بالدعاء، فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر.. !
١ \[٧١/ نوح/ ٢٥\]..

### الآية 2:203

> ﻿۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [2:203]

واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ٢٠٣ . 
 واذكروا الله في أيام معدودات  هي أيام التشريق، قاله ابن عباس رضي الله عنه. 
وروى الإمام مسلم[(١)](#foonote-١) عن تبيشة الهذليّ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أيام التشريق أيام / أكل وشرب وذكر الله ). وقال عكرمة :( معنى هذه الآية : التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات : الله أكبر ! الله أكبر ! ). 
وروى البخاري[(٢)](#foonote-٢) عن ابن عمر :( أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، وفي مجلسه، وفي ممشاه في تلك الأيام جميعا ). وفي رواية :( أنه كان يكبر في قبته فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى ) أخرجه البخاري تعليقا. 
ومن الذكر في هذه الأيام التكبير مع كل حصاة الجمار كل يوم من أيام التشريق. فقد ورد في ( الصحيح ) [(٣)](#foonote-٣) :( أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر مع كل حصاة ). 
وقد جاء في الحديث[(٤)](#foonote-٤) الذي رواه أبو داود وغيره :( إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل ). 
وروى مالك[(٥)](#foonote-٥) في ( موطأه ) عن يحيى بن سعيد أنه بلغه ( أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفاع النهار شيئا. فكبّر، فكبّر الناس بتكبيره. ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبّر، فكبّر الناس بتكبيره. ثم خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبّر، فكبّر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت فيُعلَم أن عمر قد خرج يرمي ). 
ثم قال مالك :( والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء من كان في جماعة أو وحده بمنى أو بالآفاق كلها واجب ). 
 ثم قال : الأيام المعدودات أيام التشريق. 
وفي ( القاموس وشرحه ) :( التشريق ) تقديد اللحم، ومنه سميت أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي : تشرَّر في الشمس حكاه يعقوب. وقيل : سميت بذلك لقولهم : أشرق ثبير كيما نغير، أو لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس قاله ابن الأعرابي. قال أبو عبيد : وكان أبو حنيفة يذهب بالتشريق إلى التكبير، ولم يذهب إليه غيره. 
 فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه  أي : فمن تعجل النفر الأول من هذه الأيام الثلاثة، فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث، واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة، فلا يأثم بهذا التعجيل. وإيضاحه : أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالي أيام التشريق. ليرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة. يرمي عند كل جمرة سبع حصيات. ثم من رمى في اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها، فذلك واسع له  ومن تأخر  أي : حتى رمى في اليوم الثالث وهو النفر الثاني  فلا إثم عليه  في تأخّره، واعلم : السنة هو التأخر. فإنه صلى الله عليه وسلم لم يتعجل في يومين بل تأخر حتى أكمل أيام التشريق الثلاثة. ولا يقال هذا اللفظ أعني  فلا إثم عليه  إنما يقال في حق المقصّر لا في حق من أتى بتمام العمل، لأنا نقول : أتى به لمشاكلة اللفظ الأول كقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها  [(٦)](#foonote-٦)، وقوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  [(٧)](#foonote-٧)، ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة / ولا عدوان. فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى. لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه قاله الواحديّ. 
وقال الراغب رفع الإثم عن المتعجل والمتأخر على وجه الإباحة أي كناية عنها وقيل : رفع الإثم أنه حطّ ذنوبهما بإقامتهما الحج تعجّل أو تأخّر بشرط أن يكون مقياسهما الاعتبار بالتقوى، وعلى ذلك دل حديث[(٨)](#foonote-٨) :( من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ! ). 
وقوله تعالى : لمن اتقى  خبر لمبتدأ محذوف، أي : الذي ذكر من التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر، أو من الأحكام لمن اتقى، لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به. على حد : ذلك خير للذين يريدون وجه الله  [(٩)](#foonote-٩) وقوله : هدى للمتقين  [(١٠)](#foonote-١٠).  واتقوا الله  في مجامع أموركم  واعلموا أنكم إليه تحشرون  أي للجزاء على أعمالكم، وهو تأكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى. و الحشر  اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف. 
١ أخرجه مسلم في: ١٣ ـ كتاب الصيام، حديث ١٤٤ (طبعتنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ١٣ ـ كتاب العيدين، ١٢ ـ باب التكبير أيام منى..
٣ أخرجه البخاري في: ٢٥ ـ كتاب الحج، ١٣٨ ـ باب يكبر مع كل حصاة، حديث ٨٩٦..
٤ أخرجه الترمذي في: ٧ ـ كتاب الحج، ٦٤ ـ باب ما جاء كيف ترمى الجمار..
٥ أخرجه في الموطأ في: ٢٠ ـ كتاب الحج، حديث٢٠٥ (طبعتنا)..
٦ \[٤٢/ الشورى/ ٤٠\] ونصها: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ٤٠..
٧ \[٢/ البقرة/ ١٩٤\] ونصها: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ١٩٤..
٨ أخرجه البخاري في: ٢٧ ـ كتاب المحصَر، ٩ ـ باب قول الله تعالى: فلا رفث حديث ٨١٥.
 ومسلم في: ١٥ ـ كتاب الحج، حديث ٤٣٨ (طبعتنا)..
٩ \[٣٠/ الروم/ ٣٨\] ونصها: فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون ٣٨..
١٠ \[٢/ البقرة/ ٢\] ونصها: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ٢..

### الآية 2:204

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [2:204]

ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام ٢٠٤ . 
 ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا  أي : يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه  ويشهد الله على ما في قلبه  أي : يحلف بالله على الإيمان بك والمحبة لك وأن الذي في قلبه موافق للسانه لئلا يتفرس فيه الكفر والعداوة ؛ أو معناه : يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق على نحو ما وصف به أهل النفاق حيث قالوا : نشهد إنك لرسول الله[(١)](#foonote-١). كقوله تعالى : يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله...  [(٢)](#foonote-٢) الآية  وهو ألدّ الخصام  شديد الخصومة، جدل بالباطل. 
١ \[٦٣/ المنافقون/ ١\] ونصها: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ١..
٢ \[٤/ النساء/ ١٠٨\] ونصها: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ١٠٨..

### الآية 2:205

> ﻿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [2:205]

وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ٢٠٥ . 
 وإذا تولى  انصرف عمن خدعه بكلامه  سعى  مشى  في الأرض ليفسد فيها  بإدخال الشبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا / المعنى يسمى فسادا، كقوله تعالى حكاية عن قوم فرعون : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض  [(١)](#foonote-١). أي : يردّوا قومك عن دينهم ويفسدوا عليهم شرعتهم ؛ وسمى هذا المعنى فسادا لأنه يوقع الاختلاف بين الناس، ويفرق كلمتهم، ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام، وتنسفك الدماء. وهذا كثير في القرآن المجيد.  ويهلك الحرث  أي : الزرع.  والنسل  أي : المواشي الناتجة. 
قال بعض المحققين : إن إهلاك الحرث والنسل كناية عن الإيذاء الشديد، وإن التعبير به عن ذلك صار من قبيل المثل ؛ فالمعنى : يؤذي مسترسلا في إفساده ولو أدّى إلى إهلاك الحرث والنسل. 
 والله لا يحب الفساد  أي : لا يرضى فعله. 
قال الراغب : إن قيل : كيف حكم تعالى بأنه لا يحب الفساد وهو مفسد للأشياء ؟ قيل : الإفساد في الحقيقة : إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، ولا هو آمر به، ولا محب له، وما يُرى من فعله ويظهر بظاهره فسادا فهو بالإضافة إلينا واعتبارنا له كذلك. فأما بالنظر الإلهيّ فكله صلاح، ولهذا قال بعض الحكماء : يا من إفساده إصلاح ! أي : ما نظنه إفسادا لقصور نظرنا ومعرفتنا فهو في الحقيقة إصلاح ؛ وجملة الأمر : إن الإنسان هو زبدة هذا العالم وما سواه مخلوق لأجله، ولهذا قال تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض  [(٢)](#foonote-٢). والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله / الذي رسّخ له، فإذن : إهلاك ما أمر بإهلاكه، لإصلاح الإنسان وما منه أسباب حياته الأبدية. ولشرح هذه الجملة موضع آخر. 
١ \[٧/ الأعراف/ ١٢٧\] ونصها: وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتّل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ١٢٧..
٢ \[٢/ البقرة/ ٢٩\] ونصها: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ٢٩..

### الآية 2:206

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [2:206]

وإذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ٢٠٦ . 
 وإذا قيل له  على نهج العظة  اتق الله  في النفاق، واحذر سوء عاقبته. أو الإفساد والإهلاك وفي اللجاج بالباطل  أخذته العزّة بالإثم  أي : حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم وهو التكبر ؛ أو المعنى : أخذته الحميّة للإثم الذي في قلبه فمنعته عن قبول قول الناصح  فحسبه  أي : كافيه  جهنم  إذا صار إليها واستقر فيها جزاء وعذابا  ولبئس المهاد  أي : الفراش الذي يستقر عليه بدل فرش عزّته. 
قال الراغب : المهد معروف، وتصور منه التوطئة، فقيل لكل وطيءٍ مهد. والمهاد يجعل تارة جمعا للمهد، وتارة للآلة نحو فراش. وجعل جهنم مهادا لهم كما جعل العذاب مبشرا به في قوله : فبشرهم بعذاب أليم  [(١)](#foonote-١). 
 وقال الحاكم : هذه الآية تدل على أن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد : اتق الله ! فيقول : عليك نفسك. 
قال الزمخشريّ : ومنه رد قول الواعظ. 
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا، قل أفأنبئكم بشرّ من ذلكم، النار وعدها الله الذين كفروا، وبئس المصير  [(٢)](#foonote-٢). 
١ \[٣/ آل عمران/ ٢١\] ونصها: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ٢١.
 و\[٩/ التوبة/ ٣٤\] ونصها: \* يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ٣٤.
 و\[٨٤/ الانشقاق/ ٢٢ - ٢٤\] ونصها: بل الذين يكذّبون كفروا ٢٢ والله أعلم بما يوعون ٢٣ فبشرهم بعذاب أليم ٢٤..
٢ \[٢٢/ الحج/ ٧٢\]..

### الآية 2:207

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [2:207]

ولما أتمّ تعالى الإخبار عن هذا الفريق من الناس الضال، أتبعه بقسيمه المهتدي. ليبعث العباد على تجنّب صفات الفريق الأول، والتخلق بنعوت الثاني فقال : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد ٢٠٧ . 
 ومن الناس من يشري نفسه  أي : يبيعها ببذلها في طاعة الله  ابتغاء مرضات الله  أي : طلب رضاه  والله رءوف بالعباد  حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، مع كفرهم به، وتقصيرهم في أمره. 
**لطيفة :**
قال بعضهم : كان مقتضى المقابلة للفريق الأول أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح مع عدم الدعوى والتَّبَجُّحِ بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله، وموافقة لسانه لما في جنانه ! والآية تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به. فإن من يبيع نفسه لله، لا يبغي ثمنا لها غير مرضاته، لا يتحرّى إلا العمل الصالح وقول الحق والإخلاص في القلب فلا يتكلم بلسانين، / ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يؤثر على ما عند الله عرض الحياة الدنيا... وهذا هو المؤمن الذي يعتد القرآن بإيمانه... 
وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في ( مسنده )، وابن أبي حاتم ورزين عن سعيد بن المسيّب قال :( أقبل صهيب مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتشل ما في كنانته ثم قال : يا معشر قريش ! لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله ! لا تصلون إليّ حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي ؟ قالوا : نعم ! فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال : ربح البيع، أبا يحيى ! ربح، أبا يحيى.. ! ونزلت : ومن الناس من يشري نفسه...  الآية ). 
وأخرج الحاكم في ( المستدرك ) نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب موصولا. وأخرجه أيضا من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت عن أنس. وفيه التصريح بنزول الآية، وقال : صحيح على شرط مسلم ؛ وروي أنها نزلت في صهيب وغيره. كما روي في نزول الأولى روايات ساقها بعض المفسرين. 
و لا تنافي في ذلك. لأن قولهم نزلت في كذا، تارة يراد به أن حالا ما كان سببا لنزولها، بمعنى أنها ما نزلت إلا لأجله ! وهذا يعلم إما من إشعار الآية بذلك، أو من رواية صح سندها صحة لا مطعن فيه. وتارة يراد به أنها نزلت بعد وقوع شأن ما تشمله بعمومها. فيقول الراوي عقيب حدوث ذلك الشأن : نزلت في كذا، والمراد أنها تصدق عليه لا أن ذلك الشأن كان سببا للنزول... وما روي في هذه الآية من هذا القبيل. 
وإلى هذا النوع أشار الزركشيّ في ( البرهان ) بقوله : قد[(١)](#foonote-١) عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال : نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم. لا أن هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع... 
 وقد قدّمنا أن سبب النزول مما يدخله الاجتهاد. وأنه لا يعول منه إلا على ما صح سنده. وما نزل عنه وارتقى عن درجة الضعف يتفقّه فيه.. فاحرص على هذا التحقيق، وقد أسلفنا في ( المقدمة ) البحث فيه مستوفى. وبالله التوفيق.

١ بالصفحة رقم ٣١ من الجزء الأول (طبعتنا)..

### الآية 2:208

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:208]

يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ٢٠٨ . 
 يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم  بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام فيهما. قراءتان سبعيتان أي : في الإسلام. قال امرؤ القيس بن عابس :فلست مبدّلا بالله ربًّا  ولا مستبدلا بالسِّلم دينا.. !**ومثله قول أخي كَنْدَةَ :**دعوت عشيرتي للسِّلم لمّا  رأيتهم تولّوا مدبرينا.. !قال الرازي : أصل هذه الكلمة من الانقياد. قال الله تعالى : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  [(١)](#foonote-١). والإسلام إنما سمي لهذا المعنى. وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب. وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه. 
ومعنى الآية : ادخلوا في الاستسلام والطاعة. أي : استسلموا لله وأطيعوه ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه  كافة  حال من الضمير في  ادخلوا   ولا تتبعوا خطوات الشيطان  أي : طرقه التي يأمركم بها. ف  إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا / على الله ما لا تعلمون  [(٢)](#foonote-٢) و إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير  [(٣)](#foonote-٣) وضم الطاء من  خطوات  وإسكانها لغتان : حجازية وتميمية. وقد قرئ بهما في السبع.  إنه لكم عدو مبين . ظاهر العداوة أو مُظهِر لها. أي : بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه السلام وغيره، مما شواهده ظاهرة. 
١ \[٢/ البقرة/ ١٣١\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ١٦٩\]..
٣ \[٣٥/ فاطر/ ٦\] وأول الآية: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.....

### الآية 2:209

> ﻿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:209]

فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ٢٠٩ . 
 فإن زللتم  أي : عن الدخول في السلم  من بعد ما جاءتكم البينات  أي : الآيات الظاهرة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق  فاعلموا أن الله عزيز  غالب لا يعجزه الانتقام ممن زلّ ولا يفوته من ضل  حكيم  لا ينتقم إلا بحق. وقوله  فاعلموا..  إلخ نهاية في الوعيد. لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم. 
هذا، ومن الوجوه المحتملة في الآية، أن يكون  السلم  المذكور فيها معناه الصلح والمسالمة وترك المنازعة والاختلاف. فمعنى  ادخلوا في السلم  : كونوا متوافقين ومجتمعين في نصرة الدين، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس. فتكون الآية حينئذ كقوله تعالى : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم  [(١)](#foonote-١). / وقوله : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا  [(٢)](#foonote-٢) وقوله : أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه  [(٣)](#foonote-٣). والله أعلم. 
١ \[٨/ الأنفال/ ٤٦\] ونصها: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ٤٦..
٢ \[٣/ آل عمران/ ١٠٣\] ونصها: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ١٠٣..
٣ \[٤٢/ الشورى/ ١٣\] ونصها: \* شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ١٣..

### الآية 2:210

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [2:210]

هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ٢١٠ . 
 هل ينظرون  أي ينتظرون، ف ( نظر ) ك ( انتظر )، يقال : نظرته وانتظرته إذا ارتقبت حضوره. وهذا الاستفهام إنكاري في معنى النفي ؛ أي : ما ينتظرون بما يفعلون من العناد والمخالفة في الامتثال بما أمروا به، والانتهاء عما نهوا عنه بعد طول الحلم عنهم  إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام  جمع ظلّة كقلل في جمع قلّة أي : في ظلة داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس، فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغمّ على الرائي ما فيها  والملائكة  عطف على الاسم الجليل أي : ويأتي جنده الذين لا يعلم كثرتهم إلا هو. هذا، على قراءة الجماعة. وعلى قراءة أبي جعفر، / بالخفض. فهو عطف على ظلل أو الغمام  وقضي الأمر  أي : أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه. قال الراغب : نبه به على أنه لا يمكن تلافي الفارط.. ! وهو عطف على  يأتيهم  داخل في حيّز الانتظار. وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه، فكأنه قد كان. أو جملة مستأنفة جيء بها إنباء عن وقوع مضمونها.  وإلى الله ترجع الأمور . أي : فمن كانوا نافدي الملك والتصرف في الدنيا، فإن ملكهم وتصرفهم مسترد منهم يوم القيامة وراجع إليه تعالى. يقال : رجع الأمر إلى الأمير، أي استردّ ما كان فوّضه إليهم. أو عنى ب  الأمور  الأرواح والأنفس دون الأجسام، وسماها أمورا من حيث إنها إبداعات مشار إليها بقوله : ألا له الخلق والأمر  [(١)](#foonote-١). فهي من الإبداع الذي لا يمكن من البشر تصوره ؛ فنبه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة ؛ وعلى نحو ذلك قال : كما بدأكم تعودون  [(٢)](#foonote-٢). ويكون رجوعها إما بربح وغبطة، وإما بندامة وحسرة. قاله الإمام الراغب. 
قال أبو مسلم : إنه تعالى قد ملّك كل أحد في دار الاختبار والبلوى أمورا، امتحانا. فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كله لله وحده. وإذا كان كذلك فهو أهل أن يُتقى ويطاع ويدخل في السلم كما أمر ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى. 
وقد قرئ في السبع  ترجع  بضم التاء بمعنى تُردّ، وبفتحها بمعنى تصير، كقوله تعالى :/  ألا إلى الله تصير الأمور  [(٣)](#foonote-٣). 
قال القفال : والمعنى في القراءتين متقارب، لأنها ترجع إليه، وهو سبحانه يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة. 
تنبيهان
**الأول :**
لهذه الآية أشباه ونظائر تدل على أن هذا الوعيد أخرويّ. 
ولذا قال ابن كثير في معنى الآية : يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه  هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة  يعني : يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله : إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.. ! ولهذا قال تعالى : وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور  كما قال الله تعالى : كلا إذا دكّت الأرض دكّا دكّا \* وجاء ربك والملك صفّا صفّا \* وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكّر الإنسان وأنّى له الذكرى  [(٤)](#foonote-٤). وقال : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك...  [(٥)](#foonote-٥) الآية. 
 **الثاني :**
وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أُخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم. والقول في جميع ذلك من جنس واحد. وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها : إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. والقول في صفاته كالقول في ذاته. والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فلو سأل سائل : كيف يجيء سبحانه أو كيف يأتي.. ؟ فليقل له : كيف هو في نفسه ؟ فإذا قال : لا أعلم كيفية ذاته ! فليقل له : وكذلك لا تعلم كيفية صفاته.. ! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف. وقد أطلق غير واحد، ممن حكى إجماع السلف، منهم الخطابيّ : مذهب السلف أن صفاته تعالى تجرى على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وبعض الناس يقول : مذهب السلف إن الظاهر غير مراد. ويقول أجمعنا على أن الظاهر غير مراد. وهذه العبارة خطأ إما لفظا ومعنى، أو لفظا لا معنى. لأن لفظ ( الظاهر ) فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد ؛ ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ؛ فهذا القائل أخطأ حيث ظن أن هذا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى جعله محتاجا إلى تأويل، وحيث حكى عن السلف ما لم يريدوه. وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا ظاهره، أن ظاهر ذلك مراد كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته كقدرتنا. وكذلك لما اتفقوا على أنه حي عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير. فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون / شيء من ظاهر ذلك مرادا. وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادا إلا بدليل يدل على النفي. وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا. وحينئذ فلا يجوز أن يقال : إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير. وبالجملة، فمن قال : إن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة قلنا له : أصبت في المعنى ولكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهميّة طريقا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول : تُمَرُّ كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزّه مقدّس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال : الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم فقد أخطأ. وإنما أُتي من أخطأ من قِبل أنه يتوهم في بعض الصفات أو في كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير :
أحدها : كونه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. 
الثاني : أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله، بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله. فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. 
الثالث : أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم، فيكون معطّلا لما يستحقه الرب. 
الرابع : أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثله / بالمنقوصات والمعدومات، وعطّل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدا في أسماء الله وآياته. 
وحاصل الكلام : أن هذه الصفات إنما هي صفات الله سبحانه على ما يليق بجلاله. نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته. 
هذا ملخص ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه في رسالتيه ( التدمرية ) و( المدنية ). 
قال الحافظ ابن عبد البر : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا المجاز ؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعم أن من أقرّ بها شبّه. وهم، عند من أقر بها، نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة. 
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب ( إبطال التأويل ) : لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها ؛ والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها. 
وقال عبد الله بن المبارك : إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه، واعلم أنه ليس في العقل الصحيح ولا في النقل الصريح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية. والمخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة، من المتأولين لهذا الباب، في أمر مريج. وسبحان الله ! بأي عقل يوزن الكتاب والسنة... ؟
ورضي الله عن الإمام مالك حيث قال : أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لجدل هذا ؟ وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر. وهو من وجوه :
 أحدها : بيان أن العقل لا يحيل ذلك. 
والثاني : أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. 
الثالث : أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول جاء بها بالاضطرار. كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان. فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات ؛ على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. فإذا كان هكذا، فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه، والله يقول الحق وهو ي هو عليه، والله يقول الحق وهو بهدي السبيل. 
قال البقاعيّ : وتجلي الملائكة في ظلل من الغمام أمر مألوف. منه ما في ( الصحيح ) عن البراء رضي الله عنه قال[(٦)](#foonote-٦) :( كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن ! ). 
وعن أَسَيد بن حُضَير قال[(٧)](#foonote-٧) :( بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس. فسكت فسكتت. فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس. ثم قرأ فجالت الفرس. فانصرف. وكان ابنه يحيى قريبا منها. فأشفق أن تصيبه. فلما اجترّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها. فلما أصبح حدّث النبي صلى الله عليه وسلم. فقال : اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير. قال : فأشفقت يا رسول أن تطأ يحيى وكان منها قريبا. فرفعت رأسي فانصرفت إليه. فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح. فخرجت حتى لا أراها. 
 قال : وتدري ما ذاك ؟ قال : لا. قال : تلك الملائكة دنت لصوتك. ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم ). 
وقال البقاعيّ أيضا : لما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيئة وتعاظم الجلال. قال تعالى جوابا لمن كان قال : كيف يكون هذا ؟ 
 سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته١ \[٧/ الأعراف/ ٥٤\] ونصها: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ٥٤..
٢ \[٧/ الأعراف/ ٢٩\] ونصها: قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون ٢٩..
٣ \[٤٢/ الشورى/ ٥٣\] ونصها: صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ٥٣..
٤ \[٨٩/ الفجر/ ٢١ – ٢٣\]..
٥ \[٦/ الأنعام/ ١٥٨\] وباقي الآية: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون ١٥٨..
٦ أخرجه البخاري في: ٦٦ ـ كتاب فضائل القرآن، ١١ ـ باب فضل سورة الكهف..
٧ أخرجه البخاري في: ٦٦ ـ كتاب فضائل القرآن، ١٥ ـ باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن..

### الآية 2:211

> ﻿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:211]

سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ٢١١ . 
 سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة  المراد بهذا السؤال : تقريع بني إسرائيل وتوبيخهم على طغيانهم وجحودهم الحق بعد وضوح الآيات، لا أن يجيبوا فيعلم من جوابهم أمر. كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد، يقول لمن حضره : سله كم أنعمت عليه ؟ أي : كم شاهدوا المعجزات الظاهرة على أيدي أنبيائهم، القاطعة بصدقهم عليهم السلام فيما جاءوهم به : كعصا موسى، وفلقه البحر، وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وصدق من جرت على يديه هذه الخوارق. ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله عليهم بها كفرا كما أشعر بذلك قوله تعالى : ومن يبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب  فالمراد بنعمة الله آياته، فهو من وضع الظاهر موضع المضمر بغير اللفظ السابق، لتعظيم الآيات ؛ ولا يخفى أنها من أجل أقسام نعم الله تعالى لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. وتبديلهم إياها : استبدالهم / بالإيمان بها، الكفر بها والإعراض عنها. كما قال تعالى إخبارا عن كفار قريش : ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار\* جهنم يصلونها وبئس القرار  [(١)](#foonote-١) وقوله : من بعد ما جاءته  أي : وصلت إليه وتمكن من معرفتها أو عرفها، والتصريح بذلك مع أن التبديل لا يتصور قبل المجيء للإشعار بأنهم قد بدلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها، وفيه تقبيح عظيم بهم، ونعي على شناعة حالهم، واستدلال على استحقاقهم العذاب الشديد حيث بدّلوا، بعد المعرفة.. !
١ \[١٤/ إبراهيم/ ٢٨ و٢٩\]..

### الآية 2:212

> ﻿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [2:212]

زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب ٢١٢ . 
 زين للذين كفروا  حتى بدّلوا النعمة  الحياة الدنيا  لحضورها، فألهتهم عن غائب الآخرة. 
قال الحرالي : ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما، من حيث أن نظر العقل والإيمان يُبصِّرُ طيّتها، ويشهد جيفتها، فلا يغترّ بزينتها، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق ؛ فأبهم تعالى المزيَّن في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى : كذلك زينا لكل أمة عملهم  [(١)](#foonote-١). 
 وفي كلامه إشعار بما يجاب عن ورود التزيين، مسندا إلى الله تعالى تارة وإلى غيره أخرى، في عدة آيات من التنزيل الكريم. 
وللراغب كلام بديع ينحلّ به مثل هذا الإشكال وهو قوله :
إن الفعل كما ينسب إلى المباشر له، ينسب إلى ما هو سببه ومسهّله، وعلى هذا يصح أن ينسب فعل واحد تارة إلى الله تعالى وتارة إلى غيره، نحو قوله : قل يتوفّاكم ملك الموت  [(٢)](#foonote-٢)، وفي موضع آخر : الله يتوفّى الأنفس  [(٣)](#foonote-٣). فأسند الفعل في الأول إلى المباشر له، وفي الثاني إلى الآمر به ؛ وهكذا، بتصوّر ما ذكر، تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوبا إلى الله تعالى، منفيا عن الله تعالى. نحو قوله : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم  [(٤)](#foonote-٤). وقوله : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  [(٥)](#foonote-٥)، وقوله : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك  [(٦)](#foonote-٦). 
 ويسخرون  أي : يهزأون  من الذين آمنوا  وهذا كما قال تعالى :/  إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون \* وإذا مروا بهم يتغامزون...  [(٧)](#foonote-٧) الآيات : والذين اتقوا  وهم المؤمنون، وإنما ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها وإيذانا بترتب الحكم عليها  فوقهم يوم القيامة  لأنهم في علّيين وهم في أسفل سافلين، أو لأنهم يتطاولون عليه في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، كما قال تعالى : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون  [(٨)](#foonote-٨). 
ولذا قال الراغب : يحتمل قوله تعالى : فوقهم يوم القيامة  وجهين :
أحدهما : أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا. 
والثاني : أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، والكفار في الدرك الأسفل من النار. انتهى. 
لطائف : قال السيلكوتي : اعلم أن قوله تعالى : زين للذين كفروا...  إلخ جملة معللة لما سبق من أحوال الكفار من المنافقين وأهل الكتاب ؛ يعني أن جميع ما ذكر من صفاتهم الذميمة، لأجل تهالكهم في محبة الحياة الدنيا وإعراضهم عن غيرها ؛ وأورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغا منه، مركوزا في طبيعتهم. وعطف عليه بالفعل المضارع أعني  يسخرون  لإفادة الاستمرار. وعطف قوله : والذين اتقوا  لتسلية المؤمنين. 
وقوله تعالى : والله يرزق من يشاء بغير حساب  يعني : ما يعطي الله هؤلاء / المتقين من الثواب بغير حساب، أي : رزقا واسعا رغدا لا فناء له ولا انقطاع، كقوله سبحانه  فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب  [(٩)](#foonote-٩) ؛ فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب. 
وقد استقصى الراغب ما تحتمله الآية من وجوهها وتلك سعة وعبارته : أعطاه بغير بحساب : إذا أعطاه أكثر مما يستحق، أو أقل مما يستحق ؛ والأول هو المقصود والمشار إليه بالإحسان ؛ وقد فسر ذلك على أوجه لإجمال اللفظ وإبهامه :
الأول : يعطيه عطاء لا يحويه حصر العباد. كقول الشاعر :
\* عطاياه يُحصى قبل إحصائها القطرُ\*
الثاني : يعطيه أكثر مما يستحقه. 
الثالث : يعطيه ولا منة. 
الرابع : يعطيه بلا مضايقة. من قولهم : حاسبه. 
الخامس : يعطيه أكثر مما يحسبه أن يكفيه وكل هذه الوجوه يحتمل أن يكون في الدنيا، ويحتمل أن يكون في الآخرة. 
السادس : أن ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفار والفسّاق الذين قال فيهم : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة...  الآية[(١٠)](#foonote-١٠)، تنبيها أن لا فضيلة في المال لمن يوسع عليه، / ما لم يستعن عليه في الوصول إلى المطلوب منه، ولهذا قال تعالى : أيحسبون أنما نمدّهم...  الآية[(١١)](#foonote-١١). 
السابع : يعطي أولياءه بلا تبعة ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذلك لأن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا ما يجب من حيث يجب على الوجه الذي يجب ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسَب، ولهذا روي :( من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في الآخرة ! ) وعلى هذا قال تعالى لسليمان : هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب  [(١٢)](#foonote-١٢). 
الثامن : أن الله عز وجل يعامل في القيامة المؤمنين لا بقدر استحقاقهم بل بأكثر منه، كما قال : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة...  [(١٣)](#foonote-١٣) الآية. 
التاسع : وهو يقارب ذلك : أن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا حظر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى : فيها ما تشتهيه الأنفس...  [(١٤)](#foonote-١٤) الآية وقوله : يدخلون الجنة...  الآية. 
وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير، يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا. 
١ \[٦/ الأنعام/ ١٠٨\] ونصها: ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبّئهم بما كانوا يعملون ١٠٨..
٢ \[٣٢/ السجدة/ ١١\] ونصها: \* قل يتوفّاكم ملك الموت الذي وكّل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ١١..
٣ \[٣٩/ الزمر/ ٤٢\] ونصها: الله يتوفّى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ٤٢..
٤ \[٨/ الأنفال/ ١٧\] ونصها: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ١٧..
٥ \[٨/ الأنفال/ ١٧\] ونصها: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ١٧..
٦ \[٤/ النساء/ ٧٩\] ونصها: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ٧٩..
٧ \[٨٣/ المطففين/ ٣٦ ـ ٣٩\] وباقي الآيات: وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين \* وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون \* وما أرسلوا عليهم حافظين \* فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون \* على الأرائك ينظرون \* هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون..
٨ \[٨٣/ المطففين/ ٣٦ ـ ٣٩\] وباقي الآيات: وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين \* وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون \* وما أرسلوا عليهم حافظين \* فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون \* على الأرائك ينظرون \* هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون..
٩ \[٤٠/ غافر/ ٤٠\] ونصها: من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ٤٠..
١٠ \[٤٣/ الزخرف/ ٣٣\] ونصها: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ٣٣..
١١ \[ ٢٣/ المؤمنون/ ٥٥ و٥٦\] ونصها: أيحسبون أنما نمدّهم به من مال وبنين ٥٥ \* نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ٥٦..
١٢ \[٣٨/ ص/ ٣٩\]..
١٣ \[٢/ البقرة/ ٢٤٥\] ونصها: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعن ٢٤٥..
١٤ \[٤٣/ الزخرف/ ٧١\] ونصها: يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس ونلذّ الأعين وأنتم فيها خالدون ٧١.

### الآية 2:213

> ﻿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:213]

كان الناس أمّة واحدة فبعث اللّه النّبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغيا بينهم فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ٢١٣ . 
 كان الناس أمة واحدة  أي : وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها لتصلح ولا تفسد، وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم، أي : ما وجدوا إلا ليكونوا كذلك، كما قال في الآية الأخرى : وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا  [(١)](#foonote-١) أي : انحرفوا على الاتحاد والاتفاق، الذي يثمر كل خير لهم وسعادة، إلى الاختلاف والشقاق المستتبع الفساد وهلاك الحرث والنسل. ولما كانوا لم يخلقوا سدى من الله عليهم بما يبصّرهم سبيل الرشاد في الاتحاد على الحق من بعثة الأنبياء، وما نزل معهم من الكتاب الفصل، كما أشارت تتمة الآية  فبعث الله النبيين  الذين رفعهم على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره، وأرسلهم إلى خلقه  مبشرين  لمن آمن وأطاع  ومنذرين  لمن كفر وعصى  وأنزل معهم الكتاب  أي : كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة لكونه متلبسا  بالحق  من جميع الوجوه  ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه  من الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة، فسلكوا بهم، بعد جهد، السبيل الأقوم، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب  وما اختلف فيه  أي : الكتاب الهادي الذي / لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف  إلا الذين أوتوه  أي : علموه، فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف. ولم يكن اختلافهم لالتباس عليهم من جهته بل  من بعد ما جاءتهم البينات  أي : الدلائل الواضحة  بغيا بينهم  أي : حسدا وقع بينهم  فهدى الله الذين آمنوا  بالكتاب  لما اختلفوا  أي : أهل الضلالة  فيه من الحق  أي : للحق الذي اختلفوا فيه. وفي إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا، ما لا يخفى من التفخيم،  بإذنه  أي : بتيسيره ولطفه،  والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . تقرير لما سبق. وفي ( صحيح مسلم ) [(٢)](#foonote-٢) عن عائشة :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ! فاطر السماوات والأرض ! عالم الغيب والشهادة ! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.. ) !. 
١ \[١٠/ يونس/ ١٩\] ونصها: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ١٩.
٢ أخرجه في: ٦ – كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٢٠٠ (طبعتنا)..

### الآية 2:214

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [2:214]

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ٢١٤ . 
 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم  أي : من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين، أي : والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة، سنة الله التي لا تتبدّل  مستهم  استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الذهن، كأنه قيل : كيف كان مثلهم ؟ / فقيل : مستهم  البأساء والضراء  أي : الشدائد والآلام  وزلزلوا  أي : أزعجوا، مما دهمهم من الأهوال والإفزاع، إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة التي تكاد تهدّ الأرض وتدكّ الجبال  حتى يقول الرسول  أي : انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشئون الله تعالى، وأوثقهم بنصره، وداعيهم إلى الصبر  والذين آمنوا معه  وهم الأثبت بعده، العازمون على الصبر، الموقنون بوعد النصر  متى نصر الله  استبطاء له، واستطالة لمدة الشدة والعناء فيقال لهم : ألا إن نصر الله قريب . كما قال تعالى : فإن مع العسر يسرا \* إن مع العسر يسرا  [(١)](#foonote-١) أي : فاصبروا كما صبروا تظفروا.. ! وقد حصل من هذا الابتلاء جانب عظيم للصحابة رضي الله عنهم يوم الأحزاب، كما قال تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا…  الآيات[(٢)](#foonote-٢). 
وروى البخاري[(٣)](#foonote-٣) عن خبّاب بن الأرَتّ رضي الله عنه قال :( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاءُ بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله ! ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.. ! )
 وفي رواية :... ( وهو متوسد بردة، وقد لقينا من المشركين شدة... )
ولما سأل هرقل أبا سفيان : هل قاتلتموه ؟ قال : نعم ! قال : فكيف كانت الحرب بينكم ؟ قل : سجالاً، يدال علينا ونُدال عليه. قال : كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة !
وهذه الآية كآية : الم\* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا، وهم لا يفتنون\* ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين  [(٤)](#foonote-٤). 
١ \[٩٤/ الشرح/ ٥ و٦\]..
٢ \[٣٣/ الأحزاب/ ١٠ - ١٢\]..
٣ أخرجه البخاري في: ٨٩ – كتاب الإكراه، ١ – باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، حديث ١٦٩٦..
٤ \[٢٩/ العنكبوت/ ١ - ٣\]..

### الآية 2:215

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:215]

يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ٢١٥ . 
 يسألونك ماذا ينفقون  أي : أيّ شيء ينفقونه من أصناف الأموال ؟  قل ما أنفقتم من خير فللوالدين  قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما مع كونه صلة وصدقة  والأقربين  بعدهما ليكون صلة وصدقة  واليتامى  بعدهم لأن فيهم الفقر مع العجز  والمساكين  بعدهم لاحتياجهم  وابن السبيل  بعدهم لأنه كالفقير لغيبة ماله. فإن قيل : كيف طابق الجواب السؤال، فإنهم سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف ؟ فالجواب : أن قوله : ما أنفقتم من خير  قد تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل مال عدّوه خيرا وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال الشاعر :
إن الصنيعة لا تكون صنيعة \*\*\* حتى يصاب بها طريق المصنع !
فإذا صنعت صنيعة فاعمد بها\*\*\* لله أو لذوي القرابة أو دَعِ.. !
 فيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة [(١)](#foonote-١). فيما تقدم هذا. 
وقال القفال : إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ ( ما )، إلا أن المقصود السؤال عن الكيفية، لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق المال يخرج قربة إلى الله تعالى ؛ وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال : أن مصرفه أيّ شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال. ونظيره قوله تعالى : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون\* قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول...  [(٢)](#foonote-٢) وإنما كان هذا الجواب موافقا لذلك السؤال، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا ؛ فقوله  ما هي ؟  لا يمكن حمله على طلب الماهية، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها. فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال. فكذا هاهنا، لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم  ماذا ينفقون ؟  ليس هو طلب الماهية، بل طلب المصرف، فلهذا حسن هذا الجواب.. !. 
**وأجاب الراغب بجوابين :**
أحدهما : أنهم سألوا عنهما وقالوا : ما ننفق ؟ وعلى من ننفق ؟ ولكن حذف / في حكاية السؤال أحدهما إيجازا، ودل عليه الجواب بقوله : ما أنفقتم من خير  كأنه قيل : المنفق الخير، والمنفق عليهم هؤلاء، فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة. 
الجواب الثاني : إن السؤال ضربان : سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه. لا زائد عليه ولا ناقصا عنه. وسؤال تعلّم وحق المعلّم أن يكون كالطبيب يتحرى شفاء سقيم فيطلب ما يشفيه طلب المريض أو لم يطلب. فلما كان حاجتهم إلى من ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى من يُنْفَق من المال، بين لهم الأمرين جميعا. إن قيل : كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم.. ؟ قيل : إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم، لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق عليهم على ما ذكر في غير هذا الموضع. 
ولما بين تعالى وجه المصرف وفصّله هذا التفصيل الحسن الكامل، أردفه بالإجمال فقال : وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم  أي : وكل ما فعلتموه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله، وطلبا لجزيل ثوابه، وهربا من أليم عقابه، فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالما، يعني : لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فيجازيكم أحسن الجزاء عليه، كما قال : أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى  [(٣)](#foonote-٣) وقال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره  [(٤)](#foonote-٤). 
١ \[٢/ البقرة/ ١٨٩\] ونصها: \* يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون ١٨٩..
٢ \[٢/ البقرة/ ٧٠ و٧١\] وباقيهما:... تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها قالوا لئن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ٧١.
٣ \[٣/ آل عمران/ ١٩٥\] ونصها: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفّرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب ١٩٥..
٤ \[٩٩/ الزلزلة/ ٧\]..

### الآية 2:216

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:216]

كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ٢١٦ . 
 كتب  أي : فرض  عليكم القتال  أي : قتال المتعرّضين لقتالكم، كما قال : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا  [(١)](#foonote-١)، المراد بقتالهم الجهاد فيهم بما يبيدهم أو يقهرهم ويخذلهم ويضعف قوّتهم. 
قال بعض الحكماء : سيف الجهاد والقتال هو آية العز، وبه مصّرت الأمصار، ومدّنت المدن، وانتشرت المبادئ والمذاهب، وأيِّدت الشرائع والقوانين، وبه حُمي الإسلام من أن تعبث به أيدي العابثين في الغابر، وهو الذي يحميه من طمع الطامعين في الحاضر، وبه امتدت سيطرة الإسلام إلى ما وراء جبال الأورال شمالا، وخط الاستواء جنوبا، وجدران الصين شرقا، وجبال البيرنه غربا.. !
قال : فيجب على المسلمين أن لا يتملّصوا من قول بعض الأوروبيين : إن الدين الإسلامي قد انتشر بالسيف ! فإن هذا القول لا يضرّ جوهر الدين شيئا، فإن المنصفين من الأوروبيين يعلمون أنه قام بالدعوة والإقناع، وأن السيف لم يجرد إلا لحماية الدعوة، وإنما التملص منه يضر المسلمين لأنه يقعدهم عن نصرة الدين بالسيف، ويقودهم إلى التخاذل والتواكل، ويحملهم على الاعتقاد بترك الوسائل فيستخذون إلى الضعف كما في حالتهم اليوم، وتبتلعهم الأمم القوية التي جعلت شعار تمدّنها السيف أو القوة.. !
قال : يجب على المسلمين أن يدرسوا آيات الجهاد صباح مساء، ويطيلوا النظر في قوله تعالى : وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة  [(٢)](#foonote-٢)، لعلهم يتحفّزون إلى مجاراة الأمم القوية المجاهدة في الأمم الضعيفة.. !
وقوله تعالى : وهو كره لكم  من الكراهة، فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة. 
كقول الخنساء[(٣)](#foonote-٣) :\* فإنما هي إقبال وإدبار\* كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له، أو هو فُعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز أي : وهو مكروه لكم، وهذا الكره إنما حصل من حيث نفور الطبع عن القتال لما فيه من مؤنة المال، ومشقة النفس، وخطر الروح، والخوف فلا ينافي الإيمان. لأن كراهة الطبع جبلية لا تنافي الرضا بما كلف به. كالمريض الشارب للدواء البشع. 
وفي ( القاموس وشرحه ) :( الكره ) بالفتح ويضمّ : لغتان جيدتان بمعنى الإباء والمشقة. / قال ثعلب : قرأ نافع وأهل المدينة في سورة ( البقرة )  وهو كره لكم  بالضم في هذا الحرف خاصة، وسائر القرآن بالفتح. وكان عاصم يضم هذا الحرف والذي في الأحقاف : حملته أمه كرها ووضعته كرها  [(٤)](#foonote-٤)، ويقرأ سائرهن بالفتح. وكان الأعمش وحمزة والكسائي يضمون هذه الحروف الثلاثة والذي في النساء : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها  [(٥)](#foonote-٥)، ثم قرؤوا كل شيء سواها بالفتح. قال الأزهريّ : ونختار ما عليه أهل الحجاز : أن جميع ما في القرآن بالفتح إلا الذي في البقرة خاصة، فإن القرّاء أجمعوا عليه !. قال ثعلب : ولا أعلم بين الأحرف التي ضمها هؤلاء وبين التي فتحوها فرقا في العربية، ولا في سنة تتبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، إلا أنه اسم وبقية القرآن مصادر. قال الأزهريّ : وقد أجمع كثير من أهل اللغة : أن ( الكَرْه والكُرْه ) لغتان، فبأي لغة وقع فجائز. إلا الفرّاء فإنه فرّق بينهما بأن ( الكُره ) بالضم ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح : ما أكرهك غيرك عليه. تقول : جئتك كُرها، وأدخلتني كرها. وقال ابن سيده : الكَره : الإباء والمشقة تتكلفها فتحتملها، وبالضم : المشقة تحتملها من غير أن تكلفها. يقال : فعل ذلك كرها وعلى كره. قال ابن بري :/ ويدل لصحة قول الفرّاء قول الله عز وجل : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها  [(٦)](#foonote-٦)، ولم يقرأ أحد بضم الكاف. وقال سبحانه : كتب عليكم القتال وهو كره لكم  [(٧)](#foonote-٧)، ولم يقرأ أحد بفتح الكاف. فيصير ( الكَره ) بالفتح. فعل المضطر، و( الكُره ) بالضم : فعل المختار. 
 وعسى أن تكرهوا شيئا  كالجهاد في سبيل الله تعالى  وهو خير لكم  إذ فيه إحدى الحسنيين : إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة  وعسى أن تحبوا شيئا  كالقعود عن الغزو  وهو شر لكم  لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر  والله يعلم  ما هو خير لكم  وأنتم لا تعلمون  ذلك. فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شقّ عليكم فهو رؤوف بالعباد لا يأمرهم إلا بخير. 
قال الحراليّ : فنفى العلم عنهم بكلمة ( لا ) أي : التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. قال : من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون أي : الراسخون فقد علّمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم. 
حتى إن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، حتى ( شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم في التوجه إلى غزوة بدر[(٨)](#foonote-٨)، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن / ثم قام عمر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال : يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله ! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون  [(٩)](#foonote-٩)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ! فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى بَرْكِ الغِمَاد[(١٠)](#foonote-١٠) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.. ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشيروا علي أيها الناس ! فقال له سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه : والله ! لكأنك تريدنا يا رسول الله ! قال : أجل. قال : فقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق ! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله ). 
١ \[٢/ البقرة/ ١٩٠\] ... إن الله لا يحب المعتدين ١٩٠..
٢ \[٨/ الأنفال/ ٦٠\] ونصها: وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون ٦٠..
٣ البيت بتمامه:
 ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت فإنما هي أقبال وإدبار
 أخبرت أنها قلقة تقبل وتدبر من شدة ما بها من العَلَزِ (والعلز الرعدة والاضطراب والقلق الشديد) على ولدها.
 تقول: كأنني وحشية إذا غفلت رعت، وإذا ذكرت فقد ولدها لم يُقرّها قرار. والبيت للخنساء من قصيدة في صخر. مطلعها:
 ما هاج حزنك؟ أم بالعين عُوَّار أم ذرّفت أم خلت من أهلها الدار
 العوَّار: وجع في العين كالقذى. ذرفت: قطرت قطرا متتابعا لا يبلغ أن يكون سيلا.
 والمعنى: أي شيء هاج حزنك؟ عُوّار بعينيك؟ أم سالت الدموع لخلاء هذه الدار؟..
٤ \[٤٦/ الأحقاف/ ١٥\] ونصها: ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ١٥..
٥ \[٤/ النساء/ ١٩\] ونصها:يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ١٩..
٦ \[٣/ آل عمران/ ٨٣\] ونصها :أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ٨٣..
٧ \[٢/ البقرة/ ٢١٦\] ونصها: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ٢١٦..
٨ انظر سيرة ابن هشام، صفحة ٤٣٤ (طبعة جوتنجن بألمانيا)..
٩ \[٥/ المائدة/ ٢٤\] ونصها: قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ٢٤..
١٠ هو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر. وقيل: بلد باليمن..

### الآية 2:217

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:217]

يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدّ عن سبيل اللّه وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند اللّه والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتّى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون ٢١٧ . 
  يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه  قال الراغب : السائل عن ذلك، قيل : أهل الشرك قصدا إلى تعيير المسلمين لما تجاوزوه من القتل في الشهر الحرام، وقيل : هم أهل الإسلام. 
وقد أخرج الطبرانيّ في ( الكبير )، والبيهقي في ( سننه )، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن جندب بن عبد الله :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا، وبعث عليهم عبد الله بن جحش، فلقوا ابن الحضرميّ فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى. فقال المشركون للمسلمين : قتلتم في الشهر الحرام. فأنزل الله هذه الآية. فقال بعضهم : إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله...  الآية ) [(١)](#foonote-١). 
وأخرجه ابن منده في الصحابة عن ابن عباس. 
وملخص ما ذكره الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) وابن هشام في ( السيرة ) في الكلام على هذه السرية ونزول هذه الآية :( أن النبي صلى الله عليه وسلم[(٢)](#foonote-٢) بعث عبد الله بن جحش الأسديّ إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش، وفي هذه السرية سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا وأمره أن لا ينظر حتى يسير يومين ثم ينظر فيه. فلما سار يومين فتح الكتاب فوجد فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة بين مكة والطائف فترصد بها عيرا لقريش، وتعلم لنا من أخبارهم، فقال : سمعا وطاعة ! وأخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم، فمن / أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، فأما أنا فناهض ! فنهضوا كلهم. فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه. فتخلفا في طلبه. فبَعُد عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة. فيها عمرو بن الحضرميّ، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة. فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام ! فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على مقاتلتهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرميّ فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل فأعجزهم، ثم أقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عزلوا من ذلك الخمس وهو أول خُمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه واشتد تعييب قريش وإنكارهم ذلك. وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا فقالوا : قل أحلّ محمد الشهر الحرام !، واشتد ذلك على المسلمين حتى أنزل الله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام...  الآية ). 
وقوله تعالى : قتال فيه  بدل من الشهر، بدل الاشتمال، لأن القتال يقع في الشهر. 
وقال الكسائيّ : هو مخفوض على التكرير. يريد أن التقدير : عن قتال فيه. وهو معنى قول الفرّاء : مخفوض ب ( عن ) مضمرة. وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجر لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار.. ! وقال أبو عبيدة : هو مجرور على الجوار. وهو أبعد من قولهما، لأن الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ ولا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة. وفيه يجوز أن يكون نعتاً ل ( قتال )، ويجوز أن يكون متعلقا به كما يتعلق ب ( قاتل ). 
وقد قرئ بالرفع في الشاذ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة الاستفهام تقديره : أجائز قتال فيه ؟
  قل  في جوابهم  قتال فيه كبير  أي : أمر كبير مستنكر، وقد كانت العرب لا تسفك دما ولا تغير على عدو في الأشهر الحرم وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وسنذكر، في تنبيه يأتي، التحقيق في كون تحريم القتال فيهما محكما أو منسوخا. 
قال الراغب : إن قيل : لِمَ لَمْ يقل : القتال فيه كبير، وشرط النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرّفا نحو : سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا، قيل : في ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، فقد قال :( أحلّت لي ساعة من نهار ولم تكن تحلّ لأحد قبلي )[(٣)](#foonote-٣). 
 وصد عن سبيل الله  أي : عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج ( سبيل الله ). 
قال الحراليّ : و( الصدّ ) : صرف إلى ناحية بإعراض وتكرّه، و( السبيل ) : طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه. وصد مبتدأ. 
  وكفر به  أي : بالسبيل أعني الدين أو بالله، عطف عليه.  والمسجد الحرام  عطف على  سبيل الله  أي : وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفرّاء أنه معطوف على الهاء في  به  أي : كفر به وبالمسجد الحرام.  وإخراج أهله  أي : أهل المسجد الحرام وهم : رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الذين هم أولياؤه وهو عطف على  صد  أيضا  منه  من المسجد الحرام ؛ وخبر الأسماء الثلاثة  أكبر عند الله  جرما مما فعلته السرية من قتلهم إياهم في الشهر الحرام. لأن الإخراج فتنة  والفتنة أكبر من القتل  في الشهر الحرام، أي : فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر... ! هذا، وقيل : خبر  صد  و كفر  محذوف لدلالة ما تقدم عليه. 
وأشار الرازيّ إلى إعراب آخر وهو : إن  صد  و كفر  معطوفان على  كبير  أي : قتال فيه، موصوف بهذه الصفات. وعليه ف  أكبر  خبر  إخراج  فقط. 
وقد جنح لهذا المهايميّ حيث قال في ( تفسيره ) :
 قل قتال فيه كبير  من المعاصي الكبائر كيف  و  هو  صد عن سبيل الله  أي عن التجارة التي جعلها الله سبيل الرزق لعباده  و  لو استبيح هذا القتل فهو  كفر به و  صد عن  المسجد الحرام  إذا قتل الحجاج الخارجون في الشهر الحرام، فهذا وجه تحريم القتال في هذا الشهر  و  لكن  إخراج أهله  أي إخراجهم أهل المسجد الحرام وهم النبيّ والمؤمنون  منه أكبر عند الله ... إلى آخره. وهذا الوجه من الإعراب بديع، والأكثرون على الأول. 
قال ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في تأويل هذه الآية : يقول سبحانه : هذا الذي أنكرتموه عليهم وإن كان كبيرا فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، والصد عن سبيله وعن بيته. وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت / منكم به أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام. ومما نسب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في هذا المعنى هذه الأبيات، يقال هي لعبد الله بن جحش :
تعدّون قتلا في الحرام عظيمة !\*\*\* وأعظم منه لو يرى الرشدَ راشدُ
صدودكم عما يقول محمد\*\*\* وكفر به، والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله \*\*\*لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإنا وإن عيّرتمونا بقتله \*\*\*وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا\*\*\*بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دما، وابن عبد الله عثمان بيننا \*\*\*ينازعه غل من القدّ عاند
قال الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) : وأكثر السلف فسروا ( الفتنة ) هنا بالشرك، كقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  [(٤)](#foonote-٤) ويدل عليه قوله : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين  [(٥)](#foonote-٥) أي لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه. وحقيقتها أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه، ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتتن به. ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها : ذوقوا فتنتكم . قال ابن عباس : تكذيبكم. وحقيقته : ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتها ومصير أمرها، كقوله : ذوقوا ما كنتم تكسبون  [(٦)](#foonote-٦). وكما فتنوا عباده على الشرك، فتنوا على النار وقيل لهم :/  ذوقوا فتنتكم  [(٧)](#foonote-٧). ومنه قوله تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا...  [(٨)](#foonote-٨) فسّرت الفتنة هنا بتعذيبهم المؤمنين وإحراقهم إياهم بالنار، واللفظ أعم من ذلك. وحقيقته : عذبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين. وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه ويضيفها رسوله إليه كقوله : وكذلك فتنا بعضهم ببعض  [(٩)](#foonote-٩) وقول موسى : إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء  [(١٠)](#foonote-١٠) فتلك بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر، بالنعم والمصائب. فهذا لون، وفتنة المشركين لون. وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر. والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر. وهي الفتنة التي قال فيها محمد صلى الله عليه وسلم[(١١)](#foonote-١١) :( ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير / من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي )... وأحاديث الفتنة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال الطائفتين هي هذه الفتنة[(١٢)](#foonote-١٢). وقد تأتي الفتنة مرادا بها المعصية، كقوله تعالى : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي  [(١٣)](#foonote-١٣). يقوله الجدّ بن قيس لما ندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك[(١٤)](#foonote-١٤)، يقول : إئذن لي في القعود ولا تفتني بتعريضي لبنات الأصفر فإني لا أصبر / عنهن.. ! قال تعالى : ألا في الفتنة سقطوا ، أي : وقعوا في فتنة النفاق وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر. 
والمقصود : أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر الله أنه كبير وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم، والعيب والعقوبة، لاسيما أولياؤه. كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم. في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل :
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد \*\*\* جاءت محاسنه بألف شفيع.. !
فكيف يقاس ببغيض عدوّ جاء بكل قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن ؟.. 
تنبيه : اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية : حرمة القتال في الشهر الحرام. ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ ؟
قال ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في الفصل الذي عقده لما كان في غزوة خبير من الأحكام الفقهية. ما نصه : منها محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من الحديبية في الحجة. فمكث بها ثم سار إلى خيبر في المحرم كذلك. قال الزهري عن عروة عن مروان والمسور، وكذلك قال الواقديّ : خرج في أول سنة سبع من الهجرة. ولكن في الاستدلال بذلك نظر. فإن خروجه كان في أ١ \[٢/ البقرة/ ٢١٨\] ونصها: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ٢١٨..
٢ انظر سيرة ابن هشام، صفحة ٤٢٣، و٤٢٤ (طبعة جوتنجن بألمانيا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٣ – كتاب العلم، ٣٩ – باب كتابة العلم. ونصه:
 عن أبي هريرة (أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه. فأُخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فركب راحلته فخطب فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي. ألا وإنها حلّت لي ساعة من نهار. إلا وإنها ساعتي هذه، حرام لا يختلي شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد. فمن قُتِل فهو بخير النظرين. أما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل.
 فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال اكتبوا لأبي فلان فقال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر، إلا الإذخر.
 .
٤ \[٨/ الأنفال/ ٣٩\] ونصها: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ٣٩..
٥ \[٦/ الأنعام/ ٢٣\]..
٦ \[٣٩/ الزمر/ ٢٤\] ونصها: أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ٢٤..
٧ \[٥١/ الذاريات/ ١٤\] ونصها:ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون ١٤..
٨ \[٨٥/ البروج/ ١٠\] ونصها: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ١٠..
٩ \[٦/ الأنعام/ ٥٣\] ونصها: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ٥٣..
١٠ \[٧/ الأعراف/ ١٥٥\] ونصها: واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ١٥٥..
١١ أخرجه البخاري في: ٩٢ – كتاب الفتن، ٩ – باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم. ونصه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشرّف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذا فليعذ به)..
١٢ أخرجه البخاري في: ٩٢ – كتاب الفتن، ١١ – باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ونصه: عن حذيفة بن اليمان قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير؟ وكنت أسأله عن الشر؟ مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن) قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)..
١٣ \[٩/ التوبة/ ٤٩\] ونصها: ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ٤٩..
١٤ انظر سيرة ابن هشام، الجزء الرابع صفحة ١٥٩ (طبعة الحلبي) وصفحة ٨٩٣ (طبعة جوتنجن بألمانيا)..

### الآية 2:218

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:218]

إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ٢١٨ . 
 إن الذين آمنوا  بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه  والذين هاجروا  تركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام  وجاهدوا في سبيل الله  ولو في الشهر الحرام للدفع عن أنفسهم  أولئك  وإن باشروا القتال / في الشهر الحرام  يرجون رحمة الله  أي جنّته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم. وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للإيذان بأنهم عالمون بأن العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضّل منه سبحانه، لا لأن في فوزهم اشتباها  والله غفور  لهتكهم حرمة الشهر  رحيم  بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم.

### الآية 2:219

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:219]

يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ٢١٩ . 
 يسألونك عن الخمر والميسر  هذه الآية أول آية نزلت في الخمر، على ما قاله ابن عمر والشعبيّ ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ثم نزلت الآية التي في المائدة. 
وروى الإمام أحمد[(١)](#foonote-١) وأبو داود[(٢)](#foonote-٢) والترمذي[(٣)](#foonote-٣) عن عمر أنه قال ( لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ! فنزلت هذه الآية التي في البقرة : يسألونك عن الخمر والميسر...  الآية. فدعي عمر في الخمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت / الآية التي في النساء  يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى أن : لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ  فهل أنتم منتهون  قال عمر : انتهينا انتهينا ). 
وحقيقة الخمر ما أسكر من كل شيء روى ( الشيخان ) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال[(٤)](#foonote-٤) :( كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يُدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة ). 
وأما الميسر فهو القِمار بكسر القاف مصدر من يَسَرَ كالموعد والمرجع من فعلهما يقال : يَسَرْته إذا قمرته، واشتقاقه من ( اليُسْر ) لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من ( اليسار ) لأنه سلب يساره. 
وصفته : أنه كانت لهم عشرة أقداح يقال لها الأزلام والأقلام وهي :
( الفذّ، والتوأم، والرقيب، والحِلْس، بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وككَتِف والنافس، والمُسْبِل، كمُحْسِن والمُعَلَّى كمُعَظَّم، والمنيح كأمير، والسّفيح بوزن ما قبله، والوغد ) لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزّئونها عشرة أجزاء ( كما قاله أبو عمر ) أو ثمانية وعشرين جزءا ( كما قاله الأصمعيّ ) وهو الأكثر، إلا ثلاثة منها وهي ( المنيح والسفيح والوغد ) فلا أنصباء لها. وإنما يكثر بها القداح كراهة التهمة. ولبعضهم :
لي في الدنيا سهام \*\*\* ليس فيهن ربيح
وأساميهن : وغد \*\*\* وسفيح ومنيح
 فللفذّ سهم أي : فرض واحد وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحِلْس أربعة وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلّى سبعة يجعلونها في الربابة ( وهي خريطة ) ويضعونها على أيدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج، باسم رجل رجل، قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البَرَم ( بفتحتين ). كذا في ( الكشاف ) بزيادة. 
وفي ( القاموس وشرحه ) :( الميسر ) اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها. كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه وقسّموه ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل. وإنما سمي الجزور ميسرا لأنه يجزّأ أجزاء. وكل شيء جزأته فقد يَسَرْته ؛ ويسرت الناقة جزأت لحمها، ويسر القوم الجزور أي : اجتزروها واقتسموا أجزاءها. قال سُحَيْم بن وُثَيْلٍ اليَربوعيّ :
أقول لهم بالشِّعب إذ يَيْسِرُونني\*\*\* ألم تعلموا أني ابن فارس زَهْدَمِ ؟
كان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. وقوله ( ييسرونني ) هو من الميسر، أي : يجزونني ويقتسمونني. وقال لبيد :
واعفف عن الجارات وامنح\*\*\* هن ميسرك السمينا !
فجعل الجزور نفسه ميسِراً. ونقل الصاغاني، أن الميسر النرد. وقال مجاهد : كل شيء فيه قمار فهو من الميسر. حتى لعب الصبيان بالجوز. 
 قل فيهما إثم كبير  أي : عظيم وقرئ بالمثلثة وذلك لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع. من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير  ومنافع / للناس  دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر، وإصابة المال بلا كد في الميسر. وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكِبَر، وتأخير ذكر منافعه، مع تخصيصها بالناس، من الدلالة على غلبة الأول ما لا يخفى على ما نطق به قوله تعالى : وإثمهما أكبر من نفعهما  أي : المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه، أي : لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا، كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرّضة ؛ ولهذا، قال عمر لما قرئت عليه :( اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ! ) حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون \* إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون  [(٥)](#foonote-٥). 
**تنبيه :**
ألّف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرّات المسكرات. ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعِيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأرواح، وما ينشأ عنها من الخسران الماليّ. ومما قرره خمسون طبيبا منهم هذه الجمل :
١ إن المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده. 
٢ إنها لا تفيد شيئا في قضاء الأعمال. 
٣ إنها توقف النمو العقلي والجسدي في الأولاد. 
٤ إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجرّ إلى الفقر والشقاء. 
٥ هي من المسكنات كالبنج والإيثر. 
 ٦ إنها تعدّ للأمراض المعدية. 
٧ إنها تعدّ بنوع خاص للتدرّن والسلّ. 
٨ إنها تضر في ذات الرئة والحمّى التيفودية أكثر مما تنفع. 
٩ إنها تقرّب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت. وتطيل مدة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة. 
١٠ إنها تعدّ لضربة الشمس والرعْن في أيام الحر. 
١١ إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد. 
١٢ إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية. 
١٣ إنها كثيرا ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرّحة. 
١٤ إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم. 
١٥ إن المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحتهم. 
١٦ إن الامتناع عنها يفضي إلى صحة وسعادة الجنس البشري. 
 ويسألونك ماذا ينفقون  أي : يتصدقون به من أموالهم  قل العفو  وهو ما يفضل عن النفقة، أي : الفاضل الذي يمكن التجاوز عنه لعدم الاحتياج إليه. 
وفي ( الصحيحين ) [(٦)](#foonote-٦) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول ). 
وأخرج مسلم[(٧)](#foonote-٧) عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل / شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ). 
وروى أبو داود[(٨)](#foonote-٨) والنسائي[(٩)](#foonote-٩) عن أبي هريرة قال :( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : عندي دينار، قال : أنفقه على نفسك. قال عندي آخر، قال : أنفقه على ولدك. قال : عندي آخر، قال : أنفقه على أهلك. قال : عندي آخر، قال : أنفقه على خادمك. قال : عندي آخر، قال : أنت أعلم ). 
 كذلك  أي : كما بين لكم ما ذكر  يبين الله لكم الآيات  أي : الأمر والنهي وهوانَ الدنيا  لعلكم تتفكرون . 
١ أخرجه أحمد في المسند. الصفحة ٥٣ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) حديث ٣٧٨ (طبعة المعارف)..
٢ أخرجه أبو داود في: ٢٥ ـ كتاب الأشربة، ١ ـ باب في تحريم الخمر، حديث ٣٦٧٠..
٣ أخرجه الترمذي في: ٤٤ ـ كتاب التفسير، ٥ ـ سورة المائدة، ٨ ـ باب حدثنا عبد بن حميد..
٤ أخرجه مسلم في: ٣٦ ـ كتاب الأشربة، حديث ٧٣ (طبعتنا). ولم يخرجه البخاري عن ابن عمر..
٥ \[٥/ المائدة/ ٩٠ و٩١\]..
٦ أخرجه البخاري في: ٦٩ – كتاب النفقات، ٢ – باب وجوب النفقة على الأهل والعيال، حديث ٧٦٢. ولم يخرجه مسلم..
٧ أخرجه مسلم في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ٤١ (طبعتنا) ونصه:
 عن جابر قال: (أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دُبُر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألك مال غيره؟ فقال: لا. فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نُعَيْم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم. فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه، ثم قال: ابدأ بنفسك..) إلخ..
٨ أخرجه أبو داود في: ٩ ـ كتاب الزكاة، ٤٥ ـ باب صلة الرحم، حديث ١٦٩١..
٩ أخرجه النسائي في: ٢٣ ـ كتاب الزكاة، ٥٤ ـ باب تفسير ذلك (أي الصدقة عن ظهر غنى) وهو ترجمة الباب السابق..

### الآية 2:220

> ﻿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:220]

في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ٢٢٠ . 
 في الدنيا  أنها فانية والآخرة أنها باقية، وفي أمورهما لتصلحوها ولا تتحملوا مفسداتهما، فلا تتركوا اللذائذ الباقية للذائذ الفانية. 
  ويسألونك عن اليتامى  أخرج أبو داود[(١)](#foonote-١) والنسائي[(٢)](#foonote-٢) والحاكم وغيرهم، عن ابن عباس قال :( لما نزل قوله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  [(٣)](#foonote-٣). وقوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا  \[ ٤/ النساء/ ١٠ \] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه وشرابه، فيُحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى : ويسألونك عن اليتامى..  الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم ). وقوله تعالى : قل إصلاح لهم خير  أي : مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم. وإنما أُقيم غاية المداخلة أعني الإصلاح مقامها، تنبيها على أن المأمور به مداخلة يكون ترتب الإصلاح عليها ظاهرا. كأنها عين الإصلاح  وإن تخالطوهم  تعاشروهم ولم تجانبوهم  فإخوانكم  فهم إخوانكم في الدين الذي هو أقوى من العلاقة النسبية. ومن حقوق الإخوة : المخالطة بالإصلاح والنفع. 
قال الأصبهانيّ : وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم أوسع. وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار. يخرجون النفقات بالسوية، ويتباينون في قلة المطعم وكثرته. 
  والله يعلم المفسد  لأموالهم  من المصلح  لها، فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحرَّوْا غير الإصلاح  ولو شاء الله لأعنتكم  لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء.  إن الله عزيز  أي : غالب على ما أراد  حكيم  أي : فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة. 
هذا، وقد حمل القاضي قوله تعالى : قل إصلاح لهم خير  على جهات المصالح والخيرات العائدة إلى الوليّ واليتيم. قال رحمه الله : هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما لكي ينشأ على علم وأدب وفضل، لأن هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من إصلاح حاله بالتجارة. ويدخل فيه أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة. ويدخل فيه أيضا معنى قوله تعالى : وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطيب  [(٤)](#foonote-٤). ومعنى قوله  خير  يتناول حال المتكفل. أي : هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق اليتيم. ويتناول حال اليتيم أيضا. أي : هذا العمل خير لليتيم من حيث أنه يتضمن صلاح نفسه وصلاح ماله. فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي. 
وقد روى البخاري[(٥)](#foonote-٥) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما ). وروى نحوه مسلم أيضا في ( صحيحه ) [(٦)](#foonote-٦). 
١ أخرجه أبو داود في: ١٧ ـ كتاب الوصايا، ٧ ـ باب مخالطة اليتيم في طعامه، حديث ٢٨٧١..
٢ أخرجه النسائي في: ٣٠ ـ كتاب الوصايا، ١١ ـ باب ما للوصيّ من مال اليتيم إذا قام عليه..
٣ \[٦/ الأنعام/ ١٥٢\] ونصها: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكّرون ١٥٢..
٤ \[٤/ النساء/ ٢\]..
٥ أخرجه البخاري في: ٧٨ ـ كتاب الأدب، ٢٤ ـ باب فضل من يعود يتيما..
٦ مسلم في: ٥٣ ـ كتاب الزهد والرقائق، حديث ٤٢ (طبعتنا) عن أبي هريرة..

### الآية 2:221

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [2:221]

ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكّرون ٢٢١ . 
 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  أي : لا تتزوجوا الوثنيات حتى يؤمنّ بالله تعالى. 
قال ابن كثير : هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان. ثم إن كان عمومها مرادا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين  [(١)](#foonote-١). 
وقد بسط العلاّمة الرازيّ ههنا الكلام على أن لفظ ( المشرك ) هل يتناول الكفار من أهل الكتاب ؟ فانظره. 
والتحقيق : أن المشرك لا يتناول الكتابيّ، لأن آيات القرآن صريحة في التفرقة بينهما. وعطف أحدهما على الآخر في مثل : إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  [(٢)](#foonote-٢). وسر ذلك، أن المشرك هو من يتدين بالشرك. أي : يكون أصل دينه الإشراك ؛ والكتابيّ وإن طرأ في دينه الشرك فلم يكن من أصله وجوهره. 
وقوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة  تعليل للنهي عن مواصلتهنّ وترغيب في مواصلة المؤمنات ؛ أي : ولأَمَة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرقّ وقلة الخطر خير من مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن. فإن نقصان الرِّقِّيَّة فيها مجبور بالإيمان الذي هو أجلّ كمالات الإنسان  ولو أعجبتكم  أي : المشركة بحسنها ونسبها / وغيرهما. فإن نقصان الكفر لا يجبر بها  ولا تنكحوا المشركين  بضم التاء من الإنكاح وهو التزويج أي : لا تزوجوا الكفار بأي كفر كان من المسلمات  حتى يؤمنوا  ويتركوا ما هم فيه من الكفر  ولعبد مؤمن  مع ما به من ذلّ الرِّقِّيَّة  خير من مشرك ولو أعجبكم  بداعي الرغبة فيه الدنيوية. فإن ذهاب الكفاءة بالكفر غير مجبور بشيء منها. وأفْهَمَ هذا خيريةَ والحرّة والحرّ المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما، إعلاما بأن خيريّتهما أمر مقطوع به، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدّونه دنيّا فشرّفه الإيمان، ومن يعدّونه شريفا فحقّره الكفران. ولذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دنيّا موضع التفضيل لعلو وصفه. وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه أفاده البقاعيّ. 
ثم أشار إلى وجه الحظر بقوله تعالى : أولئك  أي : المذكورون من المشركات والمشركين  يدعون  من يقارنهم ويعاشرهم  إلى النار  أي : إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق ؛ فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا.. !  والله يدعو  أي : بما يأمر به على ألسنة رسله  إلى الجنة والمغفرة  أي : العمل المؤدّي إليهما. وتقديم الجنة هنا على المغفرة مع سبقها عليها، لرعاية مقابلة النار ابتداء  بإذنه  بأمره  ويبين آياته  أمره ونهيه في التزويج  للناس لعلهم يتذكرون  لكي يتعظوا وينتهوا عن تزويج الحرام، ويوالوا أولياء الله وهم المؤمنون بالمعاشرة والمصاهرة فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران. 
هذا، وقد قيل : معنى  والله يدعو  وأولياء الله يدعون، وهم المؤمنون، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. تشريفا لهم، وتفخيما لشأنهم، حيث جعل فعل نفسه صورة. وملحظه رعاية المقابلة، كأنه قيل : أعداء الله يدعون إلى النار، وأولياء الله / يدعون إلى الجنة والمغفرة. إلا أن فيه فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى : ويبين  لله تعالى، فليزم التفكيك. 
**تنبيه :**
قال الراغب : حقيقة التذكر، الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما اشتبه القلب. قال : إن قيل : إلى أيّ شيء أشار بهذا التذكر ؟ قيل : إن الله عز وجل ركّب فينا بالفطرة معرفته ومعرفة آلائه. والإنسان باستفادة العلم يتذكر ما ذكر فيه، فهذا معنى التذكر. ثم قال : وقد قيل : الرجاء من الله واجب. بمعنى أنه إذا رجانا حقق رجانا. قال : وهذه مسألة لا يمكن تصورها إن لم نبلغها بتعاطي هذه الأفعال التي شرطها الله تعالى. فلذلك صعب إدراكها لنا. 
١ \[٥/ المائدة/ ٥\]..
٢ \[٩٨/ البينة/ ٦\]..

### الآية 2:222

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [2:222]

ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ٢٢٢ . 
 ويسألونك عن المحيض  وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمى الحيض أيضا. أي : هل يسبب ويقتضي مجانبة مس من رأته ؟  قل هو أذى  أي : الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه، نفرة منه وكراهة له.  فاعتزلوا النساء في المحيض  أي : فاجتنبوا مجامعتهن في زمنه. 
قال الراغب : في قوله تعالى : هو أذى  تنبيه على أن العقل يقتضي تجنبه، كأنه قيل : الحيض أذى وكل أذى متحاشى منه. ولما كان الإنسان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرما، صرح بتحريمه بقوله : فاعتزلوا النساء . 
وروى الإمام أحمد ومسلم[(١)](#foonote-١) عن ثابت عن أنس رضي الله عنه :( أن اليهود كانوا إذا حاضت / المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل  يسألونك عن المحيض قل هو أذى...  إلى آخر الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ! فجاء أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر فقالا : يا رسول الله ! إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن ؟ فتغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما ). 
 ولا تقربوهن حتى يطهرن  تأكيد لحكم الاعتزال، وتنبيه على أن المراد به عدم قربانهنّ، لا عدم القرب منهن، وكنى بقربانهنّ، المنهيّ عنه، عن مباضعتهنّ. فدل على جواز التمتع بهن حينئذ فيما دون الفرج. 
( ففي الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن عائشة رضي الله عنها قالت :( كنت أرجّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض ). 
وفيهما[(٣)](#foonote-٣) عنها أيضا قالت :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن ). 
وروى مسلم[(٤)](#foonote-٤) عنها أيضا قالت :( كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم / فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب. وأتعرّق العَرْق وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيّ ). 
وفي ( الصحيحين ) [(٥)](#foonote-٥) واللفظ لمسلم عن ميمونة قالت :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيّض ). 
وفي لفظ له :( كان يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب ). 
وقوله تعالى : حتى يطهرن  بيان لغاية الاعتزال. وقد قرئ في السبع : بفتح الطاء والهاء مع التشديد، وبسكون الطاء وضم الهاء مخففة. والقراءة الأولى تدل صريحا على أن غاية حرمة القربان هو الاغتسال، كما ينبئ عنه قوله تعالى : فإذا تطهرن...  إلخ. والقراءة الثانية وإن دلت على أن الغاية هو انقطاع الدم بناء على ما قيل : إن الطهر انقطاع الدم، والتطهر الاغتسال إلا أنه لما ضم إليها قوله تعالى : فإذا تطهّرن  صار المجموع هو الغاية ؛ وذلك بمنزلة أن يقول الرجل : لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلّمه ! فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا. وكذلك الآية لما دلت على وجوب الأمرين وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين، فمرجع القراءتين واحد، كما بينا. 
وقد روى مسلم[(٦)](#foonote-٦) عن عائشة :( أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض ؟ فقال :/ تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكة فتطهر بها والفِرصة بالكسر : قطعة من صوف أو قطن أو غيره تتبع بها أثر الدم ). 
ثم آذن تعالى أن التطهر شرط في إباحة قربانهن، لا يصح بدونه، بقوله سبحانه : فإذ تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله  أي : فجامعوهن من المكان الذي أمركم الله بتجنّبه في الحيض وهو القُبُل ولا تتعدّوه إلى غيره.  إن الله يحب الثوابين  من الذنوب  ويحب المتطهرين  أي : المتنزّهين عن الفواحش والأقذار. كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى. وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه وتكرير الفعل لمزيد من العناية بأمر التطهّر. 
١ أخرجه مسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ١٦ (طبعتنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦ ـ كتاب الحيض، ٢ ـ باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، حديث ٢١٠.
 ومسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ١٠ (طبعتنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٦ ـ كتاب الحيض، ٣ ـ باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض، حديث ٢١١.
 ومسلم في: ٣ – كتاب الحيض حديث ١٥ (طبعتنا)..
٤ أخرجه مسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ١٤ (طبعتنا)..
٥ أخرجه البخاري في: ٦ ـ كتاب الحيض، ٥ ـ باب مباشرة الحائض، حديث ٢١٤ ومسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ٣ (طبعتنا)..
٦ أخرجه مسلم في: ٣ ـ كتاب الحيض، حديث ٦١ (طبعتنا).
 وتمام الحديث: فقالت أسماء: (وكيف نطهَّر بها؟ فقال: سبحان الله! تطهّرين بها فقالت عائشة (كأنها تخفي ذلك): تتبعين أثر الدم.
 وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماء فتطّهّر، فتحسن الطهور. أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه. حتى تبلغ شؤون رأسها. ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار! لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)..

### الآية 2:223

> ﻿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [2:223]

نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدّموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشّر المؤمنين ٢٢٣ . 
 نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم  روى الشيخان[(١)](#foonote-١) عن جابر قال :( كانت اليهود تقول : إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها أحول. قال : فأنزلت  نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم . 
 وعند مسلم عن الزهريّ :( إن شاء مجبيِّة، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد ). 
قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : هذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهريّ، لخلوّها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم. 
و ( المجبيِّة ) كملبيّة : المنكبّة على وجهها. و( الصمام الواحد ) : الفرج. وقوله تعالى : حرث لكم  الحرث : إلقاء البذر في الأرض، هذا أصله ؛ والكلام إما بحذف المضاف، أي مواضع حرث، أو المصدر بمعنى المفعول أي : محروثات. وإنما شُبِّهن بذلك لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من المشابهة. من حيث إن كلا منها مادة لما يحصل منه. ولما عبّر تعالى عنهن بالحرث عبر عن مجامعتهن بالإتيان كما تقدم، فقال  فأتوا حرثكم أنّى شئتم  أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة. والمعنى : جامعوهن من أي جهة شئتم ولا تبالوا بقول اليهود. وفي تخصيص ( الحرث ) بالذكر تعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه. 
قال الزمخشريّ : وقوله تعالى : هو أذى فاعتزلوا النساء من حيث أمركم الله فأتوا حرثكم أنّى شئتم . من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة. وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدّبوا بها، ويتكلّفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. 
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية رواية أخرى أخرجها أبو داود[(٢)](#foonote-٢) والحاكم عن ابن عباس قال :( كان هذا الحي من الأنصار ( وهم أهل وثن ) مع هذا الحي من يهود ( وهم أهل كتاب ) كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب أنهم لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة. فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش / يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهن مُقْبلات ومُدْبرات مستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف. فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني. حتى سرى أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل  نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم  أي : مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد ). 
**تنبيه :**
ما ذكرناه من الروايات هو المعوّل عليه عند المحققين. 
وثمت روايات أخر تدل على أن هذه الآية إنما أنزلت رخصة في إتيان النساء في أدبارهن. 
قال الطحاويّ : روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال :( ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال ( يعني وطء المرأة في دبرها ) ثم قرأ  نساؤكم حرث لكم  ثم قال : فأيّ شيء أبين من هذا ؟ ) هذه حكاية الطحاويّ نقلها ابن كثير. 
وقال الحافظ ابن حجر في ( تخريج أحاديث الرافعيّ ) : قال ابن القاسم :( ولم أدرك أحدا أقتدي به في ديني يشك فيه. والمدنيّون يروون فيه الرخصة عن النبي صلى الله عليه وسلم ). يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد. 
أما حديث ابن عمر فله طرق. رواه عنه نافع، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم. وسعيد بن يسّار. وغيرهم. 
أمّا نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدا. منها رواية مالك، وأيوب، وعبيد الله بن عمر العمريّ، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عون، وهشام بن سعد، وعمر بن محمد بن زيد، وعبد الله بن نافع، وأبان بن صالح، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة. 
قال الدارقطنيّ، في أحاديث مالك التي رواها خارج ( الموطّأ ) : نا أبو جعفر الأسوانيّ المالكيّ بمصر. ثنا محمد بن أحمد بن حمّاد، نا أبو الحرث أحمد بن سعيد الفهريّ، نا أبو ثابت / محمد بن عبيد الله. حدثنا الدراورديّ عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع قال : قال لي ابن عمر :( أمسك عليّ المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية  نساؤكم حرث لكم...  فقال : تدري يا نافع فيمن أنزلت هذه الآية ؟ قال قلت : لا ؟ قال، فقال لي : في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم...  الآية قال نافع : فقلت لابن عمر : من دبرها في قبلها ؟ قال : لا، إلا في دبرها ). 
قال أبو ثابت : وحدثني به الداورديّ عن مالك وابن أبي ذئب. وفيهما عن نافع مثله. 
وفي تفسير البقرة من ( صحيح البخاري ) : نا إسحق، أنا النضر، أنا ابن عون عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه. فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، فقال : تدري فيم أنزلت ؟ فقلت : لا ! قال : نزلت في كذا وكذا. ثم مضى ). 
وعن عبد الصمد : حدثني أبي يعني عبد الوارث حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر في قوله تعالى : نساؤكم حرث لكم  قال : يأتيها في... قال : ورواه محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر ؛ عن نافع، عن ابن عمر. هكذا وقع عنده. 
والرواية الأولى في ( تفسير إسحق بن راهويه ) مثل ما ساق، لكن عيّن الآية وهي  نساؤكم حرث لكم  وعيّن قوله كذا وكذا. فقال :( نزلت في إتيان النساء في أدبارهن ). وكذا رواه الطبريّ من طريق ابن علية عن ابن عون. وأما رواية عبد الصمد فهي في تفسير إسحق أيضا عنه، وقال فيه :( يأتيها في الدبر ). 
وأما رواية محمد : فأخرجها الطبراني في ( الأوسط ) عن علي بن سعيد، عن أبي بكر الأعين، عن محمد بن يحيى بن سعيد بلفظ :( إنما أنزلت  نساؤكم حرث لكم  رخصة في إتيان الدبر ). وأخرجه الحاكم في ( تاريخه ) من طريق عيسى بن مثرود عن / عبد الرحمن بن القاسم. ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع. ورواه الدارقطنيّ في ( غرائب مالك ) من طريق زكريا الساجي عن محمد بن الحرث المدنيّ عن أبي مصعب. ورواه الخطيب في ( الرواة ) عن مالك من طريق أحمد بن الحكم العبديّ. ورواه أبو إسحق الثعلبيّ في ( تفسيره ) والدارقطنيّ أيضا من طريق إسحق بن محمد الفرويّ. ورواه أبو نعيم في ( تاريخ أصبهان ) من طريق محمد بن صدقة الفدكيّ، كلهم عن مالك. قال الدراقطني : هذا ثابت عن مالك. 
وأما زيد بن أسلم : فروى النسائي والطبري من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عنه، عن ابن عمر :( أن رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله عز وجل  نساؤكم حرث لكم...  الآية ). 
وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر : فروى النسائيّ من طريق يزيد بن رومان عنه :( أن ابن عمر كان لا يرى به بأسا ). موقوف. 
وأما سعيد بن يسّار : فروى النسائي والطحاويّ والطبريّ من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال : قلت لمالك : إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحرث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال :( قلت لابن عمر : إنا نشتري الجواري فنحمض لهن ( والتحميض : الإتيان في الدبر ) فقال : أفّ ! أو يفعل هذا مسلم ؟ ) قال ابن القاسم : فقال لي مالك : أشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال :( لا بأس به ). 
وأما حديث أبي سعيد : فروى أبو يعلى وابن مردويه في ( تفسيره ) والطبري والطحاوي من طرق : عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ :( أن رجلا أصاب امرأة في دبرها فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا : أثفرها ! فأنزل الله عز وجل : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم  ). ورواه أسامة بن أحمد التجيبيّ من طريق يحيى بن أيوب عن هشام بن سعد، ولفظه :( كنا / نأتي النساء في أدبارهن ويسمى ذلك الإثفار، فأنزل الله الآية ). ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام ولم يسمّ أبا سعيد قال :( كان رجال من الأنصار... ). 
هذا، وقد روي في تحريم ذلك آثار كثيرة نقلها الحافظ ابن كثير في ( تفسيره )، وابن حجر في ( تخريج أحاديث الرافعيّ ). وكلها معلولة. 
ولذا قال البزار : لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا، لا في الحظر ولا في الإطلاق. وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه، فغير صحيح. 
وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي عليّ النيسابوريّ، ومثله عن النسائيّ، وقاله قبلهما البخاري. 
وحكى ابن عبد الحكم الشافعي أنه قال : لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا في تحليله شيء. والقياس أنه حلال. 
وروى أحمد بن أسامة التجيبيّ من طريق معن بن عيسى قال : سألت مالكا عنه، فقال : ما أعلم فيه تحريما. 
وقال ابن رشد في كتاب ( البيان والتحصيل في شرح العتبية ) روى العتبيّ عن ابن قاسم عن مالك أنه قال له وقد سأله عن ذلك مخليا به فقال : حلال ليس به بأس. 
وأخرج الحاكم عن محمد بن عبد الحكم قال : قال الشافعيّ كلاما كلّم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال : سألني محمد بن الحسن فقلت له : إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلّمتك. قال : على المناصفة. قلت : فبأي شيء حرمته ؟ قال : بقول الله عز وجل  فأتوهن من حيث أمركم الله  وقال : فأتوا حرثكم أنّى شئتم ، والحرث لا يكون إلا في الفرج قلت : أفيكون ذلك محرما لما سواه ؟ قال : نعم. قلت : فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها، أو في ذلك حرث... ؟ قال : لا ! / قلت : أفيحرم ذلك ؟ قال : لا ! قلت : فلِمَ تحتج بما لا حجة فيه ؟ قال : فإن الله قال : والذين هم لفروجهم حافظون...  الآية. قال : فقلت له : إن هذا مما يحتجون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت : أنت تتحفظ من زوجته وما ملكت يمينه. قال الحاكم : لعل الشافعيّ كان يقول بذلك في القديم. فأما في الجديد، فالمشهور أنه حرمه. فقد روى الأصم عن الربيع : أن الشافعيّ نصّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه.. وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع قال : قال الشافعي قال الله  نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم  احتملت الآية معنيين : أحدهما أن تُؤتَى المرأة من حيث شاء زوجها. لأن  أنى شئتم  يأتي بمعنى أين شئتم. ثانيهما أن ( الحرث ) إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه. فاختلف أصحابنا في ذلك. فأحسب كلاًّ من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. قال : فطلبنا الدلالة من السنة، فوجدنا حديثين مختلفين : أحدهما ثابت ؛ وهو حديث خزيمة في التحريم. قال : فأخذنا به. 
وعليه، فيكون الشافعيّ رجع عن القديم. وحديث خزيمة رواه الشافعيّ وأحمد والنسائيّ وابن ماجة[(٣)](#foonote-٣) وابن حبّان وأبو نعيم بالسند إلى خزيمة بن ثابت :( أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال : حلال. فلما ولّى الرجل دعاه أو أمر به فدُعي فقال : كيف قلت ؟ في أيّ الخرزتين ؟ أمن دبرها في قبلها ؟ فنعم ! أم من دبرها في دبرها فلا ! إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن ). 
قال الحافظ ابن حجر في ( التلخيص الحبير ) : وفي إسنا١ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٣٩ ـ باب نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم وقدّموا لأنفسكم... الآية، حديث ١٩٧٧.
 ومسلم في: ١٦ ـ كتاب النكاح، حديث ١١٧ (طبعتنا)..
٢ أخرجه أبو داود في: ١٢ ـ كتاب النكاح، ٤٥ ـ باب في جامع النكاح، حديث ٢١٦٤..
٣ أخرجه أحمد في مسنده بالصفحة ٢١٣ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي).
 وابن ماجة في: ٩ ـ كتاب النكاح، ٢٩ ـ باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن، حديث ١٩٢٤ (طبعتنا)..

### الآية 2:224

> ﻿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:224]

ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم ٢٢٤ . 
 ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم  ( العُرضة ) بضم العين فعلة بمعنى مفعول كالقبضة والغرفة وهي اسم ما تعرضه دون الشيء. من عرض العود على الإناء. فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه. تقول : فلان عرضة دون الخير. وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم ؛ أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البر إرادة البر في يمينه. فقيل لهم  ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم  أي : حاجزا لما حلفتم عليه. وسمى المحلوف عليه يمينا لتلبّسه باليمين. كحديث :( من حلف على يمين ). الآتي ذكره. أي : على شيء مما يحلف عليه. وقوله : أن تبرّوا وتتقوا  عطف بيان ل  أيمانكم  أي : للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس أفاده الزمخشري. 
وعلى هذا التأويل : الآية. كقوله تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسّعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا. ألا تحبّون أن يغفر الله لكم  [(١)](#foonote-١). والمعنى المتقدم في الآية اتفق عليه جمهور السلف. ورواه / علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال :( لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير. ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير ). وقد ثبت في ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إني، والله ! إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلّلتها ). وروى مسلم[(٣)](#foonote-٣) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ). 
وفي الآية وجه آخر ذكره كثير من المفسرين. وهو النهي عن الجراءة على الله تعالى بكثرة الحلف به. وذلك لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له. يقول الرجل : قد جعلتني عرضة لِلَوْمك. وقال الشاعر :
\*ولا تجعليني عرضة للوائم \*
 وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله : ولا تطع كل حلاّف مهين  [(٤)](#foonote-٤). وقال تعالى : واحفظوا أيمانكم  [(٥)](#foonote-٥). والعرب كانوا يمدحون المرء بالإقلال من الحلف كما قال كثير :
قليل الألايا[(٦)](#foonote-٦) حافظ ليمينه \*\*\* وإن سبقت منه الألية بَرَّت
والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان : أن من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك. ولا يبقى لليمين في قلبه وقع. فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة. فيختل ما هو الغرض الأصليّ في اليمين. وأيضا، كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية. ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجلّ وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وأما قوله تعالى بعد ذلك : أن تبرّوا وتتقوا  فهو علّة للنهي. أي : إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا. لأن الحلاّف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم، والله أعلم. 
١ \[٢٤/ النور/ ٢٢\] ونصها: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ٢٢..
٢ أخرجه البخاري في: ٥٧ ـ كتاب فرض الخمس، ١٥ ـ باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، حديث ١٤٧١ ونصه:
 عن زهدم قال: (كنا عند أبي موسى. فأتى ذكر دجاجة. وعنده رجل من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي. فدعاه للطعام فقال: إني رأيته يأكل شيئا فقذرته فحلفت لا آكل. فقال: هلم فلأحدثكم عن ذاك: إني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر الأشعريين نستحمله. فقال والله! لا أحملكم. وما عندي ما أحملكم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل. فسأل عنا. فقال أين النفر الأشعريون؟ فأمر لنا بخمس ذودٍ غرّ الذرى. فلما انطلقنا قلنا: ما صنعنا؟ لا يبارك لنا. فرجعنا إليه فقلنا: إنا سألناك أن تحملنا فحلفت أن لا تحملنا. أفنسيت؟ قال لست أنا حملتكم. ولكن الله حملكم. وإني، والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها).
 وأخرجه مسلم في: ٢٧ ـ كتاب الأيمان، حديث ٧ (طبعتنا)..
٣ أخرجه في: ٢٧ – كتاب الأيمان، حديث ١٢ و١٣ و١٤ (طبعتنا)..
٤ \[٦٨/ القلم/ ١٠\]..
٥ \[٥/ المائدة/ ٨٩\] ونصها: لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفّارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلكم تشكرون ٨٩..
٦ الألايا، مفردها: ألِيّة، والألية: اليمين..

### الآية 2:225

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:225]

لا يؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ٢٢٥ . 
 لا يؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم  أي : لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية إذ لم تقصدوا هتك حرمته وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها. كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان  [(١)](#foonote-١) وهو المعنيّ بقوله عز وجل  ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  أي : تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، النية. يعني : ربط القلب به لفوات تعظيم أمره، ولهتك حرمته بنقض اليمين المقصودة. 
روي عن عائشة أنها قالت :( أنزلت هذه الآية في قول الرجل : لا والله، وبلى والله ! ) أخرجه البخاري ومالك وأبو داود[(٢)](#foonote-٢)، وهذا لفظ البخاري. 
وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة والتابعين. ولفظ رواية ابن أبي حاتم عن عائشة قالت :( إنما اللغو في المزاحة والهزل وهو قول الرجل : لا والله ! وبلى والله ! فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله ). 
 ويروى في تفسير لغو اليمين : هو أن يحلف على الشيء يظنه، ثم يظهر خلافه. ويروى : أن يحلف وهو غضبان. ويروى غير ذلك، كما ساقها ابن كثير، مسندة. 
وقد ظهر للفقير أن لا تنافي بين هذه الروايات. لأن كل ما لا عقد للقلب معه من الأيمان فهو لغو بأي صورة كانت وحالة وقعت. فكل ما روي في تفسير الآية فهو يشمله اللغو. والله أعلم. 
والمراد من المؤاخذة : إيجاب الكفارة. كما بين ذلك في آية المائدة : ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته .  والله غفور  يعني : لعباده فيما لغوا من أيمانهم فلم يؤاخذهم به  حليم  يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة تربّصا بالتوبة. والجملة تذييل للحكمين السابقين. فائدته الامتنان على المؤمنين، وشمول مغفرته وإحسانه لهم. 
١ \[٥/ المائدة/ ٨٩\] ونصها: لا يؤاخذكم اللّه باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفّارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلكم تشكرون ٨٩..
٢ أخرجه البخاري في: ٨٣ – كتاب الأيمان والنذور، ١٤ – باب لا يؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم. حديث ١٩٩٦.
 وأخرجه مالك في الموطأ في: ٢٢ – كتاب النذور والأيمان، حديث ٩ (طبعتنا).
 وأبو داود في: ٢١ – كتاب الأيمان والنذور، ٦ – باب لغو اليمين، حديث ٣٢٥٤..

### الآية 2:226

> ﻿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:226]

للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ٢٢٦ . 
 للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم   وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم  اشتملت هذه الآية على حكم الإيلاء، وهو لغة، الامتناع باليمين. وخص في عرف الشرع : بالامتناع باليمين من وطء الزوجة. ولهذا عدى فعله بأداة ( من ) تضمينا له معنى : يمتنعون من نسائهم. وهو أحسن من إقامة ( من ) مقام ( على ). وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإذا مضت فإما أن يفيء وإما أن يطلق. 
 وقد اشتهر عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أن الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون الرضا، كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) مع نسائه. وظاهر القرآن مع الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل آخر. فاحتج على محمد بقول علي كرم الله وجهه، فاحتج عليه محمد بالآية فسكت. وقد اتفق الأئمة على أن المُولي إذا فاء إلى المواصلة لزمته كفارة يمين، وإنما ترك ذكرها هنا لأنها معلومة من موضع آخر في التنزيل العزيز. فعموم وجوب التفكير ثابت على حالف. 
قال العلاّمة صديق خان في ( تفسيره ) : اعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لا يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر. ومعناها ظاهر واضح وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي ( أي : يحلف من امرأته ) أربعة أشهر ؛ ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المولي بعد هذه المدة  فإن فاءوا  أي : رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح  فإن الله غفور رحيم  أي : لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم ؛  وإن عزموا الطلاق  أي : وقع العزم منهم عليه والقصد له  فإن الله سميع  لذلك منهم  عليم  به. فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة. فمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يقيد بمدة، أو قيّد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر. فإذا مضت فهو بالخيار : إما رجع إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها. أو طلقها، أو كان له حكم المطلق لامرأته ابتداء. وأما إذا وقّت بدون أربعة أشهر : فإن أراد / أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه شهرا. فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر. وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة. وكان ممتثلا لما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله :( من حلف على يمين فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه ). 
قال الحراليّ : وفي قوله تعالى : فإن الله سميع عليم  تهديد لما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العِدَد والاستبراء أمانة في أيدي النساء. فلذلك انتظمت آية تربّص المرأة في عدتها بآية تربّص الزوج في إيلائه. 
قال الإمام ابن كثير : وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المُولِي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه مالك عن عبد الله بن دينار قال :( خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول :
تطاول هذا الليل واسودّ جانبُهْ \*\*\*وأرّقني إلا خليل ألاعبُهْ
فوالله ! لولا الله، أني أراقبُه\*\*\* لحُرِّك من هذا السرير جوانبُهْ.. !
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنهما : كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها ؟ فقالت : ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر : لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك ). وقال محمد بن إسحق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مُغلقة بابها تقول :
 تطاول هذا الليل وازورّ جانبه \*\*\*وأرّفني إلا ضجيع ألاعبُه
ألاعبه طورا وطورا كأنما\*\*\* بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه
يُسَرُّ به من كان يلهو بقربه\*\*\* لطيف الحشا لا يحتويه أقاربهفوالله ! لولا الله، لا شيء غيره،  لنُقِّض من هذا السرير جوانبهولكنني أخشى رقيبا موكّلا\*\*\* بأنفاسنا، لا يفتر، الدهر، كاتبه
مخافة ربي، والحياء يصدّني، \*\*\*وإكرام بعلي، أن تنال مراكبه. !
ثم ذكر بقية ذلك كما تقدم أو نحوه وقد روي هذا من طرق، وهو من المشهورات. 
١ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ١١ ـ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الهلال فصوموا).
 عن أم سلمة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا. فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا أو راح فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهرا فقال: إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما)..

### الآية 2:227

> ﻿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:227]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٢٦: للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ٢٢٦ . 
 للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم   وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم  اشتملت هذه الآية على حكم الإيلاء، وهو لغة، الامتناع باليمين. وخص في عرف الشرع : بالامتناع باليمين من وطء الزوجة. ولهذا عدى فعله بأداة ( من ) تضمينا له معنى : يمتنعون من نسائهم. وهو أحسن من إقامة ( من ) مقام ( على ). وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإذا مضت فإما أن يفيء وإما أن يطلق. 
 وقد اشتهر عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أن الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون الرضا، كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) مع نسائه. وظاهر القرآن مع الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل آخر. فاحتج على محمد بقول علي كرم الله وجهه، فاحتج عليه محمد بالآية فسكت. وقد اتفق الأئمة على أن المُولي إذا فاء إلى المواصلة لزمته كفارة يمين، وإنما ترك ذكرها هنا لأنها معلومة من موضع آخر في التنزيل العزيز. فعموم وجوب التفكير ثابت على حالف. 
قال العلاّمة صديق خان في ( تفسيره ) : اعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لا يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر. ومعناها ظاهر واضح وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي ( أي : يحلف من امرأته ) أربعة أشهر ؛ ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المولي بعد هذه المدة  فإن فاءوا  أي : رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح  فإن الله غفور رحيم  أي : لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم ؛  وإن عزموا الطلاق  أي : وقع العزم منهم عليه والقصد له  فإن الله سميع  لذلك منهم  عليم  به. فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة. فمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يقيد بمدة، أو قيّد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر. فإذا مضت فهو بالخيار : إما رجع إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها. أو طلقها، أو كان له حكم المطلق لامرأته ابتداء. وأما إذا وقّت بدون أربعة أشهر : فإن أراد / أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه شهرا. فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر. وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة. وكان ممتثلا لما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله :( من حلف على يمين فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه ). 
قال الحراليّ : وفي قوله تعالى : فإن الله سميع عليم  تهديد لما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العِدَد والاستبراء أمانة في أيدي النساء. فلذلك انتظمت آية تربّص المرأة في عدتها بآية تربّص الزوج في إيلائه. 
قال الإمام ابن كثير : وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المُولِي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه مالك عن عبد الله بن دينار قال :( خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول :
تطاول هذا الليل واسودّ جانبُهْ \*\*\*وأرّقني إلا خليل ألاعبُهْ
فوالله ! لولا الله، أني أراقبُه\*\*\* لحُرِّك من هذا السرير جوانبُهْ.. !
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنهما : كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها ؟ فقالت : ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر : لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك ). وقال محمد بن إسحق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مُغلقة بابها تقول :
 تطاول هذا الليل وازورّ جانبه \*\*\*وأرّفني إلا ضجيع ألاعبُه
ألاعبه طورا وطورا كأنما\*\*\* بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه
يُسَرُّ به من كان يلهو بقربه\*\*\* لطيف الحشا لا يحتويه أقاربهفوالله ! لولا الله، لا شيء غيره،  لنُقِّض من هذا السرير جوانبهولكنني أخشى رقيبا موكّلا\*\*\* بأنفاسنا، لا يفتر، الدهر، كاتبه
مخافة ربي، والحياء يصدّني، \*\*\*وإكرام بعلي، أن تنال مراكبه. !
ثم ذكر بقية ذلك كما تقدم أو نحوه وقد روي هذا من طرق، وهو من المشهورات. 
١ أخرجه البخاري في: ٣٠ ـ كتاب الصوم، ١١ ـ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الهلال فصوموا).
 عن أم سلمة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا. فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا أو راح فقيل له: إنك حلفت أن لا تدخل شهرا فقال: إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما)..


---

### الآية 2:228

> ﻿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:228]

والمطلّقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحلّ لهن أن يكتمن ما خلق اللّه في أرحامهن إن كن يؤمن باللّه واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردّهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة واللّه عزيز حكيم ٢٢٨ . 
 والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  هذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت. وأريد بالمطلقات : المدخول بهن من ذوات الأقراء، لما دلت الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر. أما غير المدخولة فلا عدة عليها لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة  [(١)](#foonote-١) ؛ وأما التي لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى :/  واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن  [(٢)](#foonote-٢) ؛ وأما الحامل فعدتها وضع الحمل لقوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  [(٣)](#foonote-٣) فهذه الآية من العام المخصوص. 
قال الزمخشريّ : فإن قلت : فما معنى الإخبار عنهن بالتربص ؟ قلت : هو خبر في معنى الأمر، وأصل الكلام ( وليتربص المطلقات )، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله. فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم في الدعاء :( رحمك الله ) أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد. ولو قيل ( ويتربص المطلقات ) لم يكن بتلك الوكادة.. فإن قلت : هلا قيل : يتربصن ثلاثة قروء كما قيل تربص أربعة أشهر، وما معنى ذكر الأنفس ؟ قلت : في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث. لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. 
و ( القرء ) : من الأضداد. يطلق على الحيض والطهر. نص عليه من أئمة اللغة : أبو عبيد والزجاج وعمرو بن العلاء وغيرهم. والبحث في ترجيح أحدهما طويل الذيل، استوفاه الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) فانظره. ولمن نظر إلى موضوعه اللغوي أن يقول : تنقضي العدة بثلاث أطهار أو بثلاثة حيض. فأيهما اعتبرته المعتدة خرجت عن عهدة التكليف به. والله أعلم.  ولا يحل لهن  أي : المطلقات  أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن  / من الحيض أو الولد، استعجالا في العدة أو إبطالا لحق الزوج في الرجعة  إن كن يؤمن بالله  أي : إن جرين على مقتضى الإيمان به، المخوف من ذاته  واليوم الآخر  المخوف من جزائه. ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهنّ. لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن. ويتعذر إقامة البينة على ذلك. فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق. وهذه الآية دالة على أن كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه، فأمره عند الله شديد  وبعولتهن  أي : أزواجهن  أحق بردّهن  أي : برجعتهن، والكلام في الرجعية دليل الآية التي بعدها  في ذلك  أي : في زمان التربص. وهي أيام الأقراء. أما إذا انقضت مدة التربص فهي أحق بنفسها ولا تحل له إلا بنكاح مستأنف بولي وشهود ومهر جديد. ولا خلاف في ذلك  إن أرادوا  أي : بالرجعة  إصلاحا  لما بينهم وبينهن، وإحسانا إليهن، ولم يريدوا مضارتهن. وإلا فالرجعة محرمة لقوله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا  [(٤)](#foonote-٤)،  ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف  أي : ولهن على الرجال مثل ما للرجال عليهن. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. كما ثبت في ( صحيح مسلم ) [(٥)](#foonote-٥) : عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع :( فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ). 
 وعن معاوية بن حيدة قال :( قلت : يا رسول الله ! ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : أن تطعمها إذا طَعِمْتَ، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ). رواه أبو داود[(٦)](#foonote-٦) وقال : معنى ( لا تقبح ) : لا تقل قبحك الله. 
وعن أبي هريرة[(٧)](#foonote-٧) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ). متفق عليه. 
وعن ابن عمر[(٨)](#foonote-٨) : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. والأمير راع. والرجل راع على أهل بيته. والمرأة راعية على بيت زوجها وولده. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ). متفق عليه. 
وعن طلق بن عليّ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور ). رواه الترمذي[(٩)](#foonote-٩) والنسائي. 
 وعن أبي هريرة رضي الله عنه[(١٠)](#foonote-١٠) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح ). متفق عليه. 
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :( إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي. لأن الله يقول : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف  ). 
**تنبيه :**
( المعروف ) ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، مما قبله العقل، ووافق كرم النفس، وأقرّه الشرع. وقد قال بعض الفقهاء : لا يجب عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه، لأن المعقود عليه منفعة البُضْع، فلا يملك غيرها من منافعها.. ! ولكن مفاد الآية يردّ هذا ويدل على وجوب المعروف من مثلها لمثله ؛ وبه أفتى الإمام ابن تيمية وفاقا للمالكية. وإليه ذهب أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحق الجوزجاني واحتجا بما روي :( أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت وعلى ما كان خارجا من البيت من عمل ). رواه الجوزجاني من طرق. 
واستدل بالآية أيضا على وجوب إخدامها، إذا كان مثلها لا يخدم نفسها. 
 وللرجال عليهن درجة  أي : زيادة في الحق وفضيلة. كما قال تعالى : الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم  [(١١)](#foonote-١١). / وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ). رواه الترمذي[(١٢)](#foonote-١٢) وقال : حديث حسن صحيح.  والله عزيز حكيم  أي : غالب في انتقامه ممن عصاه، حكيم في أمره وشرعه. 
١ \[٣٣/ الأحزاب/ ٤٩\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدّونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ٤٩..
٢ \[٦٥/ الطلاق/ ٤\].... وباقي الآية: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ٤..
٣ \[٦٥/ الطلاق/ ٤\]..
٤ \[٢/ البقرة/ ٢٣١\] ونصها: وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرّحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات اللّه هزوا واذكروا نعمة اللّه عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا اللّه واعلموا أن اللّه بكل شيء عليم ٢٣١..
٥ أخرجه مسلم في: ١٥ ـ كتاب الحج، ١٩ ـ باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ١٤٧ (طبعتنا)..
٦ أخرجه أبو داود في: ١٢ ـ كتاب النكاح، ٤١ ـ باب حق المرأة على زوجها، حديث ٢١٤٢..
٧ أخرجه البخاري في: ٦٧ ـ كتاب النكاح، ٨٦ - باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه، حديث ١٠٤٣.
 ومسلم في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ٧٤ (طبعتنا)..
٨ أخرجه البخاري في: ١١ ـ كتاب الجمعة، ١١ ـ باب الجمعة في القرى والمدن، حديث ٥٢٤.
 ومسلم في: ٣٣ ـ كتاب الإمارة، حديث ٢٠ (طبعتنا)..
٩ أخرجه الترمذي في جامعه في: ١٠ ـ كتاب الرضاع، ١٠ ـ باب ما جاء في حق الزوج على المرأة..
١٠ أخرجه البخاري في: ٥٩ ـ كتاب بدء الخلق، ٧ ـ باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، حديث ١٥٢٩.
 ومسلم في: ١٦ ـ كتاب النكاح، حديث ١٢٠ (طبعتنا)..
١١ \[٤/ النساء/ ٣٤\] ونصها: الرجال قوّامون على النساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ اللّه واللاّتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن اللّه كان عليّا كبيرا ٣٤..
١٢ أخرجه الترمذي في: ١٠ كتاب الرضاع، ١٠ـ باب ما جاء في حق الزوج على المرأة..

### الآية 2:229

> ﻿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:229]

الطّلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود اللّه فإن خفتم ألا يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود اللّه فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود اللّه فأولئك هم الظالمون ٢٢٩ . 
 الطّلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، وهو مبتدأ بتقدير مضاف، خبره ما بعده. أي : عدد الطلاق الذي يستحق الزوج فيه الرد والرجعة مرتان أي : اثنتان. وإيثار ما ورد النظم الكريم عليه للإيذان بأن حقهما أن يقعا مرة بعد مرة لا دفعة واحدة، وإن كان حكم الردّ ثابتا حينئذ أيضا. 
قال ابن كثير : هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام : من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله تعالى على ثلاث طلقات : وأباح الرجعة في المرة وثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال : الطلاق مرتان ... الآية. 
 قال الإمام أبو داود في ( سننه ) [(١)](#foonote-١) : باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث. ثم أسند عن ابن عباس في هذه الآية قال :( إن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا. فنسخ ذلك، فقال  الطلاق مرتان..  الآية ). ورواه النسائي وغيره. وروى الترمذي[(٢)](#foonote-٢) عن عائشة قالت :( كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر ؛ حتى قال رجل لامرأته : والله لا أطلقك تبينين مني ولا أوويك أبدا.. ! قالت : وكيف ذاك ؟ قال : أطلقك. فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن  الطلاق مرتان...  الآية. قالت عائشة : فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا. من كان طلق ومن لم يكن طلق ). ثم أسنده عن عروة ولم يذكر عائشة، وقال : هو أصح !
وقوله تعالى : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  أي فالحكم بعد تطليق الرجل امرأته تطليقتين : أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها ؛ أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء، ولا ينفر الناس عنها. 
قال الرازي : الحكمة في إثبات حق الرجعة : أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشقّ عليه مفارقته أو لا ؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر. فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك / الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف. وإن كان الأصلح له تسريحا سرّحها على أحسن الوجوه. وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده. 
 ولا يحل لكم  أي : أيها المطلّقون  أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا  من المهر وغيره  إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله  أي : فيما يلزمهما من حقوق الزوجية  فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به  أي : نفسها عن ضرره ؛ أي : لا إثم على الزوج في أخذ ما افتدت به، ولا عليها في إعطائه. وهذه الآية أصل في الخلع. 
وقد ذكر ابن جرير : أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس وكانت زوجته لا تطيقه بغضا. ففي ( صحيح البخاري ) [(٣)](#foonote-٣) عن ابن عباس :( أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! ما أعيب عليه في خلق ولا دين. ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ). وقد بسط طرق هذا الحديث مع أحكام الخلع الإمام ابن كثير في ( تفسيره )، وكذا شمس الدين ابن القيم في ( زاد المعاد ) فلتنظر ثَمَّهْ. 
 تلك  أي : الأحكام العظيمة المتقدمة للطلاق والرجعة والخلع وغيرها...  حدود الله  شرائعه  فلا تعتدوها  بالمخالفة والرفض  ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون  أي : لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه. وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد. 
١ أخرجه أبو داود في: ١٣ ـ كتاب الطلاق، ١٠ - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، حديث ٢١٩٥..
٢ أخرجه الترمذي في: ١١ ـ كتاب الطلاق، ١٦ ـ باب حدثنا قتيبة..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٨ ـ كتاب الطلاق، ١٢ ـ باب الخلع وكيف الطلاق فيه، حديث ٢١٥٣..

### الآية 2:230

> ﻿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [2:230]

فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلّقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ٢٣٠ . 
 فإن طلقها  أي : بعد التطليقتين  فلا تحل له  برجعة ولا نكاح جديد  من بعد  أي : من بعد هذا الطلاق  حتى تنكح زوجا غيره  أي : حتى تذوق وطء زوج آخر، وهي العسيلة التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم في نكاح صحيح. وفي جعل هذا غاية للحل، زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثا، لأن كل ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر. 
فروع مهمة تتعلق بهذه الآية
**الأول :**
قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) : حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني. ثبت في ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن عائشة رضي الله عنها :( أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! إن رفاعة طلقني فبتّ طلاقي. وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي وإن ما معه مثل الهدبة ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ / لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ). وفي ( سنن النسائي ) [(٢)](#foonote-٢) عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( العسيلة الجماع ولو لم ينزل ). وفيها[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عمر قال :( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ؟ قال : لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر ). فتضمن هذا الحكم أمورا :
أحدها : أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل : أنه لا يقدر على جماعها. 
الثاني : أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، خلافا لمن اكتفى بمجرد العقد، فإن قوله مردود بالسنة التي لا مرد لها. 
الثالث : أنه لا يشترط الإنزال بل يكفي مجرد الجماع الذي هو ذوق العسيلة. 
الرابع : أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد العقد المقصود الذي هو نكاح رغبة كافيا، ولا اتصال الخلوة به وإغلاق الأبواب وإرخاء الستور حتى يتصل به الوطء.. ! وهذا يدل على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج والزوجة فيه سوى صورة العقد وإحلالها للأول بطريق الأولى. فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام / غير كاف حتى يوجد فيه الوطء، فكيف يكفي عقد تيس مستعار ليحلها، لا رغبة له في إمساكها وإنما هو عارية كحمار الفرس المستعار للضراب ؟
وقال عليه الرحمة قبل ذلك : وأما نكاح المحلل، ففي ( الترمذي ) [(٤)](#foonote-٤) و( المسند ) [(٥)](#foonote-٥) من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما قال :( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له )، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. وفي ( المسند ) [(٦)](#foonote-٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : لعن الله المحلل والمحلل له، وإسناده حسن. وفيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وفي ( سنن ابن ماجة ) [(٧)](#foonote-٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له ). فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة رضي الله عنهم، وقد شهدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحاب التحليل، وهم المحلل والمحلل له. وهذا : إما خبر عن الله فهو خبر صدق. وإما دعاء مستجاب قطعا. وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها. ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد. فإن القصود في العقود عندهم معتبرة. والأعمال بالنيات. والشرط المتوطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم. والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل قد تحققت غاياتها فترتب عليها أحكامها. 
 وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك : منها ما قدمناه، ومنها ما رواه الحاكم في ( مستدركه ) : عن نافع قال :( جاء رجل إلى ابن عمر. فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له، من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه : هل تحل للأول ؟ فقال : لا. إلا نكاح رغبة. كنا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ). ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر أنه قال :( لا أُوْتَى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما ). وروى البيهقيّ :( أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها. ففرق بينهما ). وكذا روي عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم. 
وبالجملة : فالتحليل غير جائز في الشرع. ولو كان جائزا لم يلعن فاعله والراضي به. وإذا كان لعن الفاعل لا يدل على تحريم فعله لم تبق صيغة تدل على التحريم قط ؛ وإذا كان هذا الفعل حراما غير جائز في الشريعة فليس هو النكاح الذي ذكره الله تعالى في قوله  حتى تنكح زوجا غيره . كما أنه قال : لعن الله بائع الخمر  لم يلزم من لفظ بائع أنه قد جاز بيعه وصار من البيع الذي أذن فيه بقوله :( وأحل الله البيع }. والأمر ظاهر. 
### فصل


قال الإمام ابن القيم في ( أعلام الموقعين ) :
إلزام الحالف بالطلاق والعتاق، إذا حنث، بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا. وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في ( صحيح البخاري ) [(٨)](#foonote-٨) عن نافع قال :( طلق رجل امرأته البتة إن خرجت. / فقال ابن عمر : إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء ). فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا. وأما من يفصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع، فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب. فإنه صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صور، وصح عنهم عدم الوقوع في صور. والصواب : ما أفتوا به في النوعين. ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها. فأما الوقوع : فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر، وما رواه الثوريّ وهو أحق بها ). على أنه منقطع. وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس ( في رجل قال لامرأته : هي طالق إلى سنة، قال : يتمتع بها إلى سنة ). ومن هذا قول أبي ذَرّ لامرأته وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر فقال :( إن عدت سألتيني فأنت طالق ). فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلّق. وأما الآثار عنهم في خلافه : فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة رضي الله عنهم فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرّق بين عبدها وبين امرأته أنها تكفّر عن يمينها ولا تفرّق بينهما. رواه الأثرم في ( سننه ) والجوزجانيّ في ( المترجم ) والدارقطنيّ والبيهقيّ. 
وقاعدة الإمام أحمد : أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه، يلزمه القول بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته. قال أبو محمد بن حزم : وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمَّي المؤمنين أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء ( كل مملوك لها حر وكل مال لها هَدْيٌ وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك ) كفارة يمين واحدة. وإذا صح هذا عن الصحابة ولم يعلم لهم مخالف في قول الحالف : عبده حر إن فعل، أنه يجزيه كفارة يمين ولم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب / رضي الله عنه : الحالف بالطلاق، أنه لا شيء عليه. ولم يعرف له في الصحابة مخالف ؟ قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن عليّ التيميّ المعروف بابن بريرة الأندلسيّ في ( شرحه لأحكام عبد الحق ) الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك منه : وقد قدّمنا في ( كتاب الأيمان ) اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك، هل يلزم أم لا ؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشريح وطاوس :( لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضى بالطلاق على من حلف به فحنث ). ولا يعرف في ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظه بعينه فهذه فتوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلف بالعتق والطلاق. وقد قدّمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط ولا تعارض بين ذلك فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق وإنما قصد منع نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه... إلى أن قال وإذا دخلت اليمين بالطلاق في قول الحالف : أيمان البيعة تلزمني وهي الأيمان التي رتّبها الحجاج فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ فإن كانت يمين الطلاق يمينا شرعية بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تعطى حكم الأيمان. وإن لم تكن يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع فلا يلزم الحالف بها شيء. كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمّر عن ابن طاوس عنه :( ليس الحلف بالطلاق شيئا ). وصح عن عكرمة من رواية سنيد بن داود في ( تفسيره ) عنه :( إنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء ) ؛ وصح عن شريح قاضي عليّ وابن مسعود :( إنها لا يلزم بها الطلاق ). وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه. فهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. اه. 
 فصل
وقال الإمام ابن القيم أيضا في ( أعلام الموقعين ) :
إن المطلق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزمن أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة. كما ثبت ذلك في ( الصحيح ) [(٩)](#foonote-٩) عن ابن عباس. فروى مسلم في ( صحيحه ) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس :( كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر : طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم ). وروى الإمام[(١٠)](#foonote-١٠) أحمد عن ابن عباس قال :( طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مُطَّلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا ؛ قال : فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقها ؟ قال : طلقها ثلاثا، قال : فقال في مجلس واحد ؟ قال : نعم ! قال : فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت، قال : فرجعها. فكان ابن عباس يرى : إنما الطلاق عند كل طهر ). وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسّنه. ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يَخْفَ عليه أن هذا هو السنة، وأنه توسعة من الله لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة. وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع كله جملة واحدة. كاللعان فإنه لو قال : أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كان مرة واحدة. ولو حلف في القسامة وقال : أقسم بالله خمسين يمينا إن هذا قاتله، كان يمينا واحدة. ولو قال المقرّ بالزنا : أنا أُقرّ أربع مرات أني زنيت، كان مرة واحدة. فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك / الإقرار إلا واحدا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم[(١١)](#foonote-١١) :( من قال في يوم " سبحان الله وبحمده " مائة مرة حطّت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ). فلو قال :( سبحان الله وبحمده مائة مرة ) لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة. وكذلك قوله[(١٢)](#foonote-١٢) :( من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين وكبّر١ أخرجه البخاري في: ٦٨ ـ كتاب الطلاق، ٤ ـ باب من أجاز طلاق الثلاث، حديث ١٢٨١.
 ومسلم في: ١٦ ـ كتاب النكاح، حديث ١١١ (طبعتنا)..
٢ لم أجد هذا النص في السنن التي تحت يدي وإنما الذي وجدته وفيه ذكر العسيلة هو هذا الحديث:
 عن عائشة قالت: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت زوجا غيره. فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحلّ للأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته).
 وهو في: ٢٧ ـ كتاب الطلاق، ٩ ـ باب الطلاق للتي تنكح زوجا ثم لا يدخل بها..
٣ أخرجه النسائي في: ٢٧ ـ كتاب الطلاق، ١٢ ـ باب إحلال المطلقة ثلاثا، والنكاح الذي يحلها به..
٤ أخرجه الترمذي في: ٩ ـ كتاب النكاح، ٢٨ ـ باب ما جاء في المحلل والمحلل له..
٥ أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٤٤٨ بالجزء الأول (طبعة الحلبيّ)..
٦ أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٣٢٣ بالجزء الثاني (طبعة الحلبيّ)..
٧ أخرجه ابن ماجة في: ٩ ـ كتاب النجاح، ٣٣ ـ باب المحلل والمحلل له، حديث ١٩٣٦ (طبعتنا)..
٨ أخرجه البخاري في: ٦٨ ـ كتاب الطلاق، ١١ ـ باب الطلاق في الإغلاق والكره..
٩ أخرجه مسلم في: ١٨ ـ كتاب الطلاق، حديث ١٥ (طبعتنا)..
١٠ أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٢٦٥ من الجزء الأول (طبعة الحلبيّ) حديث ٢٣٨٧ (طبعة المعارف)..
١١ أخرجه البخاري في: ٨٠ ـ كتاب الدعوات، ٦٥ ـ باب فضل التسبيح، حديث ٢٤٠٦..
١٢ أخرجه مسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ١٤٦ (طبعتنا)..

### الآية 2:231

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:231]

وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرّحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات اللّه هزوا واذكروا نعمة اللّه عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا اللّه واعلموا أن اللّه بكل شيء عليم ٢٣١ . 
  وإذا طلّقتم النساء  أي : طلاقا رجعيا  فبلغن أجلهن  أي : قاربن انقضاء العدّة  فأمسكوهن  أي : بالمراجعة إن أردتم  بمعروف  من غير ضرار  أو سرّحوهن بمعروف  أي : بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن  ولا تمسكوهن  أي : بالرجعة  ضرارا  أي : مضارة بإزالة الألفة وإيقاع الوحشة وموجبات النفرة  لتعتدوا  اللام للعاقبة، أي : لتكون عاقبة أمركم الاعتداء ؛ أو للتعليل ( متعلقة بالضرر ) فيكون علة للعلّة، أي : لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء  ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه  أي : بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه  ولا تتخذوا آيات الله  أي : أوامره ونواهيه  هزوا  أي : مهزوًّا بها بأن تعرضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة عليها  واذكروا نعمة الله عليكم  أي : في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم  وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة  أي : السنة  يعظكم به  أي : بما أنزل. أي : يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على المخالفة  واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم  تأكيد وتهديد.

### الآية 2:232

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:232]

وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن باللّه واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون ٢٣٢ . 
 وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهن  أي : انقضت عدتهن. وقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين، إذ الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك، وهذا على الحقيقة للنهي على العَضْل  فلا تعضلوهن  أي : لا تمنعوهن  أن ينكحن أزواجهن  / الذين طلّقوهن والآن يرغبن فيهم  إذا تراضوا  أي : النساء والأزواج  بينهم بالمعروف  أي : بما يحسن في الدين من الشراط  ذلك  أي : النهي عن العضل  يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم  أي : الاتعاظ بترك العضل والضرار  أزكى لكم  أي أصلح لكم  وأطهر  لقلوبكم وقلوبهن من الريبة والعداوة  والله يعلم وأنتم لا تعلمون  أي : يعلم ما فيه صلاح أموركم فيما يأمر وينهى ( ومنه ما بينه هنا ) وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم وامتثلوا أمره تعالى ونهيه في كل ما تأتون وما تذرون. وقد روي : أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزنيّ وأخته. 
أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي[(١)](#foonote-١) وغيرهم عن معقل بن يسار :( أنه زوّج أخته رجلا من المسلمين. فكانت عنده ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها. حتى انقضت العدّة فهويها وهويته. فخطبها مع الخطاب. فقال له : يا لكع ! أكرمتك بها وزوجتكها فطلّقتها، والله لا ترجع إليك أبدا. فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه، فأنزل الله الآية. فلما سمعها معقل قال : سمعٌ لربي وطاعة ! ثم دعاه وقال : أزوّجك وأكرمك ). زاد ابن مردويه :( وكفّرت عن يميني ). 
١ أخرجه البخاري في: ٦٨ – كتاب الطلاق، ٤٤ – باب وبعولتهن أحق بردّهن، حديث ١٩٧٨.
 والترمذي في: ٤٤ – كتاب التفسير، ٢ – سورة البقرة، ٢٨ – حدّثنا عبد بن حميد..

### الآية 2:233

> ﻿۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:233]

\* والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلّف نفس إلا وسعها لا تضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك / فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا اللّه واعلموا أن اللّه بما تعملون بصير ٢٣٣ . 
 والوالدات  أي : من المطلقات  يرضعن أولادهن حولين كاملين  أي : سنتين كاملتين  لمن أراد أن يتم الرضاعة  أي : هذا الحكم لمن أراد أن يتم رضاع الولد، فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك، وأنه لا رضاع بعد التمام. 
قال الحَرّاليّ : وهو أي الذي يكتفي به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا  [(١)](#foonote-١) فإذا كان الحمل تسعا كان الرضاع أحدا وعشرين شهرا. وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهرا، فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود، فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع. 
 وعلى المولود له  أي : الأب وعبّر عنه بهذه العبارة إشارة إلى جهة وجوب المؤن عليه، لأن الوالدات إنما وَلَدْن للآباء، ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم، قال بعضهم :
وإنما أمهات الناس أوعيةٌ \*\*\* مستودعات وللآباء أبناء
 رزقهن وكسوتهن  أي : على والد الطفل نفقة أمه المطلقة مدة الإرضاع، أي طعامهن ولباسهن  بالمعروف  وهو قدر الميسرة كما فسّره قوله تعالى : لا تكلّف / نفس إلا وسعها  يعني طاقتها ؛ والمعنى : أن أبا الولد لا يكلف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته، ولا يبلغ إسراف القدرة  لا تضار والدة بولدها  أي : بأخذ ولدها منها بعد رضاها بإرضاعه ورغبتها في إمساكه وشدة محبتها له  ولا مولود له  يعني الأب  بولده  بطرح الولد عليه ؛ يعني : لا تلقي المرأة الولد إلى أبيه وقد ألفها، تضاره بذلك. وهذا التأويل على تقدير كون  تضارّ  مبنيا للمفعول، وأما على بنائه للفاعل، فالمفعول محذوف والتقدير، لا تضارِر بكسر الراء الأولى والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول ( بعد أن ألفها الصبيّ ) : اطلب له ظئرا، وما أشبه ذلك ؛ ولا يضارِر مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه. والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه  وعلى الوارث مثل ذلك  أي : على وارث الأب أو وارث الصبيّ مثل ما على الأب من النفقة وترك الضرار إذا لم يكن الأب  فإن أرادا  يعني الزوج والمرأة  فصالا  أي : فصال الصبيّ عن اللبن قبل الحولين يعني : فطاما  عن تراض منهما  بتراضي الأب والأم  وتشاور  بمشاورتهما  فلا جناح عليهما  أي : على الأب والأم إن لم يرضعا ولدهما سنتين  وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم  يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها أو إرادتها أن تتزوج  فلا جناح عليكم إذا سلّمتم  يعني إلى المراضع  ما آتيتم  أي : ما أردتم إيتاءه إليهن من الأجرة  بالمعروف  متعلق ب  سلمتم  أي : سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور. والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يُؤْمَنَ من تفريطهنّ بمصالح الرضيع  واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير  فيه من الوعيد والتحذير عن مخالفة أحكامه ما لا يخفى. 
١ \[٤٦/ الأحقاف/ ١٥\] ونصها: ووصّينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمّه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذرّيّتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ١٥..

### الآية 2:234

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:234]

والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير ٢٣٤ . 
 والذين يتوفّون منكم  أي : يموتون من رجالكم  ويذرون  أي : يتركون  أزواجا  بعد الموت  يتربصن  أي ينتظرن  بأنفسهن  في العدة  أربعة أشهر وعشرا  يعني عشرة أيام  فإذا بلغن أجلهن  أي : انقضت عدّتهن  فلا جناح عليكم  أي : على الأولياء في تركهن  فيما فعلن في أنفسهن  من التعرض للخطاب والتزين  بالمعروف  أي : بوجه لا ينكره الشرع. وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرع، فعليهم أن يكفّوهن عن ذلك. وإلا فعليهم الجناح  والله بما تعملون خبير . 
**اعلم أن في هذه الآية مسائل :**
الأولى : خصّ، من عموم الآية، الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن عدتها بوضع الحمل لقوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [(١)](#foonote-١) ؛ ولما في ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن سبيعة الأسلمية :( أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤيّ وكان ممن / شهد بدرا فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطّاب. فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال : مالي أراك تجمّلت للخطّاب، لعلك ترجين النكاح ؟ وإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك ؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي. وأمرني بالتزويج إن بدا لي ). وفيه قال ابن شهاب :( ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها حتى تطهر ). 
الثانية : المراد من تربصها بنفسها : الامتناع عن النكاح، والامتناع عن التزيّن، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه. فالأول مجمع عليه. والثاني : روي فيه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش وعائشة أمهات المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٣)](#foonote-٣) قال :( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث. إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ). متفق عليه. وعن أم سلمة ( أن امرأة قالت : يا رسول الله ! إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ قال : لا. كل ذلك يقول : لا. مرتين أو ثلاثا ثم قال : إنما هي أربعة أشهر وعشر. وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة ). متفق عليه. 
وعن نافع :( أن صفية بنت عبد الله اشتكت عينها وهي حادّ على زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان )، أخرجه مالك في ( الموطأ ) [(٤)](#foonote-٤). 
 وعن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تلبس المتوفى عنها زوجها، المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحليّ ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب ) أخرجه أبو داود[(٥)](#foonote-٥) ( والممشقة : المصبوغة بالمشق وهي المغرة ). 
وقد استنبط بعضهم وجوب الإحداد من قوله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن  أي : من زينة وتطيب كما قدّمنا فيفيد تحريم ذلك في العدة وهو الإحداد. 
وأما الامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفّي فيه زوجها : فروى فيه أحمد وأهل ( السنن ) [(٦)](#foonote-٦) حديث فريعة بنت مالك قالت :( خرج زوجي في طلب أعلاج له فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه، فأتى نعيه وأنا في دار شائعة عن دار أهلي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقلت : إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة عن أهلي ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني ؟ قال : تحولي. فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت فقال : امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا ). وفي بعض ألفاظه :( أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك فأخبرته، فأخذ به ). وقد أُعلّ هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به. 
 الثالثة : أكثر الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفيّ. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهما محكمتان. كما سيأتي بيانه. 
الرابعة : أبدى المهايميّ الحكمة في تحديد عدة المتوفّى عنها بهذا القدر، فقال : لئلا يتعارض في قلبها حب المتوفّى وحب الجديد، فأخذت مدة صبرها وهو أربعة أشهر وزيد عليه العشر، إذ بذلك ينقطع صبرها فتميل إلى الجديد ميلا كليا، فينقطع عن قلبها حب المتوفى. على أنه يظهر في حق المدخول بها حركة الحمل إذ تكون بعد أربعة أشهر، لكنها تبتدئ ضعيفة وتتقوى بمضي عشر آخر. ثم قال : ولم يكتف بالأقراء الدالة على عدمه هاهنا، بخلاف الفراق حال الحياة، لأن الفراق الاختياري شاهد عدمه مع شهادة الأقراء، فثمتَ شاهدان وهاهنا واحد، وعدم الحركة بعد هذه المدة يقوي شهادة الأول فيكون كالشاهد مع اليمين. 
١ \[٦٥/ الطلاق/ ٤\] ونصها: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ٤..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٨ ـ كتاب الطلاق، ٣٩ ـ باب وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، حديث ٢٠٦١. 
 وأخرجه مسلم في: ١٨ ـ كتاب الطلاق، حديث ٥٧ (طبعتنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٢٣ ـ كتاب الجنائز، ٣١ ـ باب حد المرأة على غير زوجها، حديث ٦٨٠ و٦٨١.
 وأخرجه مسلم في: ١٨ ـ كتاب الطلاق، حديث ٥٨ و٥٩ و٦٥ (طبعتنا)..
٤ أخرجه مالك في الموطأ في: ٢٩ ـ كتاب الطلاق، حديث ١٠٧ (طبعتنا)..
٥ أخرجه أبو داود في: ١٣ ـ كتاب الطلاق، ٤٦ ـ باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها حديث ٢٣٠٤..
٦ أخرجه أحمد في الصفحة ٣٧٠ من الجزء السادس (طبعة الحلبيّ).
 والنسائي في: ٢٧- كتاب الطلاق، ٦٢ ـ باب عدة المتوفى عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر.
 وابن ماجة في: ١٠- كتاب الطلاق، ٨ ـ باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، حديث ٢٠٣١ (طبعتنا)..

### الآية 2:235

> ﻿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:235]

ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم اللّه أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرّا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النّكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن اللّه يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن اللّه غفور حليم ٢٣٥ . 
 ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء  أي : لا حرج عليكم أيها الخاطبون في التعريض بخطبتكم النساء المتوفى عنهن أزواجهن قبل انقضاء العدة لتتزوجوهن بعد انقضائها. والتعريض : إفهام المقصود بما لم يوضع له، حقيقة ولا مجازا. كأن يقال لها : إنك جميلة أو صالحة، ورب راغب فيك، أو من يجد مثلك. والخطبة بالكسر طلب المرأة.  أو  فيما  أكننتم  أي : أضمرتم من نكاحهن  في أنفسكم  أي :/ قلوبكم وإن كان حقه التحريم فضلا عن التعريض باللسان، لكن أباحه الله لكم إذ  علم الله أنكم ستذكرونهن  أي : لا تصبرون عن النطق برغبتكم فيهن فرخّص لكم في التعريض دون التصريح، وفيه طرف من التوبيخ على قلة التثبت كقوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم  [(١)](#foonote-١).  ولكن لا تواعدوهن سرا  هذا الاستدراك من قوله : فيما عرّضتم به . و سرا  مفعول به لأنه بمعنى النكاح. أي : لا تواعدوهن نكاحا. أو هو بمعنى ضد الجهر والإعلان فيكون مصدرا في موضع الحال تقديره ( مستخفين بذلك ) والمفعول محذوف تقديره ( لا تواعدوهن النكاح سرا )، أو صفة لمصدر محذوف أي : مواعدة سرا، أو التقدير ( في سر ) فيكون ظرفا. وإنما نهى عن ذلك لأن المواعدة بذكر الجماع والرفث بين الأجنبي والأجنبية غير جائز إجماعا. كالمواعدة بينهما على وجه السر، إذ لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات. 
قال ابن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وقال أيضا : أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أَمَته. 
وقوله تعالى : إلا أن تقولوا قولا معروفا  أي : لا يستحيى منه عند أحد من الناس. فآل الأمر إلى أن المعنى : لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيى من ذكره فيُسر وهو التعريض، فنصّت هذه الآية على تحريم التصريح. بعد إفهام الآية الأولى لذلك، اهتماما به لما للنفس من الداعية إليه أفاده البقاعيّ. 
وقال الرازيّ : لما أذن تعالى في أول الآية بالتعريض ثم نهى عن المسارّة معها دفعا للريبة والغيبة، استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف. وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفّل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض، والله أعلم. 
 **تنبيه :**
ما قدمناه من أن قوله تعالى : ولكن....  إلخ استدراك من قوله  فيما عرّضتم  قاله أبو البقاء. 
وجعل الزمخشريّ المستدرك محذوفا دل عليه  ستذكرونهن  أي : فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرا. 
قال الناصر : وقويت دلالة هذا المذكور على ما حذف. لأن المعتاد في مثل هذه الصيغة ورود الإباحة عقيبها. ونظير هذا النظم قوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن...  [(٢)](#foonote-٢) الآية. ولهذا الحذف سر والله أعلم وهو أنه اجتنب لأن الإباحة لم تنسحب على الذكر مطلقا. بل اختصت بوجه واحد من وجوهه. وذلك الوجه المباح عسر التميز عما لم يبح. فذكرت مستثناة بقوله : إلا أن تقولوا قولا معروفا  تنبيها على أن المحل ضيق والأمر فيه عسر، والأصل فيه الحظر. ولا كذلك الوطء في زمن ليل الصوم. فإنه أُبيح مطلقا غير مقيد ؛ فلذلك صدر الكلام بالإباحة والتوسعة. وجاء النهي عن مباشرة المعتكفة في المسجد تِلْواً للإباحة وتبعا في الذكر. لأنها حالة فاذّة. والمنع فيها لم يكن لأجل الصوم ولكن الأمر يتعلق به من حيث المصاحب، وهو الاعتكاف. فتفطّن لهذا السر فإنه من غرائب النكث. 
 ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله  ( العُقدة ) بالضم من النكاح وكل شيء من البيع ونحوه، وجوبه. قال الفارسيّ : هو من الشد والربط. وقال الرازي : أصل العقد الشد. وسميت العهود والأنكحة عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل. وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح. لأن العزم على الفعل يتقدمه. فإذا نهي عنه كان عن الفعل أنهى. ومعناه : ولا تعزموا وجوب النكاح لأن القصد إليه حال العدة يفيد مزيد تحريك / من الجانبين بحيث لا يطاق معه الصبر إلى انقضاء العدّة. وقوله : حتى يبلغ الكتاب أجله  أي : العدّة المكتوبة المفروضة آخرها.  واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم  من الميل إليهن قبل الأجل  فاحذروه واعلموا أن الله غفور  يغفر ذلك الميل إذ لم يتعدّ العزم عقدة النكاح  حليم  لا يعاجل بالعقوبة، فلا تستدلّوا بتأخيرها على أن ما نهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة.. !
١ \[٢/ البقرة/ ١٨٧\]..
٢ \[٢/ البقرة/ ١٨٧\]..

### الآية 2:236

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [2:236]

لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ٢٣٦ . 
 لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة  ( ما ) شرطية، أي : إن لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة. يعني : لم تعينوا لهن صداقا ف ( أو ) بمعنى الواو وحينئذ فلا مهر لهن ولكن المتعة بالمعروف كما قال تعالى : ومتعوهن  أي : من مالكم جبرا لوحشة الفراق  على الموسع  أي : الغنيّ الذي يكون في سعة من غناه  قدره  بسكون الدال وبفتحها قراءتان سبعيتان أي : يجب على الموسر قدر ما يليق بيساره  وعلى المقتر  أي : المعسر الذي في ضيق من فقره، وهو المقلّ الفقير، يقال : أقتر إذا افتقر  قدره  أي : قدر ما يليق بإعساره  متاعا بالمعروف  تأكيد ل  متعوهن  يعني : متعوهن تمتيعا بالمعروف أي : بالوجه المستحسن فلا يزاد إلى نصف مهر المثل ولا ينقص إلى ما لا يعتد به  حقا  أي : ثبت ذلك ثبوتا مستقرا  على المحسنين  أي : المؤمنين لأنه بدل المهر ؛ وذكرهم بهذا العنوان ترغيب وتحريض لهم على الإحسان إليهن بالمتعة. وإنما كانت إحسانا لأن ملاك القصد فيها ما تطيب به نفس المرأة / ويبقى باطنها وباطن أهلها سلما ذا مودّة. لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا أفاده الحراليّ. 
وروى الثوريّ عن ابن عباس قال :( متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الورِق، ودون ذلك الكسوة ). وعنه :( إن كان موسرا متعها بخادم ونحوه، وإن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب ). 
وروى عبد الرزاق ( أن الحسن بن عليّ عليهما السلام متع بعشرة آلاف. فقالت المرأة : مُتاع قليل من حبيب مفارق ). 
**تنبيه :**
أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح عما ذكر هنا يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب سامحه الله ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل. كما تكلف بعض بجعل ( أو ) بمعنى ( إلا ) أو ( حتى ) ؛ وجعل الحرج بمعنى المهر مع أن الآية بينة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث. وعدولُهم عن أقرب مما سلكوه أعني كون ( أو ) بمعنى الواو مع شيوعها في آيات كثيرة عجيب. وأعجب منه تخطئة من جنح لهذا الأقرب، مع أن مما يرشحه مساق الآية بعدها. 
وما روي في سبب نزول هذه الآية : قال الخازن :( نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت  لا جناح عليكم....  الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمتعها ولو بقلنسوتك ). وهذه الرواية إن ثبتت كانت شاهدة لما اعتمدناه، والله أعلم.

### الآية 2:237

> ﻿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:237]

وإن طلّقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ٢٣٧ . 
 وإن طلّقتموهن  أي : الزوجات  من قبل أن تمسوهن  أي : تجامعوهن. قال أبو مسلم : وإنما كنى تعالى بقوله : تمسوهن  عن المجامعة، تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به.  وقد فرضتم  أي : سميتم  لهن فريضة  أي : مهرا مقدّرا  فنصف ما فرضتم  أي : فلهن نصف ما سميتم لهن من المهر، أو فالواجب عليكم ذلك  إلا أن يعفون  أي : المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر. وتقول المرأة : ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئا.. ؟  أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح  وهو الزوج فيسوق إليها المهر كاملا، أو الوليّ، يعني : إذا كانت صغيرة أو غير جائزة التصرف فيترك نصيبها للزوج. 
قال مالك في ( موطأه ) في هذه الآية : هو الأب في ابنته البكر. والسيد في أمته. وكلا التأويلين مرويّ عن عدة من الصحابة والتابعين. 
قال الحراليّ : إذا قرن هذه الإيراد بقوله : ولا تعزموا عقدة النكاح  خطابا للأزواج قوي فَسْرُ من جعل  الذي بيده عقدة النكاح  هو الزوج معادلة للزوجات، ومن خص عفوهن بالمالكات أي الرشيدات خص هذا بالأولياء. 
ونقل ابن جرير : أن الشعبيّ رجع إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه. 
وقال الزمخشريّ : القول بأنه الوليّ ظاهر الصحة. 
قال الناصر في ( حواشيه ) : وصدق الزمخشري أنه قول ظاهر الصحة، وعليه رونق الحق وطلاوة الصواب لوجوه ستة. ساقها بألطف بيان. فانظرها، والله أعلم. 
  وأن تعفوا أقرب للتقوى  هذا خطاب للرجال والنساء جميعا، وغلب التذكير نظرا للأشرف. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال :( أقربهما للتقوى الذي يعفو، وذلك لأن من سمح بترك حقه كان محسنا وذلك عنوان التقوى )  ولا تنسوا الفضل بينكم  أي : التفضل بالإحسان لما فيه من الألفة وطيب الخاطر. فهو حثّ على العفو، فمن عفا منهما فله الفضل على الآخر. ومعلوم أن النسيان ليس في الوسع حتى ينهى عنه. فالمراد منه الترك. أي : لا تتركوه ترك المنسيّ. فالتعبير بالنسيان آكد في النهي. والخطاب هنا أيضا للقبيلين بالتغليب، كالذي قبله، وخصه الحراليّ بالرجال، قال :
فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي. وأن لا يؤخذ النساء بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض. فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرّح به قوله : وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا [(١)](#foonote-١). فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به. 
وقد حكى الزمخشري عن جبير بن مطعم، ( أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال : أنا أحق بالعفو.... ! ) وعنه :( أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتا له فتزوجها. فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملا، فقيل له : لم تزوجتها ؟ فقال : عرضها عليّ فكرهت ردّه. قيل : فلم بعثت بالصداق ؟ قال : فأين الفضل ؟ )
وقوله تعالى : إن الله بما تعملون بصير  أي : فلا يضيع تفضّلكم وإحسانكم. 
١ \[٤/ النساء/ ٢٠\]..

### الآية 2:238

> ﻿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [2:238]

ولما كانت الحقوق المشروعة قبل، مما قد يشق القيام على بعض الناس، أمروا بما يخفف عنهم عبئها ويحبب إليهم أداءها. وذلك بالمحافظة على الصلوات فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذا أمر بها تعالى إثر ما تقدم بقوله سبحانه : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ٢٣٨ . 
 حافظوا على الصلوات  أي : داوموا على أدائها لأوقاتها مع رعاية فرائضها وسننها من غير إخلال بشيء منها  والصلاة الوسطى  أي : الوسطى بين الصلوات بمعنى المتوسطة أو الفضلى منها، من قولهم للأفضل : الأوسط. فعلى الأول : يكون الأمر لصلاة متوسطة بين صلاتين. وهل هي الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، أقوال مأثورة عن الصحابة والتابعين. وعلى الثاني : فهي صلاة الفطر أو الأضحى أو الجماعة أو صلاة الخوف أو الجمعة أو المتوسطة بين الطول والقصر. أقوال أيضا عن كثير من الأعلام. والقول الأخير جيد جدًّا كما لو قيل بأنها ذات الخشوع لآية : والذين هم في صلاتهم خاشعون . 
وأما علماء الأثر فقد ذهبوا إلى أن المعني بالآية صلاة العصر لما في ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن علي رضي الله عنه ؛ ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب ( وفي رواية يوم الخندق ) : ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ). وفي رواية :( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ). وذكر نحوه وزاد في أخرى :( ثم صلاّها بين المغرب والعشاء ). أخرجاه في ( الصحيحين ) ورواه أصحاب ( السنن ) ( والمسانيد ) ( والصحاح ) من طرق يطول ذكرها. 
وأجاب عن هذا الاستدلال من ذهب إلى غيره بأنه لم يرد الحديث مورد تفسير الآية حتى يعيّنها. وإنما فيه الإخبار عن كونها وسطى، وهو كذلك لأنها متوسطة وفضلى من الصلوات. 
 وما رواه مسلم[(٢)](#foonote-٢) عن أبي يونس مولى عائشة قال :( أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذنِّي  حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى . قال : فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. قالت عائشة : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ). وروى ابن جرير عن حفصة نحو ذلك. قال نافع :( فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو ). وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير، أنهما قرآ كذلك. 
فهذا من عائشة رضي الله عنها إعلام بالمراد من الوسطى عندها. ضمّت التأويل إلى أصل التنزيل لأمن اللبس فيه. لأن القرآن متواتر مأمون أن يزاد فيه أو ينقص. وكان في أول العهد بنسخه ربما ضمّ بعض الصحابة تفسيرا إليه، أو حرفا يقرؤه. ولذا لما خشي عثمان رضي الله عنه أن يرتاب في كونه من التنزيل مع أنه ليس منه أمر بأن تجرد المصاحف في عهده مما زيد فيها من التأويل وحروف القراءات التي انفرد بها بعض الصحب، وأن يقتصر على المتواتر تنزيله وتلقّيه من النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو بكر في ( الانتصار ) : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين. وإنما قصد جمعهم على القراءات الثانية المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أُثْبِتَ مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد... 
هذا وقد أيد علماء الأثر ما ذهبوا إليه من أنها صلاة العصر بأنها خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيّعها. فقد قال أبو المليح :( كنا مع بريدة في غزوة. فقال في يوم ذي غيم : بكّروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ترك صلاة العصر فقد / حبط عمله ). أخرجه البخاري[(٣)](#foonote-٣). وقوله : بكروا بصلاة العصر، أي قدّموها في أول وقتها. 
وروى الشيخان[(٤)](#foonote-٤) عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله.. ! ) أي : نقص وسلب أهله وماله فبقي فردا، فاقدهما. والمعنى : ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله. 
وقد ساق الحافظ عبد المؤمن الدمياطيّ في كتابه ( كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى ) ما امتازت به صلاة العصر من الخصائص والفضائل، قال عليه الرحمة :
فمنها ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلّظ المصيبة في فواتها بذهاب الأهل والمال في الحديث المتقدم. 
ومنها ؛ حبوط عمل تاركها المضيّع لها في الحديث السالف أيضا. 
ومنها ؛ أنها كانت أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وأهليهم وأموالهم !
ومنها ؛ قوله صلى الله عليه وسلم :( من حافظ عليها كان له أجرها مرتين ). رواه مسلم. 
ومنها ؛ ( أن انتظارها بعد الجمعة كعمرة ) رواه أبو يعلى. وروى الحاكم :( كمن أتى بحجة وعمرة ). 
ومنها ؛ قوله صلى الله عليه وسلم[(٥)](#foonote-٥) :( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم / ولهم عذاب أليم... إلى أن قال ورجل أقام سلعة بعد العصر فحلف بالله أنه أخذها بكذا وكذا. فجاء رجل فصدقه فاشتراها ). متفق عليه. ثم قال : قلت وقد عظم الله الأيمان التي يحلف بها العباد فيما شجر بينهم بعدها فقال : تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله  [(٦)](#foonote-٦). قال عامة المفسرين : بعد صلاة العصر. ولذلك غلّظ العلماء اللعان وسائر الأيمان المغلظة بوقت صلاة العصر لشرفه ومزيته. 
ومنها ؛ أن سليمان عليه السلام أتلف مالا عظيما من الخيل لما شغله عرضها عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس. فمدحه الله تعالى بذلك وأثنى عليه بقوله تعالى : نعم العبد إنه أوّاب. إذ عرض عليه بالعشيّ...  [(٧)](#foonote-٧) الآية. 
ومنها ؛ أن[(٨)](#foonote-٨) الساعة التي في يوم الجمعة قد قيل : إنها بعد العصر. 
ومنها ؛ أن وقتها وقت ارتفاع الأعمال. 
 ومنها ؛ الحديث المرفوع :( إن الله تعالى يوحي إلى المَلَكين : لا تكتبا على عبدي الصائم بعد العصر سيئة ). 
ومنها ؛ ما جاء في قوله تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر  [(٩)](#foonote-٩). قال مقاتل : العصر هي الصلاة الوسطى أقسم بها حكاه ابن عطية. 
ومنها ؛ ما روي في الحديث، ( أن الملائكة تصفّ كل يوم بعد العصر بكتبها في السماء الدنيا فينادي الملك : ألق تلك الصحيفة. فيقول : وعزّتك ما كتبت إلا ما عمل. فيقول الله عز وجل : لم يرد به وجهي. وينادي الملك الآخر : اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول الملك : وعزّتك إنه لم يعمل ذلك. فيقول الله عز وجل : إنه نواه ). 
ومنها ؛ أن وقتها وقت اشتغال الناس بتجارتهم ومعايشهم في الغالب. 
وقد أُفرد الكلام على تفسير هذه الآية بمؤلفات. وذكر العلاّمة الفاسي شارح ( القاموس ) فيما نقله عنه الزبيديّ، أن الأقوال فيها أنافت على الأربعين. فرضي الله عن العلماء المجتهدين وأرضاهم. 
سنح لي [(١٠)](#foonote-١٠) وقوي بعد تمعّن في أواخر رمضان سنة ١٣٢٣ احتمال قوله تعالى : والصلاة الوسطى  بعد قوله : حافظوا على الصلوات  لأن يكون إرشادا وأمرا بالمحافظة على أداء الصلاة أداء متوسطا. لا طويلا مملا ولا قصيرا مخلا. أي : والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر. ويؤيده الأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك، قولا وفعلا. 
ثم مر بي في ( القاموس ) في ٢٣ ربيع الأول سنة ١٣٢٤ حكاية هذا قولا. حيث ساق في مادة ( و س ط ) الأقوال في الآية، ومنها قوله ( أو المتوسطة بين الطول والقصر ) ؛ قال شارحه الزبيديّ : وهذا القول ردّه أبو حيّان في ( البحر ). 
 ثم سنح لي[(١١)](#foonote-١١) احتمال وجه آخر : وهو أن يكون قوله : والصلاة الوسطى  أريد به توصيف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنها فضلى، أي : ذات فضل عظيم عند الله. فالوسطى بمعنى الفضلى من قولهم للأفضل : الأوسط. وتوسيط ( الواو ) بين الصفة والموصوف مما حققه الزمخشري واستدلّ له بكثير من الآيات. وفي سوق الصفة بهذا الأسلوب، من الاعتناء بالموصوف ما لا يخفى. وأسلوب القرآن أسلوب خاص انفرد به في باب البلاغة، لم ينفتح من أبواب عجائبه إلا قطرة من بحر. ولعل هذا الوجه هو ملحظ من قال : هي الصلوات الخمس، وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه، فكأنه أشار إلى أن المعطوف عَيْنُ المعطوف عليه. إلا أنه أتى بجملة تفيد التوصيف. 
وقوله تعالى : وقوموا لله  في الصلاة  قانتين  خاشعين ساكتين. روى الشيخان[(١٢)](#foonote-١٢) عن زيد بن أرقم :( إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. يكلم أحدنا صاحبه بحاجته. حتى نزلت  حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين  فأمرنا بالسكوت ). هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم : عن زيد بن أرقم قال[(١٣)](#foonote-١٣) :( كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت  وقوموا لله قانتين  فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ). 
وروى أبو يعلى عن ابن مسعود قال :( كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّمت عليه، فلم يرد عليّ، فوقع في نفسي إنه نزل فيّ شيء، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال : وعليك السلام أيها المسلّم ورحمة الله، إن الله يحدث في أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تتكلموا ). 
 وروى الطبرانيّ في ( الأوسط ) والإمام أحمد[(١٤)](#foonote-١٤) وأبو يعلى الموصلي في ( مسنديهما ) وابن حبّان في ( صحيحه ) عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل حرف ذكر من ( القنوت ) في القرآن فهو الطاعة.

١ أخرجه البخاري في: ٥٦ ـ كتاب الجهاد، ٩٨ ـ باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة.
 ومسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٢٠٢ (طبعتنا)..
٢ أخرجه مسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٢٠٧ (طبعتنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٩ ـ كتاب المواقيت، ١٥ ـ باب من ترك العصر، حديث ٣٥٧..
٤ أخرجه البخاري في: ٩ ـ كتاب مواقيت الصلاة، ١٤ ـ باب إثم من فاتته العصر، حديث ٣٥٦.
 ومسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٢٠٠ و٢٠١ (طبعتنا)..
٥ أخرجه البخاري في: ٤٢ ـ كتاب الشرب والمساقاة، ٥ ـ باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، حديث ١١٧٨.
 ومسلم في: ١ ـ كتاب الإيمان، حديث ١٧٣ و١٧٤ (طبعتنا)..
٦ \[٥/ المائدة/ ١٠٦\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان باللّه إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة اللّه إنّا إذا لمن الآثمين ١٠٦..
٧ \[٣٨/ ص/ ٣٠ ـ ٣٤\] ونصها: ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أوّاب ٣٠ \* إذ عرض عليه بالعشيّ الصّافنات الجياد ٣١ \* فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ٣٢ \* ردّوها عليّ فطفق مسحا بالسوق والأعناق ٣٤..
٨ أخرجه البخاري في: ١١ – كتاب الجمعة، ٣٧ – باب الساعة التي في يوم الجمعة، عن أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده، يقللها)..
٩ \[١٠٣/ العصر/ ١\]..
١٠ نقلت هذه السانحة من دفتر للواردات والسوانح العلمية للمؤلف رحمه الله تعالى..
١١ نقلت هذه السانحة من دفتر للواردات والسوانح العلمية للمؤلف رحمه الله تعالى..
١٢ أخرجه البخاري في: ٢١ ـ كتاب العمل في الصلاة، ٢ ـ باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة، حديث ٦٥١.
 ومسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ٣٥ (طبعتنا)..
١٣ انظر الحاشية رقم ٣ ص: ٥٨٠..
١٤ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٧٥ من الجزء الثلث (طبعة الحلبيّ)..

### الآية 2:239

> ﻿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:239]

فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علّمكم ما لم تكونوا تعلمون ٢٣٩ . 
 فإن خفتم  أي : فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره  فرجالا  أي : فصلّوا راجلين، أي : ماشين على الأقدام يقال : رَجَل كفرح فهو راجل، ورَجُل بضم الجيم ورَجِل بكسرها ورَجَل بفتحها ورجِيل ورجْلان إذا لم يكن له ظهر في سفر يركبه فمشى على قدميه، والجمع رجال ورَجَّالة ورُجّال كرمّان  أو ركبانا  أي : راكبين، فيعفى عن كثرة الأفعال وإتمام الركوع والسجود واستقبال القبلة. وهذا من رخص الله تعالى التي رخّص لعباده، ووضْعِه الآصار والأغلال عنهم. وقد رويت صلاة الخوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفات مختلفة مفصّلة في ( كتب السنة )، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتحرى في كل موطن ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة. 
قال الرازيّ : صلاة الخوف قسمان : أحدهما أن تكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية ؛ والثاني : في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك  [(١)](#foonote-١). 
 وقد روى مالك[(٢)](#foonote-٢) عن نافع :( أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف، وصفها ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلّوا رجالا على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. 
قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ). ورواه الشيخان. 
ولمسلم[(٣)](#foonote-٣) أيضا عن ابن عمر قال :( فإن كان خوف أشد من ذلك فصلّ راكبا أو قائما توميء إيماءً ). 
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود[(٤)](#foonote-٤)، بإسناد جيّد، عن عبد الله بن أنيس الجهني قال :( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذليّ وكان نحو عُرَنَة وعرفات فقال : اذهب فاقتله، قال، فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت : إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماءً نحوه، فلما دنوت منه قال لي : من أنت ؟ قلت : رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك، قال :/ إني لفي ذلك. فمشيت معه ساعة. حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد ) ( وهذا نص أبي داود ). 
وأخرج الطيالسيّ وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائيّ[(٥)](#foonote-٥) وأبو يعلى والبيهقيّ عن أبي سعيد الخدري قال :( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك. وذلك قوله : وكفى الله المؤمنين القتال  [(٦)](#foonote-٦). فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن ينزل عليه  فإن خفتم فرجالا أو ركبانا  [(٧)](#foonote-٧) ). 
**تنبيه :**
هذه الآية قد أطلقت الخوف. فيدخل فيه أيّ مخافة من عدوّ أو سبع أو جمل صائل، وهذا قول الأكثر. وشذّ قول الوافي وبعض الظاهرية : إن الخوف مختص بأن يكون من آدميّ. وقد أفادت هذه الآية أن فعلها بالإيماء هو فرضهم، فلا قضاء عليهم بعد الأمن. قال في ( التهذيب ) خلاف ما يقوله بعضهم. ولكن هذا إذا أتوا بما يسمى صلاة فإن لم يمكنهم شيء من الأفعال، وإنما أتوا بالذكر فقط. فقال الناصر زيد وابن أبي الفوارس وأبو جعفر : هذا لا يسمى صلاة فيجب القضاء. وقال الراضي بالله والأمير الحسين : هو بعض الصلاة، فلا قضاء، قوله صلى الله عليه وسلم[(٨)](#foonote-٨) :( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ). وإذا ثبت الترخيص / في هذه الصلاة بترك كمال الفروض رخص فيها بفعل ما تحتاج إليه، وبلباس ما فيه نجس إذا احتيج إليه كذا في تفسير بعض علماء الزيدية. 
 فإذا أمنتم  أي : زال خوفكم  فاذكروا الله  أي : فصلّوا صلاة الأمن. عبّر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها. وقوله : كما علّمكم ما لم تكونوا تعلمون  أي : مثل ما علمكم من صلاة الأمن، أو لأجل إنعامه عليكم، فالكاف للتعليل. وهذه الآية كقوله تعالى : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا  [(٩)](#foonote-٩). والفائدة في ذكر المفعول فيه. وإن كان الإنسان لا يعلم إلا ما لم يعلم، التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقلوا عنها، فإنه أوضح في الامتنان. 
١ \[٤/ النساء/ ١٠٢\] ونصها: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلّوا فليصلّوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن اللّه أعدّ للكافرين عذابا مهينا ١٠٢..
٢ أخرجه الإمام مالك في الموطأ في: ١١ ـ كتاب صلاة الخوف، حديث ٣ (طبعتنا).
 وأخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ - سورة البقرة، ٤٤ ـ باب قوله عز وجل: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علّمكم ما لم تكونوا تعلمون، حديث ٥٤٧..
٣ أخرجه مسلم في: ٦ ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٣٠٦ (طبعتنا)..
٤ أخرجه أبو داود في: ٤ ـ كتاب الصلاة، ٢٠ ـ باب صلاة الطالب، حديث ١٢٤٩. وأخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٤٩٦ من الجزء الثالث (طبعة الحلبيّ)..
٥ أخرجه النسائي في: ٧ ـ كتاب الأذان، ٢١ ـ باب الأذان للفائت من الصلوات..
٦ \[٣٣/ الأحزاب/ ٢٥\] ونصها: وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ٢٥..
٧ \[٢/ البقرة/ ٢٣٩\] ونصها: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علّمكم ما لم تكونوا تعلمون ٢٣٩..
٨ أخرجه البخاري في: ٩٦ – كتاب الاعتصام، ٢ – باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث ٢٥٨٥ ونصه: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
 وأخرجه مسلم في: ٤٣ – كتاب الفضائل، حديث ١٣٨ (طبعتنا)..
٩ \[٤/ النساء/ ١٠٣\] ونصها: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ١٠٣..

### الآية 2:240

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:240]

والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم ٢٤٠ . 
 والذين يتوفّون منكم  أي : يقبضون من رجالكم  ويذرون  أي : يتركون  أزواجا  بعد الموت  وصية لأزواجهم  خبر  الذين  أي : يوصون، أو ليوصوا، / أو كتب الله عليهم وصية. وفي قراءة، بالرفع. أي : عليهم وصية لأزواجهم في أموالهم  متاعا إلى الحول  بدل من وصية، على قراءة من نصبها. وعلى قراءة الرفع فمنصوب بوصية أو بفعله  غير إخراج  حال من أزواجهم، أي : غير مخرجات. والمعنى : يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل الاحتضار لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى من غير أن يخرجن من مسكن زوجهن  فإن خرجن  عن منزل الأزواج من قبل أنفسهن  فلا جناح عليكم  على أولياء الميت  فيما فعلن في أنفسهن من معروف  لا ينكره الشرع كالتزيّن والتطيّب وترك الحداد والتعرّض للخطاب وفيه دلالة على أن المحظور إخراجها عند إرادتها القرار، وملازمة مسكن الزوج، والحداد من غير أن يجب عليها ذلك، وأنها مخيّرة بين الملازمة مع أخذ النفقة، وبين الخروج مع تركها  والله عزيز حكيم . ثم ليعلم أن اختيار جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهي قوله تعالى : يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا  [(١)](#foonote-١). قالوا : كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل اعتدّت زوجته حولا، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها وسكناها واجبتين في مال زوجها تلك السنة وليس لها من الميراث شيء، ولكنها تكون مخيرة. فإن شاءت اعتدّت في بيت زوجها ولها النفقة والسكنى، وإن شاءت خرجت قبل تمام الحول وليس لها نفقة ولا سكنى ؛ وكان يجب على الرجل أن يوصي بذلك. فدلّت هذه الآية على مجموع أمرين. أحدهما : أن لها النفقة والسكنى من مال زوجها سنة، والثاني : أن عليها عدة سنة ؛ ثم نسخ هذان الحكمان. 
 أما الوصية بالنفقة والسكنى فنسخت بآية الميراث. فجعل لها الربع أو الثمن عوضا عن النفقة والسكنى. ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر. 
وقد روى البخاري عن ابن الزبير قال :( قلت لعثمان بن عفان : والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا  قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتُبها أو تدعُها... ؟ قال : يا ابن أخي ! لا أغيّر شيئا[(٢)](#foonote-٢) منه من مكانه ). 
وأخرج أبو داود[(٣)](#foonote-٣). والنسائيّ عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية :( نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا ). 
هذا، وقد ذهب مجاهد إلى أن هذه الآية محكمة كالأولى. أخرجه عنه البخاري[(٤)](#foonote-٤) قال مجاهد : دلت الآية الأولى وهي : يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا  على أن هذه عدتها المفروضة تعتدّها عند أهل زوجها. ودلت هذه الآية، بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدّة السابقة تمام الحول، أن ذلك من باب الوصية بالزوجات أن يُمَكَّنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا، ولا يمنعن من ذلك، لقوله : غير إخراج  فإذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله : فإن خرجن...  إلخ ). قال الإمام ابن كثير : وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له ؛ وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية. 
ومنهم أبو مسلم الأصفهانيّ قال : معنى الآية : من يتوفى منكم ويذرون أزواجا، / وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج  فيما فعلن في أنفسهن من معروف  أي : نكاح صحيح. لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة. قال : والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا كاملا. وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول. فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب. واحتج على قوله بوجوه ساقها الفخر الرازيّ عنه إلى أن قال : فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل. ثم قال : وإذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية ؛ فالشرط هو قوله : والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج  فهذا كله شرط، والجزاء هو قوله.  فإن خرجن فلا جناح عليكم...  إلخ فهذا تقرير قول أبي مسلم. قال الرازيّ : وهو في غاية الصحة، والله أعلم. 
١ \[٢/ البقرة/ ٢٣٤\] ونصها: والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير ٢٣٤..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٤١ ـ والذين يتوفّون منكم..
٣ أخرجه أبو داود في: ١٣ ـ كتاب الطلاق، ٤٢ ـ باب نسخ متاع المتوفّى عنها بما فرض لها من الميراث، حديث ٢٢٩٨..
٤ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٤١ ـ باب والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا..

### الآية 2:241

> ﻿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:241]

وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ٢٤١ . 
 وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين  أي : للمطلقات متعة من جهة الزوج بقدر الإمكان، جبرا لوحشة الفراق. وأما المهر فهو حق البضع. 
قال ابن كثير : وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة. سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولا بها. وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف. واختاره ابن جرير. 
وقد أخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال :( لكل مؤمنة طلقت، حرة أو أمة، متعة. وقرأ الآية ). 
وأخرج البيهقيّ عن جابر بن عبد الله قال :( لما طلّق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، أتت / النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لزوجها : متعها. قال : لا أجد ما أمتعها قال : فإنه لا بد من المتاع، متّعها ولو نصف صاع من التمر ). 
وأخرج البيهقيّ عن قتادة قال :( طلق رجل امرأته عند شريح، فقال له شريح : متعها ! فقالت المرأة : إنه ليس لي عليه متعة. إنما قال الله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين   وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين . وليس من أولئك ! ! )
وأخرج البيهقيّ عن شريح أنه قال لرجل فارق امرأته :( لا تأبى أن تكون من المتقين، لا تأبى أن تكون من المحسنين ).

### الآية 2:242

> ﻿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:242]

\[ ٢٤٢ \]  كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ٢٤٢ . 
 كذلك  أي : مثل ذلك البيان الشافي  يبين الله لكم  في جميع المواضع  آياته  الدالة على أحكامه  لعلكم تعقلون  لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها.

### الآية 2:243

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [2:243]

ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ٢٤٣ . 
 ألم تر إلى الذين خرجوا  أي : ممن تقدمك من الأمم  من ديارهم  أي : التي ألفوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به من الموت. ولفظة  ألم تر  قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجيب والتقرير والتذكير كالأحبار وأهل التاريخ وقد تذكر لمن لا يكون كذلك. فتكون لتعريفه وتعجيبه. 
 قال الراغب :( رأيت ) يتعدى بنفسه دون الجار. لكن لما استعير  ألم تر  لمعنى ( ألم تنظر ) عدى تعديته ب ( إلى )، وفائدة استعارته : أن النظر قد يتعدى عن الرؤية، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له، وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال : رأيت إلى كذا. 
 وهم ألوف  أي : في العدد جمع ألف، أو وهم مؤتلفون ومجتمعون جمع آلف، بالمدّ كشاهد وشهود أي : إن خروجهم لم يكن عن افتراق كان منهم ولا تباغض ولكن  حذر الموت  مفعول له أي : فرارا منه وقوله : فقال لهم الله موتوا  معناه : فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك مشيئة خارجة عن العادة كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف. كقوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون  [(١)](#foonote-١)  ثم أحياهم  عطف. إما على مقدر يستدعيه المقام أي : فماتوا ثم أحياهم وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته. وإما على ( قال ) لما أنه عبارة عن الإماتة  إن الله لذو فضل على الناس  قاطبة. أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة، وأما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار، فقد تفضَّل على الجميع ليشكروه  ولكن أكثر الناس لا يشكرون  أي : فضله كما ينبغي. 
**تنبيه :**
روي عن ابن عباس :( أن الآية عُنِيَ بها قوم كثيرو العدد خرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد في سبيل الله فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوّهم. فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله . 
 ومعلوم أن سورة البقرة مما نزل في المدينة إثر الهجرة قبل فتح مكة. وكان العدوّ في مكة وما حولها في كثرة وقوة ومنعة، فأمر المسلمون المهاجرون ومن آواهم أن يقاتلوا في سبيل الله. وقصّ لهم من الأنباء ما فيه بعث لهم على الجهاد وتبشير لهم بالفوز والعاقبة، وإن يكونوا في قلة وضعف، ما داموا مستمسكين بحبل الوفاق والصبر والمصابرة. وقد ذهب بعض الرواة إلى أن هذه الآية عنى بها ما قص في التوراة عن ( حزقيل ) أحد أنبياء بني إسرائيل أنه أوحى إليه أن يخرج إلى فلاة واسعة قد ملئت عظاما يابسة من موتى بني إسرائيل. وأن يناديها باسمه تعالى. فجعلت تتقارب ثم كسيت لحما. ثم نادى أرواحها فعادت إلى أجسامها واستووا أحياء على أقدامهم بأمره تعالى. وهم جيش كثير جدا. وأوحى إلى ( حزقيل ) أنهم سيعودون إلى وطنهم بعد أن أجلوا عنه، وهذه القصة مبسوطة في توراتهم في الفصل السابع والثلاثين من نبوة ( حزقيل ). 
وممن روي عنه أنه عنى بهذه الآية نبأ ( حزقيل )، وهب بن منبه وأشعث بن أسلم البصريّ والحجاج بن أرطاة والسدّيّ وهلال بن يساف وغيرهم. أخرجه عنهم ابن جرير. فإن صحّت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات ( حزقيل ) في إحياء الموتى له كما أحيا لعيسى عليه السلام. فيرى قومه ما لا ييِأسون معه من جهاد عدوّهم ليسترجعوا وطنهم الذي أجلاهم عنه عدوهم. لأن ( حزقيل ) كان فيمن أُجْلي إلى بابل. قالوا ونبوته تتضمن القضاء المنزّل على بني إسرائيل وبشرى السلام الذي يعقب ذلك القضاء. وقد نقل ابن كثير عن عطاء أنه قال في هذه الآية :( إنها مَثَلٌ ). ولعل مراده أنه مثل في تكوينه تعالى أمة قوية تقهر وتغلب وتسوس غيرها بعد بلوغها غاية الضعف والخمول. فكان حياتها وموتها تمثيلا لحالتيها قبلُ وبعدُ. فيكون إشعارا بما ستصير إليه العرب من القوة العظيمة والمدنية الفخيمة. وتنبيها على أن الوصول إلى ذلك إنما يكون بجهاد الظالمين واتفاق المتقين على دحر المتغلبين الباغين. والله أعلم. 
 ثم إنه لا خفاء في أن ما قصّ من حوادث الإسرائيليين كان معروفا في الجملة لمخالطة اليهود للعرب في قرون كثيرة. 
قال وليّ الله الدهلويّ في ( الفوز الكبير ) : واختار سبحانه في تنزيله من أيام الله، يعني الوقائع التي أحدثها الله سبحانه وتعالى، كإنعام المطيعين وتعذيب العصاة، ما قرع سمعهم، وذكر لهم إجمالا مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود. وكانت العرب تتلقاها أبا عن جد، ومثل قصص سيدنا إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل فإنها كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطة اليهود العرب في قرون كثيرة، وانتزع من القصص المشهورة جُملا تنفع في تذكيرهم. ولم يسرد القصص بتمامها مع جميع خصوصياتها. والحكمة في ذلك أن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية الندرة، أو استقصى بين أيديهم ذكر الخصوصيات، يميلون إلى القصص نفسها ويفوتهم التذكر الذي هو الغرض الأصليّ فيها. ونظير هذا الكلام ما قاله بعض العارفين : إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة. 
١ \[٣٦/ يس/ ٨٢\]..

### الآية 2:244

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:244]

وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ٢٤٤ . 
 وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم . 
قال المفسرون : في اتباع القصة المتقدمة الأمر بالقتال، دليل على أنها سيقت بعثا على الجهاد. فحرض على الجهاد بعد الإعلام بأن الفرار من الموت لا يغني، كما قال تعالى : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين  [(١)](#foonote-١). وأصل السبيل هو الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى، ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالقتال دفاع في سبيل الله لإزالة الضرر العام. / وهو منع الحق وتأييد الشرك. وذلك بتربية الذين يفتنون الناس عن دينهم وينكثون عهودهم، لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب. وفي قوله تعالى : واعلموا أن الله سميع عليم  بعث على صدق النية والإخلاص. كما في الصحيحين[(٢)](#foonote-٢) عن أبي موسى رضي الله عنه قال :( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ). 
١ \[٣/ آل عمران/ ١٦٨\]..
٢ أخرجه البخاري في: ٣ ـ كتاب العلم، ٤٥ ـ باب من سأل وهو قائم عالما جالسا، حديث ١٠٥ ونصه: عن أبي موسى قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية. فرفع إليه رأسه (وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما) فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل).
 وأخرجه مسلم في: ٣٣ ـ كتاب الإمارة، حديث ١٥٠ (طبعتنا)..

### الآية 2:245

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:245]

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ٢٤٥ . 
 من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة  هذا حث من الله تعالى لعباده على الصدقة، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع. 
قال القرطبيّ : طلب القرض في هذه الآية لما هو تأنيب وتقريب للناس بما يفهمون. والله هو الغني الحميد. لكنه تعالى شبّه إعطاءه المؤمنين، وإنفاقهم في الدنيا الذي يرجون ثوابه في الآخرة، بالقرض. كما شبّه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة، بالبيع والشراء. حسبما يأتي بيانه في سورة براءة، وكنى الله سبحانه وتعالى عن الفقير بنفسه العلية المنزّهة عن / الحاجات ترغيبا في الصدقة. كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة. ففي[(١)](#foonote-١) صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى :( يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني. استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تَسْقِني. قال : يا رب ! كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي )، وكذا فيما قبله. أخرجه الشيخان. وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به. وقد أخرج سعيد بن منصور والبزار والطبرانيّ وغيرهم عن ابن مسعود[(٢)](#foonote-٢) قال :( لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح الأنصاريّ : يا رسول الله ! وإن الله ليريد منا القرض ؟ قال : نعم. يا أبا الدحداح ! قال : أرني يدك، يا رسول الله ! فناوله يده. قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي ( وحائط له، فيه ستمائة نخلة. وأم الدحداح فيه وعيالها ) فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أم الدحداح ! قالت : لبيك. قال : اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد / قبله منك. فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اليتامى الذين في حجره. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : رب عِذْق لأبي الدحداح مدلّى في الجنة )، وفي رواية " كم من عذق " إلخ. وقوله تعالى : حسنا  أي طيبة به نفسه من دون مَنّ ولا أذى. وقوله سبحانه : فيضاعفه له أضعافا كثيرة  كما قال سبحانه : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم  [(٣)](#foonote-٣). ولما رغب سبحانه في إقراضه أتبعه جملة مرهبة مرغبة فقال : والله يقبض ويبسط  أي يضيّق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين. أي فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لئلا يُبدِّل السعة الحاصلة لكم بالضيق. 
 وإليه ترجعون  أي يوم القيامة فيجازيكم. 
١ أخرجه مسلم في: ٤٥ ـ كتاب البر والصلة والآداب، حديث ٤٣ (طبعتنا).
 ونصه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يقول، يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب! كيف أسقيك؟ وأنت رب العالمين. قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي). 
 ولم يخرجه البخاري..
٢ انظر تفسير ابن كثير، الصفحة ٢٩٩ من الجزء الأول..
٣ \[٢/ البقرة / ٢٦١\]..

### الآية 2:246

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:246]

قال المهايميّ : وكيف ينكر بسط الله وقبضه وهو الذي يعطي الفقير الملك ويسلبه من أهله، ويقوي الضعفاء من الجمع القليل ويضعف الأقوياء من الجمع الكثير ؟ يعني كما قصّه تعالى في قوله : ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل اللّه قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل اللّه وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولّوا إلا قليلا منهم واللّه عليم بالظالمين ٢٤٦ . 
 ألم تر إلى الملأ  وهم القوم ذو الشارة والتجمع  من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم  إنما نكر لعدم مقتض لتعريفه، وزعم الكتابيون أنه صموئيل /  ابعث لنا ملكا  أي أقم لنا أميرا  نقاتل  أي معه عن أمره  في سبيل الله  وذلك حين ظهرت العمالقة، قوم جالوت على كثير من أرضهم  قال  لهم نبيهم  هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا . 
قال الزمخشريّ : خبر  عسيتم  ألا تقاتلوا. والشرط فاصل بينهما. والمعنى : هل قاربتم ألا تقاتلوا. يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون. أراد أن يقول عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل ( هل ) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى : هل أتى على الإنسان  [(١)](#foonote-١) معناه التقرير. وقرئ عسيتم بكسر السين، وهي ضعيفة. 
 قالوا وما لنا ألا نقاتل  أي وأيّ سبب لنا في ترك قتال عدونا  في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا  أي والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال إيجابا قويّا من أخذ بلادنا وسبي أولادنا  فلما كتب عليهم القتال  بعد إلحاحهم في طلبه  تولّوا  أي أعرضوا عن قتال عدوهم جبنا  إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين  وعيد لهم على ظلمهم بالتولّي عن القتال وترك الجهاد وعصيانا لأمره تعالى. 
قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلّت على أحكام : الأول وجوب الجهاد لأن الله تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيرا من سلوك طريقهم. وأيضا : شرائع من قبلنا تلزمنا. الثاني أن الأمير يُحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم. وقد[(٢)](#foonote-٢) كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أمّر عليها أميرا. قال في ( الكشاف ) :/ وروي[(٣)](#foonote-٣) أنه أمر الناس إذا سافروا، أن يجعلوا أحدهم أميرا عليهم. الثالث : وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب. لأن سياق الآية يقضي بذلك، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :( أطيعوا الأمير ولو كان عبدا حبشيا ) [(٤)](#foonote-٤). وقد ذكر علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميرا ودليلا وإماما. وهذا محمود. إذ بذلك ينقطع الجدال وينتظم أمورهم. ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء. نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل مسجد ونحو هذا. قال الحاكم : وفيه دلالة على أن للأنبياء تشديد العهود والمواثيق فيما يلزمهم، ووجه ذلك أنه قال  هل عسيتم  وهذا نوع من التأكيد عليهم. وكذا يأتي في الإمام قياس ما ذكر الحاكم في النبي.

١ \[٧٦ / الإنسان / ١\] ونصها: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ١..
٢ أخرجه أبو داود في: ١٥ ـ كتاب الجهاد، ٨٢ ـ باب في دعاء المشركين، حديث ٢١٦٢. 
 وفي هذا الحديث وصيته صلى الله عليه وسلم القيمة لأمير الجيش..
٣ أخرجه أبو داود في: ١٥ ـ كتاب الجهاد، ٨٠ ـ باب القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، حديث ٢٦٠٨ و٢٦٠٩.
 الأول عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفرهم فليؤمروا أحدهم). 
 والثاني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)..
٤ أخرجه البخاريّ في: ٩٣ – كتاب الأحكام، ٤ – باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، حديث ٤٣٤ ونصه: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأن رأسه زبيبة)..

### الآية 2:247

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:247]

وقال لهم نبيّهم إن اللّه قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن اللّه اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم واللّه يؤتي ملكه من يشاء واللّه واسع عليم ٢٤٧ . 
  وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا  هذا شروع في تفصيل ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير حالهم أي قال لهم ( بعد ما أوحي إليه ما أوحي ) إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا أي ملّكه عليكم. فانتهوا في تدبير الحرب إلى أمره. وكان طالوت من سبطٍ لم يكن الملك فيهم. وطالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود. ولذلك لم ينصرف. وزعم قوم أنه عربيّ ( من الطول ) لما وصفه به من البسطة في الجسم. ولكنه ليس من أبنية العرب فمنع صرفه للعلمية وشبه العجمة. وقد زعم الكتابيون أن طالوت هو المعروف عندهم بشاول.  قالوا  معترضين على نبيهم بل على الله تعالى  أنّى يكون له الملك علينا  أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك  ونحن أحق بالملك منه  أي لأن فينا من هو سبط الملوك دونه. 
قال الحراليّ : فثنَّوُا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملّكه الله عليهم. فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أُمر بالسجود لآدم : أنا خير منه  [(١)](#foonote-١). 
 ولم يؤت سعة من المال  أي فصار له مانعان : أحدهما أنه ليس من بيت الملك. والثاني أنه مملق. والملك لا بد له من مال يعتضد به. 
قال الحراليّ : فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك. وإنما الملك بإيتاء الله. فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم. 
 قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم  لما استبعدوا / تملكه بسقوط نسبه وبفقره، رد عليهم ذلك أوّلا : بأن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى. وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم. وثانيا : بأن العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة. وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب. وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر. قاله أبو السعود. 
 والله يؤتي ملكه من يشاء  في الدنيا من غير إرث أو مال. إذ لا يشترط في حقه تعالى شيء، فهو الفعال لما يريد  والله واسع  يوسع على الفقير ويغنيه  عليم  بمن يليق بالملك ممن لا يليق به. وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة. 
قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية أن النبوة والإمامة لا تستحق بالإرث وأن الغنى، والصيانة من الحرف الدنيئة، لا تشترط في أمير ولا إمام ولا قاض. أي لما روي أن طالوت كان دباغا أو سقاء مع فقره. قال الحاكم : فيبطل قول الإمامية أنها وراثة، والمعروف من قولهم : أن الإمامة طريقها النص، وتدل الآية أيضا على أنه يشترط في الأمير ونحوه القوة على ما تولاه. فيكون سليما من الآفات عالما بما يحتاج إليه، لأن الله تعالى ذكر البسطة في العلم والجسم ردًّا على ما اعتبروا. 
١ \[٧/ الأعراف/ ١٢\] ونصها: قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ١٢..

### الآية 2:248

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:248]

وقال لهم نبيّهم إن آية ملكه أن يأتيكم التّابوت فيه سكينة من ربكم وبقيّة مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ٢٤٨ . 
 وقال لهم نبيهم إن آية  أي علامة  ملكه  أنه من الله تعالى  أن يأتيكم التابوت  أي يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة. على ما سنذكره  فيه سكينة من ربكم  أي وقار وجلال وهيبة. أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل يتقوون به على / الحرب  وبقية  أي فضلة جملة، ذهب جلُّها  مما ترك آل موسى وآل هارون  أي من آثارهم الفاضلة  تحمله الملائكة إن في ذلك  أي في رد التابوت إليكم  لآية لكم  أن ملكه من الله تعالى : إن كنتم مؤمنين  بآيات الله وأنبيائه. 
قال العلاّمة البقاعيّ عليه الرحمة : التابوت، والله أعلم، الصندوق الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات، ويسمى تابوت الشهادة، وكانوا إذا حاربوا حَمَلَهُ جماعة منهم، موظفون لحمله، ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم. وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوا في جملة ما أخذوا من نفائسهم. وكان عهدهم به قد طال. فذكّرهم بمآثره ترغيبا فيه وحملا على الانقياد لطالوت. فقال : فيه سكينة...  الآية. 
وفي الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه :
( ١ ) وكلّم الرب موسى قائلا. ( ٢ ) كلِّمْ بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدِمة. من كل من يحثّه قلبه تأخذون تقدمتي. ( ٣ ) وهذه هي التقدمة التي تأخذونها منهم. ذهب وفضة ونحاس. ( ٤ ) وأسما نُجُونِيٌّ وأُرْجُوَانٌ وقِرْمِزٌ وبُوصٌ وشَعْرُ مِعْزَى. ( ٥ ) وجلود كباش محمّرة وجلود نُخَسٍ وخشبُ سَنْطٍ. ( ٦ ) وزيت للمنارة وأطياب لدُهن المَسْحَةِ وللبخور العَطِر. ( ٧ ) وحجارة جَزْع وحجارة ترصيع للرداء والصُّدْرة. ( ٨ ) فيصنعون لي مَقْدِسا لأسكن في وسطهم. ( ٩ ) بحسب جميع ما أنا أُريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون :
( ١٠ ) فتصنعون تابوتا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراعان ونصف. وارتفاعه ذراع ونصف ( ١١ ) وتُغشّيه بذهب نقي من داخل ومن خارج تغشيه. وتصنع عليه إكليلا من ذهب حواليه. ( ١٢ ) وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع. على جانبه الواحد حلقتان. وعلى جانبه الثاني حلقتان. ( ١٣ ) وتصنع عصوين من خشب السنط وتغشيها بذهب. ( ١٤ ) وتدخل العصوين في الحلقات على جانب التابوت ليُحمل التابوت / بهما. ( ١٥ ) تبقى العصوان في حلقات التابوت. لا تنزعان منها. ( ١٦ ) وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك. 
وفي الأصحاح الحادي والثلاثين من سفر الخروج :
( ١٨ ) ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لَوْحَي الشهادة لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله. 
وفي الأصحاح الرابع والثلاثين منه : أن موسى لما كسر اللوحين أمره الله أن ينحت لوحين مثل الأولين، وأمره أن يكتب عليهما كلمات العهد الكلمات العشر. ونصه :( ١ ) ثم قال الرب لموسى : انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين. فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما. 
وفي حواشي التوراة : أن تابوت الشهادة هو التابوت الذي كان فيه لوحا الشريعة الإلهية المسماة شهادة. 
وزعموا أن السكينة معربة عن ( شكينا ) في اللغة العبرانية. وفي سفر صموئيل من سفر الملوك الأول في الأصحاح الرابع وما بعده نبأ انكسار الإسرائيليين أمام الفلسطينيين وأخذ التابوت من الإسرائيليين وأنه بقي التابوت في بلاد الفلسطينيين سبعة أشهر. في قصص مسهبة.

### الآية 2:249

> ﻿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:249]

فلما فصل طالوت بالجنود قال إن اللّه مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منّي ومن لم يطعمه فإنه منّي إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنّون أنهم ملاقو اللّه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه واللّه مع الصابرين ٢٤٩ 
 وقوله تعالى : فلما فصل طالوت بالجنود  أي خرج بالجيش، لما رد إليهم التابوت وقبلوا ملكه، وخرجوا معه. وكان طالوت أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حر وعطش شديد  قال  لهم طالوت  إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني  أي من أشياعي الذين يقاتلون معي عدوي، ولا يجاوزه  ومن لم يطعمه فإنه مني  أي لم يذقه. من ( طَعِمَ كَعلَمَِ الشيء، إذا ذاقه مأكولا كان أو مشروبا ) وفي إيثاره على ( لم يشربه ) إشعار بأنه محظور تناوله ولو مع الطعام. ذكره الراغب.  إلا من اغترف غرفة بيده  الواحدة. فإنه لا يخرج بذلك عن كونه مني. لأنه في معنى من لم يذقه. 
قال الحراليّ في قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها، آخذة ما أخذت من قليل أو كثير. وفي الضم، إعلام بملئها. 
 فشربوا منه  أي إلى حد الارتواء  إلا قليل منهم  لم يشربوا إلا كما أذن الله تعالى  فلما جاوزه  أي النهر  هو  أي طالوت  والذين آمنوا معه قالوا  أي المفرطون في الشرب  لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده  لأنه سلبت شجاعتهم ( وجاء في التوراة تسميته بجُليات. على ما سنذكره )  قال الذين يظنون  أي يعلمون  أنهم ملاقو الله  يرجعون إليه بعد الموت  كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين .

### الآية 2:250

> ﻿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:250]

ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ٢٥٠ . 
 ولما برزوا  ظهروا  لجالوت وجنوده  إذ دنوا منه  قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا  أي أَفِضْهُ علينا وأكرمنا به لقتالهم فلا نجزع للجراحات، وإنما طلبوه أولا لأنه / ملاك الأمر  وثبّت أقدامنا  في ميدان الحرب فلا نهرب منه  وانصرنا  لأنا مؤمنون بك  على القوم الكافرين  بك. وهم جالوت وجنوده، وهذه الآية تدل على أن من حَزَبَهُ أمر فإنه ينبغي له سؤال المعونة من الله، والتوفيق، والانقطاع إليه تعالى.

### الآية 2:251

> ﻿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:251]

فهزموهم بإذن اللّه وقتل داوود جالوت وآتاه اللّه الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن اللّه ذو فضل على العالمين ٢٥١ . 
 فهزموهم  أي هؤلاء القليلون، أولئك الكثيرين  بإذن الله  بنصره إذ شجع القليلين وجبَّن الكثيرين  وقتل داود  وكان في جيش طالوت  جالوت  الذي هو رأس الأقوياء  وآتاه الله الملك  أي أعطى الله داود ملك بني إسرائيل  والحكمة  أي الفهم والنبوة  وعلّمه مما يشاء  من صنعة الدروع وغيرها  ولولا دفع الله الناس بعضهم  من أهل الشر  ببعض  من أهل الخير  لفسدت الأرض  أي بغلبة الكفار وظهور الشرك والمعاصي كما قال تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا  [(١)](#foonote-١) الآية. 
 ولكن الله ذو فضل على العالمين  أي منّ عليهم بالدفع. ولذلك قوّى سبحانه هؤلاء الضعفاء وأعطى بعضهم الملك والحكمة ومن سائر العلوم، ليدفع فساد الأقوياء بالسيف. 
١ \[٢٢/ الحج/ ٤٠\] ونصها: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربّنا اللّه ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيرا ولينصرن اللّه من ينصره إن اللّه لقوي عزيز ٤٠..

### الآية 2:252

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [2:252]

تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ٢٥٢ . 
 تلك  أي المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام جالوت وقتل داود إياه وتملكه  آيات الله  إذ هي أخبار غيوب تدل على كمال قدرته سبحانه وحكمته ولطفه  نتلوها عليك  أي ننزل عليك جبريل بها  بالحق  أي اليقين الذي لا يرتاب فيه  وإنك لمن المرسلين  بما دلّت عليه هذه الآيات من علمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر. وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة. كما أن فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم من الكفار والمنافقين. فكأنه قيل : قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم. فلا يعظمن عليك كُفر من كفر بك وخلاف من خالف عليك لأنك مثلهم، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع، لا على سبيل الإكراه. فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم. والوبال في ذلك يرجع عليهم ؛ وقوله : وإنك لمن المرسلين  كالتنبيه على ذلك، أشار له الرازيّ. 
قال البقاعيّ : ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة رسالته. لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل. 
قلت : يرحم الله البقاعيّ فإنه لم يطلع على هذه القصة من التوراة مع أنها مسوقة في الأصحاح السابع عشر من سفر صموئيل الأول ونصه :
( ١ ) وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب فاجتمعوا في سُوكُوهَ التي ليهوذا ونزلوا بين سُوكُوهَ وعريقة في أَفَسِ دَمِّيمَ. ( ٢ ) واجتمع شاوُلُ ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي / البُطْم واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين. ( ٣ ) وكان الفلسطينيون وقوفا على جبل من هنا وإسرائيل على جبل من هناك والوادي بينهم. ( ٤ ) فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جُلْيات من جَتَّ طوله ست أذرع وشبر. ( ٥ ) وعلى رأسه خوذة من نحاس وكان لابسا درعا حَرْشفياً ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس. ( ٦ ) وجُرْموقا نحاس على رجليه ومزراق نحاس بين كتفيه. ( ٧ ) وقناة رمحه كنول النسّاجين وسنان رمحه ست مائة شاقل حديد وحامل الترس كان يمشي قدامه. ( ٨ ) فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقال لهم : لماذا تخرجون لتصطفوا للحرب. أما أنا الفلسطيني وأنتم عبيد لشاولَ. اختاروا لأنفسكم رجلا ولينزل إليّ. ( ٩ ) فإن قدر أن يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيدا. وإن قدرت أنا عليه وقتلته تصيرون أنتم لنا عبيدا وتخدموننا. ( ١٠ ) وقال الفلسطينيّ أنا عيّرت صفوف إسرائيل هذا اليوم. أعطوني رجلا فنتحارب معا. ( ١١ ) ولما سمع شاول وجميع إسرائيل كلام الفلسطينيّ هذا ارتاعوا وخافوا جدا. ( ١٢ ) وداود هو ابن ذلك الرجل الأفراتيّ من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسَّى وله ثمانية بنين. وكان الرجل في أيام شاول قد شاخ وكبر بين الناس. ( ١٣ ) وذهب بنو يسَّى الثلاثة الكبار وتبعوا شاول إلى الحرب. وأسماء بنيه الثلاثة الذين ذهبوا إلى الحرب أَلِيابُ البكر وأبينا دابُ ثانيه وشَمَّةُ ثالثهما. ( ١٤ ) وداود هو الصغير والثلاثة الكبار ذهبوا وراء شاوُلَ. ( ١٥ ) وأما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم أبيه في بيت لحم. 
وكان الفلسطينيّ يتقدم ويقف صباحا ومساء أربعين يوما. ( ١٧ ) فقال يَسَّى لداود ابنه خذ لإخوتك إيفَةً من هذا الفريك وهذه العشر الخُبْزَات واركض إلى المحلة إلى إخوتك. ( ١٨ ) وهذه العشر القطعات من الجبن قدمها لرئيس الألف وافتقد سلامة إخوتك وخذ منهم عربونا. ( ١٩ ) وكان شاوُلُ وهم وجميع رجال إسرائيل في وادي البُطم يحاربون الفلسطينيين. ( ٢٠ ) فبكّر داود صباحا وترك الغنم مع حارس وحمّل وذهب كما أمره يسّى وأتى إلى المتراس / والجيش خارج إلى الاصطياف وهتفوا للحرب. ( ٢١ ) واصطف إسرائيل والفلسطينيون صفا مقابل صف. ( ٢٢ ) فترك داود الأمتعة التي معه بيد حافظ المتعة وركض إلى الصف واتى وسأل عن سلامة إخوته. ( ٢٣ ) وفيما هو يكلمهم إذا برجل مبارز اسمه جليات الفلسطينيّ من جَتَّ صاعد من صفوف الفلسطينيين وتكلم بمثل هذا الكلام فسمع داود. ( ٢٤ ) وجميع رجال إسرائيل لما رأوا الرجل هربوا منه وخافوا جدا. ( ٢٥ ) فقال رجال إسرائيل أرأيتم هذا الرجل الصاعد. ليُعَيِّرَ إسرائيل هو صاعد. فيكون أن الرجل الذي يقتله يغنيه الملك غنىً جزيلا ويعطيه بنته ويجعل بيت أبيه حرّا في إسرائيل. 
( ٢٦ ) فكلم داود الرجال الواقفين معه قائلا ماذا يُفعل للرجل الذي يقتل ذلك الفلسطيني ويزيل العار عن إسرائيل. لأنه من هو هذا الفلسطينيّ الأغلف حتى يعيّر صفوف الله الحيّ. ( ٢٧ ) فكلمه الشعب بمثل هذا الكلام قائلين كذا يُفعل بالرجل الذي يقتله. ( ٢٨ ) وسمع أخوه الأكبر ألِيابُ كلامه مع الرجال فحمي غضب ألِياتُ على داود وقال لماذا نزلت وعلى من تركت تلك الغنيمات القليلة في البريّة. أنا علمت كبرياءك وشر قلبك لأنك نزلت لكي ترى الحرب. ( ٢٩ ) فقال داود ماذا عملت الآن. أما هو كلام. ( ٣٠ ) وتحول من عنده نحو آخر وتكلم بمثل هذا الكلام فردّ له الشعب جوابا كالجواب الأول. ( ٣١ ) وسُمع الكلام الذي تكلم به داود وأخبروا به أمام شاول. فاستحضره. ( ٣٢ ) فقال داود لشاول : لا يسقط قلب أحد بسببه. عبدك يذهب ويحارب هذا الفلسطينيّ. ( ٣٣ ) فقال شاول لداود لا تستطيع أن تذهب إلى هذا الفلسطينيّ لتحاربه لأنك غلام وهو رجل حرب منذ صباه. ( ٣٤ ) فقال داود لشاول كان عبدك يرعى لأبيه غنما فجاء أسد مع دبّ وأخذ شاة من القطيع. ( ٣٥ ) فخرجت وراءه وقتلته وأنقذتها من فيه ولما قام عليّ أمسكته من ذقنه وضربته فقتلته. ( ٣٦ ) قتل عبدك الأسد والدب جميعا. وهذا الفلسطينيّ الأغلف يكون كواحد منهما لأنه عيّر صفوف الله الحيّ. ( ٣٧ ) وقال داود الرب الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب / هو ينقذني من يد هذا الفلسطينيّ. فقال شاول لداود : اذهب وليكن الرب معك. ( ٣٨ ) وألبس شاول داود ثيابه وجعل خوذة من نحاس على رأسه وألبسه درعا. ( ٣٩ ) فتقلّد داود بسيفه فوق ثيابه وعزم أن يمشي لأنه لم يكن قد جرّب. فقال داود لشاول لا أقدر أن أمشي بهذه لأني لم أجربها. ونزعها داود عنه. ( ٤٠ ) وأخذ عصاه بيده وانتخب له خمسة حجارة مُلْس من الوادي وجعلها في كِنْفِ الرعاة الذي له أي في الجراب ومقلاعه بيده وتقدم نحو الفلسطينيّ. ( ٤١ ) وذهب الفلسطينيّ ذاهبا واقترب إلى داود والرجل حامل الترس أمامه. ولما نظر الفلسطينيّ ورأى داود استحقره لأنه كان غلاما وأشقر جميل المنظر. ( ٤٣ ) فقال الفلسطينيّ لداود ألعلّي أنا كلب حتى أنك تأتي إليّ بعِصِيٍّ. ولعن الفلسطينيّ داود بآلهته. ( ٤٤ ) وقال الفلسطينيّ لداود تعال إليّ فأعطي لحمك لطيور السماء ووحوش البريّة. ( ٤٥ ) فقال داود للفلسطينيّ أنت تأتي إليّ بسيف وبرمح وبترس. وأنا آتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيّرتهم. ( ٤٦ ) هذا اليوم يحسبك الرب في يدي فأقتلك وأقطع رأسك. وأعطي جثت جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله إسرائيل. ( ٤٧ ) وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يُخَلِّصُ الرب لأن الحرب للرب وهو يدفعكم ليدنا. ( ٤٨ ) وكان لما قام الفلسطينيّ وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطينيّ. ( ٤٩ ) ومدّ داود يده إلى الكِنْف وأخذ منه حجرا ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطينيّ في جبهته فارتزّ الحجر في جبهته وسقط على وجهه إلى الأرض. ( ٥٠ ) فتمكن داود من الفلسطينيّ بالقلاع والحجر وضرب الفلسطينيّ وقتله. ولم يكن سيف بيد داود. ( ٥١ ) فركض داود ووقف على الفلسطينيّ وأخذ سيفه واخترطه من غمده وقتله وقطع به رأسه. فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات هربوا. ( ٥٢ ) فقام رجال إسرائيل ويهوذا وهتفوا ولحقوا الفلسطينيين حتى مجيئك إلى الوادي وحتى أبواب عَقْرُونَ.... إلخ. 
 وتتمة شأن داود بعد ذلك إلى أن آتاه الله الملك مذكور في الفصول بعد هذا الفصل من التوراة. فانظره إن شئت.

### الآية 2:253

> ﻿۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [2:253]

\* تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم اللّه ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القدس ولو شاء اللّه ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء اللّه ما اقتتلوا ولكن اللّه يفعل ما يريد ٢٥٣ . 
 تلك الرسل  إشارة إلى من ذكر منهم في هذه السورة أو المعلومة للنبيّ صلى الله عليه وسلم  فضّلنا بعضهم على بعض  بأن خصّ بمنقبة ليست لغيره  منهم من كلّم الله  تفصيل التفضيل أي منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام  ورفع بعضهم درجات  كإبراهيم اتخذه الله خليلا. وداود آتاه الله النبوة والخلافة والملك. 
قال الزمخشريّ : أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة. 
والظاهر أنه أراد محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء. لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى. لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشبّه والتميز الذي لا يلتبس ؛ ويقال للرجل : من فعل هذا ؟ فيقول : أحدكم أو بعضكم. تريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال. فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. / وسئل الحطيئة عن أشعر الناس ؟ فذكر زهيراً والنابغة ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث. أراد نفسه. ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. 
ثم قال : ويجوز أن يريد إبراهيم ومحمدا وغيرهما من أولي العزم. 
 وآتينا عيسى ابن مريم البينات  كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى  وأيّدناه بروح القدس  سبق الكلام فيه. 
قال الزمخشريّ : فإن قلت فلم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ قلت : لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات. فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات، خُصَّا بالذكر في باب التفضيل. وهذا دليل بيّن أن من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي أُوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها، كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع. 
 ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم  أي من بعد الرسل لاختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وتكفير بعضهم بعضا  من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد . 
قال الزمخشريّ : كرره للتأكيد. قال الناصر في ( حواشيه ) : ووراء التأكيد سر أخص منه. وهو أن العرب متى ثبت أول كلامهم على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأول، قصدت ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها. وذلك عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك. وفي كتاب الله تعالى مواضع في هذا المعنى. منها قوله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا  [(١)](#foonote-١)، / ومنها قوله تعالى :-  ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرّة بغير علم  إلى قوله  لو تزيّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم  [(٢)](#foonote-٢). وهذه الآية من هذا النمط. لما صدر الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة، ثم طال الكلام وأريد بيان أن مشيئة الله تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو اقتتال هؤلاء، فهي نافذة في كل فعل واقع. وهو المعنى المعبّر عنه في قوله : ولكن الله يفعل ما يريد  طرأ ذكر تعلّق المشيئة بالاقتتال لتلوه عموم تعلق المشيئة. لتناسب الكلام ويعرف كل بشكله. فهذا سر ينشرح له الصدر، ويرتاح له السر. والله الموفق. 
١ \[١٦/ النحل/ ١٠٦\] ونصها: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ١٠٦..
٢ \[٤٨/ الفتح/ ٢٥\] ونصها: هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محلّه ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرّة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ٢٥..

### الآية 2:254

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:254]

يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ٢٥٤ . 
 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم  هذا أمر بالإنفاق لبعض من المال. قيل هو أمر إيجاب وأنه أراد، بذلك، الإنفاق الواجب وهو الزكاة. لأنه تعالى عقبه بالوعيد بقوله : والكافرون  إلخ، حيث عنى بهم مانعوها كما يأتي. وقال الأصم وأبو عليّ : أراد النفقة في الجهاد. وقال أبو مسلم وابن جريح : أراد الفرض والنفل. وهو المتَّجه. وقوله تعالى : من قبل أن يأتي يوم  هو يوم القيامة  لا بيع فيه  أي فتحصلون ما تنفقونه / أو تفتدون به من العذاب  ولا خلّة  حتى يعينكم الأخلاء.  الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  [(١)](#foonote-١)  ولا شفاعة  حتى تتكلوا على شفعاء : إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولا  [(٢)](#foonote-٢).  والكافرون هم الظالمون  أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد. كما في قوله تعالى في آخر آية الحج  ومن كفر  [(٣)](#foonote-٣) مكان ( ومن لم يحج ) وللإيذان بأن ترك الزكاة من صفات الكفار. قال تعالى : وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة  [(٤)](#foonote-٤). ذكره الزمخشريّ. 
ويحتمل أن يكون المعنى : والكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأموال في غير مواضعها. فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم في أن لا تنفقوا فتضعوا أموالكم في غير مواضعها. وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى الخيرات، قبل فواتها بهجوم ما يخشى معه الفوت، من موت أو غيره. 
١ \[٤٣/ الزخرف/ ٦٧\]..
٢ \[٢٠/ طه/ ١٠٩\] ونصها: يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا ١٠٩..
٣ \[٣/ آل عمران/ ٩٧\] ونصها: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ٩٧..
٤ \[٤١/ فصلت/ ٦ و٧\] ونصهما: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ٦ \* الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ٧..

### الآية 2:255

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [2:255]

اللّه لا إله إلا هو الحيّ القيّوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيّه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العليّ العظيم ٢٥٥ . 
 الله لا إله إلا هو الحيّ  أي الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء  القيّوم  الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه، وقرئ القيام والقيم. 
 لا تأخذه سنة ولا نوم  تأكيد للقيوم. أي لا يغفل عن تدبير أمر الخلق تعالى وتقدس. والسِّنَة ( كعِدَة ) والوَسَن ( محركة وبهاء ) والوسْنة شدة النوم أو أوله، أو النعاس، كذا في ( القاموس ). 
قال المهايميّ : السنة فتور يتقدم النوم. والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه من رطوبات أبخرة متصاعدة تمنع الحواس الظاهرة عن الإحساس. فهما ينقصان للحياة منافيان للقيومية، لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم. ونفي النوم أوّلا التزاما ثم تصريحا، ليدل كمال نفيه على ثبوت كمال ما ينافيه. ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات والسفليات المشار إليه بقوله : له ما في السماوات  من الملائكة والشمس والقمر والكواكب  وما في الأرض  من العوالم المشاهدات. وهذا إخبار بأن الجميع في ملكه وتحت قهره وسلطانه. كقوله : إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا \* لقد أحصاهم وعدّهم عدّا  [(١)](#foonote-١).  من ذا  من الأنبياء والملائكة، فضلا عما ادعى الكفار شفاعته من الأصنام  الذي يشفع عنده  فضلا عن أن يقاومه أو يناصبه /  إلا بإذنه  أي بتمكينه تحقيقا للعبودية، كما قال تعالى : وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى  [(٢)](#foonote-٢). وكقوله : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  [(٣)](#foonote-٣). وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة. كما في حديث الشفاعة[(٤)](#foonote-٤) :( آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم قال : ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع. قال : فيحدّ لي حدّا فأدخلهم الجنة ). 
قال أبو العباس بن تيمية : نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون. فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا لله ولم يبق إلا الشفاعة. فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده. لا يبدأ بالشفاعة أولا. ثم يقال له :( ارفع رأسك وقُل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ). وقال[(٥)](#foonote-٥) له أبو هريرة :( من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : من قال :/ لا إله إلا الله خالصا من قلبه ). فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله. ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك. ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص.  يعلم ما بين أيديهم  أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم. لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسُّه. وما علمه أيضا. فكأنه بين يدي قلبه يحيط بع علمه  وما خلفهم  وهو ما لم ينله علمهم. لأن الخلف هو ما لا يناله الحس. فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا. أفاده الحرّاليّ. فهذه الجملة كقوله تعالى : عالم الغيب والشهادة  [(٦)](#foonote-٦)  ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء  أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما أراد أن يعلمهم به منها على ألسنة الرسل. كما قال تعالى : فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول  [(٧)](#foonote-٧). أي ليكون ما يطلعه عليه من علم غيبه دليلا على نبوته.  وسع كرسيّه السماوات والأرض  روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ( أن المعنيّ بالكرسيّ العلم ). وذلك لدلالة قوله تعالى : ولا يؤوده حفظهما  أي لا يؤوده حفظ ما علم وأحاط به مما في السماوات والأرض. وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما  [(٨)](#foonote-٨) فأخبر أن علمه وسع كل شيء، فكذلك / قوله  وسع كرسيّه السماوات والأرض  قال ابن جرير : وقول ابن عباس هذا يدل على صحة ظاهر القرآن لما ذكر. ولأن أصل الكرسيّ العلم. ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب : كراسة. ومنه قول الراجز في صفة قانص
\*حتى إذا ما احتازها تكرّسا \*
يعني علم، ومنه يقال للعلماء : الكراسيّ. لأنهم المعتمد عليهم. كما يقال : أوتاد الأرض. يعني أنهم الذين تصلح بهم الأرض. ومنه قول الشاعر :
يحف بهم بيض الوجوه وعصبة \*\*\* كراسيّ بالأحداث حين تنوب
يعني بذلك علمه بحوادث الأمور ونوازلها. وروى ابن جرير أيضا عن الحسن أن الكرسيّ في الآية هو العرش. اه. وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيّها مترادفان. ولذلك قال تعالى على لسان سليمان : أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين  [(٩)](#foonote-٩) فالعرش والكرسيّ هما شيء واحد وإنما سماه هنا. كرسيًّا، إعلاما باسم له آخر[(١٠)](#foonote-١٠).  ولا / يؤوده  أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال : آده الأمر أوداً وأُوْوداً ( كقعود ) بلغ منه المجهود والمشقة  حفظهما  أي السماوات والأرض فلا يفتقر إلى شريك ولا ولد. وكيف يشق عليه  وهو العلي  قال ابن جرير. قال بعضهم : يعني بذلك علوّه عن النظير والأشباه. وقال آخرون : معناه العليّ على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه. وخلقه دونه. كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم.  العظيم  أي أعظم كل شيء بالجلال والكبرياء والقهر والقدرة والسلطان. 
**تنبيه :**
آية الكرسيّ هذه لها شأن عظيم وفضل كبير. وقد صح الحديث[(١١)](#foonote-١١) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أعظم آية في كتاب الله وأنها مشتملة على اسم الله الأعظم، وقد ساق ما ورد في فضلها الإمام ابن كثير في ( تفسيره ) والجلال السيوطي في ( الدر المنثور ) فانظرهما. 
قال الزمخشريّ : فإن قلت : لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد. قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى. ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار. 
 وقد حكى السيوطيّ في ( الإتقان ) عن الأشعريّ والباقلانيّ وابن حبّان المنع من أن يقال في القرآن فاضل وأفضل. قالوا : وما ورد مما يفيد ذلك محمول على الأعظمية في الأجر. لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقد ردّ ذلك غير واحد، حتى قال ابن الحصار : العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل. وقال الغزاليّ في ( جواهر القرآن ) : لعلك أن تقول : قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله، فكيف يتفاوت بعضها بعضا، وكيف يكون بعضها أشرف من بعض ؟ فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع على اعتقاد نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد، فقلّد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال :( يس قلب القرآن ) [(١٢)](#foonote-١٢). و( فاتحة الكتاب أفضل سور القرآن ) [(١٣)](#foonote-١٣). / و( آية الكرسيّ سيدة آي القرآن ) [(١٤)](#foonote-١٤). و( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) [(١٥)](#foonote-١٥). والأخبار الواردة في فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها لا تحصى. انتهى. 
١ \[١٩/ مريم/ ٩٣ و٩٤ \]..
٢ \[٥٣/ النجم/ ٢٦\]..
٣ \[٢١/ الأنبياء/ ٢٨\] ونصها: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ٢٨..
٤ أخرجه البخاري في: ٩٧ ـ كتاب التوحيد، ١٩ ـ باب قوله تعالى: لما خلقت بيديّ. ومسلم في: ١ ـ كتاب الإيمان، حديث ٣٢٢ ـ ٣٢٦ (طبعتنا).
 وهو حديث طويل وجليل وعظيم الشأن، والسعيد من ظفر به وأحاط علما بما فيه..
٥ أخرجه البخاري في: ٣ ـ كتاب العلم، ٣٣ ـ باب الحرص على الحديث ونصه: 
 عن أبي هريرة أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت يا أبا هريرة، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه أو نفسه)..
٦ \[٦/ الأنعام/ ٧٣\] ونصها: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ٧٣.
٧ \[٧٢/ الجن/ ٢٦ و٢٧ \] ونصهما: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ٢٦ \* إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ٢٧..
٨ \[٤٠/ غافر/ ٧\] ونصها: الذين يحملون على العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ٧..
٩ \[٢٧/ النمل/ ٣٨\] ونصها: قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ٣٨..
١٠ كان المؤلف، رضي الله عنه فسر الكرسيّ بما يأتي:
 الكرسيّ، بالضم وبالكسر، السرير والعِلْم، كما في القاموس.
 قال الأزهريّ: والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمّار الذهبيّ عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (الكرسيّ، موضع القدمين. وأما العرش فإنه لا يقدر قدره). قال: وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.
 قال: ومن روي عنه في الكرسيّ أنه العلم فقد أبطل. انتهى. 
 وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: (الكرسيّ الذي يوضع تحت العرش، الذي تجعل الملوك عليه أقدامهم).
 وفي الفتح: الكرسيّ هنا، الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته.
 ثم إن المؤلف عدل عن ذلك إلى ما تراه..
١١ أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٤٦١ من الجزء السادس (طبعة الحلبيّ) ونصه: عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذين الآيتين: الله لا إله إلا هو الحيّ القيّوم. وآلم الله لا إله إلا هو الحيّ القيّوم، أن فيهما اسم الله الأعظم)..
١٢ أخرجه الترمذي في: ٤٢ ـ كتاب ثواب القرآن، ٧ ـ باب ما جاء في فضل يس. ونصه: عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات)..
١٣ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ١ - سورة الفاتحة، ١ ـ باب ما جاء في فاتحة الكتاب. ونصه: عن أبي سعيد بن المعلَّى قال: (كنت أُصلي في المسجد. فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه. فقلت: يا رسول الله! إني كنت أُصلي. فقال: ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم؟ ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد ثم أخذ بيدي. فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)..
١٤ قال الإمام ابن كثير في تفسيره بالصفحة ٣٠٧ من الجزء الأول:
 قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدّثنا عليّ بن حشاد. حدّثنا بشر بن موسى. حدّثنا الحميديّ. حدّثنا سفيان. حدّثني حكيم بن جبير الأسديّ عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سورة البقرة فيها آية سيد آي القرآن. لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه. آية الكرسيّ)..
١٥ أخرجه البخاري في: ٦٦ ـ كتاب فضائل القرآن، ١٣ ـ باب فضل قل هو الله أحد.
 ونصه: عن أبي سعيد الخدريّ (أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد، يرددها. فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. وكأن الرجل يتقالّها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن)..

### الآية 2:256

> ﻿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:256]

لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ فمن يكفر بالطّاغوت ويؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها واللّه سميع عليم ٢٥٦ . 
 لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ  قال ابن كثير : أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جليّ دلائله وبراهينه. لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه. بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بيّنة. ومن عمي قلبه فإنه لا يفيده الدخول فيه مكرها مقسوراً : فالنفي بمعنى النهي. / وهو ما ذهب إليه في تأويل الآية كثير. وذهب آخرون إلى أنه خبر محض. أي أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر وإنما بناه على التمكين والاختيار. قال القفال موضحا له لما بين تعالى دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر، أخبر بعد ذلك أنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر. إلا أن يُقسر على الإيمان ويجبر عليه. وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء. إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان. ونظير هذه الآية قوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  [(١)](#foonote-١). وقوله تعالى : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين  [(٢)](#foonote-٢). وقوله تعالى : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين \* إن نشأ ننزّل عليهم من السماء آية فظلّت أعناقهم لها خاضعين  [(٣)](#foonote-٣). 
**تنبيه :**
علم من هذه الآية أن سيف الجهاد المشروع في الإسلام والذي لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر لم يستعمل للإكراه على الدخول في الدين. ولكن لحماية الدعوة إلى الدين والإذعان لسلطانه وحكمه العدل. 
 فمن يكفر بالطاغوت  أي بالشيطان. أي بما يدعو إليه من عبادة الأوثان  ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها  أي فقد تمسك من الدين بأقوى سبب، وشبّه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم. هي في نفسها محكمة مبرمة قوية. وربطها قويّ / شديد. وجملة  لا انفصام لها  إما استئناف مقرر لما قبلها، وإما حال من ( العروة ) والعامل  استمسك  أو من الضمير المستتر في  الوثقى  وإما صلة لموصول محذوف أي ( التي )، نقله الرازيّ. 
وقد روى الشيخان عن عبد الله بن سلام قال :( رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. رأيت كأني في روضة خضراء وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء. في أعلاه عروة. فقيل لي : اصعد عليه. فقلت : لا أستطيع. فجاءني منصف ( أي وصيف ) فرفع ثيابي من خلفي، فقال : اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة. فقال : استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه. فقال : أما الروضة فروضة الإسلام. وأما العمود فعمود الإسلام. وأما العروة فهي العروة الوثقى. أنت على الإسلام حتى تموت )  والله سميع عليم  اعتراض تذييليّ حامل على الإيمان، رادع عن الكفر والنفاق، بما فيه من الوعد والوعيد. 
١ \[١٨/ الكهف/ ٢٩\] ونصها: وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشّراب وساءت مرتفقا ٢٩..
٢ \[١٠/ يونس/ ٩٩\]..
٣ \[٢٦/ الشعراء/ ٣ و٤\]..

### الآية 2:257

> ﻿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:257]

اللّه وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطّاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٢٥٧ . 
 الله ولي الذين آمنوا  أي حافظهم وناصرهم  يخرجهم  تفسير للولاية أو خبر ثان  من الظلمات  أي ظلمات الكفر والمعاصي  إلى النور  أي نور الإيمان الحق الواضح. وإفراد النور لوحدة الحق. كما أن جمع الظلمات لتعدد فنون الضلال. كما قال تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون  [(١)](#foonote-١).  والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت  أي / الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق  يخرجونهم  بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال والإغواء  من النور  أي الإيمان الفطريّ الذي جبل عليه الناس كافة، أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم  إلى الظلمات  أي ظلمات الكفر والغي  أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . 
ثم استشهد تعالى على ما ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت بقوله : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه اللّه الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر واللّه لا يهدي القوم الظالمين ٢٥٨ . 
١ \[٦/ الأنعام/ ١٥٣\]..

### الآية 2:258

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [2:258]

ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه اللّه الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر واللّه لا يهدي القوم الظالمين ٢٥٨ . 
 ألم تر إلى الذي حاجّ  أي جادل  إبراهيم في ربه  أي كيف أخرجه الطاغوت من نور نسبة الإحياء والإماتة إلى ربه، إلى ظلمات نسبتهما إلى نفسه  أن آتاه الله الملك  أي : لأن آتاه الله. يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر. فحاج لذلك. أو حاجه لأجله، وضعا للمحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه الشكر. كما يقال : عاداني فلان لأني أحسنت إليه. تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه قوله تعالى : وتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون  [(١)](#foonote-١). 
قال الحراليّ : وفي إشعاره أن الملك بلاء وفتنة على من أوتيه. 
 إذ قال إبراهيم  حين سأله من ربك الذي تدعونا إليه  ربي الذي يحيي ويميت  أي بنفخ الروح في الجسم وإخراجها منه  قال أنا أحيي وأميت  أي بالقتل / والعفو عنه. ولما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتصدي لإبطاله من قبيل السعي في تحصيل الحاصل، انتقل إبراهيم عليه السلام، إرسالا لعنان المناظرة معه، إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج مكابرة أو مشاغبة أو تلبيس على العوام. وهو ما قصه تعالى بقوله : قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب  أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت فأت بها من المغرب  فبهت الذي كفر  تحيّر ودهش وغلب بالحجة، لما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام  والله لا يهدي القوم الظالمين  أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا. بل  حجّتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد  [(٢)](#foonote-٢). 
١ \[٥٦/ الواقعة/ ٨٢\]..
٢ \[٤٢/ الشورى/ ١٦\] ونصها: والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له حجّتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ١٦..

### الآية 2:259

> ﻿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:259]

أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها فأماته اللّه مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن اللّه على كل شيء قدير ٢٥٩ . 
  أو كالذي مرّ على قرية  استشهاد على ما ذكر تعالى من ولايته للمؤمنين وتقرير له، معطوف على الموصول السابق. وإيثار ( أو ) الفارقة على ( الواو ) الجامعة للاحتراز عن توهم اتحاد المستشهد عليه من أول الأمر. والكاف إما إسمية جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر، وإما زائدة. والمعنى : أو لم تر إلى مثل الذي. أو إلى الذي مرّ على قرية. كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان والشهود  وهي خاوية على عروشها  خالية ساقطة حيطانها على سقوفها  قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها  أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها. فكان منه كالوقوع في الظلمات. فأراه الدليل على الإحياء الحقيقيّ في نفسه مبالغة في قلع الشبهة، إخراجا له منها إلى النور  فأماته الله مائة عام  ليندرس بالكلية  ثم بعثه  أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه وبعض أجزائه إلى بعضٍ بعد تفرقها  قال  الله له  كم لبثت  أي مكثت ميتا  قال لبثت يوما أو بعض يوم  قاله بناء على التقريب والتخمين. أو استقصاراً لمدة لبثه  قال  الله  بل لبثت مائة عام  وإنما سأله تعالى ليظهر له عجزه عن الإحاطة بشؤونه. وأن إحياءه ليس بعد مدة يسيرة، ربما يتوهم أنه هيّن في الجملة، بل بعد مدة طويلة. وينحسم به مادة استبعاده بالمرة. ويطلع في تضاعيفه على أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى. وهو إبقاء الغداء المتسارع إلى الفساد بالطبع، على ما كان عليه دهراً طويلاً، من غير تغيّر ما. كما قال سبحانه  فانظر  لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا  إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه  أي لم يتغيّر في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد. والهاء يجوز أن تكون هاء سكت زيدت في الوقف. وأصل الفعل على هذا فيه وجهان : أحدهما يتسنن من قوله : حمأ مسنون . فلما اجتمعت ثلاث نونات قلبت الأخيرة ياء كما قلبت في تظنيت ثم أبدلت الياء ألفا ثم حذفت للجزم. والثاني أن يكون أصل الألف واوا من قولهم : أسنى يسني إذا مضت عليه السنون. وأصل سنة سنوة لقولهم : سنوات أي لم تمر عليه السنون. والمعنى على التشبيه. أي كأنه لم تمر / عليه المائة سنة لبقائه على حاله وعدم تغيره. ويجوز أن تكون الهاء أصلا ويكون اشتقاقه من السنة بناء على أن لام السنة هاء، وأصلها سنهة. ولقولهم سنهاء وعاملته مسانهة. فعلى هذا تثبت الهاء وصلا ووقفا. إذ الفعل مجزوم بسكونها. وعلى الأول تثبت في الوقف دون الوصل، ومن أثبتها في الوصل أجراه مجرى الوقف. وقد قرأ حمزة والكسائيّ بحذف الهاء وصلاً وإثباتها وقفاً والباقون بإثباتها وصلاً ووقفاً. فإن قيل : ما فاعل يتسنى ؟ قيل : يحتمل أن يكون ضمير الطعام والشراب لاحتياج كل واحد منهما إلى الآخر، فكانا بمنزلة شيء واحد. فلذلك أفرد الضمير في الفعل. ويحتمل أن يكون جعل الضمير ل ( ذلك ). و( ذلك ) يكنى به عن الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد. ويحتمل أن يكون الضمير للشراب فقط لأنه أقرب، وثَمَّ جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها. والتقدير : وانظر إلى طعامك لم يتسنه، وإلى شرابك لم يتسنه. ويجوز أن يكون أفراد في موضع التثنية كما قال الشاعر :
فكأن في العينين حب قرَنْفَلٍ\*\*\* أو سنبلا كُحِلَتْ به فَانْهَلَّتِ
أشار لذلك أبو البقاء  وانظر إلى حمارك  كيف هو. فرآه صار عظاما نخرة  ولنجعلك آية للناس  عطف على مقدر متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق. أي فعلنا ما فعلنا، من إحيائك بعد ما ذكر، لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل. ولنجعلك آية للناس على البعث. أو متعلق بفعل مقدر بعده. أي : ولنجعلك آية للناس فعلنا ما فعلنا  وانظر إلى العظام  أي عظام الحمار لتشاهد كيفية الإحياء  كيف ننشزها  قرئ بالزاي أي نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه. من ( النشز ) وهو المرتفع من الأرض. وفيها على هذا وجهان : ضم النون وكسر الشين من ( أنشزته ) وفتح النون وضم الشين من ( نشزته ) وهما لغتان. وقرئ بالراء وفيها وجهان : الأول فتح النون وضم الشين وماضيه ( نشر ) فيكون إما مطاوع أنشر الله الميت فنشر، وحينئذ نشر بمعنى أنشر. فاللازم والمتعدي بلفظ واحد. وإما من النشر الذي هو ضد الطيّ أي يبسطها بالإحياء. والثاني ضم النون / وكسر الشين أي نحييها كقوله : ثم إذا شاء أنشره  [(١)](#foonote-١). قاله أبو البقاء.  ثم نكسوها لحما  أي نسترها به  فلما تبين له  أي اتضح له إعادته مع طعامه وشرابه وحماره، بعد التلف الكليّ وظهر له كيفية الإحياء  قال أعلم أن الله على كل شيء قدير  فخرج من الظلمات إلى النور. 
١ \[٨٠/ عبس/ ٢٢\]..

### الآية 2:260

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:260]

وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطّير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن اللّه عزيز حكيم ٢٦٠ . 
 وإذ قال إبراهيم  قال المهايميّ : واذكر لتمثيل قصة المار على القرية، في الإخراج من الظلمات إلى النور، بالإحياء، قصة إبراهيم. 
 وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى  إنما سأل ذلك ليصير علمه عيانا  قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي  أي بلى آمنت ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي. فإن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن شاكًّا في إحياء الموتى قط. وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أُخْبِرَتْ عنه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) :( ليس الخبر كالمعاينة ) وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله. واستدلوا بما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم / في ( الصحيحين ) وغيرهما من قوله[(٢)](#foonote-٢) :( نحن أحق بالشك من إبراهيم ). وبما روي عن ابن عباس أنه قال[(٣)](#foonote-٣) :( ما في القرآن عندي آية أرجى منها. إذ رضي الله من إبراهيم قوله  بلى . قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان ). أخرجه عنه الحاكم في ( المستدرك ) وصححه ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له. 
قال ابن عطية : وهو عندي مردود. يعني قول هذه الطائفة. ثم قال : وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم :( نحن أحق بالشك من إبراهيم )، فمعناه أنه لو كان شاكًّا لكنا نحن أحق به. ونحن لا نشك فإبراهيم أحرى أن لا يشك ). فالحديث مبنيّ على نفي الشك عن إبراهيم. وأطال ابن عطيّة البحث في هذا. وأطاب. 
قال القرطبيّ : ولا يجوز على الأنبياء عليهم السلام مثل هذا الشك. وقد أخبر الله سبحانه / أن أصفياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  [(٤)](#foonote-٤). وقال اللعين : إلا عبادك منهم المخلصين  [(٥)](#foonote-٥). وإذا لم تكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم ! وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفرقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزقها. فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين. 
وقال الناصر في ( الانتصاف ) : الأولى في هذه الآية أن يذكر فيها المختار في تفسيرها من المباحث الممتحنة بالفكر المحرر، والنكت المفصحة بالرأي المخمّر. فنقول : أما سؤال الخليل عليه السلام بقوله له : كيف تحيي الموتى . فليس عن شك، والعياذ بالله، في قدرة الله على الإحياء. ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء. ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها. فإنما هي طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه. ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة ( كيف ) وموضوعها السؤال عن الحال. ونظير هذا السؤال أن يقول القائل : كيف يحكم زيد في الناس ؟ فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه، لا ثبوته. ولو كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فَيُطَرِّق إلى إبراهيم شكا من هذه الآية. وقد قطع النبي عليه الصلاة والسلام دابر هذا الوهم بقوله :( نحن أحق بالشك من إبراهيم ). أي : ونحن لم نشك. فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى. ( فإن قلت ) إذا كان السؤال مصروفا إلى الكيفية التي لا يضرّ عدم تصورها ومشاهدتها بالإيمان ولا تخلّ به، فما موقع قوله تعالى : أو لم تؤمن  ؟ قلت : وقد وَقَعْتُ لبعض الحذاق فيه على لطيفة، وهي أن هذه الصيغة تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما مرّ. وقد تستعمل في الاستعجاز. مثاله أن يدعي مدع أنه يحمل ثقلا من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له : أرني كيف تحمل هذا ؟ فلما كانت هذه الصيغة / قد يعرض لها هذا الاستعمال الذي أحاط علم الله تعالى بأن إبراهيم مبرأ منه أراد بقوله  أو لم تؤمن  أن ينطق إبراهيم بقوله : بلى آمنت. ليدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظيّ في العبارة الأولى. ليكون إيمانه مخلصا، نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهماً لا يلحقه فيه شك. ( فإن قلت ) قد تبيّن لي وجه الربط بين الكلام على التقدير المبين. فما موقع قول إبراهيم : ولكن ليطمئن قلبي  ؟ وذلك يشعر ظاهرا بأنه كان عند السؤال فاقداً للطمأنينة. قلت : معناه : ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة. لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت عندي بالتصوير المشاهد. فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية. وربك الفتاح العليم. انتهى. 
 قال  أي إذا أردت الطمأنينة  فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك  بضم الصاد وكسرها بمعنى فأَمِلْهنَّ واضممهن إليك. يقال : صاره يصوره ويصيره إذا أماله لغتان. 
قال الزمخشريّ : وقرأ ابن عباس رضي الله عنه فصُِرّهن بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء من : صره يَصِرّه ويَصُرّه إذا جمعه، وعنه : فصَرِّهن ( من التصرية ) وهي الجمع أيضا : وقال اللحيانيّ قال بعضهم : معنى صُرهن وَجِّهْهُنَّ. ومعنى صِرهن قطعهن وشققهن. والمعروف أنهما لغتان بمعنى واحد. وكلهم فسروا فصرهن أملهن، والكسر فُسِّر بمعنى قطعهن. وقال الفيروزابادي في ( البصائر ) : قال بعضهم : صرهن بضم الصاد وتشديد الراء وفتحها من الصرّ أي الشد. قال وقرئ فصرهن بكسر الصاد وفتح الراء المشددة ( من الصرير ) أي الصوت أي صح بهن. وقال أبو البقاء : ويقرأ بضم الصاد وتشديد الراء ثم منهم من يضمها إتباعا ومنهم من يفتحها تخفيفا ومنهم من يكسرها على أصل التقاء الساكنين. 
أقول : قد تقرر في العربية أن المضاعف إذا لحقته هاء الضمير يلزم وجه واحد في المؤنث وهو فتح ما قبلها نحو ردّها مراعاة للألف اتفاقا، وفي المذكر ثلاثة أوجه : أفصحها الضم ويليه الكسر وهو ضعيف، ويليه الفتح وهو أضعفها. وممن ذكره ثعلب في ( الفصيح ) / لكن غلطوه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه  ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا  أي ثم اذبحهن وجزئهن وضع على كل جبل منهن بعضا  ثم ادعهن  أي بأسمائهن  يأتينك سعيا  أي مسرعات  واعلم أن الله عزيز حكيم . 
قال الزمخشريّ : فإن قلت : ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟ قلت : ليتأملها ويعرف أشكالها وهيآتها وحلاها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك. ولذلك قال  يأتينك سعيا  أي ولم يقل طيرانا لأنه إذا كانت ساعية كان أثبت لنظره عليها من أن تكون طائرة. والله أعلم. 
١ أخرجه أحمد في المسند بالصفحة ٢١٥ من الجزء الأول (طبعة الحلبيّ)..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٤٦ ـ باب وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى. ونصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)..
٣ انظر الأثر ٥٩٧١ من تفسير الطبريّ (طبعة المعارف) ونصه:
 عن سعيد بن المسيّب قال: (اتَّعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا. قال: ونحن يومئذ شَبَبَة. فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم \[٣٩/ الزمر/ ٥٣\] حتى ختم الآية. فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول: إنها، وإن أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ليطمئن قلبي)..
٤ \[١٧/ الإسراء/ ٦٥\] ونصها: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ٦٥..
٥ \[٣٨/ ص/ ٨٣\]..

### الآية 2:261

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:261]

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ٢٦١ . 
 مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله  أي في طاعته  كمثل حبّة  أي مثل نفقتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة. فالحذف إما من جانب المشبه أو المشبّه به لتحصيل المناسبة. أي وتلك الحبة أُلقيت في الأرض ثم  أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة  أي : أنبتت ساقا انشعب سبع شعب، خرج من كل شعبة سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. قال ابن كثير : وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة. فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة. انتهى. 
أقول : مصداق هذا ما في ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من / تصدق بعَدْل تمرة من كسب طيّب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيّب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ حتى تكون مثل الجبل ). 
 والله يضاعف  أي هذا التضعيف أو أكثر منه  لمن يشاء والله واسع عليم  وقد وردت السنّة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. ففي ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ). وأخرج أحمد ومسلم[(٣)](#foonote-٣) والنسائيّ والحاكم عن ابن مسعود قال :( جاء رجل بناقة مخطومة فقال : هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة ). وأخرج أحمد[(٤)](#foonote-٤) والطبرانيّ البيهقيّ عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله. الدرهم بسبعمائة ضعف ). وثمت آثار أخرى في ( ابن كثير ) و( الدر المنثور ). ثم مدح تعالى من حفظ نفسه من المنّ والأذى فيما أنفق بقوله : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٢٦٢ . 
١ أخرجه البخاري في: ٩٧ ـ كتاب التوحيد، ٢٣ ـ باب قول الله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه.
 ومسلم في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ٦٣ (طبعتنا)..
٢ أخرجه مسلم في: ١٣ ـ كتاب الصيام، حديث ١٦٤ (طبعتنا) ونصه:
 ... (يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. ولخُلُوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك)..
٣ أخرجه مسلم في: ٣٣ ـ كتاب الإمارة، حديث ١٣٢ (طبعتنا)..
٤ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٣٥٥ من الجزء الخامس (طبعة الحلبيّ)..

### الآية 2:262

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:262]

الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٢٦٢ . 
 الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون  أي لا يعقبون  ما أنفقوا منّا  وهو ذكره لمن أنفق عليه ليريه أنه أوجب بذلك عليه حقا  ولا أذى  وهو / ذكره لغيره فيؤذيه بذلك أو التطاول عليه بسببه  لهم أجرهم عند ربهم  الموعود به قبل  ولا خوف عليهم  أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة  ولا هم يحزنون  على فائت من زهرة الدنيا، لصيرورتهم إلى ما هو خير من ذلك. 
**لطائف :**
الأولى : قال الزمخشريّ معنى ( ثم ) إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى. وفي ( حواشيه ) للناصر ما نصه :( ثم ) في أصل وضعها تشعر بتراخي المعطوف بها عن المعطوف عليه في الزمان وبُعد ما بينهما، والزمخشريّ يحملها على التفاوت في المراتب والتباعد بينهما. حيث لا يمكنه حملها على التراخي في الزمان لسياق يأبى ذلك. كهذه الآية. وحاصله أنها استعيرت من تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة. وعندي فيها وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها. وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه. فهي على هذا لم تخرج عن الإشعار ببعد الزمن. ولكن معناها الأصليّ تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه. ومعناها المستعارة إليه دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه. وعليه حمل قوله تعالى : ثم استقاموا  [(١)](#foonote-١) أي داموا على الاستقامة دواماً متراخياً ممتد الأمد. وتلك الاستقامة هي المعتبرة، لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيّد إلى الهوى والشهوات، وكذلك قوله : ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى  أي يدومون على تناسي الأحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان، ليسوا بتاركيه في أزمنة إلى الأذية وتقليد المنن بسببه، ثم يتوبون. والله أعلم. وقريب من هذا أو مثله، أن السين يصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه وتراخيه. ثم ورد قوله تعالى حكاية / عن الخليل عليه السلام : إني ذاهب إلى ربي سيهدين  [(٢)](#foonote-٢). وقد حكى الله تعالى في مثل هذه الآية : الذي خلقني فهو يهدين  [(٣)](#foonote-٣). فليس إلى حمل السين على تراخي زمان وقوع الهداية له من سبيل. فيتعين المصير إلى حملها على الدلالة على تنفس دوام الهداية الحاصلة له وتراخي بقائها وتمادي أمدها. انتهى. 
الثانية : قال الزمخشريّ :( فإن قلت ) أي فرق بين قوله : لهم أجرهم ، وقوله فيما بعد : فلهم أجرهم  ؟ ( قلت ) الموصول لم يضمن ههنا معنى الشرط، وضمنه ثَمَّهْ. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الفاء فيها دلالة على أن الإنفاق به استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة. 
وقال أبو السعود : وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها، للإيذان بأن ترتيب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك إتباع المنّ والأذى أمر بيّن لا يحتاج إلى التصريح بالسببية. 
١ \[٤١/ فصلت/ ٣٠\] ونصها: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ٣٠.
 و\[٤٦/ الأحقاف/ ١٣\] ونصها: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ١٣..
٢ \[٣٧/ الصافات/ ٩٩\]..
٣ \[٢٦/ الشعراء/ ٧٨\]..

### الآية 2:263

> ﻿۞ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [2:263]

\* قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنيّ حليم ٢٦٣ . 
 قول معروف  أي من كلمة طيبة ودعاء لمسلم  ومغفرة  أي غَفْرٌ عن ظلم قوليّ أو فعليّ  خير من صدقة يتبعها أذى  إذ لا يحصل للصدقة ثواب ويحصل إثم الأذى. وقد دخل في قوله  قول معروف  الرد الجميل للسائل و مغفرة  العفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول.  والله غنيّ  عن طلب صدقة لعبيده مع الأذى لهم أو المنّ عليهم  حليم  عن معالجة من يمنّ ويؤذي بالعقوبة.

### الآية 2:264

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [2:264]

يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن باللّه واليوم الآخر فَمَثَلُه كَمَثَل صَفوان عليه ترابٌ فأصابه وابل فتَرَكَه صَلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا واللّه لا يهدي القوم الكافرين ٢٦٤ . 
 يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى  أي لا تُحْبِطوا أجرَها بكل واحد منهما. فإنهما إساءتان ينافيان الإحسانَ المعتبَرَ في الصدقة. والمنافي مبطل كالرياء. فيصير المانّ والمؤذي  كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر  في بطلان صدقته. و رئاء  إما مفعول له أو حال. أي مرائياً. والهمزة الأولى في  رئاء  عين الكلمة لأنه من راءى. والأخيرة بدل من الياء لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة كالقضاء. ويجوز تخفيف الهمزة الأولى بأن تقلب ياء فراراً من ثقل الهمزة بعد الكسرة. وقد قرئ به. قاله أبو البقاء. 
 فمثله  أي هذا المنفق رياء، في إنفاقه مقارنا لما يفسده. ومثل نفقته  كمثل صفوان  وهو حجر أملس  عليه تراب فأصابه وابل  أي مطر كثير  فتركه صلدا  أي أجرد لا شيء عليه  لا يقدرون على شيء مما كسبوا  أي المرائي والمانّ والمؤذي، لا يقدرون على تحصيل شيء من ثواب ما عملوا لبطلانه. كقوله : فجعلناه هباء منثورا  [(١)](#foonote-١). فلا يجدون ثواب صدقاتهم كما لا يوجد على الصفا التراب بعد ما أصابه الوابل  والله لا يهدي القوم الكافرين  إلى الخير والرشاد. وفيه تعريض بأن الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفار. ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها. وقد ورد في وعيد المنّ بالصدقة أحاديث متوافرة. ففي ( صحيح مسلم ) [(٢)](#foonote-٢) عن أبي ذرّ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاثة / لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم : المنّان بما أعطى والمُسبل إزاره والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب ). وفي سنن النسائيّ[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاقّ لوالديه ولا منان ). 
١ \[٢٥/ الفرقان/ ٢٣\] ونصها: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل.....
٢ أخرجه مسلم في: ١ ـ كتاب الإيمان، حديث ١٧١ (طبعتنا) ونصه:
 عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار.
 قال أبو ذر: خابوا وخسروا. من هم يا رسول الله؟ قال: المُسبل والمنّان والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب)..
٣ أخرجه النسائيّ في: ٢٣ ـ كتاب الزكاة، ٢٩- باب المنان بما أعطى: ونصه: 
 عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجلة، والدّيّوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقّ لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى)..

### الآية 2:265

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:265]

ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة اللّه وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنّة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطلّ واللّه بما تعملون بصير ٢٦٥ . 
 ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله  مفعول له  وتثبيتا  معطوف عليه. ويجوز أن يكونا حالين. أي مبتغين ومتثبتين  من أنفسهم  قال أبو البقاء : يجوز أن يكون ( من ) بمعنى اللام أي تثبيتا لأنفسهم. كما تقول : فعلت ذلك كسرا من شهوتي. ويجوز أن تكون على أصلها أي تثبيتاً صادراً من أنفسهم. والتثبيت مصدر فعل متعد. فعلى الوجه الأول يكون  من أنفسهم  مفعول المصدر. وعلى الثاني، يكون المفعول محذوفا. تقديره :/ ويثبتون أعمالهم بإخلاص النيّة. ويجوز أن يكون تثبيتا بمعنى ( تثبُّت ) فيكون لازما. والمصادر قد تختلف. ويقع بعضها موقع بعض. ومثله قوله تعالى : وتبتّل إليه تبتيلا  [(١)](#foonote-١). أي تبتلا : انتهى. وعن الشعبيّ : تثبيتاً تصديقاً ويقيناً  كمثل جنة  أي بستان  بربوة  أي موضع مرتفع  أصابها وابل  مطر كثير  فآتت أكلها  أي أخرجت ثمرها  ضعفين  أي بالنسبة إلى غيرها من الجنان  فإن لم يصبها وابل فطل  وهو المطر الضعيف، أو أخف المطر، أو أضعفه أو الندى. ولا بد من تقدير مضاف هنا كما تقدم : إما من جانب المشبه أو المشبه به. أي ومثل نفقة الذين إلخ. أو كمثل غارس جنّة إلخ. رعاية للتناسب. 
قال الشهاب : وفي التشبيه وجهان : أحدهما أنه مركب، والتشبيه لحال النفقة بحال الجنّة بالربوة في كونها زاكية متكثرة المنافع عند الله كيفما كانت الحال. والثاني أن تشبيه حالهم بحال الجنة على الربوة في أن نفقتهم، كثرت أو قلت، زاكية زائدة في حسن حالهم. كما أن الجنة يُضَعِّف أُكُلَها قويُّ المطر وضعيفُه. وهذا أيضا تشبيه مركب. إلا أنه لوحظ الشبه فيما بين المفردات. وحاصله : أن حالهم في إتباع القلة والكثرة تضعيف الأجر. كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل تضعيف ثمارها. ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون من تشبيه المفرد بالمفرد بأن تشبه حالهم بجنة مرتفعة في الحسن والبهجة. والنفقة الكثيرة والقليلة بالطل والوابل، والأجر والثواب بالثمرات. والربوة مثلثة الراء. وأُكُل بضمتين، وتسكن للتخفيف، وبه قرئ  والله بما تعملون بصير  تحذير عن الرياء وترغيب في الإخلاص. 
١ \[٧٣/ المزمل/ ٨\] ونصها: واذكر اسم ربك وتبتّل إليه تبتيلا ٨..

### الآية 2:266

> ﻿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:266]

أيودّ أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرّيّة ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين اللّه لكم الآيات لعلكم تتفكرون ٢٦٦ . 
 أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر  أي كبر السن. فإن الفاقة والعالة في الشيخوخة أصعب  وله ذرية ضعفاء  صغار لا قدرة لهم على الكسب  فأصابها إعصار  أي ريح شديدة  فيه نار فاحترقت  تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره بالعيال وقلة المال. والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة، ويضم إليها ما يحبطها، كرياءٍ وإيذاءٍ، في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة، واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال مَنْ هذا شأنه  كذلك  أي مثل هذا البيان  يبيّن الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون  أي فيها. فتعتبرون بها. وروى البخاري[(١)](#foonote-١) في التفسير عن عُبَيْد بن عمير قال :( قال عمر رضي الله تعالى عنه يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت : أيودّ أحدكم أن تكون له جنة  ؟ قالوا : الله أعلم. فغضب عمر فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر : يا ابن أخي قل ولا تَحْقر نفسك. قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل. قال عمر : أيّ عمل ؟ قال ابن عباس لعمل. قال عمر : لرجل غنيّ يعمل بطاعة الله عز وجل. ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي. / حتى أغرق أعماله ). ( قال ابن كثير وهو من أفراد البخاريّ ). ولابن جرير من طريق عطاء عن ابن عباس معناه :( أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل الخير حتى إذا كان حين فني عمره ختم ذلك بعمل أهل الشقاء فأفسد ذلك فأحرقه ). 
١ أخرجه البخاريّ في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٤٧ ـ باب قوله: أيود أحدكم أن تكون له جنة... إلى قوله: تتفكرون..

### الآية 2:267

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [2:267]

يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن اللّه غنيّ حميد ٢٦٧ . 
 يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم  هذا بيان لحال ما ينفق منه، إِثْرَ بيان أصل الإنفاق وكيفيته. أي أنفقوا من جياد ما كسبتم لقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبّون  [(١)](#foonote-١). فمقتضى الإيمان الإنفاقُ من الجيد. لاسيما ما يطلب به رضا الله وتثبيت النفس. وفي الأمر إشعار بأنه إنما يمثل بالزرع المنبت سبع سنابل، أو بالجنة بربوة، ما أنفق من الجيد  ومما  أي ومن طيبات ما  أخرجنا لكم من الأرض  من الحبوب والثمار  ولا تيمّموا  أي لا تقصدوا  الخبيث  أي الرديء من أموالكم،  منه تنفقون ولستم بآخذيه  أي بقابليه ( يعني الرديء ) إذا أهدي إليكم  إلا أن تغمضوا فيه  أي : إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه. من قولك : أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره. ويقال للبائع : أغمضْ. أي : لا تستقص كأنك لا تبصر. كذا في ( الكشاف ). 
قال الرازيّ : الإغماض في اللغة غض البصر وإطباق جفن على جفن. والمراد ههنا المساهلة، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك. ثم / كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا. فقوله : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه . يعني لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء، لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض. فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم ؟  واعلموا أن الله غنيّ  عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لمنفعتكم  حميد  يجازي المحسن أفضل الجزاء. وفي الأمر بأن يعلموا ذلك، مع ظهور علمهم به، توبيخ على إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى. 
١ \[٣/ آل عمران/ ٩٢\] ونصها: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبّون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ٩٢..

### الآية 2:268

> ﻿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:268]

ولما رغّب تعالى في إنفاق الجيد حذّر من وسوسة الشيطان في ذلك فقال : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ٢٦٨ . 
 الشيطان يعدكم الفقر  في الإنفاق  ويأمركم بالفحشاء  أي يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش، عند العرب، البخيل. قال طَرَفَةُ :
أرى الموت يَعْتَامُ الكرام ويصطفي\*\*\* عَقِيلَةَ مال الفاحش المتشدِّد
قال الحراليّ : الفحشاء كل ما اجتمعت عليه استقباحات الشرع. وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء. لمناسبة ذكر الفقر. وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة. ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله. 
 والله يعدكم  بالإنفاق، لاسيما من الجيد  مغفرة منه  للذنوب  وفضلا  خلفا وثوابا في الآخرة  والله واسع  قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه  عليم  بصدقاتكم. فلا يضيع أجركم.

### الآية 2:269

> ﻿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [2:269]

يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذّكّر إلا أولوا الألباب ٢٦٩ . 
 يؤتي الحكمة من يشاء  قال كثيرون : الحكمة إتقان العلم والعمل. وبعبارة أخرى معرفة الحق والعمل به. قال أبو مسلم : الحكمة فِعلة من الحكم وهي كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجًا ولبٍّ وإصابة رأي. وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل. ويقال : أمر حكيم، أي محكم، وهو فعيل بمعنى مفعول، قال تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم  [(١)](#foonote-١). 
 ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا  إذ بها انتظام أمر الدارين. والإظهار في مقام الإضمار لإظهار الاعتناء بشأنها. وفي إيلاء هذه الآية لما قبلها إشعار بأن الذي لا يغتر بوعد الشيطان ويوقن بوعد الله هو من آتاه الله الحكمة  وما يذّكر  أي يتعظ بأمثال القرآن والحكمة  إلا أولوا الألباب  أي ذوو العقول من الناس، الخالصة من شوائب الهوى. وهم الحكماء. والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق. 
١ \[٤٤/ الدخان/ ٤\]..

### الآية 2:270

> ﻿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [2:270]

وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار ٢٧٠ . 
 وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر  أي يؤول إلى الإنفاق  فإن الله يعلمه  لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه  وما للظالمين  أي الذين ينفقون رئاء الناس، أو يضعون الإنفاق في غير موضعه، أو بضم المنّ والأذى إليه، أو بالإنفاق من الخبيث، / أو يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور  من أنصار  أي من أعوان ينصرونهم من عقاب الله. 
قال الحراليّ : ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخيّ وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيرا ولا يجد الظالم، بوضع القهر موضع البر، ناصراً.

### الآية 2:271

> ﻿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:271]

إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفّر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ٢٧١ . 
 إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي  نوع تفصيل لبعض ما أجمل في الشرطية. وبيان له. ولذلك ترك العطف بينهما. أي إن تظهروا الصدقات فنعم شيئا إبداؤها. لأنه يرفع التهمة ويدعو له كل من يسمع من محتاج وغيره ويفيد إتباع الناس إياه  وإن تخفوها  أي تُسرّوها مخافة الرياء، وسترا لعار الفقراء  وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم  أي من العلانية. لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات  ويكفّر عنكم من سيئاتكم  ذنوبكم بقدر صدقاتكم  والله بما تعملون خبير  ترغيب في الإسرار. وفي ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل. وشاب نشأ في عبادة ربه. ورجل قلبه معلّق في المساجد. ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه. ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين. ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ). وروى الإمام أحمد[(٢)](#foonote-٢) وابن أبي حاتم عن أبي ذر قال :( قلت يا رسول الله / أيّ الصدقة أفضل ؟ قال : سرٌّ إلى فقير، أو جهد من مقلّ ). 
لطائف : قال : أبو البقاء في قوله تعالى : فنعما هي  : نِعْمَ فعل جامد لا يكون فيه مستقبل. وأصله نَعِمَ كعلم. وقد جاء على ذلك في الشعر. إلا أنهم سكّنوا العين ونقلوا حركتها إلى النون ليكون دليلا على الأصل. ومنهم من يترك النون مفتوحة على الأصل. ومنهم من يكسر النون. والعين إتباعا. وبكلٍّ قد قرئ. وفاعل ( نعم ) مضمر و( ما ) بمعنى شيء. ثم قال.  ونكفّر عنكم  يقرأ بالنون على إسناد الفعل إلى الله عز وجل ويقرأ بالياء على هذا التقدير أيضا وعلى تقدير آخر وهو أن يكون الفاعل ضمير الإخفاء. ويقرأ ( وتكفر ) بالتاء على أن الفعل مسند إلى ضمير الصدقة. ويقرأ بجزم الراء عطفا على موضع  فهو خير  وبالرفع على إضمار مبتدأ أي ونحن أو وهي. و( من ) هنا زائدة عند الأخفش فيكون  سيئاتكم  المفعول. وعند سيبويه المفعول محذوف أي شيئاً من سيئاتكم. والسيئة فيْعِلة. وعينها واو لأنها من ساء يسوء فأصلها سيوئة فأبدلت الواو ياء وأدغمت الأولى فيها. انتهى. 
وفي ( غيث النفع ) : قرأ  فنعما  الشامي. والأخوان بفتح النون. والباقون بالكسر. وقرأ قالون والبصريّ وشعبة بإسكان العين واختار كثير لهم إخفاء كسرة العين يريدون الاختلاس فراراً من الجمع بين الساكنين، والباقون بكسر العين، واتفقوا على تشديد الميم. ثم ناقش الشاطبيّ في كونه لم يذكر لقالون ومن عطف عليه إلا الإخفاء، مع أنه روي عنهم الإسكان المحض أيضا. ثم قال : وقد صرّح المحقق في ( نشره ) أن الداني روى الوجهين جميعا. ثم قال : والإسكان آثر والإخفاء أقيس وهو قراءة أبي جعفر والحسن. وغاية ما فيه الجمع بين الساكنين وليس أولهما حرف مد ولين وهو جائز قراءةً ولغةً. ولا عبرة بمن أنكره ولو كان إمام البصرة. والمنكر له هنا يقرأ به لحمزة في قوله تعالى : فما استطاعوا  [(٣)](#foonote-٣). بالكهف إذ فيه الجمع بين الساكنين وصلا بلا شك إذ السين ساكن والطاء مشدد وهذا مثله. / والله أعلم وبه يعلم ردّ ما قيل إن راوي التسكين لم يضبط القراءة لأن القارئ اختلس كسرة العين فظنه إسكانا فإنه غفلة عن جوازه لغة. كما حكاه أبو عبيد. وعن القراءة بنظيره في  استطاعوا  وبالله التوفيق. 
١ أخرجه البخاريّ في: ١٠ ـ كتاب الأذان، ٣٦ ـ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ١٧٨ من الجزء الخامس (طبعة الحلبيّ)..
٣ \[١٨/ الكهف/ ٩٧\] ونصها: فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ٩٧..

### الآية 2:272

> ﻿۞ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [2:272]

\* ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه اللّه وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون ٢٧٢ . 
 ليس عليك هداهم  أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الإتيان بما أمروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من المساوئ المعدودة كالمنّ والأذى والإنفاق من الخبيث والبخل  ولكن الله يهدي من يشاء  بخلق الهداية في قلبه عقيب بيانك لجريان سنته بخلق الأشياء عقيب أسبابها، لا على سبيل الوجوب. بل على سبيل الاختيار. أفاده المهايميّ. 
قال أبو السعود : والجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بالمكلفين، مبالغة في حملهم على الامتثال. فإن الإخبار بعدم وجوب تدارك أمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم مؤذن بوجوبه عليهم حسبما ينطق به ما بعده من الشرطية  وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  أي بالحقيقة لأن المنفق عليه إنما يقضي بها حاجته الفانية ويحصل لكم بها الثواب الأبديّ، فلم تمنون به على الناس وتؤذونهم ؟ ونظائر هذا في القرآن كثيرة كقوله : من عمل صالحا فلنفسه  [(١)](#foonote-١).  وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله  نفي في معنى النهي. أي فلا تستطيلوا به على الناس / ولا تراؤا به.  وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم  ثوابه أضعافا مضاعفة  وأنتم لا تظلمون  أي لا تنقصون من حسناتكم، كما لا يزاد على سيئاتكم. 
١ \[٤١/ فصلت/ ٤٦\] ونصها: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلاّم للعبيد ٤٦..

### الآية 2:273

> ﻿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:273]

للفقراء الذين أحصروا في سبيل اللّه لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإنّ اللّه به عليم ٢٧٣ . 
 للفقراء  متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام. أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء. أو صدقاتكم للفقراء. أي المحتاجين إلى النفقة  الذين أحصروا في سبيل الله  أي حبسوا أنفسهم في طاعته تعالى من جهاد أو غيره  لا يستطيعون ضربا  أي ذهابا  في الأرض  لاكتساب أو تجارة  يحسبهم الجاهل  بحالهم  أغنياء من التّعفّف  أي من أجل تعففهم عن السؤال. والتلويح به قناعة بما أعطاهم مولاهم، ورضا عنه، وشرف نفس.  تعرفهم بسيماهم  بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى : سيماهم في وجوههم  [(١)](#foonote-١). وقال : ولتعرفنّهم في لحن القول  [(٢)](#foonote-٢). وفي الحديث الذي في ( السنن ) [(٣)](#foonote-٣) :/ ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ : إن في ذلك لآيات للمتوسّمين  [(٤)](#foonote-٤) ). قاله ابن كثير. 
قال الغزاليّ : ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في كل محلة، ويستكشف عن بواطن أحوال أهل الخير والتجمل، ممن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى. أو يكون من أهل المروة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته. فهو يتعيش في جلباب التجمل. فثوابُ صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين بالسؤال. كما ينبغي أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة كأن يكون أهل علم. فإن ذلك إعانة له على العلم. والعلم أشرف العبادات مهما صحّت فيه النيّة. وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم. فقيل له : لو عممت ! فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء. فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم. فتفريغهم للعلم أفضل. 
**لطيفة :**
السيما مقصور، كالسيمة، والسيماء والسيمياء ( ممدودين بكسرهن ) والسومة ( بالضم ) : العلامة. قال أبو بكر بن دريد : قولهم : عليه سيما حسنة، معناه علامة. وهي مأخوذة من وسمت أَسِمُ. والأصل في ( سيما ) وسمى. فحولت الواو من موضع الفاء فوضعت في موضع العين، كما قالوا : ما أطيبه وأيطبه، فصار سومي. وجعلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، قال السمين : فوزن سيما عفلا. وإذا مدت فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد للإلحاق. إما واو أو ياء. فهي كعلباء ملحقة بسرداح. فالهمزة للإلحاق لا للتأنيث وهي منصرفة لذلك. انتهى. 
 لا يسألون الناس إلحافا  مصدر في موضع الحال. أي ملحفين. يقال : ألحف عليه إلخ قال الزمخشريّ : الإلحاف الإلحاح. وهو اللزوم. وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه. من قولهم : لحفني من فضل لحافه. أي أعطاني من فضل ما عنده. قيل معنى الآية : إن سألوا سألوا / بتلطف ولم يلحوا. فيكون النفي متوجهاً إلى القيد وحده. والصحيح أنه نفي للسؤال والإلحاف جميعاً. فمرجع النفي إلى القيد ومقيده كقوله : ولا شفيع يطاع  [(٥)](#foonote-٥) وفيه تنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا. واستيجاب المدح والتعظيم للمتعفف عن ذلك. وفي ( الصحيحين ) [(٦)](#foonote-٦) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف. اقرؤوا إن شئتم : لا يسألون الناس إلحافا  [(٧)](#foonote-٧) ) وأخرج ابن أبي شيبة والبخاريّ ومسلم[(٨)](#foonote-٨) والنسائيّ عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم ). وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود[(٩)](#foonote-٩) والترمذيّ وصححه، والنسائيّ وابن حبّان عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك. إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بداً ). وأخرج أحمد[(١٠)](#foonote-١٠) عن ابن عمر :/ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة. فمن شاء استبقى على وجهه ). وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم[(١١)](#foonote-١١) وابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر ). وأخرج أحمد وأبو داود[(١٢)](#foonote-١٢) وابن خزيمة عن سهل بن الحنظلية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من سأل شيئا وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم. قالوا : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : ما يغذيه أو يعشيه ). وأخرج مسلم[(١٣)](#foonote-١٣) والترمذيّ والنسائيّ عن عوف بن مالك الأشجعيّ قال :( كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلنا علام نبايعك ؟ قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. والصلوات الخمس. وتطيعوا ولا تسألوا الناس. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه ). 
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري[(١٤)](#foonote-١٤) ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه ). وأخرج الطبرانيّ والبيهقيّ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الله يحب المؤمن المحترف ). وأخرج أحمد والطبرانيّ وأبو داود والنسائيّ[(١٥)](#foonote-١٥) عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من استغنى / أغناه الله ومن استعف أعفه الله. ومن استكفى كفاه الله. ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف ). وأخرج البخاري[(١٦)](#foonote-١٦) ومسلم والنسائي عن ابن عمر ( أن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول : أعطه من هو أفقر إليه مني. فقال : خذه. إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله. فإن شئت كله وإن شئت تصدق به. ومالا، فلا تتبعه نفسك ). 
قال سالم بن عبد الله ( فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أُعْطِيَهُ ).  وما تنفقوا من خير  أي ولو على الملحين وعلى من لم يتحقق فقرهم أو لم تشتد حاجتهم  فإن الله به عليم  أي بأن ذلك الإنفاق له أو لغيره، فيجازي بحسبه. 
١ \[٤٨/ الفتح/ ٢٩\] ونصها: محمد رسول اللّه والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجّدا يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفار وعد اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ٢٩..
٢ \[٤٧/ محمد صلى الله عليه وسلم/ ٣٠\] ونصها: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ٣٠..
٣ أخرجه الترمذيّ في: ٤٤ ـ كتاب التفسير، ١٥ ـ سورة الحجر، ٦ ـ حدّثنا محمد بن إسماعيل..
٤ \[١٥/ الحجر/ ٧٥\]..
٥ \[٤٠ / غافر / ١٨\] ونصها: وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ١٨..
٦ أخرجه البخاري في: ٦٥ ـ كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٣٨ ـ باب: لا يسألون الناس إلحافا..
٧ \[٢ / البقرة / ٢٧٣\] ونصها: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ٢٧٣..
٨ أخرجه مسلم في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ١٠٣ (طبعتنا)..
٩ أخرجه أبو داود في: ٩ ـ كتاب الزكاة، ٢٦ ـ باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة، حديث ١٦٣٩..
١٠ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٩٤ من الجزء الثاني (طبعة الحلبيّ)..
١١ أخرجه مسلم في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ١٠٥ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه أبو داود في: ٩ ـ كتاب الزكاة، ٢٤ ـ باب من يعطى من الصدقة وحدّ الغنى حديث ١٦٢٩..
١٣ أخرجه مسلم في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ١٠٨ (طبعتنا)..
١٤ أخرجه البخاري في: ٢٤ ـ كتاب الزكاة، ٥٠ ـ باب الاستعفاف عن المسألة، حديث ٧٨٢..
١٥ أخرجه النسائي في: ٢٣ ـ كتاب الزكاة، ٨٩ ـ باب في المحلف..
١٦ أخرجه البخاري في: ٩٣ ـ كتاب الأحكام، ١٧ ـ باب رزق الحكام والعاملين عليها..

### الآية 2:274

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:274]

ثم أشار تعالى إلى أنه لا يختص الإنفاق بوقت أو حال بقوله : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٢٧٤ . 
 الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وفي تقديم الليل على النهار والسر على العلانية إيذان بمزية الإخفاء على الإظهار. 
قال الحراليّ : فأفضلهم المنفق ليلا سرا. وأنزلهم المنفق نهارا علانية. فهم بذلك أربعة أصناف. 
لطائف : لا يخفى أن في حضه تعالى على الإنفاق في هذه الآية الوافرة، وضربه الأمثال في الإحسان إلى خلقه ترغيبا وترهيبا، ما يدعو كل مؤمن إلى أن يتزكى بفضل ماله. 
 قال الإمام الغزاليّ عليه الرحمة في ( الإحياء ) ما نصه : في وجه الامتحان بالصدقات ثلاثة معاني : الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد، وشهادة بإفراد المعبود. وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد. فإن المحبة لا تقبل الشركة، والتوحيد باللسان قليل الجدوى. وإنما يمتحن به درجة الحب بمفارقة المحبوب. والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا. وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت. مع أن فيه لقاء المحبوب. فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب، واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم. ولذلك قال الله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  [(١)](#foonote-١). وذلك بالجهاد. وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عز وجل. والمسامحة بالمال أهون. ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم. فلم يدخروا دينارا ولا درهما. وقسم درجتهم دون من قبلهم، وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات. فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم. وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها. وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة. وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة. كالنخعيّ والشعبيّ وعطاء ومجاهد. قال الشعبيّ ( بعد أن قيل له : هل في المال حق سوى الزكاة ؟ ) قال : نعم. أما سمعت قوله عز وجل : وآتى المال على حبه ذوي القربى...  الآية[(٢)](#foonote-٢) واستدلوا بقوله / عز وجل : ومما رزقناهم ينفقون  [(٣)](#foonote-٣). وبقوله تعالى : وأنفقوا مما رزقناكم  [(٤)](#foonote-٤). وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم. ومعناه أنه يجب على الموسر، مهما وجد محتاجا، أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة. وقسم يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. وهي أقل الرتب. وقد اقتصر جميع العوام عليه. لبخلهم بالمال وميلهم إليه، وضعف حبهم للآخرة. قال الله تعالى : إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم  [(٥)](#foonote-٥). يحفكم أي : يستقص عليكم. فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة، وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله. فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل الأموال. المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات. قال صلى الله عليه وسلم[(٦)](#foonote-٦) :( ثلاث مهلكات : شح مطاع وهوىً متبع وإعجاب المرء بنفسه ). وقال تعالى : ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون  [(٧)](#foonote-٧). وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود / بذل المال. فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير اعتيادا. والزكاة، بهذا المعنى، طهرة. أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك. وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه الله تعالى. المعنى الثالث شكر النعمة. فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن. والمالية شكر لنعمة المال. وما أخسّ من ينظر إلى الفقير، وقد ضيِّق عليه الرزق، وأحوج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه.

### فصل


وللغزاليّ رحمه الله أيضا بحث في المنّ والأذى المتقدم ذكرهما. يجدر ذكره هنا، لما فيه من الفوائد لطالب الآخرة. 
قال رحمه الله : الوظيفة الخامسة ( يعني من وظائف مريد طريق الآخرة بصدقته ) أن لا يفسد صدقته بالمنّ والأذى. قال الله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى  [(٨)](#foonote-٨). واختلفوا في حقيقة المنّ والأذى. فقيل : المنّ أن يذكرها، والأذى أن يُظهرها. وقال / سفيان :( من منّ فسدت صدقته. فقيل له : كيف المنّ ؟ فقال : أن يذكره ويتحدث به ). وقيل : المنّ أن يستخدمه بالعطاء. والأذى أن يعيره بالفقر. وقيل : المنّ أن يتكبر عليه لأجل عطائه. والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة. وقد قال صلى الله عليه وسلم[(٩)](#foonote-٩) :( لا يقبل الله صدقة منان ). وعندي أن المنّ له أصل ومغرس. وهو من أحوال القلب وصفاته. ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح. فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه. وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه، الذي هو طهرته ونجاته من النار. وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به. فحقه أن يتقلّد منّة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١٠)](#foonote-١٠) :( إن الصدقة تقع بيد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل ). فليتحقق أنه مسلِّم إلى الله عز وجل حقه. والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل. ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدي الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا. فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه. أما هو فإنما يقضي الذي لزمه بشراء ما أحبه. فهو ساع في حق نفسه. فَلِمَ يمن به على غيره ؟ ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها قبل، أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه. إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل، أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد. وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه. ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنا إليه تفرّع منه على ظاهره، ما ذكر في معنى المنّ. وهو التحدت به وإظهاره وطلب المكافأة / منه بالشكر والدعاء، والخدمة والتوقير والتعظيم، والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس، والمتابعة في الأمور. فهذه كلها ثمرات المنّة. ومعنى المنّة في الباطن ما ذكرناه. وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار، وفنون الاستخفاف وباطنه وهو منبعه أمران : أحدهما كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه، فإن ذلك يضيق الخلق لا محالة. والثاني رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير لسبب حاجته أخسّ منه وكلاهما منشؤه الجهل. أما كراهيته تسليم المال فهو حمق. لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يسوي ألفا فهو شديد الحمق، ومعلوم أنه يبذل المال لطلب رضا الله عز وجل، والثواب في الدار الآخرة. وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل، أو شكره لطلب المزيد. وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها. وأما الثاني فهو أيضا جهل لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرك به وتمنى درجته، فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام. 
وقد أطال الغزاليّ رحمه الله من هذا التنفس العالي. فليراجع. 
### فصل


في هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة والصدقة
قال شمس الدين ابن القيّم الدمشقيّ في ( زاد المعاد ) : هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة أكمل هدي في وقتها، وقدرها ونصابها، ومن تجب عليه، ومصرفها. ويراعي فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه. وقيد النعمة به على الأغنياء. فما أزال النعمة بالمال على من أدى زكاته. بل يحفظه عليه وينميه له ويدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له. 
 ثم قال في ( هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع ) : كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة مما ملكت يده. وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ولا يستقله. ولا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا أو كثيرا. وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر. وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه. وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه. وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة. وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه. وكان يتنوع في أصناف عطائه وصدقته. فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء شيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل بجابر[(١١)](#foonote-١١). وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه، وأفضل وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه. ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان / بكل ممكن. وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها وبحاله وقوله. فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء. وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى. وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا. فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدور وانضاف ذلك إلى ما خصّه الله به من شرح صدره للنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها. وشرح صدره حسا وإخراج حظ الشيطان منه. 
١ \[٩ / التوبة / ١١\] ونصها: \* إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التّوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ١١١..
٢ \[٢ / البقرة / ١٧٧\] ونصها: \* ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرّقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ١٧٧..
٣ \[٢ / البقرة / ٣\] ونصها: الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ٣..
٤ \[٦٣ / المنافقون / ١٠\] ونصها: وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربي لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصّدّق وأكن من الصالحين ١٠..
٥ \[٤٧ / محمد صلى الله عليه وسلم / ٣٧\]..
٦ ١٠٣٥ (كشف الخفاء): البزار والطبرانيّ وأبو نعيم، عن أنس بسند ضعيف..
٧ \[٥٩ / الحشر / ٩\] ونصها: والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ٩.
 و\[٦٤ / التغابن / ١٦\] ونصها: فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ١٦..
٨ \[٢ / البقرة / ٢٦٤\] ونصها: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ٢٦٤..
٩ قال الحافظ العراقيّ في (تخريج أحاديث الإحياء): لم أجده..
١٠ قال الحافظ العراقيّ في (تخريج أحاديث الإحياء): الدارقطنيّ في (الإفراد) من حديث ابن عباس. وقال: غريب من حديث عكرمة عنه. ورواه البيهقيّ في (شعب الإيمان) بسند ضعيف..
١١ أخرجه البخاري في: ٣٤ ـ كتاب البيوع. ٣٤ ـ باب شراء الدواب والحمير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: 
 (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا، فأتى عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جابر! فقلت: نعم. قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ عليّ جملي وأعيا فتخلفت. فنزل يحجُنُه بمحجنه. ثم قال اركب فركبت. فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: تزوجت؟ قلت: نعم. قال بكراً أم ثيباً؟ قلت: بل ثيباً. قال: أفلا جاريةً تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن. قال: أما إنك قادم. فإذا قدمت فالكيسَ! الكيس! ثم قال: أتبيع جملك؟ قلت: نعم. فاشتراه بأوقية. ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي وقدمتُ بالغداة. فجئنا إلى المسجد. فوجدته على باب المسجد. قال: الآن قدمت؟ قلت: نعم. قال: فدع جملك فادخل فصل ركعتين. فدخلت فصليت. فأمر بلالا أن يزن أوقية. فوزن لي بلال فأرجح في الميزان. فانطلقت حتى وليت. فقال: ادع لي جابرا قلت: الآن يردّ عليّ الجمل. ولم يكن شيء أبغض إليّ منه. قال: خد جملك ولك ثمنه)..

### الآية 2:275

> ﻿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:275]

ولما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات من الزكوات والصدقات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أَكَلَةِ الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات. فأخبر عن حالهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال : الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الرّبا وأحلّ اللّه البيع وحرّم الرّبا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى اللّه ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٢٧٥ . 
 الذين يأكلون الربا  وهو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال. وكتب الربَوا بالواو على لغة من يفخم. كما كتبت الصلوة والزكوة. وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع  لا يقومون  أي يوم القيامة كما قاله بعض الصحابة والتابعين  إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس  في ( القاموس ) خبطه ضربه شديدا، كتخبطه واختبطه. وفي ( العباب ) كل من ضربه بيده فصرعه فقد خبطه وتخبطه. وأصل المس / باليد، ثم استعير للجنون، لأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه. والجار يتعلق إما ب  لا يقومون  أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع من جنونه أو ب  يقوم  أي : كما يقوم المصروع من جنونه أو ب  يتخبطه  أي من جهة الجنون. والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين. تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف هتكا لهم وفضيحة. 
قال الحراليّ : في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا
والبرزخ والآخرة. ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخُرْقٍ لا بعقل. يقبل في محل الإدبار، ويدبر في محل الإقبال. 
قال البقاعيّ : وهو مؤيد بالمشاهدة. فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم. 
**تنبيه :**
قال في ( الكشاف ) : وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والمس الجنون. ورجل ممسوس. وهذا أيضا من زعماتهم. وأن الجنيّ يمسّه فيختلط عقله. وكذلك : جُنَّ الرجل معناه ضربته الجن. 
وتبعه البيضاويّ في قوله وهو : أي التخبط والمس، وارد على ما يزعمون إلخ. 
قال الناصر في ( الانتصار ) : معنى قول ( الكشاف ) من زعمات العرب أي كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها. وهذا القول على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية من زعماتهم المردودة بقواطع الشرع. ثم ساق ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار : وقال بعده : واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشرع عنها. وإنما القدرية خصماء العلانية. فلا جرم أنهم ينكرون كثيرا مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم. من ذلك : السحر، وخبطة الشيطان، ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشيء من ذلك فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع. في خبط طويل لهم. 
 وقال الشيخ سعد الدين التفتازانيّ في ( شرح المقاصد ) : وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء. ونطق به كلام الله وكلام الأنبياء. 
وقال : الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة. والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية. ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف، كانت الملائكة والجن والشياطين يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف الإنسان ولا يُرَوْنَ بحسن البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات. 
قال العلاّمة البقاعيّ، بعد نقله ما ذكرنا : وقد ورد في كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) ( أن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ). وورد أنه صلى الله عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب، ونحو ذلك. وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من مثل ذلك. وأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس، وربما كان ملقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع فكثير جدا. لا يحصى مشاهدوه. إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين. وها أنا أذكر في ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه مقنع لمن تدبره والله الموفق. 
روى الدارمي[(٢)](#foonote-٢) في أوائل ( مسنده ) بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أن امرأة / جاءت بابن لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله : إن ابني به جنون. وأنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا. فيُخَبِّث علينا. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا. فَثَعَّ ثَعَّةً. وخرج من صدره مثل الجرو الأسود فسعى ). ( وقوله ثع بمثلثة ومهملة أي قاء ). 
وللدراميّ أيضا وعبد بن حميد بسند حسن أيضا عن جابر رضي الله عنه قال :( خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر. فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير، تظلنا، فعرضت له امرأة معها صبيّ لها. فقالت : يا رسول الله ! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار. فتناول الصبيَّ فجعله بينه وبين مقدم الرحل. ثم قال : اخسأ، عدو الله ! أنا رسول الله ( ثلاثا ) ثم دفعه إليها ). 
وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر. وبيّن أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك كان في حرَّة واقم. قال جابر : فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان. فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما. فقالت : يا رسول الله ! اقبل مني هديتي. فوالذي بعثك بالحق ! ما عاد إليه بعد. فقال : خذوا منها واحدا، وردوا عليها الآخر ). 
ورواه البغويّ في ( شرح السنة ) عن يعلى بن مرة رضي الله عنه. 
ثم ساق البقاعيّ ما جاء في الإنجيل. قال : وذلك كثير جدا. يعني ما وقع للمسيح عليه السلام من إخراج للشياطين والأرواح الخبيثة من المبتلين بذلك. وبعد أن ساق ذلك قال : وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافيا، لأنه لا يُدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان. 
وقد أجاد بيان تسلّط الأرواح الخبيثة الإماء شمس الدين ابن القيّم في ( زاد المعاد ) وذكر علاج دفعها فقال عليه الرحمة :
 فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع
أخرجا في ( الصحيحين ) [(٣)](#foonote-٣) من حديث عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابن عباس :( ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى. قال : هذه المرأة السوداء. أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أصرع. وإني أتكشف. فادع الله لي. فقال : إن شئت صبرت ولك الجنة. وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك. فقالت : أصبر. قالت : إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها ). قلت : الصرع صرعان : صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الردية. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح، فأئمتهم وعقلائهم يعترفون به ولا يدفعونه. ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة. فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه. فذكر بعض علاج الصرع وقال : هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. أما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع. وليس معه إلا الجهل. وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك. والحس والوجود شاهد به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع المرض الإلهيّ. وقالوا : إنه من الأرواح، وأما جالينوس وغيره، فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا : إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلّة تحدث في الرأس فتضرّ بالجزء الإلهيّ الطاهر الذي مسكنه الدماغ. وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها. / وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النوع يكون بأمرين : أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج. فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وباريها. والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان. فإن هذا النوع محاربة. والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين : أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا، وأن يكون الساعد قويا. فمتى تخلّف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل. فكيف إذا عدم الأمران جميعا، بكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له. والثاني من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا. حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله : اخرج منه. أو بقول : بسم الله. أو يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :( اخرج عدو الله ! أنا رسول الله ). وشاهدت شيخنا ( يعني الإمام ابن تيمية رضي الله عنه ) يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول : قال لك الشيخ اخرجي. فإن هذا لا يحل لك. فيفيق المصروع. وربما خاطبها بنفسه. وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب. فيفيق المصروع ولا يحس بألم. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا. وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [(٤)](#foonote-٤). وحدّثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع فقالت الروح : نعم. ومدّ بها صوته. قال : فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى مجلت يداي من الضرب. ولم يشكّ الحاضرون بأنه يموت لذلك الضرب. ففي أثناء الضرب قالت : أنا أحبّه. فقلت لها : هو لا يحبك. قالت : أنا أريد أن أحج به. فقلت لها : هو لا يريد أن يحج معك. فقالت : أنا أدعه كرامة لك. قال قلت : لا. ولكن طاعة لله ولرسوله. قالت : فأنا أخرج منه. 
قال : فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا. وقال : ما جاء بي إلى حضرة الشيخ ؟ قالوا له : وهذا الضرب كله ؟ فقال : وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب ؟ ولم يشعر بأنه وقع ضربٌ البتة. 
 وكان يعالج بآية الكرسيّ. وكان يأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها. وبقراءة المعوذتين. وبالجملة، فهذا نوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة. وأكثر تسلّط الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم، من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية. فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا. ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة. وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت. ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها. وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة. فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة. وبالله المستعان. 
وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل. وأن تكون الجنة والنار نصب عينه وقبلة قلبه. ويستحضر أهل الدنيا وحلول المثلاث والآفات بهم. ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر. وهم صر

١ أخرجه البخاري في: ٩٣ ـ كتاب الأحكام، ٢١ ـ باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء. ونصه: عن عليّ بن الحسن (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتته صفية بنت حُيَيّ. فلما رجعت انطلق معها. فمر به رجلان من الأنصار. فدعاهما فقال: إنما هي صفية قالا: سبحان الله. قال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)..
٢ أخرجه الدارميّ في المقدمة، ٤ ـ باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن..
٣ أخرجه البخاريّ في: ٧٥ ـ كتاب المرضي، ٦ ـ باب فضل من يصرع من الريح..
٤ \[٢٣/ المؤمنون / ١٥٥\]..

### الآية 2:276

> ﻿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [2:276]

يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفّار أثيم ٢٧٦ . 
 يمحق الله الربا  أي يذهب ريعه ويمحو خيره، وإن كان زيادة في الظاهر فلا ينتفع به في الآخرة كما قال تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله  [(١)](#foonote-١). وقال تعالى : ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم  [(٢)](#foonote-٢).  ويربي الصدقات  أي يكثرها وينميها وإن كانت نقصانا في الشاهد. 
**فوائد :**
الأولى : قال القاشانيّ : لأن الزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين. والمال الحاصل من الربا لا بركة له لأنه حصل من مخالفة الحق. فتكون عاقبته وخيمة وصاحبه يرتكب سائر المعاصي. إذ كل طعام يولّد في آكله دواعي وأفعالا من جنسه. فإن كان حراما يدعوه إلى أفعال محرمة، وإن كان مكروها فإلى أفعال مكروهة. وإن كان مباحا فإلى مباحة. وإن كان من طعام فضل فإلى مندوبات، وكان في أفعاله متبرعا متفضلا. وإن كان بقدر الواجب من الحقوق فأفعاله تكون واجبة ضرورية. وإن كان من الفضول والحظوظ فأفعاله تكون كذلك. فعليه إثم الربا وآثار أفعاله المحرمة المتولدة من أكله. فتزداد عقوباته وآثامه أبدا. ويتلف الله ماله في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه وأولاده. فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو المحق الكليّ. وأما المتصدق فلكون ماله مزكّى يبارك الله في تثميره مع حفظ الأصل. وآكله لا يكون إلا مطيعا في أفعاله. ويبقى ماله في أعقابه وأولاده منتفعا به. وذلك / هو الزيادة في الحقيقة. ولو لم تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة الله لكفى به زيادة. وأي زيادة أفضل مما تبقى عند الله ؟ ولو لم يكن نقصان الربا إلا حصوله من مخالفة الله وارتكاب نهيه لكفى به نقصانا. وأي نقصان أفحش مما يكون سبب حجاب صاحبه وعذابه ونقصان حظه عند الله ؟
الثانية : قال القاشانيّ : عليه الرحمة، قبل ذلك : آكل الربا أسوأ حالا من جميع مرتكبي الكبائر. فإن كل مكتسب له توكل ما في كسبه، قليلا كان أو كثيرا. كالتاجر والزارع والمحترف. إذ لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولم تتعين لهم قبل الاكتساب. فهم على غير معلوم في الحقيقة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم ) [(٣)](#foonote-٣). وأما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه ورزقه. سواء ربح الآخذ أو خسر. فهو محجوب عن ربه بنفسه، وعن رزقه بتعيينه. لا توكّل له أصلا. فوكله الله تعالى إلى نفسه وعقله. وأخرجه من حفظه وكلاءته. فاختطفه الجن وخبلته. فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين الله، كسائر الناس المرتبطين به بالتوكل. فيكون كالمصروع الذي مسّه الشيطان فتخبطه، لا يهتدي إلى مقصد. 
الثالثة : قال بعض العلماء العمرانيين : يشترط لجواز التمول أن يكون من وجه مشروع. كما في مقابلة عمل أو معارضة. وأن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير. ولذا حرمت الشرائع السماوية كلها، وكذلك الحكمة السياسية والأخلاقية والعمرانية، أكل الربا، قصدا لحفظ التساوي والتقارب بين الناس في القوة المالية. لأن الربا هو كسب بدون مقابل ماديّ، ففيه معنى الغصب. وبدون عمل، ففيه الألفة على البطالة المفسدة للأخلاق. وبدون تعرض لخسائر طبيعية، كالتجارة والزراعة والأملاك. ومن المشاهد أن بالربا تربو الثروات فيختل التساوي بين الناس. 
ثم قال : وقد نظر الماليون والاقتصاديون في أمر الربا فقالوا : إن المعتدل منه نافع / بل لا بد منه. أولا لأجل قيام المعاملات الكبيرة. وثانيا لأجل أن النقود الموجودة لا تفي للتداول، فكيف إذا أمسك المكتنزون قسما منها أيضا ؟ وثالثا لأجل أن الكثيرين من المتمولين لا يعرفون طرائق الاسترباح أو لا يقدرون عليها. كما أن كثيرا من العارفين بها لا يجدون رؤوس أموال ولا شركاء عنان. 
فهذا النظر صحيح من وجه إنماء ثروات الأفراد والأمم. أما السياسيون والأخلاقيون فينظرون إلى أن ضرر ذلك في جمهور الأمم أكبر من نفعها. لأن هذه الثروات الأفرادية تمكن الاستبداد الداخليّ. فتجعل الناس صنفين عبيدا وأسيادا. وتقوي الاستبداد الخارجيّ فتسهل التعدي على حرية واستقلال الأمم الضعيفة مالاً وعُدّة. وهذه مقاصد فاسدة في نظر الحكمة والعدالة. ولذلك حرمت الأديان الربا تحريما مغلظا. انتهى. 
الرابعة : قال الرازيّ : لما بالغ في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات، ذكر ههنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده. وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات. والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخيرات. فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في الحقيقة. وإن الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى. ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف. بل يعول على ما ندبه الشرع إليه منهما. 
وقال القفال : ونظير قوله : يمحق الله الربا ، المثلُ الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا. ونظير قوله : ويربي الصّدقات ، المثل الذي ضربه بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. 
 والله لا يحب كل كفّار أثيم  صيغتا مبالغة من الكفر والإثم، لاستمرار مستحلّ الربا وآكله عليهما وتماديه في ذلك. وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار، لا من فعل المسلمين. 
١ \[٣٠/ الروم/ ٣٩\] وباقي الآية: ... وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ٣٩..
٢ \[٨/ الأنفال/ ٣٧\] ونصها: ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ٣٧..
٣ كشف الخفاء رقم ٥٨. قال في التمييز تبعا للأصل: أخرجه الديمليّ من حديث أبي هريرة، من رواية عمر بن راشد، وهو ضعيف جدا..

### الآية 2:277

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:277]

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٢٧٧ . 
 إن الذين آمنوا  بالله ورسوله وكتبه وبتحريم الربا، ورجّح إيمانهم أمر الله بالإنفاق، على جمعهم للمال  وعملوا الصالحات  فيما بينهم وبين ربهم التي من جملتها الجود وترك الربا  وأقاموا الصلاة  التي تنهى عن الفحشاء والمنكر كالشح والربا  وآتوا الزكاة  أعطوا زكاة أموالهم التي هي أجل أسباب فضيلة الجود  لهم أجرهم  ثوابهم الكامل  عند ربهم  في الجنة  ولا خوف عليهم  يوم الفزع الأكبر  ولا هم يحزنون  لأنهم فرحون بما آتاهم ربهم ووقاهم عذاب الجحيم.

### الآية 2:278

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:278]

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ٢٧٨ . 
 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله  أي اخشوا الله في الربا لأن فيه إبطال حكمته تعالى في خلق الأموال  وذروا ما بقي من الربا  أي اتركوا ما بقي لكم من الربا على الغرماء  إن كنتم مؤمنين  على الحقيقة. فإن ذلك مستلزم لما أمرتم به البتة. 
قال الحراليّ : فبيّن أن الربا والإيمان لا يجتمعان.

### الآية 2:279

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [2:279]

فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ٢٧٩ . 
 فإن لم تفعلوا  أي لم تتركوا ما بقي  فأذنوا  أي اعلموا  بحرب من الله / ورسوله  قال المهايميّ : إن لم تفعلوا ترك ما بقي كنتم متهاونين بأمره. ومن تهاون بأمر ملك حاربه. 
والحرب نقيض السلم. ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا. وفيه إيماء إلى سوء الخاتمة إن دام على أكله.  وإن تبتم  من الربا  فلكم رؤوس أموالكم  أي أصولها  لا تظلمون  بطلب الزيادة  ولا تظلمون  بالنقص والمطل. بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص فيه.

### الآية 2:280

> ﻿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:280]

ثم أمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ٢٨٠ . 
 وإن كان ذو عسرة  أي بالكل أو البعض  فنظرة  أي فالواجب إمهال بقدر ما أعسر  إلى ميسرة  أي بذلك القدر. لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه، إذا حلّ عليه الدين : إما أن تقضي وإما أن تربي. ثم ندب تعالى إلى الوضع من المعسر ووعد عليه الخير والثواب الجزيل فقال : وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون  أي وأن تتركوا للمعسر قدر ما أعسر بإبرائه منه، لأنه ربما لا يحصل البدل في الحال، فيأخذ ما يساويه في الآخرة. والصدقة تتضاعف الأضعاف المذكورة. 
وقد أخرج البخاري[(١)](#foonote-١) ومسلم والنسائيّ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه : إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه ). وأخرج مسلم والترمذيّ نحوه عن أبي مسعود البدريّ رضي الله عنه. 
 وعن أبي قتادة[(٢)](#foonote-٢) الحارث بن ربعيّ الأنصاريّ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من نفّس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة ). رواه الإمام أحمد ومسلم. وعن بريدة[(٣)](#foonote-٣) قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة. قال : ثم سمعته يقول : من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة. فسألته عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين. فإذا حلّ الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة ). وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٤)](#foonote-٤) :( من أنظر معسرا أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم ). رواهما الإمام أحمد،

١ أخرجه البخاري في: ٦٠ ـ كتاب الأنبياء، ٥٤ ـ باب حدثنا أبو اليمان. ومسلم في: ٢٢ ـ كتاب المساقاة، حديث ٣١ (طبعتنا)..
٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٣٠٠ من الجزء الخامس (طبعة الحلبيّ)..
٣ أخرجه ابن ماجة في: ١٥ ـ كتاب الصدقات، ١٤ ـ باب إنظار المعسر، حديث ٢٤١٨ (طبعتنا)..
٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند، حديث رقم ٣٠١٧ (طبعة المعارف)..

### الآية 2:281

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [2:281]

ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ٢٨١ . 
 واتقوا يوما  أي اخشوا عذاب يوم  ترجعون فيه إلى الله ثم توفّى كل نفس ما كسبت  ما عملت من خير أو شر. 
قال المهايميّ : فإن استوفى الدائن حقه بالتضييق على المديون استوفى الله منه حقوقه بالتضييق. وإن سامحه فالله أولى بالمسامحة. والمديون، إن لم يوف حق الدائن مع قدرته على / الأداء استوفى الله منه حقه. وأما من لا يقدر، فيرجى أن يعفو الله عنه، ويرضي خصمه بعوض من عنده  وهم لا يظلمون  لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.

### الآية 2:282

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:282]

يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه اللّه فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتّق اللّه ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يملّ هو فليملل وليّه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند اللّه وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا اللّه ويعلّمكم اللّه واللّه بكل شيء عليم ٢٨٢ . 
 يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه  هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة، أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها. وقد نبّه على هذا في آخر الآية حيث قال : ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا  وفي قوله : تداينتم  دليل على جوازه السلم. لأن المداينة فعل اثنين وهو السلم نفسه. لأنه دين من الجانبين جميعا. وعلى ذلك / روي عن ابن عباس قال :( أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، أن الله تعالى أحلّه وأذن فيه ثم قرأ  يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم  الآية ). رواه البخاري[(١)](#foonote-١). 
وقال آخرون : قوله : إذا تداينتم بدين  وهو بيع كل دين إلى أجل مسمى. فهو يسمى التداين. كما يسمى البائع والمشتري المتبايعين. لأن كل واحد منهما بائع في وجه. فعلى ذلك، المداينة التداين. وإنما لم نؤمر بالكتابة في بيع الأعيان لأنه في المداينات وصل أحدهما إلى حاجته بقبض رأس المال، والآخر لم يصل. فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود. فإذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه ارتدع عن الإنكار والجحود. لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس. ولا كذلك مع العين بالعين. لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصل به الآخر. فليس هنالك للإنكار معنى، وثمت وجه آخر وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك، أو ينسى بعضه ويذكر بعضا، فأمر بالكتابة لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة. ولا كذلك في بيع العين بالعين. فافترقا. كذا في ( التأويلات ) للماتريديّ  وليكتب بينكم  أي الدينَ المذكور  كاتب بالعدل  الجار متعلق إما بالفعل أي ( وليكتب بالحق ). أو بمحذوف صفة لكاتب، أي : وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين. لا يزيد ولا ينقص. وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه ديّن، حتى يجيء كتابه موثوقا به معدلا بالشرع.  ولا يأب  أي ولا يمتنع  كاتب  من  أن يكتب كما علّمه الله  أي كما بيّنه بقوله تعالى : بالعدل . أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته. كما نفعه الله بتعليم الكتاب. كقوله تعالى : وأحسن كما أحسن الله إليك  [(٢)](#foonote-٢). وفي الحديث[(٣)](#foonote-٣) :( إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق ). / وفي الحديث[(٤)](#foonote-٤) الآخر :( من كتم علما يعلمه، ألجم بلجام من نار ). 
قال الرازيّ : ظاهر هذا الكلام نهي لكل كاتب عن الامتناع من الكتابة، وإيجابُها على كل من كان كاتبا  فليكتب  أي تلك الكتابة المعلمة. أمر بها بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها  وليملل الذي عليه الحق  الإملال الإملاء. وهما لغتان نطق القرآن بهما. قال تعالى : فهي تملى عليه  [(٥)](#foonote-٥). أي وليكن المملي على الكاتب المدين وهو الذي عليه الحق، لأنه المقر المشهود عليه  وليتّق  أي وليخش المملي  الله ربه  جمع ما بين الاسم الجليل والنعت الجميل، للمبالغة في التحذير  ولا يبخس  أي لا ينقص  منه  أي مما عليه  شيئا  مما عليه من الدين  فإن كان  المدين وهو  الذي عليه الحق سفيها  أي خفيف الحلم أو جاهلا بالإملاء لا يحسنه  أو ضعيفا  صبيا أو شيخا هرما  أو لا يستطيع أن يملّ هو  أي أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس أو عجمة. ولفظ ( هو ) هنا توكيد للفاعل المضمر والجمهور على ضم الهاء لأنها كلمة منفصلة عما قبلها فهي مبدوء بها. وقرئ بإسكانها على أن يكون أجرى المنفصل مجرى المتصل بالواو أو الفاء أو اللام. نحو : وهو، فهو، لهو. قاله أبو البقاء  فليملل وليّه  يعني الذي يلي أمره من قيّم أو وكيل أو ترجمان  بالعدل  من غير نقص ولا زيادة  واستشهدوا شهيدين من رجالكم  / أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على المداينة  فإن لم يكونا  أي الشاهدان  رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون  أي في العدالة  من الشهداء  ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال، العدد من النساء، علّله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال  أن تضلّ إحداهما  أي تغيب عنها الشهادة  فتذكّر إحداهما الأخرى  الضالة  ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا  أي لأداء الشهادة التي تحملوها أو لتحملها. وتسميتهم ( شهداء ) قبل التحمل من تنزيل المشارف منزلة الواقع  ولا تسأموا أن تكتبوه  أي الدين  صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم  أي المذكور من الكتابة  أقسط  أي أعدل  عند الله وأقوم للشهادة  أي أعون لإقامتها إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ  وأدنى  أي أقرب  أن لا ترتابوا  أي لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله بتشكيك أحد المتداينين  إلا أن تكون تجارة حاضرة  أي حالة  تديرونها  أي تكثرون إدارتها  بينكم  فتصعب عليكم كتابتها مع قلة الحاجة إليها  فليس عليكم جناح ألا تكتبوها  لأنها مناجزة فيبعد فيها التنازع والنسيان. قال أبو البقاء ( تجارة ) يقرأ بالرفع على أن تكون التامة ( وحاضرة ) صفتها. ويجوز أن تكون الناقصة واسمها تجارة، وحاضرة صفتها، وتديرونها الخبر. وقرئ بالنصب على أن يكون اسم الفاعل مضمرا فيه، تقديره : إلا أن تكون المبايعة تجارة  وأشهدوا إذا تبايعتم  أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد : وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعني التجارة الحاضرة. على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الضحاك : هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل. كذا في ( الكشاف ). وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد ( أنه اشترى سوطا فأشهد وقال : قال الله  وأشهدوا إذا تبايعتم  ). 
قال أبو القاسم بن سلامة في كتابه ( الناسخ والمنسوخ ) : قد كان جماعة من التابعين / يرون أنهم يشهدون في كل بيع وابتياع. فمنهم الشعبيّ وإبراهيم النخعيّ. كانوا يقولون إنا نرى أن نشهد ولو في جزرة بقل. 
 ولا يضارّ كاتب ولا شهيد  يحتمل البناء للفاعل والمفعول. ويدل عليه أنه قرئ : ولا يضارَرِ ( بالكسرة والفتح ) والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما، بأن يعجلا عن مهمّ. 
قال الحراليّ : في الإحنة تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده، ويعينه على الائتمار لأمره بما يدفع من ضرر عطلته، واستعماله في أمر من أمور دنياه. ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعى لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه. 
 وإن تفعلوا  أي ما نهيتم عنه من الضرار  فإنه فسوق بكم  أي خروج بكم عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحراليّ : وفي صيغة ( فعول ) تأكيد فيه وتشديد في النذارة. 
 واتقوا الله  أن يعذبكم بالخروج عن طاعته  ويعلّمكم الله  أحكامه المتضمنة لمصالحكم  والله بكل شيء عليم . 
١ لم أهتد إليه..
٢ \[٢٨/ القصص/ ٧٧\] ونصها: وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن اللّه إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن اللّه لا يحب المفسدين ٧٧..
٣ أخرجه البخاريّ في: ٤٩ ـ كتاب العتق، ٢ ـ باب أي الرقاب أفضل. ونصه:
 عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً وأنفسُها عند أهلها قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق. قال: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تَصَدَّقُ بها على نفسك)..
٤ في الجامع الصغير للسيوطيّ: ابن عديّ في (الكامل) عن ابن مسعود..
٥ \[٢٥/ الفرقان/ ٥\] ونصها: وقالوا أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ٥..

### الآية 2:283

> ﻿۞ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [2:283]

ولما كان التقدير : هذا إذا كنتم حضورا يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد، عطف عليه قوله : \* وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته وليتّق اللّه ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه واللّه بما تعملون عليم ٢٨٣  
 وإن كنتم على سفر  أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى  ولم تجدوا / كاتبا فرهان مقبوضة  أي فالذي يستوثق به رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق، وثيقة لدينه. هذا إذا لم يأمن البعضُ البعضَ بلا وثيقة  فإن أمن بعضكم بعضا  لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان  فليؤدّ الذي اؤتمن  وهو المدين. وإنما عبّر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للإعلام، ولحمله على الأداء  أمانته  أي دينه. وإنما سمي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به  وليتّق الله ربه  في رعاية حقوق الأمانة. وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير ما لا يخفى  ولا تكتموا  أيها الشهود  الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه . 
قال الزمخشريّ : فإن قلت هلاّ اقتصر على قوله فإنه آثم. وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ؟ قلت : كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه. لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول، إذا أردت التوكيد : هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله[(١)](#foonote-١). فكأنه قيل : فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط. وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه. / واللسان ترجمان عنه. ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح. وهي لها كالأصول التي تتشعب منها. ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من أفعال القلوب. فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معظم الذنوب. وقرئ  قلبه  بالنصب. كقوله : سفه نفسه. وقرأ ابن أبي عبلة : أثم قلبه. أي جعله آثما  والله بما تعملون  أي بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم  عليم .

١ يشير إلى الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه البخاري في: ٢ ـ كتاب الإيمان، ٣٩ ـ باب فضل من استبرأ لدينه، حديث ٤٧ ونصه:
 عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيّن والحرام بيّن. وبينهما مشَبّهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى المشَبّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشُّبُهات كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله. وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب)..

### الآية 2:284

> ﻿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:284]

للّه ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء واللّه على كل شيء قدير ٢٨٤ . 
 لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا  أي تظهروا  ما في أنفسكم  من الأفعال الاختيارية باللسان أو الجوارح  أو تخفوه يحاسبكم به الله  قال أبو مسلم الأصفهانيّ : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة : والله بما تعملون عليم . ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقليّ فقال  لله ما في السماوات وما في الأرض  ومعنى هذا الملك، أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه. ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد أن يكون عالما بها. إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به. فكأن الله تعالى احتجّ بخلقه السماوات والأرض، مع ما فيها من وجوه الإحكام والإتقان، على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها. 
قال الشعبيّ : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه. بيّن أنه له ملك السماوات والأرض، فيجازي على الكتمان والإظهار. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر / وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى : وإن تبدوا..  إلخ. نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها. 
وروى الإمام أحمد ومسلم[(١)](#foonote-١) والنسائيّ وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :( لما نزلت هذه الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا. قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى : لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( قال : قد فعلت ) ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ( قال : قد فعلت ) واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا  ( قال : قد فعلت ) ). وفي ( مسند ) عبد بن حميد والطبرانيّ : قال ابن عباس :( فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها. وصار الأمر إلى أن قضى الله تعالى أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل ). أقول إن ما جاء من أن الآية هالت من هالت من الصحابة فإنما جاءه من عمومها ومن قوله : يحاسبكم  إذ حمله على حساب المؤاخذة، فأما عمومها فنظمها ظاهر فيه. إلا أنها تتناول الشهادة وكتمانها أولا وبالذات. وغيرها ثانيا وبالعرض. وأما حمل الحساب على المؤاخذة والانتقام فإن كان عرفيا أو لغويا فالإخفاء حينئذ مراد به إخفاء متفق على حظره. كنفاق وريب في الدين. ولا إشكال في الآية. وقد يؤيده ذكر الإيمان بعده. ويكون ختام السورة بالإبداء والإخفاء بمثابة رد العجز عن الصدر. لافتتاح السورة بالمؤمنين والكافرين وما لكل منهما. وإن لم يكن الحساب حقيقة فيما ذكر بل كان معناه إيقافه تعالى العبد على عمله خيرا أو شرا وإراءَته عاقبته الحسنى أو السوءى، وهو الذي يظهر، فلا إشكال أيضا. فما روي عن بعض الصحب عليهم الرضوان منشؤه قوة اليقين وشدة الخوف من هول المطلع مع ورود الحساب في كثير من الآيات في معرض أخطار القيامة مما يحق أن / يخفق له فؤاد كل مؤمن. ولا تنس ما أسلفنا في المقدمة وفي غير موضع، أن قوله : نزلت في كذا قد يراد أن كذا مما يشمله لفظ الآية لعمومها له ولغيره. وهكذا هنا. فالآية وإن كان سياقها في الشهادة وكتمانها، إلا أنها تتناول غيرها بعمومها. ولذلك دخل فيها الوسوسة وتوهم ما توهم. وقوله في الرواية : فأنزل الله تعالى  لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها  لا يتوهم التراخي بين ما دخل قلوبهم وبين نزولها. بل المراد، كما أسلفنا في سبب النزول، أن لفظ  لا يكلّف الله...  إلخ الذي نزل معها مبين أن لا حرج في مثل الوسوسة ونحوها. فافهم فإنه نفيس جدا. وبه يزاح عنك ما يبحث فيه الكثيرون في هذه الآية ويرونه من المعضلات. وبالله التوفيق. 
هذا وفي ( الصحيحين ) [(٢)](#foonote-٢) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تَكَلَّمْ ). وفي ( الصحيحين ) [(٣)](#foonote-٣) عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجل : إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه. فإن عملها فاكتبوها سيئة. وإذا همّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا ).  فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء  وقرئ برفع الفعلين على الاستئناف أي فهو يغفر إلخ. وبجزمهما عطفا على جواب الشرط. وفي تقديم المغفرة على التعذيب إشعار بسبق رحمته تعالى على غضبه  والله على كل شيء قدير . قال الرازيّ : قد بيّن بقوله  لله ما في السماوات وما في الأرض  أنه كامل الملك والملكوت. وبيّن بقوله  وإن تبدوا...  إلخ. أنه كامل العلم والإحاطة. ثم بيّن بقوله : والله على كل شيء قدير  أنه كامل القدرة مستول على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام. ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات. والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له، خاضعا لأوامره، ونواهيه، متحرزا عن سخطه. وبالله التوفيق. 
١ أخرجه مسلم في: ١ ـ كتاب الإيمان، حديث ٢٠٠ (طبعتنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ٤٩ ـ كتاب العتق، ٦ ـ باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق..
٣ أخرجه مسلم في: ١ ـ كتاب الإيمان، حديث ٢٠٣ (طبعتنا) ولم يخرجه البخاري..

### الآية 2:285

> ﻿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [2:285]

آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ٢٨٥ . 
 آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه  أي صدقه بقبوله والتخلق كما قالت عائشة[(١)](#foonote-١) :( كان خلقه القرآن ) والترقي بمعانيه والتحقق  والمؤمنون  أي كذلك آمنوا. 
قال الزجاج رحمه الله : لما ذكر الله عز وجل في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصيام والحج والطلاق والحيض والإيلاء والجهاد وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والربا والدَّين، ختمها بقوله : آمن الرسول  لتعظيمه وتصديق نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لجميع ذلك المذكور قبله، وغيره ليكون تأكيدا له وفذلكة. 
**لطيفة :**
قوله  والمؤمنون  إما مبتدأ والجملة بعده خبر، أعني كُلٌّ آمَنَ. والعائد إلى المبتدأ التنوين القائم مقام الضمير في  كل ، لأن من جملة العائد إلى المبتدأ التنوين النائب مناب الضمير. وإما معطوف على الرسول فيكون التنوين راجعا إلى الرسول والمؤمنين. وقد اختار كثيرون الأول. ومنهم العلاّمة أبو السعود. وأطال في توجيهه. وعندي أن الوجه هو الثاني. / لأن المقام لتعداد المؤمن به. وذلك يشترك فيه الرسول وأتباعه. وإن كان كنه إيمان الرسول لا يشاركه فيه غيره. فالمقام ليس مقام الخصوصية. والله أعلم. 
 كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق  أي يقولون لا نفرق  بين أحد من رسله  أي بردّ بعض وقبول بعض، ولا نشك في كونهم على الحق وبالحق  وقالوا سمعنا  أي قولك وفهمناه  وأطعنا  أي امتثلنا أمرك وقمنا به واستقمنا عليه. ولما علموا أنهم لا يخلون من تقصير، وأن الرب يغفر لمن يشاء قالوا  غفرانك ربنا  أي اغفر لنا غفرانك. أو نسألك غفرانك ذنوبنا. وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول  وإليك المصير  أي الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك، وهو تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة. لما أن الرجوع للحساب والجزاء. 
١ أخرجه مسلم في: ٦ ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ١٣٩ (طبعتنا).
 وهو حديث طويل. يرويه سعد بن هشام بن عامر وفيه يقول، بعد أن استأذن على عائشة قال: (فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئني عن خلق رسول الله. قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله كان القرآن). وفيه وصف جامع لقيامه صلى الله عليه وسلم وعن وتره على لسان سيدتنا أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها..

### الآية 2:286

> ﻿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:286]

لا يكلّف اللّه نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ٢٨٦ . 
 لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها  أي لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه. 
قال الرازيّ : يحتمل أن يكون هذا ابتداء خبر من الله. ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين بأنهم قالوا : لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها . على نسق الكلام في قوله : وقالوا سمعنا وأطعنا . وقالوا : لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها . ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله : ربنا لا تؤاخذنا . فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل / الصالح. وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها. 
ثم قال الرازيّ في كيفية النظم : إن قلنا : إن هذا من كلام المؤمنين، فوجه النظم أنهم لما قالوا : سمعنا وأطعنا  فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع وأنه لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. فإذا كان هو تعالى، بحكم الرحمة الإلهية، لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهيّن، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى، فوجه النظم أنهم لما قالوا : سمعنا وأطعنا . ثم قالوا بعده : غفرانك ربنا ، دل ذلك على أن قولهم : غفرانك ، طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد. فلما كان قولهم  غفرانك  طلبا للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى ذلك عنهم. وقال : لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها . والمعنى : أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه. فإن الله تعالى : لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها . وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم : غفرانك ربنا . 
قال زين العابدين پير محمد دره في ( المدحة الكبرى ) : وعلى احتمال أن يكون قوله : لا يكلف الله..  إلخ. حكاية، فهو من قبيل العطف بلا عاطف. أو الكلام على تقدير قالوا. قال بعضهم : ولك أن تجعل  لا يكلف الله...  إلخ في حيز القول. وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين. ويكون مدحا لهم بأنهم شاكرون لله تعالى في تكليفه. حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم. وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير، بل هو لهم. ولا يتضرر بعمل الشر، بل هو عليهم. 
قال البقاعيّ : وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه من ذلك، خوفا من أن يكلفوا بما لله تعالى أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس. لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه. 
 ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم. ومن صفات الحلم والرحمة ما يرفِّه عنهم. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله تعالى جزاء لهم على قولهم :  سمعنا وأطعنا ، الآية. فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس. فانتفى ما شق عليهم من قوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم ، الآية. بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم : سمعنا وعصينا، من الآصار في الدنيا والآخرة. فيكون حينئذ استئنافا جوابا لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم. ويؤيد هذا الاحتمال إتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستنتاج بقوله : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت  قال العلاّمة أبو السعود. قوله تعالى : لها ما كسبت  إلخ. للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها. ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة زائدة. وأنها تعود إليها لا إلى غيرها. ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها. فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله. واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته. أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي كلفت فعله، لا لغيرها. وعليها لا على غيرها عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه. وإيراد الاكتساب في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل الشر وسعيها في طلبه. 
قال الحراليّ : وصيغة ( فَعَلَ ) مجردة، تعرب عن أدنى الكسب. فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. 
**لطيفة :**
وقال الجاربرديّ في ( شرح الشافية ) : معنى الكسب تحصيل الشيء على أي وجه كان. والاكتساب المبالغة والاعتمال فيه. ومن ذلك قوله تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . وفيه تنبيه على لطف الله تعالى بخلقه، إذ أثبت لهم ثواب الفعل على أي وجه كان. ولم يثبت عليهم عقاب الفعل إلا على وجه مبالغة واعتمال فيه. 
 قال الزمخشريّ : لما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ. فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن في باب الخير كذلك لفتورها في تحصيله، وصفت بما لا دلالة له على الاعتمال والتصرف. انتهى. 
قال العلاّمة ابن جماعة في ( حواشيه ) : تفرقته بين الكسب والاكتساب هو ما قاله الزمخشريّ وغيره ونصّ عليه سيبويه. قال الحلبيّ : وهو الأظهر. وقال قوم : لا فرق. قالوا : وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد. قال تعالى : كل نفس بما كسبت رهينة  [(١)](#foonote-١).  ولا تكسب كل نفس إلا عليها  [(٢)](#foonote-٢).  بلى من كسب سيئة  [(٣)](#foonote-٣). وقال تعالى : بغير ما اكتسبوا  [(٤)](#foonote-٤). فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشر. وقال الو احديّ : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد. وفي ( القاموس ) : كسبه يكسبه كسبا، وتكسب واكتسب : طلب الرزق. أو كسب أصاب، واكتسب تصرف واجتهد. ثم قال ابن جماعة : ما ذكره من تنبيه الآية على لطف الله بخلقه إلى آخره، قاله ابن الحاجب في شرح ( المفصل ) وبمعناه قول بعضهم : في الآية إيذان أن أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرما من الله على عبده، بخلاف العقوبة فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدّ فيها واجتهد. وقريب منه قول آخر : للنفس ما حصل من الثواب بأي وجه اتفق حصوله سواء كان بإصابة مجردة أو بتحصيل. وعليها ما حصلته وسعت فيه لا ما حصل من غير اختيار / وسعى. نبّه تعالى أن الثواب حاصل لها سواء كان بسعيها واختيارها أو لم يكن كذلك. وأما العقاب فلا يكون عليها إلا بقصدها وتحصيلها. 
وما قالوه من الفرق يحتاج إلى ثبت. وقد قال تعالى : فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره \* ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره  [(٥)](#foonote-٥) أي يرى جزاءه. وقال : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  [(٦)](#foonote-٦). على أن ترتب الثواب على ما حصل من غير سعي واختيار، إن كان لمباشرة سببه مع الغفلة عنه، فالعقاب أيضا كذلك. فمن عمل سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها، وإن صوّر بالإصابة عند أول الالتفات فلا مانع أن يكون العقاب مثله. ومدعي خلافه عليه البيان. ثم الإصرار شرط. لأن الرجوع يمحوه لكنّه قدر زائد على الفعل. وبالجملة فما قاله جار الله حسن. وقد ذكره البيضاويّ أيضا. وفي إعراب الحلبيّ : الذي يظهر في هذا، أن الحسنات مما تكسب دون تكلف. إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب بتكلف. إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها. فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى والله أعلم. ثم قال ابن جماعة : والمبالغة من بالغ مبالغة اجتهد ولم يقصر. والاعتمال من اعتمل أي عمل بنفسه وأعمل رأيه وآلته. انتهى. 
قال البقاعيّ ولما بشرهم بذلك، عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتَّبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلّي، إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا، ولا بما قارفوه خطأ، ولا حمل عليهم ثقلا. بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء. ولا حملهم فوق طاقتهم. مع أن له جميع ذلك. وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم. ثم رحمهم بأن أحلّهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة. فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر. ويظهر دينهم على كل دين. إذ كان سبحانه هو الداعي عنهم. وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة فقال تعالى : ربنا لا تؤاخذنا  أي لا تعاقبنا  إن نسينا  أمرك ونهيك  أو / أخطأنا  أي ففعلنا خلاف الصواب، تفريطا ونحوه. 
وقد وَلِعَ كثير من المفسرين ههنا بالبحث في أن النسيان والخطأ معفوّ عنهما، فما فائدة طلب العفو عنهما ؟ وأجابوا عن ذلك بوجوه. وأرق جواب رأيته قول العلاّمة پير محمد في ( المدحة الكبرى ) : لما كان طالب العفو الرسول والأنصار والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم، فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ من الخطيئة. كقوله تعالى : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة  [(٧)](#foonote-٧). 
وقيل في معنى الآية : لا تعاقبنا إن تركنا أمرك أو اكتسبنا خطيئة. على أن يكون النسيان بمعنى الترك. والخطأ من الخطيئة. وعليه فلا إيراد، والله أعلم. 
 ربنا ولا تحمل علينا إصرا  أي عهدا يثقل علينا. 
قال الحراليّ : الإصر العهد الثقيل الذي في تحمله أشد المشقة  كما حملته على الذين من قبلنا  وهو ما كُلِّفَهُ بنو إسرائيل مما يهد الأركان. ولا بأس بالإشارة إلى جُمَلٍ مما حملوه من الآصار. ننقله عن أسفارهم تأكيدا لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا، وتعظيما لمنته تعالى، فلله الحمد فنقول : في سفر الخروج في الأصحاح الثاني عشر :
( ١٥ ) سبعة أيام تأكلون فطيرا. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم. فإن كل من أكل خميرا من اليوم الأول إلى اليوم السابع تقطع تلك النفس من إسرائيل. 
وكل هذا الأصحاح آصار شاقة. 
وفي السفر المذكور في الأصحاح الحادي والعشرين :
( ١٥ ) ومن ضرب أباه أو أُمه يقتل قتلا ( ١٦ ) ومن سرق إنسانا وباعه أو وُجد في يده يقتل قتلا. 
( ١٧ ) ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا. ( ٢٧ ) وإن أسقط سن عبده أو سن أمته يُطلقْه حرّا عوضا عن سنه ( ٢٨ ) وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئا ( ٢٩ ) ولكن إن كان ثورا نطّاحا من قبل وقد أُشْهِد على صاحبه ولم يضبطه فقتل رجلا أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضا يقتل. 
 وفي السفر المذكور، في الأصحاح الثالث والعشرين. 
( ١٠ ) وست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها ( ١١ ) وأما في السابعة فتريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك. وفضلتهم تأكلها وحوش البرية كذلك تفعل بكرمك وزيتونك. 
( ١٢ ) ستة أيام تعمل عملك. وأما اليوم السابع ففيه تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك ويتنفس ابن أمتك والغريب. 
( ١٩ ) أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الرب إلهك. 
وفي سفر العدد، في الأصحاح الخامس عشر :
( ٣٧ ) وكلم الرب موسى قائلا ( ٣٨ ) كلِّمْ بني إسرائيل وقل لهم : أن يصنعوا لهم أهدابا في أذيال ثيابهم في أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانْجُونيٍّ ( ٣٩ ) فتكون لكم هدبا فترونها وتذكرون كل وصايا الرب وتعملونها. 
وفي السفر المذكور، في الأصحاح التاسع عشر :
( ١١ ) من مسّ ميْتاً مَيْتَةً إنسانٍ ما يكون نجسا سبعة أيام. ( ١٢ ) يتطهر به في اليوم الثالث، وفي السابع يكون طاهرا. وإن لم يتطهر في اليوم الثا١ \[٧٤/ المدثر/ ٣٨\]..
٢ \[٦/ الأنعام/ ١٦٤\] ونصها: قل أغير اللّه أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون ١٦٤..
٣ \[٢/ البقرة/ ٨١\] ونصها: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ٨١..
٤ \[٣٣/ الأحزاب/ ٥٨\] ونصها: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ٥٨..
٥ \[٩٩/ الزلزلة/ ٧ و٨ \]..
٦ \[٤/ النساء/ ٤٨\] ونصها: إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك باللّه فقد افترى إثما عظيما ٤٨..
٧ \[٢٣/ المؤمنون/ ٦٠\] ... أنهم إلى ربهم راجعون ٦٠..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/2.md)
- [كل تفاسير سورة البقرة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/2.md)
- [ترجمات سورة البقرة
](https://quranpedia.net/translations/2.md)
- [صفحة الكتاب: محاسن التأويل](https://quranpedia.net/book/349.md)
- [المؤلف: جمال الدين القاسمي](https://quranpedia.net/person/8623.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/349) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
