---
title: "تفسير سورة البقرة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/350"
surah_id: "2"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة البقرة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة البقرة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/2/book/350*.

Tafsir of Surah البقرة from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 2:1

> الم [2:1]

الم
اختلف في الحروف التي في أوائل السورة على قولين :
قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين :**«هي سرّ الله في القرآن، وهي من المتشابه( [(١)](#foonote-١) ) الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها وتُمَرُّ كما جاءت »**. 
وقال الجمهور من العلماء :**«بل يجب أن يُتكلم فيها وتُلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها »** واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولاً :( [(٢)](#foonote-٢) )
فقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما :**«الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها »**. 
وقال ابن عباس أيضاً :**«هي أسماء الله أقسم بها »**. 
وقال زيد بن أسلم :**«هي أسماء للسور »**. 
وقال قتادة :**«هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر »**. 
وقال مجاهد :**«هي فواتح للسور »**. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد :**«بل »** و **«لا بل »**. نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش. 
وقال قوم :**«هي حساب أبي جاد لتدل على مدة ملة محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حيي بن أخطب( [(٣)](#foonote-٣) ) »** وهو قول أبي العالية رفيع وغيره. 
وقال قطرب وغيره :**«هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب : إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم، فقوله  الم  بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، لتدل بها على التسعة والعشرين حرفاً »**. 
وقال قوم :**«هي أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاباً في أول سور منه حروف مقطعة »**. 
وقال ابن عباس :**«هي حروف تدل على : أنا الله أعلم، أنا الله أرى، أنا الله أفصّل »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقال ابن جبير عن ابن عباس :**«هي حروف كل واحد منها إما أن يكون من اسم من أسماء الله، وإما من نعمة من نعمه، وإما من اسم ملك من ملائكة، أو نبي من أنبيائه »**. 
وقال قوم :**«هي تنبيه ك " يا " في النداء »**. 
وقال قوم :**«روي أن المشركين لما أعرضوا( [(٥)](#foonote-٥) ) عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة »**. 
قال القاضي أبو محمد : والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل : لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظماً لها ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر :\[ الواليد بن المغيرة \] \[ الرجز \]. 
قلنا لها قفي فقالت قاف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ( [(٦)](#foonote-٦) )
أراد قالت : وقفت. وكقول القائل( [(٧)](#foonote-٧) ) :\[ زهير بن أبي سلمى \] \[ الرجز \]. 
بالخير خيرات وإن شرّاً فا. . . ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد : وإن شرّاً فشر، وأراد : إلا أن تشاء. والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان معهود كلام العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرْتَ عنها أو عطفْتَها فإنك تُعربها. 
وموضع  الم  من الإعراب رفع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو على أنه ابتداء، أو نصب بإضمار فعل، أو خفض بالقسم، وهذا الإعراب( [(٨)](#foonote-٨) ) يتجه الرفع منه في بعض الأقوال المتقدمة في الحروف، والنصب في بعض، والخفض في قول ابن عباس رضي الله عنه أنها أسماء لله أقسم بها.

١ - الذي نعتقده وندين لله به، هو السكوت عن الكلام في مثل فواتح السور، مع الإيمان بأن لها حكمة تغيب عن عقلنا، وتبعد عن فهمنا- ولنا في ذلك سعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبَيّن معنى هذه الفواتح لأصحابه، وإن ما نقل عن الصحابة في ذلك قد لا يكون له سند صحيح- وإن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لم يتكلموا بشيء من ذلك، ولا ينافي هذا أنهم قد يقتصرون على حرف، أو حرفين من الكلمة التي يريدون النطق بها فإنهم لم يعرفوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه، ويفيد معناه، وأين فواتح السور من هذا؟ فلم يبق إلا التفسير بالرأي المنهي عنه، وهذا ما ارتضاه كثير من الأئمة، كأبي إسحق الشاطبي، رحمه الله..
٢ - سرد المؤلف رحمه الله هذه الأقوال كلها، ويوجد من بينها لابن عباس رضي الله عنهما ثلاثة أقوال..
٣ - رواه محمد بن اسحق بن يسار صاحب المغازي، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله، من طريق محمد بن السائب الكلبي، وهو ضعيف لا يُحتج بما انفرد به- على أن الحديث نفسه يشهد بفساد هذا المعنى، انظر تفسير الشوكاني وابن (ك)..
٤ - روى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله: (آلم) أن الله أعلم- (الر) أنا الله أرى. (الص) أنا الله أفصل- فالألف تؤدي معنى وأنا، واللام يؤدي معنى الله، والميم تؤدي معنى أعلم، وهكذا..
٥ - كما قال الله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون)..
٦ - تمامه: (لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف) وهو غير منسوب.
 وبعده: والنشوات من مُعَتقٍ صاف وعزف قينات علينا عزاف
 قائله: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عاملا لعثمان على الكوفة فاتّهم بشرب الخمر فأمر الخليفة بشخوصه إلى المدينة، وخرج في ركب، فنزل الوليد يسوق بهم، فقال: قلنا لها قفي إلخ البيتين. انظر شواهد الشافية والأغاني..
٧ - هو زهير كما في (ق). وقوله بالخير متعلق بمحذوف، أي أحزي بالخير خيرات. ونسبه ابن رشيق في العمدة إلى "نعمي بن أوس" يخاطب امرأته، ونسبه في (اللسان) لحكيم بن معيّة التميمي، وللقمان بن أوس بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن غنم..
٨ - يعني أن من قال إنها أسماء للسور فمحلها عنده رفع على أنها خبر لمحذوف، أي: هذه (آلم) كما تقول: هذه سورة البقرة، أو على أنها مبتدأ والخبر بعده، كما تقول: زيد ذلك الرجل، أو محلها نصب، كما تقول اقرأ (آلم).
 ومن قال إنها أسماء لله أقسم بها فموضعها عنده خفض، والله أعلم..

### الآية 2:2

> ﻿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2:2]

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( ٢ )
الاسم من  ذلك  الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع  ذلك  رفع كأنه ابتداء( [(١)](#foonote-١) )، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في  ذلك  هنا فقيل : هو بمعنى ****«هذا »****، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك أنه قد يشار ب **«ذلك »** إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وب ****«هذا »**** إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقُرْب( [(٢)](#foonote-٢) ). وقيل : هو على بابه إِشارة إلى غائب( [(٣)](#foonote-٣) )، واختلف في ذلك الغائب، فقيل : ما قد كان نزل من القرآن، وقيل : التوراة والإنجيل، وقيل : اللوح المحفوظ ؛ أي الكتاب الذي هو القدر وقيل : إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقال الكسائي :**« ذلك  إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد »**. وقيل : إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتاباً، فالإشارة إلى ذلك الوعد، وقيل : إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال  الم  حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها( [(٥)](#foonote-٥) ). 
ولفظ  الكتاب  مأخوذ من **«كتبتُ الشيء »** إذا جمعتَه وضممتَ بعضه إلى بعض ككتبَ( [(٦)](#foonote-٦) ) الخَرَز بضم الكاف وفتح التاء وكتبَ الناقة. 
ورفع  الكتاب  يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان. و  لا ريب فيه  معناه : لا شكّ فيه ولا ارتياب به ؛ والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريبٌ للكفار( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وقال قوم : لفظ قوله  لا ريب  فيه لفظ الخبر ومعناه النهي. 
وقال قوم : هو عموم يراد به الخصوص ؛ أي عند المؤمنين. وهذا ضعيف( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وقرأ الزهري، وابن محيصن، ومسلم بن جندب، وعبيد بن عمير :**«فِيهُ »** بضم الهاء ؛ وكذلك **«إليهُ »** و **«علَيْهُ »** و **«بِهُ »** و **«نُصْلِهُ »** ونولهُ وما أشبه ذلك حيث وقع على الأصل. وقرأ ابن إسحاق :**«فيهو »** ضم الهاء ووصلها بواو. ( [(٩)](#foonote-٩) )
و  هدى  معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر  ذلك ، أو خبر ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله( [(١٠)](#foonote-١٠) )، ويصح أن يكون موضعه نصباً على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من الضمير في  فيه ، والعامل معنى الاستقرار ؛ وفي هذا القول ضعف. 
وقوله  للمتقين  اللفظ مأخوذ من وَقَى، وفعله اتَّقى، على وزن افتعل، وأصله **«للموتقيين »**( [(١١)](#foonote-١١) ) استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاءً على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار  للمتقين . والمعنى : الذين يتقون الله تعالى( [(١٢)](#foonote-١٢) ) بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله. ( [(١٣)](#foonote-١٣) )

١ - أي: هو ذلك الكتاب..
٢ - قال بعضهم: الإشارة للبعيد بذلك من باب العرف لا من باب الوضع، ولذلك ترى العرب تستعمل كلا من اسمي الإشارة مكان الآخر، وذلك موجود في كلامهم ومتداول بينهم. قال أبو (ح): سمعت شيخنا أبا جعفر يقول: ذلك إشارة إلى الصراط في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)، كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتموه هوالكتاب. قال أبو (ح): وبهذا الذي ذكره الأستاذ يتبين وجه ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد، وهذا القول أولى، لأنه إشارة إلى شيء سبق ذكره، لا إلى شيء لم يجر له ذكر ا. هـ..
٣ - ضعف هذا المذهب كثير من العلماء كما قاله ابن (ك)..
٤ - في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لابتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان)..
٥ - هو قطرب وغيره كما سبق آنفا، ويقال لحروف المعجم: حروف الهجاء، كما روي أنه قيل لأعرابي: أتقرأ القرآن؟ قال: والله ما هجوت منه حرفا..
٦ - كتب السقاء كتبا خرزه بسيرين –وكتب الناقة ظأرها فخزم منخزيها بشيء لئلا تشم البَو، والكُتَبة بالضم السير يخرز به- أو الخرزة التي ضم السير وجهيها، الجمع كتب..
٧ - معنى نفي الريب عن الكتاب أنه ليس مظنة للريب في ذاته لعلو منزلته، وظهور معجزته، وليس معناه أنه لا يرتاب في أحد أصلا..
٨ - أي لأن النفي عام، ولذلك كان (لا ريب) منصوبا على التبرئة..
٩ - وقرأ ابن كثير (فيهي) بكسر الهاء ووصلها بالياء، وقرأ أبو عمرو البصري (فيه هدى) بالإدغام.
١٠ - من القراء من يقف على قوله تعالى: (لا ريب)، ويبتدئ بقوله تعالى: (فيه هدى للمتقين)، كأن المعنى: ذلك الكتاب حقا –والوقف على قوله تعالى: (لا ريب فيه) أولى لقوله تعالى في سورة السجدة (آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين). قال أبو (ح): والأولى جعل كل جملة مستقلة، فلذلك الكتاب جملة، ولا ريب جملة، وفيه هدى للمتقين جملة، ولم تحتج إلى حرف عطف لأن بعضها آخذ بعنق بعض، فالأولى أخبرت بكمال الكتاب، والثانية أخبرت بنفي الريب عن الكتاب، والثالثة أثبتت هداية الكتاب للمتقين، وعلى ما ذكره المؤلف فجعل (هدى) خبر (ذلك)، أو خبر ابتداء مضمر أولى، لأن كون الكتاب هدى أبلغ من كونه فيه هدى، ويكون (فيه) من تمام ما قبله..
١١ - بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها، ثم حذفت الياء للالتقاء فقوله: وسكنت أي الياء..
١٢ - إنما خص الله هدايته بالمتقين –مع أن هداية الكتاب عامة- إظهارا لكرامتهم، وإبرازا لعبوديتهم، لأنهم هم الذين انتفعوا بمواهب الكتاب ومعارفه..
١٣ - روى معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعا (يأيها الناسُ، اتخذوا تقوى الله تجارة يأتيكم الربح بلا بضاعة)، ثم قرأ: \[ومن يتق الله يجعل له مخرجا\] الآية، وعن ابن عباس مرفوعا (من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله) \[إن أكرمكم عند الله أتقاكم\].
 وفي التنزيل \[ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب\] \[ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا\]، \[ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا\]، وقد فسرت التقوى بأنواع من التفسير، وذلك كله مقبول كما للإمام (ط) رحمه الله..

### الآية 2:3

> ﻿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [2:3]

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( ٣ )
 يؤمنون  معناه يصدقون ويتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام كما قال تعالى : ولاتؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ( [(١٤)](#foonote-١٤) ) \[ آل عمران : ٧٣ \] وكما قال : فما آمن لموسى ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ يونس : ٨٣ \] وبين التعديتين فرق، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تعدٍّ بالباء يفهم من المعنى( [(١٦)](#foonote-١٦) ). واختلف القراء في همز  يؤمنون  فكان ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يهمزون **«يؤمنون »** وما أشبهه، مثل يأكلون، ويأمرون، ويؤتون ؛ وكذلك مع تحرك الهمزة مثل **«يؤخركم »** و **«يؤوده »** إلا أن حمزة كان يستحب ترك الهمز إذا وقف، والباقون يقفون بالهمز. 
وروى ورش عن نافع ترك الهمز في جميع ذلك. وقد روي عن عاصم أنه لم يكن يهمز الساكنة. 
وكان أبو عمرو إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة لم يهمز كل همزة ساكنة، إلا أنه يهمز حروفاً من السواكن بأعيانها ستذكر في مواضعها إن شاء الله. وإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها مثل  ننسأها  \[ البقرة : ١٠٥ \]  وهيىء لنا  \[ الكهف : ٨ \] وما أشبهه. 
وقوله : بالغيب  قالت طائفة : معناه يصدقون إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا ويكفرون إذا غابوا. وقال آخرون : معناه يصدقون( [(١٧)](#foonote-١٧) ) بما غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع. 
واختلفت عبارة المفسرين في تمثيل ذلك، فقالت فرقة :**«الغيب في هذه الآية هو الله عز وجل »** وقال آخرون :**«القضاء والقدر »** وقال آخرون :**«القرآن وما فيه من الغيوب »** وقال آخرون :**«الحشر والصراط والميزان والجنة والنار »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها( [(١٨)](#foonote-١٨) ). والغيب في اللغة : ما غاب عنك من أمر، ومن مطمئن الأرض الذي يغيب فيه داخله. 
وقوله : يقيمون  معناه يظهرونها ويثبتونها( [(١٩)](#foonote-١٩) )، كما يقال : أقيمت السوق، وهذا تشبيه بالقيام من حالة خفاء، قعود أو غيره، ومنه قول الشاعر( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) :\[ الكامل \]. 
وإذا يقال أتيتُم يبرحوا. . . حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طِعان
ومنه قول الشاعر( [(٢١)](#foonote-٢١) ) :\[ المتقارب \]
أقمنا لأهل العراقين سوق الطِّ . . . طِعان فخاسوا وولّوا جميعا
وأصل  يقيمون  يقومون، نقلت حركة الواو إلى القاف فانقلبت ياء لكون الكسرة قبلها. و  الصلاة  مأخوذة من صلى يصلي( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) إذا دعا، كما قال الشاعر( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) :\[ البسيط \]
عليكِ مثل الذي صلّيت فاغتمضي. . . يوماً فإنَّ لجنب المرءِ مُضْطَجعا
ومنه قول الآخر( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) :\[ الطويل \]
لها حارس لا يبرح الدهرَ بيتها. . . وإنْ ذبحت صلّى عليها وزمزما
فلما كانت الصلاة في الشرع دعاء انضاف إليه هيئات وقراءة سمي جميع ذلك باسم الدعاء. وقال قوم : هي مأخوذة من الصَّلاَ وهو عِرْق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صَلَوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلِّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صَلَواه( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ). 
قال القاضي أبو محمد : والقول إنها من الدعاء أحسن. 
وقوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون  كتبت **«مما »** متصلة **«وما »** بمعنى **«الذي »** فحقّها أن تكون منفصلة، إلا أن الجار والمجرور كشيء واحد، وأيضاً فلما خفيت نون **«من »** في اللفظ حذفت في الخط. والرزق عند أهل السنة. ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حراماً، بخلاف قول المعتزلة إن الحرام ليس برزق( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ). و  ينفقون  معناه هنا يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وما ندبهم إليه من غير ذلك. 
قال ابن عباس : ينفقون  يؤتون الزكاة احتساباً لها. 
قال غيره : الآية في النفقة في الجهاد. 
قال الضحاك : هي نفقة كانوا يتقربون بها إلى الله عز وجل على قدر يُسْرهم. 
قال ابن مسعود وابن عباس أيضاً : هي نفقة الرجل على أهله. 
قال القاضي أبو محمد : والآية تعمّ الجميع. وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ). 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ٤ )
اختلف المتأولون( [(١)](#foonote-١) ) فيمن المراد( [(٢)](#foonote-٢) ) بهذه الآية وبالتي قبلها. 
فقال قوم :****«الآيتان جميعاً في جميع المؤمنين»****. 
وقال آخرون :****«هما في مؤمني أهل الكتاب»****. 
وقال آخرون :****«الآية الأولى في مؤمني العرب، والثانية في مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وفيه نزلت»****. 
قال القاضي أبو محمد : فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب و  الذين  خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعاً على الاستنئاف، ****«أي وهم الذين»**** ومن جعل الآيتين في صنفين، فإعراب ****«الذين»**** رفع على الابتداء، وخبره  أولئك على هدى  ويحتمل أن يكون عطفاً.

---

### الآية 2:4

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [2:4]

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ٤ )
اختلف المتأولون( [(١)](#foonote-١) ) فيمن المراد( [(٢)](#foonote-٢) ) بهذه الآية وبالتي قبلها. 
فقال قوم :****«الآيتان جميعاً في جميع المؤمنين»****. 
وقال آخرون :****«هما في مؤمني أهل الكتاب»****. 
وقال آخرون :****«الآية الأولى في مؤمني العرب، والثانية في مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وفيه نزلت»****. 
قال القاضي أبو محمد : فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب و  الذين  خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعاً على الاستنئاف، ****«أي وهم الذين»**** ومن جعل الآيتين في صنفين، فإعراب ****«الذين»**** رفع على الابتداء، وخبره  أولئك على هدى  ويحتمل أن يكون عطفاً. ---


قوله : بما أنزل إليك  يعني القرآن  وما أنزل من قبلك  يعني الكتب السالفة. وقرأ أبو حيوة ويزيد بن قطيب. **«بما أنزل. . . وما أنزل »** بفتح الهمزة فيهما خاصة. والفعل على هذا يحتمل أن يستند إلى الله تعالى، ويحتمل إلى جبريل، والأول أظهر وألزم. 
 وبالآخرة ( [(٣)](#foonote-٣) ) قيل معناه بالدار الآخرة، وقيل بالنشأة الآخرة. 
و  يوقنون  معناه يعلمون علماً متمكناً في نفوسهم. واليقين أعلى درجات العلم، وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه. 
وقول مالك رحمه الله :**«فيحلف على يقينه ثم يخرج الأمر على خلاف ذلك »** تجوّز منه في العبارة على عرف تجوّز العرب، ولم يقصد( [(٤)](#foonote-٤) ) تحرير الكلام في اليقين. 
٣ - ذكر الآخرة بعد قوله: \[الذين يؤمنون بالغيب\] مع أن الغيب يشمل الآخرة وغيرها- كان لعظمها، وللتنبيه على وجوب اعتقادها، وللرد على الكفرة الجاحدين لها..
٤ - أي لأن اليقين وهو أعلى درجات العلم لا يمكن أن يخرج على خلاف المتيقن، وإنما المراد به في عبارات الفقهاء الظن، وكما يعبر عن الظن باليقين، كذلك يعبر عن اليقين بالظن، وذلك على سبيل المجاز. قال أبو القاسم الجنيد: اليقين هو استقرار العلم، وقال أيضا: اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب..

### الآية 2:5

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2:5]

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ٥ )
وقوله تعالى : أولئك  إشارة إلى المذكورين، و **«أولاء »** جمع **«ذا »**، وهو مبني على الكسرة لأنه ضَعُفَ لإبهامه عن قوة الأسماء، وكان أصل البناء السكون فحرك( [(١)](#foonote-١) ) لالتقاء الساكنين، والكاف للخطاب، و **«الهدى »** هنا( [(٢)](#foonote-٢) ) الإرشاد. و  أولئك  الثاني ابتداء، و  المفلحون  خبره، و  هم  فصل، لأنه وقع بين معرفتين ويصح أن يكون  هم  ابتداء، و  المفلحون  خبره، والجملة خبر  أولئك . 
والفلح( [(٣)](#foonote-٣) ) الظفر بالبغية وإدراك الأمل ومنه قول لبيد( [(٤)](#foonote-٤) ) :\[ الرمل \]. 
اعقلي إن كنت لمّا تعقلي. . . ولقد أفلح من كان عقلْ
وقد وردت للعرب أشعار فيها الفلاح بمعنى البقاء، كقوله :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونرجو الفلاحَ بَعْدَ عادٍ وحمْيَرِ ( [(٥)](#foonote-٥) )
وكقول الأضبط :\[ المنسرح \]
لِكُلّ همٍّ من الهموم سَعَهْ . . . والصُّبْحُ والمسى لا فلاح معه( [(٦)](#foonote-٦) )
والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه وحكى الخليل الفلاح على المعنيين.

١ - أي وكانت الحركة كسرة لما ذكره المؤلف رحمه الله..
٢ - سبق له في شرح \[اهدنا الصراط المستقيم\] أن الهدى في هذه الآية معناها خلق الإيمان في القلب، إلا أنه قال هناك: الهدى تتصرف في الكلام على وجوه وكلها ترجع إلى معنى الإرشاد، فقوله: \[على هدى\] أي على نور وبصيرة، بإرشاده تعالى وتوفيقه، وفي قوله تعالى: \[من ربهم\]، دون أن يقال من أنفسهم رد على القدرية والمعتزلة..
٣ - الفَلح: لغة في الفلاح..
٤ - راجع ديوانه..
٥ - هو للبيد بن ربيعة- وصدر البيت: نحِلُّ بلادا كلها حل قبلنا.......
٦ - هو الأضبط بن قريع السعدي وبعد البيت المذكور:
###  فصل حبال البعيد إن وصل الحبْل وأقْص القريب إن قطعه


 لا تحقرن الفقير علك أن تركع يوما والدهر قــد رفــعه
 وارض من الدهر ما أتاك به من يرض يوما بعيشه نفعه
 قد يجمع المال غير آكلـــــــه ويأكل المال غير من جمعه
 ومعنى البيت الأول: إنه ليس مع كر الليل والنهار بقاء..

### الآية 2:6

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:6]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( ٦ )
معنى الكفر( [(١)](#foonote-١) ) مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة :\[ الكامل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في ليلة كفر النجوم غمامُها( [(٢)](#foonote-٢) )
أي سترها ومنه سمي الليل كافراً لأنه يغطي كل شيء بسواده قال الشاعر :\[ ثعلبة بن صغيرة \] :\[ الكامل \]. 
فتذكر ثقلاً رثيداً بعدما. . . ألقت ذكاءَ يمينها في كافر( [(٣)](#foonote-٣) )
ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، ف **«كفر »** في الدين معناه غطى على قلبه( [(٤)](#foonote-٤) ) بالرِّين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله. 
واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود كفار قد أسلموا بعدها. 
فقال قوم :**«هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحد »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقال ابن عباس :**«نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب، وأبي ياسر وابن الأشرف ونظارائهم »** وقال الربيع بن أنس :**«نزلت في قادة الأحزاب( [(٦)](#foonote-٦) ) وهم أهل القليب ببدر »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب، والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحداً فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية. وقوله : سواء عليهم  معناه معتدل عندهم( [(٧)](#foonote-٧) )، ومنه قول الشاعر( [(٨)](#foonote-٨) ) :\[ أعشى قيس \] :\[ الطويل \]. 
وليل يقول الناس من ظلماتِهِ. . . سواء صحيحاتُ العيونِ وعورُها
قال أبو علي : في اللفظة أربع لغات : سوى( [(٩)](#foonote-٩) ) بكسر السين، وسواء بفتحها والمد، وهاتان لغتان معروفتان، ومن العرب من يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك. ويقال سي بمعنى سواء كما قالوا :**«قيي( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقواء »**. 
و  سواء  رفع على خبر  إن ، أو رفع على الابتداء( [(١١)](#foonote-١١) ) وخبره فيما بعده، والجملة خبر  إن ، ويصح أن يكون خبر  إن   لا يؤمنون . 
وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع :**«آنذرتهم »** بهمزة مطولة( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وكذلك ما أشبه ذلك في جميع القرآن، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خففت، غير أن مد أبي عمرو أطول من مد ابن كثير، لأنه يدخل بين الهمزتين ألفاً، وابن كثير لا يفعل ذلك. وروى قالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع إدخال الألف بين الهمزتين مع تخفيف الثانية. وروى عنه ورش تخفيف الثانية بين بين دون إدخال ألف بين الهمزتين، فأما عاصم وحمزة والكسائي إذا حقق وابن عامر : فبالهمزتين **«أأنذرتهم »**، وما كان مثله في كل القرآن. 
وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما. 
وقرأ الزهري وابن محيصن **«أنذرتهم »** بحذف الهمزة الأولى، وتدل  أم  على الألف المحذوفة، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها، وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء. والإنذار إعلام بتخويف، هذا حده، وأنذرت فعل يتعدى إلى مفعولين. 
قال الله عز وجل : فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) \[ فصلت : ١٣ \] وقال : إنا أنذرناكم عذاباً قريباً ( [(١٤)](#foonote-١٤) ) \[ النساء : ٤٠ \] وأحد المفعولين في هذه الآية محذوف لدلالة المعنى عليه. 
وقوله تعالى : آنذرتهم أم لم تنذرهم  لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبراً سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، وإذا قلت مستفهماً أخرج زيد أم قام، فقد استوى الأمران عندك، هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى عل هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته إياه في الإبهام، وكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية استفهاماً. ( [(١٥)](#foonote-١٥) )

١ - الكفر في الدين: كفر التوحيد والإيمان، وكفر النعمة والإحسان، والمراد هنا الأول..
٢ - البيت من معلقة لبيد بن ربيعة وصدره:
 يعلو طريقة متْنِها متواترا .................................
٣ - هو لثعلبة بن صعيرة المازني يصف النعامة والظليم ورواحهما إلى بيضها عند غروب الشمس، والثقيل هنا: البيض المصون: والرَّثيد المنسق بعضه إلى بعض، وذُكاء اسم للشمس، وألقت يمينها في كافر: عبارة عن كونها بدأت في المغيب..
٤ - في هذه الفقرة قلق فقوله (على قلبه) مربوط بالرين، وقوله (عن الإيمان) معلق بغطى والمعنى أنه غطى قلبه عن الإيمان بما كسبه من الرين..
٥ - في بعض النسخ: دون أن يعيِّن أحدا..
٦ - أي أحزاب الكفر، روى ابن جرير، وابن المنذر، عن أبي العالية في قوله تعالى: \[إن الذين كفروا\] قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية \[ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا\] قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر، ولم يدخل من القادة في الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان، والحكم بن العاص..
٧ - اعتدل الشيء توسط بين حالين، وتناسب، واستوى، فسواء بمعنى مستو..
٨ - هو أعشى قيس الملقب بالأعشى الأكبر..
٩ - منه قوله تعالى: \[فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سُوى\] قرئ فيالسبع "بالكسر والضم"..
١٠ - القيي والقواء قفر الأرض..
١١ - الكلام محمول على المعنى، فسواء وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو خير في المعنى، أي "الإنذار أو عدمه سواء عليهم". كقولك: سواء علي أقمت أم قعدت- أي "قعودك أو قيامك سواء علي".
١٢ - اعلم أن القراء اختلفوا في الهمزة الثانية التي هي فاء الكلمة من قوله تعالى: \[أأندرتَهُمْ\] فقالون والبصري يسهلانها ويدخلان بين الهمزتين ألفا. وورش وابن كثير يسهلانها من غير إدخال، ولورش أيضا إبدالها ألفا فيلتقي مع سكون النون إلا أن المد لازم في هذه الحالة-والباقون يحققون من غير إدخال إلا هشاما فله التحقيق والتسهيل مع الإدخال. ولقد طعن الزمخشري في قراءة ورش من حيث أنها تؤدي إلى الجمع بين الساكنين على غير حدّه، ولا شاهد له على ذلك. والحق أن هذه القراءة صحيحة ومتواترة، وهذا أقوى شاهد على ذلك- وأيضا فقد أجاز الكوفيون ذلك، ويكفي مذهبهم في ذلك، ومن هنا أنبه إلى أن الزمخشري سامحه الله كثير الطعن في القراءات، فلا تحفل بكلامه في هذا المقام، ولا تخدعنك شقشقة الكلام، والتوفيق بيد الله تعالى..
١٣ - من الآية (١٣) من سورة (فصلت)..
١٤ - من الآية (٤٠) من سورة (النبأ)..
١٥ - قال أبو عبيدة في كتاب "مجاز القرآن" في هذه الآية الكريمة- هذا كلام هو إخبار خرج مخرج الاستفهام، وليس هذا إلا في ثلاثة مواضع هذا أحدها والثاني: "ما أبالي أقْبَلْت أم أدبرْتَ". والثالث: "ما أدري أوليَّيت أم جاء فلان". انتهى، وقد أثنى أبو (ح) رحمه الله على ما قاله ابن عطية إلا أنه ناقشه في قوله: ومعناه الخبر، انظره وتأمله. وكما يجيء الاستفهام بمعنى الخبر يأتي الخبر بمعنى الاستفهام كقوله تعالى: \[وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل\]..

### الآية 2:7

> ﻿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:7]

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٧ )
وقوله تعالى : ختم الله  مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعاً إصبعاً. ( [(١)](#foonote-١) )
وقال آخرون : ذلك على المجاز، وأن ما اخترع( [(٢)](#foonote-٢) ) الله في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختماً. 
وقال آخرون ممن حمله على المجاز( [(٣)](#foonote-٣) ) :**«الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلاناً وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه( [(٤)](#foonote-٤) ) »**. 
وقرأ الجمهور : وعلى سمعهم . 
وقرأ ابن أبي عبلة :**«وعلى أسماعهم »**، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير، وأيضاً فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه. 
والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة :\[ البسيط \]
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي. . . إذا الدخان تغشى الأشمط البرما( [(٥)](#foonote-٥) )
وقال الآخر( [(٦)](#foonote-٦) ) :\[ الحارث بن خالد المخزومي \] :\[ الطويل \]
تبعتك إذ عيني عليها غشاوة. . . فلما انجلتْ قطعت نفسي ألومها
ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره. 
وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه **«غشاوة »** بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على الأبصار، والوقوف على قوله  وعلى سمعهم . 
وقرأ الباقون **«غشاوةٌ »** بالرفع. 
قال أبو علي :**«وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله( [(٧)](#foonote-٧) ) على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به »** وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه  ختم  تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء الكلام من باب :

. . . . . . . . . . . . . . . . .  متقلداً سيفاً ورمحاً( [(٨)](#foonote-٨) )**وقول الآخر :\[ الرجز \] :**
. . . . . . . . . . . . . . . . . . علفتها تبناً وماءً بارداً( [(٩)](#foonote-٩) )
ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة «. 
قال :» ولم أسمع من الغشاوة فعلاً مصرفاً بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة من غشي كالجباوة( [(١٠)](#foonote-١٠) ) من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة. 
وقال بعض المفسرين : الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله  على قلوبهم . 
وقال آخرون :» الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم( [(١١)](#foonote-١١) ) «. 
قال القاضي أبو محمد : وقد ذكرنا( [(١٢)](#foonote-١٢) ) اعتراض أبي عليّ هذا القول. 
وقرأ أبو حيوة » غَشوة «، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش. 
وقال الثوري :» كان أصحاب عبد الله يقرؤونها **«غَشيةٌ »** بفتح الغين والياء والرفع «. 
وقرأ الحسن :» غُشاوة **«بضم الغين، وقرئت »** غَشاوة «بفتح الغين، وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة الأشياء التي هي أبداً مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنابة والعصابة والربابة وغير ذلك. ( [(١٣)](#foonote-١٣) )
قوله تعالى : ولهم عذاب عظيم  معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك، و  عظيم  معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد. 
١ - إسناد الختم إلى الله تعالى جار على أن جميع الحوادث تستند إليه تعالى من حيث الخلق والإيجاد، وورود الآية الكريمة ناعية على الكفرة سوء تصرفهم وقبح سلوكهم لكون أفعالهم من حيث الكسب مستندة إليهم، والمعتزلة تكلفوا مسلك التأويل في هذا المقام، وأكثروا من القول والكلام جريا وراء مذهبهم من أن المنع من الإيمان قبيح لا يليق به تعالى. وأهل الحق يقولون: الله خلق كل شيء، كما نطق بذلك القرآن، فهو خالق الخير والشر..
٢ - أي خلق، يقال: اخترع الله الكائنات ابتدعها من العدم، وتلك من عبارة ابن عطية رحمه الله في هذا التفسير..
٣ - المجاز الأول مجاز الاستعارة، والمجاز الثاني مجاز الإرسال، تأمل..
٤ - بمعنى أن الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم هو سوء كسبهم، وفساد عقلهم..
٥ - الأشمط الذي خالطه الشيب، والبرم بالتحريك الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، والنابغة إسمه زياد بن معاوية..
٦ - هو الحارث بن خالد المخزومي كما في لسان العرب- وفي رواية صحبتك بدل تبعتك..
٧ - بحيث تقول: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وغشى على أبصارهم، على أن غشاوة مصدر نائب عن الفعل، وهذا إنما يكون في الدعاء لا في الخبر، وذلك ما يناسب المذهب الاعتزالي لأبي علي الفارسي الذي كان متهما به..
٨ - قائله عبد الله بن الزبعرى كما في الكامل للمبرد، وأوله.
 يا ليت زوجك قد غدا ........................
 أي وحاملا رمحا، وفي رواية: ورأيت زوجك في الوغى..
٩ - صدره: لما حططت الرجل عنها واردا ..........................
 وقد قيل: إنه لذي الرمة..
١٠ - بالجيم والباء من قولهم: جبى الخراج كرمى وسعى، جٍباية وجِباوة بكسر الجيم فيهما..
١١ - في بعض النسخ هي الختم..
١٢ - أي في مبحث قراءة من نصب غشاوة..
١٣ - تعليل لأرجحية الكسر، يعني أن العرب تستعمل مثل هذا الوزن في كل ما كان مشتملا على شيء كالعِمامة والقِلادة والكِناية وما شابه ذلك..

### الآية 2:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [2:8]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( ٨ )
كان أصل النون أن تكسر لالتقاء الساكنين، لكنها تفتح مع الألف واللام. ومن قال : استثقلت كسرتان تتوالى في كلمة على حرفين فمعترض بقولهم من ابنك ومن اسمك وما أشبهه. 
واختلف النحويون في لفظ  الناس  فقال قوم :**«هي من نسي فأصل ناس نسي قلب فجاء نيس تحركت الياء وانفتح، ما قبلها فانقلبت ألفاً فقيل ناس، ثم دخلت الألف واللام »**. 
وقال آخرون : ناس اسم من أسماء الجموع دون هذا التعليل، دخلت عليه الألف واللام. 
وقال آخرون :**«أصل ناس أناس دخلت الألف واللام فجاء الأناس، حذفت الهمزة فجاء الناس أدغمت اللام في النون لقرب المخارج »**. وهذه الآية نزلت في المنافقين. ( [(١)](#foonote-١) )
وقوله تعالى : من يقول آمنا بالله  رجع من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب لفظ  من  ومعناها، وحسن ذلك لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز ان يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحيد، لو قلت ومن الناس من يقولون ويتكلم لم يجز. 
وسمى الله تعالى يوم القيامة  اليوم الآخر  لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل، ثم نفى تعالى الإيمان عن المنافقين، وفي ذلك رد على الكرامية( [(٢)](#foonote-٢) ) في قولهم إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب.

١ - بدأ سبحانه سورة البقرة بذكر المؤمنين، وبيان صفاتهم لفضلهم وشرفهم، ثم أتبعهم بذكر الكافرين لأن الكفر ضد الإيمان، وضد الشيء أقرب خطورا بالبال، وأخر ذكر المنافقين لأنهم جمعوا بين الإيمان ظاهرا والكفر باطنا، ولما كان المنافقون يشتبهون على الناس في أمرهم، لتلونهم، وكثرة صفات نفاقهم، أطنب سبحانه في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل فيهم سورة (براءة) وسورة (المنافقون)، وذكر منهم في سورة (النور)، والغرض من ذلك تنبيه المؤمنين ليحترزوا من مكايدهم، وليجنبوا صفاتهم- والنفاق وهو من الألفاظ الإسلامية نفاق اعتقادي، ونفاق عملي، والمراد هنا الأول..
٢ - بفتح الكاف وتشديد الراء نسبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرّام السجستاني- وقولهم هذا استندوا فيه إلى قوله تعالى: \[فأثابهم الله بما قالوا\] وإلى قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) وهذا منهم جمود، وترك للنظر فيما نطق به الكتاب والسنة، من اعتبار العمل مع القول والاعتقاد، وما أكثر ذلك، نسأل الله الهداية والتوفيق..

### الآية 2:9

> ﻿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [2:9]

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( ٩ )
واختلف المتأولون في قوله تعالى : يخادعون الله . 
فقال الحسن بن أبي الحسن :**«المعنى يخادعون رسول الله فأضاف الأمر إلى الله تجوزاً( [(١)](#foonote-١) ) لتعلق رسوله به، ومخادعتهم في تحيلهم في أن يفشي رسول الله والمؤمنون لهم أسرارهم فيتحفظون مما يكرهونه ويتنبهون من ضرر المؤمنين على ما يحبونه »**. 
وقال جماعة من المتأولين :**«بل يخادعون الله والمؤمنين، وذلك بأن يظهروا من الإيمان خلاف ما أبطنوا من الكفر ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا وفازوا، وإنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب وما شعروا لذلك »**. 
واختلف القراء في يخادعون الثاني. 
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو :**«يخادعون »**. 
وقرأ عصام وابن عامر وحمزة والكسائي :**«وما يخدعون »**. 
وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بن أبي سبرة :**«يُخدعون »** بضم الياء( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقرأ قتادة ومورق العجلي( [(٣)](#foonote-٣) ) :**«يُخَدِّعون »** بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال وشدها. فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ويجيء ذلك كما قال الشاعر( [(٤)](#foonote-٤) ) :\[ عمرو بن كلثوم \] :\[ الوافر \]. 
ألاَ لاَ يجْهلنْ أحدٌ عليْنا. . . فَنَجْهل فوق جهْل الجاهلينا
فجعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزع في هذه الآية أن فاعل قد تجيء من واحد كعاقبت اللص وطارقت النعل( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وتتجه أيضاً هذه القراءة بأن ينزل ما يخطر ببالهم ويهجس في خواطرهم من الدخول في الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين. وقد قال الشاعر( [(٦)](#foonote-٦) ) :\[ الكميت \] \[ الطويل \]. 
تذكر من أَنَّى ومن أين شربه. . . يؤامرُ نفسيه كذي الهجمة الأبل
وأنشد ابن الأعرابي( [(٧)](#foonote-٧) ) :\[ المنسرح \]
لم تدر ما لا ولست قائلها. . . عمرك ما عشت آخر الأبد
ولم تؤامرْ نفسيك ممترياً في. . . ها وفي أختها ولم تكد
وقال الآخر( [(٨)](#foonote-٨) ) :
يؤامر نفسيهِ وفي العيشِ فُسْحَةٌ. . . أيستوتغ الذوبانَ أمْ لا يطورُها
وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي :\[ الطويل \]
وكنتَ كذات الضنء لم تدر إذْ بَغَتْ. . . تؤامرُ نفسيْها أتسرِقُ أن تزني( [(٩)](#foonote-٩) )
ووجه قراءة عاصم ومن ذكر، أن ذلكَ الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها، تقول :**«خادعت الرجل »** بمعنى أعملت التحيل عليه، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، والمصدر **«خِدع »** بكسر الخاء وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. فمعنى الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم فيها. ووجه قراءة أبي طالوت أحد أمرين : إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل كما قال تعالى : واختار موسى قومه ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ الأعراف : ١٥٥ \] أي من قومه، وإما أن يكون **«يخدعون »** أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم( [(١١)](#foonote-١١) )، ونحوه قول الله تعالى : ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) \[ البقرة : ١٨٧ \] ولا تقول رفثت إلى المرأة، ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك، ومنه قوله تعالى : هل لك إلى أن تزكى ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) \[ النازعات : ١٨ \] وإنما يقال هل لك في كذا، ولكن لما كان المعنى أجذ بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن، وهو باب سني من فصاحة الكلام، ومنه قول الفرزدق :\[ الرجز \] :
كيف تراني قالباً مجني. . . قد قتل الله زياداً عنّي( [(١٤)](#foonote-١٤) )
لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف. ومنه قول الآخر( [(١٥)](#foonote-١٥) ) :\[ نحيف العامري \] :\[ الوافر \]
إذا رضيت عليّ بنو قشيرٍ. . . لعمر اللَّهِ أعجبني رضاها
لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي( [(١٦)](#foonote-١٦) ). 
وأما الكسائي فقال في هذا البيت :**«وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى أمور في اللسان مجرى نقائضها »**( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع، إذ هو مصير إلى عذاب الله. 
قال الخليل :**«يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة، كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا من دقيق نظره وكأنه يرد فاعل( [(١٨)](#foonote-١٨) ) إلى الاثنين، ولا بد من حيث ما فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم في المعنى الذي تجيء فيه فاعل. 
وقوله تعالى : وما يشعرون  معناه وما يعلمون علم تفطن وتهد، وهي لفظة مأخوذة من الشعار كأن الشيء المتفطن له شعار للنفس، والشعار الثوب الذي يلي جسد الإنسان، وهو مأخوذ من الشعر، والشاعر المتفطن لغريب المعاني. 
وقولهم :**«ليت شعري »** معناه ليت فطنتي تدرك، ومن هذا المعنى قول الشاعر :\[ المنخل الهذلي \]. 
عقوا بسهمٍ فلم يشعرْ به أحدٌ. . . ثم استفاؤوا قالوا حبّذا الوضح( [(١٩)](#foonote-١٩) )
واختلف ما الذي نفى الله عنهم أن يشعروا له( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) ؟ فقالت طائفة :**«وما يشعرون أن ضرر تلك المخادعة راجع عليهم لخلودهم في النار »**. 
وقال آخرون :**«وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ومخادعتهم في قولهم آمنا »**.

١ - من حيث أن مخادعة الرسول مخادعة لله- ومطاوعة الرسول مطاوعة لله سبحانه وتعالى..
٢ - أي وفتح الدال على معنى وما (يُخْدَعُونَ) إلى عن أنفسهم..
٣ - بضم أوله وكسر المهملة هو ابن مشمرخ كمدحرج، يروي عن عمر وأبي ذر وأبي الدرداء، ويروي عنه مجاهد وقتادة، مات في ولاية عمر بن هبيرة..
٤ - هو عمر بن كلثوم، والبيت من معلقته، وقوله: فنجهل المراد أننا ننتصر على كل من جهل علينا، وعبر عن ذلك بالجهل لمجانسة ما قبله وإلا فلا يفخر عاقل بالجهل..
٥ - المطارقة: النعل المخصوفة، والخصف في النعل كالرقع للثوب..
٦ - هو الكميت كما في لسان العرب، والآبل اسم فاعل من أبِل كفِرح إذا أحسن رعية الإبل وقام بأمرها..
٧ - في "لسان العرب": وأنشد الطوسي: (لم تدر ما لا ولست قائلها) الخ، وابن الأعرابي هو محمد بن زياد أبو عبد الله، توفي بسامرا سنة ٢٣١هـ، وكان إليه المنتهى في معرفة لسان العرب، والطوسي ممن أخذ عنه..
٨ - ذكر ابن دُريْدٍ، عن أبي عثمان صاحب معاني الشعر، أنه لرجل من بني فزارة، وقوله: يؤامر نفسه إلخ... فيه جعل النفس المميزة نفسين، وذلك أن النفس قد تأمر بالشيء وتنهى عنه، وهذا عند الإقدام على أمر مكروه، فجعلوا التي تأمر نفسا، وجعلوا التي تنهى كأنها نفس أخرى وعلى هذا قول الشاعر، ويقال: فلان يؤامر نفسه إذا اتجه له رأيان. والذوبان جمع ذئب يقال لصعالك العرب ولصوصها، لأنهم كالذئاب، وأصل الدوبان بالهمز فخفف فانقلب واوا..
٩ - يقال ضنأت المرأة تَضْنا ضَنْئا كثر ولدها، فهي ضانئة أي كثيرة الأولاد وهو لعبد الله بن الزبير الأسدي..
١٠ - من الآية (١٥٥) من سورة الأعراف..
١١ - والقاعدة المتعارفة أن الفعل إذا تضمن معنى فعل جاز أن يعمل عمله كما تقول طرحت بالرداء إذا ضمنته رميت به، وإلا فـ(طرح) يتعدى بنفسه. والوجه الأول أحسن..
١٢ - من الآية ١٨٧ من سورة البقرة..
١٣ - من الآية ١٨ من سورة النازعات..
١٤ - في بعض الروايات: كيف تراني قالبا مجَنِّي أضربُ أمري ظهره لبطني
 قد قتل الله زياداعني
 والمراد زياد بن أبيه، وهذه الزيادة منقولة من كتاب النقائض والشاهد أنه عدى الفعل (قتل)، (عن)..
١٥ - قائله قحيف بن خمير شاعر إسلامي مقل، تشبب بخرقاء التي تشبب بها ذو الرمة، وبعد البيت: ولا تنْبُو سيوف بني قشير ولا تمضي الأسنَّة في صفاها.
١٦ - لعل الصواب أن يقول: لما كان (رضي) قد تضمن معنى (أقبل)..
١٧ - بمعنى أنه يتعدى بما يتعدى به نقيضه. والقاعدة أن الشيء يحمل على النقيض كما يحمل على النظير، ومن ذلك قوله تعالى: \[تُسِرون إليهم بالمودة\] فهو محمول على نقيضه وهو الجهر أو على نظيره وهو المخافتة، فيوصل بما يوصلان به، وقد قال الله تعالى: \[ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها\] ولولا ذلك لما جاز وصل تُسِرون بالباء لأنها تتعدى بنفسها فيقال: (أسررت الحديث إسرارا) أخفيته..
١٨ - بابها الغالب أن تكون من اثنين بحيث يفعل كل منهما بصاحبه ما يفعله صاحبه به، مثل خاصمته، وحاربته، وقد تكون المفاعلة من واحد لكن بينه وبين غيره نحو عاقبت اللص، فهي محمولة على الفعل الثلاثي، وبذلك يعلم أن المفاعلة إن كانت من اثنين كانت من كل واحد. وإن كانت بينهما كانت من أحدهما..
١٩ - هو للمتنخل الهذلي، وهو مالك، بن عمرو، بن سويد، اللحياني، ومعنى عقُّوا: رموا بسهم نحو الهواء إشعارا منهم أنهم قد قبلوا الدية، ورضوا بها عوضا عن الدم، والوَضَحُ اللبن، أي قالوا: حبذا الإبل التي نأخذها بدلا من دم قتيلنا فنشرب لبنها..
٢٠ - أي يتفطنوا له..

### الآية 2:10

> ﻿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [2:10]

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( ١٠ )
المرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء المنافقين وذلك إما أن يكون شكاً، وإما جحداً بسبب حسدهم مع علمهم بصحة ما يجحدون، وبنحو هذا فسر المتأولون. 
وقال قوم :**«المرض غمهم بظهور أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم »**. 
وقرأ الأصمعي عن أبي عمر :**«مرْض »** بسكون الراء وهي لغة في المصدر قال أبو الفتح :**«وليس بتخفيف »**. 
واختلف المتأولون في معنى قوله  فزادهم الله مرضاً  فقيل هو دعاء عليهم( [(١)](#foonote-١) )، وقيل هو خبر أن الله قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض. 
وقرأ حمزة :**«فزادهم »** بكسر الزاي( [(٢)](#foonote-٢) )، وكذلك ابن عامر. وكان نافع يشم الزاي إلى الكسر، وفتح الباقون. و  أليم  معناه مؤلم كما قال الشاعر وهو عمرو بن معدي كرب :\[ الوافر \]. 
أمن ريحانة الداعي السميع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
بمعنى : مسمع. ( [(٣)](#foonote-٣) )
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر **«يُكذِّبون »** بضم الياء وتشديد الذال. 
وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الذال. فالقراءة بالتثقيل يؤيدها قوله تعالى قبل  وما هم بمؤمنين  فهذا إخبار بأنهم يكذبون. والقراءة بالتخفيف يؤيدها أن سياق الآيات إنما هي إخبار بكذبهم( [(٤)](#foonote-٤) )، والتوعد بالعذاب الأليم، متوجه على التكذيب، وعلى الكذب في مثل هذه النازلة، إذ هو منطوٍ على الكفر، وقراءة التثقيل أرجح.

١ - قال في (خ): لما تكلم ابن عطية رحمه الله على تفسير قوله تعالى: \[عليهم دائرة السوء\] قال: كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله تعالى فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته، ومن هذا \[ويل لكل هُمَزة\] \[ويل للمطففين\] وهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى، فكون الآية خبرية أحسن من أنة تكون دعائية..
٢ - هذا هو ما يسمى بالإمالة المحْضة..
٣ - التشبيه في كون فَعِيل بمعنى مُفْعِل. فأليم في الآية معناه مؤلم وموجع، وسميع في كلام الشاعر معناه مسمع وتمام البيت: يؤَرِّقُني وأصحابي هجوع.
 والشاعر صاحب ريحانة أخت دريد بن الصمة..
٤ - أي في قولهمك \[آمنا\] فقولهم ذلك كذب وزور، كما قال تعالى: \[إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون\] وهم في واقع الأمر كانوا كذبة ومكذِّبين. فالتثقيل أرجح لأن من كذَّب فقد كذب..

### الآية 2:11

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [2:11]

َوَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( ١١ )
و  إذا  ظرف زمان، وحكي عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة خرجت فإذا زيد ظرف مكان، لأنها تضمنت جثة، وهذا مردود لأن المعنى **«خرجت فإذا حضور زيد »** فإنما تضمنت المصدر، كما يقتضيه سائر ظروف الزمان، ومنه قولهم :**«اليوم خمر، وغداً أمر »** فمعناه وجود خمر ووقوع أمر، والعامل في  إذا  في هذه الآية  قالوا . وأصل  قيل  قول نقلت حركة الواو إلى القاف فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. 
وقرأ الكسائي :**«قُيل وغُيض وسُيء وسُيئت وحُيل وسُيق وجُيء »** بضم أوائل ذلك كله. وروي مثل ذلك عن ابن عامر. وروي أيضاً عنه أنه كسر **«غِيض وقِيل وجِيء »**، الغين القاف والجيم حيث وقع من القرآن وضم نافع من ذلك كله حرفين **«سُيء وسُيئت »** وكسر ما بقي. وكان ابن كثير وعاصم وأبوعمرو وحمزة يكسرون أوائل هذه الحروف كلها، والضمير في  لهم  هو عائد إلى المنافقين المشار إليهم قبل. 
وقال بعض الناس :**«الإشارة هنا هي إلى منافقي اليهود »**. 
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية : لم يجىء( [(١)](#foonote-١) ) هؤلاء بعد ومعنى قوله : لم ينقرضوا بل هم يجيئون في كل زمان. 
و  لا تفسدوا في الأرض  معناه بالكفر وموالاة الكفرة، و  نحن  اسم من ضمائر المرفوع مبني على الضم، إذ كان اسماً قوياً يقع للواحد المعظم والاثنين والجماعة، فأعطي أسنى الحركات. 
وأيضاً فلما كان في الأغلب ضمير جماعة، وضمير الجماعة في الأسماء الظاهرة الواو أعطي الضمة إذ هي أخت الواو، ولقول المنافقين : إنما نحن مصلحون  ثلاث تأويلات :
أحدها : جحد أنهم مفسدون وهذا استمرار منهم على النفاق. 
والثاني : أن يقروا بموالاة الكفار ويدعون أنها صلاح من حيث هم قرابة توصل. 
والثالث : أنهم مصلحون بن الكفار والمؤمنين، فلذلك يداخلون الكفار.

١ - رواه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه ابن جرير الطبري بسنده في تفسير هذه الآية الكريمة وقال: يحتمل أن سلمان رضي الله عنه أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنه عني أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد- قال ابن جرير: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يُقْبل عمل من أحد إلا بالتصديق به، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله ورسله وكتبه على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، فذلك إفساد المنافقين في الأرض وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، قال ابن (ك) رحمه الله: وكذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، انتهى. فهذه الآية تخاطب أهل كل زمان يصورون الإفساد بصورة الإصلاح..

### الآية 2:12

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [2:12]

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون ( ١٢ )
و  ألا  استفتاح كلام، و ******«إن »****** بكسر الألف استئناف، و  هم  الثاني رفع بالابتداء، و  المفسدون  خبره والجملة خبر ******«إن »******، ويحتمل أن يكون فصلاً ويسميه الكوفيون :**«العماد »** ويكون  المفسدون  خبر ******«إن »****** فعلى هذا لا موضع ل  هم  من الإعراب، ويحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في أنهم فموضعه نصب، ودخلت الألف واللام في قوله : المفسدون  لما تقدم ذكر اللفظة في قوله : لا تفسدوا  فكأنه ضرب من العهد، ولو جاء الخبر عنهم ولم يتقدم من اللفظة ذكر لكان ألا إنهم مفسدون، قاله الجرجاني. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الألف واللام تتضمن المبالغة( [(١)](#foonote-١) ) كما تقول زيد هو الرجل أي حق الرجل، فقد تستغني عن مقدمة تقتضي عهداً، و  لكن  بجملته حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا لا يشعرون أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد لا يشعرون أن الله يفضحهم، وهذا مع أن يكون قولهم  إنما نحن مصلحون  جحداً محضاً للإفساد. والاحتمال الأول هو بأن يكون قولهم : إنما نحن مصلحون  اعتقاداً منهم أنه صلاح في صلة القرابة، أو إصلاح بين المؤمنين والكافرين.

١ - أي: حصْرُ السفه والفساد في المنافقين..

### الآية 2:13

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [2:13]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ( ١٣ )
المعنى صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، مثل ما صدقه المهاجرون والمحققون من أهل يثرب، قالوا : أنكون كالذين خفت عقولهم ؟ والسفه الخفة والرقة الداعية إلى الخفة يقال **«ثوب سفيه »** إذا كان رقيقاً مهلهل النسج، ومنه قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
مشين كما اهتزت رماح تسفهت. . . أعاليَها مرّ الرياح النواسم( [(١)](#foonote-١) )
وهذا القول إنما كانوا يقولونه في خفاء فأطلع الله عليه نبيه والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هو في حيزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء للرَّين الذي على قلوبهم. 
وقال قوم :**«الآية نزلت في منافقي اليهود، والمراد بالناس عبد الله بن سلام ومن أسلم من بني إسرائيل »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تخصيص لا دليل عليه.

١ - يصف نساء، ويقال: "تسفهت الريح الأشجار" أمالتها، والرياح النواسم هي الرياح الضعيفة، فشبه مشيهن باهتزاز الرماح التي تميلها نواسم الرياح..

### الآية 2:14

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [2:14]

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( ١٤ )
و  لقوا  أصله لقيوا استثقلت الضمة على الياء فسكنت فاجتمع الساكنان فحذفت الياء. وقرأ ابن السميفع **«لاقوا الذين »**. وهذه كانت حال المنافقين إظهار الإيمان للمؤمنين وإظهار الكفر في خلواتهم بعضهم مع بعض( [(١)](#foonote-١) )، وكان المؤمنون يلبسونهم على ذلك لموضع القرابة فلم تلتمس عليهم الشهادات ولا تقرر تعينهم في النفاق تقرراً يوجب لوضوحه الحكم بقتلهم وكان ما يظهرونه من الإيمان يحقن دماءهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم ويدعهم في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه فينفر الناس حسبما قال عليه السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال له في وقت قول عبد الله بن أبي ابن سلول :**«لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل »** القصة :**«دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق »** فقال :**«دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
فهذه طريقة أصحاب مالك رضي الله عنه في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين مع علمه بكفرهم في الجملة : نص على هذا محمد بن الجهم وإسماعيل القاضي والأبهري وابن الماجشون واحتج بقوله تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين إينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً ( [(٣)](#foonote-٣) ) \[ الأحزاب : ٦٠-٦١ \]. قال قتادة :**«معناه إذا هم أعلنوا النفاق »**. 
قال مالك رحمه الله :**«النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، لأنه لا يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليسن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين »**. 
قال القاضي إسماعيل :**«لم يشهد على عبد الله بن أبي( [(٤)](#foonote-٤) ) إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس( [(٥)](#foonote-٥) ) بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه وحده، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : أقوى من انفراد زيد وغيره أن اللفظ ليس بصريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر. 
قال الشافعي رحمه الله :**«السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه »**. وبه قال أصحاب الرأي والطبري وغيرهم. 
قال الشافعي وأصحابه :**«وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام بألسنتهم مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله فمن قال إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكفار فقد خالف معنى الكتاب والسنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله على المنافقين »**. 
قال الله تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ المنافقون : ١ \]. 
قال الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأهل الحديث : فالمعنى الموجب لكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع العلم بهم أن الله تعالى نهاه عن قتلهم إذا أظهروا الإيمان وصلوا فكذلك و الزنديق. 
واحتج ابن حنبل بحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار عن رجل من الأنصار في الذي شهد عليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفاق( [(٧)](#foonote-٧) ) فقال :**«أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قالوا بلى ولا شهادة له، قال : أليس يصلى ؟ قالوا بلى ولا صلاة له، قال : أولئك الذين نهاني الله عنهم »**
وذكر أيضاً أهل الحديث ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فيهم :**«لعل الله سيخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ويصدق المرسلين ويخلص العبادات لرب العالمين »**( [(٨)](#foonote-٨) ). 
قال أبو جعفر الطبري في كتاب اللطيف في باب المرتد :«إن الله تعالى قد جعل الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا ووكل سرائرهم إلى الله وقد كذب الله
ظاهرهم في قوله تعالى : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  \[ المنافقون : ١ \]. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ينفصل المالكيون( [(٩)](#foonote-٩) ) عما ألزموه من هذه الآية( [(١٠)](#foonote-١٠) ) بأنها لم تعين أشخاصهم وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص( [(١١)](#foonote-١١) ) عليه بالنفاق وبقي لكل واحد منهم أن يقول لم أرد بها ولا أنا إلا مؤمن ولو عين أحد لما جب كذبه شيئاً. 
وقوله تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم  وصلت  خلوا  ب  إلى  وعرفها أن توصل بالباء( [(١٢)](#foonote-١٢) ) فتقول خلوت بفلان من حيث نزلت  خلوا  في هذا الموضع منزلة ذهبوا وانصرفوا( [(١٣)](#foonote-١٣) )، إذ هو فعل معادل لقوله  لقوا ، وهذا مثل ما تقدم من قول الفرزدق :\[ الرجز \]
كيف تراني قالباً مِجَنِّي. . . فقد قتل الله زياداً عني
لما أنزله منزلة صرف ورد. 
قال مكي :**«يقال خلوت بفلان بمعنى سخرت به فجاءت إلى في الآية زوالاً عن الاشتراك في الباء »**( [(١٤)](#foonote-١٤) ). وقال قوم : إلى  بمعنى مع، وفي هذا ضعف ويأتي بيانه إن شاء الله في قوله تعالى : من أنصاري إلى الله ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ آل عمران : ٥٢، الصف : ١٤ \]. 
وقال قوم : إلى  بمعنى الباء إذ حروف المعاني يبدل بعضها من بعض. وهذا ضعيف يأباه الخليل وسيبويه وغيرهما. 
واختلف المفسرون في المراد بالشياطين( [(١٦)](#foonote-١٦) ) فقال ابن عباس رضي الله عنه :**«هم رؤساء الكفر »**. 
وقال ابن الكلبي وغيره :**«هم شياطين الجن »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا في الموضع بعيد. 
وقال جمع من المفسرين :**«هم الكهان »**. ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر والمنافقين حتى يقدر كل واحد شيطان غيره، فمنهم الخالون، ومنهم الشياطين. 
و  مستهزئون  معناه نتخذ هؤلاء الذين نصانعهم( [(١٧)](#foonote-١٧) ) بإظهار الإيمان هزواً ونستخف بهم. 
ومذهب سيبويه رحمه الله أن تكون الهمزة مضمومة على الواو في  مستهزئون . وحكى عنه علي أنها تخفف بين بين. 
ومذهب أبي الحسن الأخفش أن تقلب الهمزة ياء قلباً صحيحاً فيقرأ **«مستهزِيُون »**. 
قال ابن جني :**«حمل الياء الضمة تذكراً لحال الهمزة المضمومة والعرب تعاف ياء مضمومة قبلها كسرة »**. 
وأكثر القراء على ما ذهب إليه سيبويه، ويقال :**«هزىء واستهزأ »** بمعنى، فهو **«كعجب واستعجب »**، ومنه قول الشاعر( [(١٨)](#foonote-١٨) ) \[ أوس بن حجر \] :\[ الطويل \]
ومستعجب مما يرى من أناتنا. . . ولو زبنته الحرب لم يترمرم

١ - قال أبو محمد بن قتيبة: النفاق في اللغة مأحوذ من "نفقاء اليربوع" وهو جحر من جحرته يخرج منه إذا أخذ عليه الجحر الذي دخل فيه، فيقال: قد نفق ونافق. شبه بفعل اليربوع، فإنه يدخل من باب، وكذلك المنافق يدخل في الإسلام، باللفظ، ويخرج منه بالعقد، والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب قبل الإسلام تعرفه، أي بالمعنى المخصوص وهو ستر الكفر وإظهار الإيمان، وإن كان أصله معروفا عندهم، واعلم أن أبا محمد بن عطية رحمه الله تعرض في هذا المكان لعدد من المسائل المتعلقة بالنفاق والزندقة:
 المسألة الأولى: أن المؤمنين كانوا يتعاملون مع المنافقين برغم نفاقهم لموضع القرابة، فلم تلتمس عليهم الشهادات، ولم يقرر نفاقهم تقريرا يوجب الحكم بقتلهم، وكان ما يظهرونه من الإيمان كافيا لحقن دمائهم وعدم التعرض لأموالهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرض عنهم ويدعهم في حالة الاشتباه.
 المسألة الثانية: اختلاف أئمة الإسلام في معنى إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم. فقال مالك وأصحابه: كان ذلك لمصلحة تأليف القلوب كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) وقد كان صلى الله عليه وسلم يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا، قال المؤلف رحمه الله: نص على هذا محمد بن الجهم، والقاضي إسماعيل، والأبهري، وابن الماجشون، واستدل بقوله تعالى: \[لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا\] قال قتادة: معناه: إذا هم أعلنوا النفاق.
 المسألة الثالثة: قال الإمام مالك رحمه الله: النفاق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شُهد عليه بها دون استتابة لأنه لا يظهر ما يُستتاب عليه، قال مالك رحمه الله: وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليَسُنَّ لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذا لم يشهد على المنافقين –ولم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد ابن أرقم وحده، ولا على الجُلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد رجلان بنفاقه وكفره لقتل.
 قال القاضي أبو محمد رحمه الله: أقوى من انفراد زيد وغيره بالشهادة أن اللفظ ليس بصريح في الكفر.
 وقال الشافعي رحمه الله: السنة فيمن يشهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن الإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من قتله، وبه قال أصحاب الرأي، والإمام أحمد، والطبري وغيرهم- قال الشافعي وأصحابه: وإنما منع رسول الله من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم، لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله. وقال الإمام الطبري: جعل الله الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولى الحكم في سرائرهم، دون أحد من خلقه، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله، وقد كذَّب الله ظاهرهم بقوله: \[والله يشهد إن المنافقين لكاذبون\].
 قال أبو محمد بن عطية رحمه الله: ينفصل المالكية عما ألزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم، وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه النفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يقول: لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا. انظر "الموطأ" في "كتاب الأقضية" في باب (القضاء فيمن ارتد عن الإسلام)..
٢ - أخرج هذا الحديث الشيخان: البخاري ومسلم..
٣ - الآيتان (٦٠-٦١) من سورة الأحزاب..
٤ - انظر التفسير لدى قوله تعالى: \[ليخرجن الأعز منها الأذل\] في سورة المنافقون..
٥ - بالتخفيف، انظر التفسير لدى قوله تعالى: \[يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر\] الآية..
٦ - الآية ١ من سورة المنافقون..
٧ - رواه في مسنده. كما رواه الإمام مالك في موطئه. وعبيد الله بن عدي- كان من فقهاء قريش وعلمائها- توفي بالمدينة سنة ٩٥هـ..
٨ - رواه الإمام مسلم في مسنده الصحيح، فيما لقي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، بلفظ: (أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا)..
٩ - أي يتخلصون من هذا الإلزام بأن الآية لم يكن فيها تعيين لأشخاصهم، ولا شهادة على أعيانهم، وإنما هي توبيخ لجملة المنافقين، وقد بحث الإمام (ق) رحمه الله فيما قاله ابن عطية، وقال: "هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم، أو كثيرا منهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة بن اليمان يعلم ذلك، بإخبار النبي عليه السلام إياه"، وفي نظره نظر، فإن الانفصال مرده إلى الآية الكريمة التي شهد الله فيها أن المنافقين كاذبون من دون أن يبينهم، ولا أن يعينهم- وقد مضى قول الإمام مالك رحمه الله: إنما كف النبي صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليسُن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذا لم يشهد على المنافقين، وقيام الشهادة على المنافقين من باب الحكم بالظاهر، ومن شأن الشهادة التعيين للمشهود عليه، على أن العلم بهم إنما كان مستنده حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن يُنَفِّروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع صلى الله عليه وسلم على ذلك حذيفة. فأما غير هؤلاء الأربعة عشر فقد قال الله تعالى: \[وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم\] الآية وقال تعالى: \[لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم\] الآية ففيها دليل أنه لم يغر بهم ولم يدل على أعيانهم، وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى: \[ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم\] الآية، وفي كلام ابن (ك) رحمه الله ما يشير إلى الاعتراض على (ق) انظره..
١٠ - أي في قوله تعالى: \[والله يشهد إن المنافقين لكاذبون\]..
١١ - يقال: رجل مغموص عليه أي مطعون في دينه ومتهم بنفاقه..
١٢ - يقال: خلا بفلان وإليه: اجتمع به في خلوة. وتعدية خلا بالباء في هذا المعنى أكثر استعمالا..
١٣ - إزالة للاشتراك كما يأتي، ومعلوم أن تضمين الأفعال أولى من تضمين الحروف..
١٤ - حيث يقال: خلوت بفلان: انفردت به، وخلوت بهن وخلوت بهك سخرت به. فالباء تدل على واحد من المعنيين، بخلاف إلى..
١٥ - أي الواردة في سورة آل عمران من الآية(٥٢)، ونصه هناك: "وقد عبر عنها ابن جريج والسدي بأنها بمعنى (مع). ونعم: إن (مع) تسد في هذا المعنى مسد (إلى)، لكن ليس يباح من هذا أن (إلى) بمعنى (مع)، حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: \[وأيديكم إلى المرافق\] فقال: (إلى) بمعنى (مع) وهذه عجمة بلى (إلى) في هذه الآية غاية مجردة، وينظر: هل يدخل ما بعد إلى فيما قبلها من طريق آخر؟ اهـ.
 وقوله: و(نعم) جاءت في صدر الكلام للتأكيد، فهي بمعنى و(حقا). ولعله يقرب من هذا قول الشيخ عبد القاهر الجرجاني: ليس كل ما فيه معنى الشيء حكمه حكم ذلك الشيء، بمعنى أنه فرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء وأن يكون الشيء الشيء على الإطلاق..
١٦ - في مسند الإمام أحمد رحمه الله، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن)، فقلت: يا رسول الله، وللإنسان شياطين قال: (نعم)..
١٧ - ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه) وقال: (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان وهؤلاء بوجه) وقال: (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار)، رواهما أبو داود في سننه..
١٨ - أوس بن حجر: وقوله تعالى: زبنته الحرب دفعته، وقوله: لم يترمرم أي لم يتحرك..

### الآية 2:15

> ﻿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [2:15]

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( ١٥ )
اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء فقال جمهور العلماء :**«هي تسمية العقوبة باسم الذنب »**( [(١)](#foonote-١) ). والعرب تستعمل ذلك كثيراً، ومنه قول الشاعر \[ عمرو بن كلثوم \] :\[ الوافر \]. 
ألا لا يجهلنْ أحد علينا. . . فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال قوم : إن الله تعالى يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البشر هزو( [(٢)](#foonote-٢) ) حسبما يروى أن النار تجمدت كما تجمد الإهالة( [(٣)](#foonote-٣) ) فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم، وما يروى أن أبواب النار تفتح لهم فيذهبون إلى الخروج( [(٤)](#foonote-٤) )، نحا هذا المنحى( [(٥)](#foonote-٥) ) ابن عباس والحسن، وقال قوم : استهزاؤه بهم هو استدارجهم من حيث لا يعلمون( [(٦)](#foonote-٦) )، وذلك أنهم بدرور نعم الله الدنيوية عليهم يظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء. 
 ويمدهم  معناه يزيدهم في الطغيان. وقال مجاهد :**«معناه يملي لهم »**، قال يونس بن حبيب :**«يقال مد في الشر وأمد في الخير »**( [(٧)](#foonote-٧) ) وقال غيره :**«مد الشيء ومده ما كان مثله ومن جنسه( [(٨)](#foonote-٨) )، وأمدّه ما كان مغايراً له، تقول : مدّ النهر ومدّه نهر آخر، ويقال أمدّه »**. 
قال اللحياني :**«يقال لكل شيء دخل فيه مثله فكثره مده يمده مدّاً، وفي التنزيل : والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ لقمان : ٢٧ \]. ومادة الشيء ما يمده دخلت فيه الهاء للمبالغة »**. 
قال ابن قتيبة وغيره :**«مَدَدْت الدواة وأمَددْتُها بمعنى »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : يشبه أن يكون **«مددتها »** جعلت إلى مدادها آخر، و **«أمددتها »** جعلتها ذات مداد، مثل **«قبر، وأقبر، وحصر، وأحصر »**، ومددنا القوم صرنا لهم أنصاراً، وأمددناهم بغيرنا. وحكى اللحياني أيضاً أمدّ الأمير جنده بالخيل، وفي التنزيل : وأمددناكم بأموال وبنين ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ الإسراء : ٦ \]. 
قال بعض اللغويين : ويمدهم في طغيانهم  يمهلهم ويلجهم( [(١١)](#foonote-١١) ). 
قال القاضي أبو محمد : فتحتمل اللفظة أن تكون من المد الذي هو المطل والتطويل( [(١٢)](#foonote-١٢) )، كما فسر في : عمد ممددة  \[ الهمزة : ٩ \]. ويحتمل أن تكون من معنى الزيادة في نفس الطغيان، والطغيان الغلو وتعدي الحد كما يقال :**«طغا الماء وطغت النار »**. وروي عن الكسائي إمالة طغيانهم. 
و  يعمهون  يترددون، حيرة، والعمه الحيرة من جهة النظر، والعامه الذي كأنه لا يبصر من التحير في ظلام أو فلاة أو هم.

١ - أي يجازيهم جزاء الاستهزاء..
٢ - أي يوم القيامة..
٣ - الإهالة: ما أذيب من الشحم، أو هي الدسم الجامد..
٤ - أي فتسد الأبواب في وجوههم، وقد روي هذا عن ابن عباس من طريق أيب صالح..
٥ - وقوله تعالى: \[قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا\] يقوي هذا المنحى كما نص عليه صاحب اختصار الطبري رحمه الله..
٦ - يدل لهذا التأويل حديث: (إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج)..
٧ - الأقوال ثلاثة: قول يونس بن حبيب: مد في الشر، وأمد في الخير، والثاني قول غيره: مد فيما كانت الزيادة من مثل جنسه، وأمد فيما كانت الزيادة من غير جنسه، ومثال هذين القولين قوله تعالى: \[ويمدهم في طغيانهم يعمهون\] فإنه في الشر وفي مثل جنسه، وقوله تعالى: \[يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة\] فإنه في الخير، ومن غير جنسه، والثالث قول ابن قتيبة: إنهما بمعنى واحد، وقد تكون (مد) لازمة ومتعدية..
٨ - (ما كان...) في محل رفع فاعل للفعل (مد) الثانية.
 وهذا مفهوم من قوله في المثال: (مد النهر –ومده نهر آخر) فـ(نهر) فاعل مد في (مده) وهو مثل النهر الذي وقع عليه المد، ومن جنسه. فأما إن كان الفاعل من غير جنسه قلت: (أمده) بالهمزة. وهذا واضح إيضا من كلام اللحياني بعده. والآية الكريمة بعد ذلك (والبحر يمده) خير مثال..
٩ - من الآية ٢٨ من سورة لقمان..
١٠ - من الآية ٦ من سورة الإسراء..
١١ - أي يزيدهم في اللجاج والعناد..
١٢ - وفي بعض النسخ: المهل والتطويل..

### الآية 2:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [2:16]

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( ١٦ )
وقوله : أولئك  إشارة إلى المتقدم ذكرهم( [(١)](#foonote-١) )، وهو رفع بالابتداء و  الذين  خبره، و  اشتروا  صلة ل  الذين ، وأصله اشتريوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فحذفت لالتقاء الساكنين، وقيل استثقلت الضمة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء وحركت الواو بعد ذلك للالتقاء بالساكن بعدها، وخصت بالضم لوجوه منها أن الضمة أخت الواو وأخف الحركات عليها، ومنها أنه لما كانت واو جماعة ضمت كما فعل بالنون في **«نحنُ »**. 
ومنها أنها ضمت إتباعاً لحركة الياء المحذوفة قبلها. 
قال أبو علي :**«صار الضم فيها أولى ليفصل بينها وبين واو »** أو **«و »** لو **«إذ هذان يحركان بالكسر »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقرأ أبو السمال قعنب العدوي( [(٣)](#foonote-٣) ) بفتح الواو في :**«اشتروَا الضلالة »**. 
وقرأها يحيى بن يعمر بكسر الواو. والضلالة والضلال : التلف نقيض الهدى الذي هو الرشاد إلى المقصد. 
واختلفت عبارة المفسرين عن معنى قوله : اشتروا الضلالة بالهدى  فقال قوم :**«أخذوا الضلالة وتركوا الهدى »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقال آخرون : استحبوا الضلالة وتجنبوا الهدى( [(٥)](#foonote-٥) ) كما قال تعالى : فاستحبوا العمى على الهدى  \[ فصلت : ١٧ \]. 
وقال آخرون : الشراء هنا استعارة وتشبيه، لما تركوا الهدى وهو معرض( [(٦)](#foonote-٦) ) لهم ووقعوا بدله في الضلالة واختاروها شبهوا بمن اشترى فكأنهم دفعوا في الضلالة هداهم إذ كان لهم أخذه. ( [(٧)](#foonote-٧) )
وبهذا المعنى تعلق مالك رحمه الله في منع أن يشتري الرجل على أن يتخير في كل ما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز فيه التفاضل. ( [(٨)](#foonote-٨) )
وقال قوم : الآية فيمن كان آمن من المنافقين ثم ارتد في باطنه وعقده ويقرب الشراء من الحقيقة على هذا. ( [(٩)](#foonote-٩) )
وقوله تعالى : فما ربحت تجارتهم  ختم للمثل بما يشبه مبدأه في لفظة الشراء( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وأسند الربح إلى التجارة كما قالوا :**«ليل قائم ونهار صائم »**. والمعنى فما ربحوا في تجارتهم. 
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة **«فما ربحت تجاراتهم »** بالجمع. 
وقوله تعالى : وما كانوا مهتدين  قيل المعنى في شرائهم هذا، وقيل على الإطلاق، وقيل في سابق علم الله، وكل هذا يحتمله اللفظ.

١ - بعد أن ذكر الله سبحانه مالهم من صفات شنيعة، ونعوت فظيعة، جاءت الإشارة لتعلن عن سوء حالهم، وبعد منزلتهم في الشر، فهي مسوقة لتقرير ما قبلها وتبيين ما هم عليه من الجهالة والسفاهة، في أقوالهم، وأفعالهم، بإظهار سماجتها، وتصويرها بصورة لا يكاد يتعاطاها من له أدنى تمييز، فضلا عمن له عقل وبصر- فأولئك تأتي بعد صفات المدح للمدح- وبعد صفات الذم للذم..
٢ - نحو قوله تعالى: \[وأن لو استقاموا\] وقوله تعالى: \[أو ائتنا بعذاب أليم\]..
٣ - جاء في طبقات القراء أن اسمه قعنب بن أبي قعنب أبو السمال العدوي البصري ٢-٢٧..
٤ - اعلم أن الباء تدخل في العوض المأخوذ في جانب البيع- وعلى العوض المأخوذ في الشراء فتقول: بعت الثوب بدرهم، فالدرهم حاصل، ومأخوذ، وتقول: اشتريت الثوب بدرهم، فالدرهم متروك وغير حاصل ومن هذا قوله تعالى: \[أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى\] وقوله تعالى: \[أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة\]..
٥ - هذه العبارة أخص من العبارة قبلها، فاستحباب الضلالة أخص من أخذ الضلالة- وتجنب الهدى أخص كذلك من ترك الهدى، فإن تجنب الهدى عن قصد، وترك الهدى يكون عن قصد وعن غير قصد..
٦ - أي ظاهر لهم..
٧ - جواب عن سؤال وهو: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ فأجاب بأنهم جُعلوا مشترين بالهدى لتمكنهم منه بتيسير أسبابه، فكان لهم أخذه، وكان كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوه به فاستعير ثبوته لتمكنهم منه، والتمكن حاصل بما شاهدوه من الآيات والمعجزات..
٨ - لما في ذلك من الضلالة والجهالة، ويعني أنه لا يجوز في فقه البيوع الشراء على أن يختار المشتري في كل ما تختلف صفة آحاده ولا يجوز فيه التفاضل- كاللحوم..
٩ - حاصله أن الشراء إما أن يكون حقيقة، وإما أن يكون مجازا، فالقول الأول جار على من كان آمن ثم ارتد في قلبه، وإنما كان الشراء حقيقيا لأنه دفع ثمنا كان عنده، والقريب من الشيء كهو في حكمه، والقول الثاني جاز على أنه لم يؤمن من أول مرة إلا أنه كان متمكنا منه لتيسر أسبابه، والمتمكن من الشيء كأنه في يده..
١٠ - أي فهو ترشيح للمجاز لأنه يناسب الشراء المستعار، ويعين أن أعمالهم سميت تجارة لمناسبة الشراء تأليفا لجواهر النظام، والتحاما بين أجزاء الكلام. والمثل بمعنى التشبيه..

### الآية 2:17

> ﻿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [2:17]

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ( ١٧ )
**«المَثَل والمِثْل والمثيل »** واحد، معناه الشبه( [(١)](#foonote-١) )، هكذا نص أهل اللغة والمتماثلان المتشابهان وقد يكون مثل الشيء جرماً مثله، وقد( [(٢)](#foonote-٢) ) يكون ما تعقل النفس وتتوهمه من الشيء مثلاً له، فقوله تعالى : مثلهم كمثل  معناه أن الذي يتحصل في نفس الناظر في أمرهم كمثل الذي يتحصل في نفس الناظر في أمر المستوقد، وبهذا يزول الإشكال الذي في تفسير قوله تعالى : مثل الجنة ( [(٣)](#foonote-٣) ) \[ الرعد : ٣٥، محمد : ١٥ \] وفي تفسير قوله تعالى : ليس كمثله شيء ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ الشورى : ١١ \] لأن ما يتحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفي ما لا يجوز عليه ليس يماثله فيه شيء، وذلك المتحصل هو المثل الأعلى الذي في قوله عز وجل : ولله المثل الأعلى ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ النحل : ٦ \]. وقد جاء في تفسيره أنه لا إله إلا الله ففسر بجهة الوحدانية. 
وقوله : مثلهم  رفع بالابتداء والخبر في الكاف، وهي على هذا اسم كما هي في قول الأعشى :\[ البسيط \]. 
أتنتهون ولا ينهى ذوي شططٍ. . . كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً( [(٦)](#foonote-٦) ) تقديره مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا حرف، ولا يجوز ذلك في بيت الأعشى لأن المحذوف فاعل تقديره شيء كالطعن، والفاعل لا يجوز حذفه عند جمهور البصريين، ويجوز حذف خبر الابتداء إذا كان الكلام دالاً عليه، وجوز الأخفش حذف الفاعل، وأن يكون الكاف في بيت الأعشى حرفاً ووحد الذي( [(٧)](#foonote-٧) ) لأنه لم يقصد تشبيه الجماعة بالجماعة، وإنما المقصد أن كل واحد من المنافقين فعله كفعل المستوقد، و  الذي  أيضاً ليس بإشارة إلى واحد ولا بد، بل إلى هذا الفعل : وقع من واحد أو من جماعة. 
قال النحويون، الذي اسم مبهم يقع للواحد والجميع( [(٨)](#foonote-٨) ). و  استوقد  قيل معناه أوقد، فذلك بمنزلة عجب واستعجب بمعنى. 
قال أبو علي : وبمنزلة هزىء واستهزأ وسخر واستسخر، وقر واستقر وعلا قرنه واستعلاه، وقد جاء استفعل بمعنى أفعل أجاب واستجاب ومنه قول الشاعر( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ كعب بن سعد الغنوي \] :\[ الطويل \]. 
وداع دعا يا من يجيب إلى النَّدى. . . . فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وأخلف لأهله واستخلف إذا جلب لهم الماء( [(١٠)](#foonote-١٠) )، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
ومستخلفات من بلاد تنوفة. . . لمصفرة الأشداق حمر الحواصل( [(١١)](#foonote-١١) )
ومنه قول الآخر :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سقاها فروّاها من الماء مخلف( [(١٢)](#foonote-١٢) )
ومنه أوقد واستوقد قاله أبو زيد، وقيل استوقد يراد به طلب من غيره أن يوقد له على المشهور من باب استفعل، وذلك يقتضي حاجته إلى النار، فانطفاؤها مع حاجته إليها أنكى له. واختلف في  أضاءت  فقيل يتعدى لأنه نقل بالهمزة من ضاء، ومنه( [(١٣)](#foonote-١٣) ) قول العباس بن عبد المطلب في النبي صلى الله عليه وسلم :\[ المنسرح \]

وأنت لما ولدت أشرقَتِ الأر  ضُ وضاءت بنورك الطرقوعلى هذا، ف  ما  في قوله : ما حوله  مفعولة، وقيل ( أضاءت ) لا تتعدى، لأنه يقال ضاء وأضاء بمعنى، ف ( ما ) زائدة، وحوله ظرف. 
واختلف المتأولون في على المنافقين الذي يشبه فعل ( الذي استوقد ناراً ). 
فقالت طائفة : هي فيمن آمن ثم كفر بالنفاق، فإيمانه بمنزلة النار إذا أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها وذهاب النور( [(١٤)](#foonote-١٤) ). 
وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره :**«إن ما يظهر المنافق في الدنيا من الإيمان فيحقن به دمه ويحرز ماله ويناكح ويخالط كالنار التي أضاءت ما حوله، فإذا مات صار إلى العذاب الأليم، فذلك بمنزلة انطفائها وبقائه في الظلمات »**. 
وقالت فرقة : إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار وانصرافهم إلى مردتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. 
وقالت فرقة : إن المنافقين كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في منزلة بما أظهروه، فلما فضحهم الله وأعلم بنفاقهم سقطت المنزلة، فكان ذلك كله بمنزلة النار وانطفائها. 
وقالت فرقة منهم قتادة : نطقهم ب **«لا إله إلا الله »** والقرآن كإضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها. 
قال جمهور النحاة : جواب ****«لما »**** ذهب، ويعود الضمير من ****«نورهم »**** في هذا القول على ( الذي ) ( [(١٥)](#foonote-١٥) )، ويصح شبه الآية بقول الشاعر( [(١٦)](#foonote-١٦) ) :\[ الأشهب بن رميلة \] :\[ الطويل \]. 
وإنّ الذي حانتْ بفلجٍ دماؤهم. . . همُ القومُ كلُّ القومِ يا أمّ خالدِ
وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الاختلاف المتقدم. 
وقال قوم : جواب ****«لما »**** مضمر، وهو طفئت، والضمير في ****«نورهم »**** على هذا للمنافقين( [(١٧)](#foonote-١٧) ) والإخبار بهذا( [(١٨)](#foonote-١٨) ) هو عن حال تكون في الآخرة وهو قوله تعالى : فضرب بينهم بسور له باب ( [(١٩)](#foonote-١٩) ) \[ الحديد : ١٣ \]. 
قال القاضي أبو محمد : هذا القول غير قوي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو السمال **«في ظلْمات »** بسكون اللام، وقرأ قوم ****«ظلَمات »**** بفتح اللام. ( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )
قال أبو الفتح : في ظلمات وكسرات ثلاثة لغات : اتباع الضم الضم والكسر الكسر أو التخفيف بأن يعدل إلى الفتح في الثاني أو التخفيف بأن يسكن الثاني، وكل ذلك جائز حسن، فأما فعلة بالفتح فلا بد فيه من التثقيل إتباعاً فتقول ثمرة وثمرات. 
قال القاضي أبو محمد : وذهب قوم في ****«ظلَمات »**** بفتح اللام إلى أنه جمع ظلم فهو جمع الجمع( [(٢١)](#foonote-٢١) ). 
١ - الشِّبْه والشَّبَه والشَّبيه كالمثل والمثيل، قال أبو عبيدة: لم يسمع في فعل وفعل غير هذه الأربعة: مثل ومثل، وشبه وشبه، ونكل ونكل، وبدل وبدل، قاله صاحب لسان العرب ونقله الإمام (ق) لدى قوله تعالى: \[فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم\] الآية، والغرض من ضرب الأمثال تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، وذلك لمزيد الكشف والإيضاح، ألا ترى أن الترغيب والترهيب إذا وقع كل منهما مجردا من ضرب مثل لم يتأثر القلب به كتأثره مع ضرب المثل، ولهذا المعنى أكثر الله الأمثال في كتابه المبين كما قال: \[وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون\]..
٢ - يعني أن مثل الشيء قد يكون حسيا، وقد يكون عقليا أي حاصلا في العقل، وبهذا يقع التفصي من الإشكال الذي يرد في بعض المواد والأمثلة حسبما أشار إليه المؤلف رحمه الله..
٣ - قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا، سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة. وهي من الآية ١٥ من سورة محمد..
٤ - من الآية ١١ من سورة الشورى..
٥ - من الآية ٦٠ من سورة النحل..
٦ - عبارة أبي (ح) أوضح، ونصه: ومثلهم مبتدأ والخبر في الجار والمجرور بعده، والتقدير كائن كمثل، كما يقدر ذلك في سائر حروف الجر اهـ. وقد بحث مع ابن عطية في الوجه الأول، انظره..
٧ - للتوحيد دليلان الأول من ناحية المعنى، والثاني من ناحية الاستعمال: وذلك أن القصد تشبيه حال المنافق بحال المستوقد، لا تشبيه الجماعة بالجماعة. فالذي كما يستعمل للواحد يستعمل للجمع كما قال الشاعر:
 وإن الذي حانت بِفَلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد.
٨ - وفي بعض النسخ والجمع..
٩ - هو كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار- وبعد البيت:
 فقلت ادع أخرى، وارفع الصوت رفعة لعل أبا المغوار منك قريب.
١٠ - يقال: أخلف لأهله: استقى لهم ماء، وأخلف القوم: حمل إليهم الماء العذب، وهم ليس معهم ماء عذب أو يكونون على ماء ملح- واستخلف الرجل لأهله: استقى لهم ماءن واستخلف: استعذب الماء..
١١ - التنوفة: المفازة، والأرض الواسعة البعيدة الأطراف، أو الفلاة لا ماء بها ولا أنيس، وإن كانت معشبة، جمعها تنائف، والبيت أنشده الأصمعي لذي الرمة، كما في أمالي القالي، ويعني أن القطا يحملن الماء في حواصلهن..
١٢ - هو للحطيئة وصدر البيت:
 كأن دموعي سح واهية الكلى سقاها فرواها من الماء مخلف
 **وبعده:**
 تشد العرى منها على ظهر جونة عير القياد ما تكاد تصرف
 المخلف: المستقي، والواهية: صفة لمحذوف أي مزادة واهية الكلى، يقول: كأن دموعي تسيل من كل مزادة ضعيفة محمولة على ناقة عسير، فكلما هزتها كثر سيلانها، والعسير التي لا تنقاد، والكلية من المزادة رقعة مستديرة تخرز عليها تحت العروة، يقال: شرب الماء من كلية المزادة. وفي بعض النسخ من العين بدلا من الماء..
١٣ - أي من ضاء المنقول منه. وقيل: إنها تكون لازمة ومتعدية..
١٤ - قال ابن (ك) بعد أن قرر تشبيه المنافقين في اشترائهم الضلالة بالهدى- بمن استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بما انطفأت، وصار في ظلامه شديد، لا يبصر شيئا، وهومع هذا أصم، لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لا يبصر لو كان ضياء، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك – فكذلك هؤلاء المنافقون، في استبدالهم الضلالة بالهدى واستحبابهم الغي على الرشد- ما نصه:
 "وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا، ثم كفروا، كما أخبر الله عنهم في غير هذا الموضع".
 - قال: "وقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال (أي الرازي): والتشبيه ها هنا في غاية الصحة، لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا، ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا بذلك، فوقعوا في حيرة عظيمة، ولا حيرة أعظم من حيرة الدين، ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: \[ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون\] فهذا القول الذي صدر به ابن عطية رحمه الله هو الظاهر، وللإمام (ط) رحمه الله نظر آخر..
١٥ - أي على المستوقدين..
١٦ - هو الأشهب بن رميلة، والبيت يستشهد به على حذف النون من الذين، وهو رثاء للقوم الذين قتلوا بفلج وهو اسم موضع..
١٧ - فعلى أن جواب (لما) هو ذهب، وهوالمرتضى والمعتمد يعود ضمير نورهم على المستوقدين ويكون تمثيل المنافق بالمستوقد تاما غير ناقص، وعلى أن جوابها مضمر تقديره طفئت – يعود ضمير نورهم على المنافقين لأن الكلام على المستوقدين تم عند قوله: \[فلما أضاءت ما حوله\]، وكان التمثيل ناقصا..
١٨ - أي بقوله تعالى: \[ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون\] لأنه على إضمار الجواب يكون خاصا بالمنافقين..
١٩ - من الآية ١٣ من سورة الحديد..
٢٠ - اعلم أن فُعلة بضم الفاء كظُلمة، وفِعلة بكسر الفاء ككسرة، يجوز في كل منهما ثلاث لغات: لغة الإتباع، ولغة فتح الثاني، ولغة إسكان الثاني، وأن فَعلة بفتح الفاء يجب فيها الإتباع نحو: تمرة وتمرات، وجَفْنة وجَفَنَات..
٢١ - العدول إلى الفتح تخفيفا أسهل من ادعاء جمع الجمع لأن العدول إليه قد جاء في كسرات جمع كِسرة، وفُعلة وفِعلة أخوان، ولأن جمع الجمع غير قياسي فلا ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل واضح..

### الآية 2:18

> ﻿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [2:18]

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ( ١٨ )
والأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس، وقيل الأبكم والأخرس واحد، ووصفهم بهذه الصفات إذ أعمالهم من الخطأ وقلة الإجابة كأعمال من هذه صفته، وصم رفع على خبر ابتداء فإما أن يكون ذلك على تقدير تكرار أولئك، وإما على إضمار هم. 
وقرأ عبد الله بن مسعود وحفصة أم المؤمنين رضي الله عنهما. **«صماً، بكماً، عمياً »** بالنصب، ونصبه على الحال من الضمير في  مهتدين ، وقيل هو نصب على الذم، وفيه ضعف( [(١)](#foonote-١) )، وأما من جعل الضمير في **«نورهم »** للمنافقين لا للمستوقدين فنصب هذه الصفات على قوله على الحال من الضمير في  تركهم . 
قال بعض المفسرين قوله تعالى  فهم لا يرجعون  إخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون بوجه. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما كان يصح هذا إن لو كانت الآية في معينين، وقال غيره : معناه  فهم لا يرجعون  ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيح، لأن الآية لم تعين، وكلهم معرض للرجوع مدعو إليه. 
قوله عز وجل( [(٢)](#foonote-٢) ) :

١ - وجهه: أن النصب على الذم إنما يكون حيث يذكر الاسم السابق فتعدل عن المطابقة في الإعراب إلى القطع، وها هنا لم يتقدم اسم سابق تكون هذه الأوصاف موافقة له في الإعراب فتقطع، فمن أجل هذا ضعف النصب على الذم. قال أبو (ح)..
٢ - هذا مثل آخر، ضربه الله تعالى لنوع آخر من المنافقين، وهم قوم يترددون بين الحق والباطل، تارة يظهر لهم الحق، وتارة يشكون فيه، فمثلهم في حال الشك والكفر والتردد كمثل صيب من السماء، والصيب المطر على المشهور- وذلك أن الناس أقسام – مؤمنون خلَّص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة – وكفار خلص، وهم المذكورون في الآيتين بعد الآيات الأربع – ومنافقون، وهم قسمان: مصرون، وهم أصحاب المثل الناري – ومترددون تارة يظهر لهم الإيمان وتارة يخبو عنهم، وهم أصحاب المثل المائي وهم أخس حالات من الذين قبلهم، وهذا المقام يشبه في الجملة ما ذكر في سورة النور من ضرب مثل المؤمن، وما جعل الله في قلبه من الهدى و النور –بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دري، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان المستمد من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، ثم ضرب مثل الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيءن وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله تعالى: \[والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا\] الآية، ثم ضرب مثل الكفار الذين يجهلون جهلا بسيطا، وهم الذين قال الله فيهم: \[أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج\] الآية، فقسم الكفار إلى فسمين: داعية ومقلدة، وقد قسم الله المؤمنين أيضا كما في سورة الواقعة وسورة الإنسان إلى قسمين: سابقين وهم المقربون – وأصحاب يمين وهم الأبرار. ويتلخص من مجموع الآيات الكريمات أن المؤمنين: مقربون وأبرار، وأن الكافرين دعاة ومقلدون- وأن المنافقين صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من النفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعهان من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلفن وإذا اؤتمن خان). واستدلوا بهذا على أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من الإيمان، وشعبة من نفاق، إما عملي كهذا الحديث وإما اعتقادي كما تدل عليه آيات سورة البقرة وغيرها. والله أعلم..

### الآية 2:19

> ﻿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [2:19]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ( ١٩ )
 أو  للتخيير ( [(١)](#foonote-١) )، معناه مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار( [(٢)](#foonote-٢) ) على أحد الأمرين، وقوله : أو كصيّب  معطوف على  كمثل الذي . وقال الطبري : أو  بمعنى( [(٣)](#foonote-٣) ) الواو. 
قال القاضي أبو محمد وهذه عجمة، والصيب المطر من صاب يصوب إذا انحط من علو إلى سفل، ومنه قول علقمة بن عبدة( [(٤)](#foonote-٤) ) :\[ الطويل \]
كأنهمُ : صابتْ عليهمْ سحابةٌ. . . صواعقها لطيرِهِنَّ دبيبُ
وقول الآخر( [(٥)](#foonote-٥) ) :\[ الطويل \]
فلستِ لإنسيٍّ ولكن لملأكٍ. . . تنّزلَ من جوِّ السماءِ يصوبُ( [(٦)](#foonote-٦) )
وأصل صيّب صَيْوب اجتمع الواو والياء وسبقت إحدهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما فعل في سَيّد ومَيّت. 
وقال بعض الكوفيين : أصل صيّب صَوِيب على مثال فعيل وكان يلزمه أن لا يعل كما لم يعل طويل( [(٧)](#foonote-٧) )، فبهذا يضعف هذا القول. 
وقوله تعالى : ظلمات  بالجمع، إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن( [(٨)](#foonote-٨) ) ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفس، بخلاف السحاب والمطر إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل، ومنه قول قيس بن الخطيم :\[ المتقارب \]

فما رَوْضةٌ من رياضِ القطا  كأَنَّ الْمَصَابِيحَ حوذانهابأحسنَ مِنْها ولا مَزنةٌ  دلوحٌ تَكشّفُ أدجانُها( [(٩)](#foonote-٩) )واختلف العلماء في الرعد : فقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب وغيرهم : هو ملك يزجر السحاب بهذا الصوت المسموع كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه طار النار من فيه، فهي  الصواعق ، واسم هذا الملك الرعد، وقيل الرعد ملك، وهذا الصوت تسبيحه، وقيل الرعد اسم الصوت المسموع، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته :\[ المنسرح \]
فجعني الرعدُ والصواعقُ بال. . . فارسِ يومَ الكريهةِ النجدِ( [(١٠)](#foonote-١٠) )
وروي عن ابن عباس أنه قال :**«الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت »**. وقيل :**«الرعد اصطكاك أجرام السحاب »**( [(١١)](#foonote-١١) ). وأكثر العلماء على أن الرعد ملك، وذلك صوته يسبح ويزجر السحاب. ( [(١٢)](#foonote-١٢) )
**واختلفوا في البرق :**
فقال علي بن أبي طالب :**«هو مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب »**. 
وقال ابن عباس :**«هو سوط نور بيد الملك يزجي به السحاب »**. 
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن البرق يتراءى، وقال قوم :**«البرق ماء »**، وهذا قول ضعيف. 
والصاعقة : قال الخليل :**«هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحياناً نار، يقال إنها من المخراق الذي بيد الملك، وقيل في قطعة النار إنها ماء يخرج من فم الملك عند غضبه »**. 
وحكى الخليل عن قوم من العرب **«الساعقة »** بالسين. 
وقال النقاش :**«يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد »**. 
وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«من الصواقع »** بتقديم القاف. قال أبو عمرو :**«وهي لغة تميم »**. 
وقرأ الضحاك بن مزاحم **«حذار الموت »** بكسر الحاء وبألف. واختلف المتأولون في المقصد بهذا المثل وكيف تترتب أحوال المنافقين الموازنة لما في المثل من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. 
فقال جمهور المفسرين :**«مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم. والعمى : هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أن تبهرهم هو البرق وتخوفهم وروعهم وحذرهم هو جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم، واشتهار كفرهم، وتكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة ونحوه هي الصواعق »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا كله صحيح بين. 
وروي عن ابن مسعود أنه قال :**«إن رجلين من المنافقين هربا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله وأيقنا بالهلاك، فقالا : ليتنا أصبحنا فنأتي محمداً ونضع أيدينا في يده، فأصبحا وأتياه وحسن إسلامهما، فضرب الله ما نزل بهما مثلاً للمنافقين »**( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
وقال أيضاً ابن مسعود :**«إن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعون القرآن، فضرب الله المثل لهم »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وفاق لقول الجمهور الذي ذكرناه. 
وقل قوم :**«الرعد والبرق هما بمثابة زجر القرآن، ووعيده »**. 
و  محيط بالكافرين  معناه بعقابه وأخذه( [(١٤)](#foonote-١٤) )، يقال أحاط السلطان بفلان إذا أخذه حاصراً من كل جهة، ومنه قوله تعالى : وأحيط بثمره ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ الكهف : ٤٢ \] ففي الكلام حذف مضاف. 
١ - قال أبو (ح) رحمه الله: المعنى الظاهر هنا لـ(أو) – هو التفصيل نظرا لأحوال المنافقين، فمنهم من يشبه بحال المستوقد، ومنهم من يشبه بحال الصيب – ولا ضرورة تدعو إلى كون أو للتخيير، وإن المعنى أيهما شئت مثلهم به – ولا إلى كونها بمعنى الواو كما ذهب إليه الكوفيون هنا – لأن التخيير إنما يكون في الأمر أو ما في معناه، والجملة هنا خبرية صرفة – ولأن (أو) بمعنى الواو لم يثبت عند البصريين، واستدل به مثبت ذلك مؤول..
٢ - ومعناه أن المَثَلَين سواء في استقلال كل واحد منهما بوجه التمثيل، فبأيهما مثلث فأنت مصيب، وإن مثلت بهما جميعا فكذلك..
٣ - ذهب ابن جرير رحمه الله إلى أن المثل الناري والمثل المائي كلاهما مضروب لصنف واحد من المنافقين، ولذلك جعل (أو) بمعنى (الواو) مع أن المنافقين أصناف، ولهم أحوال كما ذكر الله ذلك في سورة براءة: ومنهم، ومنهم، ومنهم، يذكر أحوالهم وأوصافهم فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، ولذلك وصف ابن عطية رحمه الله كلام (ط) بالعجمة وعدم الظهور..
٤ - علقمة بن عبدة: هو المعروف بالفحل، وبعد البيت:
 فلا تعدلي بيني وبين مُغمر سقتك روايا المُزْن حيث تصوب.
٥ - اختلفوا في نسبة هذا البيت، فمنهم من نسبه إلى علقمة بن عبدة، ومنهم من نسبه إلى رجل من عبد القيس يمدح به النعمان بن الحرث بن المنذر، وقيل: هو لأبي وجزة يمدح به عبد الله بن الزبير، وقبل البيت: 
 تعاليت أن تُعزى إلى الإنس جِلَّة وللأنس من يعزْوك فهو كذوب.
٦ - أي يقصد إلى الأرض، هذا هو الصواب في تفسيره كما لابن هشام في شرح بانت سعاد..
٧ - مع أنه قد أعل ودخله الإدغام، وهذا هو وجه ضعف هذا القول..
٨ - يقال: دجن اليوم يدجن دجنا ودجونا كان فيه دجن. والدجن السحاب والغيم والمطر الكثير والدائم، جمعه أدجان كما في البيت الثاني من بيتي قيس بن الخطيم..
٩ - وقبل البيتين:
 أجد بعــمــرة غـــــنـيــانها فتهجر أم شأننا شأنها؟
 فإن تمس شطب بها دارها وباح لك اليوم هجرانها
 **وبعدهما:**
 وعمرة من سروات النسا ء، تنفح بالمسك إردانها
 أجد: استمرن وغنيانها استغناؤهان أم شأننا شأنها: أي أم هي على ما نحب؟ وشطت بعدت، ورياض القطا اسم موضع فيه نبت وماء مستدير، وقوله: كأن المصابيح إلخ... فيه قلب. والأصل: كأن حوذانها المصابيح، والعرب تفعل ذلك، والحوذان نبت طيب يرتفع قدر الذراع وله زهرة حمراء في أصلها صفرة، والدَّلوح: السحابة الكثيرة الماء، والأردان ما يلي الذراعين من الكمين..
١٠ - قال لبيد هذا البيت وهو يرثي أخاه (إربد)- وكان قد اخترق بصاعقة..
١١ - هو التحاكك والاصطدام فيتولد عنه ذلك الصوت القوي المزعج، وهذا من رأي الفلاسفة..
١٢ - يشهد له حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي خرجه الترمذي في جامعه قال: (أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال زجرة بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمره. قالوا: صدقت)..
١٣ - رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه..
١٤ - الأولى: بعقابهم وأخذهم. وهو ما في (خ)..
١٥ -م من الآية ٤١ من سورة الكهف..

### الآية 2:20

> ﻿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:20]

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ٢٠ )
ويكاد فعل ينفي المعنى مع إيجابه ويوجبه مع النفي، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخطف الانتزاع بسرعة. 
واختلفت القراءة في هذه اللفظة( [(١)](#foonote-١) ) فقرأ جمهور الناس :**«يَخْطَف أبصارهم »** بفتح الياء والطاء وسكون الخاء، على قولهم في الماضي خطف بكسر الطاء وهي أفصح لغات العرب، وهي القرشية. 
وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب :**«يَخْطِف »** بفتح الياء وسكون الخاء وكسر الطاء على قول بعض العرب في الماضي **«خَطَف »** بفتح الطاء، ونسب المهدوي هذه القراءة إلى الحسن وأبي رجاء، وذلك وهم. 
وقرأ الحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري وقتادة :**«يَخِطِّف »** بفتح الياء وكسر الخاء والطاء وتشديد الطاء، وهذه أصلها **«يختطف »** أدغمت التاء في الطاء وكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. 
وحكى ابن مجاهد قراءة لم ينسبها إلى أحد **«يَخَطِّف »** بفتح الياء والخاء وتشديد الطاء المكسورة. 
قال أبو الفتح :**«أصلها يختطف نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت التاء في الطاء »**. 
وحكى أبو عمرو الداني عن الحسن أيضاً، أنه قرأ **«يَخَطَّف »** بفتح الياء والخاء والطاء وشدها. 
وروي أيضاَ عن الحسن والأعمش **«يخطِّف »** بكسر الثلاثة وشد الطاء منها. وهذه أيضاً أصلها يختطف أدغم وكسرت الخاء للالتقاء وكسرت الياء إتباعاً. 
وقال عبد الوارث :**«رأيتها في مصحف أبي بن كعب »** يَتَخَطَّف **«بالتاء بين الياء والخاء »**. 
وقال الفراء :**«قرأ بعض أهل المدينة بفتح الياء وسكون الخاء وشد الطاء مكسورة »**. 
قال أبو الفتح :**«إنما هو اختلاس وإخفاء فيلطف عندهم فيرون أنه إدغام، وذلك لا يجوز »**. 
قال القاضي أبو محمد : لأنه جمع بين ساكنين دون عذر. 
وحكى الفراء قراءة عن بعض الناس بضم الياء وفتح الخاء وشد الطاء مكسورة. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : كأنه تشديد مبالغة لا تشديد تعدية. 
ومعنى : يكاد البرق يخطف أبصارهم  تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل  البرق  في المثل الزجر والوعيد قال يكاد ذلك يصيبهم. 
و  كلما  ظرف( [(٢)](#foonote-٢) )، والعامل فيه  مشوا  وهو أيضاً جواب  كلما ، و  أضاء  صلة ما، ومن جعل  أضاء  يتعدى قدر له مفعولاً، ومن جعله بمنزلة ضاء استغنى عن ذلك. 
وقرأ ابن أبي عبلة :**«أضا لهم »** بغير همز، وهي لغة. 
وفي مصحف أبي بن كعب :**«مروا فيه »**. 
وفي قراءة ابن مسعود **«مضوا فيه »**. 
وفي الضحاك :**«وإذا أُظلِم »** بضم الهمزة وكسر اللام، و  قاموا  معناه ثبتوا، لأنهم كانوا قياماً، ومنه قول الأعرابي :**«وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره »**( [(٣)](#foonote-٣) ) يريد أثبت الدهر، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عباس وغيره كلما سمع المنافقون القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم. 
وروي عن ابن مسعود أن معنى الآية : كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النعم قالوا دين محمد دين مبارك. وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة سخطوه وثبتوا في نفاقهم. ( [(٤)](#foonote-٤) )
وقال قوم : معنى الآية : كلما خفي عليكم نفاقهم وظهر لكم منهم الإيمان مشوا فيه، فإذا افتضحوا عندكم قاموا، ووحد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع. 
وحكى النقاش أن من العلماء من قرأ بأسماعهم. 
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة :**«ولو شاء الله لأذهب أسماعهم وأبصارهم »** وخص الأسماع والأبصار لتقدم ذكرها في الآية. ويشبه هذا المعنى في حال المنافقين أن الله لو شاء لأوقع بهم ما يتخوفونه من الزجر والوعيد أو لفضحهم عند المؤمنين وسلط المؤمنين عليهم، وبكل مذهب من هذين قال قوم. 
وقوله تعالى : على كل شيء  لفظه العموم ومعناه عند المتكلمين على كل شيء يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه( [(٥)](#foonote-٥) ) و  قدير  بمعنى قادر، وفيه مبالغة، وخص هنا صفته التي هي القدرة بالذكر لأنه قد تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.

١ - جملة القراءات التي أشار إليها المؤلف رحمه الله: تسع، أفصحها وأصحها ما عليه السبعة، والقراءة التي حكاها الفراء عن بعض أهل المدينة لا تجوز، كما قاله أبو الفتح بن جني، والباقي شذوذ تجري عليه أحكامه..
٢ - أصلها (كل) ثم دخلت (ما) المصدرية الظرفية فأصحبت (كلما) كلمة تؤدي معنى الظرفية وتفيد التكرار في المعنى..
٣ - في الصحاح: الصعر: الميل في الخد خاصة، وقد صعر خده وصاعره: أماله من الكبر- وفي اللسان: ولأقيمن صعرك: أي ميلك على المثل- وفي حديث توبة كعب: فأنا إليه أصعر: أي أميل..
٤ - يشهد له قوله تعالى: \[ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن إصابته فتنة انقلب على وجهه\]..
٥ - فيخرج المستحيل، على أن لفظ شيء محرز، لأنه بمعنى الموجود عند أهل السنة، والمستحيل غير موجود..

### الآية 2:21

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:21]

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ٢١ )
**«يا »** حرف نداء، وفيه تنبيه، و **«أي »** هو المنادى. 
قال أبو علي :**«اجتلبت أي بعد حرف النداء فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً فكان يجتمع تعريفان، و »** ها **«تنبيه وإشارة إلى المقصود، وهي بمنزلة ذا في الواحد، و  الناس  نعت لازم لأي »**. 
وقال مجاهد : يا أيها الناس  حيث وقع في القرآن مكي، و  يا أيها الذين آمنوا  مدني. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : قد تقدم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدني  يا أيها الناس ، وأما قوله في  يا أيها الذين آمنوا  فصحيح. 
وقوله تعالى : اعبدوا ربكم ( [(١)](#foonote-١) ) معناه وحدوه وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم. ( [(٢)](#foonote-٢) )
و **«لعل »** في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى( [(٣)](#foonote-٣) ) وليست من الله تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع. 
وقال سيبويه ورؤساء اللسان : هي على بابها، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، أي إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى، و  لعلكم  متعلقة بقوله : اعبدوا ربكم ، ويتجه تعلقها بخلقكم أي لما ولد كل مولود على الفطرة فهو إن تأمله متأمل توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و  تتقون  مأخوذ من الوقاية، وأصله **«توتقيون »** نقلت حركة الياء إلى القاف وحذفت للالتقاء مع الواو الساكنة وأدغمت الواو الأولى في التاء.

١ - بعد أن ذكر سبحانه علو كتابه، ونفى الريب عن كلامه، وقسم الخلق إلى أقسام بالإضافة إلى طاعته، أقبل سبحانه على خلقه بخطابه، والتفت إلى أمرهم بعبادته، وجعل من موجبات التعلق بذاته والشكر لنعمائه: ان خلقهم أحياء قادرين، وجعل لهم الأرض فراشا، والسماء بناء، وأنزل لهم من السماء ماء، فأخرج به من أنواع الثمرات، وأصناف النباتات رزقا ينتفعون به في حياتهم، وليكون ذلك مجازا إلى النظر الموصل إلى توحيده، والاعتراف بعظمته..
٢ - كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: \[ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله\]..
٣ - والمعنى: لتتَّقوا..

### الآية 2:22

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:22]

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٢٢ )
وقوله تعالى : الذي جعل  نصب على إتباع( [(١)](#foonote-١) ) الذي المتقدم، ويصح أن يكون مرفوعاً على القطع. 
وما ذكر مكي من إضمار أعني أو مفعول ب  تتقون  فضعيف. 
وجعل بمعنى صير في هذه الآية لتعديها إلى مفعولين، و  فراشاً  معناه تفترشونها( [(٢)](#foonote-٢) ) وتستقرون عليها، وما في الأرض مما ليس بفراش كالجبال والبحار فهو من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد والبحار يركب فيها إلى سائر منافعها، و  السماء  قيل هو اسم مفرد جمعه **«سماوات »**، وقيل هو جمع واحده **«سماوة »**، وكل ما ارتفع عليك في الهواء سماء، والهواء نفسه علواً يقال له **«سماء »**، ومنه الحديث :**«خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعاً »**( [(٣)](#foonote-٣) )، واللفظة من السمو وتصاريفه. 
وقوله تعالى : بناء  تشبيه بما يفهم( [(٤)](#foonote-٤) )، كما قال تعالى : والسماء بنيناها بأييد ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ الذاريات : ٤٧ \]. 
وقال بعض الصحابة :**«بناها على الأرض كالقبة »**. 
وقوله : وأنزل من السماء  يريد السحاب، سمي بذلك تجوزاً لما كان يلي السماء ويقاربها وقد سموا المطر سماء للمجاورة، ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]. 
إذا نزل السماء بأرض قوم. . . رعيناه وإن كانوا غضابا( [(٦)](#foonote-٦) )
فتجوز أيضاً في رعيناه، فبتوسط المطر جعل السماء عشباً، وأصل  ماء  موه يدل على ذلك قولهم في الجمع مياه وأمواه، وفي التصغير مويه، وانطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك، أي هي معدة أن يصح الانتفاع بها فهي رزق( [(٧)](#foonote-٧) )، ورد بهذه الآية بعض الناس قول المعتزلة إن الرزق ما يصح تملكه، وليس الحرام برزقه، وواحد الأنداد ند( [(٨)](#foonote-٨) )، وهو المقاوم والمضاهي كان مثلاً أو خلافاً أو ضداً، ومن حيث قاوم وضاهى فقد حصلت مماثلة ما. 
وقال أبو عبيدة معمر والمفضل : الضد الند، وهذا التخصيص منهما تمثيل لا حصر. 
واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية ؟ فقالت جماعة من المفسرين : المخاطب جميع المشركين : فقوله على هذا : وأنتم تعلمون ( [(٩)](#foonote-٩) ) يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقيل المراد كفار بني إسرائيل، فالمعنى تعلمون من الكتب التي عندكم أن الله لا ند له. 
وقال ابن فورك :**«يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين »** فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أنداداً بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد( [(١١)](#foonote-١١) ). وهذه الآية تعطي( [(١٢)](#foonote-١٢) ) أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ بطرق من جعل لله نداً، عصمنا الله تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه وطوله، لا رب غيره

١ - الأوضح أنه نعت للرب..
٢ - قال جار الله الزمخشري "إن قلت: هل في قوله تعالى: \[الذي جعل لكم الأرض فراشا\] دليل على أن الأرض مسطحة، وليست كروية؟ قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها، وسواء كانت على شكل السطح، أو شكل الكرة، فالافتراش غير مستنكر، ولا مدفوع، لعظم حجمها، واتساع جرمها، وتباعد أطرافها، والمراد أن كروية الشكل لا تمنع أن تكون فراشا لبني آدم، لأن ذلك باعتبار مجموعها، وهي في حد ذاتها واسعة الأطراف، وبعيدة الأكناف حتى كأنها مسطحة"..
٣ - زيادة (في السماء) لا توجد في الروايات المشهورة، والحديث رواه الشيخان، والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه..
٤ - أي كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، المتماسك بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مدارتها، فهي كالقبة المضروبة على الأرض. وقد جعل الله بين المقلة والمظلة علاقة ورابطة كرابطة النكاح، بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من ألوان الثمار وأصناف النبات، رزقا لبني آدم..
٥ - من الآية ٤٧ من سورة الذاريات..
٦ - هذا البيت مشهور، يمثل به علماء البيان للاستخدام حيث أطلق السماء على المطر بقرينة النزول، ثم أعيد الضمير على السماء بمعنى العشب والنبات. والبيت لمعاوية بن مالك الملقب (بمعود الحكماء) يقول في هذه القصيدة: 
 أعود مثلها الحكماء بعدي إذا ما الحق في الحدثان نابا
 ومعنى البيت الذي ذكره ابن عطية: إذا نزل المطر بأرض قوم فأخصبت وبقيت أرضنا جدباء، ذهبنا فرعينا أرضهم، وإن غضب أهلها لم نهتم بغضبهم لأننا أعزة وأقوياء..
٧ - سبق أن قلنا إن الخلاف القائم بين أهل السنة والمعتزلة منشؤه: هل الرزق ما يصح الانتفاع به أو ما يصح تملكه؟ وهذه الآية ترد على المعتزلة من حيث أن الله سبحانه أطلق الرزق على ما ينتفع به في المستقبل قبل تملكه..
٨ - روى ابن حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادا) قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفوة سوداء في ظلمة الليل- ومن الشرك أن تقول: لولا الله وفلان لوقع كذا- أو ما شاء الله وشاء فلان- أو والله وحياتك يا فلان، أخرج البخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: (جعلتني لله ندا، ما شاء الله وحده). وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك)..
٩ - وفي قوله تعالى: \[وأنتم تعلمون\] دليل على اعتبار العلم. واستعمال العقل، واجتناب التقليد الوتبعية..
١٠ - لأنها إنما أثبتت شيئا خاصا من العلم، وهو إنعام الله عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، فلا ينافي قوله تعالى سابقا، (ولكن لا يعلمون)- (ولكن لا يشعرون)..
١١ - هذا أولى الأقوال وأحسنها، فالمراد بالناس في الآية كافة المكلفين من مؤمنين وكافرين، وطلب العبادة من المؤمنين طلب إدامتها والثبات عليها. وطلبها من الكافرين طلب إيجادها وابتدائها..
١٢ - قال الإمام (ق): ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى: (والله لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسال أحدا أعطاه أو منعه)، أخرجه الإمام مسلم، ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها- فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا- وقال علماء الصوفية: بين الله في هذه الآية سبيل الفقر، وهو أن تجعل الأرض وطاء، والسماء غطاء، والماء طيبا، والكلأ طعاما، ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله عز وجل قد أتاح لك ما لا بد لك منه من غير منة فيه لأحد عليك اهـ، وليس المراد من قول الصوفية أن تترك العمل، بل أن تترك التعلق والتملق، ولو أدى بك الحال إلى أن تفترش الأرض، وتتغطى بالسماء..

### الآية 2:23

> ﻿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:23]

قوله عز وجل :( [(١)](#foonote-١) )
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( ٢٣ )
الريب الشك، وهذه الآية تقتضي أن الخطاب( [(٢)](#foonote-٢) ) المتقدم إنما هو لجماعة المشركين الذي تحدوا، وتقدم تفسير لفظ سورة في صدر هذا التعليق. وقرأ يزيد بن قطيب :**«أنزلنا »** بألف. 
واختلف المتأولون على من يعود الضمير في قوله  مثله  : فقال جمهور العلماء : هو عائد على القرآن ثم اختلفوا. فقال الأكثر : من مثل نظمه ورصفه وفصاحة معانيه التي يعرفونها ولا يعجزهم إلا التأليف الذي خُصَّ به القرآن، وبه وقع الإعجاز على قول حذاق أهل النظر. ( [(٣)](#foonote-٣) )
وقال بعضهم : من مثله  في غيوبه وصدقه وقدمه، فالتحدي عند هؤلاء وقع بالقدم( [(٤)](#foonote-٤) )، والأول أبين و  من  على هذا القول زائدة، أو لبيان الجنس، وعلى القول الأول هي للتعبيض، أو لبيان الجنس. 
وقالت فرقة : الضمير في قوله  من مثله  عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا. 
فقالت طائفة : من أمي صادق مثله. 
وقالت طائفة : من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله على زعمكم أيها المشركون. 
وقالت طائفة : الضمير في  مثله  عائد على الكتب القديمة التوراة والإنجيل والزبور. ( [(٥)](#foonote-٥) )
وقوله تعالى : وادعوا شهداءكم  معناه دعاء استصراخ، والشهداء من شهدهم وحضرهم من عون ونصير، قاله ابن عباس. وقيل عن مجاهد : إن المعنى دعاء استحضار. 
والشهداء جمع شاهد، أي من يشهد لكم أنكم عارضتم، وهذا قول ضعيف. 
وقال الفراء : شهداؤهم يراد بهم آلهتهم. 
وقوله تعالى : إن كنتم صادقين  أي فيما قلتم من الريب. هذا قول بعض المفسرين. 
وقال غيره : فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة. ويؤيد هذا القول أنه قد حكى عنهم في آية أخرى : لو نشاء لقلنا مثل هذا ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الأنفال : ٣١ \].

١ - \[وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله\] لما ذكر سبحانه الأدلة على وحدانيته وربوبيته، ورسم الطريق إلى إثباتها، وإقامة الحجة عليها، عطف على ذلك الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وأراهم كيف يتعرفون قضية الوحي أهو من عند الله كما يدعي أم هو من عند نفسه كما يدعون – بإرشادهم إلى معارضته، والإتيان بسورة من مثله.
 ويعم ذلك كل سورة في القرآن، طويلة كانت أم قصيرة، لأنها نكرة في سياق الشرط فنعم، كما هو مقرر في محله. فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فكل (سورة) معجزة لا يستطيع البشر معارضتها. قال الإمام الشاففعي رحمه الله: "لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم \[والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر\]..
٢ - أي قوله تعالى: \[يأيها الناس اعبدوا ربكم\] الآية، وسبق أنها دعوة عامة..
٣ - وهذا الوجه أعني بلوغ القرآن في الفصاحة والبلاغة إلى حد خرج عن طوق البشر كاف وحده في الإعجاز، وقد انضم إلى ذلك وجوه أخرى، كإخباره عن الأمور الغائبة التي ظهرت كما أخبر – وككونه لا يمله السمع، لحلاوته وإن تكرر- وكجمعه لعلوم لم تكن معهودة لا عند العرب، ولا عند العجم- وكإنبائه عن الوقائع الحالية، وأحوال الأمم الماضية، والحال أن الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، لاستغنائه عن ذلك بالوحي، ومن الوجوه المعجزة كما قاله بعض علماء الشيعة: كونه قاهرا لمن يُقاومه، وغالبا على من يغالبه، ونافذا في إزهاق من يخالفه- وكونه مؤثرا في إيجاد الأمة، وبناء الشريعة، ونفوذ الحكم، وثبوت الكلمة، لما جعل الله فيه من النور والهداية والرحمة- ومن تدبر القرآن، وجد فيه من وجوه الإعجاز، فنونا ظاهرة، وخفية، من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى- كل ذي حجر، وسواه من المعجزات انقضى بانقضاء وقته، فلم يبق منه إلا الخبر..
٤ - أي: وما ذكر معه..
٥ - يعني فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تُصدِّق ما فيه..
٦ - من الآية ٣١ من سورة الأنفال..

### الآية 2:24

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [2:24]

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ( ٢٤ )
وقوله تعالى : فإن لم تفعلوا ، دخلت ****«إن »**** على  لم  لأن  لم تفعلوا  معناه تركتم الفعل، ف ****«إن »**** لا تؤثر كما لا تؤثر في الماضي من الأفعال، و  تفعلوا  جزم ب  لم ، وجزمت ب  لم  لأنها أشبهت **«لا »** في التبرية في أنهما ينفيان، فكما تحذف لا تنوين الاسم كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة من الفعل. ( [(١)](#foonote-١) )
وقوله : ولن تفعلوا  نصبت  لن ، ومن العرب من تجزم بها، ذكره أبو عبيدة، ومنه بيت النابغة على بعض الروايات :\[ البسيط \]
فلن أعرّضْ أبيت اللعن بالصفد( [(٢)](#foonote-٢) ). . . وفي الحديث في منامة عبد الله بن عمر فقيل لي :**«لن ترعْ »**( [(٣)](#foonote-٣) ) هذا على تلك اللغة، وفي قوله : لن تفعلوا  إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها. 
وقوله تعالى : فاتقوا النار ، أمر بالإيمان وطاعة الله خرج في هذه الألفاظ المحذرة. ( [(٤)](#foonote-٤) )
وقرأ الجمهور :**«وَقودها »** بفتح الواو( [(٥)](#foonote-٥) ). وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وأبو حيوة :**«وقودها »** بضم الواو في كل القرآن، إلا أن طلحة استثنى الحرف الذي في البروج، وبفتح الواو هو الحطب وبضمها هو المصدر، وقد حكيا جميعاً في الحطب وقد حكيا في المصدر. 
قال ابن جني :**«من قرأ بضم الواو فهو على حذف مضاف تقديره ذو وقودها، لأن الوقود بالضم مصدر، وليس بالناس، وقد جاء عنهم الوقود بالفتح في المصدر، ومثله ولعت به »** لوعاً **«بفتح الواو، وكله شاذ، والباب هو الضم »**. 
وقوله : الناس  عموم معناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء بدخولها. 
وروي عن ابن مسعود في  الحجارة  أنها حجارة الكبريت( [(٦)](#foonote-٦) ) وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الاتقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. 
وفي قوله تعالى : أعدت ( [(٧)](#foonote-٧) ) رد على من قال : إن النار لم تخلق حتى الآن، وهو القول الذي سقط فيه منذر بن سعيد( [(٨)](#foonote-٨) ) البلوطي الأندلسي، وذهب بعض المتأولين إلى أن هذه النار المخصصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة، وأن غيرها هي للعصاة. ( [(٩)](#foonote-٩) )
وقال الجمهور : بل الإشارة إلى جميع النار لا إلى نار مخصوصة، وإنما ذكر الكافرين ليحصل المخاطبون في الوعيد، إذ فعلهم كفر، فكأنه قال أعدت لمن فعل فعلكم، ، وليس يقتضي ذلك أنه لا يدخلها غيرهم. ( [(١٠)](#foonote-١٠) )
وقرأ ابن أبي عبلة :**«أَعدَّها الله للكافرين »**.

١ - أي: والعامل لا يدخل في العامل، ولكن لما كانت (إن) لا تؤثر كما لا تؤثر في الماضي من الأفعال سهل دخولها على (لم)، والمعنى فإن تركتم الفعل إلخ. وقد جاء في (البحر المحيط)(١-١٦٠): "وفي كتاب ابن عطية تعليل غريب لعمل (لم) الجزم: قال: وجزمت (لم)..." إلخ كلام ابن عطية هنا..
٢ - وفي بعض الروايات الأخرى: (فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد) وأول البيت: 
 هذا الثناء فإن تسمع به حسنا
 و(أبيت اللعن) نوع من التحية- فكأنه قال: أبيت أن تفعل ما تلعن عليه من الأمور، و(الصفد): العطاء. والنابغة هو زياد بن معاوية..
٣ - أخرجه الإمام البخاري في باب "فضل قيام الليل"- وفي مناقب ابن عمر- وأخرجه الإمام مسلم كذلك في فضائل ابن عمر، وروي الحديث بلم وبلن مجزوما على لغة قليلة حكاها الكسائي..
٤ - اتقاء النار: كناية عن ترك العناد، وترك العناد قد يؤدي إلى الإيمان بالله والرسول، والطاعة لله والرسول، أي إذا استبنتم العجز فآمنوا وأطيعوا اتقاء للنار التي وقودها الناس والحجارة، والكناية باب من أبواب البلاغة، وفائدتها الإيجاز الذي هو حلية القرآن..
٥ - أي: (الواو) الأولى في (وقود)..
٦ - أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: إن الحجارة التي ذكرها الله في القرآن في قوله \[وقودها الناس والحجارة\] حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء.
 وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله. وأخرج ابن جرير أيضا عن عمرو ابن ميمون مثله. وأخرج الإمام أحمد والإمام مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم). 
 قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: (فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها)، انتهى..
٧ - أي هُيِّئت، فهي مخلوقة من الآن، وكذلك الجنة، وهذا هو رأي أهل السنة والجماعة، لأن الإعداد لا يكون إلا للموجود..
٨ - هو منذر بن سعيد القاضي الأندلسي المعروف بالبلوطي من موضع يعرف بفحص البلوط من نواحي قرطبة، يكنى أبا الحكم. كان عالما بالقرآن، وحافظا لما قالت العلماء في تفسيره، وأحكامه، ووجوه حلاله وحرامه، كثير التلاوة له، حاضر الشاهد لآياته، وله فيه كتب منها كتاب "الأحكام"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ" قال عنه أبو حيان التوحيدي في تفسيره: "البحر المحيط"١/١٠٨-١٠٩-: "وكان معتزليا في أكثر الأصول، ظاهرا في الفروع، وسرى إليه ذلك من قول كثير من المعتزلة-، ولي قضاء الجماعة بقرطبة سنة ٣٣٨هـ وتوفي سنة ٣٥٥هـ. وكان خطيبا بليغا، وشاعرا محسنا. انظر ترجمته في "نفح الطيب"..
٩ - قال جار الله الزمخشري: فإن قلت: أنار الجحيم كلها موقدة بالناس والحجارة، أم هي نيران شتى، منها نار بهذه الصفات؟ قلت: بل هي نيران شتى منها نار توقد بالناس والحجارة يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى: \[قوا أنفسكم وأهليكم نارا\]، \[فأنذرتكم نارا تلظى\]، ولعل لكفار الجن وشياطينهم نار وقودها الشياطين، كما أن لكفرة الإنس نار وقودها هم، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب..
١٠ - من ذلك قوله تعالى: \[وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا\]..

### الآية 2:25

> ﻿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:25]

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٢٥ )
 بشر  مأخوذ من البشرة لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثر في بشرة الوجه، والأغلب استعمال البشارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيدة به منصوصاً على الشر المبشر به، كما قال تعالى : فبشرهم بعذاب أليم  \[ آل عمران : ٢١، التوبة، ٣٤، الانشقاق : ٢٤ \] ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير( [(١)](#foonote-١) )، وفي قوله تعالى : وعملوا الصالحات  رد على من يقول إن لفظة الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات( [(٢)](#foonote-٢) ) لأنه لو كان ذلك ما أعادها. 
و  أن  في موضع نصب ب  بشرِّ  وقيل في موضع خفض على تقدير باء الجر و  جنات  جمع جنة، وهي بستان الشجرة والنخيل، وبستان الكرم يقال له الفردوس، وسميت جنة لأنها تجن من دخلها أي تستره، ومنه المجن والجنن( [(٣)](#foonote-٣) ) وجن الليل، و  من تحتها  معناه من تحت الأشجار التي يتضمنها ذكر الجنة وقيل قوله  من تحتها  معناه بإزائها كما تقول داري تحت دار فلان وهذا ضعيف، و  الأنهار  المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة، لأنها لفظة مأخوذة من أنهرت أي سعت، ومنه قول قيس بن الخطيم :\[ الطويل \]. 
ملكت بها كفي فأنْهَرْتَ فَتْقَها. . . يَرَى قَائِمٌ من دونِها ما وراءَها
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«ما أنهر الدم وذكرَ اسمُ الله عليه فكلوه »** معناه ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهر ونسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء وحده تجوزاً( [(٤)](#foonote-٤) )، كما قال  واسأل القربة  \[ يوسف : ٨٢ \] وكما قال الشاعر :\[ مهلهل أخو كليب \] \[ الكامل \]
نُبِّئْتُ أن النارَ بعدَك بعدَك أوقدتْ. . . واستبّ بعدك يا كليبُ المجلسُ( [(٥)](#foonote-٥) )
وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح أرض الجنة منضبطة، وقوله : كلما  ظرف يقتضي الحصر وفي هذه الآية رد على من يقول : إن الرزق من شروطه التملك. 
قال القاضي أبو محمد : ذكر هذا بعض الأصوليين وليس عندي ببين( [(٦)](#foonote-٦) )، وقولهم  هذا  إشارة إلى الجنس أي : هذا من الجنس الذي رزقنا منه من قبل( [(٧)](#foonote-٧) )، والكلام يحتمل أن يكون تعجباً وهو قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون خبراً من بعضهم لبعض، قاله جماعة من المفسرين. 
وقال الحسن ومجاهد :**«يرزقون الثمرة ثم يرزقون بعدها مثل صورتها والطعم مختلف فهم يتعجبون لذلك ويخبر بعضهم بعضاً »**. 
وقال ابن عباس :**«ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة »**. 
وقال بعض المتأولين :**«المعنى أنهم يرون الثمر فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون : هذا الذي رزقنا من قبل  في الدنيا »**. 
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن عباس الذي قبل هذا يرد على هذا القول بعض الرد. 
وقال بعض المفسرين :**«المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله منتجز »**. 
وقال قوم : إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيء خرج في الحين في موضعه مثله فهذا إشارة إلى الخارج في موضع المجني. 
وقرأ جمهور الناس :**«وأُتُوا »** بضم الهمزة وضم التاء. 
وقرأ هارون الأعور :**«وأَتَوا »** بفتح الهمزة والتاء والفاعل على هذه القراءة الولدان والخدام، و **«أتوا »** على قراءة الجماعة أصله أتيوا نقلت حركة الياء إلى التاء ثم حذفت الياء للالتقاء. 
وقوله تعالى : متشابهاً  قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم :**«معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم »**. 
وقال عكرمة :**«معناه يشبه ثمر الدنيا في المنظر ويباينه في جل الصفات »**. 
وقوله تعالى : متشابهاً  معناه خيار لا رذل( [(٨)](#foonote-٨) ) فيه، كقوله تعالى : كتاباً متشابهاً ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ الزمر : ٢٣ \]. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : كأنه يريد متناسباً في أن كل صنف هو أعلى جنسه فهذا تشابه ما، وقيل  متشابهاً  أي مع ثمر الدنيا في الأسماء لا في غير ذلك من هيئة وطعم، و  أزواج  جمع زوج والمرأة زوج الرجل والرجل زوج المرأة ويقال في المرأة زوجة ومنه قول الفرزدق :\[ الطويل \]
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي. . . كساع إلى أُسْد الشرى يستبيلُها( [(١٠)](#foonote-١٠) )
وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها :**«والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم »**. ذكر البخاري وغيره الحديث بطوله( [(١١)](#foonote-١١) ). و  مطهرة  أبلغ من طاهرة، ومعنى هذه الطهارة من الحيض والبزاق( [(١٢)](#foonote-١٢) ) وسائر أقذار الآدميات، وقيل من الآثام. والخلود الدوام في الحياة أو الملك ونحوه وخلد بالمكان إذا استمرت إقامته فيه، وقد يستعمل الخلود مجازاً فيما يطول، وأما هذا الذي في الآية فهو أبدي حقيقة.

١ - نقل أبو حيان في تفسيره هذا الكلام عن ابن عطية، ثم قال: "وتقدم لنا ما يخالف كلامه من قول سيبويه وغيره، وأن البشارة أول خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شر- قالوا: وسمي بذلك لتأثيره في البشرة، فإن كان خيرا أثر المسرة والانبساط، وإن كان شرا أثر القبض والانكماش، قال تعالى: \[يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان\] وقال تعالى: \[فبشرهم بعذاب أليم\]اهـ. البحر المحيط ١/١١١..
٢ - أي: تكفي من دون عمل، وقد اشتهرت فرقة المُرجئة بهذا الرأي، والحق أن الجنة تُنال بالإيمان والعمل الصالح، كما صرحت بذلك الآيات، ورأى ابن عطية أن الإيمان وحده لا يقتضي فعل الطاعة كما هو واضح. راجع (البحر المحيط١/١١١)..
٣ - الجَنَن: القبر، والمِجَنُّ: التُّرْس..
٤ - فسر ابن عطية الأنهار بأنها "المياه في مجاريها" –ثم قال بعد ذلك: " ونسب الجري إلى النهر، وإنما يجري الماء وحده تجوزا".
 وجاء أبو حيان فنسب هذا الكلام لابن عطية، ثم علق عليه ناقدا له في تفسيره "البحر المحيط ١/١١٣". فقال: "وناقض قوله هذا ما شرح به الأنهار قبله بنحو خمسة أسطر". اهـ. والذي يبدو لنا أن كلام أبي حيان في تعليقه يكون صحيحا، ويكون نظرا دقيقا لو أن ابن عطية فسر الأنهار بأنها (المياه وحدها)- لكن الحقيقة أن ابن عطية فسر الأنهار (بأنها المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة) ثم قال: إن الذي يجري هو الماء (وحده)- فلا تناقض إذا..
٥ - هو لمهلهل قاله يرئي أخاه كليبا- وقوله: "المجلس" أي "أهل المجلس". وفي رواية: 
 ذهب الخيار من المعاشر كلهم واسْتبَّ بعدك يا كـــليب المجلس
 وتقاولوا في أمر كل عـظيمة لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسو.
٦ - لأن هذا الرزق في الحياة الآخرة، وكذلك القول هو في الآخرة، فلا يظهر فيه الاستدلال..
٧ - لأبي حيان في "البحر المحيط ١/١١٥" تعليق لطيف قال فيه: "وليس \[هذا\] إشارة إلى الجنس، بل \[هذا\] إشارة إلى الرزق، وكيف يكون إشارة إلى الجنس وقد فسر قوله بعد: من الجنس الذي زقناه من قبل، فكأنه قال: هذا الجنس من الجنس الذي رزقنا من قبل"؟ ثم قال أبو حيان: "ولعل الناقل صحف مثل بمن". يعني لعلها كانت في الأصل (مثل) فنقلها الناقل (من)- ويكون أصل الكلام: "هذا مثل الجنس الذي رزقنا من قبل" اهـ..
٨ - الرَّذْل الدنيء الخسيس. وضد الجيد، جمعه رذول، ورذلاء..
٩ - من الآية ٢٣ من سورة (الزمر)..
١٠ - الشرى: مأسدة إلى جانب الفرات يضرب بها المثل، وقوله يستبيلها بالباء: أي يأخذ بولها في يده..
١١ - ذكره في باب "فضل عائشة" من كتاب المناقب، وفي كتاب "الفتن"..
١٢ - البزاق هو البصاق- والبزق والبصق لغتان في البزاق والبصاق..

### الآية 2:26

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [2:26]

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ( ٢٦ )
ذكر المفسرون أنه لما ضرب الله تعالى المثلين المتقدمين في السورة قال الكفار : ما هذه الأمثال ؟ الله عز وجل أجل من أن يضرب هذه أمثالاً، فنزلت الآية. 
وقال ابن قتيبة :**«إنما نزلت لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال قوم :**«هذه الآية مثل للدنيا »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا ضعيف يأباه رصف الكلام واتساق المعنى. و  يستحيي  أصله يستحيي، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت. 
وقرأ ابن كثير في بعض الطرق عنه، وابن محيصن وغيرهما **«يستحي »** بكسر الحاء، وهي لغة تميم، نقلت حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ثم استثقلت الضمة على الياء الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء. ( [(٣)](#foonote-٣) )
واختلف المتأولون في معنى : يستحيي  في هذه الآية. فرجح الطبري أن معناه يخشى. وقال غيره. معناه يترك وهذا هو الأولى. ومن قال يمتنع أو يمنعه الحياء فهو يترك أو قريب منه. ولما كان الجليل القدر في الشاهد لا يمنعه من الخوض في نازل القول إلا الحياء من ذلك، رد الله بقوله : إن الله لا يستحيي  على القائلين كيف يضرب الله مثلاً بالذباب ونحوه، أي إن هذه الأشياء ليست من نازل القول، إذ هي من الفصيح في المعنى المبلغ أغراض المتكلم إلى نفس السامع، فليست مما يستحيى منه. 
وحكى المهدوي أن الاستحياء في هذه الآية راجع إلى الناس، وهذا غير مرضي. 
وقوله تعالى : أن يضرب ،  أن  مع الفعل في موضع نصب، كأنها مصدر في موضع المفعول، ومعنى  يضرب مثلاً  يبين ضرباً من الأمثال أي نوعاً، كما تقول : هذا من ضرب هذا، والضريب المثيل. ويحتمل أن يكون مثل ضرب البعث، وضرب الذلة، فيجيء المعنى( [(٤)](#foonote-٤) ) أن يلزم الحجة بمثل( [(٥)](#foonote-٥) )، و  مثلاً  مفعول، فقيل هو الأول، وقيل هو الثاني، قدم وهو في نية التأخير، لأن **«ضرب »** في هذا المعنى يتعدى إلى مفعولين. ( [(٦)](#foonote-٦) )
واختلفوا في قوله : ما بعوضة  فقال قوم : ما  صلة زائدة لا تفيد إلا شيئاً من تأكيد، وقيل ما نكرة في موضع نصب على البدل من قوله  مثلاً ، و  بعوضة  نعت ل  ما ، فوصفت ما بالجنس المنكر لإبهامها. حكى المهدوي هذا القول عن الفراء والزجاج وثعلب. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وقيل غير هذا مما هو تخليط دعا إليه الظن  أن يضرب  إنما يتعدى إلى مفعول واحد. 
وقال بعض الكوفيين : نصب  بعوضة  على تقدير إسقاط حرف الجر، والمعنى أن يضرب مثلاً ما من بعوضة. 
وحكي عن العرب :**«له عشرون ما ناقة فجملاً »**، وأنكر أبو العباس هذا الوجه. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والذي يترجح أن  ما  صلة مخصصة كما تقول جئتك في أمر ما فتفيد النكرة تخصيصاً وتقريباً( [(٧)](#foonote-٧) )، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :\[ الخفيف \]
سلع ما ومثله عشر ما. . . عائل ما وعالت البيقورا( [(٨)](#foonote-٨) )
وبعوضة على هذا مفعول ثان. 
وقال قوم : ما  نكرة، كانه قال شيئاً. والآية في هذا يشبهها قول حسان بن ثابت :\[ الكامل \]. 
فكفى بنا فضلاً على من غيرنا. . . حبُّ النبيِّ محمدٍ إيّانا( [(٩)](#foonote-٩) )
قال القاضي أبو محمد : وقد تقدم نظير هذا القول( [(١٠)](#foonote-١٠) )، والشبه بالبيت غير صحيح عندي، والبعوضة فعولة من بعض إذا قطع اللحم، يقال بضع وبعض بمعنى، وعلى هذا حملوا قول الشاعر( [(١١)](#foonote-١١) ) :\[ الوافر \]. 
لنعمَ البيتُ بيتُ أبي دثارٍ. . . إذا ما خاف بعضُ القومِ بَعْضا
وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج :**«بعوضةٌ »** بالرفع. 
قال أبو الفتح : وجه ذلك أن **********«ما »********** اسم بمنزلة **«الذي »**، أي لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلاً، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ، ومثله قراءة بعضهم :**«تماماً على الذي أحسن »** أي على الذي هو أحسن. 
وحكى سيبويه ما أنا بالذي قائل لك شيئ( [(١٢)](#foonote-١٢) )ً، أي هو قائل. 
وقوله تعالى : فما فوقها  من جعل  ما  الأولى صلة زائدة، ف **********«ما »********** الثانية عطف على بعوضة، ومن جعل  ما  اسماً ف **********«ما »********** الثانية عطف عليها. 
وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما :**«المعنى فما فوقها في الصغر »**. 
وقال قتادة وابن جريج وغيرهما :**«المعنى في الكبر »**. 
قال القاضي أبو محمد : والكل محتمل، والضمير في  أنه ، عائد على المثل. 
واختلف النحويون في  ماذا ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) : فقيل هي بمنزلة اسم واحد، بمعنى أي شيء أراد الله، وقيل **********«ما »********** اسم **«وذا »** اسم آخر بمعنى الذي، ف **********«ما »********** في موضع رفع بالابتداء، و ****«ذا »**** خبره، ومعنى كلامهم هذا الإنكار بلفظ الاستفهام. 
وقوله : مثلاً  نصب على التمييز، وقيل على الحال من ****«ذا »**** في  بهذا ، والعامل فيه الإشارة والتنبيه. 
واختلف المتأولون في قوله تعالى : يضل به كثيرا ويهدي به كثيراً ( [(١٤)](#foonote-١٤) ) فقيل هو من قول الكافر( [(١٥)](#foonote-١٥) )، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى ؟ وقيل بل هو خبر من الله تعالى( [(١٦)](#foonote-١٦) ) أنه يضل بالمثل الكفار الذين يعمون به، ويهدي به المؤمنين الذين يعلمون أنه الحق. وفي هذا رد على المعتزلة في قولهم :**«إن الله لا يخلق الضلال »** ولا خلاف أن قوله تعالى : وما يضل به إلا الفاسقين ( [(١٧)](#foonote-١٧) ) من قول الله تعالى. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون قوله تعالى : ويهدي به كثيراً  إلى آخر الآية رداً من الله تعالى على قول الكفار  يضل به كثيراً  والفسق الخروج عن الشيء. يقال فسقت الفارة إذا خرجت من جحرها، والرطبة إذا خرجت من قشرها، والفسق في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان، وقراءة جمهور الأمة في هذه الآية :****«يُضل »**** بضم الياء فيهما. 
وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه قرأ **«يَضل »** بفتح الياء **«كثيرٌ »** بالرفع **«ويهدي به كثير. وما يضل به إلا الفاسقون »** بالرفع( [(١٨)](#foonote-١٨) ). 
قال أبو عمرو الداني :**«هذه قراءة القدرية وابن أبي عبله من ثقات الشاميين ومن أهل السنة، ولا تصح هذه القرءة عنه، مع أنها مخالفة خط المصحف »**. 
وروي عن ابن مسعود أنه قرأ في الأولى :****«يُضل »**** بضم الياء وفي الثانية **«وما يَضل »** بفتح الياء **«به إلا الفاسقون »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه قراءة متجهة لولا مخالفتها خط المصحف المجمع عليه.

١ - إنما أنكروا ذلك لأنهم أخذوا بمجرد الظاهر، ولم ينظروا في المراد من الخطاب، وهذا عدم فقه منهم للغرض المقصود، ولذلك كان إذا نفي الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الخطاب، وعدم اعتبارهم للمراد منه، كما قال تعالى: \[ذلك بأنهم قوم لا يفقهون\] وإذا أثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه وهو باطنه، كما قال تعالى: \[فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم\] فما استنكره اليهود أو المنافقون من ضرب المثل بالمحقرات من الأشياء ليس موضعا للاستنكار، من حيث أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به عظيما، وإن كان المتمثل له حقيرا كان المتمثل به كذلك، فعظم المثل وحقارته شيء يستدعيه حال المتمثل له، كما أشار إليه الزمخشري، ولذلك رد الله عليهم بقوله: \[إن الله لا يستحي\]الآية..
٢ - صاحب هذا القول يقول: إنه مثل ضربه الله للدنيا وأهلها، فإن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، كذلك هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل إذا امتلؤوا من الدنيا ريا أخذهم الله عند ذلك ثم تلا: \[فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء\] هكذا رواه ابن جرير، وضعف ابن عطية هذا القول، وهو كذلك، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم جناح البعوضة مثلا للدنيا في حديث سهل بن سعد (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء)..
٣ - قيل: المحذوف الأولى، وهي عين الكلمة، وقيل: الثانية وهي لام الكلمة- خلاف مذكور في محله..
٤ - أي معنى الآية، فمعنى (أن يضرب مثلا) أن يلزم الحجة بمثل..
٥ - الحياء بمعناه في اللغة لا يصح نسبته إلى الله تعالى، وكل ما لا يصح نسبته إلى الله تعالى فمختلف في تأويله، منهم من قال نؤمن به إجمالا ونكل عمله إلى الله تعالى، وأهل التأويل اختلفوا في تفسير الاستحياء في الآية، والأقوال المذكورة كلها تتقارب في المعنى، وأهل التأويل اختلفوا في تفسير الاستحياء في الآية، والأقوال المذكورة كلها تتقارب في المعنى، وكلها من ثمرات الحياء، ثم إنه ليس انتفاء الشيء عن الله تعالى مما يدل على صحة نسبته إليه كما ذهب إليه القاضي أبو بكر الطيب رحمه الله، بل الحق أن كل أمر مستحيل على الله تعالى يصح أن ينفى عنه، وبذلك نزل القرآن وجاءت السنة، ألا ترى إلى قوله تعالى: \[لا تأخذه سنة ولا نوم\] \[لم يلد ولم يولد\] \[ما اتخذ الله من ولد\] \[وهو يطعم ولا يطعم\] فالإخبار بانتفاء هذه الأشياء هو الصدق المحض، وهو الحق المبين..
٦ - ضرب، يمكن أن تفسر بذكر أو بين، ويمكن أن تفسر بجعل، فالمعنى الأول يتعدى إلى واحد، والثاني إلى اثنين..
٧ - قال أبو (ح): والذي نختاره من هذه الأعاريب: أن \[ضرب\] يتعدى إلى واحد، وذلك الواحد هو \[مثلا\]، لقوله تعالى: \[ضرب مثل\] ولأنه مقدم في التركيب، وصالح لأن ينتصب بيضرب، و\[ما\] صفة تزيد النكرة شيوعا، لأن زيادتها في هذا الموضع لا تنقاس، و\[بعوضة\] بدل لأن عطف البيان، مذهب الجمهور فيه أنه لا يكون في النكرات، ولأن الصفة بأسماء الأجناس لا تنقاس اهـ..
٨ - كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء في السنة الآزمة جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء، لأن الله تعالى يرحمها بسبب ذلك بزعمهم. وقد قال أمية بن أبي الصلت الثقفي في ذلك:
 سنة ازمة تــــــخــــيل للــــنا س نرى للعـــضاة فـــيها صريرا
 لا على كوكب بنوء ولا ريـــــــــــــــــــح جنوب ولا ترى طخرورا
 ويسوقون باقر السهل للــــطــو د مـهــــازيل خشــية أن تــبــورا
 عاقدين النيران في هــلـب الأذ نـــاب مـــنها لكي تهـــيج بحورا
 سلع ما ومثـــــــله عــــشر مــا عـــائل ما وعالــت البـــيـــقورا
 ومعنى "عالت البيقورا" أن البقر عالت، وأن سنة الجدب أثقلتها بسبب ما حملته من الأشجار والنيران في هذه السنة – قال عيسى بن عمر: هذا البيت لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدا يعرفه..
٩ - قيل: هذا البيت لكعب بن مالك، وقيل: لعبد الله بن رواحة. وقد أدخل الشاعر الباء على المفعول به، وهي لا تدخل إلا على الفاعل كقوله تعالى: \[وكفى بالله حسيبا\]، وغيرنا مرفوع على تقدير من هو غيرنا بحذف صدر الصلة على حد قوله تعالى: \[على الذي أحسن\] ومخفوض على أن من نكرة موصوفة أي على إنسان أو قوم غيرنا..
١٠ - يعني في قوله تعالى: \[فلما أضاءت ما حوله\]..
١١ - هو أبو دثار الكلبي كما في "كنايات الجرجاني"، وأبو دثار في البيت يعني به الظلة والكلة التي يُتَّقى بها، وقوله (بعضا) أي عضا ولسعا، يقال يقال: بعضه البعوض ببعضه بعضا: عضه وأذاهن ولا يقال في غير البعوض..
١٢ - المشهور: ما أنا بالذي قائل لك سوءا..
١٣ - (ماذا) تستعمل في العربية على أوجه، منها: أن (ماذا) برمتها استفهام، كقولك: لماذا جئت؟ -ومنها: أن (ما) استفهام و (ذا) موصول نحو (ماذا نفعل)؟ ومنها: غير ذلك. وهي في الآية الكريمة استفهام انكاري، وانظر لذا قول ابن مالك:
 ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تُلغ في الكلام
 في تفسير الإمام (ط) رحمه الله ما نصه: "وتأويل قوله: \[ماذا أرد الله بهذا مثلا\] الذي أراد الله بهذا المثل مثلا فذا مع ما في معنى الذي وأراد صلته، وهذا إشارة إلى المثل". انتهى منه بلفظه. وما سلكه رحمه الله في هذه الآية. من جعل (ماذا) فيها اسما موصولا على جهة التركيب مسلك فاسد، لأنه يؤدي إلى أن المقول في الآية المذكورة ليس جملة ولا مفردا في معناها، والصواب كما في أبي (ح) وغيره أن \[ماذا\] كلها استفهام على جهة التركيب مفعول مقدم بأراد. ويجوز أن تكون \[ما\] وحدها استفهاما، و\[ذا\] موصولا بمعنى الذي خبره، وجملة (أراد) صلة، فمنصوب القول على الأول جملة (أراد الله بهذا مثلا) مع ضميمة المفعول المقدم- والمنصوب على الوجه الثاني جملة (ماذا أراد الله) الخ. هكذا قرره بعض الشيوخ..
١٤ - جملتان جاريتان مجرى البيان والتفسير للجملتين السابقتين، المصدرتين بأما، والكثرة والقلة نسبية، فأهل الهداية بالقياس إلى أهل الضلال قلة، وبالقياس إلى ذاتهم وحقيقتهم كثرة، وبهذا يجمع بين النصوص التي وصفتهم بالقلة في موضع، وبالكثرة في موضع آخر..
١٥ - هذا تخليط وإلباس، وذلك أن الكلام إما أن يجري على أنه من كلام الكفار، أو من كلام الله، وأما أن يجري بعضه على أنه من كلام الكفار، وبعضه من كلام الله تعالى من غير دليل فإنه يكون إلباسا في التركيب، وكلام الله أعلى من ذلك، قاله أبو (ح)..
١٦ - هذا أشبه بنظم القرآن وأنسب، والمعنى: قل يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا، يوفق به، ويخذل به..
١٧ - نفي لتوهم أنه أنزل بقصد الإضلال لقوم، والهداية لقوم، أي هو هدى كما قال أولا للمتقين، لكن الفاسقين يضلون بنظرهم إلى غير المقصود من إنزال القرآن، كما هو هدى للمتقين الذين ينظرون إلى صوب الحقيقة فيه. وهو الذي أنزل من أجله..
١٨ - أي في الثلاثة- ويقال: هداه يهديه هدى وهديا وهداية، فهدى هو: أي أرشده فاسترشد. لازم ومتعد..

### الآية 2:27

> ﻿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:27]

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٢٧ )
النقض رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية التقدم في الشيء والوصاة به. 
واختلف في تفسير هذا العهد : فقال بعض المتأولين : هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر. 
وقال آخرون : بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. ( [(١)](#foonote-١) )
وقال آخرون : بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وان لا يعبدوا غيره. 
وقال آخرون : بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكتموا أمره. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فالآية على هذا( [(٢)](#foonote-٢) ) في أهل الكتاب، وظاهر ما قبل وبعد أنه في جميع الكفار. ( [(٣)](#foonote-٣) )
وقال قتادة :**«هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي عليه السلام ثم كفر به فنقض العهد »**. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : لم ينسب الطبري شيئاً من هذه الأقوال، وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية، والضمير في  ميثاقه  يحتمل العودة على العهد أو على اسم الله تعالى، وميثاق مفعال من الوثاقة، وهي الشد في العقد والربط ونحوه، وهو في هذه الآية اسم في موضع المصدر( [(٤)](#foonote-٤) ) كما قال عمرو بن شييم :\[ الوافر \]. 
أكفراً بعد ردِّ الموتِ عنّي. . . وبَعْدَ عَطَائك المائَةَ الرّتاعا( [(٥)](#foonote-٥) ) ؟
أراد بعد إعطائك. 
وقوله تعالى : ما أمر الله به أن يوصل ،  ما  في موضع نصب ب  يقطعون  واختلف ما الشيء الذي أمره بوصله ؟
فقال قتادة :**«الأرحام عامة في الناس »** وقال غيره :**«خاصة فيمن آمن بمحمد، كان الكفار يقطعون أرحامهم »**. وقال جمهور أهل العلم : الإشارة في هذه الآية إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الحق، والرحم جزء من هذا( [(٦)](#foonote-٦) )، و  أن  في موضع نصب بدل من  ما ، أو مفعول من أجله. وقيل  أن  في موضع خفض بدل من الضمير في  به ( [(٧)](#foonote-٧) )، وهذا متجه. 
 ويفسدون في الأرض  يعبدون غير الله ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، والخاسر الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، والخسران النقص كان في ميزان أو غيره.

١ - ونقض العهود عبارة عن الإعراض عنها، وعدم النظر فيها..
٢ - أي على القول الأخير..
٣ - في هذا المقام أقوال: منها ما يدل على العموم، ومنها ما يدل على الخصوص، وهذا الاختلاف ناشيء عن الاختلاف في سبب النزول، والذي يظهر هو التعميم كما قاله أبو (ح)، فكل من نقض عهد الله تناوله هذا الذم..
٤ - الذي يظهر من كلام الزمخشري وأبي البقاء أنه مصدر لا إسم، وقال أبو (ح) ولم أجد بعد البحث والمطالعة هذا الوزن في أبنية المصادر..
٥ - الرتاع: جمع راتعة: أي: وبعد أن أعطاه مائة من الإبل الرَّاتعة. انظر ترجمة عمرو ابن شبيم في طبقات ابن سلام..
٦ - أي حمل الآية على العموم في كل ما أمر الله به، إذ لا دليل واضح على الخصوص، وهو رأي ابن عطية..
٧ - أي: (ما أمرهم الله بوصله)، وهذا الإعراب أولى ما يحمل عليه كلام الله تعالى- و تقدير بدليته من ما: (ويقطعون وصل ما أمرهم الله به)، وتقدير كونه منصوبا على أنه مفعول لأجله: (ويقطعون ما أمر الله به كراهية أن يوصل)..

### الآية 2:28

> ﻿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:28]

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٢٨ )
وقوله تعالى : كيف تكفرون  لفظه الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي كيف تكفرون بالله ونعمه عليكم وقدرته هذه ؟ و  كيف  في موضع نصب على الحال والعامل فيها  تكفرون ، وتقديرها أجاحدين تكفرون أمنكرين تكفرون ؟ و  كيف  مبنية، وخصت بالفتح لخفته، ومن قال إن  كيف  تقرير وتعجب فمعناه إن هذا الأمر إن عن فحقه أن يتعجب منه لغرابته وبعده عن المألوف من شكر المنعم، والواو في قوله  وكنتم  واو الحال( [(١)](#foonote-١) )، واختلف في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين : فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد. 
**«فالمعنى كنتم أمواتاً معدومين قبل أن تخلقوا دارسين، كما يقال للشيء الدارس ميت، ثم خلقتم وأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم أماتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقال آخرون :**«كنتم أمواتاً بكون آدم من طين ميتاً قبل أن يُحيى ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة آدم ثم يميتكم ثم يحييكم على ما تقدم »**. 
وقال قتادة :**«كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم فأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم كما تقدم »**. 
وقال غيره :**«كنتم أمواتاً في الأرحام قبل نفخ الروح ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم »**. 
وقال ابن زيد :**«إن الله تعالى أخرج نسم بني آدم أمثال الذر ثم أماتهم بعد ذلك فهو قوله وكنتم أمواتاً، ثم أحياهم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم »**. 
وقال ابن عباس وأبو صالح :**«كنتم أمواتاً بالموت المعهود ثم أحياكم للسؤال في القبور، ثم أماتكم فيها، ثم أحياكم للبعث »**. 
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال :**«وكنتم أمواتاً بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم »**. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : والقول الأول هو أولى هذه الأقوال، لأنه الذي لا محيد للكفار عن الإقرار به في أول ترتيبه، ثم إن قوله أولاً  كنتم أمواتاً  وإسناده آخراً الإماتة إليه تبارك وتعالى مما يقوي ذلك القول، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتاً معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها، والضمير في  إليه  عائد على الله تعالى أي إلى ثوابه أو عقابه، وقيل هو عائد على الاحياء، والأول أظهر. 
وقرأ جمهور الناس **«تُرجَعون »** بضم التاء وفتح الجيم. 
وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن يعمر وسلام والفياض بن غزوان( [(٣)](#foonote-٣) ) ويعقوب الحضرمي :**«يَرجع ويَرجعون وتَرجعون »** بفتح الياء والتاء حيث وقع. ( [(٤)](#foonote-٤) )

١ - على تقدير (قد) كما هو واضح، يعني: (وقد كنتم أمواتا)..
٢ - مثل هذا قوله تعالى: \[ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين\] وهذا هو المراد بالآية الكريمة وهو أعدل الأقوال وأولاها للزومه للكفار، فإنهم إذا اعترفوا بالإحياء الأول لزمهم الإعتراف بالإحياء الأخير وهو البعث، ويؤيد ذلك إسناد الإماتة إلى الله آخرا..
٣ - سلام بن سليمان الطويل البصري، مقرئ كبير مات سنة ١٧١هـ والفياض بالفاء هو ابن غزوان الضبي الكوفي، مقرئ قال فيه الإمام أحمد: شيخ ثقة..
٤ - أي: لأن (رجع) يكون متعديا ولازما، كما تقدم في (هدى) وأنه يكون لازما ومتعديا، ومن المتعدي قوله تعالى: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) أي: ردك..

### الآية 2:29

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:29]

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٢٩ )
و  خلق  معناه اخترع وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان خلق بعد إنشائه شيئاً، ومنه قول الشاعر :\[ زهير بن أبي سلمى \] \[ الكامل \]
ولأنت تفري ما خلقت وبعض. . . القوم يخلق ثم لا يفري( [(١)](#foonote-١) )
ومنه قول الآخر :\[ مجزوء الكامل \]
من كان يخلق ما يقو. . . ل فحيلتي فيه قليله( [(٢)](#foonote-٢) )
و  لكم  : معناه للاعتبار، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء وتسويتها( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال قوم : بل معنى  لكم  إباحة الأشياء وتمليكها، وهذا قول من يقول إن الأشياء قبل ورود السمع على الإباحة بينته هذه الآية( [(٤)](#foonote-٤) )، وخالفهم في هذا التأويل القائلون بالحظر، والقائلون بالوقف، وأكثر القائلين بالحظر استثنوا أشياء اقتضت حالها مع وجود الإنسان الإباحة كالتنفس، والحركة ويرد على القائلين بالحظر كل حظر في القرآن وعلى القائلين بالإباحة كل تحليل في القرآن وإباحة، ويترجح الوقوف إذا قدرنا نازلة لا يوجد فيه سمع ولا تتعلق به. 
ومعنى الوقف أنه استنفاد جهد الناظر فيما يحزب من النوازل. 
وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال :**«لم يخل العقل قط من السمع( [(٥)](#foonote-٥) ) ولا نازلة إلا وفيها سمع أولها به تعلق أولها حال تستصحب »**. قال :**«فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف »**، و  جميعاً  نصب عل الحال. 
وقوله تعالى : ثم استوى ،  ثم  هنا هي لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه، و  استوى  : قال قوم :**«معناه علا دون تكييف ولا تحديد »**، هذا اختيار الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه. 
وقال ابن كيسان :**«معناه قصد إلى السماء »**. 
قال القاضي أبو محمد : أي بخلقه واختراعه. 
وقيل معناه كمل صنعه فيها كما تقول استوى الأمر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قلق. ( [(٦)](#foonote-٦) )
وحكى الطبري عن قوم : أن المعنى أقبل، وضعفه( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وحكي عن قوم **«المستوي »** هو الدخان. 
وهذا أيضاً يأباه رصف الكلام( [(٨)](#foonote-٨) )، وقيل المعنى استولى كما قال الشاعر( [(٩)](#foonote-٩) ) الأخطل :\[ الرجز \]
قد استوى بشر على العراقِ. . . من غير سيف ودم مهراقِ
وهذا إنما( [(١٠)](#foonote-١٠) ) يجيء في قوله تعالى : على العرش استوى ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ طه : ٥ \] والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة( [(١٢)](#foonote-١٢) ) وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان. 
 فسواهن  قيل المعنى جعلهن سواء، وقيل سوى سطوحها بالإملاس، و  سبع  نصب على البدل من الضمير، أو على المفعول : ب **«سوّى »**، بتقدير حذف الجار من الضمير، كأنه قال فسوّى منهن سبع، وقيل نصب على الحال، وقال سواهن إما على أن السماء جمع، وإما على أنه مفرد اسم جنس، فهو دال على الجمع. 
وقوله تعالى : وهو بكل شيء عليم  معناه بالموجودات وتحقق علمه بالمعدومات من آيات أخر، وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات : هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات.

١ - وهو لزهير بن أبي سلمى المزني، يمدح هرم بن سنان، ويقول: إنه إذا قدر شيئا قطعه وأمضاه، لمضاء عزمه وقوة إرادته..
٢ - أنشده المبرد في (الكامل) الجزء الثاني، ونسبه إلى بعض المحدثين، وقبل البيت:
 لي حيلة فيمن ينـــــــــــــــــــــــــم وليس لي في الكذاب حيلة
 من كان يخــــــلق ما يقو ل فــحيـــلــتي فـــيه قــــليلة
 ونسبهما في (معجم الأدباء) إلى منصور بن إسماعيل الشافعي أبي الحسن التميمي الفقيه الشاعر الضرير المصري. يقال: نم الحديث ينُمه نما، أي: قَتَّه، والإسم: النميمة- والرجل نَمٌّ ونمَّام أي: قتَّات – الصحاح..
٣ - نعمة خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، ونعمة خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتم به معاشهم، فيمكن أن يكون معنى \[لكم\]: (لاعتباركم) بهذه النعمة، فتوحدونه وتطيعونه، وأن يكون معناه (لأجلكم) و(لانتفاعكم) فواجب أن تشكروه وتحمدوه وحده دون غيره، وأن تتقوَّوا بذلك على طاعته، وإصلاح أرضه، وواجب أن تعتبروا كذلك بالخلق والإماتة، وبالإستواء إلى السماء وتسويتها \[ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو\]..
٤ - قال ابن العربي: ليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ولا إباحة، ولا وقفا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة على الوحدانية..
٥ - من السمع الإجماع..
٦ - لأن اللفظ ينبو عن الدلالة عليه..
٧ - الإقبال: هو القصد إلى خلق السماء، والقصد هو الإرادة، وذلك جائز في صفات الله تعالى، فهو كقول ابن كيسان، ومن ذلك قول الحريري: فاستوى الغلام إليه، وقد استولى الخجل عليه: أي قصد..
٨ - بعيد جدا لاختلاف الضمائر، وعوده على غير مذكور، ولا يقتضيه البيان، ولقوله تعالى: \[ثم استوى إلى السماء وهي دخان\]..
٩ - هو الأخطل النصراني..
١٠ - قال الفراء: تقول العرب: كان فلان مقبلا على فلان ثم اسيوى إلي وعلي يشاتمني. فعلي وإلي سواء. نقله عنه الإمام (ق) رحمه الله..
١١ - من الآية ٥ من سورة طه..
١٢ - أي: منع الحركة وحلول الحوادث، ويعني أن هذه التأويلات إنما جاءت فرارا مما تقرر في العقول من أن الله تعالى يستحيل أن يتصف بالانتقال المعهود في غيره تعالى، وأن يحل فيه حادث، أو يحل هو سبحانه في حادث..
١٣ - ذلك أن (ثم) للترتيب، وهي تدل بحكم اللغة على أن الأرض خُلقت قبل السماء إلا أن خلق السماء اكتنفه خلْق الأرض أولا، وبسْطها ثانيا بإخراج الماء والمرعى وبإرساء الجبال عليها..

### الآية 2:30

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:30]

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٣٠ )
قال معمر بن المثنى :**«إذ زائدة، والتقدير وقال ربك »**. 
قال أبو إسحاق الزجاج :**«هذا اجتراء من أبي عبيدة »**. 
قال القاضي أبو محمد : وكذلك رد عليه جميع المفسرين( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال الجمهور : ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال( [(٢)](#foonote-٢) )، وأيضاً فقوله : خلق لكم ما في الأرض جميعاً  الآية، يقتضي أن يكون التقدير وابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة، وإضافة رب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومخاطبته بالكاف تشريف منه له، وإظهار لاختصاصه به، والملائكة واحدها ملك أصله ملاك على وزن مفعل من لاك إذا أرسل، وجمعه ملائكة على وزن مفاعلة. 
وقال قوم : أصل ملك مألك، من ألك إذا أرسل، ومنه قول عدي بن زيد :\[ الرمل \]
أبلغ النعمان عني مألكا. . . أنه قد طال حبسي وانتظاري
واللغتان مسموعتان لأك وألك، قلبت فيه( [(٣)](#foonote-٣) ) الهمزة بعد اللام فجاء وزنه معفل، وجمعه ملائكة، وزنه معافلة. 
وقال ابن كيسان( [(٤)](#foonote-٤) ) :**«هو من ملك يملك، والهمزة فيه زائدة كما زيدت في شمأل من شمل، فوزنه فعأل، ووزن جمعه فعائلة »** وقد يأتي في الشعر على أصله كما قال :\[ الطويل \]
فلستِ لأنسيٍّ ولكنْ لمَلأكٍ. . . تَنَزَّلَ مَن جَوِّ السماءِ يصُوبُ
وأما في الكلام فسهلت الهمزة( [(٥)](#foonote-٥) ) وألقيت حركتها على اللام أو على العين في قول ابن كيسان فقيل ملك، والهاء في ملائكة لتأنيث الجموع( [(٦)](#foonote-٦) ) غير حقيقي، وقيل هي للمبالغة كعلامة ونسابة، والأول أبين. 
وقال أبو عبيدة :**«الهمزة في ملائكة مجتلبة( [(٧)](#foonote-٧) ) لأن واحدها ملك »**. 
قال القاضي أبو محمد بن عبد الحق رضي الله عنه : فهذا الذي نحا إليه ابن كيسان. 
و  جاعل  في هذه الآية بمعنى خالق، ذكره الطبري عن أبي روق( [(٨)](#foonote-٨) )، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد. 
وقال الحسن وقتادة :**«جاعل بمعنى فاعل »**. 
وقال ابن سابط( [(٩)](#foonote-٩) ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إن الأرض هنا يعني بها مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، ولأنها مقرٌّ من هلك قومه من الأنبياء، وإن قبر نوح وصالح بين المقام والركن »**. 
و  خليفة  معناه من يخلف. 
قال ابن عباس :**«كانت الجن قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم وألحق فلَّهم بجزائر البحار ورؤوس الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة »**( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
وقال الحسن :**«إنما سمى الله بني آدم خليفة لأن كل قرن منهم يخلف الذي قبله، الجيل بعد الجيل »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ففي هذا القول، يحتمل أن تكون بمعنى خالفة وبمعنى مخلوفة. ( [(١١)](#foonote-١١) )
وقال ابن مسعود :**«إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري »** يعني ذلك آدم عليه السلام ومن قام مقامه بعده من ذريته. 
وقرأ زيد بن علي **«خليقة »** بالقاف. 
وقوله تعالى : قالوا أتجعل فيها  الآية، وقد علمنا قطعاً أن الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول، وذلك عام في جميع الملائكة، لأن قوله :**«لا يسبقونه بالقول »** خرج على جهة المدح لهم( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
قال القاضي أبو بكر بن الطيب :**«فهذه العموم، فلا يصح مع هذين الشرطين إلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة في الأرض نبأ ومقدمة »**. 
قال ابن زيد وغيره : إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعاً، الاستخلاف، والعصيان. ( [(١٣)](#foonote-١٣) )
وقال أحمد بن يحيى ثعلب وغيره : إنما كانت الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم  أتجعل فيها  الأية، على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا ؟
وقال آخرون : كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرض خلقاً يفسدون ويسفكون الدماء، فلما قال لهم بعد ذلك : إني جاعل   قالوا أتجعل فيها  الآية، على جهة الاسترشاد والاستعلام هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره ؟
والسفك صب الدم، هذا عرفه، ، وقد يقال سفك كلامه في كذا إذا سرده. 
وقرأءة الجمهور بكسر الفاء ( [(١٤)](#foonote-١٤) ). 
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة :**«ويسفكُ »** بضم الفاء. 
وقرأ ابن هرمز **«ويسفك »** بالنصب بواو الصرف ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) كأنه قال : من يجمع أن يفسد وأن يفسك. 
وقال المهدوي : هو نصب في جواب الاستفهام. 
قال القاضي أبو محمد والأول أحسن. ( [(١٦)](#foonote-١٦) )
وقولهم : ونحن نسبح بحمدك  قال بعض المتأولين : هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا  ونحن نسبح بحمدك  الآية، أن نتغير عن هذه الحال. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم : أتجعل  ؟. 
وقال آخرون : معناه التمدح ووصف حالهم( [(١٧)](#foonote-١٧) )، وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه السلام : إني حفيظ عليم  \[ يوسف : ٥٥ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يحسن مع التعجب الاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم  أتجعل  وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى : إني أعلم ما لا تعلمون . 
وقال قوم : معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. وهذا أيضاً حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم : أتجعل . 
ومعنى  نسبح بحمدك  ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك. 
وقال ابن عباس وابن مسعود :**«تسبيح لملائكة صلاتهم لله »**. 
وقال قتادة :«تسبيح الملائكة قولهم سبحان الله على عرفه في اللغة. 
و  بحمدك  معناه : نخلط التسبيح بالحمد ونصله به( [(١٨)](#foonote-١٨) )، ويحتمل أن يكون قوله  بحمدك  اعتراضاً بين الكلامين، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك. 
 ونقدس لك  قال الضحاك وغيره : معناه نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديس التطهير بلا خلاف، ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة، ومنه بيت المقدس، ومنه القدس( [(١٩)](#foonote-١٩) ) الذي يتطهر به. 
وقال آخرون : ونقدس لك  معناه ونقدسك( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) أي نعظمك ونطهر ذكرك عما لا يليق به. قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما. 
وقال قوم : نقدس لك معناه نصلي لك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف( [(٢١)](#foonote-٢١) ). 
وقوله تعالى : إني أعلم ما لا تعلمون  الأظهر أن  أعلم  فعل مستقبل، و  ما  في موضع نصب به، وقيل  أعلم  اسم، و  ما  في موضع خفض بالإضافة، ولا يصح الصرف فيه بإجماع من النحاة، وإنما الخلاف في أفعل إذا سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه. 
واختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى : ما لا تعلمون  فقال ابن عباس :» كان إبليس- لعنه الله- قد أعجب ودخله الكبر لما جعله الله خازن السماء الدنيا وشرفه «. وقيل : بل لما بعثه الله إلى قتل الجن الذين كانوا أفسدوا في الأرض فهزمهم وقتلهم بجنده، قاله ابن عباس أيضاً، واعتقد( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) أن ذلك لمزية له واستخف( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام. 
قال : فلما قالت الملائكة  ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك. قال الله لهم  إني أعلم ما لا تعلمون  يعني ما في نفس إبليس( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ). 
وقال قتادة : لما قالت الملائكة  أتجعل فيها من يفسد فيها  وقد علم الله تعالى أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة، قال لهم  إني أعلم ما لا تعلمون  يعني أفعال الفضلاء من بني آدم. ( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )

١ - قالوا: كان أبو عبيدة ضعيفا في الصناعة النحوية، وكان فيه جرأة..
٢ - الأحسن أن تكون معلقة بقوله بعد: \[قالوا اتجعل فيها\] الآية- لأن (إذ) إذا وقعت ظرفا لا تكون إلا للزمان..
٣ - أي قلبت الهمزة فيه بعد اللام قلبا مكانيا، والضمير في (فيه) لمألك..
٤ - أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان – أخذ عن المبرد وعن ثعلب، توفي(٢٩٩)هـ- معجم الأدباء ٣٧/١٣٧..
٥ - أي لكثرة الاستعمال، والمراد بالكلام ما سوى الشعر..
٦ - أي لتأكيد تأنيث الجمع..
٧ - أي زائدة لا أصلية..
٨ - بفتح الراء وسكون الواو، عطية بن الحارث الكوفي صاحب (التفسير) روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه..
٩ - هو عبد الرحمن بن سابط –تابعي- قال الحافظ بن حجر: يقال: إن عبد الرحمن ابن سابط هذا هو ابن عبد الله بن سابط، وإن الصحبة والرواية لأبيه عبد الله بن سابط، وبذلك جزم البغوي..
١٠ - وعلى هذا فليس المراد بالخليفة آدم عليه الصلاة والسلام، بل هو وذريته، وعلى ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: فالمراد آدمت، ومن يقوم مقامه في الحكم بين العباد بأوامر الله وأحكامه..
١١ - أي يخلف من كان قبله من الملائكة أو الجن في الأرض على ما روي فهو خالف، وعلى أنها بمعنى مفعول فهو مخلف أي جعله الله خليفة، وجاء به بعد غيره كما قال: \[هو الذي جعلكم خلائف في الأرض\] والتاء في خليفة للمبالغة..
١٢ - يظهر من هذا القول الاعتراض، وبما أن الملائكة معصومون من المعصية والاعتراض على الله تأول العلماء الآية الكريمة كما بينه الإمام ابن عطية رحمه الله، ومن أظرف وأغرب ما قيل في تأويلها: أن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب مجملين، وكان إبليس مندرجا في جملتهم، فورد منهم الجواب مجملا، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه واستكباره، انفصل الجواب إلى نوعين، فنوع: الاعتراض منه كان عن إبليس. وأنواع الطاعة والتسبيح والتقديس كان عن الملائكة، فانقسم الجواب إلى قسمين، كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كل جواب من ظهر عنه. قال أبو (ح): وهذا تأويل حسن، وصار شبيها بقوله تعالى: \[وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا\] لأن الجملة كلها مقولة، والقائل نوعان: فرد كل قول لمن ناسبه والله أعلم.
 وترك الاعتراض على الكبراء والعظماء محمود سواء كان المعترض فيه مما يفهم أولا يفهم، والدليل على ذلك أمور- أحدها: ما جاء في القرآن الكريم، كقصة موسى مع الخضر، واشتراطه عليه ألا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرا، فكان ما قصه الله من قوله: \[هذا فراق بيني وبينك\] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \[يرحم الله موسى لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما\]- وما روي في الأخبار أن الملائكة لما قالوا: \[أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء\] الآية، فرد الله عليهم بقوله: \[إني أعلم ما لا تعلمون\] أرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم، وهذا مما يشم ولا يفرك، وجاء في أشد من هذا اعتراض إبليس بقوله: \[أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين\] فهو الذي كتب له به الشقاء إلى يوم الدين.
 والثاني: ما جاء في الأخبار كحديث: (تعالوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده). فاعترض في ذلك عمر رضي الله عنه حتى أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكتب لهم شيئا.
 والثالث: ما عهد بالتجربة من أن الاعتراض على الأكابر- كما يزعم الصوفية- قاض بحرمان الفائدة، وفاصل بين الشيخ والتلميذ، فإنه عندهم الداء الأكبر كما يدعون.
 وقد قال الإمام مالك رحمه الله الأسد بن الفرات حين تابع سؤاله له: "هذه سليسلة بنت سليسلة إن أردت هذا فعليك بالعراق"، فهدده بحرمان الفائدة منه بسبب كثرة السؤال وتتابعه. 
 وبالجملة فالسلامة في حسن الظن والاعتقاد، وترك النقد والاعتراض، وهذا في شأن أهل العلم والفضل القائمين على صراط الدين، وسنة سيد المرسلين..
١٣ - هذا والذي قبله متقاربان في المعنى..
١٤ - أي: في قوله تعالى (ويسفك)..
١٥ - أي: واو المعية. ومعنى واو الصرف أن الفعل كان يستحق وجها من الإعراب غير النصب فيصرف بدخول الواو عليه عن ذلك الإعراب إلى النصب، كقوله تعالى \[ويعلم الذين يجادلون\] في قراءة من نصب، فقياسه الرفع ولكن صرفت الواو الفعل إلى النصب فسميت واو الصرف..
١٦ - يعني وتخريج المهدوي حسن. فالنصب بواو الصرف أحسن، والنصب بأن بعد الواو في جواب الاستفهام حسن، لأن المعنى على الجمع ولذلك تقدر الواو بمعنى مع. فإذا قلت: أتأتينا وتحدثنا، بالنصب، كان المعنى على الجمع بين الإتيان والحديث، وكذلك الآية، هذا ما عند ابن عطية رحمه الله، وناقشه أبو (ح) قائلا: "وكيف يكون أحسن وهو شيء لا يقول به البصريون، وفساده مذكور في علم النحو؟" فالنصب بأن بعد الواو في جواب الاستفهام عند أبي حيان أحسن لأنه مذهب البصريين..
١٧ - أي ليس معناه الاستفهام بل التمدح ووصف حالهم، وذلك شيء جائز..
١٨ - أي نقول: (سبحان الله وبحمده)، وروى أبو ذر، كما في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده"..
١٩ - بفتحتين: أي السطل الذي يتوضأ فيه، ويتطهر به..
٢٠ - أي: واللام صلة..
٢١ - بل معناه صحيح كما قال الإمام (ق) فإن الصلاة تشتمل على التعظيم، و التقديس، والتسبيح، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح)، روته عائشة رضي الله عنها كما في صحيح الإمام مسلم. وقد نسب ابن (ك) هذا الرأي إلى ابن عباس، وابن مسعود. .
٢٢ - أي إبليس لعنه الله..
٢٣ - وفي بعض النسخ: "واستحقب الكفر والمعصية"..
٢٤ - علم الله من كفر إبليس وكبره وحسده مالم تعلمه الملائكة، فلما أمر الله بالسجود ظهرت طاعة الملائكة، وظهر كفر إبليس وحسده، فأبى واستكبر وكان من الكافرين..
٢٥ - يعني ففي ذرية آدم الأنبياء والعلماء والأصفياء، والخير يغلب الشر، والنور يطفئ الظلام، وفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي من ذرية آدم يقول الله تعالى: \[كنتم خير أمة أخرجت للناس\] الآية. وفي حذف المتعلق قصد إلى العموم، والمعنى: إني إعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن..

### الآية 2:31

> ﻿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:31]

وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( ٣١ )
وقوله تعالى : وعلم  معناه عرف وتعليم آدم هنا عند قوم إلهام علمه ضرورة. 
وقال قوم : بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك( [(١)](#foonote-١) )، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى- عليه السلام- في خاصته. 
وقرأ اليماني :» وعُلِّم **«بضم العين على بناء الفعل للمفعول، »** آدمُ «مرفوعاً. 
قال أبو الفتح :» هي قراءة يزيد البربري «و  آدم  أفعل مشتق من الأدمة وهي حمرة تميل إلى السواد، وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه، وقيل  آدم  وزنه فاعل مشتق من أديم الأرض( [(٢)](#foonote-٢) )، كأن الملك آدمها وجمعه آدمون وأوادم، ويلزم قائل المقالة صرفه. 
وقال الطبري :**«آدم فعل رباعي سمي به »**، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«خلق الله آدم من أديم الأرض كلها فخرجت ذريته على نحو ذلك منهم الأبيض والأسود والأسمر والسهل والحزن والطيب والخبيث »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
واختلف المتأولون في قوله : الأسماء  فقال جمهور الأمة :**«علمه التسميات »** وقال قوم :**«عرض عليه الأشخاص »**. 
قال القاضي أبو محمد والأول أبين، ولفظة -علمه- تعطي ذلك. 
ثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه ؟ فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد :**«علمه اسم كل شيء من جميع المخلوقات دقيقها وجليلها »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقال حميد الشامي( [(٥)](#foonote-٥) ) :**«علمه أسماء النجوم فقط »**. 
وقال الربيع بن خثيم( [(٦)](#foonote-٦) ) :**«علمه أسماء الملائكة فقط »**. 
وقال عبد الرحمن بن زيد :**«علمه أسماء ذريته فقط »**. 
وقال الطبري :**«علمه أسماء ذريته والملائكة »**، واختار هذا ورجحه بقوله تعالى : ثم عرضهم على الملائكة( [(٧)](#foonote-٧) ) . 
وحكى النقاش عن ابن عباس أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء. 
وقال آخرون :**«علمه أسماء الأجناس، كالجبال والخيل والأودية ونحو ذلك، دون أن يعين ما سمته ذريته منها »**. 
وقال ابن قتيبة :**«علمه أسماء ما خلق في الأرض »**. 
وقال قوم : علمه الأسماء بلغة واحدة، ثم وقع الاصطلاح من ذريته فيما سواها. 
وقال بعضهم :**«بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته »** وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال :**«علم الله تعالى آدم كل شيء، حتى إنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه »**، ونحو هذا من القول الذي هو بين الخطأ من جهات( [(٨)](#foonote-٨) ). وقال أكثر العلماء :**«علمه تعالى منافع كل شيء ولما يصلح »**( [(٩)](#foonote-٩) ). 
وقال قوم :**«عرض عليه الأشخاص عند التعليم »**. 
وقال قوم :**«بل وصفها له دون عرض أشخاص »**. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها. 
وقرا أبي بن كعب :**«ثم عرضها »**. 
وقرأ ابن مسعود :**«ثم عرضهن »** واختلف المتأولون هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص ؟ فقال ابن مسعود وغيره : عرض الأشخاص. 
وقال ابن عباس وغيره : عرض الأسماء، فمن قال في الأسماء بعموم كل شيء قال عرضهم أمة أمة ونوعاً نوعاً، ومن قال في الأسماء إنها التسميات( [(١٠)](#foonote-١٠) ) استقام على قراء ة أبيّ :**«عرضها »**، ونقول في قراءة من قرأ **«عرضهم »** : إن لفظ الأسماء يدل على الأشخاص( [(١١)](#foonote-١١) )، فلذلك ساغ أن يقول للأسماء عرضهم. 
و  أنبئوني  معناه : أخبروني، والنبأ الخبر، ومنه النبيء. 
وقال قوم : يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق، ويتقرر جوازه، لأنه تعالى علم أنهم لا يعملون. 
وقال المحققون من أهل التأويل : ليس هذا على جهة التكليف وإنما على جهة التقرير والتوقيف( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
وقوله تعالى : هؤلاء  ظاهره حضور أشخاص، وذلك عند العرض على الملائكة. 
وليس في هذه الآية ما يوجب أن الاسم أريد به المسمى كما ذهب إليه مكي والمهدوي، فمن قال إنه تعالى عرض على الملائكة أشخاصاً استقام له مع لفظ  هؤلاء ، ومن قال إنه إنما عرض أسماء فقط جعل الإشارة ب  هؤلاء  إلى أشخاص الأسماء وهي غائبة، إذ قد حضر ما هو منها بسبب، وذلك أسماؤها، وكأنه قال لهم في كل اسم لأي شخص هذا. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها آدم، ثم إن آدم قال لهم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، و  هؤلاء  لفظ مبني على الكسر والقصر فيه لغة تميم وبعض قيس وأسد، قال الأعشى :\[ الخفيف \]. 
هؤلا ثم هؤلا كلا أعطيتَ نعالاً محذوة بنعال( [(١٣)](#foonote-١٣) )
و  كنتم  في موضع الجزم بالشرط، والجواب عند سيبويه فيما قبله، وعند المبرد محذوف( [(١٤)](#foonote-١٤) )، والتقدير : إن كنتم صادقين فأنبئوني. 
وقال ابن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى عليه السلام، معنى الآية : إن كنتم صادقين  في أن الخليفة يفسد ويسفك( [(١٥)](#foonote-١٥) ). 
وقال آخرون : صادقين  في إني إن استخلفتكم سبحتم بحمدي وقدستم لي. 
وقال الحسن وقتادة : روي أن الملائكة قالت حين خلق الله آدم : ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقاً أعلم منا ولا أكرم عليه، فأراد الله تعالى أن يريهم من علم آدم وكرامته خلاف ما ظنوا فالمعنى إن كنتم صادقين في دعواكم العلم. 
وقال قوم : معنى الآية  إن كنتم صادقين  في جواب السؤال عالمين بالأسماء.

١ - هو جبريل، وكذا هو المراد في قوله بعد ذلك: كأن الملك آدمها..
٢ - هذا هو الصحيح في اشتقاقه، قال سعيد بن جبير: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض أي وجهها. وإنما سمي إنسانا لأنه نسي، هكذا ذكره ابن سعد في الطبقات..
٣ - روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك. والسهل والحزن، والخبيث والطيب". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ومعنى قوله من قبضة قبضها: أن الله أمر الموكل بالأرض فتناول ذلك من بقاعها على النحو المذكور، وجاء بها فكان الخلق منها..
٤ - هذا القول أرجح الأقوال، وسنده التأكيد في قوله تعالى: "الأسماء كلها"، والتعميم في قول النبي صلى الله عليه وسلم "وعلمك أسماء كل شيء" كما في صحيح البخاري..
٥ - هو ابن أبي حميد الشامي بمعجمه، وهناك حميد بن مسعدة البصري السامي بمهملة..
٦ - هو أبو يزيد الكوفي، تابعي جليل، أخذ القراءة عن ابن مسعود، ووردت عنه الرواية في حروف القرآن. توفي سنة ٩٠ هـ. طبقات في القراء ١/٢٨٣..
٧ - استدل على هذا الترجيح بقوله تعالى: \[ثم عرضهم\] وهو عبارة عمن يعقل، وهذا الذي رجح به لا يلزم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب..
٨ - لعله من جهة تشبيه آدم بسيبويه، مع أن مقام آدم غير مقام سيبويه، وطبيعة التعليم في آدم غيرها في سيبويه كسبي، وتعليم آدم وهبي، ومن جهة الاختلاف في القصد والغاية أيضا..
٩ - عطف مرادف، أي علمه منفعة كل شيء وما يصلح له..
١٠ - التسمية غير الاسم –ومعناها: العلم بأن يسمي الأشياء..
١١ - أي: لأن كل اسم له مسمى فهو يتضمنه..
١٢ - الأولى: التبكيت والتعنيف..
١٣ - أي: أوقعت بهم جميعا، ويريد بذلك بني محارب حيث مشاهم الأسود على الجمر فتساقط لحم أقدامهم، وفي رواية (بمثال) بدل بنعال..
١٤ - فيه أن مذهب سيبويه المعروف هو أن الجواب محذوف، ويدل عليه ما قبله، وليس ما قبله هوالجواب، كما أن مذهب الكوفيين أن الجواب هو ما قبله، وقد عكس ابن عطية ذلك كما عكسه المهدوي- فتأمل..
١٥ - قال في (خ): وفي النفس منهذا القول شيء، والملائكة منزهون معصومون كما تقدم، والصواب ما تقدم من التفسير عند قوله تعالى: "أتجعل فيها" الآية، وقال أبو (ح): الصدق هنا هو الصواب، كما ألكذب يراد به الخطأ، أي إن كنتم مصيبين. وفي متعلق الصدق أقوال: -وأبعد من ذهب إلى أن الصدق هنا ضد الكذب المعروف لعصمة الملائكة، كما أبعد من جعل (إن) فأخرجها عن الشرطية إلى الظرفية..

### الآية 2:32

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [2:32]

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( ٣٢ )
 قالوا  : ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا : سبحانك  حكاه النقاش. قال : ولو لم يشترط عليهم الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له **«كم لبثت ؟ »** ولم يشترط عليه الإصابة. فقال، ولم يصب فلم يعنف. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا كله محتمل. 
وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال : معنى  إن كنتم  **«إذ كنتم »**. 
قال الطبري : وهذا خطأ. وإن قال قائل ما الحكمة في قول الله تعالى للملائكة  إني جاعل  الآية، قيل : هذا منه امتحان لهم واختبار ليقع منهم ما وقع ويؤدبهم تعالى من تعليم آدم وتكريمه بما أدب( [(١)](#foonote-١) ). 
و  سبحانك  معناه : تنزيهاً لك وتبرئة أن يعلم أحد من علمك إلا ما علمته، و  سبحانك  نصب على المصدر. 
وقال الكسائي :**«نصبه على أنه منادى مضاف »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قال الزهراوي : موضع  ما  من قولهم  ما علمتنا  نصب ب  علمتنا ( [(٣)](#foonote-٣) )، وخبر التبرئة في  لنا ، ويحتمل أن يكون موضع  ما  رفعاً على أنه بدل من خبر التبرئة، كما تقول لا إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله، و  أنت  في موضع نصب تأكيد للضمير في  إنك ، أو في موضع رفع على الابتداء. 
و  العليم  خبره، والجملة خبر **«إن »**، أو فاصلة لا موضع لها من الإعراب. و  العليم  معناه : العالم، ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير من المعلومات في حق الله عز وجل. 
و  الحكيم  معناه الحاكم، وبينهما مزية المبالغة، وقيل : معناه المحكم كما قال عمرو بن معديكرب :\[ الوافر \]. 
أمن ريحانة الداعي السميع. . . أي المسمع، ويجيء  الحكيم  على هذا من صفات الفعل. 
وقال قوم : الحكيم  المانع من الفساد، ومنه حكمة الفرس ما نعته( [(٤)](#foonote-٤) )، ومنه قول جرير :\[ الكامل \]. 
أبني حنيفةَ أحكمُوا سفهاءكُمْ. . . إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا

١ - يعني أن الحكمة في ذلك هو امتحانهم واختبارهم – بأن يسألوا ذلك السؤال- ويجابوا بما أجيبوا به، من قوله تعالى: \[إني أعلم ما لا تعلمون\] ويؤدبوا بما أدبهم الله تعالى به- من تعليم آدم وتكريمه، وقوله لهم \[أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين\] وهذا كله نتيجة الدعوى والتزكية للنفس والله أعلم..
٢ - لا يحفظ دخول حرف النداء عليه، ولو كان منادى لجاز دخول حرف النداء عليه ونقل لنا. قاله أبو (ح) في تفسيره "البحر المحيط"١/١٤٧..
٣ - فيه أن \[ما\] موصولة، وأن الصلة علمتنا، والصلة لا تعمل في الموصول. إلا أن نجعل \[إلا\] من باب الاستثناء المنقطع، و\[ما\] شرطية، جوابها محذوف، والتقدير. لكن أي شيء علمتنا في المستقبل علمناه- وهذا فيه تكلف. قال أبو (ح) في "البحر المحيط" ١/١٤٨..
٤ - على وزن قصبة- وفي اللسان: حكمة الفرس: ما أحاط بحنكي الدابة- وسميت حكمة الدابة بذلك لأنها تذللها لراكبها، حتى تمنعها الجماح ونحوه، ومنه اشتقاق الحكمة لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال.
 والحكمة ناشئة عن العلم، ومن آثاره، ولذلك تذكر بعد العلم في أكثر ما جاء في القرآن كقوله: \[إنك أنت العليم الحكيم\]..

### الآية 2:33

> ﻿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:33]

قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( ٣٣ )
 أنبئهم  معناه أخبرهم، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر وقد يحذف حرف الجر أحياناً، تقول نبئت زيداً. 
قال سيبويه : معناه نبئت عن زيد. والضمير في  أنبئهم  عائد على الملائكة بإجماع، والضمير في أسمائهم مختلف فيه حسب الاختلاف في الأسماء التي علمها آدم. 
قال أبو علي :**«كلهم قرأ »** أنبئهُم **«بالهمز وضم الهاء، إلا ما روي عن ابن عامر، »** أنبئِهم **«بالهمز وكسر الهاء، وكذلك روى بعض المكيين عن ابن كثير، وذلك على إتباع كسرة الهاء لكسرة الباء، وإن حجز الساكن فحجزه لا يعتد به »**. 
قال أبو عمرو الداني :**«وقرأ الحسن والأعرج :»** أنبيهم **«بغير همز »**. 
قال ابن جني :**«وقرأ الحسن أنبهِم »**، على وزن **«أعطهِم »**، وقد روي عنه، **«انبيهم »** بغيرهمز «. 
قال أبو عمرو :» وقد روي مثل ذلك عن ابن كثير من طريق القواس «. ( [(١)](#foonote-١) )
قال أبو الفتح : أما قراءة الحسن، » أنبهم **« »** كأعطهم **«فعلى إبدال الهمزة ياء، على أنك تقول »** أنبيت «كأعطيت، وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة شعر. ( [(٢)](#foonote-٢) )
قال بعض العلماء : إن في قوله تعالى : فلما أنبأهم  نبوة لآدم عليه السلام، إذ أمره الله أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل. 
ويجوز فتح الياء من » إني «وتسكينها( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قال الكسائي :» رأيت العرب إذا لقيت عندهم الياء همزه فتحوها «. 
قال أبو علي :» كان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الهمزة المفتوحة والمكسورة، إذا كانت متصلة باسم، أو بفعل، ما لم يطل الحرف فإنه يثقل فتحها، نحو قوله تعالى : ولا تفتني ألا  \[ التوبة : ٤٩ \] وقوله تعالى : فاذكروني أذكركم  \[ البقرة : ١٥٢ \]، والذي يخف،  إني أرى  \[ الأنفال : ٤٨، يوسف : ٤٣، الصافات : ١٠٢ \] و  أجري إلا على الله  \[ يونس : ٧٢، هود : ٢٩، سبأ : ٤٧ \]. 
وقوله تعالى : أعلم غيب السموات والأرض  معناه : ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته الكل معلوم له( [(٤)](#foonote-٤) ) وما في موضع نصب **«بأعلم »**. 
قال المهدوي : ويجوز أن يكون قوله  أعلم  اسماً بمعنى التفضيل في العلم، فتكون  ما  في موضع خفض بالإضافة. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فإذا قدر الأول اسماً فلا بد بعده من إضمار فعل ينصب  غيب ، تقديره إني أعلم من كل أعلم غيب، وكونها في الموضعين فعلاً مضارعاً أخصر وأبلغ( [(٥)](#foonote-٥) ). 
واختلف المفسرون في قوله تعالى : ما تبدون وما كنتم تكتمون  فقالت طائفة : ذلك على معنى العموم( [(٦)](#foonote-٦) ) في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع. 
وحكى مكي أن المراد بقول  ما تبدون  قولهم : أتجعل فيها  الآية. 
وحكى المهدوي أن  ما تبدون  قولهم : ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق أعلم منا ولا أكرم عليه، فجعل هذا مما أبدوه لما قالوه. 
وقال الزهراوي :**«ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم »**. 
واختلف في المكتوم فقال ابن عباس وابن مسعود : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والكفر، ويتوجه قوله  تكتمون  للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا، أي منكم فاعله. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ الحجرات : ٤ \] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع، وقال قتادة : المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم : ليخلق ربنا ما شاء، فجعل هذا فيما كتموه لما أسروه، -  وإذ  من قوله : وإذ قلنا  معطوف على  إذ  المتقدمة. 
وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل، بشرط وجودهم وفهمهم( [(٨)](#foonote-٨) )، وهذا هو الباب كله في أوامر الله سبحانه ونواهيه ومخاطباته.

١ - أحمد بن محمد أبو الحسن المعروف بالقواس إمام مكة في القراءة..
٢ - في هذا مناقشة، قال أبو (ح): وما ذكر من أنه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر ليس بصحيح ثم قال: "حكى الأخفش في الأوسط أن العرب تحول من الهمزة موضع اللام ياء فيقولون: قريت، وأخطيت، وتوضيت" وعلّق أبو (ح) على كلام الأخفش فقال: "ودل ذلك على أنه ليس من ضرائر الشعر كما ذكر أبو الفتح" البحر المحيط ١/١٤٩..
٣ - هذا ثاني موضع ذكرت فيه ياء من ياءات الإضافة المختلف فيها في القرآن، وهي ياء المتكلمن فقرأ نافع، وابن كثير، والبصري هنا بفتح الياء، والباقون بتسكينها، واتفق السبعة على السكون في قوله تعالى: \[ولا تفتني ألا\]، \[أرني أنظر\]، \[فاتبعني أهدك\]، \[وترحمني أكن\]، ولا تظهر علة لاختلافهم واتفاقهم إلا اتباع الرواية، وتلك سنة متبعة في القرآن..
٤ - فيه أن أحدا لا يعلم من العلم إلا ما علمه الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله به، كالأنبياء فإنهم يعلمونه تفصيلا، والأولياء فإنه يعلمونه إجمالا، وكل من حاول ادعاء علم الغيب من كاهن أو عراف أو منجم أو مشعوذ فهو كاذب..
٥ - نقل أبو (ح) في تفسيره كلام ابن عطية عن المهدوي، ثم قال: "وما نقله ابن عطية عن المهدوي وهم، والذي ذكره المهدوي في تفسيره ما نصه-: \[وأعلم ما تبدون\] يجوز أن ينتصب \[ما\] بأعلم على أنه فعل، ويجوز أن يكون بمعنى عالم، أو يكون \[ما\] جرا بالإضافة، ويجوز أن يقدر التنوين في \[أعلم\] إذا قدرته بمعنى عالم، وتنصب \[ما\] به فيكون بمعنى حواج بيت الله –انتهى- ثم علق أبو (ح) فقال: "فأنت ترى أنه لم يذهب إلى أن (أفعل) للتفضيل، وأنه لم يجز الجر في \[ما\] والنصب وتكون أفعل اسما إلا إذا كان بمعنى فاعل لا أفعل تفضيل، ولا يمكن أن يقال ما نقله ابن عطية عن المهدوي من جواز أن يكون أعلم أفعل بمعنى التفضيل وخفض (ما) بالإضافة البتة". البحر المحيط ١/١٥٠..
٦ - هذا أولى الأقوال وأفضلها، وقوله تعالى: \[وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون\] نسق على جملة \[ألم أقل لكم\] الخ، وليس نسقا على \[أعلم\]، إذ هو ليس داخلا تحت القول..
٧ - الآية ٤ من سورة الحجرات..
٨ - نقل (ق) رحمه الله هذه العبارة بالنص عند قوله تعالى: \[وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة\] إذ قول الله هناك كقوله هنا، وفي (خ) ما ذكره (أي ابن عطية) هو عقيدة أهل السنة. ونحن ننقل هنا من كلام الأئمة إن شاء الله ما يتبين به كلامه ويزداد وضوحا. قال ابن رشد: قوله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" لا يفهم منه أن لله عز وجل كلمات غير تامات، لأن كلماته هي قوله، وكلامهت هو صفة من صفات ذاته يستحيل عليها النقص.
 وفي الحديث دليل واضح على أن كلماته عز وجل غير مخلوقة، إذ لا يستعاذ بمخلوق، وهذا هو قول أهل السنة.
 والحق أن كلام الله عز وجل صفة من صفات ذاته قديم غير مخلوق لأن الكلام هو المعنى القائم في النفس، والنطق به عبارة عنه، قال الله عز وجل: \[ويقولون في أنفسهم\] فأخبر أن القول معنى يقوم في النفس- وتقول: في نفسي كلام أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهوم من كلامه، وأما الذي تسمعه منه فهو عبارة عنه- وكذلك كلام الله عز وجل القديم الذي هو صفة من صفات ذاته هو المفهوم من قراءة القارئ لا نفس قراءته الت يتسمعها، لأن نفس قراءته التي تسمعها محدثة لم تكن حتى قرأ بها فكانت، وهذا كله بين إلا لمن أعمى الله بصيرته. انتهى بلفظه من البيان.
 وقال الإمام الغزالي رحمه الله بعد كلام له نحو ما تقدم لابن رشد:
 "وكما عقل قيام طلب التعلم وإرادته بذات الوالد قبل أن يخلق ولده، حتى إذا خلق ولده وعقل، وخلق الله سبحانه علما بما في قلب أبيه من الطلب صار مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه، ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده- قليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل: \[فاخلع نعليك\]- بذات الله تعالى ومصير موسى عليه السلام، سامعا لذلك الكلام، مخاطبا به بعد وجوده، إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب، ومعرفة بذلك الكلام القديم" انتهى. من الإحياء. "وتلخيص المعتقد: أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشر وجودها، قادرا مع تأخر المقدورات، عالما مع تأخر المعلومات فكل ما يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكل ما يُسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر فهو قديم لم يزل" انتهى كلامه رحمه الله.
 وهذه المسألة من جملة المسائل الثلاث التي تعتبر من أصعب ما في علم الكلام..

### الآية 2:34

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [2:34]

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( ٣٤ )
و  قلنا  كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، وقوله للملائكة عموم فيهم. 
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع( [(١)](#foonote-١) ) :**«للملائكةُ اسجدوا »** برفع تاء للملائكة إتباعاً لضمة ثالث المستقبل. 
قال أبو علي :**«وهذا خطأ »**. 
وقال الزجاج :**«أبو جعفر من رؤساء القرأة ولكنه غلط في هذا »**. 
قال أبو الفتح : لأن الملائكة في موضع جر فالتاء مكسورة كسرة إعراب، وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إنما يجوز إذا كان ما قبل الهمزة حرفاً ساكناً صحيحاً، نحو قوله تعالى : وقالت اخرج عليهن ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ يوسف : ٣١ \] والسجود في كلام العرب الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر \[ زيد الخيل \] :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ترى الأُكْمَ فيهِ سُجَّداً للحوافرِ( [(٣)](#foonote-٣) )
وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء وخضوع، ذكره النقاش وغيره، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود. 
قوله تعالى : فقعوا له ساجدين  \[ الحجر : ٢٩ \] لا دليل فيه( [(٤)](#foonote-٤) ) لأن الجاثي على ركبتيه واقع. 
واختلف في حال السجود لآدم، فقال ابن عباس :**«تعبدهم الله بالسجود لآدم، والعبادة في ذلك لله »**. 
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس :**«إنما كان سجود تحية كسجود أبوي يوسف عليه السلام، لا سجود عبادة »**. 
وقال الشعبي :**«إنما كان آدم كالقبلة( [(٥)](#foonote-٥) )، ومعنى لآدم إلى آدم »**( [(٦)](#foonote-٦) ). 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام. 
وحكى النقاش عن مقاتل :**«أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه »**. 
قال :**«والقرآن يرد على هذا القول »**. 
وقال قوم : سجود الملائكة كان مرتين، والإجماع يرد هذا. 
وقوله تعالى : إلا إبليس  نصب على الاستثناء المتصل، لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً وملكاً على سماء الدنيا والأرض، والأرض، واسمه عزازيل، قاله ابن عباس. 
وقال ابن زيد والحسن :**«هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ملكاً »**. 
وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضاً، قال :**«واسمه الحارث »**( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وقال شهر بن حوشب : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيراً، وتعبد وخوطب معها( [(٨)](#foonote-٨) )، وحكاه الطبري عن ابن مسعود : والاستثناء على هذه الأقوال منقطع، واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال صفة للملائكة :**«لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون »**( [(٩)](#foonote-٩) ). 
ورجح الطبري قول من قال :**«إن إبليس كان من الملائكة »**. وقال :**«ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة »**. 
وقوله عز وجل : كان من الجن ففسق عن أمر ربه ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ الكهف : ٥٠ \] يتخرج على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها، قال تعالى : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ الصافات : ١٥٨ \]. 
وقال الأعشى( [(١٢)](#foonote-١٢) ) في ذكر سليمان عليه السلام :\[ الطويل \]
وسخّر من جن الملائك تسعة. . . قياماً لديه يعملون بلا أجْرِ
أو على أن يكون نسبهم إلى الجنة كما ينسب إلى البصرة بصريّ، لما كان خازناً عليها، و  إبليس  لا ينصرف لأنه اسم أعجمي معرف( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
قال الزجاج :**«ووزنه فِعْليل »**. 
وقال ابن عباس والسّدي وأبو عبيدة وغيرهم : هو مشتق من أبلس إذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل ولم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه، وأجروه مجرى إسحاق من أسحقه الله، وأيوب من آب يؤوب، مثل قيوم من قام يقوم، ولما لم تصرف هذه -ولها وجه من الاشتقاق- كذلك لم يصرف هذا وإن توجه اشتقاقه لقلته وشذوذه، ومن هذا المعنى قول الشاعر العجاج :\[ الرجز \]. 
يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا. . . قال نعمْ أعرفه وأبلسا( [(١٤)](#foonote-١٤) )
أي تغير وبعد عن العمار والإنس به ومثله قول الآخر :\[ الرجز \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الوجوه صفرة وإبلاس( [(١٥)](#foonote-١٥) )
ومنه قوله تعالى : فإذا هم مبلسون ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) \[ الأنعام : ٤٤ \] أي يائسون عن الخير مبعدون منه فيما يرون- و  أبى  معناه امتنع من فعل ما أمر به، و  استكبر  دخل في الكبرياء، والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه، والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده. ( [(١٧)](#foonote-١٧) )
وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح( [(١٨)](#foonote-١٨) )، حسد إبليس آدم وتكبر، وشح آدم في آكله من شجرة قد نهي عن قربها. 
حكى المهدوي عن فرقة أن معنى  وكان من الكافرين  : وصار( [(١٩)](#foonote-١٩) ) من الكافرين. 
وقال ابن فورك :**«وهذا خطأ ترده الأصول »**. 
وقالت فرقة :**«قد كان تقدم قبل من الجن من كفر فشبهه الله بهم وجعله منهم، لما فعل في الكفر فعلهم »**. 
وذكر الطبري عن أبي العالية أنه كان يقول :**«وكان من الكافرين معناه : من العاصين »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت. 
وروي أن الله تعالى خلق خلقاً وأمرهم بالسجود لآدم فعصوا فأحرقهم بالنار، ثم خلق آخرين وأمرهم بذلك فعصوا فأحرقهم، ثم خلق الملائكة فأمرهم بذلك فسجدوا. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : والإسناد في مثل هذا غير وثيق. 
وقال جمهور المتأولين : معنى  وكان من الكافرين  أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة. ( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )
وذهب الطبري : إلى أن الله أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوته ومع تقدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم، واختلف هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالماً بالله قبل كفره، فمن قال إنه كفر جهلاً : قال :**«إنه سلب العلم عند كفره »**. ومن قال كفر عناداً قال :**«كفر ومعه علمه »**، قال : والكفر عناداً مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن شاء( [(٢١)](#foonote-٢١) ). ولا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم اسكن.

١ - أبو جعفر بن القعقاع: من مشاهير القراء ومن مشيخة نافع بن أبي نعيم، أحد القراء السبعة، أخذ القرآن من عبد الله بن عباس وغيره، وقرأ بضم التاء وقال: إنها لغة أزدشنوءة، وعلل قراءته- بأن العرب تستثقل الضمة بعد الكسر- وبأن هذه التاء كهمزة الوصل. فكما أن الهمزة تسقط في الدرج لأنها ليست أصيلة كذلك التاء في الملائكة تسقط كونها ليست أصيلة، فقالوا (الملائك) كما قال الأعشى في البيت الآتي، ومع ذلك تألبوا عليه وخطؤوه..
٢ - من الآية ٣١ من سورة يوسف..
٣ - صدره: بجمع تضل البلق في حجراته ............................
 وقائله زيد الخيل..
٤ - أي: للقول ببلوغهم غاية السجود وهو وضع الجبهة على الأرض..
٥ - ما قاله الشعبي تفسير لقول ابن عباس، فكما أن الصلاة إلى الكعبة هي عبادة لله، فكذلك الصلاة إلى آدم هي عبادة لله وآدم قبلة..
٦ - هناك فرق بين قولك: (سجد له) و(سجد إليه)، والسجود لله طاعة وإيمان، والسجود لغيره كفر وعصيان، ويقال سجد إلى العنزة كما يقال صلى إلى الكعبة..
٧ - اسمه عزازيل بالسريانية، والحارث بالعربية..
٨ - مربوط بالفعلين قبله، فكان يتعبد معهم، وخوطب معهم في قوله تعالى: \[اسجدوا لآدم\]..
٩ - من الآية ٦ من سورة التحريم..
١٠ - من الآية ٥٠ من سورة الكهف..
١١ - من الآية ١٥٨ من سورة الصافات..
١٢ - هو أعشى قيس.
١٣ - أي: لا اشتقاق لهن وقيل: إنه مشتق من الإبلاس، وهو اليأس، يقال: أبلس من رحمة الله إذا يئس، ولما كان عربيا وجب أن ينصرف إلا أن علة عدم صرفه هي شذوذه، وقلة نظائره، فكأنه بذلك أشبه الإسم الأعجمي..
١٤ - الرسم: الأثر- ورسم الدار: ما كان من آثارها لاصقا بالأرض- والكرس بالكسر: الأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض. (الصحاح)..
١٥ - صدره: وحضرت يوم خميس الأخماس .............................
 وهو لرؤية بن العجاج. والإبلاس هو: الحزن والانكسار، وقد يحمل معنى الياس والقنوط وقطع الرجاء..
١٦ - من الآية ٤٤ من سورة الأنعام..
١٧ - يعني أن الإباية مقدمة على الاستكبار في الظاهر، والاستكبار مقدم على الإباية في الباطن..
١٨ - الشح هنا: هو الحرص على الشيء والرغبة فيه..
١٩ - من المعروف أن كان هي أم الأفعال، لأن كل شيء داخل تحت الكون. فتأتي بمعنى صار وبمعنى غيره، وقد فسر الآية بـ(صار) علماء اللغة. كالفيروز بادي في القاموس، والفيومي في المصباح، وابن منظور في اللسان، وغيرهم، والمعنى: أنه آل أمره إلى الكفر – أو يقال: إن كان على بابها، ولكن بالقياس إلى ما في علم الله تعالى..
٢٠ - أي موافاة الإيمان أو الكفر، وهذا صحيح للحديث الصحيح (وإنما الأعمال بالخواتيم)..
٢١ - أي وواقع- كفرعون فإنه ادعى الربوبية مع علمه بوحدانية الله وربوبيته، -وكأبي جهل فإنه أقام على كفره مع تحققه من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وعلمه أن ما جاء به حق..

### الآية 2:35

> ﻿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [2:35]

وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( ٣٥ )
 اسكن  معناه لازم الإقامة، ولفظه لفظ الأمر ومعناه الإذن، و  أنت  تأكيد( [(١)](#foonote-١) ) للضمير الذي في  اسكن ،  وزوجك  عطف عليه والزوج امرأة الرجل وهذا أشهر من زوجة، وقد تقدم، و  الجنة  البستان عليه حظيرة، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم، هل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما ؟ وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثاباً لا يخرج منها( [(٢)](#foonote-٢) )، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها. 
واختلف متى خلقت حواء من ضلع آدم عليه السلام ؟ فقال ابن عباس **«حين أنبأ الملائكة بالأسماء وأسجدوا له ألقيت عليه السنة وخلقت حواء، فاستيقظ وهي إلى جانبه »** فقال فيما يزعمون : لحمي ودمي، وسكن إليها، فذهبت الملائكة لتجرب علمه، فقالوا له يا آدم ما اسمها ؟ قال : حواء. قالوا : ولم ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي، ثم قال الله له : اسكن أنت وزوجك الجنة . 
وقال ابن مسعود وابن عباس أيضاً : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشاً، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصيرى( [(٣)](#foonote-٣) )، ليسكن إليها ويستأنس بها، فلما انتبه رآها، فقال : من أنت ؟ قالت : امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي، وحذفت النون من  كلا  للأمر( [(٤)](#foonote-٤) )، والألف الأولى لحركة الكاف( [(٥)](#foonote-٥) ) حين حذفت الثانية لاجتماع المثلين وهو حذف شاذ، ولفظ هذا الأمر ب  كلا  معناه الإباحة، بقرينة قوله : حيث شئتما  والضمير في  منها  عائد على  الجنة . 
وقرأ ابن وثاب والنخعي **«رغْداً »** بسكون الغين، والجمهور على فتحها، والرغد العيش الدارّ الهنيّ الذي لا عناء فيه، ومنه قول امرىء القيس :\[ الرمل \]. 
بينما المرء تراه ناعماً. . . يأمن الأحداث في عيشٍ رَغَدْ
و  رغداً  منصوب على الصفة لمصدر محذوف وقيل : هو نصب على المصدر في موضع الحال، و  حيث  مبنية على الضم، ومن العرب من يبنيها على الفتح، ومن العرب من يعربها حسب موضعها بالرفع والنصب والخفض، كقوله سبحانه : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الأعراف : ٨٢، القلم : ٤٤ \] ومن العرب من يقول **«حوث »**، و  شئتما  أصله شيأتما حوّل إلى فعلتما تحركت ياؤه وانفتح ما قبلها جاء شائتما، حذفت الألف الساكنة الممدودة للالتقاء وكسرت الشين لتدل على الياء فجاء شئتما. 
قال القاضي أبو محمد : هذا تعليل المبرد، فأما سيبويه فالأصل عنده شيئتما بكسر الياء، نقلت حركة الياء إلى الشين، وحذفت الياء بعد. 
وقوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة  معناه لا تقرباها، بأكل، لأن الإباحة فيه وقعت. 
قال بعض الحذاق :**«إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ تقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب »**( [(٧)](#foonote-٧) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا مثال بين في سد الذرائع. 
وقرأ ابن محيصن هذي على الأصل، والهاء في هذه بدل من الياء، وليس في الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير هذه، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرة معينة واحدة، أو إلى جنس. 
وحكى هارون الأعور عن بعض العلماء قراءة **«الشِّجرة »** بكسر الشين و **«الشجر »** كل ما قام من النبات على ساق. 
واختلف في هذه  الشجرة  التي نهى عنها ما هي ؟
فقال ابن مسعود وابن عباس :**«هي الكَرْم ولذلك حرمت علينا الخمر »**. 
وقال ابن جريج عن بعض الصحابة :**«هي شجرة التين »**. 
وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك وعطية وقتادة :**«هي السنبلة وحبها ككلى البقر، أحلى من العسل، وألين من الزبد »**. 
وروي عن ابن عباس أيضاً :**«أنها شجرة العلم، فيها ثمر كل شيء »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لا يصح عن ابن عباس. 
وحكى الطبري عن يعقوب بن عتبة :**«أنها الشجرة التي كانت الملائكة تحنك( [(٨)](#foonote-٨) ) بها للخلد »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أيضاً ضعيف. 
قال :**«واليهود تزعم أنها الحنظلة، وتقول : إنها كانت حلوة ومُرَّت( [(٩)](#foonote-٩) ) من حينئذ »**. 
قال القاضي أبو محمد وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها، وفي حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر ولا ينهى. 
وقيل إن هذه الشجرة كانت خصت بأن تحوج آكلها إلى التبرز، فلذلك نهي عنها فلما أكل منها ولم تكن الجنة موضع تبرز أهبط إلى الأرض. 
وقوله  فتكونا  في موضع جزم على العطف على  لا تقربا ، ويجوز فيه النصب على الجواب، والناصب عند الخليل وسيبويه **«أن المضمرة »**، وعند الجرمي( [(١٠)](#foonote-١٠) ) الفاء، والظالم في اللغة الذي يضع الشيء غير موضعه، ومنه قولهم :**«من أشبه أباه فما ظلم( [(١١)](#foonote-١١) ) »** ومنه **«المظلومة الجلد »**( [(١٢)](#foonote-١٢) ) لأن المطر لم يأتها في وقته، ومنه قول عمرو بن قميئة :\[ الكامل \]
ظلم البطاح بها انهلالُ حريصةٍ. . . فصفا النطافُ له بعيدَ المقلعِ( [(١٣)](#foonote-١٣) )
والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاها الشرك، ثم ظلم المعاصي وهي مراتب، وهو في هذه الآية يدل على أن قوله : ولا تقربا  على جهة الوجوب، لا على الندب، لأن من ترك المندوب لا يسمى ظالماً، فاقتضت لفظة الظلم قوة النهي( [(١٤)](#foonote-١٤) ).

١ - أي ليصح العطف عليه، ومثله قوله تعالى: \[فاذهب أنت وربك\]..
٢ - لقوله تعالى: \[وما هم منها بمخرجين\]..
٣ - بالتصغير هي أسفل الأضلاع، وقبل آخر ضلع من الجنب وقال أبو الهيثمك القصري أسفل الأضلاع، والقصيري أعلى الأضلاع- ثم قال: وفي كتاب أبو عبيد: القصيري هي التي تلي الشاكلة وهي ضلع الخلف..
٤ - هذا جار على مذهب الكوفيين القائلين إن الأمر معرب، ومذهب البصريين هو البناء..
٥ - أي: وحذفت الألف الأولى لحركة الكاف، واعلم أن أصل (كل) أؤكل: اجتلبت الهمزة الأولى للوصل- والثانية فاء الكلمة، ثم حذفت الثانية لاجتماع المثلين فوليت همزة الوصل الكاف وهي متحركة، ولما زال موجب اجتلابها زالت هي بنفسها..
٦ - من الآية ١٨٢ من سورة الأعراف، أو من الآية ٤٤ من سورة القلم..
٧ - فيه أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل، إذ قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا حمل إليه ذلك، فالأولى أن يقال: المنع مع الأكل مستفاد من المقام، أي ولا تقرباها بالأكل، إذ الإباحة إنما وقعت فيه..
٨ - أي تأكل منها لخلدهم. يقال: احتنك الجراد الأرض أي أكل ما عليها..
٩ - يقال: مر الشيء مرارة صار مرا ضد حلا..
١٠ - بفتح الجيم: أبو عمر صالح بن اسحق، لغوي نحوي مشهور، انظر بغية الوعاة للسيوطي..
١١ - أي ما وضع الشيء في غير موضعه، لأن من شأن الولد أن يشبه أباه في دينه ونسبه وفي حياته وسببه..
١٢ - المظلومة: هي الأرض التي حفر فيها بئر أو حوض ولم تحفر قط- والجلد هيا لأرض الصلبة المستوية..
١٣ - الحريصة: هي السحابة التي تقشر وجه الأرض وتؤثر فيه بمطرها من شدة وقعه، ويقال: انهل المطر إي انصب بشدة. والنطاف: جمع نطفة وهي الماء الصافي قل أو كثر- والمقلع: مصدر بمعنى الإقلاع وهو انقطاع المطر- والبيت في وصف المطر وأثره في الأرض- وظلمه للبطاح أنه جاء في غير أوانه، وانصب في غير مصبه..
١٤ - إنما قال ذلك لأن كل نهي يتضمن أمرا، كما أن كل أمر يتضمن نهيا، فقوله: \[لا تقربا\] في ضمنه \[اتركا\] هذه الشجرة..

### الآية 2:36

> ﻿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [2:36]

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( ٣٦ )
و **«أزلهما »** مأخوذ من الزلل، وهو في الآية مجاز، لأنه في الرأي والنظر، وإنما حقيقة الزلل في القدم. 
قال أبو علي : فأزلهما  يحتمل تأويلين، أحدهما، كسبهما الزلة( [(١)](#foonote-١) )، والآخر أن يكون من زل إذا عثر «( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقرأ حمزة :» فأزالهما «، مأخوذ من الزوال، كأنه المزيل لما كان إغواؤه مؤدياً إلى الزوال. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء، ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم. واختلف في الكيفية، فقال ابن عباس وابن مسعود وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى : وقاسمهما  والمقاسمة ظاهرها المشافهة. 
وقال بعضهم : إن إبليس لما دخل إلى آدم كلمه في حاله، فقال : يا آدم ما أحسن هذا لو أن خلداً كان، فوجد إبليس السبيل إلى إغوائه، فقال : هل أدلك على شجرة الخلد ؟. 
وقال بعضهم : دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية( [(٣)](#foonote-٣) )، بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم تدخله إلا الحية، فخرج إلى حواء وأخذ شيئاً من الشجرة، وقال : انظري ما أحسن هذا فأغواها حتى أكلت، ثم أغوى آدم، وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوءاتهما، وحصلا في حكم الذنب، ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم( [(٤)](#foonote-٤) )، وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم في كل شهر( [(٥)](#foonote-٥) )، وكذلك تحملين كرهاً، وتضعين كرهاً، تشرفين به على الموت مراراً. زاد الطبري والنقاش :» وتكونين سفيهة، وقد كنت حليمة «. 
وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانه وسلطانه ووساوسه التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :» إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم( [(٦)](#foonote-٦) ) **«. والضمير في  عنها  عائد على  الشجرة  في قراءة من قرأ »** أزلهما **«، ويحتمل أن يعود على  الجنة  فأما من قرأ »** أزالهما «فإنه يعود على  الجنة  فقط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر، تقديره فأكلا من الشجرة. 
وقال قوم :» أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعاً على جميع جنسها «. 
وقال آخرون :» تأولا النهي على الندب «. 
وقال ابن المسيب :» إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فكان في غير عقله «( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وقوله تعالى : فأخرجهما مما كانا فيه  يحتمل وجوهاً، فقيل أخرجهما من الطاعة إلى المعصية. وقيل : من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا. وقيل : من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب( [(٨)](#foonote-٨) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله يتقارب. 
وقرأ أبو حيوة :» اهبُطوا «بضم الباء. 
**«ويفعُل »** كثير في غير المتعدي وهبط غير متعدٍّ. والهبوط النزول من علو إلى أسفل. 
واختلف من المخاطب بالهبوط، فقال السدي وغيره :**«آدم وحواء وإبليس والحية( [(٩)](#foonote-٩) ) »**. 
وقال الحسن :**«آدم وحواء والوسوسة »**. 
قال غيره :**«والحية لأن إبليس قد كان أهبط قبل عند معصيته »**. 
و  بعضكم لبعض عدو  جملة في موضع الحال، وإفراد لفظ  عدو  من حيث لفظ  بعض ، وبعض وكل تجري مجرى الواحد، ومن حيث لفظة  عدو  تقع للواحد، والجمع، قال الله تعالى : هم العدو فاحذرهم ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ المنافقون : ٤ \]  ولكم في الأرض مستقر  أي موضع استقرار قاله أبو العالية وابن زيد. 
وقال السدي :**«المراد الاستقرار في القبور، والمتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة، وحديث، وأنس، وغير ذلك »**. وأنشد سليمان( [(١١)](#foonote-١١) ) بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه :\[ الطويل \]
وقفتُ على قبرٍ غريب بقفرة. . . متاع قليل من حبيب مفارق( [(١٢)](#foonote-١٢) )
واختلف المتأولون في الحين هاهنا فقالت فرقة : إلى الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا، وقالت فرقة : إلى حين  إلى يوم القيامة، وهذا قول من يقول : المستقر هو في القبور. ويترتب أيضاً على أن المستقر في الدنيا أن يراد بقوله : ولكم ، أي لأنواعكم في الدنيا استقرار ومتاع قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة، والحين المدة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان والالتزامات سنة. 
قال الله تعالى : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) \[ إبراهيم : ٢٥ \] وقد قيل : أقصرها ستة أشهر، لأن من النخل ما يثمر في كل ستة أشهر، وقد يستعمل الحين في المحاورات في القليل من الزمن. 
وفي قوله تعالى : إلى حين  فائدة لآدم عليه السلام، ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها، وهي لغير آدم دالة على المعاد. 
وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سرنديب( [(١٤)](#foonote-١٤) ) وأن حواء نزلت بجدة، وأن الحية نزلت بأصبهان، وقيل بميسان، وأن إبليس نزل على الأبلة.

١ - أي جعلهما يكسبان الزلة والخطيئة، وكسب يتعدى إلى واحد وإلى اثنين، وأزل واستزل بمعنى واحد..
٢ - أي سقط من منزلة إلى أخرى، يقال زل الرجل، والفرس كبا، وزل به فرسه فسقط..
٣ - البخت نوع من الإبل، وهي الإبل الخراسانية..
٤ - ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الحيات، وروى البخاري، ومسلم، والنسائي عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى. وقد أنزلت عليه: \[والمرسلات عرفا\] فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية، فقال: "اقتلوها"، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "وقاها الله شركم كما وقاكم شرها"- وفي مسند الإمام أحمد، عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عيله وسلم قال: "من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا بالله، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا"-..
٥ - قيل: إن أزواج الآخرة طاهرات من الحيض والنفاس، والبول والغائط، ومن كل أذى يكون في نساء الدنيا، كما قال تعالى: \[ولهم فيها أزواج مطهرة\] وكذلك خلقت حواء حتى عصيت بالأكل من الشجرة، فلما عصيت قال الله لها: إني خلقتك وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة..
٦ - هذا حديث صحيح- ومن ابتلي بوسوسة الشيطان في أي عمل من أعماله فالدواء هو الإعراض عنه، وعدم الالفتات إليه، والثقة بالله، والتعوذ به..
٧ - كيف يكون هذا وخمر الآخرة لا يغتال العقول، كما قال تعالى: \[لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون\]، ونقل (ق) عن ابن العربي فساد هذا القول عقلا ونقلا، والعجب من سكوت ابن عطية رحمه الله على نسبة هذا إلى سعيد بن المسيب التابعي الجليل. والحق أنه أكل ناسيا كما قال تعالى: \[ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما\]، ومن الملاحظ أن أبا محمد بن عطية رحمه الله جرى هنا وراء القصص الذي لا يتوقف عليه فهم الآية الكريمة. والعصمة من الله وحده..
٨ - والصواب أن إخراج آدم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرامه وجعله (هو وأخيار ذريته) خليفة في الآرض، لعمارتها وإصلاحها بوحدانية الله وعبادته، وإقامة أحكامه بين عباده..
٩ - يرى الزمخشري أن قوله تعالى: (اهبطوا منها جميعا) خطاب لآدم وحواء خاصة، قال: وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما، والدليل على ذلك قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو) قال: ويدل على ذلك قوله تعالى: (فمن تبع هداي فلا خوف عيهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
 وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم، ومعنى قوله تعالى: (بعضكم لبعض عدو) ما عليه الناس من التعادي والتباغي، وتضليل بعضهم بعضا- وهذا ظاهر من حيث أن المودة والرحمة التي جعلها الله بين كل زوجين قد تتعرض لوسوسة الشيطان، فإن أصغيا له، وخدعا بوسوسته انقلب ذلك عداوة وحربا وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم).
 وهناك رأي آخر، ولعله أظهر: وهو أن يعود الضمير إلى آدم وزوجه وإبليس، وهم ثلاثة قد تقدم ذكرهم، فلماذا يعود الضمير على بعضهم دون الجميع مع أن اللفظ والمعنى يقتضي ذلك؟
 وأما قوله تعالى في صورة طه: (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو) فهذا خطاب لاثنين، فإما أن يرجع ذلك إلى آدم وزوجه، وإما أن يرجع إلى آدم وإبليس. ولم تذكر الزوجة لأنها تبع لآدم، وعلى هذا فالعداوة المداوة المذكورة للمخاطبين بالهبوط هي بين آدم وإبليس والأمر ظاهر، وأما على رجوعه إلى آدم وزوجته فتكون الآية قد اشتملت على أمرين. أحدهما: أمره تعالى لآدم زوجته بالهبوك، والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجه وبين إبليس، ولذا أتى بضمير الجمع في الثاني دون الأول، ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا لقوله تعالى: (إن هذا عدو لك ولزوجك) ولقوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخدوه عدوا). وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية، وأما الهبوط فتارة يذكر لفظ الإفراد، وتارة بالتثنية، وتارة بالجمع، فحيث ورد بالإفراد كما في سورة (الأعراف) فهو لأبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع كما في سورة (البقرة) فهو لآدم وزوجه وإبليس. وحيث ورد بصيغة التثنية كما في سورة (طه) فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل، وأقدما على المعصية، وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا ذريتيهما والزوجة تبع لزوجها، فذكر حالهما ومآلهما ليكون ذلك عظة وعبرة لأولادهما، والذي يوضح أن الضمير في قوله تعالى: \[اهبطا منها جميعا\] لآدم وإبليس أن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه: فقال: \[وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، قال اهبطا منها جميعا\] وهذا يدل على المخاطبين: آدم الذي عصى، وإبليس الذي زين المعصية، ودخلت الزوجة بحكم التبعية، فإن النقصود من هذه القصة: إخبار الله تعالى الثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر، فما رآه الزمخشري أحد قولين، والذي يقويه النظر والدليل: هو ما تقدم من البيان والتفصيل، كما أشار إليه ابن القيم رحمه الله..
١٠ - من الآية ٤ من سورة المنافقون..
١١ - أحد خلفاء بني أمية، كان يميل إلى العدل، ويحسن إلى العلماء، ويرجع إلى الدين والقرآن، افتتح ولايته بخير، واختتمها بخير، افتتحها برد الصلاة إلى ميقاتها الأول، وقد كان قبله يؤخرون الصلاة عن وقتها- واختتمها باستخلافه لعمر بن عبد العزيز. مات بالتخمة رحمه الله سنة ٩٨هـ، وعمره تسع وثلاثون سنة. انظر التفسير عند قوله تعالى: \[فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار\]..
١٢ - روى الدارقطني، على سويد بن غفلة، قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ابن أبي طالب، فما أصيب علي وبويع الحسن بالخلافة، قالت لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين، فقال: يقتل علي وتظهرين الشماتة اذهبي فأنت طالق ثلاثا. قال: فتلفعت بساجها، وقعدت حتى انقضت عدتها، وفبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت: (متاع قليل من حبيب مفارق) فلما بلغه قولها بكى وقال: لولا أني أبنت طلاقها لراجعتها ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند كل طهر تطليقة أو عند رأس كل شهر تطليقة أو طلقها ثلاثا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
 نقله (ق) عند قوله تعالى: \[ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف\] العفرة اسم قرية، وقد أطال النفس في هذه القضية صاحب وفيات الأعيان وفيه: (على قبر مقيم بقفرة) بالقاف انظره في ترجمة أبي المقدام رجاء بن حيوة الكندي..
١٣ - من الآية ٢٥ من سورة إبراهيم..
١٤ - هي سيلان (واسمها الآن سيرى لانكا) وميسان: سجستان، والأُبلة: موضع بالعراق والله أعلم. وطبعا هي أقوال لا سند لها..

### الآية 2:37

> ﻿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:37]

فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ٣٧ )
المعنى : فقال الكلمات فتاب الله عليه عند ذلك، و  آدمُ  رفع ب **«تلقى »**، و  كلمات  نصب بها، والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم. 
وحكى مكي قولاً : أنه أُلهِمَهاها فانتفع بها. 
وقرأ ابن كثير :**«آدمَ »** بالنصب. **«من ربه كلماتٌ »** بالرفع، فالتلقي من الكلمات هو نيل آدم بسببها رحمة الله وتوبته. 
واختلف المتأولون في الكلمات، فقال الحسن بن أبي الحسن : هي قوله تعالى : ربنا ظلمنا أنفسنا ( [(١)](#foonote-١) ) الآية \[ الأعراف : ٢٣ \]. وقال مجاهد :**«هي أن آدم قال : سبحانك اللهم لا إله أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت التواب الرحيم »**. 
وقال ابن عباس :**«هي أن آدم قال : أي رب ألم تخلقني بيدك ؟ قال : بلى، قال : أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك ؟ قال بلى، أي رب ألم تسكني جنتك ؟ قال : بلى. قال : أرأيت إن تبت وأطعت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال : نعم( [(٢)](#foonote-٢) ) »**. 
قال عبيد بن عمير :**«إن آدم قال : أي رب أرأيت ما عصيتك فيه أشيء كتبته على أم شيء ابتدعته ؟ قال : بل شيء كتبته عليك. قال : أي رب كما كتبته علي فاغفر لي »**. 
وقال قتادة :**«الكلمات هي أن آدم قال : أي رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ؟ قال : إذاً أدخلك الجنة »**. 
وقالت طائفة : إن آدم رأى مكتوبا على ساق العرش " محمد رسول الله "، فتشفع بذلك فهي الكلمات. 
وقالت طائفة :**«إن المراد بالكلمات ندمه واستغفاره( [(٣)](#foonote-٣) ) وحزنه، وسماها كلمات مجازاً لما هي في خلقها صادرة عن كلمات، وهي كن في كل واحدة منهن، وهذا قول يقتضي أن آدم لم يقل شيئاً إلا الاستغفار المعهود »**. 
وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، يقول ما قال أبواه،  ربنا ظلمنا أنفسنا . وما قال موسى : رب إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ القصص : ١٦ \]. وما قال يونس : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ الأنبياء : ٨٧ \]. 
و  تاب عليه  معناه رجع به( [(٦)](#foonote-٦) )، والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف( [(٧)](#foonote-٧) ) وإنما خص الله تعالى آدم بالذكر هنا في التلقي والتوبة، وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع لأنه المخاطب في أول القصة بقوله : اسكن أنت وزوجك الجنة  فلذلك كملت القصة بذكره وحده، وأيضاً فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : وعصى آدم ربه فغوى ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ طه : ١٢١ \]. 
وروي أن الله تعالى تاب على آدم في يوم عاشوراء وكنية آدم أبو محمد، وقيل أبو البشر. 
وقرأ الجمهور :**«إنه »** بكسر الألف على القطع. 
وقرأ ابن أبي عقرب( [(٩)](#foonote-٩) ) :**«أنه »** بفتح الهمزة على معنى لأنه، وبنية  التواب  للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى : إنه هو التواب الرحيم  تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه.

١ - هذا أولى وأحسن ما تفسر به الكلمات لقوله تعالى: (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)..
٢ - رواه أبو عبد الله الحاكم في "فضائل الأنبياء" موقوفا..
٣ - الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالفعل، والعزم على عدم العود وتلك شروط التوبة عند أهل السنة..
٤ - من الآية ١٦ من سورة القصص..
٥ - من الآية ٨٧ من سورة الأنبياء..
٦ - يقال: تاب إلى الله: رجع عن المعصية فهو تائب وتواب وتاب الله عليه: غفر له، ورجع عليه بفضله، فهو تواب على عباده، فمعنى قوله تعالى: (وتاب عليه): تفضل عليه بالتوبة والقبول..
٧ - أي مع العزم على الترك فيما يستقبل..
٨ - وقد طوي ذكر النساء المؤمنات في أكثر القرآن لأنهن تبع للرجال في الأحكام المشتركة..
٩ - هو أبو نوفل العرنجي بفتح المهملتين وسكون النون، واسمه عمرو بن مسلم من التابعين..

### الآية 2:38

> ﻿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:38]

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٣٨ )
وكرر الأمر بالهبوط لما علق بكل أمر منهما حكماً غير حكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وعلق بالثاني إتيان الهدى. وقيل : كرر الأمر بالهبوط على جهة تغليظ الأمر وتأكيده، كما تقول لرجل قم قم. 
وحكى النقاش : أن الهبوط الثاني إنما هو من الجنة إلى السماء، والأول في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو الآخر في الوقوع، فليس في الأمر تكرار على هذا، و  جميعاً  حال من الضمير في  اهبطوا ، وليس بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه عوض منهما دال عليهما، كأنه قال هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً( [(١)](#foonote-١) )، واختلف في المقصود بهذا الخطاب، فقيل آدم وحواء وإبليس وذريتهم، وقيل ظاهره العموم ومعناه الخصوص في آدم وحواء( [(٢)](#foonote-٢) )، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخوطبا بلفظ الجمع تشريفاً لهما، والأول أصح لأن إبليس مخاطب بالإيمان بإجماع، و **«إنْ »** في قوله  فإمّا  هي للشرط دخلت ما عليها مؤكدة ليصح دخول النون المشددة، فهي بمثابة لام القسم التي تجيء لتجيء النون( [(٣)](#foonote-٣) )، وفي قوله تعالى : مني  إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى. واختلف في معنى قوله  هدى ، فقيل : بيان وإرشاد. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : والصواب أن يقال : بيان ودعاء( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقالت فرقة : الهدى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر : هو فمن بعده. 
وقوله تعالى : فمن تبع هداي  شرط جوابه فلا خوف عليهم. 
قال سيبويه، الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله : فإما يأتينكم . 
وحكي عن الكسائي أن قوله : فلا خوف عليهم ( [(٥)](#foonote-٥) ) جواب الشرطين جميعاً. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : حكي هذا وفيه نظر، ولا يتوجه أن يخالف سيبويه هنا، وإنما الخلاف في نحو قوله تعالى : فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الواقعة : ٨٩ \]. فيقول سيبويه :**«جواب أحد الشرطين محذوف لدلالة قوله :( فروح ) عليه »** ويقول الكوفيون :**«فروح جواب الشرطين »**. 
قال القاضي أبو محمد : وأما في هذه الآية فالمعنى يمنع أن يكون  فلا خوف  جَواباً للشرطين. 
وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق : هدى  وهي لغة هذيل. 
قال أبو ذؤيب يرثي بنيه :\[ الكامل \]. 
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهُم. . . فتخرموا، ولكل جنبٍ مصرع( [(٧)](#foonote-٧) )
وكذلك يقولون عصى وما أشبهه، وعلة هذه اللغة أن ياء الإضافة من شأنها أن يكسر ما قبلها، فلما لم يصح في هذا الوزن كسر الألف الساكنة أبدلت ياء وأدغمت. 
وقرأ الزهري ويعقوب وعيسى الثقفي :**«فلا خوفَ عليهم »** نصب بالتبرية( [(٨)](#foonote-٨) ) ووجهه أنه أعم وأبلغ في رفع الخوف، ووجه الرفع أنه أعدل في اللفظ لينعطف المرفوع من قولهم  يحزنون  على مرفوع، **«ولا »** في قراءة الرفع عاملة عمل ليس. 
وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه **«فلا خوفُ »** بالرفع وترك التنوين وهي على أن تعمل **«لا »** عمل ليس، لكنه حذف التنوين تخفيفاً لكثرة الاستعمال، ويحتمل قوله تعالى : لا خوف عليهم  أي فيما بين أيديهم من الدنيا،  ولا هم يحزنون  على ما فاتهم منها، ويحتمل أن  لا خوف عليهم  يوم القيامة،  ولا هم يحزنون  فيه، ويحتمل أن يريد أنه يدخلهم الجنة حيث لا خوف ولا حزن.

١ - هذا التقدير الذي قدره مخالف للحكم الذي أصدره، لأنه قال أولا: وجميعا حال من الضمير في اهبطوا، فكيف يقول ثانيا: كأنه قال: هبوطا جميعا، أو هابطين جميعا؟ فآخر كلامه يعارض أوله- وكونه ليس مصدرا، ولا اسم فاعل، لا يمنع أن يكون حالا حتى يضطر إلى هذا التقدير الذي قدره، وعليه فالعبرة بأول كلامه لا بآخره وهذه الحال من الأحوال اللازمة..
٢ - وإذا كان الخطاب لآدم وحواء، فالمراد ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض- والبعضية موجودة في ذريتهما، لأنه ليس كلهم يعادي كلهم، بل بعضهم يعادي بعضهم، وإن كان الخطاب لهما مع إبليس والحية فكلهم أعداء لكل بني آدم..
٣ - لا يصح توكيد إن الشرطية إلا إذا دخلت ما عليها وهو كثير في القرآن \[إما يبلغن عندك الكبر\] \[وإما ينزغنك من الشيطان نزغ\] \[فإما نذهبن بك\]\[فإما ترين من البشر أحدا\] \[فإما يأتينكم مني هدى\]..
٤ - لقوله تعالى: (هذا بيان للناس) ولقوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام)..
٥ - يصح أن تكون \[من\] موصولة، ويترجح ذلك بقوله تعالى في قسيمة (والذين كفروا وكذبوا) فأتى به موصولا، ويكون قوله تعالى: (فلا خوف عليهم) جملة هي الخبر، والشروط المبيحة لدخول الفاء في الجملة قائمة هنا..
٦ - الآيتان ٨٨-٨٩ من سورة الواقعة..
٧ - يقول أبو ذؤيب الهزلي في رثاء بنيه: إنهم ماتوا قبلي، وأسرعوا لهواهم، وكنت أحب أن أموت قبلهم، أعنق الفرس: أسرع، وتُخرِمُّوا: أخذوا واحدا بعد واحد..
٨ - قراءة النصب أبلغ في المعنى، وقراءة الرفع أعدل في اللفظ. والآية تحتمل أن يكون نفي الخوف والحزن في الدنيا، وأن يكون في الآخرة، وهذا الثاني أولى وأرجح، لأن تعلق المؤمن العاقل بالآخرة أهم من تعلقه بالدنيا، والمنفي هو استيلاء الخوف عليهم، وأما أصل الخوف فحاصل، ولكنهم إذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا..

### الآية 2:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:39]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٣٩ )
وقوله تعالى : والذين كفروا  الآية، عطف جملة مرفوعة على جملة مرفوعة، وقال  وكذبوا  وكان في الكفر كفاية لأن لفظة كفرا يشترك فيها كفر النعم وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلود فبين أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله  وكذبوا بآياتنا  والآية هنا يحتمل أن يريد المتلوة، ويحتمل أن يريد العلامة المنصوبة، وقد تقدم في صدر هذا الكتاب القول على لفظ آية، و  أولئك  رفع بالابتداء و  أصحاب  خبره، والصحبة الاقتران( [(١)](#foonote-١) ) بالشيء في حالة ما، في زمن ما، فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها، وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة، أقلها الاقتران في الإسلام والزمن، وأكثرها الخلطة والملازمة، و  هم فيها خالدون ، ابتداء وخبر في موضع الحال.

١ - والصحبة أدناها الاقتران بالشيء في زمن ما، وأعلاها المخالطة والملازمة، فالصحابة الذين خالطوا الإسلام ولازموه ليسوا كالصحابة الذي اقترنوا بالإسلام في زمن الأزمنة، وفي حال من الأحوال، والكفار الذين خالطوا النار ولازموها ليسوا كالعصاة الذين اقترنوا بها في زمن معين محدود. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم فأماتتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في "الشفاعة"..

### الآية 2:40

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [2:40]

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( ٤٠ )
 يا  حرف نداء مضمن معنى التنبيه. 
قال الخليل :**«والعامل في المنادى فعل مضمر كأنه يقول : أريد أو أدعو »**. 
وقال أبو علي الفارسي : العامل حرف النداء عصب به( [(١)](#foonote-١) ) معنى الفعل المضمر فقوي فعمل، ويدل على ذلك أنه ليس في حروف المعاني ما يلتئم بانفراده مع الأسماء غير حرف النداء، و  بني  منادى مضاف و  إسرائيل  هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وهو اسم أعجمي يقال فيه أسراءل وإسرائيل وإسرائل، وتميم تقول إسرائين، وإسرا هو بالعبرانية عبد وإيل اسم الله تعالى فمعناه عبد الله. 
وحكى المهدوي أن -إسرا- مأخوذ من الشدة( [(٢)](#foonote-٢) ) في الأسر كأنه الذي شد الله أسره وقوى خلقته. 
وروي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق ترك همز إسراييل، والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان( [(٣)](#foonote-٣) )، والنعمة هنا اسم الجنس فهي مفردة بمعنى الجمع، وتحركت الياء من  نعمتي  لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء وفتحها أحسن لزيادة حرف في كتاب الله تعالى( [(٤)](#foonote-٤) )، وخصص بعض العلماء النعمة في هذه الآية. 
فقال الطبري :**«بعثة الله الرسل منهم وإنزال المن والسلوى، وإنقاذهم من تعذيب آل فرعون، وتفجير الحجر »**. 
وقال غيره :**«النعمة هنا أن أدركهم مدة محمد صلى الله عليه وسلم »**. 
وقال أخرون :**«هي أن منحهم علم التوراة وجعلهم أهله وحملته »**. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذه أقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن. 
وحكى مكي : أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. ( [(٥)](#foonote-٥) )
وقال ابن عباس وجمهور العلماء : بل الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي عليه السلام، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في  عليكم  يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد، ومن قال إنما خوطب المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم استقام الضمير في  عليكم  ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة. 
وقوله تعالى : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  أمر وجوابه. 
فقال الخليل :**«جزم الجواب في الأمر من معنى الشرط، والوفاء بالعهد هو التزام ما تضمن من فعل »**. 
وقرأ الزهري :**«أوَفّ »** بفتح الواو وشد الفاء للتكثير. 
واختلف المتأولون في هذا العهد إليهم فقال الجمهور ذلك عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، وقيل العهد قوله تعالى : خذوا ما آتيناكم بقوة ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ البقرة : ٦٣، ٩٣ \]، وقال ابن جريج : العهد قوله تعالى :
 ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ المائدة : ١٢ \]، وعهدهم هو أن يدخلهم الجنة، ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم بعهدهم، لا علة له، لأن العلة لا تتقدم المعلول( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وقوله تعالى : وإياي فارهبون  الاسم إيا والياء ضمير ككاف المخاطب، وقيل  إياي  يجملته هو الاسم، وهو منصوب بإضمار فعل مؤخر، تقديره : وإياي ارهبوا فارهبون، وامتنع أن يتقدر مقدماً لأن الفعل إذا تقدم لم يحسن أن يتصل به إلا ضمير خفيف، فكان يجيء وارهبون، والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية. وقرأ ابن أبي إسحاق بالياء.

١ - أحاط به ذلك فقواه فعمل..
٢ - لو قال: "من الأسر بمعنى الشد" كان إسرائيل شد الله أسره، وقوى خلقه، ومنه قوله تعالى: \[نحن خلقناهم وشددنا أسرهم\]..
٣ - الذكر بالقلب: ضد النسيان، وباللسان: ضد الصمت، وفيه لغتان: الكسر والضم ويقال: الذكر بمعنى الشرف، كقوله تعالى: \[وإنه لذكر لك ولقومك\]..
٤ - وزيادة الحرف يترتب عليه زيادة الأجر- إذ كل حرف حسنات كما في الحديث..
٥ - النعمة نعمتان: نعمة مطلقة، ونعمة مقيدة- فالنعمة المطلقة هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي نعمة الإيمان والإسلام، وهي التي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله في صلواتنا أن يهدينا صراط أهلها ومن خصهم بها، وجعلهم أهل الرفيق الأعلى حيث يقول: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا). فهذه الأصناف الأربعة هم أهل النعمة المطلقة، وإذا قيل ليس لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو صحيح- والنعمة المقيدة كنعمة الصحة والغنى، وعافية الجسد وبسطة الجاه، وكثرة الولد، وأمثال هذه، فهذه النعمة المقيدة مشتركة بين البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وإذا قيل لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو حق، فهذا فصل النزاع في هذه المسألة باختصار، وأكثر اختلاف الناس يأتي من جهتين –أحدهما: اشتراك الألفاظ وإجمالها، والثانية: من جهة الإطلاق والتفصيل، الله أعلم..
٦ - من الآية ٦٣ من سورة البقرة..
٧ - من الآية ١٢ من سورة المائدة..
٨ - بل هي مقارنة له، ولا تكون سابقة عليه، كما يقال: يجب الجلد بالزنا، والظهر بالزوال، وتحرم الخمر بالإسكار فذلك علة للوجوب، وللحرمة، لأن الأحكام تضاف إليها، ومن ثم كانت لا تفارق المعلول..

### الآية 2:41

> ﻿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [2:41]

وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( ٤١ )
 وآمنوا  معناه صدقوا، و  مصدقاً  نصب على الحال من الضمير في  أنزلت ( [(١)](#foonote-١) )، وقيل ما «والعامل فيه  آمنوا  وما أنزلت كناية عن القرآن، و  لما معكم  يعني من التوراة وقوله تعالى : ولا تكونوا أول كافر به  هذا من مفهوم الخطاب الذي : المذكور فيه والمسكوت عنه حكمهما واحد، فالأول والثاني وغيرهما داخل في النهي( [(٢)](#foonote-٢) )، ولكن حذروا البدار إلى الكفر به إذ على الأول كفل من فعل المقتدى به( [(٣)](#foonote-٣) )، ونصب أول على خبر كان. 
قال سيبويه : أول  أفعل لا فعل له لاعتلال فائه وعينه » قال غير سيبويه :**«هو أوأل من وأل إذا نجا( [(٤)](#foonote-٤) )، خففت الهمزة وأبدلت واواً وأدغمت »**. 
وقيل : إنه من آل فهو أأول قلب فجاء وزنه أعفل، وسهل وأبدل وأدغم، ووحد كافر وهو بنية الجمع لأن أفعل إذا أضيف إلى اسم متصرف من فعل جاز إفراد ذلك الاسم، والمراد به الجماعة( [(٥)](#foonote-٥) ). 
قال الشاعر :\[ الكامل \]
وإذا همُ طعموا فألأمُ طاعمٍ. . . وإذا همُ جاعوا فشرُّ جياع( [(٦)](#foonote-٦) )
وسيبويه يرى أنها نكرة مختصرة من معرفة كأنه قال ولا تكونوا أول كافرين به( [(٧)](#foonote-٧) ) وقيل معناه : ولا تكونوا أول فريق كافر به. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وقد كان كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، لأنهم حجة مظنون بهم علم، واختلف في الضمير في  به  على من يعود، فقيل على محمد عليه السلام، وقيل على التوراة إذ تضمنها قوله : لما معكم . 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وعلى هذا القول( [(٨)](#foonote-٨) ) يجيء  أول كافر به  مستقيماً على ظاهرة في الأولية، وقيل الضمير في  به  عائد على القرآن، إذ تضمنه قوله  بما أنزلت . 
واختلف المتأولون في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات. فقالت طائفة : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنهوا عن ذلك وفي كتبهم : علم مجاناً كما علمت مجاناً أي باطلاً بغير أجرة. 
وقال قوم : كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك. 
وقال قوم : إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير قصة محمد عليه السلام في التوراة، ففي ذلك قال تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ البقرة : ٤١، المائدة : ٤٤ \]. 
وقال قوم : معنى الآية ولا تشتروا بأوامري ونواهيَّ وآياتي ثمناً قليلاً، يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له، وقد تقدم نظير قوله  وإياي فاتقون ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) وبين  اتقون ( [(١١)](#foonote-١١) ) و  ارهبون  فرق، ان الرهبة مقرون بها وعيد بالغ.

١ - والتقدير: "بما أنزلته مصدقا لما معكم"، والعامل: أنزلت، ويجوز أن يكون من (ما)، والعامل (آمنو)، والتقدير: "آمنوا بالقرآن مصدقا لما معكم"..
٢ - يعني أن القصد ألا يكونوا أول كافر، ولا ثاني كافر، ولا آخر كافر، لأن النهي عن الشيء لا يكون دليلا على إباحة ضده وإنما حذروا البدارا إلى الكفر لما قرره المؤلف رحمه الله، وقد احتج بعض الناس بهذه الآية على أن دليل الخطاب ليس بحجة..
٣ - قال الإمام القشيري رحمه الله: "لا تسنوا الكفر سنة، فإن وزر المبتدئين فيما يسنون أعظم من وزر المقتدين فيما يتبعون".
 والكفل في اللغة: يكون بمعنى النصيب – وبهذا يكون معنى العبادة: إذ على أول من كفر نصيب من إثم المقتدي به- لقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها... ألخ الحديث"..
٤ - أي طلب النجاة لأن وأل معناها: لجأ طلبا للنجاة..
٥ - أفعل التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة غير صفة فإنه يبقى مفردا مذكرا، والنكرة تطابق ما قبلها- وإذا أضيف إلى صفة وقد تقدم أفعل التتفضيل جمع جازت المطابقة، وجاز الإفراد كما قال الشاعر:
 وإذا هم طعموا فالأم طاعم وإذا هم جاعوا فشر جياع
 فأفرد أولا في (طاعم) وجمع ثانيا في (جياع). وإذا أفردت النكرة الصفة أولت على معنى الفعل نحو: (ولا تكونوا أول من كفر به) أو على حذف موصوف يدل على الجمع نحو: (ولا تكونوا أول كافر به) راجع "البحر المحيط" ١/١٧٧..
٦ - البيت في "البحر المحيط" ١/١٧٧- وفي تفسير الطبري ١/١٩٩- ولم ينسب لقائل..
٧ - مثل هذه النكرة عند سيبويه أصلها التعريف والجمع نحو: "ولا تكونوا أول الكافرين به" فوقع اختصارب التعريف، فكأنه قيل: "ولا تكونوا أول كافرين به"، ثم: "ولا تكونوا أول كافر به" بحذف بناء الجمع..
٨ - أي الذي يقول: إن الضمير عائد على التوراة، أما القولان الآخران فمتلازمان..
٩ - يدخل في حكم الآية من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فكل من فعل شيئا من ذلك فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا، والله يقول: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) وأجاز مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله أخذ الأجرة على تعليم القرآن للحديث الصحيح: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) أخرجه البخاري. وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه، والمراد بالآية علماء بني إسرائيل، وشرع من قبلنا أهو شرع لنا أم لا؟ فيه خلاف..
١٠ - هو قوله تعالى: (وإياي فارهبون)..
١١ -الأحسن ألا يقيد (ارهبون واتقون) بشيء بل ذلك أمر بخوف الله واتقائه، فيكون المعني (ارهبون) إن لم تذكروا نعمتي ولم توفوا بعهدي، و(اتقون) إن لم تؤمنوا بما أنزلت، وإن اشتريتم بآياتي ثمنا قليلا، ويتعلق كل بما سيق قبله، والله أعلم..

### الآية 2:42

> ﻿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:42]

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٤٢ )
المعنى ولا تخلطوا، يقال **«لبَسْتُ الأمر »** بفتح الباء ألبسه، إذا خلطته ومزجت بينه بمشكله وحقه بباطله. وأما قول الشاعر( [(١)](#foonote-١) ) :
وكتيبة لبّستها بكتيبة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
فالظاهر أنه من هذا المعنى، ويحتمل أن يكون المعنى من اللباس، واختلف أهل التأويل في المراد بقوله : الحق بالباطل . 
فقال أبو العالية :**«قالت اليهود : محمد نبي مبعوث، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل »**. 
وقال الطبري :**«كان من اليهود منافقون فما أظهروا من الإيمان حق، وما أبطنوا من الكفر باطل »**. 
وقال مجاهد :**«معناه لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام »**. 
وقال ابن زيد : المراد  بالحق  التوراة، و **«الباطل »** ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام، و  تلبسوا  جزم بالنهي،  وتكتموا  عطف عليه في موضع جزم( [(٢)](#foonote-٢) )، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار ****«أن »**** وإذا قدرت ****«أن »**** كانت مع  تكتموا  بتأويل المصدر، وكانت الواو عاطفة على مصدر مقدر من  تلبسوا ، كأن الكلام ولا يكن لبسكم الحق بالباطل وكتمانكم الحق. 
وقال الكوفيون : تكتموا  نصب بواو الصرف، و  الحق  يعني به أمر محمد صلى الله عليه وسلم «. 
وقوله تعالى : وأنتم تعلمون  جملة في موضع الحال ولم يشهد لهم تعالى بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عليه السلام، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق ولا تكون الجملة على هذا في موضع الحال( [(٣)](#foonote-٣) )، وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من واقعه على علم، وأنه أعصى من الجاهل( [(٤)](#foonote-٤) ). 
 وأقيموا الصلاة  معناه : أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها، وذلك تشبيه بإقامة القاعد إلى حال ظهور، ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
وإذا يقال أتيتمُ يبرحوا. . . حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طعان

١ - هو عنترة العبسي. بطل مشهور، وشاعر معروف، وعجز البيت:
 .......................... حتى إذا التبست نفضت لها يدي.
٢ - هذا أرجح الأعاريب في هذه الكلمة لأن ذلك يقتضي النهي عن كل بانفراده، وأما النصب بأن، أو بالصرف فإنه يجعل المنع منسحبا على الجمع بين الفعلين ويكون دالا بالمفهوم على جواز التلبس بأحدهما وذلك غير مراد..
٣ - يعني أن الجملة الثبوتية تكون معطوفة على جملة النهي، ولا تكون حالا على هذا القول..
٤ - أي الجاهل العاصي إذ لا يستوي العالم والجاهل أبدا في حياتهما..

### الآية 2:43

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [2:43]

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( ٤٣ )
وقد تقدم القول في الصلاة، و  الزكاة  في هذه الآية هي المفروضة بقرينة إجماع الأمة على وجوب الأمر بها، و  الزكاة  مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد، وسمي الإخراج من المال زكاة( [(١)](#foonote-١) ) وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي وقيل  الزكاة  مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقوله تعالى : واركعوا مع الراكعين  قال قوم : جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة كلها. 
وقال قوم : إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقالت فرقة : إنما قال  مع  لأن الأمر بالصلاة أولاً لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله  مع  بشهود الجماعة، والركوع في اللغة الانحناء بالشخص. 
قال لبيد :\[ الطويل \]
أخبر أخبار القرون التي مضت. . . أدبُّ كأني كلما قمت راكع
ويستعار أيضاً في الانحطاط في المنزلة، قال الأضبط بن قريع :\[ الخفيف \]
لا تعاد الضعيف علك أن تر. . . كع يوماً والدهر قد رفعه

١ - أي نماء وزيادة..
٢ - رواه الإمام مسلم، ونصه: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس. وإنما لا تحل لمحمد ولا آل محمد"..
٣ - هذا القول لا يصح، لقوله تعالى: \[يا مريم اقنتي لربك واسجدي، واركعي مع الراكعين\] وهو ما ارتضاه الإمام ابن عطية..

### الآية 2:44

> ﻿۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:44]

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ٤٤ )
وقوله تعالى : أتأمرون الناس  خرج مخرج الاستفهام، ومعناه التوبيخ( [(١)](#foonote-١) )، و **«البر »** يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر،  وتنسون  بمعنى تتركون كما قال الله تعالى : نسوا الله فنسيهم ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ التوبة : ٦٧ \]. 
واختلف المتأولون في المقصود بهذه الآية، فقال ابن عباس :**«كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلديهم باتباع التوراة، وكانوا هم يخالفونها في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم »**. 
وقالت فرقة : كان الأحبار إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع محمد دلوه على ذلك، وهم لا يفعلونه. 
وقال ابن جريج :**«كان الأحبار يحضون الناس على طاعة الله، وكانوا هم يواقعون المعاصي »**. وقالت فرقة : كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون. 
وقوله تعالى : وأنتم تتلون  معناه : تدرسون وتقرؤون، ويحتمل أن يكون المعنى تتبعون أي في الاقتداء به، و  الكتاب  التوراة وهي تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة. 
وقوله تعالى : أفلا تعقلون  معناه : أفلا تمنعون أنفسكم( [(٣)](#foonote-٣) ) من مواقعة هذه الحال المردية لكم ؟ والعقل : الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير، أي يمنعه من التصرف، ومنه المعقل أي موضع الامتناع.

١ -هذا تنديد بالعلماء والرؤساء الذين يأمرون غيرهم وينسون أنفسهم، والقدوة الصالحة هي التي تجمع بين القول والعمل، وهي التي تبدأ بنفسها وتنهاها عن غيها، ثم تقصد غيرها فتؤدي إليها أمر ربها، ونهى خالقها بحكمة وإخلاص، ومن شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه إذا تأثر به المأمور، وإذا خرج من ظاهره لم يتجاوز ظاهر غيره، فالسبب إذا استمر واستقام كان له تأثير بإذن الله تعالى في النفوس، ومن هنا يدرك أن انحراف الناس في حياتهم ناتج عن عدم وجود القدرة الصالحة في الدين والدنيا، وهذا بحسب الأغلب وإلا فقد يكون ذلك ناشئا عن عناد..
٢ - من الآية ٦٧ من سورة التوبة..
٣ - إشارة إلى تعديته، ويمكن أن ينزل منزلة اللازمة، وكيفما كان فهو غاية في الشناعة والقبح..

### الآية 2:45

> ﻿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [2:45]

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( ٤٥ )
وقوله تعالى : واستعينوا بالصبر( [(١)](#foonote-١) ) والصلاة  قال مقاتل :**«معناه على طلب الآخرة »**. 
وقال غيره : المعنى استعينوا بالصبر عن الطاعات وعن الشهوات على نيل رضوان الله، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب، وعلى مصائب الدهر أيضاً( [(٢)](#foonote-٢) )، ومنه الحديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة( [(٣)](#foonote-٣) )، ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ( [(٤)](#foonote-٤) )  واستعينوا بالصبر والصلاة . 
وقال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوم، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع. ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة. 
وقال قوم :**«الصبر »** على بابه( [(٥)](#foonote-٥) )،  والصلاة  الدعاء، وتجيء هذه الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الأنفال : ٤٥ \] لأن الثبات هو الصبر، وذكر الله هو الدعاء. 
واختلف المتأولون في قوله تعالى : وإنها لكبيرة  على أي شيء يعود الضمير ؟ فقيل على  الصلاة ( [(٧)](#foonote-٧) )، وقيل على الاستعانة التي يقتضيها قوله  واستعينوا ، وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. 
وقالت فرقة : على إجابة محمد صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية عليه. 
وقيل : يعود الضمير على الكعبة، لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا أضعف من الذي قبله. 
و **«كبيرة »** معناه ثقيلة شاقة( [(٨)](#foonote-٨) )، والخاشعون المتواضعون المخبتون، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع.

١ - قال الإمام أحمد رحمه الله: ذكر الله الصبر في تسعين موضعا، أو بضعا وتسعين، وهو واجب باتفاق الأمة، وقد يكون من الكمال المستحب، وذلك أن النجاح والنصر لا يأتيان إلا على أساس الصبر والالتجاء إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء..
٢ - الآية الكريمة تقبل كل هذه المعاني. فالألف واللام الداخلة على الصبر هي للشمول والعموم، كما أن الصلاة يراد بها ما يعم الفريضة والنافلة..
٣ - رواه الإمام أحمد، وأبو داود بلفظ: "كان إذا حزبه أمر صلى"، ورواه (ط) بلفظ: "كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة"، وذكره المؤلف بلفظ: "إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة" وكربه بمعنى حزبه، أي أهمه وأقلقه. وانظر دعاء الكرب من كتاب الدعوات. وروى الترمذي في جامعه عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث"..
٤ - رواه (ط) في تفسيره، والبيهقي في شعب الإيمان..
٥ - وليس بمعنى الصوم، كما قال مجاهد، وترجمة ما أشار إليه أن الصبر يفسر بتفسيرين بمعناه المتعارف، وبمعنى الصوم، ومن ثم قيل لشهر الصوم: شهر الصبر، والصلاة كذلك فقيل الشرعية، وقيل اللغوية، والكلمة صالحة للجميع..
٦ - من الآية ٤٥ من سورة الأنفال..
٧ - هذا أقوى وأولى، لأن ضمير الغيبة يعود إلى أقرب مذكور. ولأن الصلاة عبادة، ومن أكبر العون على الثبات في الأمر. ولأنها تكبر وتصعب على النفوس، ومن أجل هذا اختاره الإمام ابن جرير رحمه الله..
٨ - جعلها كبيرة حتى قرن بها الأمر بالصبر، واستثنى الخاشعين فلم تكن عليهم كبيرة لأجل ما وصفهم به من الخوف والرجاء، وذلك ما تضمنه قوله تعالى: \[الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم\] فإن الخوف والرجاء يسهلان كل صعب. والمشقة في الصلاة تدخل على المكلف من جهة شدة التكليف في حد ذاته، ومن جهة المداومة عليه، وإن كان خفيفا في نفسه، وفي مقدمة الخاشعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كانت قرة عينه في الصلاة، حتى يستريح إليها من تعب الدنيا، حتى قال: (أرحنا بها يا بلال)، كما رواه الدارقطني في العلل..

### الآية 2:46

> ﻿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:46]

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( ٤٦ )
و  يظنون  في هذه الآية قال الجمهور : معناه يوقنون( [(١)](#foonote-١) ). 
وحكى المهدوي وغيره : أن الظن يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا تعسف( [(٢)](#foonote-٢) )، والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى احد معتقديه، وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة( [(٣)](#foonote-٣) )، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنساناً وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد، كهذه الآية، وكقوله تعالى : فظنوا أنهم مواقعوها ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ الكهف : ٥٣ \] وكقول دريد بن الصمة :\[ الطويل \]
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج. . . سراتهُم بالفارسي المسرد( [(٥)](#foonote-٥) )
وقوله تعالى : أنهم ملاقو ربهم  أن وجملتها تسد مسد مفعولي الظن، والملاقاة هي للعقاب أو الثواب، ففي الكلام حذف مضاف، ويصح أن تكون الملاقاة هنا( [(٦)](#foonote-٦) ) بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث. 
وحكى المهدوي : أن الملاقاة هنا مفاعلة من واحد، مثل عافاك الله. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا قول ضعيف، لأن لقي يتضمن معنى لاقى، وليست كذلك الأفعال كلها، بل فعل( [(٧)](#foonote-٧) ) خلاف فاعل في المعنى. 
 وملاقو  أصله ملاقون، لأنه بمعنى الاستقبال فحذفت النون تخفيفاً، فلما حذفت تمكنت الإضافة لمناسبتها للأسماء، وهي إضافة غير محضة، لأنها تعرف. 
وقال الكوفيون : ما في اسم الفاعل الذي هو بمعن المجيء من معنى الفعل يقتضي إثبات النون وإعماله، وكونه وما بعده اسمين يقتضي حذف النون والإضافة. 
و  راجعون  قيل : معناه بالموت وقيل بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض، وتقوي هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى : ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون  \[ البقرة : ٢٨، الحج : ٦٦، الروم : ٤٠ \] والضمير في  إليه  عائد على الرب تعالى، وقيل على اللقاء الذي يتضمنه  ملاقو .

١ - العلوم والمعرفة واليقين: مترادفة على معنى واحد، وهو الاعتقاد الجازم المطابق عن دليل، وقد يطلق الظن على العلم كما يطلق على الظن، وهذا الاستعمال متعارف عند أهل اللغة والشرع، وعن مجاهد: كل ظن في القرآن فهو يقين، ولعله يريد الظن المتعلق بالآخرة كما قالوا..
٢ - أي تكلف يحمل الكلام على معنى لا دلالة عليه في الظاهر، والأصل عدم الإضمار في الكلام إلا إذا توقف صدقه أو صحته على ذلك..
٣ - أي الثابتة عقلا شرعا..
٤ - من ألآية ٥٣ من سورة (الكهف)..
٥ - دريد: هو ابن عبد الله بن الطفيلي، شاعر إسلامي مقل من شعراء الدولة الأموية، وقوله: ظنوا بألفي مدجج، أي تيقنوا بإتيان ألفي مدجج، والمدجج اللابس للسلاح المغطى به. 
 **وبعده:**
 فلما عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتد
 أي حيث تابعتهم ووافقتهم..
٦ - لا يلزم من اللقاء الرؤية. ألا ترى إلى الأعمى إذا حضر جمعا ساغ له أن يقول: لقيت فلانا، مع فقده للرؤية، والآية هنا كما تدل لأهل السنة يمكن أن تدل للمعتزلة الذين لا يعترفون برؤية الله في الآخرة، لكن ابن عطية رحمه الله ذكر رأي أهل السنة، وسكت عن رأي المعتزلة- فتأمل قوله بعد ذلك: "وورد بها متواثر الحديث" مما يدل على تأييده أو اختياره لهذا القول..
٧ - (فعل) تدل على الانفراد، و(فاعل) تدل على الاشتراك، وقد تكون (فعل) بمعنى (فاعل) في الدلالة على الاشتراك، ومن ذلك (لقي) فإنها تدل على الاشتراك بوضعها وخصوص مادتها، لأن كل من لقيته فقد لقيك وعلى ذلك فإننا لو جعلنا (فاعل) في الآية بمعنى (فعل) لكانت تدل على الاشتراك أيضا. ووجه التضعيف لكلام المهدوي أن مادة لقي مجردة كانت أو غير مجردة يستحيل فيها أن تكون لواحد. فكون (فاعل) من اللقاء من باب عاقتب اللص ضعيف، حيث أن هذه المادة تقتضي الاشتراك كيفما استعملت ومن أي باب كانت..

### الآية 2:47

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:47]

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( ٤٧ )
قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون المؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرر إنما هو للكافرين، بدلالة ما بعده، وأيضاً فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على ذكر أيادي الله وحسن خطابهم بقوله : فضلتكم على العالمين  لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم، وفي الكلام اتساع. 
قال قتادة وابن زيد وابن جريج وغيرهم : المعنى على عالم زمانهم( [(١)](#foonote-١) ) الذي كانت فيه النبوءة المتكررة والملك( [(٢)](#foonote-٢) )، لأن الله تعالى يقول لأمة محمد صلى الله عليه وسلم :**«كنتم خير أمة أخرجت للناس »**( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - هذا هو الحق والانصاف فإن إبراهيم الخليل عليه السلام قبلهم وهو أفضل من أنبيائهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم دنيا وأخرى، وأمته أفضل الأمم كما صرح بذلك القرآن، فذلك التفضيل يختص بعالم زمانهم، ولكل زمان عالم فهو من العام الذي أريد به الخصوص..
٢ - كما يدل على ذلك قوله تعالى: \[وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا\]..
٣ - من الآية ١١٠ من سورة آل عمران..

### الآية 2:48

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:48]

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ( ٤٨ )
وقوله عز وجل : واتقوا يوماً  نصب يوماً ب  اتقوا  على السعة، والتقدير عذاب يوم، أو هول يوم، ثم حذف ذلك وأقام اليوم مقامه، ويصح أن يكون نصبه على الظرف لا للتقوى، لأن يوم القيامة ليس بيوم عمل، ولكن معناه : جيئوا متقين يوماً. و  لا تجزي  معناه : لا تغني. 
وقال السدي : معناه لا تقضي، ويقويه قوله  شيئاً ( [(١)](#foonote-١) ) وقيل المعنى : لا تكافىء، ويقال : جزى وأجزأ بمعنى واحد( [(٢)](#foonote-٢) )، وقد فرق بينهما قوم، فقالوا : جزى بمعنى : قضى وكافأ، وأجزأ بمعنى أغنى وكفى. 
وقرأ أبو السمال **«تُجزىءُ »** بضم التاء والهمز، وفي الكلام حذف( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال البصريون : التقدير لا تجزي فيه، ثم حذف فيه. 
وقال غيرهم : حذف ضمير متصل ب  تجزي  تقديره لا تجزيه، على أنه يقبح حذف هذا الضمير في الخبر، وإنما يحسن في الصلة. 
وقال بعض البصريين : التقدير لا تجزي فيه، فحذف حرف الجر واتصل الضمير، ثم حذف الضمير بتدريج. 
وقوله تعالى : ولا تقبل منها شفاعة  قرأ ابن كثير وأبو عمرو : بالتاء، وقرأ الباقون : بالياء من تحت على المعنى إذ تأنيت الشفاعة ليس بحقيقي، والشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الاثنان لأن الشافع والمشفوع له شفع، وكذلك الشفيع فيما لم يقسم. 
وسبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا : نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعة، و  لا تجزي نفس عن نفس ، وهذا إنما هو في الكافرين، للإجماع وتواتر الحديث بالشفاعة في المؤمنين( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقوله تعالى : ولا يؤخذ منها عدل ، قال أبو العالية :**«العدل الفدية »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وعدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدراً وإن لم يكن من جنسه، **«والعِدل »** بكسر العين هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه. 
وحكى الطبري أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية، فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غير، والضمير في قوله  ولا هم  عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآية، ويحتمل أن يعود على النفسين المتقدم ذكرهما، لأن اثنين جمع( [(٥)](#foonote-٥) )، أو لأن النفس للجنس وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا، فإن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى.

١ - أي شيئا من الحقوق..
٢ - قال الفيومي في المصباح: جزى الأمر يجزي جزاء مثل قضى يقضي قضاء وزنا ومعنى. وفي الدعاء جزاه الله خيرا: أي قضاه له وأثابه، وقد يستعمل أجزا بالألف والهمز بمعنى جزى ونقلهما الأخفش بمعنى واحد فقال: الثلاثي من غير همز لغة الحجاز والرباعي المهموز لغة تميم، وجازيته بذنبه عاقبته عليه، وجزيت الدين قضيته، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي بردة بن نيار لما أمره أن يضحي بجدعة من المعز: "تجزي عليك ولن تجزي عن أحد بعدك" قال الأصمعي: أي ولن تقضي، وأجزأت الشاة بالهمز بمعنى قضت لغة حكاها ابن القطاع، وأما أجزأ بالألف والهمز فبمعنى أغنى، قال الأزهري: والفقهاء يقولون أجزى من غير همز ولم أجده لأحد من أئمة اللغة ولكن إن همز أجزأ فهو بمعنى كفي هذا لفظه، وفيه نظر، لأنه إن أراد امتناع التسهيل فقد توقف في غير موضع التوقف، فإن تسهيل همزة الطرف وتسهيل الهمزة الساكنة قياس، فيقال أرجأت الأمر وأرجيته، وأنسأت وأنسيت وأخطأت وأخطيت فالفقهاء جرى على ألسنتهم التخفيف، وإن أراد الامتناع من وقوع أجزأ موقع جزى فقد نقلها الأخفش لغتين، كيف وقد نص النحاة على أن الفعلين إذا تقارب معناهما جاز وضع أحدهما موضع الآخر، وفي هذا مقنع لو لم يوجد نقل، وأجزأ الشيء مجزأ غيره كفى وأغنى عنه، واجتزأت بالشيء اكتفيت انتهى باختصار. وقال الشيخ حلولو في شرح جمع الجوامع جزى الثلاثي- إن كان بلا همز فمعناه القضاء نحو (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) أي لا تقضي، وإن كان آخره مهموزا فمعناه الكفاية والله أعلم..
٣ - المراد أن الجملة "لا تجزي" صفة لما قبلها، والرابط بين الصفة والموصوف محذوف، واختلفوا في هذا المحذوف، وكيفما كان تقديره فالحذف في هذا المقام جائز ومقبول..
٤ - أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: \[واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة\] النفس الكافرة لا كل نفس..
٥ - لحديث: (اثنان فما فوق جماعة) وفي "الكوكب الساطع": وفي أقل الجمع مذهبان: أصحهما ثلاثة لا اثنان..

### الآية 2:49

> ﻿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [2:49]

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( ٤٩ )
وقوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون  أي خلصناكم، و  آل  أصله أهل، قلبت الهاء ألفاً كما عمل في ماء، ولذلك ردها التصغير إلى الأصل، فقيل أُهَيْل، موَيْه، وقد قيل في  آل  إنه اسم غير أهل، أصله أول وتصغيره أويل، وإنما نسب الفعل إلى  آل فرعون  وهم إنما كانوا يفعلونه بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم. 
وقال الطبري رحمه الله :**«ويقتضي هذا أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به( [(١)](#foonote-١) )، وآل الرجل قرابته وشيعته وأتباعه »**. 
ومنه قول أراكة الثقفي( [(٢)](#foonote-٢) ) :\[ الطويل \]
فلا تبك ميْتاً بعد ميْتٍ أجنّهُ. . . عليٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بكر
يعني المؤمنين الذين قبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر في  آل  أن يضاف إلى الأسماء لا إلى البقاع والبلاد، وقد يقال آل مكة، وآل المدنية، وفرعون اسم لكل من ملك من العمالقة مصر، وفرعون( [(٣)](#foonote-٣) ) موسى قيل اسمه مصعب بن الريان. 
وقال ابن إسحاق :**«اسمه الوليد بن مصعب »**. 
وروي أنه كان من أهل اصطخر، ورد مصر فاتفق له فيها الملك، وكان أصل كون بني إسرائيل بمصر نزول إسرائيل بها زمن ابنه يوسف عليهما السلام. 
و  يسومونكم  معناه : يأخذونكم به ويلزمونكم إياه ومنه المساومة بالسلعة، وسامه خطة خسف و  يسومونكم  إعرابه رفع على الاستئناف والجملة في موضع نصب على الحال، أي سائمين لكم سوء العذاب( [(٤)](#foonote-٤) )، ويجوز أن لا تقدر فيه الحال، ويكون وصف حال ماضية، و  سوء العذاب  أشده وأصعبه. 
قال السدي :**«كان يصرفهم في الأعمال القذرة ويذبح الأبناء، ويستحيي النساء »**. 
وقال غيره : صرفهم على الأعمال : الحرث والزراعة والبناء وغير ذلك، وكان قومه جنداً ملوكاً، وقرأ الجمهور **«يذبِّحون »** بشد الباء المكسورة على المبالغة، وقرأ ابن محيصن :**«يذبحون »** بالتخفيف، والأول أرجح إذ الذبح متكرر. كان فرعون على ما روي قد رأى في منامه ناراً خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر، فأولت له رؤياه أن مولوداً من بني إسرائيل ينشأ فيخرب ملك فرعون على يديه( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقال ابن إسحاق وابن عباس وغيرهما : إن الكهنة والمنجمين قالوا لفرعون : قد أظلك زمن مولود من بني إسرائيل يخرب ملكك. 
وقال ابن عباس أيضاً : إن فرعون وقومه تذاكروا وعد الله لإبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فأمر عند ذلك بذبح الذكور من المولودين في بني إسرائيل، ووكل بكل عشر نساء رجلاً يحفظ من يحمل منهن. 
وقيل :**«وكل بذلك القوابل »**. 
وقالت طائفة : معنى  يذبحون أبناءكم  يذبحون الرجال ويسمون أبناء لما كانوا كذلك( [(٦)](#foonote-٦) )، واستدل هذا القائل بقوله تعالى : نساءكم . 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : والصحيح من التأويل أن الأبناء هم الأطفال الذكور، والنساء هم الأطفال الإناث، وعبر عنهن باسم النساء بالمآل( [(٧)](#foonote-٧) )، وليذكرهن بالاسم الذي في وقته يستخدمن ويمتهنَّ، ونفس الاستحياء ليس بعذاب، لكن العذاب بسببه وقع الاستحياء، و  يذبحون  بدل من **«يسومون »**. 
قوله تعالى : وفي ذلكم  إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر، و  بلاء  معناه امتحان واختبار، ويكون  البلاء  في الخير والشر. 
وقال قوم : الإشارة  بذلكم  إلى التنجية من بني إسرائيل، فيكون  البلاء  على هذا في الخير، أي وفي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. 
وقال جمهور الناس : الإشارة إلى الذبح ونحوه، و  البلاء  هنا في الشر، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان. 
وحكى الطبري وغيره في كيفيه نجاتهم : أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل، فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون فقال لا يتبعنهم أحد حتى تصيح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك حتى أصبح، وأمات الله تلك الليلة كثيراً من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين، وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني إسرائيل نيفاً على ستمائة ألف، وكانت عدة فرعون( [(٨)](#foonote-٨) ) ألف ألف ومائتي ألف. 
وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ثبوته، فلما لحق فرعون موسى ظن بنو إسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يوشع بن نون لموسى أين أمرت ؟ فقال هكذا وأشار إلى البحر فركض فرسه فيه حتى بلغ الغمر، ثم رجع فقال لموسى أين أمرت، فوالله ما كذبت ولا كذبت، فأشار إلى البحر، وأوحى الله تعالى إليه،  أن اضرب بعصاك البحر  \[ الشعراء : ٦٣ \]. وأوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك، فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر، وكناه أبا خالد فانفرق وكان ذلك في يوم عاشوراء( [(٩)](#foonote-٩) ).

١ - أي يقتضي نسبة الله الفعل إلى آل فرعون- وهم إنما كانوا يفعلون بأمره- أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به، أي لأنه مباشر، والآمر متسبب، ولذلك أغرق الله فرعون ومن معه، أي أغرق الآمر والمباشر، وقد اختلف الفكر الإسلامي في هذه المسألة على تفصيل معروف في موضعه، وفقه المالكية لخصه صاحب "المختصر" بقوله: "والمتسبب مع المباشر كمكره ومكره"..
٢ - عندهم أراكة، وابن أراكة، أما أراكة: فهو ابن عبد الله بن سفيان. شاعر محسن وأما ابن أراكة: فهو يزيد بن عمر الأشجعي- شاعر خبيث. وأجنه: ستره وأخفاه في التراب..
٣ - أي المذكور. هنا..
٤ - عبارة أبي (ح): "يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وهي حكاية حال ماضية. ويحتمل أن تكون في موضع الحال، أي سائميكم، وهي حال من آل فرعون وهي أوضح وأفصح"..
٥ - وقيل: إن سبب سومه بني إسرائيل سوء العذاب من تذبيح أبنائهم على ما روى في التوراة خوفه من نموهم وكثرتهم، وكانت أرض مصر قد امتلأت منهم بسبب انفساح المجال أمامهم أيام يوسف عليه السلام، ونزولهم في أفضل الأراضي، فتكاثروا، وتناسلوا، حتى خاف منهم المصريون فلما اعتلى الفراعنة ملك مصر ساموهم سوء العذاب، وأمر فرعون بذبح أبنائهم كما قصه الله علينا، وعلى ما في التوراة يكون هذا من الأنظمة الشاذة الجائرة في تحديد النسل وتنفيذه في نوع خاص..
٦ - أي أن التسمية مجازية باعتبار ما كان..
٧ - أي باعتبار ما يؤول إليه أمرهن، ولأن استخدامهن وامتهانهن إنما يكون عندما يكن نساء، فعبر عن البنات بالنساء لما ذكر، واستحياؤهن ليس بعذاب، ولكنه يؤول إلى العذاب، أي إلى إرهاقهن في أعمال شاقة..
٨ - أي عدة أتباع فرعون..
٩ - ثبت في الصحيحن وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدنية، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم؟ قالوا: هذا يوم صالح، نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم. فصامه موسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصومه اهـ. ففي يوم عاشوراء وقع إنجاء بني إسرائيل وإغراق فرعون وأتباعه..

### الآية 2:50

> ﻿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:50]

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( ٥٠ )
 فرقنا  معناه : جعلناه( [(١)](#foonote-١) ) فرقاً، وقرأ الزهري **«فرَّقنا »** بتشديد الراء، ومعنى  بكم  بسببكم، وقيل لما كانوا بين الفرق وقت جوازهم فكأنهم بهم فرق، وقيل معناه لكم، والباء عوض اللام وهذا ضعيف، و  البحر  هو بحر القلزم، ولم يفرق البحر عرضاً جزعاً( [(٢)](#foonote-٢) ) من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة. 
وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريباً من برية فلسطين وهي كانت طريقهم. 
وقيل انفلق البحر عرضاً وانفرق البحر على اثني عشر طريقاً، طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى : اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضاً، وجازوا، وجبريل صلى الله عليه وسلم في ساقتهم على ماذيانة( [(٣)](#foonote-٣) ) يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون : مهلاً حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة( [(٤)](#foonote-٤) ) فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا. 
و  تنظرون  قيل معناه بأبصاركم، لقرب بعضهم من بعض. 
وقيل معناه ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار. 
وقيل : إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم. 
وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر، كما تقول : هذا الأمر منك بمرأى ومسمع، أي بحال تراه وتسمعه إن شئت. 
قال الطبري رحمه الله : وفي إخبار القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في خفي( [(٥)](#foonote-٥) ) على بني إسرائيل، دليل واضح عند بني إسرائيل وقائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

١ - أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه طرق ومسالك على عدد الأسباط الإسرائلية. وكان ذلك بعصا \[موسى\] كما يشهد بذلك قوله تعالى: \[أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم\] وهذا أصح وأقوى مما بعده. وقال في المصباح: "فرقت بين الشيء فرقا من باب قتل فصلت أبعاضه، وفرقت بين الحق والباطل فصلت أيضا، هذه هي اللغة العالية وبها قرأ السبعة قوله تعالى: \[فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين\]، وفي لغة من باب ضرب، وقرأ بها بعض التابعين وقال ابن الأعرابي: فرقت بين الكلامين فافترقا مخفف، وفرقت بين العبدين فتفرقا مثقل، فجعل المخفف في المعاني والمثقل في الأعيان، والذي حكاه غيره أنهما بمعنى واحد، والتثقيل مبالغة". ثم قال: "والفرقة بالكسر من الناس وغيرهم، والجمع فرق مثل سدرة وسدر، والفرق بحذف الهاء مثل الفرِقة، وفي التنزيل: (فكان كل فرق كالطود العظيم) والجمع أفراق مثل حِمل وأحمال، والفريق كذلك..
٢ - يقال: جزعت الوادي جزعا من باب نفع: قطعته إلى الجانب الآخر، والمراد أن الفرق كان طولا لا عرضا..
٣ - لعلها الرمكة المذكورة بعد. وفي القاموس: والماذيانات- وتفتح ذالها-: مسايل الماء، أو ما ينبت على حافتي مسيل الماء، أو ما ينبت حول السواقي- ويقال: أمذى الفرس: أرسله يرعى في الماذيانات..
٤ - الرمكة: الأنثى من البراذين، والجمع رِماك ورَمَكات وأرْماك أيضا..
٥ - وفي بعض النسخ: إلا في حق بني إسرائيل..

### الآية 2:51

> ﻿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:51]

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( ٥١ )
وقرأ الجمهور **«واعدنا »**. وقرأ أبو عمرو. **«وعدنا »**، ورجحه أبو عبيد، وقال : إن المواعدة لا تكون إلا من البشر( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة( [(٢)](#foonote-٢) )، و  موسى  اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء **«مو »**، وللشجر **«سا »**، فلما وُجِدَ موسى في التابوت عند ماء وشجر سُمِّي **«موسى »**. 
قال ابن إسحاق : هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ونصب أربعين على المفعول الثاني، ولا يجوز نصبها على الظرف في هذا الموضع، وهي فيما روي ذو العقدة وعشر ذي الحجة، وخص الليالي دون الأيام بالذكر إذ الليلة أقدم من اليوم وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قال النقاش :**«وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم، لأنه لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلة بأيامها »**. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : حدثني أبي رضي الله عنه قال : سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل بن الجوهري رحمه الله يعظ الناس بهذا المعنى في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه، وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول : أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم :**«آتنا غداءنا »**( [(٤)](#foonote-٤) ) ؟ وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد. 
وقال بعض البصريين : وَعَدَهُ رأس الأربعين ليلة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف : وقوله تعالى  ثم اتخذتم . قرأ أكثر السبعة بالإدغام. 
وقرأ ابن كثير وعاصم في روايه حفص عنه بإظهارالذال و  ثم  للمهلة، ولتدل على أن الاتخاذ بعد المواعدة، واتخذ وزنه افتعل من الأخذ( [(٥)](#foonote-٥) ). 
قال أبو علي :**«هو من تخذ لا من أخذ »** وأنشد \[ المخرق العبدي \] :\[ الطويل \]
وَقَدْ تَخِذتْ رِجْلي إلى جَنْبِ غَرْزِها. . . نسيفاً كأُفْحوصِ القَطَاة المطرق( [(٦)](#foonote-٦) )
ونصب  العجل  ب  اتخذتم ، والمفعول الثاني محذوف، تقديره اتخذتم العجل إلهاً، واتخذ قد يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ الفرقان : ٢٧ \] وقد يتعدى إلى مفعولين أحدهما هو الآخر في المعنى كقوله تعالى : اتخذوا أيمانهم جنة ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ المجادلة : ١٦، المنافقون : ٢ \]، وكهذه الآية وغيرها، والضمير في  بعده  يعود على موسى. وقيل : على انطلاقه للتكليم، إذ المواعدة تقتضيه. وقيل : على الوعد. 
وقصص هذه الآية أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج ببني إسرائيل من مصر، قال لهم : إن الله تعالى سينجيكم من آل فرعون وينفلكم حليهم ومتاعهم الذي كان أمرهم باستعارته، وروي أنهم استعاروه برأيهم( [(٩)](#foonote-٩) )، فنفلهم الله ذلك بعد خروجهم، وقال لهم موسى عن الله تعالى : إنه ينزل عليّ كتاباً فيه التحليل والتحريم والهدى لكم، فلما جازوا البحر طالبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلة، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، ثم قالوا هذه أربعون من الدهر، وقد أخلفنا الموعد، وبدا تعنتهم وخلافهم. 
وكان السامري رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بن ظفر، وقيل لم يكن من بني إسرائيل بل كان غريباً فيهم، وكان قد عرف جبريل عليه السلام وقت عبرهم البحر، فقالت طائفة : أنكر هيئته فعرف أنه ملك. 
وقال طائفة : كانت أم السامري ولدته عام الذبح( [(١٠)](#foonote-١٠) ) فجعلته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل صلى الله عليه وسلم يغذوه بأصابع نفسه فيجد في إصبع لبناً، وفي إصبع عسلاً، وفي إصبع سمناً، فلما رآه وقت جواز البحر عرفه، فأخذ من تحت حافر فرسه قبضة تراب، وألقي في روعه أنه لن يلقيها على شيء ويقول له كن كذا إلا كان، فلما خرج موسى لميعاده قال هارون لبني إسرائيل : إن ذلك الحلي والمتاع الذي استعرتم من القبط لا يحل لكم، فجيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادة أن تنزل على القرابين. 
وقيل : بل أوقد لهم ناراً وأمرهم بطرح جميع ذلك فيها، فجعلوا يطرحون. 
وقيل : بل أمرهم أن يضعوه في حفرة دون نار حتى يجيء موسى، وجاء السامري فطرح القبضة( [(١١)](#foonote-١١) )، وقال كن عجلاً. 
وقيل : إن السامري كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
وقيل : بل كانت بنو إسرائيل قد مرت مع موسى على قوم يعبدون البقر ف  قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  \[ الأعراف : ١٣٨ \]، فوعاها السامري وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلت منهم طائفة يعبدونه، فاعتزلهم هارون بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه من القرآن إن شاء الله. 
ثم أوحى الله إليه أنه لن يتوب على بني إسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلت بنو إسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح، من عبد منهم ومن لم يعبد( [(١٣)](#foonote-١٣) ) وألقى الله عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً يقتل الأب ابنه والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفاً عفا الله عنهم وجعل من مات منهم شهيداً، وتاب على البقية، فذلك قوله : ثم عفونا عنكم . 
وقال بعض المفسرين : وقف الذين عبدوا العجل صفاً ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. 
وقالت طائفة : جلس الذين عبدوا بالأفنية، وخرج يوشع بن نون ينادي : ملعون من حل حبوته، وجعل الذين لم يعبدوا يقتلونهم، وموسى في خلال ذلك يدعو لقومه ويرغب في العفو عنهم، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال أو بقتلهم قراباتهم على الأقوال الأخر لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوا العجل، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. 
و  أنتم ظالمون  مبتدأ وخبر في موضع الحال، وقد تقدم تفسير الظلم( [(١٤)](#foonote-١٤) ).

١ - وأما من الله فإنما هو التفرد بالوعد، وعلى هذا جاء سياق القرآن، كقوله تعالى: \[وعدكم وعد الحق\]. وكقوله تعالى: \[وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين\]، وقد وافق أبا عبيد على هذا أبو حاتم ومكي، وإنما اتفقوا على ذلك نظرا إلى أصل المفاعلة وأنها تفيد الاشتراك في الفعل، وتكون من كل واحد من المتواعدين ونحوهما..
٢ - رد لما قاله أبو عبيد، وحاصله: أن المفاعلة قد تأتي لواحد وهو كثير في كلام العرب كقولهم: داويت العليل، وعاقبت اللص، وطارقت النعل، وقد تكون هنا من اثنين بمعنى أن الله وعد موسى الوحي، وموسى وعد الله المجيء للميقات- أو يكون الوعد من الله- وقبوله كان من موسى. والقبول يشبه الوعد- وقراءة الألف هي قراءة الأكثر، ولا وجه لترجيح قراءة البصري على غيرها لأن كلا منهما متواتر، فهما في الصحة سواء، وقد سبق تخريجها على وجه صحيح مقبول، ولا غضاضة في كون الآدمي يعد الله تعالى بمعنى أنه يعاهده ويلتزم أمره..
٣ - قال في الكافية:
 وراع في تاريخك الليالي لسبقها بليلة الهلال.
٤ - معناه أن موسى عليه السلام مشى أربعين يوما لمناجاة ربه، ولم يحتج فيها إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع. فقال: \[آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا\]، والإشارة في ذلك إلى أنه كان طالب علم، وطالب العلم من شأنه أن يحتمل كل مشقة، ولا يبالي بصيف ولا شتاء، ولا ذل ولا جوع، ومن هذه القضية أخذ علماء الصوفية الوصال، وأن أفضله أربعون يوما، قلنا: ويأتي عند ابن عطية في سورة الكهف أن والده حدثه عن أبي الفضل الجوهري الواعظ بمصر أنه قال في مجلس وعظه: من صحب أهل الخير عادت عليه بركتهم، هذا كلب صحب قوما صالحين فكان من بركتهم عليه أن ذكره الله في القرآن ولا يزال يتلى على الألسنة أبدا، ولذلك قيل: من جالس الذاكرين انتبه من غفلته، ومن خدم الصالحين ارتفع بخدمته..
٥ - مسألة (اتخذ) عند أبي علي الفارسي مخرجة على أن التاء الأولى أصلية إذ قالت العرب (تخذ) بمعنى (أخذ)، كما في بيت الممزق العبدي، وقد حصل أبو (ح) في المسألة أقوالا أربعة. انظره في البحر المحيط..
٦ - النسيف: أثر الكدم وأثر ركض الرجل بجنبي البعير- والأفحوص: مجثم القطاة لأنها تفحصه قبل أن تبيض فيه. ويقال: طرقت القطاة إذا حان خروج بيضها..
٧ - من الآية ٢٧ من سورة الفرقان..
٨ - من الآية ١٦ من سورة المجادلة..
٩ - هذا هو الأشبه بموسى عليه السلام، ويعضده ما جاء في سورة (طه)، حين قالوا: \[ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم\] فظاهره أنهم أعلموه بما لم يتقدم له به علم، أشار إليه (خ)..
١٠ - أي العام الذي أمر فيه فرعون بذبح أبناء بني إسرائيل..
١١ - أي للحلي الذي ألقي في الحفرة، كن عجلا فكان عجلا من ذهب..
١٢ - إشارة إلى بيان وجه اختيار العجل دون غيره من الحيوانات..
١٣ - أي: من عبد العجل، ومن لم يعبد..
١٤ - في تفسير قوله تعالى: \[فتكونا من الظالمين\]..

### الآية 2:52

> ﻿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:52]

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٥٢ )
والعفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب وعفا عنهم عز وجل أي عمن بقي منهم لم يقتل، و  لعلكم  ترج لهم في حقهم وتوقع منهم لا في حق الله عز جل، لأنه كان يعلم ما يكون منهم.

### الآية 2:53

> ﻿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:53]

وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( ٥٣ )
قوله تعالى : وإذ آتينا موسى الكتاب ،  إذ  عطف على ما ذكر من النعم، و  الكتاب  هو التوراة بإجماع من المتأولين. 
واختلف في  الفرقان  هنا فقال الزجاج وغيره هو التوراة أيضاً كرر المعنى لاختلاف اللفظ، ولأنه زاد معنى التفرقة بين الحق والباطل، ولفظة الكتاب لا تعطي ذلك( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال آخرون : الكتاب  التوراة، و  الفرقان  سائر الآيات التي أوتي موسى صلى الله عليه وسلم، لأنها فرقت بين الحق والباطل. 
وقال آخرون : الفرقان  : النصر الذي فرق بين حالهم وحال آل فرعون بالنجاة والغرق. 
وقال ابن زيد :**«الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقاً »**. 
وقال الفراء وقطرب : معنى هذه الآية : آتينا موسى الكتاب ومحمداً الفرقان. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا ضعيف( [(٢)](#foonote-٢) ). 
و  لعلكم تهتدون  ترج وتوقع مثل الأول( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - هذا هو الحق الظاهر لقوله تعالى: \[ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين\] وما قاله ابن زيد ضعيف لأن فرق البحر سبق في قوله تعالى: \[وإذ فرقنا بكم البحر\] الآية..
٢ - أي لأنه دليل على المحذوف، ولأن الأصل في العطف المشاركة في الحكم إذا كان العطف بالحروف المشاركة، ولأن الفرقان لا يختص بالقرآن..
٣ - المقرر عند النحاة أنه إن كان متعلق لعل محبوبا كانت للترجي، وإن كان مكروها كانت للتوقع، والشكر والهداية هنا من الأمور المحبوبة، فينبغي أن يعبر هنا بالترجي. قاله أبو (ح). "البحر المحيط" ١/٢٠٣..

### الآية 2:54

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:54]

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ٥٤ )
هذا القول من موسى صلى الله عليه وسلم كان بأمر من الله تعالى، وحذفت الياء في **«يا قومي »** لأن النداء موضع حذف وتخفيف، والضمير في **«اتخاذكم »** في موضع خفض على اللفظ، وفي موضع رفع بالمعنى، **«العجل »** لفظة عربية، اسم لولد البقرة. 
وقال قوم : سمي عجلاً لأنه استعجل قبل مجيء موسى عليه السلام. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وليس هذا القول بشيء( [(١)](#foonote-١) ). 
واختلف هل بقي العجل من ذهب ؟ قال ذلك الجمهور وقال الحسن بن أبي الحسن : صار لحماً ودماً، والأول أصح. 
و **«توبوا »** : معناه ارجعوا عن المعصية إلى الطاعة. 
وقرأ الجمهور :**«بارئِكم »** بإظهار الهمزة وكسرها. 
وقرأ أبو عمرو :**«بارئْكم »** بإسكان الهمزة. 
وروي عن سيبويه اختلاس الحركة وهو أحسن، وهذا التسكين يحسن في توالي الحركات. 
وقال المبرد : لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب، وقرءاة أبي عمرو **«بارئكم »** لحن( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله : وقد روي عن العرب التسكين في حرف الأعراب، قال الشاعر :\[ الرجز \]
إذا اعوججن قلت صاحب قوم( [(٣)](#foonote-٣) ) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
وقال امرؤ القيس :\[ السريع \]
فاليوم أشرب غير مستحقب. . . إثماً من الله ولا واغل( [(٤)](#foonote-٤) )
وقال آخر :\[ الرجز \]
قالت سليمى اشتر لنا سويقا( [(٥)](#foonote-٥) ). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
وقال الآخر :\[ السريع \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* وقد بدا هَنْكِ مِن المِئْزَرِ( [(٦)](#foonote-٦) )
**وقال جرير :**
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونهر تيري فما تعرفْكُمُ العربُ( [(٧)](#foonote-٧) )
وقال وضاح اليمن( [(٨)](#foonote-٨) ) :\[ الرجز \]
إنما شعري شهد \*\*\* قد خلط بجلجلان
ومن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علماً للإعراب. 
قال أبو علي : وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات. 
وقرأ الزهري :**«باريكم »** بكسر الياء من غير همز( [(٩)](#foonote-٩) )، ورويت عن نافع. 
وقرأ قتادة :**«فاقتالوا أنفسكم »** : وقال :**«هي من الاستقالة »**. 
قال أبو الفتح :**«اقتال »** هذه افتعل، ويحتمل أن يكون عينها واواً كاقتادوا، ويحتمل أن يكون ياء **«كاقتاس »**( [(١٠)](#foonote-١٠) ) والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة، ولكن قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده. 
وقوله تعالى : فتاب عليكم  قبله محذوف تقديره ففعلتم. 
وقوله  عليكم  معناه : على الباقين، وجعل الله تعالى القتل لمن قتل شهادة وتاب على الباقين وعفا عنهم. 
قال بعض الناس : فاقتلوا  في هذه الآية معناه بالتوبة وإماتة عوارض النفوس من شهوة وتعنت وغضب( [(١١)](#foonote-١١) )، واحتج بقوله عليه السلام في الثوم والبصل فلتمتهما طبخاً، وبقول حسان :
. . . . . . . . . . . . . . . . قتلت قتلت فهاتها لم تقتل( [(١٢)](#foonote-١٢) )

١ - لأن العرب تطلق هذا الاسم على ولد البقر..
٢ - تلحين أبي العباس لأبي عمرو البصري لا يلتفت إليه، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن لغة العرب توافقه، وقد جلب ابن عطية رحمه الله ما يكفي من الشواهد، فإنكار المبرد لها هو المنكر، لا أن الذين اعترضوا على المبرد خلطوا ما حركته إعراب بما حركته بناء..
٣ - تمامه: بالدو أمثال السفين العوم.
 والدو: الصحراء، والبيت منسوب إلى أبي نخيلة الراجز..
٤ - كان قد حرم على نفسه شرب الخمر حتى يأخذ الثأر، وبعد أن أخذه أصبح الخمر مباحا في زعمه فقال: فاليوم أشر ألخ. وأشرب فعل معرب، وقد سكن آخره. وقد جاء في اللسان: واحتقب فلان الإثم كأنه جمعه واحتقبه من خلفه، واحتقبه واستحقبه بمعنى، أي احتمله، والواغل هنا هو الذي يدخل على القوم في طعامهم وشرابهم من غير أن يدعوه..
٥ - تمامه: وها خبر البر أو دقيقا- ينسب هذا البيت للعذامر الكندي، وهومن مشطور الرجز. انظر شرح الشافية لابن الحاجب. وفي رواية (وهات بر البخس أو دقيقا) والبخس الذي يزرع بماء السماء..
٦ - أوله: (رحت وفي رجليك ما فيهما)، وهو للأقيشر الأسدي كما في خزانة الأدب..
٧ - أوله: سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ...............................
 قال في القاموس: ونهر تيرى كضيزى بالأهواز..
٨ - من مشاهير شعراء الغزل، تشبب بأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك فأمر الوليد بدفنه حيا. واسمه عبد الرحمن بن إسماعيل، سمى بالوضاح لجماله..
٩ - هذه القراءة لها تخريجان وكلاهما شاذ، انظر أبا (ح). "البحر المحيط"١/٢٠٧..
١٠ - عبارة أبي (ح): "وقرأ قتادة فيما نقل المهدوي وابن عطية والتبريزي وغيرهم: "فأقيلوا أنفسكم"، وقال الثعلبي" قرأ قتادة: "فاقتالوا أنفسكم"، فأما فأقيلوا فهو أمر من الإقالة، وكأن المعنى إن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه من عبادة العجل، وقد هلكت، فأقيلوها بالتوبة، والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات، وأما فاقتالوا أنفسكم فقالوا: هو افتعل بمعنى استفعل، أي فاستقيلوها، والمشهور استقال لا اقتال، قال ابن جني: يحتمل أن يكون عينها واوا كاقتاد، ويحتمل أن يكون ياء كاقتاس" اهـ..
١١ - في القول الأول: القتل الحقيقي بمعنى إزهاق الروح، وفي القول الثاني: القتل المعنوي بمعنى إماتة الأهواء والشهوات، والأول هو الظاهر، وقال به أكثر الناس، وهناك من يقول: فاقتلوا أنفسكم أي استسلموا لمن يقتلوا، وقد حكي أن الذين لم يعبدوا العجل قتلوا الذين عبدوه صبرا واستسلاما. فتكون الآراء في القتل ثلاثة، والأول هو الظاهر..
١٢ - نص البيت كله: إن التي ناولتني فرددتها قتِلت قُتِلْت فهاتها لم تُقْتل.

### الآية 2:55

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:55]

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( ٥٥ )
وقوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى  يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف في وقت اختيارهم. 
فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل. 
وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد، والأول أصح، وقصة السبعين أن موسى صلى الله عليه وسلم لما رجع من تكليم الله ووجد العجل قد عبد قالت له طائفة ممن لم يعبد العجل : نحن لم نكفر ونحن أصحابك، ولكن أسمعنا كلام ربك، فأوحى الله إليه أن اختر منها سبعين شيخاً، فلم يجد إلاّ ستين، فأوحى الله إليه أن اختر من الشباب عشرة، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستة من كل سبط فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحوا فيمن يتأخر، فأوحى الله إليه أن من تأخر له مثل أجر من مضى، فتأخر يوشع بن نون وطالوت بن يوقنا وذهب موسى عليه السلام بالسبعين بعد أن أمرهم أن يتجنبوا النساء ثلاثاً ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجبل، فألقي عليهم الغمام. 
قال النقاش وغيره : غشيتهم سحابة وحيل بينهم موسى بالنور فوقعوا سجوداً. 
قال السدي وغيره : وسمعوا كلام الله يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر لهم، ففعل، فلما فرغ وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام الله فذلك قوله تعالى : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ( [(١)](#foonote-١) ) \[ البقرة : ٧٥ \]. 
واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله بذلك فقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ( [(٢)](#foonote-٢) ) ولم يطلبوا من الرؤية محالاً، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق السمع، فأخذتهم حينئذ الصاعقة فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر به الغير. 
وقال قتادة :**«ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود جعل موسى يناشد ربه فيهم ويقول : أي رب، كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم فيهلكون ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا معي وهم الاخيار »**. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : يعني وهم بحال الخير وقت الخروج( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال قوم : بل ظن موسى عليه السلام أن السبعين إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل، فذلك قوله  أتهلكنا  يعني السبعين  بما فعل السفهاء منا  \[ الأعراف : ١٥٥ \] يعني عبدة العجل. 
وقال ابن فورك : يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه، بقولهم لموسى **«أرنا »** وليس وذلك من مقدور موسى صلى الله عليه وسلم، و  جهرة  مصدر في موضع الحال، والأظهر أنها من الضمير في  نرى ، وقيل من الضمير في  نؤمن ، وقيل من الضمير في  قلتم ( [(٤)](#foonote-٤) )، والجهرة العلانية، ومنه الجهر ضد السر، وجهر الرجل الأمر كشفه. 
وقرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس :**«جهَرة »** بفتح الهاء، وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكناً قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون  جهرة  جمع جاهر، أي حتى نرى كاشفين هذا الأمر( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقرأ عمر وعلي رضي الله عنهما :**«فأخذتكم الصعقة »**، ومضى في صدر السورة معنى  الصاعقة ، والصعقة ما يحدث بالإنسان عند الصاعقة. 
وتنظرون معناه إلى حالكم( [(٦)](#foonote-٦) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله : حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم.

١ - من الآية ٧٥ من سورة البقرة..
٢ - من الآية ٥٥ من سورة البقرة. ومعنى "لن نؤمن لك" أي فيما جئت به من التوراة وإلا فهم مؤمنون بموسى، يقال: آمن به وآمن له، أي أقر واعترف بما جاء به من أمر خاص.
 وقد اختلف الناس في جواز رؤية الله تعالى، فمنهم من أنكر ذلك في الدنيا والآخرة، ومنهم من أجازها فيهما معا، إلا أنها لا تقع في الدنيا وتقع في الآخرة، ودليل جوازها طلب موسى عليه السلام لها، وهو لا يطلب المحال، ودليل عدم وقوعها منعها وعدم الإجابة إليها، ودليل وقوعها في الآخرة قوله تعالى: \[وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة\] وقد تكلف المعتزلة فأولوا المعنى إلى النعمة، والله الهادي إلى سواء السبيل..
٣ - وأما بعده فقد اضطرب إيمانهم، وذهب خيرهم، ولذلك أخذتهم الصاعقة..
٤ - وعليه فالتقدير: وإذ قلتم جهرة يا موسى، فيكون في الكلام تقديم وتأخير..
٥ - أي غير مستتر بشيء، ليقع الفرق بين الرؤية البصرية، والرؤيا المنامية، والعلم القلبي..
٦ - أي إلى ما حل بكم من الموت، وآثار الصعقة. ومدة الموت أو الصعقة كانت يوما وليلة كما قيل..

### الآية 2:56

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:56]

ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٥٦ )
أجاب الله تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمود( [(١)](#foonote-١) ) أو الموت، ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة كما قال الله تعالى : من بعثنا من مرقدنا ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ يس : ٥٢ \]. 
وقال قوم : إنهم لما أحيوا وأنعم عليهم بالتوبة سألوا موسى عليه السلام أن يجعلهم الله أنبياء، فذلك قوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم  أي أنبياء( [(٣)](#foonote-٣) )  لعلكم تشكرون  أي على هذه النعمة، والترجي إنما هو في حق البشر، ونزلت الألواح بالتوراة على موسى في تلك المدة، وهذا قول جماعة، وقال آخرون : إن الألواح نزلت في ذهابه الأول وحده. 
وذكر المفسرون في تظليل الغمام : أن بني إسرائيل لما كان من أمرهم ما كان من القتل وبقي منهم من بقي حصلوا في فحص التيه( [(٤)](#foonote-٤) ) بين مصر والشام، فأمروا بقتال الجبارين فعصوا وقالوا : فاذهب أنت وربك فقاتلا ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ المائدة : ٢٤ \] فدعا موسى عليهم فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس، فندم موسى عليه السلام على دعائه، عليهم، فقيل له : فلا تأس على القوم الفاسقين ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ المائدة : ٢٦ \]. 
وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحص التيه وقاتلوا الجبارين، وإذ كان جميعهم في التيه قالوا لموسى : من لنا بالطعام ؟ قال : الله، فأنزل الله عليهم المن والسلوى، قالوا : من لنا من حر الشمس ؟ فظلل عليهم الغمام، قالوا : بم نستصبح بالليل ؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم، وذكر مكي : عمود نار. فقالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر موسى بضرب الحجر، قالوا : من لنا باللباس ؟ فأعطوا أن لا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان.

١ - الصاعقة التي أخذتهم إما أنهم ماتوا بسببها، وإما أنهم أصيبوا بغشية من شدة وقعها، والذي يظهر من قوله تعالى: \[ثم بعثناكم من بعد موتكم\] هو الأول، وعليه فإن موسى عليه الصلاة والسلام لم يمت، وإنما غشي عليه بدليل قوله تعالى: \[فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين\]، ولا يقال: يبعد ذلك قوله تعالى: \[وأنتم تنظرون\] لأن المراد نظر الأسباب المؤثرة للموت..
٢ - هذه الآية ٥٢ من سورة يس..
٣ - هذا بعيد أولا إذ لا دليل عليه- وغريب ثانيا إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ويوشع بن نون..
٤ - الفحص: كل موضع في الأرض يسكن، الجمع فحوص- والتيه بالفتح والكسر جمعه أتياه، والتيه بالكسر لا غير: الصلف والتكبر..
٥ - من الآية ٢٤ من سورة المائدة..
٦ - من الآية ٢٦ من سورة المائدة..

### الآية 2:57

> ﻿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [2:57]

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( ٥٧ )
ومعنى  ظللنا  جعلناه ظللاً، و  الغمام  السحاب لأنه يغم وجه السماء أي يستره. 
وقال مجاهد :**«هو أبرد من السحاب وأرق وأصفى، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله : يأتي أمره وسلطانه وقضاؤه. وقيل  الغمام  ما ابيض من السحاب. 
و  المن  صمغة حلوه، هذا قول فرقة، وقيل : هو عسل، وقيل : شراب حلو، وقيل : الذي ينزل اليوم على الشجر( [(١)](#foonote-١) )، وقيل : المن  خبز الرقاق مثل النقي( [(٢)](#foonote-٢) ) : وقيل : هو الترنجبين( [(٣)](#foonote-٣) ) وقيل الزنجبيل، وفي بعض هذه الأقوال بعد. وقيل : المن  مصدر يعني به جميع ما من الله به مجملاً. 
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب مسلم : الكمأة مما من الله به على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين. 
فقيل : أراد عليه السلام أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل. 
وقيل : أراد أنه لا تعب في الكمأة ولا جذاذ ولا حصاد، فهي منه دون تكلف من جنس من بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وروي أن  المن  كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج( [(٥)](#foonote-٥) ) فيأخذ منه الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ادخر فسد عليه( [(٦)](#foonote-٦) ) إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم، لأن يوم السبت يوم عبادة، و  المن  هنا اسم جمع لا واحد له من لفظه،  والسلوى  طير بإجماع( [(٧)](#foonote-٧) ) من المفسرين، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. 
قيل : هو السماني بعينه. وقيل : طائر يميل إلى الحمرة مثل السمانى، وقيل : طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب. 
قال الأخفش :**«السلوى جمعه وواحده بلفظ واحد »**. قال الخليل : السلوى  جمع واحدته سلواة. 
قال الكسائي : السلوى  واحدة جمعها سلاوى،  والسلوى  اسم مقصور لا يظهر فيه الإعراب، لأن آخره ألف، والألف حرف هوائي أشبه الحركة فاستحالت حركته ولو حرك لرجع حرفاً آخر، وقد غلط الهذلي فقال :\[ الطويل \]
وقاسمها بالله عهداً لأنتمُ. . . ألذُّ من السلوى إذا ما نشورُها( [(٨)](#foonote-٨) )
ظن السلوى العسل. 
وقوله تعالى : كلوا  الآية، معناه وقلنا كلوا، فحذف اختصاراً لدلالة الظاهر عليه، والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ. 
وقوله تعالى : وما ظلمونا  يقدر قبله : فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر، والمعنى وما وضعوا فعلهم في موضع مضرة لنا ولكن وضعوه في موضع مضرة لهم حيث لا يجب. 
وقال بعض المفسرين : ما ظلمونا  ما نقصونا، والمعنى يرجع إلى ما لخصناه،

١ - لا يخرج المن عن كونه طعاما أو شرابا، وهو ما من الله به عليهم من النعمة التي ليس لهم فيها عمل ولا كسب لا بالتفصيل ولا بالجملة..
٢ - أي: الخبر الرقيق من النفي كالحواري وهو الدقيق الأبيض أي: لباب الدقيق.
 ومنه الحديث: "ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه"..
٣ - مادة شبيهة بالعسل الأبيض- ويقال الترنجبين أيضا. في مفردات ابن البيطار: طل يقع من السماء، وهو ندى شبيه بالعسل جامد متحبب..
٤ - استدل لهذا القول العام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، والبخاري أيضا بلفظ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين"، وفي رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير: "الكمأة من المن الذي أنزل على بني إسرائيل"، راجع شراح الحديث، والحديث يحتمل احتمالين كما أشار إليهما ابن عطية رحمه الله..
٥ - أي في البياض والصفاء..
٦ - روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا ينو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر أبدا" قال العلماء معناه أن بني إسرائيل لما أنزل الله عليهم المن و السلوى نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسج وأنتن واستمر من ذلك الوقت، يقال: خنز اللحم يخنز خنزا: أنتن..
٧ - قال الإمام (ق) دعوى الإجماع لا تصح-لأن المؤرج وهو أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي الذي سيأتي بعد، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة لأنه يسلى به، ومنه عين سلوان. وقال الجوهري: السلوى العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضا ونقل هذا كثير من الأئمة وسلموه، وإذا فلا وجه لتخطئة الهذلي وتغليطه، لأن إجماع المفسرين هنا لا يمنع إطلاق اللغويين له بمعنى آخر..
٨ - الهذلي: هو خالد بن زهير الهذلي، و قوله: إذا ما نشورها: أي نجتنيها ونستخرجها من خليتها؛ من شار العسل يقال: اجتناها، ويقال: اشتارها، وأشارها لغة، وهذه الكلمة هي التي دلت على أن المراد بالسلوى في بيت الهذلي العسل..

### الآية 2:58

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [2:58]

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( ٥٨ )
و  القرية  المدينة تسمى بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت، ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته( [(١)](#foonote-١) )، والإشارة بهذه إلى بيت المقدس في قول الجمهور. وقيل إلى أريحا، وهي قريب من بيت المقدس. 
قال عمر بن شبة( [(٢)](#foonote-٢) ) : كانت قاعدة ومسكن ملوك، ولما خرج ذرية بني إسرائيل من التيه أمروا بدخول القرية المشار إليها، وأما الشيوخ فماتوا فيه، وروي أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في التيه، وكذلك هارون عليه السلام. 
وحكى الزجاج عن بعضهم أن موسى وهارون لم يكونا في التيه( [(٣)](#foonote-٣) ) لأنه عذاب، والأول أكثر، و  كلوا  إباحة، وقد تقدم معنى الرغد، وهي( [(٤)](#foonote-٤) ) أرض مباركة عظيمة الغلة، فلذلك قال  رغداً . 
و  الباب  قال مجاهد : هو باب في مدينة بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطة، وقيل هو باب القبة التي كان يصلي إليها موسى صلى الله عليه وسلم. 
وروي عن مجاهد أيضاً : أنه باب في الجبل الذي كلم عليه موسى كالفرضة( [(٥)](#foonote-٥) ). 
و  سجداً  قال ابن عباس رضي الله عنه : معناه ركوعاً( [(٦)](#foonote-٦) )، وقيل متواضعين خضوعاً لا على هيئة معينة، والسجود يعم هذا كله لأنه التواضع، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
ترى الأكم فيه سجُّداً للحوافر( [(٧)](#foonote-٧) )
وروي أن الباب خفض لهم ليقصر ويدخلوا عليه متواضعين، و  حطة  فعلة من حط يحط، ورفعه على خبر ابتداء، كأنهم قالوا سؤالنا حطة لذنوبنا، هذا تقدير الحسن بن أبي الحسن. 
وقال الطبري : التقدير دخولنا الباب كما أمرنا حطة، وقيل أمروا أن يقولوا مرفوعة على هذا اللفظ. 
وقال عكرمة وغيره : أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله لتحط بها ذنوبهم. 
وقال ابن عباس : قيل لهم استغفروا وقولوا ما يحط ذنوبكم. 
وقال آخرون : قيل لهم أن يقولوا هذا الأمر حق كما أعلمنا. وهذه الأقوال الثلاثة تقتضي النصب. 
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة :**«حطة »** بالنصب( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وحكي عن ابن مسعود وغيره : أنهم أمروا بالسجود وأن يقولوا  حطة  فدخلوا يزحفون على أستاههم( [(٩)](#foonote-٩) ) ويقولون حنطة حبة حمراء في شعرة، ويروى غير هذا من الألفاظ. 
وقرأ نافع :**«يُغفر »** بالياء من تحت مضمومة. 
وقرأ ابن عامر :**«تُغفر »** بالتاء من فوق مضمومة. 
وقرأ أبو بكر عن عاصم :**«يَغفر »** بفتح الياء على معنى يغفر الله. 
وقرأ الباقون :**«نغفر »** بالنون. 
وقرأت طائفة ****«تغفر »**** كأن الحطة( [(١٠)](#foonote-١٠) ) تكون سبب الغفران، والقراء السبعة على  خطاياكم ، غير أن الكسائي كان يميلها. 
وقرأ الجحدري :**«تُغفر لكم خطيئتُكُمْ »** بضم التاء من فوق وبرفع الخطيئة. 
وقرأ الأعمش :**«يغفر »** بالياء من أسفل مفتوح **«خطيئتَكُم »** نصباً. 
وقرأ قتادة مثل الجحدري، وروي عنه أنه قرأ بالياء من أسفل مضمومة خطيئتكم رفعاً. 
وقرأ الحسن البصري :**«يغفر لكم خطيئاتِكم »** أي يغفر الله. 
وقرأ أبو حيوة :****«تغفر »**** بالتاء من فوق مرفوعة **«خطيئاتُكم »** بالجمع ورفع التاء. 
وحكى الأهوازي( [(١١)](#foonote-١١) ) : أنه قارىء **«خطأياكم »** يهمز الألف الأولى وسكون الآخرة. وحكي أيضاً أنه قرىء بسكون الأولى وهمز الآخرة. 
قال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همز كهدية وهدايا، وركية وركايا. 
وقال الخليل( [(١٢)](#foonote-١٢) ) : هو جمع خطيئة بالهمز، وأصله خطايىء قدمت الهمزة على الياء فجاء خطائي أبدلت الياء ألفاً بدلاً لازماً فانفتحت الهمزة التي قبلها فجاء خطاءا، همزة بين ألفين، وهي من قبيلهما فكأنها ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة فجاء خطايا. 
قال سيبويه :**«أصله خطايىء همزت الياء كما فعل في مدائن وكتائب فاجتمعت همزتان فقلبت الثانية ياء، ثم أعلت على ما تقدم »**. 
وقوله تعالى : وسنزيد المحسنين  عدة، المعنى إذا غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا إله إلا الله فقيل هم المراد ب  المحسنين  هنا.

١ - لأن كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا يسمى قرية، وتقع على المدن وغيرها..
٢ - أبو زيد عمر بن شبه، عرف برواية النوادر والأخيار، وصنف تاريخ البصرة، وروى القراءة عن عاصم، وعن جبلة بن مالك- توفي سنة ٢٦٣هـ. وفيات الأعيان ٣/١١٤..
٣ - قال في (خ) ظاهر قوله تعالى \[فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين\] يقوي ما قاله الزجاج رحمه الله، وهكذا قال الإمام الفخر رحمه الله..
٤ - أي: القرية: أو أرض كنعان..
٥ - فرضة الجبل ما انحدر في وسطه وجانبه..
٦ - السجود إما أن يراد به الصلاة فيكون السجود كناية عنها- وإما أن يراد به الخضوع والتواضع شكرا لله تعالى..
٧ - تقدم هذا البيت عن قوله تعالى: \[وإذ قلنا للملائكة استجدوا لآدم\] الآية، والأكم الجبال الصغار، جعلها تسجد للحوافر لقهر الحوافر إياها، ولكونها لا تمتنع عليها..
٨ - قال جارالله الزمخشري: الأصل في هذه الكلمة: النص، بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما وقعت لتعطي معنى الثبات، قال أبو (ح): وهو حسن، ويؤكده قراءة إبراهيم بن أبي عبلة بالنصب كما روي- ثم إن الأول لأن الذي يناسب تعليق الغفران علبه هو سؤال حط الذنوب لا غير من التقديرات..
٩ - ثبت في صحيح البخاري ومسلم أنهم دخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وأنهم قالوا: حبة في شعرة، فوجب المصير إلى تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، واطرح ما سواه من الأقوال..
١٠ - أي مقالتها لا لفظها، ومن المعلوم أن المقالة المذكورة سبب في الغفران..
١١ - أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي، إمام، محدث. توفي سنة٤٤٦هـ..
١٢ - هذا يتطلب أربعة أعمال على رأي الخليل: خطائىء – ثم خطائي – ثم خطاءا- ثم خطايا- وعلى ما لسيبويه خمسة أعمال: خطايئ – ثم خطائيْ بهمز الياء- ثم خطائي- ثم خطاءا- ثم خطايا- والحاصل أنهما متفقان أصلا ومختلفان عملا..

### الآية 2:59

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [2:59]

قوله عز وجل( [(١)](#foonote-١) ) :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( ٥٩ )
روي أنه لما جاؤوا الباب دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث( [(٢)](#foonote-٢) ) أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم، وبدلوا فقالوا حبة في شعرة، وقيل قالوا حنطة حبة حمراء فيها شعرة وقيل شعيرة. 
وحكى الطبري أنهم قالوا حطي شمقاثا أزبة( [(٣)](#foonote-٣) )، وتفسيره ما تقدم. 
والرجز العذاب، وقال ابن زيد ومقاتل وغيرهما :**«إن الله تعالى بعث على الذين بدلوا ودخلوا على غير ما أمروا الطاعون فأذهب منهم سبعين ألفاً »**، وقال ابن عباس :**«أمات الله منهم في ساعة واحدة نيفاً على عشرين ألفاً »**. 
وقرأ ابن محيصن **«رُجزاً »** بضم الراء، وهي لغة في العذاب، والرجر أيضاً اسم صنم مشهور. 
والباء في قوله  بما  متعلقة ب  أنزلنا ، وهي باء السبب. 
و  يفسقون  معناه يخرجون عن طاعة الله، وقرأ النخعي وابن وثاب **«يفسِقون »** بكسر السين، يقال فسق يفسُق ويفسِق بضم السين وكسرها.

١ - استدل العلماء بهذه الآية الكريمة على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها، فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من يدل ما أمره به، وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه. وربما يدخل فيها مسألة نقل الحديث بالمعنى، والمراد أن الظالمين بدلوا قولا غير الذي قيل لهم- قولوا حطة فقالوا حنطة، وقيل لهم: ادخلوا الباب سجدا فدخلوا على أستاههم، فلقوا من البلاء ما لقوا..
٢ - روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعرة"، وأخرج البخاري وقال: "فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة". وفي غير الصحيحين: "حنطة في شعر"..
٣ - هي كلمة عبرانية، وتفسيرها ما تقدم أي "حنطة حمراء"..

### الآية 2:60

> ﻿۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [2:60]

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( ٦٠ )
 وإذ  متعلقة بفعل مضمر تقديره اذكر، و  استسقى  معناه طلب السقيا، وعرف استفعل طلب الشيء، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى : واستغنى الله ( [(١)](#foonote-١) ) \[ التغابن : ٦ \] بمعنى غني، وقولهم : استعجب بمعنى عجب، ومثل بعض الناس في هذا بقولهم استنسر البغاث( [(٢)](#foonote-٢) )، واستنوق الجمل، إذ هي بمعنى انتقل من حال إلى حال( [(٣)](#foonote-٣) )، وكان هذا الاستسقاء في فحص التيه، فأمره الله تعالى بضرب الحجر آية منه، وكان الحجر من جبل الطور، على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق( [(٤)](#foonote-٤) ) ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم وضربه موسى عليه السلام، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً منفصلاً مربعاً تطرد( [(٥)](#foonote-٥) ) من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى صلى الله عليه وسلم، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون، وفي الكلام حذف تقديره فضربه  فانفجرت ، والانفجار انصداع شيء عن شيء، ومنه الفجر، والانبجاس في الماء أقل من الانفجار( [(٦)](#foonote-٦) ). 
و  اثنتا  معربة( [(٧)](#foonote-٧) ) دون أخواتها لصحة معنى التثنية، وإنما يبنى واحد مع واحد، وهذه إنما هي اثنان مع واحد، فلو بنيت لرد ثلاثة واحداً( [(٨)](#foonote-٨) )، وجاز اجتماع علامتي التأنيث في قوله  اثنتا عشرة  لبعد العلامة من العلامة، ولأنهما في شيئين، وإنما منع ذلك في شيء واحد، نحو مسلمتات( [(٩)](#foonote-٩) ) وغيره. 
وقرأ ابن وثاب وابن أبي ليلى وغيرهما :**«عَشِرة »** بكسر الشين، وروي ذلك عن أبي عمرو، والأشهر عنه الإسكان، وهي لغة تميم، وهو نادر، لأنهم يخففون كثيراً، وثقلوا في هذه، وقرأ الأعمش **«عشَرة »** بفتح الشين وهي لغة ضعيفة، وروي عنه كسرها وتسكينها، والإسكان لغة الحجاز. 
و  عيناً  نصب على التمييز، والعين اسم مشترك، وهي هنا منبع الماء. 
و  أناس  اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا كل سبط، لأن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب السلام. 
والمشرب المفعل موضع الشرب، كالمشرع موضع الشروع في الماء، وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها، وفي الكلام محذوف تقديره وقلنا لهم كلوا المن والسلوى واشربوا الماء المنفجر من الحجر المنفصل، وبهذه الأحوال( [(١٠)](#foonote-١٠) ) حسنت إضافة الرزق إلى الله تعالى، وإلا فالجميع رزقه وإن كان فيه تكسب للعبد. 
 ولا تعثوا  معناه ولا تفرطوا في الفساد، يقال عثى الرجل يعثي وعثي يعثى عثياً إذا أفسد أشد فساد، والأولى هي لغة القرآن والثانية شاذة وتقول العرب عثا يعثو عثواً ولم يقرأ بهذه اللغة لأنها توجب ضم الثاء من  تعثوا ، وتقول العرب عاث يعيث إذا أفسد، وعث يعث كذلك، ومنه عثة( [(١١)](#foonote-١١) ) الصوف، وهي السوسة التي تلحسه. 
و  مفسدين  حال، وتكرر المعنى لاختلاف اللفظ، وفي هذه الكلمات( [(١٢)](#foonote-١٢) ) إباحة النعم وتعدادها، والتقدم في المعاصي والنهي عنها.

١ - أي في سورة التغابن من قوله تعالى في الآية رقم ٦: "فكفروا وتولوا، واستغنى الله، والله غني حميد"..
٢ - يقال: استنسر الطائر صار كالنسر في القوة، وفي المثل: إن البغاث بأرضنا يستنسر، أي إن الضعيف يصير قويا بأرضنا، يضرب للئيم يرتفع أمره، أو معناه: من جاورنا عز بنا..
٣ - وكذلك الاستسقاء، فإنه: انتقال من حال إلى حال، وفي الشرع: طلب الغيث من الله تعالى على وجه مخصوص. وعصا موسى هي مجمع الأسرار والغرائب- فبها وقع انفجار الحجر- وبها وقع انفلاق البحر- وبها كان قهر السحرة حتى وقعوا لها ساجدين..
٤ - أي في جانب جُوالق، وهو الغِرارة بالكسر، والجمع غرائر، قال الجوهري: "وأظنه معرَّبا"..
٥ - أي تجري في كل جهة من حهاته الأربع ثلاث عيون على عدد أسباط بني إسرائيل ويقال: اطرد الماء إذا تتابع سيلانه..
٦ - أي دونه في خروج الماء، وقيل: إن الانفجار والانبجاس بمعنى واحد، وهو ما تدل عليه اللغة..
٧ - من المعروف أن الأعداد المركبة كلها مبنية صدرا وعجزا، ولا يستثنى من ذلك إلا اثنا عشر واثنتا عشرة، فإن الصدر فيها معرب. وإنما لم يجعلا كنظائرهما في البناء لأن عشرا فيهما قائم مقام نون التثنية، ولو ذكرت لزم الإعراب فكذا ما يقوم مقامهما، والقول بإعرابهما هو الصحيح، ومن قال ببنائهما يرد عليه أنهما يختلفان باختلاف العوامل، وتأمل كلام ابن عطية هنا لتفهمه على ضوء هذه الحقيقة..
٨ - قوله: يبني واحد مع واحد أي: مما لا يصح فيه معنى التثنية، ويخرج من هذا أن ما يصح فيه معنى التثنية كاثنين واثنتين يعرب، وما لا يصح فيه ذلك يبنى، وقوله: لرد ثلاثة واحدا، لعله "لرد اثنان واحدا". لأن الكلام في اثنتا وتأمل، والله أعلم..
٩ - وفي نسخة: "مسلمات"..
١٠ - أي المقدرة، وهي حال المن والسلوى، وحال شرب الماء المنفجر من الحجر المنفصل..
١١ - لأنها تفسد الصوف والثياب، وكل ما يفسد ذلك فهو عُثة وسوسة- والعثة بالضم جمعها عثث..
١٢ - أي: الآيات الواردة في قصة بني إسرائيل..

### الآية 2:61

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [2:61]

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( ٦١ )
كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى، وتذكروا عيشهم الأول بمصر، وكنى عن المن والسلوى  بطعام واحد ، وهما طعامان، لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد، ولتكرارهما سواء أبداً( [(١)](#foonote-١) ) قيل لهما  طعام واحد ، ولغة( [(٢)](#foonote-٢) ) بني عامر **«فادعِ »** بكسر العين. 
و  يخرج  : جزم بما تضمنه الأمر من معنى الجزاء( [(٣)](#foonote-٣) )، وبنفس الأمر على مذهب أبي عمر الجرمي والمفعول على مذهب سيبويه مضمر تقديره مأكولاً مما تنبت الأرض، وقال الأخفش :****«من »**** في قوله : مما  زائدة **«وما »** مفعولة، وأبى سيبويه أن تكون ****«من »**** ملغاة في غير النفي، كقولهم : ما رأيت من أحد، و  من  في قوله : من بقلها  لبيان الجنس، و  بقلها  بدل بإعادة الحرف، والبقل كل ما تنبته الأرض من النجم( [(٤)](#foonote-٤) )، والقثاء جمع قثأة( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب :**«قُثائها »**، بضم القاف. 
وقال ابن عباس وأكثر المفسرين :**«الفوم الحنطة »**. 
وقال مجاهد :**«الفوم الخبز »**. 
وقال عطاء وقتادة :**«الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز كالحنطة والفول والعدس ونحوه »**. 
وقال الضحاك :**«الفوم الثوم »**، وهي قراءة عبد الله بن مسعود بالثاء، وروي ذلك عن ابن عباس( [(٦)](#foonote-٦) )، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا، مغاثير ومغافير( [(٧)](#foonote-٧) )، وجدث وجدف، ووقعوا في عاثور شر، وعافور شر، على أن البدل لا يقاس عليه، والأول أصح : أنها الحنطة، وأنشد ابن عباس قول أحيحة بن الجلاح :\[ الطويل \]
قد كنت أغنى الناس شخصاً واجداً. . . ورد المدينة عن زراعة فوم
يعني حنطة. 
قال ابن دريد( [(٨)](#foonote-٨) ) :**«الفوم الزرع أو الحنطة »**، وأزد السراة( [(٩)](#foonote-٩) ) يسمون السنبل فوماً «، والاستبدال طلب وضع الشيء موضع الآخر( [(١٠)](#foonote-١٠) )، و  أدنى  مأخوذ عند أبي إسحاق الزجاج من الدنو أي القرب( [(١١)](#foonote-١١) ) في القيمة. 
وقال علي بن سليمان : هو مهموز من الدنيء البين الدناءة، بمعنى الأخس، إلا أنه خففت همزته. 
وقال غيره : هو مأخوذ من الدون أي الأحط، فأصله أدون أفعل، قلب( [(١٢)](#foonote-١٢) ) فجاء أفلع، وقلبت الواو ألفاً لتطرفها. 
وقرأ زهير للكسائي( [(١٣)](#foonote-١٣) ) :» أدنأ، ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل التي هي أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير ؟ والوجه الذي يوجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه، يحتمل أن يكون تفاضلها في القيمة، لأن هذه البقول لا خطر لها، وهذا قول الزجاج، ويحتمل أن يفضل المن والسلوى لأنه الطعام الذي من الله به وأمرهم بأكله، وفي استدامة أمر الله تعالى وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوا عارٍ من هذه الخصال، فكان أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في الطيب واللذة به، فالبقول لا محالة أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في حسن الغذاء ونفعه، فالمن والسلوى خير لا محالة في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل من جهة أنه لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوا لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب، فهو  أدنى  في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في أنه لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع( [(١٤)](#foonote-١٤) ) والغصوب وتدخلها الشبه، فهي  أدنى  في هذا الوجه. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : ويترتب الفضل للمن والسلوى بهذه الوجوه كلها، وفي الكلام حذف، تقديره : فدعا موسى ربه فأجابه( [(١٥)](#foonote-١٥) )، فقال لهم : اهبطوا ، وتقدم ذكر معنى( [(١٦)](#foonote-١٦) ) الهبوط، وكأن القادم على قطر منصب( [(١٧)](#foonote-١٧) ) عليه، فهو من نحو الهبوط، وجمهور الناس يقرؤون **«مصراً »** بالتنوين وهو خط المصحف، إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي الله عنه( [(١٨)](#foonote-١٨) ). 
وقال مجاهد وغيره ممن صرفها :**«أراد مصراً من الأمصار غير معين »**، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه. 
وقالت طائفة ممن صرفها( [(١٩)](#foonote-١٩) ) : أراد مصر فرعون بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها. 
وقال الأخفش :**«لخفتها وشبهها بهند ودعد »** وسيبويه لا يجيز هذا( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ). 
وقال غير الأخفش :**«أراد المكان فصرف »**. 
وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما :**«اهبطوا مصر »** بترك الصرف، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب وقالوا :**«هي مصر فرعون »**. 
قال الأعمش :**«هي مصر التي عليها صالح بن علي »**. 
وقال أشهب :**«قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون »**. 
وقوله تعالى : فإن لكم ما سألتم  يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم. 
وقرأ النخغي وابن وثاب **«سِألتم »** بكسر السين( [(٢١)](#foonote-٢١) ) وهي لغة،  وضربت عليهم الذلة والمسكنة  معناه ألزموها وقضي عليهم بها، كما يقال ضرب الأمير البعث( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وكما قالت العرب ضربة لازب، أي إلزام ملزوم أو لازم، فينضاف المصدر إلى المفعول بالمعنى، وكما يقال ضرب الحاكم على اليد، أي حجر وألزم ؛ ومنه ضرب الدهر ضرباته، أي ألزم إلزاماته، و  الذلة  فعلة من الذل كأنها الهيئة والحال،  والمسكنة  من المسكين، قال الزجاج :**«هي مأخوذة من السكون وهي هنا : زي الفقر وخضوعه( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، وإن وجد يهودي غني فلا يخلو من زي الفقر ومهانته »**. 
قال الحسن وقتادة :**«المسكنة الخراج أي الجزية »**. 
وقال أبو العالية :**«المسكنة الفاقة والحاجة »**. 
 وباؤوا بغضب من الله  معناه : مروا متحملين له( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، تقول : بؤت بكذا إذا تحملته، ومنه قول مهلهل ليحيى بن الحارث بن عباد :**«بؤ( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ) بشسع نعل كليب »**. 
والغضب بمعنى الإرادة صفة ذات، وبمعنى إظهاره على العبد بالمعاقبة صفة فعل، والإشارة بذلك إلى ضرب الذلة وما بعده، والباء في  بأنهم  باء السبب. 
وقال المهدوي :**«إن الباء بمعنى اللام »** والمعنى : لأنهم، والآيات هنا تحتمل أن يراد بها التسع( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) وغيرها مما يخرق العادة، وهو علامة لصدق الآية به، ويحتمل أن يراد آيات التوراة التي هي كآيات القرآن. 
وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«وتقتلون »** بالتاء على الرجوع إلى خطابهم( [(٢٧)](#foonote-٢٧) )، وروي عنه أيضاً بالياء. 
وقرأ نافع : بهمز **«النبيئين »**، وكذلك حيث وقع في القرآن، إلا في موضعين( [(٢٨)](#foonote-٢٨) ) : في سورة الأحزاب : أن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي  \[ الأحزاب : ٥٠ \] بلا مد ولا همز،  ولا تدخلوا بيوت النبي إلا  \[ الأحزاب : ٥٣ \]، وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وترك الهمز في جميع ذلك الباقون، فأما من همز فهو عنده من **«أنبأ »** إذا أخبر، واسم فاعله منبىء فقيل نبيء، بمعنى منبىء، كما قيل : سميع بمعنى مسمع، واستدلوا بما جاء من جمعه على نبآء. قال الشاعر( [(٢٩)](#foonote-٢٩) ) :\[ الطويل \]
يا خاتم النبآء إنك مرسل. . . بالحقّ كلّ هدى الإله هداكا
فهذا كما يجمع فعيل في الصحيح **«كظريف »** وظرفاء وشبهه. 
قال أبو علي :**«زعم سيبويه أنهم يقولون في تحقير النبوة : كان مسيلمة نبوته نبيئة( [(٣٠)](#foonote-٣٠) ) سوء، وكلهم يقولون تنبأ مسيلمة، فاتفاقهم على ذلك دليل على أن اللام همزة »**، واختلف القائلون بترك الهمز في نبيء، فمنهم من اشتق النبي من همز ثم سهل الهمز، ومنهم من قال : هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر، فالنبي الطريق الظاهر، وكان النبي من عند الله طريق الهدى والنجاة، وقال الشاعر( [(٣١)](#foonote-٣١) ) :\[ البيسط \]. 
لما وردنا نبياً واستتبّ بنا. . . مسحنفر كخطوط السيح منسحل( [(٣٢)](#foonote-٣٢) )
واستدلوا بأن الأغلب في جمع أنبياء كفعيل في المعتل، نحو ولي وأولياء وصفي وأصفياء، وحكى الزهراوي أنه يقول نبوء إذا ظهر فهو نبيء، والطريق الظاهر نبيء بالهمز، وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : السلام عليك يا نبيء الله، وهمز، فقال له النبي صلى عليه السلام : لست بنبيء الله، وهمز، ولكني نبيّ الله، ولم يهمز. 
قال أبو علي :**«ضعف سند هذا الحديث، ومما يقوي ضعفه أنه صلى الله عليه وسلم، قد أنشده المادح يا خاتم النبآء ولم يؤثر في ذلك إنكار، والجمع كالواحد »**. 
وقوله تعالى : بغير الحق  تعظيم( [(٣٣)](#foonote-٣٣) ) للشنعة والذنب الذي أتوه، ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق، ولكن من حيث قد يتخيل متخيل لذلك وجهاً، فصرح قوله : بغير الحق  عن شنعة الذنب ووضوحه، ولم يجترم( [(٣٤)](#foonote-٣٤) ) قط نبي ما يوجب قتله، وإنما أتاح الله تعالى من أتاح منهم. وسلط عليه، كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين( [(٣٥)](#foonote-٣٥) )، قال ابن عباس وغيره :**«لم يقتل قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر »**( [(٣٦)](#foonote-٣٦) ). 
وقوله تعالى : ذلك  رد على الأول وتاكيد للإشارة إليه( [(٣٧)](#foonote-٣٧) )، والباء في  بما  باء السبب، و  يعتدون  معناه : يتجاوزون الحدود، والاعتداء تجاوز الحد في كل شيء، وعرفه في الظلم والمعاصي.

١ - أي إنما سمي المن والسلوى وهما اثنان طعاما واحدا لتكرار الغذاء بهما كل يوم بحيث لا يتبدل ولايتغير، على السواء لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر، فهو لذلك مأكل واحد..
٢ - فهي من ذوات الياء عندهم، و يجرون المعتل مجرى الصحيح..
٣ - أي سل ربك وقل له أخرج- يُخرج..
٤ - أي ما نجم من النبات على غير ساق وتسطح فلم ينهض، أما الشجر فهو كل ما له ساق..
٥ - القيثاء: الخيار..
٦ - منهم من قال: الفوم هو الثوم لأن الفاء تبدل ثاء، والثاء تبدل فاء لتقارب مخرجيهما ويؤيد هذا ما روي في الشواذ عن ابن مسعود وابن عباس وثومها بالثاء، كما يؤيده أنه أشبه بما بعده، فإن الثوم تشاكل البصل، ومنهم من قال: الفوم هو الحنطة والبر وجميع الحبوب التي تختبز، ورجح ابن عطية أنها الحنطة مستدلا بقول أحيحة بن الجلاح، وبما قاله ابن دريد، وقال: إن الابدال لا يقاس عليه، وزاد بعضهم قائلا: كيف يطلبون الثوم ولا يطلبون الخبز الذي هو الأصل؟ والله أعلم..
٧ - المغافير والمغاثير صمغ حلو كالعسل يسيل من شجر العرفط، وله رائحة كريهة، والجدث والجدف عبارة عن القبر، وفي المثل: "شر الأحداث، نزول الأجداث" وعاثور وعافور بإضافتهما إلى شر عبارة عن الشدة والأزمة، ويقال للرجل إذا تورط: وقع في عاثور شر وعافور شر، أي في شدة ومحنة، وقد قيل: 
 عاثور شر إيما عاثور دبدبة الخيل على الجسور.
٨ - هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي- إمام عصره في اللغة والأدب والشعر، أخذ عن أبي حاتم السجستاني، وكان حافظا، واسع الرواية، ألف الجمهرة والاشتقاق، وتوفي سنة (٣٢١هـ)..
٩ - يقال أزدشنوءة، وأزدعمان، وأزد السراة، والأسد: لغة في الأزد..
١٠ - استبدل، وتبدل: تدخل الباء يهما على المتروك دائما دون المأخوذ- مثال ذلك قوله تعالى هنا: \[أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير\] أي أتتركون الذي هو خير وتأخذون ما هو أدنى؟- وقوله تعالى: \[ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب\]أي لا تتركوا الطيب وتأخذوا الخبيث- وقوله تعالى: \[ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل\] أي ومن يترك الإيمان ويأخذ الكفر فقد ضل سواء السبيل، وأما بدل وأبدل فإن الباء تدخل على المأخوذ دون المتروك، وتتعدى لواحد نحو: (فمن بدله) أي غيره (بعدما سمعه)- وإلى مفعولين بنفسه نحو (يبدل الله سيئاتهم حسنات) وبالباء نحو: بدلت العصيان بالتوبة، وإلى ثالث نحو: (وبدلناهم بجنتيهم جنتين) فالباء في الثاني داخلة على المأخوذ والثالث هو المتروك: هكذا حققه سعد الدين التفتزاني في حاشية الكشاف، ونقله بعض الأئمة..
١١ - في أدنى آراء: قيل: إنه مأخوذ من الدنو بمعنى القرب، وقيل: من الدُّون بمعنى الأحط، وقيل: من الدناءة بمعنى الخسة، فالأول من دنا يدنو دنوا، والثالث من دنو يدنؤ دناءة، وأما الثاني فلا فعل له كما في المصباح، وكيفما كان الأخذ فوجوه التفاضل بين ما هو أدنى وما هو خير على ما أشار إليه ابن عطية رحمه الله ستة- إما في القيمة، وإما في اللذة، وإما في الكلفة، وإما في الحلية، وإما في جنس التغذية، وإما في امتثال الأمر والدعوة، وكل هذه الوجوه يحصل بها الفضل للمن والسلوى. والقرب: يستعمل في الزمان والمكان وهما معنيان أصيلان له، كما يستعمل في النسبة والحظوة والرعاية والقدرة..
١٢ - أي قلبا مكانيا، وبذلك تطرفت الواو وقلبت ألفا..
١٣ - زهير الكسائي هو الفرقبي النحوي له اختيار في القراءة، وكان في زمن عاصم، وليس هو الكسائي الكبير أحد القراء السبعة خلافا لمن وهم، وقراءته تشبه ما قاله الأخفش، إلا أن الهمزة خففت على قوله..
١٤ - وفي بعض النسخ العيوب..
١٥ - هذا يجري على أن الأمر من الله لا من موسى عليه السلام..
١٦ - هو النزول والانحدار، "اهبطوا مصرا" انزلوه..
١٧ - أي منحدر، وفي معناه قولهم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: "كأنما ينحط من صبب"..
١٨ - قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: "ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك" أي من الأمصار..
١٩ - في صرفها رأيان: قال بعضهم: المراد مصر من الأمصار وهو الحق لأنه خط المصحف، وقال آخرون المراد مصر فرعون، وعلى عدم الصرف كما في مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه: هي مصر المعروفة قولا واحدا..
٢٠ - لأنك لو سميت امرأة بزيد لمنعته من الصرف. وفي الألفية: (أو زيد اسم امرأة لا اسم ذكر)..
٢١ - أي مع كون العين همزة لتوهم الفتح..
٢٢ - البعث: هوالجيش، وجمعه بعوث، والمعنى: ضرب الأمير البعث على الجند، وأجرى عليهم أي بعثوا على العدو..
٢٣ - فلا يوجد يهودي وإن كان غنيا –خاليا من هيئة الفقر ومهانته، فذلك لازم له والذلة الهوان، والمسكنة الخضوع، والزي بالكسر..
٢٤ - يعني أنهم استحقوا الغضب من الله فتحملوه وذهبوا به فلهم البلاء في الدنيا والعذاب في الأخرى..
٢٥ - يقال: يؤ به أي كن ممن يقتل به، ومنه قول مهلهل لبجير هذا. والشسع قبال النعل أي زمامها بين الإصبع الوسطى والتي تليها- وكان بجير قد قتله مهلهل أخ كليب المقتول، فقال أبوه الحارث بن عباد عند ذلك: نعم الغلام أصلح بين ابني وائل وفاء بكليب، فقيل له: إن المهلهل لما قتله قال: "يؤ بشسع نعل كليب" فركب فرسه (النعامة) وتولى أمر بكر، واشتعلت الحرب من جديد بين قبائل بكر وتغلب وانهزمت تغلب، وأسر المهلهل في هذه الموقعة المعروفة: بتحلاق اللمم..
٢٦ - يعني المعجزات التسع التي جاء بها موسى عليه السلام..
٢٧ - وقرئ (يقتلون) بالتشديد، وهي قراءة علي رضي الله عنه، وهذه القراءة تدل على المبالغة في القتل- ويشهد لها ما رواه أبو داود الطيالسي وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كانت بنو أسرائيل يقتلون في اليوم سبعين نبيا، وفي رواية ثلاثمائة نبي في في أول النهار، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار" انتهى، والمراد بأنهم لا يعبئون بذلك العدد المقتول، ولذلك يقيمون سوق البقول والخضراوات آخر النهار..
٢٨ - المعروف أن (نافعا) يهمز الكل وأن قالون تلميذه هو الذي أبدل الهمز بالياء في الموضعين من سورة الأحزاب- وفي حرز الأماني:
 وجمعا وفردا في النبيء وفي النبو ءة الهمز كل غير نافع أبــدلا
 وقالون في الأحزاب في للنبيء مع بيوت النبيء الياء شدد مبدلا.
٢٩ - هو العباس بن مرداس السلمي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم..
٣٠ - بتشديد الياء، والتصغير للتحقير..
٣١ - هو القطامي. واسمه: عمير بن شبيم التغلبي..
٣٢ - المسحنفر: الطريق المستقيم، والبلد الواسع والمطر الكثير، ونبي اسم موضع بالشام. وفي بعض النسخ- النسج بدلا من السيح..
٣٣ - يعني أن قوله تعالى: (بغير الحق)، وهو قيد لازم لقتل الأنبياء، لأن النبي لا يقتل بالحق، وإنما يقتل على الحق- فالتصريح به للتشنيع عليهم، ولتقبيح فعلهم، والشنعة بالضم: القبح..
٣٤ - أي لم يرتكب قط ذنبا يوجب قتله..
٣٥ - هذه العبارة فيها قلق، ولذلك تجنبها الإمام القرطبي رحمه الله مع أن عادته غالبا نقل عبارة ابن عطية، ونص عبارة القرطبي: "فإن قيل: كيف جاز أن يُخلي بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بخذلان لهم" انتهى..
٣٦ - أشار به إلى أن قوله تعالى: \[ويقتلون النبيين\]، مخرج للمرسلين، فإن الرسول لا يقتل، لقوله تعالى: \[إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا\] ولقوله تعالى: \[ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين\]الآية..
٣٧ - هذه علة بعد علة، وتأكيد لمجازاتهم بما جوزوا به من ضرب الذلة والمسكنة والمباءة بالغضب، وأنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في الحد المأذون فيه، قال أبو حيان: "الظاهر أن قوله: \[ذلك بأنهم كانوا يكفرون\] الخ. علة لضرب الذلة والمسكنة والرجوع بالغضب، وقوله: \[ذلك بما عصو\] الخ علة للكفر والقتل، فيكون العصيان للكفر والاعتداء، فيكون قد ذكر شيئين وقابلهما بشيئين، كما ذكر أولا شيئين وهما الضرب والمباءة وقابلهما بشيئين، وهما الكفر والقتل، فجاء ذلك لفا ونشرا في الموضعين وذلك من محاسن الكلام وجودة التركيب، ويخرج بذلك عن التأكيد الذي لا يصار إليه إلا عند الحاجة. وقوله (رد) أي مردود وراجع إليه..

### الآية 2:62

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:62]

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٦٢ )
اختلف المتأولون في المراد ب  الذين آمنوا  في هذه الآية، فقال سفيان الثوري : هم المنافقون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه قال : إن الذين آمنوا  في ظاهر أمرهم، وقرنهم( [(١)](#foonote-١) ) باليهود  والنصارى والصابئين ، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله  من آمن  في المؤمنين المذكورين : من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة : من دخل في الإيمان. وقالت فرقة : الذين آمنوا  هم المؤمنون حقاً( [(٢)](#foonote-٢) ) بمحمد صلى الله عليه وسلم قوله. 
  من آمن بالله  يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وقال السدي : هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، كزيد بن عمرو بن نفيل( [(٣)](#foonote-٣) )، وقس بن ساعدة( [(٤)](#foonote-٤) )، وورقة بن نوفل( [(٥)](#foonote-٥) )،  والذين هادوا  كذلك ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر بعيسى عليه السلام،  والنصارى  كذلك ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم،  والصابئين  كذلك، قال : إنها نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، وذكر له الطبري قصة طويلة، وحكاها أيضاً ابن إسحاق، مقتضاها أنه صحب عباداً من النصارى فقال له آخرهم( [(٦)](#foonote-٦) ) إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فأمن به، ورأى منهم عبادة عظيمة، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ذكر له خبرهم، وسأله عنهم، فنزلت هذه الآية. 
وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أول الإسلام، وقرر الله بها أن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر فله أجره، ثم نسخ( [(٧)](#foonote-٧) ) ما قرر من ذلك بقوله تعالى  ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ آل عمران : ٨٥ \] وردت الشرائع : كلها إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. 
 والذين هادوا  هم اليهود، وسموا بذلك لقولهم  إنا هدنا إليك  \[ الأعراف : ١٥٦ \] أي تبنا، فاسمهم على هذا من هاد يهود، قال الشاعر :\[ السريع \]
إني امرؤ من مدحتي هائد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
أي تائب : وقيل : نسبوا إلى يهوذا بن يعقوب، فلما عرب الاسم لحقه التغيير، كما تغير العرب في بعض ما عربت من لغة غيرها، وحكى الزهراوي التهويد النطق في سكون ووقار ولين، وأنشد :
وخود من اللائي تسمعن بالضحى. . . قريض الردافى بالغناء المهود( [(٩)](#foonote-٩) )
قال : ومن هذا سميت اليهود، وقرأ أبو السمال **«هادَوا »** بفتح الدال( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
 والنصارى ( [(١١)](#foonote-١١) ) لفظة مشتقة من النصر، إما لأن قريتهم تسمى ناصرة، ويقال نصريا ويقال نصرتا( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وإما لأنهم تناصروا، وإما لقول عيسى عليه السلام  من أنصاري إلى الله  \[ آل عمران : ١٥٢، الصف : ٤ \] قال سيبويه : واحدهم نصران ونصرانة كندمان وندمانة وندامى، وأنشد :\[ أبو الأخرز الحماني \] :\[ الطويل \]
فكلتاهما خرت وأسجدَ رأسُها. . كما سَجَدتْ نصْرانةٌ لم تَحَنّفِ( [(١٣)](#foonote-١٣) )
وأنشد الطبري :\[ الطويل \]
يظل إذا دار العشيُّ محنّفاً. . . ويضحي لديها وهو نَصْرانُ شامسُ( [(١٤)](#foonote-١٤) )
قال سيبويه : إلا إنه لا يستعمل في الكلام إلاّ بياء نسب( [(١٥)](#foonote-١٥) )، قال الخليل، واحد  النصارى  نصريّ كمهريّ ومهارى. 
والصابىء في اللغة من خرج من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب( [(١٦)](#foonote-١٦) ) تقول لمن أسلم قد صبا، وقيل إنها سمتهم بذاك لما أنكروا الآلهة تشبيهاً بالصابئين في الموصل الذين لم يكن لهم بر إلا قولهم لا إله إلا الله، وطائفة همزته وجعلته من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت، قال أبو علي : يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت، فالصابىء التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابىء على القوم تارك لأرضه ومتنقل إلى سواها، وبالهمزة قرأ القراء غير نافع فإنه لم يهمزه، ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال، أو يجعله على قلب الهمزة ياء، وسيبويه لا يجيزه إلا في الشعر. 
وأما المشار إليهم في قوله تعالى : والصابئين  فقال السدي : هم فرقة من أهل الكتاب، وقال مجاهد : هم قوم لا دين لهم، وليسوا بيهود ولا نصارى( [(١٧)](#foonote-١٧) )، وقال ابن أبي نجيح( [(١٨)](#foonote-١٨) ) : هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم، وقال ابن زيد : هم قوم يقولون لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب، كانوا بجزيرة الموصل، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويصلون الخمس ويقرؤون الزبور، رآهم زياد بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة. 
و  من  في قوله  من آمن بالله  في موضع نصب بدل من  الذين ( [(١٩)](#foonote-١٩) )، والفاء في قولهم  فلهم  داخله بسبب الإبهام الذي في  من  و  لهم أجرهم  ابتداء وخبر في موضع خبر  إن ، ويحتمل ويحسن أن تكون  من  في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والفاء في قوله  فلهم  موطئة أن تكون الجملة جوابها، و  لهم أجرهم  خبر  من ، والجملة كلها خبر  إن ، والعائد على  الذين  محذوف لا بد من تقديره( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وتقديره **«من آمن منهم بالله »**. 
وفي الإيمان باليوم الآخر اندرج الإيمان بالرسل والكتب، ومنه يتفهم( [(٢١)](#foonote-٢١) )، لأن البعث لم يعلم إلا بإخبار رسل الله عنه تبارك وتعالى، وجمع الضمير في قوله تعالى  لهم أجرهم  بعد أن وحد في  آمن  لأن  من  تقع على الواحد والتثنية الجمع، فجائز أن يخرج ما بعدها مفرداً على لفظها، أو مثنى أو مجموعاً على معناها، كما قال عز وجل  ومنهم من يستمعون إليك ( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) \[ يونس : ٤٢ \] فجمع على المعنى، وكقوله  ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) \[ النساء : ١٣ \] ثم قال  خالدين فيها  \[ النساء : ١٣ \] فجمع على المعنى، وقال الفرزدق :\[ الطويل \]
تعشَّ فإن عاهدتني لا تخونني. . . نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصْطحبانِ
فثنى على المعنى، وإذا جرى ما بعد  من  على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى، وإذا جرى ما بعدها على المعنى فلم يستعمل أن يخالف به بعد على اللفظ، لأن الإلباس يدخل في الكلام( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ). 
وقرأ الحسن **«ولا خوف »** نصب على التبرية، وأما الرفع فعلى الابتداء، وقد تقدم القول في مثل هذه الآية( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ).

١ - يريد أن القرينة على أن المراد بالذين آمنوا المنافقون هي قرنهم باليهود والنصارى والصابئين في الآية – ومحصل ما ذكره من الأقوال خمسة، قول سفيان الثوري، وقول الفرقة، وقول السدي، وقول سلمان الفارسي رضي الله عنه وقول ابن عباس رضي الله عنهما.
 ثم إن باب الإيمان والتوبة مفتوح على مصراعيه أمام اليهود وغيرهم، وكل من ارتكب الكبائر والقبائح إذا آمن وتاب فله ما للمؤمنين من الأجر، وعدم الخوف والحزن، وكأن الله عز وجل أراد أن يقرر بهذه الآية أن حال هذه الملة الإسلامية، وحال من قبلها من سائر الملل يرجع إلى شيء واحد، وهو أن من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا، استحق ما ذكره الله من العناية والأجر، ومن فاته ذلك فاته ذلك فاته خير كثير، وهذا الإيمان لا يتحقق إلا بالدخول في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا بالقرآن فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار مؤمنا مسلما، ولم يكن يهوديا، ولا نصرانيا، ولا مجوسيا. وكل من تعاطى دينا من الأديان السماوية في وقت شرعه وقبل نسخه، وآمن بما جاء به، وعمل صالحا، فلهم أجرهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون..
٢ - أي: ظاهرا وباطنا..
٣ - قال لما فارق دين قومه:
 أربا واحـــدا أم ألـــــف رب أدين إذا تقسمت الأمــور؟
 تركت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الرجل البصير.
٤ - هو ممن ضربت بحكمتهم وعقولهم الأمثال – قدم وفد إياد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عنه، فقالوا: هلك، فقال: "كأني أنظر إليه على جمل أحمر بسوق عكاظ يقول: أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في الأرض لعبرا، وإن في السماء لخبرا، أنجم تدور، وبحار لاتغور، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم بالله قسم حق، إن لله دينا أرضى مما أنتم عليه، ما للناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ سبيل مؤتلف، وعمل مختلف، وقال أبياتات لا أحفظها". فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا أحفظها، فقال: هاتها. فقال:
 في الذاهبين الأولـــــــــــــــــــــين من القرون لنا بصائر
 لما رأيت مـــــــواردا
 للموت ليس لها مـــــــصادر
 ورأيت قومي نحـوها
 يمضي الأكابر والأصاغــر
 لا يرجع الماضي ولا
 يبقى من الباقــين غـــابـــــر
 أيقنت أني لا محالــــــــــــــــــالة حيث صار القـوم صائر
 فقال: "رحم الله قسا إني لأرجو أن يبعث أمة وحده"..
٥ - ورقة بن نوفل هو ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد استحكم في النصراية، وكان من أمره ما ذكره البخاري وغيره في حديث بدء الوحي- وأنه أدرك البعثة، ولم يدرك الرسالة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا..
٦ - وفي بعض النسخ: فقال أحدهم..
٧ - ليس المراد نسخ ما وعدهم به سبحانه من الثواب والأجر على إيمانهم وعملهم الصالح، بل المراد أن جميع الأديان منسوخة بالإسلام، وقال بعضهم هذا القول لا يصح عن ابن عباس لأن النسخ لا يجوز أن يدخل الخبر الذي يتضمن الوعد، وإنما يجوز دخوله في الأحكام الشرعية التي تتبدل وتتغير بتغير المصلحة..
٨ - من الآية ٨٥ من سورة آل عمران..
٩ - قائله الراعي النميري يصف ناقة – وخود: الواو فيه أصلية، وليست للعطف من (وخد) إذا أسرع، والقريض: الشعر- والردافي: الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر، ويقال: هود الرجل إذا سكن، وهود إذا غنى وأطرب. ويقال: غناء مهود..
١٠ - من المهاداة، أي: مال بعضهم إلى بعض، أو تكون فاعل بمعنى فعل من الهداية. ومادة القراءة الأولى: (هاء، وواو، ودال)، ومادة القراءة الثانية: (هاء، ودال، وياء)..
١١ - النصارى واحده نصراني نسبة إلى الناصرة على غير قياس، وقيل: جمع نصران كندمان وندامى، وقيل: جمع نصري كمهري ومهارى، نسبة إلى قرية اسمها نصرة. قال الفيومي في المصباح: ورجل نصراني بفتح النون، وامرأة نصرانية، وربما قبل نصران ونصرانة، ويقال: هو نسبة إلى قرية اسمها نصرة، قاله الواحدي، ولهذا قيل في الواحد: نصري على القياس، والنصارى جمعه مثل مهري ومهارى، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين..
١٢ - الذي في "لسان العرب" أنه يقال: نصرى ونصري وناصرة ونصورية، اسم قرية بالشام..
١٣ - قائله أبو الأخرز الحماني يصف ناقتين طأطأتا رأسيهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة برأس النصرانية إذ طأطأته في صلاتها، ويقال: سجد الرجل وأسجد، كما يقال: سجد البعير وأسجد إذا طأطأ رأسه..
١٤ - كأنه يشير إلى نفاقه، وأن له دينا بالليل ودينا بالنهار. وفي تفسير الطبري: "تراه إذا زار"..
١٥ - يعني أن قولهم: النصارى جمع نصران ونصرانة إنما هو بحسب الأصل، وأما بحسب الاستعمال فلا يكون إلا بياء النسب، وجاءت نصرانة ونصران في الشعر للضرورة..
١٦ - وفي بعض النسخ: "قريش" بدلا من "العرب"..
١٧ - أظهر الأقوال ما قاله مجاهد رحمه الله: وأنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه، انظر تفسير الحافظ ابن كثير..
١٨ - عبد الله بن أبي نجيح- من موالي بني مخزوم- توفي سنة ١٣٢هـ..
١٩ - بحث أبو (ح) رحمه الله في إعرابها بدلا من الذين آمنوا- في إعرابها خبرا عن (إن) على أنها مبتدأ و ما بعدها خبر- قال: لا يتم ذلك إلا إلا بتغاير الإيمانين. واختار أن تعرب بدلا من المعاطف التي بعد اسم إن، انظره في "البحر المحيط" ١/٢٤١-٢٤٢..
٢٠ - أي لدلالة الكلام عليه، وإلا فالحذف بدون دلالة ممنوع..
٢١ - أنكر أهل اللغة هذه المادة، وقالوا: لا يقال انفهم الأمر، وفي القاموس أنها لحن..
٢٢ - من الآية ٤٢ من سورة يونس..
٢٣ - من الآية ١٣ من سورة النساء..
٢٤ - انظر أبا (ح) في "البحر المحيط" ١/٢٤٢ فقد بحثه ورده، قال: "وليس كما ذكر، بل يجوز إذا راعيت المعنى أن تراعي اللفظ بعد ذلك، لكن الكوفيين يشترطون الفصل في الجمع بين هذين الحملين، والبصريون لا يشترطون ذلك..
٢٥ - عند تفسير قوله تعالى: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)..

### الآية 2:63

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:63]

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ٦٣ )
وقوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ،  إذ  معطوفة على التي قبلها، والميثاق مفعال من وثق يثق، مثل ميزان من وزن يزن، و  الطور  اسم الجبل الذي نوجي موسى عليه، قاله ابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم : الطور  اسم لكل جبل، ويستدل على ذلك بقول العجاج :\[ الرجز \]
دانى جناحيه من الطور فمرْ. . . تقضّيَ البازي إذا البازي كسرْ( [(١)](#foonote-١) )
وقال ابن عباس أيضاً : الطور  كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت ليس بطور، قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا( [(٢)](#foonote-٢) ) كله على أن اللفظة عربية، وقال أبو العالية ومجاهد : هي سريانية اسم لكل جبل. 
وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله تعالى بالألواح فيها التوراة، قال لهم : خذوها والتزموها، فقالوا : لا إلا أن يكلّمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا، ثم أحيوا، فقال لهم : خذوها، فقالوا : لا، فأمر الله تعالى الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين، طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأخرج الله تعالى البحر من ورائهم، وأضرم ناراً بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، وغرقكم البحر وأحرقتكم النار، فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق، وقال الطبري رحمه الله عن بعض العلماء : لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق، وكانت سجدتهم على شق، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفاً، فلما رحمهم الله قالوا لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها، فأمروا( [(٣)](#foonote-٣) ) سجودهم على شق واحد. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله : والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لأنهم آمنوا كرهاً وقلوبهم غير مطمئنة( [(٤)](#foonote-٤) )، وقد اختصرت ما سرد في قصص هذه الآية، وقصدت أصحه الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وخلط بعض الناس صعقة هذه القصة بصعقة السبعين. 
وقوله تعالى : خذوا ما آتيناكم بقوة  في الكلام حذف تقديره : وقلنا خذوا، و  آتيناكم  معناه أعطيناكم، و  بقوة  : قال ابن عباس : معناه بجد واجتهاد، وقيل : بكثرة درس، وقال ابن زيد : معناه بتصديق وتحقيق، وقال الربيع. معناه بطاعة الله. 
 واذكروا ما فيه  أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه وتضيعوه( [(٥)](#foonote-٥) )، والضمير عائد على  ما آتيناكم  ويعني التوراة، وتقدير صلة  ما  : واذكروا ما استقر فيه، و  لعلكم تتقون  ترج في حق البشر.

١ - يقال: تقضي البازي: انقض- وكسر الطائر يكسر كسورا: ضم جناحيه حتى ينقض، يريد الوقوع. فإذا ذكرت الجناحين قلت: كسر جناحيه كسرا..
٢ - أي: كون الطور اسما لجبل معين، أو لكل جبل ينبت، أو لكل جبل أنبت أو لم ينبت- على أن اللفظة عربية..
٣ - بالميم أي: سلكوا فيه هذا المسلك دائما، وفي بعض النسخ: فأقروا بالقاف..
٤ - في هذا تكلف، والحق أنهم مكرهون على هذا الإيمان، ومضطرون، كما هو ظاهر النص الكريم، وهم وإن كانوا مضطرين فاستحقاقهم للثواب بعد إنما يكون على عملهم، لا على التزامهم، وقد ثبت في شرعنا كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن قتل من أسلم بعد أن رأى السيف مصلتا عليه، واعتذر عن قتله بقوله: إنما قالها خوفا، ولم تكن عن قصد صحيح- قال له: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها صدقا أم لا"؟ وقال: "إني لم أومر أن أنقِّب عن قلوب الناس"..
٥ - المقصود من الكتب السماوية هو تدبرها، والعمل بمقتضاها، لا مجرد تلاوتها وتردادها باللسان فإن ذلك إعراض عنها، واطرح لها كما سيأتي هذا المعنى في قوله تعالى: (نبذ فريق من الذين فإن ذلك إعراض عنها، واطرح لها كما سيأتي هذا المعنى في قوله تعالى: (نبذ فريق من الذين أوتو الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعملون) قال الإمام مالك رحمه الله: "قد يقرأ القرآن من لا خير فيه، فالمراد بالذكر هنا الذكر بالقلب، وهو التدبر أو لازمه وهو العمل، لا مجرد الذكر باللسان"..

### الآية 2:64

> ﻿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [2:64]

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ٦٤ )
وقوله تعالى : ثم توليتم من بعد ذلك  الآية. تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعاً ومجازاً، و  فضل الله  رفع بالابتداء، والخبر مضمر عند سيبويه لا يجوز إظهاره للاستغناء عنه، تقديره فلولا فضل الله عليكم تدارككم،  ورحمته  عطف على فضل، قال قتادة : فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن. قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا على أن المخاطب بقوله : عليكم  لفظاً ومعنى من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أن المراد بالمعنى من سلف( [(١)](#foonote-١) )، و  لكنتم  جواب  لولا ،  ومن الخاسرين  خبر **«كان »**. والخسران النقصان، وتوليهم من بعد ذلك، إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها، وإما أن يكون توليهم بالكفر فكان فضل الله بأن لم يعاجلهم بالإهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن، أو يكون المراد من لحق محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد قال ذلك قوم، وعليه يتجه قول قتادة : إن الفضل الإسلام، والرحمة القرآن، ويتجه أيضاً أن يراد بالفضل والرحمة إدراكهم مدة محمد صلى الله عليه وسلم.

١ - ويأتي له أن قوما قالوا: إن المراد من حضر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا القول يصح ما قاله قتادة بن دعامة السدوسي البصري رحمه الله..

### الآية 2:65

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [2:65]

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( ٦٥ )
 علمتم  معناه : عرفتم، كما تقول : علمت زيداً بمعنى عرفته، فلا يتعدى العلم( [(١)](#foonote-١) ) إلا إلى مفعول واحد، و  اعتدوا  معناه تجاوزوا الحد، مصرف( [(٢)](#foonote-٢) ) من الاعتداء، و  في السبت  معناه في يوم( [(٣)](#foonote-٣) ) السبت، ويحتمل أن يريد في حكم السبت، و  السبت ( [(٤)](#foonote-٤) ) مأخوذ إما : من السبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من السبت وهو : القطع، لأن الأشياء فيه سبتت وتمت( [(٥)](#foonote-٥) ) خلقتها. 
وقصة اعتدائهم فيه، أن الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة، وعرفه فضله، كما أمر به سائر الأنبياء، فذكر موسى عليه السلام ذلك لبني إسرائيل عن الله تعالى وأمرهم بالتشرع فيه( [(٦)](#foonote-٦) )، فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت، فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم فيه بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم صيد الحيتان، وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان تأتي يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية. قاله الحسن بن أبي الحسن. وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء، وذلك إما بالإلهام( [(٧)](#foonote-٧) ) من الله تعالى، أو بأمر لا يعلل، وإما بأن فهمها معنى الأمنة( [(٨)](#foonote-٨) ) التي في اليوم مع تكراره حتى فهمت ذلك، ألا ترى أن الله تعالى قد ألهم الدواب معنى الخوف الذي في يوم الجمعة من أمر القيامة، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقاً من الساعة »**( [(٩)](#foonote-٩) )، وحمام مكة قد فهم الأمنة، إما أنها متصلة( [(١٠)](#foonote-١٠) ) بقرب فهمها. 
وكان أمر بني إسرائيل بأيلة( [(١١)](#foonote-١١) ) على البحر، فإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقوا على ذلك زماناً حتى اشتهوا الحوت، فعمد رجل يوم السبت فربط حوتاً بخزمة( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وضرب له وتداً بالساحل، فلما ذهب السبت جاءَ وأخذه، فسمع قوم بفعله فصنعوا مثل ما صنع، وقيل بل حفر رجل في غير السبت حفيراً يخرج إليه البحر، فإذا كان يوم السبت خرج الحوت وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر ذهب الماء من طريق الحفير وبقي الحوت، فجاء بعد السبت فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية، وباعوه في الأسواق، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك فنجت من العقوبة، وكانت منهم فرقة لم تعص ولم تنه، فقيل نجت مع الناهين، وقيل هلكت مع العاصين. 
و  كونوا  لفظة أمر، وهو أمر التكوين، كقوله تعالى لكل شيء : كن فيكون  \[ النحل : ٤٠ مريم : ٣٥، يس : ٨٢، غافر : ٦٨ \]، ولم يؤمروا في المصير إلى حال المسخ بشيء يفعلونه ولا لهم فيه تكسب. 
و  خاسئين  معناه مبعدين أذلاء صاغرين، كما يقال للكلب وللمطرود اخساً. تقول خسأته فخسأ، وموضعه من الإعراب النصب على الحال أو على خبر بعد خبر. 
وروي في قصصهم أن الله تعالى مسخ العاصين  قردة  بالليل فأصبح الناجون إلى مساجدها ومجتمعاتهم، فلم يروا أحداً من الهالكين، فقالوا إن للناس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبواب كما كانت مغلقة بالليل، فوجدوهم  قردة  يعرفون الرجل والمرأة، وقيل : إن الناجين كانوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القرية بجدار، تبرياً منهم، فأصبحوا ولم تفتح مدينة الهالكين، فتسوروا عليهم الجدار فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض. 
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عن أن المسوخ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام( [(١٤)](#foonote-١٤) ) ؛ ووقع في كتاب( [(١٥)](#foonote-١٥) ) مسلم عنه عليه السلام أن أمة من الأمم فقدت، وأراها الفأر، وظاهر هذا أن الممسوخ ينسل، فإن كان أراد هذا فهو ظن منه عليه السلام في أمر لا مدخل له في التبليغ، ثم أوحي إليه بعد ذلك أن الممسوخ لا ينسل، ونظير ما قلناه نزوله عليه السلام على مياه بدر، وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلى الله عليه وسلم :**«إذا أخبرتكم برأي في أمور الدنيا فإنما أنا بشر »**( [(١٦)](#foonote-١٦) ). 
وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردّت أفهامهم كأفهام القردة، والأول أقوى وأظهر( [(١٧)](#foonote-١٧) ).

١ - أي الذي معناه المعرفة..
٢ - أي مشتق، يقال: صرف الكلام اشتق بعضه من بعض..
٣ - ذلك لأنهم وإن كانوا يأحذونها في يوم الأحد فإنهم يحبسونها في يوم السبت، فقد صادوها يوم حبسوها، لا يوم أخذوها، وبذلك يكون اعتداؤهم يوم السبت، فقد خالفوا حكم الله وانتهكوا حرمة يوم السبت، وبذلك كانت حيلتهم باطلة، واستحقوا أن يكونوا قردة وخنازير..
٤ - اسم ليوم من أيام الاسبوع ومن معانيه في اللغة: الراحة – والدهر- وحلق الرأس، وضرب من سير الإبل، وهو إما مأخوذ من السبوت بمعنى الراحة، وإما من السبت الذي هو ي الأصل مصدر، ومعناه القطع، كما قال المؤلف رحمه الله..
٥ - المعروف أن الله عز وجل خلق الأشياء في ستة أيام، وقالوا: إنه سبحانه ابتدأ الخلق يوم الأحد وانتهى يوم الجمعة، وفي يوم السبت انقطع العمل وثم خلق الأشياء، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله التربة يوم السبت"، إلا أن هذا الحديث الذي استوعب الأيام السبعة استنكره بعض الأكابر من الحفاظ، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار وليس مرفوعا..
٦ - وفي بعض النسخ: "بالخشوع" وهي أولى وأنسب..
٧ - أي ألهمها أنها لا تصاد في يوم السبت..
٨ - الأمنة هي سكون القلب واطمئنانه، والمراد أنها فهمت بالتدرج وبالتكرار..
٩ - أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" وأبو داود في كتاب "العلم" والنسائي في "فضائل القرآن" والترمذي في "التفسير"..
١٠ - أي دائمة وذلك أن الأمنة في قضية الحيتان كانت مؤقتة بيوم السبت، وفي حمام مكة كانت دائمة ومستمرة ولذلك كان فهمها سهلا وقريبا. وسياق الكلام يقتضي أن تحذف (أما) وأن تصبح العبارة (وحمام مكة قد فهم الأمنة لأنها متصلة)- تأمل..
١١ - (ايلة): قرية عند العقبة على شاطئ البحر..
١٢ - ما يفتل من شجر الدوم ويخزم به أنف البعير، وفي القرطبي "زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه (وهقة) ويلقيها في ذنب الحوت- واللفظة بالقاف لا بالفاء كما رواها القرطبي- وهي حبل في طرفه أنشوطة يطرح في عنق الدابة حتى تؤخذ. وفي البحر المحيط: "خزمة" أي: حبلا من لحاء شجر تتخذ من لحائه الحبال- وفي اللسان: حلقة من شعر تجعل في وترة أنفه يشد بها الزمام اهـ. ولا عبرة بالمادة التي تصنع منها- فهي في كل بيئة تصنع من نوع مناسب- ولكنها توضع في أنف البعير أو كل دابة للسيطرة عليها..
١٣ - يقال: مسخ فلانا فهو: مسخ ومسيخ والجمع مسوخ..
١٤ - هذا هو قول الجمهور، ويشهد له ما أخرجه الإمام مسلم في كتاب "القدر" عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه، أنه ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم القردة والخنازير أهي مما مسخ فقال: "إن الله لم يجعل لمسخ نسلا وعقبا" وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك"- وأما ما استدل به القاضي أبو بكر بن العربي، والزجاج، من حديث أبي هريرة: "فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته؟". ومن حديث الضب: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال: لا أدري لعله من القرون التي مسخت"، فهذا إنما هو ظن وحدس م النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر من كلامه، وكان ذلك قبل أن يوحى إليه، ولما أوحى إليه قال: "إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك". فهذا نص صريح في أن الذين مسخهم الله قد هلكوا، ولم يبقى لهم نسل- وأن القردة والخنازير كانوا قبل مسخ بني إسرائيل- وقد ثبت كما في الصحيح أكل الضب بحضرته صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره. فدل ذلك على صحة ما اشرنا إليه..
١٥ - أي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
١٦ - حديث تأبير النخل مروي عن رافع بن خديج، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يؤبرون النخل. يقولون: يلقحون، قال: فقال: "ما تصنعون"؟ فقالوا شيئا كانوا يصنعونه، فقال: "لو لم تفعلوا كان خيرا" فتركوها فنفضت، أو نقصت، فذكروا ذلك له، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر، غذا حدثتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر". –انظر صحيح ابن حبان- وفي رواية: "أنتم أعلم بأمر دنياكمت" رواه الإمام مسلم في وجوب امتثال قوله صلى الله عليه وسلم إلا ما قاله في الأمور الدنيوية على سبيل الظن. والله أعلم..
١٧ - بل قول مجاهد قول غريب وبعيد، انفرد به رحمه الله عن المفسرين، بل عن المسلمين، والحق أن المسخ كان صوريا ومعنويا، وهذا المسخ كان في زمن داود عليه السلام..

### الآية 2:66

> ﻿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [2:66]

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( ٦٦ )
والضمير في  جعلناها  : يحتمل العود على المسخة والعقوبة، ويحتمل على الأمة التي مسخت، ويحتمل على القردة، ويحتمل على القرية إذ معنى الكلام يقتضيها( [(١)](#foonote-١) )، وقيل يعود على الحيتان، وفي هذا القول بعد. 
والنكال : الزجر بالعقاب، والنكل والأنكال : قيود الحديد، فالنكال عقاب ينكل بسببه غير المعاقب عن أن يفعل مثل ذلك الفعل( [(٢)](#foonote-٢) )، قال السدي : ما بين يدي المسخة : ما قبلها من ذنوب القوم،  وما خلفها  : لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب( [(٣)](#foonote-٣) )، وهذا قول جيد، وقال غيره :**«ما بين يديها »** أي من حضرها من الناجين،  وما خلفها  أي لمن يجيء بعدها، وقال ابن عباس : لما بين يديها  : أي من بعدهم من الناس ليحذر ويتقي،  وما خلفها  : لمن بقي منهم عبرة. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وما أراه يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، لأن دلالة ما بين اليد ليست كما في القول، وقال ابن عباس أيضاً : لما بين يديها وما خلفها ، أي من القرى( [(٤)](#foonote-٤) )، فهذا ترتيب أجرام لا ترتيب في الزمان( [(٥)](#foonote-٥) ). 
 وموعظة  مفعلة من الاتعاظ والازدجار،  وللمتقين  معناه للذين نهوا ونجوا، وقالت فرقة : معناه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، واللفظ يعم كل متق من كل أمة.

١ - الظاهر رجوع الضمير إلى المسخة بمعنى العقوبة، أو إلى القرية بمعنى الأمة، إذ المراد بالقرية أهلها، وأهلها هم الأمة التي مسخت، وعود الضمير على القردة أو الحيتان بعيد..
٢ - يقال: نكل عن الأمر (بالفتح والكسر): جبن وانصرف، وانكله: دفعه وصرفه- ونكل به: عاقبه بما يردعه ويردع غيره- والنكال العقاب أو النازلة والنكل: القيد، وضرب من اللجم، وحديد اللجم، وحديد اللجام أو الزمام- والجمع أنكال ونكول. قال تعالى: (إن لدينا أنكالا) أي قيودا. والمراد لازم القيود وهو المنع- وعلى هذا يكون المراد: جعلنا العقوبة مانعة لما بين يديها وما خلفها، والله أعلم..
٣ - قال الفراء: جعلت السمخة نكالا لما مضى من الذنوب، ولما يعمل بعدها ليخافوا المسخ بذنوبهم، والمراذ ذنوب تقدمت وأهلها ما زالوا في الحياة إذ ذاك، فهم يخافون أن يفاجئهم المسخ بسبب ما مضى من ذنوبهم، والله أعلم..
٤ - أي ما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى، ونحو ما قاله ابن عباس لسعيد بن جبير حيث قال: من بحضرتها من الناس يومئذ، وقد أثنى على هذا ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن وهذا ترتيب في المكان لا في الزمان..
٥ - أي في "مكان الأجرام" لا في الزمان الماضيت ولا في الزمان الآتي، والله أعلم..

### الآية 2:67

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [2:67]

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( ٦٧ )
وقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه  الآية( [(١)](#foonote-١) ) : إذ  عطف على ما تقدم، والمراد تذكيرهم بنقض سلفهم للميثاق، وقرأ أبو عمرو **«يأمرْكم »** بإسكان الراء، وروي عنه اختلاس الحركة، وقد تقدم القول في مثله في **«بارئكم »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وسبب هذه الآية على ما روي، أن رجلاً من بني إسرائيل أسنّ وكان له مال، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل أخوه، وقيل ابنا عمه، وقيل ورثة كثير غير معينين، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه، وقيل : كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء( [(٣)](#foonote-٣) ) حتى دخلوا في السلاح، فقال أهل النهي منهم : أنقتل ورسول الله معنا ؟ فذهبوا إلى موسى عليه السلام فقصوا عليه القصة، وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها، فيحيى ويخبر بقاتله فقال لهم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، فكان جوابهم أن قالوا : أتتخذنا هزواً  ؟. 
قرأ الجحدري **«أيتخذنا »** بالياء، على معنى أيتخذنا الله( [(٤)](#foonote-٤) )، وقرأ حمزة :**«هزْؤاً »** بإسكان الزاي والهمز، وهي لغة، وقرأ عاصم بضم الزاي والهاء والهمز، وقرأ أيضاً : دون همز **«هزواً »**، حكاه أبو علي، وقرأت طائفة من القراء بضم الهاء والزاء والهمزة بين بين، وروي عن أبي جعفر وشيبة( [(٥)](#foonote-٥) ) ضم الهاء وتشديد الزاي **«هُزّاً »**، وهذا القول من بني إسرائيل ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ،  أتتخذنا هزواً ، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال القائل( [(٦)](#foonote-٦) ) للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين :**«إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله »**، وكما قال له الآخر :**«اعدل يا محمد »**، وكلٌّ محتمل( [(٧)](#foonote-٧) )، والله أعلم.

١ - قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم) الآية، مقدم من حيث التلاوة واللفظ، وقوله تعالى: (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها) مقدم من حيث المعنى على جميع ما ابتدئ به في شأن البقرة- لأن السبب مقدم على المسبب- ولأن المقرر في علم العربية أن الواو لمجرد الجمع من دون ترتيب وإنما لم تقص القصة على ترتيبها لمعان أشار إليها الزمخشري فارجع إليه..
٢ - سبق عند قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم) أن أبا العباس المبرد أنكر هذا، وقال: لا يجوز، لأن الحرف حرف الإعراب، وقال: الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس الحركة ولا يسكنها. انظر هناك..
٣ - أي نزاع ومخاصمة، ومنه: "من لاحاك فقد عاداك" وفي بعض النسخ "لجاج"..
٤ - أي: قال بعضهم لبعض: (أيتخذنا الله هزوا) والجحدري هو عاصم أحد القراء السبعة..
٥ - هو ابن عمرو بن ميمون المعيصي، روى القراءة عن حماد بن سلمة عن عاصم، وروى القراءة عنه عيسى بن مهران القومسي..
٦ - هو معتب بن قشير المنافق، والآخر هو المعروف بذي الخويصرة التميمي، وأخرج حديثهما البخاري ومسلم..
٧ - أي أن هذا القول من بني إسرائيل يحتمل الكفر ويحتمل المعصية لبعد ما بين السؤال والجواب، وفي هذا ما يدل على قبح الجهل، وأنه مفسد للدين، وعلى منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين، وكل من يجب تعظيمه.
 والمزاح ليس من الاستهزاء- فقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا صدقا، وكذلك الأئمة بعده..

### الآية 2:68

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [2:68]

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ( ٦٨ )
هذا تعنت منهم وقلة طواعية، ولو امتثلوا الأمر فاستعرضوا( [(١)](#foonote-١) ) بقرة فذبحوها لقضوا ما أمروا به، ولكن شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. ولغة بني عامر **«ادعِ »**( [(٢)](#foonote-٢) ) بكسر العين، و  ما  استفهام رفع بالابتداء، وهي خبره، ورفع  فارض  على النعت للبقرة على مذهب الأخفش، أو على خبر ابتداء مضمر تقديره لا هي فارض، والفارض المسنة الهرمة التي لا تلد، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم، تقول فرضت( [(٣)](#foonote-٣) ) تفرض بفتح العين في الماضي، فروضاً، ويقال فرضت بضم العين، ويقال لكل ما قدم وطال أمده فارض، وقال الشاعر( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ العجاج \] :\[ الرجز \]
يا رب ذي ضغن عليَّ فارض. . . له قروء كقروء الحائض
والبكر من البقر التي لم تلد من الصغر، وحكى ابن قتيبة أنها التي ولدت ولداً واحداً، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجيات الأولى، والعوان التي قد ولدت مرة بعد مرة، قاله مجاهد، وحكاه أهل اللغة، ومنه قول العرب : العوان لا تعلم الخمرة( [(٥)](#foonote-٥) ). وحرب عوان : قد قوتل فيها مرتين فما زاد( [(٦)](#foonote-٦) )، ورفعت  عوان  على خبر ابتداء مضمر، تقديره هي عوان، وجمعها عون بسكون الواو، وسمع عون بتحريكها بالضم( [(٧)](#foonote-٧) ). 
و  بين ( [(٨)](#foonote-٨) )، بابها أن تضاف إلى اثنتين، وأضيفت هنا إلى  ذلك ، إذ ذلك يشار به إلى المجملات، فذلك عند سيبويه نازل منزلة ما ذكرت( [(٩)](#foonote-٩) )، فهي إشارة إلى مفرد( [(١٠)](#foonote-١٠) ) على بابه، وقد ذكر اثنان فجاءت أيضاً  بين  على بابها. 
وقوله : فافعلوا ما تؤمرون  تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت، فما تركوه.

١ - أي من دون بحث، ومن دون سؤال..
٢ - تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى (فادع لنا ربك) الآية..
٣ - يقال: فرضت البقرة إذا أسنت، والماضي بفتح العين وضمها، والمضارع بكسرها وضمها..
٤ - أي الراجز وهو العجاج، والبيت أنشده "الجاحظ" في "الحيوان"، و"ابن منظور"في "اللسان" عن الأعرابي- وقوله: له قروء، أي أوقات تهيج فيها عداوته، ويقال: رجع لقرئه أي لوقته، وقوله: فارض أي قديم..
٥ - العوان المرأة التي تزوجت مرة بعد مرة فهي تعرف كيف تختمر، وهو مثل يضرب للمجرب العارف..
٦ - كأنهم جعلوا الأول بكرا، والحرب العوان هي أشد الحروب، لأن القتال يتكرر فيها ويشتد ويتصاعد..
٧ - التحريك أصل، والسكون تخفيف، وحكى أبو الحسن الأخفش عن عيسى بن عمر: أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ففيه لغتان: التخفيف، والتثقيل نحو: العُسر واليُسر والهُزء، ومما يقوي هذه الحكاية أن ما كان من المجموع على فُعُل نحو كُتُب ورُسُل ففيه الوجهان حتى جاء ذلك في المعتل العين الواوي نحو عون..
٨ - (بين) ظرف مبهم لا يتبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعدا، أو ما يقوم مقام ذلك كقوله تعالى: "عون بين ذلك"..
٩ - وفي بعض النسخ ما ذكر..
١٠ - أي: في اللفظ والصورة، وأما في المعنى فهو عبارة عن المذكور، والمذكور اثنان فكلمة (بين) لم تخرج من بابها وهو الإضافة إلى اثنين فأكثر، و(ذلك) قائم مقام الاثنين هنا..

### الآية 2:69

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [2:69]

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( ٦٩ )
و  ما  رفع بالابتداء، و  لونها  خبره، وقال ابن زيد وجمهور الناس في قوله  صفراء ، إنها كانت كلها صفراء، قال مكي رحمه الله عن بعضهم : حتى القرن والظلف، وقال الحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير : كانت صفراء القرن والظلف فقط، وقال الحسن أيضاً : صفراء  معناه سوداء، وهذا شاذ لا يستعمل مجازاً إلا في الإبل( [(١)](#foonote-١) )، وبه فسر قول الأعشى ميمون بن قيس :\[ الخفيف \]
تلك خيلي منه وتلك ركابي. . . هنَّ صفرٌ أولادُها كالزبيب( [(٢)](#foonote-٢) )
والفقوع : نعت مختص بالصفرة، كما خص أحمر بقانىء، وأسود بحالك، وأبيض بناصع، وأخضر بناضر، و  لونها  فاعل ب  فاقع . 
و  تسر الناظرين  قال وهب بن منبه : كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها، فمعناه تعجب الناظرين، ولهذا قال ابن عباس وغيره : الصفرة تسر النفس، وحض ابن عباس على لباس النعال الصفر( [(٣)](#foonote-٣) )، حكاه عنه النقاش، وحكي نهي ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود، لأنها تهمّ( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال أبو العالية والسدي : تسر الناظرين  معناه في سمنها ومنظرها كله.

١ - اعلم أن الشاذ في الاصطلاح ثلاثة أقسام- ما شذ في القياس دون الاستعمال، فهذا قوي في نفسه يصح الاستدلال به، والثاني ما شذ في الاستعمال دون القياس، فهذا لا يستدل به، لأنه كالمفروض، والثالث ما شذ فيهما معا، فهذا لا يعول عليه لفقد أصليه. وهذا هو المراد بقول ابن عطية رحمه الله: (شاذ لا يستعمل مجازا) الخ. وقال ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: الصفراء بمعنى السوداء غلط في نعوت البقر، وإنما يقال ذلك في، نعوت الإبل، وإنما كان هذا التفسير شاذا غلطا للتأكيد بالفقوع، وذلك نعت مختص بالصفرة، ولو أريد السواد لما أكده بذلك- وأيضا كيف يصدق على اللون الأسود الذي هو أقبح الألوان أنه (يسر الناظرين)؟.
٢ - الضمير في (منه) يعود على الممدوح وهو أبو الأشعت قيس بن قيس الكندي، والركاب: الإبل والواحدة: راحلة ولا واحد لها من لفظها. وقوله كالزبيب أي سود، ومن ذلك قوله تعالى (جمالت صفر) أي سود- وقوله (هن) أي الركاب. ومن الطريف أن صاحب الكشف قال أن تفسير (صفر) بسود في بيت الأعشى غير ظاهر، إذ الزبيب الغالب عند العرب هو الطائفي، وهو إلى الصفرة أقرب منه إلى الحمرة..
٣ - وعنه: "من ليس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها"، وذلك قوله تعالى: (تسر الناظرين)..
٤ - يقال: هم الأمر فلانا وأهمه أقلقه وأحزنه..

### الآية 2:70

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [2:70]

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ( ٧٠ )
وسألوه بعد هذا كله عما هي سؤال متحيرين قد أحسوا بمقت المعصية، و  البقر  جمع بقرة، وتجمع أيضاً على باقر، وبه قرأ ابن يعمر وعكرمة، وتجمع على بقير وبيقور( [(١)](#foonote-١) )، ولم يقرأ بهما فيما علمت، وقرأ السبعة :**«تشابه »** فعل ماض، وقرأ الحسن **«تشّابهُ »** بشد الشين وضم الهاء، أصله تتشابه، وهي قراءة يحيى بن يعمر، فأدغم، وقرأ أيضاً **«تَشَابهُ »** بتخفيف الشين على حذف التاء الثانية، وقرأ ابن مسعود **«يَشابهُ »** بالياء وإدغام التاء، وحكى المهدي عن المعيطي( [(٢)](#foonote-٢) ) **«تشَّبَّهُ »** بتشديد الشين والباء دون ألف، وحكى أبو عمرو الداني قراءة **«متشبه »** اسم فاعل من تَشَبَّه، وحكي أيضاً **«يتشابهُ »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة ما وانقياد ودليل ندم وحرص على موافقة الأمر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لولا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبداً »**( [(٤)](#foonote-٤) )، والضمير في  إنا ، هو اسم  إن ، و  مهتدون  الخبر، واللام للتأكيد، والاستثناء اعتراض، قدم على ذكر الاهتداء، تهمماً به.

١ - الذي في "لسان العرب" أن هذه الألفاظ المذكورة كلها أسماء للجمع، والبقر يذكر ويؤنث..
٢ - هو محمد المعيطي الشامي المعروف بذي الشامة، وردت عنه الرواية في حروف القرآن – روى هارون بن موسى، عن أبي نوح، عنه أنه كان يقرأ: "إن الباقر يشابه علينا"، بألف بين الباء والقاف، وتشديد الشين، ورفع الهاء..
٣ - مجموع ما ذكره من القراءات سبع بقراءة السبعة، ولا ينبغي أن يقر إلا بما وردت به رواية صحيحة، فإن القراءة سنة متبعة..
٤ - رواه ابن جرير من طريق ابن جريج مرفوعا، وقد روي هذا الحديث بألفاظ والمعنى واحد، وقوله: "لولا ما استثنوا" أي لو لم يقولوا إن شاء الله لما تبينت لهم أبدا..

### الآية 2:71

> ﻿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [2:71]

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ( ٧١ )
 ذلول  : مذللة بالعمل والرياضة، تقول بقرة مذللة بيِّنة الذِّل بكسر الذال، ورجل ذلول بين الذُّل بضم الذال( [(١)](#foonote-١) )، و  ذلول  نعت ل  بقرة ، أو على إضمار هي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي :**«لا ذلولَ »** بنصب اللام( [(٢)](#foonote-٢) ). 
و  تثير الأرض ، معناه بالحراثة، وهي عند قوم جملة في موضع رفع على صفة البقرة، أي لا ذلول مثيرة، وقال قوم  تثير  فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث وأنها كانت تحرث ولا تسقي( [(٣)](#foonote-٣) )، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، لأنها من نكرة( [(٤)](#foonote-٤) )، و  تسقي الحرث  معناه بالسانية( [(٥)](#foonote-٥) ) أو غيرها من الآلات، و  الحرث  ما حرث وزرع. 
و  مسلمة  بناء مبالغة( [(٦)](#foonote-٦) ) من السلامة، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية : معناه من العيوب( [(٧)](#foonote-٧) )، وقال مجاهد : معناه من الشيات والألوان، وقال قوم : معناه من العمل. 
و  لا شية فيها  : أي لا خلاف في لونها هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد قاله ابن زيد وغيره، والموشي المختلط الألوان، ومنه وشي الثوب، تزيينه بالألوان، ومنه الواشي لأنه يزين كذبه بالألوان من القول، والثور الأشيه الذي فيه بلقة، يقال فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وكلب أبقع، وثور أشيه، كل ذلك بمعنى البلقة( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يُسْرٌ، والتعمق في سؤال الأنبياء عليهم السلام مذموم( [(٩)](#foonote-٩) ). 
وقصة( [(١٠)](#foonote-١٠) ) وجود هذه البقرة على ما روي، أن رجلاً من بني إسرائيل ولد له ابن، وكانت له عجلة، فأرسلها في غيضة، وقال : اللهم إني قد استودعتك هذه العجلة لهذا الصبي، ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمه : إن أباك قد استودع الله عجلةً لك، فاذهب فخذها، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها، وكانت مستوحشة، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصفة التي أمروا بها، وروت طائفة أنه كان رجل من بني إسرائيل براً بأبيه فنام أبوه يوماً وتحت رأسه مفاتيح مسكنهما، فمر به بائع جوهر فسامه فيه بستين ألفاً، فقال له ابن النائم : اصبر حتى ينتبه أبي، وأنا آخذه منك بسبعين ألفاً، فقال له صاحب الجوهر : نبه أباك وأنا أعطيكه بخمسين ألفاً، فداما كذلك حتى بلغه مائة ألف، وانحط صاحب الجوهر إلى ثلاثين ألفاً، فقال له ابن النائم : والله لا اشتريته منك بشيء براً بأبيه، فعوضه الله منه أن وجدت البقرة عنده، وقال قوم : وجدت عند عجوز تعول يتامى كانت البقرة لهم، إلى غير ذلك من اختلاف في قصتها، هذا معناه، فلما وجدت البقرة ساموا صاحبها، فاشتط عليهم، وكانت قيمتها - على ما روي عن عكرمة - ثلاثة دنانير، فأتوا به موسى عليه السلام، وقالوا : إن هذا اشتط علينا، فقال لهم : أرضوه في ملكه، فاشتروها منه بوزنها مرة، قاله عبيدة السلماني( [(١١)](#foonote-١١) )، وقيل بوزنها مرتين، وقال السدي : بوزنها عشر مرات، وقال مجاهد : كانت لرجل يبر أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير، وحكى مكي : أن هذه البقرة نزلت من السماء، ولم تكن من بقر الأرض، وحكى الطبري عن الحسن أنها كانت وحشية. 
و  الآن  مبنيٌّ على الفتح ولم يتعرف بهذه الألف واللام، ألا ترى أنها لا تفارقه في الاستعمال، وإنما بني لأنه ضمن معنى حرف التعريف، ولأنه واقع موقع المبهم( [(١٢)](#foonote-١٢) )، إذ معناه هذا الوقت، هو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وقرىء **«قالوا الآن »** بسكون اللام وهمزة بعدها، **«وقالوا الان »** بمدة على الواو وفتح اللام دون همز، **«وقالوا الآن »** بحذف الواو من اللفظ دون همز، **«وقالوا ألآن »** بقطع الألف الأولى وإن كانت ألف وصل، كما تقول **«يا الله »**. 
و  جئت بالحق  معناه - عند من جعلهم عصاة( [(١٣)](#foonote-١٣) )- بينت لنا غاية البيان، و  جئت بالحق  الذي طلبناه، لا إنه كان يجيء قبل ذلك بغير حق، ومعناه عند ابن زيد - الذي حمل محاورتهم على الكفر- : الآن صدقت. وأذعنوا في هذه الحال حين بين لهم أنها سائمة، وقيل إنهم عيّنوها مع هذه الأوصاف، وقالوا : هذه بقرة فلان، وهذه الآية تعطي أن الذبح أصل في البقر، وإن نحرت أجزت( [(١٤)](#foonote-١٤) ). 
وقوله تعالى : وما كادوا( [(١٥)](#foonote-١٥) ) يفعلون  عبارة عن تثبطهم في ذبحها، وقلة مبادرتهم إلى أمر الله تعالى، وقال محمد بن كعب القرظي : كان ذلك منهم لغلاء البقرة وكثرة ثمنها، وقال غيره : كان ذلك خوف الفضيحة في أمر القتال، وقيل : كان ذلك للمعهود من قلة( [(١٦)](#foonote-١٦) ) انقيادهم وتعنتهم على الأنبياء.

١ - يقال في الدواب: ذَلُول – وفي بني آدم: دَليل – بعير دَلُول أي بين الذِّل بالكسر، ورجل ذَليل أي بين الذُّل بالضم، وذلك كله فرق لغوي بينهما، والذِّل بالكسر معناه السهولة والانقياد والذُّل بالضم معناه الضعف والهوان، وقد يوصف الإنسان بذلول كالدابة، وذلك ما صنعه ابن عطية رحمه الله ولكنه مراعاة الفرق بينهما أحسن وأفضل..
٢ - أي على أنها نافية والخبر محذوف، أي لا ذلول هناك- وأبو عبد الرحمن هو: عبد الله ابن حبيب بن رُبَيِّعة بضم المهملة وكسر التحتانية بينهما موحدة مفتوحة السلمي المقرئ الكوفي- عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود- وعنه إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، أقرأ القرآن أربعين سنة وإليه انتهت القراءة تجويدا أو ضبطا ومات سنة ٨٥هـ وقبل سنة ٧٤هـ..
٣ - رأي غير واضح، إذ لو كانت تثير الأرض لكانت مذللة، والله سبحانه قد نفى عنها ذلك بقوله: (لا ذلول)..
٤ - إن كان يعني بالنكرة (بقرة) فهي نكرة موصوفة، والنكرة الموصوفة يجيء منها الحال، وإن عنى بها (لاذلول) فذلك هو قول الجمهور ولكن في كتاب سيبويه ما يدل على مجيء الحال من النكرة وإن كان الإتباع أفضل، أنظر تفسير أبي (ح)..
٥ - السانية (بالنون): وهي الناقة التي يستقى عليها، وفي المثل: "سير السواني سفر لا ينقطع" ويقال: سنت الناقة تسنو سناوة وسناية إذا سقت الأرض..
٦ - ليس التضعيف هنا من أجل المبالغة، وإنما هو تضعيف النقل والتعدية كما هو معلوم في علم العربية. تقول: سلِم زيد وإن أردت تعديته تقول سلمته، وفرح زيد وفرحته، وهكذا والله أعلم..
٧ - هذا التفسير أولى وأنسب بالمقام، وأما السلامة في العمل ومن اختلاط الألوان فقد وقع النص عليهما في الآية الكريمة..
٨ - البُلْقة: سواد وبياض يقال: بلق الفرس بَلَقا وبُلقة: كان فيه سواد وبياض. فهو أبلق، وهي بلقاء وجمعه بُلق، قال أبو حيان رحمه الله "وليس الأشْيَهُ مأخوذا من (الشِّيَةِ) لاختلاف المادتين" – وأقول: إن أهل اللغة وذكروا في مادة (وشى)..
٩ - في الحديث الصحيح: "وإنما أهلك من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلاف على أنبيائهم"، وفي حديث سعد بن أبي وقاص المتفق عليه: "أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته"..
١٠ - ذكر في هذه القصة ثلاث روايات، والذي يظهر أن ذلك مأخوذ من الإسرائليات وذلك مما يجوز نقله ولكن لا نصدق ولا نكذب ولا نعتمد إلا على ما روي برواية مقبولة وصحيحة..
١١ - هو عبيدة بن عمرو بالفتح أو ابن قيس السلماني أو عمرو الكوفي التابعي الكبير، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره، فهو من المخضرمين، أخذ القراءة عرضا عن ابن مسعود رضي الله عنه، وعن علي، توفي سنة ٧٢هـ..
١٢ - أي ولوقوعه موقع اسم الإشارة إذ معناه: هذا الوقت الحاضر..
١٣ - سبق عند تفسير قوله تعالى: (قالوا أتتخذنا هزوا) أن من الناس من حمل قولهم هذا على الكفر، ومن الناس من حمله على المعصية، ومراد بن عطية رحمه الله تطبيق هذه الآية على التأويلين السابقين..
١٤ - في مختصر المالكية للشيخ خليل رحمه الله عاطفا على الوجوب: "ونحر الإبل، وذبح غيره إن قدر وجازا للضرورة إلا البقر فيندب الذبح".
١٥ - اختلف في معنى هذه الكلمة فقال بعضهم: (كاد) من أفعال المقاربة، لها حكم سائر الأفعال في النفي والإثبات- وقال بعضهم: (كاد) لها شأن ليس لغيرها من الأفعال- فإنها إذا أثبتت نفت وإذا نفت أثبتت- وقال بعضهم، ومنهم ابن مالك: إذا استعملت مثبتة اقتضت نفي خبرها وإذا استعملت منفية اقتضت نفيه بطريق الأولى- و اعتذر عن مثل قوله تعالى: (قذبحوها وما كادوا يفعلون)، بأن هذا وارد على كلامين متباينين: أي فعلت كذا بعد أن لم أكن مقاربا له، بل كان آيسا منه فهما كلامان مقصود بهما أمران متباينان- والصحيح من هذا الخلاف أنها فعل يقتضي المقاربة ولها حكم سائر الأفعال، ونفي الخبر لم يستفد من لفظها ووضعها فإنها لم توضع لنفيه، وإنما استفيد من لوازم معناها، فإنها إذا اقتضت مقاربة الفعل لم يكن واقعا فيكون منفيا باللزوم، وأما إن استعملت منفية فإن كانت في كلام واحد فهي لنفي المقاربة كما إذا قلت: لا يكاد البطال ينجح، وإن كانت في كلامين كما هنا اقتضت وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقاربا بل كان آيسا منه كما قال ابن مالك رحمه الله. وبعد فسبحان من فاوت بين عباده في الإدراك الفهم، وفي المعرفة والعلم- قال لابراهيم عليه السلام: اذبح ولدك، فتله للجبين وقال لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة فذبحوها وما كادوا يفعلون..
١٦ - هذا القول يقرب من القول الأول وهو الذي يظهر والله أعلم..

### الآية 2:72

> ﻿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:72]

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( ٧٢ )
وقد تقدم قصص القتيل الذي يراد بقوله تعالى : وإذ قتلتم نفساً ، والمعنى قلنا لهم اذكروا إذ قتلتم. 
و **«ادارأتم »** أصله : تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال فتعذر الابتداء بمدغم، فجلبت ألف الوصل، ومعناه تدافعتم أي دفع بعضكم قتل القتيل إلى بعض، قال الشاعر :\[ الرجز \]
صَادَفَ درءُ السَّيْلِ دَرْءاً يَدْفَعُهْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ( [(١)](#foonote-١) )
**وقال الآخر \[ الخفيف \] :**
مدْرأٌ يدرأُ الخُصُومُ بقولٍ . . . مِثْلَ حَدِّ الصِّمْصَامَةِ الهُنْدُواني
والضمير في قوله : فيها  عائد على النفس وقيل على القتلة، وقرأ أبو حيوة وأبو السوار الغنوي **«وإذ قتلتم نسمة( [(٢)](#foonote-٢) ) فادّارأتم »**( [(٣)](#foonote-٣) )، وقرأت فرقة **«فتدارأتم »** على الأصل، وموضع  ما  نصب بمخرج، والمكتوم هو أمر المقتول.

١ - وفي لسان العرب ما نصه: "وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه- صادف درء السيل درءا يدفعه –يقال للسيل- إذا أتاك من حيث لا تحتسبه سيل درء، أي يدفع هذا ذاك وذاك هذا- ويقال: جاء السيل درءا إذا جاء من بلد بعيد"- وفي تاج العروس ما نصه: 
 **وفي حديث أبي بكر:**
 صادف درء السيل سيلا يدفعه يمضيه طورا وطورا يمنعه
 **وروى عجز البيت بروايات منها:** 
 ............................... يهيضه حينا وحينا يصدعه
 ............................... يرفعه حينا وحينا يضعــــه
 وقال ابن الأثير: وفي حديث أبي بكر والقبائل قال له دغفل: صادف..... الخ.
 وفي المعجم الوسيط (مادة درأ): "وفي المثل: (صادف درء السيل درءا يصدعه).
 أي: صادف الشرشرا يغلبه، يضرب لمن يجد من هو أقوى منه" اهـ..
٢ - هكذا في النسخ التي بأيدينا، ولم يذكر أحد من المفسرين فيما علمنا (نسمة) بدل (نفسا) على أنها قراءة، ونقل أبو حيان عبارة ابن عطية هكذا: وقرأ أبو حيوة، وأبو السوار الغنوي (وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها) فانظره في "البحر المحيط"١/٢٥٩ وفي الآية نسبة ما فعله بعضهم إلى الكل وهو شائع في كلام العرب..
٣ - أي من دون ألف قبل الراء، ونقل أبو حيان أن أبا السورا قرأ (فدرأتم)..

### الآية 2:73

> ﻿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:73]

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( ٧٣ )
وقوله : اضربوه ببعضها  آية من الله تعالى على يدي موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيل فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل : ضربوه، وقيل : ضربوا قبره، لأن ابن عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة، وقال القرظي : لقد أمروا بطلبها وما هي في صلب ولا رحم بعد، وقال السدي : ضرب باللحمة التي بين الكتفين( [(١)](#foonote-١) )، وقال مجاهد وقتادة وعبيدة السلماني : ضرب بالفخذ، وقيل : ضرب باللسان، وقيل : بالذنب، وقال أبو العالية : بعظم من عظامها. 
وقوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى  الآية، الإشارة ب  كذلك  إلى الإحياء الذي تضمنه قصص الآية، إذ في الكلام حذف، تقديره : فضربوه فحيي، وفي هذه الآية حض على العبر، ودلالة على البعث في الآخرة : وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل، حينئذ حكي لمحمد صلى الله عليه وسلم ليعتبر به إلى يوم القيامة، وذهب الطبري إلى أنها خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله تعالى : اضربوه ببعضها ( [(٢)](#foonote-٢) )، وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتاً كما كان، واستدل مالك رحمه الله بهذه النازلة على تجويز قول القتيل( [(٣)](#foonote-٣) ) وأن تقع معه القسامة.

١ - لا شيء يسند هذا التعيين، فالأولى أن نبهمه كما أبهمه الله تعالى، وإذا بان لنا ما يعتمد من السنن فإننا نعتمده..
٢ - أي لا تتصل به، ولا تخاطب من يحاطبه، فهي خطاب لبني إسرائيل المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب في (اضربوه ببعضها) لبني إسرائيل الحاضرين للقصة..
٣ - أي قبول قول الجريح: فلان قتلني، أو دمي عند فلان مع القسامة، وهي أن يحلف أولياؤه خمسين يمينا، وإنما يصح هذا الاحتجاج إذا صحت القصة به وإلا فالآية لا تدل على صحة القسامة بقول القتيل قتلني فلان..

### الآية 2:74

> ﻿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:74]

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ٧٤ )
 قست  أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى، وقال ابن عباس : المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي قال : إنهم قتلوه وعاد إلى حال موته موته أنكروا قتله، وقالوا : كذب بعدما رأوا هذه الآية العظمى، لكن نفذ حكم الله تعالى بقتلهم، قال عبيدة السلماني : ولم يرث قاتل من حينئذ( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وبمثله جاء شرعنا( [(٢)](#foonote-٢) )، وحكى مالك رحمه الله في الموطأ، أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي التي كانت سبباً لأن لا يرث قاتل : ثم ثبت ذلك الإسلام، كما ثبت كثيراً من نوازل الجاهلية( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال أبو العالية وقتادة وغيرهما : إنما أراد الله قلوب بني إسرائيل جميعاً في معاصيهم وما ركبوه بعد ذلك. 
وقوله تعالى : فهي كالحجارة  الآية، الكاف في موضع رفع خبر ل **«هي »**، تقديره : فهي مثل الحجارة  أو أشد  مرتفع بالعطف على الكاف،  أو  على خبر ابتداء بتقدير تكرار هي، و  قسوة  نصب على التمييز، والعرف في  أو  أنها للشك، وذلك لا يصح في هذه الآية( [(٤)](#foonote-٤) )، واختلف في معنى  أو  هنا، فقالت طائفة، هي بمعنى الواو، كما قال تعالى : آثماً أو كفوراً ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ الإنسان : ٢٤ \] أي وكفوراً، وكما قال الشاعر \[ جرير \] :\[ البسيط \]
نال الخلافة أو كانَتْ له قدراً. . . كما أتى ربَّهُ موسى على قَدَر( [(٦)](#foonote-٦) )
أي وكانت له. وقالت طائفة هي بمعنى بل، كقوله تعالى : إلى مائة ألف أو يزيدون ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ الصافات : ١٤٧ \] المعنى بل يزيدون، وقالت طائفة : معناها التخيير، أي : شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا( [(٨)](#foonote-٨) )، وقالت فرقة : هي على بابها في الشك. ومعناه : عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة. وقالت فرقة : هي على جهة الإبهام( [(٩)](#foonote-٩) ) على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود( [(١٠)](#foonote-١٠) ) الدؤلي :
أحب محمّداً حباً شديداً. . . وعباساً وحمزة أو عليّا
ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد عورض أبو الأسود في هذا، فاحتجّ بقول الله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ سبأ : ٢٤ \]، وهذه الآية مفارقة لبيت أبي الأسود، ولا يتم معنى الآية إلا ب **«أو »**، وقالت فرقة : إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر( [(١٢)](#foonote-١٢) )، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك : أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين، وقالت فرقة : إنما أراد عز وجل أنها كانت كالحجارة يترجى لها الرجوع والإنابة، كما تتفجر الأنهار ويخرج الماء من الحجارة، ثم زادت قلوبهم بعد ذلك قسوة بأن صارت في حد من لا ترجى إنابته، فصارت أشد من الحجارة، فلم تخل أن كانت كالحجارة طوراً أو أشد طوراً، وقرأ أبو حيوة :**«قساوة »**، والمعنى واحد. 
وقوله تعالى : وإن من الحجارة  الآية، معذرة للحجارة وتفضيل لها على قلوبهم في معنى قلة القسوة، وقال قتادة : عذر الله تعالى الحجارة ولم يعذر شقيّ بني آدم، وقرأ قتادة :**«وإنْ »** مخففة من الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وفرق بينها وبين النافية لام التأكيد، في  لما ، وما في موضع نصب اسم ل  إن ، ودخلت اللام على اسم  إن  لمّا حال بينهما المجرور، ولو اتصل الاسم ب  إن  لم يصح دخول اللام لثقل اجتماع تأكيدين، وقرأ مالك بن دينار( [(١٣)](#foonote-١٣) ) :**«ينفجِر »** بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد الضمير في  منه  حملاً على لفظ **«ما »**، وقرأ أبي بن كعب والضحاك **«منها الأنهار »** حملاً على الحجارة، و  الأنهار  جمع نهر( [(١٤)](#foonote-١٤) ) وهو ما كثر ماؤه جرياً من الأخاديد، وقرأ طلحة بن مصرف :**«لمّا »** بتشديد الميم في الموضعين، وهي قراءة غير متجهة،  ويشقق  أصله يتشقق أدغمت التاء في الشين، وهذه( [(١٥)](#foonote-١٥) ) عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهاراً، أو عن الحجارة التي تشقق وإن لم يجر ماء منسفح، ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) وقرأ ابن مصرف ينشقق بالنون، وقيل في هبوط الحجارة( [(١٧)](#foonote-١٧) ) تفيؤ ظلالها، وقيل المراد : الجبل( [(١٨)](#foonote-١٨) ) الذي جعله الله دكاً، وقيل : إن الله تعالى يخلق في بعض الأحجار خشية وحياة يهبطها من علو تواضعاً، ونظير هذه الحياة حياة الحجر المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وحياة الجذع الذي أَنَّ لفقد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل لفظة الهبوط مجاز( [(١٩)](#foonote-١٩) )، وذلك أن الحجارة -لما كانت القلوب تعتبر بخلقها ويخشع بعض مناظرها، أضيف تواضع الناظر إليها، كما قالت العرب : ناقة تاجرة أي : تبعث من يراها على شرائها( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وقال مجاهد، ما تدرى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء منه إلا  من خشية الله ، نزل بذلك القرآن، وقال مثله ابن جريج، وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة( [(٢١)](#foonote-٢١) ) كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى  يريد أن ينقض ( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) \[ الكهف : ٧٧ \]، وكما قال زيد الخيل :\[ الطويل \]
بِجمعٍ تضِل البُلْقُ في حَجَراتِهِ. . . ترى الأكمَ فيه سجداً للحوافرِ( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )
**وكما قال جرير :**
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والجبال الخشع( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )
أي من رأى الحجر( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ) هابطاً تخيل فيه الخشية. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا قول ضعيف : لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدراً ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة( [(٢٦)](#foonote-٢٦) )، و  بغافل  في موضع نصب خبر  ما ، لأنها الحجازية، يقوي ذلك دخول الباء في الخبر، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية، وقرأ ابن كثير **«يعملون »** بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم.

١ - أي القاتل عمدا، والآية لا تدل على حرمان القاتل من الإرث، وإنما تدل على ذلك القصة التي جاء في آخرها فما ورث قاتل بعدها ممن قتله، ولذلك اعتمد الإمام مالك في الموطأ قضية أحيحة بن الجلاح كما قال القاضي أبو محمد رحمه الله..
٢ - وهذا دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ..
٣ - نص الموطأ: "وحدثني مالك، عن يحيى بن سعيد، وعن عروة بن الزبير أن رجلا من الأنصار يقال له أحيحة بن الجلاح، كان له عم صغير هو أصغر من أحيحة، وكان عند أخواله، فأخذه أحيحة فقتله، فقال أخواله: كنا أهل ثَمِه ورمِه، حتى إذا استوى على عممه، غلبنا حق امرئ في عمه. قال عروة فلذلك لا يرث قاتل من قتل- قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن قاتل العمد لا يرث من دية من قتل شيئا، ولا من ماله، ولا يحجب أحدا وقع له ميراث، وأن الذي يقتل خطأ لا يرث من الدية شيئا، وقد اختلف في أن يرث من ماله لأنه لا يتهم على أنه قتله ليرثه، وليأخذ ماله، فأحب إلي أن يرث من ماله ولا يرث من ديته". انتهى..
٤ - أي إجماعا، لأن الشك خلاف اليقين، وهو على الله محال..
٥ - من الآية ٢٤ من سورة الإنسان..
٦ - هو جرير بن عطية يمدح عمر بن عبد العزيز..
٧ - من الآية ١٤٧ من سورة الصافات..
٨ - أي من دون جمع بينهما، بخلاف الإباحة فلك أن تجمع بينهما نحو قم أو اقعد..
٩ - أي التشكيك، والفرق بين الشك والتشكيك أن المتكلم في الشك لا يعرف التعيين وفي التشكيك يعرفه، ولكن أبهمه على السامع كقوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)..
١٠ - اسمه ظالم بن عمرو البصري وهو من أعيان التابعين، ويعتبر من الشعراء والمحدثين والنحويين، وهو أول من تكلم في النحو. وبعد البيت المذكور:
 فإن يك حبهم رشدا أصبه وليس بمخطئي إن كان غيا
 توفي سنة ٩٦هـ..
١١ - من الآية ٢٤ من سورة سبأ..
١٢ - يعني أن منهم من قلبه كالحجارة، ومنهم من قلبه أقسى من الحجارة. فهي للتفصيل كما هي في قوله (أطعمتك الحلو أو الحامض) أي مرة أطعمتك الحلو ومرة الحامض، بحيث لا يخرج الإطعام عنهما، وما نسبه المؤلف رحمه الله إلى الفرقة بعد يقرب من هذا. والله أعلم..
١٣ - أبو مالك يحيى بن دينار البصري، من العلماء الزاهدين، عرف بالورع، وكان يكتب المصاحف بالأجر- توفي سنة (١٣١)هـ..
١٤ - بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح..
١٥ - يعني أن قوله تعالى: \[وإن منها لما يشقق\]، هي في العيون التي تكون دون الأنهار، أو في الحجارة التي تشقق عن ماء يسير..
١٦ - أي كثير، يقال انفسح المراح: كثرت إبله، وفي بعض النسخ منسفح، والماء المنسفح هو المراق ولكنه يكون قليلا..
١٧ - محصل ما أشار إليه رحمه الله في تأويل الهبوط من خشية الله خمسة أقوال: الأول: معنى هبوطها: تفيؤ ظلالها أي تقلبها من مكان إلى مكان، والثاني: يعني هبوطها: اندكاك الجبل الذي تجلى له ربه في قضية موسى عليه السلام، والثالث: أن الله سبحانه يخلق في بعض الأحجار حياة وخشية يهبط بها من علو تواضعا، كما قال الإمام مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر من حجر، ولا نزل ماء منه إلى من خشية الله، وقد قوى ابن عطية رحمه الله هذا القول، الرابع: أن الهبوط مجاز عن تواضع الناظر إلى الحجارة، والخامس: أن خشية الحجارة مستعارة ومتخيلة. والله أعلم..
١٨ - الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، إذ جعله دكا وخر موسى صعقا..
١٩ - أي عن التواضع..
٢٠ - أي لما فيها من النجابة والفراهة فهي نافقة وداعية إلى الإقبال على شرائها..
٢١ - أي متخيلة بمعنى أن من نظر إلى الحجر هابطا تخيل فيه خشية الله..
٢٢ - أي كأنه يريد، لأنه ظهر فيه من الميل ما لو ظهر من حي لدل على إٍرادته الانقضاض..
٢٣ - زيد الخيل: هو زيد بن مهلهل الطائي، يكنى أبا مكنف، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة ٩هـ وأسلم، وسماه زيد الخير، جعل ما ظهر من تأثر الأكم بالحوافر سجودا لها، يعني أنه تخيل ذلك، والخيال باب واسع، وقوله: (بجمع) يتعلق بما قبله وهو:
 بني عامر، هل تعرفون إذا غدا أبو مكنف قد شد عقد الدوابر
 والحجرات جمع حجرة: النواحي، ويقال: بلق الفرس: كان فيه سواد وبياض..
٢٤ - نص البيت بتمامه:
 لما أتى الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
 وهو لجرير بن عطية يصف مقتل الزبير بن العوام حين انصرف من وقعة الجمل وقتل في الطريق، والمدينة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وتواضعت هي وجبالها، وخشعت حزنا لموته رضي الله عنه، أي كأنها كذلك- وإنما أنَّث الفعل في البيت لأن المضاف إلى المؤنث مؤنث..
٢٥ - يعني أن الجدار المائل تخيل فيه الإرادة..
٢٦ - أي قدرا من الإدراك والمعرفة لائقا بحالها وطبيعتها، فإن المعرفة أنواع، ومعرفة الإنسان غير معرفة الحيوان، ومعرفة الحيوان غير معرفة الجمادات، وكل ذلك بخلق الله تعالى فيها قوة تسمى معرفة. والله أعلم..

### الآية 2:75

> ﻿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:75]

ّ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ( ٧٥ )
وقوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  الآية، الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطاب : التقرير( [(١)](#foonote-١) ) على أمر فيه بعد، إذ قد سلفت لأسلاف هؤلاء اليهود أفاعيل سوء، وهؤلاء على ذلك السنن، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالحزب، وقال مجاهد والسدي : عني بالفريق هنا الأحبار الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد كل من حرف في التوراة شيئاً حكماً أو غيره كفعلهم في آية الرجم ونحوها، وقال ابن إسحاق والربيع : عُني السبعون الذين سمعوا مع موسى صلى الله عليه وسلم ثم بدلوا بعد ذلك. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وفي هذا القول ضعف، ومن قال إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم، وقرأ الأعمش، **«كَلِمَ الله »**، وتحريف الشيء إحالته من حال إلى حال( [(٢)](#foonote-٢) )، وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل ولفظ التوراة باقٍ، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظاً من تلقائهم وأن ذلك ممكنٌ في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه.

١ - أي الحمل على الإقرار، والاعتراف بما فيه بعد وهو إيمان اليهود، والمراد أن الاستفهام فيه معنى الإقرار كأنه قيل: قد طمعتم في إيمان هؤلاء وحالهم بعيد عن الإيمان. وقد تجري الهمزة مجرى الإنكار في كثير من المواضع إذا لم يكن معها نفي، فإذا جاءت مع النفي استدعت الإقرار نحو: (أليس الله بكاف عبده)؟ فجوابه: بلى. وجواب (أفتطمعون): لا، على ما أشرنا إليه..
٢ - التحريف: تغيير الكلام عن مواضعه ومعانيه وإمالته من حال إلى حال، فهو مأخوذ من الانحراف بمعنى الميلان، والتحريف يشمل المعاني وتحريف الألفاظ، إلا أنه لا ينبغي الإفراط في أنهم قد حرفوا الكل أو الجل، فهناك ما قد بدل، وهناك ما لم يبدل، ولكن التحريف والتبديل طبيعة فيهم، وكل ما يصدر عنهم موضع شك..

### الآية 2:76

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:76]

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  ( ٧٦ )
المعنى : وهم أيضاً إذا لقوا يفعلون هذا، فكيف يطمع في إيمانهم ؟ ويحتمل( [(١)](#foonote-١) ) أن يكون هذا الكلام مستأنفاً مقطوعاً من معنى الطمع، فيه كشف سرائرهم. 
وورد في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن »**( [(٢)](#foonote-٢) )، فقال كعب بن الأشرف ووهب بن يهوذا وأشباههما : اذهبوا وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم، فنزلت هذه الآية فيهم، وقال ابن عباس : نزلت في منافقين من اليهود، وروي عنه أيضاً أنها نزلت في قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين نحن نؤمن أنه نبي ولكن ليس إلينا، وإنما هو إليكم خاصة، فلما خلوا قال بعضهم : لم تقرون بنبوته وقد كنا قبل نستفتح به ؟ فهذا هو الذي فتح الله عليهم من علمه، وأصل  خلا  **«خَلَوَ »** تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، وقال أبو العالية وقتادة : إن بعض اليهود تكلم بما في التوارة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كفرة الأحبار : أتحدثون  بما فتح الله عليكم  أي عرفكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فيحتجون عليكم إذ تقرون به ولا تؤمنون به( [(٣)](#foonote-٣) ) ؟، وقال السدي : إن بعض اليهود حكى لبعض المسلمين ما عذب به أسلافهم، فقال بعض الأحبار،  أتحدثونهم بما فتح الله عليكم  من العذاب، فيحتجون عليكم ويقولون نحن أكرم على الله حين لم يفعل بنا مثل هذا ؟ وفتح على هذا التأويل بمعنى حكم، وقال مجاهد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبني قريظة : يا إخوة الخنازير والقردة، فقال الأحبار لأتباعهم : ما عرف هذا إلا من عندكم، أتحدثونهم ؟ وقال ابن زيد : كانوا إذا سئلوا عن شيء، قالوا في التوراة كذا وكذا، فكرهت الأحبار ذلك، ونهوا في الخلوة عنه، ففيه نزلت الآية. 
والفتح في اللغة ينقسم أقساماً تجمعها بالمعنى التوسعة وإزالة الإبهام، وإلى هذا يرجع الحكم وغيره( [(٤)](#foonote-٤) )، والفتاح هو القاضي بلغة اليمن، و  يحاجوكم  من الحجة، وأصله من حج إذا قصد، لأن المتحاجَّيْن كل واحد منهما يقصد غلبة الآخر، و  عند ربكم  معناه في الآخرة( [(٥)](#foonote-٥) )، وقيل عند بمعنى في ربكم، أي فيكونون أَحق به، وقيل : المعنى عند ذكر ربكم. 
وقوله تعالى : أفلا تعقلون  قيل : هو من قول الأحبار( [(٦)](#foonote-٦) ) للأتباع، وقيل : هو خطاب من الله للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال. والعقل علوم ضرورية. 
١ - هذا الاحتمال أوجه، لأن القصد فضح نفاقهم وكشف سرائرهم، ويؤيده ما ذكره ابن عطية من الأقوال في سبب نزول الآية الكريمة..
٢ - رواه ابن جرير عن ابن زيد، والقصبة المدينة: والإضافة، بيانية..
٣ - على قول أبي العالية يكون (فتح) عليكم معناه: علمكم وعرفك، وعلى قول السدي يكون معناه: بما حكم وقضى من تعذيبهم، وعلى قول ابن زيد يكون المعنى: بما بين وأنزل، وكل هذه المعاني ترجع إلى الحكم والقضاء أو التوسعة وإزالة الإبهام..
٤ - قال الإمام ابن جرير رحمه الله: "أصل الفتح في كلام العرب القضاء والحكم، المعنى أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم؟ ومن حكمه تعالى وقضائه فيهم ما وأخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم". انتهى..
٥ - أي عند اجتماعهم يوم القيامة، كما قال تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) فهو متعلق بقوله تعالى: (ليحاجوكم)..
٦ - أي من تمام كلامهم..

### الآية 2:77

> ﻿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [2:77]

أولا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  ( ٧٧ )
وقرأ الجمهور » أولا يعلمون **«بالياء من أسفل، وقرأ ابن محيصن »** أولا تعلمون «بالتاء خطاباً للمؤمنين، والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد صلى الله عليه وسلم والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع.

### الآية 2:78

> ﻿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [2:78]

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  ( ٧٨ )
و  أميون  هنا عبارة عن جهلة بالتوراة، قال أبو العالية ومجاهد وغيرهما : المعنى ومن هؤلاء اليهود المذكورين، فالآية منبهة على عامتهم وأتباعهم، أي إنهم ممن لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضلال، وقيل : المراد هنا بالأميين قوم ذهب كتابهم لذنوب ركبوها فبقوا أميين، وقال عكرمة والضحاك : هم في الآية نصارى العرب، وقيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه قال : هم المجوس. والضمير في  منهم  على هذه الأقوال هو للكفار أجمعين، قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وقول أبي العالية ومجاهد وجه( [(١)](#foonote-١) ) هذه الأقوال، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة **«أميون »** بتخفيف الميم، والأمي في اللغة الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب، نسب إلى الأم : إما لأنه بحَال أمه من عدم الكتاب لا بحال أبيه، إذ النساء ليس من شغلهن الكتاب، قاله الطبري، وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها لم ينتقل عنها، وقيل نسب إلى الأمة وهي القامة والخلقة، كأنه ليس له من الآدميين إلا ذلك، وقيل نسب إلى الأمة على سذاجتها قبل أن تعرف المعارف، فإنها لا تقرأ لا تكتب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في العرب :**«إنا أمة أميّة لا نحسب ولا نكتب »**( [(٢)](#foonote-٢) )، والحديث : والألف واللام في  الكتاب  للعهد، ويعني به التوراة في قول أبي العالية ومجاهد. والأماني جمع أمنية، وقرأ أبو جعفر وشيبة( [(٣)](#foonote-٣) ) ونافع في بعض ما روي عنه ****«أماني »**** بتخفيف الياء( [(٤)](#foonote-٤) )، وأصل أمنية أمنوية على وزن أفعولة( [(٥)](#foonote-٥) )، ويجمع هذا الوزن على أفاعل، وعلى هذا يجب تخفيف الياء، ويجمع على أفاعيل فعلى هذا يجيء أمانيي أدغمت الياء في الياء فجاء ****«أماني »****. 
واختلف في معنى  أماني ، فقالت طائفة : هي هنا من تمني الرجل إذا ترجى( [(٦)](#foonote-٦) )، فمعناه أن منهم من لا يكتب ولا يقرأ وإنما يقول بظنه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب، وقال آخرون : هي من تمنى إذا تلا، ومنه قوله تعالى  إلا إذا ألقى الشيطان في أمنيته ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ الحج : ٥٢ \] ومنه قول الشاعر \[ كعب بن مالك \] :\[ الطويل \]
تمنى كتاب الله أول ليله . . . وآخرة لاقى حمام المقادِرِ( [(٨)](#foonote-٨) )
فمعنى الآية أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى لا علم لهم بصحته، وقال الطبري : هي من تمنى الرجل إذا حدث بحديث مختلق كذب، وذكر أهل اللغة أن العرب تقول تمنى الرجل إذا كذب واختلق الحديث، ومنه قول عثمان رضي الله عنه( [(٩)](#foonote-٩) ) :**«ما تمنيت ولا تغنيت منذ أسلمت »**. 
فمعنى الآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يسمعون من الأحبار أشياء مختلقة يظنونها من الكتاب، وإن نافية بمعنى ما، والظن هنا على بابه في الميل( [(١٠)](#foonote-١٠) ) إلى أحد الجائزين. 
١ - أي أصحها وأظهرها، وذلك لأن الله تعالى لما وصف اليهود بالعناد، وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالأولى هي الضالة المضلة، والثانية فرقة المنافقين، والثالثة فرقة المجادلين للمنافقين، والرابعة فرقة العامة الأميين..
٢ - هذا الحديث رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، ويعني بالحساب حساب النجوم وسيرها، والمراد لا نحتاج في أداء عباداتنا إلى حساب، ولا إلى كتاب، وأمية الشريعة من كمالاتها ومحاسنها، إذ بذلك يتسنى لها أن تكون للناس كافة..
٣ - هو شيبة بن نصاح بن سرجس- مولى أم سلمة رضي الله عنها- كان مقرئ المدينة مع أبي جعفر وقاضيها، توفي سنة ١٣٠هـ..
٤ - أي من دون اعتداد بحرف المد الموجود في المفرد، إذ أصل أمنية أمنوية- وقد ذكروا أن كل ما هو بزنة جمع الجمع يجوز تخفيف يائه وتشديدها "كالعواري، والسواري، والعلالي، والأواني، والأثافي، والأماني، والأغاني"- وممن ذكر هذه القاعدة الجوهري في صحاحه، وابن السكيت في إصلاحه..
٥ - أي ثم أعلت إعلال سيد وميت- فإذا جمعت على أفاعل كانت الياء مخففة، وإذا جمعت على أفاعيل كانت مشددة للإدغام، وعلى هذا بنيت القاعدة التي أشرنا إليها آنفا..
٦ - حاصله أقوال ثلاثة: قيل: من تمنى الرجل شيئا إذا ترجاه وقدر حصوله، وقيل: من تمنى الكتاب قرأه وتلاه، وقيل: من تمنى إذا كذب واختلق، وحمله على الأول وهو تمني القلب أولى، ومنهم من حمله على الثاني وهو تمني اللسان لما فيه من نوع تعلق بما قبله وهو أليق بطريق الاستثناء..
٧ - من الآية ٥٢ من سورة الحج..
٨ - البيت لحسان بن ثابت في رثاء عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونسب إلى كعب ابن مالك في رثاء عثمان أيضا..
٩ - في لسان العرب- وفي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام"، وفي رواية: "ما تمنيت منذ أسلمت أي ما كذبت"، ولعل المراد بقوله ما تغنيت أي بالشعر، والله أعلم..
١٠ - أي أن الظن في الآية مستعمل في بابه وهو ترجيح أحد الطرفين على الآخر إذ لا يمكن حمله على اليقين، ولا يلزم من كونه راجحا عندهم أن يكون راجحا في نفس الأمر. ثم إن الآية دلالة على اكتساب المعارف، فرارا من التقليد والتخمين واعتمادا من لا يؤمن كذبه- وذم الاكتفاء بالظن في أصول الدين إذ الإيمان مؤسس على قواعد اليقين..

### الآية 2:79

> ﻿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [2:79]

قوله عز وجل :( [(١)](#foonote-١) )
 فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ  ( ٧٩ )
 الذين  في هذه الآية يراد بهم الأحبار والرؤساء، قال الخليل : الويل شدة الشر، وقال الأصمعي : الويل القبوح وهو مصدر لا فعل له، ويجمع على ويلات، والأحسن فيه إذا انفصل الرفع، لأنه يقتضي الوقوع( [(٢)](#foonote-٢) )، ويصح النصب على معنى الدعاء( [(٣)](#foonote-٣) ) أي ألزمه الله ويلاً، وويل وويح وويس وويب تتقارب في المعنى، وقد فرق بينها قوم( [(٤)](#foonote-٤) )، وروى سفيان وعطاء بن يسار( [(٥)](#foonote-٥) ) أن الويل في هذه الآية : واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وادٍ في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفاً( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال أبو عياض : إنه صهريج في جهنم، وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من جبال النار( [(٧)](#foonote-٧) ). وحكى الزهراوي عن آخرين أنه باب من أبواب جهنم، و  الذين يكتبون  : هم الأحبار الذين بدلوا التوراة. 
وقوله تعالى : بأيديهم  بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من كتب وبين من أمر، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأياً له، وقال ابن السراج : هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم( [(٨)](#foonote-٨) )، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم، والذي بدلوا هو صفة النبي صلى الله عليه وسلم ليستديموا رياستهم ومكاسبهم، وقال ابن إسحاق : كانت صفته في التوراة أسمر ربعة، فردوه آدم طويلاً، وذكر السدي أنهم كانوا يكتبون كتباً يبدلون فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم ويبيعونها من الأعراب ويبثونها في أتباعهم ويقولون هي من عند الله، وتناسق( [(٩)](#foonote-٩) ) هذه الآية على التي قبلها يعطي أن هذا الكتب والتبديل إنما هو للأتباع الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قرىء لهم. 
والثمن قيل عرض الدنيا، وقيل الرشا( [(١٠)](#foonote-١٠) ) والمآكل التي كانت لهم، ووصفه بالقلة إما لفنائه وإما لكونه حراماً، وكرر الويل لتكرار الحالات التي استحقوه بها( [(١١)](#foonote-١١) )،  يكسبون  معناه من المعاصي والخطايا، وقيل من المال الذي تضمنه ذكر الثمن.

١ - لما بين سبحانه حال من يتمسكون بحبال الأماني والظنون، بين حال دعاة الضلال الذين يأكلون أموال الناس بالباطل أي بالزور والكذب، على وجه الدعاء عليهم بالويل..
٢ - وقد تدخل الهاء على ويل فتصير ويلة وهي الفضيحة والبلية كما قال الشاعر:
 لأمك ويْلَةٌ وعليك أخرى فلا شاة تُنيل ولا بعير.
٣ - يريد أنه إذا لم يضف يصح رفعه على الابتداء لما فيه من معنى الدعاء، ونصبه على إضمار الفعل، وأما إذا أضيف فليس إلا النصب لأنه إذا رفع لا يكون له خير. ويقال في التعجب ويلمه كما قال علي رضي الله عنه: "ويْلُمه كيلا بغير ثمن لو أن له وعاء"..
٤ - إلا أنه لم يقرأ بذلك أحد..
٥ - سفيان هو أبو عبد الله الثوري. وعطاء كان فقيها قاضيا- وكان والده مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم..
٦ - رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه..
٧ - رواه ابن جرير الطبري..
٨ - الذي دل على ذلك قوله تعالى: (يكتبون الكتاب)- فإسناد الكتابة إليهم مفيد لذلك. قوله تعالى: (بأيديهم) هو تأكيد بقصد التغليظ والتشنيع، وأيضا فمباشرة العمل باليد لا يقتضي الاختلاق، ثم إن الكتابة تكتسب كما تكتسب المعارف- وكان الكتاب في العرب من أهل الطائف اكتسبوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار- وقيل للعرب: أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة وقليلة- وفي الحديث: "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب"- ومن الآيات المعجزة كونه صلى الله عليه وسلم أميا لأنه تتلو القرآن بالنظم الذي أنزل عليه من دون زيادة ولا نقصان، وقد كان الخطيب في العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها أو نقص- فالأمية في النبي صلى الله عليه وسلم مُعْجِزَة، وفي غيره مَعْجَزَة..
٩ - أي مجيئها على سنن ونظام ما قبلها يعطي- إلخ..
١٠ - الرشا بكسر الراء المشددة وبضمها جمع رشوة بالكسر والضم أيضا..
١١ - يعني الكتابة بأيديهم، وكسب المال بالباطل، فالكتابة مقدمة، وكسب المال نتيجة..

### الآية 2:80

> ﻿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:80]

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  ( ٨٠ )
وقوله تعالى : وقالوا لن تمسَّنا النارُ  الآية، روى ابن زيد وغيره أن سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود من أهل النار ؟ فقالوا : نحن ثم تخلفوننا أنتم، فقال لهم : كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم، فنزلت هذه الآية( [(١)](#foonote-١) )، ويقال إن السبب أن اليهود قالت : إن الله تعالى أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل، قاله ابن عباس( [(٢)](#foonote-٢) ) وقتادة، وعطاء. وقالت طائفة : قالت اليهود إن في التوراة أن طول جهنم مسيرة أربعين سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم، وقال ابن عباس( [(٣)](#foonote-٣) ) أيضاً ومجاهد وابن جريج : إنهم قالوا إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإن الله تعالى يعذبهم بكل ألف سنة يوماً. 
و  اتخذتمْ  أصله ****«ايتخذتم »****، وزنه افتعلتم من الأخذ، سهلت الهمزة الثانية لامتناع جمع همزتين فجاء ****«ايتخذتم »**** فاضطربت الياء في التصريف فجاءت ألفاً في ياتخذوا وواواً في **«موتخذ »** فبدلت بحرف جلد( [(٤)](#foonote-٤) ) ثابت وهو التاء وأدغمت، فلما دخلت في هذه الآية ألف التقرير استغني عن ألف الوصل، ومذهب أبي علي أن  اتخذتم  من **«تخذ »** لا من **«أخذ »** وقد تقدم ذكر ذلك( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقال أهل التفسير : العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، وقال ابن عباس وغيره : معناه هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون( [(٦)](#foonote-٦) ) بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار ؟، فعلى هذا التأويل الأول يجيء المعنى : هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون ؟ وعلى التأويل الثاني يجيء : هل أسلفتم عند الله أعمالاً توجب ما تدعون ؟، وقوله  فلن يخلف الله عهده  اعتراض أثناء الكلام( [(٧)](#foonote-٧) ). 
١ - رواه الإمام أحمد، والبخاري والنسائي، من حديث أبي هريرة بألفاظ مختلفة. انظر كتاب الجزية من البخاري..
٢ - رواه عنه ابن جرير..
٣ - رواه الطبراني، وابن جرير، وابن المنذر عنه، فالأيام المعدودة إما سبعة أيام، وإما أربعون يوما..
٤ - أي قوي من جنس ما بعدها..
٥ - عند تفسير قوله تعالى: (ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون)..
٦ - يحتمل أن يكون من الإدلال بمعنى الثقة، قال في اللسان: "هو يدل بفلان: : أي يثق به" ويحتمل أن يكون من الإدلال بالحجة، ويحتمل أن يكون من التدلل- والمعنى على كل: يتوسلون بذلك..
٧ - يريد أن قوله تعالى: (أم تقولون على الله مالا تعملون): معادل لقوله: (قل أتخذتم عند الله عهدا) فصارت هذه الجملة بينهما اعتراضية لا محل لها من الإعراب، والمعنى: أي هذين واقع: اتخاذكم العهد عند الله، أو افتراؤكم على الله؟ وهذا الكلام خرج مخرج التردد وإن كان الله يعلم ما هو واقع، ونحو الآية قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين..

### الآية 2:81

> ﻿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:81]

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٨١ )
و  بلى  رد بعد النفي بمنزلة نعم بعد الإيجاب، وقال الكوفيون : أصلها بل التي هل للإضراب عن الأول وزيدت عليها الياء ليحسن الوقف عليها وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام بما يأتي بعدها، وقال سيبويه : هي حرف مثل بل وغيره، وهي في هذه الآية رد لقول بني إسرائيل  لن تمسنا النار  فرد الله عليهم وبين الخلود في النار والجنة بحسب الكفر والإيمان، و  من  شرط في موضع رفع بالابتداء، و **«أولئك »** ابتداء ثان، و 
 أصحاب  خبره، والجملة خبر الأول، والفاء موطئة أن تكون الجملة جواب الشرط. 
وقالت طائفة : السيئة الشرك كقوله تعالى  ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ( [(١)](#foonote-١) ) \[ النمل : ٩٠ \]، والخطيئات كبائر الذنوب، وقال قوم :**«خطيئته »** بالإفراد، وقال قوم : السيئةُ هنا الكبائر، وأفردها وهي بمعنى الجمع لما كانت تدل على الجنس، كقوله تعالى  وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ إبراهيم : ٣٤ \]، والخطيئة الكفر، ولفظة الإحاطة تقوي هذا القول وهي مأخوذة من الحائط المحدق بالشيء، وقال الربيع بن خيثم والأعمش والسدي وغيرهم : معنى الآية مات بذنوب لم يتب منها، وقال الربيع أيضاً : المعنى مات على كفره، وقال الحسن بن أبي الحسن والسدي : المعنى كل ما توعد الله عليه بالنار فهي الخطيئة المحيطة، والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك بالخلد. 
١ - من الآية ٩٠ من سورة النمل، وتفسير السيئة بالشرك هو ما يتعين حمل الآية عليه لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المتواترة من أن عصاة المؤمنين لا يخلدون في النار، ويؤيد ذلك نزول الآية في اليهود، كما يؤيد ذلك أن سيئة واحدة لا توجب الخلود في النار إلا إذا كانت أكبر السيئات، وهي سيئة الكفر والشرك، ولذلك قال سبحانه (وأحاطت به خطيئته) أي غمرته من جميع النواحي فلم تبق له حسنة، ومن هنا يؤخذ أن الحكم المترتب على شرطين لا يثبت إلا عند وجودهما معا، فالسيئة التي لا تحيط بحسنات الإنسان لا توجب خلودا في النار، ويؤيد ذلك أيضا المقابلة بقوله تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) الخ. كما سيجيء عند ابن عطية رحمه الله، فالقرائن كلها تنبئ أن الآية في الكفار لا في العصاة والله سبحانه يقول (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)..
٢ - من الآية ٣٤ من سورة إبراهيم - أو الآية ١٨ من سورة النحل..

### الآية 2:82

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:82]

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ( ٨٢ )
وقوله تعالى : والذين آمنوا  الآية. يدل هذا التقسيم على أن قوله  من كسب سيئة  الآية في الكفار لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضاً قوله : أحاطت  لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته، ويدل على ذلك أيضاً أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة فهم المراد بالخلود( [(١)](#foonote-١) )، والله أعلم. 
١ - أتى رحمه الله بثلاث من الدلائل على أن المراد بالسيئة في الآية الكفر والشرك لا المعصية الكبيرة، وقد أشرنا إلى ذلك آنفا. هذا وإن من شأن الإيمان إذا أفرد أن تدخل فيه الأعمال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون- أو بضع وسبعون- شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". وأما إذا عطف العمل على الإيمان كما في هذه الآية فقد يقال: إن ذلك من باب عطف الخاص على العام، وقد يقال: إنهما شيئان كالفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وقد بين حديث جبريل كما في مسند الإمام أحمد أن الإيمان في القلب حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب"..

### الآية 2:83

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [2:83]

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( ٨٣ )
المعنى :**«واذكروا إذ أخذنا »**، وقال مكي رحمه الله :**«هذا هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر »**، وهذا ضعيف، وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام، وأخذ الميثاق قول، فالمعنى قلنا لهم  لا تعبدون ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي **«لا يعبدون »** بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بالتاء من فوق، حكاية ما قيل لهم، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود **«لا تعبدوا »** على النهي. قال سيبويه : لا تعبدون  متعلق لقسم، والمعنى وإذ استخلفناكم والله لا تعبدون، وقالت طائفة : تقدير الكلام بأن لا تعبدوا إلا الله، ثم حذفت الباء ثم حذفت أن فارتفع الفعل لزوالها،  فلا تعبدون  على هذا معمول لحرف النصب( [(١)](#foonote-١) )، وحكي عن قطرب أن  لا تعبدون إلا الله  في موضع الحال أي أخذنا ميثاقهم موحدين( [(٢)](#foonote-٢) )، وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير، ونظام الآية يدفعه مع كل قراءة( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال قوم  لا تعبدون إلا الله  نهي في صيغة خبر( [(٤)](#foonote-٤) )، ويدل على ذلك أن في قراءة أبي لا تعبدوا. 
والباء في قوله  وبالوالدين  قيل هي متعلقة بالميثاق عطفاً على الباء المقدرة أولاً على قول من قال التقدير بأن لا تعبدوا، وقيل : تتعلق بقوله و  إحساناً  والتقدير قلنا لهم لا تعبدون إلا الله، وأحسنوا إحساناً بالوالدين ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له( [(٥)](#foonote-٥) )، وقيل تتعلق الباء بأحسنوا المقدر والمعنى وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا قول حسن، وقدم اللفظ  وبالوالدين  تهمماً فهو نحو قوله تعالى  إياك نعبد  \[ الفاتحة : ٥ \] وفي الإحسان تدخل أنواع بر الوالدين كلها،  وذي القربى  عطف على الوالدين، و  القربى  بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، وهذا يتضمن الأمر بصلة الرحم،  واليتامى ( [(٦)](#foonote-٦) ) : جمع يتيم كنديم وندامى، واليتم في بني آدم فقد الأب، وفي البهائم فقد الأم، وقال عليه السلام :**«لا يتم بعد بلوغ »**( [(٧)](#foonote-٧) )، وحكى الماوردي( [(٨)](#foonote-٨) ) أن اليتيم في بني آدم في فقد الأم، وهذا يتضمن الرأفة باليتامى وحيطة أموالهم،  والمساكين  : جمع مسكين وهو الذي لا شيء له، لأنه مشتق من السكون وقد قيل : إن المسكين هو الذي له بلغة( [(٩)](#foonote-٩) ) من العيش، وهو على هذا مشتق من السكن، وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد أحوال المساكين. 
وقوله تعالى : وقولوا للناس حسناً ، أمر عطف على ما تضمنه  لا تعبدون إلا الله  وما بعده من معنى الأمر والنهي، أو على أحسنوا المقدر في قوله  وبالوالدين ، وقرأ حمزة والكسائي **«حَسَناً »** بفتح الحاء والسين، قال الأخفش : هما بمعنى واحد كالبخل والبخل، قال الزجاج وغيره : بل المعنى في القراءتين وقولوا قولاً حسناً بفتح السين أو قولاً ذا **«حُسن »** بضم الحاء( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقرأ قوم **«حسنى »** مثل فعلى، ورده سيبويه لأنه أفعل وفعلى لا تجيء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل وتبقى مصدراً كالعقبى، فذلك جائز، وهو وجه القراءة بها( [(١١)](#foonote-١١) )، وقرأ عيسى بن عمر وعطاء بن أبي رباح **«حُسُناً »** بضم الحاء والسين، وقال ابن عباس : معنى الكلام قولوا لهم لا إلا إلا الله ومروهم بها، وقال ابن جريج : قولوا لهم حسناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان الثوري : معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال أبو العالية : معناه قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق، وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله تعالى  وقولوا للناس حسناً  : منسوخ بآية السيف. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، وقد تقدم القول في إقامة الصلاة( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها وتنزل النار على ما تقبل ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :**«الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص »**. 
وقوله تعالى : ثم توليتم ( [(١٤)](#foonote-١٤) ) الآية خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم أسند إليهم تولي أسلافهم، إذ هم كلهم بتلك السبيل، قال نحوه ابن عباس وغيره، و  ثم  مبنية على الفتح ولم تجر مجرى رد وشد لأنها لا تتصرف، وضمت التاء الأخيرة من  توليتم  لأن تاء المفرد أخذت الفتح وتاء المؤنث أخذت الكسر فلم يبق للتثنية والجمع إلا الضم، و  قليلاً  نصب على الاستثناء قال سيبويه : المستثنى منصوب على التشبيه بالمفعول به، قال المبرد : هو مفعول حقيقة لأن تقديره استثنيت كذا، والمراد بالقليل جميع مؤمنيهم قديماً من أسلافهم وحديثاً كابن سلام وغيره، والقلة على هذا هي في عدد الأشخاص، ويحتمل( [(١٥)](#foonote-١٥) ) أن تكون القلة في الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى، وقرأ قوم **«إلا قليلٌ »** برفع القليل، ورويت عن أبي عمرو، وهذا على بدل قليل من الضمير في  توليتم ، وجاز ذلك مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي لأن  توليتم  معناه النفي كأنه قال ثم لم تفوا بالميثاق إلا قليل( [(١٦)](#foonote-١٦) )، 
١ - قال المبرد رحمه الله: **«هذا خطأ لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا»**، والحق أنه ليس بخطأ، فهما وجهان صحيحان في العربية- وعليهما أنشد سيبويه قول طرفة ابن العبد:
 ألا أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرَ الوَغَى وأن أشهدَ اللَّذَّاتِ. هل أنتَ مُخْلِدي؟.
٢ - أي ملتزمين التوحيد. وقطرب هو محمد بن المستنير أبو على –نحوي لغوي- أخذ عن سيبويه. توفي سنة (٢٠٦)هـ..
٣ - هو كذلك، فإن قوله تعالى: (لا تعبدون إلا الله) بيان للميثاق، ومثل هذه المعاني إنما يُدرك حسنُها بالذَّوق السليم، لأن مجيء الحال من المضاف إليه لا يجوز على الصحيح..
٤ - هو أبلغ من صريح الأمر والنهي كقوله تعالى: (ولا يضارَّ كاتب ولا شهيد) وكقولك: "تذهب إلى فلان وتقول له كذا" وكأنه بذلك بخبر عن المسارعة إلى الامتثال والانتهاء. ويتحصل مما ذكره ابن عطية أن قوله تعالى: (لا تعبدون إلا الله) لا يخلو إما أن يكون حالا مقارنة، وقد تقدم ما فيه، وإما أن يكون متعلقا بقسم، وإما أن يكون لفظه خبر ومعناه الطلب، وإما أن يكون على تقدير ألا تعبدوا فحذفت أن فارتفع الفعل، والرأي الثالث أحسن، ويؤيده قراءة أبي، وابن مسعود، والأوامر التي جاءت بعده..
٥ - الصحيح هو جواز تقدم معمول المصدر عليه، انظر تفسير أبي (ح) فقد نقل كلام ابن عطية ثم قال: "وهذا الاعتراض إنما يتم على مذهب أبي الحسن في منعه تقديم مفعول نحو ضربا زيدا، وليس بشيء لأنه لا يصح المنع إلا إذا كان المصدر موصولا بأن ينحل لحرف مصدري والفعل، أما إذا كان غير موصول فلا يمنع تقديمه عليه، فجائز أن تقول: ضربا زيدا، وزيدا ضربا، سواء كان العمل للفعل المحذوف العامل في المصدر، أو للمصدر النائب عن الفعل –فعلى اختلاف المذهبين في العامل يجوز التقديم" اهـ. البحر المحيط ١/٢٨٤.
 ولقد جاء في الآية الكريمة ترتيب الحقوق الواجبة، فأولها حق الله وهو توحيده وعبادته، وثانيها حقوق المخلوقين وأولهم حق الوالدين، ثم القرابة، واليتامى، والمساكين..
٦ - قال ابن السِّكيِّت: قالوا: يتامى، والأصل يتائم، فقلب ثم فتح للتخفيف..
٧ - رواه أبو داود في كتاب "الوصايا"، والبيهقي في شعب الإيمان، ولفظ الجامع الصغير: "لا يُتم بعد احتلام" وهو بضم الياء وفتحها، والمشهور أن اليتيم في الآدمي من فُقد أبوه، وفي البهائم من فُقدت أمه، وإذا فُقد الأبوان يقال للصغير لطيم..
٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، أخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري، وكان من فقهاء الشافعية المعروفين، ومن كتبه "الإقناع" في المذهب –توفي (٤٥٠هـ)- وفيات الأعيان ٢-٤٤٤..
٩ - البُلْغَة بالضم ما يبلغ به العيش ولا يفضل- والسكن بالتحريك ما يسكن إليه ويرجع له عند الحاجة..
١٠ - و(حسنا) بفتحتين وصف للمصدر بدون وساطة، و(حُسْنا) وصف بوساطة المضاف المحذوف..
١١ - أي كونها مصدرا فقط لا رائحة فيها لمعنى التفضيل هو وجه القراءة بها في هذه الآية وهذا في حاجة إلى النقل عن العرب أنها تقول: حَسَنَ حُسْنى كما تقول رجع رحعى.
 وقد علق أبو (ح) على ذلك كعادته ليثبت أن كلام ابن عطية خطأ. "البحر المحيط" ١/٢٨٥..
١٢ - في أول سورة البقرة..
١٣ - قال (ق): هذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ذلك في الغنائم..
١٤ - التولي هو الإعراض، فقوله تعالى: (وأنتم معرضون)، حال مؤكدة، أي والحال أن من عادتكم الإعراض عن المواثيق المأخوذة عليكم..
١٥ - احتمال بعيد، إذ المتبادر هو استثناء أشخاص قليلين من الفاعل الذي هو الضمير في (توليتم) راجع أبو (ح) في البحر المحيط. ١/٢٨٧، وقد شعر رحمه الله بذلك حيث قال: والأول أقوى، ووجه الاستثناء في الآية إظهار أن كل أمة من الأمم لا تخلو من أفراد يخلصون للحق، ويحافظون عليه بحسب معرفتهم وطاقتهم، وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يدفع عنها العقاب الإلهي، ففي الحديث الصحيح: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث". روته ثلاث من أمهات المؤمنين: عائشة، وأم سلمة وزينب بنت جحش..
١٦ - هذا التخريج الذي أشار إليه رحمه الله غير معروف عند النحاة لأنه ما من استثناء موجب إلا ويمكن أن يُؤَل إلى ما أشار إليه فتنتقض القواعد، وتنخرم الأصول..

### الآية 2:84

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [2:84]

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  ( ٨٤ )
والسفك صب الدم وسرد الكلام، وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة **«لا تسفُكون »** بضم الفاء، وقرأ أبو نهيك **«تُسفِّكون »** بضم التاء وكسر الفاء وتضعيفها، وإعراب  لا تسفكون  كما تقدم في  لا تعبدون ، و  دماءكم  جمع دم، وهو اسم منقوص أصله دمي، وتثنيته دميان، وقيل أصله دمْي بسكون الميم، وحركت في التثنية لتدل الحركة على التغيير الذي في الواحد. 
وقوله تعالى  ولا تخرجون أنفسكم من دياركم  معناه ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغي، ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحداً وكانوا في الأمم كالشخص الواحد، جعل قتل بعضهم لبعض ونفي بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونفياً لها، وكذلك حكم كل جماعة تخاطب بهذا اللف في القول( [(١)](#foonote-١) )، وقيل  لا تسفكون دماءكم  أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصاً، فكأنه سفك دم نفسه لما سبب ذلك ولا يفسد في الأرض فينفى فيكون قد أخرج نفسه من دياره، وهذا تأويل فيه تكلف، وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقاً أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسترق إلى غير ذلك من الطاعات. 
وقوله تعالى  ثم أقررتم  أي خلفاً بعد سلف أن هذا الميثاق أخذ عليكم والتزمتموه فيتجه في هذه اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد وتتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله، أي أقررتم هذا الميثاق ملتزماً. 
وقوله  وأنتم تشهدون ( [(٢)](#foonote-٢) ) قيل الخطاب يراد به من سلف منهم والمعنى وأنتم شهود أي حضور أخذ الميثاق والإقرار، وقيل إن المراد من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى وأنتم شهداء أي بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم فمن بعدهم. 
١ - أي بهذا القول الملفوف أي المجموع والمخلوط من دون بسط ولا تفصيل..
٢ - تأأكيد للإقرار كما تقول: أقر فلان شاهدا على نفسه، والمعنى: أظهرتم الالتزام بالميثاق، وشهدتم بذلك على أنفسكم قديما وحديثا..

### الآية 2:85

> ﻿ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:85]

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ٨٥ )
 هؤلاء  دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل رداً إلى الأسلاف، قيل :( [(١)](#foonote-١) ) تقدير الكلام يا هؤلاء، فحذف حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبويه مع المبهمات، لا تقول هذا أقبل، وقيل تقديره أعني هؤلاء، وقيل  هؤلاء  بمعنى الذين، فالتقدير ثم أنتم الذين تقتلون، ف  تقتلون  صلة  لهؤلاء ، ونحوه قال يزيد بن مفرغ الحميري. 
عدسْ ما لعبّاد عليك إمارة. . . نجوت وهذا تحملين طليق( [(٢)](#foonote-٢) )
وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن( [(٣)](#foonote-٣) ) بن أحمد شيخنا رضي الله عنه : هؤلاء  رفع بالابتداء و  أنتم  خبر مقدم، و  تقتلون  حال، بها تم المعنى، وهي كانت المقصود فهي غير مستغنى عنها، وإنما جاءت بعد أن تم الكلام في المسند والمسند إليه، كما تقول هذا زيد منطلقاً، وأنت قد قصدت الإخبار بالنطلاقه لا الإخبار بأن هذا هو زيد. 
وهذه الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع، وذلك أن النضير وقريظة حالفت الأوس، وبني قينقاع حالفت الخزرج، فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة( [(٤)](#foonote-٤) ) ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها فقتل بعضهم بعضاً وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعاً لحكم التوراة وهم قد خالفوها بالقتال والإخراج، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«تُقتِّلون »** بضم التاء الأولى وكسر الثانية وشدّها على المبالغة، والديار مباني الإقامة، وقال الخليل : محلة القوم دارهم، وقرأ حمزة وعاصم والسكائي **«تظاهرون »** بتخفيف الظاء وهذا على حذف التاء الثانية من تتظاهرون، وقرأ بقية السبعة **«تظَّاهرون »** بشد الظاء على إدغام التاء في الظاء، وقرأ أبو حيوة **«تُظهِرون »** بضم التاء وكسر الهاء، وقرأ مجاهد وقتادة **«تَظَّهَرَّون »** بفتح التاء وشد الظاء والهاء مفتوحة دون ألف، ورويت هذه عن أبي عمرو، ومعنى ذلك( [(٥)](#foonote-٥) ) على كل قراءة تتعاونون، وهو مأخوذ من الظهر، كأن المتظاهريْن يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه، والإثم العهد الراتبة على العبد من المعاصي( [(٦)](#foonote-٦) )، والمعنى بمكتسبات الإثم،  والعدوان  تجاوز الحدود والظلم، وحسن لفظ الإتيان من حيث هو في مقابلة الإخراج فيظهر التضاد المقبح لفعلهم في الإخراج( [(٧)](#foonote-٧) )، وقرأ حمزة **«أسرى تفدوهم »**، وقرأ نافع وعاصم والكسائي **«أسارى تفادوهم »**، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير **«أسارى تفدوهم »**، وقرأ قوم **«أسرى تفادوهم »**. و  أسارى  جمع أسير، والأسير مأخوذ من الأسر وهو الشد، سمي بذلك لأنه يؤسر أي يشد وثاقاً، ثم كثر استعماله حتى لزم وإن لم يكن ثم ربط ولا شد، وأسير فعيل بمعنى مفعول، ولا يجمع بواو ونون وإنما يكسر على أسرى وأسارى، والأقيس فيه أسرى، لأن فعيلاً بمعنى مفعول الأصل فيه أن يجمع على فعلى، كقتلى وجرحى، والأصل في فعلان أن يجمع على **«فَعالى »** بفتح الفاء و **«فُعالى »** بضمها كسكران وكسلان وسُكَارى وكُسَالى، قال سيبويه : فقالوا في جمع كسلان كسْلى، شبّهوه بأسرى كما قالوا  أسارى  شبهوه بكسالى، ووجه الشبه أن الأسر يدخل على المرء مكرهاً كما يدخل الكسل، وفعالى إنما يجيء فيما كان آفة تدخل على المرء. 
و  تفَادوهم  معناه في اللغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، قاله أبو علي، قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئاً، فعلى هذا قد تجيء بمعنى فديت أي دفعت فيه من مال نفسي، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً، وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر، تقول : فديت زيداً بمال وفاديته بمال، وقال قوم : هي في قراءة تفادوهم مفاعلة في أسرى بأسرى( [(٨)](#foonote-٨) )، قال أبو علي : كل واحد من الفريقين فعل، الأسر دفع الأسير، والمأسور منه دفع أيضاً إما أسيراً وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف. 
وقوله تعالى : وهو محرم ( [(٩)](#foonote-٩) ) قيل في  هو  إنه ضمير الأمر، تقديره والأمر محرم عليكم، و  إخراجهم  في هذا القول بدل من 
هو }، وقيل  هو  فاصلة، وهذا مذهب الكوفيين، وليست هنا بالتي هي عماد، و  محرم  على هذا ابتداء، و  إخراجهم  خبره، وقيل هو الضمير المقدر في  محرم  قدم وأظهر، وقيل هو ضمير الإخراج تقديره وإخراجهم محرم عليكم. ( [(١٠)](#foonote-١٠) )
وقوله تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب ( [(١١)](#foonote-١١) ) يعني التوراة، والذي آمنوا به فداء الأسارى، والذي كفروا به قتل بعضهم بعضاً وإخراجهم من ديارهم، وهذا توبيخ لهم، وبيان لقبح فعلهم. 
وروي أن عبد الله بن سلام( [(١٢)](#foonote-١٢) ) مرّ على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم تقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه، فقال له ابن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن. 
ثم توعدهم عز وجل : والخزي : الفضيحة والعقوبة، يقال : خزي الرجل يخرى خزياً إذا ذل من الفضحية، وخزي يخزى خزاية إذا ذل واستحيا( [(١٣)](#foonote-١٣) ). . . 
واختلف ما المراد بالخزي ها هنا فقيل : القصاص فيمن قتل، وقيل ضرب الجزية عليهم غابر الدهر، وقيل قتل قريظة، وإجلاء النضير( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وقيل : الخزي الذي توعد به الأمة وهو غلبة العدو. والدنيا مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيها واو ولكن أبدلت فرقاً بين الأسماء والصفات( [(١٥)](#foonote-١٥) ). 
وأشد العذاب الخلود في جهنم، وقرأ الحسن وابن هرمز **«تردون »** بتاء. 
وقوله تعالى : وما الله بغافل  الآية، فرأ نافع وابن كثير **«يعملون »** بياء على ذكر الغائب( [(١٦)](#foonote-١٦) ) فالخطاب بالآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآية واعظة لهم بالمعنى( [(١٧)](#foonote-١٧) ) إذ الله تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص( [(١٨)](#foonote-١٨) )، وقرأ الباقون بتاء على الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية( [(١٩)](#foonote-١٩) ) وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : إن بني إسرائيل قد مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، يريد : وبما يجري مجراه. 
١ - فيه أربعة أقوال، قيل إنه منادى على حذف النداء، وقيل: إنه منصوب بفعل محذوف وقيل: أنه بمعنى الذين، وقيل: إن أنتم خبر مقدم، وهؤلاء مبتدأ، وتقتلون حال ثم بها المعنى، وأضعف هذه الأقوال الأول، ومن جعله مبتدأ وأنتم خبر فتقتلون هي محط البيان لأن معنى أنتم هؤلاء- أنهم على حالة أسلافهم من نقض الميثاق- ومن جعل هؤلاء منادى أو منصوبا فتقتلون خبر..
٢ - البيت من شواهد النحو المشهورة، وعَدَس: اسم صوت لزجر البغل، وعبّاد: هو ابن زيّان بن أبي سفيان، وإمارة بكسر الهمزة معناها: أمر- وهذا: اسم موصول بمعنى الذي (على رأي الكوفيين) وهو الشاهد هنا، ويقع مبتدأ خبره طليق، أما صلة الموصول فهي (تحملين) والعائد محذوف، وتقديره: (تحملينه) ويكون تقدير الكلام: (والذي تحملينه طليق) أي مطلق. يقول الشاعر هذا الكلام لبعلته حين ركبها بعد خروجه من السجن فنفرت..
٣ - انظر ترجمته في تفسير أبي حيان في هذا المكان- ولما نقل أبو حيان رحمه الله ما ذكره ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البادش من جَعْل هؤلاء مبتدأ وأنتم خبرا قال: "لا أدري ما العلة في ذلك، وفي عدوله عن جعل أنتم مبتدأ وهؤلاء خبرا إلى عكسه" انتهى. قال مختصِره سيدي عبد الرحمن التعالبي رحمه الله: قلت: العلة في ذلك دخول هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام، ويدل على ذلك قولهم: ها أنا ذا قائما، ولم يقولوا: أنا هاذا قائما، قال معناه ابن هشام، فقائما في المثال المتقدم نصب على الحال. انتهى..
٤ - قيلة: اسم أم لقبيلتي الأوس والخزرج-اسمها قيلة بنت كاهل..
٥ - يعني أن هذه القراءات وهي: ظاهر، وتظاهر، وأظْهر- ترجع إلى معنى التعاون، وهو المراد في الآية الكريمة..
٦ - يعني ما ترتب على العبد من عهد المعاصي. والعُهَدُ: جمع عُهْدَة..
٧ - فيكون المعنى: أنه لا يُناسب من أسأتم إليهم بالإخراج من ديارهم أن تُحسنوا إليهم بالمفاداة.
 تنبيه: قال بعض شيوخنا رحمهم الله تعالى: -هل الفادي والمفدي في موضوع الآية- كانا من جهة واحدة؟ بمعنى أن قريظة كانت تفدي من أسرته الخزرج من إخوانهم كما أن النضير كانت تفدي من أسرته الأوس من إخوانهم- أو من جهتين بمعنى أن قريظة كانت تفدي من يد حلفائها الأوس من أسروه من بني النضير كما أن بني النضير كانت تفدي من خلفائها الخزرج من أسروه من بني قريظة- أو ما هو أعم. فروح البيان على ألأول هو المأخوذ من صدر كلام ابن جرير الطبري رحمه الله حين تكلم على قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون) الآية- والصاوي في حاشية الجلالين على الثاني، ولم نره صريحا في كلام غيره لكن يشهد له ظاهر الآية- وظاهر ما نقلوه من قول العرب لليهود على جهة التعيير لهم: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ انظر عباراته في ابن جرير- وكلام السدي بحسب ظاهره على الثالث- راجع الكشاف والبحر المحيط..
٨ - أي في مبادلة الأسير بالأسير، والمراد أن المفاداة هي في مبادلة الأسرى فتدفع أسيرا وتأخذ أسيرا، والفداء أن تأخذ مالا في مقابلة الأسير..
٩ - الجملة حال من الضمير في (تخرجون) أو من فريقا أو منهما- وتخصيص بيان التحريم ها هنا بالإخراج، مع كونه قرينا للقتل عند أخذ الميثاق عليهم- لما يظن من التساهل في أمر الإخراج بسبب قلة خطره بالنسبة إلى القتل: إنما خصه بالذكر لما فيه من معرة الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شره..
١٠ - حاصل ما ذكره أقوال أربعة، وكلها انتقدت عليه، وإذا أردت الوقوف على وجوه الانتقاد فعليك بتفسير أبي (ح) فإنه يتتبع أنفاس "ابن عطية" ولا سيما في النواحي الإعرابية. وفي كلام ابن عطية ما يشم منه رائحة الفرق بين الفصل والعماد، وانظر التعليق عند قوله تعالى: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)..
١١ - قال المفسرون: أخذ الله تعالى على بني إسرائيل أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به، إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك بقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)؟.
١٢ - هو عبد الله بن سلام (بالتخفيف) بن الحارث الإسرائيلي، أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل في ه قوله تعالى: (ومن عنده علم الكتاب) وشهد له صلى الله عليه وسلم بالجنة، وشهد مع عمر رضي الله عنه فتح بيت المقدس والجابية، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين للهجرة..
١٣ - كل من خزي يخزى خزيا، وخزي يخزى من باب تعب، والفرق بينهما هو المصدر، فالخزي معناه الفضيحة، والخزاية معناها الاستحياء..
١٤ - وفي بعض النسخ زيادة (وقيل: الخزي الذي تتوعد به الأمة من الناس هو غلبة العدو)..
١٥ - يعني أنها بذلك انسلخت عن الوصفية فهي عَلَم على كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة. قال في القاموس: "والدنيا نقيض الآخرة، وقد تنون، وجمعها دُنى" اهـ واستدلوا للتنوين بقول الشاعر:
 إني مقسِّم ما ملكت فجاعل جزءا لآخرتي ودنيا تنفع
 فإن ابن الأعرابي أنشده، منونا وليس بضرورة كما لا يخفى..
١٦ - في تفسير الإمام (ط) رحمه الله: وأعجب القراءتين إلى قراءة من قرأ بالياء إتباعا لقوله (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) ولقوله (ويوم القيامة يردون) لأن قوله (وما الله بغافل عما يعملون) إلى ذلك أقرب منه إلى قوله (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) فإتباعه الأقرب إليه أولى من إلحاقه بالأبعد منه". اهـ..
١٧ - بل هي أشد و اعظ وأقواه، ونحوها قوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) والظلم إما ظلم العصيان، وإما ظلم الكفران..
١٨ - إذا كان عالما بأعمالهم كما تؤكد ذلك الآية- وهو الحق الذي لاشك فيه، فهو بالمرصاد لمجازاتهم..
١٩ - أي في سياقها، وسياق الآية أن الخطاب لبني إسرائيل..
٢٠ - في بعض النسخ: (تعنون بهذا يا أمة محمد) يريد وبما يجري مجراه..

### الآية 2:86

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:86]

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ( ٨٦ )
جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا، وهذه النزعة صرفها مالك رحمه الله في فقه البيوع( [(١)](#foonote-١) )، إذ لا يجوز الشراء على ان يختار المشتري في كل ما تختلف صفة آحاده، ولا يجوز فيه التفاضل كالحجل المذبوحة( [(٢)](#foonote-٢) ) وغيرها، ولا يخفف عنهم العذاب في الآخرة، ولا ينصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة. 
١ - أي أن مالكا رحمه الله استعمل هذه الطريقة فيما لا يجوز من البيوع للغرر والجهل، إذ ذلك مذموم وممنوع..
٢ - يطلق على الذكور وعلى الإناث، وعلى صغار الإبل وأولادها، وأفاد بالوصف أن القصد هو اللحم الذي لا يجوز فيه التفاضل. والله أعلم..

### الآية 2:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [2:87]

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ( ٨٧ )
و  الكتاب  التوراة، ونصبه على المفعول الثاني ل  آتينا ،  وقفينا  مأخوذ من القفا، تقول قفيت فلاناً بفلان إذا جئت به من قبل قفاه، ومنه قفا يقفو إذا اتبع. وهذه الأية مثل قوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترا ( [(١)](#foonote-١) ) \[ المؤمنون : ١٤٤ \]، وكل رسول جاء بعد موسى عليه السلام فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام( [(٢)](#foonote-٢) )، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر **«بالرسْل »** ساكنة السين( [(٣)](#foonote-٣) )، ووافقهما أبو عمرو إذا انضاف ذلك إلى ضمير نحو رسلنا ورسلهم، و  البينات  الحجج التي أعطاها الله عيسى، وقيل هي آياته من إحياء وإبراء وخلق طير، وقيل هي الإنجيل، والآية تعم جميع ذلك، و  أيدناه  معناه قويناه، والأيد القوة، وقرأ ابن محيصن والأعرج وحميد **«آيدناه »**( [(٤)](#foonote-٤) ). وقرأ ابن كثير ومجاهد **«روح القدْس »** بسكون الدال. وقرأ الجمهور بضم القاف والدال، وفيه لغة فتحهما( [(٥)](#foonote-٥) )، وقرأ أبو حيوة **«بروح القدوس »** بواو، وقال ابن عباس رضي الله عنه **«روح القدس هو الاسم الذي به كان يحيي الموتى »**، وقال ابن زيد :**«هو الإنجيل كما سمى الله تعالى القرآن روحاً »** وقال السدي والضحاك والربيع وقتادة :**«روح القدس جبريل صلى الله عليه وسلم »**، وهذا أصح الأقوال( [(٦)](#foonote-٦) ). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت :**«اهج قريشاً وروح القدس معك »**( [(٧)](#foonote-٧) ) ومرة قال له **«وجبريل معك »**، وقال الربيع ومجاهد : القدس  اسم من أسماء الله تعالى كالقدُّوس( [(٨)](#foonote-٨) )، والإضافة على هذا إضافة الملك إلى المالك، وتوجهت لما كان جبريل عليه السلام من عباد الله تعالى، وقيل  القدس  الطهارة، وقيل  القدس  البركة. 
وكلما ظرف، والعامل فيه  استكبرتم ، وظاهر الكلام الاستفهام، ومعناه التوبيخ والتقرير( [(٩)](#foonote-٩) )، ويتضمن أيضاً الخبر عنهم، والمراد بهذه الآية بنو إسرائيل. 
ويروى أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي ثم تقوم سوقهم آخر النهار( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وروي سبعين نبياً ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار( [(١١)](#foonote-١١) )، وفي  تهوى  ضمير من صلة ما لطول اللفظ، والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق، وهذه الآية من ذلك، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في قصة أسرى بدر :**«فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت »**( [(١٢)](#foonote-١٢) )، و  استكبرتم  من الكبر،  وفريقاً  مفعول مقدم. 
١ - من الآية ٤٤ من سورة المؤمنون..
٢ - يعني أن عيسى عليه السلام ختم بني إسرائيل، وجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام كما قال تعالى إخبارا عنه: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وجئتكم بآية من ربكم) فكذبه بنو إسرائيل، واشتد حسدهم له- ولذلك أيده الله بالآيات التي تدل على صدقة فيما جاء به، كما قال تعالى: \[وأيدناه بروح القدس\]..
٣ - التثقيل والتخفيف لغتان: الأولى لغة الحجاز، والثانية لغة تميم، وكان أبو عمرو البصري يخفف عند الإضافة إلى حرفين، ويُثقل عند الإضافة إلى حرف واحد..
٤ - يقال: أيدناه بالتشديد، وآيدناه بالمد، والقراءة الأولى مشهورة، والثانية شاذة، وكلاهما من الأبد، والآد، بمعنى القوة، ونظيرهما في البناء: الذيْم والذام، والعيْب والعاب..
٥ - أي الدال كصُرد، وعليه فهي لغات ثلاث..
٦ - انظر تفسير ابن (ك)، فقد بسط القول في وجوه ترجيح ترجيح هذا القول من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح..
٧ - خرجه البخاري ومسلم..
٨ - بضم القاف وشد الدال، أي: الطاهر المنزّه عن العيوب والنقائص. وكل فَعُّول مفتوح الأول إلا قُدّوس وفُرّوج (فرخ الدجاجة) و ذُرّوج (الذباب الهندي) كما قال بعض أهل اللغة، ولكن جاء في صحاح الجوهري أن سيبويه كان يقول: (قَدُّوس، وسبُّوح) بالفتح فيهما- وفي كثير من المعاجم ضبطت (فَروج)، بفتح الفاء..
٩ - وفي بعض النسخ: "والتقريع"..
١٠ - روى ذلك أبو داود الطيالسي ونصه: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بَقلهم من آخر النهار. انتهى من (ك) عند تفسير قوله تعالى: \[وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله\]..
١١ - لأنهم كانوا أصحاب بقول وخضروات حتى قالوا: (لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها) الآية. وإقامتهم للسوق الذي تباع فيه أرذل الأشياء آخر النهار دلالة على قلة مبالاتهم بما فعلوا من تقتيل الأنبياء، فكيف بالأسواق التي تباع فيها النفائس؟..
١٢ - ومنه كذلك قول عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك". والحديثان خرجهما الإمام مسلم رحمه الله..

### الآية 2:88

> ﻿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [2:88]

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ  ( ٨٨ )
وقرأ جمهور القراء **«غلْف »** بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل **«حمْر »** و **«صفْر »**، والمعنى قلوبنا عليها غَلَف وغشاوات( [(١)](#foonote-١) ) فهي لا تفقه( [(٢)](#foonote-٢) )، قاله ابن عباس، وقال قتادة :**«المعنى عليها طابع »**، وقالت طائفة : غلْف بسكون اللام جمع غلاف، أصله غلّف( [(٣)](#foonote-٣) ) بتثقيل اللام فخفف. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا( [(٤)](#foonote-٤) ) قلما يستعمل إلا في الشعر. وقرأ الأعمش والأعرج وابن محيصن **«غلّف »** بتثقيل اللام( [(٥)](#foonote-٥) ) جمع غلاف، ورويت عن أبي عمرو، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف بزعمهم، فهي لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل : المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم ؟، فرد الله تعالى عليهم بقوله : بل لعنهم الله بكفرهم ، و  بل  في هذه الآية نقض للأول، وإضراب عنه، ثم بين تعالى أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنب فالذنب أعظم منه( [(٦)](#foonote-٦) )، واللعن الإبعاد والطرد، و  قليلاً  نعت لمصدر محذوف تقديره فإيماناً قليلاً ما يؤمنون، والضمير في  يؤمنون  لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم، ويتجه قلة هذا الإيمان : إما لأن من آمن بمحمد منهم قليل فيقل لقلة الرجال، قال هذا المعنى قتادة، وإما لأن وقت إيمانهم عندما كانوا يستفتحون به قبل مبعثه قليل، إذ قد كفروا بعد ذلك، وإما لأنهم لم يبق لهم بعد كفرهم غير التوحيد على غير وجهه، إذ هم مجسمون فقد قللوه بجحدهم الرسل وتكذيبهم التوراة، فإنما يقل من حيث لا ينفعهم كذلك، وعلى هذا التأويل يجيء التقدير فإيماناً قليلاً( [(٧)](#foonote-٧) )، وعلى الذي قبله فوقتاً قليلاً، وعلى الذي قبله فعدداً من الرجال قليلاً، و  ما  في قوله : فقليلاً ما يؤمنون  زائدة مؤكدة، و  قليلاً  نصب ب  يؤمنون . 
١ - وفي بعض النسخ وغشاوات..
٢ - أي لا تفهم ما تقول ولا تعيه، إذ هو مما لا يفهم، وقيل: عليها طابع، لقوله تعالى: \[طبع الله على قلوبهم\]..
٣ - أي كخمار وخُمُر فهو على هذا مخفف من ثقيل..
٤ - المعنى: وهذا التثقيل قل أن يستعمل إلا في الشعر كقول طرفة:
 أيها الفتيان في مجلسنا جرِّدوا منها ورادا وشقرد
 فحركت لضرورة الشعر. وفي بعض النسخ: قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قل ما يستعمل الخ..
٥ - أي بتحريكها بالضم، والغرض أن (غلف) بضم اللام جمع غلاف، وكذلك (غلف) بسكون اللام جمع غلاف ولكنه مخفف من الأول، واستعمال المخفف أكثر، واستعمال المثقل أقل، هذا وفي بعض النسخ: (وقرأ بن عباس، والأعرج، وابن محيص، بدل: "وقرأ الأعمش" الخ. والله أعلم..
٦ - يعني أن الله سبحانه جازاهم بالطرد واللعن المتسبب عن الذنب الذي هو الكفر. والإضراب في الآية هو عن النسبة التي تضمنها قولهم: \[قلوبنا غلف\] خلقت على الفطرة متمكة من قبول الحق، فأخبروا عنها بما لم تخلق عليه- والطرد والإبعاد أعظم ما يصيب المرء في حياته..
٧ - هذا أحسن الوجوه، لأن دلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالته على زمانه ومكانه ومفعوله وفاعله، ولموافقة قوله تعالى: \[فلا يؤمنون إلا قليلا\]..

### الآية 2:89

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [2:89]

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ  ( ٨٩ )
الكتاب القرآن، و  مصدق لما معهم  يعني التوراة، وروي أن في مصحف أبي بن كعب **«مصدقاً »** بالنصب( [(١)](#foonote-١) ). 
و  يستفتحون  معناه أن بني إسرائيل كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما عندهم من صفته وذكر وقته، وظنوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوس والخزرج فغلبتهم العرب قالوا لهم : لو قد خرج النبي الذي قد أظل( [(٢)](#foonote-٢) ) وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا عليكم به و  يستفتحون  معناه يستنصرون( [(٣)](#foonote-٣) )، وفي الحديث :**«كان رسول الله صلى الله عيله وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين »**( [(٤)](#foonote-٤) )، وروي أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبي المنتظر كانت نقلتهم إلى الحجاز وسكناهم به، فإنهم كانوا علموا صقع( [(٥)](#foonote-٥) ) المبعث، وما عرفوا أنه محمد عليه السلام وشرعه، ويظهر من هذه الآيات العناد منهم، وان كفرهم كان مع معرفة ومعاندة، **«ولعنة الله »** : معناه إبعاده لهم وخزيهم لذلك. 
واختلفت النحاة في جواب  لما ( [(٦)](#foonote-٦) ) و  لِما  الثانية في هذه الآية. فقال أبو العباس المبرد : جوابهما في قولَه : كَفروا ، وأعيدت  لما  الثانية لطول الكلام، ويفيد ذلك تقريراً للذنب، وتأكيداً له، وقال الزجاج : لما  الأولى لا جواب لها للاستغناء عن ذلك بدلالة الظاهر من الكلام عليه ؟
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فكأنه محذوف، وقال الفراء : جواب  لما  الأولى في الفاء وما بعدها، وجواب  لما  الثانية  كفروا . 
١ - أي على الحال من \[كتاب\] لتخصيص النكرة بالصفة..
٢ - في بعض النسخ بالطاء المهملة، وفي بعضها بالظاء المشالة، وكلاهما صالح. يقال: أطل الشهر وأظل بمعنى قرُب..
٣ - قيل: إنهم كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون من الله النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة، فعلى ما قاله المؤلف رحمه الله كانوا يستنصرون بمخرجه ومبعثه، وعلى هذا القول كانوا يستنصرون بحقه وجاهه..
٤ - أي بفقرائهم، والمراد أنه يستنصر بدعائهم وصلاتهم وجهادهم، وفي النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها..
٥ - الصُّقْع: الناحية- يقال: فلان من هذا الصقع، أي من هذه الناحية..
٦ - أي: الأولى..

### الآية 2:90

> ﻿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [2:90]

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ  ( ٩٠ )
**«وبيس »**( [(١)](#foonote-١) ) أصله ****«بئس »**** سهلت الهمزة ونقلت إلى الباء حركتها، ويقال في ****«بئس »**** ****«بيس »**** اتباعاً للكسرة، وهي مستوفية للذم كما نعم مستوفية للمدح( [(٢)](#foonote-٢) )، واختلف النحويون في  بيسما  في هذا الموضع، فمذهب سيبويه أن ********************«ما »******************** فاعلة ببيس، ودخلت عليها بيس كما تدخل على أسماء الأجناس والنكرات لما أشبهتها ********************«ما »******************** في الإبهام، فالتقدير على هذا القول : بيس الذي  اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ، كقولك : بيس الرجل زيد، و ********************«ما »******************** في هذا القول موصولة، وقال الأخفش :********************«ما »******************** في موضع نصب على التمييز كقولك **«بيس رجلاً زيد »**، فالتقدير **«بيس شيئاً أن يكفروا »**، و  اشتروا به أنفسهم  في هذا القول صفة ********************«ما »********************( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال الفراء **«بيسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا »**، وفي هذا القول اعتراض لأنه فعل يبقى بلا فاعل، و ********************«ما »******************** إنما تكف أبداً حروفاً( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال الكسائي :********************«ما »********************، و  اشتروا  بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، فالتقدير بيس اشتراؤهم أنفسهم أن يكفروا( [(٥)](#foonote-٥) )، وهذا أيضاً معترض لأن ****«بيس »**** لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير، وقال الكسائي أيضاً : إن ********************«ما »******************** في موضع نصب على التفسير وثم ********************«ما »******************** أخرى مضمرة، فالتقدير بيس شيئاً ما اشتروا به أنفسهم، و  أن يكفروا  في هذا القول بدل من ********************«ما »******************** المضمرة، ويصح في بعض الأقوال المتقدمة أن يكون  أن يكفروا  في موضع خفض بدلاً من الضمير في  به ، وأما في القولين الأولين ف  أن   يكفروا  ابتداء وخبره فيما قبله، و  اشتروا  بمعنى باعوا، يقال : شرى واشترى بمعنى باع، وبمعنى ابتاع( [(٦)](#foonote-٦) )، و  بما أنزل الله  يعني به القرآن، ويحتمل أن يراد به التوراة لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام فقد كفروا بالتوراة، ويحتمل أن يراد به الجميع من توراة وإنجيل وقرآن، لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر بالكل، و  بغياً  مفعول من أجله، وقيل نصب على المصدر( [(٧)](#foonote-٧) )، و  أن ينزل  نصب على المفعول من أجله أو في موضع خفض بتقدير بأن ينزل( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وقرأ أبو عمرو( [(٩)](#foonote-٩) ) وابن كثير **«أن ينزل »** بالتخفيف في النون والزاي، و  من فضله  يعني من النبوة والرسالة. و  من يشاء  يعني به محمداً صلى الله عليه وسلم لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب. ويدخل في المعنى عيسى عليه السلام لأنهم قد كفروا به بغياً، والله قد تفضل عليه، و **«باؤوا »** معناه : مضوا متحملين لما يذكر أنهم باؤوا به، و  يغضب  معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم على غضب متقدم من الله تعالى عليهم، قيل لعبادتهم العجل، وقيل لقولهم عزير ابن الله، وقيل لكفرهم بعيسى عليه السلام. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : فالمعنى على غضب قد باء به أسلافهم حظ هؤلاء وافر بسبب رضاهم بتلك الأفعال وتصويبهم لها. 
وقال قوم : المراد بقوله  بغضب على غضب  التأكيد وتشديد الحال عليهم لا أنه أراد غضبين معللين بقصتين( [(١٠)](#foonote-١٠) )، و  مهين  مأخوذ من الهوان وهو ما اقتضى الخلود في النار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين إنما عذابه كعذاب الذي يقام عليه الحد لا هوان فيه بل هو تطهير له. ( [(١١)](#foonote-١١) )
١ - يلاحظ أن ابن عطية يختار التسهيل في "بئس وبئسما" فيقول: "بيس وبيسما" ويشرح الكلمة على هذا الوضع، هذا وفي كل من نِعم وبِئس أربع لغات، نعم بكسر النون وفتحها مع سكون العين، ونَعِم بفتح النون وكسر العين، ونِعِم بكسرهما، وكذلك بِئس وبَئس وبِئِس..
٢ - (نِعْمَ): مستوفية لجميع أنواع المدح كما أن (بئس) مستوفية لجميع أنواع الدم، فإذا قلت: نعم الرجل زيد، فمعناه أن زيدا استحق سائر المدح الذي يكون في سائر جنسه، كما أن: بئس الرجل زيد معناه أنه استوفى الذم الذي يكون في سائر جنسه..
٣ - وأما على القول الأول فهو صلة، وأبين الأقوال المذكورة قول سيبويه والأخفش، وما سوى ذلك ضعيف، وعلى قولهما فأن يكفروا ابتداء، وخبره فيما قبله..
٤ - أي ثلاثة، كما في: "طالما، وقلما، وكثرما"، وقال أبو علي الفارسي: طالما وقلما ونحوهما أفعال لا فاعل لها مضمرا ولا مظهرا، لأن الكلام لما كان محمولا على النفي سوغ ذلك ألا يحتاج إليه، و(ما) دخلت عوضا عن الفاعل..
٥ - وتكون (ما) مصدرية على هذا القول..
٦ - الأكثر أن شرى بمعنى باع، واشترى بمعنى ابتاع، وقد يكون العكس..
٧ - إذا أعرب (بغيا) مفعولا لأجله فالعامل فيه: "كفروا" أو "اشتروا"، وإذا كان منصوبا على المصدر، فالتقدير: "بغوا بغيا"، وعلى أنه مصدر فقوله تعالى: " أن ينزل الله" مفعول لأجله كما قال المؤلف..
٨ - الأظهر تقدير حرف الجر (لاما) أو (على) أي "لتنزيل الله" أو "على تنزيل الله"..
٩ - اعلم أن أبا عمرو وابن كثير قرآ جميع المضارع مخففا من (أنزل) في غير ما وقع الاجماع على تشديده وهو قوله تعالى: \[وما ننزله إلا بقدر معلوم\] في سورة الحجر، إلا أن أبا عمر وشدد (على أن ننزل آية) في الأنعام- وابن كثير شدد (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (وحتى ننزل علينا كتاب نقرؤه) وشدد الباقون المضارع حيث وقع إلا حمزة بن حبيب الزيات وعليا والكسائي فإنهما خففا (وينزل الغيث) في آخر سورة لقمان (وهو الذي ينزل الغيث) في سورة الشورى- وكل من الهمز والتشديد جاء للتعدية، والله أعلم..
١٠ - وفي بعض النسخ: معللين "بمعصيتين"..
١١ - عذاب الكفر هو العذاب المهين، وأما عذاب المعصية فليس بعذاب مهين، وإنما هو عذاب مطهر..

### الآية 2:91

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:91]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ٩١ )
وقوله تعالى : وإذا قيل لهم  يعني : اليهود أنهم إذ قيل لهم : آمنوا بالقرآن الذي أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم  قالوا نؤمن بما أنزل علينا  يعنون التوراة وما وراءه. قال قتادة : أي ما بعده، وقال الفراء، أي ما سواه ويعني به القرآن( [(١)](#foonote-١) )، وإذا تكلم رجل أو فعل فعلاً فأجاد يقال له ما وراء ما أتيت به شيء، أي ليس يأتي بعده( [(٢)](#foonote-٢) ). ووصف الله تعالى القرآن بأنه الحق، و  مصدقاً  حال مؤكدة عند سيبويه( [(٣)](#foonote-٣) )، وهي غير منتقلة، وقد تقدم معناها في الكلام ولم يبق لها هي إلا معنى التأكيد، وأنشد سيبويه على الحال المؤكدة. 
**\[ البسيط \] :**
أنا ابن دارة معروفاً بها حسبي. . . وهل لدارة يا للنّاس من عار( [(٤)](#foonote-٤) )
و  لما معهم  يريد به التوراة. 
وقوله تعالى : قل فلم تقتلون  الآية رد من الله تعالى عليهم في أنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم في ذلك، واحتجاج عليهم. ولا يجوز الوقف على  فلم  لنقصان الحرف الواحد إلا أن البزي( [(٥)](#foonote-٥) ) وقف عليه بالهاء، وسائر القراء بسكون الميم( [(٦)](#foonote-٦) ). وخاطب الله من حضر محمداً صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل بأنهم قتلوا الأنبياء لما كان ذلك من فعل أسلافهم. وجاء  تقتلون  بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله  من قبل  وإذا لم يشكل فجائز سوق الماضي بمعنى المستقبل وسوق المستقبل بمعنى الماضي. قال الحطيئة 
\[ الكامل أخذ مضمر \]. 
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه. . . أن الوليد أحق بالعذر( [(٧)](#foonote-٧) )
وفائدة سوق الماضي في موضع المستقبل، الإشارة إلى أنه في الثبوت كالماضي الذي قد وقع( [(٨)](#foonote-٨) ). وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر( [(٩)](#foonote-٩) ). ألا ترى أن حاضري محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء، و  إن كنتم  شرط والجواب متقدم، وقالت فرقة : إن  نافية بمعنى ما. 
١ - ما قاله قتادة والفراء بمعنى واحد..
٢ - أي ليس عندك شيء سوى ذلك..
٣ - زعم سيبويه، والخليل، وجميع النحاة الموثوق بهم، أن قولك: "هو زيد قائما" غير قولك: هو زيد معروفا" لأن الحال في الأول يوجب أنه إن كان قائما فهو زيد، وإذا ترك القيام فليس بزيد، فذلك القول خطأ- وأما قولك: "هو زيد معروفا" فمعناه هو زيد حقا لأنه إنما يكون زيدا إذا كان يُعرف بزيد، ومثله قوله تعالى: "هو الحق مصدقا"- فالقرآن هو الحق إذا كان مصدقا لما معهم..
٤ - قائله: سالم بن دارة، ودارة اسم أمه، وقيل: اسم أحد أجداده. ومعروفا حال مؤكدة لجملة: أنا ابن دارة. كقوله تعالى: "مصدقا" فهو حال مؤكدة لقوله: "وهو الحق". ويروى: (نسبي) بدلا من (حسبي)..
٥ - هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة، محقق، متقن للقراءة، لكنه في الحديث منكر ضعيف الحديث. توفي سنة (٢٥٠هـ)..
٦ - وهذا الموقف لا يجوز إلا لقصد الاختبار أو لانقطاع النفس..
٧ - الحطيئة لقب لجرول العبسي الشاعر المشهور، وشهد بمعنى يشهد..
٨ - نحو قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله) لما كان ذلك محقق الوقوع في المستقبل عبر عنه بالماضي الذي يدل على الوقوع..
٩ - ولذلك كانوا يحومون حول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسحروه وسموه حتى قال صلى الله عليه وسلم عند موته: (ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري)- ولقد كان في الإتيان بالفعل مستقبلا ما يهدي إلى أن عادتهم قتل الأنبياء- لأنه إذا كان هذا النبي المكتوب عندهم في التوراة والإنجيل قد أمروا أن يؤمنوا به وينصروه، ومع ذلك راموا قتله، فكيف من لم يتقدم لهم فيه عهد من الله فقتله عندهم أولى، والحديث المشار إليه أخرجه البزار وغيره من حديث أبي هريرة، والقضية مذكورة في البخاري ومسلم..

### الآية 2:92

> ﻿۞ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:92]

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( ٩٢ )
البينات التوراة والعصا وفرق البحر وغير ذلك من آيات موسى عليه السلام وقوله تعالى : ثم اتخذتم  تدل ثم على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات، وذلك أعظم في دينهم، وقد تقدمت قصة اتخاذهم العجل، والضمير في قوله  من بعده  عائد على موسى عليه السلام، أي من بعده حين غاب عنكم في المناجاة، ويحتمل أن يعود الضمير في  بعده  على المجيء. وهذه الآية رد عليهم في أن من آمن بما نزل عليه لا يتخذ العجل.

### الآية 2:93

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:93]

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ٩٣ )
وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق ورفع الطور. 
وقوله تعالى : خذوا ما آتيناكم بقوة  يعني التوراة والشرع، و  بقوة  أي بعزم ونشاط وجد.  واسمعوا  معناه هنا : وأطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط. ( [(١)](#foonote-١) )
وقالت طائفة من المفسرين : إنهم قالوا  سمعنا وعصينا . ونطقوا بهذه الألفاظ مبالغة في التعنت والمعصية( [(٢)](#foonote-٢) ). وقالت طائفة : ذلك مجاز ولم ينطقوا ب  سمعنا وعصينا ، ولكن فعلهم اقتضاه، كما قال الشاعر \[ الرجز \] :
امتلأ الحوض وقال قطني( [(٣)](#foonote-٣) ) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
وهذا أيضاً احتجاج عليهم في كذب قولهم  نؤمن بما أنزل علينا  \[ البقرة : ٩١ \]، وقوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم  التقدير حب العجل، والمعنى جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال قوم : إن معنى قوله 
 وأشربوا في قلوبهم العجل  شربهم الماء الذي ألقى فيه موسى برادة العجل، وذلك أنه برده بالمبرد ورماه في الماء، وقيل لبني إسرائيل : اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا قول يرده قوله تعالى : في قلوبهم ( [(٥)](#foonote-٥) )، وروي أن الذين تبين فيهم حب العجل أصابهم من ذلك الماء الجن( [(٦)](#foonote-٦) )، وقوله تعالى  بكفرهم  يحتمل أن تكون باء السبب، ويحتمل أن تكون بمعنى مع، وقوله تعالى : قل بِئسما  الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم بأنه بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم الذي زعمتم في قولكم  نؤمن بما أنزل علينا  
\[ البقرة : ٩١ \]، و ******«ما »****** في موضع رفع والتقدير : بئس الشيء قتل( [(٧)](#foonote-٧) ) واتخاذ عجل وقول  سمعنا وعصينا ، يجوز أن تكون ******«ما »****** في موضع نصب، و  إن كنتم مؤمنين  شرط( [(٨)](#foonote-٨) ). وقد يأتي الشرط والشارط يعلم أن الأمر على أحد الجهتين، كما قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام : إن كنت قلته فقد علمته ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ المائدة : ١١٦ \]، وقد علم عيسى عليه السلام أنه لم يقله، وكذلك  إن كنتم مؤمنين ، والقائل يعلم أنهم غير مؤمنين، لكنه إقامة حجة بقياس بيّن، وقال قوم  إن  هنا نافية بمنزلة ******«ما »****** كالتي تقدمت، وقرأ الحسن ومسلم بن جندب :**«يأمركم بهو إيمانكم »** برفع الهاء( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
١ - يعني أن المراد سماع القلب لا سماع الأذن، وسميت الطاعة سمعا على جهة المجاز، لأن طاعة الأمر تتوقف على سماعه، والمعنى: اعملوا بما سمعتم، والتزموه في حياتكم..
٢ - يعني أن المفسرين اختلفوا في قوله تعالى: \[قالوا سمعنا وعصينا\] أكان ذلك بلسان المقال أم بلسان الحال؟ كما قال الشاعر:
 امتلأ الحوض وقال قطني .........................
٣ - تمامه: ............................ مهلا رويدا قد ملأت بطني.
 من كلام بعض الماتحين. رأى حوضه قد امتلأ فقال: امتلأ حوضي، وقال: يكفيني، يعلم بذلك الماتح لينصرف إلى دلو غيره، وهذا ما يسمى عندهم بلسان الحال، فإن الحوض لا يتكلم..
٤ - أي تغلغله في قلوبهم كما يتغلغل شرب الماء في الأعضاء حتى يصل إلى أعماقها ولذلك شبه حبهم للعجل بشرب الماء دون الأكل، لأن الطعام يجاور الأعضاء ولا يتغلغل فيها كما يتغلغل الشراب، فالمجاز استعارة، والاستعارة مبنية على التشبيه، جعلت قلوبهم- لتمكن حب العجل منها –كأنها تشربه، ثم استعير لفظ (اشربوا) استعارة تبعية، ولا يدل قوله: \[وأشربوا\] على أن غيرهم فعل بهم ذلك، بل هم الذين كسبوا ذلك، فأشربوا من الشراب كما أن (أُنسيت كذا) من النسيان..
٥ - وجه الرد أن القصد من هذا السياق أنه ظهر على شفاههم ووجوههم، والمذكور في الآية أنهم أشربوا العجل في قلوبهم..
٦ - في تفسير (ق): وروي أنه ما شربه أحد إلا جن، حكاه القشيري اهـ. وفي بعض النسخ: (الجبن)..
٧ - أي: قتل الأنبياء..
٨ - والتقدير: بئس شيئا يأمركم به إيمانكم قتلُ الأنبياء، واتخاذ العجل، وقول: سمعنا وعصينا..
٩ - من الآية (١١٦) من سورة المائدة..
١٠ - أي ووصلها بالواو للإشباع، و هي لغة..

### الآية 2:94

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:94]

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( ٩٤ )
وقوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة  الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم، والمعنى : إن كان لكم نعيمها وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها  فتمنوا الموت ،  الدار  اسم  كانت ، و  خالصة  خبرها، ويجوز أن يكون نصب  خالصة  على الحال، و  عند الله  خبر كان( [(١)](#foonote-١) )، و  من دون الناس  : يحتمل أن يراد ب  الناس  محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم التام( [(٢)](#foonote-٢) ) وهو قول اليهود فيما حفظ عنهم، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر الواو من ****«تمنوا »**** للالتقاء( [(٣)](#foonote-٣) )، وحكى الأهوازي عن أبي عمرو أنه قرأ **«تمنوا الموت »** بفتح الواو( [(٤)](#foonote-٤) )، وحكي عن غيره اختلاس الحركة في الرفع، وقراءة الجماعة بضم الواو. وهذه آية بينة أعطاها الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قالت : نحن أبناء الله وأحباؤه( [(٥)](#foonote-٥) )، وشبه ذلك من القول، فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فعلم اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه، فرقاً من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكذبهم في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه، وحرصاً منهم على الحياة. ( [(٦)](#foonote-٦) )
وقيل إن الله تعالى منعهم من التمني وقصرهم على الإمساك عنه، لتظهر الآية لنبيه صلى الله عليه وسلم( [(٧)](#foonote-٧) ). 
والمراد بقوله ****«تمنوا »**** أريدوه بقلوبكم واسألوه، هذا قول جماعة من المفسرين، وقال ابن عباس : المراد فيه السؤال فقط وإن لم يكن بالقلب( [(٨)](#foonote-٨) )، وقال أيضاً هو وغيره : إنما أمروا بالدعاء بالموت على أردأ الحزبين من المؤمنين أو منهم( [(٩)](#foonote-٩) )، وذكر المهدوي وغيره أن هذه الآية كانت مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وارتفعت بموته( [(١٠)](#foonote-١٠) ). والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمنى الموت إنما كانت أياماً كثيرة عند نزول الآية، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة، وقالت فرقة : إن سبب هذا الدعاء إلى تمني الموت أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد به هلاك الفريق المكذب أو قطع حجتهم، لا أن علته قولهم نحن أبناء الله. ( [(١١)](#foonote-١١) )
١ - الظاهر أن الخبر- على نصبها على الحال- (عند)، والظرف لا يستقل معنى الكلام به وحده..
٢ - ينافيه قولهم في الآية الأخرى: \[وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى\]..
٣ - تشبيها لها بواو \[لو استطعنا\]..
٤ - تخفيفا لأن الكسر والضم يثقلان مع الواو..
٥ - من الآية (١٨) من سورة (المائدة)..
٦ - أخرج البيهقي في الدلائل، من رواية الكلبي، عن أي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهنما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: (إن كنتم صادقين فقولوا: اللهم أمتنا، فو الذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه ومات مكانه)، فأنزل الله قوله: \[ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم\]..
٧ - هذا هو الوجه الثالث في تركهم للتمني، والأول أنهم تركوه خوفا من الموت لأنهم لو تمنوه لماتوا، كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني أنهم تركوه خوفا من الله تعالى لكفرهم وقبح أعمالهم، والأوجه الثلاثة أشار إليها المؤلف رحمه الله.
 وهذه الآية التي أعطيها صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى اليهود مثل آية المباهلة التي أعطيها صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى النصارى..
٨ - المراد بالتمني هنا: التلفظ بما يدل عليه، لا مجرد خطوره بالقلب، وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يليق في مقام المحاجة والتحدي، لأنه من ضمائر القلوب، فقوله تعالى: \[فتمنوا الموت\] معناه: فاسألوه بألسنتكم سواء كانت معه قلوبكم أم لا. والمراد بتمنيهم الموت هنا إلزامهم الحجة، وإقامة البرهان على بطلان أباطيلهم، فلا منافاة بين ما هنا وبين النهي عن تمني الموت..
٩ - أي على أي الفريقين أردى وأكذب، وهذا أبلغ في إقامة الحجة، وأسلم من المعارضة..
١٠ - أكانت هذه المعجزة- وهي موت من تمنى الموت من اليهود- طيلة حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ترتفع إلا بعد موته، أم كانت أياما كثيرة عند نزول الآية الكريمة، لا طول حياة النبي صلى الله عليه وسلم؟ الصحيح القول الثاني كما قال المؤلف. وما قاله المهدوي، وابن عطية، رحمهما الله تعالى خلاف ظاهر القرآن، فإن قوله: (ولن يتمنوه أبدا) ظاهر في استغراق مدة أعمارهم، والله أعلم..
١١ - هو كذلك، ويشير ابن عطية رحمه الله- بما نقله عن هذه الفرقة، وبما نقله عن ابن عباس وغيره في تفسير الآية الكريمة من أنهم إنما أمروا بالدعاء بالموت على أردى الحزبين من المؤمنين أو منهم، وبقوله سابقا: وهي –أي هذه الآية- بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة- يشير بذلك كله إلى ما ترجح عنده في تفسير الآية، وهو الدعاء على الفريقين أكذب –منهم أو من المسلمين- على وجه المباهلة العادلة الفاصلة، وهذا ما حققه الحافظ ابن (ك) رحمه الله في تفسيره. وأما على التأويل الآخر فإنه لا يظهر الحجة عليهم إذ لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصدق والصلاح وبين تمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيره، وترتفع درجته، كما ورد في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله).
 وعلى ما فسر ابن عباس رضي الله عنهما فإنه لا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام حق: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم بالموت، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، وسميت مباهلة اليهود بتمني الموت لأن كل محق يتمنى لو أهلك الله المبطل- وكانت بالموت لأن الحياة عزيزة وعظيمة لما يعلمون من سوء المآل بعد الموت، وفي كلام بعض أئمة التفسير اضطراب وخلط وتلفيق. والله أعلى وأعلم..

### الآية 2:95

> ﻿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:95]

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( ٩٥ )
ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم وأنهم لا يتمنونه، و  أبداً  ظرف زمان وإذا كانت **«ما »** بمعنى الذي فتحتاج إلى عائد تقديره قدمته، وإذا كانت مع قدمت بمثابة المصدر غنيت عن الضمير، هذا قول سيبويه، والأخفش يرى الضمير في المصدرية، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إلى الأيدي وأسند تقديمها إليها إذ الأكثر من كسب العبد الخير والشر إنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك. 
وقوله تعالى : والله عليم بالظالمين  ظاهرها الخبر ومضمنها الوعيد( [(١)](#foonote-١) )، لأن الله عليم بالظالمين وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد. 
١ - يعني أن المراد بالخبر هو التهديد والوعيد، لا ثبوت النسبة الخبرية، إذ لا فائدة في ذلك، فالله عليم بالظالمين وغير الظالمين..

### الآية 2:96

> ﻿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [2:96]

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( ٩٦ )
**«وجد »** في هذا المعنى تتعدى إلى مفعولين لأنها من أفعال النفس( [(١)](#foonote-١) )، ولذلك صح تعديها إلى ضمير المتكلم في قول الشاعر :
تَلَفَّتُّ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني. . . وَجِعْتُ من الإصغاءِ لِيتاً وأخدعا( [(٢)](#foonote-٢) )
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الضب :**«إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه »**( [(٣)](#foonote-٣) )، وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم وأن لا خير لهم عند الله تعالى. 
وقوله تعالى : ومن الذين أشركوا ( [(٤)](#foonote-٤) ) قيل المعنى وأحرص من الذين أشركوا، لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، ألا ترى إلى قول امرىء القيس \[ الطويل \] :
تمتّعْ من الدنيا فإنك فان( [(٥)](#foonote-٥) ). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
والضمير في  أحدهم  يعود في هذا القول على اليهود، وقيل إن الكلام تم في قوله  حياة ، ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين أنهم  يود أحدهم  وهي المجوس، لأن تشميتهم للعاطس لفظ بلغتهم معناه **«عِشْ ألف سنة »**( [(٦)](#foonote-٦) ) فكأن الكلام : ومن المشركين قوم  يود أحدهم ، وفي هذا القول تشبيه بني إسرئيل بهذه الفرقة من المشركين، وقصد **«الألف »** بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب. 
وقوله تعالى : وما هو بمزحزحه  : اختلف النحاة في  هو ، فقيل هو ضمير الأحد المتقدم الذكر، فالتقدير وما أحدهم بمزحزحه وخبر الابتداء في المجرور، و  أن يعمر  فاعل بمزحزح( [(٧)](#foonote-٧) )، وقالت فرقة هو ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه والخبر في المجرور،  أن يعمر  بدل من التعمير في هذا القول، وقالت فرقة  هو  ضمير الأمر والشأن، وقد رد هذا القول بما حفظ عن النحاة من أن الأمر والشأن إنما يفسر بجملة سالمة من حرف جر، وقد جوز أبو علي ذلك( [(٨)](#foonote-٨) ) في بعض مسائله الحلبيات( [(٩)](#foonote-٩) )، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقيل  ما  عاملة حجازية و  هو  اسمها والخبر في  بمزحزحه ، والزحزحة الإبعاد والتنحية. 
وفي قوله  والله بصير بما يعملون  وعيد، والجمهور على قراءة **«يعملون »** بالياء من أسفل، وقرأ قتادة والأعرج ويعقوب **«تعملون »** بالتاء من فوق، وهذا على الرجوع إلى خطاب المتوعدين من بني إسرائيل. 
١ - أي أفعال القلوب، لا من أفعال الجوارح..
٢ - هو للصمة بن عبد الله القشيري، شاعر إسلامي، بدوي، مقل. من شعراء الدولة الأموية وقبله:
 ولما رأيت البشر قد حال بيننا وحالت بنات الشوق في الصدر نزعا
 والبشر: جبل- واللِيت بالكسر: صفحة العنق- والأخدع: عرق في العنق..
٣ - قُدِّم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضبٌّ فامتنع عن أكله، فقال له خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ فقال: (لا. إنه لم يكن...) قال خالد: فاحتززته فأكلته ورسول الله ينظر إلي..
٤ - أفردوا بالذكر مع اندراجهم في الناس لزيادتهم عليهم بشدة الحرص. والإعراب الأول من باب عطف المفرد على المفرد، وهو محمول على المعنى، أي أحرص من الناس، ومن الذين أشركوا، والمراد بهم على هذا مشركوا العرب. والإعراب الثاني من عطف الجمل، قصد به الإخبار عن طائفة من الأعاجم، وتشبيه اليهود بهم، والضمير في (أحدهم) على الأول لليهود، وعلى الثاني للمشركين، والغرض المبالغة في ذم اليهود، لحرصهم على الدنيا والبقاء فيها، مع أنهم يعتقدون ثواب الآخرة وعقابها. والإعراب الأول أليق بالمقام لأن القصة خاصة باليهود..
٥ - تمامه ................................ من النشوات والنسأ الحسان
 وروي: (والنشا) بالشين المفتوحة وفي ديوان امرئ القيس (والنسا الحسان)..
٦ - قال في الكشاف عن ابن عباس رضي الله عنه: هو قول الأعاجم: "زي هزار سال" انتهى. وزي بالفارسية معناه عش، وهزار معناه ألف، وسال معناه عام..
٧ - هذا الإعراب يُنبئ أن (ما) تميمية، ويأتي أنه يجوز أن تكون عاملة أي حجازية..
٨ - أي ما قالته هذه الفرقة من أن (هو) ضمير الأمر والشأن..
٩ - المسائل الحلبية اسم كتاب لأبي علي الفارسي المتوفى ببغداد سنة ٣٧٧، ولم يقل شعرا إلا ثلاثة أبيات وهيك
 خضبت الشيب لما كان عيــبا وخضب الشيب أولى أن يعابا
 ولم أخضب مخافة هجر حخل ولا عتبا خشـــيت ولا عــــتابا
 ولكن المشـــيب بدا دمـــيــما فصيرت الخضاب له عــــقابا.
١٠ - قال الشيخ أبو (ح): العماد شرطه عند البصريين أن يكون متوسطا بين المبتدأ والخبر، وبعض الكوفيين يجيزون أن يتقدم مع الخبر على المبتدأ، والتقدير: (وما تعميره هو بمزحزحه)، ثم قدم الخبر مع العماد فجاء: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر أي تعميرة)، وقد علمت أن الراجح أنه لا يكون إلا بين شيئين، ولذلك يسمونه ضمير الفصل..

### الآية 2:97

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [2:97]

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  ( ٩٧ )
وقوله تعالى : قل من كان عدواً لجبريل  الآية : نزل على سبب لم يتقدم له ذكر فيما مضى من الآيات، ولكن أجمع أهل التفسير أن اليهود قالت : جبريل عدونا، واختلف في كيفية ذلك( [(١)](#foonote-١) )، فقيل إن يهود فدك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : نسألك عن أربعة أشياء فإن عرفتها اتبعناك، فسألوه عما حرم إسرائيل على نفسه، فقال : لحوم الإبل وألبانها، وسألوه عن الشبه في الولد، فقال : أي ماء علا كان الشبه له، وسألوه عن نومه، فقال : تنام عيني ولا ينام قلبي، وسألوه عمن يجيئه من الملائكة، فقال : جبريل، فلما ذكره قالوا ذاك عدونا، لأنه ملك الحرب والشدائد والجدب، ولو كان الذي يجيئك ميكائيل ملك الرحمة والخصب والأمطار لاتبعناك، وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتكرر على بيت المدارس فاستحلفتهم يوماً بالذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتعلمون أن محمداً نبي ؟ قالوا نعم، قال : فلم تهلكون في تكذبيه( [(٢)](#foonote-٢) )، قالوا : صاحبه جبريل وهو عدونا، وذكر أنهم قالوا سبب عداوتهم له أنه حمى بختنصر حين بعثوا إليه قبل أن يملك من يقتله، فنزلت هذه الآية لقولهم. 
وفي جبريل لغات :**«جِبرِيل »** بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، و **«جَبرِيل »** بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال :**«رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ ( جبريل وميكال ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) فلا أزال أقرؤهما أبداً كذلك( [(٤)](#foonote-٤) ) »**، وجَبرَيل بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام وبها قرأ عاصم، و **«جَبرَءيل »** بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء وياء بين الهمزة واللام، وبها قرأ حمزة والكسائي وحكاها الكسائي عن عاصم، **«وجبرائل »** بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة، و **«جبرائيل »** بزيادة ياء بعد الهمزة( [(٥)](#foonote-٥) )، و **«جبراييل »** بياءين وبها قرأ الأعمش، و **«جَبرَئلّ »** بفتح الجيم والراء وهمزة ولام مشددة، وبها قرأ يحيى بن يعمر، و **«جبرال »** لغة فيه، و **«جِبرِين »** بكسر الجيم والراء وياء ونون، قال الطبري :**«هي لغة بني أسد »** ولم يقرأ بها، و **«جبريل »** اسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات( [(٦)](#foonote-٦) )، فبعضها هي موجودة في أبنية العرب، وتلك أدخل في التعريب كجبريل الذي هو كقنديل، وبعضها خارجة عن أبنية العرب فذلك كمثل ما عربته العرب ولم تدخله في بناء كإبريسم وفرند وآجُرّ ونحوه( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وذكر ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن **«جبر »** و **«ميك »** و **«سراف »** هي كلها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك، وإيل اسم الله تعالى( [(٨)](#foonote-٨) )، ويقال فيه إلّ، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة : هذا كلام لم يخرج من إلّ. 
وقوله تعالى : فإنه نزّله على قلبك ( [(٩)](#foonote-٩) ) الضمير في  فإنه  عائد على الله عز وجل، والضمير في  نزّله  عائد على جبريل صلى الله عليه وسلم، والمعنى بالقرآن وسائر الوحي، وقيل : الضمير في **«إنه »** عائد على جبريل وفي  نزله  على القرآن، وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وجاءت المخاطبة بالكاف في  قلبك  اتساعاً في العبارة إذ ليس ثم من يخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكاف، وإنما يجيء قوله : فأنه نزله على قلبي، لكن حسن هذا إذ يحسن في الكلام العرب أن تحرز اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول ويحسن أن تقصد المعنى الذي يقوله فتسرده مخاطبة له( [(١١)](#foonote-١١) )، كما تقول لرجل : قل لقومك لا يهينوك، فكذلك هي الآية، ونحو من هذا قول الفرزدق \[ الطويل \]
ألم تَرَ أنّي يوم جو سويقة. . . بكيت فنادتْني هنيدةُ ما ليا( [(١٢)](#foonote-١٢) )
فأحرز المعنى ونكب عن نداء هنيدة **«ما لك »**، و  بإذن الله  معناه : بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة، و  مصدقاً  حال من ضمير القرآن( [(١٣)](#foonote-١٣) ) في  نزله  و  ما بين يديه  : ما تقدمه من كتب الله تعالى،  هدى  إرشاد، والبشرى : أكثر استعمالها في الخير، ولا تجيء في الشر إلا مقيدة به، ومقصد هذه الآية : تشريف جبريل صلى الله عليه وسلم وذم معاديه. 
١ - أي في سبب هذا القول، فقيل: إن سبب ذلك محاورتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: محاورتهم مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكل سند. والظاهر أن أسئلة عبد الله بن سلام لم تكن سببا لنزول الآية الكريمة، وإن تليت الآية عندها، إذ لا يلزم من تلاوتها نزولها حينئذ، والله أعلم..
٢ - أي بسبب تكذيبه..
٣ - حاصل قراءة السبعة في (حبريل وميكائيل) أن حمزة والكسائي قرآ بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة بعدها ياء، وشعبة مثلهما إلا أنه يقرأ بدون ياء بعد الهمزة، والباقون يقرؤون (جبريل) بكسر الجيم كقنديل، إلا ابن كثير فإنه يفتح الجيم فقط، وأما (ميكائيل) فقرأ نافع بالهمز من دون ياء، والبصري وحفص بحذف الهمز والياء كميزان، والباقون بإثباتهما، وروي (ميكال) عن ابن كثير منذ رآها في النوم. ويأتي عند ابن عطية لدى قوله تعالى: (من كان عدوا لله) الآية: أن لابن كثير ثلاث قراءات..
٤ - أي مع اعتماد الرواية في ذلك، إذ لا يعتمد في مثل هذا على المنام..
٥ - نسب أبو (ح) قراءة (جبرائيل، وجبْراييل) إلى ابن عباس وعكرمة، انظره..
٦ - يعني أنها تصرفت فيه هذه التصرفات العشرة. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه اهـ..
٧ - الإبريسم بكسر السين وفتحها: الحرير معرب، والفِرند بكسر الفاء: السيف وجوهره، والورد الأحمر، معرب. والأجر بشد الراء: الطوب الذي بيني به، معرب..
٨ - قال أبو عبد الله البخاري: قال عكرمة: جبرا وميكا وإسراف: عبد، إيل: الله- وما حكاه البخاري عن عكرمة هو المشهور من قولهم أن إيل هو الله، وقد رواه سفيان الثوري عن نصيف، عن عكرمة. ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، ورواه ابن جرير بسنده عن عكرمة، وبذلك قال غير واحد من السلف. قال أبو علي الفارسي: هذا لا يستقيم من وجهين: أحدهما أن إيل لا يعرف من أسماء الله تعالى في اللغة العربية، والآخر أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا أبدا كما تقول عبد الله. ومن الناس من يقول: إيل عبارة عن عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله، لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع، وكلام العجم يقدم المضاف إليه على المضاف..
٩ - هذا القول يقوم مقام الجواب، والمعنى: من كان عدوا لجبريل فليمُتْ غيظا، وليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل القرآن على قبلك بإذن الله، فهو رسول الله، ومن عادى رسولا فقد عادى الرسل كلهم، كما أن من كفر برسول فيلزمه الكفر بجميع الرسل، ومن عادى جبريل فقد عادى الله، ومن عادى الله هلك. وفي الحديث: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب). وفي الحديث أيضا: (إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب)..
١٠ - ولأنه إذا صلح صلح الجسد كله كما في الحديث المشهور..
١١ - يعنى أنه يجوز في كلام العرب للمأمور أن يقصد اللفظ بالقول، وأن يقصد المعنى فيسرده بالخطاب كما في الآية الكريمة، وكما في بيت الفرزدق..
١٢ - وبعد هذا البيت:
 فقلت لها: إن البكاء لراحة به يشتــفي من ظــن ألا تــــلاقـــيا
 قفي ودعينا يا هُنَيْدُ فإنـني أرى الحي قد شاموا العقيق اليمانيا
 وهي أول قصيدة هجا بها الفرزدق جريرا والبعيث. و(جو سويقة) موضع. وفي بلاد العرب أجوبة كثيرة كل جو منها يعرف بما نسب إليه..
١٣ - أي على الإعراب الثاني وهو أن ضمير (فإنه) عائد على جبريل، وضمير (نزله) عائد على القرآن، وهذا الإعراب أصح من الأول، والضمير الثاني عائد على القرآن من دون تقدم ذكره إيذانا بفخامة شأنه، لكمال شهرته ونباهته، لا سيما عند ذكر بعض صفاته..

### الآية 2:98

> ﻿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [2:98]

مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ  ( ٩٨ )
وقوله تعالى : من كان عدواً لله  الآية وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم، وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته ومعاداة أوليائه( [(١)](#foonote-١) )، وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه، وذكر جبريل وميكائيل وقد كان ذكر الملائكة عمهما تشريفاً لهما( [(٢)](#foonote-٢) )، وقيل خصا لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته، وقرأ نافع **«ميكائل »** بهمزة دون ياء، وقرأ بها ابن كثير في بعض ما روي عنه، وقرأ ابن عامر وابن كثير أيضاً وحمزة والكسائي، **«ميكائيل »** بياء بعد الهمزة، وقرأ أبو عمرو وعاصم **«ميكال »**، ورويت عن ابن كثير منذ رآها في النوم كما ذكرنا، وقرأ ابن محيصن **«ميكئل »** بهمزة دون ألف، وقرأ الأعمش **«ميكاييل »** بياءين، وظهر الاسم في قوله : فإن الله ( [(٣)](#foonote-٣) ) لئلا يشكل عود الضمير، وجاءت العبارة بعموم الكافرين لأن عود الضمير على من يشكل سواء أفردته أو جمعته، ولو لم نبال بالاشكال وقلنا المعنى يدل السامع على المقصد للزم تعيين قوم بعداوة الله لهم، ويحتمل أن الله تعالى قد علم أن بعضهم يؤمن فلا ينبغي أن تطلق عليه عداوة الله للمآل. ( [(٤)](#foonote-٤) )
وروي أن رجلاً من اليهود لقي عمر بن الخطاب فقال له : أرأيت جبريل الذي يزعم صاحبك أنه يجيئه ذلك عدونا، فقال له عمر رضي الله عنه : من كان عدواً لله  إلى آخر الآية، فنزلت على لسان عمر رضي الله عنه. ( [(٥)](#foonote-٥) )
قال القاضي أبو محمد رحمه الله وهذا الخبر يضعف من جهة معناه. ( [(٦)](#foonote-٦) )
١ - لأن إلحاق الضرر بالله مستحيل، فالمراد بالمعادي لله من يفعل فعل المعادي من المخالفة والمعصية..
٢ - يعني أن ذكر جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة هو من باب التخصيص بعد التعميم: وذلك دلالة على فضلها، ولأن اليهود قد تقول: إنا لم نعاد الله و لا جميع الملائكة، ولأن النزاع واقع فيهما فذكرهما أهم..
٣ - أي جيء به ظاهرا لا ضميرا..
٤ - أي ينتقل عن العداوة بالإيمان، أي يؤول به الحال إلى الإيمان، والله تعالى إنما عاداهم لكفرهم، وفيه دلالة على أن عداوة الملائكة كفر، وأن عداوة الأولياء عداوة لله..
٥ - رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسيأتي عن المؤلف التصريح بأنه خبر ضعيف..
٦ - أي الخبر الذي فيه أن عمر رضي الله عنه نطق بهذه الآية في جواب من قال له من اليهود: ذلك عدونا فنزلت على لسانه، ووجه ذلك –والله أعلم- أن هناك طرقا وردت في سبب نزول الآية من دون أن تتعرض لذلك.
 ولم يظهر لنا وجه الضعف من ناحية المعنى، ولذلك لم يذكره أبو حيان، والألوسي، وإنما اقتصر على القول بأن الخبر نقلا عن ابن عطية، وموافقات الوحي لعمر شهيرة والله أعلم..

### الآية 2:99

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [2:99]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُون ( ٩٩ )
وقوله تعالى : ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ، ذكر الطبري أن ابن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ما جئت بآية بينة ؟ فنزلت هذه الآية( [(١)](#foonote-١) ). و  الفاسقون  هنا الخارجون عن الإيمان، فهو فسق الكفر، والتقدير : ما يكفر بها  أحد  إلا الفاسقون ، لأن الإيجاب لا يأتي إلا بعد تمام جملة النفي. 
١ - روي ذلك عن ابن عباس من طريق ابن إسحق، كما رواه الواحدي في أسباب النزول..

### الآية 2:100

> ﻿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:100]

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  ( ١٠٠ )
قال سيبويه : الواو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام( [(١)](#foonote-١) )، وقال الأخفش : هي زائدة، وقال الكسائي : هي **«أو »** وفتحت تسهيلاً، وقرأها قوم **«أوْ »** ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل( [(٢)](#foonote-٢) )، وكما يقول القائل : لأضربنك فيقول المجيب : أوْ يكفي الله( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا كله متكلف، واو في هذا المثل متمكنة في التقسيم، والصحيح قول سيبويه وقرىء **«عهدوا عهداً »** وقرأ الحسن وأبو رجاء **«عوهدوا »** و  عهداً  مصدر، وقيل : مفعول بمعنى أعطوا عهداً، والنبذ : الطرح والإلقاء، ومنه النبيذ والمنبوذ، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويقع على اليسير والكثير من الجمع، ولذلك فسرت كثرة النابذين بقوله : بل أكثرهم  لما احتمل الفريق أن يكون الأقل( [(٤)](#foonote-٤) )، و  لا يؤمنون  في هذا التأويل حال من الضمير في  أكثرهم ، ويحتمل الضمير العود على الفريق، ويحتمل العود على جميع بني إسرائيل وهو أذم( [(٥)](#foonote-٥) ) لهم، والعهد الذي نبذوه هو ما أخذ عليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود **«نقضه فريق »**( [(٦)](#foonote-٦) ). 
١ - أي كما دخلت على الفاء في نحو: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم)، وعلى ثم في نحو: (أثم إذا ما وقع) الآية. والتقدير هنا: (أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا؟) الخ، أو (أينكرون فسقهم وكلما عاهدوا عهدا؟) الخ. والاستفهام إنكاري. وهذا هو الصحيح في مثل هذا التركيب..
٢ - دل على كونها بمعنى (بل) ما بعدها، وهو قوله تعالى: (بل أكثرهم لا يؤمنون)، ترقيا إلا الأغلظ فالأغلظ..
٣ - يأتي على الأثر أن أو في هذا المثال متمكنة في التقسيم وهو كذلك، فهي ليست كما في الآية، والله أعلم..
٤ - يعني أن الفريق يقع على القليل والكثير، ولما احتمل أن يكون النابذون للعهد أقلية بين ذلك بقوله تعالى: \[بل أكثرهم لا يؤمنون\]، فكان النابذون للعهد هم الأكثر، وكان النقض لعهد الله كفرا..
٥ - أي أشد وأكثر ذما لهم، من عوده على الفريق..
٦ - هي قراءة مخالفة لسواد المصحف، فالأولى حملها على التفسير. قاله أبو (ح)..

### الآية 2:101

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [2:101]

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  ( ١٠١ )
وقوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله ، يعني به محمد صلى الله عليه وسلم، وما  معهم  هو التوراة، و  مصدق  نعت ل  رسول ، وقرأ ابن أبي عبلة **«مصدقاً »** بالنصب( [(١)](#foonote-١) )، و  لما  يجب بها الشيء لوجوب غيره، وهي ظرف زمان( [(٢)](#foonote-٢) )، وجوابها  نبذ  الذي يجيء، و  الكتاب  الذي أتوه : التوراة، و  كتاب الله  مفعول ب  نبذ ، والمراد القرآن، لأن التكذيب به نبذ، وقيل المراد التوراة، لأن مخالفتها والكفر بما أخذ عليهم فيها نبذ، و  وراء ظهورهم  مثل( [(٣)](#foonote-٣) ) لأن ما يجعل ظهرياً فقد زال النظر إليه جملة، والعرب تقول جعل هذا الأمر وراء ظهره ودبر أذنه، وقال الفرزدق :
تميم بنَ مرٍّ لا تكونَنَّ حاجتي. . . بظهرٍ فلا يعيى عليَّ جوابُها( [(٤)](#foonote-٤) )
و  كأنهم لا يعلمون  تشبيه بمن لا يعلم( [(٥)](#foonote-٥) )، إذ فعلوا فعل الجاهل، فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم. 
١ - أي على الحال..
٢ - يقال في (لما) هذه: حرف وجوب لوجوب، وحرف وجود لوجود. قاله أهل اللغة، وذلك لأنها تقتضي جملتين وجدت ثانيهما عند وجود أولاهما..
٣ - يضرب لمن يستخف بالشيء فلا يعمل به. تقول العرب: اجعل هذا خلْف ظهرك ودبْر أذنك، أي اتركه وأعرض عنه..
٤ - أي لا تنسها وتجعلها وراء ظهرك، وفي بعض الروايات: فلا يخفى علي جوابها، وتميم بن زيد القيني: رجل من قضاعة، كان واليا على السند، وانظر سبب قول هذا البيت في الجزء الأول من لسان العرب رقم ٣٣٧، ويروي: تميم "بن مر"، وتميم "بن زيد"..
٥ - أي مع كونهم يعلمون من التوراة ما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي الكريم، ولكنهم لما لم يعملوا بعلمهم نزلوا منزلة من لايعلم..

### الآية 2:102

> ﻿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:102]

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( ١٠٢ )
وقوله تعالى : واتبعوا ما تتلو الشياطين  الآية، يعني اليهود، قال ابن زيد( [(١)](#foonote-١) ) والسدي : المراد من كان في عهد سليمان، وقال ابن عباس : المراد من كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل الجميع( [(٢)](#foonote-٢) )، و  تتلو  قال عطاء : معناه تقرأ من التلاوة( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال ابن عباس : تتلو  تتبع، كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضاً، وتتلو بمعنى تلت، فالمستقبل وضع موضع الماضي، وقال الكوفيون : المعنى ما كانت تتلو( [(٤)](#foonote-٤) )، وقرأ الحسن والضحاك :**«الشياطون »** بالواو. 
وقوله : على ملك سليمان  أي على عهد ملك سليمان، وقيل المعنى في ملك سليمان بمعنى في قصصه وصفاته وأخباره، وقال الطبري :
 اتبعوا  بمعنى فضلوا( [(٥)](#foonote-٥) )، و  على ملك سليمان  أي على شرعه ونبوته وحاله، والذي تلته الشياطين : قيل إنهم كان يلقون إلى الكهنة الكلمة من الحق معها المائة من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سليمان ودفنه تحت كرسيه، فلما مات قالت الشياطين : إن ذلك كان علم سليمان، وقيل : بل كان الذي تلته الشياطين سحراً وتعليماً فجمعه سليمان عليه السلام كما تقدم، وقيل إن سليمان عليه السلام كان يملي على كاتبه آصف بن برخيا علمه ويختزنه، فلما مات أخرجته الجن وكتبت بين كل سطرين سطراً من سحر ثم نسبت ذلك إلى سليمان، وقيل إن آصف تواطأ مع الشياطين على أن يكتبوا سحراً وينسبوه إلى سليمان بعد موته، وقيل إن الجن كتبت ذلك بعد موت سليمان واختلقته ونسبته إليه، وقيل إن الجن والإنس حين زال ملك سليمان عنه اتخذ بعضهم السحر والكهانة علماً، فلما رجع سليمان إلى ملكه تتبع كتبهم في الآفاق ودفنها، فلما مات قال شيطان لبني إسرائيل، هل أدلكم على كنز سليمان الذي به سخرت له الجن والريح، هو هذا السحر، فاستخرجته بنو إسرائيل وانبث فيهم، ونسبوا سليمان إلى السحر وكفروا في ذلك حتى برأه الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود : انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحراً. 
وقوله تعالى : وما كفر سليمان  تبرئة من الله تعالى لسليمان، ولم يتقدم في الآيات أن أحداً نسبه إلى الكفر، ولكنها آية نزلت في السبت المتقدم أن اليهود نسبته إلى السحر( [(٦)](#foonote-٦) )، والسحر والعمل به كفر( [(٧)](#foonote-٧) )، ويقتل الساحر عند مالك رضي الله عنه كفراً، ولا يستتاب كالزنديق، وقال الشافعي : يسأل عن سحره فإن كان كفراً استتيب منه فإن تاب وإلا قتل، وقال مالك : فيمن يعقد الرجال عن النساء يعاقب ولا يقتل، واختلف في ساحر أهل الذمة( [(٨)](#foonote-٨) ) فقيل : يقتل، وقال مالك : لا يقتل إلا إن قتل بسحره ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه بما لم يعاهد عليه، وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون من **«لكنّ »** ونصب الشياطين، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بتخفيف النون ورفع **«الشياطينُ »**، قال بعض الكوفيين : التشديد أحب اليّ إذا دخلت عليها الواو لأن المخففة بمنزلة بل، وبل لا تدخل عليها الواو، وقال أبو علي : ليس دخول الواو عليها معنى يوجب التشديد، وهي مثقلة ومخففة بمعنى واحد إلا أنها لا تعمل إذا خففت، وكفر الشياطين إما بتعليمهم السحر، وإما بعلمهم به، وإما بتكفيرهم سليمان به، وكل ذلك كان، والناس المعلمون أتباع الشياطين من بني إسرائيل، و  السحر  مفعول ثان ب  يعلمون ، وموضع  يعلمون  نصب على الحال، أو رفع على خبر ثان. 
وقوله تعالى : وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت  : ما  عطف على  السحر  فهي مفعولة( [(٩)](#foonote-٩) )، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتعبه ويؤمن من تركه، أو على قول مجاهد وغيره : إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر( [(١٠)](#foonote-١٠) )، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل إن  ما  عطف على  ما  في قوله : ما تتلو ، وقيل : ما  نافية، رد( [(١١)](#foonote-١١) ) على قوله : وما كفر سليمان ، وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى الله ذلك، وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى **«الملِكين »** بكسر اللام( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقال ابن أبزى : هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضاً ف  ما  نافية، وقال الحسن : هما علجان( [(١٣)](#foonote-١٣) ) كانا ببابل ملكين،  فما  على هذا القول غير نافية، وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال : هما  هاروت وماروت ، فهذا كقول الحسن. 
و  بابل  لا ينصرف للتأنيث والتعريف، وهي قطر من الأرض، واختلف أين هي ؟ فقال قوم : هي بالعراق( [(١٤)](#foonote-١٤) ) وما والاه، وقال ابن مسعود لأهل الكوفة : أنتم بين الحيرة وبابل، وقال قتادة : هي من نصيبين إلى رأس العين، وقال قوم : هي بالمغرب. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا ضعيف( [(١٥)](#foonote-١٥) )، وقال قوم : هي جبل دماوند( [(١٦)](#foonote-١٦) )، و  هاروت وماروت  بدل من 
 الملكين  على قول من قال : هما ملكان، ومن قرأ **«ملِكين »** بكسر اللام وجعلهما داود سليمان أو جعل الملكين جبريل وميكائل، جعل 
 هاروت وماروت  بدلاً من  الشياطين  في قوله  ولكن الشياطين كفروا ، وقال هما شيطانان، ويجيء  يعلمون  : إما على أن الاثنين جمع، وإما على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا علجين قال : هاروت وماروت  بدل من قوله  الملكين ، وقيل هما بدل من  الناس  في قوله  يعلمون الناس ، وقرأ الزهري  هاروتُ وماروتُ  بالرفع، وجهه البدل من  الشياطين  في قوله  تتلو الشياطين  أو من  الشياطين  الثاني على قراءة من خفف **«لكنْ »** ورفع، أو على خبر ابتداء مضمر تقديره هما  هاروت وماروت . 
وروى من قال إنهما ملكان أن الملائكة مقتت حكام بني إسرائيل وزعمت أنها لو كانت بمثابتهم من البعد عن الله( [(١٧)](#foonote-١٧) ) لأطاعت حق الطاعة، فقال الله لهم : اختاروا ملكين يحكمان بين الناس، فاختاروا هاروت وماروت، فكانا يحكمان، فاختصمت إليهما امرأة ففتنا بها فراوداها، فأبت حتى يشربا الخمر ويقتلا، ففعلا، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه، فتكلمت به فعرجت، فمسخت كوكباً فهي الزهرة، وكان ابن عمر يلعنها( [(١٨)](#foonote-١٨) ). 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا كله ضعيف وبعيد ابن عمر رضي الله عنهما، وروي أن الزهرة نزلت إليهما في صورة امرأة من فارس فجرى لهما ما ذكر، فأطلع الله عز وجل الملائكة على ما كان من هاروت وماروت، فتعجبوا، وبقيا في الأرض لأنهما خُيِّرا بين عذاب الآخرة وعذاب الدنيا فاختارا عذاب الدنيا، فهما في سرب من الأرض معلقين يصفقان بأجنحتهما، وروت طائفة أنهما يعلمان السحر في موضعهما ذلك، وأخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا له : إنما نحن فتنة فلا تكفر . 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا القصص يزيد في بعض الروايات وينقص في بعض، ولا يقطع منه بشيء، فلذلك اختصرته. 
ذكر ابن الأعرابي( [(١٩)](#foonote-١٩) ) في الياقوتة أن  يعلمان  بمعنى يعلمان ويشعران كما قال كعب بن زهير \[ الطويل \]. 
تَعَلَّمْ رسولَ اللَّهِ أنَّك مدركي. . . وأنّ وعيداً منك كالأخذِ باليدِ
وحمل( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) هذه الآية على أن الملكين إنما نزلا يعلمان الناس بالسحر وينهيان عنه، وقال الجمهور : بل التعليم على عرفه، و **«لا تكفر »** قالت فرقة : بتعلم السحر، وقالت فرقة : باستعماله، وحكى المهدوي أن قولهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر  استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله، و  من  في قوله  من أحد  زائدة بعد النفي. 
وقوله تعالى : فيتعلمون  : قال سيبويه : التقدير فهم يتعلمون، وقيل هو معطوف على قوله  يعلمون الناس ، ومنعه الزجاج( [(٢١)](#foonote-٢١) )، وقيل : هو معطوف على موضع  وما يعلمان  لأن قوله  وما يعلمان  وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الإيجاب في التعليم( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وقيل التقدير فيأتون فيتعلمون( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، واختاره الزجاج، والضمير في  يعلمان  هو لهاروت وماروت الملكين أو الملكين العلجين على ما تقدم، والضمير في  منهما  قيل : هو عائد عليهما، وقيل : على  السحر  وعلى الذي أنزل على الملكين، و  يفرقون  معناه فرقة العصمة، وقيل معناه : يؤخِّذون( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على وطئها فهي أيضاً فرقة. 
وقرأ الحسن والزهري وقتادة :**«المرءِ »** براء مكسورة خفيفة، وروي عن الزهري تشديد الراء، وقرأ ابن أبي إسحاق **«المُرء »** بضم الميم وهمزة وهي لغة هذيل، وقرأ الأشهب العقيلي **«المِرء »** بكسر الميم وهمزة، ورويت عن الحسن، وقرأ جمهور الناس **«المَرء »** بفتح الميم وهمزة، والزوج هنا امرأة الرجل، وكل واحد منهما زوج الآخر، ويقال للمرأة زوجة قال الفرزدق. \[ الطويل \]
وإن الذي يسعى ليفسِدَ زوجتي. . . كساعٍ إلى أُسْد الشرى يسْتبيلها
وقرأ الجمهور **«بضارين به »**، وقرأ الأعمش **«بضاري به من أحد »** فقيل : حذفت النون تخفيفاً، وقيل : حذفت للإضافة إلى  أحد  وحيل بين المضاف والمضاف إليه بالمجرور( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )، و  بإذن الله ( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) معناه. بعلمه وتمكينه، و  يضرهم  معناه في الآخرة  ولا ينفعهم  فيها أيضاً، وإن نفع في الدنيا بالمكاسب فالمراعى إنما هو أمر الآخرة، والضمير في  علموا  عائد على بني إسرائيل حسب الضمائر المتقدمة، وقيل : على  الشياطين ، وقيل على  الملكين  وهما جمع( [(٢٧)](#foonote-٢٧) )، وقال  اشتراه  لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أن يعلموا، والخلاق النصيب والحظ، وهو هنا بمعنى الجاه والقدر، واللام في قوله  لمن  المتقدمة للقسم المؤذنة بأن الكلام قسم لا شرط، وتقدم القول في **«بئسما »**( [(٢٨)](#foonote-٢٨) )، و  شروا  معناه باعوا، وقد تقدم مثله، والضمير في  يعلمون  عائد على بني إسرائيل باتفاق، ومن قال إن الضمير في  علموا  عائد عليهم خرج هذا الثاني على المجاز( [(٢٩)](#foonote-٢٩) )، أي لما عملوا عمل من لا يعلم كانوا كأنهم لا يعلمون، ومن قال إن الضمير في  علموا  عائد على  الشياطين  أو على  الملكين  قال : إن أولئك علموا أن لا خلاق لمن اشتراه وهؤلاء لم يعلموا فهو على الحقيقة، وقال مكي : الضمير في  علموا  لعلماء أهل الكتاب( [(٣٠)](#foonote-٣٠) )، وفي قوله ١ - وفي بعض النسخ زيادة و"السدي"..
٢ - أي جميع اليهود في أي عهد كانوا..
٣ - وقال الراغب الأصبهاني: تتلوا بمعنى تكذب وتخْتلق، يقال: تلا عليه إذا كذب، وتلا عنه إذا صدق. ومنه: "قال عليه"، نحو: (ويقولون على الله الكذب)، والآية تنطوي على ذم اليهود في تعاطي السحر، وإيثاره، وتبرئة سليمان عليه السلام مما نسبوه إليه، وفي الآية أنهم اتبعوا ما روته الشياطين على ملك سليمان، وأخذوا السحر وبرعوا فيه، وتركوا الحق وراءهم وزعموا أن السحر تراث عن الملائكة والأنبياء، والقرآن ينفي تهمة السحر عن الأنبياء والملائكة، و ينسبه إلى الشياطين، والشياطين تطلق على شياطين الجن وشياطين الإنس..
٤ - لا يريدون بذلك أن صلة (ما) محذوفة وتتلوا خبر كانت، وإنما يريدون أن المضارع وقع موقع الماضي، كما تقول: كان زيد يقوم، فإنه إخبار بقيام زيد وهو ماض لدلالة كان عليه..
٥ - لأن من اتبع شيئا فقد فضله على غيره، وهذا الاتباع نوع من أنواع قبائحهم ومخازيهم التي كانوا عليها، ولذلك كانت هذه الجملة نسقا على الجملة قبلها وهي: (ولما جاءهم رسول من عند الله) الخ....
٦ - آنفا حيث قال اليهود: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرا، أي والساحر كافر، فنسبته إلى السحر نسبة إلى الكفر، فلذلك كان قول الله تعالى: (وما كفر سليمان) تبرئة له، ودلالة على أن السحر كفر. والسحر له حقيقة، وله أثر، ولا ينكر هذا متعصب، كيف وهو علم ويتعلم كما في القرآن؟، وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يخيل له أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه، حتى شفاه الله تبارك وتعالى، وبعض الناس ينكرون هذا الحديث ولا يلتفتون إليه، ولله الأمر من قبل ومن بعد..
٧ - يؤخذ من القرآن أمور ثلاثة: أن السحر كفر أو مؤد إلى الكفر، لقوله تعالى: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) الآية، وأن الضرر المراد إلحاقه بالمسحور لا يتحقق إلا إذا كان قدرا مقدورا، لقوله تعالى: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله). وأن بني إسرائيل برعوا في السحر الذي أخذوه من الشياطين، لقوله تعالى: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه)..
٨ - في بعض النسخ أهل الذمة وهي أوضح..
٩ - فيه أن العطف يقتضي المغايرة..
١٠ - أي نوعا خاصا من السحر وهو الذي يفرق بين المجتمعين والمتحدين كالزوجين، لا السحر بمعناه العام..
١١ - أي عطف على قوله وما كفر سليمان..
١٢ - قراءة شاذة. وابن أبزي هو عبد الرحمن بن أبزي الكوفي – روى عن أبي، وعن عمر بن الخطاب..
١٣ - العلج: الرجل القوي الضخم، وعلى هذا فالإنزال ليس معناه الإيحاء، بل معناه القذف في قلوبهما، والله أعلم..
١٤ - على شاطئ نهر الفرات..
١٥ - هو كذلك لأن هذا الاسم مشهور بالمشرق دون المغرب..
١٦ - ويقال: دنباوند، ويقال: دنياوند، ويقال: نهاوند، راجع البكري في معجمه، وابن خلكان في تاريخه..
١٧ - لعله تعليل لقوله: (مقتت)، أي مقتتهم بسبب بعدهم عن الله بارتكاب المعاصي والمآسي في الأرض، والحقيقة أنه لم يتضح لنا المعنى الذي يقصده المؤلف بقوله: (من البعد عن الله)..
١٨ - هذه الرواية غريبة وبعيدة وهي من تلفيقات اليهود وخرافاتهم، وقد أبطلها الإمام الرازي من عدة وجوه. والذي تحرر لنا في هذا المقام بعد أبحاث تناولت عدة مصادر من التفسير وغيره، هو ما حققه العلامة المرحوم القاسمي في تفسيره متجاوزا التكلفات والتعسفات التي ارتكبها بعض أئمة التفسير، ونصه: "والذي ذهب إليه المحققون، أن هاروت وماروت كانا رجلين يتظاهران بالتقوى والصلاح في بابل، وكانا يعلمان الناس السحر، وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء، وما يعلمانه للناس هو بوحي من الله، وبلغ مكر هذين الرجلين ومحافظتهما على اعتقاد الناس الحسن فيهما أنهما صارا يقولان لكل من أٍراد أن يتعلم منهما: إنما نحن فتنة فلا تكفر، أي إنما نحن أولو فتنة نبلوك ونختبرك، أتشكر أم تكفر؟، وننصح لك ألا تكفر، يقولان ذلك ليوهما الناس أن علومهما إلهية، وصناعتهما روحانية، وأنهما لا يقصدان إلا الخير كما يفعل ذلك دجاجلة هذا الزمان، قائلين لمن يعلمهم الكتابة للمحبة والبغض على زعمهم: نوصيك ألا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجل غير زوجها، إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء، ولليهود في ذلك خرافات كثيرة، حتى أنهم يعتقدون أن السحر نزل عليهما من الله، وأنهما ملكان جاءا لتعليمه للناس، فجاء القرآن مكذبا لهم- في دعواهم نزوله من السماء- وفي ذم السحر ومن يتعمله أو يُعلِّمه: فقال: (يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين) الآية و(ما) نافية على أصح الأقوال، ولفظ (الملكين) هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس في ذلك الوقت، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين عن تاريخ اليونان والمصريين، وكما يرد في كلام المسلم في الرد على المسيحيين ذكر تجسد الإله وصلبه، وإن كان لا يعتقد ذلك. وقوله تعالى: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم مجتمع كالمرء وزوجه- والخلاصة: أن معنى الآية من أولها إلى آخرها هكذا: إن اليهود كذبوا القرآن، ونبذوه وراء ظهورهم، واعتاضوا عنه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه، وزعموا أنه كفر، وهو لم يكفر، ولكن شياطينهم هو الذين كفروا، وصاروا يعلمون الناس السحر، ويدعون أنه أنزل على هاروت وماروت اللذين سموهما ملكين ولم ينزل عليهما شيء، وإنما كانا رجلين يدعيان الصلاح لدرجة أنهما كانا يوهمان الناس أنهما لا يقصدان إلا الخير، ويحذرانهم من الكفر، وبلغ من أمر ما يتعلمونه منهما من طرق الحيل والدهاء أ، هم يفرقون بين المجتمعين، ويحلون به عقد المتحدين –فأنت ترى من هذا أن المقام كله للذم، فلا يصح أن يرد فيه مدح هاروت وماروت –والذي يدل على صحة ما قلناه فيهما أن القرآن أنكر نزول أي ملك إلى الأرض ليعلم الناس شيئا من عند الله غير الوحي إلى الأنبياء، ونص نصا صريحا أن الله لم يرسل إلا الإنس لتعليم بني نوعهم فقال: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقال منكرا على من طلب إنزال الملك: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون)" انتهى.
 القصة المذكورة لهاروت وماروت على اختلاف رواياتها غير صحيحة. قال القاضي عياض رحمه الله: "وأما ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت، وما روي عن علي، وابن عباس رضي الله عنهما في خبرهما وابتلائهما، فاعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم يرو منها سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو شيئا يؤخذ بقياس، والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثيبر من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم كما قصه الله أول الآيات". انتهى، وقال أيضا: "وما يذكر في قصتهما مع الزهرة كله ضعيف"، وكذلك قال ابن عطية رحمه الله. وقال الحافظ ابن كثير: "وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، وغيرهم- وقصها خلق من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس في ها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى- وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال". انتهى
 من هذه الأقوال تعرف الصواب في هذه القصة وتستطيع أن تعرف رأي ابن عطية في عبارته التالية، وهي تقطع بضعف هذه الأسطورة..
١٩ - هو أبو عبد الله محمد بن زياد، إمام من أئمة اللغة، وراوية ثقة لأشعار القبائل –كان رأسا في الكلام الغريب، كوفي المذهب- توفي سنة ٢٣١هـ..
٢٠ - عطف على قوله: ذكر ابن الأعرابي. بمعنى أنهم يقولان لمن يطلعانه على صفات السحر وكيفياته: لا تكفر باستعماله، ولا تعدل عن الغرض في إعلامك به، فإنك إنما أعلمت به لتجتنبه لا لتفعله- ولا يكون تعلم السحر على هذا التأويل كفرا ومعصية، بل هو من باب قول أبي نواس: 
 عرفــــت الشر لا للشر لكن لــتـوقــيه
 فمن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه.
٢١ - سبب المنع هو لفظ في (يعلمون)، وقد قال (فيتعلمون منهما) بالتثنية..
٢٢ - لأن معناه أنهما يعلمان السحر إذا قالا للمتعلم: (إنما نحن فتنة فلا تكفر)..
٢٣ - إشارة إلى أنه معطوف على ما يوحيه معنى الكلام عند قوله: (فلا تكفر)..
٢٤ - يقال: أخذه تأخيذا بمعنى سحره، والأخذة هي الرقية. ويقال: إن التأخيذ هو حبس الزواجر أزواجهن عن غيرهم من النساء، وقد روي أن امرأة قالت للسيدة عائشة: أؤأخذ جملي (تعني زوجها)؟ فقالت: نعم..
٢٥ - هذا ما اختاره جار الله الزمخشري، ثم استشكله بقوله: كيف الإضافة إلى (أحد) وهو مجرور بمن؟ وأجاب بأن الجار جزء من المجرور- وناقشه أبو (ح) بأن الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف من ضرورات الشعر، وبأنه ليس هناك مضاف إليه، فإن (أحذ) مشغول بمن فهو المؤثر فيه- وبأن جزء الشيء لا يؤثر في الشيء، و(من) مُؤثر في (أحد) وعامل فيه فالأولى أن حذف النون للتخفيف، راجع "البحر المحيط" ١/٣٣٢..
٢٦ - الإذن في الشيء من الله ضربان: أحدهما الإذن لقاصد الفعل في مباشرته، والثاني الإذن في تسخير الشيء على وجه تسخير السم في قتله من يتناوله، فإذن الله تعالى في وقوع التسخير وتأثيره من القبيل الثاني، وذلك هو المشار إليه بالقضاء- وعلى هذا يقال: الأشياء كلها بإذن الله وقضائه، ولا يقال: الأشياء كلها بأمره ورضاه، قاله الراغب الأصبهاني..
٢٧ - أي والتثنية جمع..
٢٨ - أي لدى قوله تعالى: \[بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله\] الآية..
٢٩ - والمعنى: ولقد علم اليهود من التوراة أن من اشترى السحر لا نصيب له في الآخرة ولبئس ما باعوا به أنفسهم السحر لو كانوا يعقلون، أو لو كانوا يعلمون بعلمهم، وإذا انتفى العقل انتفى العلم، لأنه من ثمرته، كما أنه إذا انتفى العمل الذي هو ثمرة العلم انتفى العلم، ونزل صاحبه منزلة الجاهل- والحاصل أن الضمير في (علموا) مختلف فيه، والضمير في (يعلمون) متفق عليه..
٣٠ - أي الذين علموا السحر..

### الآية 2:103

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:103]

وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( ١٠٣ )
وقوله تعالى : ولو أنهم آمنوا  : موضع **«أن »** رفع، المعنى لو وقع إيمانهم، ويعني الذين اشتروا السحر،  ولو  تقتضي جواباً، فقالت فرقة جوابها  لمثوبة ، لأنها مصدر للمضي والاستقبال، وجواب  لو  لا يكون إلا ماضياً أو بمعناه، وقال الأخفش : لا جواب ل  لو  في هذه مظهراً ولكنه مقدر، أي لو آمنوا لأثيبوا. 
وقرأ قتادة وأبو السمال وابن بريدة **«لمثْوَبة »** بسكون الثاء وفتح الواو، وهو مصدر أيضاً كمشورة ومشورة، ومثوبة رفع بالابتداء و  خير  خبره والجملة خبر ان، والمثوبة عند جمهور الناس بمعنى الثواب والأجر، وهذا هو الصحيح، وقال قوم : معناه الرجعة إلى الله من ثاب يثوب إذا رجع، واللام فيها لام القسم( [(١)](#foonote-١) ) لأن لام الابتداء مستغنى عنها، وهذه لا غنى عنها، وقوله تعالى : لو كانوا يعلمون  يحتمل نفي العلم عنهم، ويحتمل أن يراد : لو كانوا يعلمون علماً ينفع. 
١ - أي: وليست ابتدائية والتقدير: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، والله (لمثوبة من عند الله خير)، الآية..

### الآية 2:104

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:104]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ١٠٤ )
وقرأ جمهور الناس **«راعِنا »** من المراعاة بمعنى فاعلنا( [(١)](#foonote-١) ) أي أرعنا نرعك، وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على التأويل، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي صلى الله عليه وسلم : وقالت طائفة : هي لغة كانت الأنصار تقولها، فقالها رفاعة( [(٢)](#foonote-٢) ) بن زيد بن التابوت للنبي صلى الله عليه وسلم ليّاً بلسانه وطعناً كما كان يقول : اسمع غير مسمع، فنهى الله المؤمنين أن تقال هذه اللفظة. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ووقف هذه اللغة على الأنصار تقصير، بل هي لغة لجميع العرب فاعل من المراعاة. فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل، وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحاً ؛ وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً( [(٣)](#foonote-٣) ). وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن أبي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة **«راعناً »** بالتنوين( [(٤)](#foonote-٤) )، وهذه من معنى الجهل، وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة( [(٥)](#foonote-٥) ) لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون **«راعنا »** دون تنوين، وفي مصحف ابن مسعود **«راعونا »**، وهي شاذة، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم كما تخاطب الجماعة، يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولاً من الرعونة. 
و  انظُرنا  مضمومة الألف والظاء معناها انتظرنا وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون المعنى تفقدنا من النظر، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم على المعنيين، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال( [(٦)](#foonote-٦) )، وهذا هو معنى  راعنا ، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود، وقرأ الأعمش وغيره **«أنظِرنا »** بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك. 
ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة( [(٧)](#foonote-٧) )، واعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذاباً أليماً، وهو المؤلم،  واسمعوا  معطوف على  قولوا  لا على معمولها. 
١ - اللام الساكنة عبارة عن الياء المحذوفة للأمر..
٢ - أحد اليهود..
٣ - ذلك لأن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس بنسخ عند الأصوليين، ولذلك عرفوا النسخ بقولهم: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، والمباح بحكم الأصل والعادة الجارية قبل الشرع لا يعتبر حكما شرعا..
٤ - هي قراءة شاذة لا يؤخذ بها، وكذلك قراءة (راعوناً) بالتنوين، وإذا نهينا عن راعنا بدن تنوين فكيف براعناً و راعوناً بالتنوين..
٥ - سد الذريعة باب من أبواب الشريعة، فكلمة (راعناً) كان المسلمون يقولونها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي من المراعاة من دون أن يقصد بها المساواة، فأخذها اليهود كرفاعة ابن زيد وخاطبوا بها النبي صلى الله عليه وسلم بقصد النقيصة، فنهى الله المؤمنين عن هذا القول وإن كان مباحا سدا للباب على الملاعين في الألفاظ التي تحتمل السب والنقص، فالقضية من باب سد الذريعة لا من باب نسخ فعل سابق..
٦ - أي نظر البصر والبصرة، قال أهل اللغة: نظر يتعدى إلى المبصرات بنفسه وإلى المعاني بفي، فعلى الأول معناه: تفقدنا بنظرك، وعلى الثاني معناه: انظر في أمرنا، و يقال: نظر بمعنى انتظر، ويؤيد هذا المعنى قراءة الأعمش: أنظرنا بقطع الهمزة، أي أخرنا وأمهلنا حتى نفهم منك ونتلقى عنك..
٧ - وهو سماع القلب ليذعن للحق، ويطيع أوامره ونواهيه..

### الآية 2:105

> ﻿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [2:105]

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ  ( ١٠٥ )
التقدير ولا من المشركين، وعم الذين كفروا ثم بيّن أجناسهم من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان ليبين في الألف واللام في  الذين  أنها ليست للعهد يراد بها معين، ومعنى الآية أن ما أمرناكم به من أن تعظموا نبيكم خير من الله منحكم إياه، وذلك لا يودّه الكفار. ثم يتناول اللفظ كل خير غير هذا، و  أن  مع الفعل بتأويل المصدر، و  من  زائدة في قول بعضهم، ولما كان ود نزول الخير منتفياً، قام ذلك مقام الجحد الذي يلزم أن يتقدم  من  الزائدة على قول سيبويه والخليل( [(١)](#foonote-١) )، وأما الأخفش فيجيز زيادتها في الواجب، وقال قوم : من  للتبعيض ؛ لأنهم يريدون أن لا ينزل على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير، ولو زال معنى التبعيض لساغ لقائل أن يقول : نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره أن ينزل بعض، فإذا نفي ود نزول البعض فذلك أحرى في نزول خير كامل( [(٢)](#foonote-٢) )، والرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً، وقال قوم : الرحمة هي القرآن، وقال قوم : نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه أجزاء الرحمة العامة التي في لفظ الآية. 
١ - يعني أن نفي ود النزول كنفي النزول مباشرة..
٢ - أي في نفي نزول خير كامل..

### الآية 2:106

> ﻿۞ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:106]

مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٠٦ )
وقوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها  الآية( [(١)](#foonote-١) )، النسخ في كلام العرب على وجهين : أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر، والثاني الإزالة، فأما الأول فلا مدخل له في هذه الآية، وورد في كتاب الله تعالى في قوله تعالى : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ( [(٢)](#foonote-٢) ) 
\[ الجاثية : ٢٩ \]، وأما الثاني الذي هو الإزالة فهو الذي في هذه الآية، وهو منقسم في اللغة على ضربين : أحدهما يثبت الناسخ بعد المنسوخ( [(٣)](#foonote-٣) ) كقولهم نسخت الشمس الظل، والآخر لا يثبت كقولهم **«نسخت الريح الأثر »**، وورد النسخ في الشرع حسب هذين الضربين، والناسخ حقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخاً( [(٤)](#foonote-٤) ) إذ به يقع النسخ، وحد الناسخ عند حذاق أهل السنة : الخطاب( [(٥)](#foonote-٥) ) الدال على ارتفاع الحكم الثابت، بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه. ( [(٦)](#foonote-٦) )
والنسخ جائز على الله تعالى عقلاً لأنه ليس يلزم عنه محال ولا تغيير صفة من صفاته تعالى، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت، ولا النسخ لطروّ علم، بل الله تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول ويعلم نسخه بالثاني. والبداء( [(٧)](#foonote-٧) ) لا يجوز على الله تعالى لأنه لا يكونه إلا لطروّ علم أو لتغير إرادة، وذلك محال في جهة الله تعالى، وجعلت اليهود النسخ والبداء واحداً، ولذلك لم يجوزوه فضلُّوا. 
والمنسوخ عند أئمتنا : الحكم الثابت نفسه : لا ما ذهبت إليه المعتزلة، من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل( [(٨)](#foonote-٨) )، والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة( [(٩)](#foonote-٩) )، وأن الحسن صفة نفسية للحسن، ومراد الله تعالى حسن، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ترتبط بالإرادة، وعلى أن الحسن القبح في الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نفسية. ( [(١٠)](#foonote-١٠) )
والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به( [(١١)](#foonote-١١) )، لأن المخصص لم يتناوله العموم قط، ولو ثبت قطعاً تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخاً لا تخصيصاً. والنسخ لا يجوز في الإخبار، وإنما هو مختص بالأوامر والنواهي( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وردّ بعض المعترضين الأمر خبراً بأن قال : أليس معناه :**«واجب عليكم أن تفعلوا كذا »** ؟ فهذا خبر، والجواب أن يقال : إن في ضمن المعنى إلا أن أنسخه عنكم وأرفعه، فكما تضمن لفظ الأمر ذلك الإخبار كذلك تضمن هذا الاستثناء. 
وصور النسخ تختلف، فقد ينسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وقد ينسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وقد ينسخ المثل بمثلة ثقلاً وخفة كالقبلة، وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى، والنسخ التام أن تنسخ التلاوة والحكم وذلك كثير، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه :**«كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر »**، وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم، وقد ينسخ الحكم دون التلاوة كصدقة النجوى، وكقوله تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ الممتحنة : ١١ \]، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نسخ أحدهما دون الآخر. 
وينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي، وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد، وهذا كله متفق عليه، وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة( [(١٧)](#foonote-١٧) )، وذلك موجود في قوله صلى الله عليه وسلم :**«لا وصية لوارث »**، وهو ظاهر مسائل مالك رحمه الله، وأبى ذلك الشافعي رحمه الله، والحجة عليه من قوله إسقاطه الجلد في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم، فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة. فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حذاق الأئمة على أن السنة تنسخ بالقرآن، وذلك موجود في القبلة فإن الصلاة إلى الشام لم تكن قط في كتاب الله، وفي قوله تعالى : فلا ترجعوهن إلى الكفار ( [(١٨)](#foonote-١٨) ) \[ الممتحنة : ١٠ \]، فإن رجوعهن إنما كان يصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش، والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلاً( [(١٩)](#foonote-١٩) )، واختلفوا هل وقع شرعاً، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء في التحول إلى القبلة( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وأبى ذلك قوم، ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس أن لا يخالف نصاً، وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته واستقرار الشرع فأجمعت أنه لا نسخ. 
ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد النبي صلى عليه وسلم، فإذا وجدنا إجماعاً يخالف نصاً فنعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن. 
وقال بعض المتكلمين :**«النسخ الثابت متقرر في جهة كل أحد علم الناسخ أو لم يعلمه »**، والذي عليه الحذاق أنه من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول، فإذا بلغه الناسخ طرأ عليه حكم النسخ، والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في كتاب الله تعالى في قصة الذبيح. 
وقرأ جمهور الناس **«ما نَنْسخ »** بفتح النون، من نسخ، وقرأت طائفة **«نُنسخ »**، بضم النون من **«أنسخ »**، وبها قرأ ابن عامر وحده من السبعة، قال أبو علي الفارسي : ليست لغة لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى، لا هي للتعدية لأن( [(٢١)](#foonote-٢١) ) المعنى يجيء ما نكتب من آية أي ما ننزل فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً، وليس الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخاً، كما تقول : أحمدت الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محموداً أو بخيلاً، قال أبو علي : وليس نجده منسوخاً إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله : وقد خرج قرأة هذه القرءاة المعنى على وجهين( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) أحدهما أن يكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في  منها  و 
 مثلها  عائدين على الضمير في  ننسأها ( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، والمعنى الآخر أن يكون  ننسخ  من النسخ بمعنى الإزالة ويكون التقدير ما ننسخك أي نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخها الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخاً، و  ما  شرطية وهي مفعولة ب  ننسخ ، و  ننسخ  جزم بالشرط. 
واختلف القراء في قراءة قوله  ننسها ، فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم وابن عامر وجمهور من الناس **«نُنْسِها »** بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين وترك الهمزة، وهذه من أنسى المنقول من نسي، وقرأت ذلك فرقة كما تقدم إلا أنها همزت بعد السين، فهذه بمعنى التأخير، تقول العرب أنسأت الدين وغيره أنسؤه إنساء إذا أخرته، وقرأت طائفة **«أو نَنْسَها »** بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح السين، وهذه بمعنى الترك، ذكرها مكي ولم ينسبها، وذكرها أبو عبيد البكري في كتاب اللآلي( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وهمَ، وقرأ سعد بن أبي وقاص( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ) ****«أو تُنْسَها »**** بتاء على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ونون بعدها ساكنة وفتح السين، هكذا قال أبو الفتح وأبو عمرو الداني، فقيل لسعد إن سعيد بن المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، وتلا
 سنقرئك فلا تنسى ( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) \[ الأعلى : ٦ \]،  واذكر ربك إذا نسيت ( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ) \[ الكهف : ٢٤ \]، وقرأ سعيد بن المسيب فيما ذكر عنه أيضاً ****«أو تُنْسَها »**** بضم التاء أولاً وفتح السين وسكون النون بينهما، وهذه من النسيان، وقرأ الضحاك بن مزاحم وأبو رجاء **«نُنَسِّها »** بضم النون الأولى وفتح الثانية وسين مكسورة مشددة، وهذه أيضاً من النسيان. 
وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وإبراهيم النخغي وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعبيد ابن عمير وابن كثير وأبو عمرو **«نَنْسَأها »** بنون مفتوحة وأخرى بعدها ساكنة وسين مفتوحة وألف بعدها مهموزة، وهذه من التأخير، تقول العرب : نسأت الإبل عن الحوض أَنْسَؤُها نَسْأَ أي أخرتها، وكذلك يقال : أنسأ الإبل إذا زاد في ظمئها يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك بمعنى أخرها عن الورد، وقرأت فرقة مثل هذه القراءة إلا أنها بتاء مفتوحة أولاً على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وإسناد الفعل إليه، وقرأ أبو حيوة مثل ذلك إلا أنه ضم التاء أولاً، وقرأ أبي بن كعب **«أو نُنْسِك »** بضم النون الأولى وسكون الثانية وسين مكسورة وكاف مخاطبة، وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة **«أو ننسكها »** مثل قراءة أبيّ إلا أنه زاد ضمير الآية. 
وقرأ الأعمش **«ما ننسك من آية أو ننسخها نجىء بمثلها »** وهكذا ثبتت في مصحف عبد الله بن مسعود. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذه القراءات( [(٢٨)](#foonote-٢٨) ) لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النسء أو الإنساء بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان. 
والنسيان في كلام العرب يجيء في الإغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك، فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان( [(٢٩)](#foonote-٢٩) ) الذي هو ضد الذكر. 
فمعنى الآية : ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب فإنا نأتي بما هو خير منها لكم أو مثله في المنفعة. 
وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان :
أحدها : ما ننسخ على وجوه النسخ( [(٣٠)](#foonote-٣٠) ) أو نترك غير منزل عليك فإنا لا بد أن ننزل رفقاً بكم خيراً من ذلك أو مثله حتى لا ينقص الدين عن حد كماله. 
والمعنى الثاني أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا رفع التلاوة والحكم( [(٣١)](#foonote-٣١) ). 
والمعنى الثالث أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته فالنسخ أيضاً، على هذا رفع التلاوة والحكم. 
والمعنى الرابع أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة، فالنسخ على هذا المعنى هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في  منها أو مثلها  عائدين على المنسوخة فقط( [(٣٢)](#foonote-٣٢) )، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها. 
وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك، أولها ما ننسخ أو نؤخر إنزاله( [(٣٣)](#foonote-٣٣) )، والثاني ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته، والثالث ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه، والرابع ما ننسخ أو نؤخره مثبتاً لا ننسخه( [(٣٤)](#foonote-٣٤) )، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك( [(٣٥)](#foonote-٣٥) )، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها لأنها تحتمل، وقد قال **«جميعها »** العلماء إما نصاً وإما إشارة فكملناها. 
وقال الزجاج : إن القراءة **«أو نُنْسِها »** بضم النون وسكون الثانية وكسر السين لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يقال أنسأ بمعنى ترك، وقال أبو علي وغيره : ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها( [(٣٦)](#foonote-٣٦) )، وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال : إن هذا لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ولا نسي قرآناً، وقال أبو علي وغيره : ذلك جائ١ - هذه آية عظيمة من آيات الأحكام، تتناول النسخ في شريعة الإسلام، وترد على من ينكره من اليهود وأشباههم- ولمعرفة الناسخ والمنسوخ مقام كبير، لما يترتب على من ينكره من اليهود وأشباههم- ولمعرفة الناسخ والمنسوخ مقام كبير، لما يترتب على ذلك من وضع الأحكام في مواضعها، ولذلك حذر علماء الإسلام من الجهل به والخطأ فيه، ومن المعقول أن التبدل في الكائنات ناموس طبيعي، فهذه الخلية الإنسانية تتنقل في أطوار وأحوال كل واحد منها ينسخ ما قبلها، وإذا كان هذا النسخ موجودا في الكائنات فكيف يستنكر إبدال حكم سابق بحكم لاحق في أمة هي في حال نمو وتدرج من أدنى إلى أرقى؟ وفوق ذلك فالله قادر على كل شيء، ومالك لكل شيء، يفعل ما يريد، ويحكم كما يشاء، فالنسخ يهيء النفوس لما هو أرقى وأسمى..
٢ - أي: نأمر بنسخه وإثباته. وهي من الآية ٢٩ من سورة الجاثية..
٣ - أي يقوم مقامه ويحل محله..
٤ - أي مجازا لأنه سبب النسخ..
٥ - يخرج عن الخطاب القياس والإجماع، فإنهما لا ينسخان ولا ينسخ بهما- ويشمل الخطاب سائر الدلالات، وقوله: على وجه أي مغاير للخطاب السابق، ولولا ذلك الوجه لكان الحكم السابق ثابتا وقائما..
٦ - قيد في الناسخ، إذ لو كان متصلا بالمنسوخ لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا له، أو لكان آخر الكلام يرفع أوله..
٧ - البداء بفتح الباء والمد: اسم من بدا له في الأمر: ظهر له ما لم يظهر أولا، والفرق بين النسخ والبداء أن الحكم الثاني معلوم عند الحكم الأول في النسخ، وفي البداء إنما ظهر في ثاني حال..
٨ - تعرض ابن عطية رحمه الله لمباحث جليلة لها علاقة بالنسخ، ولأقسام النسخ والنسء لأن من الآيات ما هو من قبيل المنسوخ، ومنها ما هو من قبيل المنسوء، كما قال تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) والأولى بهذه المباحث علم الأصول. ولهذا لم يتكلم أبو (ح) في حقيقة النسخ كما فعل ابن عطية، وأما القرطبي فقد نقل كلام ابن عطية في الموضوع..
٩ - فقد يأمر الله بالشيء و لا يريده، وفي جمع الجوامع: "والأمر غير الإرادة خلافا للمعتزلة"..
١٠ - يعني أن الحُسن والقبح في الأحكام إنما يدرك بالشرع، وليس صفة ذاتية تُدرك بمجرد العقل..
١١ - كثيرا ما يتوسعون في تسمية التخصيص نسخا، وبذلك وسعوا دائرة النسخ، ولو كانوا يتحرون في التسمية لما اتسع ذلك، والحق أن النسخ بمعناه الخاص قليل جدا، وقد أوضح ابن عطية رحمه الله الفرق بين التخصيص والنسخ، والنسخ في اصطلاح السلف أعم منه في اصطلاح الخلف، وهذا أبو مسلم الصبهاني المعتزلي يسمي النسخ تخصيصا، وقال أبو اسحق الشاطبي في الموافقات: "الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق وتخصيص العام- بدليل متصل أو منفصل- نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي- بدليل شرعي متأخر- نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد وهو بيان المراد". انتهى..
١٢ - الخبر الحقيقي لا يدخله نسخ سواء كان مما يتغير كإيمان زيد وكفر عمرو أو مما لا يتغير كالإخبار بوجود الله وصفاته، وأما نسخ تلاوة الخبر، أو نسخ تكليفنا به، كما إذا كلفنا بأن نخبر بشيء ثم ورد نسخ التكليف بذلك- فكل من هذين جائز، لأنه من التكليف فيدخله النسخ، وكذلك الخبر الذي يتضمن الأمر فإنه يدخل النسخ، وابن عطية رحمه الله أطلق القول ولم يقيد، ونحوه قول أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره هنا حيث قال: **«واعلم أن النسخ إنما يعرض للأوامر والنواهي دون الأخبار، لأن الخبر إذا نسخ صار المخبر كاذبا»**. انتهى..
١٣ - أي نسخ قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) الآية، بقوله تعالى: (الآن خفف الله عنهك و علم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) الآية..
١٤ - نسخ صيام عاشوراء برمضان موجود في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، والأيام المعدودة في قول ابن عباس هي ثلاثة أيام من كل شهر، وكان ذلك في أول الإسلام..
١٥ - نسخ هذا الحكم، وصرنا بعده لا نعطي الذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار شيئا، بل ننتظر، فإن عثرنا عليها استتبناها، فإن تابت وإلا قُتلت، وكذلك التي فرت إلينا لا نعطي الكفار شيئا. والآية هي رقم ١١ من سورة الممتحنة..
١٦ - يريد (والله أعلم) أن السنة المتواترة تنسخ بالسنة المتواترة..
١٧ - قال مختصره رحمه الله: **«ويعني بالسنة الناسخة للقرآن الخبر المتواتر القطعي، وقد أشار إلى أن هذا الحديث متواتر، ذكره عند تفسير قوله تعالى: (إذا حضر أحدكم الموت)»** انتهى..
١٨ - من الآية ١٠ من سورة الممتحنة..
١٩ - المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، ولا الخبر المتواتر، لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون. وإنما قبلوا تخصيص المتواتر بالآحاد، ولم يقبلوا نسخه به، لأن الأول بيان وجمع، بخلاف النسخ فإنه رفع وإبطال..
٢٠ - روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، و كانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)، هذا لفظ الإمام مسلم في المساجد ومواضع الصلاة- وهذا الذي قاله أبو المعالي إنما يأتي على قول ابن عباس إن استقبال بيت المقدس كان بوحي متلو- روي عنه أنه قال: أول ما نسخ من القرآن القبلة..
٢١ - تعليل لقوله: "ولا هي للتعدية"، يعني أن المعنى يتغير بذلك، ويصير: ما نُنسخك من آية يا محمد، وإنساخه إياها إنزالها عليه- فيؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتي بخير منها أو مثلها، و بذلك يصبح القرآن كله منسوخا، وهذا غير واقع، لأنه لم يُنسخ منه إلا القليل..
٢٢ - كلاهما الهمزة فيه للتعدية، إلا أنه من الوجه الأول مأخوذ من نسخ الكتاب بمعنى الإنزال، وفي الوجه الثاني من النسخ بمعنى الإزالة، تأمل..
٢٣ - أي عائدين على المنسوء لا على المنسوخ من اللوح المحفوظ، بخلاف ما سبق، فإن الضميرين عائدان على المنسوخ والمنسوء، لكن على هذا الوجه يبقى ما ننسخ من آية بدون جواب، إذ لا رابط يربط بين الشرط والجواب، وذلك لا يجوز..
٢٤ - شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري الوزير المتوفي سنة ٤٨٧هـ..
٢٥ - أحد العشرة المبشرين بالجنة، وواحد من الفرسان المعدودين في الفتوحات الإسلامية الأولى، روى عن النبي صلى الله عليه و سلم كثيرا من الأحاديث، توفي سنة ٥٥ هـ..
٢٦ - الآية رقم ٦ من سورة الأعلى..
٢٧ - من الآية رقم ٢٤ من سورة الكهف..
٢٨ - هي إحدى عشرة قراءة بدون قراءة الأعمش..
٢٩ - يؤيد هذا ما روي عن قتادة أنه قال: كانت الآية تنسخ بالآية، وينسي الله نبيه من ذلك شيئا. وقبل الدخول في سياق ابن عطية رحمه الله ننقل كلام العلامة القاسمي، نقلا عن الراغب الأصبهاني: في حل الآية الكريمة- قال: (ما ننسخ من آية) أي ما نبدل من آية بغيرها كنسخ آيات التوراة بآيات القرآن، أو ننسها، أي نذهبها من القلوب كما أخبر بقوله: (ونسوا حظا مما ذكروا به) وقرئ (أو ننسأها) أي نؤخرها ونتركها بلا نسخ كما أبقى كثيرا من أحكام التوراة في القرآن- (نأت بخير منها)، أي من المنسوخة المبدلة كما فعل في الآيات التي شرعت في الملة الحنيفية ما فيه من اليسر و رفع الحرج والعنت فكان خيرا من تلك الآصار والأغلال، (أو مثلها أي) مثل الآيات الموحدة قبل كما يرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره- قال الراغب: فإن قيل: إن الذي ترك ولم ينسخ هو مثله، بل هو هو. فكيف قال: بمثلها؟ قيل: الحكم الذي أنزل في القرآن، وكان ثابتا في الشرع الذي قبلنا، يصح أن يقال: هو هو إذا اعتبر بنفسه، ولم يعتبر بلفظه، ويصح أن يقال: هو مثله إذا لم يعتبر بنفسه، بل بلفظه، ونحو ذلك أن يقال: ماء البئر هو ماء النهر إذا اعتبر جنس الماء، وتارة يقال: مثل ماء النهر إذا اعتبر قرار الماء. اهـ.
 على أن إرادة العين بالمثل شائعة كما في قولهم: مثلك لا يبخل..
٣٠ - وهي ثلاثة –نسخ التلاوة والحكم، أو نسخ أحدهما وبقاء الآخر..
٣١ - أي أن قوله تعالى: (ما ننسخ من آية) يحمل على ذلك، وقوله: (أو ننسها) يحمل على بقاء التلاوة ورفع الحكم، والمعنى الثالث كذلك إلا أن المتروك فيه الحكم والمرفوع التلاوة..
٣٢ - أي دون قوله: (أو ننسها) لأن النسيان بمعنى الترك، أو ترك لفظها وحكمها..
٣٣ - هذا ضعيف، إذ لا فائدة في تأخير ما لم يعرفه الناس ولا علموه ولا سمعوه..
٣٤ - أي إلى مدة..
٣٥ - أي على المنسوخ دون المنسوء..
٣٦ - وليس بمعنى نتركك..

### الآية 2:107

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:107]

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( ١٠٧ )
الملك السلطان ونفوذ الأمر والإرادة، وجمع الضمير في  لكم  دال على أن المراد بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب أمته، و **«الولي »** فعيل من ولي إذا جاور ولحق، فالناصر والمعين والقائم بالأمر والحافظ كلهم مجاور بوجه ما، و **«النصير »** فعيل من النصر، وهو أشد مبالغة من ناصر.

### الآية 2:108

> ﻿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [2:108]

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ( ١٠٨ )
وقوله تعالى : أم تريدون  : قالت فرقة : أم  رد على الاستفهام الأول، فهي معادلته( [(١)](#foonote-١) ). 
وقالت فرقة  أم  استفهام مقطوع من الأول، كأنه قال : أتريدون، وهذا موجود في كلام العرب. 
وقالت فرقة : أم  هنا بمعنى بل وألف الاستفهام، قال مكي وغيره : وهذا يضعف لأن **«أم »** لا تقع بمعنى بل إلا اعترض المتكلم شك فيما يورده. 
قال القاضي أبو محمد : وليس كما قال مكي رحمه الله، لأن ****«بل »**** قد تكون للإضراب عن اللفظ الأول لا عن معناه، وإنا يلزم ما قال على أحد معنيي ****«بل »**** وهو الإضراب عن اللفظ والمعنى، ونعم ما قال سيبويه : بل هي لترك كلام وأخذ في غيره. ( [(٢)](#foonote-٢) )
وقال أبو العالية( [(٣)](#foonote-٣) ) : إن هذه الآية نزلت حين قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم : ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل بتعجيل العقوبة في الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد أعطاكم الله خيراً مما أعطى بني إسرائيل. وتلا : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ النساء : ١١٠ \]. 
قال القاضي أبو محمد : فتجيء إضافة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة على هذا حسب الأمر في نفسه وحسب إقرارهم. ( [(٥)](#foonote-٥) )
وقال ابن عباس رضي الله عنه : إن رافع بن حريملة اليهودي سأل النبي صلى الله عليه وسلم تفجير عيون وغير ذلك، وقيل : إن كفار قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله جهرة، وقيل : سألوه أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً، وقال مجاهد : سألوه أن يرد الصفا ذهباً( [(٦)](#foonote-٦) )، فقال لهم : خذوا ذلك كالمائدة لبني إسرائيل( [(٧)](#foonote-٧) )، فأبوا ونكصوا. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فتجيء على هذه الأقوال إضافة الرسول إليهم حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم، و  كما سئلَ موسى  عليه السلام هو أن يرى الله جهرة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وغيره **«سِيل »** بكسر السين وياء وهي لغة، يقال : سلت أسال( [(٨)](#foonote-٨) )، ويحتمل أن يكون من همز أبدل الهمزة ياء على غير قياس ثم كسر السين من أجل الياء، وقرأ بعض القراء بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء مع ضم السين، وكني عن الإعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدل، وقال أبو العالية :**«الكفر هنا الشدة، والإيمان الرخاء »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، إلا أن يريدهما مستعارتين، أي الشدة على نفسه والرخاء لها عبارة عن العذاب والتنعيم، وأما المتعارف من شدة أمور الدنيا ورخائها فلا تفسر الآية به، و  ضل  أخطأ الطريق، و **«السواء »** من كل شيء الوسط والمعظم، ومنه قوله تعالى  في سواء الجحيم ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ الصافات : ٥٥ \]. 
وقال عيسى بن عمر : كتبت حتى انقطع سوائي، وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكر ابن إسحاق وغيره 
**\[ الكامل \] :**
يا ويح أنصار النبيِّ ورهطِهِ. . . بَعْدَ المغيَّبِ في سواءِ الملحدِ
وقال أبو عبيد : هو في عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو عندي وهم منه، و  السبيل  عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله لعباده، لما كانت كالسبب إلى نيل رحمته كانت كالسبيل إليها. 
١ - سبق أن هذا ضعيف، والقول الثاني وهو أن (أم) بمعنى الهمزة فقط كذلك، والصحيح هو القول الاخير وهو أنها منقطعة، والمنقطعة تفسر ببل والهمزة، فالمعنى بل أتريدون، وبل إضراب عما قبلها لفظا لا معنى..
٢ - إنما مدح قول سيبويه لأنه جامع للمعنيين، وهو ترك اللفظ فقط أو اللفظ والمعنى..
٣ - رواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم..
٤ - الآية ١١٠ من سورة النساء..
٥ - حاصله أنه إن كان الخطاب للمؤمنين كما قاله أبو العالية فإن الإضافة في (رسولكم) تأتي على حسب ما في نفس الأمر وحسب إقرارهم، وإن كان الخطاب للكفار فإن الإضافة تأتي على حسب ما في نفس الأمر على حسب إقرارهم لأنهم كفار..
٦ - رواه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم..
٧ - يعني أن من كفر بعد ذلك فإن الله يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين..
٨ - من باب: خاف يخاف..
٩ - من الآية ٥٥ من سورة الصافات..

### الآية 2:109

> ﻿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:109]

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٠٩ )
وقوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب ،  كثير  مرتفع ب  ود ، وهو نعت لنكرة، وحذف الموصوف النكرة قلق، ولكن جاز هنا لأنها صفة متمكنة ترفع الإشكال بمنزلة فريق( [(١)](#foonote-١) )، قال الزهري عنى ب  كثير  واحد، وهو كعب بن الأشرف، وهذا تحامل( [(٢)](#foonote-٢) )، وقوله تعالى  يردونكم  يرد عليه، وقال ابن عباس : المراد ابنا أخطب، حيي وأبو ياسر. ( [(٣)](#foonote-٣) )
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وفي الضمن الاتباع، فتجيء العبارة متمكنة، و  الكتاب  هنا التوراة، و  لو  هنا بمنزلة **«إن »** لا تحتاج إلى جواب، وقيل يتقدر جوابها في  ود ، التقدير لو يردونكم لودوا ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : ف **«ود »** دالة على الجواب، لأن من شرطه أن يكون متأخراً عن  لو ، و  كفاراً  مفعول ثان، ويحتمل أن يكون حالاً، و  حسداً  مفعول له( [(٤)](#foonote-٤) )، وقيل : هو مصدر في موضع الحال. 
واختلف في تعلق قوله  من عند أنفسهم  : فقيل يتعلق ب  ود ( [(٥)](#foonote-٥) ) لأنه بمعنى ودوا، وقيل : يتعلق بقوله  حسداً  فالوقف على قوله  كفاراً ، والمعنى على هذين القولين أنهم لم يجدوا ذلك في كتاب ولا أمروا به فهو من تلقائهم، ولفظة الحسد تعطي هذا، فجاء من عند أنفسهم تأكيداً وإلزاماً، كما قال تعالى : يقولون بأفواههم  \[ آل عمران : ١٦٧ \]، و  يكتبون الكتاب بأيديهم  \[ البقرة : ٧٩ \]،  ولا طائر يطير بجناحيه ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الأنعام : ٣٨ \]، وقيل يتعلق بقوله  يردونكم ، فالمعنى أنهم ودوا الرد بزيادة أن يكون من تلقائهم أي بإغوائهم وتزيينهم. 
واختلف في سبب هذه الآية، فقيل : إن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر( [(٧)](#foonote-٧) ) أتيا بيت المدراس، فأراد اليهود صرفهم عن دينهم( [(٨)](#foonote-٨) )، فثبتا عليه ونزلت الآية، وقيل : إنما هذه الآية تابعة في المعنى لما تقدم من نهي الله عن متابعة أقوال اليهود في  راعنا  
\[ البقرة : ١٠٤ \] وغيره، وأنهم لا يودون أن ينزل خير، ويودون أن يردوا المؤمنين كفاراً. 
و  الحق  : المراد به في هذه الآية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصحة ما المسلمون عليه، وهذه الآية من الظواهر في صحة الكفر عناداً( [(٩)](#foonote-٩) )، واختلف أهل السنة في جواز ذلك، والصحيح عندي جوازه عقلاً وبعده وقوعاً، ويترتب في كل آية تقتضيه أن المعرفة تسلب في ثاني حال من العناد، والعفو ترك العقوبة وهو من **«عفت الآثار »** والصفح الإعراض عن المذنب كأنه يولي صفحة العنق. 
وقال ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون  \[ التوبة : ٢٩ \] إلى قوله  صاغرون ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ التوبة : ٢٩ \]، وقيل : بقوله  اقتلوا المشركين ( [(١١)](#foonote-١١) )، وقال قوم : ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته. ( [(١٢)](#foonote-١٢) )
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع أو قتل قريظة وإجلاء النضير( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وأما من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه بعينها، لأنه لا يختلف أن آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها، والنسخ هو مجيء الأمر في هذه المقيدة( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وقيل : مجيء الأمر هو فرض القتال، وقيل : قتل قريظة وإجلاء النضير، وقال أبو عبيدة في هذه الآية : إنها منسوخة بالقتال( [(١٥)](#foonote-١٥) )، لأن كل آية فيها ترك القتال فهي مكية منسوخة. 
قال القاضي أبو محمد : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف، لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة، وقوله تعالى : إن الله على كل شيء قدير  مقتضاه في هذا الموضوع وعد للمؤمنين. 
١ - إنما كانت متمكنة لتخصصها بقوله تعالى: (من أهل الكتاب) وهي بمنزلة (فريق) في قوله تعالى: (نبذ فريق من الذين أوتو الكتاب)..
٢ - أي تكلف بعيد..
٣ - رواه عنه محمد بن اسحق..
٤ - أي من (ود)، بمعنى أن الحامل لهم على ردكم كفارا هو الحسد، وهذا أفضل ما فيه من الأعاريب، راجع "البحر المحيط" ١/٣٤٨..
٥ - أي أنهم ودوا ذلك من جهة أنفسهم، لا من جهة دينهم..
٦ - الآيات على الترتيب: -من الآية ١٦٧ من سورة آل عمران. – ومن الآية ٧٩ من سورة البقرة، - ومن الآية ٣٨ من سورة الأنعام..
٧ - حذيفة بن اليمان أبو عبد الله العبسي، توفي سنة ٣٦هـ - وعمار بن ياسر بن عامر ابن مالك- من السابقين إلى الإسلام، شهد المشاهد كلها مع الرسول، وقتل مع الإمام علي بصفين سنة ٨٧هـ..
٨ - هكذا بالأصل، وواضح أن الضمير للمثنى..
٩ - يعني أن الكفر يكون مع معرفة الحق لقوله تعالى: (من بعد ما تبين لهم الحق)، فالمعرفة لا تمنع من الكفر حسدا وعنادا، وقد اختلف أهل السنة في ذلك على قولين: أكان كفر إبليس جهلا أم عنادا؟ ولا خلاف أنه كان عالما بالله قبل كفره، فمن قال إنه كفر جهلا قال: إنه سلب العلم الذي كان عند كفره، ومن قال إنه كفر عنادا قال: إنه كفر ومعه علمه: قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء.
 وروى البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله تعالى: (وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله عن عمرو بن ذر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: "لو أراد الله ألا يعصى لم يخلق إبليس"، ثم روى عن طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: (يا أبا بكر، لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس)، انتهى..
١٠ - من الآية ٢٩ من سورة التوبة..
١١ - من الآية ٥ من سورة التوبة..
١٢ - يعني أن العفو والصفح في هذه الآية محدد بمدة وهي قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره)، وعندما أمر بقتال الذين لا يؤمنون، أو بقتل المشركين –في سورة التوبة- كان أمر الله قد أتى، فلا ينسحب حكم النسخ على هذه الآية حينئذ..
١٣ - يعني أن القول بعدم النسخ إنما يأتي على من يجعل الأمر المنتظر المدلول عليه بقوله تعال: (حتى يأتي الله بأمره) هو أوامر الشرع بقتال الذين لا يؤمنون، أو بقتل قريظة وإجلاء النضير..
١٤ - وهي: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) إلخ أو :(اقتلوا المشركين)..
١٥ - وجه إعادة هذا الكلام هو الرد على أبي عبيدة في قوله: إن الآية مكية..

### الآية 2:110

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:110]

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ١١٠ )
قالت فرقة من الفقهاء : إن قوله تعالى : وأقيموا الصلاة  عموم، وقالت فرقة : هو من مجمل القرآن، والمرجح أن ذلك عموم من وجه ومجمل من وجه، فعموم من حيث الصلاة الدعاء، فحمله على مقتضاه ممكن، وخصصه الشرع بهيئات وأفعال وأقوال( [(١)](#foonote-١) )، ومجمل من حيث الأوقات، وعدد الركعات والسجدات لا يفهم من اللفظ، بل السامع فيه مفتقر إلى التفسير، وهذا كله في  أقيموا الصلاة ، وأما الزكاة فمجملة لا غير( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قال الطبري : إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة لتحط ما تقدم من ميلهم إلى أقوال اليهود  راعنا  \[ البقرة : ١٠٤ \]، لأن ذلك نهي عن نوعه، ثم أمر المؤمنين بما يحطه( [(٣)](#foonote-٣) )، والخير المقدم منقض لأنه فعل، فمعنى  تجدوه  تجدوا ثوابه وجزاءه، وذلك بمنزلة وجوده. ( [(٤)](#foonote-٤) )
وقوله تعالى : إن الله بما تعملون بصير  خبر في اللفظ معناه الوعد والوعيد. 
١ - فالعموم من حيث المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي للصلاة..
٢ - لأنه ليس فيه تقدير لنصابها، ولا تحديد لأنواعها، ولا يعرفه السامع إلا بالشرح والتوضيح..
٣ - نقله أبو (ح) رحمه الله. وقال تعقيبا عليه: "ليس له ذلك الظهور"، البحر المحيط ١/٣٤٩..
٤ - في صحيح البخاري، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟) قالوا يا رسول الله: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: (فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر). وروى ابن المبارك في رقائقه بسنده قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، مالي لا أحب الموت؟ فقال: (هل لك مال؟) قال: نعم، قال: (ققدم مالك بين يديك، فإن المرء مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه، وإن خلفه أحب التخلف)..

### الآية 2:111

> ﻿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:111]

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ( ١١١ )
وقوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة  معناه قال اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقال النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فجمع قولهم، ودل تفريق نوعيهم على تفرق قوليهم، وهذا هو الإيجاز واللف( [(١)](#foonote-١) )، وهود جمع هائد، مثل عائد وعود، ومعناه التائب الراجع، ومثله في الجمع بازل وبزل وحائل وحول وبائر وبور، وقيل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع كفطر وعدل ورضا، وقال الفراء، أصله يهودي حذفت ياءاه على غير قياس. 
وقرأ أبي بن كعب **«إلا من كان يهودياً »**، وكذبهم الله تعالى وجعل قولهم أمنية، وقد قطعوا( [(٢)](#foonote-٢) ) قبل بقوله  فتمنوا الموت  \[ البقرة : ٩٤، الجمعة : ٦ \]، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم بدعائهم إلى إظهار البرهان( [(٣)](#foonote-٣) )، وقيل : إن الهاء في  هاتوا  أصلية من هاتا يهاتي، وأميت تصريف هذه اللفظة كله إلا الأمر منه وقيل : هي عوض من همزة آتى، وقيل : ها تنبيه، وألزمت همزة آتى الحذف، والبرهان الدليل الذي يوقع اليقين( [(٤)](#foonote-٤) )، قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي بإثبات النظر ويرد على من ينفيه( [(٥)](#foonote-٥) )، 
١ - معنى كلام المؤلف أن الضمير في قوله تعالى: (قالوا) يعود على أهل الكتاب، ويشمل اليهود والنصارى، (وهذا لف)، ثم جاء قوله سبحانه: (إلا من كان هودا أو نصارى) بتوضيح فيه (نشر) لما سبق من (لف)، وبهذا يتضح لك قول ابن عطية: (وهذا هو الإيجاز واللف)..
٢ - أي: عجزوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذا لأمر الله في قوله: (قل إن كانت لكم الدارالآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) –وقد سبقت الآية وفي رقم (٩٤) من سورة البقرة..
٣ - بقوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)..
٤ - أي يثبته في النفس..
٥ - وهو دليل على بطلان القول بالتقليد..

### الآية 2:112

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:112]

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  ( ١١٢ )
وقول اليهود  لن  نفي حسنت بعده  بلى ، إذ هي رد بالإيجاب في جواب النفي( [(١)](#foonote-١) )، حرف مرتجل لذلك، وقيل : هي ****«بل »**** زيدت عليها الياء لتنزيلها على حد النسق الذي في ****«بل »****، و  أسلم  معناه استسلم وخضع ودان، ومنه قول زيد ابن عمرو بن نفيل :
\[ المتقارب \]. 
وأسلمت وجهي لمن أسلمت . . . له المزن تحمل عذباً زلالا( [(٢)](#foonote-٢) )
وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان وموضع الحواس وفيه يظهر العز والذل، ولذلك يقال وجه الأمر أي معظمه وأشرفه، قال الأعشى :\[ السريع \] :
وأول الحكم على وجهه . . . ليس قضائي بالهوى الجائر( [(٣)](#foonote-٣) )
ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد،  وهو محسن  جملة في موضع الحال( [(٤)](#foonote-٤) )، وعاد الضمير في  له  على لفظ  من ( [(٥)](#foonote-٥) )، وكذلك في قوله  أجره ، وعاد في  عليهم  على المعنى، وكذلك في  يحزنون ، وقرأ ابن محيصن **«فلا خوف »** دون تنوين في الفاء المرفوعة، فقيل : ذلك تخفيف، وقيل : المراد فلا الخوف فحذفت الألف واللام، والخوف هو لما يتوقع، والحزن هو لما قد وقع. 
وقوله تعالى : وقالت اليهود  الآية، معناه ادعى كل فريق أنه أحق برحمة الله من الآخر. 
وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبي صلى الله عليه وسلم فتسابوا، وكفر اليهود بعيسى وبملته وبالإنجيل، وكفر النصارى بموسى وبالتوراة. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها، لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وبصحة نبوته، وكلاهما تضمن صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فعنفهم الله تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا. 
وفي قوله : وهم يتلون الكتاب  تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده، كما قال الحر بن قيس( [(٦)](#foonote-٦) ) في عمر بن الخطاب، وكان وقافاً عند كتاب الله، و  الكتاب  الذي يتلونه قيل : التوراة والإنجيل، فالألف واللام للجنس، وقيل : التوراة لأن النصارى تمتثلها، فالألف واللام للعهد. 
١ - أي الإتباث لما نفوه من دخول غيرهم الحنة..
٢ - المزن: جمع مزنة وهي السحابة البيضاء. والبيت ضمن أبيات هي:
 وأسلمت وجهي لمن أسلمت
 له الأرض تحمل صخرا ثقالا
 دحاها فلما رآها اســـتـــوت
 على الماء أرسى عليها الجبالا
 وأسلمت وجهي لمن أسلمت
 له المزن تحمل عـــــذبا زلالا
 إذا هي سيـــقـت إلى بلـــدة
 أطاعت فصبت عليها ســجالا
 .
٣ - البيت من قصيدة يهجو بها علقمة بن علالة، ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما، ومطلع القصيدة:
 شاقتك من قتله أطلالها بالشط فالوتر إلى حاجر.
٤ - قال أبو (ح) في البحر المحيط: "وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الإحسان الشرعي حين سئل عن ماهيته المحيط: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وقد فسر الإحسان بالإخلاص، وفسر بالإيمان، وفسر بالقيام بالأوامر والانتهاء عن المناهي". اهـ ١/٣٥٢.
 ويفهم من الآية أن العمل المقبول له شرطان: الإخلاص، وهو مفهوم من قوله عز وجل: (بلى من أسلم وجهه لله)، والصواب، أي موافقة الشريعة، وهو مفهوم من قوله سبحانه: (وهو محسن)، فمن كان عمله خالصا وموافقا للشريعة كان له أجره عند ربه..
٥ - وهذا هو الأفصح، وهو أن يبدأ أولا بالحمل على اللفظ، ثم يثنى بالحمل على المعنى. قاله أبو (ح)..
٦ - الحر بن قيس هو ابن أخي غيينة بن حصن الفزاري، كان ضمن الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من تبوك، وانظر حديثه في باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الاعتصام من صحيح البخاري..

### الآية 2:113

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [2:113]

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( ١١٣ )
اختلف من المراد بقوله  لا يعلمون ، فقال الجمهور : عنى بذلك كفار العرب، لأنهم لا كتاب لهم، وقال عطاء : المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقال قوم : المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وأخبر تعالى بأنه  يحكم بينهم ، والمعنى بأن يثيب من كان على شيء، أي شيء حق، ويعاقب من كان على غير شيء، وقال الزجاج : المعنى يريهم عياناً من يدخل الجنة ومن يدخل النار و  يوم القيامة  سمي بقيام الناس من القبور، إذ ذلك مبد لجميع مبدأ في اليوم وفي الاستمرار بعده، وقوله  كانوا  بصيغة الماضي حسن على مراعاة الحكم، وليس هذا من وضع الماضي موضع المستقبل لأن اختلافهم ليس في ذلك اليوم، بل في الدنيا.

١ - اختار الإمام (ط) رحمه الله أن الآية عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال، فالحمل على الجميع أولى..

### الآية 2:114

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:114]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ( ١١٤ )
وقوله تعالى  ومن أظلم  الآية،  من  رفع بالابتداء، و  أظلم  خبره، والمعنى لا أحد أظلم( [(١)](#foonote-١) ). 
واختلف في المشار إليه من هذا الصنف الظالم( [(٢)](#foonote-٢) )، فقال ابن عباس وغيره : المراد النصارى الذين كانوا يؤذون من يصلى ببيت المقدس ويطرحون فيه الأقذار، وقال قتادة والسدي : المراد الروم الذين أعانوا بختنصر على تخريب بيت المقدس حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء عليه السلام( [(٣)](#foonote-٣) )، وقيل : المعنّي بختنصر، وقال ابن زيد : المراد كفار قريش حين صدوا رسول الله صلى عليه وسلم عن المسجد الحرام( [(٤)](#foonote-٤) )، وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة( [(٥)](#foonote-٥) )، والمشهور مسجد بكسر الجيم، ومن العرب من يقول مسجد بفتحها، و  أن يذكر  في موضع نصب : إما على تقدير حذف **«من »** وتسلط الفعل، وإما على البدل من المساجد، وهو بدل الاشتمال الذي شأن البدل في أن يتعلق بالمبدل منه ويختص به أو تقوم به صفة، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله( [(٦)](#foonote-٦) )، ويجوز أن تكون  أن  في موضع خفض على إسقاط حرف الجر، ذكره سيبويه، ومن قال من المفسرين إن الآية بسبب بيت المقدس جعل الخراب الحقيقي الموجود( [(٧)](#foonote-٧) )، ومن قال هي بسبب المسجد الحرام جعل منع عمارته خراباً، إذ هو داع إليه، ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أوجع ضرباً، قاله قتادة والسدي( [(٨)](#foonote-٨) )، ومن جعلها في قريش قال كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحج مشرك، ( [(٩)](#foonote-٩) ) و  خائفين  نصب على الحال، وهذه الآية ليست بأمر بين منعهم من المساجد، لكنها تطرق إلى ذلك وبدأة فيها وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
ومن جعل الآية في النصارى قال : الخزي قتل الحربي وجزية الذمي، وقيل : الفتوح الكائنة في الإسلام كعمورية وهرقلة( [(١١)](#foonote-١١) ) وغير ذلك، ومن جعلها في قريش جعل الخزي غلبتهم في الفتح وقتلهم والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافراً، و  خزي  رفع بالابتداء وخبره في المجرور. 
١ - يشير إلى أن الاستفهام ليس حقيقيا، بل هو بمعنى النفي، وذلك أبلغ دلالة على أن هذا الظلم بلغ الغاية والنهاية..
٢ - أي في المراد بقوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله) الآية..
٣ - قال أبو بكر الرازي: لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بخت نصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل..
٤ - هذا أرجح الأقوال كما للحافظ ابن (ك) رحمه الله، وتبعه العلامة القاسمي رحمه الله، فالآية توجه الذم إلى المشركين الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وصدوهم عنه عام الحديبية، وأي خراب أعظم من هذا؟ انظر ابن (ك). وحديث صد المسلمين عن بيت الله الحرام عام الحديبية أخرجه البخاري في "باب الشروط" في "الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب"، واعتنى به رحمه الله فساقه مطولا في عدة صفحات، وهو حديث عظيم يجمع فوائد ومعاني كثيرة..
٥ - لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند المحقيقين..
٦ - بتقدير: كراهية أن يُذكر..
٧ - أي الموجود في بيت المقدس من طرف البابليين أولا، ومن طرف الرومانيين ثانيا..
٨ - هذا وما بعده مرتب على قوله تعالى: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)..
٩ - أي في السنة التاسعة نودي: **«ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته»**، وهو حديث متفق عليه..
١٠ - وعد للمؤمنين بإظهارهم على المسجد الحرام، ووعيد للمشركين بإذلالهم حتى لا يدخله واحد منهم إلا خائفا، وقد أنجز الله وعده فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم (عام حج) أبو بكر رضي الله عنه: **«ألا لا يحجن بعد العام مشرك»**. وفي حق المشركين يقول الله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وفي حق المؤمنين يقول: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله) الآية..
١١ - عمُّورية – بلدة في آسيا الصغرى وكانت حصنا منيعا من حصون الروم، فتحها (المعتصم) وخلدها هي ومعركة فتحها أبو تمام بقصيدته التي مطلعها:
 السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
 **وفيها يقول:** 
 يا يوم وقعة عمورية انصرفت عنك المنى حُفَّلا مَعْسولة الحلبِ
 أما (هرقلة) فتقع إلى الغرب من (أدنة) قرب الساحل الجنوبي لتركيا –جهة الشرق- على البحر المتوسط. وقد فتحها المأمون بنفسه..

### الآية 2:115

> ﻿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:115]

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( ١١٥ )
و  المشرق  موضع الشروق،  والمغرب  موضع الغروب، أي هما له ملك( [(١)](#foonote-١) ) وما بينهما( [(٢)](#foonote-٢) ) من الجهات والمخلوقات، وخصهما بالذكر وإن كانت جملة المخلوقات كذلك لأن سبب الآية اقتضى ذلك( [(٣)](#foonote-٣) )، و **«أينما »** شرط، و  تولوا  جزم به، والجواب في قوله  فثم ، والمعنى فأينما تولوا نحوه وإليه، لأن ولّى وإن كان غالب استعمالها أدبر فإنها تقتضي أنه يقبل إلى ناحية، تقول وليت عن كذا وإلى كذا، وقرأ الحسن **«تولوا »** بفتح التاء واللام( [(٤)](#foonote-٤) )، وثمَّ مبنية على الفتح، وهي في موضع نصب على الظرف، و  وجه الله  معناه الذي وجهنا إليه( [(٥)](#foonote-٥) )، كما تقول سافرت في وجه كذا أي في جهة كذا. 
واختلف الناس في تأويل الوجه الذي جاء مضافاً إلى الله تعالى في مواضع من القرآن، فقال الحذاق : ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز كلام العرب، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدراً، وقال بعض الأئمة : تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى، وضعف أبو المعالي هذا القول( [(٦)](#foonote-٦) )، ويتجه في بعض المواضع كهذه الآية أن يراد بالوجه الجهة التي فيها رضاه وعليها ثوابه، كما تقول تصدقت لوجه الله تعالى، ويتجه في هذه الآية خاصة أن يراد بالوجه الجهة التي وجهنا إليها في القبلة حسبما يأتي في أحد الأقوال، وقال أبو منصور في المقنع : يحتمل أن يراد بالوجه هنا الجاه، كما تقول فلان وجه القوم أي موضع شرفهم، فالتقدير فثم جلال الله وعظمته. 
واختلف المفسرون في سبب هذه الآية، فقال قتادة : أباح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يصلي المسلمون حيث شاؤوا، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس حينئذ، ثم نسخ ذلك كله بالتحول إلى الكعبة( [(٧)](#foonote-٧) )، وقال مجاهد والضحاك : معناه إشارة إلى الكعبة، أي حيث كنتم من المشرق والمغرب فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة التي هي وجه الله الذي وجهكم إليه. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا فهي ناسخة لبيت المقدس، وقال ابن زيد : كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت القدس، وقالوا : ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم ؟ فنزلت  ولله المشرق والمغرب  الآية، وقال ابن عمر : نزلت هذه الآية في صلاة النافلة في السفر حيث توجهت بالإنسان دابته( [(٨)](#foonote-٨) )، وقال النخعي : الآية عامة( [(٩)](#foonote-٩) ) أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم  فثم وجه الله ، أي موضع رضاه وثوابه وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة : نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ، وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة قال :**«كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فتحرى قوم القبلة وأعلموا( [(١٠)](#foonote-١٠) ) علامات، فلما أصبحوا رأو أنهم قد أخطؤوها، فعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية »**( [(١١)](#foonote-١١) )، وذكر قوم هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مع القوم في السفر، وذلك خطأ( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقال قتادة أيضا : نزلت هذه الآية في النجاشي، وذلك أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه، فقال قوم كيف نصلي على من لم يصلِّ إلى القبلة قط ؟ فنزلت هذه الآية، أي إن النجاشي كان يقصد وجه الله وإن لم يبلغة التوجه إلى القبلة، وقال ابن جبير : نزلت الآية في الدعاء لما نزلت  ادعوني استجب لكم  \[ غافر : ٦٠ \]، قال المسلمون : إلى أين ندعو، فنزلت  فأينما تولوا فثم وجه الله ، وقال المهدوي : وقيل هذه الآية منتظمة في معنى التي قبلها، أي لا يمنعكم تخريب مسجد من أداء العبادات، فإن المسجد المخصوص للصلاة إن خرب  فثم وجه الله  موجود حيث توليتم. ( [(١٣)](#foonote-١٣) )
وقال أيضاً : وقيل نزلت الآية حين صد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت، و  واسع  معناه متسع الرحمة عليهم أين يضعها، وقيل 
 واسع  معناه هنا أنه يوسع على عباده في الحكم دينه يسر،  عليم  بالنيات التي هي ملاك العمل، وإن اختلفت ظواهره في قبلة وما أشبهها. 
١ - أي بطريق الإيجاد والاختراع..
٢ - يشير إلى أن في الآية حذف معطوف أي: ولله المشرق المغرب وما بينهما..
٣ - كما سيأتي بعد في قوله: واختلف المفسرون في سبب هذه الآية..
٤ - أي على حذف إحدى التاءين ويكون الأصل: (تتولوا)..
٥ - أي الوجه الذي وجهنا إليه، بمعنى الجهة التي وجهنا إليها وهي القبلة..
٦ - قالوا: لأن فيه الجزم بإثبات صفة لله بلفظ محتمل، وهي صفة لا يدرى ما هي، ولا يعقل معناها في اللسان العربي، فوجب اطراح هذا القول والاعتماد على أن المراد وجوده إذ للفظ دلالة على التجسيم..
٧ - وعلى أنها منسوخة فلا اعتراض من جهة كونها خيرا لأنها محتملة لمعنى الأمر، ويكون المعنى: ولوا وجوهكم نحو وجه الله، وهذه الآية تلاها سعيد بن جبير لما أمر الحجاج بقتله..
٨ - حديث ابن عمر هذا رواه الإمام مسلم والترمذي و النسائي وغيرهم. وعليه فالآية نزلت في التنفل في السفر، وقد كان صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين يصلي النوافل على راحلته، ويوتر عليها حيث توجهت به شرقا وغربا..
٩ - أي غير خاصة بالصلاة..
١٠ - أي خطوا خطوطا في الجهات التي صلوا إليها..
١١ - رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وليس إسناده بذلك ولا نعرفه إلا من حديث الأشعت السمان، وأشعت يضعف في الحديث، قال الحافظ ابن كثير: وكذلك شيخه عاصم..
١٢ - لأن سائر طرق حديث عامر بن ربيعة يوجد فيها: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم..
١٣ - ما قاله المهدوي رحمه الله في مناسبة الآية لما قبلها واضح، وفي سبب نزولها راجح، والله أعلم..

### الآية 2:116

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [2:116]

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ( ١١٦ )
قرأ هذه الآية عامة القراء **«وقالوا »** بواو تربط الجملة بالجملة، أو تعطف على  سعى ( [(١)](#foonote-١) ) \[ البقرة : ١١٤ \]، وقرأ ابن عامر وغيره **«قالوا »** بغير واو، وقال أبو علي( [(٢)](#foonote-٢) ) : وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، وحذف منه الواو يتجه من وجهين، أحدهما أن هذه الجملة مرتبطة في المعنى بالتي قبلها فذلك يغني عن الواو( [(٣)](#foonote-٣) )، والآخر أن تستأنف هذه الجملة ولا يراعى ارتباطها بما تقدم، واختلف على من يعود الضمير في  قالوا ، فقيل : على النصارى، لأنهم قالوا المسيح ابن الله. 
قال القاضي أبو محمد : وذكرهم أشبه بسياق الآية، وقيل : على اليهود، لأنهم قالوا عزير ابن الله، وقيل : على كفرة العرب لأنهم قالوا الملائكة بنات الله( [(٤)](#foonote-٤) )، و  سبحانه  مصدر معناه تنزيهاً له وتبرئة مما قالوا( [(٥)](#foonote-٥) )، و  ما  رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، أو في الاستقرار المقدر، أي كل ذلك له ملك، والذي قالوا : إن الله اتخذه ولداً داخل في جملة  ما في السماوات والأرض  ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد لا من المخلوقات المملوكات. ( [(٦)](#foonote-٦) )
والقنوت في اللغة الطاعة، والقنوت طول القيام في عبادة، ومنه القنوت في الصلاة، فمعنى الآية أن المخلوقات كلها تقنت لله أي تخضع وتطيع، والكفار والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم( [(٧)](#foonote-٧) )، وقيل : الكافر يسجد ظله وهو كاره. 
١ - نميل إلى أن الرأي الأول أحسن مما بعده فالواو فيه عاطفة لجملة على جملة خبرية، وأما العطف على (سعى) فيؤدي إلى العطف على معطوف على الصلة، وقد فصل بينهما بجمل كثيرة، وهذا من العطف البعيد الذي ينزه القرآن عن مثله. وهذا هو رأي أبي (ح)- البحر المحيط١/٣٦٢..
٢ - هو أبو علي الفارسي- ذكره أبو (ح) في البحر المحيط ١/٣٦٢..
٣ - والتي قبلها هي قوله تعالى: \[ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها\]، ويريد أن الربط بالضمير يعني في ملاحظة العطف عن الربط بالواو لما بين الآيتين من الملابسة، فإن الذين قالوا اتخذ الله ولدا من جملة هؤلاء الذي تقدم ذكرهم فيستغنى عن الواو لذلك كما استغنى عنها في قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، فبين الجملة الأخيرة وما قبلها ملابسة أغنت عن الواو- إلا أن الاستئناف على هذه القراءة أظهر، والله أعلم..
٤ - الظاهر أنه عائد على الجميع دون تخصيص، فإن كلا منهم قال ذلك، وكل الثلاة تقدم ذكره..
٥ - أي تبرئة له سبحانه مما يقتضيه قولهم من مجانسته سبحانه لشيء من مخلوقاته، فأضرب الله عن ذلك، وأثبت أن كل ما في السموات والأرض (ومن ذلك المسيح وعزير والملائكة) مملوك ومخلوق لله..
٦ - فالبنوة والملكية لا يجتمعان، وعليه فالله مخالف لخلقه وبعيد عن مجانستهم، والولد المنسوب إلى الله هو من جنسهم لا من جنسه إذ هم الذين يحتاجون إلى من يخلقهم لبقاء نوعهم، والله عز وجل باق ودائم وغني بنفسه و ذاته لا حاجة به إلى غيره..
٧ - هذا جواب عما قد يقال: كيف هذا العموم وكثير من المخلوقات ليس بمطيع؟ فأجاب بما يدل على الطاعة من الكفار والجمادات..

### الآية 2:117

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2:117]

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( ١١٧ )
و  بديع  مصروف( [(١)](#foonote-١) ) من مبدع كبصير من مبصر، ومثله قول عمرو بن معديكرب :\[ الوافر \] :
أَمِنْ ريحانة الداعي السميعِ( [(٢)](#foonote-٢) ) \*\*\* . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
يريد المسمع، والمبدع المخترع المنشيء، ومنه أصحاب البدع( [(٣)](#foonote-٣) )، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة رمضان :**«نعمت البدعة هذه »**. 
وخص  السماوات والأرض  بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا، و  قضى ، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد. 
والأمر واحد الأمور، وليس هنا بمصدر أمر يأمر، ويكون رفع على الاستئناف، قال سيبويه :**«معناه فهو يكون »**، قال غيره :**«يكون »** عطف على **«يقول »**، واختاره الطبري وقرره( [(٤)](#foonote-٤) )، وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود( [(٥)](#foonote-٥) )، وتكلم أبو علي الفارسي في هذه المسألة بما هو فاسد من جملة الاعتزال لا من جهة العربية. 
وقرأ ابن عامر **«فيكونَ »** بالنصب، وضعفه أبو علي، ووجهه مع ضعفه على أن يشفع له شبه اللفظ( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال أحمد بن موسى في قراءة ابن عامر :**«هذا لحن »**( [(٧)](#foonote-٧) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : لأن الفاء لا تعمل في جواب الأمر إلا إذا كانا فعلين يطرد فيها معنى الشرط، تقول أكرم زيداً فيكرمك، والمعنى إن تكرم زيداً يكرمك، وفي هذه الآية لا يتجه هذا، لأنه يجيء تقديره : إن تكن يكن، ولا معنى لهذا( [(٨)](#foonote-٨) )، والذي يطرد فيه معنى الشرط هو أن يختلف الفاعلان أو الفعلان( [(٩)](#foonote-٩) ) فالأول أكرم زيداً فيكرمك والثاني أكرم زيداً فتسود. 
وتلخيص المعتقد في هذه الآية، أن الله عز وجل لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر وقوع المعلومات، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكل ما يستند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر فهو قديم لم يزل، ومن جعل من المفسرين  قضى  بمعنى أمضى عند الخلق والإيجاد، فكأن إظهار المخترعات في أوقاتها المؤجلة قول لها  كن ( [(١٠)](#foonote-١٠) )، إذ التأمل يقتضي ذلك، على نحو قول الشاعر \[ أبو النجم العجلي \] :\[ الرجز \]
وقالتِ الأقرابُ للبطن الحق( [(١١)](#foonote-١١) ) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله يجري مع قول المعتزلة، والمعنى الذي تقتضيه عبارة  كن  هو قديم قائم بالذات( [(١٢)](#foonote-١٢) )، والوضوح التام في هذه المسألة يحتاج أكثر من هذا البسط. 
١ - أي صرف (مُفْعِل) إلى (فَعيل)، والمراد أنه بمعناه أنه توجد المبالغة في بديع دون مبدع..
٢ - تمامه: .................. يؤرقني وأصحابي هجوع..
٣ - فكل من أحدث شيئا فقد أبدعه..
٤ - قال الطبري: "أمره للشيء بكن لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجودا بالأمر إلا وهو مأمور بالوجود". انتهى. فعلى ما قال سيبويه يكون فعل الأمر وإن كان معدوما فهو يمنزلة الموجود إذ هو عنده معلوم، وعلى ما قاله الطبري يكون مع الأمر إذ أمره للشيء بكن لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا موجودا بالأمر إلا وهو مأمور بالوجود. راحع البحر المحيط ١/٣٦٤..
٥ - قال (ح) رحمه الله: "ومعنى رده أن الأمر عنده قديم التكوين حادث، وقد نسق عليه بالفاء فهو معه أي يعتقبه فلا يصح ذلك لأن القديم لا يعتقبه الحادث". انتهى. وقد يقال: إن التعقيب غير المعية، والتعقيب في كل شيء بحسبه، ثم إن رد ابن عطية رحمه الله إنما يتم إذا كان هناك قول وأمر حقيقيان، أما إذا كان ذلك على جهة المجاز ومن باب التمثيل لسرعة الأمر ونفاذه فيجوز العطف على (يقول)، والله أعلم..
٦ - يعني أن وجه النصب أنه جواب على لفظ (كن) لأنه جاء بلفظ الأمر فهو شبه بالأمر الحقيقي، وهذا التوجيه من أبي علي الفارسي مع أنه هو الذي ضعف القراءة..
٧ - لم يقبل أبو حيان كلام أحمد بن موسى، وقال: هذا قول خطأ، لأن هذه القراءة في السبعة فهي متواترة، وابن عامر رجل عربي لم يكن ليلحن. اهـ. البحر المحيط١/٣٦٦ – وأحمد بن موسى هذا هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي المتوفي سنة ٣٢٤هـ..
٨ - من شرط نصب جواب الأمر أن ينعقد منهما شرط وجزاء، نحو ائتني فأكرمك، تقديره: إن تأتني أكرمك، وهنا لا يصح إن يكن يكن، وإلا لزم كون الشيء سببا لنفسه، ويمكن الجواب بأن المراد إن يكن في علم الله وإرادته يكن في الخارج فهو على حد: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله إلخ. وقول القاضي رحمه الله: وفي هذه الآية لا يتجه هذا، يقال عليه: قد يتجه على أن يكون التقدير: إن قال له: كن يكون، لأن كن محكي بالقول، وليس مستقلا بنفسه حتى يقدر منه فعل الشرط فقط، والله أعلم..
٩ - أو متعلقات الفعلين..
١٠ - يعني أن إظهار الأشياء من العدم إلى الوجود عبر عنه بالقول وإن لم يكن هناك قول. كقول أبي النجم العجلي: (وقالت الأقراب للبطن الحق) ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن. والمراد أن الله سبحانه وتعالى عبر بالقول عما يريد خلقه وإيجاده وليس ثم قول، وهذا لا يتمشى مع قول المعتزلة الذين يقولون: أمضى عند الخلق والإيجاد..
١١ - هذا صدر بيت للشاعر أبي النجم العجلي، وتمامه:
 .......................... قدما فآضت كالفنيق المحنق
 والأقراب جمع قرب (بضم الراء وبسكونها)، والقرب: الخاصرة. قال في اللسان: فرس لاحق الأقراب- يجمعونه، وإنما له قربان لسعته- والْحَقِ: أمر، أي الصق يا بطن بالظهر وانضمر، وآضت: أي صارت كالفنيق- أي صارت الناقة كالفنيق- وهو الفحل المنعم المكرم يقال: أفنقه إذا نعمه، وجارية فنقة: أي ناعمة. والمحنق: المغيظ من الحنق وهو الغيظ والحقد، والخطاب هنا من باب التمثيل- لأن الأقراب لم تتكلم..
١٢ - وأما لفظة (كن) فهي محدثة، ومن يعقل مدلول اللفظ وكونه يسبق بعض حروفه بعضا لم يدخله شك في حدوثه، وإذا كان الأمر كذلك فلا قول ولا خطاب لفظيا، وإنما ذلك عبارة عن سرعة الإيجاد، فهو من مجاز التمثيل حتى كأن المعدوم موجود يقبل الأمر ويمتثله بسرعة..

### الآية 2:118

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [2:118]

{ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( ١١٨ )
قوله تعالى : وقال الذين لا يعلمون  الآية، قال الربيع والسدي : هم كفار العرب }( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد : وقد طلب عبد الله بن أبي أمية وغيره من النبي صلى الله عليه نحو هذا، فنفى عنهم العلم لأنهم لا كتاب عندهم ولا اتباع نبوة، وقال مجاهد : هم النصارى( [(٢)](#foonote-٢) ) لأنهم المذكورون في الآية أولاً، ورجحه الطبري، وقال ابن عباس : المراد من كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود، لأن رافع بن حريملة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أسمعنا كلام الله، وقيل : الإشارة بقوله  لا يعلمون  إلى جميع هذه الطوائف، لأن كلهم قال هذه المقالة أو نحوها، ويكون  الذين من قبلهم  قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، و  لولا  تحضيض بمعنى هلا( [(٣)](#foonote-٣) )، كما قال الأشهب بن رميلة :\[ الطويل \]
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفضلَ مجدِكُمْ. . . بني ضَوْطَرى لولا الكميّ المقنعا( [(٤)](#foonote-٤) )
وليست هذه  لولا  التي تعطي منع الشيء لوجوب غيره، وفرق بينهما أنها في التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهراً أو مقدراً، وعلى بابها في المنع للوجوب( [(٥)](#foonote-٥) ) يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر، والآية هنا العلامة الدالة، وقد تقدم القول في لفظها( [(٦)](#foonote-٦) )، و  الذين من قبلهم  اليهود والنصارى في قول من جعل  الذين لا يعلمون  كفار العرب، وهم الأمم السالفة في قول من جعل  الذين لا يعلمون  كفار العرب والنصارى واليهود، وهم اليهود في قول من جعل  الذين لا يعلمون  النصارى، والكاف الأولى من  كذلك  نعت لمصدر مقدر، و  مثل  نعت لمصدر محذوف، ويصح أن يعمل فيه،  قال  : وتشابه القلوب هنا في طلب ما لا يصح أو في الكفر وإن اختلفت ظواهرهم، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة **«تَشَّابهت »** بشد الشين، قال أبو عمرو الداني : وذلك غير جائز لأنه فعل ماض. 
وقوله تعالى : قد بينا الآيات لقوم يوقنون  لما تقدم ذكر الذين أضلهم الله حتى كفروا بالأنبياء وطلبوا ما لا يجوز لهم أتبع ذلك الذين بين لهم ما ينفع وتقوم به الحجة، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين، فلذلك خصهم بالذكر، ويحتمل أن يكون المعنى قد بينا البيان الذي هو خلق الهدى، فكأن الكلام قد هدينا من هدينا، واليقين إذا اتصف به العلم خصصه وبلغ به نهاية الوثاقة( [(٧)](#foonote-٧) )، وقوله تعالى  بينا  قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينة أخرى، وهي أن الكلام مدح لهم، وأما اليقين في استعمال الفقهاء إذا لم يتصف به العلم فإنه أحط من العلم، لأن العلم عندهم معرفة المعلوم على ما هو به واليقين معتقد يقع للموقن في حقه والشيء على خلاف معتقده، ومثال ذلك تيقن المقلد ثبوت الصانع، ومنه قول مالك - رحمه الله - في **«الموطأ »** في مسألة الحالف على الشيء يتيقنه الشيء في نفسه على غير ذلك. ( [(٨)](#foonote-٨) )
قال القاضي أبو محمد : وأما حقيقة الأمر فاليقين هو الأخص وهو ما علم على الوجه الذي لا يمكن أن يكون إلا عليه.

١ - رجح الحافظ (ك) هذا القول بسرد آيات تدل على عتو المشركين وعنادهم انظره..
٢ - ونفى عنهم العلم كما نفى عن اليهود على قول ابن عباس الآتي: لأنهم لم يعملوا بمقتضاه، وقد تقرر أن الذي لا يعمل بالعلم ينزل منزلة الجاهل به..
٣ - أي: هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو تأتينا آية دالة على نبوته..
٤ - الأشهب: هو أبو ثور، ورميلة بالراء المهملة اسم أمه، وقد نسب بعضهم هذا البيت إلى جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق وقومه، وهو الصحيح، والنيب: جمع نابة وهي الناقة المسنة، ويقال للقوم إذا كانوا لا يغنون غناء: (بنو ضوطرى)، وهم أيضا حي معروف، وقيل الضوطرى: الحمقى- وصححه ابن سيدة، ولولا الكمي المقنعا (لولا): بمعنى هلا، أي هلا تعدون الكمي المقنع بالسلاح..
٥ - أي منع الشيء لوجوب غيره أي لوجود غيره..
٦ - في أول الكتاب عند التعرض لشرح الآية والسورة..
٧ - اليقين هو العلم الحاصل عن نظر واستدلال، ولهذا لا يسمى علم الله يقينا، ويقال: علم اليقين، وعلم يقين- فاليقين إذا اتصف به العلم قواه وبلغ به نهاية الوثاقة..
٨ - يعني أن اليقين أحط من العلم بثبوت الصانع، وقد يتيقن المقلد شيئا وهو على خلاف ذلك، ومنه قول الإمام مالك في مسألة الحالف، فقوله: "ومثال ذلك" راجع إلى قوله: "فإنه أحك من العلم"، وقوله: "ومنه قول مالك" راجع إليه وإلى أن الشيء قد يكون على خلاف ما يعتقده ويتيقنه..

### الآية 2:119

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [2:119]

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ( ١١٩ )
المعنى  بشيراً  لمن آمن،  ونذيراً  لمن كفر، وقرأ( [(١)](#foonote-١) ) نافع وحده **«ولا تسألْ »** بالجزم على النهي، وفي ذلك معنيان : أحدهما لا تسأل على جهة التعظيم لحالهم من العذاب، كما تقول : فلان لا تسأل عنه، تعني أنه في نهاية تشهره من خير أو شر، والمعنى الثاني( [(٢)](#foonote-٢) ) روي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«ليت شعري ما فعل أبواي »** فنزلت  ولا تسأل ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وحكى المهدوي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«ليت شعري أي أبوي أحدث موتاً »**، فنزلت( [(٤)](#foonote-٤) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا خطأ ممن رواه أو ظنه لأن أباه مات وهو في بطن أمه، وقيل وهو ابن شهر، وقيل ابن شهرين، وماتت أمه بعد ذلك بخمس سنين منصرفة به من المدينة من زيارة أخواله، فهذا مما لا يتوهم أنه خفي عليه صلى الله عليه وسلم، وقرأ باقي السبعة **«ولا تُسألُ »** بضم التاء واللام، وقرأ قوم **«ولا تَسألُ »** بفتح التاء وضم اللام، ويتجه في هاتين القراءتين معنيان : أحدهما الخبر أنه لا يسأل عنهم، أو لا يسأل هو عنهم، والآخر أن يراد معنى الحال كأنه قال : وغير مسؤول( [(٥)](#foonote-٥) ) أو غير سائل( [(٦)](#foonote-٦) ) عنهم، عطفاً على قوله  بشيراً ونذيراً ، وقرأ أبي بن كعب **«وما تسأل »** وقرأ ابن مسعود **«ولن تسأل »**، وهاتان القراءتان تؤيدان معنى القطع والاستئناف في غيرهما( [(٧)](#foonote-٧) )، و  الجحيم  إحدى طبقات النار. 
١ - ذكر الواحدي في الوسيط أن نافعا قرأ (تسأل) بفتح التاء وجزء اللام على النهي للنبي صلى الله عليه وسلم. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فدله عليهما، فذهب إلى القبرين ودعا لهما وتمنى أن يعرف حال أبويه في الآخرة فنزلت الآية، وهذا ما ذكره، والذي نعتقده ونتقرب به إلى الله تعالى نجاتهما لما بينه الحافظ السيوطي في مؤلفاته في هذا الموضوع، فإنه قد أزال كل شبهة رضي الله عنه وأرضاه..
٢ - هذا المعنى الثاني ذكر فيه المؤلف قولين – الأول ما روي عن محمد بن كعب القرظي- والثاني ما حكاه المهدوي رحمه الله، وقد اعترض على الثاني وخطأه..
٣ - رواه عبد الرزاق، وابن جرير بسندهما عن محمد بن كعب القرظي، قال الحافظ السيوطي فيما رواه عبد الرزاق: إنه مرسل ضعيف الإسناد، وفيما رواه ابن جرير: إنه معضل الإسناد ضعيف لا تقوم بهما حجة. وقد رد ابن جرير رحمه الله ما روي عن محمد ابن كعب وغيره، انظره..
٤ - ما حكاه المهدوي من رواية: (أي أبوي أحدث موتا) هراء من القول، ولذلك اعترض عليه ابن عطية رحمه الله بلهجة حادة..
٥ - أي أنه لا يكون مسؤلا ولا مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار..
٦ - يعني أن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم، وفي هذا ما يدل على أن أحدا لا يسأل عن ذنب أحد، (ولا تزر وازرة وزر أخرى)..
٧ - قال (ح) قراءة الجمهور وقراءة أبي بن كعب تحتمل الاستئناف وهو الأظهر، وتحتمل أن تكون في موضع الحال- وأما قراءة ابن مسعود فيتعين فيها الاستئناف، والمعنى على الاستئناف أنك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا، لأن ذلك ليس إليك، إن عليك إلا البلاغ، فكأنه قيل: لست مسئولا عنهم فلا يحزنك كفرهم، وأما قراءة نافع فهي على الاستئناف- تأمل، والله أعلم..

### الآية 2:120

> ﻿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:120]

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( ١٢٠ )
ويقال : رضي يرضى رضىً ورضاً ورضواناً، وحكي رضاءً ممدوداً، وقال : ملتهم  وهما مختلفتان بمعنى لن ترضى اليهود حتى تتبع ملتهم ولن ترضى النصارى حتى تتبع ملتهم، فجمعهم( [(١)](#foonote-١) ) إيجازاً، لأن ذلك مفهوم، والملة الطريقة، وقد اختصت اللفظة بالشرائع والدين، وطريق ممل أي قد أثر المشي فيه. ( [(٢)](#foonote-٢) )
وروي أن سبب هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعاً منهم، فأعلمه الله تعالى أن إعطاء الهدنة لا ينفع عندهم، وأطلعه على سر خداعهم. 
وقوله تعالى : قل إن هدى الله هو الهدى  أي ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء. 
ثم قال تعالى لنبيه  ولئن اتبعت أهواءهم  الآية، فهذا شرط( [(٣)](#foonote-٣) ) خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته معه داخلة فيه( [(٤)](#foonote-٤) )، و **«أهواء »** جمع هوى، ولما كانت مختلفة جمعت، ولو حمل على إفراد الملة لقيل هواهم، والولي الذي يتولى الإصلاح والحياطة والنصر والمعونة، و  نصير  بناء مبالغة في اسم الفاعل من نصر. 
١ - استدل بعضهم على أن الكفر ملة واحدة بإفراد الملة هنا، وبقوله تعالى: \[لكم دينكم ولي دين\]..
٢ - طريق ممل أي مسلوك ومطروق بكثرة المشيء فيه. والملة اسم من أمليت الكتاب ثم نقلت إلى الدين والشريعة باعتبار أنها يمليها النبي على الناس فيتناولونها، ومن الناس من يفرق بين الملة والدين فيقول: الملة ما دعا الله العباد إليه، والدين ما فعله العباد عن أمره..
٣ - واللام مشعرة بقسم محذوف، والكلام مبني على القسم لاعلى الشرط، ولو بني على الشرط لدخلت الفاء في قوله تعالى: (مالك من الله من ولي ولا نصير)..
٤ - الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، لأن النبي عليه السلام معصوم من اتباع الأهواء، فالكلام من باب التغليظ والتشديد في اتباع أهل البدع والأهواء، وترك ما جاء به الكتاب والسنة من العلم، وقد نبه ابن عطية رحمه الله على هذا المعنى عند قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين)، وكان عليه أن ينبه على ذلك هنا إذ هذه أول آية توهم ما لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم..

### الآية 2:121

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:121]

الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ  ( ١٢١ )
وقوله تعالى : الذين آيتناهم الكتاب  الآية،  الذين  رفع بالابتداء، و  آيتناهم الكتاب  صلة، وقال قتادة : المراد ب  الذين  في هذا الموضع من أسلم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، و  الكتاب  على هذا التأويل القرآن، وقال ابن زيد : المراد من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل، و  الكتاب  على هذا التأويل التوراة، و  آتيناهم  معناه أعطيناهم، وقال قوم : هذا مخصوص في الأربعين الذين وردوا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في السفينة، فأثنى الله عليهم، ويحتمل أن يراد ب  الذين  العموم في مؤمني بني إسرائيل والمؤمنين من العرب، ويكون  الكتاب  اسم الجنس، و  يتلونه  معناه يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر والنهي، وقيل  يتلونه  يقرؤونه حق قراءته، وهذا أيضاً يتضمن الاتباع والامتثال( [(١)](#foonote-١) )، و  يتلونه  إذا أريد ب  الذين  الخصوص فيمن اهتدى يصح أن يكون خبر الابتداء ويصح أن يكون  يتلونه  في موضع الحال والخبر  أولئك ، وإذا أريد ب  الذين  العموم لم يكن الخبر إلا  أولئك ، و  يتلونه  حال لا يستغنى عنها وفيها الفائدة، لأنه لو كان الخبر في  يتلونه  لوجب أن يكون كل مؤمن يتلو الكتاب  حق تلاوته ( [(٢)](#foonote-٢) )، و  حق  مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى أفعل، ولا يجوز إضافته إلى واحد معرف، وإنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم رجل واحد أمة، ونسيج وحده، والضمير في  به ( [(٣)](#foonote-٣) ) عائد على  الكتاب ، وقيل : يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن متبعي التوراة يجدونه فيها فيؤمنون به. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل عندي أن يعود على  الهدى  الذي تقدم( [(٤)](#foonote-٤) )، وذلك أنه ذكر كفار اليهود والنصارى في أول لآية وحذر رسوله من اتباع أهوائهم، وأعلمه بأن  هدى الله هو الهدى  الذي أعطاه وبعثه به، ثم ذكر له أن المؤمنين التالين لكتاب الله هم المؤمنون بذاك الهدى المقتدون بأنواره، والضمير في  يكفر به  يحتمل من العود ما ذكر في الأول( [(٥)](#foonote-٥) )، و  فأولئك هم الخاسرون  ابتداء وعماد وخبر، أو ابتداء وابتداء وخبر، والثاني خبره خبر الأول، والخسران نقصان الحظ. 
١ - لأن المراد يرتلون ألفاظه ويفهمون معانية، وبفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفقه الله تعالى..
٢ - يعني وليس كذلك سواء فسرت التلاوة بالاتباع والامتثال، أو بالترتيل وإدراك المعنى..
٣ - في قوله: (أولئك يؤمنون به)..
٤ - هو إن كان محتملا لذلك فالأولى عوده على (الكتاب) لتناسب الضمائر، وعدم تنافرها، فإن تشتيت الضمائر من شأنه التعقيد والإلباس..
٥ - أي من الأقوال. والمراد بالأول الضمير في (به) من قوله: (يؤمنون به)..

### الآية 2:122

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:122]

قوله عز وجل( [(١)](#foonote-١) ) :
 يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  ( ١٢٢ )
قرأ الحسن وغيره **«نعمتي »** بتسكين الياء تخفيفاً، لأن أصلها التحريك كتحريك الضمائر لك وبك، ثم حذفها الحسن للالتقاء، وفي السبعة من يحرك الياء، ومنهم من يسكنها، وإن قدرنا فضيلة بني إسرائيل مخصوصة في كثرة الأنبياء وغير ذلك فالعالمون عموم مطلق، وإن قدرنا تفضيلهم على الإطلاق فالعالمون عالمو زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل منهم بالنص.

١ - وجه إعادة هذه الآية مع تقدمها والله أعلم هو المبالغة في نصحهم، والحث على اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا تضيع عليهم الفرصة..

### الآية 2:123

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:123]

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ( ١٢٣ )
وقد تقدم القول على مثل هذه الآية إلى قوله : ينصرون  ومعنى  لا تنفعها شفاعة  أي ليست ثم، وليس( [(١)](#foonote-١) ) المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد، وإنما نفى أن تكون ثم شفاعة على حد ما هي في الدنيا، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة في خاصتهم، وأما الأخيرة التي هي بإذن من الله تعالى في أهل المعاصي من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه، وليس لهؤلاء المتوعدين من الكفار منها شيء. 
١ - لم ينبه رحمه الله على هذا في الآية السابقة، ويغلب من صنيعه أنه لا ينبه على الشيء في أول موضع من مواضعه، ولذلك ينبغي استقراء الآيات التي تتشابه في المعنى حتى يتضح رأيه كاملا..

### الآية 2:124

> ﻿۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [2:124]

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( ١٢٤ )
والعامل في  إذ  فعل، تقديره : واذكر( [(١)](#foonote-١) ) إذ،  ابتلى  معناه اختبر( [(٢)](#foonote-٢) )، و  إبراهيم  يقال إن تفسيره بالعربية أب رحيم( [(٣)](#foonote-٣) )، وقرأ ابن عامر في جميع سورة البقرة **«أبراهام »**، وقدم على الفاعل للاهتمام، إذ كون الرب مبتلياً معلوم، فإنما يهتم السامع بمن  ابتلي ، وكون ضمير المفعول متصلاً بالفاعل موجب تقديم المفعول( [(٤)](#foonote-٤) )، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام. 
واختلف أهل التأويل في الكلمات( [(٥)](#foonote-٥) )، فقال ابن عباس : هي ثلاثون سهماً، هي الإسلام كله لم يتمه أحد كاملاً إلا إبراهيم صلوات الله عليه، عشرة منها في براءة  التائبون العابدون  \[ التوبة : ١١٢ \]، عشرة في الأحزاب  إن المسلمين والمسلمات  \[ الأحزاب : ٣٥ \]، وعشرة في  سأل سائل ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ المعارج : ١ \]، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة : الكلمات عشر خصال خمس منها في الرأس المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وفرق الرأس، وقيل بدل فرق الراس : إعفاء اللحية، وخمس في الجسد تقليم الظفر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان، وقال ابن عباس أيضاً : هي عشرة خصال، ست في البدن وأربع في الحج : الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة، والطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة، وقال الحسن بن أبي الحسن : هي الخلال الست التي امتحن بها، الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، وقيل بدل الهجرة : الذبح، وقالت طائفة : هي مناسك الحج خاصة، وروي أن الله عز وجل أوحى إليه أن تطهر، فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستاك، ثم أن تطهر فأخذ من شاربه، ثم أن تطهر ففرق شعره، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ما يصنع فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. ( [(٧)](#foonote-٧) )
قال القاضي أبو محمد : وفي البخاري أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. ( [(٨)](#foonote-٨) )
وقال الراوي( [(٩)](#foonote-٩) ) : فأوحى الله إليه  إني جاعلك للناس إماماً  يأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا أقوى الأقوال في تفسير هذه الآية، وعلى هذه الأقوال كلها فإبراهيم عليه السلام هو الذي أتم. 
وقال مجاهد وغيره : إن الكلمات هي أن الله عز وجل قال لإبراهيم : إني مبتليك بأمر فما هو ؟ قال إبراهيم : تجعلني للناس إماماً، قال الله : نعم، قال إبراهيم : تجعل البيت مثابة، قال الله : نعم، قال إبراهيم وأمناً، قال الله : نعم، قال إبراهيم : وترينا مناسكنا وتتوب علينا، قال الله : نعم، قال إبراهيم : تجعل هذا البلد آمناً، قال الله : نعم، قال إبراهيم : وترزق أهله من الثمرات، قال الله : نعم. ( [(١٠)](#foonote-١٠) )
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم، وقد طول المفسرون في هذا، وذكروا أشياء فيها بعد فاختصرتها، وإنما سميت هذه الخصال كلمات، لأنها اقترنت بها أوامر هي كلمات، وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أتم هذه الكلمات أو أتمها الله عليه كتب الله له البراءة من النار، فذلك قوله تعالى : وإبراهيم الذي وفى ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ النجم : ٣٧ \]. 
والإمام القدوة، ومنه قيل لخيط البناء : إمام، وهو هنا اسم مفرد، وقيل في غير هذا الموضع : هو جمع آم وزنه فاعل أصله آمم، فيجيء مثل قائم وقيام وجائع وجياع ونائم ونيام. 
وجعل الله تعالى إبراهيم إماماً لأهل طاعته، فلذلك أجمعت الأمم على الدعوى فيه( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وأعلم الله، تعالى أنه كان حنيفاً، وقول إبراهيم عليه السلام : ومن ذريتي ، هو على جهة الدعاء والرغبة إلى الله، أي ومن ذريتي يا رب فاجعل( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وقيل : هذا منه على جهة الاستفهام عنهم، أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون( [(١٤)](#foonote-١٤) ) ؟ والذرية مأخوذة من ذرا يذرو أو من ذرى يذري أو من ذر يذر أو من ذرأ يذرأ، وهي أفعال تتقارب معانيها، وقد طول في تعليلها أبو الفتح وشفى. ( [(١٥)](#foonote-١٥) )
وقوله تعالى : قال لا ينال عهدي ، أي قال الله، والعهد فيما قال مجاهد : الإمامة، وقال السدي : النبوءة، وقال قتادة : الأمان من عذاب الله، وقال الربيع والضحاك : العهد الدين : دين الله تعالى. 
وقال ابن عباس : معنى الآية لا عهد عليك لظالم أن تطيعه، ونصب  الظالمين  لأن العهد ينال كما ينال( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وقرأ قتادة وأبو رجاء والأعمش **«الظالمون »** بالرفع، وإذا أولنا العهد الدين أو الأمان أو أن لا طاعة لظالم فالظلم في الآية ظلم الكفر، لأن العاصي المؤمن ينال الدين والأمان من عذاب الله وتلزم طاعته إذا كان ذا أمر، وإذا أولنا العهد النبوءة أو الإمامة في الدين فالظلم ظلم المعاصي فما زاد( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
١ - وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون العامل فيه فعلا مضمرا معطوفا على قوله: (اذكروا) خطاب لبني إسرائيل ليتأملوا فيما يحكي عمن ينتمون إليه وهو إبراهيم عليه السلام..
٢ - التكاليف إنما وضعت للابتلاء والاختبار ليظهر في الشاهد ما سبق به العلم في الغائب، وقد سبق العلم بأن هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، بحسب ذلك الابتلاء- فالاختبار من الله لإظهار ما قد علم- والاختبار منا لظهور ما لم نعلم..
٣ - وكذلك بالسريانية، وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السريانية والعربية، أو يتقاربان في اللفظ كما قاله الإمام السهيلي رحمه الله..
٤ - قال ابن مالك رحمه الله:
 وشاع نحو خاف ربه عمر وشذ نحو زان نوره الشجر
 فما في الآية الكريمة مفهوم قوله: وشذ نحو زان نوره الشجر..
٥ - هذه الآشياء التي فسرت بها الكلمات إن كانت أقوالا فذلك ظاهر في تسميتها كلمات، وإن كانت أفعالا فإطلاق الكلمات عليها مجاز، لأن التكاليف الفعلية صدرت عن أوامر، والأوامر كلمات..
٦ - الذي عند المفسرين: عشرة في براءة، وعشرة في الأحزاب، وعشرة في سورة المؤمنون وفي سورة المعارج، ولا تكمل العشرة إلا بمجموع السورتين..
٧ - قال (ح) رحمه الله: والكلمات لم تبين في القرآن ما هي، ولا في الحديث الصحيح ولذلك كان للمفسرين فيها أقوال. قال شيخ التفسير الإمام (ط) رحمه الله: "ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع، قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له" اهـ. وقال في فتح القدير: وإذا لم يصح شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جاءنا من طريق تقوم به الحجة تعيين تلك الكلمات لم يبق لنا إلا أن نقول: إنها ما ذكره الله سبحانه في كتابه بقوله: (قال إني جاعلك للناس) إلى آخر الآيات، ويكون ذلك بيان الكلمات. قال العلامة القاسمي: وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام فأسلم لرب العالمين، وابتلاؤه بالهجرة فخرج من بلده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله، وابتلاؤه بالنار فصبر عليها، ثم ابتلاؤه بالختان فصبر عليه، ثم ابتلاؤه بذبح ابنه فسلم واحتسب كما يؤخذ ذلك من سيرته في التنزيل العزيز وسفر التكوين من التوراة، ففيهما بيان ما ذكرنا من شأنه عليه الصلاة والسلام من قيامه بتلك الكلمات حق القيام، وتوفيتهن أحسن الوفاء، وهذا معنى قوله تعالى: (فأتمهن)، كقوله تعالى: (وإبراهيم الذي وفى)، والإتمام: التوفية". اهـ..
٨ - في صحيح البخاري: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم). اهـ..
٩ - أي الذي روى ما سبق من الأمور العشرة التي أمر إبراهيم عليه السلام بالتطهر منها، ويعني أنه لما أتمها ووفى بها كان جزاؤه أن جعله الله إماما يقتدى به، وأوحى له بذلك. وفي بعض النسخ: "قال الرازي"، ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى أبي جعفر الرازي رحمه الله ابن عيسى بن ماهان صاحب الروايات الغريبة إذا كان قد روى ما ذكره المؤلف، والله أعلم..
١٠ - قول مجاهد وغيره كالربيع بن أنس هو ما قدمناه سابقا عن فتح القدير في بحث الكلمات اللائي أتمهن إبراهيم عليه السلام، وقد قال الإمام (ط): إن قول مجاهد ومن معه أولى بالصواب..
١١ - الآية ٣٧ من سورة النجم. هذا وقد جعل الله جزاء إبراهيم على إتمامه وتوفيته لما كلفه أمرين: جعله إماما للناس- وبراءته من النار..
١٢ - أي كل يدعيه، ويعتزي إليه، فهو إمام الجميع..
١٣ - قال في الكشاف: (ومن ذريتي) عطف على الكاف- كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدا. اهـ، ومثل هذا العطف يسمى بالعطف التلقيني كقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين قال: (والمقصرين). وقد ناقش (ح) رحمه الله الإعراب الذي أعربه صاحب الكشاف وقال: الذي يقتضيه المعنى أن يكون (ومن ذريتي) متعلقا بمحذوف والتقدير: واجعل من ذريتي إماما، لأن إبراهيم عليه السلام فهم من قوله تعالى: \[إني جاعلك للناس\] الاختصاص، فسأل الله أن يجعل من ذريته إماما. اهـ.
 وهذا الذي ذكره (ح) هو الذي قرره ابن عطية رحمه الله أولا..
١٤ - هذا ضعيف كما هو ظاهر، فالإعراب الأول هو الذي عليه المعول كما قدمناه عن (ح)..
١٥ - يعني أنه في اصل الكلمة مذاهب، قيل: من الذَّوْر، أو الذَّرْي، أو الذَّرِّ.
١٦ - أي لا ينال عهدي الظالمين، أو لا ينال الظالمون عهدي، فلو أخر هذا التعليل وذكره بعد القراءتين معا لكان أوجه.
 تنبيهان: الأول في قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين)، إجابة لما طلبه إبراهيم عليه السلام، وتؤخذ هذه الإجابة من مفهوم الوصف الذي يفيد أن ذريته تنقسم إلى ظالم وغير ظالم، والظالم لا يناله عهد الله، وغير الظالم يناله.
 الثاني: المراد بالعهد في هذا المقام هو النبوة والإمامة في الدين، كما يدل على ذلك السبب والسياق، وليس المراد من ذلك الإمامة الدنيوية بمعنى السلطة والملك خلافا لمن قصر نظره على ما يعطيه اللفظ من العموم دون نظر إلى سياق الآية وسببها والله أعلم..
١٧ - لأن العاصي لا يكون نبيا ولا إماما في الدين..

### الآية 2:125

> ﻿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [2:125]

**قوله عز وجل :**
 وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( ١٢٥ )
قوله  وإذ  عطف على  إذ  المتقدمة و  البيت  الكعبة، و  مثابة  يحتمل أن تكون من ثاب إذا رجع لأن الناس يثوبون إليها أي ينصرفون، ويحتمل أن تكون من الثواب أي يثابون هناك، قال الأخفش : دخلت الهاء فيها للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع، لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً( [(١)](#foonote-١) )، فهي كنسابة وعلامة، وقال غيره : هي هاء تأنيث المصدر، فهي مفعلة أصلها مثوبة نقلت حركة الواو إلى الثاء فانقلبت الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وقيل : هو على تأنيث البقعة، كما يقال : مقام ومقامة، وقرأ الأعمش **«مثابات »** على الجمع، وقال ورقة بن نوفل في الكعبة( [(٢)](#foonote-٢) ) :\[ الطويل \] :
مثاب لأفناءِ القبائلِ كلِّها . . . تخبُّ إليها اليَعْمَلاتُ الطلائِحُ( [(٣)](#foonote-٣) )
و  أمناً  معناه أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي أمنة من ذلك، يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه، لأن الله تعالى جعل في النفوس حرمة وجعلها أمناً للناس والطير والوحوش، وخصص الشرع من ذلك الخمس الفواسق، على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وجمهور الناس **«واتخِذوا »** بكسر الخاء على جهة الأمر، فقال أنس بن مالك وغيره : معنى ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : وافقت ربي في ثلاث، في الحجاب، وفي  عسى ربه إن طلقكن ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ التحريم : ٥ \]، وقلت يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت  واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( [(٥)](#foonote-٥) ). 
قال القاضي أبو محمد : فهذا أمر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال المهدوي : وقيل ذلك عطف على قوله  اذكروا  فهذا أمر لبني إسرائيل، وقال الربيع بن أنس : ذلك أمر لإبراهيم ومتبعيه، فهي من الكلمات( [(٦)](#foonote-٦) )، كأنه قال : إني جاعلك للناس إماماً  \[ البقرة : ١٢٤ \]  واتخذوا ، وذكر المهدوي رحمه الله أن ذلك عطف على الأمر يتضمنه قوله : جعلنا البيت مثابة ، لأن المعنى : توبوا، وقرأ نافع وابن عامر **«واتخذوا »** بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم، وذلك معطوف على قوله  وإذا جعلنا ، كأنه قال : وإذ اتخذوا، وقيل هو معطوف على جعلنا دون تقدير إذ، فهي جملة واحدة( [(٧)](#foonote-٧) )، وعلى تقدير إذ فهي جملتان. 
واختلف في  مقام إبراهيم ، فقال ابن عباس وقتادة وغيرهما، وخرجه البخاري : إنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وقال الربيع بن أنس : هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه وهو راكب، جاءته به من شق ثم من شق فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه( [(٩)](#foonote-٩) )، وقال فريق من العلماء : المقام المسجد الحرام، وقال عطاء بن أبي رباح : المقام عرفة والمزدلفة والجمار، وقال ابن عباس : مقامه مواقف الحج كلها، وقال مجاهد : مقامه الحرم كله. 
و  مصلى  موضع صلاة، هذا على قول من قال : المقام الحجر، ومن قال بغيره قال  مصلى  مدعى، على أصل الصلاة( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
وقوله تعالى : وعهدنا  العهد في اللغة على أقسام، هذا منها( [(١١)](#foonote-١١) ) الوصية بمعنى الأمر، و  أن  في موضع نصب على تقدير بأن وحذف الخافض، قال سيبويه : إنها بمعنى أي مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب، و  طهرا  قيل معناه ابنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة( [(١٢)](#foonote-١٢) )، فيجيء مثل قوله : أسس على التقوى  \[ التوبة : ١٠٨ \] وقال مجاهد : هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان، وقيل : من الفرث والدم. ( [(١٣)](#foonote-١٣) )
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لا تعضده الأخبار، وقيل : من الشرك، وأضاف الله البيت إلى نفسه تشريفاً للبيت، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك، و  للطائفين  ظاهره أهل الطواف، وقاله عطاء وغيره، وقال ابن جبير : معناه للغرباء الطارئين على مكة، و 
 العاكفين  قال ابن جبير : هم أهل البلد المقيمون، وقال عطاء : هم المجاورون بمكة، وقال ابن عباس : المصلون، وقال غيره : المعتكفون. 
قال القاضي أبو محمد : والعكوف في اللغة اللزوم للشيء والإقامة عليه، كما قال الشاعر \[ العجاج \] :\[ الرجز \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عكف النبيط يلعبون الفنزجا( [(١٤)](#foonote-١٤) )
فمعناه لملازمي البيت إرادة وجه الله العظيم، و  الركع السجود  المصلون، وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى، وكل مقيم عند بيت الله إرادة ذات الله( [(١٥)](#foonote-١٥) ) فلا يخلو من إحدى هذه الرتب الثلاث، إما أن يكون في صلاة أو في طواف فإن كان في شغل من دنياه فحال العكوف على مجاورة البيت لا يفارقه. 
١ - بل إليه مرة بعد أخرى، فليس هو مرة في الزمان فقط..
٢ - أي في وصفها، ورقة شيخ كبير كان على دين النصرانية، وهو ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم أول الوحي: "إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا" هذا والذي في لسان العرب وشرح القاموس في مادة (ثاب) أن البيت لأبي طالب..
٣ - وفي رواية الذوامل –يقال: (هو من أفناء الناس) أي لا يدري من أي قبيلة هو، والأفناء الأخلاط واحدها فنو، واليعملات بفتح الميم جمع يَعْمَلة وهي: النجيبة من الإبل، الطبوعة على العمل، والطلائح: الإبل التي أضمرها الإعياء..
٤ - من الآية ٥ من سورة التحريم..
٥ - حديث الموافقة خرجه البخاري عن أنس بن مالك، وخرجه مسلم عن ابن عمر وعلى ما قاله أنس بن مالك فالأمر مقطوع عما قبله، والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم- وعلى ما قاله غيره فالخطاب لبني إسرائيل على أنه معطوف على (اذكروا) أو لإبراهيم وأتباعه على أنه معطوف على معنى (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس)، فهو في معنى ثوبوا واتخذوا، والأظهر أنه أمر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم..
٦ - أي التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام..
٧ - أي كلمة واحدة من الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم..
٨ - هذا هو القول الصحيح كما ثبت في الصحيح، وهذا الحجر كان لاصقا بالكعبة ثم حوله عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الموضع الذي يصلى فيه الآن، والمراد بالمقام المكان الذي فيه الحجر المسمى بذلك..
٩ - روى الطبري عن السدي: "والمقام هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع إبراهيم رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت الشق الآخر فغسلته فغابت رجله أيضا، فجعلها الله من شعائره فقال: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)..
١٠ - أي موضع دعاء على أصل الصلاة في اللغة، والأظهر فيه الصلاة الشرعية لا اللغوية والله أعلم..
١١ - هكذا في النسخ التي بين أيدينا- ويبدو أن في الكلام خطأ من الناسخين- والمعروف أن العهد إذا تعدى بإلى كما في هذه الآية كان بمعنى التوصية، ويمكن أن يراد به الأمر تجوزا. على أن كلام المؤلف يستقيم لو حذفنا لفظة (هذا)- وتصبح العبارة: "العهد في اللغة على أقسام، منها الوصية بمعنى الأمر"..
١٢ - أي على نية الطهارة والتوحيد حالا واستقبالا. فيكون مثل قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى)- وهو من الآية١٠٨ من سورة التوبة..
١٣ - أي لما كان يطرحه المشركون فيه من الفرث والدم في القرابين التي كانوا يتقربون بها إلى أصنامهم..
١٤ - هذا عجز بيت للعجاج يصف ثورا عكفت حوله بقرات- وصدر البيت:
 فهن يعكفن به إذا حجا .............................
 وعكف معناها: أقام حول الشيء، فهو يعكف بضم الكاف وبكسرها –والنبيط: جمع نبطي- وهم قوم من العجم كانوا ينزلون بين العراقين- والفتزج والفتزجة، هي رقصة هؤلاء العجم، إذا أخذ بعضهم بيد بعض ورقصوا. وحجا: معناها أقام- يقال: حجوت بالمكان أقمت به- والشاعر يريد أن يقول: إن الثور حين أقام بمكانه عكفت حوله هذه البقرات كأنها الأعاجم حين يرقصون ويلعبون..
١٥ - أي وجه الله..

### الآية 2:126

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [2:126]

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( ١٢٦ )
وقوله تعالى : وإذا قال إبراهيم  الآية، دعا إبراهيم عليه السلام لذريته وغيرهم بمكة بالأمن ورغد العيش، و  اجعل  لفظه الأمر وهو في حق الله تعالى رغبة ودعاء، و  آمناً  معناه من الجبابرة والمسلطين والعدو المستأصل والمثلات( [(١)](#foonote-١) ) التي تحل بالبلاد. 
وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفراً لا ماء فيه ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيره، ونبتت فيها أنواع الثمرات. 
وروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم أمر جبريل صلوات الله عليه فاقتلع فلسطين، وقيل قطعة من الأردن فطاف بها حول البيت سبعاً وأنزلها بوجّ( [(٢)](#foonote-٢) )، فسميت الطائف بسبب ذلك الطواف( [(٣)](#foonote-٣) ). 
واختلف في تحريم مكة متى كان ؟ فقالت فرقة : جعلها الله حراماً يوم خلق السموات والأرض، وقالت فرقة : حرمها إبراهيم. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والأول قاله النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته ثاني يوم الفتح( [(٤)](#foonote-٤) )، والثاني قاله أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح عنه :**«اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها حرام »**( [(٥)](#foonote-٥) )
ولا تعارض بين الحديثين، لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور( [(٦)](#foonote-٦) )، وكل مقال من هذين الإخبارين حسن في مقامه، عظم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالاً لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضاً من قبل الله تعالى من نافذ قضائه وسابق علمه، و  من  بدل من قوله  أهله ، وخص إبراهيم المؤمنين بدعائه. ( [(٧)](#foonote-٧) )
وقوله تعالى : ومن كفر  الآية قال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما : هذا القول من الله عز وجل لإبراهيم، وقرؤوا **«فأمتّعه »** بضم الهمزة وفتح الميم وشد التاء، **«ثم أضطُّره »** بقطع الألف وضم الراء، وكذلك قرأ السبعة حاشا ابن عامر، فإنه قرأ **«فأمْتِعه »** بضم الهمزة وسكون الميم وتخفيف التاء،  ثم أضطره  بقطع الألف، وقرأ يحيى بن وثاب **«فأمتعه »** كما قرأ ابن عامر **«ثم إضطره »** بكسر الهمزة على لغة قريش في قولهم لا إخال، وقرأ أبي بن كعب **«فنمتعه »** **«ثم نضطره »**( [(٨)](#foonote-٨) )، و  من  شرط والجواب في  فأمتعه ، وموضع  من  رفع على الابتداء والخبر( [(٩)](#foonote-٩) )، ويصح أن يكون موضعها نصباً على تقدير وأرزق من كفر، فلا تكون شرطاً. 
وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : هذا القول هو من إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقرؤوا **«فأَمْتعه »** بفتح الهمزة وسكون الميم **«ثم اضطره »** بوصل الألف وفتح الراء، وقرئت بالكسر، ويجوز فيها الضم، وقرأ ابن محيصن **«ثم اطّره »** بإدغام الضاد في الطاء، وقرأ يزيد بن أبي حبيب **«ثم اضطُره »** بضم الطاء. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
و  قليلاً  معناه مدة العمر، لأن متاع الدنيا قليل، وهو نعت إما لمصدر كأنه قال : متاعاً قليلاً : وإما لزمان، كأنه قال : وقتاً قليلاً أو زمناً قليلاً، و  المصير  مفعل كموضع من صار يصير : و **«بيس »** أصلها بئس، وقد تقدمت في **«بيسما »**( [(١١)](#foonote-١١) )، وأمتعه معناه أخوله الدنيا وأبقيه فيها بقاء قليلاً، لأنه فان منقض، وأصل المتاع الزاد، ثم استعمل فيما يكون آخر أمر الإنسان أو عطائه أو أفعاله، قال الشاعر \[ سليمان بن عبد الملك \] :\[ الطويل \]
وَقَفْتُ على قَبْرٍ غريبٍ بقفرةٍ. . . متاع قليل من حبيبٍ مفارقِ( [(١٢)](#foonote-١٢) )
ومنه تمتيع الزوجات( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ويضطر الله الكافر إلى النار جزاء على كفره. 
١ - جمع مثلة وهي العقوبة، ومنه قوله تعالى: (وقد خلت من قبلهم المثلات) أي أنواع العذاب التي أصابت القرون الماضية..
٢ - بلد بالطائف، وقيل: هو الطائف، وقيل: واد بالطائف، انظر القاموس..
٣ - يعني أن الطائف قطعة من الشام ببركة دعاء إبراهيم عليه السلام..
٤ - أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس وغيره..
٥ - خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وفي اللسان: اللابة: هي الأرض، ألبستها حجارة سود، (عن الأصمعي)، والجمع لابات..
٦ - وحاصله أنه لا منافاة بين الأحاديث التي أثبتت أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وبين الأحاديث التي أثبتت أن إبراهيم حرمها، لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل حرما آمنا عند الله من قبل بناء إبراهيم عليه السلام، كما أن رسول الله كان مكتوبا عند الله خاتم النبيئين وأن آدم لمنجدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) الآية، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه.
 وأجاب شيخ التفسير الإمام (ط) رحمه الله بأنها كانت حراما، إلا أن الله لم يتعبد الخلق بذلك فلما سأله إبراهيم عليه السلام حرمها وتعبدهم بذلك، وكل من الجوابين له موضع حسن..
٧ - أي لما سبق من قوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) فدعا هنا للمؤمنين دون الظالمين تأدبا مع الله تبارك وتعالى..
٨ - تعددت القراءات في هذا المقام، وحاصل ذلك أن قراءة السبعة، وقراءة ابن وثاب، وقراءة أبي بن كعب، وقراءة ابن محيص، وقراءة يزيد بن أبي حبيب- هذه القراءات كلها تدل على الخبرية في الفعلين معا- وأن القول من الله تعالى لإبراهيم- وأما قراءة ابن عباس ومجاهد وغيرهما فهي على الأمر في الفعلين معا، ويكون القول عليها من إبراهيم عليه السلام، وهذه القراءة شاذة، ويأباها السياق، ولا يقبلها نظم الكلام، والله أعلم.
 وقد خلط ابن عطية رحمه الله في عرض القراءات فتأمل..
٩ - عبارة أبي حيان: "ومن يحتمل أن تكون في موضع نصب على إضمار فعل تقديره: وأرزق من كفر فأمتعه، ويكون فأمتعه معطوفا على ذلك الفعل المحذوف- ويحتمل أن تكون من في موضع رفع على الابتداء إما موصولا وإما شرطا، والفاء جواب الشرط أو الداخلة في خبر الموصول لشبهه باسم الشرط، وهو توضيح لما قاله ابن عطية رحمه الله، الذي قد يأتي أحيانا بشيء من الإجحاف والإلفاف في كلامه"..
١٠ - مبني على قراءة الأمر، وهي قراءة ابن عباس ومن معه..
١١ - ابن عطية وأكثر علماء المغرب العربي يميلون إلى التسهيل و التخفيف، ويعدون عدم الهمز أولى من الهمز..
١٢ - هذا البيت تقدم عند قوله تعالى: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) وقد أنشده سليمان بن عبد الملك بعد دفن ولده أيوب- ومن المعروف أن الوقوف على القبر آخر ما يكون من الأعمال بين الأقارب والأنساب..
١٣ - فإنه يكون في آخر الحياة الزوجية عند الطلاق..

### الآية 2:127

> ﻿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:127]

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ١٢٧ )
المعنى واذكر إذ، و  القواعد  جمع قاعدة وهي الأساس، وقال الفراء :**«هي الجدر »**. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا تجوز( [(١)](#foonote-١) )، والقواعد من النساء جمع قاعد وهي التي قعدت عن الولد وحذفت تاء التأنيث لأنه لا دخول للمذكر فيه، هذا قول بعض النحاة، وقد شذ حذفها مع اشتراك المذكر بقولهم ناقة ضامر( [(٢)](#foonote-٢) )، ومذهب الخليل أنه متى حذفت تاء التأنيث زال الجري على الفعل وكان ذلك على النسب. 
و  البيت  هنا الكعبة بإجماع، واختلف بعد( [(٣)](#foonote-٣) ) رواة القصص : فقيل إن آدم أمر ببنائه، فبناه، ثم دثر ودرس حتى دل عليه إبراهيم فرفع قواعده، وقيل : إن آدم هبط به من الجنة، وقيل : إنه لما استوحش في الأرض حين نقص طوله وفقد أصوات الملائكة أهبط إليه وهو كالدرة، وقيل : كالياقوتة، وقيل : إن البيت كان ربوة حمراء، وقيل بيضاء، ومن تحته دحيت الأرض، وإن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر الله ورفع قواعده. 
و الذي يصح من هذا كله أن الله أمر إبراهيم برفع قواعد البيت( [(٤)](#foonote-٤) )، وجائز ِقدمه وجائز أن يكون ذلك ابتداء، ولا يرجح شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر، وقال عبيد بن عمير( [(٥)](#foonote-٥) ) : رفعها إبراهيم وإسماعيل معاً، وقال ابن عباس : رفعها إبراهيم، وإسماعيل يناوله الحجارة، وقال علي بن أبي طالب : رفعها إبراهيم، وإسماعيل طفل صغير. 
قال القاضي أبو محمد : ولا يصح هذا عن علي رضي الله عنه، لأن الآية والآثار تردهُ،  وإسماعيل  عطف على  إبراهيم ، وقيل هو مقطوع على الابتداء وخبره فيما بعد، قال الماوردي : إسماعيل  أصله اسمع يا إيل. 
قال القاضي أبو محمد وهذا ضعيف، وتقدير الكلام : يقولان ربنا تقبل، وهي في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود كذلك بثبوت **«يقولان »**، وقالت فرقة : التقدير وإسماعيل يقول ربنا، وحذف لدلالة الظاهر عليه، وكل هذا يدل على أن إسماعيل لم يكن طفلاً في ذلك الوقت، وخصّا هاتين الصفتين لتناسبهما مع حالهما، أي  السميع  لدعائنا و  العليم  بنياتنا. 
١ - لأن رفع القواعد معناه رفع البناء فوقها لا رفعها في نفسها، ولكن لما كانت متصلة بالبناء المرتفع كان ذلك بمثابة رفعها. والمضارع بحكي الحال الماضية استحضارا لصورتها العجيبة..
٢ - يقال: جمل ضامر وناقة ضامر وضامرة، والجمع ضمر وضوامر، والضمور الهزال، وإذا حذفت التاء من الوصف المشترك فالكلام لا يجري على الفعل وإنما يجري على النسب كما قاله الخليل رحمه الله..
٣ - أي أنه بعد الإجماع على أن المراد بالبيت هو، الكعبة اختلف رواة القصص في أولية البيت..
٤ - الأمر لإبراهيم ببناء البيت رواه الإمام البخاري في صحيحه من طريقين عن ابن عباس في كتاب الأنبياء..
٥ - هو عبيد بن عمير بن قتادة أبو عاصم المكي من كبار التابعين، وقيل: إنه صحابي، قال الحافظ السيوطي:
 وابن عمير من مجاهد أجـــل
 كذاك من طاوس الحبر البدل
 أقدم عـــهـــدا وأجـــل رتــبة
 فإنه تـــعــزى إليه صحــبــة
 ففي زمان المصطفى قد ولدا
 وقال قـــوم بــلـــقاه ســــعدا
 بمكة قد قضى في عهد عمر
 وذاك أول امرئ به ابتكر
 والبدل القائم بحجة الله. وكان أول قاض بمكة على عهد عمر رضي الله عنه، توفي سنة ٦٤هـ..

### الآية 2:128

> ﻿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:128]

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١٢٨ )
وقولهما  اجعلنا  بمعنى صيرنا تتعدى إلى مفعولين، و  مسلمين  هو المفعول الثاني، وكذلك كانا، فإنما أرادا التثبيت والدوام( [(١)](#foonote-١) )، والإسلام في هذا الموضع الإيمان والأعمال جميعاً، وقرأ ابن عباس وعوف( [(٢)](#foonote-٢) ) :**«مسلمين »** على الجمع، و  من  في قوله  ومن ذريتنا  للتبعيض، وخص من الذرية بعضاً لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين، والأمة الجماعة، وحكى الطبري أنه أراد بذلك العرب خاصة. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهو ضعيف، لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي، **«أرِنا »** بكسر الراء، وقرأ ابن كثير **«أرْنا »** بإسكان الراء، وقرأ أبو عمرو بين الإسكان والكسر اختلاساً، والأصل أرئينا حذفت الياء للجزم ونقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت تخفيفاً، واستثقل بعد من سكن الراء الكسرة كما استثقلت في فخذ، وهنا من الإجحاف( [(٣)](#foonote-٣) ) ما ليس في فخذ، وقالت طائفة : أرنا  من رؤية البصر، وقالت طائفة : من رؤية القلب، وهو الأصح، ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفعولين، وينفصل عنه بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدى( [(٤)](#foonote-٤) ). 
قال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر :\[ الطويل \]
أريني جواداً ماتَ هزلاً لأنني . . . أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا( [(٥)](#foonote-٥) )
وقال قتادة : المناسك معالم الحج، وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ودعا بهذه الدعوة بعث الله إليه جبريل فحج به( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال ابن جريج : المناسك المذابح أي مواضع الذبح، وقال فريق من العلماء : المناسك العبادات كلها، ومنه الناسك أي العابد، وفي قراءة ابن مسعود **«وأرهم مناسكهم »** كأنه يريد الذرية، والتوبة الرجوع، وعرفه شرعاً من الشر إلى الخير وتوبة الله على العبد رجوعه به وهدايته له. 
واختلف في معنى طلبهم التوبة وهم أنبياء معصومون، فقالت طائفة : طلبا التثبيت والدوام، وقيل : أرادا من بعدهما من الذرية كما تقول برني فلان وأكرمني وأنت تريد في ولدك وذريتك، وقيل وهو الأحسن عندي( [(٧)](#foonote-٧) ) : إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة. وقال الطبري : إنه ليس أحد من خلق الله تعالى إلا وبينه وبين الله تعالى معانٍ يحب أن تكون أحسن مما هي( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم **«إني لأتوب إلى الله في اليوم وأستغفره سبعين مرة »**( [(٩)](#foonote-٩) ) إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لتزيد علومه واطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لغوية( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
١ - يعني أنهما كانا مسلمين وإنما أراد بالسؤال التثبيت والدوام عليه..
٢ - هو ابن أبي جميلة البصري المعروف بالأعرابي، توفي سنة١٤٦هـ..
٣ - أي النقص، يعرف ذلك مما آلت إليه بعد الأصل، قال (ح) رحمه الله: وقد أنكر بعض الناس الإسكان من أجل أن الكسرة تدل على ما حذف فيقبح حذفها، لأن في إقرارها دلالة على المحذوف، وهذا ليس بشيء- لأن هذا الأصل مرفوض، وأصبحت الحركة كأنها حركة للراء، ولأن الإسكان نقل عن العرب في هذا الحرف، كما في قول الشاعر:
 أرنا إداوة عبد الله نملؤها من ماء زمزم إن القوم قد ظمؤوا
 ولأنها قراءة متواترة فإنكارها ليس بشيء..
٤ - يعني أن (رأى) القلبية وجدت تستعمل متعدية إلى اثنين بالهمز وبدونه، وإذا كانت تتعدى بالهمز إلى اثنين فقد ثبت أن العرب تستعملها استعمالين، ومن ذلك قول حطائط بن يعفر إلخ، غير أن البيت لا يدل على ما ذكره، لأن (رأى) فيه بصرية كما يفهم من متعلقاتها، ولأبي (ح) تعليق على كلام بن عطية هنا يحسن الرجوع إليه في البحر المحيط ١/٣٩٠..
٥ - وبعد البيت:
 ذريني أكـــن للمال ربا ولا يكن
 لي المال ربا تحمدي غـبَّه غـــدا
 ذريني يكن مالي لعرضي وقاية
 ففي المال عرضي قبل أن يتبددا
 والأبيات خطاب لأمه وقد عاتبته على وجوده. وقوله: لأنني، بفتح اللام بمعنى لعلني- وحطائط ابن يعفر النهشلي شاعر جاهلي مقل ولا عقب له، كما أن أخاه الأسود لا عقب له، ومعنى (رأيني) على فهم ابن عطية: عرفيني به، أو دليني على مكانه- فهو لا يريد الرؤية البصرية، وقد ذكرنا أن أب (ح) له رأى يخالف فيه هذا الكلام..
٦ - هناك آثار كثيرة عن السلف من الصحابة ومن بعدهم تتضمن أن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك، وفي أكثرها أن الشيطان تعرض له مرات، والدعوة التي دعا بها إبراهيم هي قوله: أرنا مناسكنا..
٧ - هو وإن كان أحسن فهو بعيد من ظاهر الآية الكريمة، لأن قوله تعالى: (وتب علينا) معناه على ما قال أنهما نبها بذلك الطلب على أن غيرهما ينال في تلك المواضع التوبة ويتنصل من الذنوب وهذا ليس طلبا حقيقيا وإنما هو في معنى التشريع لغير هما بطلب التوبة في هذه المناسك، وهذا خروج عن المعنى الظاهر المتناسق مع ما قبله والله أعلم..
٨ - يعني أنه يتنقل في الدرجات والمقامات من درجة إلى ما هو أحسن منها، ومن مقام إلى ما هو أفضل منه وهكذا، وهذا ما يحبه الله تعالى في المعاني التي تكون بينه وبين عباده، فتوبة الأنبياء عبارة عن تنقلهم من مقام إلى مقام أعلى وتلك هي توبة خواص الخواص..
٩ - خرجه البخاري وغيره في كتاب الدعوات..
١٠ - أي لا شرعية لأن التوبة الشرعية لا تكون إلا من الذنب، والأنبياء معصومون من الذنوب، فتوبتهم ترقيهم في الكمالات واستعلاؤهم في الدرجات..

### الآية 2:129

> ﻿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [2:129]

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  ( ١٢٩ )
قوله تعالى : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم  الآية، هذا هو الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله **«أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى »**( [(١)](#foonote-١) )، ومعنى  منهم  أن يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص،  يتلو  في موضع نصب نعت لرسول أي تالياً عليهم، ويصح أن يكون في موضع الحال، والآيات آيات القرآن، و  الكتاب  القرآن، ونسب التعليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طرق النظر بما يلقيه الله إليه ويوحيه، وقال قتادة : الحكمة  السنة وبيان النبي صلى عليه وسلم الشرائع( [(٢)](#foonote-٢) )، وروى ابن وهب عن مالك : أن الحكمة الفقه في الدين والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى، و  يزكيهم  معناه يطهرهم وينميهم بالخير، ومعنى الزكاة لا يخرج عن التطهير أو التنمية، و  العزيز  الذي يغلب ويتم مراده ولا يرد، و  الحكيم  المصيب مواقع الفعل المحكم لها. 
١ - فدعوة إبراهيم هي قوله تعالى: (وابعث فيهم رسولا) الآية، وقد حقق الله هذا الدعاء، و جعله في آخر الزمان، فكانت رسالته صلى الله عليه وسلم خاتمة للرسالات كلها..
٢ - هذا قول أكثر المفسرين، وهو الصحيح، ولا منافاة بينه وبين قول الإمام مالك: الحكمة الفقه في الدين والفهم الذي هو نور من الله تعالى، فالسنة هي التي تفقه في كتاب الله، والعمل بها هو النور، وبذلك تكون هي العلم والفهم والعمل والاتباع..

### الآية 2:130

> ﻿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [2:130]

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ  ( ١٣٠ )
 من  استفهام في موضع رفع بالابتداء، و  يرغب  خبره، والمعنى يزهد ويربأ بنفسه عنها، والملة الشريعة والطريقة، و  سفه  من السفه الذي معناه الرقة والخفة، واختلف في نصب  نفسه ، فقال الزجاج : سفه  بمعنى جهل وعداه بالمعنى( [(١)](#foonote-١) )، وقال غيره : سفه  بمعنى أهلك، وحكى ثعلب والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها( [(٢)](#foonote-٢) )، وحكي عن أبي الخطاب أنها لغة، وقال الفراء نصبها على التمييز( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : لأن السفه يتعلق بالنفس والرأي والخلق، فكأنه ميزها بين هذه ورأوا أن هذا التعريف ليس بمحض لأن الضمير فيه الإبهام الذي في  من ، فكأن الكلام : إلا من سفه نفساً( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال البصريون : لا يجوز التمييز مع هذا التعريف، وإنما النصب على تقدير حذف **«في »**، فلما انحذف حرف الجر قوي الفعل، وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم ضرب فلان الظهر والبطن أي في الظهر والبطن، وحكى مكي أن التقدير  إلا من سفه  قوله  نفسه  على أن نفسه تأكيد حذف المؤكد وأقيم التوكيد مقامه قياساً على النعت والمنعوت. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول متحامل( [(٥)](#foonote-٥) )، و **«اصطفى »** **«افتعل »** من الصفوة معناه تخير الأصفى، وأبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في الإطباق( [(٦)](#foonote-٦) )، ومعنى هذا الاصطفاء أنه نبأه واتخذه خليلاً، و  في الآخرة  متعلق باسم فاعل مقدر من الصلاح، ولا يصلح( [(٧)](#foonote-٧) ) تعلقه ب  الصالحين  لأن الصلة لا تتقدم الموصول، هذا على أن تكون الألف واللام بمعنى الذي، وقال بعضهم : الألف واللام هنا للتعريف ويستقيم الكلام( [(٨)](#foonote-٨) )، وقيل : المعنى أنه من عمل الآخرة  لمن الصالحين ، فالكلام على حذف مضاف. 
١ - يعني أنه ضمنه معنى فعل آخر وهو (جهل) أو (أهلك)..
٢ - معناه أن سفه يتعدى وهو بمعنى سفه بفتح الفاء وشدها، وقالوا: إن ذلك لغة، والمعنى أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم عليه السلام إلا من جهل نفسه ولم يعرف ما فيها من الدلائل، وقد قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ومن ثم كان الجهل أعظم مذمة لأنه وقد قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ومن ثم كان الجهل أعظم مذمة لأنه مبدأ كل نقيصة، وذلك لأن من جهل نفسه جهل أنه مصنوع، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى الجهل بالصانع، والجهل بالصانع يؤدي إلى قلة المبالاة بأمره ونهيه..
٣ - تقدم أنها مفعولة على التضمين، أو على أنها لغة متعدية، وقال الفراء من الكوفيين: نصبها على التمييز، وقال البصريون: التفسير أي التمييز نكرة ولا تكون المعرفة نكرة، وقد أول ذلك أهل الكوفة، والله أعلم..
٤ - يقول الفراء: لما حول الفعل من النفس إلى صاحبها خرج ما بعده مفسرا ليدل على أن السفه فيه، وكان حكمه أن يكون سفه زيد نفسا لأن المفسر لا يكون إلا نكرة، ولكنه قد ترك على إضافته ونصب كنصب النكرة تشبيها بالمفعول به، وقال المبرد، وثعلب: سفه بالكسر متعد بنفسه، وقد تقدم هذا القول وهو الوجه وما عداه ضعيف..
٥ - أي فيه تحامل وتكلف..
٦ - ولكون مخرجهما واحد فأتي بحرف وسط بين الحرفين..
٧ - وفي بعض النسخ ولا يصح..
٨ - أي على هذا القول، وأن (أل) للتعريف كهي في الرجل والغلام- يستقيم الكلام ويصح تعلق الجار والمجرور بما بعده..

### الآية 2:131

> ﻿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [2:131]

إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( ١٣١ )
وقوله تعالى : إذ قال له ربه أسلم ، العامل في  إذ   اصطفيناه ، وكان هذا القول من الله حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس( [(١)](#foonote-١) ). والإسلام هنا على أتم وجوهه( [(٢)](#foonote-٢) ). 
١ - يعني حين ابتلائه بذلك وإطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وأنه لا بد لها من مدير يدير أمرها ويسير أحوالها فعند ذلك قال الله له: أسلم، قال: (أسلمت لرب العالمين، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين)..
٢ - ذلك أنه ليس كل إسلام إيمانا، ودليل ذلك قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له: أعط فلانا فإنه مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو مسلم). وفي المراصد:
 ويتساوى مؤمن ومســـلم في الصدق للزوم شرعا فاحكم
 وإن تراع فيهما المفهوما كان التغاير به مــــحـكــــــوما.

### الآية 2:132

> ﻿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [2:132]

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( ١٣٢ )
وقرأ نافع وابن عامر **«وأوصى »**، وقرأ الباقون  ووصى ، والمعنى واحد، إلا أن وصى يقتضي التكثير، والضمير في  بها  عائد على كلمته التي هي  أسلمت لرب العالمين ، وقيل : على الملة المتقدمة، والأول أصوب لأنه أقرب مذكور( [(١)](#foonote-١) )، وقرأ عمرو بن فائد الأسواري **«ويعقوبَ »** بالنصب على أن يعقوب داخل فيمن أوصى( [(٢)](#foonote-٢) )، واختلف في إعراب رفعه، فقال قوم من النحاة : التقدير ويعقوب أوصى بنيه أيضاً، فهو عطف على  إبراهيم ، وقال بعضهم : هو مقطوع منفرد بقوله  يا بني ، فتقدير الكلام ويعقوب قال يا بني( [(٣)](#foonote-٣) )، و  اصطفى  هنا معناه تخير صفة الأديان، والألف واللام في  الدين  للعهد( [(٤)](#foonote-٤) )، لأنهم قد كانوا عرفوه، وكسرت  إنّ  بعد 
 أوصى  لأنها بمعنى القول، ولذلك سقطت **«إن »** التي تقتضيها **«أوصى »** في قوله ****«أن يا بني »****، وقرأ ابن مسعود والضحاك ****«أن يا بني »**** بثبوت أن. 
وقوله تعالى : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون  إيجاز بليغ، وذلك أن المقصود منه أمرهم بالإسلام والدوام عليه( [(٥)](#foonote-٥) )، فأتى ذلك بلفظ موجز يقتضي المقصود ويتضمن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى ؟ فإذا أمر بأمر( [(٦)](#foonote-٦) ) لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجه من وقت الأمر دائباً لازماً( [(٧)](#foonote-٧) )، وحكى سيبويه فيما يشبه هذا المعنى قولهم : لا أرينك ها هنا( [(٨)](#foonote-٨) )، وليس إلى المأمور أن يحجب إدراك الأمر عنه، فإنما المقصود، اذهب وزل عن هاهنا، فجاء بالمقصود بلفظ يزيد معنى الغضب والكراهية، و  أنتم مسلمون  ابتداء وخبر في موضع الحال. 
١ - هو –وإن كان أقرب مذكور- فإن المطلوب هو اتباع ملته لا مجرد التكلم بهذه الكلمة، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم، وأولى بمن بعده من الأنبياء، فإن الكلمة بعض الملة، وإبراهيم عليه السلام لا يوصي إلا بما هو أجمع للصلاح والفلاح..
٢ - كان إبراهيم عليه السلام وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحق، وكان حاضرا وقت الوصية كما استظهر الحافظ بن كثير واستدل على ذلك بما هو واضح، وقوله تعالى: (يا بني إن الله اصطفى)، هو من مقول إبراهيم عليه السلام على قراءة النصب، وعلى قراءة الرفع إذا كان معطوفا على إبراهيم، وأما إذا كان مستأنفا فهو من مقول يعقوب. وهذه الآية الكريمة تدل على أنه ينبغي للمرء أن يعتني بتوصية أولاده ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدين..
٣ - والفرق بين التقديرين: أن الأول لا إضمار فيه لأنه معطوف، ومن ثم كان هذا أظهر القولين، والثاني فيه إضمار لأنه مقطوع..
٤ - أي دون الاستغراق، لأنه أراد دين الإسلام بدليل قوله: (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، وذلك قول الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
٥ - لأن المراد بالجملة: الزموا الإسلام عليه إلى الموت..
٦ - أي أمر بشيء..
٧ - أي توجه من وقت الخطاب إلى ذلك الشيء واعتنى به، وقام عليه، وترك الأشياء التي تكون سببا للموت على غير حالة الإسلام –فالنهي حقيقة هو عن تعاطي الأشياء التي تتنافى مع الإسلام، إذ ربما يباغته الموت وهو على تلك الحالة. وهذه المعاني المتضامنة قد أديت بإيجاز بليغ، فليس النهي عن الموت على غير حال الإسلام لأنه ليس ذلك في مقدور الإنسان، وإنما النهي عن الكون في حالة غير حالة الإسلام، وهذا مقدور للإنسان، فالكلام من باب الكناية، وهو استعمال اللفظ في معناه لينتقل منه إلى ملزومه..
٨ - فالنهي في اللفظ للمتكلم وهو في الحقيقة للمخاطب ينهاه عن حضوره في هذا المكان، فكأنه يقول: اذهب من هذا المكان، وليس للمأمور أن يحجب إدراك الآمر عنه إلا بالذهاب عن هذا المكان. ومثل ذلك النهي عن الصلاة في المكان المغصوب، فليس النهي عنها لعينها، وإنما المراد النهي عما اقترن بها من الغصب، وكذلك الآية، فالنهي متعلق بالموت لفظا وبما يقترن به من الكفر معنى، وهذا يعرف "بالمجاز العرفي" ومن هذا الباب قوله تعالى: (ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين)..

### الآية 2:133

> ﻿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:133]

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( ١٣٣ )
هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية( [(١)](#foonote-١) )، فرد الله تعالى عليهم وكذبهم، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية، والإسلام، وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ : أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم ؟، أي( [(٢)](#foonote-٢) ) لم تشهدوا بل أنتم تفترون، و  أم  تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية( [(٣)](#foonote-٣) )، وحكى الطبري أن  أم  يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، وهذا منه، ومنه  أم يقولون افتراه ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ يونس : ٣٨، هود : ١٣، ٣٥، السجدة : ٣، الأحقاف : ٨ \]، وقال قوم : أم  بمعنى بل( [(٥)](#foonote-٥) )، والتقدير بل شهد أسلافكم يعقوب وعلمتم منهم ما أوصى به، ولكنكم كفرتم جحداً ونسبتموهم إلى غير الحنيفية عناداً، والأظهر أنها التي بمعنى بل وألف الاستفهام معاً( [(٦)](#foonote-٦) )، و **«شهداء »** جمع شاهد أي حاضر، ومعنى الآية حضر يعقوب مقدمات الموت، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئاً( [(٧)](#foonote-٧) )، وقدم يعقوب على جهة تقديم الأهم، والعامل في  إذ  : شهداء ، و  إذ قال  بدل من  إذ  الأولى، وعبر عن المعبود بما تجربة لهم، ولم يقل من لئلا يطرق لهم الاهتداء( [(٨)](#foonote-٨) )، وإنما أراد أن يختبرهم، وأيضاً فالمعبودات المتعارفة من دون الله تعالى جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة فاستفهمهم عما يعبدون من هذه، و  من بعدي  أي من بعد موتي، وحكي أن يعقوب عليه السلام حين خير كما يخير الأنبياء اختار الموت، وقال أمهلوني حتى أوصي بنيَّ وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا فاهتدوا وقالوا : نعبد إلهك  الآية، فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى، ودخل إسماعيل في الآباء لأنه عمٌّ. ( [(٩)](#foonote-٩) )
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العباس :**«ردوا علي أبي، إني أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود »**( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
وقال عنه في موطن آخر :**«هذا بقية آبائي »**( [(١١)](#foonote-١١) )، ومنه قوله عليه السلام :**«أنا ابن الذبيحين »**( [(١٢)](#foonote-١٢) ) على القول الشهير في إن إسحاق هو الذبيح( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
وقرأ الحسن وابن يعمر والجحدري وأبو رجاء **«وإله أبيك »**، واختلف بعد فقيل هو اسم مفرد أرادوا به إبراهيم وحده، وقال بعضهم : هو جمع سلامة، وحكى سيبويه أب وأبون وأبين. قال الشاعر( [(١٤)](#foonote-١٤) ) :\[ زياد بن واصل السلمي \] :\[ المتقارب \] :
فلمّا تبيَّنَّ أصواتنا. . . بكينَ وَفَدَّيْنَنَا بالأبينا
وقال ابن زيد : يقال قدم إسماعيل لأنه أسن من إسحاق و  إلهاً  بدل من  إلهك ( [(١٥)](#foonote-١٥) )، وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وقيل  إلهاً  حال، وهذا قول حسن، لأن الغرض إثبات حال الوحدانية،  نحن له مسلمون  ابتداء وخبر، أي كذلك كنا نحن ونكون، ويحتمل أن يكون في موضع الحال والعامل  نعبد ، والتأويل الأول أمدح( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
١ - تفسير لقوله: انتحلوا الأنبياء..
٢ - وفي بعض النسخ: أم لم تشهدوا؟.
٣ - استغرب أبو حيان رحمه الله هذا القول، كما استغرب ما حكاه عن الطبري من أنه يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، والحق أن (أم) هنا منقطعة كما سيأتي عن ابن عطية نفسه في قوله: والأظهر أنها التي بمعنى (بل) وألف الاستفهام معا. والمنقطعة لا تجيء إلا وقد تقدمها كلام كأنه قيل: بل أكنتم شهداء؟ والهمزة للإنكار، أي ما كنتم شهداء، وإنما كان اللفظ على الاستفهام والمعنى على خلافه لأن ذلك أبلغ، إذ يخرج الكلام مخرج التقدير بالحق فتلزم الحجة، أو الإنكار، فتظهر الفضيحة..
٤ - من الآية ٣٥ من سورة هود..
٥ - يشير إلى إنها للإضراب فقط بمعنى (بل)..
٦ - \[أم كنتم شهداء\] أم منقطعة، والمنقطعة تقدر ببل وهمزة الاستفهام، وبعضهم يقدرها ببل وحدها، والإضراب انتقالي لا إبطالي، و معنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ فيئول معناه إلى النفي، أي لم تكونوا شهداء وحاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه؟ و(إذا)، الثانية بدل من الأولى أو ظرف لحضر، وقيل: متصلة بمحذوف تقديره: أكنتم غائبين أم كنتم شهداء؟.
٧ - كما جرت العادة..
٨ - يعني أنه أراد بذلك أن يختبرهم، ولذا عبر بما أيْ أيَّ شيء تعبدونه بعد موتي، ولو قيل من لكان المقصود أن يطرق لهم الاهتداء، والغاية من سؤاله تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما..
٩ - والعرب تسمى العم أبا كما تسمى الجد أبا..
١٠ - أخرجه ابن أبي شيبة في المغازي، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وادع أهل مكة انطلق العباس إل قريش ليدعوهم إلى الله فأبطأ عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ردوا علي أبي، فإن عم الرجل صنو أبيه، وإني أخاف أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة ابن مسعود، دعاهم إلى الله فقتلوه، أنا والله لئن ركبوها منه لأضرمنها عليهم نارا).
١١ - رواه ابن شيبة، والطبراني في الأوسط والكبير فقط: (احفظوني في العباس فإنه بقية آبائي)..
١٢ - هو حديث ضعيف، بل قال العراقي –كما في روح المعاني-: لم أقف عليه، وإنما سمي بذلك لأن جده عبد المطلب لزمه ذبح ولده عبد الله لنذر نذره فقداه بمائة من الإبل فكان ذلك سنة، في الدية، كما كانت قضية إسماعيل سنة في التضحية..
١٣ - لا يوجد موضع صحيح من السنة يعتمد عليه في هذه القضية، وإنما هي إيحاءات واستنباطات من الكتاب العزيز، ومن ثم رجح جماعة من الصحابة والتابعين أنه إسماعيل، ورجح آخرون أنه إسحق، ومن أجل تعارض الأدلة توقف الجلال في الجزم بواحد منهما. وقد قال المسعودي في تاريخه الكبير: إن كان الذبيح بمنى فهو إسماعيل، لأن إسحق لم يدخل الحجاز، وإن كان بالشام فهو إسحق لأن إسماعيل لم يدخل الشام بعد حمله إلى مكة، وصوبه ابن الجوزي..
١٤ - هو زياد بن واصل السلمي، قال هذا في جملة أبيات يفتخر فيها بآبائه وقومه وأمهاتهم من بني عامر، والبيت من شواهد كتاب سيبويه، يقول: لما تبين النساء أصواتنا في الحرب بكين شفقة علينا ورحمة لنا وفديننا، أي كل واحدة تقول: فداكم أبي، والأبينا جمع أب، بُعَرَبُ إعراب جمع التصحيح..
١٥ - أي بدل نكرة موصوفة من معرفة كقوله تعالى: (بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة)..
١٦ - وفي بعض النسخ: لإفادة..
١٧ - وهو أن تكون الجملة معطوفة على قوله: (نعبد)، فيكون الجواب قد أربى على السؤال، أجابوا عن سؤاله وأكدوا الجواب بقولهم: (ونحن له مسلمون)..

### الآية 2:134

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:134]

تلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٣٤ )
وقوله تعالى : قد خلت  في موضع رفع نعت لأمة، ومعناه ماتت وصارت إلى الخلاء من الأرض، ويعنى بالأمة الأنبياء المذكورون، والمخاطب في هذه الآية اليهود والنصارى، أي أنتم أيها الناحلوهم اليهودية والنصرانية، ذلك لا ينفعكم، لأن كل نفس  لها ما كسبت  من خير وشر، فخيرهم لا ينفعكم إن كسبتم شراً( [(١)](#foonote-١) )، وفي هذه الآية رد على الجبرية القائلين لا اكتساب للعبد،  ولا تسألون عما كانوا يعملون  فتنحلوهم ديناً. 
١ - في هذا ما يرد على من يتكل على عمل أسلافه، ويروح على نفسه بالأماني الباطلة، الكاذبة، فإن من أبطأ به عمله لا يسرع به نسبه..

### الآية 2:135

> ﻿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2:135]

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  ( ١٣٥ )
وقولهم : كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا  نظير قولهم  لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  \[ البقرة : ١١١ \]، ونصب  ملة  بإضمار فعل، أي بل نتبع ملة( [(١)](#foonote-١) )، وقيل نصبت على الإغراء، وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة **«بل ملةُ »** بالرفع والتقدير بل الهدى ملة، و 
 حنيفاً  حال( [(٢)](#foonote-٢) )، وقيل نصب بإضمار فعل( [(٣)](#foonote-٣) )، لأن الحال تعلق من المضاف إليه، والحنف الميل، ومنه الأحنف لمن مالت إحدى قدميه إلى الأخرى، والحنيف في الدين الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق، وقال قوم : الحنف الاستقامة، وسمي المعوج القدمين أحنف تفاؤلاً كما قيل سليم ومفازة( [(٤)](#foonote-٤) )، ويجيء الحنيف في الدين المستقيم على جميع طاعات الله عز وجل، وقد خصص بعض المفسرين، فقال قوم : الحنيف الحاج، وقال آخرون : المختتن، وهذه أجزاء الحنف( [(٥)](#foonote-٥) ). 
ونفى عنه الإشراك فانتفت عبادة الأوثان واليهودية لقولهم عزير ابن الله، والنصرانية لقولهم المسيح ابن الله. 
١ - ويجوز أن نقدر ذلك بقولنا: بل اتبعوا ملة إبراهيم، وذلك أن قولهم: (كونوا هودا أو نصارى) يتضمن معنى: اتبعوا اليهودية أو النصرانية – قل: بل اتبعوا ملة إبراهيم، فيكون عطفا على المعنى، فهذا عطف، وما ذكره ابن عطية رحمه الله حذف..
٢ - أي لازمة، لأن دين إبراهيم عليه السلام لم ينفك عن الحنيفية..
٣ - تقديره: (نتبع حنيفا)، اي مستقيما مائلا إلى دين الإسلام..
٤ - أي كما يقال في اللديغ: سليم- وفي المهلكة: مفازة، للتفاؤل..
٥ - يعني أنه يوجد في الحنيفية أقوال: وكلها ترجع إلى ما سبق من معنى الاستقامة والميل إلى ملة إبراهيم عليه السلام، وقد كانوا في الجاهلية يسمون من حج واختتن حنيفا، وذلك أنه لما تناسخت السنون وبقي من يعبد الأثان من العرب قالوا: نحن حنفاء على دين إبراهيم، ولم يتمسكوا منه إلا بحج البيت والختان- والحنيف اليوم: المسلم..

### الآية 2:136

> ﻿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:136]

قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( ١٣٦ )
هذا الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، علمهم الله الإيمان( [(١)](#foonote-١) )، و  ما أنزل إلينا  يعني به القرآن، وصحت إضافة الإنزال إليهم من حيث هم المأمورون المنهيون فيه، و  إبراهيم وإسماعيل  يجمعان براهيم وسماعيل، هذا هو اختيار سيبويه والخليل، وقال قوم **«براهم »**، وقال الكوفيون :**«براهمة وسماعلة »**، وقال المبرد :**«أباره وأسامع »**، وأجاز ثعلب **«براه »** كما يقال في التصغير **«بريه »**،  والأسباط  هم ولد يعقوب، وهم روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وربالون ويشحر ودنية بنته وأمهم ليا، ثم خلف على أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين، وولد له من سريتين ذان وتفثالي وجاد وأشرو، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسموا الأسباط لأنه كان من كل واحد منهم سبط( [(٢)](#foonote-٢) )، و  ما أوتي موسى  هو التوراة وآياته، و **«ما أوتي عيسى »** هو الإنجيل وآياته، فالمعنى أنا نؤمن بجميع الأنبياء لأن جميعهم جاء بالايمان بالله، فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع( [(٣)](#foonote-٣) )، و  لا نفرق بين أحد منهم  أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما تفعلون، وفي الكلام حذف تقديره : بين أحد منهم وبين نظيره( [(٤)](#foonote-٤) )، فاختصر لفهم السامع، والضمير في  له  عائد على اسم الله عز وجل. 
١ - في حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذوبهم، وقولوا آمنا بالله) الآية..
٢ - تنبيه: وقع للإمام الكشاف هنا أنه فسر الأسباط بحفدة يعقوب ذراري أبنائه الأثنى عشر- وهذا تفسير عام يشمل الأمم الإسرائيلية التي هي بمنزلة القبائل في العرب، والحق أن الأسباط هنا حفدة إسحاق أولاد يعقوب، وأما المعنى الذي ذكره فمحله قوله تعالى في سورة الأعراف: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما)، فالأسباط أبناء يعقوب، وفيما يأتي أبناء أبناء يعقوب- ومعلوم أن الأسباط الثاني في سورة البقرة هو الأسباط الأول المذكور فيها، وقد فسرهم صاحب (روح البيان) بما فسر به صاحب (الكشاف) وإن كان قد مشى في الأسباط الأول على الصواب، وكيف يكون ذلك في الأسباط الثاني ذكروا في معرض التوبيخ لمن نسب لهم التهود والتنصر؟ فلو كان المراد بهم ما ذكره لكانت نسبة التهود والتنصر إليهم صحيحة، فإن التهود والتنصر في أولاد أولاد يعقوب موجودان بل جل الأسباط بهذا المعنى على التهود والتنصر، فكيف مع هذا يستقيم التوبيخ والتقبيح؟ نبه على ذلك بعض شيوخنا رحمهم الله تعالى..
٣ - يعني أن دين الأنبياء واحد وهو الإسلام وإن اختلفت الشرائع وتنوعت المناهج، كما قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) وكما قال صلى الله عليه وسلم: "نحن معشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد"..
٤ - لأن (بين) لا يتبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعدا أو ما يقوم مقام ذلك، كقوله تعالى: (عوان بين ذلك) ولك أن تقول: إن (أحدا) في معنى الجمع، كما تقول: المال بين القوم..

### الآية 2:137

> ﻿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:137]

فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ( ١٣٧ )
وقوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به  الآية، خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته. 
والمعنى إن صدقوا تصديقاً مثل تصديقكم، فالمماثلة وقعت بين الإيمانين( [(١)](#foonote-١) )، هذا قول بعض المتأولين، وقيل الباء زائدة مؤكدة، والتقدير آمنوا مثل، والضمير في  به  عائد كالضمير في  له ، فكأن الكلام فإن آمنوا بالله مثل ما آمنتم به، ويظهر عود الضمير على  ما ، وقيل  مثل  زائدة كما هي في قوله  ليس كمثله شيء ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ الشورى : ١١ \]، وقالت فرقة : هذا من مجاز الكلام، تقول هذا أمر لا يفعله مثلك أي لا تفعله أنت، فالمعنى فإن آمنوا بالذي آمنتم به، هذا قول ابن عباس، وقد حكاه عنه الطبري قراءة، ثم أسند إليه أنه قال :**«لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فإنه لا مثل لله تعالى، ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم أو بما آمنتم به »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا على جهة التفسير( [(٣)](#foonote-٣) )، أي هكذا فليتأول، وحكاهما أبو عمرو الداني قراءتين عن ابن عباس( [(٤)](#foonote-٤) ) فالله أعلم. 
وقوله تعالى : وإن تولوا  أي أعرضوا، يعني به اليهود والنصارى، والشقاق المشاقة والمحادة والمخالفة، أي في شقاق لك هم في شق وأنت في شق، وقيل : شاق معناه شق كل واحد وصل ما بينه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إياهم( [(٥)](#foonote-٥) ) ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء النضير. 
وهذا الوعد وانتجازه من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، و  السميع  لقول كل قائل،  العليم  بما يجب أن ينفذ في عباده. 
١ - يعني أنه لا مثل لله تعالى، وإنما المماثلة بين الإيمانين، وهذه التأويلات دعا إليها البعد من شبهة المشابهة والمماثلة لله تعالى، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا تقولوا (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به)، فإنه لا مثل لله"..
٢ - من الآية ١١ من سورة الشورى..
٣ - يعني أنه محمول على أنه فسر الكلام لا أنه أنكر القراءة الظاهرة مع صحة المعنى والنهي عن ذلك مبالغة في نفي التشبيه عن الله تعالى..
٤ - أي: (بالذي آمنتم به)، أو: (بما آمنتم به)..
٥ - إنما كان ذلك لأن شقاقهم كان في مخالفة الحق وهي مخالفة عظيمة توجب عداوة الله وغضبه..

### الآية 2:138

> ﻿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [2:138]

صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( ١٣٨ )
و  صبغة الله  شريعته وسنته وفطرته، قال كثير من المفسرين : وذلك أن النصارى لهم ماء يصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك( [(١)](#foonote-١) ) : وقيل : سمي الدين  صبغة  استعارة من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر الصبغ في الثوب وغيره( [(٢)](#foonote-٢) )، ونصب الصبغة على الإغراء، وقيل بدل من ملة، وقيل نصب على المصدر المؤكد لأن ما قبله من قوله  فقد اهتدوا  هو في معنى يلبسون أو يتجللون صبغة الله، وقيل : التقدير ونحن له مسلمون صبغة الله، فهي متصلة بالآية المتقدمة، وقال الطبري من قرأ برفع **«ملةُ »** قرأ برفع **«صبغةُ »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وقد ذكرتها( [(٣)](#foonote-٣) ) عن الأعرج وابن أبي عبلة. و  نحن له عابدون  ابتداء وخبر. 
١ - ومن هنا كان يجب على من أسلم أن يغتسل كما ثبت في السنة الصحيحة..
٢ - ومعنى هذا أنها صبغة القلب لا صبغة الظاهر، وهي صبغة الإيمان التي يظهر أثرها على المؤمن المسلم، وصبغة الله أحسن الصبغ والله يقول: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود)..
٣ - أي قراءة رفع (ملة)..

### الآية 2:139

> ﻿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [2:139]

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( ١٣٩ )
معنى الآية : قل  يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم أديانهم وكتبهم :
 أتحاجوننا في الله  ؟ أي أتجاذبوننا( [(١)](#foonote-١) ) الحجة على دعواكم، والرب تعالى واحد وكل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين( [(٢)](#foonote-٢) ) ؟، ثم وبخوا بقوله  ونحن له مخلصون  أي ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم ؟. 
وقرأ ابن محيصن **«أتحاجونا »** بإدغام النون في النون، وخف الجمع بين ساكنين لأن الأول حرف مد ولين، فالمد كالحركة، ومن هذا الباب دابة وشابة، و  في الله  معناه في دينه والقرب منه والحظوة لديه. 
١ - وفي بعض النسخ: اي أتجادلوننا..
٢ - أي: كيف تدعون أنكم أولى به منا وهو رب الجميع يجازي كلا بعمله- ونحن أولى به منكم لإخلاصنا، والمخلص غير المشرك، فقد ادعيتم ما نحن أولى به منكم وعكستم القضية. والله أعلم..

### الآية 2:140

> ﻿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:140]

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  ( ١٤٠ )
وقوله تعالى : أم تقولون  عطف على ألف الاستفهام المتقدمة( [(١)](#foonote-١) )، وهذه القراءة بالتاء من فوق قرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وقرأ بن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم **«أم يقولون »** بالياء من أسفل، و  أم  على هذه القراءة مقطوعة، ذكره الطبري، وحكي عن بعض النحاة أنها ليست بمقطوعة لأنك إذا قلت أتقوم أم يقوم عمرو ؟ فالمعنى أيكون هذا أم هذا ؟. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا المثال غير جيد، لأن القائل فيه واحد والمخاطب واحد، والقول في الآية من اثنين والمخاطب اثنان غيران، وإنما تتجه معادلة  أم  للألف على الحكم المعنوي كأن معنى  قل أتحاجوننا  أي أيحاجون يا محمد أم يقولون، وقيل أن  أم  في هذا الموضع غير معادلة على القراءتين، وحجة ذلك اختلاف معنى الآيتين وإنهما ليسا قسمين، بل المحاجة موجودة في دعواهم الأنبياء عليهم السلام، ووقفهم( [(٢)](#foonote-٢) ) تعالى على موضع الانقطاع في الحجة، لأنهم إن قالوا إن الأنبياء المذكورين على اليهودية والنصرانية كذبوا، لأنه قد علم أن هذين الدينين حدثا بعدهم، وإن قالوا لم يكونوا على اليهودية النصرانية قيل لهم فهلموا إلى دينهم إذ تقرون بالحق. 
وقله تعالى : قل أأنتم أعلم أم الله  تقرير على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطور إلا أن الله تعالى أعلم، و  من أظلم  لفظه الاستفهام والمعنى لا أحد أظلم منهم، وإياهم أراد تعالى بكتمان الشهادة. 
واختلف في الشهادة هنا ما هي ؟ فقال مجاهد والحسن والربيع : هي ما في كتبهم من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوا هم، وقال قتادة وابن زيد : هي ما عندهم من الأمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم واتباعه، والأول أِشبه بسياق معنى الآية، واستودعهم الله تعالى هذه الشهادة ولذلك قال : من الله ، ف  من  على هذا متعلقة ب  عنده ( [(٣)](#foonote-٣) )، كأن المعنى شهادة تحصلت له من الله، ويحتمل أن تتعلق  من  ب  كتم ، أي كتمها من الله. 
وقوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون ، وعيد وإعلام أنه لا يترك أمرهم سدى، وأن أعمالهم تحصى( [(٤)](#foonote-٤) ) ويجازون عليها، والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغفل، وهي التي لا معلم بها( [(٥)](#foonote-٥) ). 
١ - يعني أنها معادلة للهمزة، أي متصلة. وحاصل الأقوال هنا ثلاثة: متصلة على القراءتين، ومنقطعة على القراءتين، ومتصلة على قراءة التاء دون قراءة الياء فإنها منقطعة، والذي رجحه ابن عطية فيما يبدو هو القول الثالث حيث قال: وإنما تتجه معادلة (أم) للألف على الحكم المعنوي إلى آخره. ثم قرر القول الثاني تقريرا ينشرح له الصدر فقال: وحجة ذلك اختلاف معنى الآيتين وأنهما ليسا قسمين إلى آخر ما ذكره، وكأنه رجحه ورضيه وهو الظاهر، فإن الله سبحانه قد أقامهم على موضع الانقطاع في الحجة بقوله: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى) أي بل تقولون إلخ، فإن قالوا: كانوا على دين اليهودية والنصرانية كذبوا، وإن قالوا: لم يكونوا على ذلك فقد أقروا بالحق وما بعد الحق إلا الضلال..
٢ - هذه هي اللغة الفصحى، وأوقف لغة تميم، وأنكرها الأصمعي إلا في نحو: ما أوقفك ها هنا؟ وأنت تريد: أي شأن حملك على الوقوف؟.
٣ - نسبة التعلق إلى الظرف نسبة مجازية فإن العامل في الظرف هو الذي يتعلق به الجار والمجرور، ويظهر من كلام الزمخشري قول آخر وهو أن (من الله) في موضع الصفة لشهادة أي شهادة كائنة من الله، كقوله تعالى: (براءة من الله ورسوله) والتعلق بكتم يستدعي حذفا، والتقدير: كتم من عباد الله شهادة عنده، والله أعلم..
٤ - وفي بعض النسخ تحصل..
٥ - وفي بعض النسخ لا معلم بها..

### الآية 2:141

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:141]

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ( ١٤١ )
وقوله تعالى : تلك أمة  الآية، كررها عن قرب لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها، ولترداد ذكرهم أيضاً في معنى غير الأول( [(١)](#foonote-١) ). 
١ - عطف على قوله: لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، فهي علة بعد علة، والمعنى أن تكرار هذه الآية له سببان- الأول ما تتضمنه من التهديد والتخويف وذلك يقتضيه المقام- والثاني اختلاف الأقوال والسياق، فهي أولا: جاءت إثر ما حكي من وصية إبراهيم بنيه، يعني فليس لكم ثواب فعل تلك الأمة ولا عليكم عقابه- وثانيا: لما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد ذلك أيضا بقصد التأكيد والتنبيه، وهذا كله على رجوع الإشارة إلى إبراهيم ومن معه، والله أعلم فقول ابن عطية: "وترداد ذكرهم". أي الأنبياء..

### الآية 2:142

> ﻿۞ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:142]

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( ١٤٢ )
أعلم الله تعالى في هذه الآية أنهم سيقولون في شأن تحول المؤمنين من الشام إلى الكعبة : ما ولاهم  ؟ و  السفهاء  هم الخفاف الأحلام والعقول، والسفه الخفة والهلهلة، ثوب سفيه أي غير متقن النسج، ومنه قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
مشين كما اهتزت رماح تسفهت. . . أعالَيَها مرُّ الرياحِ النواسمِ
أي استخفتها( [(١)](#foonote-١) )، وخص بقوله  من الناس ، لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات، والمراد ب  السفهاء  هنا جميع من قال  ما ولاهم ، وقالها فِرَقٌ. 
واختلف في تعيينهم، فقال ابن عباس :**«قالها الأحبار منهم »**، وذلك أنه جاؤوا إلى النبي صلى -الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ما ولاك عن قبلتنا ؟ ارجع إليها ونؤمن بك، يريدون فتنته، وقال السدي : قالها بعض اليهود والمنافقون استهزاء، وذلك أنهم قالوا : اشتاق الرجل إلى وطنه، وقالت طائفة : قالها كفار قريش، لأنهم قالوا : ما ولاه عن قبلته ؟ ما رجع إلينا إلا لعلمه أنَّا على الحق وسيرجع إلى ديننا كله، و  ولاهم  معناه صرفهم، والقبلة فعلة هيئة المقابل للشيء، فهي كالقعدة والإزرة( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وجعل المستقبل موضع الماضي في قوله  سيقول  دلالة على استدامة ذلك، وأنهم يستمرون على ذلك القول( [(٣)](#foonote-٣) )، ونص ابن عباس وغيره أن الآية نزلت بعد قولهم. 
وقوله تعالى : قل لله المشرق والمغرب  إقامة حجة، أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، ويهدي من يشاء، إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، والصراط : الطريق. 
واختلف العلماء، هل كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى في القرآن أو بوحي غير متلو ؟( [(٤)](#foonote-٤) )، فذكر ابن فورك عن ابن عباس قال : أول ما نسخ من القرآن القبلة، وقال الجمهور : بل كان أمر قبلة بيت المقدس بوحي غير متلو، وقال الربيع : خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في النواحي فاختار بيت المقدس، ليستألف بها أهل الكتاب، ومن قال كان بوحي غير متلو قال : كان ذلك ليختبر الله تعالى من آمن من العرب، لأنهم كانوا يألفون الكعبة وينافرون بيت المقدس وغيره، واختلف كم صلى إلى بيت المقدس، ففي البخاري : ستة عشر أو سبعة عشر شهراً( [(٥)](#foonote-٥) )، وروي عن أنس بن مالك : تسعة أو عشرة أشهر، وروي عن غيره : ثلاثة عشرة شهراً. 
وحكى مكي عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال : أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ركعتين في أول النهار وركعتين في آخر، ثم كان الإسراء ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، ففرضت الخمس، وأمَّ فيها جبريل عليه السلام، وكانت أول صلاة الظهر، وتوجه بالنبي صلى الله عليهما وسلم إلى بيت المقدس، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ربيع الأول، وتمادى إلى بيت المقدس إلى رجب من سنة اثنتين، وقيل إلى جمادى، وقيل إلى نصف شعبان.

١ - ضد استثقلها، يقال: تسفَّهتِ الريح الغصون، أمالتها وحركتها، فأعالي الرماح استخفتها الرياح. وسيأتي مزيد من شرح البيت في صفحة (٥٠٥) من هذا الجزء..
٢ - الإزرة هيئة الائتزار، ومنه قولهم: لكل قوم إزرة يأتزرونها..
٣ - الظاهر أنه ليس من وضع المستقبل موضع الماضي لبعد المجاز مع وجود السين، وإنما المراد – والله أعلم – أنهم وإن كانوا قالوا ذلك من قبل فإنهم سيستمرون في القول من بعد للخوض والإرجاف..
٤ - محصل هذا أربعة أقوال – قيل: إن استقبال بيت المقدس كان بوحي متلُوّ، وقيل: بوحي غير مَتْلُوٍّ، وقيل: كان بالتخير، فاختار صلى الله عليه وسلم بيت المقدس، وقيل: كان باجتهاده صلى الله عليه وسلم كما ذكره الإمام (ق). رحمه الله..
٥ - هذا هو الصحيح الثابت، وما بعده شاذ..

### الآية 2:143

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [2:143]

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( ١٤٣ )
وقوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ، الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله  يهدي من يشاء ( [(١)](#foonote-١) )، أي كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته كذلك جعلناكم أمة وسطاً، و  أمة  مفعول ثان، و  وسطاً  نعت، والأمة القرن من الناس( [(٢)](#foonote-٢) )، و  وسطاً  معناه عدولاً، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم( [(٣)](#foonote-٣) )، وتظاهرت به عبارة المفسرين( [(٤)](#foonote-٤) ). 
والوسط الخيار والأعلى من الشيء، كما تقول وسط القوم، وواسطة القلادة أنفس حجر فيها، والأمير وسط الجيش، وكقوله تعالى  قال أوسطهم ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ القلم : ٢٨ \]، والوسط بإسكان السين ظرف مبني على الفتح( [(٦)](#foonote-٦) )، وقد جاء متمكناً( [(٧)](#foonote-٧) ) في بعض الروايات في بيت الفرزدق :
فجاءت بمَجْلُوم كأن جبينه. . . صلاءة ورس وسطُها قد تفلقا( [(٨)](#foonote-٨) )
برفع الطاء والضمير عائد على الصلاءة، وروي بفتح الطاء والضمير عائد على الجاثية، فإذا قلت حفرت وسْطَ الدار أو وَسَطَ الدار فالمعنى مختلف( [(٩)](#foonote-٩) ). 
قال بعض العلماء : أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تغل في الدين كما فعلت اليهود، ولا افترت كالنصارى، فهي متوسطة، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :**«خير الأمور أوساطها( [(١١)](#foonote-١١) ) »** أي خيارها، وقد يكون العلو والخير في الشيء إما بأنه أنفس جنسه، وإما أن يكون بين الإفراط والتقصير فهو خيار من هذه الجهة و  شهداء  جمع شاهد في هذا الموضع. 
واختلف المفسرون في المراد ب  الناس  في هذا الموضع، فقالت فرقة : هم جميع الجنس، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد يوم القيامة للأنبياء على أممهم بالتبليغ، وذلك أن نوحاً تناكره أمته في التبليغ، فتقول له أمة محمد نحن نشهد لك، فيشهدون، فيقول الله لهم : كيف شهدتم على ما لم تحضروا ؟، فيقولون : أي ربنا جاءنا رسولك ونزل إلينا كتابك فنحن نشهد بما عهدت إلينا وأعلمتنا به، فيقول الله تعالى : صدقتم، وروي في هذا المعنى حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وروي عنه أن أمته تشهد لكل نبي ناكره قومه( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وقال مجاهد : معنى الآية تشهدون لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ الناس في مدته من اليهود والنصارى والمجوس( [(١٤)](#foonote-١٤) ). 
وقالت طائفة : معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرت به جنازة فأثني عليها بالخير، فقال : وجبت، ثم مر بأخرى، فأثني عليها بشرّ، فقال : وجبت، ويعني الجنة والنار، فسئل عن ذلك، فقال :**«أنتم شهداء الله في الأرض »**( [(١٥)](#foonote-١٥) )، وروي في بعض الطرق أنه قرأ  لتكونوا شهداء على الناس . 
 ويكون الرسول عليكم شهيداً  قيل : معناه بأعمالكم يوم القيامة، وقيل : عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان، وقيل : أي يشهد عليكم بالتبليغ إليكم( [(١٦)](#foonote-١٦) ). 
وقوله تعالى : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها  الآية، قال قتادة والسدي وعطاء وغيرهم : القبلة هنا بيت المقدس : والمعنى لم نجعلها حين أمرناك بها أولاً إلا فتنة لنعلم من يتبعك من العرب الذين إنما يألفون مسجد مكة، أو من اليهود على ما قال الضحاك من أن الأحبار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء، فإن صليت إليه اتبعناك، فأمره الله بالصلاة إليه امتحاناً لهم فلم يؤمنوا، وقال بعض من ذكر( [(١٧)](#foonote-١٧) ) : القبلة بيت المقدس، والمعنى : وما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها وتحويلها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقال ابن عباس : القبلة في الآية الكعبة، وكنت بمعنى أنت( [(١٨)](#foonote-١٨) ) كقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس ( [(١٩)](#foonote-١٩) ) \[ آل عمران : ١١٠ \] بمعنى أنتم، أي وما جعلناها وصرفناك إليها إلا فتنة، وروي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حول( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) إلى الكعبة أكثر في ذلك اليهود والمنافقون وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلت الآية، وقال ابن جريج : بلغني أن ناساً ممن كان أسلم رجعوا عن الإسلام، ومعنى قوله تعالى : لنعلم  أي ليعلم رسولي والمؤمنون به( [(٢١)](#foonote-٢١) )، وجاء الإسناد بنون العظمة إذ هم حزبه وخالصته، وهذا شائع في كلام العرب كما تقول : فتح عمر العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك جنده وأتباعه، فهذا وجه التجوز إذا ورد علم الله( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) تعالى بلفظ استقبال لأنه قديم لم يزل، ووجه آخر : وهو أن الله تعالى قد علم في الأزل من يتبع الرسول واستمر العلم حتى وقع حدوثهم واستمر في حين الاتباع والانقلاب ويستمر بعد ذلك، والله تعالى متصف في كل ذلك بأنه يعلم( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، فأراد بقوله  لنعلم  ذكر علمه وقت مواقعتهم الطاعة والمعصية، إذ بذلك الوقت يتعلق الثواب والعقاب، فليس معنى  لنعلم  لنبتدىء العلم وإنما المعنى لنعلم ذلك موجوداً، وحكى ابن فورك أن معنى  لنعلم  لنثيب( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، فالمعنى لنعلمهم في حال استحقوا فيها الثواب، وعلق العلم بأفعالهم لتقوى( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ) الحجة ويقع التثبت فيما علمه لا مدافعة لهم فيه، وحكى ابن فورك( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) أيضاً أن معنى  لنعلم  لنميز( [(٢٧)](#foonote-٢٧) )، وذكره الطبري عن ابن عباس، وحكى الطبري أيضاً أن معنى  لنعلم  لنرى( [(٢٨)](#foonote-٢٨) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله متقارب، والقاعدة نفي استقبال العلم بعد أن لم يكن، وقرأ الزهري  ليعلم  على ما لم يسم فاعله. 
و  ينقلب على عقبيه  عبارة عن المرتد الراجع عما كان فيه من إيمان أو شغل أو غير ذلك والرجوع على العقب أسوأ حالات الراجع في مشيه عن وجهته، فلذلك شبه المرتد في الدين به( [(٢٩)](#foonote-٢٩) )، وظاهر التشبيه أنه بالمتقهقر، وهي مشية الحيوان الفازع من شيء قد قرب منه، ويحتمل أن يكون هذا التشبيه بالذي رد ظهره ومشى أدراجه( [(٣٠)](#foonote-٣٠) ) فإنه عند انقلابه إنما ينقلب على عقبيه. 
وقوله تعالى : وإن كانت لكبيرة  الآية، الضمير في  كانت  راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس أو إلى التحويلة إلى الكعبة حسب ما ذكرناه من الاختلاف في القبلة، وقال ابن زيد :**«هو راجع إلى الصلاة التي صليت إلى بيت المقدس »**، وشهد الله تعالى في هذه الآية للمتبعين بالهداية، و  كبيرة  هنا معناه شاقة صعبة تكبر في الصدور، و  إن  هي المخففة من الثقيلة، ولذلك لزمتها اللام لتزيل اللبس الذي بينها وبين النافية( [(٣١)](#foonote-٣١) )، وإذا ظهر التثقيل في  إن  فلربما لزمت اللام وربما لم تلزم، وقال الفراء : إن  بمعنى ما واللام بمنزلة إلا. 
ولما حولت القبلة كان من قول اليهود : يا محمد إن كانت الأولى حقاً فأنت الآن على باطل، وإن كانت هذه حقاً فكنت في الأول على ضلال( [(٣٢)](#foonote-٣٢) ). فوجست( [(٣٣)](#foonote-٣٣) ) نفوس بعض المؤمنين وأشفقوا على من مات قبل التحويل على صلاتهم السالفة : فنزلت  وما كان الله ليضيع إيمانكم ، وخاطب الحاضرين والمراد من حضر ومن مات، لأن الحاضر يغلب، كما تقول العرب : ألم نقتلكم في موطن كذا ؟، ومن خوطب لم يقتل ولكنه غلب لحضوره، وقرأ الضحاك  ليضَيّع  بفتح الضاد وشد الياء، وقال ابن عباس والبراء بن عازب وقتادة والسدي والربيع وغيرهم : الإيمان هنا الصلاة. وسمى الصلاة إيماناً لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل( [(٣٤)](#foonote-٣٤) )، ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال وكان ثابتاً في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي. ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضاً فسميت إيماناً إذ هي من شعب الإيمان، والرأفة أعلى منازل الرحمة، وقرأ قوم  لرَؤُف  على وزن فَعُل، ومنه قول الوليد بن عقبة( [(٣٥)](#foonote-٣٥) ) :\[ الطالبان \] :\[ الوافر \]
وشرُّ الطالِبَيْنِ فلا تكنْهُ. . . بقاتِلِ عمِّهِ الرَّؤُفِ الرحيمِ
تقول العرب : رؤف ورؤوف ورئف كحذر ورأف وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع  لرووف  بغير همز، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى ساكنة كانت أو متحركة.

١ - أي: مرتبطة بذلك ارتباطا معنويا..
٢ - القرن: عبارة عن مدة معينة في اعتبار المؤرخين والاجتماعيين، والمراد أن كل قرن من قرون هذه الأمة المحمدية محكوم له في الجملة بالعدالة والاستقامة، وأول من يدخل في ذلك قرن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ثم خص الله هذه الأمة بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب..
٣ - رواه الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي. وفي الآية إثبات العدالة لهذه الأمة من دون استثناء، وذلك يقضي باستقامتها وجَرَيان أحوالها على الموافقة دون المخالفة، ونحو الآية قوله تعالى: \[وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون\]، وقوله تعالى: \[كنتم خير أمة\] الآية، هذا –والله أعلم- من حيث المجموع لا من حيث الجميع كما يشهد لذلك حديث البخاري: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) إلخ. وهذه الطائفة هي الأمة الوسط، كما قال الإمام البخاري في خلق أفعال العباد..
٤ - أي: أظهرته عباراتهم واتفقت عليه..
٥ - من الآية (٢٨) من سورة (القلم)..
٦ - الوسط بالتسكين هو بمعنى (بَيْنَ) يقال: جلستُ وسْط القوم: أي بينهم، والوسط بالتحريك اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه، كقولك: جلست وسط الدار، ويُنْصَب على الظرف اتساعا، وليس نصبه على الظرف على معنى بيْنَ، تقول: وسَط رأسه صلب لأن وسَط الرأٍس بعضها، وتقول: وسط رأٍسه دهن، فتنصب وسط على الظرف وليس هو بعض الرأس، ولذا قيل: كلّ موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين، وإلا فبالتحريك..
٧ - أي: مُعْرَباً..
٨ - المَجْلُومُ: المَحْلُوق. أراد به هَنُ المرأة، والصلاءة: مدق الطيب، والوَرْسُ: نَبْت أصفر. والمؤلف يريد أن (وَسْط) ساكن السين يكون ظرفا وغير ظرف كما رُوي ذلك في بيت الفرزدق. وفي رواية: **«أتته بمجلوم كأن جبينه»** إلخ. وفي رواية: رمته بمجْمُوشٍ. والمجموش: المحلوق بالنورة، ووسطها: نصفها، وكما أن (وَسْط) تخرج عن الظرفية كذلك (بيْن) نحو قوله تعالى: \[لقد تقطّع بينكم\] على قراءة الرفع..
٩ - معناه على الفتح: جعلت الوسَط كلّه حفيراً، وذلك خلاف معنى السكون..
١٠ - عبارة القرطبي في هذا الموضع: أي هذه الأمة لم تَغْل غُلُو النصارى في أنبيائهم، ولا قصَّروا تقصير اليهود في أنبيائهم – وعبارة أبي حيان في تفسير الوسط، **«وقيل: متوسطين في الدين بين المُفْرط والمقصِّر، لم يتخذوا واحدا من الأنبياء إلها كما فعلت النصارى، ولا قتلوه كما فعلت اليهود»**، ففيهما نسبة الغُلُوِّ إلى النصارى، ونسبة التقصير إلى اليهود، على عكس ما في ابن عطية، تأمل..
١١ - رواه ابن السمعاني في **«ذيل تاريخ بغداد»** بسند مجهول، عن علي رضي الله عنه مرفوعاً، وهو عند ابن جرير في التفسير من قول مطرف بن عبد الله ويزيد بن مرة الجعفي، ورواه الديلمي بلا سند عن ابن عباس بلفظ: (خير الأعمال أوسطها)، هذا ما يتصل بلفظه كما قاله الإمام السخاوي، وأما معناه فهو صحيح وثابت في الكتاب والسنة..
١٢ - رواه البخاري، والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي..
١٣ - مِمَّن رواه الإمام أحمد، عن أبي سعيد الخدري، وأبو بكر بن مردويه، عن جابر بن عبد الله..
١٤ - كل ما يروى مرفوعاً أو غير مرفوع في تأويل الآية فإنه يقبل، لأن للآية عموماً تشمل به ما ذكر، وهو ما قرره المحققون في التفسير..
١٥ - روى ذلك البخاري، ومسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
 تنبيه: مما يدل على أفضلية هذه الأمة ما ثبت من احتلالها لنصف الجنة – ففي صحيح الإمام مسلم، عن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جماعة: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟ قال: قلنا: نعم. قال أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟ فقلنا: نعم، فقال: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض ا. هـ. يعني والنصف الآخر من المؤمنين الآخرين..
١٦ - أي من دون حاجة إلى من يشهد له بالتبليغ، فهو المدعي وهو الشهيد، بمعنى أنه صلى الله عليه وسلم يشهد على الناس ولا يشهد عليه أحد..
١٧ - أي: جعل القبلة هي بيت المقدس، وهم قتادة، والسدي، وعطاء، وغيرهم..
١٨ - قال (ح): هذا من ابن عباس (إن صح) تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأنه يؤول إلى زيادة كان الرافعة للاسم، والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد..
١٩ - من الآية (١١٠). من سورة (آل عمران)..
٢٠ - أيْ أُمر بتحويل القبلة إلى الكعبة..
٢١ - هذا التأويل على حذف مضاف – أي: ليعلم رسولنا والمؤمنون. وجاء مسنداً إلى الله تعالى لأنهم حزبه وخواصه، ومثل هذا الاستعمال شائع في كلام العرب، وعليه فالكلام من مجاز الحذف..
٢٢ - والقرينة استحالة حدوث علم الله تعالى، والقاعدة في هذا نفي استقبال العلم بعد أن لم يكن عن الله تعالى أي إحالته..
٢٣ - معنى هذا الوجه أنه أُريد العلم بعد وجود الاتباع والانقلاب، لأنه كما يعلم الله الشيء قبل وجوده يعلمه بعد وجوده، ويكون العلم على هذا كناية عن التعلق، أي يتعلق علمنا بذلك وقت وجوده، أي وقت مواقعتهم الطاعة أو المعصية، ومواقعة الأمور مُدَاناتها، والعلم في كل ذلك مستمر لا يتغير وإن تغيرت أحوال الشيء المعلوم..
٢٤ - لأن الثواب مبني على عمل الإنسان، وعلى ما يعلمه الله منه، وقد قال تعالى: \[وما تفعلوا من خير يعلمه الله\]..
٢٥ - وفي بعض النسخ: (لتقوم الحجة)..
٢٦ - بضم الفاء أبو بكر، إمام جليل فقهاً وأُصولا وكلاما من أصبهان. مات مسموما سنة ٤٠٠هـ..
٢٧ - من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، أي لنميز أهل اليقين من أهل الشك..
٢٨ - العرب تضع العلم مكان الرؤية كما هنا، والرؤية مكان العلم كما في قوله تعالى: \[ألم تر كيف فعل ربك\]، أي: ألم تعلم. والمؤلف –رحمه الله- ذكر ستة وجوه لتأويل الآية فراراً من حدوث العلم وتجدده إذ ذلك مستحيل على الله تعالى – الأول: أن المقصود بالإسناد الخواص والقرينة ظاهرة. الثاني: أن المراد تعلق العلم بالموجود. الثالث: المراد بالعلم الجزاء. الرابع: المراد به التمييز والفصل بين المتبع والمنقلب. الخامس: المراد بالعلم الرؤية والمعاينة. السادس: أن الفعل مبني للمفعول وهي قراءة الزهري، أي إلا ليُعْلَمَ من يتبِّع الرسول ومن ينقلب على عقبيه، وهذا لا يحتاج إلى تأويل، إذ الفاعل قد يكون غير الله، وعلم الغَير حادث..
٢٩ - الانقلاب على العقب حقيقته الرجوع إلى خلف متقهقراً، وليس المراد هذا، وإنما المراد الرجوع من الإيمان إلى الكفر، فهو استعارة تمثيلية، بجامع قطع العمل وسواءِ الاتجاه، ووقع تمثيل هذا الرجوع بالنكوص على العقبين لأنه من أسوإ ما يكون في حالة المشي..
٣٠ - أي رجع في الطريق الذي جاء منه..
٣١ - هذا أقوى من قول الفراء – الذي سيذكره بعد ذلك- باعتبار المعنى والإعراب، ولا يعدو أن يكون مقام هذه الآية كمقام قوله تعالى: \[وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين\] الآية..
٣٢ - أشار بهذا إلى سبب نزول قوله تعالى: \[وما كان الله ليضيع إيمانكم\]، وفي الصحيح عن البراء بن عازب، والترمذي، عن ابن عباس أن سبب نزول الآية سؤال الناس عن الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس وماتوا..
٣٣ - أي: هَجَسَتْ والهواجس والهاجس ما يقع في النفس وما يخطر بالبال..
٣٤ - عبر بالإيمان عن الصلاة لأنه الأصل – ولأنه لا يمكن أن تكون صلاة بدون إيمان – ولأن الصلاة إيمان عملي كما في الحديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة – ولئلا يدخل في الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، وهذا ما ألم به ابن عطية رحمه الله في وجه تسمية الصلاة إيمانا، وكما سميت الصلاة إيمانا في الآية الكريمة سميت إسلاما في حديث سعد بن أبي وقاص حيث قال: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبت إذا وضلّ عملي، وكانوا وشوا به إلى عمر، قالوا: لا يحسن الصلاة، فسماها إسلاما لأنها رأسه وعماده، ثم إن قوله تعالى: \[قد نرى تقلّب وجهك\] الآية هي أول القصة فهي متأخرة في التلاوة ومتقدمة في المعنى..
٣٥ - وهو ابن أبي معيط، أسلم يوم الفتح هو وأخوه خالد بن عقبة، وهو من رجال قريش وشعرائها، وقد قال ذلك لمعاوية رضي الله عنه يحرضه على الأخذ بثأر عثمان، ويقول: إن شر الطالبين بثأره أن يرأف ويرحم بقتلة عثمان، والرؤف الرحيم خبر عن قوله: شر الطالبين..

### الآية 2:144

> ﻿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [2:144]

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( ١٤٤ )
المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب، تقول : بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
رَجَعْتُ بما أَبْغي وَوَجْهي بمائِهِ. . . وأيضاً فالوجه يتقلب بتقلب البصر( [(١)](#foonote-١) )، وقال قتادة والسدي وغيرهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة، وقيل( [(٢)](#foonote-٢) ) كان يقلب ليؤذن له في الدعاء، ومعنى التقلب نحو السماء أن السماء جهة قد تعود العالم منها الرحمة كالمطر والأنوار والوحي فهم يجعلون رغبتهم حيث توالت النعم، و  ترضاها  معناه تحبها وتقر بها عينك. 
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الكعبة والتحول عن بيت المقدس لوجوه ثلاثة رويت، فقال مجاهد : لقول اليهود ما علم محمد دينه حتى اتبعنا، وقال ابن عباس : وليصيب قبلة إبراهيم عليه السلام، وقال الربيع والسدي : وليستألف العرب لمحبتها في الكعبة، وقال عبد الله بن عمر : إنما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته حيال ميزاب الكعبة، وقال ابن عباس وغيره : بل وجه إلى البيت كله. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والميزاب هو قبلة المدينة والشام، وهنالك قبلة أهل الأندلس بلا ريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق( [(٣)](#foonote-٣) )، وقوله تعالى : فولِّ وجهك شطر المسجد  الآية، أمر بالتحول ونسخ لقبلة الشام، وقيل : نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة، وذكر أبو الفرج( [(٤)](#foonote-٤) ) أن عباد بن نهيك كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة( [(٥)](#foonote-٥) )، وقيل : إنما نزلت هذه الآية في غير صلاة وكانت أول صلاة إلى الكعبة العصر، و  شطر  نصب على الظرف ويشبه المفعول به لوقوع الفعل عليه( [(٦)](#foonote-٦) ) ومعناه نحو وتلقاء( [(٧)](#foonote-٧) )، قال ابن أحمر :\[ البسيط \]
تَعْدُو بِنا شَطْرَ نَجْدٍ وهيَ عاقدة. . . قَدْ كَارَبَ العِقْدَ مِنْ إيفادِهَا الحقبَا( [(٨)](#foonote-٨) )
وقال غيره :\[ الوافر \]
أقُولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقيمي. . . صُدُورِ العِيسِ شَطْرَ بني تَميمِ( [(٩)](#foonote-٩) )
وقال لقيط :\[ البسيط \]
وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ. . . هَوْلٌ له ظُلَمٌ تَغْشَاكُمُ قِطَعا( [(١٠)](#foonote-١٠) )
وقال غيره( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ خفاف بن عمير \] :\[ الوافر \]
أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْراً رَسُولاً. . . وما تُغْني الرِّسَالةُ شَطْرَ عَمْرِو
و  حيث ما كنتم فولوا  أمر للأمة ناسخ، وقال داود بن أبي هند : إن في حرف ابن مسعود : فول وجهك تلقاء المسجد الحرام ، وقال محمد بن طلحة : إن فيه : فولوا وجوهكم قبله، وقرأ ابن أبي عبلة :**«فولوا وجوهكم تلقاءه »**، و  الذين أوتوا الكتاب  : اليهود والنصارى، وقال السدي : المراد اليهود. 
قال القاضي أبو محمد : والأول أظهر، والمعنى أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم إمام الأمم، وأن استقبالها هو الحق الواجب على الجميع اتباعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي **«عما تعملون »** بتاء على المخاطبة، فإما على إرادة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجهين( [(١٢)](#foonote-١٢) )، فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد، وقرأ الباقون بالياء من تحت.

١ - ذكر أبو (ح) هذا الرأي، ثم قال: **«فهو من الكناية بالكل عن الجزء، والغرض إيضاح المعاني التي ذكرها ابن عطية في نفوس السامعين»** البحر المحيط ١-٢٤٨..
٢ - هذا أسمى وألطف مما قبله، لأنه يدل على سموه صلى الله عليه وسلم حيث انتظر ولم يسأل حتى يُؤذن له، والمعنى: إنك تردد وجهك وتصرف نظرك في السماء تشوقاً لنزول الوحي بالتحويل..
٣ - وهي المراد بالمسجد الحرام، وإنما ذكر المسجد الحرام دون الكعبة إشارة إلى أن الواجب استقبال جهتها لا عينها، وهذا في أهل الآفاق، وأما الحاضر فلا بد من استقبال عينها..
٤ - هو الأصفهاني صاحب الأغاني..
٥ - عباد بن نهيك الحطمي الأنصاري هو الذي أخبر بني حارثة حين وجدهم يصلون إلى بيت المقدس، أن القبلة قد حولت فأتموا الركعتين الباقيتين نحو المسجد الحرام، رجح الحافظان ابن حجر وابن عبد البر أن الذي حمل الخبر هو عباد بن بشر..
٦ - للشطر معنيان في كلام العرب – أولهما: النصف. ومن ذلك قولهم: شاطرتك مالي. وفي الحديث: (الطهور شطر الإيمان)، وثانيهما: القصد والجهة، كما قال الله عز وجل: (فولّ وجهك شطر المسجد الحرام)، وأكثر المفسرين على أن المراد بالشطر تلقاؤه وجانبه، وهو اختيار الشافعي، وقال الجبائي: وهو اختيار القاضي – المراد منه وسط المسجد ومنتصفه لأن الشطر هو النصف، والكعبة بقعة في وسط المسجد. وبهذه الآية استدل المالكية على أن المصلي ينظر أمامه ولا ينظر إلى موضع سجوده. وقالوا: لو نظر إلى موضع سجوده، لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء وهو ينافي كمال القيام المفروض. ويرى الثوري والشافعي والحسن بن حيّ أنه يستحب أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده..
٧ - اسم من اللقاء، ويستعمل ظرفا لمكان اللقاء، وسيأتي أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ: \[فولّ وجهك تلقاء المسجد الحرام\]..
٨ - الشاعر هو عمرو بن أحمر بن عامر الباهلي، شاعر إسلامي يكنى أبا الخطاب كان في عهد الدولة الأموية، والبيت من قصيدة يهجو بها يزيد بن معاوية، فأراد يزيد أن يأخذه ففر منه هاربا ولم يقدر عليه، والضمير في (تعدو) للناقة، والجمع المزدلفة، ويوم جَمْع. يوم عرفة، وأيام جمع: أيام منى، وهي عاقدة أي: بذنبها، للدلالة على حملها، وَكارَبَ معناه: قارب، والإيفاد بالفاء من أوفد إذا أسرع، والحَقَبُ بفتحتين حبل يشد به رحل البعير إلى بطنه أو الحزام الذي يلي حقو البعير..
٩ - الشاعر هو أبو زنباع الجذامي، ونسبه في الأغاني إلى أبي جندب أخ أبي خراش الهذلي، ونسبه الفخر الرازي إلى ساعدة بن جُؤْية..
١٠ - لقيط: هو ابن يَعْمُر الإيادي، شاعر جاهلي قديم مقل. والثغر: الموضع يخاف هجوم العدو منه. ومنه سميت المدينة على شاطئ البحر: ثغراً. وجمعه: ثغور..
١١ - هو خفاف بن ندبة..
١٢ - يعني إرادة أهل الكتاب، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهو إعلام لهم بأن الله غير غافل عن الأعمال ولا مهمل لها، وفي ضمن هذا الإعلام الوعيد..

### الآية 2:145

> ﻿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [2:145]

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( ١٤٥ )
وقوله تعالى : ولئن أتيت  الآية، أعلم الله تعالى نبيه حين قالت له اليهود : راجع بيت المقدس ونؤمن بك مخادعة منهم أنهم لا يتبعون له قبلة، يعني جملتهم لأن البعض قد اتبع كعبد الله بن سلام وغيره وأنهم لا يدينون بدينه، أي فلا تصغ إليهم، والآية هنا : العلامة( [(١)](#foonote-١) )، وجاء جواب  لئن  كجواب ****«لو »**** وهي ضدها في أن ****«لو »**** تطلب المضي والوقوع و **«إن »** تطلب الاستقبال لأنهما جميعاً يترتب قبلهما معنى القسم، فالجواب إنما هو للقسم، لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقوله تعالى جلت قدرته  وما أنت بتابع قبلتهم  لفظ خبر يتضمن الأمر، فلا تركن إلى شيء من ذلك، وقوله تعالى : وما بعضهم  الآية، قال السدي وابن زيد : المعنى ليست اليهود متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم، وقال غيرهما : معنى الآية : وما من أسلم معك منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم بمتبع قبلة من أسلم. 
قال القاضي أبو محمد : والأول أظهر في الأبعاض( [(٣)](#foonote-٣) )، وقبلة النصارى مشرق الشمس وقبلة اليهود بيت المقدس. 
وقوله تعالى : ولئن اتبعت  الآية، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي صلى الله عليه وسلم ظلماً متوقعاً فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم( [(٤)](#foonote-٤) ) وقطعنا أن ذلك لا يكون منه فإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر. 
والأهواء جمع هوى، ولا يجمع على أهوية، على أنهم قد قالوا : ندى وأندية( [(٥)](#foonote-٥) ). قال الشاعر :\[ مرة بن محكان \] :\[ البيسط \]
في ليلةٍ مِنْ جُمادى ذاتِ أَنْديةٍ. . . لا يُبْصِرُ الْكَلْبُ في ظَلْمَائِهَا الطّنبَا( [(٦)](#foonote-٦) )
وهوى النفس إنما يستعمل في الأكثر : فيما لا خير فيه، وقد يستعمل في الخير مقيداً به، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أسرى بدر : فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، و **«إذا »** حرف معناه أن تقرر ما ذكر.

١ - يعني العلامة والحجة الدالة على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق..
٢ - في قوله تعالى: \[ما تبعوا قبلتك\] رأيان:
 الأول: أنها جواب قسم محذوف وهو قول سيبويه.
 الثاني: أنها جواب (إن) لوقوعها موقع (لو)، وهو قول الفراء والأخفش.
 وابن عطية ذهب إلى قول سيبويه، وقد ناقشه أبو (ح) في البحر المحيط ١/٤٣١ فقال بعد أن أورد نص عبارته هنا: **«وهذا الكلام فيه تثبيج وعدم نصّ على المراد لأن أوله يقتضي أن الجواب لـ (إن)، وقوله بعد: فالجواب إنما هو للقسم يدل على أن الجواب ليس لـ (إن) – والتعليل بعد بقوله: لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر لا يصلح أن يعلل به قوله: «فالجواب إنما هو للقسم»**. بل يصح أن يكون تعليلا لأن الجواب لـ (إن)، وأجريت في ذلك مجرى (لو)، وأما قوله: هذا قول سيبويه فليس في كتاب سيبويه إلا أن (ما تبعوا) جواب القسم، ووضع فيه الماضي موضع المستقبل.
 وهذه المناقشة من أبي (ح) إنما ترتب على قول ابن عطية في إحدى النسخ: **«لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر»** - والصواب هو ما جاء في بعض النسخ واعتمدناه هنا أن عبارة ابن عطية: **«لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر»** - وبهذا ينتفي جانب من جوانب هذه المناقشة اللغوية..
٣ - يعني أن ما قاله السدي، وابن زيد من أن المراد بالأبعاض اليهود والنصارى لا من أسلم منهم ومن لم يسلم هو الأظهر والأليق بالسياق، وقوله تعالى: \[وما بعضهم بتابع قبلة بعض\] معجزة ظاهرة، فإننا نرى كثيرا منهم يتبعون دين الإسلام ولا نرى يهوديا تنصر، ولا نصرانيا تهود، وذلك حكم الله والله يحكم ما يريد..
٤ - هذه الصفة هي التي توجب صرف كل آية تُوهم مالا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما خرجت هذا المخرج للتغليظ والتفظيع..
٥ - الندى ما يسقط آخر الليل من البلل وجمعه أنداء، ويجوز أندية كما في قول الشاعر: (في ليلة من جمادى ذات أندية........... )
 قال ابن الأنباري: الاختيار أن تجمع الرحى على أرحاء، والقفا على أقفاء، والندى على أنداء لأن جمع فَعَل على أفْعِلَة شاذ – وقال الزجاج أيضا: الرحى تجمع على أرحاء ولا يجوز أرحية لأن أفعلة جمع الممدود لا المقصور، وليس في المقصور شيء يجمع على أفْعِلة، ومن ثَمَّ جُمِع هواء بالمد على أهوية..
٦ - الشاعر هو مرة بن محكان، والبيت من قصيدة في الحماسة، وجمادى عند العرب الشتاء كله، سواء أكان فيها أو في غيرها من الشهور. والطُّنُب بضم النون وسكونها: حبْلٌ يشد به الخباء والسرادق ونحوهما، وجمعه أطناب..

### الآية 2:146

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:146]

الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( ١٤٦ )
 الذين  في موضع رفع بالابتداء، والخبر  يعرفونه ( [(١)](#foonote-١) )، ويصح أن يكون في موضع خفض نعتاً للظالمين و  يعرفونه  في موضع الحال. 
وخص الأبناء دون الأنفس وهي ألصق، لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة( [(٢)](#foonote-٢) ) لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه، والمراد هنا معرفة الوجه وميزه لا معرفة حقيقة النسب( [(٣)](#foonote-٣) )، ولعبد الله بن سلام رضي الله عنه في هذا الموضع كلام معترض( [(٤)](#foonote-٤) ) يأتي موضعه إن شاء الله( [(٥)](#foonote-٥) )، والضمير في  يعرفونه  عائد على الحق في القبلة والتحول بأمر الله إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج والربيع، وقال قتادة أيضاً ومجاهد وغيرهما : هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم( [(٦)](#foonote-٦) )، أي يعرفون صدقه ونبوته( [(٧)](#foonote-٧) )، والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم، والإشارة بالحق إلى ما تقدم من الخلاف في ضمير  يعرفونه ، فعم الحق مبالغة في ذمهم، و  هم يعلمون  ظاهر في صحة الكفر عناداً.

١ - أورد أبو (ح) في البحر المحيط أوجها كثيرة في إعراب (الذين) والظاهر انعقاد الكلام من مبتدأ وخبر، واستقلاله عما قبله بحيث لا يكون من التوابع، وذلك مما يدل على اهتمام السياق بالمقام، والله أعلم..
٢ - البرهة المدة الطويلة من الزمان. وهي بضم الباء وبفتحها..
٣ - أي وجه الأبناء، وتمييز صورتهم لإثبات نسبهم وتحقيق بنوتهم، ويدخل في الأبناء الإناث كما تدخل في الأولاد، ولذلك كان الحبس على الأبناء أو الأولاد يدخل فيه البنات على مذهب مالك رحمه الله، ومنهم من يفرق بين الذكور والإناث، ولكل وجهة هو موليها..
٤ - روي كما في (ق) أن عمر رضي الله عنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك ؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنَعْته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه، والمراد أن معرفتي به صلى الله عليه وسلم قطعية لأنها عن الله، ومعرفتي بابني ظنية لأني لا أدري ما كان من أمه. ونص اعتراض المؤلف في سورة الأنعام: قال القاضي أبو محمد: وتأول ابن سلام رضي الله عنه المعرفة بالابن تحقق صحة نسبه – وغرض الآية إنما هو الوقوف على صورته فلا يخطئ الأب فيها. انتهى..
٥ - سيأتي في سورة الأنعام عند قوله تعالى: \[الذين آتياناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون\]..
٦ - يؤيد ذلك ما ذكروه من قصة عمر مع عبد الله بن سلام رضي الله عنهما. وفي هذه الآية ما يشهد للفرق بين العلم والتصديق، فهاهم أولاء يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم لم يصدقوه، ومثل هذه الآية قوله تعالى في قوم فرعون: \[وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم\] وقول موسى لفرعون: \[لقد علمت ما أنزل الله هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا\] ومثل هذه قصة أبي طالب، فإنه كان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق وبارّ وراشد ولكنه لم يؤمن ولم يصدق لحكمة يعلمها الله وحده، ويجب علينا نحن الإيمان بها..
٧ - وأوصافه..

### الآية 2:147

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [2:147]

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( ١٤٧ )
وقوله تعالى : الحق من ربك ،  الحقُّ  رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو الحق، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده( [(١)](#foonote-١) )، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه  الحقَّ  بالنصب، على أن العامل فيه  يعلمون ، ويصح نصبه على تقدير : الزم الحق. 
وقوله تعالى : فلا تكونن من الممترين ، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وامترى في الشيء إذا شك فيه، ومنه المراء لأن هذا يشك في قول هذا، وأنشد الطبري - شاهداً على أن الممترين الشاكون- قول الأعشى :\[ المتقارب \]
تدر على اسؤق الممترين. . . ركضاً إذا ما السراب ارجحن( [(٢)](#foonote-٢) )
ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا : الممترون في البيت هم الذين يْمرون الخيل بأرجلهم همزاً لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها( [(٣)](#foonote-٣) )، فليس في البيت معنى من الشك كما قال الطبري( [(٤)](#foonote-٤) ).

١ - هذا بعيد والأولى أن يكون الخبر (من ربّك)..
٢ - قبله:
 تبـاري الزجَاج مغَـاويرُهــا شَماطِيط في وهَج كالدَّخَــنْ
 يغمز الفرسان الأفراس بأرجلهم في شدة القيظ فتدر على أسؤقهم ركضا إذا ارْجَحَنَّ السراب أي ارتفع وعلا، والزِّجَاجُ: جمع (زُجٍّ) وهو الحديدة التي في أسفل الرمح – والمغوار من الرجال: المقاتل الكثير الغارات على أعدائه. والشماطيط: الفرق يقال: تفرق القوم شماطيط: إي فِرَقا، ويقال: جاءت الخيل شماطيط: أي متفرقة أرسالا. والدَّخَن: الدخان. ويقال لساق الراكب دِرَّةٌ: أي استدرار لجري الدابة – والأسؤُق: جمع ساق. ويجمع ساق أيضا على سوق وسيقان..
٣ - أي يستخرجون ما فيها من قوة الجري..
٤ - قال (ق) رحمه الله: بل معنى الشك فيه موجود لأنه يحتمل أن نختبر الفرس صاحبه أهو على ما عهد منه من الجري أم لا ؟، لئلا يكون أصابه شيء – أو يكون هذا أول شرائه فيجريه ليعلم مقدار جريه فهو في شك من أمر الفرس، ولذلك كان الاحتجاج به صحيحا..

### الآية 2:148

> ﻿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:148]

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٤٨ )
وقوله تعالى : ولكل وجهة  الآية، الوجهة : فعلة من المواجهة كالقبلة، وقوله : هو  عائد على اللفظ المفرد في  كل ، والمراد به الجماعات. 
المعنى : لكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه، قاله الربيع وعطاء وابن عباس، وقرأ ابن عباس وابن عامر وحده من السبعة  هو مولاها ( [(١)](#foonote-١) )، وقالت طائفة : الضمير في  هو  عائد على الله تعالى، والمعنى : الله موليها إياهم، وقالت فرقة : المعنى في الآية أن للكل ديناً وشرعاً وهو دين الله وملة محمد وهو موليها إياهم اتبعها من اتبعها وتركها من تركها، وقال قتادة : المراد بالآية أن الصلاة إلى الشام ثم الصلاة إلى الكعبة لكل واحدة منهما وجهة الله موليها إياهم، وحكى الطبري أن قوماً قرؤوا  ولكل وجهة  بإضافة كل إلى وجهة، وخطأها الطبري. 
قال القاضي أبو محمد : وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع( [(٢)](#foonote-٢) )، وقدم قوله : لكل وجهة  على الأمر في قوله : فاستبقوا  للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنه وسلمت الواو في وجهة ولم تجر كعدة وزنة لأن  وجهة  ظرف وتلك مصادر فسلمت للفرق، وأيضاً فليكمل بناء الهيئة كالجلسة( [(٣)](#foonote-٣) )، قال أبو علي : ذهب قوم أنه مصدر شذ عن القياس فسلم، ومال قوم إلى أنه اسم ليس بمصدر. 
قال غير أبي علي : وإذا أردت المصدر قلت جهة. 
قال القاضي أبو محمد : وقد يقال الجهة في الظرف، وحكى الطبري عن منصور( [(٤)](#foonote-٤) ) أنه قال : نحن نقرؤها **«ولكلٍّ جعلنا قبلة يرضونها »**. 
ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات( [(٥)](#foonote-٥) ) والبدار إلى سبيل النجاة، ثم وعظهم بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيداً وتحذيراً. 
وقوله : يأتِ بكم الله جميعاً  يعني به البعث من القبور، ثم اتصف الله تعالى بالقدرة على كل شيء مقدور عليه لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإتيان بهم.

١ - فتكون اسم مفعول على هذه القراءة..
٢ - توجيهه لقراءة الإضافة التي خطأها الطبري رحمه الله – بأنها مرتبطة بما بعدها توجيه مقبول وصحيح، وقد بيّن ذلك في سبكه لها، كما بيّن أنها قراءة ابن عباس رضي الله عنه نقلا عن أبي عمرو الداني..
٣ - الوجهة: كل مكان استقبلته، وتحذف الواو فيقال: جهة كعدة وقد قيل: إن وجهة مصدر خرج عن القياس، وقيل: ظرف مكان، والجهة كذلك تكون مصدرا، وقد تكون ظرفا..
٤ - لعله منصور بن المعتمر السلمي أبو عتاب الكوفي، صام أربعين سنة، وقام ليلها، وتوفي سنة ١٣٢ هـ ونرجح ذلك لأن جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي يروي عنه..
٥ - استَبَقَ – لا تتعدى لأنها بمعنى تسابق، فهي في الآية على تقدير إلى، أو على تضمين معنى الابتدار، والخيرات سائر أنواع الطاعات، ومنها المسارعة إلى الصلاة واستقبال الكعبة..

### الآية 2:149

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:149]

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ١٤٩ )
وقوله تعالى : ومن حيث خرجت ، معناه حيث كنت وأنّى توجهت من مشارق الأرض ومغاربها، ثم تكررت هذه الآية تأكيداً من الله تعالى، لأن موقع التحويل كان صعباً في نفوسهم جداً فأكد الأمر ليرى الناس التهمم به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه( [(١)](#foonote-١) ).

١ - تكررت الآية مع ما قبلها لتقرير نسخ استقبال بيت المقدس وتثبيت هذا الحكم في النفوس، لأن موقع التحويل كان صعبا عليهم إذ كان أول نسخ في الإسلام – وقد ذكر القرطبي أن قوله تعالى: \[فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره\] لمن هو مقيم بمكة، وقوله تعالى: \[ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام\] لمن هو في بقية الأمصار، وقوله تعالى: \[ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره\] لمن خرج في الأسفار، وبهذا تكون كل آية لها محمل خاص، وذلك أحسن من التكرار. وقيل: إن الأولى بيان لرغبته وضراعته صلى الله عليه وسلم، والثانية بيان أن الرغبة هي الحق، والثالثة بيان أن ذلك كان لئلا يكون للناس حجة – إلا أنه وراء هذا التكرار الذي يوجد معه في كل مرة معنى جديد ما يوحي أنه كانت هناك جملة تستدعي هذا التكرار وهذا البيان لإزالة أثرها من النفوس، فهو فلاح وشفاء من كل ضلال وباطل..

### الآية 2:150

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:150]

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( ١٥٠ )
قوله تعالى : فولوا وجوهكم شطره  هو فرض استقبال القبلة على المصلين، وفرض المصلي ما دام يرى الكعبة أن يصادفها باستقباله، فإذا غابت عنه ففرضه الاجتهاد في مصادفتها، فإن اجتهد ثم كشف الغيب أنه أخطأ فلا شيء عليه عند كثير من العلماء، ورأى مالك رحمه الله أن يعيد في الوقت إحرازاً لفضيلة القبلة( [(١)](#foonote-١) ). 
وقوله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة  الآية، قرأ نافع وحده بتسهيل الهمزة، وقرأ الباقون  لئلا  بالهمز، والمعنى : عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة في ذلك  لئلا ( [(٢)](#foonote-٢) )، وقوله : للناس  عموم في اليهود والعرب وغيرهم، وقيل : المراد بالناس اليهود ثم استثنى كفار العرب. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله  منهم  يرد هذا التأويل : وقالت فرقة  إلا الذين  استثناء متصل، وهذا مع عموم لفظة الناس( [(٣)](#foonote-٣) )، والمعنى أنه لا حجة( [(٤)](#foonote-٤) ) لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني اليهود وغيرهم من كل من تكلم في النازلة في قولهم  ما ولاهم  استهزاء، وفي قولهم : تحير محمد في دينه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو من منافق، وسماها تعالى حجة وحكم بفسادها حين كانت من ظلمة، وقالت طائفة  إلا الذين  استثناء منقطع وهذا مع كون الناس اليهود فقط، وقد ذكرنا ضعف هذا القول، والمعنى : لكن الذين ظلموا( [(٥)](#foonote-٥) ) يعني كفار قريش في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله، ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد :**«ألا »** بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح الكلام، فيكون  الذين  ابتداء( [(٦)](#foonote-٦) )، أو على معنى الإغراء بهم فيكون  الذين  نصباً بفعل مقدر. 
وقوله تعالى : فلا تخشوهم واخشوني  الآية، تحقير لشأنهم وأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمره، وقوله  ولأتم  عطف على قوله  لئلا ( [(٧)](#foonote-٧) )، وقيل : هو مقطوع في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر بعد ذاك، والتقدير لأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ونحوه( [(٨)](#foonote-٨) ). و  لعلكم تهتدون  ترجٍّ في حق البشر.

١ - قال شيخ المالكية الشيخ خليل في مختصره: **«وإن تبين خطأ بصلاة قَطَعَ – غير أعمى ومنحرف يسيرا فيستقبلانها – وبعدها أعاد في الوقت المختار»**..
٢ - يشير بذلك إلى أن قوله تعالى: (لئلا) متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام السابق وقوله: وجه الصواب هو قوله تعالى: \[وإنه للحق من ربك\]، والحجة في ذلك هي قوله تعالى: \[ولكل وجهة هو موليها\]..
٣ - منشأ الخلاف في الاستثناء هو الاختلاف في (معنى) الحجة في الآية. أمعناها الدليل والبرهان الصحيح، أم معناها المحاجة والمخاصمة ؟ فإن كان الأول فهو منقطع، لأن الظالمين لا حجة لهم، وإن كان الثاني فهو متصل لأن جدالهم وعنادهم لا ينقطع – ثم الاسثناء المتصل هو الذي اختاره الطبري رحمه الله، واقتصر عليه الزمخشري، وصدر به ابن عطية، بل ضعّف الانقطاع لبنائه على تخصيص الناس باليهود. وقوله: وقالت فرقة إلخ إيضاح لما قبله..
٤ - قال الزمخشري في الكشاف: إن قلت: أي حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم يحوَّل حتى احترز من تلك الحجة، ولم يبال بحجة المعاندين ؟ - قلت: كانوا يقولون ما له لا يُحَوَّلُ إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة ؟.
٥ - أي لكن الذين ظلموا ليست لهم حجة، وإنما لديهم شبهة..
٦ - والخبر – على هذا – قوله تعالى: \[فلا تخشوهم واخشوني\]..
٧ - هذا هو الظاهر، وما بعده غير واضح..
٨ - عبارة أبي حيان: وقيل: تتعلق اللام بفعل مؤخر. التقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرّفتكم قبلتي. وهذا نفس ما قاله ابن عطية في إعراب \[لئلا يكون للناس\] الآية..

### الآية 2:151

> ﻿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:151]

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( ١٥١ )
والكاف في قوله  كما  رد على قوله  لأتم ( [(١)](#foonote-١) ) أي إتماماً كما، وهذا أحسن الأقوال، أي لأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام  كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم  إجابة لدعوته في قوله  ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ( [(٢)](#foonote-٢) ) الآية، وقيل : الكاف من  كما  رد على  تهتدون ، أي اهتداء كما، وقيل، هو في موضع نصب على الحال، وقيل : هو في معنى التأخير متعلق بقوله  فاذكروني ( [(٣)](#foonote-٣) )، وهذه الآية خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المعنيّ بقوله  رسولاً منكم ، و  يتلو  في موضع نصب على الصفة، والآيات : القرآن، و  يزكيكم  يطهركم من الكفر وينميكم بالطاعة، و  الكتاب  القرآن، و  الحكمة  ما يتلقى عنه عليه السلام من سنة وفقه في دين، و  ما لم تكونوا تعلمون  قصص من سلف وقصص ما يأتي من الغيوب.

١ - أي راجع إليه ومتعلق به، والتعلق به هو الظاهر..
٢ - من الآية (١٢٩) من سورة (البقرة)..
٣ - يخدش هذا وجود الفاء فإن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، ولولا ذلك لكان الكلام حسنا..

### الآية 2:152

> ﻿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [2:152]

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ( ١٥٢ )
قال سعيد بن جبير : معنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة. 
قال القاضي أبو محمد : أي اذكروني عند كل أموركم فيحملكم خوفي على الطاعة فأذكركم حينئذ بالثواب، وقال الربيع والسدي : المعنى اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحوه( [(١)](#foonote-١) ). 
وفي الحديث : إن الله تعالى يقول :**«ابن آدم اذكرني في الرخاء أذكرك في الشدة »**( [(٢)](#foonote-٢) )، وفي حديث آخر : إن الله تعالى يقول :**«وإذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم »**( [(٣)](#foonote-٣) ) وروي أن الكافر إذا ذكر الله ذكره الله باللعنة والخلود في النار، وكذلك العصاة يأخذون بحظ من هذا المعنى( [(٤)](#foonote-٤) )، وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام **«قل للعاصين لا يذكروني »**. 
و  اشكروا لي  واشكروني بمعنى واحد، و  لي  أشهر وأفصح مع الشكر( [(٥)](#foonote-٥) )، ومعناه نعمي وأياديّ، وكذلك إذا قلت شكرتك فالمعنى شكرت صنيعك وذكرته، فحذف المضاف، إذ معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معاً، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف، و  تكفرون  أي نعمي وأياديّ( [(٦)](#foonote-٦) )، وانحذفت نون الجماعة للجزم، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء التي بعدها تخفيفاً لأنها رأس آية، ولو كان نهياً عن الكفر ضد الإيمان لكان : ولا تكفروا، بغير النون.

١ - ليس الذكر وفضله محصورا في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك، بل كل عامل بطاعة الله فهو ذاكر لله تعالى، كما قاله سعيد بن جبير رضي الله عنه، وكما قال ابن عطية في تفسيره: اذكروني عند كل أموركم..
٢ - نحوه حديث: (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) أخرجه الإمام أحمد وغيره..
٣ - رواه البخاري والإمام أحمد..
٤ - روى ابن أبي حاتم بسنده إلى مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والزاني يذكر الله وقد قال الله تعالى: (فاذكروني أذكركم) فقال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت..
٥ - أنكر الأصمعي (شكرتُه)، وكل ما في القرآن يوافقه: \[أنِ اشكر لي ولوالديك، إلى المصير\] وذكر أبو (ح) أنه من الأفعال التي ذُكر أنها تتعدى بحرف جرّ تارة، وتتعدى بنفسها تارة، كما قال عمرو بن لجاء التميمي:
 هُـم جَمَعوا بُؤْسي وَنُعْمي عليكم فهلاَّ شَكَرْتَ القَوْم إذْ لَمْ تُقَابِـلِ.
٦ - يشير إلى أن المراد بالكفر كفر النعمة لا كفر الإيمان (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) وقوله: **«ولو كان نهيا عن الكفر»**. أي أن المراد بالكفر كفر النعمة فلذا قيل: \[ولا تكفرون\]، ولو كان كفر الإيمان لقيل: ولا تكفروا بي، وقوله: **«وهذه نون المتكلم»**. أي: نون الوقاية التي تصحب ياء المتكلم..

### الآية 2:153

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:153]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( ١٥٣ )
و  يا  حرف نداء و **«أيّ »** منادى و **«ها »** تنبيه، وتجلب ****«أي »**** فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً ما، فلو لم تجلب ****«أي »**** لاجتمع تعريفان، وقال قوم : الصبر  : الصوم، ومنه قيل لرمضان : شهر الصبر، وتقدم معنى الاستعانة بالصبر والصلاة( [(١)](#foonote-١) )، واختصاره( [(٢)](#foonote-٢) ) أنهما رادعان عن المعاصي. 
وقوله تعالى : إن الله مع الصابرين  معناه بمعونته وإنجاده، فهو على حذف مضاف( [(٣)](#foonote-٣) )، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت :**«اهجُهم وروح القدس معك »**، وكما قال :**«ارموا وأنا مع بني فلان »**، الحديث( [(٤)](#foonote-٤) ).

١ - عند تفسير قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)..
٢ - أي اختصار ما تقدم من معنى الاستعانة بالصبر والصلاة..
٣ - والتقدير: إن معونة الله مع الصابرين..
٤ - أخرجه البخاري، ونص الحديث: **«عن سلمة بن الأكوع قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم يتناضلون أي يترامون فقال: ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين أيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لكم لا ترمون ؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ارموا فأنا معكم كلكم»** ا. هـ..

### الآية 2:154

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [2:154]

وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ( ١٥٤ )
وقوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات  الآية، سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد مات فلان ومات فلان، فكره الله أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضاً : فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم، ويبين ذلك من حديث أم حارثة في السير( [(١)](#foonote-١) )، والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق( [(٢)](#foonote-٢) )، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم. 
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة( [(٣)](#foonote-٣) )، وروي أنهم في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب، إلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوال لطوائف( [(٤)](#foonote-٤) ) أو للجميع في أوقات متغايرة، وجمهور العلماء على أنهم في الجنة، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة : إنه في الفردوس، وقال مجاهد : هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها، و  أموات  رفع بإضمار الابتداء والتقدير هم أموات، ولا يجوز إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في قولك قلت كلاماً وحجة. 
وقوله  ولكن لا تشعرون  أي قبل أن نشعركم( [(٥)](#foonote-٥) ).

١ - رواه البخاري في غزوة بدر عن أنس بن مالك، وأم حارثة هي الرُّبَيِّع – بالتصغير – بنت النضير، وحارثة هو ابن سراقة الأنصاري، قتل في بدر، وقوله: في السير – أي في المغازي..
٢ - يعني أنهم يرزقون من حين استشهادهم من مطاعم الجنة، على أنه قد ورد العموم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة). فقد عم المؤمنين، وأنهم يرزقون في البرزخ من رزق الجنة، ولكن لا مانع أن يخص الشهداء بقدر لا يناله غيرهم، والله أعلم. حديث: (إنما نسمة المؤمن) خرجه الإمام مالك في الموطأ..
٣ - روى ذلك الإمام مسلم وغيره، وقوله تعلق بضم اللام أي تأكل، يقال: علقت البهيمة الشجر علقاً: أكلت من ورقه..
٤ - معناه أن المنعّمين يكونون على جهات مختلفة بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم وبهذا يجمع بين الأحاديث والأخبار في هذا الموضوع..
٥ - وقد أشعرهم الله بحياتهم في سورة البقرة هنا وفي سورة آل عمران، وذلك أن حياتهم أمر لا يدرك إلا بالوحي، ولا يدرك بالعقل، وقد جاء الوحي بحياتهم، فحياتهم روحية كما يشير إلى ذلك حديث: (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر)، ففيه تفسير الحياة بأنها حياة روحية..

### الآية 2:155

> ﻿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [2:155]

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( ١٥٥ )
وقوله تعالى : ولنبلونكم  الآية، أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وأخبر أنه مع الصابرين( [(١)](#foonote-١) )، ثم اقتضت الآية بعدها من فضل الشهداء ما يقوي الصبر عليهم ويخفف المصيبة، ثم جاء بعد ذلك من هذه الأمور التي لا تتلقى إلا بالصبر أشياء تعلم أن الدنيا دار بلاء ومحن، أي فلا تنكروا فراق الإخوان والقرابة، ثم وعد الصابرين أجراً، وقال عطاء والجمهور : إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل : الخطاب لقريش وحل ذلك بهم فهي آية للنبي صلى الله عليه وسلم( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والأول أظهر،  ولنبلونكم بشيء  معناه لنمتحننكم، وحركت الواو لالتقاء الساكنين، وقيل : الفعل مبني وهو مع النون الثقيلة بمنزلة خمسة عشر، و  الخوف  يعني من الأعداء في الحروب، و  الجوع  الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعاً( [(٣)](#foonote-٣) )، ونقص الأموال : بالجوائح والمصائب،  والأنفس  : بالموت والقتل،  والثمرات  : بالعاهات ونزع البركة، فالمراد بشيء من هذا وشيء من هذا( [(٤)](#foonote-٤) ) فاكتفى بالأول إيجازاً ولذلك وحد، وقرأ الضحاك  بأشياء  على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض، وقال بعض العلماء : إنما المراد في هذه الآية مؤن الجهاد وكلفه، فالخوف من العدو والجوع به وبالأسفار إليه ونقص الأموال بالنفقات فيه والأنفس بالقتل والثمرات بإصابة العدو لها أو بالغفلة عنها بسبب الجهاد.

١ - لفظ المعية جاء في كتاب الله عاما كما في قوله تعالى: \[وهو معكم أينما كنتم\] وقوله: \[وهو معهم أينما كانوا\] وجاء خاصا كقوله هنا: \[إن الله مع الصابرين\] وكقوله تعالى: \[إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون\] ولا يمكن أن تحمل على المخالطة مع الناس فهي – في العام – تحمل على العلم والقدرة والسلطان – وفي الخاص على المعونة والنصرة والتأييد..
٢ - يعني أن الله سبحانه قد استجاب دعاء نبيه عليه السلام في قريش الذين حل بهم البلاء..
٣ - الذي في المعاجم أن الجوع: ضد الشبع – أو هو خلو البطن من الطعام، وأن المجاعة هي عام الجدب. ومثلها المجْوعَة، وفيها أيضا أن الغرث هو الجوع، وفي المثل: (غرثان فاربكوا له) أي: اصنعوا له طعاما. وفي المثل: (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها)..
٤ - أي: بقليل من هذا وقليل من هذا، فالتعبير بشيء يوحي بالقلة، وكل ما آذى المؤمن –وإن قل- فهو مصيبة وبلاء..

### الآية 2:156

> ﻿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:156]

ثم وصف تعالى الصابرين الذين بشرهم بقوله  الذين إذا أصابتهم مصيبة  الآية، وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب( [(١)](#foonote-١) ) وعصرة( [(٢)](#foonote-٢) ) للممتحنين لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار له بالعبودية والبعث من القبور واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له، وقال سعيد بن جبير : لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفا على يوسف. 
وروي أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله ؟ فقال :**«نعم كل ما آذى المؤمن فهي مصيبة »**( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - في الآية الكريمة إشارة إلى أن الدنيا دار محنة وبلاء، وأن علاج ذلك هو الصبر، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، وإذا كان ذلك جَبَر الله مصيبته، وأحسن عاقبته، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه. وروى الترمذي بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه: (من عزى مصابا فله مثل أجره)..
٢ - العُصْرة: هي الملجأ. فهو عطف مرداف..
٣ - المصيبة – إما أن تكون من كسب الإنسان كما قال تعالى: \[وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم\]. وإما أن تكون لمجرد الابتلاء ورفع الدرجات وذلك في حق الأنبياء والأولياء – والمصيبة بالعدل، والنعمة بالفضل..

### الآية 2:157

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [2:157]

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( ١٥٧ )
وقوله تعالى : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة  الآية، نعم من الله على الصابرين المسترجعين، وصلوات الله على عبده : عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيداً، وهي من أعظم أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء. 
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية :**«نعم العدلان ونعم العلاوة »**( [(١)](#foonote-١) ) أراد بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الاهتداء.

١ - ذكره البخاري في صحيحه، والعلاوة ما يوضع بين العدلين، والعِدْل نصف الحمل على أحد شِقَّي الدابة، والاثنان عِدْلان – ضرب ذلك مثلا لقوله تعالى: \[أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون\] فالصلاة: عِدْل، والرحمة: عدل، وأولئك هم المهتدون: علاوة، لما كانت الهداية صفة للمذكورين ومن نوع العِدْلين..

### الآية 2:158

> ﻿۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [2:158]

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( ١٥٨ )
 الصفا والمروة  : جبيلان بمكة، و  الصفا  جمع صفاة، وقيل : هو اسم مفرد جمعه صفى وأصفاء، وهي الصخرة العظيمة، قال الراجز :\[ الرجز \] ( [(١)](#foonote-١) )
مواقعُ الطَّيرِ على الصَّفى. . . وقيل : من شروط الصفا البياض والصلابة، و  المروة  واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، ومنه قول الذي أصاب شاته الموت من الصحابة **«فذكيتها بمروة »**( [(٢)](#foonote-٢) )، ومنه قيل الأمين :**«اخرجني إلى أخي فإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة »**( [(٣)](#foonote-٣) )، وقد قيل في المرو : إنها الصلاب. قال الشاعر( [(٤)](#foonote-٤) ) :\[ الوافر \]
وَتَوَلَّى الأَرْضَ خِفّاً ذَابِلاً. . . فإذَا ما صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ
والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى( [(٥)](#foonote-٥) ) وترق حاشيته، وفي هذا يقال المرو أكثر، وقد يقال في الصليب، وتأمل قول أبي ذؤيب :\[ الكامل \]
حتى كأني للحوادث مروة. . . بصفا المشقر كل يوم تقرع( [(٦)](#foonote-٦) )
وجبيل  الصفا  بمكة صليب، وجبيل  المروة  إلى اللين ماهق( [(٧)](#foonote-٧) )، فبذلك سميا، قال قوم : ذكر  الصفا  لأن آدم وقف عليه، ووقفت حواء على المروة فانثت لذلك. 
وقال الشعبي :**«كان على الصفا صنم يدعى إسافاً، وعلى المروة صنم يدعى نائلة »**، فاطرَد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر، و  من شعائر الله  معناه من معالمه ومواضع عبادته( [(٨)](#foonote-٨) )، وهي جمع شعيرة أو شعارة، وقال مجاهد : ذلك راجع إلى القول، أي مما أشعركم الله بفضله، مأخوذ من تشعرت إذا تحسست( [(٩)](#foonote-٩) )، وشعرت مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد من الثياب، والشعار مأخوذ من الشعر، ومن هذه اللفظة هو الشاعر( [(١٠)](#foonote-١٠) ) : و  حج  معناه قصد وتكرر، ومنه قول الشاعر( [(١١)](#foonote-١١) ) :\[ الطويل \]
وأَشْهَدُ مِنْ عوفٍ حلولاً كثيرةً. . . يحجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
ومنه قول الآخر( [(١٢)](#foonote-١٢) ) :\[ البسيط \]
يحج مأمومةً في قَعْرِها لجفُ. . . و  اعتمر  زار وتكرر مأخوذ من عمرت الموضع، وال  جناح  الإثم والميل عن الحق والطاعة، ومن اللفظة الجناح لأنه في شق، ومنه قيل للخباء جناح لتمايله وكونه كذي أجنحة، ومنه : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) \[ الأنفال : ٦١ \]، و  يطوف  أصله يتطوف( [(١٤)](#foonote-١٤) ) سكنت التاء وأدغمت في الطاء. 
وقرأ أبو السمال **«أن يطاف »** وأصله يطتوف تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول، كما جاء في مدكر، ومن لم يجز ذلك قال قلبت طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء، وفي هذا نظر لأن الأصلي أدغم في الزائد وذلك ضعيف( [(١٥)](#foonote-١٥) ). 
وروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب أنهم قرؤوا **«أن لا يتطوف »** وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ****«أن لا يطوف »****( [(١٦)](#foonote-١٦) )، قيل :****«أن لا يطوف »**** بضم الطاء وسكون الواو( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
وقوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله  خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما. 
وقوله  فلا جناح  ليس المقصد منه إباحة الطواف لمن شاء، لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيم، وإنما المقصد منه رفع ما وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج، وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب، واختلف في كيفية ذلك( [(١٨)](#foonote-١٨) ) فروي أن الجن كانت تعرف وتطوف بينهما في الجاهلية فكانت طائفة من تهامة لا تطوف بينهما في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا من الطواف( [(١٩)](#foonote-١٩) ). 
وروي عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك في الأنصار وذلك أنهم كانوا يهلون لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها فكانوا لا يطوفون بين إساف ونائلة إجلالاً لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت هذه الآية( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وروي عن الشعبي أن العرب التي كانت تطوف هنالك كانت تعتقد ذلك السعي إجلالاً لإساف ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هنالك إذ كان بسبب الصنمين( [(٢١)](#foonote-٢١) ). 
واختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) فمذهب مالك والشافعي أن ذلك فرض ركن من أركان الحج لا يجزي تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري وأصحاب الرأي أن الدم يجزيء تاركه وإن عاد فحسن، فهو عندهم ندب، وروي عن أبي حنيفة : إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، وقال عطاء ليس على تاركه شيء لا دم ولا غيره، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود **«أن لا يطوف بهما »** وهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) لعروة حين قال لها **«أرأيت قول الله : فلا جناح أن يطوف بهما  ؟ فما نرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما »** قالت :**«يا عروة( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) كلا لو كان ذلك لقال : فلا جناح عليه ألا يطوف بها »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وأيضاً فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف وتكون **«لا »** زائدة صلة في الكلام( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )، كقوله  ما منعك ألا تسجد  \[ الأعراف : ١٢ \]، وكقول الشاعر( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) :\[ البسيط \]
ما كان يرضى رسولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ. . . والطِّيبانِ أبو بَكْرٍ ولا عمرُ
أي وعمر وكقول الآخر( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ) :\[ الرجز \]
وما ألومُ البِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا. . . ومذهب مالك وأصحابه في العمرة أنها سنة إلا ابن حبيب فإنه قال بوجوبها، وقرأ قوم من السبعة وغيرهم **«ومن يطوع »** بالياء من تحت على الاستقبال والشرط، والجواب في قوله  فإن ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ****«تطوع »**** على بابه في المضي، ف  من  على هذه القراءة بمعنى الذي، ودخلت الفاء في قوله  فإن  للإبهام الذي في  من ، حكاه مكي، وقال أبو علي : يحتمل ****«تطوع »**** أن يكون في موضع جزم و  من  شرطية، ويحتمل أن تكون  من  بمعنى الذي والفعل صلة لا موضع له من الإعراب، والفاء مؤذنة أن الثاني وجب لوجوب الأول، ومن قال بوجوب السعي قال : معنى  تطوع  أي زاد براً بعد الواجب، فجعله عاماً في الأعمال، وقال بعضهم : معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومن لم يوجب السعي قال : المعنى من تطوع بالسعي بينهما، وفي قراءة ابن مسعود **«فمن تطوع بخير »** ومعنى  شاكر  أي يبذل الثواب والجزاء( [(٢٨)](#foonote-٢٨) )،  عليم  بالنيات والأعمال لا يضيع معه لعامل بر ولا غيره عمل.

١ - هو الأخيل الطائي أبو المقدام بن عبيد بن الأعثم بن قيس – وأول الرجز:
 كأن مَتْنِيَّ مِنَ النَّفي... مَوَاقِع الطَّير على الصُّفِيِّ... مِن طول إشرافي على الطّويّ.
 والنفي: ما تطاير من الماء عند الرشاء على ظهر الماتح – شبه الماء وقد وقع على متن المُسْتَقِي بِذرْق الطائر على الصفي، جمع صفا..
٢ - أي بحجارة رقيقة حادّة كالسكين. ومعنى ذكّيتها: ذبحتها - قال تعالى - :\[وما أكل السّبع إلا ماذكّيتم\]..
٣ - في تاريخ الخلفاء للسيوطي: أسند الصولي أن الأمين قال لكاتبه: اكتب: من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين، سلام عليك، أما بعد، فإن الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور، وكشف الحرم، ولست آمنا أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد لشتات أُلْفَتِنَا، واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لي أمانا لأخرج إلى أخي، فإن تفضل عليّ فأهل لذلك، وإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة، ولأن يفترسني السبع أحب إلي من أن ينبحني الكلب ا. هـ..
٤ - هو الأعشى قيس بن ميمون، يصف ناقته بالقوة على السير، وفي رواية:
 وتولّى الأرض خُفّا مُجْمَراً
 ويقال: أجمر الرجل أو البعير أسرع في السير – وروي أيضا: خُفًّا زائلا. ورضح معناه: دقَّ وكسر، ويقال: رضحه رضحا: دقّه بحجر وكسره، فهو مرضوح ورضيح. يقال: رضح الحصى والنوى..
٥ - أي يتطاير شظايا، والشظيّة الفلقة من الشيء..
٦ - المُشَقَّر: موضع ببلاد العرب، أو حصن عظيم لعبد قيس، ويروى: بصفا المشرق، وهو سوق بالطائف أو مسجد الحيف بمنى، وخصّه لكثرة مرور الناس به، فهم يقرعون حجارته عند مرورهم..
٧ - أبيض اللون..
٨ - يعني أنهما من مناسك الحج. قال (ح): وليس الجبلان لذاتهما من شعائر الله، بل ذلك على حذف مضاف، أي أن طواف الصفا والمروة، ومعنى من شعائر الله: معالمه، وإذا قلنا: معنى من شعائر الله: من مواضع عبادته فلا يحتاج إلى حذف مضاف في الأول، بل يكون ذلك في الجر. (البحر المحيط ١-٤٥٦)..
٩ - يقال: تحسّست الشيء إذا تطلبته. ورجل حسّاس للأخبار كثير العلم بها..
١٠ - لأنه مأخوذ من شعرت إذا فطنت وعلمت – لفطنته وعلمه، ومن ثم كان من شروط الشعر القصد، فإذا لم يقصده فكأنه لم يشعر به..
١١ - هو المخبل السعدي، وفي رواية بدل (بيت) سِبَّ – والسِّبُّ بالكسر العمامة، والمراد أنهم يترددون إليه مرة بعد أخرى لسؤْدده، والحُلول: جمع حالٍّ بمعنى الجموع الكثيرة..
١٢ - هو عذار بن درة الطائي، ونص البيت:
 يحجّ مأمُومةً في قعْرهَـا لَجَــفٌ فاسْتُ الطَّبِيبِ قَذَاها كَالمَغَـاريــدِ
 جمع مغرود..
١٣ - من الآية (٦١) من سورة (الأنفال)..
١٤ - ومثله قراءة (يطَّوع) على أنه فعل مستقبل..
١٥ - على هذا اقتصر أبو حيان رحمه الله وهو الظاهر..
١٦ - خرجت هذه القراءة على زيادة (لا)، نحو قوله تعالى: \[ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك\] قال (ح) رحمه الله: ولا يلزم أن تكون زائدة لأن رفع الجناح في فعل الشيء هو رفع في تركه إذ هو تخيير بين الفعل والترك نحو قوله تعالى: \[فلا جناح عليهما أن يتراجعا\] فعلى هذا تكون (لا) نافية، وتكون قراءة الجمهور فيها رفع الجناح في فعل الطواف نصّا، وفي هذه رفع الجناح في ترك الطواف نصّا، وكلتا القراءتين تدل على التخيير بين الفعل والترك. انتهى. البحر المحيط ١-٤٠٧، ٤٠٦..
١٧ - عبارة (ح): وقرأ أبو حمزة: (أنْ يطوف بهما) من طاف يطوف وهي قراءة ظاهرة..
١٨ - يعني أنه اختلف في كيفية التحرج لاختلاف الروايات، ومجموعها يدل على أن طوائف من العرب تحرَّجوا من السعي بين الصفا والمروة لعدة أسباب فنزلت الآية فيهم كلهم والله أعلم..
١٩ - رواه السدي كما للواحدي في أسباب النزول..
٢٠ - رواه البخاري ومسلم. وحَذْو: إزاء ومقابل – وقُدَيْد: موضع على الطريق من مكة إلى المدينة..
٢١ - أقرب الروايات هي التي تقول: إن سبب التحرج هو ما كان في الجاهلية من السعي بينهما لوجود صنمين عليهما فكرهوا أن يطوفوا كما كانوا في الجاهلية، وذلك ما رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك..
٢٢ - قوله تعالى: \[فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما\] كلام يعطي معنى الإذن، وأما كونه واجبا فمأخوذ من قوله تعالى: \[إن الصفا والمروة من شعائر الله\] أو من دليل آخر فيكون التنبيه هنا على مجرد الإذن الذي يلزم الواجب من جهة مجرد الإقدام مع قطع النظر عن جواز الترك أو عدمه، مثال ذلك أن يجاب سائل فاتته الظهر مثلا وظن أنه لا يجوز قضاؤها عند الغروب فقيل له: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت، فالغرض إجابته بمقدار ما يدفع شبهته لا بيان أًصل وجوب الظهر عليه، فرفْعُ الجناح راجع إلى التحرج من الطواف بهما لمكان إسافٍ ونائلة، لا إلى نفس الطواف بهما فإنه من شعائر الله، أي من مناسك الحج المقصودة. ولنا أن نحمله على خصوص السبب فيكون المراد منه الطلب والوجوب، ويكون قوله في الآية: \[من شعائر الله\] قرينة صارفة للفظ (لا جناح) عن مقتضاه في أًصل الوضع والله أعلم..
٢٣ - لفظ البخاري: عن عروة قال: سألت عائشة رض الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: \[فلا جناح عليه أن يطوف بهما\] فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة، قالت بيسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه – كانت: (لا جناح عليه ألا يطّوّف بهما)، ولكنها أنزلت في الأنصار. كانوا قبل أن يُسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: \[إن الصفا والمروة من شعائر الله\] الآية..
٢٤ - تصغير (عروة) للعطف والحنان..
٢٥ - قد لا يقول بذلك عطاء، فهي عنده نافية، ويدل لذلك ما قالته عائشة رضي الله عنها حيث قالت لعروة: لو كانت الآية كما أوّلتها لكانت (ألا يطّوّف بهما)..
٢٦ - هو جرير بن عطية. وقد تقدم..
٢٧ - هو أبو النجم العجلي وقد تقدم هذا الرجز وتمامه:
 ....................... لَمّأ رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْـــدَراَ.
٢٨ - يعني أن وصفه تعالى بذلك من باب المجاز والتوسع لأن الله هو المنعم، ولا نعمة لأحد عليه..

### الآية 2:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [2:159]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( ١٥٩ )
وقوله تعالى  إن الذين يكتمون  الآية، المراد بالذين أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، قال الطبري :«وقد روي أن معينين منهم سألهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عما في كتبهم من أمره فكتموا فنزلت، وتتناول الآية بعد كل من كتم علماً من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قول النبي صلى الله عليه وسلم : من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ( [(١)](#foonote-١) )، وهذا إذا كان لا يخاف ولا ضرر عليه في بثه. 
وهذه الآية أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله : لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثاً ( [(٢)](#foonote-٢) ). وقد ترك أبو هريرة ذلك( [(٣)](#foonote-٣) ) حين خاف فقال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين : أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وهذه الآية أراد عثمان رضي الله عنه في قوله : لأحدثنكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه «( [(٥)](#foonote-٥) )، ومن روى في كلام عثمان " لولا أنه في كتاب الله " فالمعنى غير هذا. 
و  البينات والهدى  : أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يعم بعد كل ما يكتم من خير، وقرأ طلحة بن مصرف » من بعد ما بينه «على الإفراد، و  في الكتاب  يراد به التوراة والإنجيل بحكم سبب الآية وأنها في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم يدخل القرآن مع تعميم الآية، وقد تقدم معنى اللعنة. 
واختلف في اللاعنين فقال قتادة والربيع : الملائكة والمؤمنون، وهذا ظاهر واضح جار على مقتضى الكلام( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال مجاهد وعكرمة : هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم( [(٧)](#foonote-٧) ). 
قال القاضي أبو محمد : وذكروا بالواو والنون كمن يعقل لأنهم أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال
 رأيتهم لي ساجدين ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ يوسف : ٤ \]، وقال البراء بن عازب  اللاعنون  كل المخلوقات ما عدا الثقلين الجن والإنس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إن الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين فلعنه كل سامع »**( [(٩)](#foonote-٩) )، وقال ابن مسعود : المراد بها ما قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن كل متلاعنين إن استحقا اللعنة وإلا انصرفت على اليهود »**( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الأقوال الثلاثة( [(١١)](#foonote-١١) ) لا يقتضيها اللفظ ولا تثبت إلا بسند يقطع العذر.

١ - رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصحّحه من حديث أبي هريرة مرفوعا..
٢ - رواه البخاري في صحيحه..
٣ - أي التحديث..
٤ - في البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم..
٥ - في صحيح الإمام مسلم: عن حمران مولى عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان وهو بفناء المسجد فجاءه المؤذن عند العصر فدعا بوضوء فتوضأ ثم قال: والله لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم – إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها)..
٦ - لقوله تعالى بعد ذلك: \[أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\]، والناس هم المؤمنون إذ لا اعتداد بغيرهم..
٧ - ما قاله مجاهد وعكرمة رواه ابن ماجة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهل ذلك يقطع العذر ؟ ينظر في سنده..
٨ - ولم يقل: "ساجدات". وهي من الآية (٤) من سورة (يوسف)..
٩ - الحديث مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه – انظر (عمدة القارئ) ٨/١٤٢..
١٠ - معناه أنه إذا لعن الرجل الآخر فإن اللعنة إذا لم تجده أهلا لها ولا للذي تكلم بها فإنها تقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله من البينات والهدى، وفي (مجمع البيان) عن ابن مسعود: (إذا تلاعن الرجلان رجعت اللعنة على المستحق لها، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله) ١/٢٤١..
١١ - قول مجاهد، وقول البراء بن عازب، وقول ابن مسعود..

### الآية 2:160

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:160]

ثم استثنى الله تعالى التائبين وقد تقدم معنى التوبة، و أصلحوا  أي في أعمالهم وأقوالهم، و  بينوا  قال من فسر الآية على العموم : معناه بينوا توبتهم بمبرز العمل والبروع فيه( [(١)](#foonote-١) )، ومن فسرها على أنها في كاتمي أمر محمد قال : المعنى بينوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم فتجيء الآية فيمن أسلم من اليهود والنصارى، وقد تقدم معنى توبة الله على عبده وأنها رجوعه به عن المعصية إلى الطاعة.

١ - قال ابن قتيبة: أي بيَّنوا توبتهم بالإخلاص والعمل، وقال الإمام ابن العربي: سألت شيخنا الإمام أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى: \[إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا\] ما بينوا ؟ قال: أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات – قلت: ويلزم ذلك ؟ قال: نعم، لتثبت أمانته، وتصح إمامته، وتُقبل شهادته، قال ابن العربي: وليقتدي به غيره. ا هـ. وما أشار إليه ابن عطية رحمه الله من هذا التفصيل في التفسير كأنه جواب عن اعتراض الإمام الطبري رحمه الله لهذا التفسير الذي أشار إليه ابن قتيبة والإمام الشيرازي وابن العربي..

### الآية 2:161

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [2:161]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( ١٦١ )
قوله تعالى : إن الذين كفروا  الاية، محكمة في الذين وافوا( [(١)](#foonote-١) ) على كفرهم، واختلف في معنى قوله  والناس أجمعين  وهم لا يلعنون أنفسهم، فقال قتادة والربيع : المراد  بالناس  المؤمنون خاصة، وقال أبو العالية : معنى ذلك في الآخرة، وذلك أن الكفرة يلعنون( [(٢)](#foonote-٢) ) أنفسهم يوم القيامة، وقالت فرقة : معنى ذلك أن الكفرة يقولون في الدنيا : لعن الله الكافرين، فيلعنون أنفسهم من حيث لا يشعرون، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«والملائكة والناس أجمعون »** بالرفع على تقدير أولئك يلعنهم الله( [(٣)](#foonote-٣) )، واللعنة في هذه الآية تقتضي العذاب( [(٤)](#foonote-٤) )، فلذلك قال  خالدين فيها

١ - أي: ماتوا على كفرهم، فقد أصبحوا بذلك معلنة تُصَبُّ عليهم اللعنة من كل مصدر..
٢ - لقوله تعالى: \[ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا\]..
٣ - قراءة الحسن هذه مخالفة لما في المصاحف، وقد خرجها المعربون تخريجات كثيرة فقيل: إنه معطوف على موضع اسم الله، لأنه عندهم في موضع رفع على المصدر، وقدّروه: على أن لعنهم الله وأن يلعنهم الله.
 وقيل: إنه على اضمار فعل لمّا لم يكن العطف – والتقدير: وتلعنهم الملائكة.
 وقيل: إنه معطوف على لعنة الله على حذف مضاف، أي: (ولعنة الملائكة). فلما حذف المضاف أعرب بإعرابه نحو: واسأل القرية.
 وقيل: إنه مبتدأ حذف خبره لفهم المعنى، والتقدير: (والملائكة والناس أجمعون يلعنونهم) راجع البحر المحيط ١/٤٦٣..
٤ - لان السياق لم يذكر عذابا آخر غير هذه اللعنة العامة، وَعَدَّها عذابا لا يُخفف عنهم ولا يُمْهَلون فيه، وإنه لعذاب دونه كل عذاب أن تطاردهم اللعنة في الأرض وفي السماء..

### الآية 2:162

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [2:162]

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ( ١٦٢ )
 خالدين فيها ، والضمير عائد على اللعنة، وقيل على النار وإن كان لم يجر لها ذكر، لثبوتها في المعنى. 
ثم أعلم تعالى برفع وجوه الرفق عنهم لأن العذاب إذا لم يخفف ولم يؤخر فهو النهاية، و  ينظرون  معناه يؤخرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النظر، نحو قوله تعالى  ولا ينظر إليهم يوم القيامة ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ آل عمران : ٧٧ \]، والأول أظهر، لأن النظر بالعين إنما يعدى بإلى إلا شاذاً في الشعر.

### الآية 2:163

> ﻿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ [2:163]

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( ١٦٣ )
وقوله تعالى : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو  الآية، إعلام بالوحدانية، و  واحد  في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي : هو نفي التبعيض والانقسام، وقال عطاء : لما نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفار قريش بمكة : ما الدليل على هذا ؟ وما آيته وعلامته ؟ وقال سعيد بن المسيب : قالوا : إن كان هذا يا محمد فائتنا بآية من عنده تكون علامة الصدق، حتى قالوا : اجعل لنا الصفا ذهباً، فقيل لهم : ذلك لكم، ولكن إن كفرتم بعد ذلك عذبتم، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : دعني أدعهم يوماً بيوم، فنزل عند ذلك قوله تعالى : إن في خلق السموات والأرض ، الآية( [(١)](#foonote-١) )،

١ - روى ذلك الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس..

### الآية 2:164

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [2:164]

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( ١٦٤ )
ومعنى  في خلق السموات  في اختراعها وإنشائها، وقيل : المعنى أن في خلقه أي هيئة السموات والأرض( [(١)](#foonote-١) )، و  اختلاف الليل والنهار  معناه أن هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا فهما خلفة، كما قال تعالى : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ الفرقان : ٦٢ \]، وكما قال زهير :\[ الطويل \]
بها العِينُ والأَرْآمُ يمسين خِلْفَةً. . . وأَطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ( [(٣)](#foonote-٣) )
وقال الآخر :\[ المديد \]
وَلَهَا بالماطرونِ إذَا. . . أكلَ النَّمْلُ الذي جمعا
خِلْفةٌ حتَّى إذا ارتَبَعَتْ. . . سَكَنَتْ من جِلِّقِ بِيَعا( [(٤)](#foonote-٤) )
ويحتمل أيضاً الاختلاف في هذه الآية أن يراد به اختلاف الأوصاف( [(٥)](#foonote-٥) )، و  الليل  جمع ليلة وتجمع ليالي، وزيدت فيها الياء كما زيدت في كراهية وفراهية، و  النهار  يجمع نهراً وأنهرة، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم **«إنما هو بياض النهار وسواد الليل »**( [(٦)](#foonote-٦) )
، وهذا هو مقتضى الفقه في الإيمان ونحوها، فأما على ظاهر اللغة وأخذه من السعة( [(٧)](#foonote-٧) ) فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار كما قال :\[ الطويل \]
ملكتُ بها كفي فأَنْهرْت فتْقَها. . . يَرى قائمٌ من دونِها ما وراءَها( [(٨)](#foonote-٨) )
وقال الزجاج في كتاب الأنواء : أول النهار ذرور الشمس( [(٩)](#foonote-٩) ) قال : وزعم النضر بن شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم( [(١٠)](#foonote-١٠) )، و  الفلك  السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، وليست الحركات تلك بأعيانها، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم فلكان( [(١١)](#foonote-١١) )، والفلك المفرد مذكر، قال الله تعالى : في الفلك المشحون ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) \[ الشعراء : ١١٩ \]. 
و **«ما ينفع الناس »** هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري بما يضر، و  ما أنزل الله من السماء من ماء  يعني به الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، و  بث  معناه فرق وبسط( [(١٣)](#foonote-١٣) )، و  دابة  تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير من الدواب، وهذا مردود، وقال الأعشى :\[ الطويل \] :
دَبِيبَ قَطَا الْبَطْحَاءِ في كلِّ مَنْهَلِ( [(١٤)](#foonote-١٤) ). . . وقال علقمة بن عبدة :\[ الطويل \]
صَواعِقُهَا لطيرِهِنَّ دَبِيبُ( [(١٥)](#foonote-١٥) ). . . و  تصريف الرياح  إرسالها عقيماً وملقحة وصراً ونصراً وهلاكاً، ومنه إرسالها جنوباً وشمالاً وغير ذلك، و  الرياح  جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله تعالى  وجرين بهم بريح طيبة ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) \[ يونس : ٢٢ \]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح يقول : اللهم اجعلها رياحاً ولاتجعلها ريحاً ( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وذلك لأن ريح العذاب شديد ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة( [(١٨)](#foonote-١٨) ) فلذلك هي رياح وهو معنى " نشراً "، وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ثم وصفت بالطيب( [(١٩)](#foonote-١٩) ) فزال الاشتراك بينهما وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواو، يقال ريح وأرواح، ولايقال أرياح، وإنما قيل رياح من جهة الكسرة وطلب تناسب الياء معها، وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره ولحن في ذلك، وقال له أبو حاتم( [(٢١)](#foonote-٢١) ) : إن الأرياح لا تجوز، فقال : أما تسمع قولهم رياح ؟، فقال أبو حاتم : هذا خلاف ذلك، فقال : صدقت ورجع، وأما القراء السبعة فاختلفوا فقرأ نافع  الرياح  في اثني عشر موضعاً : هنا وفي الأعراف  يرسل الرياح  \[ الآية : ٥٧ \]، وفي إبراهيم اشتدت به الرياح  \[ الآية : ٨ \] وفي الحجر  الرياح لواقح  \[ الآية : ٢٢ \]، وفي الكهف  تذرو ه الرياح  \[ الآية : ٤٥ \]، وفي الفرقان  أرسل الرياح  \[ الآية : ٢٢ \]، وفي النمل  ومن يرسل الرياح  \[ الآية : ٦٣ \]، وفي الروم \[ الآيتان : ٤٦، ٤٨ \] في موضعين، وفي فاطر \[ الآية : ٩ \] وفي الجاثية \[ الآية : ٥ \] وفي حم عسق  يسكن الرياح ( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) \[ الآية : ٣٣ \]، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر موضعين من هذه بالإفراد : في إبراهيم وفي حم عسق، وقرؤوا سائرها كقراءة نافع، وقرأ ابن كثير بالجمع في خمسة مواضع : هنا وفي الحجر وفي الكهف وفي الروم الحرف الأول وفي الجاثية  وتصريف الرياح  وباقي ما في القرآن بالإفراد، وقرأ حمزة بالجمع في موضعين : في الفرقان وفي الروم الحرف الأول( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) وأفرد سائر ما في القرآن، وقرأ الكسائي كحمزة وزاد عليه في الحجر  الرياح لواقح  \[ الآية : ٢٢ \]، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس في ألف ولام، و  السحاب  جمع سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما قالوا حباً لأنه يحبو، قاله أبو علي الفارسي( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر، فهذه آيات أن الصانع موجود. والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحداً لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ).

١ - أي: من حيث ارتفاعها بغير عمد من تحتها، ولا علائق من فوقها، مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة – وآية الأرض ما فيها من بحار وأنهار وجبال وأشجار وغير ذلك من الحيوانات المختلفة المتفرقة..
٢ - من الآية (٦٢) من سورة (الفرقان)..
٣ - العين: جمع عيناءَ، وهي واسعة العين، والآرام: جمع رئْم وهو الأبيض الخالص، وقوله: خلفةً. أي: قطيعا بعد قطيع، والأطْلاءُ: جمع طَلا وهم أولاد الظباء الصغار. والمعنى: إذا ذهب فوج جاء فوج آخر..
٤ - القائل هو يزيد بن معاوية، والماطرون: بلدة بالشام، وخلفة الشجر ثمر يخرج بعد الثمر الكثير..
٥ - أي من النور والظلمة والطول والقصر..
٦ - في صحيح الإمام مسلم عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت \[حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر\] قال عدي: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالا أبيض، وعقالا أسود، أعرف بهما الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار). فهذا الحديث يقضي أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس..
٧ - يعني أن النهار مأخوذ من السِّعة، لاتساع وقته..
٨ - البيت لقيس بن الحطيم يصف طعنة – فأنهرت فتقها: أي وسعت فتقها..
٩ - يقال: ذرَّ قرن الشمس إذا طلع..
١٠ - أي في قوله لعدي بن حاتم. وقد أحال ابن عطية لدى قوله تعالى: \[حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر\] لما صحّح القول بأن النهار من طلوع الفجر – على ذكر حجته هنا..
١١ - أي بين المفرد والجمع، فيقال: فُلْك، وفُلكان، وفُلْك..
١٢ - من الآية (١١٩) من سورة (الشعراء)..
١٣ - يعني أنه جعلها متفرقة في مواضع مختلفة..
١٤ - صدره:
 نيـافٌ كغصْن البَـان ترتـجُّ إن مَشَتْ ................................
 والنياف: هي الطويلة الفارعة – والقطاة: طائر في حجم الحمام، والبطحاء: مسيل الماء من الوادي وقد تناثر فيه الحصى الدقيق، والمنهل: مورد الماء..
١٥ - صدره:
 كـأنَّهُـم صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَـحَــابَةٌ .................................
 يقول: أصابتها الصواعق فلم تقدر على الطيران من الفزع فجعلت تدب طلبا للنجاة..
١٦ - من الآية (٢٢) من سورة (يونس)..
١٧ - رواه الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما هبت الريح إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: (اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً).
 ومصداق هذا الحديث قول الله تعالى: \[ومن آياته أن يرسل الرياح مبشّرات وليذيقكم من رحمته\] الآية، وقول الله تعالى: \[فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا\] وقوله تعالى: \[وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم\]. وكان صلى الله عليه وسلم خُلُقُه القرآن..
١٨ - أي تأتي من ها هنا وها هنا، ولهذا قيل لها: رياح، وذلك هو معنى: نَشَر، لأن الرياح تنشر السحاب..
١٩ - في قوله تعالى: \[وجرين بهم بريح طيّبة\]..
٢٠ - عمارة بن عقيل كان شاعرا مفلقا، وجاء من البادية إلى الحاضرة ودينه صحيح، ومدح الخلفاء والوزراء والأشراف فكسب مالا عظيماً، ثم انصرف إلى البادية إلا أنه لم يرجع بدينه كما كان لاجتماعه في الحاضرة بأهل البدعة والفساد..
٢١ - هو سهل بن محمد السجستاني المتوفي سنة ٢٥٥هـ..
٢٢ - أرقام الآيات في هذه المواضع هي على الترتيب كما يأتي: الأعراف (٥٧) – إبراهيم (١٨) – الحجر (٢٢) – الكهف (٤٥) – الفرقان (٤٨) - النمل (٦٣) – الروم (٤٦ و٤٨) – فاطر (٩) – الجاثية (٥) – حم عسق (٣٣)..
٢٣ - القراءة الأولى يعني (الرياح)..
٢٤ - الحَبَا: السحاب المتراكم القريب من الأرض..
٢٥ - في الآية إشارة إلى طريق معرفة الله سبحانه وتعالى، وهي النظر والاستدلال، ولذلك لم يقتصر سبحانه على ذكر التوحيد المطلق، بل قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آيات الكون فقال: \[إن في خلق السموات والأرض\] الآية، وما خلق الله الخلق إلا ليُعرف ويُعبد، ويأتي للإمام ابن عطية رحمه الله عند قوله تعالى: \[وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله\] الآية، حكاية الإجماع على بطلان التقليد في العقائد..

### الآية 2:165

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [2:165]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ( ١٦٥ )
ذكر الله الوحدانية ثم الآيات الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن يكون إلا واحداً، ثم ذكر في هذه الآية الجاحدين الضالين معجباً من سوء ضلالهم مع الآيات، لأن المعنى أن في هذه الأمور لآيات بينة، ومن الناس مع ذلك البيان من يتخذ، وخرج  يتخذ  موحداً على لفظ  من  والمعنى جمعه، و  من دون  لفظ يعطي غيبة ما تضاف إليه  دون  عن القضية التي فيها الكلام( [(١)](#foonote-١) )، وتفسير  دون  بسوى أو بغير لا يطرد، والند والنظير والمقاوم والموازي كان ضداً أو خلافاً أو مثلاً، إذا قاوم من جهة فهو منها ند، وقال مجاهد وقتادة : المراد بالأنداد الأوثان، وجاء ضميرها في  يحبونهم  ضمير من يعقل لما أنزلت بالعبادة منزلة من يعقل، وقال ابن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في معاصي الله تعالى، و  يحبونهم  في موضع نصب نعت للأنداد، أو على الحال من المضمر في  يتخذ ، أو يكون في موضع رفع نعت  لمن  وهذا على أن تكون  من  نكرة والكاف من  كحب  في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و  حب  مصدر مضاف إلى المفعول في اللفظ وهو على التقدير مضاف إلى الفاعل المضمر، تقديره كحبكم الله أو كحبهم الله حسبما قدر كل وجه منها فرقة، ومعنى كحبهم أي يسوون بين محبة الله ومحبة الأوثان( [(٢)](#foonote-٢) ). 
ثم أخبر أن المؤمنين  أشد حباً الله  لإخلاصهم وتيقنهم الحق( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقوله تعالى : ولو ترى الذين ظلموا  قرأ نافع وابن عامر **«ترى »** بالتاء من فوق( [(٤)](#foonote-٤) )، و **************«أن »************** بفتح الألف، و **************«أن »************** الأخرى كذلك عطف على الأولى، وتقدير ذلك : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى، وهو العامل في **************«أن »************** وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعاً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا، وتقدير ثالث : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم، فاللام مضمرة قبل **************«أن »************** فهي مفعول من أجله، والجواب محذوف مقدر بعد ذلك، وقد حذف جواب  لو  مبالغة، لأنك تدع السامع يسمو به تخيله( [(٥)](#foonote-٥) )، ولو شرحت له لوطنت نفسه إلى ما شرحت، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة وأبو جعفر  ترى  بالتاء من فوق وكسر الهمزة من ****«إن »****، وتأويل ذلك : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لاستعظمت ما حل بهم، ثم ابتدأ الخبر بقوله **«إن القوة لله »**، وتأويل آخر : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله جميعاً لاستعظمت حالهم. 
وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن كثير ******«يرى »****** بالياء من أسفل، وفتح الألف من **************«أن »**************، تأويله : ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالهم في الآخرة إذ يرون العذاب لعلموا أن القوة لله جميعاً، وتأويل آخر روي عن المبرد والأخفش : ولو يرى بمعنى يعلم الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً لاستعظموا ما حل بهم، ف ******«يرى »****** عامل في **************«أن »************** وسدت مسد المفعولين. 
وقال أبو علي :( [(٦)](#foonote-٦) )**«الرؤية في هذه الآية رؤية البصر »**، والتقدير في قراءة الياء : ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله جميعاً، وحذف جواب  لو  للمبالغة، ويعمل في **************«أن »************** الفعل الظاهر وهو أرجح من أن يكون العامل فيها مقدراً، ودخلت  إذ  وهي لما مضى في أثناء هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه، كما يقع الماضي موقع المستقبل في قوله تعالى : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة  \[ الأعراف : ٥٠ \]، و  أتى أمر الله ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ النحل : ١ \]، ومنه قول الأشتر النخعي :\[ الكامل \]
بقيت وفري وانحرفت عن العلا. . . ولقيت أضيافي بوجه عبوس( [(٨)](#foonote-٨) )
وقرأت طائفة ******«يرى »****** بالياء من أسفل وكسر الألف من ****«إن »****، وذلك إما على حذف الجواب وابتداء الخبر، وإما على تقدير : لقالوا إن القوة لله جميعاً، وقرأ ابن عامر وحده **«يُرون »** بضم الياء والباقون بفتحها. 
وثبتت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة( [(٩)](#foonote-٩) )، وقالت طائفة : الذين اتبعوا  : كل من عبد من دون الله، وقال قتادة : هم الشياطين المضلون، وقال الربيع وعطاء : هم رؤساؤهم. 
قال القاضي أبو محمد : ولفظ الآية يعم هذا كله.

١ - تقول: فعلت كذا من دون فلان، ففلان غائب عن هذا الفعل وخارج منه، كما تقول: قام القوم دون زيد، فزيد خارج من القيام وغائب عنه، إلا أن (دون) في الآية بمعنى (غير) فإن المشركين يتخذون الله كما يتخذون الأنداد، ويحبون الله كما يحبون الأنداد، فليس الله سبحانه وتعالى خارجا عن اتخاذهم له معبودا ومحبوبا. تأمل..
٢ - أصل العبادة – محبة الله المقرونة بغاية الخضوع والإجلال – وأن يكون الحب كله لله فلا يحب العابد معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه كما يحب أنبياءه وملائكته وأولياءه، فمحبته لهم من تمام محبته لله. وليست محبّة معه كمحبة من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله..
٣ - حب المؤمنين لله أشد من حب المشركين لأندادهم، لأن حبهم كله لله، وحب المشركين موزع بين الله والأنداد، فهم يعدلون بينه وبينهم لقلة عقلهم وشدة جهلهم..
٤ - والباقون من السبعة كلهم قرؤوا بياء الغيبة..
٥ - أي يذهب به كل مذهب، وحذف الجواب لهذا المعنى كثير في القرآن، وفي كلام العرب..
٦ - الفرق بين ما للمبرد والأخفش، وبين ما لأبي علي الفارسي أن الرؤية عند الأولين علمية وعند الثاني بصرية..
٧ - من الآية (٤٤) من سورة (الأعراف) – ومن الآية (١) من سورة (النحل)..
٨ - الأشر هو مالك بن الحارث من أنصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروي البيت: بقيتُ وفْري: قال (ح) – لأنه علق ذلك على مستقبل هو قوله:
 إنْ لمْ أشُنّ على ابْنِ هند غَــارَةً لمْ تَخْلُ يَوْمًا مِنْ نهابِ نُفــوسِ.
٩ - لأنهم يقولون: قادر بدون قدرة، والقوة والقدرة شيء واحد..

### الآية 2:166

> ﻿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [2:166]

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ( ١٦٦ )
و  إذ  يحتمل أن تكون متعلقة ب  شديد العذاب ، ويحتمل أن يكون العامل فيها : اذكر، و  الذين اتبعوا  بفتح الباء هم العبدة لغير الله، والضالون المقلدون لرؤسائهم أو للشياطين، وتبريرهم هو بأن قالوا إنّا نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم، وتعلق العقاب على المتبعين بكفرهم ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على المضلين( [(١)](#foonote-١) )، وقرأ مجاهد بتقديم الفعل المسند إلى المتبعين للرؤساء وتأخير المسند إلى المتبعين. 
والسبب في اللغة : الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين شيئين، وقال ابن عباس : الأسباب  هنا الأرحام، وقال مجاهد : هي العهود، وقيل : المودات( [(٢)](#foonote-٢) )، وقيل : المنازل التي كانت لهم في الدنيا، وقال ابن زيد والسدي : هي الأعمال( [(٣)](#foonote-٣) )، إذ أعمال المؤمنين كالسبب في تنعيمهم فتقطعت بالظالمين أعمالهم.

١ - يعني أن العقاب يتعلق بالضالين ولا يحمله عنهم غيرهم – وإن كان على المضلين عقاب الإضلال قال سبحانه: \[ربّنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذابا ضعفا من النار، قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون\]..
٢ - أي الصلات والعلائق، وإنما تقطعت لأنها لغير الله وفي غير ذات الله..
٣ - لقوله تعالى: \[وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا\]..

### الآية 2:167

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [2:167]

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( ١٦٧ )
وقوله تعالى : وقال الذين اتبعوا  الآية، المعنى وقال الأتباع الذين تبرىء منهم : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحاً ونتبرأ منهم، والكرة : العودة إلى حال قد كانت، ومنه قول جرير( [(١)](#foonote-١) ) :\[ الكامل \]
ولقد عطفن على فزارة عطفة. . . كر المنيح وجلن ثم مجالا( [(٢)](#foonote-٢) )
والمنيح هنا : أحد الأغفال من سهام الميسر( [(٣)](#foonote-٣) )، وذلك أنه إذا خرج من الربابة( [(٤)](#foonote-٤) ) رد لفوره لأنه لا فرض فيه ولا حكم عنه، والكاف من قوله  كما  في موضع نصب على النعت إما لمصدر أو لحال( [(٥)](#foonote-٥) ) تقديرها متبرئين كما، والكاف من قوله  كذلك يريهم  قيل : هي في موضع رفع على خبر ابتداء تقديره الأمر كذلك، وقيل : هي كاف تشبيه مجردة، والإشارة بذلك إلى حالهم وقت تمنيهم الكرة. 
والرؤية في الآية هي من رؤية البصر، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب، و  أعمالهم  قال الربيع وابن زيد المعنى : الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار، وقال ابن مسعود والسدي المعنى : الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة، ورويت في هذا القول أحاديث، وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها، و  حسرات  حال على أن تكون الرؤية بصرية، ومفعول على أن تكون قلبية، والحسرة أعلى درجات الندامة والهم بما فات، وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر، وقيل هي من حسر إذا كشف( [(٦)](#foonote-٦) )، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«يحسر الفرات عن جبل من ذهب »**( [(٧)](#foonote-٧) ).

١ - لعله كان: ومنه قول الأخطل يهجو جريرا، ويفتخر على قيس، فإن البيت للأخطل، وحوّله النساخ إلى جرير. وقد نسب في تفسير الطبري إلى الأخطل ٢/٤٤..
٢ - أي رجعن رجوعا مثل رجوع المَنِيح وهو سهم من سهام الميسر مما لا نصيب له إلا أن يمنح صاحبه شيئا، والتشبيه بالمنيح من جهة أنه يُرجى لصاحبه المغنم في الكرة الثانية..
٣ - الأغفال جمع غُفْل كقُفْل: ما لا علامة فيه من القداح..
٤ - الربابة: السهام المجموعة، أو شيء تجمع به السهام..
٥ - لا حاجة إلى تقدير هذه الحال لأنها إذ ذاك تكون حالا مؤكدة، والحال المؤكدة تكون ملفوظا بها لا مقدرة، وأيضا لا يصح أن تكون الكاف الداخلة على ما المصدرية نعتاً لها لأن هذه الحال صفة للفاعل، والكاف الداخلة على ما المصدرية صفة للفعل. قاله (ح)، وهو واضح..
٦ - يقال: حسر عن ذراعه إذا كشف، ومنه الحاسر في الحرب الذي لا درع معه، والانحسار: الانكشاف..
٧ - خرجه البخاري ومسلم في الفتن، والترمذي وأبو داود في الملاحم بلفظ: (يوشك الفرات أن يحسر)، وبلفظ: (يحسر الفرات عن كنز من الذهب)، وفي رواية: (عن جبل من ذهب)، وفي آخره: (فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) أي لما ينشأ عن ذلك من الفتنة والقتال..

### الآية 2:168

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:168]

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( ١٦٨ )
الخطاب عام و  ما  بمعنى الذي، و  حلالاً  حال من الضمير العائد على  ما ، وقال مكي : نعت لمفعول محذوف تقديره شيئاً حلالاً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يبعد( [(١)](#foonote-١) )، وكذلك مقصد الكلام لا يعطي أن يكون  حلالاً  مفعولاً ب  كلوا  وتأمل، و  طيباً  نعت، ويصح أن يكون  طيباً  حالاً من الضمير في  كلوا  تقديره مستطيبين( [(٢)](#foonote-٢) )، والطيب عند مالك : الحلال، فهو هنا تأكيد لاختلاف اللفظ، وهو عند الشافعي : المستلذ( [(٣)](#foonote-٣) )، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو خبيث، و  خطوات  جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي، فالمعنى النهي عن اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه، قال ابن عباس : خطواته أعماله، قال غيره : آثاره( [(٤)](#foonote-٤) )، قال مجاهد : خطاياه، قال أبو مجلز( [(٥)](#foonote-٥) ) : هي النذور والمعاصي، قال الحسن : نزلت فيما سنوه من البحيرة والسائبة ونحوه، قال النقاش : نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب( [(٦)](#foonote-٦) ). 
وقرأ ابن عامر والكسائي **«خطوات »** بضم الخاء والطاء، ورويت عن عاصم وابن كثير بخلاف، وقرأ الباقون بسكون الطاء، فإما أرادوا ضم الخاء والطاء وخففوها إذ هو الباب في جمع فعلة كغرفة وغرفات، وإما أنهم تركوها في الجمع على سكونها في المفرد، وقرأ أبو السمال **«خَطَوات »** بفتح الخاء والطاء وروي عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعمش وسلام ( [(٧)](#foonote-٧) )**«خطؤات »** بضم الخاء والطاء وهمزة على الواو، وذهب بهذه القراءة إلى أنها جمع خطأة من الخطأ لا من الخطو. وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان، و  عدو  يقع للمفرد والتثنية والجمع.

١ - وجه البعد كما قاله (ح) رحمه الله: أن الصفة عامة، وإذا كانت كذلك فلا يحذف الموصوف وتنوب عنه الصفة، وذلك أن الحلال يوصف به المأكول وغير المأكول. البحر المحيط ١/٤٧٨..
٢ - فيه – عدم المطابقة بين الحال وبين الضمير، فإن طيّبا مفرد والضمير جمع – واختلاف المعاني بين طيّب ومستطيبين فإن الأول صفة للأكل والثاني صفة للآكل..
٣ - وعليه فهو صفة مخصصة لأنه مغاير لما قبله..
٤ - يأتي عند ابن عطية أن كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان. فاللفظ عام لا يقصر على شيء بخصوصه..
٥ - اسمه: لاحق بن حميد السدوسي البصري، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وتوفي سنة (١٠٦) هـ..
٦ - أي فيما حرّموه من الأنعام إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب..
٧ - هو سلام بن سليمان الطويل، أبو المنذر المزني البصري، مقرئ ثقة – توفي سنة (١٧١هـ) وقد رفض أبو الفتح هذه القراءة، وقال هي غلط..

### الآية 2:169

> ﻿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:169]

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ١٦٩ )
وقوله تعالى : إنما يأمركم  الآية،  إنما  تصلح للحصر، وقد تجيء غير حاصرة بل للمبالغة( [(١)](#foonote-١) ) كقولك **«إنما الشجاع عنترة »**، كأنك تحاول الحصر أو توهمه، فإنما يعرف معنى  إنما  بقرينة الكلام الذي هي فيه، فهي في هذه الآية حاصرة، وأمر الشيطان إما بقوله في زمن الكهنة وحيث يتصور، وإما بوسوسته، فإذا أطيع نفذ أمره. 
و  السوء  مصدر من ساء يسوء فهي المعاصي وما تسوء عاقبته( [(٢)](#foonote-٢) )، و  الفحشاء  قال السدي : هي الزنا، وقيل : كل ما بلغ حداً من الحدود لأنه يتفاحش حينئذ، وقيل : ما تفاحش ذكره، وأصل الفحش قبح المنظر كما قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
وجيدٍ كجيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ. . . إذا هِيَ نصَّتْهُ ولا بمعطَّلِ( [(٣)](#foonote-٣) )
ثم استعملت اللفظة فيما يستقبح من المعاني، والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء، و  ما لا تعلمون  : قال الطبري : يريد به حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها وجعلوه شرعاً.

١ - يعني أن الحصر تارة يكون حقيقيا، وتارة يكون ادعائيا، ويرجع في ذلك إلى القرائن المحيطة بالمقام..
٢ - يعني أن كلمة السوء تشمل سائر المعاصي، لأن المعنى: إنما يأمركم بالأفعال السيئة، وسميت سوءا لأنها تسوءُ صاحبها بسوء عاقبته..
٣ - الريم: ولد الظبية، قيل: إذا كان خالص البياض – وليس بفاحش: يعني ليس بشديد الطول كريه المنظر. ونصّته: مدَّته وأبرزته – والمعطّل: الخالي من الحلي..

### الآية 2:170

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [2:170]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ( ١٧٠ )
وقوله تعالى : وإذا قيل لهم  يعني كفار العرب، وقال ابن عباس : نزلت في اليهود، وقال الطبري : الضمير في  لهم  عائد على الناس من قوله  يا أيها الناس كلوا ، وقيل : هو عائد على  من  في قوله : ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ( [(١)](#foonote-١) ) \[ البقرة : ١٦٥ \]، و  اتّبعوا  معناه بالعمل والقبول، و  ما أنزل الله  هو القرآن والشرع، و  ألفينا  معناه وجدنا، قال الشاعر( [(٢)](#foonote-٢) ) :\[ المتقارب \]
فَأَلْفَيْتَهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ. . . وَلاَ ذاكر اللَّهِ إلاّ قَليلا
والألف في قوله  أوَلو  للاستفهام، والواو لعطف جملة كلام على جملة، لأن غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون، فقرروا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم. 
وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في العقائد( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم دعاهم من الكفر إلى الإيمان، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الله مرة بعد مرة فكان من آكد متمسكاتهم التّأسي بالآباء وذلك من اتباع الأهواء..
٢ - هو أبو الأسود الدؤلي كما في الكتاب لسيبويه مستشهدا به على حذف التنوين من (ذاكر) لالتقاء الساكنين..
٣ - من الناس من ذكر الخلاف في ذلك كالإمام ابن العربي المعافري..

### الآية 2:171

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [2:171]

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ( ١٧١ )
وقوله تعالى : ومثل الذين كفروا  الآية، المراد تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفقه ما يقول، هكذا فسر ابن عباس وعكرمة والسدي وسيبويه. 
قال القاضي أبو محمد : فذكر بعض هذه الجملة وترك البعض، ودل المذكور على المحذوف وهذه نهاية الإيجاز( [(١)](#foonote-١) ). 
والنعيق زجر الغنم والصياح بها، قال الأخطل :\[ الكامل \]
انعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فإنَّما. . . منَّتْكَ نَفْسُكَ في الْخَلاَءِ ضَلاَلا( [(٢)](#foonote-٢) )
وقال قوم : إنما وقع هذا التشبيه براعي الضأن لأنها من أبلد الحيوان، فهي تحمق راعيها، وفي المثل أحمق من راعي ضأن ثمانين( [(٣)](#foonote-٣) )، وقد قال دريد لمالك بن عوف في يوم هوازن **«راعي ضأن والله »**( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال الشاعر :\[ البسيط \]
أَصْبَحْتُ هُزْءاً لراعي الضَّأْنِ يَهْزَأُ بي. . . مَاذَا يرِيبُكَ منّيَ رَاعيَ الضَّانِ( [(٥)](#foonote-٥) )
فمعنى الآية أن هؤلاء الكفرة يمر الدعاء على آذانهم صفحاً يسمعونه ولا يفقهونه إذ لا ينتفعون بفقهه( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال ابن زيد : المعنى في الآية : ومثل الذين كفروا في اتباعهم آلهتهم وعبادتهم إياها كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه شيئاً إلا دوياً غير مفيد، يعني بذلك الصدى الذي يستجيب من الجبال، ووجه الطبري في الآية معنى آخر، وهو أن المراد : ومثل الكافرين في عبادتهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد منه فهو لا يسمع من أجل البعد، فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه ويصبه، فإنما شبه في هذين( [(٧)](#foonote-٧) ) التأويلين الكفار بالناعق والأصنام بالمنعوق به، وشبهوا في الصمم والبكم والعمى بمن لا حاسة له لما لم ينتفعوا بحواسهم ولا صرفوها في إدراك ما ينبغي، ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
أصم عمّا ساءه، سميع( [(٨)](#foonote-٨) ). . . ولما تقرر فقدهم لهذه الحواس قضى بأنهم  لا يعقلون  إذ العقل كما قال أبو المعالي وغيره : علوم ضرورية تعطيها هذه الحواس، أو لا بد في كسبها من الحواس، وتأمل( [(٩)](#foonote-٩) ).

١ - يعني أنه حذف الداعي من الأول لدلالة المدعوِّ عليه، وحذف المنعوق به من الثاني لدلالة الناعق عليه..
٢ - يريد: صح بغنمك يا جرير، واكتف بهذا عن المفاخر فلست لها أهلا، وإنما أنت من رعاة الغنم..
٣ - هذا التفسير خاص بالضأن، والأول عام في الضأن وغيره..
٤ - دريد هو: ابن الصِّمة، قال لمالك بن عوف – لما جاء إلى قتال المسلمين، وقد أمر هوزان أن يحملوا معهم أموالهم ونساءهم، أمِنْتَ أن تكون عليك، راعي ضأن والله، لا صحبتُك. وقصة حرب هوزان التي قصدت بها النبي صلى الله عليه وسلم معروفة، وقد سألت (دريد بن الصمة) الرياسة عليها، وكان قد بلغ العشرين بعد المائة – وكلام دريد فيه تجهيل لمالك، وبيان أنه لا يصلح للقيادة. وإنما هو راعي ضأن..
٥ - الشاعر هو: أمية بن الأسكر الليثي، أدرك الجاهلية والإسلام – وفي رواية:
 أصبحت قرداً لراعـي الضأن يسخر بـي ....................................
٦ - ومعنى ذلك – أنه وقع تشبيه الداعي بالناعق والكافر بالبهائم، وذلك خلاف ما يأتي عن ابن زيد والطبري..
٧ - أي تأويل ابن زيد وتأويل الطبري..
٨ - (أصَمُّ عَمّضا ساءَه سميع) مثل من الأمثلة العربية، أي أصمّ عن القبيح الذي يغمه، سميع للأمر الذي يسره. وفي معناه: حلمي أصم وأُذني غير صمّاء. أي أُعرض عن الخنا والفحش بحلمي وإن سمعته أُذني – وهو غير منسوب في اللسان – مادة "صمم"..
٩ - المراد هنا العقل المكسوب دون المطبوع لأنه حاصل لهم، ولما كان الطريق لاكتساب العقل هو الاستعانة بهذه الحواس كان إعراضهم عنها فقْداً للعقل المكتسب، ومِن ثَمَّ قيل: مَنْ فقد حسًّا فقدْ فَقَدَ عقلا..

### الآية 2:172

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [2:172]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( ١٧٢ )
الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ، والآية تشير بتبعيض  من  إلى الحرام رزق( [(١)](#foonote-١) )، وحض تعالى على الشكر والمعنى في كل حالة، و  إن  شرط، والمراد بهذا الشرط التثبيت وهز النفس، كما تقول افعل كذا إن كنت رجلاً.

١ - وهو مذهب أهل السنة كما قال ابن السبكي في جمع الجوامع: والرزق ما ينتفع به ولو كان حراما. والذين يقولون إن الحرام ليس رزقا يجعلون المعنى في الآية: كلوا من مستلذات ما رزقناكم، ويكون الأمر بذلك دفعا لما يتوهم من أن التنوع في المآكل والتفنّن في الطيّبات ممنوع – فكان تخصيص الطيبات بالذكر لهذا المعنى عندهم..

### الآية 2:173

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:173]

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ١٧٣ )
وقوله تعالى : إنما حرم عليكم   إنما  هنا حاصرة، و  الميتة  نصب بحرم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع **«الميتة »** بالتشديد، وقال الطبري وجماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف من **«ميّت »** و ****«ميْت »**** لغتان، وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه ****«ميْت »**** بالتخفيف. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هكذا هو استعمال العرب ويشهد بذلك قول الشاعر( [(١)](#foonote-١) ) :\[ الخفيف \]
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيتٍ. . . إنَّمَا المْيتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
استراح : من الراحة، وقيل : من الرائحة، ولم يقرأ أحد بالتخفيف فيما لم يمت إلا ما روى البزي عن ابن كثير  وما هو بميت ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ إبراهيم : ١٧ \]، والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر( [(٣)](#foonote-٣) ) :\[ الوافر \]
إذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَمِيمٍ. . . فَسَرَّكَ أَنْ يَعِيشَ فِجِىءْ بِزَادِ
فالأبلغ في الهجاء أن يريد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت والأول أشعر، وقرأ قوم **«الميتةُ »** بالرفع على أن تكون  ما  بمعنى الذي و  إن  عاملة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي **«حُرِّمَ »** على ما لم يسمَّ فاعله ورفع ما ذكر تحريمه، فإن كانت  ما  كافة فالميتة مفعول لم يسم فاعله، وإن كانت بمعنى الذي فالميتة خبر. 
ولفظ  الميتة  عموم والمعنى مخصص( [(٤)](#foonote-٤) ) لأن الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم( [(٥)](#foonote-٥) )، و  الميتة  : ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة، والطافي من الحوت جوّزه مالك وغيره ومنعه العراقيون، وفي الميت دون تسبب من الجراد خلاف، منعه مالك وجمهور أصحابه وجوزه ابن نافع وابن عبد الحكم، وقال ابن وهب : إن ضم في غرائر فضمه ذكاته، وقال ابن القاسم : لا، حتى يصنع به شيء يموت منه( [(٦)](#foonote-٦) ) كقطع الرؤوس والأجنحة والأرجل أو الطرح في الماء، وقال سحنون : لا يطرح في ماء بارد، وقال أشهب( [(٧)](#foonote-٧) ) : إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها وينسل. 
و  الدم  يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وفي دم الحوت المزايل للحوت اختلاف، روي عن القابسي( [(٨)](#foonote-٨) ) أنه طاهر، ويلزم من طهارته أنه غير محرم، وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها( [(٩)](#foonote-٩) )، وأجمعت الأمة على تحريم شحمه( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وفي خنزير الماء كراهية أبي مالك أن يجيب فيه، وقال أنتم تقولون خنزيراً. 
وذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية، وحكى ابن سيده( [(١١)](#foonote-١١) ) عن بعضهم أنه مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر، فاللفظة على هذا ثلاثية. 
و  ما أُهِلّ به لغير الله ، قال ابن عباس وغيره : المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان، و  أهل  معناه صيح، ومنه استهلال المولود، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم( [(١٢)](#foonote-١٢) )، ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق، فقال إنها مما أُهلَّ به لغير الله فتركها الناس( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها( [(١٤)](#foonote-١٤) ) عرساً فذبحت جزوراً، فقال الحسن : لا يحل أكلها فإنها إنما ذبحت لصنم، وفي ذبيحة المجوسي اختلاف ومالك لا يجيزها البتة، وذبيحة النصراني واليهودي جائزة. 
واختلف فيما حرم عليهم كالطريف والشحم وغيره بالإجازة والمنع( [(١٥)](#foonote-١٥) )، وقال ابن حبيب ما حرم عليهم بالكتاب فلا يحل لنا من ذبحهم، وما حرموه باجتهادهم فذاك لنا حلال، وعند مالك كراهية فيما سمى عليه الكتابي المسيحي أو ذبحه لكنيسته ولا يبلغ بذلك التحريم، وقوله تعالى  فمن اضطر  الآية، ضمت النون للالتقاء إتباعاً للضمة في الطاء حسب قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر وأبو السمال  فمن اضطِر  بكسر الطاء، وأصله اضطر فلما أدغم نقلت حركة الراء الطاء، وقرأ ابن محيصن، **«فمن اطّر »** بإدغام الضاد في الطاء، وكذلك حيث ما وقع في القرآن، ومعنى  اضطر  : ضمه عدم وغرث( [(١٦)](#foonote-١٦) )، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء والفقهاء، وقيل معناه أُكرِهَ وغلب على أكل هذه المحرمات، و  غير باغ  في موضع نصب على الحال، والمعنى فيما قال قتادة والربيع وابن زيد وعكرمة وغيرهم غير قاصد فساد وتعدٍّ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها، وهؤلاء يجيزون الأكل منها في كل سفر مع الضرورة، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما المعنى غير باغ على المسلمين وعاد عليهم( [(١٧)](#foonote-١٧) )، فيدخل في الباغي والعادي قطاع السبل، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله، ولغير هؤلاء هي الرخصة، وقال السدي  غير باغ  أي غير متزيد على حد إمساك رمقه وإبقاء قوته، فيجيء أكله شهوة،  ولا عاد  أي متزود( [(١٨)](#foonote-١٨) )، وقال مالك رحمه الله :**«يأكل المضطر شبعه »**، وفي الموطأ - وهو لكثير من العلماء : أنه يتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر، وقيل : في  عاد  أن معناه عايد( [(١٩)](#foonote-١٩) )، فهو من المقلوب كشاكي السلاح أصله شايك وكهار أصله هايروكلاث أصله لائث وباغ أصله بايغ، استثقلت الكسر على الياء فسكنت، والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها. 
ورفع الله تعالى الإثم لمّا أحل الميتة للمضطر لأن التحريم في الحقيقة متعلقه التصرف بالأكل لا عين المحرم، ويطلق التحريم على العين تجوزاً، ومنع قوم التزود من الميتة وقالوا لما استقلت قوة الآكل صار كمن لم تصبه ضرورة قبل. 
ومن العلماء من يرى أن الميتة من ابن آدم، والخنزير لا تكون فيها رخصة اضطرار، لأنهما لا تصح فيهما ذكاة بوجه، وإنما الرخصة فيما تصح الذكاة في نوعه( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ).

١ - هو عدي بن رعلاء الغساني، كما في معالم الاهتداء، شرح شواهد قطر الندى..
٢ - \[يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميّت\] من الآية (١٧) من سورة إبراهيم..
٣ - هو يزيد بن الصعق الكلابي – أو أبو المهوس الأسدي يهجو بني تميم بحب الطعام.
 **وبعد البيت:**
 بِخُبْـز أو بتَمْـر أوْ بِسَمْــنٍ أو الشّيءِ المُلَفَّــفِ فـي البِجَــادِ
 تَرَاهُ يُطَوِّفُ الآفَـاقَ حِرصـاً لِيَأكُـلَ رأْسَ لُقمـانَ بـنَ عَــــادِ.
٤ - هذا رأي ابن عطية، وقد ناقشه فيه (ح) ويخصص عموم الآية حديث الإمام أحمد، وابن ماجة، والدارقطني، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أُحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال) – وعليه فالمراد بالميتة في الآية ميتة البر..
٥ - بحسب الإرادة لأن المخصص دل على أنه لم يرد دخوله في اللفظ العام، وإن كان اللفظ يشمله بحسب الدلالة..
٦ - قال الشيخ خليل رحمه الله في مختصر المالكية: وافتقر لما يموت به نحو الجراد..
٧ - ابن نافع هو: أبو عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع. وابن عبد الحكم هو: أبو محمد عبد الله بن الحكم وابن وهب هو: أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم. وسحنون هو: أبو سعيد عبد السلام بن سعيد، وأشهب هو: أبو عمرو أشهب بن عبد العزيز – وكلهم من فقهاء المالكية المصريين الذين عرفوا بالإمامة في الفقه..
٨ - هو أبو الحسن علي بن محمد بن خلف، من أئمة الحديث. توفي سنة ٤٠٣ هـ..
٩ - كل من اللحم والشحم والغضروف اسم خاص إذا أُطلق لا يدخل فيه الآخر ولا يدل عليه، فتخصيص اللحم بالذكر تخصيص له بالحكم، إلا أننا نقول: إن الشحم تابع للحم ومن هنا يشمله، بخلاف اللحم فإنه غير تابع للشحم، ولهذا كان ذكر اللحم ينوب عن ذكر الشحم، قال الإمام مالك رحمه الله: من حلف لا يأكل لحما فأكل شحما يحنث، ومن حلف لا يأكل شحما فأكل لحما لا يحنث، وقد حرم الله على بني إسرائيل الشحوم فلم يدخل في تحريمها عليهم اللحوم. وقال بعض المحققين في قوله تعالى: \[قل لا أجد فيما أوحي إلى محرّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس\] الضمير في قوله: \[فإنه\] عائد على \[خنزير\] ليفيد تحريم سائر أجزائه، وقد اعترض بأن الكلام إذا كان فيه مضاف ومضاف إليه عاد الضمير إلى المضاف دون المضاف إليه لأنه هو المُحَدَّث عنه – إلا أننا نقول: إعادته على المضاف إليه هنا أولى من حيث المعنى، لأن تحريم اللحم استفيد من قوله أو لحم خنزير، فلو عاد الضمير عليه كان الكلام خاليا من فائدة التأسيس، ونظير ذلك في عود الضمير على المضاف إليه قوله تعالى: \[واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون\] وقوله تعالى: \[كمثل الحمار يحمل أسفارا\] وعليه فالقاعدة المذكورة أغلبية..
١٠ - يخالف داود الظاهري في هذا، اللهم إلا إذا كان خلافه غير معتد به عند ابن عطية تبعا لإمام الحرمين انظر (ح)..
١١ - هو الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيدة: صاحب كتاب المخصص في اللغة توفي سنة ٤٥٨ هـ..
١٢ - يعني أن العبرة بالقصد سواء وجد الإهلال والصياح أم لا – فأبو الفرزدق لما كان قصده بالنحر التباهي والتفاخر نهى علي رضي الله عنه عن أكلها..
١٣ - والذي يُروى في هذه القصة أن (غالبا أبا الفرزدق) فاخر (سُحَيْم بن وَثيل الرياحي) في الطعام، فنحر مائة ناقة، ونحر سحيم ثلاثمائة ناقة وقال للناس: شأنكم بها، فقال علي بن أبي طالب: إنها مما أهل به لغير الله، فتركها الناس حتى أكلتها الوحوش والطيور. ومثل ذلك في الحكم ما يقع للمعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه مما أهل به لغير الله..
١٤ - اللّعبة كالتمثال والدمية. والحاصل أن ذبيحة الأصنام والأوثان لا تؤكل، ويدخل في ذلك ما ذكره المؤلف عن الحسن بن أبي الحسن، وما يذبح على القبور والأموات عن قصد لأن ذلك بمثابة الأصنام ولا سيما التي يصاح عليها بأنها ذبيحة فلان. والمعوّل عليه هو النية والقصد..
١٥ - قال في المدونة: وما ذبحه اليهود فأصابوه فاسدا عندهم لحال الرئة وشبهها التي يحرمونها في دينهم – فمرة أجاز مالك أكلها ثم كرهه وقال: لا تؤكل انتهى. قال ابن ناجي في شرحها: اختلف في المسألة على ثلاثة أقوال: الجواز – والكراهة – وكلاهما لمالك فيها، والتحريم لظاهر قول ابن القاسم كما هو ظاهر العتبي عن ابن كنانة. وقد اعتمد بعضهم الحرمة لما ذكره الشيخ عبد الحق الإسلامي الذي له مزيد اطلاع على كتب اليهود – من عوامل التحريم..
١٦ - أي أخذه وألجأه فقر وجوع والعبارة مجاز، ويعني أن الصحيح في تفسير الاضطرار هو إلجاء الفقر والجوع إلى هذه المحرمات، والقول بأن معنى الاضطرار هو الإكراه على أكل هذه المحرمات غير صحيح ولا قوي – والحقّ أن بناء الفعل للمفعول يدل على مطلق الضرورة سواء كان بجوع أو إكراه، في حضر أو سفر..
١٧ - هذا هو الظاهر، ونحو الآية قوله تعالى: \[فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم\] وأما آية الأنعام ففيها إحالة على هاتين الآيتين لأن تفصيل المحرم فيهما، وبهذا تكون آيات إباحة هذه المحرمات للمضطر كلها مقيدة بعدم ارتكاب الإثم..
١٨ - أي من الميتة، وقال مالك رحمه الله: يأكل المضطر حتى يشبع، ويتزود منها إن اقتضته الضرورة، وهذا هو الأصح..
١٩ - عاد اسم فاعل من عدا، وليس اسم فاعل من عاد فيكون مقلوبا أو محذوفا من باب شاك ولاث – لأن القلب لا يصار إليه إلا لموجب، ولا موجب هنا لادعاء القلب قاله (ح) رحمه الله..
٢٠ - كون الأكل من الميتة رخصة هو الصحيح، ومن الناس من رأى ذلك عزيمة، واستدل بقول مسروق: إن ترك المضطر الأكل من الميتة حتى مات دخل النار لأنه كمن قتل نفسه، والله يقول \[ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما\] الآية..

### الآية 2:174

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:174]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ١٧٤ )
وقوله تعالى : إن الذين يكتمون  الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي : المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، و  الكتاب  : التوراة والإنجيل : والضمير في  به  عائد على  الكتاب ، ويحتمل أن يعود على  ما  وهو جزء من الكتاب، فيه أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه وقع الكتم لا في جميع الكتاب، ويحتمل أن يعود على الكتمان، والثمن القليل : الدنيا والمكاسب، ووصف بالقلة لانقضائه ونفاده، وهذه الآية وإن كانت نزلت في الأحبار فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختاراً لذلك لسبب دنيا يصيبها( [(١)](#foonote-١) ). 
وذكرت البطون في أكلهم المؤدي إلى النار دلالة على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازاً في مثل أكل فلان أرضي ونحوه، وفي ذكر البطن أيضاً تنبيه على مذمتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم، وقال الربيع وغيره : سمي مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إلى النار( [(٢)](#foonote-٢) )، وقيل : معنى الآية : أن الله تعالى يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة، وقوله تعالى : ولا يكلمهم  قيل : هي عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضى عنهم، إذ في غير موضع من القرآن ما ظاهره أن الله تعالى يكلم الكافرين، كقوله  اخسؤوا فيها ولا تكلّمون  ( [(٣)](#foonote-٣) ) \[ المؤمنون : ١٠٨ \]، ونحوه، فتكون هذه الآية بمنزلة قولك :**«فلان لا يكلمه السلطان ولا يلتفت إليه »** وأنت إنما تعبر عن انحطاط منزلته لديه، وقال الطبري وغيره : المعنى ولا يكلمهم بما يحبون، وقيل : المعنى لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية،  ولا يزكيهم  معناه : لا يطهرهم من موجبات العذاب، وقيل : المعنى لا يسميهم أزكياء، و  أليم  اسم فاعل بمعنى مؤلم.

١ - لأن الاعتداد بعموم لفظها لا بخصوص سببها، ومن هنا ينبغي للعلماء والقائمين على التعليم عموما أن يبتعدوا عن أخذ الهدايا والرشا من الطلبة والمتعلمين، وقد قال الله تعالى لنبيه: \[قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى\] وفي سنن أبي داود، عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال: علّمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن وأهدى إلى رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله، لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه فأتيته فقلت: يا رسول الله – رجل أهدى إلي قوسا فيمن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله، قال: **«إن كنت تحب أن تُطَوَّقَ طوقا من نار فاقبلها»** وفي رواية – قلت: ما ترى فيها يا رسول الله قال: **«جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها»**. وروى الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: **«علماء هذه الأمة رجلان، رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طُعما، ولم يشتر به ثمنا قليلا فذلك يُصلّي عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام الكاتبون، يقدم على الله سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين، ورجل آتاه الله علما في الدنيا فضن به على عباد الله، وأخذ عليه طعما، واشترى به ثمنا قليلا فذلك يأتي يوم القيامة مُلَجما بلجام من نار، وينادي مناد على رؤوس الأشهاد: هذا فلان ابن فلان آتاه الله علما في الدنيا فضنّ به على عباد الله، وأخذ عليه طعما، واشترى به ثمنا قليلا، ثم يعذب حتى يفرغ من الحساب»** انتهى..
٢ - والتعبير عن الشيء بما يؤول إليه واردا بكثرة في القرآن والشعر العربي، ومن ذلك قول الله تعالى: \[إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا\]..
٣ - من الآية (١٠٨) من سورة المؤمنون..

### الآية 2:175

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [2:175]

أولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( ١٧٥ )
لما تركوا الهدى وأعرضوا عنه ولازموا الضلالة وتكسبوها مع أن الهدى ممكن لهم ميسر كان ذلك كبيع وشراء، وقد تقدم( [(١)](#foonote-١) ) إيعاب هذا المعنى( [(٢)](#foonote-٢) )، ولما كان العذاب تابعاً للضلالة التي اشتروها وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه أدخلا في تجوز الشراء. 
وقوله تعالى : فما أصبرهم على النار ، قال جمهور المفسرين : ما  تعجب( [(٣)](#foonote-٣) )، وهو في حيز المخاطبين( [(٤)](#foonote-٤) )، أي هم أهل أن تعجبوا منهم، ومما( [(٥)](#foonote-٥) ) يطول مكثهم في النار، وفي التنزيل( [(٦)](#foonote-٦) )،  قتل الإنسان ما أكفره  \[ عبس : ١٧ \]، و  أسمع بهم وأبصر ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ مريم : ٣٨ \]، وبهذا المعنى صدر أبو علي، وقال قتادة والحسن وابن جبير والربيع : أظهر التعجب من صبرهم على النار لما عملوا عمل من وطن نفسه عليها، وتقديره : ما أجرأهم( [(٨)](#foonote-٨) ) على النار إذ يعملون عملاً يودي إليها، وقيل : ما  استفهام معناه أي شيء أصبرهم على النار، ذهب إلى ذلك معمر بن المثنى( [(٩)](#foonote-٩) )، والأول أظهر( [(١٠)](#foonote-١٠) )، ومعنى  أصبرهم  في اللغة أمرهم بالصبر، ومعناه أيضاً جعلهم ذوي صبر( [(١١)](#foonote-١١) )، وكلا المعنيين متجه في الآية على القول بالاستفهام، وذهب المبرد في باب التعجب من المقتضب إلى أن هذه الآية تقرير واستفهام لا تعجب، وأن لفظة  أصبر  بمعنى اضطر وحبس، كما تقول أصبرت زيداً على القتل، ومنه نهي النبي عليه السلام أن يصبر البهائم( [(١٢)](#foonote-١٢) )، قال : ومثله قول الشاعر :\[ السريع \]
قُلْتُ لَهَا أصْبُرها دائباً. . . أَمْثَالُ بِسْطَامِ بِنِ قَيْسِ قَليلْ( [(١٣)](#foonote-١٣) )
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : الضبط عند المبرد بضم الهمزة وكسر الباء، ورد عليه في ذلك كله بأنه لا يعرف في اللغة أصبر بمعنى صبر وإنما البيت أصبُرها بفتح الهمزة وضم الباء ماضيه صبر، ومنه المصبورة، وإنما يرد قول أبي العباس على معنى اجعلها ذات صبر.

١ - أي في أول سورة البقرة عند قوله تعالى :\[أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين\].
٢ - إيعاب هذا المعنى: أي جمعه واستيفاؤه..
٣ - لأن التعجب استعظام أمر خفي سببه، وهذا المعنى مستحيل على الله تعالى، فلذا كان التعجب مصروفا إلى الخلق وفي حيّزهم..
٤ - أي الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة..
٥ - أي: ومِنْ طول مكثهم في النار، فما مصدرية..
٦ - تأييد لكون (ما) تعجبية..
٧ - الآية (١٧) من سورة (عبس) – ومن الآية (٣٨) من سورة (مريم)..
٨ - هذا يدل على أن (أصبر) تأتي بمعنى (أجرأ) وهي لغة يمنية – حكى الفراء عن الكسائي أنه قال: أخبرني قاضي اليمن أنه اختصم إليه رجلان فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له الآخر: ما أصبرك على الله، أي ما أجرأك عليه..
٩ - هو أبو عبيدة اللغوي المشهور..
١٠ - وهو كون (ما) تعجبية، قال (ح): وهو قول الجمهور من المفسرين. البحر المحيط ١-٤٩٤..
١١ - ولا تكون (أصبر) بمعنى (صبر) أي (حبس واضطر) كما قال المبرد في (المقتضب)، فإن المعروف أن الهمزة إنما تكون للنقل أي: جعله ذا صبر..
١٢ - روى البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل دار الحكم بن أيوب فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، فقال أنس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم – وهو أن يمسك من ذوات الروح شيء حي ثم يُرمى بشيء حتى يموت. وفي الصحيحين، وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعل ذلك – لأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته إن كان مما يُذكى..
١٣ - البيت للحطيئة. وكنيته أبو مليكة، واسمه جرول العبسي. قال الجوهري: بسطام ليس من أسماء العرب، وإنما سمى قيس بن مسعود ابنه بسطاما بكسر الباء باسم ملك من ملوك فارس، كما سموا قابوس ودختنوس والذي في "لسان العرب" و"تاج العروس":
 قلتُ لها أَصبِرُها جاهـــدا ويحك أمثال طريف قليـــلْ
 وفي "مجموعة شعر الحطيئة" الصادرة عن مكتبة صادر ببيروت أنه قال يمدح طريف بن دفاع:
 قلتُ لها أَصبِرُها صادقـــاً
 ويحك: أمثال طريف قليـــلْ
 قد يقصر الماجد عن فِعْلــه
 وينفس الجــودَ عليه البخِيـل
 ذاك فتى يــبذُل ذا قــدره
 لا يفسد اللحـم لديه الصلـول
 بلغه صالح سعـي الفتـــى
 عز تليـد وعنــان طـويـل
 .

### الآية 2:176

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [2:176]

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( ١٧٦ )
وقوله تعالى : ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق  الآية، المعنى ذلك الأمر أو الأمر ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به، والإشارة على هذا إلى وجوب النار لهم، ويحتمل أن يقدر فعلنا ذلك، ويحتمل أن يقدر وجب ذلك، ويكون  الكتاب  جملة القرآن على هذه التقديرات : وقيل : إن الإشارة ب  الكتاب  إلى قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم ( [(١)](#foonote-١) ) \[ البقرة : ٦ \]، أي وجبت لهم النار بما قد نزله الله في الكتاب من الخبر به، والإشارة بذلك على هذا إلى اشترائهم الضلالة بالهدى( [(٢)](#foonote-٢) )، أي ذلك بما سبق لهم في علم الله وورود إخباره به، و  الحق  معناه الواجب، ويحتمل أن يراد بالأخبار الحق : أي الصادقة( [(٣)](#foonote-٣) ). 
و  الذين اختلفوا في الكتاب ، قال السدي :**«هم اليهود والنصارى لأن هؤلاء في شق وهؤلاء في شق »**. 
قال القاضي أبو محمد : ويظهر أن الشقاق سميت به المشادّة والمقاتلة ونحوه، لأن كل واحد يشق الوصل الذي بينه وبين مشاقّه، وقيل : إن المراد ب  الذين اختلفوا  كفار العرب لقول بعضهم هو سحر، وبعضهم هو أساطير، وبعضهم هو مفترى، إلى غير ذلك، وشقاق هذه الطوائف إنما هو مع الإسلام وأهله، و  بعيد  هنا معناه من الحق والاستقامة.

١ - من الآية (٧) من سورة (البقرة)..
٢ - واشتراؤهم ذلك هو الذي أوجب لهم النار، فلا منافاة بينه وبين قوله قبلُ: أي وجبت لهم النار بما قد نزله الله من الكتاب..
٣ - توضيح لقوله: الحق..

### الآية 2:177

> ﻿۞ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [2:177]

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( ١٧٧ )
وقوله تعالى : ليس البرُّ  الآية : قرأ أكثر السبعة برفع الراء، و **«البرُّ »** اسم ليس، قال أبو علي :**«ليس بمنزلة الفعل فالوجه أن يليها الفاعل ثم المفعول »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : مذهب أبي علي أن  ليس  حرف، والصواب الذي عليه الجمهور أنها فعل، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص **«ليس البرَّ »** بنصب الراء، جعل  أن تولوا  بمنزلة المضمر، إذ لا يوصف كما لا يوصف المضمر، والمضمر أولى أن يكون اسماً يخبر عنه( [(١)](#foonote-١) )، وفي مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود  ليس البرّ بأن تولوا ، وقال الأعمش، إن في مصحف عبد الله :( لا تحسبن البر ) ( [(٢)](#foonote-٢) )، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : الخطاب بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى ليس البر الصلاة وحدها، وقال قتادة والربيع : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي، فاليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى مطلع الشمس، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليها، وقرأ الجمهور **«ولكن البر »** ( [(٣)](#foonote-٣) )والتقدير ولكن البر بر من، وقيل : التقدير ولكن ذو البر من، وقيل : البر  بمنزلة اسم الفاعل تقديره ولكن البار من، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بد محمول على حذف مضاف، كقولك رجل عدل ورضى( [(٤)](#foonote-٤) ). 
والإيمان التصديق، أي صدق بالله تعالى وبهذه الأمور كلها حسب مخبرات الشرائع. 
وقوله تعالى : وآتى المال على حبه  الآية، هذه كلها حقوق في المال سوى الزكاة، وبها كمال البر( [(٥)](#foonote-٥) )، وقيل هي الزكاة، و  آتى  معناه أعطى، والضمير في  حبه  عائد على  المال ( [(٦)](#foonote-٦) ) فالمصدر مضاف إلى المفعول، ويجيء قوله  على حبه  اعتراضاً بليغاً أثناء القول( [(٧)](#foonote-٧) )، ويحتمل أن يعود الضمير على الإيتاء أي في وقت حاجة من الناس وفاقة، فإيتاء المال حبيب إليهم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى من قوله : من آمن بالله  أي من تصدق محبة في الله تعالى وطاعاته، ويحتمل أن يعود على الضمير المستكن في  آتى  أي على حبه المال، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى المقصود : أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو شحيح صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، كما قال صلى الله عليه وسلم( [(٨)](#foonote-٨) ). 
قال القاضي أبو محمد : والشح في هذا الحديث هو الغريزي الذي في قوله تعالى : وأحضرت الأنفس الشح ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ النساء : ١٢٨ \]، وليس المعنى أن يكون المتصدق متصفاً بالشح الذي هو البخل، و  ذوي القربى  يراد به قرابة النسب. 
واليتم في الآدميين من قبل الأب قبل البلوغ، وقال مجاهد وغيره : ابن السبيل  المسافر لملازمته السبيل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كما يقال ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا يدخل الجنة ابن زنى »**( [(١٠)](#foonote-١٠) ) أي الملازم له، وقيل : لما كانت السبيل تبرزه شبه ذلك بالولادة فنسب إليها، وقال قتادة : ابن السبيل  الضيف، والأول أعم، و  في الرقاب  : يراد به العتق وفك الأسرى وإعطاء أواخر الكتابات ( واقام الصلاة } أتمها بشروطها، وذكر الزكاة هنا دليل على أن ما تقدم ليس بالزكاة المفروضة، و  الموفون  عطف على  من  في قوله : من آمن ، ويحتمل أن يقدر وهم الموفون، و  الصابرين  نصب على المدح أو على إضمار فعل، وهذا مهيع( [(١١)](#foonote-١١) ) في تكرار النعوت، وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«والموفين »** على المدح أو على قطع النعوت، وقرأ يعقوب والأعمش والحسن  والموفون  **«والصابرون »** وقرأ الجحدري  بعهودهم ، و  البأساء  الفقر والفاقة، و  الضراء  المرض ومصائب البدن، و  حين البأس  وقت شدة القتال. 
هذا قول المفسرين في الألفاظ الثلاثة، وتقول العرب : بئس الرجل إذا افتقر، وبؤس إذا شجع. 
ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البرة بالصدق في أمورهم أي هم عند الظن بهم والرجاء فيهم كما تقول : صدقني المال وصدقني الربح، ومنه عود صدق( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وتحتمل اللفظة أيضاً صدق الإخبار، ووصفهم الله تعالى بالتقى، والمعنى هم الذي جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح.

١ - توضيح ذلك أن (إنّ وصِلَتَهَا) شبيهة عندهم بالمضمر في كونها لا توصف كما لا يوصف المضمر – وكأنه قد اجتمع هنا مظهر ومضمر وإذ اجتمعا فالمضمر هو الاسم لأنه أعرف المعارف..
٢ - على ما قاله الأعمش يكون في مصحف عبد الله قراءتان – \[ليس البرّ بأن تولّوا\] \[ولا تحسبنّ البرّ\].
 .
٣ - أي بتخفيف النون ورفع البر.
 تنبيه: في تكملة الإمام السيوطي رحمه الله هنا ما نصه: وقرئ بفتح الباء أي البارّ. انتهى.
 وهذه القراءة لا وجود لها فيما نعلم لا في المتواتر ولا في الشواذ، وقد قال المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكن البر بفتح الباء، فلو كانت تلك القراءة موجودة ما قال المبرد هذا الكلام، والكمال لله تعالى – أفاده بعض شيوخنا. .
٤ - يلاحظ أن هذا القول راجع إلى القول الأول، تأمل..
٥ - روى الترمذي، وبان ماجة، والدارقطني، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في المال حق سوى الزكاة)..
٦ - هذا أقوى وأصح لأنه أقرب مذكور، وحاصل الآراء في عود الضمير: المال، أو الإيتاء، أو الله، أو المعطي للمال..
٧ - يعني أنه وقع اعتراضا وفصلا بين المفعولين، وهو فصل بليغ لدلالته على أنه آثر غيره بشيء محبوب ومرغوب فيه، والإيثار من أعلى صفات الإيمان، ونظير هذه الآية قوله تعالى: \[ويطعمون الطعام على حبّه\] الآية..
٨ - رواه الشيخان، عن أبي هريرة – ولفظ مسلم. (أيّ الصدقة أعظم ؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان). وروى النسائي عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يُنفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع)..
٩ - من الآية (١٢٨) من سورة (النساء)..
١٠ - رواه النسائي، وابن حبان، وأبو النعيم في الحلية، من حديث أبي هريرة، وزعم ابن الجوزي رحمه الله أنه حديث موضوع، وقال الحافظ ابن حجر: فسره العلماء على تقدير صحته بما إذا عمل بعمل أبويه، واتفقوا على أن الحديث لا يحمل على ظاهره، وقيل: إن واظب على ذلك، وهو ما أشار إليه ابن عطية رحمه الله بقوله: أي الملازم له..
١١ - أي طريق مألوف وموجود في كلام العرب لا مطعن فيه لأحد، قال أبو علي الفارسي: إذا كثرت الصفات في معرض المدح والذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها، ولا تُجعل كلها جارية على موصوفها لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول، فإذا خولف في إعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأن الكلام عند الاختلاف يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجها واحدا أو جملة واحدة. ا. هـ..
١٢ - العود: البعير المُسِنُّ وصَدْقٌ على وزن فَلْسٍ أي صلب..

### الآية 2:178

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:178]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ١٧٨ )
 كتب  معناه فرض وأثبت، والكتب مستعمل في الأمور المخلدات الدائمة كثيراً، وقيل إن  كتب  في مثل هذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء، وصورة فرض القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أرا د الولي القتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليه وترك التعدي على غيره كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها الرجل من قوم قاتله، وأن الحكام وأولي الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وليس القصاص بلزام إنما اللزام أن لا يتجاوز القصاص إلى اعتداء، فأما إذا وقع الرضى بدون القصاص من دية أو عفو فذاك مباح، فالآية معلمة أن القصاص هو الغاية عند التشاح، و  القصاص  مأخوذ من قص الأثر فكأن القاتل سلك طريقاً من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، و  القتلى  جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة وهو مما يدخل على الناس كرهاً، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى( [(١)](#foonote-١) ). 
واختلف في سبب هذه الآية، فقال الشعبي : إن العرب كان أهل العزة منهم والمنعة إذا قتل منهم عبد قتلوا به حراً، وإذاقتلت امرأة قتلوا بها ذكراً، فنزلت الآية في ذلك ليعم الله تعالى بالسوية ويذهب أمر الجاهلية، وحكي أن قوماً من العرب تقاتلوا قتال عُمِّية( [(٢)](#foonote-٢) ) ثم قال بعضهم : نقتل بعبيدنا أحراراً، فنزلت الآية، وقيل : نزلت بسبب قتال وقع بين قبيلتين من الأنصار، وقيل : من غيرهم فقتل هؤلاء من هؤلاء رجالاً وعبيداً ونساء، فأمر رسول الله صلى عليه وسلم أن يصلح بينهم ويقاصهم بعضهم ببعض بالديات على استواء الأحرار بالأحرار والنساء بالنساء والعبيد بالعبيد، وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت مقتضية أن لا يقتل الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل ولا يدخل صنف على صنف، ثم نسخت بآية المائدة أن النفس بالنفس( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قال القاضي أبو محمد : هكذا روي، وآية المائدة إنما هي إخبار عما كتب على بني إسرائيل، فلا يترتب النسخ إلا بما تلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن حكمنا في شرعنا مثل حكمهم، وروي عن ابن عباس فيما ذكر أبو عبيد وعن غيره الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة( [(٤)](#foonote-٤) )، وأن قوله هنا  الحر بالحر  يعم الرجال والنساء، وقاله مجاهد. 
وقال مالك رحمه الله : أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد بها الجنس الذكر والأنثى فيه سواء، وأعيد ذكر  الأنثى  تأكيداً وتهمماً بإذهاب أمر الجاهلية، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن الحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبداً أو عبد حراً أو ذكر أنثى أو أنثى ذكراً، وقالا : إنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية منه( [(٥)](#foonote-٥) ) وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة، وإذا قتلت المرأة رجلاً فإن أراد أولياؤه قتلوا وأخذوا نصف الدية وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها، وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن علي رضي الله عنه وعن الحسن، وقد أنكر ذلك عنهما أيضاً، وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء، وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات، قال مالك والشافعي : وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس، وقال أبو حنيفة، لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس، وقال النخعي وقتادة وسعيد بن المسيب والشعبي والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف : يقتل الحر بالعبد، وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء : لا يقتل الحر بالعبد، ودليلهم إجماع الأمة على أن العبد لا يقاوم الحر فيما دون النفس، فالنفس مقيسة على ذلك، وأيضاً فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأً أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد، وأيضاً فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، وإذا قتل الرجل ابنه فإن قصد إلى قتله مثل أن يضجعه ويذبحه أو يصبره( [(٦)](#foonote-٦) ) مما لا عذر له فيه لا شبهة في ادعاء الخطأ فإنه يقتل به قولاً واحداً في مذهب مالك، وإن قتله على حد ما يرمي أو يضرب فيقتله ففيه في المذهب قولان : يقتل به، ولا يقتل وتغلظ الدية. 
وقوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء  فيه أربع تأويلات :
أحدها أن  من  يراد بها القاتل و  عفي  يتضمن عافياً هو ولي الدم والأخ هو المقتول، ويصح أن يكون هو الولي على هذا التأويل، وهي( [(٧)](#foonote-٧) ) أخوة الإسلام، و  شيء  هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابن عباس وجماعة من العلماء، والعفو في هذا القول على بابه( [(٨)](#foonote-٨) ) والضميران راجعان على  من  في كل تأويل. 
والتأويل الثاني وهو قول مالك : ان  من  يراد بها الولي( [(٩)](#foonote-٩) )، و  عفي  بمعنى يسر لا على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، و  شيء  هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الإسلام، ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا التأويل المقتول أي يسر له من قبل أخيه المقتول وبسببه، فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام، وعلى هذا التأويل قال مالك رحمه الله : إن الولي إذا جنح إلى العفو على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه، فمرة تيسر ومرة لا تيسر، وغير مالك يقول : إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقد روي أيضاً هذا القول عن مالك ورجحه كثير من أصحابه. 
والتأويل الثالث أن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة حسبما ذكرناه آنفاً، فمعنى الآية فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات، ويكون  عفي  بمعنى فضل من قولهم عفا الشيء إذا كثر( [(١١)](#foonote-١١) ) أي أفضلت الحال له أو الحساب أو القدر. 
والتأويل الرابع هو على قول علي رضي الله عنه والحسن بن أبي الحسن في الفضل بين دية المرأة والرجل والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف، و  عفي  في هذا الموضع أيضاً بمعنى أفضل، وكأن الآية من أولها( [(١٢)](#foonote-١٢) ) بينت الحكم إذا لم تتداخل الأنواع ثم الحكم إذا تداخلت، و  شيء  في هذه الآية مفعول لم يسم فاعله، وجاز ذلك و  عفي ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) لا يتعدى الماضي الذي بنيت منه من حيث يقدر  شيء  تقدير المصدر، كأن الكلام : عفي له من أخيه عفو، و  شيء  اسم عام لهذا وغيره، أو من حيث تقدر  عفي  بمعنى( [(١٤)](#foonote-١٤) ) ترك فتعمل عملها، والأول أجود، وله نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى : ولا تضرونه شيئاً ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ هود : ٥٧ \]، قال الأخفش : التقدير لا تضرونه ضراً، ومن ذلك قول أبي خراش :\[ الطويل \]
فَعَادَيْتُ شَيْئاً والدَّرِيس كأنَّمَا. . . يُزَعْزِعُهُ وِرْدٌ مِنَ الْمومِ مردمُ( [(١٦)](#foonote-١٦) )
وقوله تعالى : فاتباع  رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره فالواجب والحكم اتباع، وهذا سبيل الواجبات كقوله تعالى  فإمساك بمعروف ( [(١٧)](#foonote-١٧) ) \[ البقرة : ٢٢٩ \]، وأما المندوب إليه فيأتي منصوباً كقوله تعالى  فضرب الرقاب ( [(١٨)](#foonote-١٨) ) \[ محمد : ٤ \]، وهذا الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب وحسن القضاء من المؤدي، وقرأ ابن أبي عبلة **«فاتباعاً »** بالنصب( [(١٩)](#foonote-١٩) ). 
وقوله تعالى : ذاك تخفيف من ربكم  إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة من أخذ الدية، وكانت بنو إسرائيل لا دية عندهم إنما هو القصاص فقط، والاعتداء المتوعد عليه في هذه الآية هو أن يأخذ الرجل دية وليه ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) واختلف في العذاب الأليم الذي يلحقه : فقال فريق من العلماء منهم مالك : هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل البتة ولايمكن الحاكم الولي من العفو، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : نقسم ألا يعفى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل( [(٢١)](#foonote-٢١) )، وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة، وقال عمر بن عبد العزيز أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى.

١ - يعني أن هذا البناء الخاص يدل على ما يقع كرها من دون اختيار كالقتل والمرض..
٢ - العُمِّية والعِمِّية بتشديد الميم: الكبر أو الضلال، ويقال: قتل عميا لم يدر من قتله وقال في اللسان: العمياء والعَماية والعُمِّية كلّه: الغواية واللجاجة في الباطل..
٣ - الآية (٤٥) من سورة المائدة تقول: \[وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين... الخ\] والذي يظهر – كما قاله بعض المفسرين المتأخرين، وكما تشير إليه عبارات المتقدمين – أن موضع هذه الآية غير موضع \[النفس بالنفس\] وأن آية البقرة مجالها الاعتداء الجماعي، وآية \[أن النفس بالنفس\] مجالها الاعتداء الفردي، أي اعتداء فرد معين على فرد معين، أو أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك. وأما الاعتداء الجماعي فميزان القصاص فيه هو أن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، ولا شيء غير ذلك في مثل هذه الحالة. والله أعلم..
٤ - الإجمال الذي فسرته هو أن القصاص يكون في النفس وفي الأطراف..
٥ - لأن نفس الرجل ليست كنفس المرأة، وهذا على ما فهمناه من الفرق في الآية الكريمة، إلا أنه قد أنكر ذلك عنهما كما سيذكره ابن عطية رحمه الله بعد قليل..
٦ - أي يحبسه ويقتله..
٧ - أي الأخوة المفهومة من (أخيه)، وفي ذلك دلالة على أن القاتل لم يقطع بقتله أُخُوَّةَ الإسلام ولم يخرج بذلك عن ساحة الإيمان..
٨ - يعني أن العفو في باب الجنايات معروف ومشهور، وهو إسقاط ما وجب لك من الحق..
٩ - قال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ: تفسير الآية فيما نرى والله أعلم أنه من أعطي من أخيه شيء من العقل فليتبعه بالمعروف وليؤد إليه بالإحسان ا. هـ..
١٠ - يضعف هذا القول أن عُفي بمعنى يُسِّر لم يثبت..
١١ - ومنه قوله تعالى: \[حتى عفوا\] أي كثروا وزادوا، ويكون ذلك في الحال، أو في الحساب، أو في القدر..
١٢ - هو قوله تعالى \[يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى\] ثم قال عند تداخل الأنواع: \[الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى\]..
١٣ - الواو للحال، وقوله: **«من حيث يُقدر شيء تقدير المصدر»** متعلق بقوله قبله: "وجاز"..
١٤ - زعم الزمخشري في الكشاف أن هذا لم يثبت، وقد قال أهل اللغة في حديث: (وأعفوا اللحى). يصح أن يكون من الثلاثي والرباعي. وانظر ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: \[فتاب عليكم وعفا عنكم\]..
١٥ - من الآية (٥٧) من سورة (هود) وشيء معناه المصدر، لأن (ضرَّ) إنما يتعدى إلى واحد، ومن ذلك قول الله أيضا: \[إنهم لن يضرّوا الله شيئا\]..
١٦ - البيت لأبي خراش الهُذَلِي، ونصّه كما في الأغاني ولسان العرب:
 غَـارَرْتُ شيئاً والدَّريس كأنمــا يُزَعْـزعه وعك مِنَ المُـوم مُـرْدِمُ
 ومعناه: تلبثت أو تنبهت، وفي شرح القاموس ما نصه: هكذا ذكره صاحب اللسان هنا أي في الغين المعجمة، والصواب ذكره في العين المهملة. ونصه هناك (وعارَرْتُ: تمكّثْتُ) نقله الصاغاني ولم يَعْزُه، وهو قول الأخفش: وقرأت في شرح ديوان الحماسة في شرح قول أبي خراش الهذلي:
 فعارَيْـتُ شيئـا والرِّداء كأنَمَــا يُزعزعه وعك مِنَ المُــوم مُـرْدِمُ
 قال أبو سعيد السكري شارح الديوان: يُروى: فَعَارَرْتُ ومعناه: تحرنت قليلا، ومَنْ قال: عاريْتُ أي انصرفت قليلا، ويقال: تعار الرجل إذا انتبه، والورد: الحِمى، والدريس: الثوب البالي. والموم: المراد به هنا البرسام – قال في اللسان: والموم: الحمى مع البرسام وهو ذات الجنب وهو التهاب في الغشاء المحيط بالرئة، ومردم معناه: دائم، فأردمت عليه الحمى وهي مردم: دامت ولم تفارقه..
١٧ - من الآية (٢٢٩) من سورة (البقرة)..
١٨ - من الآية (٤) من سورة (محمد)..
١٩ - وكان سنده في هذه التفرقة هو أن الجملة الاسمية آكد وأقوى من الجملة الفعلية..
٢٠ - الاعتداء وتجاوز الحد يشمل هذا وغيره، والمعنى أن من اعتدى وتجاوز هذا التشريع بأن قتل غير القاتل أو قتل أكثر من واحد، أو عفا وأخذ الدية ثم قتل فله عذاب أليم، وإن كانت الآثار تخصص بالذكر هذا الأخير..
٢١ - في تفسير الإمام (ط) رحمه الله: حدثني القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين قال: حدثني الحجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن الليث – غير أنه لم ينسبه وقال – ثِقة – (أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب بقسم أو غيره ألا يعفى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل) انتهى. وروى أبو داود، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية)، وهذا دعاء عليه أي لا كثر ماله ولا استغنى، وقال قتادة: وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا أُعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية)..

### الآية 2:179

> ﻿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:179]

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ١٧٩ )
وقوله تعالى : ولكم في القصاص حياة  نحوه( [(١)](#foonote-١) ) قول العرب في المثل : القتل أوقى للقتل، ويروى : أبقى، بباء وقاف. 
ويروى أنفى بنون وفاء( [(٢)](#foonote-٢) )، والمعنى أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم به ازدجر من يريد قتل أحد مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معاً، وهذا الترتيب ما سبق لهما في الأزل( [(٣)](#foonote-٣) )، وأيضاً فكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعية إلى موت العدد الكثير، فلما شرع الله القصاص قنع الكل به ووقف عنده وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك حياة، وخص  أولي الألباب  بالذكر تنبيهاً عليهم، لأنهم العارفون القابلون للأوامر والنواهي، وغيرهم تبع لهم، و  تتقون  معناه القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن الله تعالى يثيب على الطاعة بالطاعة، وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي **«ولكم في القصص »**( [(٤)](#foonote-٤) ) أي في كتاب الله الذي شرع فيه القصاص وحكمه، ويحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص، أي إنه قص أثر القاتل قصصاً فقتل كما قتل.

١ - عبارة القرآن جمعت الحسنى من فصاحة وبلاغة ودلالة، ولا وجه للمفاضلة بينها وبين الكلمة العربية فإن هذه الكلمة وإن كان لها فضل – فهو باعتبار حسنها، وفي الآية الكريمة إيحاء بالعدالة والانسانية حيث عبر بالقصاص، وبأولي الألباب فإنما تكون الحياة في القصاص إذا تحقق العدل وآمن الناس بالأمر، وأما إذا كان الجهل والجور فلا حياة في القصاص، ومن ذلك نعلم أن إقامة ميزان العدل في الحدود والحقوق من شأنه أن يقلل الجرائم الاجتماعية والضغائن البشرية وذلك هو سبيل الأمن وطريق النهوض. وفي كتب البلاغة بيان لما في التعبير القرآني من بلاغة..
٢ - رويت هذه الكلمة بروايات كثيرة منها: **«القتل أبقى للقتل»** ومنها: **«القتل أوقى للقتل»**، ومنها: ****«القتل أنفى للقتل»****، ومنها **«القتل أتقى للقتل»**. والظاهر أن هذه الروايات نشأت عن التصحيف أو التحريف الذي حدث في نقط النون والفاء في كلمة – أنفى – وكل هذه التغيرات جاءت في نقط هذين الحرفين، ومثل هذا واقع مشهور وبخاصة في العصور الأولى التي لم يكن فيها نقط، أو كان فيها نقط جديد مستحدث، أو نقط غير ملتزم، ومهما يكن من أمر فالرواية المشهورة المتعارفة هي ****«القتل أنفى للقتل»****، وما سواها منه ما هو قريب من معناها، ومنه ما هو بعيد منها، والله أعلم..
٣ - يعني أنه لا منافاة بين هذا المعنى (وهو ترتب الحياة على القصاص بسبب أن من يريد القتل ينزجر مخافة الاقتصاص منه) وبين ما في علم الله. فإن هذا مما سبق به علم الله في الأزل..
٤ - قراءة منكرة والمعنى ضعيف. قال أبو جعفر التماس: هي قراءة شاذة – وأبو الجوزاء روى عن عائشة وأبي هريرة توفي سنة ٨٣ هـ..

### الآية 2:180

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:180]

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( ١٨٠ )
وقوله تعالى : كتب عليكم  الآية، كأن الآية متصلة بقوله  يا أيها الذين آمنوا  فلذلك سقطت واو العطف( [(١)](#foonote-١) )، و  كتب  معناه فرض وأثبت، وقال بعض أهل العلم : الوصية فرض، وقال قوم : كانت فرضاً ونسخت، وقال فريق : هي مندوب إليها، و  كتب  عامل في رفع  الوصية  على المفعول الذي لم يسم فاعله في بعض التقديرات( [(٢)](#foonote-٢) )، وسقطت علامة التأنيث من  كتب  لطول الكلام فحسن سقوطها، وقد حكى سيبويه : قام امرأة، ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل، ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل  الوصية  في  إذا  لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو  الوصية ، وقد تقدمت فلا يجوز أن يعمل فيها متقدمة( [(٣)](#foonote-٣) )، ويتجه في إعراب هذه الآية أن يكون  كتب ( [(٤)](#foonote-٤) ) هو العامل في  إذا  والمعنى توجه إيجاب الله عليكم ومقتضى كتابه إذا حضر، فعبر عن توجه الإيجاب ب  كتب  لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل، و  الوصية  مفعول لم يسم فاعله ب  كتب  وجواب الشرطين  إذا  و  إن  مقدّر( [(٥)](#foonote-٥) )، يدل عليه ما تقدم من قوله  كتب عليكم ، كما تقول شكرت فعلك إن جئتني إذا كان كذا، ويتجه في إعرابها أن يكون التقدير : كتب عليكم الإيصاء، ويكون هذا الإيصاء المقدر الذي يدل عليه ذكر الوصية بعد هو العامل في  إذا ، وترتفع  الوصية  بالابتداء وفيه جواب الشرطين( [(٦)](#foonote-٦) ) على نحو ما أنشد سيبويه :\[ البسيط \]
مَنْ يَفْعَلِ الصَّالِحَاتِ اللَّهُ يَحْفظُهَا( [(٧)](#foonote-٧) ). . . أو يكون رفعها بالابتداء بتقدير : فعليه الوصية، أو بتقدير الفاء فقط، كأنه قيل : فالوصية للوالدين، ويتجه في إعرابها أن تكون  الوصية  مرتفعة ب  كتب  على المفعول الذي لم يسم فاعله، وتكون  الوصية  هي العامل في  إذا ، وهذا على مذهب أبي الحسن الأخفش فإنه يجيز أن يتقدم ما في الصلة الموصول بشرطين هما في هذه الآية، أحدهما أن يكون الموصول ليس بموصول محض بل يشبه الموصول، وذلك كالألف واللام حيث توصل( [(٨)](#foonote-٨) )، أو كالمصدر، وهذا في الآية مصدر وهو  الوصية ، والشرط الثاني أن يكون المتقدم ظرفاً فإن في الظرف يسهل الاتساع، و  إذا  ظرف، وهذا هو رأي أبي الحسن في قول الشاعر :\[ الطويل \]
تَقُولُ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا بِيَمِينِهَا. . . أبَعْلِيَ هذا بِالرَّحَا المُتَقَاعِس( [(٩)](#foonote-٩) )
فإنه يرى أن **«بالرحا »** متعلق بقوله المتقاعس، كأنه قال : أبَعلي هذا المتقاعس بالرحا، وجواب الشرطين في هذا القول كما ذكرناه في القول الأول، وفي قوله تعالى  إذا حضر  مجاز لأن المعنى إذا تخوف وحضرت علاماته، والخير في هذه الآية المال. 
واختلف موجبوا الوصية في القدر الذي تجب منه( [(١٠)](#foonote-١٠) )، فقال الزهري وغيره : تجب فيما قل وفيما كثر، وقال النخعي : تجب في خمسمائة درهم فصاعداً، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتادة : في ألف فصاعداً. 
واختلف العلماء في هذه الآية، فقال فريق : محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الوارثة( [(١١)](#foonote-١١) )، وقال ابن عباس والحسن وقتادة : الآية عامة( [(١٢)](#foonote-١٢) ) وتقرر الحكم بها برهة ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض، وفي هذه العبارة يدخل قول ابن عباس والحسن وغيرهما إنه نسخ منها الوالدان وثبت الأقربون الذين لا يرثون، وبين أن آية الفرائض في سورة النساء ناسخة، لهذا الحديث المتواتر :**«إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث »**( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
وقال ابن عمر وابن عباس أيضاً وابن زيد : الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ندباً، ونحو هذا قول مالك رحمه الله، وقال الربيع بن خثيم( [(١٤)](#foonote-١٤) ) وغيره : لا وصية لوارث، وقال عزْوة( [(١٥)](#foonote-١٥) ) بن ثابت للربيع بن خثيم : أوصِ لي بمصحفك، فنظر الربيع إلى ولده وقرأ : وأولو الأرحام بعضَهم أولى ببعض في كتاب الله ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) \[ الأحزاب : ٦ \]، ونحو هذا صنع ابن عمر رضي الله عنه( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
وقال بعض أهل العلم : إن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة في الحديث المذكور قبل، وقد تقدم توجيه نسخ السنة للكتاب في تفسير قوله تعالى  ما ننسخ من آية ( [(١٨)](#foonote-١٨) ) \[ البقرة : ١٠٦ \]. 
وقال قوم من العلماء : الوصية للقرابة أولى، فإن كانت لأجنبي، ولا تجوز لغيرهم مع تركهم. 
وقال الناس حين مات أبو العالية( [(١٩)](#foonote-١٩) ) : عجباً له أعتقته امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم. 
وقال الشعبي :**«لم يكن ذلك له ولا كرامة »**. 
وقال طاوس :**«إذا أوصى لغير قرابة ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله »** وقاله جابر بن زيد. 
وقال الحسن وجابر بن زيد أيضاً وعبد الملك بن يعلى : يبقى ثلث الوصية حيث جلعها، ويرد ثلثاها إلى قرابته. 
وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء : الوصية ماضية حيث جعلها الميت، والأقربون : جمع أقرب، و  بالمعروف  معناه بالقصد الذي تعرفه النفوس دون إضرار بالورثة ولا تنزير( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) للوصية، و  حقاً  مصدر مؤكد( [(٢١)](#foonote-٢١) )، وخص المتقون بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبادر الناس إليها.

١ - الجملة مستأنفة، وهي ظاهرة الارتباط بما قبلها لأن من أشرف على أن يقتص منه فقد حضره الموت أي أسبابه. ولا ضرورة تدعو إلى أنّ \[كُتِبَ\] أصله العطف على ما قبله، وأن الواو حذفت لطول الكلام واتصاله..
٢ - وفي بعضها يكون العامل في الرفع هو الابتداء..
٣ - أي لأنه مصدر وموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه عند جمهور النحاة، ويأتي مقابله عند أبي الحسن الأخفش وهو الإعراب الثالث..
٤ - أعرب ابن عطية رحمه الله هذه الآية الكريمة بثلاثة إعرابات كلها متجهة عنده.
 الأول: أن (كتب) عامل في (إذا) على أنها ظرف، وفي (الوصية) على أنها مفعول لم يسم فاعله.
 الثاني: أن يكون تقدير الآية كُتب عليكم الإيصاء إذا حضر أحدكم الموت فنائب الفاعل هو الإيصاء الذي دلت عليه الوصية. و(إذا) معمولة لهذا الإيصاء المقدر، و(الوصية) ترتفع بالابتداء.
 الثالث: أن تكون (الوصية) مرتفعة بكتب على أنها مفعول لم يسم فاعله، و(إذا) معمولة للوصية على مذهب الأخفش، فإنه يجيز تقديم المعمول على الموصول بشرطين. والأول أوجه هذه الآراء..
٥ - في كلامه تناقض كما قاله مفسر الأندلس (ح)، لأنه قال: العامل في (إذا) (كُتِبَ)، وإذا كانت كذلك فقد تمحضت للظرفية، ثم قال: وجواب الشرطين إلخ، وإذا كانت شرطية فالعامل فيها الجواب أو الفعل بعدها، ولا يجوز أن يعمل فيها ما قبلها إلا على من يجيز تقديم جواب الشرط عليه، ولا يُتأول عليه كلام ابن عطية لأنه قال: الجواب مقدر، والمقدر غير الملفوظ به..
٦ - فيه ما سبق من البحث وليس جائزا أن يكون الشيء شرطا وغير شرط في وقت واحد. ثم إن كل شرط يقتضي جوابا على حدته، والشيء الواحد لا يكون جوابا لشرطين..
٧ - في بعض النسخ: الصالحات. وفي بعضها: الحسنات. والذي في كتاب سيبويه:
 مَنْ يفعل الحسنات الله يشكرها والشرّ بالشّر عند الله مثلان وهو المعروف والمحفوظ، وزعم الأصمعي أن الرواية:
 من يفْعَلِ الخَيْــرَ فالرَّحـمن يشكُره ................................
 والشاهد في حذف الفاء من الجملة الاسمية للضرورة. والبيت قيل: لعبد الرحمن بن حسان ابن ثابت، وقيل لكعب بن مالك وقبله:
 فإنّمــا هذهِ الدّنيَــا وزَهْرتهــا كالزَّادِ لا بدَّ يوماً أنَّه فـــاني .
٨ - أي بالصفات كما في قول الشاعر:
 أبَعْلِـي هذا بالرَّحــا المتقاعسُ ؟.
٩ - هو نعيم بن الحارث بن يزيد السعدي، قال هذا لما مرت به امرأة كان قد تزوجها ولم يدخل بها، مرت به وهو يطحن فقالت محتقرة له: أَبَعْلِــي هذا... الخ،
 والمتقاعس الذي يخرج صدره ويدخل ظهره، وذلك شكل من يطحن بالرحا..
١٠ - القدر الذي تجب فيه الوصية يختلف باختلاف الأعراف، واختلاف الأعراف باختلاف الأعصار، فقد يكون المبلغ كثيرا في عصر وقليلا في عصر آخر، وهذا سبب اختلاف العلماء في الحد الذي تجب فيه الوصية..
١١ - اختلف – الآية محكمة أم منسوخة ؟ فذهب بعض العلماء إلى أنها محكمة، وهي وإن كان ظاهرها العموم فهي خاصة بمن لا يرث. وذهب كثير من الناس إلى أنها منسوخة بآية المواريث مع قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث). وذهب فريق من الناس إلى أنه نسخ الوجوب وبقي الندب، ومن هذا الفريق الإمام مالك، والإمام الشافعي رحمهما الله تعالى، وهذه هي الأقوال التي عرضها ابن عطية رحمه الله. فمن ورّثته آيات الميراث فلا وصية له، ومن لم تورثه بقي نص الوصية شاملا له، على الوجوب أو الندب قولان – والظاهر الثاني..
١٢ - أي فيمن يرث وفيمن لا يرث..
١٣ - رواه أصحاب السنن، وغيرهم – وقد صححه بعض أهل الحديث، وروي من غير وجه، وقد نص الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة على أن هذا المتن متواتر، وأنه نقل كافة عن كافة، وذلك أقوى من نقل واحد، ومضى عليه إجماع المسلمين..
١٤ - بالتصغير كما قاله الإمام النووي رحمه الله، وضبطه صاحب الخلاصة بفتح المعجمة والمثلثة بينهما ياء ساكنة وهو أبو زيد الثوري الكوفي، قال له ابن مسعود رضي الله عنه: لو رآك النبي صلى الله عليه وسلم لأحبك، توفي سنة ٦٤هـ..
١٥ - هو ابن ثابت بن أبي زيد الأنصاري البصري، وهو بسكون الزاي كما في الخلاصة..
١٦ - من الآية (٧٥) من سورة (الأنفال)..
١٧ - روى شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله، عن نافع: أن ابن عمر لم يوص، وقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أصنع فيه في الحياة، وأما رباعي فما أحب أن يشرك ولدي فيها أحد..
١٨ - وهو أن الكل حكم الله تعالى ووحيه وإن اختلفت الأسماء..
١٩ - هو رفيع بن مهران الرياحي البصري، مخضرم، صلى خلف عمر، ودخل على أبي بكر رضي الله عنهما، ومات سنة ٩٠ هـ. وإنما أوصى لبني هاشم لصحبته ابن عباس وتعليمه إياه. وإلحاقه بدرجة العلماء في الدنيا والآخرة، فنظر إلى هذه الناحية المعنوية، وهي أولى من الناحية المادية إذ معتقته غايتها أنها ألحقته بأحرار الدنيا فكفاها ثواب عتقها، والله أعلم..
٢٠ - أي تقليل للوصية، كمن أوصى بدرهم وهو غني ثري فهذا ليس من الوصية بالمعروف..
٢١ - أي لمضمون الجملة، فمعناه: حتى ذلك حقا، ويجوز أن يكون مصدرا من معنى كتب، كقعدت جلوسا..

### الآية 2:181

> ﻿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:181]

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ١٨١ )
الضمير في  بدله  عائد على الإيصاء وأمر الميت وكذلك في  سمعه ، ويحتمل أن يعود الذي في  سمعه  على أمر الله تعالى في هذه الآية، والقول الأول أسبق للناظر، لكن في ضمنه أن يكون المبدل عالماً بالنهي عامداً لخلافه، والضمير في  إثمه  عائد على التبديل، و  سميع عليم  صفتان لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم **«من موَصّ »** بفتح الواو وتشديد الصاد، وقرأ الباقون بسكون الواو.

### الآية 2:182

> ﻿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:182]

فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ١٨٢ )
والجنف الميل، وقال الأعشى :\[ الطويل \]
تجانِفُ عَنْ حِجْرِ الْيَمَامَةِ نَاقَتي. . . وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِسِوَائِكَا( [(١)](#foonote-١) )
وقال عامر الرامي الحضرمي المحاربي :\[ الوافر \]
هُمُ الْمَوْلَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنَا. . . وإِنَّا مِنْ عَدَواتِهِمْ لَزُورُ( [(٢)](#foonote-٢) )
ومعنى الآية على ما قال مجاهد : من خشي أن يحيف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الإذاية( [(٣)](#foonote-٣) ) أو يأتيها دون تعمد، وذلك هو الجنف دون إثم، وإذا تعمد فهو الجنف في إثم، فالمعنى : من وعظه في ذلك ورده عنه فصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وما بين الورثة في ذاتهم  فلا إثم، عليه، إن الله غفور  عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الإذاية  رحيم  به. 
وقال ابن عباس رضي الله عنه وقتادة والربيع : معنى الآية، من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي( [(٤)](#foonote-٤) ) أن الموصي خلف وجنف وتعمد إذاية بعض ورثته، فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق فلا إثم عليه، أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد، لكنه تبديل لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. وقرأ عبد الله بن عمر رضي الله عنه :**«فلإثم عليه »** بحذف الألف.

١ - في اللسان وغيره: (جو اليمامة)، وبلاد الجو تنسب إليها فيقال: (جو اليمامة) وفي رواية: (جل اليمامة)، أي عن جل أهل اليمامة. والبيت للأعشى يمدح هودة بن علي الحنفي في قصيدة طويلة – والجنف والتجانف: الجَوْرُ والمَيل. وقد قالوا: حَجْرُ اليمامة: قَصَبَتُهَا أو سوقها..
٢ - هو عامر الخصفي المحاربي. قاله أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون في التعليق على المفضليات بعد ذكر قصيدته الميمية التي أولها:
 مَنْ مُبْلِـغ سَعْدَ بْنَ نُعْمَـانَ مَـالِكـا وسَعْدَ بْنَ ذبْيَانَ الـذي قَدْ تَخَتَّمَــا
 ولم نجد له ترجمة ولا ذكراً في غير هذا الموضع، وهو من بني محارب بن خصفة العدناني. وفي "المؤتلف" للآمدي ١٥٤: عامر بن الظرب المحاربي إسلامي وهو غير هذا يقيناً، وغير عامر بن الظرب العدواني حكيم العرب. انتهى. وقال أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" عامر الرامي، ويقال الرَّام أخو الخضر، والخضر قبيلة في قيس عيلان (وهم بنو مالك بن طريف ابن خلف بن محارب بن نصفة بن قيس عيلان)، يقال لهم الخضر، روى محمد بن اسحق، عن منظور، عن عامر الرَّام أخي الخضر قال: أنا بأرض محارب إذ أقْبَلَتْ رايات، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، انتهى. وقال أبو عبيدة: المولى – في البيت- بمعنى الموالي، أي أبناء العم، فهو من وضع الواحد موضع الجمع، وفي خلاصة الخزرجي: عامر الرَّام صحابيّ: له حديث رواه أبو منظور عن عمه عنه..
٣ - لفظ (الإذاية) لفظ غير صحيح في القياس العربي، والذي في اللسان: الأذى: كل ما تأذيت به – آذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذيّة، وكذلك استعملت لفظة (إيذاء) – ويلاحظ أن لفظة (الإذاية) موجودة في كل النسخ الخطية، وفي البحر المحيط، ويظهر أنها كانت شائعة على الألسنة في المغرب العربي..
٤ - إنما أطلق الخوف على العلم لأن الإنسان لا يخاف شيئا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من إطلاق المسبب على السبب مجازاً..

### الآية 2:183

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:183]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ١٨٣ )
و  كتب  : معناه فرض. والصيام في اللغة الإمساك وترك التنقل من حالٍ إلى حال، ومنه قول النابغة :\[ البسيط \]
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ. . . تَحْتَ العَجَاجٍ وَخَيْلٌ تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي خيل ثابتة ممسكة( [(١)](#foonote-١) )، ومنه قول الله تعالى : إني نذرت للرحمن صوماً ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ مريم : ٢٦ \] أي إمساكاً عن الكلام، ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
كأَنَّ الثُّريَّا عُلِّقَتْ في مَصَامها( [(٣)](#foonote-٣) ). . . أي في موضع ثبوتها وامتساكها، ومنه قوله( [(٤)](#foonote-٤) ) :\[ الطويل \]
فَدَعْ ذَا وَسَلِّ الْهَمِّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ. . . ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا
أي وقفت الشمس عن الانتقال وثبتت، والصيام في الشرع إمساك عن الطعام( [(٥)](#foonote-٥) ) والشراب مقترنة به قرائن من مراعاة أوقات وغير ذلك، فهو من مجمل القرآن في قول الحذاق، والكاف من قوله  كما  في موضع نصب على النعت، تقديره كتباً كما، أو صوماً كما( [(٦)](#foonote-٦) )، أو على الحال كأن الكلام : كتب علكيم الصيام مشبهاً ما كتب على الذين من قبلكم. 
وقال بعض النحاة : الكاف في موضع رفع على النعت للصيام، إذ ليس تعريفه بمحض لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة، فلذلك جاز نعته ب  كما  إذ لا تنعت بها إلا النكرات، فهو بمنزلة كتب عليكم صيام، وقد ضعف هذا القول( [(٧)](#foonote-٧) ). 
واختلف المتأولون في موضع التشبيه( [(٨)](#foonote-٨) )، فقال الشعبي وغيره : المعنى كتب عليكم رمضان كما كتب على النصارى، قال :**«فإنه كتب عليهم رمضان فبدلوه لأنهم احتاطوا له بزيادة يوم في أوله ويوم في آخره، قرناً بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي »**. 
قال النقاش :**«وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي »**( [(٩)](#foonote-٩) )، وقيل : بل مرض ملك من ملوكهم فنذر إن برىء أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم آخر سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزايادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
وقال السدي والربيع : التشبيه هو أن من الإفطار إلى مثله لا يأكل ولا يشرب ولا يطأ، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام، وكذلك كان في النصارى أولاً، وكان في أول الإسلام، ثم نسخه الله بسبب عمر وقيس بن صرمة بما يأتي من الآيات في ذلك( [(١١)](#foonote-١١) ). 
وقال عطاء :**«التشبيه كتب عليكم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر - قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وفي بعض الطرق : ويوم عاشوراء - كما كتب على الذين من قبلكم ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان »**. 
وقالت فرقة : التشبيه كتب عليكم كصيام بالإطلاق، أي قد تقدم في شرع غيركم، ف  الذين  عام في النصارى وغيرهم، و  لعلكم  ترجّ في حقهم، و  تتقون  قال السدي : معناه تتقون الأكل والشرب والوطء بعد النوم على قول من تأول ذلك( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقيل : تتقون على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام :**«جنة »** ووجاء( [(١٣)](#foonote-١٣) ) وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات.

١ - أي: عن الجري والحركة..
٢ - من الآية (٢٦) من سورة مريم..
٣ - تمامه:
 ............................... بِأمْرَاسِ كَتَّـانٍ عَلَى صُمِّ جَنْــدَلِ
 مصامها: موضعها ومكانها – وفي رواية (مصابها) والمعنى واحد، وأمراس كتان هي: حبال محكمة الفتل مصنوعة من الكتان وهو النبات المعروف. وصم جندل: أي حجارة صمّاء..
٤ - أي امرئ القيس، والبيت من معلقته المشهورة التي قالها عند ذهابه إلى قيصر ملك الروم يستجير به، وأولها:
 سَمَا لَكَ شَوْقٌ بعْدَ ما كانَ أَقْصَــرَا وحَلَّت سُلَيْمَـى بَطْنَ ظَبْيٍ فَعَرْعَراً
 وقد روي البيت: "فدعها وسلّ الهمَّ إلخ" – والجسرة: الناقة العظيمة، والذمول: التي تسير سيرا لينا..
٥ - أي: وعن غير ذلك من كل ما يخل بالصيام من أنواع الشهوات والمحرمات..
٦ - في هذا بُعْد، من حيث تشبيه الصوم بالكتابة، لأن تشبيه الصوم بالكتابة لا يصح إن كانت مصدرية، وإن كانت موصولة ففيه تشبيه الصوم بالمصوم، وهو لا يصح إلا على تأويل بعيد – البحر المحيط ٢-٢٩..
٧ - نحو هذا ما قيل في قوله تعالى: \[وآية لهم الليل نسلخ منه النهار\] وهو خلاف ما تقرر في النحو من وجوب التوافق بين النعت والمنعوت، ولذا حكم ابن عطية رحمه الله بضعف هذا القول..
٨ - يعني في عدده ووقته، أو في فرضه ووجوبه، أو في صفته وكيفيته. أو في مطلق الصوم وعمومه..
٩ - رواه البخاري في التاريخ والطبراني..
١٠ - يعني أنهم اعتبروا الزيادة فيه شافعة لهم في نقله عن وقته بسبب الحرارة..
١١ - عند قوله تعالى: \[أحل لكم ليلة الصيام الرّفث إلى نسائكم\] الآية، وقيس هذا موضع خلاف في اسمه: قيل: اسمه قيس بن صرمة – وقيل: أبو قيس بن صرمة – وقيل: صرمة بن قيس. راجع (الإصابة وأسد الغابة)..
١٢ - كانوا في أول الإسلام إذا حان الإفطار يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنع عليهم الأكل والشرب، ثم إن رجلا من الأنصار كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهدا شديدا: فقال: (مالي آراك قد جهدت جهدا شديدا) قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائما – وكان عمر رضي الله عنه قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله قوله: \[أُحلّ لكم ليلة الصيام الرّفث إلى نسائكم\] الآية..
١٣ - كلاهما في الصحيح في حديث أبي هريرة: (الصيام جنة)، وفي حديث ابن مسعود: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)..

### الآية 2:184

> ﻿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:184]

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( ١٨٤ )
و  أياماً  مفعول ثان ب  كتبَ ، قاله الفراء، وقيل : هي نصب على الظرف، وقيل : نصبها ب  الصيام ، وهذا لا يحسن إلا على أن يعمل الصيام في الكاف من  كما  على قول من قدر : صوما كما، وإذا لم يعمل في الكاف قبح الفصل بين المصدر وبين ما عمل فيه بما عمل فيه غيره، وذلك إذا كان العامل في الكاف  كتب ، وجوز بعضهم أن يكون  أياماً  ظرفاً يعمل فيه  الصيام ، و  معدودات ( [(١)](#foonote-١) )، قيل : رمضان : وقيل : الثلاثة الأيام( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقوله تعالى  فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ، التقدير : فأفطر  فعدة من أيام أخر ، وهذا يسمونه فحوى الخطاب( [(٣)](#foonote-٣) ). 
واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر : فقال قوم : متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المريض صح الفطر قياساً على المسافر أنه يفطر لعلة السفر وإن لم تدعه إلى الفطر ضرورة، قاله ابن سيرين. 
وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤذيه ويؤلمه أو يخاف تماديه أو يخاف من الصوم تزيده صح( [(٤)](#foonote-٤) ) له الفطر، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك رحمه الله، وبه يناظرون، وأما لفظ مالك فهو : المرض الذي يشق على المرء ويتبلغ( [(٥)](#foonote-٥) ) به. 
وقال الحسن :**«إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائماً أفطر »**. 
وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر، وهذا قول الشافعي رحمه الله. 
واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال قوم والشافعي ومالك في بعض ما روي عنه : الصوم أفضل لمن قوي، وجل مذهب مالك التخيير. 
وقال ابن عباس وابن عمر وغيرهما : الفطر أفضل. 
وقال مجاهد وعمر بن العزيز وغيرهما : أيسرهما أفضلهما، وكره ابن حنبل وغيره الصوم في السفر. 
وقال ابن عمر : من صام في السفر قضى في الحضر، وهو مذهب عمر رضي الله عنه( [(٦)](#foonote-٦) )، ومذهب مالك في استحبابه الصوم لمن قدر عليه. وتقصير الصلاة حسن، لأن الذمة تبرأ في رخصة الصلاة وهي مشغولة في أمر الصيام، والصواب المبادرة بالأعمال( [(٧)](#foonote-٧) ). وقال ابن عباس رضي الله عنه :**«الفطر في السفر عزمة »**، وذهب أنس بن مالك إلى الصوم، وقال : إنما نزلت الرخصة ونحن جياع نروح إلى جوع، ونغدو إلى جوع، والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز والقول بالجواز أرجح وأما سفر المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح، ومسافة سفر الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة، واختلف في قدر ذلك، فقال مالك : يوم وليلة( [(٨)](#foonote-٨) ) ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلاً، وروي عنه : يومان، وروي عنه في العتبية : خمسة وأربعون ميلاً، وفي المبسوط : أربعون ميلاً، وفي المذهب : ستة وثلاثون ميلاً، وفيه : ثلاثون. 
وقال ابن عمر وابن عباس والثوري : الفطر في سفر ثلاثة أيام، وفي غير المذهب : يقصر في ثلاثة أميال فصاعداً. 
وقوله تعالى : فعدة  مرفوع على خبر الابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة، ويصح أن يرتفع على ابتداء والخبر بعده والتقدير فعدة أمثل له، ويصح فعليه عدة، واختلف في وجوب تتابعها على قولين( [(٩)](#foonote-٩) )، و  أخر  لا ينصرف عند سيبويه لأنه معدول عن الألف واللام لأن هذا البناء إنما يأتي بالألف واللام كما تقول الفضل والكبر فاجتمع فيه العدل والصفة، وجاء في الآية  أخر  ولم يجىء أخرى لئلا تشكل بأنها صفة للعدة، والباب أن جمع ما لا يعقل يجري في مثل هذا مجرى الواحدة المؤنثة( [(١٠)](#foonote-١٠) ) ومنه قوله تعالى : يا جبال أوبي معه ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ سبأ : ١٠ \]، إلى غير ذلك. 
وقرأ جمهور الناس **«يطيقونه »** بكسر الطاء وسكون الياء والأصل ******«يطوقونه »****** نقلت حركة الواو إلى الطاء وقلبت ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ حميد ******«يطوقونه »****** وذلك على الأصل، والقياس الإعلال. 
وقرأ ابن عباس ******«يطوقونه »****** بمعنى يكلفونه. 
وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار **«يَطَّوقونه »** بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة. 
وقرأت فرقة **«يُطَيَّقونه »** بضم الياء وشد الطاء وشد الياء المفتوحة بمعنى يتكلفونه، وحكاها النقاش( [(١٢)](#foonote-١٢) ) عن عكرمة، وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
وقرأ نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان **«فديةُ طعام مساكين »** بإضافة الفدية. 
وقرأ هاشم عن ابن عامر **«فديةٌ طعام مساكين »** بتنوين الفدية. 
وقرأ الباقون **«فديةٌ »** بالتنوين **«طعام مسكين »** بالإفراد، وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في اليوم، وجمع( [(١٤)](#foonote-١٤) ) المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية. 
قال أبو علي :«فإن قلت كيف أفردوا المساكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين، فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون ؟، فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل مسكيناً( [(١٥)](#foonote-١٥) )، ونظير هذا قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) \[ النور : ٤ \] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون. 
واختلف المتأولون في المراد بالآية( [(١٧)](#foonote-١٧) ) فقال معاذ بن جبل وعلقمة والنخعي والحسن البصري وابن عمر والشعبي وسلمة بن الأكوع وابن شهاب : كان فرض الصيام هكذا على الناس من أراد صام ومن أراد أطعم مسكيناً وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه  \[ البقرة : ١٨٥ \]. 
وقالت فرقة : و  على الذين يطيقونه ( [(١٨)](#foonote-١٨) ) أي على الشيوخ والعجّز، الذين يطيقون، لكن بتكلف شديد فأباح الله لهم الفدية والفطر، وهي محكمة عند قائلي هذا القول. وعلى هذا التأويل تجيء قراءة  يطوقونه  و " يطوقونه ". 
وقال ابن عباس : نزلت هذه الرخصة للشيوخ والعجّز خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ثم نسخت بقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه  \[ البقرة : ١٨٥ \]، فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم. 
وقال السدي : وعلى الذين يطيقونه  أي على الذين كانوا يطيقونه وهم بحالة الشباب ثم استحالوا بالشَّيَخ فلا يستطيعون الصوم. وهي عنده محكمة، ويلزم الشيوخ عنده الفدية إذا أفطروا، ونحوه عن ابن عباس. 
وقال مالك :**«لا أرى الفدية على الشيخ الضعيف واجبة، وتستحب لمن قدر عليها »**، والآية عنده إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من المتقدم فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتكره فعليه الفدية( [(١٩)](#foonote-١٩) ). 
وقال الشافعي وأبو حنيفة : على الشيخ العاجز الإطعام. 
وحكى الطبري عن عكرمة أنه كان يقرؤها **«وعلى الذين يَطَّيَّقونه »** فأفطر، ومذهب مالك رحمه الله وجماعة من العلماء أن قدر الدية مد لكل مسكين. 
وقال قوم : قوت يوم : وقال قوم : عشاء وسحور. 
وقال سفيان الثوري : نصف صاع من قمح أو صاع من تمر أو زبيب، والضمير في  يطيقونه ( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) عائد على  الصيام ، وقيل على الطعام وهو قول ضعيف. 
واختلف في الحامل فقال ابن عمر وابن عباس : تفدي وتفطر ولا قضاء عليها. 
وقال الحسن وعطاء والضحاك والزهري وربيعة ومالك : تقضي الحامل إذا أفطرت ولا فدية عليها. 
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل ومجاهد : تقضي وتفدي إذا أفطرت، وكذلك قال مالك في المرضع إنها إذا أفطرت تقضي وتفدي، هذا هو المشهور عنه، وقال في مختصر ابن عبد الحكم : لا إطعام على المرضع. 
وقوله تعالى : فمن تطوع خيراً فهو خير له  الآية، قال ابن عباس وطاوس عطاء والسدي : المراد من أطعم مسكينين فصاعداً( [(٢١)](#foonote-٢١) ). 
وقال ابن شهاب :**«من زاد الإطعام على الصوم »** وقال مجاهد :**«من زاد في الإطعام على المد »**، و  خير  الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث، و  خير  الأول قد نزل منزلة مالاً أو نفعاً، وقرأ أبيّ بن كعب **«والصوم خير لكم »** بدل  وأن تصوموا . 
وقوله تعالى : إن كنتم تعلمون  يقتضي الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك وصوموا. 
١ - في قوله تعالى: \[كما كتب على الذين من قبلكم\] وفي قوله: \[أياما معدودات\] تسهيل على المكلفين بالصيام وتطييب نفوسهم فإن العمل الشاق إذا عم وشمل المتقدمين والمتأخرين وكانت أيامه معدودة سهل قبوله وتلقّيه، ومن ثم وقع النهي عن سرد الصيام ووصله..
٢ - أي من كل شهر، وسبق أن ذلك نسخ بشهر رمضان..
٣ - وهو ما يفهم من الكلام قطعا، ومثل هذه الآية قوله تعالى: \[فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية\] الخ – أي: فَحَلَقَ لإزالة الأذى ففدية، وهذا هو ما يسمى بفحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين..
٤ - أي: جاز له الفطر..
٥ - أي يشتد عليه وفي بعض النسخ (ويبلغ به) والمراد يجهد به وقد لخص شيخ المالكية المذهب في مختصره بقوله: وبمرض، أي وجاز فطر بمرض خاف زيادته أو تماديه، ووجب إن خاف هلاكا أو شديد أذى. فإذا خاف الزيادة من المرض أو تماديه جاز له الفطر، وإذا خاف الهلاك والأذى وجب عليه الفطر..
٦ - على مذهب عمر وابنه جاء قول القائل:
 إن الصيام لا يجوز في السفر ومَنْ يصم فيه قضى مَهْمَـا حَضَـر
 حُجَّتُنَـا حديث أفضل البَشَـر (ليْسَ من البِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَــرْ).
٧ - يعني أن مذهب مالك في تفضيل الصوم على الفطر وتفضيل القصر على الإتمام حسن، لأن الذمة تبرأ بقصر الصلاة وتبقى مشغولة بالفطر، والمطلوب هو المسابقة إلى الخير وأعمال البر، وهذا ثناء من ابن عطية رحمه الله على نظرية المذهب المالكي..
٨ - المراد أنها أربع وعشرون ساعة، والمشهور عند المالكية أنها أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا وتقدر بـ ٨٥ كيلومترا تقريبا..
٩ - ليس في الآية ما يدل على وجوب التتابع في القضاء..
١٠ - وإنما لم يجر هنا كذلك خوفا من الإلباس وإيهام أنها صفة للعدة لا للأيام، والقاعدة أن جمع مالا يعقل يجوز وصفه بوصف الواحدة المؤنثة، ووصفه بجمعها، فمن الأول: إلا أياما معدودة، ومن الثاني: إلا أياما معدودات..
١١ - من الآية (١٠) من سورة (سبأ)..
١٢ - وفي بعض النسخ: وحكاها النقاش، وأبو عمرو الداني عن عكرمة..
١٣ - ذكر أربع قراءات: اثنتان بالواو المشددة، واثنتان بالياء المشددة، وقراءة الجمهور، وقراءة حميد، فالمجموع ست قراءات، وحكم ابن عطية على قراءة الياء المشددة بالضعف، قال (ح): وإنما ضعفوا ذلك لأنهم فهموا أن الفعل على وزن تفعل فأشكل ذلك عليهم، وليس كما فهموا، وإنما هو على وزن (تفعيل) من الطوق فأصله تطيْوِقون اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فقيل: (تطيقون) فهذا توجيه هذه القراءة وهو توجيه واضح. البحر المحيط ٢-٣٥..
١٤ - يعني أنه لا يعرف على قراءة الجمع مقدار المساكين في اليوم من نفس الآية، وإنما يعرف ذلك من السنة..
١٥ - حاصلة أن قراءة (مساكين) فيها مقابلة الجمع بالجمع، وقراءة (مِسْكِين) روعي فيها إفراد العموم..
١٦ - من الآية (٤) من سورة (النور)..
١٧ - كان الحكم عندما فرض الصيام في أول الإسلام أن من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يطعم أطعم، ثم وقع النسخ بقوله تعالى: \[فمن شهد منكم الشهر فليصمه\] وهذا هو القول الأول من الأقوال المعروضة في معنى الآية، وقيل: إنها محكمة وهي في الشيوخ والعجز الذين يطيقون الصوم بتكلف، وقيل: إنها في الشيوخ والعجز الذين يطيقون وأفطروا ثم نسخت، وقيل: إنها في الذين لا يستطيعون الصيام من الشيوخ والعجائز فهي إذا محكمة إلا أن الفدية تجب عليهم، وقيل: لا تجب بل تستحب، وقيل: إنها فيمن يدركه رمضان وعليه رمضان سابق فقد كان يطيق الصوم في تلك المدة وتركه فعليه الفدية لتفريطه. فهذه جملة الأقوال، وملخصها يرجع إلى قولنا أهي منسوخة كما قال الجمهور أم محكمة في الشيوخ والعجائز، ويلتحق بذلك الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما ؟ وهذا أحسن من تقدير (لا). قبل (يطيقونه) لأن حذف (لا)، خاص بمواقع القسم، ولموافقة الإثبات لسنة التشريع في الأمور الشاقة على النفوس مثل: الخمر، والربا، والقتال، فكان التخيير بين الصوم والإطعام ثم أفضلية الصوم مع التخيير، ثم تحتيم الصوم بقوله تعالى: \[فمن شهد منكم الشهر فليصمه\]..
١٨ - الإطاقة: هي القدرة على الفعل بمشقة فادحة، فقوله تعالى: \[وعلى الذين يطيقونه\] ليس ظاهره مرادا، فقد صرحت الآثار عن الصحابة والتابعين أن موضوع الآية على أنها محكمة فيمن لا يستطيعون الصوم أصلا، لا في الحاضر ولا في المستقبل، وهم الذين عليهم فدية إطعام مسكين عن كل يوم إذا قدروا على الفدية – وأما المرضى الذين يقدرون على قضائه مستقبلا فلا فدية عليهم – والمراد بالمشقة المشقة الجسيمة لا الفكرية والعقلية إذ لم يؤثر عن أحد ممن سلف ما سمي بالمشقة الفكرية، فمن قال: إن من قام بعمل فكري شاق كامتحان له أن يفطر ليس بمصيب، بل الحقيقة هي أن الصوم لا يعوق التفكير ولا يبطئ الفهم، بل يصفي القلب ويدفع بصاحبه إلى التفكير المستقيم، فإن استقامة الفكر في استقامة القلب، وسلامة التفكير في طهارة القلب وسمو الروح – ومن ثَمَّ كان السلف الصالح يلجؤون إلى الصوم لتصفية مرآتهم، واستنارة قلوبهم، وارتقاء مداركهم، فالصوم إنما يضعف صاحبه عن علاقات الجسم، وأما الروح فإنه يقوي مداركها، ويصقل مرآتها – ففي الإنسان عنصران: جسمي وروحي، فالصوم يغلب الروح على الجسم، وإذا غلبت كان إدراكها خيرا من إدراك الممتلئ طعاما وشرابا، والله أعلم..
١٩ - هذا هو رأي الإمام مالك رحمه الله في الآية، وما أشار إليه ابن عطية رحمه الله من قول الإمام مالك هو قول شيخ المالكية في مختصره: "ووجب إطعام مُدِّه عليه الصلاة والسلام لمفرط في قضاء رمضان لمثله عن كل يوم مسكين" ا هـ..
٢٠ - لتأخر معاد الضمير، وليس المحل لذلك..
٢١ - أي: بالتطوع، ويعني أنه زاد على ما وجب في المساكين، أو في الطعام تطوعا، بأن أطعم عن كل يوم أكثر من واحد، أو أعطى أكثر من مد لكل مسكين، أو جمع بين الصوم والإطعام، أو جمع بين الخبز واللحم والإدام..

### الآية 2:185

> ﻿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:185]

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ( ١٨٥ )
الشهر مشتق من الاشتهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده، ورمضان علقه الاسم من مدة كان فيها في الرمض وشدة الحر( [(١)](#foonote-١) )، وكان اسمه قبل ذلك ناتقاً( [(٢)](#foonote-٢) )، كما سمي ربيع من مدة الربيع، وجمادى من مدة الجمود، وكره مجاهد أن يقال رمضان دون أن يقال  شهر رمضان  كما قال الله تعالى، وقال : لعل رمضان اسم من أسماء الله عز وجل. 
وقرأ الجمهور :**«شهرُ »** بالرفع، ووجهه خبر ابتداء، أي ذلكم شهر، وقيل : بدل من الصيام، \[ البقرة : ١٨٣ \] وقيل : على الابتداء وخبره  الذي أنزل فيه القرآن ، وقيل : ابتداء وخبره  فمن شهد ( [(٣)](#foonote-٣) )، و  الذي أنزل  نعت له، فمن قال إن  الصيام  في قوله  كتب عليكم الصيام  \[ البقرة : ١٨٣ \] هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هاهنا بالابتداء، ومن قال : إن  الصيام  هنالك هو رمضان وهو الأيام المعدودة قال هنا بخبر الابتداء أو بالبدل من الصيام، وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب **«شهرَ »** بالنصب، ورواها أبو عمارة عن حفص عن عاصم ورواها هارون عن أبي عمرو، وهي على الإغراء، وقيل : نصب ب  تصوموا ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ البقرة : ١٨٤ \] وقيل : نصب على الظرف، وقرأت فرقة بإدغام الراء في الراء وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه( [(٥)](#foonote-٥) ). 
واختلف في إنزال القرآن فيه : فقال الضحاك : أنزل في فرضه وتعظيمه و الحض عليه، وقيل : بدىء بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس فيما يؤثر( [(٦)](#foonote-٦) ) : أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة ليلة أربع وعشرين من رمضان، ثم كان جبريل ينزله رسلاً( [(٧)](#foonote-٧) ) في الأوامر والنواهي والأسباب، وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين »**( [(٨)](#foonote-٨) )
وترك ابن كثير همزة  القرآن  مع التعريف والتنكير حيث وقع، وقد قيل : إن اشتقاقه على هذه القرآءة من قرن وذلك ضعيف، و  هدى  في موضع نصب على الحال من  القرآن ، فالمراد أن القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ هدى، ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ، والمحكم كله، فالألف واللام في  الهدى  للعهد والمراد الأول( [(٩)](#foonote-٩) )، و  الفرقان  المفرق بين الحق والباطل، و  شهد  بمعنى حضر( [(١٠)](#foonote-١٠) )، و  الشهر  نصب على الظرف، والتقدير : من حضر المصر في الشهر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي والزهري وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو حيوة **«فَلِيَصُمْه »** بتحريك اللام، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن على أصلها الذي هو الكسر، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعبيدة السلماني : من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيماً في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر( [(١١)](#foonote-١١) )، وقال جمهور الأمة : من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيماً، وقال أبو حنيفة وأصحابه : من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم يشهد بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه، ونصب  الشهر  على هذا التأويل هوعلى المفعول( [(١٢)](#foonote-١٢) ) الصريح ب  شهد ، وقوله تعالى : أو على سفر  بمنزلة أو مسافراً فلذلك عطف على اسم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويحيى بن وثاب وابن هرمز وعيسى بن عمر **«اليُسُر »** و **«العسُر »**( [(١٣)](#foonote-١٣) ) بضم السين، والجمهور : بسكونه، وقال مجاهد والضحاك بن مزاحم : اليسر الفطر في السفر و  العسر  الصوم في السفر، والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم **«دين الله يسر »**( [(١٥)](#foonote-١٥) ). 
وقوله تعالى : ولتكملوا العدة  معناه وليكمل من أفطر في سفره أو في مرضه عدة الأيام التي أفطر فيها، وقرأ أبو بكر عن عصام وأبو عمرو في بعض ما روي عنه **«ولتكمّلوا »** بتشديد الميم، وقد روي عنهما التخفيف كالجماعة( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وهذه اللام متعلقة إما ب  يريد  فهي اللام الداخلة على المفعول، كالذي في قولك ضربت لزيد، المعنى ويريد إكمال العدة وهي مع الفعل مقدرة بأن، كأن الكلام : ويريد لأن تكملوا( [(١٧)](#foonote-١٧) )، هذا قول البصريين، ونحوه قول قيس كثير بن صخر :\[ الطويل \] :
أُرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا. . . ( [(١٨)](#foonote-١٨) ) وإما بفعل مضمر بعد، تقديره ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة، وهذا قول بعض الكوفيين، ويحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام( [(١٩)](#foonote-١٩) ). 
وقوله : ولتكبروا الله  حض على التكبير في آخر رمضان، واختلف الناس في حده، فقال ابن عباس :**«يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره »**، وقال قوم : يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة، وقال سفيان :**«هو التكبير يوم الفطر »**، وقال مالك :**«هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام »**( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء :**«الله أكبر، الله أكبر الله أكبر »**، ثلاثاً، ومن العلماء من يكبر ثم يهلل ويسبح أثناء التكبير، ومنه من يقول :**«الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً »**. وقد قيل غير هذا، والجميع حسن واسع مع البدأة بالتكبير. 
و  هداكم ، قيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم، وتعميم الهدى جيد، و  لعلكم تشكرون  ترجِّ في حق البشر، أي على نعمة الله في الهدى. 
١ - يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام الحر فقيل له: رمضان..
٢ - يقال صام ناتقا أي شهر رمضان، وإنما سمي ناتقا لأنه كان ينتقهم أي ينطقهم لشدته عليهم وفي بعض النسخ ناثراً..
٣ - الفاء زائدة على قول الأخفش، وعلى قول غيره ليست زائدة لوصف الشهر بالذي، فدخلت الفاء فيه كما تدخل في نفس خبر الذي – ومثل هذا قول الله تعالى: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) والضمير الذي يربط بين المبتدأ والخبر هو وضع الظاهر موضع المضمر بقصد التفخيم، أي: فمن شهده منكم فليصمه..
٤ - أي من قوله تعالى: \[وأن تصوموا خير لكم\] إلا أن فيه الفصل بين صلة أن ومعمولها بالخبر..
٥ - أي على مذهب أكثر البصريين، وأما على مذهب غيرهم فهو جائز، فإن صح النقل عنهم وجب المصير إليه – وهذا في الحرف الصحيح كما هنا، وأما في حرف العلة كما في قولك: هذا ثوب بكر فجائز اتفاقا..
٦ - أي فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو بواسطة..
٧ - رسلا بفتح الراء والسين: القطعة، والجماعة من الناس، يقال: جاءت الخيل والإبل إرسالا، رَسَلا بعد رسل – فالجمع: أَرْسَالٌ..
٨ - يشير بهذا الحديث إلى أن سائر الكتب السماوية أنزلت في رمضان فلا مفهوم للقرآن. وواثلة بن الأسقع ليْثي من أهل الصفة شهد تبوك، وهو آخر من مات من الصحابة، وقد شهد فتح دمشق وحمص، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي هريرة، وعن أم سلمة. وتوفي سنة ٨٣هـ. وقيل ٨٥هـ..
٩ - وهو جملة القرآن من محكم ومتشابه إلى آخره..
١٠ - شهد لها معان: الحضور كما هنا، والإخبار كما في نحو: شهد عند الحاكم بكذا، أي أخبره به، والعلم كما في قوله تعالى: \[شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط\] – فشهد هنا معناها: حضر، وليس معناها شاهد ورأى، فلا دلالة في الآية على اعتبار الرؤية في الصوم، لأن الحضور في الشهر أعم من أن يكون ثابتا بالرؤية أو بالحساب. والمراد بالحضور الاحتراز عن المسافر، ودليل وجوب الصوم والرؤية قوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)..
١١ - قال (ك): وهذا القول غريب، نقله أبو محمد بن حزم في كتابه "المحلى" عن جماعة من الصحابة والتابعين، وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح..
١٢ - أي لا على الظرفية، ونحوه قولهم: شهدت الجمعة..
١٣ - \[يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر\] الإرادة جاءت في الشريعة على معنيين: الإرادة الكونية القدرية التي تتعلق بكل مراد، فما أراد الله أن يكون كان، وما لم يرد أن يكون فلا سبيل إلى كونه – والإرادة الأمرية الشرعية التي تتعلق بطلب إيقاع المأمور به وعدم إيقاع المنهي عنه. ومعنى هذه الإرادة أن يحبّ فعل ما أمر به ويرضاه، ويحب أن يفعله المأمور ويرضاه منه – فمن المعنى الأول قوله تعالى: \[فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيِّقا حرجا\] وقوله تعالى في حكاية نوح عليه السلام: \[ولا ينفعكم نُصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يُغويكم\] وقوله تعالى: \[ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد\]. ومن المعنى الثاني قوله تعالى: \[يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر\] وقوله تعالى: \[ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم\] الآية، وقوله تعالى: \[يريد الله ليبيّن لكم ويهديَكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم\] إلى قوله: \[يريد الله أن يخفّف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا\]. ولأجل عدم التنبيه للفرق بين الإرادتين وقع الغلط في المسألة. فربما نفى بعض الناس الإرادة عن الأمر والنهي مطلقا، وربما نفاها بعضهم عما لم يؤمر به مطلقا وأثبتها في الأمر مطلقا، ومن عرف الفرق بين الموضعين لم يلتبس عليه شيء من ذلك. انتهى. من (الموافقات) باختصار..
١٤ - أي الدنيوية والأخروية، ويندرج في ذلك الفطر في السفر، والصيام فيه، وكأن من فسر اليسر والعسر بذلك إنما أراد التمثيل لأن الآية جاءت في سياق ما قبلها..
١٥ - رواه الإمام أحمد، وأبو بكر بن مردويه بلفظ: **«إنّ دينَ الله في يُسْر»**..
١٦ - فَعَّل وأفْعَل كثيرا ما يستعمل أحدهما موضع الآخر، ومن ذلك قوله تعالى (فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُويدا)..
١٧ - لو قال: وهي مع الفعل مقدر (أن) بعدها. يدل على ذلك قوله: **«فكأن الكلام: ويريد لأن تكملوا العدة، فأظهر أن بعد اللام»** قاله (ح)..
١٨ - تمامه:
 .............................. تَمَثَّلُ لِـي لَيْلَى بكلِّ طــريــق
 وهو لأبي صخر كثير بن عبد الرحمن الخزاعي..
١٩ - قال (ح): لم يذكر هذا الوجه غير ابن عطية، وقد ناقشه وضعفه – وقوله: **«والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام»** يشير إلى أنه إذا كان اللام لام الأمر فالعطف من باب عطف الجمل، وأما على الإعراب الأول فهو من باب عطف المفردات..
٢٠ - هو قول شيخ المالكية في مختصره: **«وخروج بعد الشمس، وتكبير فيه حينئذ لا قبله، وصحيح خلافه وجهر به، وهل لمجيئ الإمام أو لقيام الصلاة تأويلان، ثم قال: ولفظه وهو: الله أكبر ثلاثا، وإن قال – بعد تكبيرتين – لا إله إلا الله، ثم تكبيرتين ولله الحمد فحسن»**. انتهى..

### الآية 2:186

> ﻿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [2:186]

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( ١٨٦ )
وقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني  الآية، قال الحسن بن أبي الحسن : سببها أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه( [(١)](#foonote-١) ) ؟ فنزلت، وقال عطاء : لما نزلت  وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ غافر : ٦٠ \] قال قوم في أي ساعة ندعو ؟ فنزلت  وإذا سألك عبادي عني ، وقال مجاهد : بل قالوا إلى أين ندعو فنزلت هذه الآية، وقال قتادة بل قالوا : كيف ندعو ؟ فنزلت  وإذا سألك عبادي ، روي أن المشركين قالوا لما نزل  فإني قريب  : كيف يكون قريباً وبيننا وبينه على قولك سبع سماوات في غلظ سمك كل واحدة خمسمائة عام وفيما بين كل سماء مثل ذلك ؟ فنزلت : أجيب دعوة الداعي إذا دعان  أي فإني قريب بالإجابة والقدرة، وقال قوم : المعنى أجيب إن شئت( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال قوم : إن الله تعالى يجيب كل الدعاء : فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له أجر في الآخرة، وهذا بحسب حديث الموطأ :**«ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث »**، الحديث( [(٤)](#foonote-٤) )، وهذا إذا كان الدعاء على ما يجب دون اعتداء، فإن الاعتداء في الدعاء ممنوع، قال الله تعالى : ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ الأعراف : ٥٥ \] قال المفسرون : أي في الدعاء. 
والوصف بمجاب الدعوة : وصف بحسن النظر والبعد عن الاعتداء، والتوفيق من الله تعالى إلى الدعاء في مقدور. وانظر أن أفضل البشر المصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم قد دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم، الحديث( [(٦)](#foonote-٦) )، فمنعها، إذ كان القدر قد سبق بغير ذلك. 
وقوله تعالى : فليستجيبوا  قال ابو رجاء الخراساني :**«معناه فليدعوا لي »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : المعنى فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو باب استفعل، أي طلب الشيء، إلا ما شذ، مثل، استغنى الله، وقال مجاهد وغيره : المعنى فليجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان، أي بالطاعة والعمل( [(٧)](#foonote-٧) )، ويقال : أجاب واستجاب بمعنى، ومنه قول الشاعر( [(٨)](#foonote-٨) ) :\[ الطويل \]
وداع يا من يجيب إلى النّدا. . . فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي لم يجبه، وقوله تعالى : وليؤمنوا بي ، قال أبو رجاء : في أني أجيب دعاءهم، وقال غيره : بل ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته( [(٩)](#foonote-٩) ). وقرأ الجمهور  يَرشُدون  بفتح الياء وضم الشين. وقرأ قوم بضم الياء وفتح الشين. وروي عن ابن أبي عبلة وأبي حيوة فتح الياء وكسر الشين باختلاف عنهما قرآ هذه القرءة والتي قبلها( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
١ - يحتمل أن يكون السؤال عن القرب والبعد، ويحتمل أن يكون عن إجابة الدعاء، ويحتمل أن يكون السؤال عما هو أعم وهو الظاهر..
٢ - من الآية (٦٠) من سورة (غافر)..
٣ - يعني أن إجابة الدعاء مقيدة بالمشيئة والإرادة لقوله تعالى: \[فيكشف ما تدعون إليه إن شاء\]. ولا تكون في كل دعاء، وقيل: إنها تكون في كل دعاء إلا أنها تارة تكون في الدنيا وتارة في الآخرة بادخار الأجر أو تكفير الذنب كما في حديث الموطأ – وللدعاء شروط وأحوال وأوقات ينبغي اعتبارها وتحقيقها..
٤ - نص ما في الموطأ سنداً ومتناً: (وحدثني عن مالك، عن زيد بن أسلم أنه كان يقول: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يُستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه). انتهى. قال أبو عمر بن عبد البر: مثل هذا يستحيل أن يكون رأيا واجتهاداً وإنما هو توقيف وخبر محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخرج من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعاء المسلم بين إحدى ثلاث) الخ..
٥ - من الآية (٥٥). من سورة (الأعراف)..
٦ - في الموطأ: (وحدثني عن مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار فقال: هل تدرون أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا ؟ فقلت له: نعم، وأشرت له إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه ؟ فقلت: نعم، قال: فأخبرني بهن، فقلت: دعا بألا يظهر عليهم عدوا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بألا يجعل بأسهم بينهم فمُنعها، قال: صدقت، قال ابن عمر: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة). انتهى.
 وفي صحيح البخاري أن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: \[قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم\] قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت: \[أو من تحت أرجلهم\[ قال: أعوذ بوجهك. فلما نزلت: \[أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض\[ قال: هاتان أهون أو أيسر، يعني أن عذاب الناس أهون من عذاب الله على الكفر – وروى الإمام مسلم حديث: (سألت ربي ألا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها)..
٧ - ما قاله مجاهد وغيره ظاهر ومعقول، والمعنى أن استجابة الله للعبد مرتبطة باستجابة العبد لله فيما أمره به، وفيما نهاه عنه، وهذا أحسن وأفضل وإن كان الدعاء قد يكون من غير المستجيب لحكم الله...
٨ - هو كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار، وبعده:
 فقلت: ادْعُ أخْرى وارْفع الصَّوتَ جَهرَة لعلَّ أبا المِغْوار مِنْكَ قَرِيبُ.
٩ - هذا أولى وأظهر..
١٠ - يعني أن ابن أبي عبلة، وأبا حيوة قرآ بضم الياء وفتح الشين، وبفتح الياء وكسر الشين..

### الآية 2:187

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [2:187]

أحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( ١٨٧ )
لفظة  أحل  تقتضي أنه كان محرماً قبل ذلك( [(١)](#foonote-١) )، و  ليلة  نصب على الظرف، وهي اسم جنس فلذلك أفردت، ونحوه قول عامر الرامي الحضرمي المحاربي :\[ الوافر \]
همُ المَولَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنا. . . وإنّا مِنْ عَدَواتِهِمْ لَزُورُ( [(٢)](#foonote-٢) )
و  الرفث  كناية عن الجماع، لأن الله تعالى كريم يكني( [(٣)](#foonote-٣) )، قاله ابن عباس والسدي، وقرأ ابن مسعود **«الرفوث »**، و  الرفث  في غير هذا ما فحش من القول، ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
عَنِ اللّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ( [(٤)](#foonote-٤) ). . . وقال أبو إسحاق :**«الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبل ولمس وجماع »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : أو كلام في هذه المعاني( [(٥)](#foonote-٥) )، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه »**( [(٦)](#foonote-٦) )
وسبب هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره أن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم وأصابوا النساء بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء، على الخلاف( [(٧)](#foonote-٧) )، منهم عمر بن الخطاب، جاء إلى امرأته فأرادها، فقالت له : قد نمت، فظن أنها تعتل، فوقع بها ثم تحقق أنها قد كانت نامت، وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعاً : وقال السدي : جرى له هذا في جارية له، قالوا : فذهب عمر فاعتذر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرى نحو هذا لكعب بن مالك الأنصاري، فنزل صدر الآية فيهم( [(٨)](#foonote-٨) )، فهي ناسخة للحكم المتقرر في منع الوطء بعد النوم، وحكى النحاس ومكي أن عمر نام ثم وقع بامرأته( [(٩)](#foonote-٩) )، وهذا عندي بعيد على عمر رضي الله عنه، وروي أن صرمة بن قيس، ويقال صرمة بن مالك، ويقال أبو أنس قيس بن صرمة( [(١٠)](#foonote-١٠) )، نام قبل الأكل فبقي كذلك دون أكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل، فنزل فيه من قوله تعالى : وكلوا واشربوا ، واللباس أصله في الثياب ثم شبه التباس الرجل بالمرأة وامتزاجهما وتلازمهما بذلك( [(١١)](#foonote-١١) )، كما قال النابغة الجعدي :\[ المتقارب \]
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا. . . تَدَاعتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا( [(١٢)](#foonote-١٢) )
وقال النابغة أيضاً :\[ المتقارب \]
لَبِسْت أُنَاساً فَأَفْنَيْتُهُمْ. . . وَأَفْنَيْت بَعْدَ أُنَاسِ أُنَاسَا( [(١٣)](#foonote-١٣) )
فشبه خلطته لهم باللباس، نحا هذا المنحى في تفسير اللباس الربيع وغيره، وقال مجاهد والسدي : لباس  : سكن، أي يسكن بعضهم إلى بعض، وإنما سميت هذه الأفعال اختياناً لعاقبة المعصية وجزائها، فراكبها يخون نفسه ويؤذيها، و  فتاب عليكم  معناه من المعصية التي واقعتموها، و  عفا عنكم  يحتمل أن يريد عن المعصية بعينها فيكون ذلك تأكيداً، وتأنيساً بزيادة على التوبة، ويحتمل أن يريد عفا عما كان ألزمكم من اجتناب النساء فيما يؤتنف، بمعنى تركه لكم( [(١٤)](#foonote-١٤) )، كما تقول شيء معفو عنه أي متروك. 
قال ابن عباس وغيره : باشروهن  كناية عن الجماع، مأخوذ من البشرة( [(١٥)](#foonote-١٥) )، وقد ذكرنا لفظة  الآن ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) في ماضي قصة البقرة.  وابتغوا ما كتب الله لكم . 
قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عتيبة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك : معناه ابتغوا الولد( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
وروي أيضاً عن ابن عباس وغيره أن المعنى وابتغوا ليلة القدر، وقيل : المعنى ابتغوا الرخصة والتوسعة، قاله قتادة، وهو قول حسن، وقرأ الحسن فيما روي عنه ومعاوية بن قرة **«واتبعوا »** من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ورجح  ابتغوا  من الابتغاء. 
 وكلوا واشربوا حتى يتبين  نزلت بسبب صرمة بن قيس، و  حتى  غاية للتبين، ولا يصح أن يقع التبين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر، و  الخيط  استعارة وتشبيه( [(١٨)](#foonote-١٨) ) لرقة البياض أولاً ورقة السواد الحاف به، ومن ذلك قول أبي داود( [(١٩)](#foonote-١٩) ) :
فَلَمَّا بَصُرْنَ بِهِ غدْوَةً. . . وَلاَحَ مِنَ الْفَجْرِ خَيْطٌ أَنَارا
ويروى فنارا، وقال بعض المفسرين : الخيط  اللون، وهذ لا يطرد لغة، والمراد فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل، وهو نص قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في حديثه المشهور( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، و  من  الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، و  الفجر  مأخوذ من تفجر الماء، لأنه يتفجر شيئاً بعد شيء، وروي عن سهل بن سعد( [(٢١)](#foonote-٢١) ) وغيره من الصحابة أن الآية نزلت إلا قوله  من الفجر  فصنع بعض الناس خيطين أبيض وأسود، فنزل قوله تعالى : من الفجر ( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وروي أنه كان بين طرفي المدة عام. 
قال القاضي أبو محمد : من رمضان إلى رمضان، تأخر البيان إلى وقت الحاجة( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، وعدي بن حاتم جعل خيطين على وساده وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له :**«إن وسادك لعريض »**، وروي أنه قال له :**«إنك لعريض القفا »** ولهذه الألفاظ تأويلان( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك. فقال الجمهور وبه أخذ الناس ومضت عليه الأمصار والأعصار ووردت به الأحاديث الصحاح : ذلك الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله في الأُفق يجب الإمساك، وهو مقتضى حديث ابن مسعود وسمرة بن جندب( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )، وروي عن عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان وابن عباس وطلق بن علي( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) وعطاء بن أبي رباح والأعمش وغيرهم أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال، وذكر عن حذيفة أنه قال :**«تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النهار، إلا أنّ الشمس لم تطلع »**، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى الصبح بالناس ثم قال :**«الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود »**. 
قال الطبري :**«ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس لأن آخره غروبها، فكذلك أوله طلوعها »**. 
وحكى النقاش عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، ويدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى : أقم الصلاة طرفي النهار ( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ) \[ هود : ١١٤ \]، 
قال القاضي أبو محمد : والقول في نفسه صحيح، وقد ذكرت حجته في تفسير قوله تعالى : واختلاف الليل والنهار ( [(٢٨)](#foonote-٢٨) ) \[ البقرة : ١٦٤، آل عمران : ١٩٠، الجاثية : ٥ \]، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر( [(٢٩)](#foonote-٢٩) )، ومن أكل وهو يشك هل طلع الفجر أم لم يطلع فعليه عند مالك القضاء( [(٣٠)](#foonote-٣٠) ). 
وقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل  أمر يقتضي الوجوب، و  إلى  غاية، إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه، كقولك اشتريت الفدان إلى حاشيته، وإذا كان من غير جنسه كما تقول اشتريت الفدان إلى الدار لم يدخل في المحدود ما بعد  إلى ، ورأت عائشة رضي الله عنها أن قوله  إلى الليل  يقتضي النهي عن الوصال( [(٣١)](#foonote-٣١) )، وقد واصل النبي صلى الله عليه وسلم ونهى الناس عن الوصال، وقد واصل جماعة من العلماء وقد تقدم أن هذه الآية نسخت الحكم الذي في قوله  كما كتب على الذين من قبلكم  \[ البقرة : ١٨٣ \] على قول من رأى التشبيه في الامتناع من الوطء والأكل بعد النوم في قول بعضهم، وبعد صلاة العشاء في قول بعضهم، والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس، فمن أفطر وهو شاكّ هل غابت الشمس فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة. 
في ثمانية أبي زيد : عليه القضاء فقط قياساً على الشك في الفجر، وهو قول جماعة من العلماء( [(٣٢)](#foonote-٣٢) ). 
وقال إسحاق والحسن : لا قضاء عليه كالناسي. 
وقوله تعالى : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ، قالت فرقة : المعنى لا تجامعوهن. 
وقال الجمهور : ذلك يقع على الجماع فما دونه مما يتلذذ به من النساء، و  عاكفون  ملازمون، يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلاً عليه، قال الراجز :\[ الرجز \]
عكف النبيط يلعبونَ الفَنْزَجا( [(٣٣)](#foonote-٣٣) ). . . وقال الشاعر :\[ الطويل \]
وَظَلَّ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْليَ عُكَّفاً. . . عَكُوفَ الْبَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ( [(٣٤)](#foonote-٣٤) )
وقال أبو عمرو وأبو حاتم، قرأ قتادة «عكفون بغير ألف، والاعتكاف سنة، وقرأ الأعمش " في المسجد " بالإفراد، وقال : وهو المسجد الحرام. 
قال مالك رحمه الله وجماعة معه : لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات، وروي عن مالك أيضاً أن ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله. 
وقال قوم : لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة التي تشد المطي إليها حسب الحديث في ذلك. 
وقالت فرقة لا اعتكاف إلى في مسجد نبي( [(٣٥)](#foonote-٣٥) ). 
وقال مالك : لا يعتكف أقل من يوم وليلة، ومن نذر أحدهما لزمه الآخر. 
وقال سحنون : من نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شيء. 
وقالت طائفة : أيهما نذر اعتكفه ولم يلزمه أكثر. 
وقال مالك : لا اعتكاف بصوم. 
وقال غيره : يعتكف بغير صوم، وروي عن عائشة أنه يعتكف في غير مسجد( [(٣٦)](#foonote-٣٦) ). 
و  تلك  إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي، والحدود : الحواجز بين الإباحة والحظر، ومنه قيل للبواب : حداد لأنه يمنع، ومنه الحاد وهي المرأة الممتنعة من الزينة( [(٣٧)](#foonote-٣٧) )، والآيات : العلامات الهادية إلى الحق، و  لعلهم  ترّجٍ في حقهم، وظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء.

١ - ثم أباح الله الجماع والأكل والشرب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا بالعباد وذلك بسبب عمر بن الخطاب ومن صنع صنعه، وبسبب صرمة بن قيس رضي الله عن الجميع، وروى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله \[علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم\] انتهى. واختان: أبلغ من خان، كما أن اكتسب أبلغ من كسب..
٢ - قال أبو عبيدة: العرب تضع الواحد موضع الجمع كما قال عامر الحصفي:
 هُمُ المَوْلَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنَا وَإنَّا مِنْ عَدَاوَتِهِمْ لَزُورُ
 أي: هم الموالي.
 ويقال له عامر الرام، وعامر الرامي الحضري الحصفي المحاري الصحاي الشاعر، ذكر له أبو عمر والحافظ حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر له صاحب المفضليات قصيدة أولها: 
 مَن مُبْلغ سعْدَ بن نعمان مالكا وسَعْد بن ذبْيان الذي قد تَخَتَّمَا
 وسمي بذلك لأنه كان ماهراً في الرماية..
٣ - والكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه من سنن العرب كما للثعالبي في فقه اللغة. والرفث كما قال أبو إسحق كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة.
 وقد نقل عن ابن عباس أن الرَّفث الذي نهى الله عنه ما خُوطبت به المرأة، وإنما عدي الرفث بإلى في الآية لأنه بمعنى الإفضاء، فلما كنت تعدى أفضيت بإلى كقولك إلى المرأة جئت بإلى مع الرفث إيذناً وإشعاراً بأنه بمعناه..
٤ - البيت للعجاج أو رؤبة. والبيت بتمامه:
 وَرُبَّ أسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّـــم عن اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ
 واللغا: الباطل. والكظم: الساكتون..
٥ - قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس أن نافعا أخبره، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم..
٦ - أخرجه البخاري ومسلم..
٧ - فقد كان الصوم واجبا في أول الإسلام حتى في الليل من بعد العشاء أو من بعد النوم. روى الطبري عن طريق عطية عن ابن عباس قال: كان الناس أول ما أسلموا إذا صاموا يطعمون من الطعام فيما بين المساء والعتمة، فإذا صلُّوا العتمة حرم عليهم الطعام حتى يمسوا من الليلة القابلة..
٨ - كعب بن مالك هو أحد الذين شهدوا بيعة العقبة، وقد شهد أحداً وغيرها لكنه تخلف عن بدر، وعن تبوك، فهو واحد من الثلاثة الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم تاب الله عليهم، وقد اختلف المؤرخون في تاريخ وفاته رضي الله عنه. هذا وآخر الآية نزل في صرمة ابن قيس الأنصاري الذي غشي عليه بسبب عدم الأكل والشرب بعد ما نام..
٩ - هذه الرواية تثبت أن عمر رضي الله عنه هو الذي نام، وهذا بعيد كما قال ابن عطية لأن المباشرة بعد النوم كانت حراما، فلا يليق ذلك بعمر. فالرواية السابقة هي الصواب، وهي أن امرأته نامت وهو رضي الله عنه لم يصدقها ظنا منه أنها إنما اعتذرت بالنوم..
١٠ - اسم الذي نزل فيه قوله تعالى: \[وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود\] فيه اختلاف كثير، انظر ابن حجر في قيس بن صرمة. وفي صرمة بن قيس من "الإصابة". وقال أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" بعد أن ذكر قول ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بعد المبعث ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين ما نصه: ويشهد لذلك قول أبي قيس صرمة بن قيس الأنصاري:
 قال أبو عمر: روينا هذه الأبيات من طرق، عن سفيان بن عُيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم ذكر أكمل الروايات في هذه الأبيات..
١١ - فالتشبيه من حيث التباسهما واشتمال أحدهما على صاحبه، كما أن اللباس يشتمل على لابسه. ويصح أن يكون التشبيه من حيث أن أحدهما يستر الآخر، ويسكن إلى الآخر كما قال تعالى: (ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة)، وأيّا ما يكون فالتشبيه صورة رائعة من بلاغة القرآن..
١٢ - هو النابغة الجعدي، كنيته أبو ليلى. واسمه عبد الله بن قيس، والضجيع: المضاجع للمرأة، وهي له لباس وفراش. ومعنى (تداعت): سقطت عليه، أو أقبلت عليه برغبة، وفي رواية: (تَثَنَّتْ)..
١٣ - يقال: لبست أناساً بمعنى: تملَّيت بهم زمنا – كما يقال: لبست امرأة بمعنى تمتعت بها..
١٤ - بمعنى أنه خفف وسهّل عليكم في هذا الأمر وتركه لكم، وهذا هو المناسب لسماحة الدين ورفع الحرج عن أهله..
١٥ - فالمباشرة إلصاق البشرة بالبشرة وذلك كناية عن الجماع..
١٦ - الآن: عبارة عن الوقت الذي أنت فيه. وقد يقع على الماضي القريب، والمستقبل القريب تنزيلا للقريب منزلة الحاضر وهو المراد هنا، وعليه: فالآن متعلقة بقوله: \[باشروهن\]، وإذا قلنا: إنها للوقت الحاضر فهي متعلقة بمعنى ما قبلها، والتقدير: فالآن قد أبحنا لكم أن تباشروهن..
١٧ - جعل الله لنا شهوة النكاح لبقاء النوع الإنساني، وشهوة الطعام لبقاء الشخص الإنساني إلى أجل مسمى. فحقّ الإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله له على حسب ما يقتضيه العقل والدين، ومتى تحرى به حفظ النفس وتحصين النفس على الوجه المشروع فقد ابتغى ما كتب الله له وهو الولد..
١٨ - قوله: استعارة وتشبيه مشكل – وقد وضح صاحب "الكشاف" هذا فقال: **«فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه ؟ قلت: قوله: من الفجر – أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسداً مجاز، فإذا زدت "من فلان" رجع تشبيها – فإن قلت: فلم زيد "من الفجر" حتى كان تشبيها، وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة ؟ قلت: لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر "من الفجر" لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد "من الفجر" فكان تشبيها بليغا، وخرج من أن يكون استعارة»**. ا. هـ..
١٩ - أبو داود بدالين مهملتين أولاهما مضمومة بعدها واو، شاعر جاهلي، واسمه جارية ابن الحجاج الإيادي، والرواية الموجودة عند الأكثر.
 فَلَمَّا أضّاءَت لنا سُــدفَــــةٌ وَلاحَ مِنَ خَيْطٌ أَنَـــاراَ
 والسُّدفة: اختلاط الضوء والظلمة كوقت ما بين صلاة الفجر إلى أول الإسفار..
٢٠ - روى البخاري، ومسلم عن عديِّ بن حاتم قال: لما نزلت: \[حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر\] قال عدي: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض، وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ وسَادَكَ لَعَريضٌ، إنّما هو سَوَادَ الليلِ وبياضُ النّهار)..
٢١ - هو سهل بن سعد بن مالك الأنصاري – صحابي مشهور، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومات سنة (٩١) هـ..
٢٢ - أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: أنزلت: \[وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود\] ولم ينزل: \[من الفجر\]، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبيّن له رؤيتهما فأنزل الله (من الفجر) فعلموا أنه يعني الليل والنهار وزال الالتباس..
٢٣ - يعني أنه كان بين نزول قوله تعالى: \[وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود\] ونزول قوله تعالى: \[من الفجر\] عام من رمضان إلى رمضان..
٢٤ - قال (ك): ومعنى قوله: إن وسادك لعريض أي إن كان يسع الخيطين المرادين من هذه الآية فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب، لفظ (إنك لعريض القفا) فسره بعضهم بالبلادة وهو ضعيف بل يرجع هذا اللفظ إلى لفظ (إن وسادك لعريض) لأنه إذا كان وسادُه عريضا فقفاه أيضا عريض، والله أعلم..
٢٥ - لفظ حديث سَمُرَة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق) – ولفظ حديث ابن مسعود، عن عامر بن مطر، قال: (أتيت عبد الله بن مسعود في داره فأخرج فضلا من سحوره فأكلنا منه، ثم أقيمت الصلاة فخرجنا فصلينا)، انظر تفسير الإمام (ط) رحمه الله وصحيح الإمام مسلم. وفي أسد الغابة لابن الأثير: روى وكيع، عن مسعر عن جبلة بن سحيم، عن عامر بن مطر قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، كذا قاله سهل بن زنجلة، ورواه غيره عن وكيع، قال: تسحرنا مع ابن مسعود وهو الصحيح. أخرجه أبو نعيم، وأبو موسى. وسمرة بن جندب أحد الصحابة الحافظين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من حلفاء الأنصار، وقد خرج للحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاب صغير فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أذن له بعد صراعه مع شاب آخر صغير السن مثله – قيل إنه مات سنة (٥٩) هـ..
٢٦ - هو طلق بن علي بن طلق بن عمرو – صحابي مشهور، اشترك مع الصحابة في بناء المسجد..
٢٧ - من الآية (١١٤) من سورة (هود)..
٢٨ - من الآية (١٦٤) من سورة البقرة، وقد سبق ذلك، ونصه هناك: وقال الزجاج في كتاب الأنواء: أول النهار ذرور الشمس، قال: وزعم النضر بن شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار.
 قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم ا. هـ. ويعني بذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الخيط الأبيض والخيط الأسود: إنما هو بياض النهار وسواد الليل. فهذا قاض أن النهار من طلوع الفجر لا من طلوع الشمس، والله أعلم..
٢٩ - قال ابن عطية عند قوله تعالى: \[وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفا من الليل\]: لم يختلف أحد أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة. واختلف في طرفي النهار وزلف الليل فقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: الظهر والعصر، والزُّلف: المغرب والعشاء، قاله مجاهد ومحمد بن كعب القرظي، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المغرب والعشاء: هما زلفتا الليل. وقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: العصر – قاله الحسن، وقتادة، والضحاك، والزُّلف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول بل هي في غيرها. وقيل: الطرفان: الصبح والمغرب قاله ابن عباس أيضا، والزُّلف: العشاء وليست الظهر والعصر في الآية. وقيل: الطرفان: الظهر والعصر، والزُّلف: المغرب والعشاء والصبح.
 قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأن هذا القائل راعى جهر القراءة أي وسريتها، قال: والأول أحسن هذه الأقوال عندي. ورجح الطبري أن الطرفين الصباح والمغرب، وأنه الظاهر، إلا أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى، انتهى، وتأمل وجه اعتراضه الاستدلال بهذه الآية مع أن أكثر الأقوال متظاهرة على أن الطرف الأول من النهار هو الصبح..
٣٠ - هذا مفهوم قوله تعالى: \[حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود\] أي حتى يتحقق..
٣١ - وذلك ما ورد في الأحاديث الصحيحة كحديث البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، وفيه لما قالوا له: إنك تواصل: (إنّي لست مثلكم، إنّي أَبِيتُ عند ربِّي يُطعمني ويَسقيني)..
٣٢ - هذا هو المعتمد، قال شراح المختصر الخليلي عند قوله: "وكأكله شاكّا في الفجر". وأولى في الغروب، وهو مثال لما يجب فيه القضاء، ومحله إن لم يتبين أنه أكل قبل الفجر أو بعد الغروب، وإلا فلا قضاء عليه عند المالكية، وهو ما تدل عليه الآية الكريمة، لأن الله قال: \[حتى يتبين لكم\] وقد تبين أنه أكل قبل الفجر أو بعد الغروب..
٣٣ - هو للعجاج، وقد تقدم صدر هذا البيت ومعناه عند قوله تعالى: \[وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين\]..
٣٤ - هو للطِّرمَّاح بن حكيم. وبنات الليل: الهموم. والصريع: المجنون..
٣٥ - هذا القول موافق لما قبله، لأن المساجد الثلاثة مساجد الأنبياء، فالمسجد الحرام مسجد إبراهيم عليه السلام، ومسجد المدينة مسجد محمد صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى مسجد سليمان عليه السلام..
٣٦ - وذلك أن النهي عن الشيء مقيدا بحال لها متعلق لا يدل على أن تلك الحال إذا وقعت من المنهيين يكون ذلك المتعلق شرطا في وقوعها، ونظير ذلك: **«لا تضرب زيدا وأنت راكب فرسا»** فلا يلزم من هذا أنك متى ركبت فلا يكون ركوبك إلا فرسا، فالاستدلال بالآية على لزوم الاعتكاف في المسجد ضعيف. وذكر المساجد ملصقة بالاعتكاف إنما هو لأن الاعتكاف لا يكون غالبا إلا فيها..
٣٧ - المرأة الحادّ والمحِدَّة: التي تترك الزينة بعد زوجها للعدة. قاله ابن دريد..

### الآية 2:188

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:188]

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( ١٨٨ )
الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، فأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهياً عنه( [(١)](#foonote-١) )، وكما قال  تقتلون أنفسكم ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ البقرة : ٨٥ \]، ويدخل في هذه الآية القمار والخداع والغصوب وجحد الحقائق وغير ذلك، ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما يبيع لأن الغبن كأنه وهبه( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال قوم : المراد بالآية  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  أي في الملاهي والقيان والشراب والبطالة، فتجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين. 
وقوله تعالى : وتدلوا بها  الآية، يقال أدلى الرجل بالحجة أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيهاً بالذي يرسل الدلو في البئر يرجو بها الماء. 
قال قوم : معنى الآية( [(٤)](#foonote-٤) ) : تسارعون في الأموال إلى المخاصمة إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم، إما بأن لا تكون على الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة كاليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله، فالباء في  بها  باء السبب، وقيل : معنى الآية ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد( [(٥)](#foonote-٥) )، وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل، وأيضاً فإن اللفظين متناسبتان،  تدلوا  من أرسل الدلو والرشوة من الرشا، كأنها يمد بها لتقضي الحاجة، و  تدلوا  في موضع جزم عطفاً على  تأكلوا ، وفي مصحف أبيّ **«ولا تدلوا »** بتكرار حرف النهي، وهذه القراءة تؤيد جزم  تدلوا  في قراءة الجماعة، وقيل : تدلوا  في موضع نصب على الظرف، وهذا مذهب كوفي أن معنى الظرف هو الناصب( [(٦)](#foonote-٦) )، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه **«أن »** مضمرة( [(٧)](#foonote-٧) )، والفريق : القطعة والجزء، و  بالإثم  معناه بالظلم والتعدي، وسمي ذلك إثماً لما كان الإثم معنى يتعلق بفاعله، و  أنتم تعلمون  أي إنكم مبطلون آثمون، وهذه مبالغة في المعصية والجرأة.

١ - الإضافة في قوله: \[أموالكم\] يحتمل أن تكون حقيقة، بمعنى: لا تأكلوا أموالكم المملوكة لكم بالباطل، أي بالمعاصي والملاهي، فيكون الخطاب للمالكين – ويحتمل أن تكون مجازية للملابسة، أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالغصب والنهب والغش والخداع والربا وكل ما حرمه الشرع ولم يأذن به، فهذه الآية الكريمة عامة في الأشخاص وفي الأموال، وبهذا ينتفي الباطل في سائر المعاملات المالية وغير المالية.
 وإنما قال على الوجه الثاني: \[أموالكم\] لأن آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل و\[إنما المؤمنون إخوة\]..
٢ - أي كما قال الله تعالى: \[ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتُخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان\] من الآية (٨٥) من سورة (البقرة)..
٣ - هذا صحيح إذا كان عارفاً بحقيقة ما بيع كما إذا باع حجراً كريما وعرف أنه ياقوتة مثلا، وقوله قبل ذلك "وجحد الحقائق" يريد به الحقوق جمع حق – وإلا فالحقائق جمع حقيقة وهي لا تلائم التعبير هنا..
٤ - أي قوله تعالى: \[وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون\]..
٥ - أي: إلصاق مجرد عن السببية..
٦ - قال (ح): لم يقم دليل قاطع من لسان العرب على الظرف ينصب فنقول به. وأما إعراب الأخفش هنا أن (تدلوا) منصوب على جواب النهي وتجويز الزمخشري ذلك فتلك مسألة: لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالنصب، وقد قال النحاة: إذا نصبت كان الكلام نهيا عن الجمع بينهما وهذا المعنى لا يصح في الآية لأن النهي عن الجمع بينهما لا يستلزم النهي عن كل منهما على انفراده، والنهي عن كل واحد منهما يستلزم النهي عن الجمع بينهما لأن في الجمع بينهما حصول كل واحد مهما عنه ضرورة. أما ترى أن أكل المال بالباطل حرام سواء أفرد أم جمع مع غيره من المحرمات ؟، وأيضا قوله: (لتأكلوا) علة لما قبلها، فلو كان النهي عن الجمع لم تصلح العلة له لأنه مركب من شيئين لا تصلح العلة أن يترتب على وجودهما، بل إنما يترتب على وجود أحدهما..
٧ - كما في قول الشاعر:
 لا تَنْهَ عَنْ خُلٌقٍ وتَأْتِي مِثْلَـــهُ عَارٌ عليْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيـــمُ.

### الآية 2:189

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [2:189]

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ١٨٩ )
وقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة  الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس ؟، وجمع  الأهلّة  وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالاً في شهر غير كونه هلالاً في الآخر، فإنما جمع أحواله( [(١)](#foonote-١) ) من الهلالية( [(٢)](#foonote-٢) )، والهلال ليلتان بلا خلاف ثم يقمر( [(٣)](#foonote-٣) )، وقيل ثلاث. 
وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق( [(٤)](#foonote-٤) )، وقيل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع. 
وقوله : مواقيت  معناه لمحل( [(٥)](#foonote-٥) ) الديون وانقضاء العدد والأكرية وما أشبه هذا من مصالح العباد( [(٦)](#foonote-٦) )، ومواقيت الحج أيضاً يعرف بها وقته وأشهره، و  مواقيت  لا ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهاية إذ ليس يجمع، وقرأ ابن أبي إسحاق **«والحِج »** بكسر الحاء في جميع القرآن، وفي قوله **«حج البيت »** في آل عمران. 
قال سيبويه : الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران بمعنى، وقيل : الفتح مصدر والكسر الاسم. 
وقوله تعالى : وليس البر  الآية( [(٧)](#foonote-٧) )، قال البراء بن عازب والزهري وقتادة : سببها أن الأنصار كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يلتزمون تشرعاً أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدرات، وقيل : كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فتوحاً يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير هذا مما يشبهه فاختصرته، فجاء رجل منهم فدخل من باب بيته فعيّر بذلك، فنزلت الآية فيه( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وقال إبراهيم :**«كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز »**. 
وقال السدي : ناس من العرب، وهم الذين يسمون الحمس، قال : فدخل النبي صلى الله عليه وسلم باباً ومعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل( [(٩)](#foonote-٩) ) وقال إني أحمس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أحمس، ونزلت الآية. 
وروى الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وخلفه رجل أنصاري فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لم دخلت وأنت قد أحرمت ؟، قال : دخلت أنت فدخلت بدخولك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إني أحمس، أي من قوم لا يدينون بذلك، فقال الرجل : وأنا ديني دينك، فنزلت الآية. 
قال أبو عبيدة( [(١٠)](#foonote-١٠) ) : الآية ضرب مثل، المعنى : ليس البر أن تسألوا الجهَّال ولكن اتقوا واسألوا العلماء، فهذا كما يقال أتيت هذا الأمر من بابه. 
وقال غير أبي عبيدة :**«المعنى ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلّة وغيرها فتأتون الأمور على غير ما يجب »**( [(١١)](#foonote-١١) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يحتمل والأول أسدُّ( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وأما ما حكاه المهدوي ومكي عن ابن الأنباري من أن الآية مثل في جماع النساء( [(١٣)](#foonote-١٣) ) فبعيد مغير نمط الكلام، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي ونافع بخلاف عنه **«البِيوت »** بكسر الباء، وقرأ بعض القراء **«ولكنَّ البرَّ »** بتشديد نون **«لكنَّ »** ونصب **«البرَّ »**، وقد تقدم القول على  من  في قوله  من آمن بالله  \[ البقرة : ١٧٧ \]  واتقوا  معناه اجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية، و  لعلكم  ترجٍّ في حق البشر، والفلاح درك البغية. 
١ - يعني أن جمعه باعتبار أحواله واختلاف زمانه تنزيلا لاختلاف الأوقات منزلة اختلاف الذوات..
٢ - أي من صفاته الهلالية في كل شهر، أو في كل ليلة..
٣ - اختلف في تسميته هلالا بعد ليلتين، فقيل: يسمى هلالا ثلاث ليال، وبعدها يسمى قمراً وقيل يسمى هلالا إلى سبع ليال ثم يكون قمراً..
٤ - تفسير لما قبله..
٥ - المحِلّ (بكسر الحاء) أجل الدين..
٦ - أشار بهذا إلى قوله تعالى: (للناس) على حذف مضاف، أي: لمصالحهم ومقاصدهم، فالحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها واختلاف تشكلاتها ما يتعلق بها من مصالح الدنيا والدين – وفي الآية دلالة على أن الصوم لا يثبت بالعدد، بل بالهلال لأنه سبحانه نص على أن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت، ولذلك اختلف حالها عن حال الشمس.
 تنبيه: السؤال كان عن السبب في التشكلات والتغيّرات النورية حيث قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان ولا يكون على حال واحدة؟ ولما كان ذلك مبنيا على أمور عقلية خفية تدرك من علم الفلك والهيئة. والشريعة إنما جاءت لتعلم الناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم لا لتعلم علوم الفلك والطبيعة أجابهم إلى ما هو خير من طلبهم، ونبههم إلى أن السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم، ولو كان ما طلبوه مما يقصد شرعا لأجابهم إليه، وهذا الجواب يسمى عند علماء البيان بالأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب، والمخاطب بغير ما يترقب رعاية لمصلحته، وتحقيقا لما يتوقف عليه في حياته. ونص القزويني في تلخيص المفتاح في هذا الموضوع: **«ومن خلاف المقتضى تلقي (المخاطب) بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه الأولى بالقصد كقول القبعثري للحجاج – وقد قال له متوعدا – لأحملنك على الأدهم: (مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب). أي من كان مثل الأمير في السلطان وبسطة اليد، فجدير بأن يصفُد لا أن يُصْفَد – أو السامع بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأولى بحاله أو المهم له. كقوله تعالى: \[يسألونك عن الأهلة قل: هي مواقيت للناس والحج\]. قال سعد الدين التفتازاني رحمه الله بعد ذكر سبب الآية ما نصه: والأليق بحالهم أن يسألوا عن ذلك، أي عن الغرض والحكمة، لأنهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على دقائق علم الهيئة، ولا يتعلق لهم به غرض»** ا. هـ. وهذه كلمة نابية في حق الصحابة رضوان الله عليهم، كيف وهم قادرون على إدراك ذلك وأكثر منه لفرط ذكائهم وسلامة فطرتهم وصفاء سريرتهم – فقد قال الإمام القرافي رحمه الله في كتاب الفروق: **«أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا بحاراً في العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسيات والعلوم الباطنة والظاهرة، حتى يروى أن عليا رضي الله عنه جلس عند ابن عباس في الباء من (بسم الله) من العشاء إلى أن طلع الفجر، مع أنهم لم يدرسوا ورقة ولا قرؤوا كتاباً، ولا تفرغوا من الجهاد وقتال الأعداء، ومع ذلك كانوا على هذه الحالة حتى قال بعض الأصوليين: لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته»** ا. هـ. وقال أيضا: من نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب المسألة المحكية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك أن رجلين كان لأحدهما خمسة أرغفة وللآخر ثلاثة أرغفة، فجلسا يأكلان فأكل معهما ثالث ثم بعد الفراغ من الأكل دفع لهما ثمانية دراهم وقال: اقسما هذه الدراهم – على قدر ما أكلته – لكما. فقال صاحب الثلاثة: إنه أكل نصف أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف من الدراهم، فقال له الآخر: لا أعطيك إلا ثلاثة دراهم لأن لي خمسة أرغفة، ولك ثلاثة أرغفة فآخذ خمسة دراهم، وتأخذ ثلاثة دراهم، فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع فترافعا إلى علي رضي الله عنه فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد، ولصاحب الخمسة بسبعة دراهم فشكا من ذلك صاحب الثلاثة، فقال له علي رضي الله عنه: الأرغفة ثمانية، وأنتم ثلاثة، أكل كل واحد منكم ثلاثة أرغفة إلا ثلثا بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم، وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثة إلا ثلثا وهي خمسة يبقى له رغيفان وثلث، وذلك سبعة أثلاث أكلها صاحب الدراهم فأكل لك ثلثا، وأكل له سبعة أثلاث، فلك درهم وله سبعة دراهم. فهذه مسألة من دقيق الحساب أدركها رضي الله عنه بمجرد الالتفات إليها، وكم له رضي الله عنه من جواب خاص في مسائل من الفرائض والمساحات كمسألة حفر البئر المشهورة. ومن هنا كان من الواجب طلب العلوم والاطلاع عليها، فإن كثيرا من مسائل الحياة لا تعلم إلا بالعمليات الحسابية والهندسية الدقيقة. والله أعلم.
 .
٧ - لما ذكر الله سبحانه وقت الإحرام الذي هو من فوائد الأهلة بقوله: \[يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج\] استطرد منه إلى ذكر ما كانوا يفعلونه في الحج بقوله: \[وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها\]، وهذا الاستطراد موجود في كتاب الله عز وجل، ومن ذلك قوله تعالى: \[يا أيها النبي اتّق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما، واتّبع ما يوحى إليك من ربّك إن الله كان بما تعملون خبيرا، وتوكّل على الله وكفى بالله وكيلا\] أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتقواه، واتباع ما أوحى إليه والتوكل عليه دون غيره، ثم اتبع ذلك بقوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)، ويعني أن الإنسان ليس له إلا قلب واحد، وأن القلب ليس له إلا وجهة واحدة، فإن لم يتجه إلى تقوى ربه، واتباع وحيه، والتوكل عليه، ولم يفرد ربه بذلك، انصرف عنه إلى غيره، ثم استطرد من ذلك أن الله لم يجعل زوج الرجل أمه، ولم يجعل دعيَّه ابنه، وهذا من الوحي الذي يجب اتباعه ظاهرا والإيمان به باطنا، فانظر ما أحلى هذا الاستطراد وما أحسنه..
٨ - روى البخاري، وغيره، عن أبي اسحق قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عُيِّر بذلك فنزلت: \[وليس البر\] الآية، وجاء في بعض الروايات تعيين الرجل وأنه قطبة بن عامر الأنصاري..
٩ - أي لم يدخل الباب لأنه من الحمس، وهذا على ما قاله السدي. وهناك قول آخر وهو أنهم لا يدينون بهذا الدين، وهو ترك الدخول من باب البيت كما يأتي عند ابن عطية في قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري: (إني أحمس)، أي من قوم لا يدينون بذلك.
 ففي الحمس قولان – قيل: إنهم يفعلون ذلك، وقيل إنهم لا يدينون بذلك. وإنما سموا حمسا لتشددهم في دينهم، والحماسة الشدة، والحمس جمع أحمس وحمساء..
١٠ - الآية حملت على معنى حقيقي ومعنى مجازي في إتيان البيوت من أبوابها، والمعنى الحقيقي هو ما شرح به ابن عطية أولا، ونقله عن البراء بن عازب، وقتادة، والزهري، والسدي، والربيع بن أنس، وقد أشار بقوله: **«وقال أبو عبيدة»** إلى حمل الآية على المعنى المجازي..
١١ - يعني أن إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح. وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق الصحيح، وذلك أن الاستدلال بالعلوم على المظنون هو الطريق المستقيم، وقد ثبت أن الصانع حكيم لا يفعل إلا الصواب، وقد عرفنا أن اختلاف أحوال القمر في نوره من فعله، فيعلم أن فيه مصلحة وحكمة وذلك هو الطريق الصحيح، أما أن نستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله ليس بحكيم فهو استدلال بالمجهول على المعلوم، فالمعنى أنكم لما لم تعلموا حكمته في اختلاف القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق فقد أتيتم البيت من ظهره لا من بابه، وهذا غير ما يجب، فإن الواجب هو أن تستدلوا بالمعلوم على المجهول، لا بالمجهول على المعلوم. قال معناه (ح)..
١٢ - هو ما قاله أبو عبيدة: اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه من الجهلة المشركين فمن أتى البيت من بابه فقد أصاب، ومن أتاه من خلفه فقد أخطأ..
١٣ - أي لا تأتوا النساء في أدبارهن بل في قبلهن..

### الآية 2:190

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [2:190]

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( ١٩٠ )
وقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله  الآية، هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال. 
قال ابن زيد والربيع : معناها قاتلوا من قاتلكم وكفوا عمن كف عنكم، ولا تعتدوا في قتال من لم يقاتلوكم، وهذه الموادعة منسوخة بآية براءة( [(١)](#foonote-١) )، وبقوله : قاتلوا المشركين كافة  \[ التوبة : ٣٦ \]. 
وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد : معنى الآية قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبهه، فهي محكمة على هذا القول، وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله كالحمية وكسب الذكر( [(٢)](#foonote-٢) ).

١ - هي قوله تعالى: \[فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم\]، وبقوله تعالى: \[وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة\]، وهو من الآية ٣٦ من سورة (التوبة) وقيل أن أول آية نزلت في الأمر بالقتال هي قوله تعالى: \[أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا\] والقول الأول أظهر لآن آية الإذن نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج هو وأصحابه عام الحديبية وصُدّ عن البيت وصُولح على أن يرجع إليه من السنة القابلة فلما عاد صلى الله عليه وسلم خاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم فنزلت الآية – أي: يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار..
٢ - يشهد لذلك حديث الصحيحين:
 عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل ويقاتل حمبَّة، ويقاتل رياءً – أيُّ ذلك في سبيل الله ؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)..

### الآية 2:191

> ﻿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [2:191]

واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ  ( ١٩١ )
قال ابن إسحاق وغيره : نزلت هذه الآيات في شأن عمرو بن الحضرمي وواقد، وهي سرية عبد الله بن جحش( [(١)](#foonote-١) )، و  ثقفتموهم  معناه أحكمتم غلبهم ولقيتموهم قادرين عليهم، يقال رجل ثقف لقف( [(٢)](#foonote-٢) ) إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور،  وأخرجوهم . قال الطبري :**«الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : بل الخطاب لجميع المؤمنين، ويقال  أخرجوكم  إذا أخرجوا بعضهم الأجل قدراً وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون،  والفتنة أشد من القتل  أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموكم بها على الرجوع إلى الكفر أشد من القتل. 
قال مجاهد :**«أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة »**. قال غيره : بل المعنى الفتنة التي فعلوا أشد في هتك حرمات الحق من القتل الذي أبيح لكم أيها المؤمنون أن توقعوه بهم، ويحتمل أن يكون المعنى والفتنة أي الكفر والضلال الذي هم فيه أشد في الحرم وأعظم جرماً من القتل الذي عيروكم به في شأن ابن الحضرمي( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام  الآية، قال الجمهور : كان هذا ثم نسخ وأمر بالقتال في كل موضع
. قال الربيع : نسخه  وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة . 
وقال قتادة : نسخة قوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فقاتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ التوبة : ٥ \]. 
وقال مجاهد :**«الآية محكمة ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقرأ حمزة والكسائي والأعمش **«ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم »** بالقتل في الأربعة( [(٦)](#foonote-٦) )، ولا خلاف في الأخيرة أنها  فاقتلوهم ، والمعنى على قراءة حمزة والكسائي : فإن قتلوا منكم فاقتلوهم أيها الباقون، وذلك كقوله تعالى : قتل معه ربيون كثير فما وهنوا ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ آل عمران : ١٤٦ \] أي فما وهن الباقون. 
١ - عمرو بن الحضرمي هو: عمرو بن عبد الله الحضرمي ابن عباد، وقد كان له إخوة مشهورون، وواقد بن عبد الله التميمي بن مناة بن عويم بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة. وعبد الله بن جحش الأسدي من كبار الصحابة، وهو أخو زينب بنت جحش أم المؤمنين، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم (أمير المؤمنين) فهو أول من حمل هذا اللقب في الإٍسلام، وقد خرج على رأٍس سرية في رجب بعد سبعة عشر شهرا من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والقصة أن (واقدا) رمى (عمرو بن الحضرمي) فقتله – ولهذا كانت بنو اليربوع تفتخر بأن منها أول من قتل قتيلا من المشركين في الإٍسلام – وقد مات (واقد) هذا في أول خلافة عمر رضي الله عنه..
٢ - ثقْف لقْف – بسكون القاف وبكسرها في الكلمتين..
٣ - بمعنى أن الضلال والكفر الذي هم فيه أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام كما فعل واقد بن عبد الله الصحابي مع عمرو بن الحضرمي (لأنه قتله في رجب وهو شهر حرام)، وإن كان القتل في الأشهر الحرم غير جائز أصلا..
٤ - قوله تعالى: \[وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة\] من الآية (٣٩) من سورة (الأنفال)، وقوله تعالى: (فإذا انسلخ...) الخ من الآية (٥) من سورة (التوبة)...
٥ - هذا هو الحق، وهو الذي رجحه الفخر الرازي، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \[وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ولم تحل لأحد من بعدي\]، يقوي قول مجاهد، وذلك أن حرمة المسجد الحرام لذاته، وحرمة سائر الحرم من أجله، فالآية الكريمة بمثابة الاستثناء من قوله تعالى: \[واقتلوهم حيث ثقفتموهم\]..
٦ - متعلق بقوله: وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش أي: قرؤوا بالقتل أي بحذف الألف، وهذه القراءة نص في أن الكافر إذا التجأ إلى الحرم لا يقتل، ويأتي ذلك على القراءة الأخرى لأنها تنهى عن القتال المؤدي إلى القتل..
٧ - من الآية (١٤٦) من سورة (آل عمران)..

### الآية 2:192

> ﻿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:192]

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ١٩٢ )
والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام، لأن غفران الله ورحمته إنما تكون مع ذلك( [(١)](#foonote-١) ).

١ - لقوله تعالى: \[قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وفي قوله تعالى: \[فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم\] دلالة على قبول توبة القاتل عمدا، إذ الكفر أعظم إثما وقد قبل الله توبته..

### الآية 2:193

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [2:193]

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ( ١٩٣ )
وقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على قول من رآها ناسخة( [(١)](#foonote-١) )، ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم  فإن قاتلوكم ، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله  ويكون الدين لله ، والفتنة هنا : الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين، قاله ابن عباس وقتادة والربيع والسدي، و  الدين  هنا الطاعة والشرع. وقال الأعشى ميمون بن قيس :\[ الخفيف \]
هو دان الرباب إذ كرهوا الدي. . . ن دراكاً بغزوةٍ وصيال( [(٢)](#foonote-٢) )
والانتهاء في هذا الموضع يصح مع عموم الآية في الكفار أن يكون الدخول في الإسلام، ويصح أن يكون أداء الجزية، وسمى ما يصنع بالظالمين عدواناً من حيث هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان، والعقوبة تسمى باسم الذنب في غير ما موضع( [(٣)](#foonote-٣) )، والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال، وعلى التأويل الآخر : من بقي على كفر وفتنة. 
١ - لقوله تعالى: \[فإن قاتلوكم فاقتلوهم\]..
٢ - من قصيدته المشهورة التي قالها يمدح فيها الأسود بن المنذر اللخمي ومطلعها:
 ما بُكَاءُ الكَبِير بالإطْـــلال وَسُؤَالي فَهَلْ تَرُدُّ سُؤَالِـــــي؟
 **وبعد البيت:**
 ثُمَّ دَانَتْ بَعْدَ الرِّبَابِ وكَـانتْ كعذَابٍ عُقُوبَةُ الأقْـــــــوَالِ
 والمعنى: أن هذا الممدوح حمل الرباب على الطاعة حين كرهوا الطاعة – والرباب قبيلة أو أحياء من ضبَّة، وفي اللسان: (دان الرباب: يعني أذلها، ثم دانت بعد الرباب، أي ذلت له وأطاعته) والمعنى واحد..
٣ - أي على سبيل المشاكلة كقوله تعالى: \[وجزاء سيِّئةٍ سيّئةٌ مِثلها\]..

### الآية 2:194

> ﻿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [2:194]

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ  ( ١٩٤ )
وقوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام  الآية، قال ابن عباس ومجاهد ومقسم( [(١)](#foonote-١) ) والسدي والربيع والضحاك وغيرهم : نزلت في عمرة القضاء( [(٢)](#foonote-٢) ) وعام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً حتى بلغ الحديبية سنة ست، فصده كفار قريش عن البيت، فانصرف ووعده الله أنه سيدخله عليهم، فدخله سنة سبع، فنزلت الآية في ذلك، أي الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه وأدخلكم الحرم عليهم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه، ومعنى  الحرمات قصاص  على هذا التأويل : أي حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة المحرمين حين صددتم بحرمة البلد الشهر والقطان حين دخلتم. 
وقال الحسن بن أبي الحسن : نزلت الآية في أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يقاتل في الشهر الحرام ؟ فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه، فهموا بالهجوم عليه فيه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع فيه، فنزلت : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ، أي هو عليكم في الامتناع من القتال أو الاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين، فأية( [(٣)](#foonote-٣) ) سلكوا فاسلكوا، و  الحرمات  على هذا جمع حرمة عموماً : النفس والمال والعرض وغير ذلك( [(٤)](#foonote-٤) )، فأباح الله بالآية مدافعتهم. والقول الأول أكثر( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقالت فرقة : قوله : والحرمات قصاص  مقطوع مما قبله( [(٦)](#foonote-٦) )، وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام أن من انتهك حرمتك( [(٧)](#foonote-٧) ) نلت منه مثل ما اعتدى عليك به، ثم نسخ ذلك بالقتال. 
وقالت طائفة : ما تناول من الآية التعدي بين أمة محمد والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجائز لمن تعدي عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه به إذا خفي( [(٨)](#foonote-٨) ) ذلك له، وليس بينه وبين الله في ذلك شيء، قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك( [(٩)](#foonote-٩) ). 
وقالت طائفة منهم مالك : ليس ذلك له( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وأمور القصاص وقف على الحكام( [(١١)](#foonote-١١) )، والأموال يتناولها قول النبي صلى الله عليه وسلم **«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك »**( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«والحرْمات »** بسكون الراء. 
وقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم  الآية، اختلف في نسخ هذه الآية حسبما تقدم، وسمي الجزاء على العدوان عدواناً كما قال  الله يستهزىء بهم  \[ البقرة : ١٥ \] إلى غير ذلك( [(١٣)](#foonote-١٣) )،  واتقوا الله ، قيل : معناه في أن لا تعتدوا، وقيل : في أن لا تزيدوا على المثل. 
وقال ابن عباس :**«نزلت هذه الآية وما هو في معناها بمكة والإسلام لم يعزَّ فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعز دينه أمر المسلمون برفع أمورهم إلى حكامهم وأمروا بقتال الكفار( [(١٤)](#foonote-١٤) ) »**. 
وقال مجاهد :**«بل نزلت هذه الآية بالمدينة بعد عمرة القضاء، وهي من التدريج في الأمر بالقتال »**. 
١ - كمنبر، وهو ابن بَجْدَة، أو ابن بجْرة مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل وكان أيضا يسمى مولى ابن عباس لكثرة صحبته له ولزومه إياه. توفي سنة ١٠١ هـ..
٢ - مصدر بمعنى القضاء. ومن المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى مكة للعمرة ثلاث مرات..
٣ - بمعنى أي مسلك سلكوا فاسلكوه، لأن الإضافة لازمة (لأي) إما لفظا وإما معنى، والأفصح استعمالها بلفظ واحد للمذكر وللمؤنث لأنها اسم، والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقة بين المذكر والمؤنث كما في المصباح..
٤ - يعني أن (أل) في (الحرمات) على ما قاله الحسن بن أبي الحسن البصري هي للعموم، بمعنى أن كل حرمة يجري فيها القصاص فتدخل النفس والمال والعِرض والحرمات السابقة وغيرها – وعلى السبب الأول كما قاله ابن عباس ومن معه تكون (أل) للعهد..
٥ - هو ما قاله ابن عباس ومن معه. وقد عبّر بعض المفسرين عن ذلك بقوله: والقول الأول أشهر..
٦ - أي أنه لا يتعلق بأمر الحج، وإنما هو في أمر آخر..
٧ - إذا كان من الكفار..
٨ - أي إذا كان ذلك لا يؤدي إلى فتنة واصطدام..
٩ - بل هي الرواية المشهورة عند المالكية، وتُعرف عندهم بمسألة الظفر، وقد أشار إليها شيخ المالكية في مختصره في كتاب "الشهادات" بقوله: وإن قدر على شيئه فله أخذه إن يكن غير عقوبة، وأمِن فتنة ورذيلة، فهي عندهم في الأموال، وأما العقوبات فإنما يتولاها الحاكم الشرعي، وانظر حديث هند: (خذي ما يكفيك وولدك) في كتاب المظالم من صحيح البخاري..
١٠ - هذه رواية معروفة عند المالكية ولكنها ضعيفة، وقد أشار إليها شيخ المالكية في مختصره في باب "الوديعة" بقوله: وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها..
١١ - يأتي ذلك حتى على الرواية الأولى المشهورة عند المالكية، وأما الرواية الأخرى فسواء فيها أمور القصاص وأمور الأموال..
١٢ - هذا الحديث أخرجه أبو داوذ، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم عن جماعة من الصحابة، وهو حديث مُتكلَّم فيه، إلا أنه بمجموع طُرقه يقوى ويكون حسنا، ومن ثَمَّ حكاه الإمام الترمذي بقوله: "حديث حسن غريب"، وقد أجاب الإمام ابن رشد عن قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا تخن من خانك) بأن معناه: ولا تأخذ أكثر من حقك فتكون خائنا، وأما من أخذ حقه فليس بخائن، ويؤيد الرواية المشهورة قول الله تعالى: \[فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم\]، ومن هذا ما إذا كان شخصان لكل منهما حق على الآخر، فجحد أحدهما صاحبه فللآخر أن يجحده فيما يعادل حقه، إذ يجب حفظ المال وصيانته بكل ما يمكن من الوسائل، وقد قال الله تعالى: \[ولا تؤتوا السفهاء أمولكم التي جعل الله لكم قياما\]..
١٣ - أي للمقابلة كما قال الله تعالى بعد قول المنافقين: \[إنما نحن مستهزؤون، الله يستهزئ بهم\] من الآيتين (١٤، ١٥) من سورة البقرة، وكما قال تعالى: \[ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين\]..
١٤ - معنى ذلك أن هذه الآية نُسخت بآيات قتال الكفار التي نزلت بعدها..

### الآية 2:195

> ﻿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [2:195]

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( ١٩٥ )
 سبيل الله  هنا الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال أبو عبيدة وقوم : الباء في قوله  بأيديكم  زائدة، التقدير تلقوا أيديكم( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقال الجمهور : ذلك ضرب مثل، تقول ألقى فلان بيده في أمر كذا إذا استسلم، لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيده، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب :**«والله إن إلقاءنا بأيدينا إلى الموت لعجز »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم( [(٤)](#foonote-٤) )، كما تقول لا تفسد حالك برأيك، و **«التهلُكة »** بضم اللام مصدر من هلك، وقرأ الخليل  التهلِكة  بكسر اللام( [(٥)](#foonote-٥) )، وهي تفعلة من **«هلّك »** بشد اللام. 
وروي عن أبي أيوب الأنصاري( [(٦)](#foonote-٦) ) أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب : لا إن هذه الآية نزلت في الأنصار حين أرادوا لما ظهر الإسلام أن يتركوا الجهاد ويعمروا أموالهم، وأما هذا فهو الذي قال الله فيه : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ البقرة : ٢٠٧ \]. 
وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل ليس عندي ما أنفق. 
وقال قوم : المعنى لا تقنطوا من التوبة. 
وقال البراء بن عازب وعبيدة السلماني : الآية في الرجل يقول قد بالغت في المعاصي فلا فائدة في التوبة فينهمك بعد ذلك( [(٨)](#foonote-٨) )، وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق أو الكون على عالة الناس، وقوله  وأحسنوا ، قيل : معناه في أعمالكم بامتثال الطاعات( [(٩)](#foonote-٩) )، وروي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل : المعنى أحسنوا في الإنفاق في سبيل الله في الصدقات، قاله زيد بن أسلم. 
وقال عكرمة : المعنى وأحسنوا الظن بالله( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
١ - بمعنى أن اللفظ عام يتناول سائر القربات والطاعات، ومن أهمها صرف الأموال في جهاد الأعداء، فهي شاملة بلفظها لجميع ما ذُكر فيها من الأقوال..
٢ - أي أنفسكم، فعبر بالبعض عن الكل..
٣ - انظر سيرة ابن هشام في كلام على حفر زمزم، ففيها زيادة على ما ذكروه هنا..
٤ - فالمفعول محذوف تقديره: "أنفسكم"..
٥ - قال جار الله الزمخشري: يجوز أن يكون أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة، ثم أُبدلت من الكسرة ضمة، ولا حاجة إلى هذا ما دام كتاب الله يثبتها، وقد أشارت بعض المعاجم إلى أن التهلكة مثلثة اللام..
٦ - حديث أبي أيوب الأنصاري رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم، وهو خالد بن زيد بن ثعلبة الأنصاري، نزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم عند هجرته إلى المدينة، ومات رضي الله عنه غازيا بأرض الروم، أي قسطنطينية وقبره هناك مشهور، توفي سنة ٥٢هـ..
٧ - فالآية عند أبي أيوب الأنصاري في ترك الجهاد، وإنكاره رضي الله عنه عليهم ليس إنكارا لعموم الآية، وإنما هو للرد على من زعم أنها نزلت في قتال الواحد للجماعة من الأعداء، والله أعلم. ويقال في معنى الآية، لا تركبوا الأخطار التي دلت العادة على أنها مهلكة، والإلقاء بالنفس إلى الهلاك في غير الجهاد يسمى إبسالا. وقوله تعالى: \[ومن الناس من يشري نفسه... \] الخ من الآية (٢٠٧) من سورة (البقرة)..
٨ - فالآية في اليأس من قبول التوبة..
٩ - الآية عامة تشمل سائر أقوال المفسرين، لأن حذف المعمول يؤذن بالعموم، لأن الله كتب الإحسان على كل شيء..
١٠ - جاءت في حسن الظن بالله أحاديث صحيحة، منها ما في صحيح مسلم عن جابر قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام يقول، لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله). ومنها حديث: (أنا عند ظن عبدي بي). حديث متفق عليه من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا عن الله عز وجل، ومنها حديث سالم بن عامر، عن أبي هريرة عند البيهقي: (يا أيها الناس، أحسنوا الظن برب العالمين، فإن الربّ عند ظن عبده)..

### الآية 2:196

> ﻿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:196]

وقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ، قال ابن زيد والشعبي وغيرهما : إتمامهما أن لا تفسخ وأن تتمهما إذا بدأت بهما. 
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك( [(١)](#foonote-١) )، وفعله عمران بن حصين. 
وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويؤيد هذا قوله : لله . 
وقال قتادة والقاسم بن محمد : إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير أشهر الحج، وأن تتم الحج دون نقص ولا جبر بدم، وهذا مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص، وهو قول مالك وجماعة من العلماء. وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن كثرة الدم كمال وزيادة، وكلما كثر عندهم لزوم الدم فهو أفضل، واحتجوا بأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أفضل الحج ؟ فقال : العج والثج( [(٢)](#foonote-٢) )، ومالك ومن قال بقوله يراه ثج التطوع. 
وقالت فرقة : إتمامهما أن تفرد كل واحدة من حجة وعمرة ولا تقرن، وهذا على أن الإفراد أفضل. 
وقالت فرقة : القرآن أفضل، وذلك هو الإتمام عندهم. 
وقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم وغيرهم : إتمامهما أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من دماء. 
وفروض الحج : النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي، والسعي بين الصفا والمروة عندنا خلافاً لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة على قول ابن الماجشون، وأما أعمال العمرة فنية وإحرام، وطواف، وسعي. 
واختلف في فرض العمرة فقال مالك رحمه الله : هي سنة واجبة( [(٣)](#foonote-٣) ) لا ينبغي أن تترك كالوتر، وهي عندنا مرة واحدة في العام( [(٤)](#foonote-٤) )، وهذا قول جمهور أصحابه، وحكى ابن المنذر( [(٥)](#foonote-٥) ) في الإشراف عن أصحاب الرأي أنها عندهم غير واجبة، وحكى بعض القرويين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه يوجبها كالحج، وبأنها سنة. 
قال ابن مسعود وجمهور من العلماء، وأسند الطبري النص على ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق والشعبي وجماعة تابعين : أنها وجبة كالفرض( [(٦)](#foonote-٦) )، وقاله ابن الجهم من المالكيين. 
وقال مسروق :**«الحج والعمرة فرض، نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة »**، وقرأ الشعبي وأبو حيوة **«والعمرةُ لله »** برفع العمرة على القطع والابتداء، وقرأ ابن أبي إسحاق **«الحجِ »** بكسر الحاء، وفي مصحف ابن مسعود **«وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله »**، وروي عنه :**«وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت »**، وروي غير هذا مما هو كالتفسير( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وقوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( [(٨)](#foonote-٨) )، قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو. 
وقال ابن عباس وغيره بعكس ذلك، والمشهور من اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس حصر بالمرض وأحصر بالعدو. 
وقال الفراء :**«هما بمعنى واحد في المرض والعدو »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والصحيح أن حصر إنما هي فيما أحاط( [(٩)](#foonote-٩) ) وجاور فقد يحصر العدو والماء ونحوه ولا يحصر المرض، وأحصر معناه جعل الشيء ذا حصر( [(١٠)](#foonote-١٠) ) كأقبر وأحمى( [(١١)](#foonote-١١) ) وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون محصراً لا حاصراً، ألا ترى أن العدو كان محصراً في عام الحديبية، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهور الناس على أن المحصر بالعدو يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه. 
وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه فإذا بلغ محله صار حلالاً ولا قضاء عليه عند الجميع إلا أن يكون ضرورة فعليه حجة الإسلام. 
وقال ابن الماجشون :**«ليست عليه حجة الإسلام وقد قضاها حين أحصر »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لا وجه له. 
وقال أشهب :**«يهدي المحصر بعدو هدياً من أجل الحصر »**. 
وقال ابن القاسم :**«لا يهدي شيئاً إلا إن كان معه هدي فأراد نحره »**، ذكره ابن أبي زيد. 
وقال عطاء وغيره : المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو. 
وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء : المحصر بالمرض لا يحله إلا البيت، ويقيم حتى يفيق، وإن قام سنين، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية في أوائل الحرم وحل بعمرة، ثم تكون عليه حجة قضاء وفيها يكون الهدي، وقيل : إن الهدي يجب في وقت الحصر أولاً( [(١٢)](#foonote-١٢) )، ولم ير ابن عباس من أحصره المرض داخلاً في هذه الآية، وقال : إن المريض إن لم يكن معه هدي حل حيث حبس، وإن كان معه هدي لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم لا قضاء عليه، قال : وإنما قال الله : فإذا أمنتم  والأمن إنما هو من العدو فليس المريض في الآية. 
و  ما  في موضع رفع، أي فالجواب أو فعليكم ما استيسر، ويحتمل أن تكون في موضع نصب أي فانحروا أو فاهدوا، و  ما استيسر  عند جمهور أهل العلم : شاة. 
وقال ابن عمر وعروة بن الزبير  ما استيسر  جمل دون جمل وبقرة دون بقرة. 
وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة واخسّه شاة، و  الهدي  جمع هدية كجدية السرج وهي البراد جمعها جدى( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ويحتمل أن يكون  الهدي  مصدراً سمي به كالرهن ونحوه فيقع للإفراد وللجمع. 
وقال أبو عمرو بن العلاء :**«لا أعرف لهذه اللفظة نظيراً »**. 
وقوله تعالى : ولا تحلقوا رؤوسكم  الآية، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى( [(١٤)](#foonote-١٤) )، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، ومحل الهدي حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يحصر بمنى ولمن أحصر بعد وحيث أحصر إذا لم يمكن إرساله، وأما المريض فإن كان له هدي فيرسله إلى محله. 
والترتيب( [(١٥)](#foonote-١٥) ) أن يرمي الحاج الجمرة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة، فإن نحر رجل قبل الرمي أو حلق قبل النحر فلا حرج حسب الحديث ولا دم. 
وقال( [(١٦)](#foonote-١٦) ) قوم : لا حرج في الحج ولكن يهرق دماً. 
وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا :**«إذا حلق قبل أن ينحر فليهد، وإن حلق رجل قبل أن يرمي فعليه دم قولاً واحداً في المذهب »**( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
قال ابن المواز ( [(١٨)](#foonote-١٨) )عن مالك : ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي، ولا دم في ذلك عند أبي حنيفة وجماعة معه. 
وقرأ الزهري والأعرج وأبو حيوة **«الهدِيّ »** بكسر الدال وشد الياء في الموضعين واحدته هدية، ورويت هذه القراءة عن عاصم. 
وقوله تعالى : فمن كان منكم مريضاً  الآية، المعنى فحلق لإزالة الأذى  ففدية ، وهذا هو فحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين، ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة( [(١٩)](#foonote-١٩) ) حين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يتناثر قملاً، فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة. و  فدية  رفع على خبر الابتداء، والصيام عند مالك وعطاء ومجاهد وإبراهيم وغيرهم وجميع أصحاب مالك : ثلاثة أيام، والصدقة : ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وذلك مدّان بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، والنسك : شاة بإجماع، ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل. 
وقال الحسن بن أبي الحسن وعكرمة : الصيام عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين. 
وقرأ الزهري **«أو نسْك »** بسكون السين. 
وقال سعيد بن جبير ومجاهد : النسْك شاة، فإن لم يجدها فقيمتها يشترى بها طعام فيطعم منه مدّان لكل مسكين، فإن لم يجد القيمة عرفها وعرف ما يشترى بها من الطعام وصام عن كل مدين يوماً. 
قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه : ذلك كله حيث شاء( [(٢١)](#foonote-٢١) )، وقاله إبراهيم وهو مذهب مالك وأصحابه إلا ابن الجهم، فإنه قال : لا يكون النسك إلا بمكة. 
وقال عطاء في بعض ما روي عنه وأصحاب الرأي : النسك بمكة، والصيام والإطعام حيث شاء. 
وقال الحسن بن أبي الحسن وطاوس وعطاء أيضاً ومجاهد والشافعي : النسك والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، والمفتدي مخير في أي هذه الثلاثة شاء، وكذلك قال مالك وغيره في كل ما في القرآن أو فإنه على التخيير. 
وقوله تعالى : فإذا أمنتم ، قال علقمة وعروة : المعنى إذا برأتم من مرضكم. وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما : إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر، وهذا أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه. 
وقوله تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج  الآية، قال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم، وصورة المتمتع عند ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ويقضي الحج من قابل، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء، وصورة المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه. 
وقال ابن عباس وجماعة من العلماء : الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله، وصورة المتمتع أن تجتمع فيه ستة شروط : أن يكون معتمراً في أشهر الحج، وهو من غير حاضري المسجد الحرام، ويحل( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) وينشىء الحج من عامه ذلك دون رجوع إلى وطنه أو ما ساواه بعداً. هذا قول مالك واصحابه، واختلف لم سمي متمتعاً، فقال ابن القاسم : لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، وقال غيره : سمي متمتعاً لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفرة وحق الحج كذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هدياً كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هذه شدة على القادم مكة من سائر الأقطار لما أسقط سفراً، والمكي لا يقتضي حاله سفراً في عمرة ولا حج لأنه في بقعة الحج فلم يلزم شيئاً لأنه لم يسقط شيئاً، ومن قال إن اسم التمتع وحكمه إنما هو من جهة التمتع بالنساء والطيب وغير ذلك فيرد عليه أنه يستغرق قوله : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج  المكي وغيره على السواء في القياس، فكيف يشتد مع ذلك على الغريب الذي هو أعذر ويلزم هدياً، ولا يفعل ذلك بالمكي، فيترجح بهذا النظر أن التمتع إنما هو من أجل إسقاط أحد السفرين، إلا أن أبا عبيد قال في كتاب الناسخ والمنسوخ له : إن العمرة في أشهر الحج ممنوعة للمكي لا تجوز له، ورخص الله تعالى للقادم لطول بقائه محرماً وقرن الرخصة بالهدي. 
قال القاضي أبو محمد : فهذه شدة على أهل مكة، وبهذا النظر يحسن أن يكون التمتع من جهة استباحة ما لا يجوز للمحرم، لكنه قول شاذ لا يعول عليه، وجل الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج للمكي ولا دم عليه، وذكر أبو عبيد القولين عن ابن عمر واستند إليه في الذي وافقه، وقد حكاه الطبري عن ابن عباس وقال : إنه قال يا أهل مكة لا متعة لكم، إن الله قد أحلها لأهل الآفاق وحرمها عليكم، وإنما يقطع أحدكم وادياً ثم يحرم بعمرة. 
قال القاضي أبو محمد : فمعنى هذا أنهم متى أحرموا داموا إلى الحج، وقال السدي : المتمتع هو الذي يفسخ الحج في العمرة( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، وذلك لا يجوز عند مالك، وفي صحيح مسلم حديث سراقة بن مالك قال : قلت يا رسول الله : فسخ الحج في العمرة ألنا خاصة أم للأبد ؟ فقال :**«بل لأبد أبد، بل لأبد أبد »**( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ). 
قال القاضي أبو محمد : وإنما شرط في المتمتع أن يحل في أشهر الحج لأنها مدة يملكها الحج فمن كان فيها محرماً فحقه أن يصل الإحرام إلى الحج، وفي كتاب مسلم إيعاب الأحاديث في هذا المعنى، ومذهب عمر وقول أبي ذر إن متعة النساء ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال طاو

١ - المراد قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيحسن أن يحرم وهو في داره وبين أهله..
٢ - يقال: ثجَّ الماء والدم ثجًّا وثُجُوجاً: سال، فهو ثَجَّاج ومنه قوله تعالى: \[وأنزلنا من المعصرات ماء ثجَّاجاً\] والعجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثَّج: إسالة دماء الهدايا. والحديث رواه الإمام الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو حديث غريب ولكنه للترغيب..
٣ - أي مؤكدة، ولا تدل الآية على وجوبها، لأن الله إنما قرنها بالحج في وجوب الإتمام لا في وجوب الابتداء بها. وابتدأ الصلاة والزكاة فقال: \[وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة\]، وابتدأ بإيجاب الحج فقال: \[ولله على الناس حجّ البيت\] الآية، وعندما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا غير، ويشهد لذلك أيضا حديث جابر بن عبد الله، عند الترمذي، والدارقطني: (أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج أواجب هو ؟ قال: نعم، فسأله عن العمرة أواجبة هي ؟ فقال: لأن تعتمر خير لك). ويشهد لذلك أيضا قراءة الشعبي، وأبي حَيْوة: (والعمرة لله) برفع التاء في العمرة. وقراءة الجماعة تدل على وجوب الإتمام ليس إلا، والذين يقولون بالوجوب يقولون: الأمر بإتمامها أمر بها، ويستدلون ببعض الأحاديث، والجمع بين الأدلة هو أن العمرة بعد الشروع فيها واجبة، وقبل الشروع فيها غير واجبة..
٤ - يعني أنها لا تكرر في العام. وفي الحديث: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)، أي في أشهره، وقد كانوا في الجاهلية لا يقيمونها في أوقات الحج..
٥ - هو أبو بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري، كان فقيها عالما. صنّف في اختلاف العلماء كتبا لم يصنف مثلها منها كتاب "الإشراف في مذاهب الأشراف" وهو كتاب كبير يدل على كثرة اطلاعه على مذاهب الأئمة، وكانت وفاته كما في "شذرات الذهب" سنة ٣١٦هـ..
٦ - يريد كالحج..
٧ - يعني أن ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه من باب التفسير للآية، لمخالفته لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون..
٨ - قال ابن عطية رحمه الله عند قوله تعالى: \[للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله\] الآية: وذهب بعض اللغويين إلى أن أُحصر وحُصر بمعنى واحد من الحَبْس والمنع سواء كان ذلك بعدوّ أو مرض ونحوه من الأعذار، حكاه ابن سيده، وغيره. وفسر السدي هنا الإحصار بأنه بالعدو، وذهب بعضهم إلى أن أُحْصر إنما يكون بالمرض والأعذار، وحُصر بالعدوّ، وعلى هذا فسر ابن زيد وقتادة، ورجحه الطبري، وتأول في هذه الآية أنهم حابسوا نفسهم بربقة الدين وقصد بالجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم لكفر، فصار خوف العدو عذرا أُحصروا به قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
 هذا متجه كأن هذه الأعذار أحصرتهم أي جعلتهم ذوي حَصَر كما قالوا: قبَره أي أدخله في قبره، وأقبره: جعله ذا قبر، فالعدو وكل محيط محصر، والأعذار المانعة تُحصر بضم التاء وكسر الصاد – أي تجعل المرء كالمحاط به. انتهى..
٩ - يريد: فيما أحاط بالشيء وجاوره وضيَّق عليه، فالعدو هنا حاصِر لا مُحْصر، وقد يكون العدو محْصَراً لا حاصِراً كما في قضية الحديبية، فإن العدو لم يكن محيطا بالمسلمين ولكنه كالمحيط بهم..
١٠ - أي جعله يحصر نفسه..
١١ - أقبر فلانا جعل له قبرا، وأحمى المكان جعله حمى..
١٢ - قال عزّ الدين بن عبد السلام – في قواعد الأحكام – ما ذكره مالك، والشافعي من أن التحلل يكون بحصر العدوّ دون حصر العذر والمرض لا نظير له في الشريعة السمحة التي قال الله فيها: \[وما جعل عليكم في الدين من حرج\] \[يريد الله أن يخفف عنكم\] \[يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر\]. فإنّ من انكسرت رجله وتعذر عليه أن يعود إلى الحج والعمرة يبقى في بقية عمره حاسر الرأس متجردا من اللباس ممنوعا من النكاح والطيب وقلم الأظافر وحلق الشعر وهذا بعيد من رحمة الشارع ورفقه ولطفه بعباده ا هـ.
 وهذا تأييد لكون التحلل كما يكون في حصر العدوّ يكون في إحصار الأعذار والأمراض والله أعلم..
١٣ - جَدْيَة السرج هي رفادته، أي دعامته من لبد أو أديم تستبطن دفّي السرج والرحل..
١٤ - يشير بهذا إلى أن الآية معطوفة على قوله تعالى: \[فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي\] كما قال الإمام ابن جرير رحمه الله، وقال (ك): هو معطوف على قوله تعالى: \[وأتموا الحج والعمرة لله\] فإن النبي صلى الله عليه وسلم –عام الحديبية- حلق ونحر خارج الحرم، وقد تصرف ابن عطية رحمه الله في هذا المحل تصرفا لائقا..
١٥ - أي ترتيب ما يفعل يوم النحر، فإذا خالف هذا الترتيب فلا حرج كما في حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص، وفي حديث ابن عباس..
١٦ - في بعض النسخ وقال أصحاب الرأي..
١٧ - قال الشيخ خليل رحمه الله عاطفا على ما فيه الدم: وتقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي لا إن خالف في غير. انتهى. واعترض عليه بأن الواجب في تقديم الحلق على الرمي الفدية لا الدم لوقوعه قبل شيء من التحلل، والقاعدة عند الفقهاء أن الدم إنما ينصرف للهدي..
١٨ - هو محمد بن سعيد الموثق أبو عبد الله القرطبي. كان من علماء المذهب المالكي راجع الديباج ٢٦٥..
١٩ - صحابي جليل، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب – كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية، وهو الذي نزلت فيه الفدية، قيل إنه توفي سنة (٥١) هـ الإصابة ٥ – ٣٠٤..
٢٠ - قال الشيخ خليل في مختصره: والفدية فيما يترفه به أو يزيل أذى، ثم قال: وهي نسك بشاء فأعلى، أو إطعام ستة مساكين لكل مُدّان كالكفارة، أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى..
٢١ - بمكة أو بغيرها، قال شيخ المالكية في مختصره: ولم تختص بزمان أو مكان. انتهى. فالفدية ليست كالهدي الذي لا يكون إلا بمكة ويوم النحر..
٢٢ - إنما كان من شرط المتمتع أن يحل في أشهر الحج لأنها مدة يملكها الحج، فمن كان محرما فيها فحقه أن يصل الإحرام إلى الحج، فلما حل وجب عليه الدم..
٢٣ - بيان ذلك أنه يتمتع بكل ما يمنع منه المحرم من طيب ونساء وغير ذلك. وقيل: إن وجه ذلك أنه أسقط سفرا لأن كلا من الحج والعمرة يستحق سفرا – والتعليل الأول في نظر ابن عطية ضعيف كما يأتي له، وإن كان غيره يعتبره ويعتد به..
٢٤ - وإنما فسخ النبي صلى الله عليه وسلم الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها، وكان ذلك له ولمن معه بخاصة، لأن الله سبحانه قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من دخل فيهما أمرا مطلقا، ويجب ألا يخالف ظاهر الكتاب، إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبيّنة، وفسخ الحج في العمرة، وإرداف العمرة على الحج كلاهما ممنوع عند الإمام مالك رحمه الله. وعليه فالأقسام خمسة: إفراد، وتمتّع، وقِران، وللإنسان أن يؤدي الحج أو العمرة بأي نوع من هذه الأنواع الثلاثة، إلا أن الأفضل عند المالكية هو الإفراد. وأما فسخ الحج في العمرة، وإرداف العمرة على الحج فهما ممنوعان عند المالكية وإرداف الحج على العمرة بعد الفراغ منها تمتع، وقبل الفراغ منها قران. وأما إرداف العمرة على الحج في وادي العقيق لما قال له صلى الله عليه وسلم: (قل: عمرة في حجة) فخصوصية كفسخ أصحابه الحج إلى العمرة، وكل ذلك كان إزالة لما تقرر في نفوسهم من أن العمرة في وقت الحج من أفجر الفجور..
٢٥ - سراقة بن مالك صحابي مشهور، وهو صاحب القصة المعروفة في الهجرة النبوية الكريمة. وفي حديث جابر الطويل في كتاب "مسلم" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ؟ فشبّك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج. مرتين، لا، بل لأبد أبد.
 وفي سنن النسائي قال: سراقة: يا رسول الله. أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أو للأبد ؟ قال: هي للأبد. وفي رواية أخرى: ألنا خاصة أم لأبد ؟ قال: بل لأبد. وفي رواية: يا رسول الله – أفسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة ؟ قال: بل لنا خاصة.
 هذا رد على أهل الجاهلية الذين كانوا يقولون: **«إذا برأ الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر»**..

### الآية 2:197

> ﻿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [2:197]

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ( ١٩٧ )
وقوله تعالى : الحج أشهر معلومات ، في الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر، أو : وقت الحج أشهر، أو : وقت عمل الحج أشهر( [(١)](#foonote-١) )، والغرض إنما هو أن يكون الخبر عن الابتداء هو الابتداء نفسه( [(٢)](#foonote-٢) )، والحج ليس بالأشهر فاحتيج إلى هذه التقديرات، ومن قدر الكلام : الحج في أشهر، فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ بنصبها أحد( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله. 
وقال ابن عباس والشعبي والسدي وإبراهيم : هي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، والقولان لمالك رحمه الله، حكى الأخير ابن حبيب، وجمع على هذا القول الأخير الاثنان وبعض الثالث( [(٤)](#foonote-٤) ) كما فعلوا في جمع عشر فقالوا عشرون لعشرين ويومين من الثالث( [(٥)](#foonote-٥) )، وكما قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
ثلاثون شهراً في ثلاثةِ أَحْوَال( [(٦)](#foonote-٦) ). . . فمن قال إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دماً فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج، وعلى القول الآخر ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وقوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج  أي من ألزم نفسه( [(٨)](#foonote-٨) )، وأصل الفرض الحز الذي يكون في السهام والقسي وغيرها، ومنه فرضة النهر والجبل، فكأن من التزم شيئاً وأثبته على نفسه قد فرضه، وفرض الحج هو بالنية والدخول في الإحرام، والتلبية تبع لذلك، و  من  رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والخبر قوله  فرض  لأن  من  ليست بموصولة فكأنه قال فرجل فرض، وقوله  فلا رفث  يحتمل أن يكون الخبر، وتكون  فرض  صفة( [(٩)](#foonote-٩) ). 
وقوله تعالى : فيهن  ولم يجيء الكلام فرض فيها : فقال قوم : هما سواء في الاستعمال. 
وقال أبو عثمان المازني( [(١٠)](#foonote-١٠) ) :**«الجميع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس كذلك، تقول الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت »**( [(١١)](#foonote-١١) )، ويؤيد ذلك قوله تعالى : إن عدة الشهور ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) \[ التوبة : ٣٦ \]، ثم قال : منها ، وقرأ نافع **«فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ »** بنصب الجميع، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ »** بالرفع في الاثنين ونصب الجدال، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة، ورويت عن عاصم في بعض الطرق( [(١٣)](#foonote-١٣) )، و  لا  بمعنى ليس في قراءة الرفع( [(١٤)](#foonote-١٤) ) وخبرها محذوف على قراءة أبي عمرو( [(١٥)](#foonote-١٥) )، و  في الحج  خبر  لا جدال  وحذف الخبر هنا هو مذهب أبي علي، وقد خولف في ذلك، بل  في الحج  هو خبر الكل، إذ هو في موضع رفع في الوجهين( [(١٦)](#foonote-١٦) )، لأن  لا  إنما تعمل على بابها فيما يليها وخبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء( [(١٧)](#foonote-١٧) )، وظن أبو علي أنها بمنزلة ليس في نصب الخبر، وليس كذلك، بل هي والاسم في موضع الابتداء يطلبان الخبر، و  في الحج  هو الخبر في قراءة كلها بالرفع وفي قراءتها بالنصب( [(١٨)](#foonote-١٨) )، والتحرير أن  في الحج  في موضع نصب بالخبر المقدر كأنك قلت موجود في الحج، ولا فرق بين الآية وبين قولك زيد في الدار. 
وقال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة ومالك ومجاهد وغيرهم : الرفث الجماع. 
وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإعراب والتعريب( [(١٩)](#foonote-١٩) )، وهو الإفحاش بأمر الجماع عند النساء خاصة، وهذا قول ابن عباس أيضاً، وأنشد وهو محرم :
وَهُنَّ يَمْشينَ بِنَا هَمِيساً. . . إنْ تَصْدُقِ الطِّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فقيل له : ترفث وأنت محرم ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا، وقد قال ابن عمر للحادي :**«لا تذكر النساء »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يحتمل أن تحضر امرأة فلذلك نهاه، وإنما يقوي القول من جهة ما يلزم من توقير الحج. 
وقال أبو عبيدة :**«الرفث اللغا من الكلام »**، وأنشد :
وَرُبَّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظُمِ. . . عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ( [(٢١)](#foonote-٢١) )
قال القاضي أبو محمد : ولا حجة في البيت، وقرأ ابن مسعود **«ولا رفوث »**. 
وقال ابن عباس وعطاء والحسن وغيرهم : الفسوق المعاصي كلها لا يختص بها شيء دون شيء. 
وقال ابن عمر وجماعة معه : الفسوق المعاصي في معنى الحج كقتل الصيد وغيره( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ). 
وقال ابن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قول الله تعالى : أو فسقاً أهل لغير الله به ( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) \[ الأنعام : ١٤٥ \]. 
وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب، ومنه قول الله تعالى : بئس الاسم الفسوق ( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) \[ الحجرات : ١١ \]. 
وقال ابن عمر أيضاً ومجاهد وعطاء وإبراهيم : الفسوق السباب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر »**( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ). 
قال القاضي أبو محمد : وعموم جميع المعاصي أولى الأقوال. 
وقال قتادة وغيره : الجدال هنا السباب. 
وقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد : الجدال هنا أن تماري مسلماً حتى تغضبه. 
وقال مالك وابن زيد : الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك. 
وقال محمد بن كعب القرظي : الجدال أن تقول طائفة حجنا أبر من حجكم وتقول الأخرى مثل ذلك. 
وقالت فرقة : الجدال هنا أن تقول طائفة : الجح اليوم وتقول طائفة بل الحج غداً، وقيل : الجدال كان في الفخر بالآباء. 
وقال مجاهد وجماعة معه : الجدال أن تنسىء العرب الشهور حسبما كان النسيء عليه، فقرر الشرع وقت الحج وبينه، وأخبر أنه حتم لا جدال فيه، وهذا أصح الأقوال وأظهرها، والجدال مأخوذ من الجدل وهو الفتل، كأن كل مجادل يفاتل( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) صاحبه في الكلام. 
وأما ما كان النسيء عليه فظاهر سير ابن إسحاق وغيرها من الدواوين أن الناسىء كان يحل المحرم لئلا تتوالى على العرب ثلاثة أشهر لا إغارة فيها، ويحرم صفر، وربما سموه المحرم، وتبقى سائر الأشهر بأسمائها حتى يأتي حجهم في ذي الحجة على الحقيقة، وأسند الطبري عن مجاهد أنه قال : كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون صفران لصفر وشهر ربيع الأول، ثم كذلك ينقلون أسماء الشهور، ويتبدل وقت الحج في الحقيقة، لكنه يبقى في ذي الحجة بالتسمية لا في حقيقة الشهر، قال : فكان حج أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة على الحقيقة( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ) ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة على الحقيقة، وحينئذ قال :**«إن الزمان قد استدار »** الحديث( [(٢٨)](#foonote-٢٨) )، ونزلت  ولا جدال في الحج  أي قد تبين أمره فلا ينتقل شهر البتة أبداً. 
وقوله تعالى : وما تفعلوا من خير يعلمه الله  المعنى فيثيب عليه، وفي هذا تخصيص على فعل الخير. 
وقوله تعالى : وتزودوا  الآية، قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويقول بعضهم : نحن المتوكلون، ويقول بعضهم : كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود. 
وقال بعض الناس : المعنى تزودوا الرفيق الصالح، وهذا تخصيص ضعيف، والأولى في معنى الآية : وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة( [(٢٩)](#foonote-٢٩) )، وفي قوله تعالى : فإن خير الزاد التقوى  حض على التقوى، وخص أولو الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله وهم قابلو أوامره، والناهضون بها، وهذا على أن اللب لب( [(٣٠)](#foonote-٣٠) ) التجارب وجودة النظر، وإن جعلناه لب التكليف فالنداء ب  أولي الألباب  عام لجيمع المكلفين، واللب العقل، تقول العرب لبُبْت بضم الباء الأولى ألُب بضم اللام، حكاه سيبويه، وليس في الكلام فعل يفعل بضم العين فيهما غير هذه الكلمة( [(٣١)](#foonote-٣١) ). 
١ - والحذف إما في المبتدأ كما قدر ابن عطية، أو في الخبر: ويكون التقدير الحج حج أشهر معلومات..
٢ - أي في المعنى لأن الوقت هو الشهر، وليس الحج شهرا..
٣ - الذي عند البصريين أن ظرف الزمان إذا كان نكرة خبرا عن مصدر يجوز رفعه إتباعا، وعليه فلا يلزم نصبه..
٤ - هذا من باب إطلاق الكل على البعض، وهذا شائع في لغة العرب، تقول: رأيتك سنة كذا، وإنما رأيته في يوم منها مثلا..
٥ - في لسان العرب، قال الليث: قلت للخليل: ما معنى العشرين ؟ قال جماعة عشر، قلت فالعشر كم يكن ؟ قال: تسعة أيام، قلت: فعشرون إنما عشران ويومان قال: لما كان من العشر الثالث يومان جمعته بالعشرين. قلت: وإن لم يستوعب الجزء الثالث ؟ قال: نعم. ألا ترى إلى قول أبي حنيفة: إذا طلقها تطليقتين وعشر تطليقة فإنه يجعلها ثلاثا وإنما من الطلقة الثالثة فيه جزء فالعشرون هذا قياسه. ا هـ..
٦ - البيت هو:
 وهل يَنْعَمْنَ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْــدِهِ ثَلاَثِينَ شَهْراً في ثلاثَةِ أَحْــوَالِ
 وانظر ابن عطية عند قوله تعالى: \[والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين\]..
٧ - أشار بهذا إلى ثمرة الخلاف في أشهر الحج، هل هي: ثلاثة أشهر كاملة، أو شهران وعشر ذي الحجة..
٨ - وقال ابن عباس رضي الله عنه: فرض فيهن الحج: أي أحرم به فيهن، ومآل القولين واحد. وفي "المعجم الوسيط" فرض الشيء – فيه – فرضا: حزّ فيه حزّأ، يقال: فرض الأمر: أوجبه – يقال: فرضه عليه: كتبه عليه- وله: خصّه به، وفي التنزيل العزيز \[ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له\]..
٩ - هذا أظهر مما قبله وأفيد. قال (ح): وهذه الجملة في موضع جواب الشرط إن كانت (من) شرطية، وفي موضع الخبر إن كانت (مِنْ) شرطية، وفي موضع الخبر إن كانت (مِنْ) موصولة، وعلى كلا التقديرين لا بد من رابط يربط بين الجملة الشرطية أو الجملة الخبرية فيجب تقديره. انظره..
١٠ - هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني النحوي البصري المشهور، كان إماما في النحو والأدب، أخذ عن أبي عبيدة الأصمعي والأخفش، وهو أستاذ للمبرد، وقد قيل عنه: لم يكن أحد بعد سيبويه أعلم بالنحو من المازني – توفي سنة ٢٤٩هـ..
١١ - قوله: **«الأجذاع انكسرت»** عائد على الجمع القليل، وقوله **«والجذوع انكسرت»** عائد على الجمع الكثير، فهو لف ونشر غير مرتب..
١٢ - من الآية (٣٦) من سورة (التوبة)..
١٣ - قال الإمام ابن العربي في أحكامه: قوله تعالى: \[فلا رفث ولا فسوق\] أراد نفيه مشروعا لا موجودا، فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره ا هـ. ، وقال غيره: الآية بمعنى النهي. وقراءة ابن كثير وأبي عمرو برفع (رفث وفسوق) إنما هي بالرفع مع التنوين كما نص عليه (ح) في البحر المحيط..
١٤ - قال (ح): «وهذا الذي جوزه وجزم به ابن عطية ضعيف لأن إعمال لا عمل (ليس) قليل جدا لم يجئ منه في لسان العرب إلا مالا بال له، والذي يحفظ من ذلك قوله:
 تعَزَّ فلا شيْءٌ على الأرض باقِيَــا ولا وزَرٌ مِمَّـا قَضى الله واقِيــا
 **وقول النابغة الجعدي:**
 وحَلَّت سَواد القلْـب لا أنا باغِيــا سِواها ولا في حُبِّهَـا مُتَرَاخِيــا.
١٥ - قال (ح) تعقيبا على ذلك: «وقد نصّ الناس على أن خبر كان وأخواتها ومنها (ليس) لا يجوز حذفه لا اختصارا ولا اقتصارًا، ثم ذكروا أنه قد حذف خبر ليس في الشعر في قوله:
 .................................. يرجو جوارك حين ليس مجيــر 
 على طريق الضرورة أو الندور، وما كان كذلك فلا يحمل القرآن عليه..
١٦ - يعني بهما كونها بمعنى ليس، وكونها مبنية مع (لا)، قال (ح) وهذا لا يصح لأنها إذا كانت بمعنى ليس احتاجت إلى خبر منصوب، وإذا بنيت مع (لا) احتاجت إلى خبر مرفوع. انظره..
١٧ - هذا تعليل لكون \[في الحج\] خبر للكل إذ هي في موضع رفع في الوجهين على ما ذهب إليه. وذلك لا يجوز لأنها إذا كانت بمعنى (ليس) كان خبرها في موضع نصب – ولا يناسب هذا التعليل إلا كونها تعمل عمل (إن) فقط على مذهب سيبويه..
١٨ - ظن أبي علي صحيح، والدليل على ذلك أن العرب جاءت بخبر (لا) التي بمعنى (ليس) منصوبا في أشعارها فدل ذلك على أن ما فهمه أبو علي صحيح، انظر أبا حيان في مناقشاته لابن عطية..
١٩ - يقال عرب وأعرب إذا أفحش في القول، ومنه لا تحل العرابة للمحرم..
٢٠ - قول ابن عباس رضي الله عنه: (ننك لميسا) صريح في الجماع مع أن مثل ذلك يكني عنه لقبحه ولكنه لما جاء بقصد البيان والفرق بين ما يكره وما لا يكره سهل أمره، وكأنه رأى مظنة ذلك الاعتقاد فنفاه بذلك القول الصريح بيانا لمعنى قوله تعالى: \[فلا رفث ولا فسوق\] الآية، ومتى كان الشيء للبيان كان مطلوبا غير محظور. وقد سبق ذكر هذا الشاهد..
٢١ - تقدم هذا البيت بتمامه مع بيان معناه، وهو للعجاج..
٢٢ - على ما قاله ابن عباس ومن معه، وابن عمر ومن معه يكون الفسوق جمعا لا مصدرا، وعلى ما قال غيرهما يكون مصدرا لا جمعا..
٢٣ - من الآية (١٤٥) من سورة (الأنعام)..
٢٤ - من الآية (١١) من سورة (الحجرات)..
٢٥ - هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. ورواه أحمد في مسنده..
٢٦ - أي يخاتله ويخادعه..
٢٧ - هذا قول مجاهد، وقد رده الحافظ ابن كثير، والقسطلاني بقوله تعالى :\[وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر\].
 وقد نودي بهذا في حجة أبي بكر، فلو لم يكن حجه في ذي الحجة لما قال تعالى: (يوم الحجّ الأكبر)..
٢٨ - أخرجه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد، عن أبي بكرة الثقفي، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الزمان قد استدار كهيئته) الخ أن السنة قد عاد الحج فيها إلى ذي الحجة بسبب استدارتها. فحجة الوداع كانت على حساب السنة التي استقامت ورجعت إلى الأصل الموضوع يوم خلق الله السموات والأرض، وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم إذ أخبر بأمر دقيق وهو مسامته رأس الحمل لأول قسم من أقسام الفلك الأطلس وهو نقطة الاعتدال الربيعي، فأخبر صلى الله عليه وسلم بذلك في الزمن الذي وقعت فيه المسامتة المذكورة، فصار الأمر من ذلك الوقت – في عدة الشهور وفي تحريم ما هو محرم منها على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي لا على ما كانت تفعله العرب من فعلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض، والله أعلم..
٢٩ - قيل: المراد بالزاد الزاد الظاهر، وهو سبب النزول كما قاله ابن عمر، وعكرمة، وغيرهما، وقيل: المراد الزاد الباطن، وقال ابن عطية: وهذا هو الأولى في معنى الآية، أي لأنه المناسب، فقد جمعت الآية الزاد الظاهر والزاد الباطن، وذلك من زينة القرآن الباطنة المضافة إلى زينة ألفاظه الظاهرة، وقوله تعالى: \[فإن خير الزاد التقوى\] معناه: اتقاء كل ما فيه إثم، ومن ذلك إراقة ماء الوجه، والتطلع إلى ما في أيدي الناس، مع التملق والتذلل لهم والاعتماد عليهم، وكالتساهل في أداء الصلوات وعدم التحري في المأكولات، فعلى المرء أن يرضى بحاله، وألا يتبع هوى نفسه، حتى يكون العمل لله لا لغيره، فإذا أوجب الله عليك أمرا فافعل ما دام في وسعك أن تفعل، وإذا أسقطه عنك فاترك ولا تحرص..
٣٠ - اللَّبّ هو العقل، والعقل إما تجريبي وإما تكليفي، فإن نظرنا إلى المعنى الأول فأولوا الألباب خصوص، وإن نظرنا إلى المعنى الآخر فأولوا الألباب عموم..
٣١ - أي مضاعفا، وهذا هو الوصف الذي يجعل هذه الكلمة لا نظير لها في اللغة العربية، ولعلّ هذا القيد سقط من الكلام، انظر القاموس والمصباح..

### الآية 2:198

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [2:198]

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ  ( ١٩٨ )
وقوله تعالى : ليس عليكم جناح  الآية، الجناح أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي العقاب وفيما يقتضي العتاب والزجر، و  تبتغوا  معناه تطلبون بمحاولتكم. 
وقال ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعطاء : إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ وذي المجاز ومجنة، فأباح الله تعالى ذلك، أي لا درك في أن تتجروا وتطلبوا الربح( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال مجاهد :**«كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون، فنزلت الآية في إباحة ذلك »**. 
وقال ابن عمر فيمن أكرى ليحج :**«حجه تام ولا حرج عليه في ابتغاء الكراء »**، وقرأ ابن ( [(٢)](#foonote-٢) )عباس وابن مسعود وابن الزبير :**«ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج »**. 
وقوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات  أجمع أهل العلم على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل إلا مالك بن أنس، فإنه قال :**«لا بد أن يأخذ من الليل شيئاً، وأما من وقف بعرفة بالليل فلا خلاف بين الأمة في تمام حجه »** وأفاض القوم أو الجيش إذا اندفعوا جملة، ومنه أفاض الرجل في الكلام، ومنه فاض الإناء، وأفضته، ومنه المفيض في القداح، والتنوين في عرفات على حده في مسلمات، الكسرة مقابلة للياء في مسلمين والتنوين مقابل النون، فإذا سميت به شخصاً ترك، وهو معرف على حده قبل أن تسمي به، فإن كان  عرفات  اسماً تلك البقعة كلها فهو كما ذكرناه، وإن كان جمع عرفة فهو كمسلمات دون أن يسمى به( [(٣)](#foonote-٣) )، وحكى سيبويه كسر التاء من **«عرفاتِ »** دون تنوين في حال النصب والخفض مع التعريف، وحكى الكوفيون فتحها في حال النصب والخفض تشبيهاً بتاء فاطمة وطلحة، وسميت تلك البقعة  عرفاتَ  لأن إبراهيم عرفها حين رآها على ما وصفت له، قال السدي. 
وقال ابن عباس :**«سميت بذلك لأن جبريل عليه السلام كان يقول لإبراهيم عليه السلام : هذا موضع كذا، فيقول قد عرفت »**، وقيل : سميت بذلك لأن آدم عرف بها حواء حين لقيها هناك. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع، وعرفة هي نعمان الأراك( [(٤)](#foonote-٤) )، وفيها يقول الشاعر :
تزودت من نعمان عود أراكة. . . لهند ولكن من يبلغه هندا ؟( [(٥)](#foonote-٥) )
و  المشعر الحرام  جمع كله، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضى مأزمي عرفة( [(٦)](#foonote-٦) )، قال ذلك ابن عباس وابن جبير والربيع وابن عمر ومجاهد، فهي كلها مشعر إلى بطن محسر، كما أن عرفة كلها موقف إلا بطن عُرَنة، بفتح الراء وضمها، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة كلها مشعر، وارتفعوا عن بطن محسر »**( [(٧)](#foonote-٧) ) وذكر هذا عبد الله بن الزبير في خطبته، وفي المزدلفة قرن قزح الذي كانت قريش تقف عليه، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام ندب عند أهل العلم. 
وقال مالك :**«من مر به ولم ينزل فعليه دم »**، 
وقال الشافعي :**«من خرج من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم، وإن كان بعد نصف الليل فلا شيء عليه »** ؟. 
وقال الشعبي والنخعي : من فاته الوقوف بمزدلفة فاته الحج. 
وقوله : واذكروه كما هداكم  تعديد للنعمة وأمر بشكرها، ثم ذكرهم بحال ضلالهم ليظهر قدر الإنعام، والكاف في  كما  نعت لمصدر محذوف و\[ ما \] مصدرية أو كافة( [(٨)](#foonote-٨) )، و  إن  مخففة من الثقيلة، ويدل على ذلك دخول اللام في الخبر، هذا قول سيبويه. 
وقال الفراء :**«هي النافية( [(٩)](#foonote-٩) ) بمعنى ما، واللام بمعنى إلاّ »** والضمير في  قبله  عائد على الهدي. 
١ - أي في أيام الحج، اللهم إلا إذا كانت التجارة هي القصد فإن الفرض يسقط والثواب ينقص، انظر البخاري في باب التجارة في المواسم والبيع في أسواق الجاهلية. وقد كانت هذه الأسواق تقام في أشهر الحج. ومعنى قوله: لا درك: لا تبعَةَ. يقال: مالحقك من درك (بفتح الراء وسكونها) فعليّ خلاصه..
٢ - الأحسن أن تكون هذه القراءة تفسيرا لأنها تخالف سواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة..
٣ - فعرفات اسم في لفظ الجمع فلا يجمع، وقول الناس: نزلنا بعرفة شبيهق بمولد، وليس بعربي محض، وهي معرفة إن كانت جمعا، لأن الأماكن لا تزول فصار كالشيء الواحد، وفي المصباح: ويعرب (عرفات) إعراب (مسلمات ومؤمنات)، والتنوين يشبه تنوين المقابلة كما في باب (مسلمات)، وليس بتنوين صرف لوجود مقتضى المنع من الصرف وهو العملية والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام، وبعضهم يقول: عرفة هي الجبل، وعرفات جمع عرفة تقديرا لأنه يقال: وقفت بعرفة كما يقال: بعرفات ا هـ..
٤ - قال في المصباح: الأراك: موضع بعرفة من جهة الشام، وقال أيضا: ونعمان الأراك بفتح النون واد بين مكة والطائف ويخرج إلى عرفات، وقال الأزهري، نعمان اسم جبل بين مكة والطائف، وهو وَجّ الطائف، ووجّ الطائف: بلد الطائف. والوَجّ في الأصل: ضرب من الأودية – ذكره في الصحاح..
٥ - هو لابن أبي ربيعة كما في ديوانه. وفي رواية (تخيرت) (بدل تزودت)..
٦ - المَأزم بوزن مسجد: الطريق الضيق بين الجبلين، ويقال للموضع الذي بين عرفة والمشعر مأزما وثُنِّي المأزم لمكان الجبلين وإلا فهو واحد..
٧ - رواه الإمام مالك في الموطأ، قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث علي بن أبي طالب. وأكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرفة من عرفة، وبطن محسر من المزدلفة..
٨ - أي كفّت الكاف عن العمل، وكونها مصدرية أولى، أي كهدايته، والفرق بين المصدرية والكافة أن (ما) المصدرية تكون هي وما بعدها في موضع جر إذ ينسبك منها مع الفعل مصدر، والكافة لا يكون فيها ذلك إذ لا عمل لها البثّةَ..
٩ - ومعناها: ما كنتم من قبل الهدى إلا ضالين، والهداية هداية الإيمان، والضلال ضلال الكفر..

### الآية 2:199

> ﻿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:199]

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ( ١٩٩ )
قال ابن عباس وعائشة وعطاء وغيرهم : المخاطب بهذه الآية قريش ومن ولدت وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن قطين الله( [(١)](#foonote-١) ) فينبغي لنا أن نعظم الحرم ولا نعظم شيئاً من الحل، فسنوا شق الثياب في الطواف إلى غير ذلك وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم أن عرفة هي موقف إبراهيم لا يخرجون من الحرم ويقفون بجمع ويفيضون منه، ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم أن يفيضوا مع الجملة( [(٢)](#foonote-٢) )، و  ثم  ليست في هذه الآية للترتيب، إنما هي لعطف جملة كلام على جملة هي منها منقطعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحمس، ولكنه كان يقف مذ كان بعرفة، هداية من الله. 
وقال الضحاك :**«المخاطب بالآية جملة الأمة »** والمراد ب  الناس  إبراهيم عليه السلام كما قال : الذين قال لهم الناس  \[ آل عمران : ١٧٣ \] وهو يريد واحداً( [(٣)](#foonote-٣) )، ويحتمل على هذا أن يؤمر بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة فتجيء  ثم  على هذا الاحتمال على بابها( [(٤)](#foonote-٤) )، وعلى هذا الاحتمال عول الطبري، وقرأ سعيد بن جبير **«الناسي »**( [(٥)](#foonote-٥) ) وتأوله آدم عليه السلام، ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءاً به فلا أحفظه( [(٦)](#foonote-٦) )، وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه ومظان القبول ومساقط الرحمة، وفي الحديث( [(٧)](#foonote-٧) ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عشية عرفة فقال :**«أيها الناس، إن الله عز وجل قد تطاول عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله »**، فلما كان غداة جمع، خطب فقال :**«أيها الناس إن الله تطاول عليكم فعوض التبعات من عنده »**. 
وقالت فرقة : المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفاً لسنة إبراهيم في وقوفكم بقزح( [(٨)](#foonote-٨) ) من المزدلفة. 
١ - الحمس: هم سكان الحرم، والقطين: جمع قاطن أي ساكن. وقطين الله: ساكن حرمه..
٢ - أي مع الناس، أي من عرفة، وعلى هذا فثُمّ ليست للترتيب، وإذا كانت الإفاضة من مزدلفة فثُمَّ للترتيب على ما قرره ابن عطية رحمه الله. وقوله تعالى: \[ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس\] دعوة إلى المساواة والاندماج في الجماعة ونبذ الفوارق بين الناس، فالمسلمون يلتقون في هذا المؤتمر الإسلامي الشامل إخوانا متساوين مستغفرين من الكِبر والكبيرة، ومن الصلف والأنانية..
٣ - هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وقوله تعالى: \[الذين قال لهم... الخ\] من الآية (١٧٣) من سورة آل عمران..
٤ - أي احتمال الإفاضة من المزدلفة، وبابها أنها للترتيب..
٥ - مأخوذ من قوله تعالى: \[فنسي ولم نجد له عزما\]..
٦ - قال (ح) قد حفظه غيره، ثم نقل عن أبي العباس المهدوي أن سعيد بن جبير قرأ (النّاسي) بالياء، و(الناس) بالكسر من دون ياءٍ، وهي قراءة شاذة تدل على أن الإفاضة من عرفة شرع قديم. والحقيقة كما ذكر (ح) أيضا أن سيبويه لم يجز (الناسي) عربية إلا في الشعر فقط لا مطلقا كما يفهم من كلام ابن عطية..
٧ - رواه ابن جرير الطبري في التفسير عن ابن عمر..
٨ - جبل بالمزدلفة كانت تقف عليه قريش..

### الآية 2:200

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [2:200]

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ  ( ٢٠٠ )
وقوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم  الآية، قال مجاهد :**«المناسك الذبائح وهراقة الدماء »**، والمناسك عندي العبادات في معالم الحج ومواضع النسك فيه، والمعنى إذا فرغتم من حجكم الذي هو الوقوف بعرفة فاذكروا الله بمحامده وأثنوا عليه بآلائه عندكم، وخص هذا الوقت بالقضاء لما يقضي الناس فيه مناسكهم في حين واحد، وما قبل وما بعد فهو على الافتراق : هذا في طواف وهذا في رمي وهذا في حلاق وغير ذلك، وكانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة فتتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله تعالى( [(١)](#foonote-١) ) أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيام الجاهلية، هذا قول جمهور المفسرين. 
وقال ابن عباس وعطاء : معنى الآية اذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم، أي فاستغيثوا( [(٢)](#foonote-٢) ) به والجؤوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم. 
وقالت طائفة : معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك والنقص في دنيه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم، وقرأ محمد ابن كعب القرظي **«كذكركم آباؤكم »** أي اهتبلوا بذكره كما يهتبل المرء بذكر ابنه، فالمصدر على هذه القراءة مضاف إلى المفعول( [(٣)](#foonote-٣) )، و  أشد  في موضع خفض عطفاً على  ذكركم  ويجوز أن يكون في موضع نصب، التقدير أو اذكروه أشد ذكراً. 
وقوله تعالى : فمن الناس من يقول  الآية( [(٤)](#foonote-٤) )، قال أبو وائل والسدي وابن زيد : كانت عادتهم في الجاهلية أن يدعوا في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون الآخرة، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص، بأمر الدنيا( [(٥)](#foonote-٥) )، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم، والخلاق : النصيب والحظ، و  من  زائدة لأنها بعد النفي، فهي مستغرقة لجنس الحظوظ. 
١ - قال الإمام النووي رحمه الله: **«المراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر، ويحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر ويتعقل معناه، فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود»**.
 وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري:
 **«ولا مطمع للذاكر في درك حقائق الذكر إلا بإعمال الفكر فيما تحت ألفاظ الذكر من المعاني، وليرفع خطرات نفسه عن باطنه راجعا إلى مقتضى ذكره حتى يغلب معنى الذكر على قبله»** انتهى من مختصر ابن عطية رحمه الله..
٢ - وفي بعض النسخ: **«فاستعينوا به»**..
٣ - والفاعل أباؤكم، والتقدير: اذكروا الله كما يذكركم آباؤكم..
٤ - لما كان الدعاء نوعا من أنواع الذكر ذكره بعد إرشاد عباده إلى ذكره سبحانه وتعالى، وكأنه يقول: بعد قضاء مناسككم وعبادتكم، اذكروا الله ذكرا كثيرا وادعوه دعاء شاملا، لا دعاء خاصا بالدنيا..
٥ - أي بالدنيا: وليس المراد أنه يريد من الناس أن يتركوا أمر الدنيا لأنهم يعيشون فيها، ولكنه سبحانه يريد من الناس أن يعملوا لهذه الدنيا، ولما هو أكبر منها حتى لا يحصروا نشاطهم فيها، بل عليهم أن يزاولوا الخلافة في الحياة الدنيا، وأن يعرفوا مستواهم إلى الأفق الأعلى، وإلى الحياة الأخرى..

### الآية 2:201

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [2:201]

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  ( ٢٠١ )
وقال قتادة :**«حسنة الدنيا العافية وكفاف المال »**. 
وقال الحسن بن أبي الحسن :**«حسنة الدنيا العلم والعبادة »**. 
وقال السدي :**«حسنة الدنيا المال »**، وقيل : حسنة الدنيا المرأة الحسناء( [(١)](#foonote-١) )، واللفظة تقتضي هذا كله وجميع محابّ الدنيا، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع، و  قنا عذاب النار  دعاء في أن لا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة، ويحتمل أن يكون دعاء مؤكداً لطلب دخول الجنة، لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من الطرفين، كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم :**«أنا إنما أقول في دعائي اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ »**، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«حولها ندندن »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
١ - اختلفت أقوال المفسرين في الآية – فقيل: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة والمغفرة، وقيل: المال وحسن المآل، وقيل: المرأة الصالحة والحور العين، وقيل: العافية، والصحيح الحمل على العموم فإن النكرة في سياق الطلب عامة، فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة. قال الإمام النووي: **«وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة أنها في الدنيا العافية والعبادة، وفي الآخرة الجنة والمغفرة»**، وقيل: الحسنة: نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. روى الإمام مسلم، والترمذي والنسائي عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد جهد فصار مثل الفرخ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟ قال: نعم: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قال: فدعا الله به فشفاه. ومعنى قوله: **«مثل الفرخ»** أنه ضعف ونحل جسمه وخفي كلامه، وتشبيهه له بالفرخ يدل على أنه تناثر أكثر شعره، وفي هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة، وفضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فقد أرشده صلى الله عليه وسلم إلى أحسن ما يقال لأنها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، ومن دعاء موسى عليه السلام: **«أنت وليّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنّا هدنا إليك»** وقد كان أكثر ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) كما في الصحيح..
٢ - أي حول مقالتك ندندن، والمعنى أن كلامنا قريب من كلامك، والدّندنة كلام غير مفهوم. والحديث خرّجه أبو داود، وابن ماجة..

### الآية 2:202

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [2:202]

أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( ٢٠٢ )
وقوله تعالى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا  الآية، وعد على كسب الأعمال الصالحة في صيغة الإخبار المجرد( [(١)](#foonote-١) )، والرب تعالى سريع الحساب لأنه لا يحتاج إلى عقد ولا إلى إعمال فكر، وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف يحاسب الله الخلائق في يوم ؟ فقال **«كما يرزقهم في يوم »**، وقيل : الحساب هنا المجازاة، كأن المجازي يعد أجزاء العمل ثم يجازي بمثلها( [(٢)](#foonote-٢) )، وقيل معنى الآية سريع مجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة. 
١ - الظاهر رجوع الجملة إلى الفريقين فريق الإٍسلام وفريق الكفر بدليل قوله: (والله سريع الحساب) فإن سرعة الحساب لا تختص بالمؤمنين..
٢ - أي بسرعة..

### الآية 2:203

> ﻿۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [2:203]

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( ٢٠٣ )
وأمر الله تعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق( [(١)](#foonote-١) )، وليس يوم النحر من المعدودات، ودل على ذلك إجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر وهو ثاني يوم النحر( [(٢)](#foonote-٢) )، فإن يوم النحر من المعلومات، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من ينفر من شاء متعجلاً يوم القر، لأنه قد أخذ يومين من معدودات، وحكى مكي والمهدوي عن ابن عباس أنه قال :**«المعدودات هي أيام العشر »**، وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر الذي بعد يوم النحر، وفي ذلك بعد، والأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده لإجماعهم على أنه لا ينحر أحد في اليوم الثالث، والذكر في المعلومات إنما هو على ما رزق الله من بهيمة الأنعام. 
وقال ابن زيد :**«المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق »**، وفي هذا القول بعد، وجعل الله الأيام المعدودات أيام ذكر الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«هي أيام أكل وشرب وذكر الله »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصلوات، واختلف في طرفي مدة التكبير( [(٤)](#foonote-٤) ) : فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس : يكبر من صلاة الصبح من يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق. 
وقال ابن مسعود وأبو حنيفة : يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. 
وقال يحيى بن سعيد : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر يوم التشريق. 
وقال مالك : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي. 
وقال ابن شهاب :**«يكبر من الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق »**. 
وقال سعيد بن جبير :**«يكبر من الظهر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق »**. 
وقال الحسن بن أبي الحسن :**«يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر يوم النفر الأول »**. 
وقال أبو وائل :**«يكبر من صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر »**. 
ومشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاثة تكبيرات، وفي المذهب رواية أنه يقال بعد التكبيرات الثلاث : لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد. 
وقوله تعالى : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد : المعنى من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج عليه، فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماماً وتأكيداً إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس( [(٥)](#foonote-٥) )، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك، ومن العلماء من رأى أن التعجل إنما أبيح لمن بعد قطره لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر، قاله مالك وغيره، ومنهم من رأى أن الناس كلهم مباح لهم ذلك، قاله عطاء وغيره. 
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم : معنى الآية من تعجل فقد غفر له ومن تأخر فقد غفر له، واحتجوا بقوله عليه السلام :**«من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه »**، فقوله تعالى : فلا إثم عليه  نفي عام وتبرئة مطلقة، وقال مجاهد أيضاً : معنى الآية من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام القابل، وأسند في هذا القول أثر. 
وقال أبو العالية : المعنى في الآية لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره، والحاج مغفور له البتة. 
وقال أبو صالح وغيره : معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد وما يجب عليه تجنبه في الحج، وقال أيضاً : لمن اتقى في حجه فأتى به تاماً حتى كان مبروراً، واللام في قوله  لمن اتقى  متعلقة إما بالغفران على بعض التأويلات، أو بارتفاع الإثم في الحج على بعضها( [(٦)](#foonote-٦) )، وقيل : بالذكر الذي دل عليه قوله  واذكروا ، أي الذكر لمن اتقى، ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل( [(٧)](#foonote-٧) ). 
وقال ابن أبي زمنين :**«يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجل »**. 
قال ابن المواز :**«يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : لأنه قد رمى جمرة العقبة بسبع يوم النحر. 
قال ابن المواز :**«ويسقط رمي اليوم الثالث »**. 
وقرأ سالم بن عبد الله  فلا إثم عليه  بوصل الألف، ثم أمر تعالى بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف بين يديه( [(٨)](#foonote-٨) ).

١ - وهي أيام منى، وأيام الرمي، أما الأيام المعلومات المذكورة في قوله تعالى: \[ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات\] فهي أيام النحر، والأيام المعدودات المذكورة هنا هي أيام التشريق، ويقال لليوم الأول من أيام التشريق: يوم القر لأن الناس يقرون في منى للنحر..
٢ - يقال: نَفَر الحاج من مِنًى إلى مكة، وللحاج نَفْران فالأول هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والنَّفْر الثاني هو اليوم الثالث منها..
٣ - رواه الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه..
٤ - أي في بدايته ونهايته – وقد ذكر من ذلك أقوالا ثمانية، وأيام عرفة والنحر والتشريق كلها صالحة للذكر، ومن جملة الذكر التكبير، ومن خواص التكبير ما رواه ابن السُّنِّي بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الحريق فكبّروا، فإن التكبير يطفئه، انتهى من حلية النووي..
٥ - أي وكان منهم من يذم المتأخر، وقوله تعالى: \[فلا إثم عليه لمن اتّقى\] مشاكل لما قبله، فلا يقال: إنما ينفى الإثم عن المقصر لا عن من أثم في العمل، وأيضا فإن المبرور المأجور يجوز في المعنى نفي الإثم عنه، والله أعلم..
٦ - هذا هو الظاهر لفظا ومعنى، أما لفظا فلقربه منه. وأما معنى فلأن من لم يتّق لا يرتفع الإثم عنه، والظاهر أيضا أن مفعول (اتّقى) المحذوف هو الله كما جاء مُصرَّحاً به في مصحف عبد الله..
٧ - لو قال: ويسقط عن المتعجل رمي الجمار في يوم الثالث لكان ظاهرا والله أعلم..
٨ - أي ليكون ذلك حافزا على التقوى، والحشر من وقت خروج الناس من قبورهم إلى انتهاء موقفهم بين يدي الله عز وجل..

### الآية 2:204

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [2:204]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( ٢٠٤ )
قال السدي :**«نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال : الله يعلم أني صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حمراً، فنزلت فيه هذه الآيات »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ما ثبت قط أن الأخنس أسلم( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال ابن عباس : نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع عاصم بن ثابت وخبيب وابن الدثنة وغيرهم قالوا : ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا في بيوتهم ولا أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت هذه الآيات في صفات المنافقين : ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله  الآية، وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء : نزلت هذه الآيات في كل مبطن كفر أو نفاق أو كذب أو إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة( [(٢)](#foonote-٢) )، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى :**«أن من عباد الله قوماً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى : أبي يغترون وعلي يجترون ؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران »**( [(٣)](#foonote-٣) ). ومعنى  ويشهد الله  أي يقول : الله يعلم أني أقول حقاً، وقرأ أبو حيوة وابن محيصن **«ويشهدُ الله »** بإسناد الفعل إلى اسم الجلالة( [(٤)](#foonote-٤) )، المعنى يعجبك قوله والله يعلم منه خلاف ما قال، والقراءة التي للجماعة أبلغ في ذمه، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن ثم ظهر من باطنه خلافه، و  ما في قلبه  مختلف بحسب القراءتين، فعلى قراءة الجمهور هو الخير الذي يظهر، أي هو في قلبه بزعمه، وعلى قراءة ابن محيصن هو الشر الباطن، وقرأ ابن عباس **«والله يشهد على ما في قلبه »** وقرأ أبي وابن مسعود **«ويستشهد الله على ما في قبله »** والألد : الشديد الخصومة الصعب الشكيمة الذي يلوي الحجج في كل جانب، فيشبه انحرافه المشي في لديدي الوادي( [(٥)](#foonote-٥) )، ومنه لديد الفم، واللدود، ويقال منه : لدِدت بكسر العين ألد، وهو ذم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم »**( [(٦)](#foonote-٦) )، ويقال : لَددته بفتح العين ألُده بضمها إذا غلبته في الخصام، ومن اللفظة قول الشاعر :\[ الخفيف \]
إنَّ تَحْتَ الأَحْجَارِ حَزْماً وَعَزْماً. . . وَخَصيماً أَلَدَّ ذا مِعْلاَقِ( [(٧)](#foonote-٧) )
و  الخصام  في الآية مصدر خاصم، وقيل جمع خصم ككلب وكلاب، فكان الكلام وهو أشد الخصماء والدهم.

١ - اعترض كلامه الحافظ ابن حجر في "الإصابة" وقال – بعد أن نقل قول ابن عطية: **«ما ثبت قط أن الأخنس أسلم. قلت: قد أثبته في الصحابة من تقدم ذكره، ولا مانع أن يسلم ثم يرتد، ثم يرجع إلى الإسلام»**. انتهى. وأشار بقوله: **«من تقدم ذكره»**، إلى قوله قبل: ثم أسلم الأخنس فكان من المؤلفة وشهد حنينا. ومات في أول خلافة عمر. ذكره أبو موسى عن ابن شاهين. وذكره ابن فتحويه عن الطبري، وذكر الذهبي في "الزهريات" بسند صحيح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، «أن أبا سفيان، وأبا جهل، والأخنس اجتمعوا ليلا يسمعون القرآن سرا فذكر القصة، وفيها أن الأخنس أتى أبى سفيان فقال: ما تقول ؟ قال: أعرف وأُنكر، قال أبو سفيان: فما تقول أنت ؟ قال: أُراه الحق انتهى، وفي الأخنس نزل قوله تعالى: \[ولا تطع كل حلاف مهين، همّاز مشّاء بنميم\] إلى قوله \[زنيم\] و: \[ويل لكلّ همزة لمزة\].
 وقال ابن زكري – في حاشية البخاري في باب قول الله تعالى: \[وهو ألذ الخصام\] من كتاب "المظالم" بعد أن ذكر أنها نزلت في الأخنس بن شريق – كان منافقا حلو الكلام، يحلف للنبي صلى الله عليه وسلم أنه مؤمن به، ومحب له فيدني مجلسه فأكذبه الله في ذلك ما نصه، وفي السيرة أنه قتل يوم بدر كافرا وصدَّر ابن عطية بنحو ذلك عن السدي، ثم قال: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، وقد عدَّه صاحب القاموس وتلميذه ابن حجر في الصحابة وأنه أسلم بعد ذلك، وعلى هذا فالآية نزلت في غيره من المنافقين كابن أبي. انتهى، ولقب الأخنس لأنه رجع ببني زهرة من بدر فقيل: خنس الأخنس. والمهم أن كثيرا من المحدثين أثبتوه في الصحابة، ولعله – كما قيل – أسلم ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، والله أعلم..
٢ - يعني أنها علامة في المؤمنين والمنافقين، وذلك يوجب الاحتياط في أمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الناس في المحاكم، وإن كان العمل بالظاهر هو الأمر المسنون، وهذه الآية تناسب في معناها قول الله سابقا: \[فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق\] كما أن قوله تعالى: \[ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله\] تلائم قوله تعالى: \[ومن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\]..
٣ - انظر تفسير (ط) رحمه الله، فقد رواه بألفاظ مختلفة، وبتقديم وتأخير، والمعنى واحد..
٤ - يشهد لها قراءة ابن عباس، وقول الله تعالى: \[والله يشهد أن المنافقين لكاذبون\] ويشهد لقراءة الجماعة قراءة أُبي وابن مسعود..
٥ - لديدا كلّ شيء جانباه، ومنه: لديدا الوادي، واللّديد واللَّدود: ما يصب في جانبي الفم من الدواء..
٦ - رواه البخاري ومسلم..
٧ - البيت للمهلهل يذكر امرأته بنت المحلل بن ثعلبة، ورجل مِغلاق إذا كان الرهن يغلق على يديه، والمغلاق أيضا سهم في الميسر أو السهم السابع بمضعف الميسر، والجمع مغاليق ويروى البيت بالعين المهملة، ومنه رجل مِعْلق خصيم يتعلق بالحجج..

### الآية 2:205

> ﻿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [2:205]

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( ٢٠٥ ) و  تولى  و  سعى  تحتمل جميعاً معنيين : أحدهما أن تكون فعل( [(١)](#foonote-١) ) قلب فيجيء  تولى  بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه فسعى بحيلة وإرادته الدوائر على الإسلام، ومن هذا السعي قول الله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى  \[ النجم : ٣٩ \]، ومنه  وسعى لها سعيها ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ الإسراء : ١٩ \]، ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
أسعى على حيِّ بني مالك. . . كل امرىء في شأنِهِ سَاعِ( [(٣)](#foonote-٣) )
ونحا هذا المنحى في معنى الآية ابن جريج وغيره، والمعنى الثاني أن يكونا فعل شخص فيجيء  تولى  بمعنى أدبر ونهض عنك يا محمد، و  سعى  يجيء معناها بقدميه فقطع الطريق وأفسدها، نحا هذا المنحى ابن عباس وغيره، وكلا السعيين فساد. 
وقوله تعالى : ويهلك الحرث والنسل . 
قال الطبري :**«المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقال مجاهد :**«المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل »**( [(٥)](#foonote-٥) )، وقيل : المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار الزرع والمنسلون. 
وقال الزجّاج : يحتمل أن يراد بالحرث النساء وبالنسل نسلهن. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة( [(٦)](#foonote-٦) ) في الإفساد، إذ كل فساد في أمور الدنيا، فعلى هذين الفصلين يدور، وأكثر القراء على  يُهلكَ  بضم الياء وكسر اللام وفتح الكاف عطفاً على  ليفسد ، وفي مصحف أبي بن كعب " وليهلكَ "، وقرأ قوم " ويهلكُ " بضم الكاف، إما عطفاً على  يعجبك  وإما على  سعى ، لأنها بمعنى الاستقبال، وإما على القطع والاستئناف، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وابن محيصن " وَيهلِكُ " بفتح الياء وكسر اللام وضم الكاف ورفع " الحرثُ " و " النسَلُ "، وكذلك رواه ابن سلمة عن ابن كثير وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحكى المهدوي أن الذي روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إنما هو " ويُهلكُ " بضم الياء والكاف " الحرث " بالنصب، وقرأ قوم " وَيهلكَ " بفتح الياء واللام ورفع " الحرثُ " وهي لغة هلِكَ يهلَكُ، تلحق بالشواذ كركن يركن( [(٧)](#foonote-٧) )، و  الحرث  في اللغة شقَ الأرض للزراعة، ويسمى الزرع حرثاً للمجاورة والتناسب، ويدخل سائر الشجر والغراسات في ذلك حملاً على الزرع، ومنه قول عز وجل  إذ يحكمان في الحرث ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ الأنبياء : ٧٨ \]، وهو كرم على ما ورد في التفسير، وسمي النساء حرثاً على التشبيه، و  النسل  مأخوذ من نسل ينسل إذا خرج متتابعاً ومنه نسال الطائر ما تتابع سقوطه من ريشه، ومنه قوله تعالى : وهم من كل حدب ينسلون ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ الأنبياء : ٩٦ \]، ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ( [(١٠)](#foonote-١٠) ). . . و  لا يحب  معناه لا يحبه من أهل الصلاح، أي لا يحبه ديناً، وإلا فلا يقع إلا ما يحب الله تعالى وقوعه، والفساد واقع، وهذا على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة( [(١١)](#foonote-١١) ). 
قال القاضي أبو محمد : والحب له على الإرادة مزية إيثار، فلو قال أحد : إن الفساد المراد تنقصه مزية الإيثار لصح ذلك، إذ الحب من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته.

١ - أي: من عمل القلب، فالسعي يمكن أن يراد به السعي بالقدمين إلى ما هو فساد، ويمكن أن يكون المراد به قصد الفساد كالتدبير على المسلمين بما يضرهم وإعمال الحيل عليهم، وإن لم يكن سعي بالقدمين، وكلّ ذلك فساد،.
٢ - أي العمل بالقلب، والآية الأولى رقم (٣٩) من سورة (النجم) والثانية رقم (١٩) من سورة (الإسراء)..
٣ - هو أبو قيس بن الأسلت.
 والبيت من جملة قصيدة قالها لما أنكرته امرأته بعد أن غاب عنها مدة في حرب بُعاث وتغير فضعف وشحب، وأول القصيدة:
 قالت ولَم تَقْصِدْ لِقِيـل الخَنَــى مَهْلا فقدْ أَبْلَغْتَ أسْمَــاعِــي
 واستنكرتْ لَوْناً لَهُ شَــاحِبــا والحـربُ غُولٌ ذاتُ أوْجَــاع 
 قاله في "الخزانة – الجزء الثاني – عدد ٤٨" نقلا عن الأغاني..
٤ - يعني أن المعني به ابتداءًَ الأخنس بن شريق الثقفي، وإن كانت تشمل كلّ من يقصد قصده ويعمل عمله فالعبرة باللفظ لا بالسبب..
٥ - كولاة السوء الذين ينشرون الفساد في الأرض ويتسببون بذلك في إهلاك الزرع والنسل بانحباس المطر، فإن الظلم يحبسه ويرفع بركته..
٦ - الواقع أن الإفساد شامل لفساد الدين وفساد الدنيا وقوله تعالى: \[ويهلك الحرث والنّسل\] داخل فيما قبله، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم ما يحتاج إليهما في العمران، فإفسادهما غاية في الإفساد، وإهلاك الحرث والنسل شامل للهلاك الحسي والمعنوي كإضعاف الحرث والنسل وتحديدهما لغير مصلحة محققة، وكإهمال الفلاحين والمنتجين وقلة العناية بهم..
٧ - جملة القراءات التي عرضها ابن عطية رحمه الله خمس: ويُهْلِكَ، وَلِيُهْلِكَ، ويُهْلَكُ، ويَهْلِكُ، ويُهْلِكُ. وهناك قراءة سادسة ذكرها الزمخشري عن الحسن وهي بالبناء للمفعول، والحجة هي قراءة الجماعة، وإن كان لغيرها مخارج في العربية..
٨ - من الآية (٧٨) من سورة (الأنبياء)..
٩ - من الآية (٩٦) من سورة (الأنبياء)..
١٠ - صدره:
 وإنْ كنت قدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ ............................
 وقوله: **«فَسُلِّي ثيابي من ثيابك»** كناية عن الطلاق، أي سقوط العصمة بينهما..
١١ - الداعي إلى هذين التأويلين اللذين سلكهما ابن عطية رحمه الله هو ما ذهب إليه أهل الكلام من أن الحب هو الإرادة ولكن هناك فرقا بينهما على ما هو الحق عند أهل السنة، وهو أن الحب له على الإرادة مزية إيثار، وعلى هذا فلنا أن نقول، إن الله سبحانه قد يريد الشيء ولا يحبه، فالله لا يحب المعاصي، ولا قطع السبيل، وإخافة الطريق، ثم لا ننسى أن هناك فرقا بين الإرادة الدينية الشرعية والتي هي بمعنى رضاه ومحبته، وبين الإرادة الكونية القدرية، ففرق بين ما يحبه ويرضاه، وما قدره وقضاه..

### الآية 2:206

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [2:206]

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ( ٢٠٦ )
وقوله تعالى : وإذا قيل له اتق الله  الآية، هذه صفة الكافر أو المنافق الذاهب بنفسه زهواً، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في نحو هذا. 
وقال بعض العلماء : كفى بالمرء إثماً أن يقول له أخوه اتق الله فيقول له : عليك نفسك، مثلك يوصيني ؟. والعزة هنا المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه وانتحى( [(١)](#foonote-١) ) فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته به وألزمته إياه، ويحتمل لفظ الآية أن يكون أخذته العزة مع الإثم، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلين( [(٢)](#foonote-٢) )، و  حسبه  أي كافيه معاقبة وجزاء، كما تقول للرجل كفاك ما حل بك، وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل به، و  المهاد  ما مهد الرجل لنفسه كأنه الفراش، ومن هذا الباب( [(٣)](#foonote-٣) ) قول الشاعر :\[ الوافر \]
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ( [(٤)](#foonote-٤) ). . .

١ - أن تعظّم وتكبّر من النخوة وهي العظمة..
٢ - فالبناء على التأويل الأول للتعدية – كأن المعنى، ألزمته العزة الإثم، والتعدية بالباء تكون في الفعل اللازم كقوله تعالى: \[لذهب الله بسمعهم وأبصارهم\] أي لأذهب الله سمعهم وأبصارهم، وعلى التأويل الثاني للمصاحبة، أي أخذته مصحوبة بالإثم، أو مصحوبا بالإثم على الحال من المفعول أو الفاعل..
٣ - أي قوله تعالى: \[فحسبه جهنم وبئس المهاد\] روى الطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني ؟ والشاعر جعل التحية ضرباً، كما أن الآية جعلت جهنم مهاداً..
٤ - هو عمرو بن معد يكرب – والبيت بتمامه:
 وخيْلٍ قدْ دَلَفْتُ لها بِخَيْلٍ تحيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وَجِيــعُ.

### الآية 2:207

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [2:207]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( ٢٠٧ )
وقوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه  الآية تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر، والظاهر من هذا التقسيم( [(١)](#foonote-١) ) أن تكون الآيات قبل هذه على العموم في الكافر بدليل الوعيد بالنار ويأخذ العصاة الذين فيهم شيء من هذا الخلق بحظهم من وعيد الآية، ومن قال إن الآيات المتقدمة هي في منافقين تكلموا في غزوة الرجيع( [(٢)](#foonote-٢) ) قال : هذه الآية في شهداء غزوة الرجيع، ومن قال تلك في الأخنس قال : هذه في الأنصار والمهاجرين المبادرين إلى الإيمان. 
وقال عكرمة وغيره : هذه في طائفة من المهاجرين، وذكروا حديث صهيب أنه خرج من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعته قريش لترده، فنثر كنانته، وقال لهم : تعلمون والله إني لمن أرماكم رجلاً، والله لأرمينَّكم ما بقي لي سهم، ثم لأضربن بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فقالوا له : لا نتركك تذهب عنا غنياً وقد جئتنا صعلوكاً، ولكن دلنا على مالك ونتركك، فدلهم على ماله وتركوه، فهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال له :**«ربح البيع أبا يحيى »**، فنزلت فيه هذه الآية( [(٣)](#foonote-٣) )، ومن قال قصد بالأول العموم قال في هذه كذلك بالعموم، و  يشري  معناه يبيع، ومنه  وشروه بثمن بخس ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ يوسف : ٢٠ \]، ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري :\[ مجزوء الكامل \]
وَشَريْتُ برداً لَيْتَنِي. . . مِنْ بَعْدِ برْدٍ كُنْتَ هَامَه( [(٥)](#foonote-٥) )
وقال الآخر :\[ الكامل \]
يعطى بها ثمناً فَيَمْنَعُها. . . وَيَقُولُ صَاحِبُهُ أَلاَ تَشْرِي( [(٦)](#foonote-٦) )
ومن هذا تسمى الشراة( [(٧)](#foonote-٧) ) كأنهم الذين باعوا أنفسهم من الله تعالى، وحكى قوم أنه يقال شرى بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال إن عزم صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله تعالى فتستقيم اللفظة على معنى باع. 
وتأول هذه الآية عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم في مغيري المنكر، ولذلك قال علي وابن عباس : اقتتل الرجلان، أي قال المغير للمفسد : اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من الله تعالى وقاتله فاقتتلا. 
وروي أن عمر بن الخطاب كان يجمع في يوم الجمعة شباباً من القرأة فيهم ابن عباس والحر بن قيس وغيرهما فيقرؤون بين يديه ومعه، فسمع عمر ابن عباس رضي الله عنهم يقول : اقتتل الرجلان، حين قرأ هذه الآية، فسأله عما قال، ففسر له هذا التفسير، فقال له عمر :**«لله تلادك( [(٨)](#foonote-٨) ) يا ابن عباس »**. 
وقال أبو هريرة وأبو أيوب حين حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقال قوم : ألقى بيده إلى التهلكة، ليس كما قالوا، بل هذا قول الله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه  الآية( [(٩)](#foonote-٩) ). 
و  ابتغاء  مفعول من أجله، ووقف حمزة على  مرضاة  بالتاء والباقون بالهاء. قال أبو علي :«وجه وقف حمزة بالتاء إما أنه على لغة من يقول طلحت وعلقمت، ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت( [(١٠)](#foonote-١٠) ). . . وإما أنه لما كان المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما تثبت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. 
وقوله تعالى : والله رؤوف بالعباد  ترجية تقتضي الحض على امتثال ما وقع به المدح في الآية كما في قوله تعالى : فحسبه جهنم  تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذم في الآية.

١ - قد تسعمل (الواو) في الكلام بمعنى التقسيم نحو: الكلمة اسم وفعل وحرف، والتقسيم هنا قوله تعالى قبل: \[ومن الناس من يعجبك قوله\] الآية وقوله تعالى بعد: \[ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله\] ولا يبعد أن يكون السبب خاصا والمراد عموم اللفظ..
٢ - غزوة الرجيع كانت بعد غزوة (أحد) في صفر سنة أربع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية تتألف من عشرة أنفس وأمر عليها عاصم بن ثابت الأنصاري، والغرض منها معرفة أخبار قريش، فلما كانوا في الطريق لحقهم بنو لحيان من هذيل فقتلوا منهم سبعة أحدهم عاصم بن ثابت، وأسروا الباقين وهم خبيب بن عدي، وزيد بن الدثِنة بكسر المثلثة، وعبد الله بن طارق، فأما عبد الله فقتلوه في الحين لعدم استسلامه، وأما خبيب وزيد فباعوهما إلى قريش، وقتلت قريش خبيبا بعد أن صلى ركعتين وقال أبياته المشهورة:
 وَلَسْتُ أُبَالِي حِين أُقْتَلُ مُسْلِمــاً على أي جنب كانَ في الله مَصْرَعِي
 وذلك في ذاتِ الإله وإن يَشَــأ يُبَاركْ على أوْصال شِلْو مُمَــزَّع
 وخبيب الأنصاري هذا هو أول من سنّ الركعتين عند القتل بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وعاصم بن ثابت هذا هو الذي حمته الدبر أي جماعة النحل عندما أرسلت قريش من يقطع جسده فاجتمعت عليهم ذكور النحل ومنعتهم من القرب منه، رضي الله عنهم جميعا..
٣ - روى ذلك ابن جرير عن عكرمة، وابن مردويه عن أبي عثمان النهدي..
٤ - من الآية (٢٠) من سورة (يوسف)..
٥ - بُرْد: اسم غلام، وفيه أيضا قال الشاعر:
 وشرَيْتُ برداً ولولا ما تَكَنَّفَنِـي من الحوادث ما بِعتُه أبَـــداً.
٦ - البيت للمسيب بن علس يصف الغائص وانتخابه الدّرة كما في شرح المقامات للشريسي، وقبل البيت:
 كجُمَـانَة البَحْريِّ جـاء بِهـا غوّاصُهَــا مِن لُجَّةِ البَحْــر
 نصف النهار الماءُ غَامِــرُهُ وشريكُـه بالغيبِ لا يَدــْري
 ومعنى: ألا تشري ؟ ألا تبيع ؟.
٧ - الخوارج أو جماعة منهم سموا أنفسهم الشراة بمعنى أنهم باعوا أنفسهم من الله تعالى..
٨ - في لسان العرب من حديث عبد الله بن مسعود – آل حم من تلادي – أي من أول ما تعلمته بمكة. شبه ذلك بتلاد المال..
٩ - يعني أنها تتضمنه، وكثيرا ما يقولن: نزلت الآية في كذا، والمراد أنها تتضمنه وإن لم تكن قد نزلت فيه بالخصوص..
١٠ - الحجفت: بتقديم الحاء على الجيم، وهي التُّرس إذا كان من الجلد، ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء.
 وقائل البيت سؤر الذئب – قاله يذكر محبوبته – وهو ضمن أبيات نذكرها لك:
 ما بالُ عَيْنٍ عَنْ كَرَاهَا قَدْ جَفَـتْ
 وشَفَّهَا مِنْ حُزْنِهَا ما كُلِّفَـتْ
 كــأنَّ عُوَّاراً بِها أو طَرَّفَــتْ
 مُسْبِلَـة تَسْتَنُّ لمَّا عـرفَـتْ
 دارٌ لِلَيْلَـى بعْد حـوْلٍ قدْ عَفَـتْ
 كأنَّها مهارقٌ قد زُخْـرفَـتْ
 قـد تَبَّلَتْ إذا المهَا تَخَـوَّفــت 
 بلْ ظهْرُ تَيْهاءَ كظهرِ الحْجفَتْ
 قطعتُهـا إذا المهَــا تخوَّفَـتْ
 مَثَـارها إلى ذارها أهْدَفَـتْ
 .

### الآية 2:208

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:208]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( ٢٠٨ )
ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخول في السلم، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي " السلم " بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها في هذا الموضع( [(١)](#foonote-١) )، فقيل : هما بمعنى واحد، يقعان للإسلام وللمسالمة. 
وقال أبو عمرو بن العلاء : السِّلم بكسر السين الإسلام، وبالفتح المسالمة، وأنكر المبرد هذه التفرقة، ورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالانتداب إلى الدخول في المسالمة، وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا لها، وأما أن يبتدىء بها فلا. 
واختلف بعد حمل اللفظ على الإسلام من المخاطب ؟ فقالت فرقة : جميع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده، ويستغرق  كافة  حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع( [(٢)](#foonote-٢) )، فتكون الحال من شيئين( [(٣)](#foonote-٣) )، وذلك جائز، نحو قوله تعالى : فأتت به قومها تحمله ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ مريم : ٢٧ \]، إلى غير ذلك من الأمثلة. 
وقال عكرمة :**«بل المخاطب من آمن بالنبي من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره »**. 
وذلك أنهم ذهبوا إلى تعظيم يوم السبت وكرهوا لحم الجمل وأرادوا استعمال شيء من أحكام التوارة وخلط ذلك بالإسلام فنزلت هذه الآية فيهم، ف  كافة  على هذا لإجزاء الشرع فقط. 
وقال ابن عباس :**«نزلت الآية في أهل الكتاب »**، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد كافة، ف  كافة  على هذا لإجزاء الشرع وللمخاطبين على من يرى السلم الإسلام، ومن يراها المسالمة يقول : أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية، و  كافة  معناه جميعاً، والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها( [(٥)](#foonote-٥) )، وقيل : إن  كافة  نعت لمصدر محذوف، كأن الكلام : دخله كافة، فلما حذفت المنعوت بقي النعت حالاً، وتقدم القول في  خطوات ، والألف واللام في  الشيطان  للجنس، و  عدو  يقع على الواحد والاثنين والجميع، و  مبين  يحتمل أن يكون بمعنى أبان عداوته( [(٦)](#foonote-٦) ) وأن يكون بمعنى بان في نفسه أنه عدو، لأن العرب تقول : بان الأمر وأبان بمعنى واحد.

١ - وأما في الأنفال في قوله تعالى \[وإن جنحوا للسِّلْم\] فقرأ شعبة بكسْر السِّين، وفي سورة القتال في قوله تعالى: \[وتدعوا إلى السِّلم\] قرأ حمزة وشعبة بالكسر..
٢ - أي جميع خلال الإيمان وشرائع الإسلام..
٣ - يعني: من ضمير الفاعل في (ادخلوا) ومن (السِّلم)، وذلك جائز في العربية، إلا أن الأولى أن يكون من الفاعل..
٤ - من الآية (٢٧) من سورة (مريم) والشاهد هو أن جملة الحال (تحمله) جاءت من ضمير الفاعل في (جاءت)، ومن الضمير في (به) – فدل ذلك على جواز مجيء الفاعل من شيئين في العربية..
٥ - هذا باعتبار أصل الوضع، ثم صارت تستعمل عندهم بمعنى جميعا كما قال هو ذلك آنفا..
٦ - بعدم امتثال الأمر بالسجود لآدم، وبقوله: \[لاحتنكنّ ذريته إلا قليلا\]..

### الآية 2:209

> ﻿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:209]

فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٠٩ )
قرأ جمهور الناس **«زلَلتم »** بفتح اللام، وقرأ أبو السمال **«زلِلتم »** بكسرها، وأصل الزلل في القدم ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء ويغير ذلك، والمعنى ضللتم وعجتم( [(١)](#foonote-١) ) عن الحق، و  البينات  محمد وآياته ومعجزاته إذا كان الخطاب أولاً لجماعة المؤمنين، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به، و  عزيز  صفة مقتضية أنه قادر عليكم لا تعجزونه، ولا تمتنعون منه، و  حكيم  أي محكم فيما يعاقبكم به لزللكم. 
وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلمه : فاعلموا أن الله غفور رحيم، فقال كعب : إني لأستنكر( [(٢)](#foonote-٢) ) أن يكون هكذا، ومر بهما رجل، فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية ؟ فقرأ الرجل : فاعلموا أن الله عزيز حكيم ، فقال كعب : هكذا ينبغي( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - يقال: عاج عن الأمر: انصرف – ويقال: ما عاج بكلام فلان: ماالتفت إليه ولا اكترث به – المعجم الوسيط..
٢ - لأن فيه مقابلة الزلل بالغفران، وذلك إغراء وتحريض على الزلل..
٣ - أي لأن العزة تقتضي القدرة على الانتقام. والحكمة تقتضي وضع الجزاء في محله..

### الآية 2:210

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [2:210]

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( ٢١٠ )
وقوله تعالى : هل ينظرون  الآية، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، و  هل  من حروف الابتداء كأما، و  ينظرون  معناه ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلون( [(١)](#foonote-١) )، والظلل جمع ظلة وهي ما أظل من فوق، وقرأ قتادة والضحاك **«في ظلال »**، وكذلك روى هارون بن حاتم عن أبي بكر عن عاصم هنا، وفي الحرفين في الزمر( [(٢)](#foonote-٢) ). وقال عكرمة : ظلل  طاقات، وقرأ الحسن ويزيد بن القعقاع وأبو حيوة **«والملائكةِ »** بالخفض عطفاً على  الغمام ( [(٣)](#foonote-٣) )، وقرأ جمهور الناس بالرفع عطفاً على  الله ، والمعنى يأتيهم حكم الله وأمره ونهيه وعقابه إياهم، وذهب ابن جريج وغيره إلى أن هذا التوعد هو بما يقع في الدنيا. 
وقال قوم : بل هو توعد بيوم القيامة( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال قوم : قوله  إلا أن يأتيهم الله  وعيد بيوم القيامة، وأما الملائكة فالوعيد هو بإتيانهم عند الموت( [(٥)](#foonote-٥) )، و  الغمام  أرق السحاب وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظلل به بنو إسرائيل. 
وقال النقاش :**«هو ضباب أبيض »**، وفي قراءة ابن مسعود **«إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام »**( [(٦)](#foonote-٦) )، و  قضي الأمر  معناه وقع الجزاء وعذب أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جبل **«وقضاء الأمر »**، وقرأ يحيى بن يعمر **«وقضى الأمور »** بالجمع، وقرأ ابن عامر وحمزة الكسائي **«تَرجع »** على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الباقون **«تُرجَع »** على بنائه للمفعول، وهي راجعة إليه تعالى قبل وبعد، وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا.

١ - أي الذين يتنحون عن الإسلام ويستحبون العمى على الهدى..
٢ - في قوله تعالى: \[لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل ذلك الذي يخوِّف الله به عباده\]..
٣ - أي: في ظلل من الغمام ومن الملائكة..
٤ - الرأي الثاني هو الذي رجحه ابن جرير، وابن كثير، فالأقوال ثلاثة: توعّد بما يقع في الدنيا. أو توعد بما يقع يوم القيامة، أو التوعد بالإضافة إلى الله يوم القيامة، وبالإضافة إلى الملائكة يوم الموت..
٥ - أي يأتيهم أمره وحكمه، وقد دعاه إلى ذلك كون الإتيان مستحيلا على الله تعالى، لأنه بمعنى الحركة والانتقال..
٦ - على هذه القراءة فالظّلل من الغمام يرجع إلى الملائكة والله سبحانه وتعالى يأتي كما شاء..

### الآية 2:211

> ﻿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:211]

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ٢١١ )
وقوله تعالى : سل بني إسرائيل  الآية، الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيه إباحة السؤال لمن شاء من أمته( [(١)](#foonote-١) )، ومعنى الآية توبيخهم على عنادهم بعد الآيات البينة. وقرأ أبو عمرو في رواية عباس عنه **«اسأل »** على الأصل( [(٢)](#foonote-٢) )، وقرأ قوم **«اسل »** على نقل الحركة إلى السين وترك الاعتداد بذلك في إبقاء ألف الوصل على لغة من قال الحمر( [(٣)](#foonote-٣) )، ومن قرأ **«سل »** فإنه أزال ألف الوصل حين نقل واستغنى عنها. 
و  كم  في موضع نصب إما بفعل مضمر بعدها( [(٤)](#foonote-٤) ) لأن لها صدر الكلام، تقديره كم آتينا ( آتيناهم )، وإما ب  آتيناهم . وقوله : من آية  هو على التقدير الأول مفعول ثان ل  آتيناهم ، وعلى الثاني في موضع التمييز. ويصح أن تكون  كم  في موضع رفع بالابتداء والخبر في  آتيناهم . ويصير فيه عائد على  كم  تقديره كم آتيناهموه، والمراد بالآية : كم جاءهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم من آية معرفة به دالة عليه، و  نعمة الله  لفظ عام لجميع أنعامه( [(٥)](#foonote-٥) )، ولكن يقوي من حال النبي معهم أن المشار إليه هنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى : ومن يبدل من بني إسرائيل صفة نعمة الله، ثم جاء اللفظ منسحباً على كل مبدل نعمة لله تعالى. 
وقال الطبري :**«النعمة هنا الإسلام »**، وهذا قريب من الأول( [(٦)](#foonote-٦) )، ويدخل في اللفظ أيضاً كفار قريش الذين بعث محمد منهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفراً، والتوراة أيضاً نعمة على بني إسرائيل أرشدتهم وهدتهم، فبدلوها بالتحريف لها وجحد أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : فإن الله شديد العقاب  خبر يقتضي ويتضمن الوعيد، و  العقاب  مأخوذ من العقب، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب وعقبة القدر( [(٧)](#foonote-٧) ).

١ - أي جواز السؤال للإنكار، لا للتعلم كما يؤخذ من الآية..
٢ - هكذا في النسخ التي بأيدينا، وقرأ ابن عباس في رواية أبي عمرو عنه: اسأل على الأصل، تأمل، والله أعلم..
٣ - قال في "النهاية" في حديث: نهى صلى الله عليه وسلم عن (الغُلوطات)، وفي رواية (الأغلوطات) قال الهروي: (الغُلوطات) تركت منها الهمزة كما تقول: جاء الأحمر وجاء (الحَمْرَ) يطرح الهمزة..
٤ - وهذا الفعل يفسره ما بعده، وهذا من باب الاشتغال، وقد اعترضه إمام العربية (ح) بما يعلم بالوقوف عليه، كما اعترض أن تكون في موضع رفع الابتداء والعائِد محذوف، إذ لا يجوز ذلك في مثل هذا إلا في الضرورة، أو على وجه من الضعف. (كمْ) استفهامية، والمراد الاستفهام التقريري لأن السؤال عن معلوم لا عن مجهول، والله أعلم..
٥ - ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل أو كونهم السبب في نزولها، لِما تقرر من أنّ الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب..
٦ - وهو أن نعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم، وتبديلها تغيير صفته في كتبهم..
٧ - العُقْبة: النوبة في الركوب، وعُقْبة القِدءر شيء من المرق يردّه مستعير القِدر فيها إذا أعادها..

### الآية 2:212

> ﻿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [2:212]

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( ٢١٢ )
وقوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة الدنيا  المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر( [(١)](#foonote-١) )، ويزينها أيضاً الشيطان بوسوسته وإغوائه، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس وأبو حيوة **«زَيَن »** على بناء الفعل للفاعل( [(٢)](#foonote-٢) ) ونصب **«الحياة »**، وقرأ ابن أبي عبلة **«زينت »** بإظهار العلامة، والقراءة دون علامة هي للحائل ولكون التأنيث غير حقيقي( [(٣)](#foonote-٣) )، وخص الذين كفروا بالذكر بقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة سببها، والتزيين من الله تعالى واقع للكل، وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم( [(٤)](#foonote-٤) ) لأنهم لا يعتقدون غيرها، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال :**«اللهم إنّا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا »**. 
وقوله تعالى : ويسخرون  إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم، فذكر الله قبيح فعلهم ونبه على خفض منزلتهم بقوله : والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ، ومعنى الفوق هنا في الدرجة والقدر( [(٥)](#foonote-٥) ) فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى :
 أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الفرقان : ٢٤ \]، وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخر في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقراً من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك( [(٧)](#foonote-٧) )، وتحتمل هذه الآية أن يراد بالفوق المكان من حيث الجنة في السماء والنار في أسفل السافلين، فيعلم من ترتيب الأمكنة أن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وتحتمل الآيتان( [(٨)](#foonote-٨) ) أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم كانوا يقولون : وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ومنه حديث خباب مع العاصي بن وائل( [(٩)](#foonote-٩) )، وهذا كله من التحميلات( [(١٠)](#foonote-١٠) ) حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك. 
وقوله تعالى : والله يزرق من يشاء بغير حساب  يحتمل أن يكون المعنى : والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادة إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا فهو فوق يوم القيامة، وتحتمل الآية أن يكون المعنى أن الله يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم بغير حساب، فالآية تنبيه على عظم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد، ويحتمل أن يكون  بغير حساب  صفة لرزق الله تعالى كيف تصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب، ويحتمل أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب( [(١١)](#foonote-١١) ) هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى : ويرزقه من حيث لا يحتسب ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) \[ الطلاق : ٣ \]، وإن اعترض معترض على هذه الآية بقوله تعالى : عطاء حساباً  \[ النبأ : ٣٦ \]، فالمعنى في ذلك محسباً( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ، وأيضاً فلو كان عداً لكان الحساب في الجزاء والمثوبة لأنها معادَّة( [(١٤)](#foonote-١٤) ) وغير الحساب في التفضل والإنعام.

١ - ومعنى ذلك: أن الله سبحانه وتعالى وضع في النفوس محبة الدنيا والرغبة فيها، إلا أن المؤمن يتوسط، وغيره يتجاوز الحد ويشْتطّ، ثم إن إسناد التزيين إلى الله حقيقة، وإلى غير الله مجاز، ومن الناس من يعكس الأمر كالزمخشري عافانا الله جميعا..
٢ - والفاعل هو الله تعالى، وقد تقدم ذكره في قوله: \[فإن الله شديد العقاب\]..
٣ - وعدم وجود حائل مع كون التأنيث حقيقيا شرطان لازمان لوجوب التأنيث..
٤ - أي فتنتهم وسيطرت عليهم..
٥ - فهم في الجنة والكفار في النار. وهذا فضل عظيم، ودرجة عالية تقابلها درجة سفلى، ولصاحب كل درجة قدره..
٦ - قال (ح) رحمه الله: (فوق) لا تدل على التشريك في التفضيل، وإنما تدل على مطلق العلو، فإذا أضيفت فلا يلزم أن يكون ما أُضيفت إليه فيه علو، كما أن مقابلها وهو (تحت) لا يدل على تشريك في السفلية، ولا نقول إنها مرادفة لأسفل، لأن أسفل أفعل تفضيل، يدل على ذلك استعمالها بمن في قوله تعالى: \[والرَّكب أسفل منكم\] كما أن أعلى كذلك، انتهى. ومفهوم هذا الكلام أن منهم من جعل (فوق) مرادفة لأفعل التفضيل، أي (أعلى)، ومنهم من لم يجعلها بمعنى اسم التفضيل وإنما تدل على مجرد العلو. والله أعلم. وقوله تعالى: (أصحاب الجنّة) من الآية (٢٤) من سورة (الفرقان)..
٧ - أي التنعيم في الدنيا والتنعيم في الأخرى..
٨ - هما: \[والذين اتّقوا فوقهم يوم القيامة\] \[أصحاب الجنّة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا\]..
٩ - ذكر ابن عطية في معنى التفضيل هنا أربعة آراء.
 أولها: أن التفضيل في الدرجة والقدر. ويكفي أن المتقين في نعيم الجنة وأن الكفار في عذاب النار.
 ثانيها: أن التفضيل بين نعيم الآخرة الذي يعيش فيه المتقون يوم القيامة، ونعيم الدنيا الذي يعيش فيه الكفار فيها.
 ثالثها: أن الفوقية من حيث كون الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين.
 رابعها: أن التفضيل والفوقية من حيث زعم الكفار أن ذلك لهم في الدنيا وفي الأخرى..
١٠ - أي التأويلات، والمعنى أنهم حملوا الآية هذه التحميلات حفاظا على مذهب سيبويه والخليل وأن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، وهذا من ابن عطية رحمه الله ذهاب إلى أن (فوق) مرادفة (لأفعل التفضيل)، وقد قدمنا عن أبي (ح) أنها لمجرد العلو بقطع النظر عن الاشتراك، وأن معنى (فوق) غير معنى (أفعل)، وتأمل، وقال الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في "الجواهر الحسان" – وهو مختصر ابن عطية في تفسير القرآن - **«فإن تشوقت نفسك أيها الأخ إلى هذه الفوقية ونيل هذه الدرجة العالية، فارفض دنياك الدنية، وازهد فيها بالكلية، لتسلم من كل آفة وبلية، واقتد في ذلك بخير البرية»**، انتهى. ومجمل القول في الدنيا انها آفة الخلق، في الانقطاع عن الحق..
١١ - أي من حيث لا يظن ولا يشعر كما قال تعالى: \[وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون\]..
١٢ - من الآية (٣) من سورة (الطلاق)..
١٣ - أي كافيا، من أحسبه بمعنى أرضاه حتى قال حسبي، لا من حَسَبه بمعنى عدّه..
١٤ - أي في الجزاء المقابل للعمل حساب، وفي التفضل والإنعام المحض لا حساب..

### الآية 2:213

> ﻿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:213]

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( ٢١٣ )
قال أبي بن كعب وابن زيد : المراد ب  الناس  بنو آدم حين أخرجهم الله نسماً من ظهر آدم، أي كانوا على الفطرة. 
وقال مجاهد :**«الناس آدم وحده »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال قوم :**«آدم وحواء »**. 
وقال ابن عباس وقتادة : الناس  القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة، كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله تعالى نوحاً فمن بعده. 
وقال قوم : الناس نوح ومن في سفينته، كانوا مسلمين ثم بعد ذلك اختلفوا( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقال ابن عباس أيضاً : كان الناس أمة واحدة كفاراً، يريد في مدة نوح حين بعثه الله( [(٣)](#foonote-٣) )، و  كان  على هذه الأقوال هي على بابها من المضي المنقضي، وتحتمل الآية معنى سابعاً وهو أن يخبر عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق. لولا منّ الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم، ف  كان  على هذا الثبوت لا تختص بالمضي فقط، وذلك كقوله تعالى : وكان الله غفوراً رحيماً  \[ النساء : ٩٦-٩٩-١٠٠-١٥٢، الفرقان : ٧٠، الأحزاب : ٥ - ٥٩، الفتح : ١٤ \]، والأمة الجماعة على المقصد الواحد، ويسمى الواحد أمة إذا كان منفرداً بمقصد، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة :**«يحشر يوم القيامة أمة وحده »**( [(٤)](#foonote-٤) )، وقرأ أبي كعب **«كان البشر أمة واحدة »**، وقرأ ابن مسعود **«كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث »**، وكل من قدر  الناس  في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا( [(٥)](#foonote-٥) )، وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة  النبيين  إليهم( [(٦)](#foonote-٦) )، وأول الرسل على ما ورد في الصحيح في حديث الشفاعة نوح، لأن الناس يقولون له : أنت أول الرسل، والمعنى إلى تقويم كفار وإلا فآدم مرسل إلى بنيه يعلمهم الدين والإيمان، و  مبشرين  معناه بالثواب على الطاعة، و  منذرين  معناه من العقاب على المعاصي، ونصب اللفظتين على الحال، و  الكتاب  اسم الجنس، والمعنى جميع الكتب. 
وقال الطبري :**«الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوارة »**، و  ليحكم  مسند إلى الكتاب في قول الجمهور. 
وقال قوم : المعنى ليحكم الله( [(٧)](#foonote-٧) )، وقرأ الجحدري( [(٨)](#foonote-٨) ) **«ليُحَكم »** على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مكي **«لنحكم »**. 
قال القاضي أبو محمد : وأظنه تصحيفاً لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما حكى الناس، والضمير في  فيه  عائد على  ما  من قوله : فيما ، والضمير في  فيه  الثانية يحتمل العود على الكتاب ويحتمل على الضمير الذي قبله، والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيهاً منه تعالى على الشنعة في فعلهم والقبح الذي واقعوه. و  البينات  الدلالات والحجج، و  بغياً  منصوب على المفعول له، والبغي التعدي بالباطل، و  هدى  معناه أرشد، وذلك خلق الإيمان في قلوبهم، وقد تقدم ذكر وجوه الهدى في سورة الحمد، والمراد ب  الذين آمنوا . 
من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. 
فقالت طائفة : معنى الآية : أن الأمم كذب( [(٩)](#foonote-٩) ) بعضهم كتاب بعض فهدى الله أمة محمد التصديق بجميعها. 
وقالت طائفة : إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين من قولهم : إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً. 
وقال ابن زيد : من قبلتهم، فإن قبلة اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق، ومن يوم الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فلليهود غد، وللنصارى بعد غد »**( [(١٠)](#foonote-١٠) )، ومن صيامهم( [(١١)](#foonote-١١) ) وجميع ما اختلفوا فيه. 
وقال الفراء : في الكلام قلب، واختاره الطبري، قال : وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه. ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء. 
قال القاضي أبو محمد : وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز( [(١٢)](#foonote-١٢) ) وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه، لأن قوله  فهدى  يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله  فيه ، وتبين بقوله  من الحق  جنس ما وقع الخلاف فيه. 
قال المهدوي :**«وقدم لفظ الخلاف على لفظ الحق اهتماماً، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وليس هذا عندي بقوي، وفي قراءة عبد الله بن مسعود **«لما اختلفوا عنه من الحق »** أي عن الإسلام. 
و  بإذنه  قال الزجّاج : معناه بعلمه، وقيل : بأمره، والإذن( [(١٣)](#foonote-١٣) ) هو العلم والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية، وفي قوله تعالى : والله يهدي من يشاء  رد على المعتزلة في قولهم إن العبد يستبد بهداية نفسه.

١ - اطلق عليه لفظ الناس لأنه أصلهم ومنشؤهم..
٢ - أي بعد موت نوح عليه السلام تفرقوا واختلفوا..
٣ - قال الحافظ ابن (ك): **«القول الأول عن ابن عباس أصح سندا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله نوحا إليهم عليه السلام فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»** ا هـ. ومما يؤيد أن الناس كانوا أمة واحدة في الإيمان قوله تعالى: \[فبعث الله النّبيئين\] وإنما بعثهم حين الاختلاف، وقراءة عبد الله: \[كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيئين\]، والتصريح بهذا المحذوف في آية أخرى وهي قوله تعالى: \[وما كان الناس إلا أمّة واحدة فاختلفوا\] والقرآن يفسر بعضه بعضا كما هو الشأن في تفسير الإمام ابن (ك)، وكون آدم بعث إلى أولاده وقد كانوا مسلمين دلالة العقل إذ النظر الصحيح يؤدي إلى الحق لا محالة، فالناس في مبدأ الدنيا كانوا على الفطرة ومؤمنين. ثم في الآية اختلافان – اختلاف نشأ عنه بعث الأنبياء، واختلاف تسبّب عن البغي والحسد والطمع في الدنيا وزينتها..
٤ - لأن مقصده انفرد عن مقصد الناس، وقسُّ بن ساعدة هو حكيم العرب، وقد ضربت بحكمته وعقله الأمثال، قدمت إياد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عنه فقالوا: هلك. فقال: كأني أنظر إليه على جمل أحمر بسوق عكاظ يقول: أيها الناس، اسمعوا وعُوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت: إن في الأرض لعبراً، وإن في السماء لحبراً، أنجم تدور، وبحار لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم بالله قسم حقّ إن لله دينا أرضى مما أنتم عليه. مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ؟ أرضوا بالمًُقام فأقاموا، أم تُركوا فناموا ؟، سبيل مؤتلف، وعمل مختلف، وقال أبياتا لا أحفظها. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا أحفظها، فقال: هاتها. فقال:
 في الذَّاهِبِيـن الأوليــن
 منَ القـرون لنَا بَصَائِــر
 لمّـا رأيـتُ مــوارداً
 لِلمَوْتِ ليْسَ لَهَـا مَصَـادِرْ
 ورأيتُ قَوْمِي نَحْوَهَــا
 يمْضِي الأكَـابِرُ والأصَاغر
 لا يرْجِـع الماضي ولا
 يبْقـى من الباقينَ غَـابِـر
 أيْقَنْـتُ أنِّـي لا مَحَـا
 لَةَ حيْثُ صارَ القَوم صائِـر
 فقال: **«رحم الله قسا إني لأرجو أن يبعث أمة وحده»**..
٥ - وعليه فالفاء في قوله تعالى: (فَبَعَثَ) فاء الفصيحة، وهي التي تبين عن سبب محذوف، ودليل هذا القدر قوله تعالى بعدُ: \[ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه\]..
٦ - أي لا يحتاج إلى تقدير، لأن بعثة النبيين كانت إليهم..
٧ - هذا هو الظاهر، ويدل على ذلك قراءة الجحدري (لنحكم) بالنون، وهي التفات من الغيبة إلى التكلم، ودعوى ابن عطية أن هذه القراءة تصحيف مستنداً في ذلك إلى أن مكيا لم يحك ما حكاه الناس من قراءة البناء للمفعول لا تتم إذ الناقل أمين، والمثبت مقدم، ولا يلزمه أن يذكر ما ذكره غيره. والله أعلم..
٨ - هو عاصم أحد القراء السبعة، قرأ \[ليحكم\] بالبناء للمفعول، والفاعل معلوم وهو الله تعالى..
٩ - يعني أنهم اختلفوا على أنبيائهم وكتبهم، وهدى الله هذه الأمة للحق فيما اختلفوا فيه..
١٠ - رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي هريرة، وأصله في الصحيح..
١١ - يعني أنهم اختلفوا فيه، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام..
١٢ - ما قاله ابن عطية رحمه الله حَسَنٌ فإنه ينبغي أن ينزه كلام الله عن مثل هذا حتى لا يكون طريقا إلى تلاعب المتلاعبين وتشغيب المشاغبين..
١٣ - تأييد لما قاله الزَّجاج وذلك أنك إذا قلت: أذنت في كذا، فليس يلزمك أنك أمرت. ويكون الأمر إذنا..

### الآية 2:214

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [2:214]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( ٢١٤ )
وقوله تعالى : أم حسبتم  الآية،  أم  قد تجيء لابتداء كلام بعد كلام وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة ألف استفهام، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجىء بمثابة ألف الاستفهام( [(١)](#foonote-١) ) يبتدأ بها، و  حسبتم  تطلب مفعولين، فقال النحاة  أن تدخلوا  تسد مسد المفعولين لأن الجملة التي بعد  أن  مستوفاة المعنى، ويصح أن يكون المفعول الثاني محذوفاً، تقديره أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، و  لما ، ولا يظهر أن يتقدر المفعول الثاني في قوله  ولمّا يأتكم  بتقدير أحسبتم دخولكم الجنة خلواً من أن يصيبكم ما أصاب من قبلكم، لأن  خلوا  حال، والحال هنا إنما تأتي بعد توفية المفعولين، والمفعولان هما الابتداء والخبر قبل دخول حسب، و  البأساء  : في المال، و  الضراء  : في البدن : و  خلوا  معناه انقرضوا، أي صاروا في خلاء من الأرض. 
وهذه الآية نزلت في قصة الأحزاب حين حصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، هذا قول قتادة والسدي وأكثر المفسرين. 
وقالت فرقة : نزلت الآية تسلية للمهاجرين الذين أصيبت أموالهم بعدهم في بلادهم وفتنوا هم قبل ذلك، و  مثل  معناه شبه، فالتقدير شبه آتى الذين  خلوا ( [(٢)](#foonote-٢) )، والزلزلة شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، ومذهب سيبويه أن **«زلزل »** رباعي ك **«دحرج »**. 
وقال الزجّاج :**«هو تضعيف في زل »** فيجيء التضعيف على هذا في الفاء، وقرأ الأعمش **«وزلزلوا ويقول الرسول »** بالواو بدل حتى، وفي مصحف ابن مسعود **«وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول »**، وقرا نافع **«يقولُ »** بالرفع، وقرأ الباقون **«يقولَ »** بالنصب، ف  حتى  غاية مجردة تنصب الفعل بتقدير إلى أن، وعلى قراءة نافع كأنها اقترن بها تسبيب فهي حرف ابتداء ترفع الفعل( [(٣)](#foonote-٣) )، وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب( [(٤)](#foonote-٤) )، و  الرسول  اسم الجنس( [(٥)](#foonote-٥) )، وذكره الله تعظيماً للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول، وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول  ألا إن نصر الله قريب ، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر( [(٦)](#foonote-٦) )، ويحتمل أن يكون  ألا إن نصر الله قريب  إخباراً من الله تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكر القول.

١ - مراده بهذا والله أعلم – أنها منقطعة والمنقطعة تقدر بـ (بل وهمزة الاستفهام) وبل إضراب أي انتقال من كلام إلى كلام، والاستفهام تقرير إلا أن قوله: **«تجيء لابتداء كلام»** ينافي أنها بمعنى (بل والهمزة)، فكما أن (بل) لا بد أن يأتي قبلها كلام حتى يصير في حيز عطف الجمل، فكذلك ما تضمنه معناها. والحاصل أن (أمْ) هنا – إما منقطعة بمعنى (بل والهمزة)، وإما متصلة بتقدير جملة قبلها كما حكاه بعض المفسرين، وإما استفهام بمعنى الهمزة كما قاله بعض اللغويين..
٢ - وقوله تعالى: \[مسّتهم البأساء والضّرّاء\] بيان لهذا المثل، كأنه قيل، ما ذلك المثل ؟ قيل: مستهم البأساء والضراء، فليس لهذه الجملة محل إعراب لأنها تفسير لما قبلها، وفي الآية استدعاء للصبر الذي هو وسيلة النصر، كما قال تعالى: \[ألا إن نصر الله قريب\] أي من الصابرين..
٣ - أي: وزلزلوا فيقول الرسول الآية، وعلى هذا فقراءة الرفع أظهر وأصح معنى لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها. فالمعنى: زلزلوا حتى الرسول يقول: أي حتى هذه حاله. والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى. والله أعلم..
٤ - «الذي يقتضيه النظر – كما قال أبو (ح) رحمه الله – أن الجملتين داخلتان تحت القول،. وأن الجملة الأولى من قول المؤمنين. قالوا ذلك استبطاء للنصر وتضجراً لما نالهم من الشدة، والجملة الثانية من قول الرسول إجابة لهم وإعلام بقرب النصر، فتعود كل جملة لمن يناسبها. وصح نسبة المجموع بالمجموع لا نسبة المجموع لكل نوع من القائلين ا هـ. وهذا الأخير أي نسبة المجموع إلى كل نوع من القائلين هو ما أشار إليه ابن عطية رحمه الله. فهذان قولان: نسبة المجموع للمجموع، ونسبة المجموع إلى كلّ من الرسول والمؤمنين، والقول الثالث أشار إليه ابن عطية في النهاية وهو أن :\[متى نصر الله\] من قول الرسول والمؤمنين و\[ألا إن نصر الله قريب\] من كلام الله تعالى..
٥ - أي لا واحد بعينه، ومن المفسرين من عيّنه بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك سبب نزول الآية..
٦ - لله در الإمام ابن عطية رحمه الله، فإنه لا يجاري مثل هذه الأقوال، ودائما يعقب عليها ويرميها وراء الظهر، لأنها تفتح بابا يعسر سده، وقوله: تحكُّمٌ – أي حكم من دون إبداء سبب يُعَيِّنُ ذلك، كيف وحمل الكلام على ما هو عليه مُتيسر ؟.

### الآية 2:215

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:215]

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( ٢١٥ )
السائلون هم المؤمنون( [(١)](#foonote-١) )، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها وأين يضعون ما لزم إنفاقه، و **«ما »** يصح أن تكون في موضع رفع على الابتداء، و ****«ذا »**** خبرها، فهي بمعنى الذي، و  ينفقون  صلة، وفيه عائد على ****«ذا »**** تقديره ينفقونه، ويصح أن تكون  ماذا  اسماً واحداً مركباً في موضع نصب ب  ينفقون ، فيعرى من الضمير، ومتى كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب لا ما جاء من قول الشاعر :\[ الطويل \]. 
وَمَاذا عَسَى الْوَاشُون أَنْ يَتَحَدَّثُوا. . . سِوَى أَنْ يَقُولُوا إنّني لَكِ عاشقُ( [(٢)](#foonote-٢) )
فإن عسى لا تعمل، فماذا في موضع رفع( [(٣)](#foonote-٣) ) وهو مركب إذ لا صلة( [(٤)](#foonote-٤) ) لذا. 
قال قوم : هذه الآية في الزكاة المفروضة( [(٥)](#foonote-٥) )، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربين. 
وقال السدي :**«نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة، ثم نسختها الزكاة المفروضة »**، ووهم المهدوي على السدي في هذا فنسب إليه أنه قال إن الآية في الزكاة المفروضة، ثم نسخ منها الوالدان، وقال ابن جريج وغيره : هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، واليتم فقد الأب قبل البلوغ، وتقدم القول في المسكين و  ابن السبيل ، و  ما تفعلوا  جزم بالشرط، والجواب في الفاء، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه :**«يفعلوا »** بالياء على الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة.

١ - أو عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا، وله مال كثير، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقد تضمن الجواب ما ينفقونه وهو كل خير، ولكنه بنى الكلام على ما هو أهم، وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا وقعت موقعها كما قال الشاعر:
 إنَّ الصَّنيعـةَ لا تكون صَنيعـةً حتّى يُصابَ بها طريقُ المَصْنَـع
 فإذا صَنَعْتَ صَنِيعَةً فاعْمَدْ بِهَـا للهِ أو لِــذَوي القَرَابــَةِ أوْ دَع 
 فيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كما في قوله تعالى: \[يسألونك عن الأهلة\] والصنيعة: العطية، وأشار بقوله: **«حتى يُصابَ بها طريقُ المَصْنَع»** إلى وضعها في موضعها اللائق بها..
٢ - هو قيس بن الملوح – مجنون بني عامر – كما في الأغاني، وقيل: جميل – كما في الحماسة. وبعد البيت:
 نَعَمْ – صَدَقَ الوَاشُونَ أنْتِ حَبِيبَـةٌ إليَّ وإن لَمْ تَصْفُ مِنْكِ الخَلائِـقُ
 وقد أنكر أبو (ح) هذا الإعراب، وقال: **«لا نعرفه»** انظره..
٣ - أي على أنه مبتدأ – والمعنى: أي حديث عسى الواشون أن يتحدثوا به ؟ فلا يقدرون في وشايتهم على أكثر من أن يقولوا: إنني لك مُحِبٌ وعاشق..
٤ - إنما لم تكن (لذا) صلة في البيت لأن عسى لا تقع صلة للموصول الاسْمِيِّ، ومن ثمّ لا يجوز أن يكون (ذا) في البيت بمعنى الذي قاله أبو (ح)..
٥ - فيه أنه لا دليل على نسخها، ولذا عقب الحافظ ابن (ك) عليه بقوله: وفيه نظر..

### الآية 2:216

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:216]

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ٢١٦ )
و  كتب  معناه فرض، وقد تقدم مثله، وهذا هو فرض الجهاد، وقرأ قوم **«كتب عليكم القتل »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال عطاء بن أبي رباح :**«فرض القتال على أعيان أصحاب محمد، فلما استقر الشرع وقيم به صار على الكفاية »**، وقال جمهور الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام، فهو حينئذ فرض عين( [(٢)](#foonote-٢) )، وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال : الجهاد تطوع. وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد. فقيل له : ذلك تطوع( [(٣)](#foonote-٣) ) وال  كُره  بضم الكاف الاسم، وفتحها المصدر. 
وقال قوم **«الكَره »** بفتح الكاف ما أُكره المرء عليه، و **«الكُره »** ما كرهه هو( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقال قوم : هما بمعنى واحد. 
وقوله تعالى  وعسى أن تكرهوا شيئاً  الآية( [(٥)](#foonote-٥) )، قال قوم  عسى  من الله واجبة( [(٦)](#foonote-٦) )، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة  وهو خير لكم  في أنكم تغلبون وتظهرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيداً،  وعسى أن تحبوا  الدعة وترك القتال  وهو شر لكم  في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم، وفي قوله تعالى  والله يعلم  الآية قوة أمر( [(٧)](#foonote-٧) ).

١ - جمعت القراءتان في قول عمر بن أبي ربيعة:
 كُتِبَ القَتْلُ والقِتَال علينا وَعَلى الغَـانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُـولِ.
٢ - أجمع المفسرون على أن هذه الآية دالة على وجوب الجهاد وجوبا كفائيا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى غيرهم، إلا عند الاستنفار العام أو هجوم العدو على الإسلام ما عدا عطاء فإنه قال بوجوبه عيناً على الصحابة، وكفائيا على غيرهم.
 تنبيه: سيف الجهاد والقتال هو آية العز والنصر، وبه انتشرت المبادئ والمذاهب، وأُيدت الشرائع والقوانين، وبه حمي الإسلام من عبث العابثين والمرجفين، إلا أن السيف لم يجرد للإلزام والاقناع، بل لحماية الدعوة ونصر الأتباع. ومعنى هذا أن المسلمين يجب عليهم أن ينصروا دينهم بالسيف إذا تعرض للطعن أو للهجوم..
٣ - أي تُحمل على سؤال سائل قيل له: إن ذلك تطوع في حقك، وقد قام الناس بالجهاد..
٤ - في المصباح – قال الزجاج: كل مافي القرآن من الكُره بالضم فالفتح فيه جائز إلا قوله في سورة البقرة: \[كتب عليكم القتال وهو كره لكم\] اهـ..
٥ - ها هنا أمور أربعة: محبوب يوصل إلى محبوب، ومكروه يوصل إلى مكروه، ومحبوب يوصل إلى مكروه ومكروه يوصل إلى محبوب، فالمحبوب الموصل إلى محبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من جهتين، والمكروه الموصل إلى مكروه اجتمع فيه داعي الترك من جهتين، والقسمان الباقيان هما معترك الابتلاء والاختبار، فالنفس تؤثر أقربهما، والعقل يؤثر أنفعهما، والقلب بين الداعيين إلى هذا مرة وذاك أخرى. وداعي العقل والإيمان ينادي دائما: حي على الفلاح، عند الصباح يحمد القوم السُّرى، وعند الممات يحمد العبد التقى، وعقلاء الدنيا يتحملون المشارق والمتاعب والمكاره لما يعقبها من اللذة والمنفعة وإن كانت منقطعة لأنها جزء من الدنيا المنقطعة، وفي هذا المعنى يقول أبو سعيد الضرير:
 ربَّ أمــر تتَّقِـيـــــهِ جَــرَّ أمْــراً تَرتَضِــيـهِ
 خَفِــيَ المحْبُــوبُ مِنْــهُ وبَــدا المَكْـــرُوه فِيــهِ
 **ويقول القائل أيضا:**
 كرهتُ وكان الخير فيما كَرهْتُهُ وأحْبَبْتُ أمراً كان فيه شَبَا القَتْل 
 **وللقاضي إسماعيل:**
 ومَسَــــرَّةٍ قـد أقْبَلَــتْ مِنْ حيثُ تُنْتَظَـرُ المَصائِـبُ
 فاعْجَـبْ لمـا هـو كائِــنٌ إنَّ الزَّمــان أبو العَجَـائِبْ.
٦ - بمعنى أنها محققة الوقوع..
٧ - في قوله تعالى: \[والله يعلم وأنتم لا تعلمون\] الإشارة إلى المبادرة إلى ما يأمر به الله تعالى وإنْ شقَّ، والرضى بما جرى به القضاء والقدر..

### الآية 2:217

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:217]

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٢١٧ )
وقوله تعالى  يسألونك عن الشهر الحرام  الآية، نزل في قصة عمرو بن الحضرمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية عليها عبد الله بن جحش الأسدي مقدمه( [(١)](#foonote-١) ) من بدر الأولى، فلقوا عمرو بن الحضرمي ومعه عثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل المخزوميان والحكم بن كيسان في آخر يوم من رجب على ما ذكر ابن إسحاق، وفي آخر يوم من جمادى الآخرة على ما ذكره الطبري عن السدي وغيره. والأول أشهر، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذاك كان في أول ليلة من رجب والمسلمون يظنونها من جمادى، وأن القتل في الشهر الحرام لم يقصدوه، وأما على قول ابن إسحاق فإنهم قالوا إن تركناهم اليوم دخلوا الحرم فأزمعوا قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسر عثمان بن عبد الله والحكم، وفر نوفل فأعجزهم، واستسهل المسلمون هذا في الشهر الحرام خوف فوتهم، فقالت قريش : محمد قد استحل الأشهر الحرم، وعيروا بذاك، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم، فنزلت هذه الآية. 
وذكر المهدوي أن سبب هذه الآية أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من بني كلاب في رجب فنزلت، وهذا تخليط من المهدوي( [(٢)](#foonote-٢) ). وصاحبا عمرو كان عندهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم( [(٣)](#foonote-٣) )، وكان عمرو قد أفلت من قصة بئر معونة، وذكر الصاحب بن عباد( [(٤)](#foonote-٤) ) في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت، لكونه مؤمراً على جماعة من المؤمنين، و  قتال  بدل عند سيبويه، وهو بدل الاشتمال( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقال الفراء : هو خفض بتقدير عن( [(٦)](#foonote-٦) ). 
وقال أبو عبيدة **«هو خفض على الجوار »**، وقوله هذا خطأ( [(٧)](#foonote-٧) )، وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه »** بتكرير عن، وكذلك قرأها الربيع والأعمش، وقرأ عكرمة **«عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل »** دون ألف فيهما، و  الشهر  في الآية اسم الجنس( [(٨)](#foonote-٨) )، وكانت العرب قد جعل الله لها  الشهر الحرام  قواماً تعتدل عنده( [(٩)](#foonote-٩) )، فكانت لا تسفك دماً ولا تغير في الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وروى جابر بن عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى( [(١٠)](#foonote-١٠) )، فذلك قوله تعالى  قل قتال فيه كبير ، و  صد  مبتدأ مقطوع مما قبله( [(١١)](#foonote-١١) )، والخبر  أكبر ، و  المسجد  معطوف على  سبيل الله ، وهذا هو الصحيح( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
وقال الفراء : صد  عطف على  كبير ، وذلك خطأ، لأن المعنى يسوق إلى أن قوله  وكفر به  عطف أيضاً على  كبير ( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، هذا بين فساده( [(١٤)](#foonote-١٤) )، ومعنى الآية على قول الجمهور : إنكم يا كفار قريش تستعمظون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد عنه كما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرماً عند الله. 
وقال الزهري ومجاهد وغيرهما : قوله  قل قتال فيه كبير  منسوخ بقوله  وقاتلوا المشركين كافة  \[ التوبة : ٣٦ \]، وبقوله : فاقتلوا المشركين ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ التوبة : ٥ \]. 
وقال عطاء :**«لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم »**، وهذا ضعيف( [(١٦)](#foonote-١٦) ). 
وقوله تعالى : والفتنة أكبر من القتل  المعنى عند جمهور المفسرين، والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا( [(١٧)](#foonote-١٧) ) أشد اجتراماً من قتلكم في الشهر الحرام، وقيل : المعنى والفتنة أشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون، أي فعلكم على كل إنسان أشد من فعلنا( [(١٨)](#foonote-١٨) ). 
وقال مجاهد وغيره : الفتنة  هنا الكفر أي كفركم أشد من قتلنا أولئك. 
قوله تعالى : ولا يزالون  ابتداء خبر من الله -عز وجل- وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة، و  يردوكم  نصب ب  حتى  لأنها غاية مجردة( [(١٩)](#foonote-١٩) )، وقوله تعالى  ومن يرتدد  \[ أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، قالت طائفة من العلماء : يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل. 
وقال عبيد بن عمير وطاوس والحسن -على خلاف عنه- والشافعي في أحد قوليه : يقتل دون أن يستتاب، وروي نحو هذا عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ). 
قال القاضي أبو محمد : ومقتضى قولهما إنه يقال له للحين : راجع، فإن أبى ذلك قتل، وقال عطاء ابن أبي رباح :**«إن كان المرتد ابن مسلمين قتل دون استتابة وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب »**، وذلك لأنه يجهل من فضل الإسلام ما لا يجهل ابن المسلمين، واختلف القائلون بالاستتابة : فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستتاب ثلاثة أيام. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه. 
وقال الزهري :**«يدعى إلى الإسلام فإن تاب وإلا قتل »**. 
وروي عن علي أبي طالب رضي الله عنه أنه استتاب مرتداً شهراً فأبى فقتله، وقال النخعي والثوري : يستتاب محبوساً أبداً، قال ابن المنذر : واختلفت الآثار عن عمر في هذا الباب. 
 قال القاضي أبو محمد  : كان رضي الله عنه ينفذ بحسب جرم ذلك المرتد أو قلة جرمه المقترن بالردة، وحبط العمل إذا انفسد( [(٢١)](#foonote-٢١) ) في آخر فبطل( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وقرأ أبو السمال( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) **«حبطَت »** بفتح الباء في جميع القرآن. 
وقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه : ميراث المرتد لورثته من المسلمين، وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور : ميراثه في بيت المال( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، وأجمع الناس على أن ورثته من أهل الكفر لا يرثونه إلإ شذوذاً، روي عن عمر بن عبد العزيز وعن قتادة، وروي عن عمر بن عبد العزيز خلافه( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ).

١ - أي عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من بدر الأولى..
٢ - أي بين القصتين، والحق أن سبب النزول هو قصة عبد الله بن جحش، قال شيخ المفسرين أبو جعفر (ط) رحمه الله: **«ولا خلاف بين أهل التأويل جميعا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب قتل ابن الحضرمي وقاتله»**. ثم روى بأسانيده عمن قال ذلك. انظره..
٣ - ولم يعلم بذلك عمرو بن أمية الضمري..
٤ - لُقِّب بذلك لصحبته ابن العميد في وزارته، واسمه: اسماعيل بن عباد تلميذ ابن العميد، وشيخ الشيخ عبد القاهر الجرجاني مدون علم البيان وواضع قواعده في كتابيه العظيمين: **«دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة»**. وقد توفي الصاحب بمدينة الري وحضر جنازته فخر الدولة بن بُوَيه وسائر القواد والأعيان، جمع بين صنعة الشعر والنثر، وفاق أقرانه فيهما إلا ما كان من الصابئي فإنه كما قال الثعالبي: كان يكتب كما يُراد، والصاحب كان يكتب كما يُريد. رُوي أنه سافر إلى بغداد فسُئل عنها فقال: بغداد في البلاد: والأستاذ في العباد، ومراده بالأستاذ شيخه ابن العميد..
٥ - أي لأن الزمان يشتمل على ما يقع فيه من الأفعال كالقتال..
٦ - هو كقولهم: البدل على نية تكرار العامل، فالعبارتان متقاربتان، ومرجعهما إلى قول الجمهور: إنه بدل، وقد قرأ عبد الله ابن مسعود وغيره: (عن قتال فيه) بتكرير (عن)..
٧ - تبع ابن عطية في تخطئة الخفض بالجوار النحاس وكذلك أبو (ح) (٢-٤٤) البحر المحيط، وهو كذلك، لأن الخفض بالجوار من مواضع الضرورة والشذوذ، ولا يجوز أن يعمد إلى ذلك في كتاب الله، ولا حتى في الكلام إذا وجدت عنه مندوحة..
٨ - يشمل الأشهر الحرم كلها..
٩ - القِوام كحساب العدل والاعتدال، فقوله: تعتدل عنده (أي تستقيم) تفسير لما قبله..
١٠ - روى حديث جابر ابن جرير في التفسير..
١١ - أي غير مقول، وغير داخل تحت القول..
١٢ - فيه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو لا يجوز، فالأحسن أن يكون معطوفا على الضمير في قوله: \[وكُفْرٌ به\]، وبالمسجد الحرام، ولا يضر عدم إعادة الجار لقول ابن مالك: 
 وليس عندي لازماً إذْ قد أتَــى في النَّظْـم والنَّثْــر الصَّحِيــح مُثْبَتَــا.
١٣ - بل من الجائز أن يتم المعنى عند قوله: \[وصدّ عن سبيل الله\]، أي قل: قِتال فيه كبير. وفيه صد عن سبيل الله، ثم يكون قوله: \[وكفر به\] مبتدأ والخبر ما بعده..
١٤ - لا يجيء ذلك، لأن المعنى أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وليس المعنى: أكبر عند الله من الكفر، فكلام ابن عطية رحمه الله هنا غير منخول..
١٥ - من الآية (٣٦) من سورة التوبة – ومن الآية (٥) من سورة التوبة..
١٦ - أصل هذا في كلام الإمام ابن جرير رحمه الله، وقد أطال في ذلك. والحق أنه لا يجوز القتال فيها إلا أن يقاتلوا فيها ولا دليل على تلك العموميات ولا في تلك الغزوات التي وقع بها الاستدلال، لأن تلك الحروب كان المشركون قد ابتدؤوا القتال فيها، وبيعة الرضوان إنما كانت نتيجة الخوف على عثمان بن عفان رضي الله عنه، فهي بيعة على الدفاع لا على الهجوم، انظر ابن القيم في "زاد المعاد" ومما يرجح أنها محكمة غير منسوخة حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغزو في الأشهر الحرم إلا أن يغزى – وذلك قوله: \[قل قتال فيه كبير\] – وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وَدَى ابن الحضرمي وردّ الغنيمة والأسيرين، وأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة وهذه خاصة، والعام لا ينسخ الخاص باتفاق، وأيضا فقد جاء في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل وليس فيها منسوخ: \[يا أيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام\] الآية – والبقرة من أول ما نزل..
١٧ - أي بحبسهم وسجنهم ومنعهم وتعذيبهم..
١٨ - يعني لأن ألم الفتنة متجدد، وألم القتل ألم منقض..
١٩ - جعلها الزمخشري علّة، والتقييد بالعلة أمكن من التقييد بالغاية – لأن الفعل الصادر منهم ضد المؤمنين – وهو المقاتلة – مرتبط بعلة، فالزمان مستغرق الفعل ما دامت علة الفعل. بخلاف الغاية فإنها تقييد في الفعل دون ذكر الحامل عليه، فزمان وجوده مقيد بغايته – وفرق في القوة بين الفعل المقيد بالغاية والفعل المقيد بالعلة بين الباعث والدافع. ولا يتحقق ذلك في المقيد بالغاية..
٢٠ - ما روى عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل خرجه الإمام مسلم في صحيحه..
٢١ - لا يقال في اللغة (انفسد) فكان عليه أن يقول (إذا فسد)، اللهم إلا إذا كان ذلك من النّسخة، وهو ما يظهر، والله أعلم..
٢٢ - قال الإمام ابن العربي: قال علماؤنا: إنما ذكر الله الموافاة شرطا ها هنا أي قوله: (فيمت وهو كافر) لأنه علّق على ذلك الخلود في النار، فمن وافى على الكفر خلّده الله في النار بهذه الآية، ومن أشرك حبط عمله، بقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطنّ عملك) فهما آيتان مفيدتان لمعنيين وحكمين متغايرين، وما خوطب به عليه السلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به، وهذا هو مذهب الإمام مالك أن من ارتد يحبط عمله بنفس الردة حتى أن من حج ثم ارتد ثم أسلم فإنه يجب عليه إعادة الحج، ثم إن الإحباط إحباطان: إحباط إسقاط وهو إحباط الكفر للأعمال الصالحة، فلا يفيد شيء منها معه، وإحباط موازنة، وهو وزن العمل الصالح بالعمل السيء، فإن رجح السيء فإنه في هاوية، وإن رجح الصالح فهو في عيشة راضية، كلاهما معتبر، غير أنه يعتبر أحدهما بالآخر، ومع الكفر لا اعتبار البتّة، ومن قبيل إحباط الموازنة ما جاء في أثر عائشة رضي الله عنها كما في الموطأ أنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم، وقد باعت له عبدا بثمانمائة درهم إلى العطاء واشترته منه بستمائة درهم نقدا: أخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل زيدا رضي الله عنه كان لا يعتقد حرمة الربا بين السيد وعبده انظر (ق)..
٢٣ - في البحر المحيط نسب ذلك إلى (أبو السماك) بالكاف. ونسبها أيضا هنا إلى (الحسن)..
٢٤ - لأنه لا وراثة بين ملّتين..
٢٥ - سبب الإجماع هو الاحتفاظ بالمال في بلد الإسلام، فلا يذهب إلى أهل الكفر، فهو إما لورثته المسلمين، وإما لبيت مال المسلمين، والمال هو قوام الأمة وعماد الحياة..

### الآية 2:218

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:218]

إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٢١٨ )
وقوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هاجروا  الآية، قال جندب بن عبد الله وعروة بن الزبير وغيرهما : لما قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبد الله بن جحش وفي الأسيرين، فعنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية( [(١)](#foonote-١) ) في الشهر الحرام، ثم بذكرهم والإشارة إليهم في قوله : إن الذين آمنوا ، ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكر الله عز وجل، وهاجر الرجال إذا انتقل نقلة إقامة من موضع إلى موضع وقصد ترك الأول إيثاراً للثاني، وهي مفاعلة من هجر، ومن قال المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم( [(٢)](#foonote-٢) ) بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله، وجاهد مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد،  ويرجون  معناه يطمعون( [(٣)](#foonote-٣) ) ويستقربون، والرجاء تنعم، والرجاء أبداً معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء( [(٤)](#foonote-٤) )، وقد يتجوز أحياناً ويجيء الرجاء بمعنى ما يقارنه من الخوف، كما قال الهذلي :\[ الطويل \]
إذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا. . . وَحَالَفَهَا في بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلُ( [(٥)](#foonote-٥) )
وقال الأصمعي :**«إذ اقترن حرف النفي بالرجاء كان بمعنى الخوف »**، كهذا البيت، وكقوله عز وجل : لا يرجون لقاءنا ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ سورة يونس : الآيات : ٧- ١١- ١٥، سورة الفرقان : الآية ٢١ \]، المعنى لا يخافون، وقد قيل : إن الرجاء في الآية على بابه، أي لا يرجون الثواب في لقائنا، وبإزاء ذلك خوف العقاب، وقال قوم : اللفظة من الأضداد دون تجوز في إحدى الجهتين، وليس هذا بجيد، وقال الجاحظ في كتاب البلدان :**«إن معنى قوله لم يرج لسعها أي لم يرج برء لسعها وزواله، فهو يصبر عليه »**( [(٧)](#foonote-٧) )، وباقي الآية وعد.

١ - أي قوله تعالى: \[يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه\] الآية..
٢ - أي كان واهما في قوله، يقال: أوَْمَ الرجل بمعنى وَهَم. وسبب وهمه أن ذلك كان هو الأغلب من حال العرب..
٣ - والطمع في رحمة الله أي في جنته لا يكون إلا بالعمل، وإلا فهو أمنية وغرور، ولذلك أشار إلى العمل السابق وهو الإيمان والهجرة والجهاد ورتب رجاء رحمة الله على ذلك كله..
٤ - لأن الراجي يخاف ألا يدرك ما يتمناه، كما أن الخائف قد يكون منه رجاء الإدراك..
٥ - الهذلي، هو أبو ذويب، والنوب: النحل – جمع نائب لأنها ترعى ثم تنوب إلي بيتها، أي ترجع إليه – وناب بالنون بمعنى رجع. والمعنى أنه يخالفها لأخذ العسل، إذا خرجت للعمل وسَرَحت ترعى وفي رواية: (وحَالفها) في بيت نوب (عواسل)، بالحاء في الكلمة الأولى، و(السين) في الكلمة الأخيرة، والمعنى أنه يخالفها ويلازمها لأخذ العسل ولا يخاف لسْعَهَا..
٦ - من قوله تعالى: \[إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون\] الآية (٧) من سورة (يونس)..
٧ - فالرجاء هنا ليس معناه الخوف بل معناه الأمل والطمع..

### الآية 2:219

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:219]

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( ٢١٩ )
وقوله تعالى  يسألونك عن الخمر والميسر  الآية( [(١)](#foonote-١) )، السائلون هم المؤمنون، و  الخمر  مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«خمروا الإناء »**( [(٢)](#foonote-٢) )، ومنه خمار المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، ومنه قول الشاعر :
ألا يا زيد والضحاك سيرا. . . فقد جاوزتما خمر الطريق( [(٣)](#foonote-٣) )
أي سيرا مدلين( [(٤)](#foonote-٤) ) فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره، ومنه قول العجاج :
في لامِعِ العقْبَانِ لاَ يَمْشِي الخَمر. . . ( [(٥)](#foonote-٥) ) يصف جيشاً جاء برايات غير مستخف، ومنه قولهم دخل فلان في غمار الناس وخمارهم( [(٦)](#foonote-٦) )، أي هو بمكان خاف، فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطي عليه سميت بذلك، والخمر ماء العنب الذي غلي( [(٧)](#foonote-٧) ) ولم يطبخ أو طبخ طبخاً لم يكف غليانه، وما خامر العقل من غير ذلك فهو في ( [(٨)](#foonote-٨) )حكمه. قال أبو حنيفة : قد تكون الخمر من الحبوب، قال ابن سيده : وأظنه تسفحاً منه، لأن حقيقة الخمر إنما هي ماء العنب دون سائر الأشياء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«الخمر من هاتين الشجرتين : العنب والنخلة »**، وحرمت الخمر بالمدينة يوم حرمت وهي من العسل والزبيب والتمر والشعير والقمح، ولم تكن عندهم خمر عنب، وأجمعت الأمة على خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام قليلها وكثيرها، وأن الحد واجب في القليل منها والكثير، وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره. والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، فما لا يسكر منه حلال، وإذا سكر أحد منه دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف يرده النظر( [(٩)](#foonote-٩) )، وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق والصحابة على خلافه، وروي أن النبي عليه السلام قال :**«كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام »**( [(١٠)](#foonote-١٠) )، قال ابن المنذر في الإشراف :**«لم يبق هذا الخبر مقالة لقائل ولا حجة لمحتج »**، وروي أن هذه الآية أول( [(١١)](#foonote-١١) ) تطرق إلى تحريم الخمر، ثم بعده  لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) \[ النساء : ٤٣ \]، ثم قوله تعالى : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون  \[ المائدة : ٩١ \]، ثم قوله تعالى : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) \[ المائدة : ٩٠ \]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«حرمت الخمر »**، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حد الخمر إلا أنه جلد أربعين، خرجه مسلم وأبو داود، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضرب فيها ضرباً مشاعاً، وحزره أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو ثم عمر، ثم تهافت الناس فيها فشدد عليهم الحد وجعله كأخف الحدود ثمانين، وبه قال مالك، وقال الشافعي بالأربعين، وضرب الخمر غير شديد عند جماعة العلماء ولا يبدو إبط الضارب، وقال مالك :**«الضرب كله سواء لا يخفف ولا يبرح »**، ويجتنب من المضروب الوجه والفرج والقلب والدماغ والخواصر بإجماع، وقالت طائفة : هذه الآية منسوخة بقوله : فاجتنبوه لعلكم تفلحون  \[ المائدة : ٩٠ \]، يريد ما في قوله  ومنافع للناس  من الإباحة والإشارة إلى الترخيص( [(١٤)](#foonote-١٤) ). 
و  الميسر  مأخوذ من يسر إذا جزر، والياسر الجازر( [(١٥)](#foonote-١٥) )، ومنه قول الشاعر :
فلَمْ يَزَلْ بِكَ واشيهمْ وَمَكْرُهُمْ. . . حتَّى أَشَاطُوا بِغْيبٍ لَحْمَ مَنْ يَسَرُوا( [(١٦)](#foonote-١٦) )
**ومنه قول الآخر :**
أقُولُ لَهُمْ بِالشَّعْبِ إذْ يَيْسِرونني. . . أَلَمْ تَيْأسُوا إنّي ابْنُ فَارِسِ زهدمِ ؟( [(١٧)](#foonote-١٧) )
والجزور الذي يستهم عليه يسمى ميسراً لأنه موضع اليسر، ثم قيل للسهام ميسر للمجاورة. وقال الطبري :**«الميسر مأخوذ من يسر لي هذا إذا وجب وتسنى »**، ونسب القول إلى مجاهد، ثم جلب من نص كلام مجاهد ما هو خلاف لقوله، بل أراد مجاهد الجزر( [(١٨)](#foonote-١٨) )، واليسر : الذي يدخل في الضرب بالقداح، وجمعه أيسار وقيل يسر جمع ياسر، كحارس وحرس وأحراس، وسهام الميسر سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدة الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها، ولا فروض فيها، وهي( [(١٩)](#foonote-١٩) ) الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى، والثلاثة التي لا حظوظ لها المنيح والسفيح والوغد، تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام وتختلط على الحرضة( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) وهو الضارب بها، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلاً، وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء، تشتري الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام، وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور، فذكر أنها كانت على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرين قسماً، وليس كذلك( [(٢١)](#foonote-٢١) )، ثم يضرب على العشرة الأقسام، فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدماً أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء، وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه. 
ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي، ومنه قول الأعشى :\[ السريع \]
المطعمو الضيف إذا ما شتا. . . والجاعلو القوت على الياسر( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )
ومنه قول الآخر :\[ الطويل \]
بأيديهمُ مَقْرومَةٌ وَمَغَالقٌ. . . يَعُودُ بأرزاقِ العُفَاةِ مَنِيحُها( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )
والمنيح في هذا البيت المستمنح، لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد أملس وكثر فوزه، فلذلك المنيح الممدوح( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، وأما المنيح الذي هو أحد الثلاثة الأغفال، فذلك إنما يوصف بالكر، وإياه أراد جرير بقوله :\[ الكامل \]
وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةً. . . كَرَّ الْمَنيحِ وَجُلْنَ ثمَّ مَجَالاَ( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )
**ومن الميسر قول لبيد :**
\[ الطويل \]
وإذا يَسِرُوا لَمْ يُورِثِ الْيُسْرُ بَيْنَهُمْ. . . فَوَاحِش يُنْعى ذكرُها بِالْمَصَايِفِ( [(٢٦)](#foonote-٢٦) )
فهذا كله هو نفع الميسر( [(٢٧)](#foonote-٢٧) )، إلى أنه أكل المال بالباطل، ففيه إثم كبير، وقال محمد بن سيرين والحسن وابن عباس وابن المسيب وغيرهم : كل قمار ميسر( [(٢٨)](#foonote-٢٨) ) من نرد وشطرنج ونحوه حتى لعب الصبيان بالجوز. 
وقوله تعالى : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس  الآية، قال ابن عباس والربيع : الإثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبله، وقالت طائفة : الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية( [(٢٩)](#foonote-٢٩) ) والتعدي الذي يكون من شاربها، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت :
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكَنَا ملوكاً. . . وَأسْداً ما يُنَهْنِهُنَا اللقَاءُ( [(٣٠)](#foonote-٣٠) )
إلى غير ذلك من أفراحها، وقال مجاهد :**«المنفعةَ بها كسب أثمانها »** ثم أعلم الله عز وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم، وقرأ حمزة والكسائي ****«كثير »**** بالثاء المثلثة، وحجتها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة : بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، فهذه آثام كثيرة، وأيضاً فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام، و ****«كثير »**** بالثاء المثلثة يعطي ذلك، وقرأ باقي القراء وجمهور الناس **«كبير »** بالباء بواحدة، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق، وأيضاً فاتفاقهم على  أكبر  حجة لكبير بالباء بواحدة، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة، إلا ما مصحف ابن مسعود فإن فيه **«قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر »** بالثاء مثلثة في الحرفين، وقوله تعالى :**«فيهما إثم »** يحتمل مقصدين، أحدهما أن يراد في استعمالهما بعد النهي، والآخر أن يراد خلال السوء التي فيهما، وقال سعيد بن جبير : لما نزلت  قل فيهما إثم كبير( [(٣١)](#foonote-٣١) ) ومنافع للناس  كرهها قوم للإثم وشربها قوم للمنافع، فلما نزلت : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  \[ النساء : ٤٣ \] تجنبوها عند أوقات الصلوات الخمس، فلما نزلت  إنما الخمر والمسير والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ( [(٣٢)](#foonote-٣٢) ) \[ المائدة : ٩٠ \] قال عمر بن الخطاب : ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر والأنصاب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حرمت الخمر. 
ولما سمع عمر بن الخطاب قوله تعالى : فهل أنتمْ منتهون  \[ المائدة : ٩١ \] قال :**«انتهينا، انتهينا »**، قال الفارسي : وقال بعض أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية لأن الله تعالى قال : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم  \[ الأعراف : ٣٣ \]، وأخبر في هذه الآية أن فيها إثماً، فهي حرام. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ليس هذ النظر بجيد لأن الإثم( [(٣٣)](#foonote-٣٣) ) الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر( [(٣٤)](#foonote-٣٤) )، وقال قتادة : ذم الله الخمر بهذه الآية ولم يحرمها. 
وقوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو  قال قيس بن سعد :**«هذه الزكاة المفروضة »**. وقال جمهور العلماء : بل هي نفقات التطوع. وقال بعضهم : نسخت بالزكاة. وقال آخرون : هي محكمة( [(٣٥)](#foonote-٣٥) ) وفي المال حق سوى الزكاة. و  العفو  : هو ما ينفقه المرء دون أن يجهد نفسه وماله. ونحو هذا هي عبارة المفسرين : وهو مأخوذ من عفا الشيء إذا كثر، فالمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال :**«من كان له فضل فلينفقه على نفسه، ثم على من يعول، فإن فضل شيء فليتصدق به »**( [(٣٦)](#foonote-٣٦) )، وقال صلى الله عليه وسلم :**«خير الصدقة ما أبقت غنى »**، وفي حديث آخر :**«ما كان عن ظهر غنى »**( [(٣٧)](#foonote-٣٧) ). 
وقرأ جمهور الناس **«العفو »** بالنصب، وقرأ أبو عمرو وحده **«العفُو »** بالرفع، واختلف عن ابن كثير( [(٣٨)](#foonote-٣٨) )، وهذا ( [(٣٩)](#foonote-٣٩) )متركب على  ماذا ، فمن جعل ****«ما »**** ابتداء و **«ذا »** خبره بمعنى الذي وقدر الضمير في  ينفقونه  عائداً قرأ ****«العفوُ »**** بالرفع، لتصح مناسبة الجمل، ورفعه على الابتداء تقديره العفو إنفاقكم، أو الذي تنفقون العفو( [(٤٠)](#foonote-٤٠) )، ومن جعل  ماذا  اسماً واحداً مفعولاً ب  ينفقون ، قرأ **«قل العفوَ »** بالنصب بإضمار فعل، وصح له التناسب، ورفع ****«العفوُ »**** مع نصب ****«ما »**** جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها. 
وقوله تعالى : كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون  الإشارة إلى ما تقدم تبيينه من أمر الخمر والميسر والإنفاق، وأخبر تعالى أنه يبين للمؤمنين الآيات التي تقودهم إلى الفكرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريق النجاة لمن تنفعه فكرته، وقال مكي :**«معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة تدل عليهما وعلى منزلتيهما لعلهم يتفكرون في تلك الآيات، فقوله  في الدنيا  متعلق( [(٤١)](#foonote-٤١) ) على هذا التأويل ب  الآيات ، وعلى التأويل الأول وهو المشهور عن ابن عباس وغيره يتعلق { في الدنيا ١ - حرم الله الخمر بالتدريج لأن جريان العمل بالتدريج جار على المصلحة والتأنيس، ومن هنا كان نزول القرآن نجوما في نحو عشرين سنة، ووردت الأحكام التكليفية فيها شيئا فشيئا، ولم ينزل جملة واحدة لئلا تنفر عنها النفوس دفعة واحدة، ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: مالك لا تنفذ الأمور ؟ فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق، فقال له عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله ذمَّ الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة. وسبب نزول الآية سؤال عمر ومعاذ – قالا: يا رسول الله. أفتنا في الخمر والميسر، فإنه مذهبة للعقل، مسلبة للمال..
٢ - أخرجه البخاري ومسلم، ولفظ البخاري: (خمِّروا الآنية، وأوكوا الأسقية) الخ ولفظ مسلم: (غطوا الإناس وأوكوا السقاءَ) الخ..
٣ - البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن، إلا أنه لم ينسبه إلى معين. و(الضحاك) منصوب بالعطف على محل (زيد)، أو مرفوع بالعطف على لفظ (زيد)، وقد قال ابن مالك:
 وإن يكُنْ مَصْحُـوبَ الْ ما نُسِّقَــا ففِيه وجهـان وَرَفْعٌ يُنْتَقَــى.
٤ - المُدل: الواثق بنفسه وبسلاحه وعُدَّته..
٥ - تمامه:
 .................................. يُوَجِّه الأرضَ ويَسْتَاقُ الشَّجَـرْ
 والعقبان: جمع عقاب وهي الرايات. والخمر بالفتح: الشجر، ويوجِّه الأرض: أي يجعلها جهة واحدة، ويستاق الشجر: أي يقتلعه حتى تكون الأرض وجها واحدا لكثرته..
٦ - أي في جمعهم، أي اختلط بهم واختفى بينهم – وغمار- كما في اللسان – بضم الغين وبفتحها..
٧ - يقال: غَلَت القِدر، ولا يقال: غَلِيت القِدر، وقد قيل في ذلك:
 ولا أقول لقِدْر القَـوْم قد غَلِيَــتْ ولا أقول لباب الدّار مَغْلُــوقُ
 وفي الزمخشري ما نصه: والخمر ما غلي واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب، وهو حرام، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ، فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه، ثم غلي واشتد ذهب خَبَثُه ونصيبُ الشيطان، وحلَّ شُرب ما دون المُسْكر إلخ. تأمل.
 وحاصل مذهب الإمام مالك رحمه الله هو قول أبي الوليد الباجي عند قول الموطأ: (قال مالك: السّنة عندنا أن كل من شرب شرابا مُسْكرا فسكر أو لم يسكر فقد وجب عليه الحد، سكر أو لم يسكر، هذا مذهب أهل المدينة مالك وغيره وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ما خرج من النخل والكرم فقليله وكثيره حرام ما لم يطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وما عدا ما يخرج من النخل والكرم فهو حلال من غير طبخ إلا أن المسكر منه حرام. وهذه مسألة قد كان أصحاب أبي حنيفة يجحدونها ولا يرون المناظرة فيها، ويقولون: إن السائل عنها إنما يذهب إلى التشنيع والتوبيخ، وذلك أنه لطول الأمد ووصول الأدلة إليهم وتكررها عليهم تبين لهم ما فيها، إلا أنهم –مع ذلك- يدونونها في كتبهم بألفاظ ليس فيها ذلك التصريح، ويتأولونها على أوجه تحقق أمرها عندهم، ولنا في هذه المسألة طريقان أحدهما: إثبات اسم الخمر لكل مسكر، والثاني: إثبات التحريم لكل مسكر، فأما الأول فإن مذهب مالك والشافعي أن اسم الخمر يقع على كل شراب مسكر من عنب كان أو من غيره، وقال أبو حنيفة: إنما الخمر اسم المسكر من عصير العنب ما لم يطبخ الطبخ المذكور، والدليل على ما نقوله ما روي عن ابن عمر أنه قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء – العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل». فوجه الدليل من هذا الخبر أن عمر بن الخطاب قال: إن الخمر يكون من هذه الخمسة أشياء، وعمر من أهل اللسان، فلو انفرد بهذا القول لاحتج بقوله، فكيف وقد خطب بذلك بحضرة قريش والعرب والعجم وسائر المسلمين فلم ينكر ذلك عليه ؟ فثبت أنه إجماع، ووجه آخر وهو أنه قال: **«والخمر ما خامر العقل»**، فكل ما خامر العقل فإنه يسمى الخمر، والدليل على أن كل مسكر حرام قوله تعالى: \[يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟\] فلنا من الآية أدلة بيّنها وأنهاها إلى خمسة – وقال متصلا بذلك ما نصه: **«ودليلنا من السنة ما رواه أبو داود عن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام). ودليلنا من جهة القياس أن هذا شراب فيه شدة مطربة فوجب أن يكون قليله حراما أصله عصير العنب والله أعلم»** اهـ. فتأمل مذهب مالك رحمه الله، ومذهب أبي حنيفة، وتدبر قول ابن عطية: **«ولم يطبخ»**، فإن مالكا رحمه الله لا ينظر إلا إلى السكر، ومعنى قوله: **«طبخ حتى ذهب منه الثلثان»** أنه طبخ حتى ذهبت مائيته التي يسرع بها تغيّره، ويحدث بها فساده، ثم إن قول عمر رضي الله عنه: **«والخمر ما خامر العقل، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية إذا فرضنا أن الخمر لغة هو ما يُتَّخذ من العنب، وحاصل الأمر أن الخمر محرمة بجميع أنواعها وأجناسها، اتخذت من العنب أو من غيره، لا فرق بين القليل والكثير منها، لأن العلة هي الخمرية، وليست المادة التي يحصل بها السكر كما قال صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) رواه الإمام مسلم وقال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام). أي من دون أن تمسه النار، فعصير العنب حين يغلي ويقذف بالزبد من دون ذلك اتفق الفقهاء على أنه خمر.
 تنبيه: اشتهر بين أهل الأدب قول ابن الرومي:
 أحلَ العِـراقِيُّ النبيذَ وشُرْبَـهُ وقال: حَرامَانِ المُدَامَةُ والسُّكْـرُ
 وقال الحِجَازِيّ الشّرابانِ واحدٌ فحلَّتْ لنا منْ بيْنِ قَوْلَيهما الخمرُ
 أراد أن الخمر نبيذ، والنبيذ حلال، فالصغرى من المالكية، والكبرى من الحنفية، إلا أن الكبرى شرطها أن تكون كلية، والحنفية يخصون ذلك بالقدر الذي لم يسكر..**
٨ - قال أبو عبد الله (ق): لأن العلماء أجمعوا على أن القمار كله حرام، والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة فحرم كله قياسا على الميسر فكذلك الخمر هو من ماء العنب، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه..
٩ - أي القياس على خمر العنب، وكما يرده النظر يردّه الخبر الذي ذكره ابن عطية على الأثر وهو: (ما أسْكر كثيره فقليله حرام)..
١٠ - هذا رواه أصحاب السنن، وقوله: (كلّ مسكر خمر وكل خمر حرام) رواه الإمام مسلم، والدارقطني، ورواه الشيخان، وأصحاب السنن بلفظ: (كل مسكر خمر وكلّ مسكر حرام)..
١١ - أي أول ما نزل في أمر الخمر وتحريمها..
١٢ - من الآية (٤٣) من سورة (النساء) وقد جعل الله في هذه الآية الكريمة الغاية التي يزول بها حكم السكران: أن يعلم ما يقول، فمتى لم يعلم ما يقول فهو في حال سكر، وإذا علم ما يقول فقد خرج عن حكم السكر. وهذا هو حد السكران عند جمهور اهل العلم، قيل للإمام أحمد رحمه الله: بماذا يعلم أنه سكران ؟ فقال: «إذا لم يعرف ثوبه من ثوب غيره، ونعله من نعل غيره»، ويذكر عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: **«إذا اختلط كلامه المنظوم، وأفشى سره المكتوم»**. وقد حرم الله سبحانه السكر لشيئين ذكرهما في كتابه بقوله: \[إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون\] ؟ فأخبر سبحانه أن الخمر يوجب المفسدة الناشئة من النفس بوساطة زوال العقل، ويمنع المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل..
١٣ - الآيتان من سورة (المائدة) – الأولى رقم (٩١) والثانية رقم (٩٠)..
١٤ - يعني أن مرادهم بالآية المنسوخة قوله تعالى: \[ومنافع للناس\] لما في ذلك من مظنة الإباحة والترخيص..
١٥ - يقال الميسر للسهام المعروفة، وذلك قمار العرب، كما يقال للجزور التي ينحرونها ويجَزِّؤونها على حساب الميسر، فاسم الميسر يطلق على السهام وعلى الجزور..
١٦ - هو الأخطل والبيت من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان..
١٧ - الشاعر هو: سحيم بن وثيل اليربوعي، أو: جابر بن سحيم، وقوله ييسرونني أي: يَجْزُرُونَنِي ويقتسمونني إذ كان قد وقع عليه سباءٌ فضرب عليه بالسهام، وقوله: (ألم تيأسوا)، أي: ألم تعلموا أني ابن فارس زَهْدَم أي ابن راكب الفرس المسمّى بزَِهْدَم. والشعب بكسر الشين المشدودة مكان، واليأس بمعنى العلم. وزهدم اسم فرس مشهور، أي: ألم تعلموا أني ابن ذلك البطل الشجاع والفارس الذي يركب تلك الفرس – والاستفهام للتوبيخ أو للتقرير..
١٨ - لقوله كما في تفسير الإمام (ط) رحمه الله: وإنما سمي المَيْسر لقولهم: أيسروا وأجزروا. ا هـ..
١٩ - أي سهام المَيْسر السبعة، وأكثرها حظا المُعَلى، وأقلها حظّا الفذّ..
٢٠ - بضم الحاء وسكون الراء: أمين المقامرين، وهو الذي يخرج السهام من الربابة بعد أن يحركها مرتين أو ثلاثا. ويسمى أيضا المجيل والضارب والضريب..
٢١ - ذكر الأصمعي أنهم كانوا يسمون الجزور على قدر حظوظ السهام وهي ثمانية وعشرون حظا. والحق أنها كانت تقسم على عدد السهام وهي عشرة، سبعة ذات حظوظ وثلاثة لا حظوظ لها، وهذا هو ما أشار إليه ابن عطية رحمه الله، وقد أصاب في اعتراضه على الأصمعي والله أعلم..
٢٢ - وفي رواية: (المطْعِمُ اللحم)..
٢٣ - البيت لعمرو بن قمئة، والمقرومة الناقة التي لها قرم أي وسم بأنفها، وفي رواية بدل العفاة "العيال"، والمغالق وصف للسهام التي يكون لها الفوز..
٢٤ - المنيح قسمان: أحدهما قدح لا نصيب له، وثانيهما قدح يستعار تيمّنا بفوزه، فهو مستنيح أي مطلوب منه أن يمنح، وهذا هو المشار إليه في البيت..
٢٥ - البيت من قصيدة للأخطل يهجو بها جريراً، انظر ديوان الأخطل، ومطلعها: 
 كَذَبَتْكَ عَيْيُكَ أو رأيْتَ بِوَاسِطٍ.
٢٦ - أي إذا ضربوا الميسر لم يضربوها لأنفسهم بل لغيرهم، وقوله: ينعي ذكرها إلخ أي يرفع ذكرها في مجالس الصيف، وقد نسبه صاحب المفضليات إلى المرقش الأكبر من جملة قصيدة تحتوي على ١٦ بيتاً..
٢٧ - يعني أنه يعود على فقراء الحي بالنفع ولا سيما في شدة البرد وضيق الوقت، وكان العرب يفتخرون بالميسر لهذا الغرض ويذمون من لا يدخل فيه ويسمونه البرم..
٢٨ - قال الإمام مالك رحمه الله: الميسر ميسران – ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار ما يتخاطر الناس عليه فكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء..
٢٩ - سبق أن نبهنا إلى أن هذه الكلمة غير فصيحة، ولا تجري على قواعد اللغة، ولكنها كانت شائعة الاستعمال في بلاد المغرب..
٣٠ - النهنهة: الكفّ والزجر – يقال: نهنه فلانا عن الشيء كفَّه عنه زجره..
٣١ - معنى إثم كبير: مضرة كبيرة، وعبَّر عن ذلك بالإثم الكبير لأنها تلزمه، ولقد أخبر سبحانه أن في الخمر مضرة ومنفعة، وكان القياس إذا أُريد انتقاء المضرة ووجود المنفعة أن يحرم الكثير ويباح القليل من الخمر، ولكن لما غلب جانب المضرة على جانب المنفعة علمنا أن الخمر يحرم قليلها وكثيرها، وهذا ما أجمع عليه علماء الإٍسلام، وقد تقرر في أصول الشريعة أن المفسدة إذا أرْبت على المصلحة فالحكم للمفسدة ومِنْ ثمَّ رتب الشارع الحدَّ على الشرب، لا على زوال العقل.
 ومن مفاسدها: ذهاب العقل والدين وهما كل شيء، والسباب، والافتراء والإفحاش والتعدي الذي يكون من شاربها، ولا تسل عن الشرور التي تنشأ عنها: كقتل النفوس. والذي أدمن عليها ربما يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله، وقد جاء أن من أدمن الخمر كعابد وثن..
٣٢ - قوله تعالى: \[لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكَارى\] الخ من الآية (٤٣) من سورة (النساء). وقوله تعالى: \[إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه\] الخ من الآية (٩٠) من سورة المائدة..
٣٣ - من الآية (٣٣) من سورة (الأعراف)..
٣٤ - ولا ينفاي ذلك قول الشاعر:
 شَربْتُ الإثْم حتى ضلَّ عَقْلِـي كذاكَ الإثمُ يذهب بالعُقُــول
 لأن الله سبحانه لم يسمها في الآية إثما، وإنما قال: (فيهما إثم كبير) فما قاله ابن عطية رحمه الله صحيح وواضح..
٣٥ - الظاهر أنها محكمة، وأنها في نفقة التطوع كما قرره شيخ التفسير الإمام (ط) رحمه الله..
٣٦ - روى أبو داود حديث (إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى ذي قرابته أو ذوي رحمه، وإن كان فضل فها هنا وها هنا). وروى الإمام مسلم والنسائي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: أعتق رجل عبداً له عن دبر فبلغ ذلك رسول الله فقال: (ألك مال غيره ؟ فقال لا. فقال: من يشتريه مني ؟ فاشتراه بعضهم بثمانمائة درهم. فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك)، وهو كناية عن تكثير الصدقة وتنويع جهاتها..
٣٧ - رواه البخاري ومسلم في رواية: (خير الصدقة عن ظهر غنى) ورواية: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) رواها الإمام أحمد، وعلقه البخاري في الوصايا. ورواية: (خير الصدقة ما أبقت غنى) رواها الطبراني عن ابن عباس في المعجم الكبير كما في الجامع الصغير وهي تفسير لقوله: (خير الصدقة عن ظهر غنى) كما قاله الإمام الخطابي، ورواية: (أفضل الصدقة ما ترك غنى) رواها البخاري وأحمد رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه..
٣٨ - يعني أنه رُوي عنه الرفع ورُوي عنه النصب..
٣٩ - أي اختلاف القراءتين بالرفع والنصب..
٤٠ - هذا أحسن مما قبله من وجهين أحدهما: أن المحدث عنه (ماذا ينفقون) فاللائق أن يكون العفو خبراً عن الذي ينفقونه، وثانيهما، أن تقدير الخبر مصدراً غير لائق، لأن السؤال ليس واقعا عنه. واعلم أنه يجوز من دون ضعف رفع (العفو) مع نصب (ماذا)، ونصبه مع رفع (ماذا)، وإنما الذي يفوت هو حسن تناسب الجملتين في كونهما اسميتين أو فعليتين..
٤١ - أي مرتبط بها، وليس المراد التعلق المصطلح عليه عند النحاة كما هو ظاهر..**

### الآية 2:220

> ﻿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:220]

فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٢٠ )
قوله قبل  في الدنيا  ابتداء آية( [(١)](#foonote-١) )، وقد تقدم تعلقه، وكون  تتفكرون  موقفاً يقوي تعلق  في الدنيا  ب  الآيات ، وقرأ طاوس **«قل إصلاح إليهم خير »**( [(٢)](#foonote-٢) )، وسبب الآية فيما قال السدي والضحاك أن العرب كانت عادتهم أن يتجنبوا مال اليتيم ولا يخالطوه في مأكل ولا مشرب ولا شيء، فكانت تلك مشقة عليهم، فسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس( [(٣)](#foonote-٣) ) وسعيد بن المسيب : سببها أن المسلمين لما نزلت  ولا تقربوا مال اليتيم ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ الأنعام : ١٥٢ \] الآية ونزلت  إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ النساء : ١٠ \] تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت  وإن تخالطوهم فإخوانكم ( [(٦)](#foonote-٦) ) الآية، وقيل : إن السائل عبد الله بن رواحة، وأمر الله تعالى نبيه أن يجيب بأن من قصد الإصلاح في مال اليتيم فهو خير، وما فعل بعد هذا المقصد من مخالطة وانبساط بعوض منه فلا حرج، ورفع تعالى المشقة في تجنب اليتيم ومأكله ومشربه، وأباح الخلطة في ذلك إذا قصد الإصلاح ورفق اليتيم، مثال ذلك كان يكتفي اليتيم دون خلطة بقدر ما في الشهر، فإن دعت خلطة الولي إلى أن يزاد في ذلك القدر فهي مخالطة فساد، وإن دعت إلى الحط من ذلك القدر فهي مخالطة إصلاح( [(٧)](#foonote-٧) )، وقوله تعالى : فإخوانكم  خبر ابتداء محذوف، وقوله  والله يعلم المفسد من المصلح  تحذير، والعنت المشقة، منه عنت العزبة، وعقبة عنوت أي شاقة، وعنت البعير إذا انكسر بعد جبر، فالمعنى : لأتعبكم في تجنب أمر اليتامى، ولكنه خفف عنكم، وقال ابن عباس : المعنى لأوبقكم بما سلف من نيلكم من أموال اليتامى، و  عزيز  مقتضاه لا يرد أمره، و  حكيم  أي محكم ما ينفذه.

١ - ولذا كتبها بعض المفسرين متصلة بقوله تعالى: \[ويسئلونك عن اليتامى\] قال الإمام (ق) رحمه الله: وهذه الآية متصلة بما قبل لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى..
٢ - أي إيصال الصلاح إليهم في رعاية المال وغيره خير في الثواب من إصلاح أموالكم، وهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي..
٣ - روى سبب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما، أبو داود والنسائي وغيرهما..
٤ - من الآية (١٥٢) من سورة (الأنعام)..
٥ - من الآية (١٠) من سورة (النساء)..
٦ - يؤخذ من هذه الآية جواز مخالطة الرفقاء في أسفار الحج وغيرها فيجوز إخراج النفقات المتساوية وإن كانوا يختلفون في مقدار ما يأكلون لأنه إذا أبيح ذلك في مال الضعيف القاصر فكيف بالقوي البالغ ؟ ومن ذلك قوله تعالى في قصة أهل الكهف: \[فابعثوا أحدكم بورقكم\] الآية. ولولا مخالطة اليتيم لكان في ذلك ضيق وحرج..
٧ - المراد بقوله تعالى: (قل إصلاح لهم خير) والله أعلم – إصلاح لأحوال اليتامى بتهذيبهم وتربيتهم – ولأموالهم بتنميتها وحفظها من دون مخالطة، فمن قدر على ذلك فهو خير له عند الله \[وإن تخالطوهم فإخوانكم\]: قال شيخ التفسير الإمام (ط رحمه الله: فتأويل الآية: ويسألك يا محمد أصحابك عن أموال اليتامى وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة، فقل لهم: تفضلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم من غير أخذ عوض عن أموالهم على إصلاحكم ذلك – خير لكم عند الله، وأعظم لكم أجراً لما لكم في ذلك من الأجر والثواب – وخير لهم في أموالهم في عاجل دنياهم لما في ذلك من توافر أموالهم عليهم، وإن تخالطوهم فتشاركوهم بأموالكم وأموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم فتضموا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا» اهـ. وقال الحافظ ابن (ك): فقوله (قل إصلاح لهم خير) أي على حدة: \[وإن تخالطوهم فإخوانكم\] أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال: \[والله يعلم المفسد من المصلح\] أي: يعلم من قصده الإفساد والإصلاح» اهـ. وتفسير الآية بما ذكر أوفى وأولى من تداخل الجملتين..

### الآية 2:221

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [2:221]

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( ٢٢١ )
وقوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ  الآية، قرأ جمهور الناس **«تَنكحوا »** بفتح التاء، وقرئت في الشاذ بالضم كأن المتزوج لها أنكحها من نفسسه، ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزاً واتساعاً، وقالت طائفة : المشركات  هنا من يشرك مع الله إلهاً آخر، فلم تدخل اليهوديات ولا النصرانيات في لفظ هذه الآية، ولا في معناها، وسببها قصة أبي مرثد كناز بن حصين( [(١)](#foonote-١) ) مع عناق التي كانت بمكة( [(٢)](#foonote-٢) )، وقال قتادة وسعيد بن جبير : لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص( [(٣)](#foonote-٣) ) في الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة ولم يتناول قط الكتابيات، وقال ابن عباس والحسن : تناولهن العموم ثم نسخت آية سورة المائدة بعض العموم في الكتابيات، وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن حبيب وقال :**«ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله مستثقل مذموم »**، وكره مالك رحمه الله تزوج الحربيات لعله ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في الخمر والخنزير، وأباح نكاح الكتابيات عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وجابر بن عبد الله وطلحة وعطاء بن أبي رباح وابن المسيب والحسن وطاوس وابن جبير والزهري الشافعي وعوام أهل المدينة والكوفة، ومنه مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق نكاح المجوسية، وقال ابن حنبل : لا يعجبني، وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية، وقال ابن الفصار :**«قال بعض أصحابنا : يجب -على أحد القولين أن لهم كتاباً- أن تجوز مناكحتهم »**. 
وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من كان على غير الإسلام حرام. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في سورة المائدة، وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ : ولا أعلم إشراكاً أعظم من أن تقول المرأة : ربها عيسى «( [(٤)](#foonote-٤) )، وروي عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما، ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يستند جيداً( [(٥)](#foonote-٥) )، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن( [(٦)](#foonote-٦) )، وروي عن ابن عباس نحو هذا، وقوله تعالى : ولأمة مؤمنة  إخبار أن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ولو أعجبتكم في الحسن وغير ذلك، هذا قول الطبري وغيره، وقال السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب، ثم ندم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال : هي تصوم وتصلي وتشهد الشهادتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه مؤمنة. فقال ابن رواحة : لأعتقنّها ولأتزوجنّها، ففعل، فطعن عليه ناس( [(٧)](#foonote-٧) ) فنزلت الآية فيه، ومالك رحمه الله لا يجوز عنده نكاح الأمة الكتابية، وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية : إنه لا يفرق بينهما، وروى ابن وهب وغيره عن مالك أن المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين( [(٨)](#foonote-٨) )، وأبو حنيفة وأصحابه يجيزون نكاح الإماء الكتابيات( [(٩)](#foonote-٩) ). 
وقوله تعالى : ولا تنحكوا المشركين حتى يؤمنوا  الآية، أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام، والقراء على ضم التاء من  تنكحوا ، وقال بعض العلماء( [(١٠)](#foonote-١٠) ) : إن الولاية في النكاح نص في لفظ هذه الآية. 
 ولعبد مؤمن  مملوك  خير من مشرك  حسيب ولو أعجبك حسنه وماله حسبما تقدم، وليس التفضيل هنا بلفظة  خير  من جهة الإيمان فقط لأنه لا اشتراك من جهة الإيمان، لكن الاشتراك موجود في المعاشرة والصحبة وملك العصمة وغير شيء، وهذا النظر هو على مذهب سيبويه في أن لفظة " أفعل " التي هي للتفضيل لا تصح حيث لا اشتراك. 
كقولك : الثلج أبرد من النار، والنور أضوأ من الظلمة، وقال الفراء وجماعة من الكوفيين : تصح لفظة " أفعل " حيث الاشتراك وحيث لا اشتراك( [(١١)](#foonote-١١) )، وحكى مكي عن نفطويه( [(١٢)](#foonote-١٢) ) أن لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
قال القاضي أبو محمد : وتحتمل الآية عندي أن يكون ذكرالعبد والأمة عبارة عن جميع الناس حرهم ومملوكهم، وكما قال صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وكما نعتقد أن الكل عبيد الله، وكما قال تعالى : نعم العبد إنه أواب  \[ ص : ٣٠ \]، فكأن الكلام في هذه الآية :( ولا مرأة ولرجل ). 
وقوله تعالى : أولئك  الإشارة إلى المشركات والمشركين، أي أنَّ صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل، فهذا كله دعاء إلى النار مع السلامة مع أن يدعوا إلى دينه نصاً من لفظه، والله تعالى يمن بالهداية ويبين الآيات ويحض على الطاعات التي هي كلها دواع إلى الجنة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن » والمغفرةُ **«بالرفع على الابتداء، والإذن العلم والتمكين، فإن انضاف إلى ذلك أمر فهو أقوى من الإذن، لأنك إذا قلت »** أذنت كذا «فليس يلزمك أنك أمرت، و  لعلهم  ترجٍّ في حق البشر، ومن تذكر عَمِلَ حسب التذكر فنجا.

١ - اسمه كنّاز بالزاي وشدّ النون بن حصين، شهد بدرا، وولده مرثد شهد بدرا أيضا، والذي في "الإصابة" لابن حجر "والاستيعاب" لأبي عمر في ترجمة مرثد بن أبي مرثد الغنوي ما نصه: **«وأخرج أصحاب السنن من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسرى من مكة إلى المدينة، فذكر الحديث في نزول قوله تعالى: \[الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة\]. وقد تعقب ذلك أيضا الإمام السيوطي بأن هذه القصة ليست سببا لنزول هذه الآية، وإنما هي سبب في نزول آية النور. وسبب نزول هذه الآية كما رواه السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قضية عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء مؤمنة فأعتقها وتزوجها، فطعن عليه ناس من المسلمين في ذلك فقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم فنزل قوله تعالى: \[ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم\] الآية. قال الإمام الواحدي في سب النزول بإسناده إلى مقاتل بن حيان. قال: نزلت في أبي مرثد الغنوي – استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عَنَاق أن يتزوجها وهي امرأة مسكينة من قريش، وكانت ذات حظ من جمال وهي مشركة وأبو مرثد مسلم فقال: يا نبي الله: إنها لتعجبني، فأنزل الله عز وجل: \[ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن\] ثم قال: وقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من غني يقال له مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة ليخرج ناساً من المسلمين بها أُسراء. فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عَنَاقُ، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت: ويحك يا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: إن الإسلام حال بيني وبينك، وحرّمه علينا ولكن إن شئت تزوجتك، إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأذنه في ذلك ثم تزوجتك فقالت له: أنت تتبرم ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عَنَاق وما لقي في سبيلها، فقال: يا رسول الله أتحل أن أتزوجها، فأنزل الله ينهاه عن ذلك قوله: \[ولا تنكحوا المشركات\] انتهى، وروى الإمام البغوي في تفسيره أن سبب نزول الآية أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق وكانت خليلته في الجاهلية فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو ؟ فقال لها ويحك يا عناق – إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، قالت: فهل لك أن تتزوج بي، قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره فقالت: أبي تتبرم ؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلو سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق، وقال: يا رسول الله – أيحل لي أن أتزوجها ؟ فأنزل الله تعالى الآية. اهـ»** فهما قولان كما ترى، وقد يقال: إن مرثد يكني أبا مرثد كما في رواية الإمام النووي، ويمكن أن يأتي الاشتباه من الاشتراك في الكنية والله أعلم. وتوفي مرثد بن أبي مرثد في السنة الثالثة من الهجرة كما قاله الإمام البغوي..
٢ - كقطام، بغي مشهورة بمكة، وكانت صديقة له قبل الإسلام وطلبت منه أن يتزوجها بعد الإسلام فنزلت الآية: \[والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك\]..
٣ - يعني أن المراد بالمشركات غير الكتابيات، وآية المائدة بينت هذا المراد، وأما على القول بأن آية المائدة ناسخة فقد تناول اللفظ الكتابيات. والحاصل – أنه: إما عام أُريد به خاص من أول الأمر، وإما عام مخصوص، وكثيرا ما يُطلق المتقدمون النسخ على التخصيص..
٤ - ما قاله ابن عباس هنا وأيده ابن عطية رحمه الله هو الذي يجب الأخذ به في عصرنا هذا الذي أًصبح فيه نظام الكفر مسيطرا على العالم، وأصبح للمرأة دور هام في سياسته بما لها من العصبية والتطور والثقافة، فاستولت بذلك على زوجها الضعيف المنحرف، ومن هذه الناحية أصبحت مقدرات البلاد وسياستها وأمنها تحت رحمة الأجنبيات اللاتي يتزوجن بالذين يأخذون بزمام الأمور في الدولة. وقد قال ابن حبيب: ونكاح الكتابية – وإن كان الله قد أحله – فإنه مستثقل ومذموم، وهذا على ما كان من قبل، ولو اطلعوا على حالة المسلمين من بعد – وقد تعددت الاعتبارات – لصرحوا بالحرمة، وموالاة الكافر حرام، والنكاح من أخص أسباب الموالاة، والمرأة الأجنبية اليوم تتصرف تصرفا مطلقا، ولها الأمر والنهي فيمكنها أن تنقل كل ما يمكن نقله من الأسرار. وإنما أحل نكاح الكتابية لأن الرجل كان أقوى منها فلربما استولى عليها وجذبها إلى الإسلام، والحياة اليوم انعكست فالمرأة الأجنبية أقوى من الرجل فهي التي تصرفه، وتلعب به كما شاءت، والمجتمع الذي نعيش فيه شبيه بالمجتمع الجاهلي بحيث لا يطلق عليه الإسلام إلا على سبيل التوسع والتجوز. فالرأي والمصلحة هو اجتناب نكاح الأجنبيات لهذا الاعتبار وحده، وعلى أن هناك اعتبارات أخرى، وهي أن الأجنبية تتصرف في تربية الأولاد وتطعمهم حسب طبيعة الكفر، كما أن الرغبة في الأجنبيات تؤدي إلى الزهد في المسلمات، والمصلحة الشرعية والوطنية تقضي بإيقاف هذا التيار الجارف، حتى تنتفي المخاطر شيئا ما، وحتى يستفيد بعضنا من بعض في مجال النكاح، وأما نكاح الأجنبي للمسلمة فإنه محظور لأن الرجل أقوى من المرأة بالطبع، فيصرفها إلى دينه خصوصا وأن أبناءها يدعون إلى زوجها ويدينون بغير دينها، وقد منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حذيفة بن اليمان من تزوج الكتابية لِمَا رآه من الاعتبارات وكفى قوله تعالى: \[أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه\]، وهذه العلة موجودة في كل كافر وكافرة، فتقتضي تجنب مناكحتها، لا سيما وقد جد في العصر ما لم يكن، فينبغي اعتبار ذلك لأن الأحكام تتبع المصالح، وتتبدل بتبدل العصور، والله تعالى أعلم..
٥ - يريد قسراً وقهراً – وقد قال ابن كثير: وهذا الأثر غريب عن عمر. وهو ما أشار إليه ابن عطية..
٦ - أي تتناولوا الساقطات اللاتي لا شأن لهن ولا قدر..
٧ - يرون منه أنه يتزوج المشركات..
٨ - أي حين تُسْلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله..
٩ - أخذا من هذه الآية الكريمة فإنها قد فاضلت بين الأمة المؤمنة والمشركة في التزوج، ولولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما، لأن المخايرة لا تكون إلا بين جائزين، لا بين جائز وممتنع، ولا بين متضادين، وأجاب أصحاب الإمام مالك رحمه الله بأن المخايرة بين الضدين جائز لغة وشرعا وقد قال الله تعالى: \[أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا\]، وقال عمر رضي الله عنه في رسالته: **«الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»**. وهناك جواب آخر يأتي عند ابن عطية رحمه الله وهو أن المراد بالأمة هنا المرأة، وبالعبد الرجل إذ الكل عبيد الله وإماؤه..
١٠ - هو محمد بن علي بن حسين أو جعفر كما قاله ابن العربي..
١١ - نحو زيد أحق بماله، أي لا حق لغيره فيه، وأما نحو: **«الأيِّم أحقّ بنفسها من وليها»** فمعناه أنهما مشتركان ولكن حقها آكد وأرجح..
١٢ - ابن عرفة اللغوي المعروف بنفطويه..
١٣ - فالبرودة في المثال السابق ثابتة للثلج ومنفية عن النار، وهكذا في غيره من الأمثلة..
١٤ - رواه الشيخان وأصحاب السنن، وفي رواية زيادة (ولكن ليخرجن وهن ثفلات) أي غير متبرجات ولا متزينات، وبيوتهن خير لهن كما في حديث ابن عمر، ويتأكد ذلك بعد ما أحدثوا من التبرج والزينة، ومن ثمَّ قالت عائشة رضي الله عنها ما قالت..

### الآية 2:222

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [2:222]

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( ٢٢٢ )
ذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح( [(١)](#foonote-١) )، وقال قتادة وغيره : إنما سألوا لأن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية، وقال مجاهد :**«كانوا يتجنبون النساء في الحيض ويأتونهن في أدبارهنّ فنزلت الآية في ذلك »**، والمحيض مصدر كالحيض، ومثله المَقيل من قال يقيل، قال الراعي :\[ الكامل \]. 
بُنِيَتْ مَرَافِقُهنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ. . . لا يستطيعُ بِهَا القُرَادُ مَقِيلا( [(٢)](#foonote-٢) )
قال الطبري : المحيض  اسم الحيض، ومنه قول رؤبة في المعيش :\[ الرجز \]. 
إليك أشكوا شِدَّةَ المَعِيشِ. . . وَمَرَّ أَعْوامٍ نَتَفْنَ ريشي
و  أذى  لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن من سبيل البول، وهذه عبارة المفسرين للفظة، وقوله تعالى : فاعتزلوا  يريد جماعهن( [(٣)](#foonote-٣) ) بما فسر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يشد الرجل إزار الحائض ثم شأنه بأعلاها( [(٤)](#foonote-٤) )، وهذا أصح ما ذهب إليه في الأمر، وبه قال ابن عباس وشريح وسعيد بن جبير ومالك وجماعة عظيمة من العلماء، وروي عن مجاهد أنه قال :**«الذي يجب اعتزاله من الحائض الفرج وحده »** وروي ذلك عن عائشة والشعبي وعكرمة، وروي أيضاً عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت، وهذا قول شاذ( [(٥)](#foonote-٥) )، وقد وقفت ابن عباس عليه خالته ميمونة رضي الله عنهما، وقالت له : أرغبة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟. 
وقوله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن  قرأ نافع وابن كثير وأبو كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه **«يطْهُرْنَ »** بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل عنه **«يطَّهَّرْنَ »** بتشديد الطاء والهاء وفتحهما، وفي مصحف أبيّ وعبد الله  حتى يتطهرن ، وفي مصحف أنس بن مالك **«ولا تقربوا النساء في محيضهن، واعتزلوهن حتى يتطهرن »**( [(٦)](#foonote-٦) )، ورجح الطبري قراءة تشديد الطاء وقال : هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراماً على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر، قال : وإنما الاختلاف في الطهر ما هو ؟ فقال قوم : هو الاغتسال بالماء. وقال قوم : هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال قوم : هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة. ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمثت، وهو ثلاثي. 
قال القاضي أبو محمد : وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد به الاغتسال بالماء وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه، وما ذهب إليه الطبري من أن قراءة شد الطاء مضمنها الاغتسال وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم : أمر غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع، أما إنه لا خلاف في كراهة الوطء قبل الاغتسال بالماء، وقال ابن عباس والأوزاعي : من فعله تصدق بنصف دينار، ومن وطىء في الدم تصدق بدينار، وأسند أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى لله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال :**«يتصدق بدينار أو بنصف دينار »**، وقال ابن عباس :**«الدينار في الدم، والنصف عند انقضائه »**، ووردت في الشدة في هذا الفعل آثار( [(٧)](#foonote-٧) )، وجمهور العلماء على أنه ذنب عظيم يتاب منه ولا كفارة فيه بمال، وذهب مالك رحمه الله وجمهور العلماء إلى أن الطهر الذي يحل جماع الحائض التي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، ولا يجزي من ذلك تيمم ولا غيره، وقال يحيى بن بكير وابن القرظي( [(٨)](#foonote-٨) ) : إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلّت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة وطاوس : انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ. و  حتى  غاية لا غير، و  تقربوهن  يريد بجماع، وهذا من سد الذرائع( [(٩)](#foonote-٩) )، وقوله تعالى : فإذا تطهرن  الآية، القراءة  تَطَهَّرْنَ  بتاء مفتوحة وهاء مشددة، والخلاف في معناه كما تقدم من التطهير بالماء أو انقطاع الدم. ومجاهد وجماعة من العلماء يقولون هنا : إنه أريد الغسل بالماء، ولا بد بقرينة الأمر بالإتيان وإن كان قربهن قبل الغسل مباحاً، لكن لا تقع صيغة الأمر من الله تعالى إلا على الوجه الأكمل، و  فآتوهن  إباحة( [(١٠)](#foonote-١٠) )، والمعنى  من حيث أمركم الله  باعتزالهن وهو الفرج أو من السرة إلى الركبتين : أو جميع الجسد، حسبما تقدم. هذا كله قول واحد، وقال ابن عباس وأبو رزين : المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقاله الضحاك. وقال محمد بن الحنفية : المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنا، وقيل : المعنى من قبل حال الإباحة، لا صائمات ولا محرمات ولا غير ذلك. والتوابون : الراجعون، وعرفه من الشر إلى الخير، والمتطهرون : قال عطاء وغيره : المعنى بالماء، وقال مجاهد وغيره : المعنى من الذنوب، وقال أيضاً مجاهد : المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : كأنه نظر إلى قوله تعالى حكاية عن قوم لوط  أخرجوهم من قريتكم إنهم ناس يتطهرون ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ الأعراف : ٨٢ \]، وقرأ طلحة بن مصرف **«المطّهّرين »** بشد الطاء والهاء.

١ - ويقال ثابت بن الدحداحة، وكنيته أبو الدحداح الأنصاري، وقد جرح يوم أحد وبَرئ من جرحه، ومات على فراشه رضي الله عنه مَرْجِع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية، قاله في "الإصابة"..
٢ - البيت لحصين بن معاوية من بني نمير، كان يوصف براعي الإبل. وفي البيت يصف إبلا بالسمن والملاسة، والمزلة بفتح الزاي وكسرها موضع الزلل، والقُراد للبعير كالقمل للإنسان..
٣ - أي: لا مجالستهن ومؤاكلتهن كما كان اليهود يفعلون، وقد كان النصارى يجامعونهن في الحيض فجاء الإٍلام بترك ذلك فقط، وقد فسر الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يجوز التمتع بما عدا الفرج، فالنهي في الآية هو عن قرباتهن بالجماع لا عن قرب منهن بالمجالسة والملامسة والمؤانسة..
٤ - في الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتَشُدَّ) عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها)..
٥ - أي لأن السنة الثابتة بيّنت معنى الآية، فلم يبق لقائل ما يقول..
٦ - ما في مصحف أنس بن مالك يحمل على التفسير، لا على أنه قرآن لمخالفته للسواد وللمصحف..
٧ - أي الوطء في الحيض، وحجة من لم يوجب عليه كفارة المال وأوجب عليه الاستغفار والتوبة: اضطراب الحديث عن ابن عباس، واضطراب الحديث يوجب ضعفه فلا تقوم به حجة. والذمة على البراة، وقد رواه أصحاب السنن – الترمذي والنسائي وأبو داود..
٨ - هو أبو اسحق، محمد بن قاسم، بن شعبان المنتسب إلى عمار بن ياسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب كتاب "الزاهي" في الفقه. توفي سنة ٣٥٥هـ وكان يعرف بابن القرطي، وابن القرطي ضبطه مُعَلق في طبقات الفقهاء للشيرازي بضم القاف وسكون الراء وطاء مكسورة بعدها ياء النسب..
٩ - لأن من حام حول الحمى يُوشك أن يقع فيه، ومن ثمّ فلا يجوز التمتع بما تحت الإزار ودون الفرج..
١٠ - لأنه أمر بعد الحظر، والأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة..
١١ - يريد ابن عطية أن مجاهدا التفت إلى هذه الآية في قوم لوط، وهي رقم (٨٢) من سورة (الأعراف)..

### الآية 2:223

> ﻿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [2:223]

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( ٢٢٣ )
وقوله تعالى : نساؤكم حرث لكم  الآية( [(١)](#foonote-١) )، قال جابر بن عبد الله والربيع : سببها أن اليهود قالت : إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، وعابت على العرب ذلك، فنزلت الآية تتضمن الرد على قولهم( [(٢)](#foonote-٢) )، وقالت أم سلمة وغيرها : سببها أن قريشاً كانوا يأتون النساء في الفرج على هيئات مختلفة، فلما قدموا المدينة وتزوجوا أنصاريات أرادوا ذلك، فلم ترده نساء المدينة إذ لم تكن عادة رجالهم إلا الإتيان على هيئة واحدة وهي الانبطاح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر كلام الناس في ذلك، فنزلت الآية مبيحة الهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، و  حرث  تشبيه، لأنهنّ مزدرع الذرية، فلفظة **«الحرث »** تعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة، إذ هو المزدرع( [(٣)](#foonote-٣) )، وقوله  أنى شئتم  معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وائمة : من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة وعلى جنب، و  أنى  إنما تجيء سؤالاً أو إخباراً عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى، هذا هو الاستعمال العربي( [(٤)](#foonote-٤) )، وقد فسر الناس  أنّى  في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه ب **«كيف »** ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها ب **«أين »** إلى أن الوطء في الدبر جائز، روي ذلك عن عبد الله بن عمر( [(٥)](#foonote-٥) )، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضاً عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر، ورواها مالك عن يزيد بن رومان عن سالم عن ابن عمر، وروي عن مالك شيء في نحوه، وهو الذي وقع في العتبية، وقد كذب ذلك على مالك، وروى بعضهم أن رجلاً فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم الناس فيه، فنزلت هذه الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصنف النسائي وفي غيره أنه قال :**«إتيان النساء في أدبارهن حرام »**، وورد عنه فيه أنه قال :**«ملعون من أتى امرأة في دبرها »**( [(٦)](#foonote-٦) )، وورد عنه أنه قال :**«من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد »**( [(٧)](#foonote-٧) )، وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، والله المرشد لا رب غيره( [(٨)](#foonote-٨) ). 
وقال السدي : معنى قوله تعالى : وقدموا لأنفسكم  أي الأجر في تجنب ما نهيتم عنه وامتثال ما أمرتم به، وقال ابن عباس :**«هي إشارة إلى ذكر الله على الجماع »**، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم **«لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال : اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره »**( [(٩)](#foonote-٩) )، وقيل : معنى  قدموا لأنفسكم  طلب الولد،  واتقوا الله  تحذير،  واعلموا أنكم ملاقوه  خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم( [(١٠)](#foonote-١٠) )،  وبشر المؤمنين  تأنيس لفاعلي البر ومتبعي سنن الهدى.

١ - مجاز على التشبيه بالمحارث فشبهت النطفة التي تلقى في أرحامهن للاستيلاد بالبذور التي تلقى في المحارث للاستنبات. وقوله: \[أنّى شئتم\]، أي من أي جهة شئتم بعد أن يكون المأتي واحدا. ولهذا قيل: الحرث موضع النبت..
٢ - روى قول اليهود هذا الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله..
٣ - تأتي (ازْدَرَع) بمعنى زرع، واحترث..
٤ - أي أنها تأتي لهذه المعاني الثلاثة، فتكون – ظرفا مكانيا بمعنى (أين) نحو: \[يا مريم أنى لك هذا\] أي من أين لك هذا ؟ وظرفا زمانيا بمعنى (متى) نحو: أنى جئت، أي متى جئت – واستفهامية بمعنى (كيف) نحو: \[أنى يحيي هذه الله بعد موتها\] أي كيف ؟ وهي في الآية لذلك كله..
٥ - وإنما نزلت الآية رخصة فيه، خرجه البخاري وغيره، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، وروي عنه خلاف ذلك وهو اللائق بمقامه رضي الله عنه، وأما ابن عباس فلم يرو عنه إلا التحريم..
٦ - رواه هو وما بعده أصحاب السنن: الترمذي والنسائي وأبو داود..
٧ - رواه أصحاب السنن، والإمام أحمد في مسنده، كما في الجامع الصغير بلفظ: (من أتى امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد. وأشد من هذا من أتى ذكرا في دبره، ولعل المراد الزجر والتغليظ لا حقيقة الكفر الذي هو ضد الإيمان. والله أعلم..
٨ - والغالب عدم صحة ما يروى من الإباحة في هذه النازلة، وإنما هو شيء مدسوس من أصحاب الأغراض والشهوات، وأيا ما يكون صح أو لم يصح فلا ينبغي للإنسان أن يعرج على مثل هذا، والآية الكريمة ظاهرة في المنع، ويكفي أنه عمل لوطي، وكلام ابن عطية يوحي بهذه المعاني..
٩ - (لو) للتمني بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى لهم ذلك لينتفي عنهم ضرر الشيطان، والحديث أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما..
١٠ - الضمير في قوله: \[مُلاقُوه\] – يجوز أن يعود على الله تعالى – أو على المفعول المحذوف الذي لقوله: (وقدِّموا) – وهو في الحالية على تقدير حذف مضاف – أي: ملاقو جزاءه – ويجوز أن يعود على الجزاء الدال عليه معمول (قدموا) المحذوف، وفي كل هذه التقديرات ردّ على من ينكر العبث – قاله (ح) في البحر المحيط ٢- ١٧٢..

### الآية 2:224

> ﻿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:224]

وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٢٢٤ )
وقوله تعالى : ولا تجعلوا لله عرضة لأيمانكم  الآية،  عرضة  فعلة بناء للمفعول( [(١)](#foonote-١) )، أي كثيراً ما يتعرض بما ذكر، تقول **«جمل عرضة للركوب »** و **«فرس عرضة للجري »**، ومنه قول كعب بن زهير :\[ البسيط \]. 
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت. . . عرضتها طامس الاعلام مجهول( [(٢)](#foonote-٢) )
ومقصد الآية : ولا تعرضوا اسم الله تعالى للأيمان به، ولا تكثروا من الأيمان فإن الحنث مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله تعالى، ثم اختلف المتأولون : فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد والربيع وغيرهم : المعنى فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم والبر والإصلاح. قال الطبري :**«التقدير لأن لا ( [(٣)](#foonote-٣) )تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا »**، وقدره المهدوي : كراهة أن تبروا، وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح، فلا يحتاج إلى تقدير **«لا »** بعد **«أن »**، ويحتمل أن يكون هذا التأويل( [(٤)](#foonote-٤) ) في الذي يريد الإصلاح بين الناس، فيحلف حانثاً ليكمل غرضه، ويحتمل أن يكون على ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :**«نزلت في تكثير اليمين بالله نهياً أن يحلف الرجل به براً فكيف فاجراً »**( [(٥)](#foonote-٥) )، فالمعنى : إذا أردتم لأنفسكم البر وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله تعالى، فقال عليّ يمين، وهو لم يحلف( [(٦)](#foonote-٦) )، و  أن تبروا  مفعول من أجله، والبر جميع وجوه الخير. **«بر الرجل »** إذا تعلق به حكمها ونسبها كالحاج والمجاهد والعالم وغير ذلك. وهو مضاد للإثم، إذ هو الحكم اللاحق عن المعاصي. و  سميع  أي لأقوال العباد  عليم  بنياتهم، وهو مجاز على الجميع. 
وأما سبب الآية فقال ابن جريج :**«نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ حلف أن يقطع إنفاقه عن مسطح بن أثاثة حين تكلم مسطح في حديث الإفك »**، وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق مع ابنه عبد الرحمن في حديث الضيافة حين حلف أبو بكر أن لا يأكل الطعام( [(٧)](#foonote-٧) )، وقيل : نزلت في عبد الله بن رواحة مع بشير بن سعد حين حلف أن لا يكلمه( [(٨)](#foonote-٨) )، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاهدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يميناً.

١ - فيكون عُرضة بمعنى مَعْرُوض كالفُرقة والحُجرة والغُرفة والقبضة، قال حسّان: 
 وقال الله قدْ يسَّرْتُ جُنْــداً همُ الأنصار عُرْضتْهاَ اللِّقَـاءُ.
٢ - النضاخة: مؤنث النضاخ يقال: عين نضاخة: فوّارة غزيرة – والذِّفري من الإنسان والحيوان: العظم الشاخص خلف الأذن جمعه: ذفاري، وطامس: يقال: طريق طامس: بعيد لا مسلك فيه. والبيت في وصف الفرس وهي تجري بسرعة وعرقها يسيل، وهي قوية قادرة على الجري في مثل هذا الطريق الصعب..
٣ - أي لا تجعلوات الحلف بالله مانعاً لكم من أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، ولكن إذا حلفتم على ذلك وشبهه من أبواب البر فكفِّروا وأتوا الذي هو خير..
٤ - يريد التأويل الأخير فهو عنده بمعنيين: المعنى الأول فيمن يحلف كاذبا للإصلاح بين الناس، والمعنى الثاني عن عائشة..
٥ - كثرة الحلف بالله منهي عنها في البر، فكيف بالفجور. وقد ذم الله سبحانه الحلاف بقوله: (ولا تطع كلاّ حلاف مَهِينٍ) الآية، وأمر بحفظ الأيمان بقوله: (واحفظوا أيمانكم)..
٦ - في معرض بيان المقصود من الآية. قال القاضي عياض في "الشفاء": وقد روينا عن عوف بن عبد الله – أي الكوفي الزاهد – أنه قال: ليُعظِّم أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شيء حتى لا يقول: أخزى الله الكلب وفعل به كذا وكذا، وقد كان بعض من أدركناه من مشايخنا قلما يذكر اسم الله تعالى إلا فيما يتصل بطاعته، وكان يقول للإنسان: جزيت خيرا، وقلما يقول: "جازاك الله خيرا إعظاما لاسمه تعالى أن يمتهن في غير قربة – وحدثنا الثقة أن الإمام أبا بكر الشاسي كا يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم فيه تعالى وفي ذكر صفاته إجلالا لاسمه تعالى، ويقول: **«هؤلاء يتمندلون بالله عز وجل، وينزل الكلام في هذا الباب تنزيله في باب سباب النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوه التي فصلناها والله الموفق»**. ولا يخفى ما في كلام أبي بكر الشاسي من المبالغة، والله سبحانه وتعالى إنما قال: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم)..
٧ - حلف أبو بكر غاضبا على ولده الذي ترك الأضياف بدون عشاء حتى جاء من عند النبي صلى الله عليه وسلم، قد روى الإمام البخاري رحمه الله حديث الضيافة هذا في ثلاثة مواضع، وفي كتاب الصلاة في باب "السمر مع الأهل والضيف"، وفي كتاب الأدب في باب "ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف"، وفي "علامات النبوة". ورواه الإمام مسلم في كتاب "الأطعمة"، ورواه أبو داود وغيره كذلك. هذا وقصة مسطح في حديث الإفك معروفة..
٨ - عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري، أحد الأمراء الشهداء في غزوة مؤتة، وأحد الشعراء المجيدين، شهد العقبة وكل المشاهد والغزوات مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا غزوة الفتح لأنها تمت بعد استشهاده.
 وبشير بن سعد الأنصاري، يكنى أبا النعمان، هو أول من بايع أبا بكر بالخلافة في سقيفة بني ساعدة، وشهد المشاهد كلها. وقد استشهد بعيْن التمر في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما..

### الآية 2:225

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:225]

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( ٢٢٥ )
 اللغو  سقط الكلام الذي لا حكم له، ويستعمل في الهجر والرفث وما لا حكم له من الإيمان، تشبيهاً بالسقط من القول، يقال منه لغا يلغو لغواً ولغى يلغي لغياً، ولغة القرآن بالواو( [(١)](#foonote-١) )، والمؤاخذة هي التناول بالعقوبة، واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو( [(٢)](#foonote-٢) )، فقال ابن عباس وعائشة وعامر الشعبي وأبو صالح ومجاهد : لغو اليمين قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين( [(٣)](#foonote-٣) )، وروي أن قوماً تراجعوا القول بينهم وهم يرمون بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فحلف أحدهم : لقد أصبت وأخطأت يا فلان، فإذا الأمر بخلافه، فقال رجل : حنث يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«أيمان الرماة لغو لا إثم فيها ولا كفارة »**( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال أبو هريرة وابن عباس أيضاً والحسن ومالك بن أنس وجماعة من العلماء : لغو اليمين ما حلف به الرجل على يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا اليقين هو غلبة ظن أطلق الفقهاء عليه لفظة اليقين تجوزاً، قال مالك :**«مثله أن يرى الرجل على بعد فيعتقد أنه فلان لا يشك، فيحلف، ثم يجيء غير المحلوف عليه »**، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الله وعروة ابنا الزبير : لغو اليمين الحلف في المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر أو ليقطعن الحرم، فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه، وقال سعيد بن جبير مثله، إلا أنه قال : يكفر، فأشبه قوله بالكفارة قول من لا يراها لغواً، وقال ابن عباس أيضاً وطاوس : لغو اليمين الحلف في حال الغضب، وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يمين في غضب »**( [(٥)](#foonote-٥) )، وقال مكحول الدمشقي وجماعة من العلماء : لغو اليمين أن يحرم الرجل على نفسه ما أحل الله فيقول مالي عليّ حرام إن فعلت كذا، أو الحلال عليَّ حرام، وقال بهذا القول مالك بن أنس إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال زيد بن أسلم وابنه : لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغِيَة( [(٧)](#foonote-٧) ) إن فعل كذا، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك : لغو اليمين هو المكفرة( [(٨)](#foonote-٨) )، أي إذا كفرت اليمين فحينئذ سقطت وصارت لغواً، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير، وقال إبراهيم النخعي :**«لغو اليمين ما حنث فيه الرجل ناسياً »**( [(٩)](#foonote-٩) )، وحكى ابن عبد البر قولاً إن اللغو أيمان المكره. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وطريقة النظر أن يتأمل لفظة اللغو ولفظة الكسب، ويحكم موقعهما في اللغة، فكسب المرء ما قصده ونواه، واللغو ما لم يتعمده أو ما حقه لهجنته أن يسقط، فيقوى على هذه الطريقة بعض الأقوال المتقدمة ويضعف بعضها، وقد رفع الله عز وجل المؤاخذاة بالإطلاق في اللغو، فحقيقته ما لا إثم فيه ولا كفارة، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في الغموس المصبورة، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة، لأن المؤاخذة قد وقعت فيها، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم. 
وقوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  قال ابن عباس والنخعي وغيرهما : ما كسب القلب هي اليمين الكاذبة الغموس، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرة، والكفارة إنما هي فيما يكون لغواً إذا كفر، وقال مالك وجماعة من العلماء : الغموس لا تكفر، هي أعظم ذنباً من ذلك، وقال الشافعي وقتادة وعطاء والربيع : اليمين الغموس تكفر، والكفارة مؤاخذة، والغموس ما قصد الرجل في الحلف به الكذب، وكذلك اليمين المصبورة : المعنى فيهما واحد، ولكن الغموس سميت بذلك لأنها غمست صاحبها في الإثم، المصبورة سميت بذلك لأنها صبرها مغالبة وقوة عليها، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  هو في الرجل يقول هو مشرك إن فعل، أي هذا لغو إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه، و  غفور حليم  صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة.

١ - يعني أن هذه المادة جاءت في القرآن بالواو..
٢ - ذكر في تفسير يمين اللغو أقوالا عشرة..
٣ - يعني أن اللغو في اليمين هو ما يجري في الكلام على غير عقد، وقد أسند البخاري هذا عن عائشة رضي الله عنها، وقولها معقول ومقبول، لأنها قد شهدت التنزيل. ويقال اللغو أن تحلف على الشيء ترى أنه كذلك وليس كذلك، وهذا مذهب الإمام مالك، والحق أن كل ما لا قصد فيه ولا كسب للقلب فهو من لغو اليمين بأيِّ صورة كانت، وأي حالة وقعت، واليمين إما لغو لا حكم لها، وإما غموس، وهي اليمين الكاذبة التي تغمس صاحبها في النار، وإما منعقدة على البر أو الحنث..
٤ - رواه الطبراني في المعجم الصغير قال: حدثنا يوسف بن يعقوب بن عبد العزيز الثقفي قال: حدثني أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقوم يرمون وهم يحلفون: أخطأت والله، أصبت والله، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكوا. فقال: فذكره، قال الدارقطني: تفرد به يوسف بن يعقوب عن أبيه..
٥ - رواه الدارقطني في سننه، وفي القرطبي أن مسلما خرجه في صحيحه إلا أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف غاضبا ألا يحمل الأشعريين ثم حملهم وكفر عن يمينه. وقد نص المالكية أن يمين الغضب لازمة اتفاقا..
٦ - قال الشيخ خليل في مختصره: وتحريم الحلال في غير الزوجة لغو..
٧ - لغِيَة بكسر الغين وفتحها أي ولد زنية لا ولد رشدة، وولد الزنا شرّ الثلاثة كما في الحديث..
٨ - يمين اللغو لا مؤاخذة فيها إطلاقا. واليمين المكفَّرة فيها المؤاخذة بالكفارة، ويأتي لابن عطية رحمه الله تضعيف هذا القول من هذه الناحية..
٩ - قال الإمام ابن العربي: أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها لأنها جاءت على خلاف القصد فهي لغو محض ا هـ. ويشبهها في المعنى يمين الإكراه..
١٠ - اليمين الغموس واليمين المصبورة عبارة عن يمين كاذبة، إلا أن اليمين المصبورة حُمل عليها قهراً من الحاكم الشرعي، وحُبس من أجلها لأنها توجهت عليه بمقتضى الشرع فحلفها وهو كاذب. وفي الحديث – كما رواه أبو داود - :(من حلف على يمين مصبورة كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار)..

### الآية 2:226

> ﻿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:226]

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٢٢٦ )
وقوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم  الآية، قرأ أبي بن كعب وابن عباس **«للذين يقسمون »**، و  يولون  معناه يحلفون، يقال آلى الرجل يولي إيلاء، والألية اليمين، ويقال فيها أيضاً ألوة بفتح الهمزة وبضمها وبكسرها( [(١)](#foonote-١) )، والتربّص التأنّي والتأخر، وكان من عادة العرب أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته، يقصد بذلك الأذى عند المشارّة ونحوها، فجعل الله تعالى في ذلك( [(٢)](#foonote-٢) ) هذا الحد لئلا يضر الرجال بالنساء، وبقي للحالف على هذا المعنى فسحة فيما دون الأربعة الأشهر، واختلف من المراد أن يلزمه حكم الإيلاء فقال مالك رحمه الله :**«هو الرجل يغاضب امرأته فيحلف بيمين يلحق عن الحنث فيها حكم، أن لا يطأها، ضرراً منه، أكثر من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إصلاح ولد رضيع ونحوه »**( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال بن عطاء وغيره، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن بن أبي الحسن : هو الرجل يحلف أن لا يطأ امرأته على وجه مغاضبة ومشارة، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أو لم يكن، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء. وقال ابن عباس :**«لا إيلاء إلا بغضب »**، وقال ابن سيرين :**«سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقاله ابن مسعود والثوري ومالك والشافعي وأهل العراق، إلا أن مالكاً قال : ما لم يرد إصلاح ولد. وقال الشعبي والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن المسيب : كل يمين حلفها الرجل أن لا يطأ امرأته أو أن لا يكلمها أو أن يضارها أو أن يغاضبها فذلك كله إيلاء( [(٥)](#foonote-٥) )، وقال ابن المسيب منهم : إلا أنه إن حلف أن لا يكلم وكان يطأ فليس بإيلاء، وإنما تكون اليمين على غير الوطء إيلاء إذا اقترن بذلك الامتناع من الوطء. 
قال القاضي أبو محمد : وأقوال من ذكرناه مع سعيد مسجلة( [(٦)](#foonote-٦) ) محتملة ما قال سعيد ومحتملة أن فساد العشرة إيلاء، وذهب إلى هذا الاحتمال الأخير الطبري، وقال ابن عباس أيضاً : لا يسمى مولياً إلا الذي يحلف أن لا يطأ أبداً، حكاه ابن المنذر، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : لا يكون مولياً إلا أن زاد على الأربعة الأشهر، وقال عطاء والثوري وأصحاب الرأي : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعداً، وقال قتادة والنخعي وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وابن أبي ليلى : من حلف على قليل من الوقت أو كثير فتركها أربعة أشهر فهو مول. قال ابن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. وقوله تعالى  من نسائهم  يدخل فيه الحرائر والإماء إذا تزوجن، والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور : أجله أربعة أشهر( [(٧)](#foonote-٧) )، وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق : أجله شهران، وقال الحسن : أجله من حرة أربعة أشهر ومن أمة زوجة شهران، وقاله النخعي، وقال الشعبي :**«الإيلاء من الأمة نصف الإيلاء من الحرة »**، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي والأوزاعي والنخعي وغيرهم : المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما، وقال الزهري وعطاء والثوري : لا إيلاء إلا بعد الدخول، قال مالك :**«ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فإن آلى منها فبلغت لزمه الإيلاء من يوم بلوغها »**، وقال عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبو الدرداء وابن عمر وابن المسيب ومجاهد وطاوس ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد : إذا انقضت الأربعة الأشهر وقف : فإما فاء، وإما طلق، وإلا طلق عليه( [(٨)](#foonote-٨) )، وقال ابن مسعود وابن عباس وعثمان وعلي أيضاً وزيد بن ثابت وجابر بن زيد والحسن ومسروق بانقضاء الأربعة الأشهر دخل عليه الطلاق دون توقيت، واختلف العلماء في الطلاق الداخل على المولي، فقال عثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وعطاء والنخعي والأوزاعي وغيرهم : هي طلقة بائنة لا رجعة له فيها، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ومكحول والزهري ومالك : هي رجعية( [(٩)](#foonote-٩) )، و  فاؤوا  معناه رجعوا، ومنه : حتى تفيء إلى أمر الله ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ الحجرات : ٩ \]، والفيء الظل الراجع عشياً، وقال الحسن وإبراهيم : إذا فاء المولي ووطىء فلا كفارة عليه في يمينه، لقوله تعالى  فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا متركب على أن لغو اليمين ما حلف في معصية، وترك وطء الزوجة معصية( [(١١)](#foonote-١١) )، وقال الجمهور : إذا فاء كفر، والفيء عند ابن المسيب وابن جبير لا يكون إلا بالجماع، وإن كان مسجوناً أو في سفر مضى عليه حكم الإيلاء إلا أن يطأ ولا عذر له ولا فيء بقول، وقال مالك رحمه الله، **«لا يكون الفيء إلا بالوطء أو بالتكفير في حال العذر كالغائب والمسجون »**، قال ابن القاسم في المدونة :**«إلا أن تكون يمينه مما لا يكفرها لأنها لا تقع عليه إلا بعد الحنث، فإن القول يكفيه ما دام معذوراً »**، واختلف القول في المدونة في اليمين بالله تعالى هل يكتفى فيه بالفيء بالقول والعزم على التكفير أم لا بد، من التكفير وإلا فلا فيء، وقال الحسن وعكرمة والنخعي وغيرهم : الفيء من غير المعذور الجماع ولا بد، ومن المعذور أن يشهد أنه قد فاء بقلبه، وقال النخعي أيضاً : يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط، ويسقط حكم الإيلاء. أرأيت إن لم ينتشر للوطء ؟. 
وقال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويرجع في هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر، وقرأ أبي بن كعب **«فإن فاؤوا فيهن »** وروي عنه **«فإن فاؤوا فيها »**.

١ - ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر، ثم راجعها بأمر من الله، وثبت في الصحيح أنه آلى من نسائه شهرا، أي حلف ألا يدخل عليهن شهرا تأديبا لهن، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يظاهر لأن الظهار منكر من القول وزور..
٢ - أي أربعة أشهر، روى الإمام مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل ابنته حفصة كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت شهراً واثنين وثلاثة وفي الرابع ينفذ الصبر، فجعل ذلك رضي الله عنه أجلا للبعث أي لغيبة الجيش المبعوث إلى العدو، وهذا مطابق لجعل الله سبحانه مدة الإيلاء أربعة أشهر فإنه سبحانه وتعالى يعلم أن صبر المرأة يضعف بعد الأربعة، ولا تحتمل قوة صبرها أكثر من ذلك فجعلها أجلا للمولى وخيّرها بعد الأربعة إن شاءت أقامت معه وإن شاءت قطعت العصمة معه..
٣ - لأن وطء المرضع يضر بالولد فإذا ترك وطأها لهذا الغرض فلا يكون مولياً، وفي مختصر الشيخ خليل رحمه الله: والغيلة وطء المرضع، وتجوز..
٤ - هذا أصح الأقوال كما قاله ابن المنذر، وتخصيص الإيلاء بالغضب يحتاج إلى دليل..
٥ - هذا القول عام وما قبله خاص بترك الوطء..
٦ - أي مطلقة. تحتمل ما قاله سعيد، وتحتمل أن فساد العشرة إيلاء..
٧ - الكلام عن العبد وأجل إيلاء العبد على نصف إيلاء الحر كما قال الإمام مالك وغيره من العلماء، وقال الشافعي، والإمام أحمد، وغيرهما: أجله: أربعة أشهر. وأحكام العبيد كحياتهم كلها مشاكل..
٨ - هذا هو الرأي المنصور، والحكم المشهور الذي تدل عليه الآية الكريمة دلالة ظاهرة. والفيء إما بالوطء إن كان لا عذر له، وإما بالتكفير إن كان له عذر..
٩ - يأتي أن قوله تعالى: \[وبعولتهن أحق بردّهن في ذلك إن أراداوا إصلاحا\] يضعف القول أنه بانقضاء الأشهر الأربعة تزول العصمة بطلقة بائنة، لأن أكثر ما تعطي الآية أن ترك الفيء في الأشهر الأربعة هو عزم الطلاق، وإذا كان ذلك فالمرأة من المطلقات اللواتي يتربصن وبعولتهن أحق بردهن. وقالوا كل طلاق أوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاق المولى والمُعْسر بالنفقة..
١٠ - من الآية (٩) من سورة (الحجرات)..
١١ - إن القول بعدم الكفارة مبني على أن لغو اليمين ما حُلف على معصية، وترك وطء الزوجة معصية، ولغو اليمين كلا كفارة فيها، والدليل القائم قوله تعالى: (فإن فاءوا فإنّ الله غفور رحيم) فإنه لم يذكر كفارة، ربما يحتج هذا القول بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليتركها فإن تركها كفارة). وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)..

### الآية 2:227

> ﻿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:227]

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٢٢٧ )
وقوله تعالى : وإن عزموا( [(١)](#foonote-١) ) الطلاق  الآية، قال القائلون إن بمضي الأربعة أشهر يدخل الطلاق : عزيمة الطلاق هي ترك الفيء حتى تنصرم الأشهر( [(٢)](#foonote-٢) )، وقال القائلون لا بد من التوقيف بعد تمام الأشهر : العزيمة هي التطليق أو الإبانة وقت التوقيف حتى يطلق الحاكم، واستدل من قال بالتوقيف بقوله  سميع ، لأن هذا الإدراك إنما هو في المقولات( [(٣)](#foonote-٣) )، وقرأ ابن عباس **«وإن عزموا السراح »**.

١ - الفصيح أن يقال: عزم الشيء لأن عزم تتعدى بنفسها ودليل ذلك قوله تعالى: \[وإن عزموا الطلاق\] وقوله تعالى: \[ولا تعزموا عقدة النكاح\]، ومن الأمر البين أن القرآن أفصح كلام، فما ورد فيه فلا معترض عليه ولا يشك في صحته وفصاحته، قال النحاس: ومعنى عزم: عقد، لأن معناهما واحد. ولكن بعض اللغويين يجيز أن تتعدى (عزم) بنفسها ويستشهد ببيت رواه سيبويه – راجع ذلك عند تفسير قوله تعالى: \[ولا تعزموا عقدة النكاح\] – وسيأتي..
٢ - تقدير الآية عندنا: فإن فاءوا بعدها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق بعدها فإن الله سميع عليم، وتقديرها عندهم: فإن فاءوا فيها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فيها فإن الله سميع عليم. وقراءة أبي بن كعب تشهد لهم، والشاذ من القراءات يجري مجرى خبر الآحاد عندهم..
٣ - أي أن الله سبحانه سميع للفظ الطلاق بعد التوقيف، وقد يقال بعد تسليم أنه في المقولات: لا يكون حجة للقول بالتوقيف، لأنه قد ضرب له أجل الإيلاء، وبين أنه عند تمامها تطلق عليه فالسمع تعلق بهذا القول، فالاحتياج إلى قول آخر بعد تمامها يفتقر إلى دليل خارج عن الآية، على مذهب الإمام السنوسي رحمه الله أن السمع والبصر يتعلقان بكل موجود. والحق أن صفة السمع إنما تتعلق بالأًصوات لقوله تعالى: \[قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها\]، ولما نزلت هذه الآية قالت عائشة رضي الله عنها: **«الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات»**، وفي ذلك إشعار بأن السمع يتعلق بالأًصوات والمقولات..

### الآية 2:228

> ﻿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:228]

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٢٨ )
قرأ جمهور الناس **«قروء »** على وزن فعول، اللام همزة، وروي عن نافع شد الواو دون همز، وقرأ الحسن **«ثلاثة قَرْوٍ »** بفتح القاف وسكون الراء وتنوين الواو خفيفة، وحكم هذه الآية مقصده الاستبراء لا أنه عبادة، ولذلك خرجت منه من لم يبن بها. بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة، و  المطلقات  لفظ عموم يراد به الخصوص في المدخول بهن، ولم تدخل في العموم المطلقة قبل البناء ولا الحامل ولا التي لم تحض ولا القاعد( [(١)](#foonote-١) )، وقال قوم : تناولهن العموم ثم نسخن، وهذا ضعيف فإنما الآية فيمن تحيض، وهو عرف النساء وعليه معظمهن، فأغنى ذلك عن النص عليه، والقرء في اللغة الوقت المعتاد تردده، وقرء النجم وقت طلوعه، وكذلك وقت أفوله وقرء الريح وقت هبوبها، ومنه قول الراجز :\[ الرجز \]
يا رب ذي ضغن على فارض. . . له قروء كقروء الحائض
أراد وقت غضبه( [(٢)](#foonote-٢) )، فالحيض على هذا( [(٣)](#foonote-٣) ) يسمى قرءاً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«اتركي الصلاة أيام اقرائك »**( [(٤)](#foonote-٤) )، أي أيام حيضك، وكذلك على هذا النظر يسمى الطهر قرءاً، لأنه وقت معتاد تردده يعاقب الحيض، ومنه قول الأعشى( [(٥)](#foonote-٥) ) :
أفي كلّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غزوةِ. . . تَشُدُّ لأقْصَاها عَزِيمَ عَزَائِكَا
مورثة مالاً وفي الحي رفعة. . . بما ضاع فيها من قروء نسائكا( [(٦)](#foonote-٦) )
أي من أطهارهن، وقال قوم : القرء مأخوذ من قرء الماء في الحوض، وهو جمعه، فكأن الرحم تجمع الدم وقت الحيض والجسم يجمعه وقت الطهر، واختلف أيهما أراد الله تعالى بالثلاثة التي حددها للمطلقة، فقال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس والضحاك ومجاهد والربيع وقتادة وأصحاب الرأي وجماعة كبيرة من أهل العلم : المراد الحيض، فإذا طلق الرجل امرأته في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة، وقال بعض من يقول بالحيض إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة قبل الغسل، هذا قول سعيد بن جبير وغيره، وقالت عائشة وابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم منهم سليمان بن يسار ومالك : المراد الأطهار، فإذا طلق الرجل امرأته في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة، فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما بقي من ذلك الطهر. وقول ابن القاسم ومالك إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة. وهو مذهب زيد بن ثابت وغيره، وقال أشهب : لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض لئلا يكون دفعة دم من غير الحيض، واختلف المتأولون في المراد بقوله  ما خلق  فقال ابن عمر ومجاهد والربيع وابن زيد والضحاك وهو الحيض والحبل جميعاً( [(٧)](#foonote-٧) )، ومعنى النهي عن الكتمان النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة حضت وهي لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت لم أحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه، فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض أن لا يرتجع حتى تتم العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل لينقطع حقه من الارتجاع، وقال قتادة :**«كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد ففي ذلك نزلت الآية »**، وقال السدي :**«سبب الآية أن الرجل كان إذا أراد أن يطلق امرأته سألها أبها حمل ؟ مخافة أن يضر بنفسه وولده في فراقها، فأمرهن الله بالصدق في ذلك »**. 
وقال إبراهيم النخعي وعكرمة : المراد ب  ما خلق  الحيض، وروي عن عمر وابن عباس أن المراد الحمل، والعموم راجح، وفي قوله تعالى : ولا يحل لهن  ما يقتضي أنهن مؤتمنات على ما ذكر( [(٨)](#foonote-٨) )، ولو كان الاستقصاء مباحاً لم يكن كتم، وقرأ مبشر بن عبيد **«في أرحامهُن »** بضم الهاء( [(٩)](#foonote-٩) )، وقوله  إن كان يؤمنّ بالله واليوم الآخر  الآية، أي حق الإيمان فإن ذلك يقتضي أن لا يكتمن الحق، وهذا كما تقول : إن كنت حراً فانتصر، وأنت تخاطب حراً، وقوله  وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ، البعل : الزوج، وجمعه على بعولة شاذ لا ينقاس. لكن هو المسموع. وقال قوم : الهاء فيه دالة على تأنيث الجماعة، وقيل : هي هاء تأنيث دخلت على بعول. وبعول لا شذوذ فيه. وقرأ مسعود **«بردتهن »** بزيادة تاء، وقرأ مبشر بن عبيد **«بردهُن »** بضم الهاء، ونص الله تعالى بهذه الآية على أن للزوج أن يرتجع امرأته المطلقة ما دامت في العدة، والإشارة ب  ذلك  هي إلى المدة، ثم اقترن بما لهم من الرد شرط إرادة الإصلاح دون المضارة، كما تشدد على النساء في كتم ما في أرحامهن، وهذا بيان الأحكام التي بين الله تعالى وبين عباده في ترك النساء الكتمان وإرادة الرجال الإصلاح، فإن قصد أحد بعد هذا إفساداً أو كتمت امرأة ما في رحمها فأحكام الدنيا على الظاهر، والبواطن إلى الله تعالى يتولى جزاء كل ذي عمل. 
وتضعف هذه الآية قول من قال في المولي : إن بانقضاء الأشهر الأربعة تزول العصمة بطلقة بائنة لا رجعة فيها، لأن أكثر ما تعطي ألفاظ القرآن أن ترك الفيء في الأشهر الأربعة هو عزم الطلاق، وإذا كان ذلك فالمرأة من المطلقات اللواتي يتربصن وبعولتهن أحق بردهن. 
وقوله تعالى : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، قال ابن عباس :**«ذلك في التزين والتصنع والمؤاتاة »**، وقال الضحاك وابن زيد : ذلك في حسن العشرة وحفظ بعضهم لبعض وتقوى الله فيه، والآية تعم جميع حقوق الزوجية( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقوله  وللرجل عليهن درجة  قال مجاهد وقتادة : ذلك تنبيه على فضل حظه على حظها في الجهاد والميراث وما أشبهه، وقال زيد بن أسلم وابنه : ذلك في الطاعة، عليها أن تطيعه وليس عليه أن يطيعها، وقال عامر الشعبي :**«ذلك الصداق الذي يعطي الرجل، وأنه يلاعن إن قذف وتحد إن قذفت »**، فقال ابن عباس :**«تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة والتوسع للنساء في المال والخلق »**، أي إن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه( [(١١)](#foonote-١١) )، وهذا قول حسن بارع، وقال ابن إسحاق :**«الدرجة الإنفاق وأنه قوام عليها »**، وقال ابن زيد :**«الدرجة ملك العصمة وأن الطلاق بيده »**، وقال حميد :**«الدرجة اللحية »**. 
وقال القاضي أبو محمد : وهذا إن صح عنه ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها، وإذا تأملت هذه الوجوه التي ذكر المفسرون فيجيء من مجموعها درجة تقتضي التفضيل، و  عزيز  لا يعجزه أحد، و  حكيم  فيما ينفذه من الأحكام والأمور.

١ - لأن لكل واحدة منها أحكاما مخالفة لهذا الحكم بنص كتاب الله تعالى..
٢ - يعني أنه طعنه وقت غضبه فكان له دم كدم الحائض، ولو قال ابن عطية: **«أراد أوقات»** لكان أولى. لأن التعبير في البيت جاء بصيغة الجمع: (قروء كقروء)..
٣ - أي على أن القُرء عبارة عن الوقت المعتاد تردّده..
٤ - رواه أبو داود والنسائي..
٥ - قال ذلك يمدح أميرا من أمراء العرب إثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه ولم يواقعهن فيها..
٦ - يقال: جشِم الأمر جشماً وجشامة: تكلفه على مشقة فهو: جاشم، فهو يترك نساءه في أوقات تطهرهن ويتجشم مشقة الغزو التي تشد عزائمه، وتكسب المال والرفعة..
٧ - هذا هو ما يدل عليه عموم الآية، ولا وجه لقصره على أحدهما، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويأتي النص على ترجيح هذا القول في كلام ابن عطية رحمه الله..
٨ - يعني أن ما يتعلق بحيضهن وحملهن شيء وكَلَه الله إليهن، فهن مؤتمنات، ومن خانت الأمانة فأمرها إلى الله. وقد هدد الله في ذلك بقوله: \[إنْ كنّ يؤمن بالله واليوم الآخر\]..
٩ - الضم هو الأصل، والكسر إنما كان لكسر ما قبله..
١٠ - أي تشمل سائر الحقوق المادية والأدبية، فهي من الكلم الجامع للفوائد الجمة والمعاني الضخمة.
 قال (ح): في تفسير قوله تعالى: \[ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف\]: «هذا من بديع الكلام، إذا حذف شيئا من الأول أثبت نظيره في الآخر، وأثبت شيئا في الأول حذف نظيره في الآخر، وأصل التركيب: ولهن على أزواجهن مثل الذي لأزواجهن عليهن، فحذفت (على أزواجهن) لإثبات (عليهن)، وحذف (لأزواجهن) لإثبات (لهن). البحر المحيط ٢-١٨٩..
١١ - أي يكلف نفسه ذلك، بمعنى أن الأفضل –وهو الرجل- ينبغي له أن يصبر ويتحمل، وهذا معنى لائق وفائق، وذلك أنه لا غنى للرجل عن المرأة، ولا يتم استمتاعه بها إلا إذا داراها وجاملها واحتمل أذاها، وتوسع لها في الأخلاق والمال، فإن المرأة خلقت من ضلع وإن اعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تُقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فينبغي الصبر على أخلاقهن العوجاء. قال الإمام الغزالي رحمه الله: وللمرأة على الرجل أن يحسن خلقه معها، وليس معنى ذلك كف الأذى عنها بل احتمال الذى منها، والصبر على بطشها وغضبها اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يمزح معهن، وينزل إلى درجة عقولهن في الأعمال والأخلاق حتى روي أنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها في العدو فسبقته يوماً –بعد أن كان قد سبق يوما- فقال لها: هذه بتلك. والمداعبة مع المرأة هي التي تطيب قلبها وتهيئ عطفها. وأفضلية الرجل على المرأة من عدة جهات كما هو ظاهر الآية. وكما يدل على ذلك قوله تعالى: \[الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم\] وكما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: \[ولو أمرت أحدا بالسّجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\] أو كما قال..

### الآية 2:229

> ﻿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:229]

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ٢٢٩ )
قال عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم : نزلت هذه الآية بياناً لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يطلقون ويرتجعون إلى غير غاية، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا أؤويك ولا أدعك تحلين، قالت : وكيف ؟ قال : أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك، فشكت ذلك، فنزلت الآية( [(١)](#foonote-١) )، وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم : المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق، أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة فإما تركها غير مظلومة شيئاً من حقها وإما أمسكها محسناً عشرتها. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والآية تتضمن هذين المعنيين( [(٢)](#foonote-٢) )، والإمساك بالمعروف هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة والتزام حقوق الزوجية. والتسريح يحتمل لفظه معنيين : أحدهما تركها تتم العدة من الثانية وتكون أملك بنفسها، وهذا قول السدي والضحاك، والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها بذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، ويقوى عندي هذا القول من ثلاثة وجوه : أولها أنه روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هذا ذكر الطلقتين فأين الثالثة ؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي قوله : أو تسريح بإحسان ( [(٣)](#foonote-٣) )، والوجه الثاني أن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرىء  وإن عزموا السراح  \[ البقرة : ٢٢٧ \]، والوجه الثالث أن فعّل تفعيلاً بهذا التضعيف يعطي أنه أحدث فعلاً مكرراً على الطلقة الثانية، وليس في ترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل، و  إمساك  مرتفع بالابتداء والخبر أمثل أو أحسن، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء تقديره فالواجب إمساك، وقوله  بإحسان  معناه أن لا يظلمها شيئاً من حقها ولا يتعدى في قول. وقوله تعالى : ولا يحل لكم أن تأخذوا  الآية خطاب للأزواج، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً على وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بأن لا ينفرد الرجل بالضرر( [(٤)](#foonote-٤) )، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم ؛ لأن العرف من الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج عن يده، هذا وكدهم( [(٥)](#foonote-٥) ) في الأغلب ؛ فلذلك خص بالذكر. وقرأ جميع السبعة إلا حمزة **«يخافا »** بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل، فهذا باب خاف في التعدي إلى مفعول واحد وهو  أن ( [(٦)](#foonote-٦) ) وقرأ حمزة وحده **«يُخافا »** بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، فهذا على تعدية خاف إلى مفعولين، أحدهما أسند الفعل إليه، والآخر  أن  بتقدير حرف جر محذوف( [(٧)](#foonote-٧) )، فموضع  أن  : خفض بالجار المقدر عند سيبويه والكسائي( [(٨)](#foonote-٨) )، ونصب عند غيرهما لأنه لما حذف الجار وصار الفعل إلى المفعول الثاني، مثل استغفر الله ذنباً، وأمرتك الخير( [(٩)](#foonote-٩) )، وفي مصحف ابن مسعود **«إلا أن يخافوا »** بالياء وواو الجمع، والضمير على هذا للحكام ومتوسطي( [(١٠)](#foonote-١٠) ) أمور الناس. 
وحرم الله - تعالى - على الزوج في هذه الآية أن يأخذ إلا بعد الخوف أن لا يقيما، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد، وأجمع عوام أهل العلم على تحظير أخذ مالها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها. قال ابن المنذر :«روينا معنى ذلك عن ابن عباس والشعبي ومجاهد وعطاء والنخعي وابن سيرين والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير والزهري وحميد بن عبد الرحمن وقتادة وسفيان الثوري ومالك وإسحاق وأبي ثور، وقال مالك - رحمه الله - والشعبي وجماعة معهما : فإن كان مع فساد الزوجة ونشوزها فساد من الزوج وتفاقم ما بينهما فالفدية جائزة للزوج. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ومعنى ذلك أن يكون الزوج لو ترك فساده لم يزل نشوزها هي، وأما إن انفرد الزوج بالفساد فلا أعلم أحداً يجيز له الفدية، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال :**«إذا جاء الظلم والنشوز من قبله فخالعته فهو جائز ماض وهو آثم لا يحل ما صنع، ولا يرد ما اخذ، قال ابن المنذر :«وهذا خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو قيل لأحد : اجهد نفسك في طلب الخطأ، ما وجد أمراً أعظم من أن ينطق القرآن بتحريم شيء فيحله هو ويجيزه »**، و  حدود الله  في الموضع هي ما يلزم الزوجين من حسن العشرة وحقوق العصمة( [(١١)](#foonote-١١) ). 
ونازلة حبيبة بنت سهل - وقيل جميلة بنت أبي ابن سلول والأول أصح ( [(١٢)](#foonote-١٢) )- مع ثابت بن قيس حين أباح له النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الفدية منها إنما كان التعسف فيها من المرأة لأنها ذكرت عنه كل خير وأنها لا تحب البقاء معه، وقوله تعالى : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله  المخاطبة للحكام والمتوسطين لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حكاماً، وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء، وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه : إذا قالت له : لا أطيع لك أمراً ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسماً، حل الخلع، وقال الشعبي : ألا يقيما حدود الله  : معناه أن لا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة، وقال عطاء بن أبي رباح : يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها إني لأكرهك ولا أحبُّك ونحو هذا. 
وقوله تعالى : فلا جناح عليهما فيما افتدت به  إباحة للفدية، وشركهما في ارتفاع الجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيث لا يجوز له أخذه وهي تقدر على المخاصمة، فإذا كان الخوف المذكور جاز له أن يأخذ ولها أن تعطي، ومتى لم يقع الخوف فلا يجوز لها أن تعطي على طالب الفراق( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وقال ابن عمر والنخعي وابن عباس ومجاهد وعثمان بن عفان رضي الله عنه ومالك والشافعي وأبو حنيفة وعكرمة وقبيصة بن ذؤيب وأبو ثور وغيرهم : مباح للزوج أن يأخذ من المرأة في الفدية جميع ما تملكه، وقضى بذلك عمر بن الخطاب، وقال طاوس والزهري وعطاء وعمرو بن شعيب والحسن والشعبي والحكم وحماد وأحمد وإسحاق : لا يجوز له أن يزيد على المهر الذي أعطاها. 
وبه قال الربيع، وكان يقرأ هو والحسن بن أبي الحسن **«فيما افتدت به منه »** بزيادة **«منه »**، يعني مما آتيتموهن وهو المهر. وحكى مكي هذا القول عن أبي حنيفة، وابن المنذر أثبت( [(١٤)](#foonote-١٤) ). وقال ابن المسيب :**«لا أرى أن يأخذ منها كل مالها ولكن ليدع لها شيئاً »**. وقال بكر بن عبد الله المزني :**«لا يجوز للرجل أن يأخذ من زوجه شيئاً خلعاً قليلاً ولا كثيراً »** ؛ قال :«وهذه الآية منسوخة بقوله عز وجل : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ النساء : ٢٠ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، لأن الأمة مجمعة على إجازة الفدية، ولأن المعنى المقترن بآية الفدية غير المعنى الذي في آية إرادة الاستبدال( [(١٦)](#foonote-١٦) ). 
وقوله تعالى : تلك حدود الله  الآية، أي هذه الأوامر والنواهي هي المعالم بين الحق والباطل والطاعة والمعصية فلا تتجاوزوها، ثم توعد - تعالى - على تجاوز الحد ووصف المتعدي بالظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه، والظلم معاقب صاحبه، وهو كما قال صلى الله عليه وسلم :» الظلم ظلمات يوم القيامة «( [(١٧)](#foonote-١٧) ).

١ - رواه مالك، والترمذي، وابن جرير، والبيهقي في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه..
٢ - جمهرة العلماء من المالكية وغيرهم على أن الطلاق الثلاث يلزم سواء كان في مرة أو في مرات، استناداً إلى رأي عمر رضي الله عنه حيث ألزمت الثلاث في كلمة واحدة عقوبة لهم حيث استهانوا بأمر الطلاق وكثُر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى عمر رضي الله عنه أن يعاقبهم بإلزامهم الثلاث حتى يكفوا عن ذلك، والذي يدل عليه الكتاب والسنة أن الطلاق مرتان، وعليه فالطلاق في الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم، قال في "أعلام الموقعين": **«ولا يجوز في هذه الأزمنة معاقبة الناس بما عاقبهم به عمر رضي الله عنه من وجهين أحدهما أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام فكيف يعاقب من لم يرتكب حراماً عند نفسه ؟، والثاني أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدوداً على عهد الصحابة، ولا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة من قبل أولى من الرجوع إلى التحليل، نقله بعض المفسرين وارتضاه»**. ا هـ. وفي قوله تعالى: (الطلاق مرّتان) قال (ح): **«هو على حذف مضاف. أي عدد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، والثالثة لا يملك فيها الرجعة»**. – ثم قال: **«والمراد بذلك تفريق الطلاق إذا أراد أن يطلق ثلاثا»** ا هـ..
٣ - رواه عبد الرزاق، والإمام أحمد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي، عن أبي رزين الأسدي..
٤ - يصدق بصورتين: انفراد الزوجة بالضرر، أو اشتراكهما في الضرر، ففي هاتين الصورتين يصح الخلع اتفاقا أو على الراجح، وأما إن انفرد الزوج بالضرر فلا أحد يجيز الخلع والاقتداء..
٥ - أي قصدهم وعرفهم..
٦ - أي مع صلتها..
٧ - وجه قراءة حمزة: أنه لما بُني الفعل للمفعول أُسند الفعل إليه فلم يبق شيء يتعدى إليه فأما (أن) من قوله: \[ألا يقيما حدود الله\] فإن الفعل يتعدى إليه بالجار. وموضع (أن) في الآية خُفض بالخافض المقدر على قول الكسائي، ونصب على قول سيبويه، إلا أنه لما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول الثاني مثل: استغفر الله ذنبا، وأمرتك الخير، واستغفر الله من ذنبه، وأمرتك بالخير، فقراءة حمزة بن حبيب الزيات قراءة مستقيمة..
٨ - الذي نقله أبو علي الفارسي، وغيره: أن موضعه نصب عند سيبويه، وجر عند الكسائي..
٩ - فيه أن (استغفر) تتعدى إلى اثنين، يقال: استغفر الله ذنبا، واستغفر الله من ذنبه، وأما (خاف) فإنما تتعدى إلى واحد..
١٠ - أي المتوسطين بين الناس للإصلاح وإن لم يكونوا حكاما.
 تنبيه: حكم المختلعة في العدة حكم المطلقة كما قال تعالى: \[والمطلّقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء\] وقال آخرون: تعتد بحيضة، وروي ذلك في حديث حبيبة بنت سهل الأنصاري، وفي أحاديث أخرى. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الخلع فسخ عصمة وليس بطلاق كما ذكره ابن المنذر في الاشراف عنه، والجمهور على القول الأول، وهناك فرقة اعتمدت ما ورد من الأحاديث في الاعتداد بحيضة..
١١ - وفي بعض النسخ: **«وحقوق الصحبة»**..
١٢ - قال ابن (ك): **«هو المشهور، ونص ما رواه الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصاري أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذه ؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: ما شأنك ؟ فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها. فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه حبيبة بنت سهل (قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر) فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها، وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن مالك»**. تفسير ابن كثير ج ١-٤٨٥ طبعة دار الأندلس – بيروت..
١٣ - سبق في قصة حبيبة بنت سهل الأنصاري أنها أعطت على طلب الفراق، وقد أباح ذلك صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنها لا تطلب الفراق إلا إذا كرهته..
١٤ - أي أثبت من (مكي) في نسبة القول إلى أبي حنيفة، وحاصله أن ابن المنذر نسب إلى أبي حنيفة القول الأول وهو جواز الفدية بجميع ما تملك، ومكي نسب إليه عدم الجواز، وابن المنذر أثبت في النقل من مكي عندهم..
١٥ - من الآية (٢٠) من سورة (النساء)..
١٦ - علل ذلك بعلتين الأولى: إجماع الأمة على جواز الافتدا والخلع عند الضرورة، والثانية أن مجال الآيتين مختلف فلا تنافي بينهما، فهذه الآية فيما يكون بين الزوجين من نشوز وعصيان، وتلك الآية عند ما يريد الرجل استبدال زوج مكان زوج، فإذا أراد أن يستبدلهما من دون معصية ولا نشوز فلا يجوز له أخذ شيء..
١٧ - متفق عليه من حديث عن عمر مرفوعاً، قاله السخاوي في "المقاصد الحسنة"..

### الآية 2:230

> ﻿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [2:230]

فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( ٢٣٠ )
قال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي : هذا ابتداء الطلقة الثالثة. 
قال القاضي أبو محمد : فيجيء التسريح المتقدم ترك المرأة تتم عدتها من الثانية، ومن قول ابن عباس رضي الله عنه :**«إن الخلع فسخ عصمة وليس بطلاق »**، واحتج من هذه الآية بذكر الله -تعالى - الطلاقين ثم ذكره الخلع ثم ذكره الثالثة بعد الطلاقين ولم يك للخلع حكم يعتد به، ذكر هذا ابن المنذر في **«الإشراف »** عنه وعن وعكرمة( [(١)](#foonote-١) ) وطاوس وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وذكر عن الجمهور خلاف قولهم، وقال مجاهد :**«هذه الآية بيان ما يلزم المسرح، والتسريح هو الطلقة الثالثة »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وقوله تعالى : أو تسريح  يحتمل الوجهين : إما تركها تتم العدة، وإما إرداف الثالثة. ثم بين في هذه الآية حكم الاحتمال الواحد( [(٢)](#foonote-٢) )، إذ الاحتمال الثاني قد علم منه أنه لا حكم له عليها بعد انقضاء العدة. و  تنكح  في اللغة جار على حقيقته في الوطء ومجاز في العقد، وأجمعت الأمة في هذه النازلة على اتباع الحديث الصحيح في بنت( [(٣)](#foonote-٣) ) سموأل امرأة رفاعه حين تزوجها عبد الرحمن بن الزبير( [(٤)](#foonote-٤) ) وكان رفاعة قد طلقها ثلاثاً، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم :**«إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن، ما معه إلا مثل الهدبة »**، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لعلك أردت الرجوع إلى رفاعة، لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته »**( [(٥)](#foonote-٥) )، فرأى العلماء أن النكاح المحل إنما هو الدخول والوطء، وكلهم على أن مغيب الحشفة يحل إلا الحسن بن أبي الحسن فإنه قال :**«لا يحل إلا الإنزال وهو ذوق العسيلة »**، وقال بعض الفقهاء : التقاء الختانين يحل. 
قال القاضي أبو محمد والمعنى واحد، إذ لا يلتقي الختانان إلا مع المغيب الذي عليه الجمهور، وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد عليها يحلها للأول، وخطىء هذا القول لخلافه الحديث الصحيح، ويتأول على سعيد - رحمه الله - أن الحديث لم يبلغه، ولما رأى العقد عاملاً في منع الرجل نكاح امرأة قد عقد عليها أبوه قاس عليه عمل العقد في تحليل المطلقة. 
قال القاضي أبو محمد : وتحليل المطلقة ترخيص فلا يتم إلا بالأوفى، ومنع الابن شدة تدخل بأرق الأسباب على أصلهم في البر والحنث( [(٦)](#foonote-٦) ). 
والذي يحل عند مالك - رحمه الله - النكاح الصحيح والوطء المباح، والمحلل إذا وافق المرأة : فلم تنكح زوجاً( [(٧)](#foonote-٧) )، ولا يحل ذلك، ولا أعلم في اتفاقه مع الزوجة خلافاً، وقال عثمان بن عفان :**«إذا قصد المحلل التحليل وحده لم يحل، وكذلك إن قصدته المرأة وحدها »**. ورخص فيه مع قصد المرأة وحدها إبراهيم والشعبي إذا لم يأمر به الزوج. وقال الحسن بن أبي الحسن :**«إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول »**، وهذا شاذ، وقال سالم والقاسم : لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان. 
وقوله تعالى : فإن طلقها فلا جناح عليهما  الآية، المعنى إن طلقها المتزوج الثاني فلا جناح عليهما أي المرأة والزوج الأول، قاله ابن عباس، ولا خلاف فيه، والظن هنا على بابه من تغليب أحد الجائزين، وقال أبو عبيدة :**«المعنى أيقنا »**، وقوله في ذلك ضعيف( [(٨)](#foonote-٨) )، و  حدود الله  الأمور التي أمر أن لا تتعدى، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفاً لهم، وإذ هم الذين ينتفعون بما بين. أي نصب للعبرة من قول أو صنعة، وأما إذا أردنا بالتبيين خلق البيان في القلب فذلك يوجب تخصيص الذين يعلمون بالذكر، لأن من طبع على قلبه لم يبين له شيء( [(٩)](#foonote-٩) )، وقرأ السبعة **«يبينها »** بالياء، وقرأ عاصم روي عنه **«نبينها »** بالنون.

١ - عطف على المجرور قبله..
٢ - وهو إرداف الثالثة، وقد بين حكمه في هذه الآية، والاحتمال الثاني هو إتمام عدتها من الطلقة الثانية، ومن المعلوم أنه بعد انقضاء العدة لا يبقى له حكم عليها..
٣ - لعل في الكلام تقديما وتأخيرا، والأًصل: اتباع الحديث الصحيح في امرأة رفاعة ابن سموأل حين تزوجها، قال الحافظ بن حجر: رفاعة بن سموأل القرظي، له ذكر في الصحيح من حديث عائشة. قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي الحديث، وروى مالك عن المسور بن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته تميمة بنت وهب فذكر الحديث، وهو مرسل عند جمهور رواة الموطأ، ووصله ابن وهب، وإبراهيم بن طهمان، وأبو علي الحنفي ثلاثتهم عن مالك، فقالوا عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه. وروى ابن شاهين من طريق تفسير مقاتل بن حيان في قوله تعالى: \[فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجا غيره\] نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلقها طلاقا بائنا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فذكر القصة مطولة، قال أبو موسى: الظاهر أن القصة واحدة، قال الحافظ بن حجر: وظاهر السياقين أنهما اثنتان. لكن المشكل اتحاد اسم الزوج الثاني عبد الرحمن ابن الزبير، وأما المرأة ففي اسمها اختلاف كثير. انتهى – فقيل: تميمة بنت وهب، كما في رواية الموطأ، وقيل: تميمة بنت أبي عبيد، وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن، وتميمة رويت بالتكبير والتصغير، والله أعلم..
٤ - الزَّبير كأمير..
٥ - العسيلة هي الوطء والجماع وإن لم يكن إنزال..
٦ - يشير بذلك إلى مناقشة القياس. وأن تحليل المطلقة ثلاثا من باب التسهيل والترخيص، وتحريم المرأة على الابن لعقد الأب من باب التشديد والتضييق، والأول يقع بأوفى الأشياء كالوطء، والثاني بأقل الأشياء كالعقد..
٧ - يريد أن المحلِّل إذا اتفق مع المرأة فكأنها لم تنكح زوجا غيره أي غير زوجها كما تنص. الآية، والحكم أنه إذا وقع التوافق بين المحلِّل والمحلَّل له أو الزوجة فإن ذلك النكاح لا يحل المطلقة ثلاثا لأنه ليس نكاحاً، وإنما هي حيلة، ولا فرق بين أن يكون التواطؤ بالقول أو بالقصد، فإن المقاصد معتبرة والأعمال بالنيات، والألفاظ لا تساق تعبداً، وإنما تساق للدلالة على المعاني، فإذا ظهرت هذه المعاني ترتب عليها أحكامها ولا عبرة بالألفاظ. وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلَّل له، كما روى ذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، واللعن يدل على أن الفعل حرام، وإذا كان حراماً فليس هو النكاح الذي ذكره الله بقوله: \[حتى تنكح زوجا غيره\] فنكاح التحليل لا يفيد شرعا وإنما الذي يفيد نكاح الرغبة ثم الطلاق بعده، وللطلاق أسباب، وهناك من يقول بالتيسير في مسألة المطلقة ثلاثا، ويحمل النكاح في الآية على العقد، ويطعن في حديث العُسَيلة بأن المشتكى منه كان عنيناً، فكيف تكون له عُسَيلة، وباختلاف رواياته، وينكر لعن المحلل والمحلَّل له، ويرى أن الآية في نكاح التحليل. والمعروف ما عليه الجمهور، والله أعلم..
٨ - لأنه فسر الظن باليقين لأن أحداً لا يعلم ما هو كائن، إلا الله تعالى، وإذا كان ذلك كذلك فما المعنى الذي به يوقن الرجل والمرأة أنهما إذا تراجعا أقاما حدود الله، وإنما المعنى إن ظنّا أي: طمِعا ورجَوا ذلك..
٩ - والذين يعلمون يعرفون أنها من عند الله فيصدقون بها، ويعلمون بما أودعهم الله من علمه دون الذين قد طبع الله على قلوبهم، وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها ولا يصدقون أنها من عند الله، فهم يجهلون أنها من عند الله، ولذا خص القوم الذين يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون..

### الآية 2:231

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:231]

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٢٣١ )
وقوله تعالى : وإذا طلقتم النساء  الآية خطاب للرجال لا يختص بحكمه إلا الأزواج، وذلك نهي للرجل أن يطول العدة على المرأة مضارّة منه لها، بأن يرتجع قرب انقضائها ثم تطلق بعد ذلك، قاله الضحاك وغيره، ولا خلاف فيه، ومعنى  بلغن أجلهن  قاربن، لأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، ومعنى  أمسكوهن  راجعوهن، و  بمعروف  قيل هو الإشهاد، و  لا تمسكوهن  أي لا تراجعوهن ضراراً، وباقي الآية بيِّن. 
( وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
المراد آياته النازلة في الأوامر والنواهي( [(١)](#foonote-١) )، وقال الحسن :**«نزلت هذه الآية فيمن طلق لاعباً أو هازلاً أو راجع كذلك »**، وقالته عائشة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة »**( [(٢)](#foonote-٢) ). ووقع هذا الحديث في المدونة من كلام ابن المسيب، النكاح والطلاق والعتق، ثم ذكر الله عباده بإنعامه عليهم بالقرآن والسنة، و  الحكمة  هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم : مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب : والوصف ب  عليم  يقتضيه ما تقدم من الأفعال التي ظاهرها خلاف النية فيها، كالمحلل والمرتجع مضارة.

١ - أي: لا تأخذوا أحكام الله على طريقة الهزء فإنها جد كلها، فمن هزل فقد لزمته. قال الإمام القرطبي: ولا خلاف أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه، ولقد كان الرجل في الجاهلية يطلق أو يعتق أو ينكح، ثم يقول: كنت لاعباً ويرجع، فأنزل الله الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث جدهن جد إلى آخره) إبطالا لأمر الجاهلية، وإقراراً للأحكام الشرعية..
٢ - رواه أصحاب السنن: أو داود، والترمذي وحسّنه، وابن ماجه، والحاكم وصحّحه عن أبي هريرة. والجِدُّ بالكسرة: اسم جَدَّ في الأمر جِدّا ضد هزل..

### الآية 2:232

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:232]

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ٢٣٢ )
وقوله تعالى : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن  الآية خطاب للمؤمنين الذين منهم الأزواج ومنهم الأولياء، لأنهم المراد في  تعضلوهن ( [(١)](#foonote-١) )، وبلوغ الأجل في هذا الموضع تناهيه، لأن المعنى يقتضي ذلك( [(٢)](#foonote-٢) )، وقد قال بعض الناس في هذا الموضع : إن المراد ب  تعضلوهنّ ، الأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلاً عن نكاح الغير، فقوله  أزواجهن  على هذا يعني به الرجال، إذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب  تعضلوهن  الأولياء فالأزواج هم الذين كنَّ في عصمتهم( [(٣)](#foonote-٣) )، والعضل المنع من الزواج، وهو من معنى التضييق والتعسير، كما يقال أعضلت الدجاجة إذا عسر بيضها، والداء العضال العسير البرء، وقيل : نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته، وقيل : في جابر بن عبد الله، وذلك أن رجلاً طلق أخته، وقيل بنت عمه( [(٤)](#foonote-٤) )، وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد ارتجاعها فغار جابر، وقال :**«تركتها وأنت أملك بها، لا زوجتكما أبداً »**، فنزلت الآية، وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي، خلاف قول أبي حنيفة إن الولي ليس من شروط النكاح، وقوله  بالمعروف  معناه المهر والإشهاد. 
وقوله تعالى : ذلك يوعظ به من كان منكم  خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم : ثم رجوع إلى خطاب الجماعة : والإشارة في  ذلكم أزكى  إلى ترك العضل، و  أزكى  و  أطهر  معناه أطيب للنفس وأطهر للعرض والدين، بسبب العلاقات التي تكون بين الأزواج، وربما لم يعلمها الولي فيؤدي العضل إلى الفساد والمخالطة على ما لا ينبغي، والله - تعالى - يعلم من ذلك ما لا يعلم البشر.

١ - الخطاب إما للأولياء كما يدل على ذلك سبب النزول، وعليه فمعنى \[طلّقتم\] أي: وإذا تسببتم في طلاقهن عندما رفعن إليكم أمرهن فلا يكن منكم عضل بعد ذلك إذا أرادها وأردتم – وإما للأزواج ويكون معنى قوله: \[فلا تعضلوهن\]، أي: تمنعوهن من الزواج لحمية الجاهلية كما يقع ذلك كثيرا من الخلفاء والولاة غيرة على من كنّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم..
٢ - كما تقدم في قوله تعالى: \[وإذا طلّقتم النّساء فبلغن أجلهنّ فامسكوهن بمعروف أو سرّحوهن بمعروف\]، فإن المراد به قرب نهاية الأجل..
٣ - المعنى أنه إذا كان الخطاب للأزواج، فقوله تعالى: \[أن ينكحن أزواجهن\] مجاز باعتبار ما سيكون، وإذا كان للأولياء فهو مجاز باعتبار ما كان..
٤ - أي أخت معقل بن يسار العزني، واسم أخته: جُمَيْل بالتصغير، كما في القسطلاني على البخاري، وقوله: وقيل: بنت عمه – أي بنت عم جابر بن عبد الله الأنصاري. فهما روايتان: الرواية الأولى رواها البخاري، وأصحاب السنن وغيرهم، والرواية الثانية رواها ابن جرير، وابن المنذر عن السدي..

### الآية 2:233

> ﻿۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:233]

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٢٣٣ )
قوله عز وجل : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ 
 يرضعن أولادهن  خبر، معناه : الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على جهة الندب والتخيير لبعضهن، فأما( [(١)](#foonote-١) ) المرأة التي في العصمة فعليها الإرضاع، وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها أن لا ترضع وذلك كالشرط، فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم، بخلاف النفقة، وفي كتاب ابن الجلاب : رضاعه في بيت المال، وقال عبد الوهاب : هو من فقراء المسلمين، وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي، فهي أحق به بأجرة المثل. هذا مع يسر الزوج، فإن كان معدماً لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع، ولها أجر مثلها في يسر الزوج، وكل ما يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب، وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدماً ولا مال للصبي فإن الرضاع على الأم، فإن كان بها عذر ولها مال فالإرضاع عليها في مالها. وهذه الآية هي في المطلقات( [(٢)](#foonote-٢) )، قاله السدي والضحاك وغيرهما، جعلها الله حداً عند اختلاف الزوجين في مدة الرضاع فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له، وقال جمهور المفسرين : إن هذين الحولين لكل واحد( [(٣)](#foonote-٣) )، وروي عن ابن عباس أنه قال :**«هي في الولد الذي يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهراً، فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهراً »**. 
قال القاضي أبو محمد : كأن هذا القول انبنى على قوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ الأحقاف : ١٥ \]، لأن ذلك حكم على الإنسان عموماً، وسمي العام حولاً لاستحالة الأمور فيه في الأغلب، ووصفهما  بكاملين  إذ مما قد اعتيد تجوزاً أن يقال في حول وبعض آخر حولين، وفي يوم وبعض آخر مشيت يومين وصبرت عليك في ديني يومين وشهرين( [(٥)](#foonote-٥) ). وقوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة  مبني على أن الحولين ليسا بفرض لا يتجاوز، وقرأ السبعة **«أن يُتم الرضاعةَ »** بضم الياء ونصب الرضاعة، وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد والحسن وأبو رجاء **«تَتم الرضاعةُ »** بفتح التاء الأولى ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة كذلك، إلا أنهم كسروا الراء من الرضاعة، وهي لغة كالحَضارة والحِضارة، وغير ذلك. وروي عن مجاهد أنه قرأ **«الرضعة »** على وزن الفعلة، وروي عن ابن عباس أنه قرأ **«أن يكمل الرضاعة »** بالياء المضمومة، وانتزع مالك رحمه الله وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين( [(٦)](#foonote-٦) )، لأن بانقضاء الحولين تمت الرضاعة فلا رضاعة، وروي عن قتادة أنه قال :«هذه الآية تضمنت فرض الإرضاع على الوالدات، ثم يسر ذلك وخفف بالتخيير الذي في قوله : لمن أراد . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول مبتدع( [(٧)](#foonote-٧) ). 
**قوله عز وجل :**
 وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدَهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ 
 المولود له  اسم جنس وصنف من الرجال، والرزق في هذا الحكم الطعام الكافي، وقوله  بالمعروف  يجمع حسن القدر في الطعام وجودة الأداء له وحسن الاقتضاء من المرأة، ثم بين تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها بقوله : لا تكلف نفس إلا وسعها ، وقرأ جمهور الناس :**«تُكلف »** بضم التاء ****«نفسٌ »**** على ما لم يُسمَّ فاعله، وقرأ أبو رجاء **«تَكَلَّفُ »** بفتح التاء بمعنى تتكلف ****«نفسٌ »**** فاعله، وروى عنه أبو الأشهب **«لا نُكَلِّف »** بالنون **«نفساً »** بالنصب، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم **«لا تضارُ والدة »** بالرفع في الراء، وهو خبر معناه الأمر( [(٨)](#foonote-٨) )، ويحتمل أن يكون الأصل **«تضارِر »** بكسر الراء الأولى فوالدة فاعل، ويحتمل أن يكون **«تضارَر »** بفتح الراء الأولى فوالدة مفعول لم يسم فاعله، ويعطف مولد له على هذا الحد في الاحتمالين( [(٩)](#foonote-٩) )، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم  لا تضارَّ  بفتح الراء المشددة، وهذا على النهي، ويحتملَ أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كل قراءة : النهي عن أن تضار الوالدة زوجها المطلق بسبب ولدها، وأن يضارها هو بسبب الولد، أو يضار الظئر( [(١٠)](#foonote-١٠) )، لأن لفظة نهيه تعم الظئر، وقد قال عكرمة في قوله : لا تضار والدة  : معناه الظئر، ووجوده الضرر لا تنحصر، وكل ما ذكر منها في التفاسير فهو مثال( [(١١)](#foonote-١١) ). وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ **«لا تضارَرُ »** براءين الأولى مفتوحة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع **«لا تضارْ »** بإسكان الراء وتخفيفها، وروي عنه الإسكان والتشديد، وروي عن ابن عباس **«لا تضارِر »** بكسر الراء الأولى. 
واختلف العلماء في معنى قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك ( [(١٢)](#foonote-١٢) ). فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيرهم : هو وارث الصبي إن لو مات( [(١٣)](#foonote-١٣) )، قال بعضهم : وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حياً، وقاله مجاهد وعطاء، وقال قتادة أيضاً وغيره : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء، ويلزمهم إرضاعه قدر مواريثهم منه. 
وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أنهم قالوا : الوارث الذي يلزمه إرضاع المولود هو وليه ووارثه إذا كان ذا رحم محرم منه، فإن كان ابن عم وغيره وليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول تحكم( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز : الوارث وهو الصبي نفسه، أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه، وقال سفيان رحمه الله :**«الوارث هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما »**، ويرى مع ذلك إن كانت الوالدة هي الباقية أن يشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث. ونص هؤلاء الذين ذكرت أقوالهم على أن المراد بقوله تعالى : مثل ذلك  الرزق والكسوة، وذكر ذلك أيضاً من العلماء إبراهيم النخعي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود والشعبي والحسن وابن عباس وغيرهم وقال مالك رحمه الله في المدونة وجميع أصحابه والشعبي أيضاً والزهري والضحاك وجماعة من العلماء : المراد بقوله  مثل ذلك  أن لا يضار، وأما الرزق والكسوة فلا شيء عليه منه، وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ثم نسخ ذلك( [(١٥)](#foonote-١٥) ). 
قال القاضي أبو محمد : فالإجماع من الأمة في أن لا يضار الوارث، والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا ؟، وقرأ يحيى بن يعمر **«وعلى الورثة مثل ذلك »** بالجمع. 
**قوله عز وجل :**
 فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 
الضمير في  أرادا  للوالدين، و  فصالاً  معناه **«فطاماً »** عن الرضاع، ولا يقع التشاور ولا يجوز التراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولد، فإذا ظهر من حاله الاستغناء عن اللبن قبل تمام الحولين فلا جناح على الأبوين في فصله، هذا معنى الآية، وقاله مجاهد وقتادة وابن زيد سفيان وغيرهم، وقال ابن عباس :**«لا جناح مع التراضي في فصله قبل الحولين وبعدهما »**. 
قال القاضي أبو محمد : وتحرير القول في هذا أن فصله قبل الحولين لا يصح إلا بتراضيهما وأن لا يكون على المولود ضرر، وأما بعد تمامهما فمن دعا إلى الفصل فذلك له إلا أن يكون في ذلك على الصبي ضرر، وقوله تعالى : وإن أردتم أن تسترضعوا  مخاطبة لجميع الناس تجمع الآباء والأمهات، أي لهم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك، وأما قوله تعالى : إذا سلمتم  فمخاطبة للرجال خاصة، إلا على أحد التأويلين في قراءة من قرأ ****«أتيتم »****( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وقرأ الستة من السبعة **«آتيتم »** بالمد، المعنى أعطيتم، وقرأ ابن كثير ****«أتيتم »**** بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال زهير :\[ الطويل \]. 
وما كان من خير أتوه فإنما. . . توارثه آباء آبائهم قبلُ
قال أبو علي :**«المعنى إذا سلمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه( [(١٧)](#foonote-١٧) )، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه فكان التقدير ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة »**. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل اللفظ معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر. وعلى هذا الاحتمال. فيدخل في الخطاب ب  سلمتم  الرجال والنساء، وعلى التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره : فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع، قال أبو علي : ويحتمل أن تكون  ما  مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير، قال مجاهد :**«المعنى إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع »**( [(١٨)](#foonote-١٨) )، وقال سفيان :**«المعنى إذا سلمتم إلى المستعرضة وهي الظئر أجرها بالمعروف »**. وباقي الآية أمر بالتقوى وتوقيف على أن الله تعالى بصير بكل عمل، وفي هذا وعيد وتحذير، أي فهو مجاز بحسب عملكم.

١ - هذا تفصير للحكم الذي تضمنه قوله تعالى: \[والوالدات يرضعن أولادهن\].
٢ - أي لأن الغالب وقوع الخلاف بين المطلق والمطلقة في مدة الرضاع التي يلزم فيها أداء الأجرة..
٣ - يفسره ما بعده مما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسيأتي عند ابن عطية رحمه الله تقوية ما قاله جمهور المفسرين بعد ذكره ما انبنى عليه القول بالفتصيل، حيث قال: **«إلا أن ذلك حكم على الإنسان عموماً»**، أي سواء ولد لستة أشهر أو لسبعة أو لثمانية أو لتسعة، فالوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين.
 نعم يؤخذ من مجموع قوله تعالى: \[والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين\] وقوله: \[وحمله وفصاله ثلاثون شهرا\] أنّ أقل الحمل ستة أشهر. وهو أخذ قوي وسوي، والله أعلم..
٤ - وعلى هذا القول تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع، أي يأخذ أحدهما من الآخر. وهي من الآية (١٥) من سورة (الأحقاف)..
٥ - أي رفعا للمجاز، وبياناً أن هذا التحديد تحقيقي لا تقريبي، فإن عادة العرب جارية بإطلاق الحولين واليومين والشهرين على المعظم والأكثر، فإذا أُريد التحقيق وصف بصفة ترفع المجاز وتقرر الواقع، ومن هذا الاستعمال قوله تعالى: (فمن تعجّل في يومين) وإنما هو يوم وبعض يوم..
٦ - وكذا ما بعد الحولين إن قرُب واستمر الرضاع، أما ما بعد الحولين إن بعد فلا، إذ القريب من الشيء له حكمه، والبعيد منه له حكم آخر..
٧ - هو كذلك، وفي بعض النسخ: وهذا قول متداع..
٨ - أي بشرط المُضارّة، ومجيء الأمر على لفظ الخبر كثير، وقد قال الإمام ابن العربي في مثل هذا الموضوع: **«النفي يعود على وجوده مشروعاً لا إلى وجوده محسوساً، فإن المُضارّة قد تقع من بعض الناس، وخبر الله لا يجوز أن يتخلف، فالنفي راجع إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي كما في قوله تعالى: \[لا يمسّه إلا المطهّرون\] إذا ذهبنا إلى أنه وارد في الآدميين وهو الصحيح، لأن المعنى: لا يمسه أحد منهم شرعا، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع»**. وهذه قاعدة أبداها ابن العربي في قولهم: الخبر بمعنى الأمر، أو بمعنى النهي فاحفظها وحافظ عليها..
٩ - هذا الاحتمال والذي قبله يجريان في قراءة الرفع وقراءة الفتح كما أشار إلى ذلك رحمه الله..
١٠ - إذ المراد بالوالدة المرضعة كانت أما أو ظِئْراً. والظئْر: المرضعة لغير ولدها..
١١ - وكلها مدفوعة بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، وهو وإن رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ مرسلا فقد قال الإمام النووي: رويناه في سنن الدارقطني وغيره من طرق متصلة. فهو حديث حسن..
١٢ - الاختلاف – في تفسير الوارث – هو ما سبق من ذكر الوالدة والمولود له والولد فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. والظاهر في الوارث أنه وارث المولود له لعطفه عليه، ولأن المولود له وهو الأب هو المحدث عنه في جملة المعطوف عليه، والمعنى أنه إذا مات المولود له وجب على وارثه ما كان يجب عليه..
١٣ - يشير إلى أنه وإن لم يكن وارثا الآن فهو وارث باعتبار المآل، فإطلاق الوارث على وارث الصبي الحي مجاز. وفي هذا ما يدل على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعن جمهور السلف. وبه أخذ بعض أئمة المذاهب..
١٤ - إنما كان تحكما لمخالفته لنص القرآن، فالوارث – في الآية الكريمة- مطلق، والوارث عند أبي حنيفة ومن معه – مُقيّد – وهو حكم من دون بيان وجه ولا سبب..
١٥ - قال (ق): قال النحاس: **«هذا لفظ مالك، ولم يبين ما الناسخ لها، ولا عبد الرحمن ابن القاسم، ولا علمنا أن أحدا من أصحابهم بيّن ذلك. والذي يشبه أن يكون الناسخ لها عنده والله أعلم أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفي عنها زوجها من مال المتوفي نفقة حَوْلٍ والسكنى ثم نسخ ذلك ورفعه – نسخ ذلك أيضا عن الوارث، وقال ابن عطية: ثم نسخ ذلك بالإجماع من الأمة في ألا يضار الوارث»**. انتهى، وقد جعل الإمام ابن العربي رحمه الله النسخ بمعنى التخصيص، وذلك بحكم أن العطف يرجع إلى أقرب مذكور، وعليه فتكون الآية مخصوصة بحكم الإضرار. والرجوع إلى الأقرب شيء مجمع عليه، والخلاف فيما قبله من الرزق والكسوة، وكلام ابن عطية يحوم حول هذا المعنى، وما بحثه أبو (ح) رحمه الله لا يظهر. تأمل والله أعلم..
١٦ - قراءة (آتيتم) بالمدِّ على تأويل أبي علي الفارسي يكون الخطاب في قوله تعالى: \[إذا سلّمتم\] للرجال خاصة، وعلى تأويل قتادة الخطاب للرجال والنساء. وقراءة القصر إذا كانت (ما) بمعنى الذي فهي قراءة المد في التقدير والحذف، وإذا كانت مصدرية فلا تحتاج إلى التقدير والحذف..
١٧ - قوله: أتيتم نقده أي إذا كان الأجر نقداً، وقوله: أو إعطاءه أي إذا كان عوضا، وقوله: أو سَوْقه أي إذا كان حيوانا، والمعنى: إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه أو إتيانه نقداً أو عوضا أو حيوانا على حد قوله تعالى: \[وإذا قمتم إلى الصلاة\] أي إذا أردتم القيام لها..
١٨ - أي معنى الآية الشريفة إذا سلمتم إلى الأمهات أو إلى المسترضعات الأجر كما قال سفيان..

### الآية 2:234

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:234]

قوله عز وجل : وَالذَّيِنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجاً يَتَرَبَّصْنَ بأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً 
قال بعض نحاه الكوفيين : الخبر عن  الذين  متروك( [(١)](#foonote-١) ) والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن، ومذهب نحاة البصرة أن خبر  الذين  مترتب بالمعنى( [(٢)](#foonote-٢) )، وذلك أن الكلام إنما تقديره يتربص أزواجهم، وإن شئت قدرته. وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فجاءت العبارة في غاية الإيجاز، وإعرابها مترتب على هذا المعنى المالك لها المتقرر فيها، وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى : وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون، ولا أعرف هذا الذي حكاه لأن ذلك إنما يتجه إذا كان في الكلام لفظ أمر بعد. مثل قوله : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما  \[ المائدة : ٣٨ \]، وهذه الآية فيها معنى الأمر لا لفظة( [(٣)](#foonote-٣) ). فيحتاج مع هذا التقدير إلى تقدير آخر يستغنى عنه إذا حضر لفظ الأمر، وحسن مجيء الآية هكذا أنها توطئة لقوله : فلا جناح عليكم ، إذ القصد بالمخاطبة من أول الآية إلى آخرها الرجال الذين منهم الحكام والنظار، وعبارة المبرد والأخفش ما ذكرناه، وهذه الآية هي في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الحرائر غير الحوامل ولم تعن الآية لما يشذ من مرتابة ونحوها( [(٤)](#foonote-٤) )، وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله : وأولات الأحمال ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ الطلاق : ٤ \]، وعدة الحامل وضع حملها عند جمهور العلماء، وروي عن علي بن ابي طالب وابن عباس وغيرهما أن تمام عدتها آخر الأجلين( [(٦)](#foonote-٦) )، والتربص الصبر والتأني بالشخص في مكان أو حال، وقد بين تعالى ذلك بقوله : بأنفسهن ، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : متظاهرة أن التربص بإحداد وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه، والتزام المبيت مسكنها حيث كانت وقت وفاة الزوج. وهذا قول جمهور العلماء وهو قول مالك وأصحابه. وقال ابن عباس وأبو حنيفة فيما روت عنه وغيرهما : ليس المبيت بمراعى، تبيت حيث شاءت. وقال الحسن بن أبي الحسن :**«ليس الإحداد بشيء، إنما تتربص عن الزواج، ولها أن تتزين وتتطيب »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف( [(٧)](#foonote-٧) ). وقرأ جمهور الناس **«يُتوفون »** بضم الياء، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه **«يَتوفون »** بفتح الياء، وكذلك روى المفضل عن عاصم، ومعناه يستوفون آجالهم( [(٨)](#foonote-٨) )، وجعل الله الأربعة الأشهر والعشر عبادة في العدة فيها استبراء للحمل، إذ فيها تكمل الأربعون والأربعون والأربعون، حسب الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره( [(٩)](#foonote-٩) ) ثم ينفخ الروح، وجعل الله تعالى العشر تكملة إذ هي مظنة لظهور الحركة بالجنين وذلك لنقص الشهور أو كمالها ولسرعة حركة الجنين أو إبطائها، قاله سعيد بن المسيب وأبو العالية وغيرهما، وقال تعالى : عشراً ، ولم يقل عشرة تغليباً لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها، وعشر أخف في اللفظ( [(١٠)](#foonote-١٠) )، قال جمهور أهل العلم : ويدخل في ذلك اليوم العاشر وهو من العدة لأن الأيام مع الليالي، وحكى منذر بن سعيد - وروي أيضاً عن الأوزاعي - : أن اليوم العاشر ليس من العدة بل انقضت بتمام عشر ليالٍ، قال المهدوي :**«وقيل المعنى وعشر مدد كل مدة من يوم وليلة »**، وروي عن ابن عباس أنه قرأ **«أربعة أشهر وعشر ليال »**. 
**قوله عز وجل :**
 فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 
أضاف تعالى الأجل إليهنّ إذ هو محدود مضروب في أمرهن، والمخاطبة بقوله  فلا جناح عليكم  عامة لجميع الناس، والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء اللاصقين( [(١١)](#foonote-١١) ) والنساء المعتدات، وقوله عز وجل  فيما فعلن  يريد به التزوج فما دونه من التزين واطراح الإحداد. قال مجاهد وابن شهاب وغيرهما : أراد بما فعلن النكاح لمن أحببن إذا كان معروفاً غير منكر( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
قال القاضي أبو محمد : ووجوه المنكر في هذا كثيرة، وقال بعض المفسرين : بالمعروف  معناه بالإشهاد، وقوله تعالى : والله بما تعملون خبير  وعيد يتضمن التحذير، و  خبير  اسم فاعل من خبر إذا تقصى علم الشيء.

١ - أي غير موجود، لأن القصد الإخبار عن الأزواج لا عن الرجال الذين يتوفون..
٢ - مراده أن الخبر موجود بالمعنى لا باللفظ، والذي يصحح ذلك أحد أميرين – إما التقدير في أول الكلام – **«وأزواج الذين يتوفون»** – أو التقدير في آخره - **«فالزوجات يتربصن أو يتربص أزواجهن بعدهن»**..
٣ - فقوله تعالى: \[يتربّصن\] خبر معناه الأمر وحاصله أن ما حكاه المهدوي من الإعراب إنما هو فيما فيه لفظ الأمر لا فيما فيه معناه. وقوله تعالى (والسارق) من الآية (٣٨) من سورة (المائدة)..
٤ - يعني أن الآية لم تتعرض للمرتابة لندرتها وكثرة السلامة من الريبة..
٥ - من الآية (٤) من سورة (الطلاق)..
٦ - هو مسلك حسن، لما فيه من الجمع بين الدلائل، إلا أن السنة جاءت بخلاف ذلك..
٧ - لأنه خلاف السنة الصحيحة، ففي البخاري ومسلم عن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار). يعني لا تمس طيبا إلا نبذة. أي قطعة صغيرة من قسط وأظفار إذا طهرت من الحيض أو النفاس.
 وثوب العصب نوع من البرود الخشنة، والقسط والأظفار نوعان من البخور، وكان الحسن البصري – رحمه الله – تعلق بحديث أسماء بنت عُمَيس أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحد على جعفر بن أبي طالب –وهي زوجة- فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها أن تطهّري واكتحلي. وهو حديث شاذ كما قاله الإمام أحمد رحمه الله..
٨ - قراءة شاذة، وهي على حذف المفعول به، وحذفه كثير في القرآن..
٩ - فأربعون ثلاث مرات: هي أربعة أشهر كاملة – وحديث ابن مسعود في تكوين الجنين معروف ومشهور..
١٠ - يعني إنما أُنث لأن المراد: **«وعشر مدد»**، واليوم والليلة مدة معلومة من الزمان..
١١ - أي الأقربين..
١٢ - أي إذا كان يعرف شرعاً ولا ينكر، كاختيار الزوج، وتقدير الصداق، وما إلى ذلك مما يرجع إلى مصلحة نفسها، وأما العقد فلا تتولاه – بل هو للأولياء اللاصقين بها، وأما ما كان منكراً من القول أو الفعل كالتبرج والتَّشَوُّف إلى الرجال في العدة فللأولياء اعتراضه وإنكاره، ووجوه المنكر في هذا كثيرة كما قال ابن عطية رحمه الله..

### الآية 2:235

> ﻿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:235]

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( ٢٣٥ )
المخاطبة بهذه الآية لجميع الناس، والمباشر لحكمها هو الرجل في نفسه تزويج معتدة، والتعريض هو الكلام الذي لا تصريح فيه كأنه يعرض لفكر المتكلم به( [(١)](#foonote-١) )، وأجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وجوز ما عدا ذلك، ومن أعظمه( [(٢)](#foonote-٢) ) قرباً إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس :**«كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك »**( [(٣)](#foonote-٣) ). ومن المجوز قول الرجل : إنك لإلى خير، وإنك لمرغوب فيك، وإني لأرجو أن أتزوجك، وإن يقدر أمر يكن، هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب وكثير من أهل العلم في هذا، وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على جهة التعريض بالزواج، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مع أم سلمة( [(٤)](#foonote-٤) )، والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض، قاله سحنون وكثير من العلماء. 
قال القاضي أبو محمد : وقد كره مجاهد أن يقول لا تسبقيني بنفسك، ورآه من المواعدة سراً، وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس إنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه، وإلا فهو( [(٥)](#foonote-٥) ) خلاف لقوله صلى لله عليه وسلم، والخطبة بكسر الخاء فعل الخطاب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول، يقال خطبها يخطبها خطباً وخطبة ورجل خطّاب كثير التصرف في الخطبة، ومنه قول الشاعر( [(٦)](#foonote-٦) ) :\[ الرجز \]
برح بالعينين خطّاب الكثبْ. . . يقول إني خاطب وقد كذبْ
وإنما يخطب عساً من حلبْ. . . والخطبة **«فِعلة »** كجلسة **«وقِعدة »**، والخُطبة بضم الخاء هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره،  أو أكننتم  معناه سترتم وأخفيتم، تقول العرب : كننت الشيء من( [(٧)](#foonote-٧) ) الأجرام، إذا سترته في بيت أو ثوب أو أرض ونحوه، وأكننت الأمر في نفسي، ولم يسمع من العرب كننته في نفسي، وتقول أكن البيت الإنسان ونحو هذا، فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان( [(٨)](#foonote-٨) )، ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد، فرخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحانها وضعف البشر عن ملكها، وقوله تعالى  ستذكرونهن ، قال الحسن : معناه ستخطبونهن. 
قال القاضي أبو محمد : كأنه( [(٩)](#foonote-٩) ) قال إن لم تنهوا، وقال غير الحسن : معناه علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدات في نفوسكم وبألسنتكم لمن يخف عندكم فنهى عن أن يوصل إلى التواعد معها لما في ذلك من هتك حرمة العدة، وقوله تعالى : ولكن لا تواعدوهن سراً  ذهب ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم إلى أن المعنى لا توافقوهن بالمواعدة والتوثق وأخذ العهود في استسرار منكم وخفية، ف  سراً  على هذا التأويل نصب على الحال أي مستسرين. 
وقال جابر بن زيد وأبو مجلز( [(١٠)](#foonote-١٠) ) لاحق بن حميد والحسن بن أبي الحسن والضحاك وإبراهيم النخعي : السر في هذه الآية الزنا أي لا تواعدوهن زنى. 
قال القاضي أبو محمد : هكذا جاءت عبارة هؤلاء في تفسير السر وفي ذلك عندي نظر، وذلك أن السر في اللغة يقع على الوطء حلاله وحرامه، لكن معنى الكلام وقرينته ترد إلى أحد الوجهين، فمن الشواهد قول الحطيئة :\[ الوافر \]
وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارتِهِمْ عَلَيْهِمْ. . . وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ القِصَاعِ( [(١١)](#foonote-١١) )
فقرينة هذا البيت تعطي أن السر أراد به الوطء حراماً، وإلا فلو تزوجت الجارة كما يحسن لم يكن في ذلك عار، ومن الشواهد قول الآخر :\[ الطويل \]
أَخَالَتَنَا سِرُّ النّساءِ مُحَرَّمٌ. . . عليَّ، وَتَشْهَادُ النَّدامى مَعَ الْخَمْرِ
لئن لم أصبّحْ داهناً ولفيفَها. . . وناعبَها يوماً براغيةِ البكْرِ( [(١٢)](#foonote-١٢) )
فقرينة هذا الشعر تعطي أنه أراد تحريم جماع النساء عموماً في حرام وحلال حتى ينال ثأره، والآية تعطي النهي عن أن يواعد الرجل المعتدة أن يطأها بعد العدة بوجه التزويج، وأما المواعدة في الزنى فمحرم على المسلم مع معتدة وغيرها، وحكى مكي عن ابن جبير أنه قال :**«سراً : نكاحاً »**، وهذه عبارة مخلصة، وقال ابن زيد :**«معنى قوله  ولكن لا تواعدوهن سراً  أي لا تنكحوهن وتكتمون ذلك فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن »**. 
قال القاضي أبو محمد : فابن زيد في معنى السر مع القول الأول أي خفية، وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة، وذلك قلق لأن العقد متى وقع وإن تكتم به فإنما هو في عزم العقدة( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وحكى مكي عنه أنه قال :«الآية منسوخة بقوله : ولا تعزموا عقدة النكاح  وأجمعت الأمة على كراهية المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته، قال ابن المواز : فأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه، وإن نزل لم أفسخه، وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها : فراقها أحب إليّ دَخَلَ بها أو لم يدخل وتكون تطليقة واحدة، فإذا حلت خطبها مع الخطاب، هذه رواية ابن وهب، وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما إيجاباً( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وقاله ابن القاسم، وحكى ابن حارث مثله عن ابن الماجشون، وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد، وقوله تعالى : إلا أن تقولوا قولاً معروفاً  استثناء، منقطع، والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض، وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول الرجل للمعتدة احبسي عليَّ نفسك فإن لي بك رغبة، فتقول هي وأنا مثل ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه عندي مواعدة، وإنما التعريض قول الرجل : إنكم لأكفاء كرام، وما قدر كان، وإنك لمعجبة، ونحو هذا. 
**قوله عز وجل :**
 وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ 
عزم العقدة عقدها بالإشهاد والولي، وحينئذ تسمى  عقدة ( [(١٥)](#foonote-١٥) )، وقوله تعالى  حتى يبلغ الكتاب أجله  يريد تمام العدة، و  الكتاب  هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة، سماه كتاباً إذ قد حده وفرضه كتاب الله، كما قال : كتاب الله عليكم ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) \[ النساء : ٢٤ \]، وكما قال : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ( [(١٧)](#foonote-١٧) ) \[ النساء : ١٠٣ \]، ولا يحتاج عندي في الكلام إلى حذف مضاف، وقد قدر إسحاق في ذلك حذف مضاف أي فرض الكتاب، وهذا( [(١٨)](#foonote-١٨) ) على أن جعل الكتاب القرآن، واختلف أهل العلم إن خالف أحد هذا النهي وعزم العقدة قبل بلوغ الأجل. 
قال القاضي أبو محمد : وأنا أفصل المسألة إن شاء الله تعالى( [(١٩)](#foonote-١٩) )، أما إن عقد العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه وذلك قبل الدخول : فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء إن ذلك لا يؤبد تحريماً، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه ضرب أجل امرأة المفقود، وقال الجميع : يكون خاطباً من الخطّاب، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد في العدة وإن فسخ قبل الدخول، وأما إن عقد في العدة ودخل بعد انقضائها فقال قوم من أهل العلم : ذلك كالدخول في العدة يتأبد التحريم بينهما، وقال قوم من أهل العلم : لا يتأبد بذلك تحريم، وقال مالك مرة : يتأبد التحريم، وقال مرة : وما التحريم بذلك بالبين، والقولان له في المدونة في طلاق السنة، وأما إن دخل في العدة فقول عمر بن الخطاب ومالك وجماعة من أصحابه والأوزاعي والليث وغيرهم من أهل العلم : إن التحريم يتأبد( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وإبراهيم وأبي حنيفة والشافعي وجماعة من العلماء وعبد العزيز بن أبي سلمة : إن التحريم لا يتأبد( [(٢١)](#foonote-٢١) ) وإن وطىء في العدة، بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ثم يكون خاطباً من الخطاب، قال أبو حنيفة والشافعي : تعتد من الأول فإذا انقضت العدة فلا بأس أن يتزوجها الآخر، وحكى ابن الجلاب رواية في المذهب أن التحريم لا يتأبد مع الدخول في العدة، ذكرها في العالم بالتحريم المجترىء لأنه زان، وأما الجاهل فلا أعرف فيها خلافاً في المذهب. 
حدثني أبو علي الحسين بن محمد الغساني مناولة( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، قال ن أبو عمر بن عبد البر( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، ن عبد الوارث بن سفيان( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، ن قاسم بن أصبغ( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )، عن محمد بن إسماعيل( [(٢٦)](#foonote-٢٦) )، عن نعيم بن حماد( [(٢٧)](#foonote-٢٧) )، عن ابن المبارك( [(٢٨)](#foonote-٢٨) )، عن أشعث( [(٢٩)](#foonote-٢٩) )، عن الشعبي( [(٣٠)](#foonote-٣٠) )، عن مسروق( [(٣١)](#foonote-٣١) )، قال : بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها، فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما، وقال :**«لا تنكحها أبداً »**. وجعل صداقها في بيت المال، وفشا ذلك في الناس، فبلغ علياً فقال :**«يرحم الله أمير المؤمنين، ما بال الصداق وبيت المال ؟ إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة »**، قيل : فما تقول أنت فيها ؟. قال : لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولا حد عليهما، وتكمل عدتها من الأول، ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء، ثم يخطبها إن شاء **«فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فخطب الناس فقال :»** يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة «، وهذا قول الشافعي والليث في العدة من اثنين( [(٣٢)](#foonote-٣٢) )، وقال مالك وأصحاب الرأي والأوزاعي والثوري : عدة واحدة تكفيهما جميعاً سواء كانت بالحمل أو بالإقراء أو بالأشهر، وروى المدنيون عن مالك مثل قول علي بن أبي طالب والشافعي في إكمال العدتين، واختلف قول مالك رحمه الله في الذي يدخل في العدة عالماً بالتحريم مجترماً، فمرة قال : العلم والجاهل فيه سواء( [(٣٣)](#foonote-٣٣) ) لا حد عليه، والصداق له لازم، والولد لاحق، ويعاقبان ولا يتناحكان أبداً، ومرة قال : العالم بالتحريم كالزاني( [(٣٤)](#foonote-٣٤) ) يحد، ولا يلحق به الولد، وينكحها بعد الاستبراء، والقول الأول أشهر عن مالك رحمه الله. 
وقوله تعالى  واعلموا  إلى آخر الآية : تحذير من الوقوع فيما نهى عنه، وتوقيف على غفره وحلمه في هذه الأحكام التي بيَّنَ ووسَّعَ فيها من إباحة التعريض ونحوه( [(٣٥)](#foonote-٣٥) ).

١ - وفي بعض النسخ: **«المكلم به»** وفي الحديث الشريف: (إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب)..
٢ - أي التعريض..
٣ - ثم قال لها صلى الله عليه وسلم: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكثوم فإنه رجل أعمى، فإذا حللت فآذنيني). وحديث فاطمة بنت قيس رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي..
٤ - روى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة – وهي متأيمة من أبي سلمة- فقال: (لقد علمت أني رسول الله وخيرته، وموضعي في قومي). وكانت تلك خطبة، وروى أبو يعلى –في مسنده- عن أنس رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا سلمة الوفاة قالت أم سلمة: إلى من تكلني ؟ فقال: اللهم إنك لأم سلمة خير من أبي سلمة فلما خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كبيرة السن، فقال: (أنا أكبر منك سنا). وسند هذا الحديث جيد، والله أعلم..
٥ - أي قول مجاهد، وذلك أنه خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: (لا تسبقيني بنفسك). اللهم إلا إذا تأولنا ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن ينظر لها من يتزوجها..
٦ - أي الراجز: والكثبة: ما قلّ من طعام أو لبن أو غير ذلك، قال ابن الأعرابي: **«يقال للرجل – إذا جاء يطلب القِرى بعلة الخِطبة: إنه ليخطب كُثبة»** وهي بضم فتح. والعَسُّ: القدح الكبير..
٧ - بيان للشيء، والأجرام: جمع جِرْم بكسر الجيم..
٨ - هو إضمار تزوجها في نفسه من دون تصريح ولا تعريض. فالإكنان: الإضمار في النفس، والكَنُّ: صون الشيء ومنه قوله تعالى: \[كأنهن بيض مكنون\]..
٩ - وفي بعض النسخ: قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأنه قال: إن لم تنهوا..
١٠ - أبو مجلز: لاحق بن حميد السدوسي البصري، ثقة، وكان أعور، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز..
١١ - السِّر هنا: الزنى – لأنه يسوقه في مقام التحريم، كما قال ابن عطية – فهم يراعون حرمة المجاهرة في هذا المجال – وكذلك يقدمون لجارهم أطيب الطعام – لأن المراد بأنف القصاع أول ما يؤكل منها لأن أنف كل شيء أوله، فالضيف يأكل أولا، ثم ما بقي يقدم لغيره.
 ومثل هذا البيت في مجي (السِّر) بمعنى الزنى قول الأعشى:
 ولا تقربَنَّ جارةً إنَّ سِرَّهــا عَلَيْك حَرامٌ فانْكِحْنَ أو تأبَّــدا
 فالنكاح في زاوج شرعي ليس حراماً..
١٢ - البيتان للشاعر: مرضاوي بن سعوة المهري. وقد قال قصيدة منها هذان البيتان يخاطب عجوزاً من قومه هي التي يقول لها: أخالتنا – القصة أنه حدثت عداوة وخصومة بين ثلاثة بطون من قضاعة هي: (داهن – وناعب – ورئام) – فقد انضمت (داهن وناعب) معاً ضد (رئام)، والشاعر حين يخاطب خالته العجوز يقول لها ما معناه: إن النساء علي حرام في زواج شرعي، وفي كل لقاء غير شرعي، وكذلك يحرُم عليّ مسامرة الندامى، وشهود مجالس الخمر معهم حتى أصبح بطني (داهن وناعب) ومن لفَّ لفهما براغية البكر، أي بالعنف والشؤم والشدة حتى انتقم لبطن (رئام) – والبكر بفتح الباء هو الفتي من الإبل فالمراد بكلمة (سر النساء) هنا هو الجماع في حلال أو حرام. وأقوله: (أُصبِّح) أي أُداهمهم في الصباح، وكانت عادة العرب أن يغيروا على أعدائهم في الصباح. وجعلت راغية البكر دليلا على الشؤم والشدة لأن رغاء ناقة صالح كان نذيراً لهم بالفناء والهلاك..
١٣ - أي في معنى قوله تعالى: \[ولا تعزموا عقدة النكاح\] ومن ثم حكى مكي رحمه الله عنه أنه قال: الآية منسوخة بقوله تعالى: \[ولا تعزموا عقدة النكاح\]..
١٤ - لأن النهي يقتضي الفساد فهو للتحريم، ووجوب الفراق أصح نظرا من الاستحباب..
١٥ - أي لا تعقدوا النكاح حتى تنقضي العدة، ولا يراد به النهي عن العزم على النكاح بعد العدة لأن ذلك مباح بقوله تعالى: \[أو أكننتم في أنفسكم\]..
١٦ - من الآية (٢٤) من سورة (النساء)..
١٧ - من الآية (١٠٣) من سورة (النساء)..
١٨ - أي حذف المضاف بناءً على أن المراد بالكتاب القرآن، وأما إذا أُريد به الفرض والحد الذي رسمه القرآن فلا يحتاج إلى حذف. وأبو إسحاق هو الزجاج..
١٩ - خلاصة ما فصله أنه إن عقد في العدة وفسخه الحاكم قبل الدخول فالجمهور أن ذلك لا يؤبد تحريما، والعاقد يكون واحداً من الخطاب فيما بعد، وإن عقد فيها ودخل بعدها فقولان: بالتأبيد وعدمه. وإن عقد ودخل فيها فرأيان كذلك بالتأبيد وعدمه، والمشهور عند مالك – رحمه الله – في الصورة الثانية والثالثة التأبيد.
 قال أبو (ح): **«وانتصاب (عقدة) على المفعول به لتضمين (تعْزموا) معنى ما يتعدى بنفسه. فَضُمِّن معنى: تَنْوُوا، وقيل: انتصب (عقدة) على المصدر، ومعنى (تعزموا): تعقدوا – وقيل: انتصب على إسقاط حرف الجر، أي: ولا تعزموا على عقدة النكاح – حكى سيبويه أن العرب تقول: ضرب زيد الظهر والبطن- أي على الظهر والبطن، وقال الشاعر: 
 ولقد أبيتُ على الطَّوى وأظَلُّـــه حتى أنال به كريم المــأكـلِ
 أي: وأظَلُّ عليه: فحذف (على) ووصل الفعل إلى الضمير فنصبه، وأصل الفعل أن يتعدى بِعَلَى قال الشاعر:
 عَزَمْتُ على إقامةِ ذِي صَبَـــاح لأمـر ما يُسَوَّد مَنْ يَسُـــودُ»**.
 ولعل في هذا البيت دليلا على أن عزم تتعدى بنفسها كما تتعدى بحرف الجر، وقد سبق الحديث في هذا عند تفسير قوله تعالى: \[وإن عزموا الطلاق\]، وفي ذلك رد على أكثر المحدثين الذين نصُّوا على أن عزم تتعدى بنفسها ومن الخطأ أن تتعدى بعلى- ولعلّ أول من نصَّ على ذلك هو ابن السكيت في كتابه العظيم "إصلاح المنطق"..
٢٠ - والحجة في ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا يجتمعان أبداً، ففي الموطأ روى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن سليمان بن يسار، أن طليحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها، فضربها عمر رضي الله عنه وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما، ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: **«أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب، وإن دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدّتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدا»**. قال سعيد: **«ولها مهرها بما استحل من فرجها»** انتهى. وقد أنكر الحافظ ابن عبد البر أن تكون طليحة أسدية، قال: وإنما هي أخت طلحة بن عبد الله التيمي، قال الحافظ بن كثير: قال البيهقي: **«ذهب الشافعي رحمه الله إلى ما ذهب إليه مالك، ثم رجع عنه لقول علي: إنها تحل له»**، قال: ثم إن الأثر منقطع..
٢١ - وحجتهم إجماع العلماء على أنه لو زنى بالمعتدة لم يحرم عليه تزويجها فكذلك وطؤه إياها في العدة – وأن عمر رضي الله عنه رجع في ذلك وجعلهما يجتمعان، وذلك ما أسنده ابن عطية رحمه الله من طريق أبي عمر بن عبد البر- وفي اتفاق عمر وعلي رضي الله عنهما على نفي الحد عن المتعاقدين ما يدل على أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد إلا أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه، ومع العلم به مختلف فيه، والله أعلم..
٢٢ - هو الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي الغساني القرطبي، إمام عصره في الحديث، له معرفة برجاله وصحيحه وسقيمه، ورحل إليه الناس من كل قطر ومكان، أخذ عن أبي عمر بن عبد البر، وأبي عبد الله بن عات، وأبي الوليد الباجي، وغيرهم، ولم تكن له رحلة، سمع عنه جماعة من أهل الأندلس وغيرهم، وحدث عنه القاضي عياض إجازة، توفي سنة ٤٢٩ هجرية..
٢٣ - أبو عمر هو يوسف بن عبد البر، بن عبد الله، بن محمد النمري – شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، وأحفظ من كان فيها، وكان القاضي أبو الوليد الباجي يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث، ويقول: أبو عمر أحفظ أهل المغرب، وألف تآليف مفيدة منها: "التمهيد، لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، وهو كتاب لا يأتي الزمان بمثله، وقلما يسمح بظروف بعثه، وكتاب: "الاستذكار، بمذاهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار" وكتاب: "الاستيعاب، في أسماء الأصحاب"، وغير ذلك، توفي رحمه الله بشاطبة سنة ٣٦٣هـ، وقد توفي هو والخطيب البغدادي الحافظ في سنة واحدة، وكان الخطيب حافظ المشرق، وأبو عمر حافظ المغرب، رحمهما الله ونفع بعلومهما وآثارهما..
٢٤ - هو عبد الوارث بن سفيان: أبو القاسم القرطبي الحافظ، ويعرف بالحبيب أكثر عن القاسم بن أصبغ، وكان من أوثق الناس فيه، وحمل عنه أبو عمر بن عبد البر الكثير توفي سنة ٣٩٥هـ..
٢٥ - هو ابن أصبغ، بن محمد، بن يوسف، أبو محمد القرطبي سمع من شيوخ الأندلس ورحل إلى المشرق فأدرك الناس متوافرين فسمع بمكة من محمد بن إسماعيل الصائغ، وعلي بن عبد العزيز، وبالعراق من القاضي إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، وبمصر من محمد بن عبد الله العمري، وروح بن الفرج المالكي، ورجع إلى الأندلس بعلم كثير، وسكن قرطبة فكان قدره عظيما، وسمع منه أمير المؤمنين الناصر لدين الله وعبد الرحمن ابن محمد، وولي عهده، وطال عمره فلحق الأصاغر فيه الأكابر وشارك الآباء فيه الأبناء، وهو من أئمة المالكية، وألف مؤلفات في علم الحديث، وفي أحكام القرآن توفي سنة ٣٤٠هـ..
٢٦ - محمد بن إسماعيل هو: ابن يوسف أبو يوسف الترمذي الحافظ الثقة المتوفي سنة ٢٨٠هـ. سمع منه قاسم بالعراق، وهو أنسب بهذا السند من محدث مكة محمد بن إسماعيل الصائغ الذي كان قد سمع منه قاسم أيضا..
٢٧ - نعيم بن حماد هو: أبو عبد الله الخزاعي المروزي أحد علماء الأثر، سمع ابن المبارك وأبا حمزة السكري وطبقتهما، وصنف التصانيف العديدة، وله غلطات ومناكير مغمورة في كثرة ما روى. وامتحن بخلق القرآن فلم يجب، فحبس وقُيِّد ومات في الحبس رحمه الله سنة ٢٢٩هـ قاله الذهبي في: **«العبر في خير من غبر»**..
٢٨ - ابن المبارك هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام، وشيوخ الإسلام، قال ابن عُيَيْنَة: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما توفي سنة ١٨١هـ، وله ترجمة كبيرة في الحلية..
٢٩ - أشعت هو: ابن سوار الكوفي، قال الذهبي في "الميزان": قال ابن عدي: لم أجد لأشعت حديثا منكراً، إنما يغلط في الأحاديث في الأسانيد ويخالف. قال الفلاص: توفي سنة ١٣٦هـ، وفي "العبر" أنه توفي سنة ١٤٦هـ..
٣٠ - الشعبي هو: عامر بن شراحيل الحميري، أبو عمرو الكوفي، الإمام العلَم، أدرك خمسمائة من الصحابة، قال ابن عُيَيْنَة: كان الناس يقولون: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه. وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح توفي سنة ١٠٣هـ..
٣١ - مسروق هو: ابن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي الإمام القدوة، قال ابن معين: لا يسأل عن مثله، توفي سنة ٣٦هـ.
 وإنما شرحنا هذا السند العشاري لنعرف قيمة الأثر في هذا الموضع الذي وضعه ابن عطية رحمه الله..
٣٢ - هذه المسألة تعرف بمسألة العِدّتين – وهي مشهورة في مذهب الشافعية، وأما المالكية فالمشهور عندهم أن عدة واحدة كافية..
٣٣ - سبق للمؤلف قوله: إنه لا خلاف في المذهب بالنسبة إلى الجاهل، وإنما الخلاف بالتأبيد وعدمه في العالم بالتحريم..
٣٤ - أي والزاني لا يحرم عليه نكاح المزني بها، وهذا القول له حظّ من النظر، وفيه إنقاذ من الخطر، والله أعلم..
٣٥ - يعني أنه سبحانه غفور لذنوب عباده، وذو أناةٍ، لا يعجل بالعقوبة على الذنب..

### الآية 2:236

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [2:236]

لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( ٢٣٦ ) ( [(١)](#foonote-١) )
هذا ابتداء إخبار برفع الجناح عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهراً أو لم يفرض، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق( [(٢)](#foonote-٢) ) وقضاء الشهوة وأمر بالتزوج طلباً للعصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن. وقال قوم : لا جناح عليكم  معناه لا طلب بجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها والمتعة لمن لم يفرض لها، وقال قوم : لا جناح عليكم  معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت حيض بخلاف المدخول بها، وقال مكي :**«المعنى لا جناح عليكم في الطلاق قبل البناء لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصداً للذوق، وذلك مأمون قبل المسيس »**، والخطاب بالآية لجميع الناس، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر **«تمسوهن »** بغير ألف، وقرأ الكسائي وحمزة **«تُماسوهن »** بألف وضم التاء، وهذه القراءة الأخيرة تعطي المس من الزوجين، والقراءة الأولى تقتضي ذلك بالمعنى المفهوم من المس( [(٣)](#foonote-٣) )، ورجحها أبو علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن : نكح وسفد وقرع وذقط وضرب الفحل، والقراءتان( [(٤)](#foonote-٤) ) حسنتان، و  تفرضوا  عطف على **«تمسوا »**، وفرض المهر إثباته وتحديده، وهذه الآية تعطي جواز العقد على التفويض لأنه نكاح مقرر في الآية مبين حكم الطلاق فيه، قاله مالك في المدونة، والفريضة الصداق، وقوله تعالى : ومتعوهن  معناه أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهن، وحمله ابن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب، وحمله أبو عبيدة ومالك بن أنس وأصحابه وشريح وغيرهم على الندب، ثم اختلفوا في الضمير المتصل ب **«متعوا »** من المراد به من النساء ؟، فقال ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في غيرها( [(٥)](#foonote-٥) )، وقال مالك وأصحابه : المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها، فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال أبو ثور : لها المتعة ولكل مطلقة، وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة( [(٧)](#foonote-٧) )، فقال الزهري : يقضي لها بها القاضي، وقال جمهور الناس : لا يقضي بها، قاله شريح، ويقال للزوج : إن كنت من المتقين والمحسنين فمتع ولم يقض عليه. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا( [(٨)](#foonote-٨) ) مع إطلاق لفظ الوجوب عند بعضهم، وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان : المتعة بإزاء غم الطلاق ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة( [(٩)](#foonote-٩) )، وقال الترمذي وعطاء والنخعي : للمختلعة متعة، وقال أصحاب الرأي : للملاعنة متعة، قال ابن القاسم : ولا متعة في نكاح مفسوخ( [(١٠)](#foonote-١٠) )، قال ابن المواز : ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد الزوجين صاحبه، وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار، فهذه لا متعة لها، وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذاك كله فلها المتعة، لأن الزوج سبب الفراق، وعليها هي غضاضة في أن لا تختار نفسها. 
واختلف الناس في مقدار المتعة، فقال ابن عمر :**«أدنى ما يجزىء في المتعة ثلاثون درهماً أو شبهها »**، وروي أن ابن محيريز( [(١١)](#foonote-١١) ) كان يقضي على صاحب الديوان بثلاثة دنانير( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقال ابن عباس :**«أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة »**، وقال عطاء :**«من أوسط ذلك درع وخمار وملحفة »**، وقال الحسن :**«يمتع كل على قدره : هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب وهذا بنفقة »**، وكذلك يقول مالك بن أنس( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفاً وزقاق من عسل، ومتع شريح بخمسمائة درهم، وقالت أم حميد بن عبد الرحمن بن عوف :**«كأني انظر إلى خادم سوداء متع بها عبد الرحمن بن عوف زوجه أم أبي سلمة »**، وقال أصحاب الرأي وغيرهم : متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وقوله تعالى  على الموسع قدره وعلى المقتر قدره  دليل على رفض التحديد، وقرأ الجمهور **«على الموْسِع »** بسكون الواو وكسر السين بمعنى الذي أوسع أي اتسعت حاله، وقرأ أبو حيوة :**«الموسَّع »** بفتح الواو وشد السين وفتحها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر **«قدْره »** بسكون الدال في الموضعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص **«قدَره »** بفتح الدال فيهما، قال أبو الحسن الأخفش وغيره : هما بمعنى لغتان فصيحتان، وكذلك حتى أبو زيد، تقول : خذ قدر كذا وقدر كذا بمعنى، ويقرأ في كتاب الله  فسالت أودية بقدرها ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ الرعد : ١٧ \] وقدرها، وقال : وما قدروا الله حق قدره ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) \[ الأنعام : ٩١ \]، ولو حركت الدال لكان جائزاً، و  المقتر  : المقل القليل المال، و  متاعاً  نصب على المصدر وقوله تعالى  بالمعروف  أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين، فهو تأكيد لمعنى قوله  على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، ثم أكد تعالى الندب بقوله  حقاً على المحسنين  أي في هذه النازلة من التمتيع هم محسنون، ومن قال بأن المتعة واجبة( [(١٧)](#foonote-١٧) ) قال : هذا تأكيد الوجوب، أي على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لست بمحسن على هذا التأويل، و  حقاً  صفة لقوله  متاعاً ، أو نصب على المصدر وذلك أدخل في التأكيد للأمر( [(١٨)](#foonote-١٨) ).

١ - الظاهر أن (أو) بمعنى (الواو) – أي: ما لم تمسّوهن ولا تفرضوا لهن، ووضع (أو) موضع (الواو (كثير في القرآن كقوله تعالى: \[ولا تطع منهم آثما أو كفورا\] أي: وكفورا، وكقوله تعالى: \[وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياناً أو هم قائلون\] أي: وهم قائلون، ويدل على هذا أنه تعالى عطف المفروض لها بقوله: \[وإن طلّقتموهن من قبل أن تمِسّوهن وقد فرضتم لهنّ فريضة\] الآية، فلو كانت آية: \[لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء\] لبيان طلاق المفروض لها قبل المس لما كرره.
 والحاصل أن المطلقة بعد الدخول والفرض لها المفروض كاملا – والمطلقة قبل الدخول مع الفرض لها نصف المفروض، والمطلقة قبل الدخول والفرض لها المتعة لأنها لا شيء لها، وذلك لجبر خاطرها وتطييب نفسها، وهذا التفصيل له حظ من النظر الصحيح، والله أعلم..
٢ - جاء ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات)، رواه ابن جرير بسنده عن شهر بن حوشب الشامي، وروى الطبراني عن أبي موسى مرفوعاً: (لا أحب الذواقين من الرجال ولا الذواقات من النساء)، وروى الديلمي عن أبي هريرة: (تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات)..
٣ - يقال: مَسَّ امرأته وماسَّها كما يقال: لمَسها ولامسها، إلا أن ماسَّ يدل على وقوع المَس من الجانبين بمادته وصيغته، ومسَّ يدل على ذلك بمضمونه ومفهومه..
٤ - يعني أنه لا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، وهما متفقتان في الحكم والمفهوم والقراءة بكل منهما..
٥ - أي غير المطلقة قبل البناء والفرض..
٦ - لقوله تعالى: \[وإن طلّقتموهن من قبل أن تمسّوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم\]..
٧ - لقوله تعالى: \[لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسّوهن أو تفرضوا لهنّ فريضة ومتِّعوهنّ على الموسع قدره وعلى المُقْتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين\]. واختلف أيحكم بالمتعة أم لا ؟ وسبب ذلك الاختلاف في فهم الأمر في الآية أهو للإيجاب أم للندب ؟ ويروى عن الشعبي أنه سئل عن المتعة: أيحبس فيها ؟ فقرأ: \[على الموسع قدره وعلى المقتر قدره\] قال: والله ما رأيت أحدا حُبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة، ويدل على ذلك قوله تعالى: \[حقا على المحسنين\] \[حقا على المتقين\] إذ لو كانت واجبة لوقع الحكم بها على غير المتقين، وأكثر الناس لا يتقون..
٨ - يعني أن هذا الإجماع وقع مع إطلاق بعضهم لفظ الوجوب في كل مطلقة، وأما مالك رحمه الله فقد ربط المتعة بإزاء غم الطلاق، ولذلك استثنى المرأة التي تتسبب في الطلاق..
٩ - أي لا قبل البناء ولا بعده لأنها هي التي اختارت الطلاق..
١٠ - أي لقوله تعالى: \[وللمطلقات متاع بالمعروف\] ولقوله تعالى: \[ومتّعوهن\] بعد ذكر الطلاق، وعليه فالمتعة في الطلاق لا في الفسخ..
١١ - هو عبد الله بن محيريز أبو محيريز المسكي التابعي المتوفى كما قيل في خلافة عمر ابن عبد العزيز..
١٢ - هو من سجل اسمه فيه ليأخذ عطاءه سواء أكان من الجيش أم من غيره..
١٣ - هذا أعدل الأقوال لقوله تعالى: \[على الموسِع قدره وعلى المقْتِر قدره\]، ولكل زمن مستواه المادي وكذلك لكل مجتمع..
١٤ - يمنع هذا قوله تعالى: \[على الموسع قدره وعلى المقتر قدره\] فإن هذا النص يرفض التحديد، والله أعلم..
١٥ - من الآية (١٧) من سورة (الرعد)..
١٦ - من الآية (٦٧) من سورة (الزمر)..
١٧ - رجح الإيجاب الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله، وقد اعترضه القاضي أبو محمد رحمه الله عند قوله تعالى: \[وللمطلّقات متاع بالمعروف حقّا على المتّقين\] انظره..
١٨ - أي متاعاً ثابتاً على المحسنين، أو: حقّ عليهم حقا على أنه مصدر منصوب..

### الآية 2:237

> ﻿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:237]

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٢٣٧ )
اختلف الناس في هذه الآية، فقالت فرقة فيها مالك وغيره : إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتيع، إذ يتناولها قوله تعالى : ومتعوهنَّ ، وقال ابن المسيب : نسخت هذه الآية التي في الأحزاب، لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها( [(١)](#foonote-١) ). وقال قتادة : نسخت هذه الآية الآية التي قبلها( [(٢)](#foonote-٢) ). وقال ابن القاسم في المدونة : كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى  وللمطلقات متاع بالمعروف  \[ البقرة : ٢٤١ \] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة الأحزاب، الآية : ٤٩ فاستثنى الله المفروض لها قبل الدخول بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط، وزعم زيد بن أسلم أنها منسوخة بهذه الآية، حكى ذلك في المدونة عن زيد بن أسلم زعماً. وقال ابن القاسم : إنه استثناء، والتحرير برد ذلك إلى النسخ الذي قال زيد، لأن ابن القاسم قال : إن قوله تعالى  وللمطلقات متاع  \[ البقرة : ٢٤١ \] عم الجميع، ثم استثنى الله منه هذه التي فرض لها قبل المسيس، وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور : المتعة لكل مطلقة عموماً، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض، ولم يعن بالآية لإسقاط متعتها بل لها المتعة ونصف المفروض، وقرأ الجمهور **«فنصفُ »** بالرفع، والمعنى فالواجب نصف ما فرضتم، وقرأت فرقة **«فنصفَ »** بنصب الفاء، المعنى فادفعوا نصف، وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت **«فنُصف »** بضم النون في جميع القرآن، وهي لغة، وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وقوله تعالى : إلا أن يعفون  استثناء منقطع لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن( [(٣)](#foonote-٣) )، و  يعفون  معناه يتركن ويصفحن، وزنه يفعلن( [(٤)](#foonote-٤) )، والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج، والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها. وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين : ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها( [(٥)](#foonote-٥) )، وحكاه سحنون في المدونة عن غير ابن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز، وأما التي في حجر أب وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولاً واحداً( [(٦)](#foonote-٦) ) فيما أحفظ. 
واختلف الناس في المراد بقوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح  فقال ابن عباس وعلقمة وطاوس ومجاهد وشريح والحسن وإبراهيم والشعبي وأبو صالح وعكرمة والزهري ومالك وغيرهم : هو الولي الذي المرأة في حجره، فهو الأب في ابنته التي لم تملك أمرها، والسيد في أمته، وأما شريح فإنه جوز عفو الأخ عن نصف المهر، وقال وأنا أعفو عن مهور بني مرة وإن كرهن، وكذلك قال عكرمة : يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما، كان عماً أو أخاً أو أباً وإن كرهت( [(٧)](#foonote-٧) )، وقالت فرقة من العلماء : الذي بيده عقدة النكاح الزوج، قاله علي بن أبي طالب وقاله ابن عباس أيضاً، وشريح أيضاً رجع إليه، وقاله سعيد ابن جبير وكثير من فقهاء الأمصار، فعلى القول الأول : الندب لهما هو في النصف الذي يجب للمرأة فإما أن تعفو هي وإما أن يعفو وليها، وعلى القول الثاني : فالندب في الجهتين إما أن تعفو هي عن نصفها فلا تأخذ من الزوج شيئاً، وإما أن يعفو الزوج عن النصف الذي يحط فيؤدي جميع المهر، وهذا هو الفضل منهما، وبحسب حال الزوجين يحسن التحمل والتجمل، ويروى أن جبير بن مطعم دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه ابنة له فتزوجها، فلما خرج طلقها وبعث إليه بالصداق، فقيل له : لم تزوجتها ؟، فقال : عرضها علي فكرهت رده، قيل : فلم تبعث بالصداق ؟ قال : فأين الفضل ؟
قال القاضي أبو محمد رحمه الله( [(٨)](#foonote-٨) ) : ويحتج القائلون بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، بأن هذا الولي لا يجوز له ترك شيء من صداقها قبل الطلاق فلا فرق بعد الطلاق. 
وأيضاً فإنه لايجوز له ترك شيء من مالها الذي ليس من الصداق فماله يترك نصف الصداق ؟ وأيضاً فإنه إذا قيل الولي فما الذي يخصص بعض الأولياء دون بعض وكلهم بيده عقدة النكاح وإن كان كافلاً أو وصياً أو الحاكم أو الرجل من العشيرة ؟، ويحتج من يقول إنه الولي الحاجر بعبارة الآية، لأن قوله  الذي بيده عقدة النكاح  عبارة متمكنة في الولي، وهي في الزوج قلقة بعض القلق، وليس الأمر في ذلك كما قال الطبري ومكي من أن المطلق لا عقدة بيده بل نسبة العقدة إليه باقية من حيث كان عقدها قبل( [(٩)](#foonote-٩) )، وأيضاً فإن قوله  إلا أن يعفون  لا تدخل فيه من لا تملك أمرها لأنها لاعفو لها فكذلك لا يغبن النساء بعفو من يملك أمر التي لا تملك أمرها( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وأيضاً فإن الآية إنما هي ندب إلى ترك شيء قد وجب في مال الزوج، يعطي ذلك لفظ العفو الذي هو الترك والاطراح وعطاء الزوج المهر كاملاً لا يقال فيه عفو، إنما هو انتداب إلى فضل( [(١١)](#foonote-١١) )، اللهم إلا أن تقدر المرأة قد قبضته( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وهذا طارٍ لا يعتد به، قال مكي : وأيضاً فقد ذكر الله الأزواج في قوله  فنصف ما فرضتم  ثم ذكر الزوجات بقوله  يعفون ، فكيف يعبر عن الأزواج بعد بالذي بيده عقدة النكاح بل هي درجة ثالثة لم يبق لها الإ الولي. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وفي هذا نظر( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وقرأ الجمهور **«أو يعفوَ »** بفتح الواو لأن الفعل منصوب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«أو يعفوْ الذي »** بواو ساكنة، قال المهدوي : ذلك على التشبيه بالألف( [(١٤)](#foonote-١٤) )، ومنه قول عامر بن الطفيل :\[ الطويل \]
فما سوَّدَتْنِي عامِر عَنْ وِرَاثَةٍ. . . أَبَى اللَّهُ أَنْ أَسْمُوْ بأُمٍّ ولاَ أبِ( [(١٥)](#foonote-١٥) )
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والذي عندي أنه استثقل الفتحة على واو متطرفة قبلها متحرك لقلة مجيئها في كلام العرب، وقد قال الخليل رحمه الله : لم يجىء في الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلا في قولهم " عفوة " وهو جمع " عفو " وهو ولد الحمار، وكذلك الحركة ما كانت قبل الواو المفتوحة فإنها ثقيلة( [(١٦)](#foonote-١٦) )، ثم خاطب تعالى الجميع نادباً بقوله  وأن تعفوا أقرب للتقوى  أي يا جميع الناس، وهذه قراءة الجمهور بالتاء باثنتين من فوق، وقرأ أبو نهيك والشعبي **«وأن يعفو »** بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح، وقرأ الجمهور **«ولا تنسوا الفضل »**، وقرأ علي بن أبي طالب ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة **«ولا تناسوا الفضل »**، وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه( [(١٧)](#foonote-١٧) )، وقوله تعالى  ولا تنسوا الفضل  ندب إلى المجاملة، قال مجاهد : الفضل إتمام الزوج الصداق كله أو ترك المرأة النصف الذي لها، وقوله  إن الله بما تعملون بصير  خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن.

١ - سواء فرض لها أو لم يفرض لها..
٢ - ما قاله سعيد بن المسيب من نسخ آية الأحزاب لهذه الآية، وما قاله قتادة من نسخ هذه الآية، الآية التي قبلها غير ظاهر، إذ شرط النسخ غير موجود، والجمع بين الآيات ممكن، انظر (ق)..
٣ - أشار بذلك إلى أن الواو لام الكلمة، ومثل هذه الصيغة تسند إلى الرجال وإلى النساء، فتقول: **«الرجال يعفون »** **«والنساء يعفون»**، إلا أن الواو في الأول ضمير ولام الكلمة محذوف، وفي الثاني الواو لام الكلمة والنون ضمير النسوة، وفي الأول معرب وفي الثاني مبني، وفي الأول وزنه يفْعُون وفي الثاني يفْعُلْن..
٤ - أي المهملة..
٥ - لأن العفو تركٌ، والترك غير الأخذ..
٦ - لأنها محجورة، وهي لا كلام لها في تفويت شيء من مالها..
٧ - معنى ذلك أن هؤلاء بعد أن اتفقوا على أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي – منهم من خصصه بالأب والسيد، ومنهم من عمَّمه في كل ولي قريب أو بعيد..
٨ - ذكر ثلاثة أوجه ترجح أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وذكر أربعة أوجه تؤيد القول الآخر، وأنه الولي الحاجر إلا أن غالب هذه الأوجه مدخول..
٩ - وقد قال الله تعالى: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) فالخطاب للأزواج والزوج هو القادر على حل عقدة النكاح بالطلاق..
١٠ - هو ملائم لكون المراد بمن بيده عقدة النكاح هو الزوج. تأمل..
١١ - قد يقال فيه عفو على سبيل المشاكلة والمشابهة، وهو مجاز من مجازات العرب..
١٢ - فيكون التعبير بالعفو ظاهراً لأنه تركه لها ولم يسترجعه إلا أن هذا نادر، والنادر لا يعتد به..
١٣ - وجهه والله أعلم – أن ذلك جاء على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ومما يقوي كون المراد به الزوج إجماع أهل العلم على أنه لا يجوز للأب أن يهب شيئا من مال بنته لا لزوج ولا لغيره، فكذلك المهر إذ لا فرق، وقد سبق هذا في قول ابن عطية، فكذلك لا يغبن النساء بعفو من يملك أمر التي لا تملك أمرها..
١٤ - نحو "لن يخشى": فتقدر الفتحة في (الواو) كما تقدر في (الألف)..
١٥ - سوده عليهم: جعله سيِّداً – يقول: إنه ساد قومه لصفاته وشخصيته لا بسبب الوراثة. والشاهد في كلمة (أسمو) حيث جاءت الواو ساكنة وحقّها أن تكون بالفتحة، ورأى المهدوي أن ذلك على تقدير الفتحة على الواو كما تقدر على الألف في (يخشى ويسعى) وأمثالهما، وإن كان ابن عطية قد عقب برأي آخر. تأمله..
١٦ - فلا خصوصية للفتحة، بل ذلك يأتي في كل حركة قبل الواو المفتوحة المتطرفة إلا أن في ذلك تفصيلا، ذكره (ح) في البحر المحيط..
١٧ - أي تشبيه التناسي بالنسيان، والجامع بينهما الترك في كلّ، إلا أنه في التناسي عن عمد، وفي النسيان عن ذهول..

### الآية 2:238

> ﻿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [2:238]

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ( ٢٣٨ )
الخطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها وبجميع شروطها، وذكر تعالى  الصلاة الوسطى  ثانية وقد دخلت قبل في عموم قوله  الصلوات  لأنه قصد تشريفها وإغراء المصلين بها، وقرأ أبو جعفر أبو الرؤاسي( [(١)](#foonote-١) ) **«والصلاةَ الوسطى »** بالنصب على الإغراء، وقرأ كذلك الحلواني( [(٢)](#foonote-٢) ). 
واختلف الناس من أي صلاة هو هذا الوصف، فذهبت فرقة إلى أنها الصبح وأن لفظ  وسطى ( [(٣)](#foonote-٣) ) يراد به الترتيب، لأنها قبلها صلاتا ليل يجهر فيهما، وبعدها صلاتا نهار يسر فيهما، قال هذا القول علي بن أبي طالب، وابن عباس( [(٤)](#foonote-٤) )، وصلى( [(٥)](#foonote-٥) ) بالناس يوماً الصبح فقنت قبل الركوع فلما فرغ قال :**«هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله أن نقوم فيها قانتين »**، وقاله أبو العالية ورواه عن جماعة من الصحابة، وقاله جابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد وعبد الله بن شداد بن الهادي( [(٦)](#foonote-٦) ) والربيع ومالك بن أنس. وقوى مالك ذلك بأن الصبح لا تجمع إلى غيرها، وصلاتا جمع قبلها وصلاتا جمع بعدها( [(٧)](#foonote-٧) )، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبْواً »**، وقال :**«إنهما أشدّ الصلوات على المنافقين »**( [(٨)](#foonote-٨) )، وفضل الصبح لأنها كقيام ليلة لمن شهدها والعتمة نصف ليلة( [(٩)](#foonote-٩) )، وقال الله تعالى  إن قرآن الفجر كان مشهوداً ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ الإسراء : ٧٨ \]، فيقوي هذا كله أمر الصبح. 
وقالت فرقة : هي صلاة الظهر. قاله زيد بن ثابت ورفع فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم( [(١١)](#foonote-١١) ). وقاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر. واحتج قائلوا هذه المقالة بأنها أول صلاة صليت في الإسلام، فهي وسطى بذلك، أي فضلى، فليس هذا التوسط في الترتيب، وأيضاً فروي أنها كانت أشق الصلوات على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تجيء في الهاجرة، وهم قد نفعتهم أعمالهم في أموالهم( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وأيضاً فيدل على ذلك ما قالته حفصة وعائشة حين أملتا : حافظو على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر( [(١٣)](#foonote-١٣) )، فهذا اقتران الظهر والعصر. 
وقالت فرقة : الصلاة الوسطى  صلاة العصر لأنها قبلها صلاتا نهار وبعدها صلاتا ليل، وروي هذا القول أيضاً عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وأبي سعيد الخدري، وفي مصحف عائشة رضي الله عنها ****«والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر »****، وهو قولها المروي عنها. وقاله الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وفي إملاء حفصة أيضاً ****«والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر »****، ومن روى **«وصلاة العصر »** فيتناول أنه عطف ( [(١٤)](#foonote-١٤) )الصفتين على الأخرى وهما لشيء واحد( [(١٥)](#foonote-١٥) ). كما تقول جاءني زيد الكريم والعاقل، وروي عن ابن عباس أنه قرأ **«حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر »**، على البدل، وروى هذا القول سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب **«شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً »**، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :«كنا نرى أنها الصبح حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر. 
فعرفنا أنها العصر **«، وقال البراء ابن عازب : كنا نقرأ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : حافظوا على الصلوات وصلاة العصر. ثم نسخها الله، فقرأنا : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى . فقال له رجل : فهي العصر ؟، قال :»** قد أخبرتك كيف قرأناها وكيف نسخت( [(١٦)](#foonote-١٦) ) «، والله أعلم. وروى أبو مالك الأشعري أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : الصلاة الوسطى صلاة العصر ( [(١٧)](#foonote-١٧) ). 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا القول جمهور الناس وبه أقوال والله أعلم( [(١٨)](#foonote-١٨) ). 
وقال قبيصة بن ذؤيب : الصلاة الوسطى صلاة المغرب، لأنها متوسطة في عدد الركعات ليست ثنائية ولا رباعية، وأيضاً فقبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر، وحكى أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر في شرح باب جامع الوقوت وغيره عن فرقة أن  الصلاة الوسطى  صلاة العشاء الآخرة، وذلك انها تجيء في وقت نوم وهي أشد الصلوات على المنافقين، ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها، وأيضاً فقبلها صلاتان وبعدها صلاتان. 
وقالت فرقة : الصلاة الوسطى  لم يعينها الله تعالى لنا، فهي في جملة الخمس غير معينة، كليلة القدر في ليالي العشر، فعَلَ الله ذلك لتقع المحافظة على الجميع، قاله نافع عن ابن عمر وقاله الربيع بن خثيم. 
وقالت فرقة : الصلاة الوسطى  هي صلاة الجمعة فإنها وسطى فضلى، لما خصت به من الجمع والخطبة وجعلت عيداً، ذكره ابن حبيب ومكي. 
وقال بعض العلماء : الصلاة الوسطى  المكتوبة الخمس( [(١٩)](#foonote-١٩) )، وقوله أولاً  على الصلوات  يعم النفل والفرض، ثم خص الفرض بالذكر، ويجري مع هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى. 
وقوله تعالى  وقوموا لله قانتين  معناه في صلاتكم، واختلف الناس في معنى  قانتين ، فقال الشعبي :» معناه مطيعين **«، وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير، وقال الضحاك : كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة، وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون لله عاصمين، فقيل لهذه الأمة وقوموا لله مطيعين، وقال نحو هذا الحسن بن أبي الحسن وطاوس، وقال السدي :»** قانتين معناه ساكتين »( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وهذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحاً في صدر الإسلام. 
وقال عبد الله بن مسعود :**«كنا نتكلم في الصلاة ونرد السلام ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته »** قال :«ودخلت يوماً والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فسلمت فلم يرد عليّ أحد، فاشتد ذلك عليَّ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة، والقنوت السكوت، وقاله زيد بن أرقم، وقال : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت : وقوموا لله قانتين ، فأمرنا بالسكوت، وقال مجاهد : معنى قانتين خاشعين، القنوت طول الركوع الخشوع وغض البصر وخفض الجناح. 
قال القاضي أبو محمد : وإحضار الخشية والفكر في الوقوف بين يدي الله تعالى، وقال الربيع : القنوت طول القيام وطول الركوع والانتصاب له، وقال قوم : القنوت الدعاء، و  قانتين  معناه داعين، روي معنى هذا عن ابن عباس، وفي الحديث : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على رعل وذكوان، فقال قوم : معناه دعا، وقال قوم : معناه طوّل قيامه، ولا حجة في هذا الحديث لمعنى الدعاء( [(٢١)](#foonote-٢١) ).

١ - هو محمد بن الحسن بن أبي سارة الكوفي النحوي، إمام مشهور، روى الحروف عن أبي عمرو، وله اختيار في القراءة يروى عنه، واختيار في الوقوف، روى عنه علي بن حمزة الكسائي، وخلاد بن خالد الصيرفي..
٢ - هو أحمد بن يزيد الصفار المعروف بازداذ. أبو الحسن الحلواني، إمام كبير عارف صدوق متقن ضابط خصوصا في قالون وهشام، توفي سنة ٢٥٠هـ..
٣ - الذي تقتضيه قواعد اللغة العربية أن (الوسطى) مؤنث الأوسط بمعنى الفُضْلى مؤنث الأفضل، وأفعل التفضيل لا يبنى إلا مما يقبل الزيادة والنقصان، وكل ما لا يكون كذلك فلا يبنى منه أفعل التفضيل، وكون الشيء وسطا بين شيئين يجعله صالحاً لأن يبنى منه أفعل التفضيل، فينبغي أن يكون معنى الوسطى الفضلى، لأن ذلك يرجع إلى معنى يقبل التفاوت والتفاضل..
٤ - رواه الإمام مالك عنهما في الموطأ بلاغاً..
٥ - أي ابن عباس رضي الله عنهما. وقد تفيد (الواو) في قول ابن عطية رواية عن الإمام مالك: (وصلى) أن ابن عباس قال ذلك حين صلى بالناس يوما الصبح... الخ..
٦ - هو الليثي. ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أهل العلم، روى عن عمر وعلي وعن أبيه شداد..
٧ - قبلها صلاة المغرب والعشاء، وبعدها صلاة الظهر والعصر، وكل من الصلاتين يجمع تقديما وتأخيراً..
٨ - هذه الأحاديث التي تتضمن فضل صلاة العشاء والصبح غير واضحة الدلالة على أنها هي الصلاة الوسطى، والحديث الأول والثاني رواه البخاري وغيره..
٩ - رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والإمام مسلم..
١٠ - من الآية (٧٨) من سورة (الإسراء)..
١١ - رواه ابن جرير الطبري مرفوعا، وروى مالك في موطئه، وأبو داود الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال: (الصلاة الوسطى صلاة الظهر) زاد أبو داود الطيالسي: **«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجر»**..
١٢ - أي أعيتهم وأتعبتهم أعمالهم. يقال: نَفِهت نفس فلان نفها: أعْيَتْ وكلَّت. فهو نافهٌ (ج) نُفَّه..
١٣ - يعني أن اقتران صلاة العصر بالصلاة الوسطى دلالة على أن المراد بها الظهر إذ للقرآن معنى خاص، ويأتي أن هذه الزيادة هي من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، وليست من القرآن. وقد يقال أيضا: إن هذه الزيادة ربما تدل على أن صلاة العصر غير صلاة الوسطى، لأن العطف يقتضي المغايرة، وهذا مصادم لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب..
١٤ - حاصله أنه رُوي: **«والصلاة الوسطى وصلاة العصر»** بالعطف، وبدون عطف على أنها بدل، وروي أيضا: **«والصلاة الوسطى وهي العصر»**، والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر»، فهذه أربع روايات، وهي تتعارض فيما بينها، وحديث البراء بن عازب قد يدل على نسخ ذلك، فتأمل، وأيا ما يكون فإن ذلك من باب التفسير، وليس من القرآن في شيء لعدم تواتره، ولذا لم يثبت في المصحف الإمام..
١٥ - فهو من عطف الصفات، لا من عطف الذوات، وكان ذلك لاختلاف اللفظين..
١٦ - هذا الحديث رواه الإمام مسلم، وغيره. وقد عضد به ابن عطية رحمه الله القول بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وفهمه أبو عبد الله (ق) رحمه الله على أنها مبهمة غير معينة قال: **«يلزم من هذا الحديث أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأُبهمت»**، ثم قال: **«وهذا هو الصحيح إن شاء الله لتعارض الأدلة وعدم الترجيح فلم يبق إلا المحافظة على الصلوات الخمس وأدائها في أوقاتها»**..
١٧ - رواه ابن جرير، وقال الحافظ بن كثير: إسناده لا بأس به، ورواه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود، وسمرة بن جندب كما عند الترمذي في جامعه، وابن حبان في صحيحه..
١٨ - هذا القول هو الراجح عند أهل الحديث، وهو قول الجمهور، ورجحه الإمام الطبري وأبو بكر بن العربي المعافري، وأبو محمد بن عطية، وأبو حيان الأندلسي، وشيخه الحافظ أبو محمد، وغيرهم من الأعلام، وما ذلك إلا لأنه استفاض من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، ولا قول لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قد يقال: إذا كان قد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلماذا اختلف الصحابة في هذه المسألة اختلافا واسعا ؟ وقد قدمنا عن أبي عبد الله (ق) أنه صحح أنها مبهمة لتعارض الأدلة وانعدام الترجيح، والله أعلم..
١٩ - هذا غير ما سبق من أنها في جملة الخمس غير معينة، وحاصله أن من العلماء من يقول: هي واحدة من الصلوات الخمس إلا أنها مبهمة، ومنهم من يقول: هي مجموع الصلوات الخمس ولو قال: الخمس المكتوبة لكان أوضح..
٢٠ - القنوت يتصرف في الكلام على معان كثيرة – إلا أن الراجح حمله على معنى السكوت في الآية لحديث عبد الله بن مسعود، ولحديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما، وأما القنوت بمعنى الدعاء فقد داوم عليه صلى الله عليه وسلم في الصبح دون غيرها..
٢١ - أي بدليل قوله: يدعو على رعل وذكوان، فلو كان قنت معناه دعا لتكرر ذلك، وإنما معناه أطال القيام للدعاء على رعل وذكوان الذين قتلوا القراء ببئر معونة.
 تنبيه: القيام في الفرض واجب على كل من قدر عليه فذاً كان أو إماماً، واختلفوا في المأموم إذا صلى قاعداً خلف إمام لا يستطيع القيام فقال بعضهم: إن ذلك جائز لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى جلوساً فصلوا جلوساً أجمعون). وهو الصحيح، وقال بعضهم: يجوز أن يصلي خلفه وهو قائم إذ كل منهما يؤدي فرضه على حسب طاقته، انظر تفسير (ق) رحمه الله..

### الآية 2:239

> ﻿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:239]

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( ٢٣٩ )
أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوت، وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح، وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة. ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة أحياناً، فرخص لعبيده في الصلاة رجالاً متصرفين على الأقدام، و  ركباناً  على الخيل والإبل( [(١)](#foonote-١) )، ونحوه إيماء وإشارة بالرأس حيث ما توجه، هذا قول جميع العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية، وأما صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية( [(٢)](#foonote-٢) )، وفرق مالك رحمه الله بين الخوف، العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه بأن استحب في غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء، وقوله تعالى  فرجالاً  هو جمع راجل أو رجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلاً إذا عدم المركب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل، ورجُل بضم الجيم وهي لغة أهل الحجاز، يقولون مشى فلان إلى بيت الله حافياً رجُلاً، حكاه الطبري وغيره ورجلان ورجيل، ورجل وأنشد ابن الأعرابي في رجلان :\[ الطويل \]
عليَّ إذا لاقيت ليلى بخلوة. . . أن ازدار بيت الله رجلان حافيا( [(٣)](#foonote-٣) )
ويجمع على رِجال ورجيلى ورُجَالى ورُجَّالى ورَجَّالة ورُجَّال ورَجَالي ورُجْلان وَرَجْلة ورِجْلة ورِجَلة بفتح الجيم وأرجِلة وأراجلِ وأراجيل، والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضاً على رجال، فهذه الآية وقوله تعالى : يأتوك رجالاً ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ الحج : ٢٧ \] هما من لفظ الرجلة أي عدم المركوب، وقوله تعالى  شهيدين من رجالكم ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ البقرة : ٢٨٢ \] فهو جمع اسم الجنس المعروف، وحكى المهدوي عن عكرمة وأبي مجلز أنهما قرآ " فرُجَّلاً "، بضم الراء وشد الجيم المفتوحة، وعن عكرمة أيضاً أنه قرأ " فرُجَالاً " بضم الراء وتخفيف الجيم، وحكى الطبري عن بعضهم أنه قرأ " فرُجَّلاً " دون ألف على وزن فعل بضم الفاء وشد العين( [(٦)](#foonote-٦) )، وقرأ جمهور القراء " أو ركباناً **«وقرأ بديل بن ميسرة »**( [(٧)](#foonote-٧) ) " فرجالاً فركباناً " بالفاء، والركبان جمع راكب، وهذه الرخصة في ضمنها بإجماع من العلماء أن يكون الإنسان حيث ما توجه من السموت( [(٨)](#foonote-٨) )، ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه. واختلف الناس كم يصلى من الركعات. فمالك رحمه الله وجماعة من العلماء لا يرون أن ينقص من عدد الركعات شيئاً، بل يصلي المسافر ركعتين ولا بد. قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. 
وقال الضحاك بن مزاحم : يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة، فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين، وقال إسحاق بن راهويه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه، ذكره ابن المنذر( [(٩)](#foonote-٩) ). 
واختلف المتألون في قوله تعالى : فإذا أمنتم فاذكروا الله  الآية، فقالت فرقة : المعنى فإذا زال خوفكم الذي أجاءكم( [(١٠)](#foonote-١٠) ) إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإحزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات، وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه وقالت فرقة : المعنى فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد، كأنه قال : فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي فصلوا كما علمكم صلاة تامة، حكاه النقاش وغيره. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وقوله على هذا التأويل  ما لم تكونوا  بدل من  ما  التي في قوله  كما ، وإلا لم يتسق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول  ما  مفعولة ب  علمكم ، وقال مجاهد :**«معنى قوله  فإذا أمنتم ، فإذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة »**( [(١١)](#foonote-١١) )، ورد الطبري على هذا القول( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وكذلك فيه تحويم على المعنى كثير، والكاف في قوله  كما  للتشبيه بين ذكر الإنسان لله ونعمة الله عليه في أن تعادلا، وكان الذكر شبيهاً بالنعمة في القدر وكفاء لها، ومن تأول  اذكروا  بمعنى صلوا على ما ذكرناه فالكاف للتشبيه بين صلاة العبد والهيئة التي علمه الله.

١ - الراكب: راكب البعير، وراكب الفرس، وقد يطلق الراكب عليهما معاً..
٢ - يأتي حكم ذلك في سورة النساء، والحاصل أن الحكم المذكور هنا هو في صلاة السيف، وفيما يأتي في صلاة الخوف..
٣ - ازداره: زاره..
٤ - من الآية (٢٧) من سورة (الحج)..
٥ - من الآية (٢٨٢) من سورة (البقرة)..
٦ - وقرئ أيضا: (فرَجْلا) بفتح الراء وسكون الجيم، ومن ذلك قولهم، أغار عليهم بخيله ورَجْله، فجملة القراءات خمسز.
٧ - لعلّه بديل بن ميسرة العقيلي البصري العابد الزاهد المتوفي سنة ١٣٠هـ. ومن كلامه: من أراد بعلمه وجه الله أقبل الله عليه بوجهه، وأقبل بقلوب العباد إليه، ومن عمل لغير الله تعالى صرف عنه وجهه، وصرف قلوب العباد عنه..
٨ - جمع سَمْتٍ بمعنى الطريق – أي أنه في هذه الحالة لا يجب عليه سَمْتٌ معين فأينما ولى وجهه فثمَّ وجه الله..
٩ -هذا مما يدل على قيمة الصلاة عند الله، وعظيم قدرها، وأنها لا تسقط بحال من الأحوال. لا في حال الخوف، ولا في حال المرضى، وأنها تُؤَدَّى ولو بتكبيرة، ولو بإشارة، وهذا فصل ما بينها وبين غيرها من سائر العبادات فإنها تسقط بالأعذار، والصلاة لا يرخص في تركها أبدا، ذلك أنها دعاء وحالة الخوف أولى بالدعاء كما قال تعالى: \[واستعينوا بالصبر والصلاة\]. وأيضا فهي قوة معنوية ويجب على الخائف أن يعد قوته المادية وقوته المعنوية كما قال تعالى: \[وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة\] أي مادية ومعنوية..
١٠ - أي ألجأكم إلى الصلاة رجالا وركبانا كيفما تيسّر لكم وحيثما توجهتم..
١١ - لأن السفر مظنة الخوف، والإقامة مظنة الأمن، والمعنى: فإذا زال خوفكم فاذكروا الله كما علمكم، أي حافظوا على شروطها وأركانها، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة النساء: \[فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة\] إلخ..
١٢ - قال: إنه لم يجسر ذكر للسفر في هذه الآية، ولو جرى له ذكر لقيل: **«فإذا أقمتم»**، بدل **«فإذا أمنتم»**، وأيضا فإنه يجب أداء الصلاة في السفر تامة بركوعها وسجودها وقيامها، إلا أن مجاهدا رحمه الله حرم على هذا المعنى تحريما كثيراً..

### الآية 2:240

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:240]

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٤٠ )
 الذين  رفع بالابتداء، والخبر في الجملة التي هي **«وصية لأزواجهم »**، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر **«وصيةٌ »** بالرفع، وذلك على وجهين : أحدهما الابتداء والخبر في الظرف الذي هو قوله  لأزواجهم ، ويحسن الابتداء بنكرة من حيث هو موضع تخصيص( [(١)](#foonote-١) ) كما حسن أن يرتفع **«سلامٌ عليكم »**، وخير بين يديك، وأمت في حجر لا فيك( [(٢)](#foonote-٢) )، لأنها مواضع دعاء، والوجه الآخر أن تضمر له خبراً تقدره، فعليهم وصية لأزواجهم، ويكون قوله  لأزواجهم  صفة( [(٣)](#foonote-٣) ). قال الطبري :**«قال بعض النحاة : المعنى كتبت عليهم وصية »**، قال :**«وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود »**، وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر **«وصيةً »** بالنصب، وذلك حمل على الفعل كأنه قال : ليوصوا وصية، و  لأزواجهم  على هذه القراءة صفة أيضاً، قال هارون( [(٤)](#foonote-٤) ) :**«وفي حرف أبي بن كعب »** وصيةٌ لأزواجهم متاعٌ **«بالرفع، وفي حرف ابن مسعود »** الوصية لأزواجهم متاعاً **«، وحكى الخفاف( [(٥)](#foonote-٥) )أن في حرف أبيّ »** فمتاع لأزواجهم «بدل وصية. 
ومعنى هذه الآية أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها، واختلف العلماء ممن هي هذه الوصية، فقالت فرقة : كانت وصية من الله تعالى تجب بعد وفاة الزوج، قال قتادة :» كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها فلها السكنى والنفقة حولاً من مال زوجها ما لم تخرج برأيها، ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في سورة النساء، ونسخ سكنى الحول بالأربعة الأشهر والعشر. وقال الربيع وابن عباس والضحاك وعطاء وابن زيد، وقالت فرقة : بل هذه الوصية هي من الزوج، كانوا ندبوا إلى أن يوصوا للزوجات بذلك ف  يتوفون  على هذا القول معناه يقاربون الوفاة ويحتضرون، لأن الميت لا يوصي، قال هذا القول قتادة أيضاً والسدي. وعليه حمل الآية أبو علي الفارسي في الحجة( [(٦)](#foonote-٦) )، قال السدي :» إلا أن العدة كانت أربعة أشهر وعشراً، وكان الرجال يوصون بسكنى سنة ونفقتها ما لم تخرج. فلو خرجت بعد انقضاء العدة الأربعة الأشهر والعشر سقطت الوصية. ثم نسخ الله تعالى ذلك بنزول الفرائض. فأخذت ربعها أو ثمنها، ولم يكن لها سكنى ولا نفقة وصارت الوصايا لمن لا يرث، وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشراً، ثم جعل الله لهن وصية، منها سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى : غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم . 
قال القاضي أبو محمد : وألفاظ مجاهد رحمه الله التي حكى عنها الطبري لا يلزم منها أن الآية محكمة، ولا نص مجاهد ذلك، بل يمكن أنه أراد ثم نسخ ذلك بعد بالميراث( [(٧)](#foonote-٧) ). 
و  متاعاً  نصب على المصدر( [(٨)](#foonote-٨) )، وكان هذا الأمر إلى الحول من حيث العام معلم من معالم الزمان قد أخذ بحظ من الطول، وقوله تعالى : غير إخراج  معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها، و  غير  نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال : لا إخراجاً، وقيل : نصب على الحال من الموصين( [(٩)](#foonote-٩) ). وقيل : هي صفة لقوله  متاعاً ، وقوله تعالى : فإن خرجن  الآية، معناه أن الخروج إذا كان من قبل الزوجة فلا جناح على أحد ولي أو حاكم أو غيره فيما فعلن في أنفسهن من تزويج وترك حداد وتزين إذا كان ذلك من المعروف الذي لا ينكر، وقوله تعالى : والله عزيز  صفة تقتضي الوعيد بالنقمة لمن خالف الحد في هذه النازلة فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج.  حكيم  أي محكم لما يأمر به عباده، وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوَّله الطبري مجاهداً رحمه الله، وفي ذلك نظر على الطبري رحمه الله( [(١٠)](#foonote-١٠) ).

١ - لما كان موضع تخصيص حسن الابتداء به كما حسن الابتداء بما بعده لأنها موضع دعاء. والمراد أنها وصية خاصة بالأزواج لا وصية عامة..
٢ - الأمتُ هنا: الضعف والوهن – قال سيبويه: «وقالوا: أمتٌ في الحجارة لافيك، ومعناه: أبقاك الله بعد فناء الحجارة. الأمتُ هنا: الضعف والوهن – قال سيبويه: «وقالوا: أمتٌ في الحجارة لافيك، ومعناه: أبقاك الله بعد فناء الحجارة..
٣ - أي على الإعراب الأخير وهو حذف الخبر..
٤ - هو ابن موسى القاري الأعور النحوي أبو عبد الله البصري صاحب القرآن والعربية، سمع من طاوس اليماني وثابت الباني، وكان يهوديا فأسلم، ومات في حدود ١٧٠هـ، انظر يغية الرعاة..
٥ - هو إبراهيم بن محمد أو إسحق المكي الخفاف. قرأ على أحمد البزي..
٦ - اسم كتاب له في القراءات..
٧ - ما قاله الإمام الطبري عن مجاهد رحمهما الله تعالى قائم وثابت، انظر صحيح البخاري في التفسير، وما قاله مجاهد اختاره الطبري، وابن تيمية، والحافظ بن كثير، وغيرهم، وهو ما يظهر إن شاء الله، فإن الجهة منفكة، ذلك أن هذه الآية تثبت حقا للمرأة من النفقة والسكنى حولا فلها أن تأخذ بحقها، ولها أن تتركه، والآية السابقة تثبت حقا على المرأة، وهو أن تعتد أربعة أشهر وعشراً، ولا كلام لها في ذلك، فالعدة أربعة أشهر وعشرا، وما زاد على ذلك هو باختيار المرأة. والله أعلم..
٨ - أي: متعوهن متاعا..
٩ - أو من الأزواج، فعلى الأول يكون التقدير: غير مخرجين لهن، وعلى الثاني يكون: غير مخرجات من مساكنهن..
١٠ - ممن حكى الاتفاق القاضي عياض رحمه الله، والحق أن النسخ غير متفق عليه، فالأكثر على أنها منسوخة، والأقل على أنها محكمة، والنظر يؤيده..

### الآية 2:241

> ﻿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:241]

وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( ٢٤١ )
اختلف الناس في هذه الآية، فقال أبو ثور :**«هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض، بهذه الآية »**، وقال الزهري :**«لكل مطلقة متعة، وللأمة يطلقها زوجها »**. وقال سعيد بن جبير :**«لكل مطلقة متعة »**. وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة :**«جعل الله تعالى المتاع لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم زيد بن أسلم أنها نسختها »**. 
قال القاضي أبو محمد : ففر ابن القاسم رحمه الله من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء، والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم. وإذا التزم ابن القاسم أن قوله  وللمطلقات  عمَّ كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره. هذه الآية في الثيب( [(١)](#foonote-١) ) اللواتي قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في هذا العموم، فهذا يجيء قوله على أن قوله تعالى : فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  \[ البقرة : ٢٣٧ \] مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل إن العموم تناولها فذلك نسخ لا تخصيص( [(٢)](#foonote-٢) )، وقال ابن زيد :**«هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة، لأنه نزل قبل  حقاً على المحسنين  \[ البقرة : ٢٣٦ \] فقال رجل : فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت : حقاً على المتقين  فوجب ذلك عليهم »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هذا الإيجاب هو من تقويل الطبري لا من لفظ ابن زيد. 
وقوله تعالى : حقاً  نصب على المصدر، و  المتقين  هنا ظاهره أن المراد من تلبس بتقوى الله ( [(٣)](#foonote-٣) )تعالى.

١ - الثيب يطلق على الذكر والأنثى، جمع المذكر ثيبون بالواو والنون، وجمع المؤنث ثيبات، قال الفيومي في المصباح: المولدون يقولون: ثُيِّب وهو غير مسموع، وأيضا ففعيل لا يجمع على فُعَّل..
٢ - سبق ما في هذا الكلام عند تفسير قوله تعالى: \[وإن طلّقتموهن من قبل أن تمسّوهن\] الآية. وحاصل ما أشار إليه أن العموم إذا تناول الخصوص فهو نسخ، وإذا لم يتناوله فهو تخصيص..
٣ - ظاهر هذا أن المتعة حقّ على المتلبسين بالتقوى فإن الذي يقوم بهذا الحق هو المتصف بالتقوى لا غيره، وهذا مما يدل على أن المتعة غير واجبة إذ لو وجبت لوجب القضاء بها على غير المتقي، وقد تقدم كلام الشعبي والقاضي شريح..

### الآية 2:242

> ﻿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:242]

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( ٢٤٢ )
والكاف في قوله  كذلك  للتشبيه، وذلك إشارة إلى هذا الشرع والتنويع الذي وقع في النساء وإلى إلزام المتعة لهن، أي كبيانه هذه القصة يبين سائر آياته، و  لعلكم  ترجٍّ في حق البشر، أي من رأى هذا المبين له رجا أن يعقل ما يبين له.

### الآية 2:243

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [2:243]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ( ٢٤٣ )
هذه رؤية القلب بمعنى : ألم تعلم، والكلام عند سيبويه بمعنى تنبه إلى أمر الذين، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين( [(١)](#foonote-١) )، وقصة هؤلاء فيما قال الضحاك( [(٢)](#foonote-٢) ) هي أنهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله  وقاتلوا في سبيل الله  \[ البقرة : ١٩٠، ٢٤٤ \] الآية، وحكى قوم من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، فخرجوا من ديارهم فراراً منه، فأماتهم الله، فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطاً، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل النبي عليه السلام، فدعا الله فأحياهم له، وقال السدي :**«هم أمة كانت قبل واسط في قرية يقال لها داوردان، وقع بها الطاعون فهربوا منه وهم بضعة وثلاثون ألفاً »**. في حديث طويل، ففيهم نزلت الآية. وقال إنهم فروا من الطاعون الحسن وعمرو بن دينار. وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى. وحكى فيهم مجاهد أنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون. لكن سحنة الموت( [(٣)](#foonote-٣) ) على وجوههم. ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلا عاد كفناً رميماً حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم، وروى ابن جريج عن ابن عباس أنهم كانوا من بني إسرائيل، وأنهم كانوا أربعين ألفاً وثمانية آلاف، وأنهم أميتوا ثم أحيوا وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم، فأمرهم الله بالجهاد ثانية فذلك قوله  وقاتلوا في سبيل الله  \[ البقرة : ١٩٠- ٢٤٤ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القصص كله لين الأسانيد( [(٤)](#foonote-٤) )، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أخباراً في عبارة التنبيه والتوقيف، عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد. هذا قول الطبري، وهو ظاهر رصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها. واختلف الناس في لفظ  ألوف . فقال الجمهور : هي جمع ألف. وقال بعضهم : كانوا ثمانين ألفاً. وقال ابن عباس :**«كانوا أربعين ألفاً »**. وقيل : كانوا ثلاثين ألفاً. وهذا كله يجري مع  ألوف  إذ هو جمع الكثير، وقال ابن عباس أيضاً :**«كانوا ثمانية آلاف »**، وقال أيضاً : أربعة آلاف، وهذا يضعفه لفظ  ألوف  لأنه جمع الكثير( [(٥)](#foonote-٥) ). وقال ابن زيد في لفظ  ألوف  :**«إنما معناها وهم مؤتلفون »** أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم. 
إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فراراً من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم( [(٦)](#foonote-٦) ). 
وقوله تعالى : فقال لهم الله موتوا  الآية، إنما هي مبالغة في العبارة عن فعله بهم. كان ذلك الذي نزل بهم فعل من قيل له : مت، فمات، وحكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا، فماتوا. فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين. وهذا الموت ظاهر الآية، وما روي في قصصها أنه موت حقيقي فارقت فيها الأرواح الأجساد، وإذا كان ذلك فليس بموت آجالهم، بل جعله الله في هؤلاء كمرض حادث مما يحدث على البشر( [(٧)](#foonote-٧) ). وقوله تعالى : إن الله لذو فضل على الناس  الآية، تنبيه على فضل الله على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد، وأمرهم بأن لا يجعلوا الحول والقوة إلاّ له، حسبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميع هذا، بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم. وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل، أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي، فيكون منهم الجري إلى امتثالها لا طلب الخروج عنها، وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل الشاكر.

١ - يريد أن الرؤية هنا بمعنى الإدراك، وهي مضمنة معنى التنبه أو الانتهاء، بمعنى: ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا ؟ ويجوز أن تكون بصرية أي: ألم تنظر إلى الذين خرجوا ؟ ولما كانت هذه القصة بمكان من الشهرة جعلت بمثابة الشيء المعلوم أو الشيء المُبْصر الذي يُحْمل صاحبه على الإقرار به، فالرؤية علمية أو بصرية، والاستفهام للتقرير، والقصة مشهورة عند أهل الكتاب..
٢ - أشار إلى الاختلاف في سبب نزول الآية، فقيل: إنهم فرّوا من الجهاد الذي أُمروا به خوفا من الموت، وقيل: إنهم خرجوا هاربين من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقد ثبت في صحيح الأحاديث أنه لا يجوز الفِرار من الطاعون، كما لا يجوز الدخول إلى بلد فيه الطاعون، وقضية عمر بن الخطاب مع أبي عبيدة وعبد الرحمن بن عوف مشهورة، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الفارُّ من الطاعون كالفارِّ من الزحف)..
٣ - أي هيئة الموت وأثره..
٤ - أي: ضعيف الأسانيد. فابن عطية لا يطمئن إلى هذا القصص..
٥ - قد يستعار أحد الجمعين للآخر ويوضع موضعه، وإن كان الأصل استعمال كل واحد في موضعه كما هو معروف في علم العربية..
٦ - قال جار الله الزمخشري: هذا من بدع التفاسير..
٧ - يعني أن هذا الموت – وإن فارقت فيه الأرواح الأجساد – فهو بمثابة الآفات والأحداث التي تصيب البشر، وليس موتا جاء أجله، لأن موت الأجل لا حياة بعده في الدنيا..

### الآية 2:244

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:244]

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٢٤٤ )
الواو في هذه الآية عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، هذا قول الجمهور إن هذه الآية هي مخاطبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا حسب الحديث( [(١)](#foonote-١) )، وقال ابن عباس والضحاك : الأمر بالقتال هو للذين أحيوا من بني إسرائيل، فالواو على هذا عاطفة على الأمر المتقدم، المعنى وقال لهم قاتلوا، قال الطبري رحمه الله :**«ولا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال هو للذين أحيوا »**، و  سميع  معناه للأقوال،  عليم  بالنيات.

١ - سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميّة ويقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله ؟ (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم..

### الآية 2:245

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:245]

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٢٤٥ )
ثم قال تعالى : من ذا الذي يقرض الله  الآية، فدخل في ذلك المقاتل في سبيل الله فإنه يقرض رجاء الثواب، كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، ويروى أن هذه الآية لما نزلت قال أبو الدحداح( [(١)](#foonote-١) ) :**«يا رسول الله أَوَ إن الله يريد منا القرض ؟ »** قال :**«نعم، يا أبا الدحداح »**، قال : فإني قد أقرضت الله حائطي **« : لحائط فيه ستمائة نخلة، ثم جاء الحائط وفيه أم الدحداح، فقال : اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :»** كم من عذق مذلل( [(٢)](#foonote-٢) ) لأبي الدحداح في الجنة »( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويقال فيه ابن الدحداحة( [(٤)](#foonote-٤) )، واستدعاء القرض في هذه الآية إنا هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من شبه القرض بالعمل للثواب، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء، وقد ذهبت اليهود في مدة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم محتاج يستقرض، وهذا بين الفساد( [(٥)](#foonote-٥) )، وقوله  حسناً  معناه تطيب فيه النية، ويشبه أيضاً أن تكون إشارة إلى كثرته وجودته، واختلف القراء في تشديد العين وتخفيفها ورفع الفاء ونصبها وإسقاط الألف وإثباتها من قوله تعالى : فيضاعفه  فقرأ ابن كثير " فيضعّفُه " برفع الفاء من غير ألف وتشديد العين في جميع القرآن وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه نصب الفاء في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء إلا أنه أثبت الألف في " فيضاعفه " في جميع القرآن، وكان أبو عمرو لا يسقط الألف من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب. قوله تعالى : يضعف لها العذاب  \[ الأحزاب : ٣٠ \]، فإنه بغير ألف كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بالألف ورفع الفاء. فالرفع في الفاء يتخرج على وجهين : أحدهما العطف على ما في الصلة. 
وهو يقرض، والآخر أن يستأنف الفعل ويقطعه، قال أبو علي :**«والرفع في هذا الفعل أحسن »**. 
قال القاضي أبو محمد : لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام، وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفاً له. تقول : أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض، ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى، لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض، فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له، ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ  من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم  \[ الأعراف : ١٨٦ \] بجزم  نذرهم ( [(٦)](#foonote-٦) )، لما كان معنى قوله  فلا هادي له  \[ الأعراف : ١٨٦ \] فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة( [(٧)](#foonote-٧) )، وقرأ ابن كثير  يبسط  بالسين، ونافع بالصاد في المشهور عنه( [(٨)](#foonote-٨) )، وقال الحلواني عن قالون عن نافع : إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى أبو قرة عن نافع  يبسط  بالسين، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يسعر بسبب غلاء خيف على المدينة، فقال :**«إن الله هو الباسط القابض، وإني لأرجوا أن ألقى الله ولا يتبعني أحد بمظلمة في نفس ولا مال »**( [(٩)](#foonote-٩) ).

١ - صحابي جليل، قال أبو عمر بن عبد البر: لم أقف على اسمه ونسبه إلا أنه حليف الأنصار، فهو أنصاري بالحلف. وقال الحافظ بن حجر: إنه عاش إلى زمن معاوية رضي الله عنهما..
٢ - من ذلك قوله تعالى: \[وذُلِّلت قطوفها تدليلا\] وفي رواية: (كم من عذق رداح، ودار فياح، لأبي الدحداح)..
٣ - روى ذلك البزار، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، ورواه الحافظ ابن مردويه، وابن جرير أيضا من حديث زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وروى الإمام القرطبي في تفسيره حديث ابن مسعود بإسناده الخاص..
٤ - جاء في "الإصابة" (٤/٦٠) – أن الذي يقال له: أبو الدحداحة – اسمه (ثابت) وثابت هذا جُرح في أحد فقيل: مات بها، وقيل: انتفضت فمات بعد ذلك بمدة وهو الراجح وأما صاحب الترجمة فعاش إلى زمن معاوية – وروى- فيما أخرجه أبو نعيم- أنه قال لمعاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كانت الدنيا همته حرّم الله عليه جواري...) ومعنى هذا أن أبا الدحداح المذكور هنا لا يقال له: أبو الدحداحة..
٥ - لما نزل قوله تعالى: \[من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة\] قال أبو الدحداح: إن الله كريم استقرض من ما أعطانا، وفي رواية: قال أبو الدحداح: يستقرضنا وهو غني، فقال عليه الصلاة والسلام: (نعم – ليدخلكم الجنة)، وقالت اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء، ففهْمُ أبي الدحداح هو الفِقْه وهو الباطن المراد المقصود، وفهم اليهود لم يزد على مجرد القول العربي الظاهر، ثم حمل استقراض الرب الغني على استقراض العبد الفقير عافانا الله من ذلك. ومن هنا نعلم أن كل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية فذلك هو الباطن المراد الذي أنزل القرآن من أجله – وأما الفرقة الثالثة فقد شحت وبخلت فما أقرضت ولا تصدقت: \[ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء\]..
٦ - من الآية (١٨٦) من سورة الأعراف، وقد قُرئ بالياء والنون مع الرفع، وبالياء لا غير مع الجزم..
٧ - أخرج البخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه عز وجل – قال: (إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) انتهى..
٨ - مقابلة ما رواه أبو قرة عن نافع من قراءته بالسين..
٩ - رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، وفي هذا الحديث النهي عن التسعير، وأجاز الإمام مالك وبعض الأئمة ذلك إذا ظهرت مصلحته، وكانت له فائدة مرجوة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه محمول على صورتين – الأولى: أن يسعر الثمن ويقال: لا تبيعوا إلا به ربحتم أو خسرتم، والثانية: التسعير على الجالب – فهاتان الصورتان لا يجوز التسعير فيهما، وذلك محل اتفاق..

### الآية 2:246

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:246]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( ٢٤٦ )
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ 
هذه الآية خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو، فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كعَّ( [(١)](#foonote-١) ) أكثرهم وصبر الأقل، فنصرهم الله، وفي هذا كله مثال للمؤمنين يحذر المكروه منه ويقتدى بالحسن، و  الملأ  في هذه الآية جميع القوم، لأن المعنى يقتضيه، وهذا هو أصل اللفظة. ويسمى الأشراف الملأ تشبيهاً( [(٢)](#foonote-٢) )، وقوله  من بعد موسى  معناه من بعد موته وانقضاء مدته، واختلف المتأولون في النبي الذي قيل له  ابعث ، فقال ابن إسحاق وغيره عن وهب بن منبه : هو سمويل بن بالي : وقال السدي : هو شمعون وقال قتادة : هو يوشع بن نون. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا قول ضعيف، لأن مدة داود هي بعد مدة موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى، وكانت بنو إسرائيل تغلب من حاربها، وروي أنها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقية في مأزق الحرب، فلا تزال تغلب حتى عصوا وظهرت فيهم الأحداث. وخالف ملوكهم الأنبياء، واتبعوا الشهوات، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم( [(٣)](#foonote-٣) ) بأن يكون أنبياؤهم يسددون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه سلط الله عليهم أمماً من الكفرة فغلبوهم وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب فذل أمرهم. وقال السدي :«كان الغالب لهم جالوت وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاصطلام( [(٤)](#foonote-٤) ) وذهاب الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم. حتى اجتمع ملأهم على أن قالوا لنبي الوقت : ابعث لنا ملكاً  الآية، وإنما طلبوا ملكاً يقوم بأمر القتال، وكانت المملكة في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم :" بنو يهوذا "، فعلم النبي بالوحي أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب، ويسر الله لذلك طالوت. 
وقرأ جمهور الناس " نقاتلْ " بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة " يقاتلُ " بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك. وأراد النبي المذكور عليه السلام أن يتوثق منهم فوقفهم على جهة التقرير وسبر ما عندهم بقوله  هل عسيتم  وقرأ نافع " عسِيتم " بكسر السين في الموضعين( [(٥)](#foonote-٥) )، وفتح الباقون السين، قال أبو علي : الأكثر فتح السين وهو المشهور، ووجه الكسر قول العرب هو عس بذلك مثل حر وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو نقم ونقم، فكذلك عسيت وعسيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال عسي زيد مثل رضي( [(٦)](#foonote-٦) )، فإن قيل فهو القياس، وإن لم يقل فسائغ أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحدهما في موضع الأخرى كما فعل ذلك في غيره، ومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفرار. 
إن كتب عليكم القتال ؟. 
**قوله عز وجل :**
 قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ 
المعنى وأي شيء يجلعنا ألا نقاتل وقد وترنا( [(٧)](#foonote-٧) ) وأخرجنا من ديارنا ؟ وقالوا هذه المقالة وإن كان القائل لم يخرج من حيث قد أخرج من هو مثله وفي حكمه، ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب تولوا، أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة( [(٨)](#foonote-٨) )، فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :**«لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا »**( [(٩)](#foonote-٩) )، ثم أخبر الله تعالى عن قليل( [(١٠)](#foonote-١٠) ) منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله، ثم توعد الظالمين في لفظ الخبر الذي هو قوله  والله عليم بالظالمين ، وقرأ أبي بن كعب **«تولوا إلا أن يكون قليل منهم »**.

١ - الكَعُّ: هو الجبن والضعف والتولي يوم الزحف. يقال: كعَّ فلان كعًّا، وكعوعاً، وكَعاعة..
٢ - أي: بجميع القوم، فكأنهم كل القوم..
٣ - بمعنى جعلها قائمة على ملك ونبي، الملك يسوسهم، والنبي يرشدهم..
٤ - أي: الاستئصال والإبادة. يقال: صلَمه – صلماً: قطعه واستأصله، وغلب استعماله في الأنف والأذن. واصطلمه: صلَمه. يقال: اصطلمهم الدهر أو الموت أو العدو: استأصلهم وأبادهم..
٥ - الموضع الأول هو هذه الآية من سورة البقرة – والموضع الثاني هو قوله تعالى في الآية (٢١) من سورة محمد: \[فهل عسيتم إن تولّيتم أن تُفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم\]..
٦ - المحفوظ عن العرب أنه لا تكسر السّين إلا مع تاء المتكلم والمخاطب ونون النسوة. انظر أبا (ح) (٢-٢٥٥)- قال: **«وذلك على سبيل الجواز لا الوجوب، ويفتح فيما سوى ذلك على سبيل الوجوب»** ا. هـ. ثم قال أبو (ح) في البحر المحيط (٢-٢٥٥): **«ودخول هل على (عسى) دليل على أن (عسى) فعل خبري لا إنشائي، والمشهور أن (عسى) إنشاء لأنه ترجّ، فهي نظيرة (لعل) ولذلك لا يجوز أن تقع صلة للموصول»** - ثم قال: **«وجواب الشرط الذي هو: \[إن كتب عليكم القتال\] محذوف للدلالة عليه، وتوسط الشرط بين أجزاء الدليل على حذفه كما توسط في قوله: (وإنا إن شاء الله لمهتدون) – وخبر \[عسيتم\] \[أن لا تقاتلوا\] – على المشهور أنها تدخل على المبتدأ والخبر – ومن ذهب إلى أن (عسى) يتعدى إلى مفعول جعل \[أن لا تقاتلوا\] هو المفعول – والواو في \[ومالنا أن لا نقاتل\] لربط هذا الكلام بما قبله»**. البحر المحيط (٢-٢٥٦)..
٧ - أي: ظلمنا. يقال: وتره: ظلمه، وفلان موتور: قتل له قتيل لم يؤخذ بثأره..
٨ - الأنفة: الحمية والغضب، وفي بعض النسخ: أوقات السَّعة وهي أولى وأنسب..
٩ - رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وفي آخره (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)..
١٠ - هذا القليل بيّنته السنة الطاهرة بعدة أصحاب بدر، أي ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي في سياق الآية..

### الآية 2:247

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:247]

قال وهب بن منبه :**«إنه لما قال الملأ من بني إسرائيل لسمويل بن بالي ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكاً ويدله عليه، فقال الله تعالى له : انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل( [(١)](#foonote-١) )، فادهن رأسه منه وملكه عليهم، قال : وكان طالوت رجلاً دباغاً، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب( [(٢)](#foonote-٢) )، وكان سبطاً لا نبوة فيه ولا ملك، فخرج طالوت في بغاء( [(٣)](#foonote-٣) ) دابة له أضلها، فقصد سمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجاً، فنش الدهن »**. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهو دهن القدس فيما يزعمون، قال : فقام إليه سمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل **«إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً »**، و  طالوت  اسم أعجمي معرب ولذلك لم ينصرف، وقال السدي :«إن الله أرسل إلى شمعون عصاً وقال له : من دخل عليك من بني إسرائيل فكان على طول هذه العصا فهو ملكهم، فقيس بها بنو إسرائيل فكانت تطولهم حتى مر بهم طالوت في بغاء حماره الذي كان يسقي عليه، وكان رجلاً سقاء، فدعوه فقاسوه بالعصا فكان مثلها، فقال لهم نبيهم ما قال، ثم إن بني إسرائيل تعنتوا وحادوا عن أمر الله تعالى، وجروا على سننهم فقالوا : أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ، أي لأنه ليس في بيت ملك ولا سبقت له فيه سابقة.  ولم يؤت  مالاً واسعاً يجمع به نفوس الرجال حتى يغلب أهل الأنفة بماله. 
قال القاضي أبو محمد : وترك القوم السبب الأقوى وهو قدر الله وقضاؤه السابق( [(٤)](#foonote-٤) )، وانه مالك الملك، فاحتج عليهم نبيهم عليه السلام بالحجة القاطعة، وبيّن لهم مع ذلك تعليل اصطفائه طالوت، وأنه زاده بسطة في العلم وهو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء( [(٥)](#foonote-٥) )، قال ابن عباس :» كان في بني إسرائيل سبطان أحدهما للنبوة والآخر للملك، فلا يبعث نبي إلا من الواحد ولا ملك إلا من الآخر، فلما بعث طالوت من غير ذلك قالوا مقالتهم «، قال مجاهد : معنى الملك في هذه الآية الإمرة على الجيش. 
قال القاضي أبو محمد : ولكنهم قلقوا لأن من عادة من تولى الحرب وغلب أن يستمر ملكاً، و  اصطفى  افتعل، مأخوذ من الصفوة، وقرأ نافع **«بصطة »** بالصاد، وقرأ أبو عمرو وابن كثير **«بسطة »** بالسين، والجمهور على أن العلم في هذه الآية يراد به العموم في المعارف، وقال بعض المتأولين : المراد علم الحرب، وأما جسمه فقال وهب بن منبه : إن أطول رجل في بني إسرائيل كان يبلغ منكب طالوت. 
**قوله عز وجل :**
 وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ 
لما علم نبيهم عليه السلام تعنتهم وجدالهم في الحجج تمم كلامه بالقطعي( [(٦)](#foonote-٦) ) الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله : والله يؤتي ملكه من يشاء ، وظاهر اللفظ أنه من قول النبي لهم، وقد ذهب بعض المتأولين إلى أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وأضيف ملك الدنيا إلى الله تعالى، إضافة مملوك إلى مالك، و  واسع  معناه وسعت قدرته وعلمه كل شيء،

١ - نشَّ: سُمع له صوت، يقال نشَّت القِدْر واللحم: صوت على المقلى، ونَشَّت الجرَّة الجديدة: صوتت كصوت الغليان عند صب الماء فيها، والقرن بتحريك الراء: جعبة من جلود مخروزة يجعل فيها الدهن وغيره..
٢ - أي كان من ذرية بنيامين بن يعقوب، ولم يكن في هذا السبط نبوة ولا ملك، بل كانا في سبط يهوذا بن يعقوب، وفي سبط لاوي بن يعقوب، وبنيامين كإسرافيل شقيق يوسف ابن يعقوب. قال في القاموس: ولا تقل: ابن يامين، والمعروف عند أهل الكتاب أن طالوت هو شاول..
٣ - كرُغاءٍ من بغاه يبغيه بغي وبغاء، أي: طلبه، ولكن أكثر ما يستعمل في معنى الطلب: ابْتغى، لا بَغَى..
٤ - يعني أنهم تعلقوا بالنسب الأضعف، ونسوا السبب الأقوى وهو إيتاء الله الملك لمن يشاء \[قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء وتعزّ من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير\] فالملك ملك الله، والمال مال الله، يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء، \[وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة\]..
٥ - وبذلك تكون صفة الإمامة قائمة على التوسع في العلم والقوة في الجسم باستجماع معاني الخير والشجاعة، وفضائل الإيمان والشهامة، روى الإمام مسلم، والإمام أحمد، والنسائي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، وفي كتاب الله عز وجل: \[إن خير من استأجرت القويّ الأمين\]..
٦ - أي بالدليل القطعي، والحجة البالغة التي لا اعتراض عليها..

### الآية 2:248

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:248]

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ٢٤٨ )
وأما قول النبي لهم : إن آية ملكه  فإن الطبري ذهب إلى أن بني إسرائيل تعنتوا وقالوا لنبيهم : وما آية ملك طالوت ؟ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صدقه في قوله إن الله قد بعث. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغبيط والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها الله بملك طالوت وجعلها آية له دون أن تعن بنو إسرائيل لتكذيب نبيهم، وهذا عندي أظهر( [(١)](#foonote-١) ) من لفظ الآية، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، فإنهم أهل تكذيب وتعنت واعوجاج، وقد حكى الطبري معناه( [(٢)](#foonote-٢) ) عن ابن عباس وابن زيد والسدي. 
واختلف المفسرون في كيفية إتيان  التابوت  وكيف كان بدء أمره، فقال وهب بن منبه : كان التابوت عند بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت، وصار التابوت عند القوم الذين غلبوا، فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسة، فجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم، وقيل : جعل في مخرأة قوم فكانوا يصيبهم الناسور، فلما عظم بلاؤهم كيف كان( [(٣)](#foonote-٣) )، قالوا : ما هذا إلا لهذا التابوت فلنرده إلى بلاد بني إسرائيل، فأخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين فأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا به على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت، فأيقنوا بالنصر، وهذا( [(٤)](#foonote-٤) ) هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية. وقال قتادة والربيع : بل كان هذا التابوت مما تركه موسى عند يوشع بن نون، فجعله يوشع في البرية، ومرت عليه الدهور حتى جاء وقت طالوت. وكان أمر التابوت مشهوراً عندهم في تركة موسى، فجعل الله الإتيان به آية لملك طالوت، وبعث الله ملائكة حملته إلى بني إسرائيل، فيروى أنهم رأوا التابوت في الهواء يأتي حتى نزل بينهم، وروي أن الملائكة جاءت به تحمله حتى جعلته في دار طالوت، فاستوسقت( [(٥)](#foonote-٥) ) بنو إسرائيل عند ذلك على طالوت، وقال وهب بن منبه : كان قدر التابوت نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين، وقرأ زيد بن ثابت **«التابوه »**، وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء. 
قال القاضي أبو محمد : وكثر الرواة في قصص( [(٦)](#foonote-٦) ) التابوت وصورة حمله بما لم أر لإثباته وجهاً للين إسناده. 
**قوله عز وجل :**
 فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : السكينة ريح هفافة( [(٧)](#foonote-٧) ) لها وجه كوجه الإنسان، وروي عنه أنه قال : هي ريح خجوج ولها رأسان، وقال مجاهد : السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان وذنب، وقال أقبلت السكينة والصرد وجبريل مع إبراهيم من الشام. وقال وهب بن منبه عن بعض علماء بني إسرائيل : السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ الهر أيقنوا بالنصر. وقال ابن عباس : السكينة طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وقاله السدي. وقال وهب بن منبه : السكينة روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء أخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء بن أبي رباح : السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها. وقال الربيع بن أنس : سكينة من ربكم  أي رحمة من ربكم، وقال قتادة : سكينة من ربكم  أي وقار لكم من ربكم. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده( [(٨)](#foonote-٨) )، والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة. 
واختلف المفسرون في البقية ما هي ؟ : فقال ابن عباس : هي عصا موسى ورضاض( [(٩)](#foonote-٩) ) الألواح، وقال الربيع : هي عصا موسى وأمور من التوراة. وقال عكرمة : هي التوراة والعصا ورضاض الألواح. 
قال القاضي أبو محمد : ومعنى هذا ما روي من أن موسى عليه السلام لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل القى الألواح غضباً فتكسرت. فنزع منها ما بقي صحيحاً وأخذ رضاض ما تكسر فجعل في التابوت. وقال أبو صالح : البقية عصا موسى وعصا هارون ولوحان من التوراة والمن. وقال عطية بن سعد : هي عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ورضاض الألواح. وقال الثوري : من الناس من يقول البقية قفيز منّ ورضاض الألواح. 
ومنهم من يقول : العصا والنعلان. وقال الضحّاك : البقية الجهاد وقتال الأعداء. 
قال القاضي أبو محمد : أي الأمر بذلك في التابوت، إما أنه مكتوب فيه، وإما أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى آل موسى وهارون من حيث كان الأمر مندرجاً من قوم إلى قوم( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وكلهم آل لموسى وهارون، وآل الرجل قرابته وأتباعه، وقال ابن عباس والسدي وابن زيد : حمل الملائكة هو سوقها التابوت دون شيء يحمله سواها حتى وضعته بين يدي بني إسرائيل وهم ينظرون إليه بين السماء والأرض، وقال وهب بن منبه والثوري عن بعض أشياخهم، حملها إياه هو سوقها الثورين أو البقرتين اللتين جرتا العجلة به، ثم قرر تعالى أن مجيء التابوت آية لهم إن كانوا ممن يؤمن ويبصر بعين حقيقة.

١ - يريد: وهذا عندي هو أظهر معنى يُفهم من الآية، فهو أظهر من قول الطبري. وفيه أن لفظ الآية قد يشهد أيضا للطبري مع كون ما قاله أشبه بأخلاق بني إسرائيل، ويؤيده قوله تعالى: \[إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين\] وقد كان رجوع التابوت المسلوب منهم إليهم دلالة واضحة على صدقه في قوله: \[إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا\] ويشير كلام ابن كثير إلى تأييد ما قاله الإمام الطبري، فانظر وتأمل..
٢ - أي حكى معنى ما ذكره من تأويل الآية عن ابن عباس، وابن زيد، والسدي..
٣ - أي سواء كان في الكنيسة، أو في القرية، أو في البراز..
٤ - أي سوق الملائكة للبقرتين الجارَّتين لعجلة التابوت..
٥ - يعني أنهم استوثقوا على طالوت، أي اجتمعوا على طاعته، واستقر أمر الملك فيه..
٦ - كل ذلك روايات إسرائيلية لا تعتمد، ولم يثبت شيء من ذلك عن طريق السنة الصحيحة..
٧ - يقال: ريح هفافة: سريعة المرور في هبوبها، وريح خَجُوج: شديدة المرور في هبوبها..
٨ - إنما قال ابن عطية ذلك لأن هذه التفاسير كلها متلقاة من الإسرائيلين، ولذلك كانت التفاسير متناقضة، فالتناقض منهم وليس من هؤلاء الأعلام الذين نقلوها عنهم، فمرة يجعلونها حيوانا، وتارة يجعلونها جمادا، وأخرى روحا، ومن ثم قال القاضي رحمه الله: والصحيح إلخ، فإن المعهود أن الله سبحانه ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده. والذي ثبت في السكينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تنزلت على بعض الصحابة عند قراءته للقرآن كما في صحيح الإمام مسلم، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أسيد بن الحضير بينما هو يقرأ في مربده لحديث، وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تلك الملائكة كانت تستمع لك) فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرّة. وعن نزول الملائكة مرة أخرى، فدل ذلك على أن السكينة كانت في تلك الظُّلَّة، وأنها تنزل مع الملائكة، وقد يكون في هذا حجة لمن قال: إن السكينة روح، أو شيء له روح، لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم..
٩ - هو دقاق الشيء وفُتاته، أي ما يفتت منه عند الكسر..
١٠ - الاندراج: الانقراض، والمراد أنه كلما انقرض جيل ورثه جيل آخر..

### الآية 2:249

> ﻿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:249]

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ 
قبل هذه الآية متروك من اللفظ يدل معنى ما ذكر عليه، وهو فاتفق بنو إسرائيل على طالوت ملكاً وأذعنوا وتهيؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل، و  فصل  معناه خرج بهم من القطر، وفصل حال السفر من حال الإقامة( [(١)](#foonote-١) )، قال السدي وغيره : كانوا ثمانين ألفاً. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ولا محالة أنهم كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان، وقال وهب بن منبه : ولم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض. 
واختلف المفسرون في النهر، فقال وهب بن منبه : لما فصل طالوت قالوا له إن المياه لا تحملنا( [(٢)](#foonote-٢) ) فادع الله يجر لنا نهراً، فقال لهم طالوت  إن الله مبتليكم  الآية، وقال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين، وقاله ابن عباس، وقال أيضاً هو السدي، النهر نهر فلسطين، وقرأ جمهور القراء **«بنهَر »** بفتح الهاء، وقرأ مجاهد وحميد الأعرج وأبو السمال وغيرهم **«بنهْر »** بإسكان الهاء في جميع القرآن، ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلب شهوته في الماء وعصى الأمر فهو بالعصيان في الشدائد أحرى، وروي أنهم أتوا النهر وهم قد نالهم عطش وهو غاية العذوبة، والحسن، ولذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال إلى الاغتراف بالأيدي لنظافته، وسهولته، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الأكف انظف الآنية( [(٣)](#foonote-٣) ). ومنه قول الحسن رحمه الله :\[ البسيط \]. 
لاَ يَدْلِفُونَ إلى مَاءٍ بآنِيةٍ. . . إلاَّ اغترافاً مِنَ الغُدْرانِ بِالرَّاحِ( [(٤)](#foonote-٤) )
وظاهر قول طالوت  إن الله مبتليكم  هو أن ذلك بوحي إلى النبي وإخبار من النبي لطالوت، ويحتمل أن يكون هذا مما ألهم الله طالوت إليه فجرب به جنده، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم، وهذه النزعة واجب أن تقع من كل متولي حرب، فليس يحارب إلاّ بالجند المطيع، ومنه قول معاوية :**«عليّ في أخبث جند وأعصاه وأنا في أصح جند وأطوعه »**، ومنه قول علي رضي الله عنه :**«أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان »**، وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين هممهم في غير الرفاهية، كما قال عروة( [(٥)](#foonote-٥) ) :\[ الطويل \]
وَأَحسوا قَرَاحَ الْمَاءِ والْمَاءُ بَارِد. . . فيشبه أن طالوت أراد تجربة القوم، وقد ذهب قوم إلى عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمله مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم( [(٦)](#foonote-٦) ). 
وقوله : فليس مني  أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«من غشنا فليس منا، ومن رمانا بالنبل فليس منا، وليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود »**( [(٧)](#foonote-٧) )، وفي قوله تعالى : ومن لم يطعمه  سد للذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم( [(٨)](#foonote-٨) )، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم. ولهذه المبالغات لم يأت الكلام، ومن لم يشرب منه( [(٩)](#foonote-٩) ). وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير ****«غَرفة »**** بفتح الغين. وهذا على تعدية الفعل إلى المصدر. والمفعول محذوف، والمعنى إلا من اغترف ماء غرفة، وقرأ الباقون **«غُرفة »** بضم الغين وهذا على تعدية الفعل إلى المفعول به، لأن الغرفة هي العين المغترفة. فهذا بمنزلة إلاَّ من إغترف ماء، وكان أبو علي يرجح ضم الغين، ورجحه الطبري أيضاً من جهة أن ****«غَرفة »**** بالفتح إنما هو مصدر على غير اغتراف( [(١٠)](#foonote-١٠) )، ثم أخبر تعالى عنهم أن الأكثر شرب وخالف ما أريد منه، وروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أن القوم شربوا على قدر يقينهم. فشرب الكفار شرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. 
قوله عز وجل : فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ 
**«جاوز »** فاعل من جاز ويجوز. وهي مفاعلة من اثنين في كل موضع. لأن النهر وما أشبهه كأنه يجاوز. واختلف الناس في  الذين آمنوا معه  كم كانوا ؟ فقال البراء بن عازب : كنا نتحدث ان عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وفي رواية : وثلاثة عشر رجلاً، وما جاوز معه إلا مؤمن( [(١١)](#foonote-١١) )، وقال قتادة : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر :**«أنتم كعدة أصحاب طالوت »**( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقال السدي وابن عباس : بل جاوز معه أربعة آلاف رجل، قال ابن عباس : فيهم من شرب، قالا : فلما نظروا إلى جالوت وجنوده قالوا : لا طاقة لنا اليوم، ورجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، هذا نص قول السدي ومعنى قول ابن عباس، فعلى القول الأول( [(١٣)](#foonote-١٣) ) قالت الجملة : لا طاقة لنا اليوم ، على جهة استكثارا العدو. 
فقال أهل الصلابة منهم والتصميم والاستماتة : كم من فئة قليلة  الآية، وظن لقاء الله على هذا القول يحسن أن يكون ظناً على بابه، أي يظنون أنهم يستشهدون في ذلك اليوم لعزمهم على صدق القتال، كما جرى لعبد الله بن حرام في يوم أحد، ولغيره، وعلى القول الثاني( [(١٤)](#foonote-١٤) ) قال كثير من الأربعة الآلاف : لا طاقة لنا على جهة الفشل والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوت، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله وهم عدة أهل بدر : كم من فئة قليلة  والظن على هذا بمعنى اليقين، وهو فيما لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس. 
قال القاضي أبو محمد : وما روي عن ابن عباس من أن في الأربعة الآلاف من شرب يرد عليه قوله تعالى : هو والذين آمنوا معه ، وأكثر المفسرين على أنه إنما جاوز النهر من لم يشرب إلا غرفة ومن لم يشرب جملة، ثم كانت بصائر هؤلاء مختلفة، فبعض كع وقليل صمم، وقرأ أبي بن كعب **«كأين من فئة »**( [(١٥)](#foonote-١٥) )، والفئة الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد، من قولهم : فاء يفيء إذا رجع، وقد يكون الرجل الواحد فئة تشبيهاً، والملك فئة الناس، والجبل فئة، والحصن، كل ذلك تشبيه( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وفي قولهم رضي الله عنهم : كم من فئة  الآية، تحريض بالمثال وحض واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربه،  وإذن الله  هنا( [(١٧)](#foonote-١٧) ) تمكينه وعلمه، فمجموع ذلك هو الإذن،  والله مع الصابرين  بنصره وتأييده. 
١ - فصل تأتي بمعنى انفصل – يقال: فصل عن الموضوع بمعنى، انفصل وجاوزه، والباء في (بالجنود) للحال، أي: والجنود مصاحبوه..
٢ - لقلَّتها، ومنه حديث أبي داود، والترمذي، والنسائي: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا) أي لم يقبل حمل الخبث لكثرته. وأولى ما تفسر به القلة ما روي عن ابن عباس أنه قال: إذا بلغ الماء ذنوبين لم يحمل الخبث. فجعل الذنوب مثل القُلَّة. والمراد أنهم شكوا خوف العطش وقلة الماء، والوقت وقت القيظ والصيف، والمسافة مفازة..
٣ - أي بعد غسلها كما في حديث ابن ماجة عن ابن عمر قال: (مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد) ا. هـ..
٤ - البيت للحسين بن هانئ وهو أبو نواس، ونص ما في ديوانه، (في دير حنة):
 يـا ديـر حنة ذات الأكــراح
 منْ يَصْحُ عنْكِ، فإني لست بالصَّاحـي
 رأيـت فيك ظباءً لا قُرونَ لهـا
 يلْعَبْـــنَ مِنَّا بِألْبَـــابِ، وأرْوَاحِ
 يَغْتَـادُهُ كُلُّ مَخْفُـوفٍ مفارقُـه
 مِنَ الدِّهَـانِ، عليه سحــق إمْسَـاح
 في عُصْبَةٍ لم يدع مِنهم تَخَوُّفُهُم
 وُقــوع ما حَذِروهُ، غيرَ أشْبَــاح
 لا يَدْلِفُـونَ إلى مـاءٍ بآنيــةٍ
 إلا اغتــرافاً من الغُدْرَانِ بالـرَّاح
 والأكراح: مواضع يتجول فيها النصارى. ودلف – من باب ضرب- معناها: مشى رويدا وقارب الخطو..
٥ - هو ابن الورد العبسي الجاهلي، والبيت كما في "الشعر والشعراء" لابن قتيبة:
 أُقَسِّمُ جِسمي في جُسُومٍ كثيـرةٍ وأحْسُو قَرَاحَ الماءِ والماءُ بَــارد
 والقراح (بفتح القاف) الماء الخالص الذي ليس به ما يطيبه كالعسل والتمر والزبيب، جمعه أقرحة..
٦ - عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي البدري كانت فيه دعابة معروفة. أمره النبي صلى الله عليه وسلم على سرية، فأمرهم أن يجمعوا حطباً ويوقدوا ناراً، فلما أوقدوها أمرهم أن يدخلوا فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله بطاعتي ؟، وقال: من أطاع أميري فقد أطاعني، فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجوا من النار – فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). قال الله تعالى: \[ولا تقتلوا أنفسكم\] إلا أن مزاحه رضي الله عنه خشَّن الأمر الذي كلفه إياه وصعبه، أهم في طاعة أم في عصيان ؟.
٧ - رواه الإمام مسلم في مسنده الصحيح..
٨ - هو بفتح الطاء، وهو أعم من الطُّعم بالضَّم، لأنه يشمل المائع وغيره..
٩ - يقال: طعِمت الشيءَ: ذقته، والنهي عن الذوق أبلغ من النهي عن الشرب لأن نفي الطعم يستلزم نفي الشرب، ونفي الشرب لا يستلزم نفي الطعم، قال ابن الأنباري: العرب تقول: أطعمتك الماء تريد أذقتك، وطعمت الماء أطعمه بمعنى ذقته، قال الشاعر: 
 فإن شئت حرَّمت النساء عليكم وإن شئت لم أطعم نُقَاحاً ولا برداً
 ومن هذه الآية وقع الاختلاف بين أئمة الاجتهاد. آلماء ربوي أم لا ؟ وعند المالكية يجوز بيعه لأجل كما في مختصرهم..
١٠ - كل من الفتح والضم مرويّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ومتواتر، وكل منهما له وجه في العربية ظاهر، فلا معنى للترجيح بينهما، وإن كان قد يقال: الضم أوجه لقوله تعالى: \[فشربوا منه\] والمشروب منه الغرفة كما قال أبو علي، ولأن المفتوح مصدر من غرف لا من اغترف، كما قال الإمام الطبري. وقوله: \[إلا من اغترف غرفة بيده\] استثناء من الجملة الأولى: \[فمن شرب منه فليس مني\] وليس اسثناء من الثانية: \[ومن لم يطعمه فإنه مني\]، والاسثناء إذا أعقب جملا يمكن عوده إلى كل واحدة منها فإنه يتعلق بالأخيرة، فإن دلّ دليل على تعلقه بواحدة منها كان تعلقه بها، وهنا دلّ دليل على تعلقه بالجملة الأولى – وإنما قدمت الجملة الثانية على الاستثناء لشدة ارتباطا بالأولى حتى إنها لتفهم منها ولو لم تذكر فصارت كأنها لم تذكر – راجع "البحر المحيط" ٢-٢٦٥..
١١ - رواه البخاري، وابن أبي شيبة، وابن جرير..
١٢ - رواه ابن جرير..
١٣ - هو قول قتادة والبراء بن عازب..
١٤ - هو قول ابن عباس والسدي..
١٥ - مرادفة لـ (كم) في التكثير، ولم يجيء تمييزها في القرآن إلا مصحوبا بمن..
١٦ - أي بالجماعة التي يرجع إليها في الشدائد، فإن الملك فئة الناس أي مرجعهم وملجؤهم في الأزمات، والجبل فئة الناس يعتصمون به في الحرب ووقت الحاجة والضرورة. وأصل فئة فِئَيٌ، والهاء عوض من الياء..
١٧ - أي في هذا المقام، وهو مقام غلبة القليل للكثير، يقال: مكّنه من الأمر جعل له عليه سلطانا وقدرة..

### الآية 2:250

> ﻿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:250]

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ . 
 برزوا  معناه : صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع، و **«جالوت »** اسم أعجمي معرب، والإفراغ أعظم الصب، كأنه يتضمن عموم المفرغ عليه.

### الآية 2:251

> ﻿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:251]

والهزم أصله أن يضرب الشيء فيدخل بعضه في بعض، وكذلك الجيش الذي يرد يركب ردعه( [(١)](#foonote-١) )، ثم قيل في معنى الغلبة : هزم، وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس. 
وروي في قصة داود وقتله جالوت، أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود وهم بنو إيشى، وكان داود صغيراً يرعى غنماً لأبيه، فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فلما نهض مر في طريقه بحجر فناداه : يا داود، خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر، ثم آخر، ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر الناس، خرج جالوت يطلب مبارزاً فكع الناس عنه حتى قال طالوت : من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال : أنا أبرز له وأقتله، فقال له طالوت : فاركب فرسي، وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكة فلما مشى قليلاً رجع. فقال الناس : جبن الفتى، فقال داود : إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. 
قال : وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه، وخرج إلى جالوت وهو شاك في سلاحه( [(٢)](#foonote-٢) )، فقال له جالوت : أنت يا فتى تخرج إليّ، قال : نعم، قال : هكذا كما يخرج إلى الكلب، قال : نعم وأنت أهون. قال : لأطعمن اليوم لحمك الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود مقلاعه، وأدخل يده إلى الحجارة فروي أنها التأمت فصارت حجراً واحداً فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت وكانت الهزيمة، ثم إن داود جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال له : إن بنات الملوك لهن غرائب من المهر، ولا بد لك من قتل مائتين من هؤلاء الجراجمة( [(٣)](#foonote-٣) ) الذين يؤذون الناس، وتجيئني بغلفهم وطمع طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه النزعة فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك وطلب امرأته فدفعها إليه طالوت، وعظم أمر داود، فيروى أن طالوت تخلى له عن الملك وصار هو الملك، ويروى أن بني إسرائيل غلبت طالوت على ذلك بسبب أن داود قتل جالوت، وكان سبب الفتح، وروي أن طالوت أخاف داود حتى هرب منه فكان في جبل إلى أن مات طالوت فذهبت بنو إسرائيل إلى داود فملكته أمرها، وروي أن نبي الله سمويل أوحى الله إليه أن يذهب إلى إيشى ويسأله أن يعرض عليه بنيه فيدهن الذي يشار إليه بدهن القدس ويجعله ملك بني إسرائيل. 
والله أعلم أي ذلك كان، غير أنه يقطع من ألفاظ الآية على أن داود صار ملك بني إسرائيل. وقد روي في صدر هذه القصة : أن داود كان يسير في مطبخة طالوت ثم كلمه حجر فأخذه فكان ذلك سبب قتله جالوت ومملكته، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، وذلك كله لين الأسانيد، فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية وتعلم به مناقل( [(٤)](#foonote-٤) ) النازلة واختصرت سائر ذلك، وأما الحكمة التي آتاه الله فهي النبوة والزبور وقال السدي : آتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون والذي علمه هي صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع علمه صلى الله عليه وسلم. 
**قوله عز وجل :**
 وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ 
أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لولا دفعه بالمؤمنين( [(٥)](#foonote-٥) ) في صدور الكفرة على مر الدهر  لفسدت الأرض ، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع إلى الله ومقاتل عليه، إلى أن جعل ذلك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، له الحمد كثيراً. قال مكي : وأكثر المفسرين على أن المعنى لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم( [(٦)](#foonote-٦) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وليس هذ المعنى الآية ولا هي منه في ورد ولا صدر، والحديث الذي رواه ابن عمر صحيح( [(٧)](#foonote-٧) )، وما ذكر مكي من احتجاج ابن عمر عليه بالآية لا يصح عندي لأن ابن عمر من الفصحاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير : ولولا دفع الله ، وفي الحج  إن الله يدفع  \[ الآية : ٣٨ \]، وقرأ نافع **«ولولا دفاع الله »**، ****«وإن الله يدافع »****، وقرأ الباقون  ولولا دفع الله  ****«وإن الله يدافع »**** ففرقوا بينهما، والدفاع، يحتمل أن يكون مصدر دفع ككتب كتاباً ولقي لقاء، ويحتمل أن يكون مصدر دافع كقاتل قتالاً.

### الآية 2:252

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [2:252]

والإشارة ب " تلك " إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصة بجملتها مثال عظيم للمؤمنين ومعتبر، وقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معدين( [(٨)](#foonote-٨) ) لحرب الكفار، فلهم في هذه النازلة معتبر يقتضي تقوية النفوس والثقة بالله وغير ذلك من وجوه العبرة.

### الآية 2:253

> ﻿۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [2:253]

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ 
 تلك  رفع بالابتداء، و  الرسل  خبره، ويجوز أن يكون  الرسل  عطف بيان و  فضلنا  الخبر، و  تلك  إشارة إلى جماعة مؤنثة اللفظ، ونص الله في هذه الآية على تفضيل بعض الأنبياء على بعض( [(١)](#foonote-١) ) وذلك في الجملة دون تعيين مفضول. وهكذا هي الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه قال :**«أنا سيد ولد آدم »**( [(٢)](#foonote-٢) )، وقال :**«لا تفضلوني على موسى »**( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال :**«لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى »**( [(٤)](#foonote-٤) )، وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول، لأن يونس عليه السلام كان شاباً( [(٥)](#foonote-٥) ) وتفسخ( [(٦)](#foonote-٦) ) تحت أعباء النبوءة، فإذا كان هذا التوقف فيه لمحمد وإبراهيم ونوح فغيره أحرى، فربط الباب أن التفضيل فيهم على غير تعيين المفضول، وقد قال أبو هريرة : خير ولد آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وهم أولو العزم( [(٧)](#foonote-٧) ) والمكلم موسى صلى الله عليه وسلم. 
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو ؟ فقال نعم نبي مكلّم( [(٨)](#foonote-٨) )، وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصة موسى، وقول تعالى : ورفع بعضهم درجات  قال مجاهد وغيره : هي إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث إلى الناس كافة وأعطي الخمس التي لم يعطها أحد قبله( [(٩)](#foonote-٩) )، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله، ومن معجزاته وباهر آياته، ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد وغيره( [(١٠)](#foonote-١٠) ) ممن عظمت آياته ويكون الكلام تأكيداً للأول، ويحتمل أن يريد رفع إدريس المكان العليّ( [(١١)](#foonote-١١) ) ومراتب الأنبياء في السماء( [(١٢)](#foonote-١٢) ) فتكون الدرجات في المسافة ويبقى التفضيل مذكوراً في صدر الآية فقط، وبينات عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وخلق الطير من الطين، و **«روح القدس »** جبريل عليه السلام، وقد تقدم ما قال العلماء فيه( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
**قوله عز وجل :**
 ولَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ 
ظاهر اللفظ في قولهم : من بعدهم يعطي أنه أراد القوم الذين جاؤوا من بعد جميع الرسل، وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي فلف الكلام لفاً يفهمه السامع، وهذا كما تقول : اشتريت خيلاً، ثم بعتها، فجائزة لك هذه العبارة وأنت اشتريت فرساً ثم بعته، ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغياً وحسداً، وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان. ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك. الفعال لما يريد، فاقتتلوا بأن قتل المؤمنون الكافرين على مر الدهر، وذلك هو دفع الله الناس بعضهم ببعض. 
١ - أي: وبعض الرسل، لقوله تعالى: \[ولقد فضّلنا بعض النبيّين على بعض\] وقوله تعالى: \[تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض\]..
٢ - رواه الإمام مسلم، وغيره. وفي رواية في أحاديث الشفاعة (أنا سيد الناس يوم القيامة)..
٣ - وفي رواية: (لا تخيّروني) وخَيَّرَ وفَضَّلَ بمعنى واحد، والحديث رواه الشيخان وغيرهما.
 تنبيه: هذه الأحاديث التي أشار إليها ابن عطية رحمه الله تعارض بظاهرها الآية الكريمة. وأجاب أكثر العلماء عن ذلك بأن المراد لا تفضلوني مفاضلة تؤدي إلى مخاصمة أو نقيضة، أو كان ذلك على سبيل التواضع، أو قال ذلك في حق النبوة، فإن الأنبياء لا تفاضل بينهم فيها، وإنما التفاضل بالمزايا والخصائص التي منحها الله تبارك وتعالى لبعض أنبيائه ورسله، وهذا هو ما ثبت في الآية – لأن مراتب الكمال لا نقص فيها، ولا يلزم تفاوتها نقيض أو ضد – ولذلك قال صلى الله عليه وسلم – لما سئل عن خير دور الأنصار -: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحرث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة) ثم قال: (وفي كل دور الأنصار خير). رفعا لتوهم البعض والضد قال سعد بن عبادة: يا رسول الله **«ذكرت خير دور الأنصار، فجعلنا: آخراً»**. فقال: (أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار) ؟ وأجاب بعض العلماء عن ذلك – كما نقله الإمام (ق) عن شيخه، وكذا اختاره الإمام الشوكاني – بأنه لا معارضة، فالتفضيل الثابت في الآية هو من الله سبحانه وتعالى فنعتقد ذلك، ونؤمن به، وأما تفضيل العباد فهو منهي عنه في السنة، فلا نقول: فلان خير من فلان، أو فلان أفضل من فلان، لما يُتوهّم من النقص، وفرق بين اعتقاد معنى التفضيل والتعبير عنه باللفظ، وتأمل ذلك مع قوله عليه السلام (أنا سيّد ولد آدم)..
٤ - رواه الشيخان، وأبو داود، عن ابن عباس بلفظ: (ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى)، وبلفظ: (لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متَّى)..
٥ - علة لتخصيص يونس بن متى بالذكر إذ ربما يكون التفضيل ذريعة إلى نقصه بسبب ما قصه الله عنه في كتابه، و(متَّى) بتشديد التاء اسم أمه، ولم يشتهر نبي بأمه إلا عيسى ويونس كما ذكره ابن الأثير في الكامل..
٦ - رُوي – كما في تفسير ابن أبي حاتم، ومستدرك الحاكم – عن وهب بن منبه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للنبوة أثقالا، وإن يونس تفسخ منها تفسخ الرُّبَعُ)، أي انسلخ منها وتجرد عنها، والمعنى أن يونس لم يستطع أن يحمل أعباء النبوة كما أن الرُّبَع "بضم الراء المشددة، وفتح الباء" وهو ولد الناقة الذي يولد في الربيع لا يستطيع أن يحمل الأثقال الكبيرة..
٧ - يعني ابن عطية أن هذا نص من أبي هريرة في التعيين..
٨ - رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه..
٩ - قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأُحِلّت لي الغنائم، وأُعطيت الشفاعة)..
١٠ - كموسى وعيسى..
١١ - في السماء الرابعة أو السادسة..
١٢ - كما ثبت في حديث الإسراء..
١٣ - عند تفسير قوله تعالى: \[ولقد آتينا موسى الكتاب، وقفّينا من بعده بالرسل، وآتينا عيسى بن مريم البيّنات، وأيّدناه بروح القدس\] وسبق ثمّة أنه جبريل عليه السلام.

### الآية 2:254

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:254]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ٢٥٤ )
قال ابن جريج : هذه الآية تجمع الزكاة والتطوع، وهذا كلام صحيح فالزكاة واجبة والتطوع مندوب إليه، وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل وصلة رحم، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله( [(١)](#foonote-١) )، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية : والكافرون هم الظالمون ، أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال، وندب الله بهذه الآية، إلى إنفاق شيء مما أنعم به وهذه غاية التفضل فعلاً وقولاً( [(٢)](#foonote-٢) )، وحذر تعالى من الإمساك، إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك بنفقة في ذات الله، إذ هي مبايعة على ما قد فسرناه في قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله  \[ البقرة : ٢٤٥ \]، أو إذ البيع فدية( [(٣)](#foonote-٣) ) لأن المرء قد يشتري نفسه ومراده بماله، وكأن معنى الآية معنى سائر الآي التي تتضمن ألا فدية يوم القيامة. 
وأخبر الله تعالى بعدم الخلة يوم القيامة، والمعنى : خلة نافعة تقتضي المساهمة كما كانت في الدنيا، وأهل التقوى بينهم في ذلك اليوم خلة ولكنها غير محتاج إليها( [(٤)](#foonote-٤) )، وخلة غيرهم لا تغني من الله شيئاً، وأخبر تعالى أن الشفاعة أيضاً معدومة في ذلك اليوم، فحمل الطبري ذلك على عموم اللفظ وخصوص المعنى، وأن المراد  ولا شفاعة  للكفار. وهذا لا يحتاج إليه. بل الشفاعة المعروفة في الدنيا وهي انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده مرتفعة يوم القيامة البتة. وإنما توجد شفاعة بإذن الله تعالى. فحقيقتها رحمة من الله تعالى. لكنه شرف الذي أذن له في أن يشفع، وإنما المعدوم مثل حال الدنيا من البيع والخلة والشفاعة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو :**«لا بيعَ فيه ولا خلةَ ولا شفاعة »** بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وكذلك في سورة إبراهيم  لا بيعَ فيه ولا خلالَ  \[ الآية : ٣١ \]، وفي الطور : لا لغو فيها ولا تأثيم  \[ الآية : ٢٣ \]، وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، و  الظالمون  واضعو الشيء في غير موضعه، وقال عطاء بن دينار : الحمد لله الذي قال : والكافرون هم الظالمون ( [(٥)](#foonote-٥) ) ولم يقل : الظالمون هم الكافرون.

١ - أي الجهاد، لقوله تعالى: \[ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض\] على ما قدمه ابن عطية رحمه الله من أن المراد بذلك دفع المؤمنين للكافرين انظر ص ٢٧٢ ج٢..
٢ - أنعم عليك فعلا، وأمرك بالإنفاق قولا، والمراد أنه أنعم عليك في الدنيا والآخرة بما قدمته من الإنفاق في سبيل الله حسب توجيهه وأمره، وذلك غاية التفضل..
٣ - يعني أن البيع إما أن يكون بمعنى الأخذ والعطاء، وإما أن يكون بمعنى الخلاص والفداء، فالنفقة مبايعة أو مفاداة، والمثال واحد..
٤ - في هذه العبارة شيء من القلق، وقد قال الله تعالى: \[الأخلاّء يومئد بعضهم لبعض عدوّ إلا المتَّقين\].
 والخلة: الصداقة، كأنها تتخلل الأعضاء، أي تدخل خلالها، والخُلَّة: الصديق: قال الشاعر:
 وكان لها في سالف الدهْر خُلَّـةٌ يُسارق بالطَّرْفِ الخِبَـاءَ المُسَتَّرا.
٥ - لأن الآية كما هي تعطي معنى أن كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافر. ولو قال: "والظالمون الكافرون" لكان قد حكم على كل ظالم – وهو من يضع الشيء في غير موضعه – بالكفر..

### الآية 2:255

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [2:255]

اللَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ 
هذه سيدة آي القرآن، ورد ذلك في الحديث( [(١)](#foonote-١) ) وورد أنها تعدل ثلث القرآن( [(٢)](#foonote-٢) )، وورد أن من قرأها أول ليله لم يقربه شيطان( [(٣)](#foonote-٣) )، وكذلك من قرأها أول نهاره. وهذه متضمنة التوحيد والصفات العلى، و  الله  مبتدأ، و  لا إله  مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود، و  إلا  هو بدل من موضع  لا إله ، و  الحي  صفة من صفات الله تعالى ذاتية، وذكر الطبري، عن قوم أنهم قالوا : الله تعالى حي لا بحياة. وهذا قول المعتزلة وهو قول مرغوب عنه، وحكي عن قوم أنه حي بحياة هي صفة له، وحكي عن قوم أنه يقال حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه( [(٤)](#foonote-٤) )، و  القيوم  فيعول من القيام أصله قيووم اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء، وقيوم بناء مبالغة أي : هو القائم على كل أمر بما يجب له، وبهذا المعنى فسره مجاهد والربيع والضحاك، وقرأ ابن مسعود وعلقمة وإبراهيم النخعي والأعمش :**«الحي القيوم »** بالألف( [(٥)](#foonote-٥) ) ثم نفى عز وجل أن تأخذه  سنة  أو  نوم ، وفي لفظ الأخذ غلبة ما، فلذلك حسنت في هذا الموضع بالنفي، والسنة بدء النعاس، وهو فتور يعتري الإنسان وترنيق في عينيه، وليس يفقد معه كل ذهنه، والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن، والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا تدركه آفة ولا يلحقه خلل بحال من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك وأقيم هذا المذكور من الآفات مقام الجميع، وهذا هو مفهوم الخطاب كما قال تعالى : فلا تقل لهما أف ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الإسراء : ٢٣ \]، ومما يفرق بين الوسن والنوم قول عدي بن الرقاع :\[ الكامل \]
وَسْنان أَقْصَدُه النُّعاسُ فَرنّقَتْ. . . في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بنائِمِ( [(٧)](#foonote-٧) )
وبهذا المعنى في السنة فسر الضحاك والسدي، وقال ابن عباس وغيره : السنة النعاس، وقال ابن زيد : الوسنان، الذي يقوم من النوم وهولا يعقل حتى ربما جرد السيف على أهله. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا الذي قال ابن زيد فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب، وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال :**«وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه ؟ فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً لم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما، قال : فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت فانكسرت القارورتان »**
قال : ضرب الله مثلاً أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض( [(٨)](#foonote-٨) )، وقوله تعالى : له ما في السموات وما في الأرض  أي بالملك. فهو مالك الجميع وربه، وجاءت العبارة ب  ما  وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود، ثم قرر ووقف تعالى على من يتعاطى أن  يشفع عنده  أو يتعاطى ذلك فيه إلا أن يأذن هو في ذلك لا إله إلا هو( [(٩)](#foonote-٩) ) وقال الطبري : هذه الآية نزلت لما قال الكفار : ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله : له ما في السموات وما في الأرض  الآية تقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة وهنا هم الأنبياء والعلماء وغيرهم، والإذن هنا راجع إلى الأمر فيما نص عليه، كمحمد صلى الله عليه وسلم إذا قيل له : واشفع تشفع( [(١٠)](#foonote-١٠) ) وإلى العلم والتمكين إن شفع أحد من الأنبياء والعلماء قبل أن يؤمر، والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار، وهو بين المنزلتين أو وصل ولكن له أعمال صالحة( [(١١)](#foonote-١١) ). 
وفي البخاري( [(١٢)](#foonote-١٢) )، في باب بقية من باب الرؤية، أن المؤمنين يقولون : ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطىء على باب الجنة الحديث( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وهذا إنما هو في قرابتهم ومعارفهم وأن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين بالذنوب الذين لم تنلهم شفاعة الأنبياء. 
وأما شفاعة محمد في تعجيل الحساب فخاصة له، وهي الخامسة التي في قوله :**«وأعطيت الشفاعة »** وهي عامة للناس، والقصد منها إراحة المؤمنين، ويتعجل للكفار منها المصير إلى العذاب، وكذلك إنما يطلبها إلى الأنبياء المؤمنون، والضميران في قوله : أيديهم وما خلفهم  عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : له ما في السموات وما في الأرض ، وقال مجاهد  ما بين أيديهم  الدنيا  وما خلفهم  الآخرة، وهذا صحيح في نفسه عند موت الإنسان، لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قاله السدي وغيره. 
**قوله عز وجل :**
 وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ 
قوله تعالى : ولا يحيطون بشيء من علمه  معناه : من معلوماته( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وهذا كقول الخضر لموسى عليهما السلام حين نقر العصفور من حرف السفينة : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات، لأن علم الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، ومعنى الآية، لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه، واختلف الناس في الكرسي الذي وصفه الله تعالى بأنه وسع السموات والأرض، فقال ابن عباس : كرسيه  علمه، ورجحه الطبري : وقال : منه الكراسة للصحائف التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء الكراسيّ، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال : أوتاد الأرض، وهذه الألفاظ تعطي نقض ما ذهب إليه من أن الكرسي العلم، قال الطبري : ومنه قول الشاعر :
تحف بهم بيض الوجوه وعصبة. . . كراسيّ بالأحداث حين تنوب( [(١٥)](#foonote-١٥) )
يريد بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها، وقال أبو موسى الأشعري : الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وقال السدي : هو موضع قدميه. 
قال القاضي أبو محمد : وعبارة أبي موسى مخلصة( [(١٧)](#foonote-١٧) ) لأنه يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في أسرة الملوك، وهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه نسبة الكرسي إلى سرير الملك، والكرسي هو موضع القدمين، وأما عبارة السدي فقلقة، وقد مال إليها منذر البلوطي( [(١٨)](#foonote-١٨) ) وتأولها بمعنى : ما قدم من المخلوقات( [(١٩)](#foonote-١٩) ) على نحو ما تأول في قول النبي عليه السلام فيضع الجبار فيها قدمه( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ). قال أبو محمد وهذا عندي عناء، لأن التأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النبي عليه السلام وفي كتاب الله، وأما في عبارة مفسر فلا، وقال الحسن بن أبي الحسن : الكرسي هو العرش نفسه. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه( [(٢١)](#foonote-٢١) )، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس »**( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وقال أبو ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض »**، وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى، والمستفاد من ذلك عظم قدرته إذ  لا يؤوده  حفظ هذا الأمر العظيم، و  يؤوده  : معناه يثقله، يقال آدني( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وروي عن الزهري وأبي جعفر والأعرج بخلاف عنهم، تخفيف الهمزة التي على الواو الأولى، جعلوها بين بين لا تخلص واواً مضمومة ولا همزة محققة، كما قيل في لؤم لوم، و  العلي  : يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا قول جهلة مجسمين( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، وكان الوجه أن لا يحكى وكذا  العظيم  هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى عظم الأجرام، وحكى الطبري عن قول : أن  العظيم  معناه المعظم، كما يقال العتيق بمعنى المعتق وأنشد قول الأعشى :
وكأن الخمر العتيق من الأس. . . فنط ممزوجة بماء زلال( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )
وذكر عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون عظيماً قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم، إذ لا معظم له حينئذ. 
١ - رواه أبو عبد الله الحاكم في "المستدرك" من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجوه، كذا قال، ورواه الترمذي من حديث زائدة، عن حكيم بن جبير ولفظه: (لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي) ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعَّفه، قال الحافظ بن كثير: وكذا ضعفه أحمد، ويحيى بن معين، وغير واحد من الآئمة، وتركه ابن مهدوي، وكذّبه السعدي..
٢ - وما ورد في حديث الترمذي وابن أبي شيبة أنها تعدل ربع القرآن ضعيف كما قاله الحافظ ابن حجر..
٣ - روى ذلك النسائي، وأبو يعلى، وابن حبان، عن أُبي بن كعب في قصة الجن الذي كان يأخذ من ثمره فأخذه فذكر له ذلك فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له صدق في قوله..
٤ - قال أبو (ح) في "البحر المحيط" (٢-٢٧٧): وهو وصف لمن قامت به الحياة: وهو بالنسبة إلى الله تعالى صفة من صفات الذات – حي بحياة لم تزل، ولا تزول. وفُسِّر هنا بالباقي كما في قول لبيد:
 فإمَّا تَرَيْنـي اليوم أصبحتُ سالمـاً فلست بأحيا من كلابٍ وجَعْفَــرَ
 أي: قلت بأبقى..
٥ - وأصله: قَيْوَام، على وزن فيعال، ففعل به ما فُعل بقيُّوم، ونسب البخاري هذه القراءة في صحيحه إلى عمر بن الخطاب، والقيُّوم والقيَّام كلاهما من صيغ المبالغة ولا يستعملان ي غير المدح..
٦ - الآية عبارة عن النهي عن كل ما يؤذي الوالدين فكذلك قوله تعالى: \[لا تـأخذه سنة ولا نوم\] عبارة عن نفي كل آفة عنه سبحانه كالسِّنة والنوم، ولا يلزم من نفي السنة نفي النوم، فإن النوم قد يهجم ابتداء أي دفعة واحدة، وأيضا فإن النوم أقوى من السنة، لأنه سلطان، وفي الصحيح: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) –
 وقوله: \[فلا تقل لهما أف\] من الآية (٢٣) من سورة الإسراء..
٧ - البيت في وصف ظبي شبَّه به امرأة
 وقبله: لو الحياءُ وأنَّ رأسي قد عَسَا فيه المشيبُ لزُرْتُ أم القاسِـم
 وكأنها وسْطَ النساء أعَارهـا عينيه أحْوَرُ من جآذر جاسـم
 فقوله: وسنان، صفة لقوله في البيت الذي قبله: أحور، والترنيق: مخالطة النوم للعين، وعدي بن الرفاع شاعر إسلامي كنيته أبو داود..
٨ - هذا الحديث غير صحيح، فقد ضعفه البيهقي وغيره، وقال أبو (ح) رحمه الله: قال بعض معاصرينا: هذا حديث وضعه الحشوية، إذ المؤمن لا يتشكك في أن الله ينام أو لا ينام، فكيف بالرسل عليهم الصلاة والسلام ؟ وحديث أبي هريرة هذا رواه أبو جعفر الطبري في تفسيره، وروى الزمخشري القصة في تفسيره بصورة أخرى، وعلق عليه أبو (ح) التعليق السابق..
٩ - لعل أصل هذه الجملة: **«ثم قرر تعالى وقف – أي منع – من يتعاطى أن يشفع عنده. إلا أن يأذن هو فيه جلا وعلا»**، والذي يتعاطى الشفاعة عنده هم الأنبياء وورثتهم. فشفاعة الآخرة ليست كشفاعة الدنيا تقع بدون إذن المشفوع عنده، بل لا يشفع أحد في الآخرة إلا بعد الإذن له، والله أعلم..
١٠ - في حديث الشفاعة: عندما يشتد الموقف بالناس يذهبون إلى الأنبياء قصد الشفاعة لهم عند الله في تعجيل الحساب فيعتذرون، فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيسجد تحت العرش فيقال له: يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسَلْ تُعْطى – فهذا أمر بالنّص. والشفاعة في تعجيل الحساب خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم – والشفاعة في أهل العذاب بعامة..
١١ - ناقشه الإمام (ق) في هذا وقال: إن كيفية الشفاعة قد بينها الإمام مسلم في صحيحه بيانا شافياً، وذكر من حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أنس بن مالك، ومن حديث أبي هريرة، ثم قال: دلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها، أعاذنا الله منها، فقول ابن عطية: ممّن "لم يصل إلى النار أو وصل ولكن" دليل على أنه رحمه الله لم ينظر كتاب مسلم، أو أنه أخذ ذلك من أحاديث أُخر، والله سبحانه وتعالى أعلم..
١٢ - راجعه في كتاب التوحيد عن قوله: باب قول الله تعالى: \[وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة\]..
١٣ - يريد بالمحبنطئ اللازق بالأرض، والحديث المراد: (إن السقط يظل محبنطئا على باب الجنة)..
١٤ - والدليل على ذلك الاستثناء بالآية الكريمة، فإنه إنما يأتي على المعلومات لا على العلم الذي هو صفة الله تبارك وتعالى..
١٥ - العصمة: الجماعة من الناس.
 وتنوب: تنزل أو ترجع مرة بعد مرة. والبيت في البحر المحيط وهو غير منسوب هناك أيضا..
١٦ - روى ابن جرير الطبري بسنده، عن عبد الله بن خليفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإنه ليقعد عليه، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال بأصبعه فجمعها، وإن له أطيطا كأطيط الرجل الجديد إذا ركب من ثقله) ا. هـ. والأطيط هو الصوت..
١٧ - خلاصة الآراء: قيل: إنه العرش، وقيل: إنه موضع القدمين، وروي عن ابن عباس أنه العلم، وأيده الطبري بشعر لا يعرف قائله، وأشار صاحب لسان العرب إلى رواية عمار الدهني عن ابن عباس أنه موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره، وقال: إن هذه الرواية اتفق أهل العلم على صحتها، ومن رُوي عنه أنه العِلم فقد أبطل، وظاهر أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أصح التفاسير إذا صح الإسناد إليه..
١٨ - ينسب إلى ناحية بالأندلس تسمى "فحص البلّوط"، واسمه: منذر بن سعيد القاضي بالأندلس، وقد تقدم ذكر شيء من حياته لدى قوله تعالى: \[فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة\]، وهو أديب محق، وخطيب بليغ، وقاض من مشاهير القضاة بالأندلس، كان بصيرا بالجدل، وله كتب في القرآن، توفي ٣٥٥هـ، رقم ٣ ص ٢٠٥ من الجزء الأول..
١٩ - فإن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش، وهو موضع قدميه، أي موضع ما قدم من المخلوقات كالأرض والسموات التي في جوفه..
٢٠ - أي في جهنم، بمعنى أنها لا تسكن حتى يضع الله فيها قدمه، أي حتى يجعل الله فيها الذين قدّمهم لها من شرار خلقه، فهم قدم الله من النار، كما أن المسلمين قدمه إلى الجنة، والقدم كل ما قدمت من خير أو شر..
٢١ - يعني أن ما ذكره الحسن البصري خلاف ما تقتضيه الأحاديث من أن الكرسي غير العرش..
٢٢ - رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، عن ابن زيد، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما الكرسي في العرش إلى آخره)..
٢٣ - يقال: آده يؤوده أوداً: أثقله، واسم المفعول مؤود، ومنه قوله تعالى: \[ولا يؤوده حفظهما\] ويقال أيضا: وأد البنت يئدها وأداً: أثقلها بالتراب فهي موءودة – ومنه قوله تعالى: \[وإذا الموءودة سئلت. بأي ذنب قتلت\] فالمادتان ترجعان إلى معنى واحد..
٢٤ - الخلاف في إثبات الجهة معروف عند السلف والخلف، والأدلة من الكتاب والسنة معروفة ولكن الناشئ على مذهب يرى غيره خارجا عن الشرع، ولا ينظر في أدلته، ولا يلتفت إليها، والكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد، هذا ما قاله العلامة الشوكاني، ولكن الشيء الذي لا خلاف فيه ولا نزاع هو قوله تعالى: \[ليس كمثله شيء وهو السميع البصير\]..
٢٥ - ممزوجة: حال، وخبر، كأن البيت بعده، والخمر المعتقة: القديمة، معروفة عند أهلها، والإسفنط ضرب من الشراب، فارسي معرب، وهو بفتح الفاء وكسرها – قيل: إنه من عصير العنب، وقال الأصمعي: هو اسم رومي..

### الآية 2:256

> ﻿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:256]

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٢٥٦ )
 الدين  في هذه الآية المعتقد والملة، بقرينة قوله  قد تبين الرشد من الغي ، والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغير ذلك ليس هذا موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله تعالى : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان( [(١)](#foonote-١) )، فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هنا هو في تفسير المعتقد من الملل والنحل فاختلف الناس في معنى الآية( [(٢)](#foonote-٢) )، فقال الزهري : سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى : لا إكراه في الدين  فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم فأذن له، قال الطبري والآية منسوخة في هذا القول. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويلزم على هذا، أن الآية مكية، وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف، وقال قتادة والضحاك بن مزاحم : هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ويؤدونها عن يد صغرة، قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل العرب أهل الأوثان لا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله أو السيف( [(٣)](#foonote-٣) )، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية، ونزلت فيهم  لا إكراه في الدين . 
قال القاضي أبو محمد : وعلى مذهب مالك في أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش أي نوع كان( [(٤)](#foonote-٤) )، فتجيء الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فكانت تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان في بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا، إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذ جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، فنزلت  لا إكراه في الدين  الآية، وقال بهذا القول عامر الشعبي ومجاهد، إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع( [(٥)](#foonote-٥) )، وقال السدي نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكياً أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما، فنزلت  لا إكراه في الدين ، ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال : أبعدهما الله هما أول من كفر، فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله جل ثناؤه : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ النساء : ٦٥ \]، ثم إنه نسخ  لا إكراه في الدين ، فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. 
قال القاضي أبو محمد : والصحيح في سبب قوله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون ، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي( [(٧)](#foonote-٧) )، وقوله تعالى : قد تبين الرشد من الغي  معناه بنصب الأدلة ووجود الرسول الداعي إلى الله والآيات المنيرة، و  الرشد  مصدر من قولك رَشِد بكسر الشين وضمها( [(٨)](#foonote-٨) ) يرشد رُشْداً وَرشَداً وَرَشَاداً، و  الغي  مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال الذي في الضلال على الإطلاق، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي **«الرشاد »** بالألف، وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد **«الرَّشَد »** بفتح الراء والشين. وروي عن الحسن **«الرُّشُد »** بضم الراء والشين، و  الطاغوت  بناء مبالغة من طغى يطغى، وحكى الطبري **«يطغو »** إذا جاوز الحد بزيادة عليه، وزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للكثير والقليل، ومذهب أبي على أنه مصدر كرهبوت وجبروت وهو يوصف به الواحد والجمع( [(٩)](#foonote-٩) )، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه موضع اللام فقيل : طاغوت( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقال المبرد : هو جمع، وذلك مردود. 
واختلف المفسرون في معنى  الطاغوت ، فقال عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي والضحاك وقتادة والسدي : الطاغوت  : الشيطان. وقال ابن سيرين وأبو العالية : الطاغوت  : الساحر : وقال سعيد بن جبير ورفيع( [(١١)](#foonote-١١) ) وجابر بن عبد الله وابن جريج : الطاغوت  : الكاهن. قال أبو محمد : وبين أن هذه أملثة في الطاغوت لأن كل واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله، وقال قوم : الطاغوت  : الأصنام، وقال بعض العلماء : كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتاً في حق العبدة، وذلك مجاز. إذ هي بسبب الطاغوت( [(١٢)](#foonote-١٢) ) الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان، وقدم تعالى ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت( [(١٣)](#foonote-١٣) ). و  العروة  في الأجرام وهي موضع الإمساك وشد الأيدي، و  استمسك  معناه قبض وشد يديه، و  الوثقى  فعلى من الوثاقة، وهذه الآية تشبيه، واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه  بالعروة ، فقال مجاهد : العروة الإيمان. وقال السدي : الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضحّاك : العروة لا إله إلا الله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد( [(١٤)](#foonote-١٤) )، والانفصام : الانكسار من غير بينونة، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه، والفصم كسر ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة( [(١٥)](#foonote-١٥) )، ومن ذلك قول ذي الرمة :\[ البسيط \]
كأنه دملج من فضة نبه. . . في ملعب من عذارى الحي مفصوم( [(١٦)](#foonote-١٦) )
ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات  سميع  من أجل النطق و  عليم  من أجل المعتقد.

١ - من الآية (١٠٦) من سورة النحل..
٢ - الكلام إما أن يكون من باب الخبر، أي: لا يتصور فيه إكراه بعد وضوح الأدلة على التوحيد، وما يظهر أنه إكراه فليس في الحقيقة إكراها، وإما أن يكون بمعنى النهي – من باب الإنشاء- أي: لا تكرهوا في الدين ولا تجبروا عليه، وإذا فالآية إما منسوخة بقوله: \[جاهد الكفار والمنافقين\]، وإما مخصوصة بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية. والرشد رشد الإيمان، والغي غي الكفر، وللإيمان أثره، وللكفر ضرره، ومن ثم كان الله جديرا بالإيمان، والطاغوت مستحقا للكفران، وبذلك تعلم أن حرية العقيدة – بمعنى أننا لا نكره أحداً على الدخول في الإسلام – حق من حقوق الإنسان، وأن عدم الإكراه على الدين لا يتنافى مع شريعة الجهاد، فإنه لحماية الدعوة، وللأمن من الفتنة، فكما أن للعقيدة حرية، فكذلك للدعوة حرية، وإذا لم يكن مع الدعوة قوة لتحميها وتدافع عنها عند الاقتضاء فستكون حرية الدعوة اسما بلا معنى، وبهذا تكون الحروب الإسلامية دفاعية لا هجومية، لأن الإسلام لا يبدأ بالعداء \[فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم\] الآية..
٣ - لأنهم قاوموا الدعوة وعارضوها بكل ما عندهم من قوة..
٤ - فأهل الذمة لا يكرهون على الإسلام، ولا يصح إسلامهم بالإكراه، والآية نزلت فيهم كما أخرجه أبو داود وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما..
٥ - أي كانوا مسترضعين في بني النضير، وقال غير الحسن: إنهم كانوا يهودا بحكم النذر والالتزام..
٦ - من الآية (٦٥) من سورة النساء..
٧ - اختصم الزبير بن العوام مع رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شريج من الحرة، أي مسيل الماء، من يسقي أولا – فقال صلى الله عليه وسلم: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) فقال الأنصاري: **«أن كان ابن عمتك ؟»** فتلوَّن وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك) فأنزل الله قوله: \[فلا وربّك لا يؤمنون\] الآية – فقد حكم صلى الله عليه وسلم أولا بالصلح بينهما، ولما قال الأنصاري ما قال حكم صلى الله عليه وسلم حكما صريحا واستوفى للزبير حقّه..
٨ - يقال رشِد بالكسر رَشَداً ورشاداً ورشْداً – ورشد بالفتح، ليس غير، والضم سبْقُ قلم من المؤلف. راجع القاموس واللسان..
٩ - يأتي للواحد كقوله: \[وقد أمروا أن يكفروا به\] – وللجميع كقوله: \[يخرجونهم من النّور إلى الظلمات\] – ومنه قوله سبحانه: \[والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت\]..
١٠ - لو قدم هذا إثر قوله: **«ووزنه فعلوت لكان أحسن»**. والطاغوت فعلوت مثل رغبوت وجبروت وأصله طغيوت لأنه من الطغيان، ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار طاغوت، ووزنها الآن بعد القلب فلعوت، وجمع طاغوت طواغيت وطواغت وطواغ على حذف الزيادة، والطواغي على العوض من المحذوف، هذا وقد جاء في تفسير "المفهر الماء من البحر" لأبي حيان أن أصله (طغووت) ثم جرى فيه القلب على ما ذكرنا. انظرها من "البحر المحيط" ٢-٢٨٢..
١١ - هو أبو العالية الرياحي صاحب ابن عباس..
١٢ - أي عبدت بسبب الطاغوت الذي هو الشيطان..
١٣ - لأن التخلية مقدمة على التحلية، فالتخلي عن الطغيان قبل التحلّي بالإيمان. وناسب ذلك أيضا اتصاله بلفظ الغي..
١٤ - إلا أنه قد ثبت في الصحيحين مرفوعا تفسير العروة الوثقى بالإسلام في تعبير رؤيا عبد الله بن سلام، فالإسلام عروة وثيقة لا تنحل ولا تنفصم..
١٥ - فالانفصام: الانكسار من دون بينونة، والانقصام: الانكسار مع البينونة ولكن الفراء يقول: الانفصام والانقصام هما لغتان وبالفاء أفصح، وقد يجيء الفصم كالقصم كما في بيت ذي الرمة..
١٦ - الدُّمْلُجُ: سوار يحيط بالعضد، ومثله الدُّملوج، وجمعه: دمالج ودماليج، ونبه بفتح النون والياء: ما سقط ونُسي ولم يهتد إليه، شبه الغزال وهو نائم بسوار من فضة قد طرح ونسى، وجعله مفصوماً لأنه ينحني وينثني إذا نام..

### الآية 2:257

> ﻿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:257]

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٢٥٧ )
ال ولي  فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه، فإذا لازم أحد أحداً بنصره ووده واهتباله فهو وليه، هذا عرفه في اللغة. قال قتادة : الظلمات  الضلالة. و  النور  الهدى. وبمعناه قال الضحاك والربيع وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة إن قوله : الله ولي الذين آمنوا  الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فكأن هذا القول( [(١)](#foonote-١) ) أحرز نوراً في المعتقد خرج منه إلى ظلمات. ولفظ الآية مستغنٍ عن هذا التخصيص بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب. ومترتب في الناس جميعاً( [(٢)](#foonote-٢) )، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود الداعي النبي المرسل فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معد وأهل للدخول فيه. وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر ما : أخرجتني يا فلان من هذا الأمر وإن كنت لم تدخل فيه البتة. 
ولفظة  الطاغوت  في هذه الآية تقتضي أنه اسم جنس، ولذلك قال  أولياؤهم  بالجمع، إذ هي أنواع( [(٣)](#foonote-٣) )، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، أولياؤهم الطواغيت، يعني الشياطين، وحكم عليهم بالخلود في النار لكفرهم( [(٤)](#foonote-٤) ).

١ - في بعض النسخ: "هذا المعتقَد" وهي أولى وأنسب: لقوله بعدها: "أحرز نوراً في المعتقد". وقد نقلها القرطبي عن ابن عطية بهذا النص: "فكأن هذا المعتقد أحرز نوراً في المعتَقِد"..
٢ - لا في خصوص مَنْ آمن بعيسى عليه السلام ثم كفر بمحمد عليه السلام..
٣ - أي الطواغيت أنواع من الظلمات والضلالات، وأما الحق فهو واحد ولذلك أفرد النور..
٤ - من لطيف ما ذكره أبو (ح) في هذه الآية قوله في "البحر المحيط" ٢-٢٨٣ ما نصه: وقد تباين الإخبار في هاتين الجملتين فاستفتحت آية المؤمنين باسم الله تعالى، وأخبر عنه بأنه ولي المؤمنين تشريفاً لهم، إذ بُدئ في جملتهم باسمه تعالى، ولقربه من قوله: \[والله سميع عليم\]، واستفتحت آية الكافرين بذكرهم نعيا عليهم، وتسمية لهم بما صدر منهم من القبيح. ثم أخبر عنهم بأن أولياءهم الطاغوت، ولم يصدر الطاغوت استهانة به، وأنه مما ينبغي ألا يجعل مقابلا لله تعالى، ثم عكس الإخبار فيه... الخ»..

### الآية 2:258

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [2:258]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ٢٥٨ )
 ألم تر  تنبيه، وهي رؤية القلب( [(١)](#foonote-١) )، وقرأ علي بن أبي طالب **«ألم ترْ »** بجزم الراء( [(٢)](#foonote-٢) )، و  الذي حاج إبراهيم  هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة( [(٣)](#foonote-٣) )، هذا قول مجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق وزيد بن أسلم( [(٤)](#foonote-٤) ) وغيرهم. وقال ابن جريج : هو أول ملك في الأرض وهذا مردود. وقال قتادة : هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل( [(٥)](#foonote-٥) ). وقيل : إنه ملك الدنيا بأجمعها ونفذت فيها طينته( [(٦)](#foonote-٦) ) وهو أحد الكافرين. والآخر بخت نصر. وقيل : إن  الذي حاج إبراهيم  نمرود بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وفي قصص هذه المحاجة روايتان إحداهما : ذكر زيد بن أسلم أن النمرود هذا قعد يأمر للناس بالميرة( [(٧)](#foonote-٧) ) فكلما جاء قوم قال : من ربكم وإلهكم ؟ فيقولون : أنت، فيقول : ميّروهم وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار، فقال له من ربك وإلهك ؟ قال  قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، فلما سمعها نمرود قال : أنا أحيي وأميت ، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس،  فبهت الذي كفر ، وقال : لا تميروه، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء، فمر على كثيب من رمل كالدقيق، فقال لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهما، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلا يلعبان فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء، فقالت امرأته : لو صنعت له طعاماً يجده حاضراً إذا انتبه، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحُوَّارَي( [(٨)](#foonote-٨) ) فخبزته، فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟ فقالت من الدقيق الذي سقت، فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك، وقال الربيع وغيره في هذه القصص : إن النمرود لما قال : أنا أحيي وأميت  أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر وقال : قد أحييت هذا وأمتُّ هذا، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت، والرواية الأخرى ذكر السدي : أنه لما خرج إبراهيم من النار( [(٩)](#foonote-٩) ) أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه، فكلمه وقال له : من ربك ؟ قال : ربي الذي يحيى ويميت، قال نمرود : أنا أحيي وأميت ، أنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتاً ولا يطعمون شيئاً ولا يسقون، حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا، وتركت اثنين فماتا، فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت. وذكر الأصوليون في هذه الآية : أن إبراهيم عليه السلام وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة، لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام الحقيقة، ففزع نمرود إلى المجاز( [(١٠)](#foonote-١٠) ) وموه به على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه من المثال، وجاءه بأمر لا مجاز فيه،  فبهت الذي كفر ، ولم يمكنه أن يقول : أنا الآتي بها من المشرق، لأن ذوي الأسنان يكذبونه( [(١١)](#foonote-١١) )، وقوله  حاجّ  وزنه **«فاعل »** من الحجة أي جاذبه أياها والضمير في  ربه  يحتمل أن يعود على إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن يعود على  الذي حاج ، و  أن ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) مفعول من أجله والضمير في  آتاه  للنمرود، وهذا قول جمهور المفسرين، وقال المهدوي : يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك النبوءة، وهذا تحامل من التأويل( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وقرأ جمهور القراء  أن أحيي  بطرح الألف التي بعد النون من  أنا  إذا وصلوا في كل القرآن غير نافع، فإن ورشاً وابن أبي أويس وقالون رأوا إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن، مثل \[ أنا أحيي \] \[ أنا أخوك \] ( [(١٤)](#foonote-١٤) ) إلا في قوله تعالى : إن أنا إلا نذير ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) \[ الأعراف : ١٨٨ \] \[ الشعراء : ١١٥ \] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة، قال أبو علي : ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون( [(١٦)](#foonote-١٦) ) ثم إن الألف تلحق في الوقف كما تلحق الهاء أحياناً في الوقف فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت الهاء فكذلك الألف، وهي مثل ألف حيهلا. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مثال الألف التي تلحق في القوافي، فتأمل. قال أبو علي : فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطت الألف، لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف، وقد جاءت الألف مثبتة في الوصل في الشعر من ذلك قول الشاعر :
أنا شيخ العشيرة فاعرفوني. . . حميداً قد تذريت السناما( [(١٧)](#foonote-١٧) )
وقرأ الجمهور( [(١٨)](#foonote-١٨) ) :**«فبُهِتَ »** الذي بضم الباء وكسر الهاء، يقال بهت الرجل : إذا انقطع وقامت عليه الحجة. قال ابن سيده : ويقال في هذا المعنى :**«بَهِتَ »** بفتح الباء وكسر الهاء، **«وَبَهُت »** بفتح الباء وضم الهاء. قال الطبري : وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى، ****«بَهَت »**** بفتح الباء والهاء. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ابن ملول( [(١٩)](#foonote-١٩) ) دون تقييد بفتح الباء والهاء، قال ابن جني : قرا أبو حيوة :**«فبَهُت »** بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء، قال : وقرأ ابن السميفع :**«فبَهَت »** بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال : وقد يجوز أن يكون ****«بَهَت »**** بفتحهما لغة في بهت. قال : وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة **«فبهِت »** بكسر الهاء كَخَرِقَ ودهِش( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، قال : والأكثر بالضم في الهاء، قال ابن جني : يعني أن الضم يكون للمبالغة، قال الفقيه أبو محمد : وقد تأول قوم في قراءة من قرأ  فبهت  بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة، وقوله تعالى : والله لا يهدي القوم الظالمين ، إخبار لمحمد عليه السلام وأمته. 
والمعنى : لا يرشدهم في حججهم على ظلمهم، لأنه لا هدى في الظلم، فظاهره العموم، ومعناه الخصوص، كما ذكرنا( [(٢١)](#foonote-٢١) )، لأن الله قد يهدي الظالمين بالتوبة والرجوع إلى الإيمان. ويحتمل أن يكون الخصوص فيمن يوافي ظالماً.

١ - أي لا رؤية البصر، ذلك أن الرؤية بمعنى الإدراك تكون بالقلب، وهي مضمنة معنى التنبيه، أي: تَنَبَّهْ إلى أمر الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، والمُحاجَّة المجادلة والمناظرة، وهي لا تكون إلا بدليل يعرفه الخصم ويسلمه، لأن المقصود من المناظرة رد الخصم إلى الحق والصواب، ولا يكون ذلك إلا بما يعرفه، وأما رده بما لا يعرفه ولا يعترف به فهو من باب التكليف بما لا يطاق والتضييع لفائدة المناظرة. واحتجاجات القرآن كلها جاءت على هذا النمط. وفي الآية دليل الجدال والحجاج في الدين..
٢ - إجراء للوصل مجْرى الوقف..
٣ - سلطها الله عليه بأن دخلت إلى دماغه وعذبه بها مدة من الزمان يعلمها الله ثم أهلكه كما أهلك غيره من الطغاة والمتجبرين..
٤ - زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي – ابن عم ثابت بن أقرم، ذكر أنه شهد بدراً، وإنه شهد صفين مع علي – الإصابة ١-٥٤٢..
٥ - بناه إلى السماء فأتى الله بنيانه من القواعد كما قال سبحانه: \[فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرَّ عليهم السَّقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون\]..
٦ - أي طبيعته وسياسته..
٧ - أي الطعام، قال تعالى: \[ونَمِيرُ أهْلَنَا\]..
٨ - بتشديد الواو المفتوحة، هو الدقيق الأبيض الخالص..
٩ - التي أُلقي فيها بأمر النمروذ وقال الله لها: \[يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم\]..
١٠ - يعني أنه جعل القتل إماتة والكفَّ عن القتل إحياءً..
١١ - يريد أن المسنين من أهل مملكته يكذبونه لو ادعى ذلك، إذ يعلمون أنه مُحْدَث. والشمس كانت تطلع من المشرق قبل حدوثه، واختلف المفسرون: أذلك انتقال من دليل إلى دليل أم دليل واحد والانتقال فيه من مثال إلى مثال أوضح منه ؟ إلى الرأي الأول ذهب الزمخشري، قال: "وكان الاعتراض عتيداً، ولكن إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى مالا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء، وهذا دليل على جواز الانتقال من حجة إلى حجة». ا. هـ. والرأي الثاني هو رأي المحققين من المفسرين، قالوا: **«نحن نرى أشياء تحدث ولا يقدر أحد على إحداثها، فلا بد من قادر يتولى إحداثها وهو الله تعالى، منها الإحياء والإماتة، ومنها الرعد والبرق، ومنها حركات الأفلاك والكواكب، والمستدل لا يجوز له أن ينتقل من دليل إلى دليل، وكل ما فعله إبراهيم هو الانتقال من مثال إلى مثال أوضح منه»**..
١٢ - أي لأن آتاه الله الملك، ويعني أن إيتاءه الملك أطغاه وأبطره وأورثه الكبر والكفر، ومن ثم كان الملك فتنة وبلية على صاحبه، فلو كان النمروذ بن كنعان فقيرا حقيرا مبتلى بالحاجات والضرورات لم تنزع نفسه إلى منازعة إبراهيم عليه السلام، وإلى دعواه الإحياء والإماتة، وتعرضه إلى إحراق إبراهيم بالنيران، وإنما وصل إلى هذه المعاطب والمهالك بسبب أنه ملك..
١٣ - أي تكلف في التأويل، والذي دعاه إلى ذلك قوله تعالى: \[لا ينال عهدي الظالمين\] والملك عهد منه، وقد يقال: الملك الظالم لا يناله عهد الله، وإن كان بإرادة الله..
١٤ - من الآية (٦٩) من سورة يوسف..
١٥ - من الآية (١٨٨) من سورة الأعراف..
١٦ - الكوفيون يقولون: الاسم هو (أنا) بكماله، وعليه فنافع في إثباته الألف جار على الأصل، ومن حذفها من القراءة إنما حذفها تخفيفا. والفتحة دالة عليها..
١٧ - قال في "خزانة الأدب": نسب ياقوت هذا البيت إلى حميد بن محدل القضاعي وهو شاعر إسلامي، وتذرَّيْت السَّناما معناه: علوت ذروته، وحميداً بدل من النون في قوله فاعرفوني. وفي رواية: "أنا سيف العشيرة" بالفاء، وفي رواية: "جميعا" بدلا من: "حميدا"..
١٨ - حاصله أنه يقال: بُهت بضم الباء، وبَهُت بضم الهاء، وبَهِت بكسر الهاء، وبهَت بفتح الهاء، وقد قرئ بجميع هذه اللغات إلا أن قراءة الجمهور هي بالبناء للمفعول، وهي أفصحها وأشهرها حتى اقتصر عليها ابن قتيبة في "أدب الكاتب". ومعنى بهت: تحير ودهش – ويكون متعديا ولازما، والأكثر في اللازم الضم..
١٩ - هو أحمد بن ملول التنوخي، يكنى أبا بكر، من أهل توزر – سمع مع سحنون، ورحل في طلب الحديث. ثقة مأمون، سمع منه كثير من الأعيان كالاكنافي وغيره، وكان فقيها عالما حسن المناظرة، ناظر محمد بن عبد الحكم بمصر، وألف تآليف كثيرة، توفي بتوزر سنة ٢٦٢هـ، قاله ابن فرحون في "الديباج"، وقال القاضي عياض: في "المدارك": إنه ألف رقائق الفضيل ابن عياض، وكتاب زهد سفيان الثوري، وكتاب فضائل الأوزاعي، وكتاب فضائل طاوس اليمني، إلا أنه في النسخة المطبوعة بالمغرب ذكر بلفظ يلول بالياء، والمعروف ملول بالميم..
٢٠ - خَرق كتَعِب معناه: دهش، فقوله: ودَهش تفسير لما قبله..
٢١ - أي: لا يهديهم في حججهم عند الخصومة، ويحتمل كما قال: لا يهدي من يوافي ظالما يوم القيامة، وهذا معنى الخصوص الذي أشار إليه..

### الآية 2:259

> ﻿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:259]

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِى هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ 
عطفت  أو  في هذه الآية على المعنى( [(١)](#foonote-١) )، لأن مقصد التعجيب في قوله : ألم تر إلى الذي حاج  \[ الآية : ٢٥٨ \] يقتضي أن المعنى أرأيت كالذي حاج، ثم جاء قوله  أو كالذي ، عطفاً على ذلك المعنى( [(٢)](#foonote-٢) )، وقرأ أبو سفيان بن حسين **«أوَ كالذي مر »** بفتح الواو، وهي واو عطف دخل عليها ألف التقرير( [(٣)](#foonote-٣) )، قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب( [(٤)](#foonote-٤) ) وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك : الذي مر على القرية هو عزير، وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وبكر بن مضر : هو أرمياء، وقال ابن إسحاق : أرمياء هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، قال الفقيه أبو محمد : وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسماً وافق اسماً ؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه( [(٥)](#foonote-٥) )، وحكى مكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى، قال النقاش : ويقال هو غلام لوط عليه السلام. قال أبو محمد : واختلف في القرية أيما هي ؟ فحكى النقاش أن قوماً قالوا هي المؤتفكة. وقال ابن زيد : إن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله : موتوا  \[ البقرة : ٢٤٣ \] مرّ عليهم رجل وهم عظام تلوح، فوقف ينظر فقال : أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ، وترجم الطبري على هذا القصص بأنه قول بأن القرية التي مرّ عليها هي التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم. 
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول( [(٦)](#foonote-٦) ) هي إلى العظام والأجساد. وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها. والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك وعكرمة الربيع : القرية بيت المقدس لما خربها بخت نصر البابلي في الحديث الطويل( [(٧)](#foonote-٧) ). حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف أرمياء أو عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس لأن بخت نصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى أرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها، والعريش سقف البيت وكل ما يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية والثمار، ومنه قوله تعالى :
 ومما يعرشون ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ النحل : ٦٨ \] قال السدي( [(٩)](#foonote-٩) ) : يقول هي ساقطة على سقفها أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غير السدي : معناه خاوية من الناس على العروش أي على البيوت، وسقفها عليها لكنها خوت من الناس والبيوت قائمة، قال أبو محمد : وانظر استعمل العريش مع على، في الحديث في قوله، وكان المسجد يومئذ على عريش في أمر ليلة القدر( [(١٠)](#foonote-١٠) )، و  خاوية  معناه خالية، يقال خوت الدار تخوي خواء وخوياً ويقال خويت قال الطبري : والأول أفصح وقوله : أنّى يحيي هذه الله بعد موتها  معناه من أي طريق وبأي سبب ؟ وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه( [(١١)](#foonote-١١) )، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله، إنما كان عن إحياء الموتى من بنى آدم، أي أنى يحيي الله موتاها، وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول( [(١٢)](#foonote-١٢) ) شكاً في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر( [(١٣)](#foonote-١٣) )، والصواب أن لا يتأول في الآية شك، وروي في قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس فخربه، فلما ذهب عنه جاء أرمياء فوقف على المدينة معتبراً فقال،  أنّى يحيي هذه الله بعد موتها  ؟ قال : فأماته الله  تعالى وكان معه حمار قد ربطه بحبل جديد وكان معه سلة فيها تبن وهو طعامه، وقيل تبن وعنب، وكان معه ركوة من خمر، وقيل من عصير وقيل، قلة ماء هي شرابه، وبقي ميتاً مائة عام، فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار، وأن الحمار بقي حياً مربوطاً لم يمت ولا أكل شيئاً ولا بليت رمته، وروي أن الحمار بلي وتفرقت أوصاله دون عزير( [(١٤)](#foonote-١٤) )، وروي أن الله بعث إلى تلك القرية من عمرها ورد إليها جماعة بني إسرائيل حيث كملت على رأس مائة سنة، وحينئذ حيي عزير، وروي أن الله رد عليه عينيه وخلق له حياة يرى بها كيف تعمر القرية ويحيى مدة من ثلاثين سنة تكملة المائة، لأنه بقي سبعين ميتاً كله، وهذا ضعيف ترد عليه ألفاظ الآية، وقوله تعالى : ثم بعثه ، معناه : أحياه وجعل له الحركة والانتقال، فسأله الله تعالى بواسطة الملك  كم لبثت  ؟ على جهة التقرير، و  كم  في موضع نصب على الظرف، فقال : لبثت يوماً أو بعض يوم ، قال ابن جريج وقتادة والربيع : أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب، فظن هذا اليوم واحداً فقال  لبثت يوماً  ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذباً فقال : أو بعض يوم  فقيل له  بل لبثت مائة عام ، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك قال النقاش : العام مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك، والعوم كالسبح، وقال تعالى :
 وكل في فلك يسبحون  \[ الأنبياء : ٣٣ \]. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه هذا معنى كلام النقاش. والعام على هذا كالقول والقال( [(١٥)](#foonote-١٥) ). وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد، وروي في قصص هذه الآية : أن الله بعث لها ملكاً من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل : أنّى يحيي هذه الله بعد موتها  وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع : لبثت  في كل القرآن بإظهارالثاء وذلك لتباين الثاء من مخرج التاء، وذلك أن الطاء والتاء والدال من حيز، والظاء والذال والثاء المثلثة من حيز، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي، بالإدغام في كل القرآن، أجروهما مجرى المثلى من حيث اتقف الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان( [(١٦)](#foonote-١٦) )، قال أبو علي : ويقوي ذلك وقوع هذين الحرفين في **«روي قصيدة واحدة »**. 
**قوله عز وجل :**
 فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 
وقف في هذه الألفاظ على بقاء طعامه وشرابه على حاله لم يتغير، وعلى بقاء حماره حيّاً على مربطه. هذا على أحد التأويلين( [(١٧)](#foonote-١٧) ). وعلى التأويل الثاني : وقف على الحمار كيف يحيى وتجتمع عظامه. وقرأ ابن مسعود :**«وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه »**، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره :**«وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة »**( [(١٨)](#foonote-١٨) )، قال أبو علي : واختلفوا في إثبات الهاء في الفعل من قوله عز وجل : لم يتسنه  و  اقتده  \[ الأنعام : ٩٠ \]، و  ما أغنى عني ماليه  \[ الحاقة : ٢٨ \] و  سلطانيه  \[ الحاقة : ٢٩ \]  وما أدراك ماهية  \[ القارعة : ١٠ \] وإسقاطها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذفها في  يتسنّه ، و  اقتده ، ويثبتها في الباقي. ولم يخلتفوا في  حسابيه  \[ الحاقة : ٢٠-٢٦ \] و  كتابيه  \[ الحاقة : ١٩-٢٥ \] أنهما بالهاء في الوقف والوصل( [(١٩)](#foonote-١٩) )، و  يتسنّه ( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) يحتمل أن يكون من تسنن الشيء إذا تغير وفسد، ومنه الحمأ المسنون في قول بعضهم. 
وقال الزجّاج : ليس منه وإنما المسنون المصبوب على سنة الأرض، فإذا كان من تسنن فهو لم يتسنن. قلبت النون ياء كما فعل في تظننت، حتى قلت لم أتظنن، فيجيء تسنن تسنى. ثم تحذف الياء للجزم فيجيء المضارع لم يتسن( [(٢١)](#foonote-٢١) ). ومن قرأها بالهاء على هذا القول فهي هاء السكت. وعلى هذا يحسن حذفها في الوصل. ويحتمل  يتسنه  أن يكون من السنة وهو الجدب. والقحط، وما أشبهه، يسمونه بذلك. وقد اشتق منه فعل فقيل : استنّوا( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وإذا كان هذا( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) أو من السنة التي هي العام على قول من يجمعها سنوات فعلى هذا أيضاً الهاء هاء السكت، والمعنى لم تغير طعامك القحوط والجدوب ونحوه، أو لم تغيره السنون والأعوام. وأما من قال في تصغير السنة سنيهة وفي الجمع سنهات، وقال أسنهت عند بني فلان( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) وهي لغة الحجاز ومنها قول الشاعر :
وليست بسنهاء ولا رجبية. . . ولكن عرايا في السنين الجوائح( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )
فإن( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) القراءة على هذه اللغة هي بإثبات الهاء ولا بد، وهي لام الفعل، وفيها ظهر الجزم ب  لم ، وعلى هذا هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقد ذكر( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ). وقرأ طلحة بن مصرف **«لم يسنّه »** على الإدغام. 
وقال النقاش : لم يتسنه  معناه : لم يتغير من قوله تعالى : ماء غير آسن  \[ محمد : ١٥ \]، قال أبو محمد : ورد النحاة على هذا القول، لأنه لو كان من أسن الماء لجاء لم يتأسن، وأما قوله تعالى : وانظر إلى حمارك ، فقال وهب بن منبه وغيره : المعنى وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً، ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً ملتئمة، ثم كساه لحماً حتى كمل حماراً، ثم جاء ملك فنفخ في أنفه الروح، فقام الحمار ينهق، وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضاً أنهما قالا : بل قيل له وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء مائة سنة، قالا : وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه( [(٢٨)](#foonote-٢٨) )، قالا : وأعمى الله العيون عن أرمياء وحماره طول هذه المدة. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وكثر أهل القصص في صورة هذه النازلة تكثيراً اختصرته لعدم صحته، وقوله تعالى : ولنجعلك آية للناس  معناه لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا( [(٢٩)](#foonote-٢٩) )، وقال الأعمش موضع كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخاً، وقال عكرمة : جاء وهو ابن أربعين سنة كما كان يوم مات، ووجد بنيه قد نيفوا على مائة سنة، وقال غير الأعمش : بل موضع كونه آية أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حياً من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض. 
وأما العظام التي أمر بالنظر إليها فقد ذكرنا من قال : هي ١ - الآية منسوقة على الآية قبلها، والتقدير: "ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم فيربه – وإلى الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها». وقيل تقديره: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، وهل رأيت كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها». قاله البغوي، وقوله تعالى: \[مائة عام\] ليس منصوبا بأماته، لأن الإماتة سلب الحياة وهي لا تمتد، وإنما الوجه أن يضمن (أمًاتَهُ) معنى (ألْبَثَهُ)، فكأنه قيل: ألبثَه الله ميتا مائة عام، قاله ابن هشام في معنى اللبيب..
٢ - والعطف على المعنى موجود في كلام العرب وإن كان لا ينقاس، ومنه قول الشاعر:
 تَقِيٌّ نَقِيٌّ لمْ يُكَثِّر غُنَيْمَــةً بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى ولا بِحَقَلَّــدِ
 لأن المعنى في قوله: "لم يكثر" ليس بمكثر – ولذلك راعى هذا المعنى فعطف عليه قوله: "ولا بحقلد"..
٣ - فالهمزة للاستفهام الذي معناه التقرير. والتقدير: "وأَرَأَيْتَ مثل الذي"..
٤ - ناجية بن كعب الخزاعي هو صاحب هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عروة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ناجية الخزاعي عيناً في فتح مكة،.
٥ - إن كان الخضر هو أرمياء فلا يبعد ما قاله ابن اسحق، لأن الخضر من المعمرين فيمكن أن يبقى حيا إلى هذا العصر على أحد القولين، وإن كان قد مات قبل – كما هو الصحيح عند المحدثين – فقول الإمام ابن عطية صحيح..
٦ - أي قول أبي زيد..
٧ - الحديث الطويل عن هذه القصة رواه ابن جرير الطبري عن محمد بن إسحق صاحب السيرة عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني..
٨ - من الآية (٦٨) من سورة النحل..
٩ - أي في معنى قوله تعالى: \[وهي خاوية على عروشها\]، وعلى ما قاله السدي رحمه الله \[على عروشها\] متعلق \[خاوية\]، وعلى ما قاله غيره فهو متعلق بمحذوف، أي قائمة على عروشها، وقد أيد الثاني الإمام ابن عطية. تأمل..
١٠ - نصه كما في البخاري: (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين)..
١١ - وهو إماتته مائة عام ثم بعثه وسؤاله..
١٢ - أي: \[أنّى يحيي هذه الله بعد موتها\]..
١٣ - وهو إحياء الموتى لا إحياء القرية..
١٤ - هناك روايات ثلاث: بلي هو دون حماره، بلي حماره دونه، بلي الاثنان وتفرقت عظامهما وأوصالهما..
١٥ - يعني أنه يقال: عام يعوم عوماً وعاماً، كما يقال: قال يقول قولا وقالا..
١٦ - الحروف المهموسة عشرة يجمعها قولك: (حَثَّه شخص فَسَكَتَ) وضدها المجْهُورة وهي تسعة عشر، والمجهورة ما يصحبها صوت قوي لقوة الاعتماد عليها، والمهموسة ما يصحبها صوت ضعيف لضعف الاعتماد عليها..
١٧ - وهو أن حماره بقي حيا في مربطه دون أكل أو شرب. والثاني وقف على كيفية حياة حماره الميت، وجمع عظامه..
١٨ - أي بدل قوله (لم يتسنه)..
١٩ - قوله تعالى: \[اقْتَدِهْ\] من الآية ٩٠ من سورة الأنعام. وفي قوله سبحانه: \[أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقْتَدِهْ\].
 وقوله: \[وما أدراك ماهيهْ\] هي الآية ١٠ من سورة القارعة.
 أما قوله تعالى: \[ما أغنى عنِّي ماليه\] – \[هلك عني سلطانيه\] – \[إني ظننت أني ملاق حسابية\] – \[ولم أدر ما حسابيه\] – \[هاؤم اقرؤوا كتابيه\] – \[يا ليتني لم أوت كتابيه\] فكلها في سروة الحاقة..
٢٠ - هذه الاحتمالات مبنية على الخلاف في هاء \[يَتَسَنَّهْ\]. أهي زائدة أم أًصلية من بنية الكلمة، وحاصله أن \[يَتَسَنَّهْ\] إما من التَسَنِّي والتسنن، وإما من السنة بمعنى: الجدب، أو بمعنى: العام وتجمع السنة على سنوات، ففي هذا كله الهاء هاء السكت، وإذا كانت السنة بمعنى العام وتجمع على سنهات فالهاء أصلية وبذلك قرأ أكثر السبعة..
٢١ - يعني أن أصله تَسَنن، ثم قلبت النون ياء كراهة التضعيف فصار "يتسنَّى"، وعليه فالأصل "تسنن" ثم "تسنى"، ثم جاء المضارع بالجزم فأصبح: "لم يَتَسَنَّ"، ومن قرأها بالهاء على هذا فهي هاء السكت..
٢٢ - أي أجدبوا، بقلب اللام تاء للفرق بين السنة بمعنى الجدب وبمعنى العام، ويقال: أسنوا: أتت عليهم سَنَة..
٢٣ - أي من السنة بمعنى الجدب أو من السنة بمعنى العام، أي قطع الشمس البروج الإثنى عشر..
٢٤ - أي أقمت عندهم سنة..
٢٥ - البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، يقال: نخلة سنهاء، أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، ورُجَبِيَّة كعُمرية، يقال: رَجَّبَ النخلة: بنى تحتها بناءً تعتمد عليه لضعفها، أو ضمّ أعذاقها إلى سعفاتها وشدَّها بالخوص لئلا تنفضها الريح، وفي حديث السقيفة: **«أنا جُذَيلها المحكَّك، وعُذَيقها المُرَجَّب»** أو وضع الشوك حولها خشية أن يصل إليها سارق. والجوائح: السنون الشداد التي تجتاح المال. أي تهلكه وتستأصله..
٢٦ - جواب قوله: **«وأما من قال في تصغير السنة... الخ»**..
٢٧ - أي ذُكر ذلك من قبل – حيث قال: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل..
٢٨ - معنى ذلك أن الله أحيا منه رأسه وعينيه وأبقى سائر جسده ميِّتا، وعند ذلك نظر بعينيه إلى عظامه، وهذه الرواية شاذة، وهذا القصص أصله إسرائيلي، والإسرائيليات لا تعتمد في التفسير الصحيح..
٢٩ - يشير بهذا إلى أن قوله تعالى: \[ولنجعلك آية للناس\] مربوط بفعل مقدر، أي: وفعلنا بك ذلك لنجعلك آية للناس على البعث والمعاد..

### الآية 2:260

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:260]

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٦٠ )
العامل في  إذ  فعل مضمر تقديره واذكر. واختلف الناس لم صدرت هذه المقالة عن إبراهيم عليه السلام( [(١)](#foonote-١) ) ؟ فقال الجمهور : إن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكاً في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة. وترجم الطبري في تفسيره فقال : وقال آخرون سأل ذلك ربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس أنه قال : ما في القرآن آية أرجى عندي منها( [(٢)](#foonote-٢) )، وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى  ؟ وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«نحن أحق بالشك من إبراهيم »** الحديث( [(٣)](#foonote-٣) ). ثم رجح الطبري هذا القول الذي يجري مع ظاهر الحديث. وقال : إن إبراهيم لما رأى الجيفة تأكل منها الحيتان ودواب البر ألقى الشيطان في نفسه فقال : متى يجمع الله هذه من بطون هؤلاء ؟ وأما من قال : بأن إبراهيم لم يكن شاكاً، فاختلفوا في سبب سؤاله. فقال قتادة : إن إبراهيم رأى دابة قد توزعتها السباع فعجب وسأل هذا السؤال. وقال الضحاك : نحوه، قال : وقد علم عليه السلام أن لله قادر على إحياء الموتى، وقال ابن زيد : رأى الدابة تتقسمها السباع والحيتان لأنها كانت على حاشية البحر، وقال ابن إسحاق، بل سببها أنه لما فارق النمرود وقال له : أنا أحيي وأميت، فكر في تلك الحقيقة والمجاز( [(٤)](#foonote-٤) )، فسأل هذا السؤال. وقال السدي وسعيد بن جبير : بل سبب هذا السؤال أنه بشر بأن الله اتخذه خليلاً أراد أن يدل بهذا السؤال ليجرب صحة الخلة، فإن الخليل يدل بما لا يدل به غيره، وقال سعيد بن جبير : ولكن ليطمئن قلبي  يريد بالخلة. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وما ترجم به الطبري عندي مردود( [(٥)](#foonote-٥) )، وما أدخل تحت الترجمة متأول، فأما قول ابن عباس : هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول : هي أرجى آية لقوله : أو لم تؤمن  ؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت، به، ولهذا قال النبي عليه السلام :**«ليس الخبر كالمعاينة »**( [(٦)](#foonote-٦) )، وأما قول النبي عليه السلام نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه : أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم( [(٧)](#foonote-٧) ). 
والذي روي فيه عن النبي عليه السلام أنه قال : ذلك محض الإيمان( [(٨)](#foonote-٨) ) إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به، يدلك على ذلك قوله : ربي الذي يحيي ويميت  \[ البقرة : ٢٥٨ \] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً( [(٩)](#foonote-٩) )، وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول. نحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تكون  كيف  خبراً عن شيء شأنه أن يستفهم عنه،  كيف  نحو قولك : كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي، و  كيف  في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع : أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب : أرني كيف ترفعه ؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف ؟ فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له : أَوَلَمْ تؤمن قال بلى ، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمانينة. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى : أَوَلَمْ تؤمن  معناه إيماناً مطلقاً دخل فيه فصل إحياء الموتى، والواو واو حال دخلت عليه ألف التقرير( [(١٠)](#foonote-١٠) )، و  ليطمئن  معناه ليسكن عن فكره، والطمأنينة اعتدال وسكون على ذلك الاعتدال فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال عليه السلام :**«ثم اركع حتى تطمئن راكعاً »**، الحديث، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظورة، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها، بل هي فكر فيها عبر، فأراد الخليل أن يعاين، فتذهب فكره في صورة الإحياء، إذ حركه إلى ذلك إما أمر الدابة المأكولة وإما قول النمرود : أنا أحيي وأميت، وقال الطبري : معنى  ليطمئن  ليوقن. وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وحكي( [(١١)](#foonote-١١) ) عنه ليزداد يقيناً وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم : لأزداد إيماناً مع إيماني. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلا فاليقين لا يتبعض، وروي أن الأربعة التي أخذ إبراهيم هي الديك، والطاووس، والحمام، والغراب، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم الأول، وقاله مجاهد وابن جريج وابن زيد، وقال ابن عباس : مكان الغراب الكركي( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
وروي في قصص هذه الآية أن الخليل عليه السلام أخذ هذه الطير حسبما أمر وذكاها( [(١٣)](#foonote-١٣) ) ثم قطعها قطعاً صغاراً وجمع ذلك مع الدم والريش، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءاً على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء، وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال تعالين بإذن الله( [(١٤)](#foonote-١٤) )، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم، والريش إلى الريش، حتى التأمت كما كانت أولاً وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعياً( [(١٥)](#foonote-١٥) ) حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارت بإذن الله تعالى، وقرأ حمزة وحده :**«فصِرهن إليك »** بكسر الصاد( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وقرأ الباقون بضمها ويقال صرت الشيء أصوره بمعنى قطعته، ومنه قول ذي الرمة :\[ الرجز \]
صِرْنَا بِهِ الحُكْمَ وَعَنَّا الحَكَمَا. . . ( [(١٧)](#foonote-١٧) )
ومنه قول الخنساء :\[ السريع \]
فلو يلاقي الذي لاقيتُه حضنٌ. . . لظلَّتِ الشُّمُّ مِنْهُ وَهْيَ تنصارُ( [(١٨)](#foonote-١٨) )
أي تنقطع ويقال أيضاً صرت الشيء بمعنى أملته ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]
يصُورُ عنوقَها أحوى زنيمٌ. . . لَهُ صَخَبٌ كَمَا صَخِبَ الْغَرِيمُ( [(١٩)](#foonote-١٩) )
ومنه قول الأعرابي في صفة نساء هن إلى الصبا صور، وعن الخنا نور( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، فهذا كله في ضم الصاد، ويقال أيضاً في هذين المعنيين، : القطع والإمالة : صرت الشيء بكسر الصاد أصيره، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
وفرعٌ يَصيرُ الْجِيدَ وَجْفٌ كأَنَّهُ. . . عَلى اللِّيتِ قِنْوانُ الكرومِ الدَّوالِحِ( [(٢١)](#foonote-٢١) )
ففي اللفظة لغتان قرىء بهما، وقد قال ابن عباس ومجاهد في هذه الآية  صرهن  معناه : قطعهن، وقال عكرمة وابن عباس فيما في بعض ما روي عنه أنها لفظة بالنبطية( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ) معناها قطعهن، وقاله الضحاك، وقال أبو الأسود الدؤلي : هي بالسريانية، وقال قتادة : صرهن  فصلهن، وقال ابن إسحاق : معناه قطعهن، وهوالصور في كلام العرب، وقال عطاء بن أبي رباح : فصرهن  معناه اضممهن إليك( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ). وقال ابن زيد معناه اجمعهن، وروي عن ابن عباس معناه أوثقهن. 
قال القاضي أبو محمد : فقد تأول المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع وبمعنى الإمالة. فقوله  إليك  على تأويل التقطيع متعلق بخذ. وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب  صرّهنّ ، وفي الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره فأملهن إليك فقطعهن( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ). وقرأ قوم **«فصُرَّهن »** بضم الصاد وشد الراء المفتوحة كأنه يقول فشدَّهن. ومنه صرة الدنانير. وقرأ قوم **«فصِرَّهن »** بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ومعناه صيحهن من قولك صر الباب والقلم إذا صوَّتَ، ذكره النقاش( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ). قال ابن جني وهي قراءة غريبة وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل، وإنما بابه يفعُل بضم العين كشد يشُد ونحوه. 
لكن قد جاء منه نمَّ الحديث يَنمُّه ويُنمّه وهر الحرب يَهرها ويُهرها( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) ومنه قول الأعشى :
لَيَعْتَوِرَنْكَ الْقَوْلَ حَتَّى تهرَّهُ. . . ( [(٢٧)](#foonote-٢٧) )
إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جني، وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد قال المهدوي وغيره وروي عن عكرمة فتح الصاد وشد الراء المكسورة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه بمعنى فاحبسهن من قولهم صرى يصري إذا حبس، ومنه الشاة المصراة( [(٢٨)](#foonote-٢٨) )، واختلف المتأولون في معنى قوله : ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ، فروى أبو حمزة عن ابن عباس أن المعنى اجعل جزءاً على كل ربع من أرباع الدنيا( [(٢٩)](#foonote-٢٩) ) كأن المعنى اجعلها في أركان الأرض الأربعة. وفي هذا القول بعد، وقال قتادة والربيع المعنى واجعل على أربعة أجبل( [(٣٠)](#foonote-٣٠) ) على كل جبل جزءاً من ذلك المجموع المقطع، فكما يبعث الله هذه الطير من هذه الجبال فكذلك يبعث الخلق يوم القيامة من أرباع الدنيا وجميع أقطارها. وقرأ الجمهور **«جزءاً »** بالهمز، وقرأ أبو جعفر **«جزّاً »** بشد الزاي في جميع القرآن. وهي لغة في الوقف فأجرى أبو جعفر الوصل مجراه. وقال ابن جريج والسدي أمر أن يجعلها على الجبال التي كانت الطير والسباع حين تأكل الدابة تطير إليها وتسير نحوها وتتفرق فيها. قالا : وكانت سبعة أجبل فكذلك جزأ ذلك المقطع من لحم الطير سبعة أجزاء. وقال مجاهد : بل أمر أن يجعل على كل جبل يلية جزءاً. قال الطبري معناه دون أن تحصر الجبال بعدد، بل هي التي كان يصل إبراهيم إليها وقت تكليف الله «إياه تفريق ذلك فيها، لأن الكل لفظ يدل على الإحاطة. 
قال القاضي أبو محمد : وبعيد أن يكلف جميع جبال الدنيا، فلن يحيط بذلك بصره، فيجيء ما ذهب إليه الطبري جيداً متمكناً. والله أعلم أي ذلك كان. ومعنى الآية أن إبراهيم عليه السلام كان بحيث يرى الأجزاء في مقامه، ويرى كيف التأمت، وكذلك صحت له العبرة، وأمره بدعائهن وهن أموات إنما هو لتقرب الآية منه وتكون بسبب من حاله، ويرى أنه قصد بعرض ذلك عليه. ولذلك جعل الله تعالى سيرهن إليه  سعياً ، إذ هي مشية المجدّ الراغب فيما يمشي إليه، فكان من المبالغة أن رأى إبراهيم جدها في قصده وإجابة دعوته. ولو جاءته مشياً لزالت هذه الق

١ - اختلف العلماء في الإجابة عن هذا السؤال: أصدر عن شك أم لا ؟، وجمهور المفسرين أن المسألة لم تعرض من جهة الشك وإنما كانت من قبيل الاستزادة في العلم، أي الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين، وطمأنينة القلب تحصل بالثاني أكثر مما تحصل بالأول، وقد قال أعلم الخلق بالحق: \[ربِّ زدني علما\] وحديث أبي هريرة مبني على نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام، لا على ثبوته كما ظنه بعض الناس اغترارا بظاهره، ولا يخفى أن مثل هذا الشك كُفر، وأن الأنبياء ليس للشيطان عليهم سلطان، قال أبو (ح): **«ألفاظ الآية لا تدل على عروض شيء يُشين المعتقد، لأن ذلك سؤال أن يُريه عياناً كيفية إحياء الموتى – والسؤال عن الكيفية يقتضي تيقن ما سأل عنه وهو الإحياء وتقرره والإيمان به»** ا. هـ. فالتعقيب على الإمام الطبري رحمه الله واقع موقع الصواب، والله أعلم. وقد قال بان اسحق إن السبب في السؤال هو قضية النمروذ الذي قال: أنا أحيي وأميت، وما تبع ذلك من حوار. ووضح أبو (ح) ذلك فقال: لأنه لما علم ذلك بقلبه وتيقنه واستدل به على نمروذ طلب من الله تعالى رؤية ذلك». ا. هـ..
٢ - قول ابن عباس هذا خرَّجه عبد الرزاق وابن جرير ورجحه، والحاكم وصححه..
٣ - خرجه البخاري ومسلم. ورواه ابن ماجه، وهو في البخاري في كتاب "أحاديث الأنبياء"..
٤ - أي حقيقة الإحياء والإماتة. في كلام إبراهيم عليه السلام وحجته، ومجازها الذي لجأ إليه النمروذ..
٥ - مناقشة القاضي رحمه الله للإمام الطبري مناقشة علمية صحيحة، وذلك هو ما يجب في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، انظر "الشفا" للقاضي عياض فقد بسط القول في هذا الموضوع ووفاه حقه من الدراسة الموفقة. والله أعلم..
٦ - رواه الإمام أحمد، وابن حبان عن ابن عباس مرفوعاً..
٧ - قال ذلك عليه الصلاة والسلام من باب الأدب، لأن إبراهيم عليه السلام بمثابة الأب..
٨ - رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة بلفظ: (جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه – إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه ؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان).
 ورواه عن عبد الله بن مسعود قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال: تلك محض الإيمان). وإنما كانت الوسوسة محض الإيمان، لأن الشيطان إذا يئس من كفر من صح إيمانه قصده بالوسوسة ليشغل سره بحديث النفس، ويكدر عليه أفعاله، فكأن سبب الوسوسة إنما هو محض الإيمان، والله أعلم..
٩ - وقيل: العصمة ثابتة على الإطلاق في الصغائر والكبائر..
١٠ - الظاهر أن الواو للعطف أُخرت عن الهمزة، وأن التقرير منسحب على الجملة المنفية فقط، كقوله تعالى: \[ألم نشرح لك صدرك ؟\] أي: قد شرحنا لك صدرك.
 وكقوله تعالى: \[أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا\] أي: قد جعلنا حرما آمنا.
 **وكقول الشاعر:**
 ألَسْتُمْ خيرَ مَنْ ركِبَ المطَايَـا وأنْدى العَالَمِين بُطُون رَاح ؟
 أي: أنتم خير من ركب إلخ. وترجح أن الواو للعطف لأنها لو كانت للحال فلا بد أن يكون في موضع نصب، وإذ ذاك لا بد لها من عامل فلا تكون الهمزة للتقرير ودخلت على الجملة الحالية – إنما دخلت على الجملة التي اشتملت على العامل فيها، وعلى ذي الحال، ويكون التقدير: أسألت ولم تؤمن ؟ - راجع البحر المحيط ٢-٢٩٨..
١١ - يعني أن الطبري حكى عن سعيد بن جبير القولين – الأول: "ليطمئن قلبي: ليوقن". والثاني: "ليطمئن قلبي: ليزداد إيمانا"..
١٢ - الكُركي: طائر قليل اللحم، صلب العظم، أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب، يأوي إلى الماء أحيانا، في خده لمعات سود، وجمعه: كَراكي..
١٣ - أي ذبحها – والذكاة اسم مصدر من ذكَّى، وفي الحديث: (ذكاة الجنين من ذكاة أمه)..
١٤ - الأمر أمر تكوين لا أمر طاعة، لأن أمر الطاعة لا يكون إلا بعد وجود المأمور المتعبد..
١٥ - سعيا: عدواً – وليس مشيا ولا طيرانا، وذلك أغرب وأقرب إلى قصد إبراهيم وإجابة دعائه..
١٦ - يقال: صار يصور صورا، بمعنى: قطع وأمال – ويقال: صار يصير صيرا كذلك، أي بمعنى القطع والإمالة، وهما قراءتان من القراءات السبع المعروفة، إلا أنه إذا فسرنا المادة في الآية بالإمالة فإن كلمة (إليك) متعلقة بالفعل (خُذ)..
١٧ - جاء في اللسان: قال ابن بري: هذا الرجز الذي نسبه الجوهري للعجَّاج ليس هو للعجّاج، وإنما هو لرؤبة يخاطب الحَكَم بن صخر وأباه صخر بن عثمان، وقبله:
 أبلـغ أبا صخر بيانا مُعلمــا صخْرَ بن عثمان بن عمرو وابن مــا
 صُرْنـا بِـهِ الحُكْـمَ وأعْيـَا الحَكَمــا
 أي: قطعنا به ذلك. وقد روى"وعنا" بدلا من "أعيا"..
١٨ - تَنْصار: مضارع انصار، وانصار: مطاوع أصار – يقال: أصار الشيء فانصار، أي أماله فمال. فمعنى تنصار: تَنْهَدُّ وتتفرَّق وتتقطَّع – والشمّ: العالية المرتفعة. وحَضَنَ جبلٌ عالي في أعالي نجد، وفي المثل "أنجدَ من رأى حَضَنا" أي: دخل نجدا من رأى هذا الجبل..
١٩ - البيت للشاعر المُعَلَّى بن جمال العبدي، وقد رواه ابن جرير الطبري:
 وجاءت خُلْعَةٌ دُهْسٌئ صَفَايا يصُور عُنُوقَها أحوى زنيمُ
 وعُنوق: جمع عَناق، وهي الأنثى من أولاد المعيز والغنم من حين الولادة إلى تمام الحول، وتجمع على أعنق وعُنُق وعُنُوق – وأحوى معناه: أسود – والزنيم: الملحق بقوم ليس منهم. فكأنه فيهم لصيق زائد كالزنمة، وهو مأخوذ من زنمتي العنز وهما زائدتان في الحلق تحت لحيته. 
 الخلعة: بضم الخاء وكسرها خيار الشاءِ، ودُهِس العنز: تغير لونه إلى السواد فهو أدهس وهي دهساء، والجمع دُهْسٌ، والصفايا: غزيرة اللبن.
 والبيت بعد ذلك في وصف ذكر المعز..
٢٠ - صُور: جمع أصور صوراء. ونور: جمع نُوُور بالإشباع، والأصل نُوُر بضمتين كعُنُق فكرهوا الضمة على الواو فقيل: نُوُر، والنوُور المرأة النَّفور من الريبة. وفي بعض النسخ "زُور" بدلا من "نور" من الزَّوَر وهو الميل والبعد عن الخَنا..
٢١ - البيت في وصف الشَّعْر – والفرع هو الشَّعْر التام. وهو أصلا ما تفرع من كل شيء، ومعنى "يصير الجيد" يميل الجيد – والوحف: الشعر الذي غزر واسودَّ – واللّيت: صفحة العنق مُثَنَّاه: ليتان، وجمعه: أليات – والقِنو: العذق بما فيه من الرطب. وهو بكسر القاف وضمها، وجمعه أقناء وقنوان – والكرم: العنب – وجمعه: كروم – ودلح: مشى بحمله غير منبسط الخطو لثقله، ودلحت السحابة: أبطأت في سيرها من كثرة الماء فهي دالحٌ – والجمع دُلَّحٌ ودوالحٌ..
٢٢ - النبط جيل من العجم منزلهم بين العراقين، سُمُّوا بذلك لكثرة النبط عندهم وهو الماء. ثم استعمل في أخلاط الناس وعوامهم، ومنه كلمة "نبطية" أي عامية، والواحد نبطي ونباطي مثلث النون..
٢٣ - الضم والجمع والإمالة بمعنى واحد..
٢٤ - أي على التأويل الثاني وهو تأويل الإمالة والضم..
٢٥ - حاصله أن القراءات هنا، ستّ: فصِرْهن إليك، فصُرهن إليك قراءتان سبعيتان – فصُرَّهن إليك، فصِرَّهن إليك بضم الصاد وكسرها مع شد الراء فيهما – فصُرُّهن إليك، وصَرِّهن إليك، بضم الصاد في الأولى وفتحها في الثانية مع شد الراء وضمها في الأولى "مع احتمال فتح الراء وكسرها" في الثانية، وهاتان الأخيرتان رويا عن عكرمة..
٢٦ - هرَّ الحرب بالراء كرهها..
٢٧ - تمامه: وتَعْلَمَ أنب عَنْكَ لَسْتُ بِمُلْيَم
 يعتوره: يتداوله – يقال: اعتوروه وتعاوروه: تداولوه فيما بينهم.
 وفي رواية : ليستدرجنك، والمعنى: ليبلغنك قولي من كل ناحية وليتركنك تدرج على الأرض حتى تكره الكلام وتعلم أني غير عاجز عن الانتقام..
٢٨ - أي: ومن هذا المعنى الشاة المصراة، ويقال صَرى الشاة إذا ترك حلبها ليكثر اللبن في ضرعها فهي محبوسة لذلك..
٢٩ - تفسير الجبل بذلك بعيد من لفظ الآية الكريمة ومُناف لمفهوم اللغة..
٣٠ - القول الذي يقول: إن ذلك أربعة أجبل أو سبعة أجبل لا دلالة على صحته، ولا يؤيده سياق الآية، لأن الله سبحانه قال: \[على كل جَبَل\]، وكلُّ تدل على الإحاطة والشمول، وليس جائزا **«كلُّ جبل في الدنيا" فلم يبق إلا ما قاله الإمام الطبري من أن المراد كل جبل يعرفه إبراهيم ويصل إليه وقت تكليفه بتفريق ذلك»**، وهو رأي جيد، ومتمكن، كما قاله الإمام ابن عطية، وقد روى أبو (ح) عن مجاهد قوله: العموم في كل جبل مخصص بوصف محذوف، أي: يليك، أو: بحضرتك – دون مراعاة عدد..

### الآية 2:261

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:261]

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( ٢٦١ )
هذه الآية لفظها بيان مثل بشرف النفقة في سبيل الله وبحسنها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة التطوع، وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، والحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر، وكثيراً ما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس :\[ البسيط \]. 
آليت حب العراق الدهر أطعمه. . . والحب يأكله في القرية السوس( [(١)](#foonote-١) )
وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حَسنتها بسبعمائة ضعف، وبين ذلك الحديث الصحيح، واختلف العلماء في معنى قوله : والله يضاعف لمن يشاء ، فقالت طائفة هي مبينة ومؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة. وليس ثمة تضعيف فوق سبعمائة، وقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف( [(٢)](#foonote-٢) ). وروي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف( [(٣)](#foonote-٣) ). وليس هذا بثابت الإسناد عنه، وقال ابن عمر لما نزلت هذه الآية قال النبي عليه السلام :**«رب زد أمتي »** فنزلت  من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له  \[ الحديد : ١١ \]، فقال رب زد أمتي، فنزلت  إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ الزمر : ١٠ \] و  سنبلة  فنعلة من أسبل الزرع أي أرسل ما فيه كما ينسبل الثوب( [(٥)](#foonote-٥) )، والجمع سنابل، وفي قوله تعالى : مثل الذين ، حذف مضاف، تقديره مثل إنفاق الذين، أو تقدره كمثل ذي حبة( [(٦)](#foonote-٦) )، وقال الطبري في هذه الآية، إن قوله  في كل سنبلة مائة حبة ، معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن نفرضه( [(٧)](#foonote-٧) ) ثم أدخل عن الضحاك أنه قال : في كل سنبلة مائة حبة  معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة، فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال هو، وذلك غير لازم من لفظ الضحاك، قال أبو عمرو الداني قرأ بعضهم **«مائة حبة »** بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة.

١ - هو جرير بن عبد المسيح الضبعي، وكان ملك الحيرة عمرو بن هند قد حرّم عليه حبّ العراق فقال: آليت، والخطاب لملك الحيرة، وعمِل الفعلُ بعد حذف الجار، أي على حبِّ العراق. وأطعمه: على حذف (لا) بعد القسم – والبيت من شواهد النحويين التي ذكروها للدلالة على جواز حذف الجار سماعاً، ولكن ذلك لم يرد إلا في الشعر للضرورة..
٢ - هذا هو الراجح – لقوله تعالى: \[من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة\] ولما رواه ابن عباس: (عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه عز وجل أن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) رواه البخاري ومسلم، وهو الذي أشار إليه ابن عطية بقوله: **«وبيَّن ذلك الحديث الصحيح»**، وهو حديث مشهور ذكره الإمام النووي في الأربعين – ولحديث ابن ماجة الذي ذكره الإمام (ق) هنا في تفسيره..
٣ - جاء ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه كما رواه الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، انظر ابن (ك) عند تفسير قوله تعالى: \[من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة\].
 وأما ابن عباس فقد ذكروا عنه ذلك ولكن لم يثبت له سند، كما قال ابن عطية وأصله للإمام (ط) رحمه الله..
٤ - رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن حبان في صحيحه..
٥ - أي كما يسترسل الثوب بإسباله، فقوله: **«من أسبل الزرع»** إشارة إلى زيادة النون، ومن اللغويين من يقول: سنْبَل الزرع فتكون أصلية..
٦ - يعني أن تقدير المضاف إما أن يكون في المشبه أو في المشبه به..
٧ - معناه: إما أن يوجد ذلك حقيقة، وإما أن يفرض فرضاً..

### الآية 2:262

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:262]

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٢٦٢ )
وقوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم  الآية، لما تقدم في الآية التي قبل هذه ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بيّن في هذه الآية أن ذلك الحكم إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه مناً ولا أذى( [(١)](#foonote-١) )، وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه، إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه، فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئاً ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه( [(٢)](#foonote-٢) )، وإما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله بل نظر إلى هذه الحال من المنفق عليه، وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى، وإما أن ينفق مضطراً دافع غرم إما لماتة( [(٣)](#foonote-٣) ) للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى توبع وحرج بوجه من وجوه الحرج آذى. 
فالمن والأذى يكشفان ممن ظهرا منه أنه إنما كان على ما ذكرناه من المقاصد، وأنه لم يخلص لوجه الله، فلهذا كان المن والأذى مبطلين للصدقة، من حيث بين كل واحد منهما أنها لم تكن صدقة، وذكر النقاش أنه قيل إن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال مكي في عثمان وابن عوف( [(٤)](#foonote-٤) ) رضي الله عنهما : والمن ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، والأذى : السب والتشكي، وهو أعم من المنّ، لأنّ المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه، وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية هي في الذين لا يخرجون في الجهاد، بل ينفقون وهم قعود، وأن الأولى التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم. قال : ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وفي هذا القول نظر، لأن التحكم فيه باد( [(٥)](#foonote-٥) )، وقال زيد بن أسلم : لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه، وقالت له امرأة : يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقاً، فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه، فإن عندي أسهماً وجعبة( [(٦)](#foonote-٦) )، فقال لها لا بارك الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. وضمن الله الأجر للمنفق في سبيل الله، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه، لأنه يغتبط بآخرته.

١ - لأن المنَّ والأذى يبطلان الصدقة كما سيأتي في الآية بعد هذه، ومن أقوالهم: **«المن أخو المن»** أي الامتنان بتعديد الصنائع أي للقطع والهدم..
٢ - وما أحسن قول بعضهم:
 بُــثَّ الصنائِعَ لا تحفِل بموقِعِهَـا في آمِلٍ شَكَرَ المعروفَ أو كَفَـرا
 فالغَيْثُ ليس ببالي حيثُ ما انْسَكَبَتْ مِنْهُ الغَمَـائِِمُ ثُرْباً كان أو حَجَـرَا
 ومن المتفق عليه حديث: (أنفق أُنفق عليك)..
٣ - أي لِحُرْمَةٍ أو وسيلة بينه وبين المنفق عليه كالقرابة والصداقة، أو لقرينة أخرى كالعناية بالمنفق عليه والاهتمام بشأنه..
٤ - أي في غزوة العسرة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حثَّ الناس على الصدقة حين أراد الخروج إليها جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف، فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأقرضت ربي أربعة آلاف، فقال صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت). وجاء عثمان فقال: يا رسول الله، عليّ جهاز مَنْ لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما..
٥ - ذلك أن الآية تدل على أن المن والأذى يكونان من المنفِق على المنفَق عليه، سواء كان المنفِق مجاهدا أم غير مجاهد، وسواء كان الإنفاق في الجهاد على سبيل التجهيز والإعانة أم كان في غير الجهاد، والفرق بين المجاهد بنفسه، والمجاهد بماله تحكم بلا سبب..
٦ - أي: يخرج للجهاد حقيقة لا لغرض، والجعبة كنانة النشاب أي السهام، والجمع جعاب ككلبة وكلاب..

### الآية 2:263

> ﻿۞ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [2:263]

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( ٢٦٣ )
هذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء. لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها( [(١)](#foonote-١) ). وقال المهدوي وغيره التقدير في إعرابه  قول معروف  أولى  ومغفرة خير ( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا ذهاب برونق المعنى، وإنما يكون المقدر كالظاهر، والمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج. ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوماً بكلام فصيح، فقال له قائل : ممن الرجل ؟ فقال اللهم غفراً، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب، وقال النقاش : يقال معناه ومغفرة للسائل إن أغلظ أو جفا إذا حرم( [(٣)](#foonote-٣) )، ثم أخبر تعالى بغناه عن صدقة من هذه حاله وعاقبة أمره، وحمله عمن يمكن أن يواقع هذا من عبيده وإمهالهم.

١ - القول المعروف أحد الصدقتين، ومن أقوالهم: **«رحم الله من أمر بمير، أو دعا بخير»**، والمير: العطاء..
٢ - يعني أنهما جملتان – إحداهما خبرها محذوف، والأخرى خبرها مذكور، والأظهر أن قوله تعالى: \[قول معروف\] مبتدأ بمعنى أن \[قول\] هو المبتدأ، و\[معروف\] صفة سوغت الابتداء بالنكرة. وقوله: \[ومَغْفِرَةٌ\] معطوف على الابتداء، فهو مبتدأ آخر، وسوغ جواز الابتداء به وصف محذوف تقديره: ومغفرة من الله أو من السائل أو من المسؤول، وقوله: \[خَيْرٌ\] خبر عنهما، فهما جملة واحدة، وأما ما قاله المهدوي رحمه الله فإنه يذهب برونق المعنى كما قال ابن عطية رحمه الله، وإنما المقدر كالمذكور والله أعلم..
٣ - قال ابن فرحون في "الديباج المذهب" في ترجمة "أبي محمد بن وهب": قال حسين بن عاصم: كنت عند ابن وهب فوقف على الحلقة سائل فقال: يا أبا محمد (الدرهم الذي أعطيتني بالأمس زائف)، فقال: يا هذا إنما كانت أيدينا عارية، فغضب السائل وقال: صلى الله على محمد، هذا الزمان الذي كان يُحَدِّث به أنه لا يلي الصدقات إلا المنافقون من هذه الأمة، فقام رجل من أهل العراق فلطم المسكين لطمة خرَّ منها لوجهه، فجعل يصيح: يا أبا محمد، يا إمام المسلمين، يُفعل بي هذا في مجلسك ؟ فقال ابن وهب: ومن فعل هذا ؟ فقال العراقي: أصلحك الله – الحديث الذي يحدثنا به أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حمى لحم مؤمن من منافق حمى الله لحمه من النار)، وأنت مصباحنا وضياؤنا ويغتابك في وجوهنا ؟ فقال: لأحدثنك بحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون في آخر الزمن مساكين يقال لهم العتاة، لا يتوضؤون لصلاة، ولا يغتسلون من جنابة، يخرج الناس إلى مساجدهم وأعيادهم يسألون الله من فضله، ويخرجون يسألون الناس، يرون حقوقهم على الناس، ولا يرون لله عليهم حقا) ا هـ..

### الآية 2:264

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [2:264]

وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى  الآية، والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات( [(١)](#foonote-١) )، فقال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله في صاحبها أنه يمن أو يؤذي فإنها لا تتقبل صدقة، وقيل بل جعل الله للملك عليها أمارة فلا يكتبها( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن، لأن ما نتلقى نحن عن المعقول من بني آدم فهو أن المن المؤذي ينص على نفسه أن نيته لم تكن لله عز وجل على ما ذكرناه قبل( [(٣)](#foonote-٣) )، فلم تترتب له صدقة، فهذا هو بطلان الصدقة بالمنّ والأذى، والمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها، إذ لم يكشف ذلك على النية في السليمة ولا قدم فيها، ثم مثل الله هذا الذي يمن ويؤذي بحسب مقدمة نيته بالذي  ينفق رئاء  لا لوجه الله، والرياء مصدر من فاعل من الرؤية. كأن الرياء تظاهر وتفاخر بين من لا خير فيه من الناس. قال المهدوي والتقدير كإبطال الذي ينفق رئاء، وقوله تعالى : ولا يؤمن بالله واليوم الآخر  يحتمل أن يريد الكافر الظاهر الكفر( [(٤)](#foonote-٤) )، إذ قد ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء ولغير ذلك. ويحتمل أن يريد المنافق الذي يظهر الإيمان. ثم مثل هذا المنفق رئاء ب  صفوان عليه تراب  فيظنه الظانُّ أرضاً منبتة طيبة كما يظن قوم أن صدقة هذا المرائي لها قدر أو معنى، فإذا أصاب الصفوان وابل من المطر انكشف ذلك التراب وبقي صلداً، فكذلك هذا المرائي إذا كان يوم القيامة وحصلت الأعمال انكشف سره وظهر أنه لا قدر لصدقته ولا معنى. فالمن والأذى والرياء يكشف عن النية. فيبطل الصدقة كما يكشف الوابل الصفا فيذهب ما ظن أرضاً. وقرأ طلحة بن مصرف **«رياء الناس »** بغير همز. 
ورويت عن عاصم. والصفوان الحجر الكبير الأملس. قيل هو جمع واحدته صفوانة. وقال قوم واحدته صفواة، وقيل هو إفراد وجمعه صفى، وأنكره المبرد( [(٥)](#foonote-٥) ) وقال : إنما هو جمع صفا، ومن هذا المعنى الصفواء( [(٦)](#foonote-٦) ) والصفا. قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
كميت يزل اللبد عن حال متنه. . . كما زلت الصفواء بالمتنزل( [(٧)](#foonote-٧) )
وقال أبو ذؤيب :\[ الكامل \]
حتى كأني للحوادث مروة. . . بصفا المشقَّرِ كلَّ يومٍ تقرع( [(٨)](#foonote-٨) )
وقرأ الزهري وابن المسيب **«صفَوان »** بفتح الفاء، وهي لغة، والوابل الكثير القوي من المطر وهو الذي يسيل على وجه الأرض، والصلد من الحجارة الأملس الصلب الذي لا شيء فيه، ويستعار للرأس الذي لا شعر فيه، ومنه قول رؤبة :\[ الرجز \]
بَرَّاق أصْلادِ الْجَبينِ الأجْلَهِ. . . ( [(٩)](#foonote-٩) ) قال النقاش : الصلد الأجرد بلغة هذيل، وقوله تعالى : لا يقدرون  يريد به الذين ينفقون رئاء، أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم ذلك وهو كسبهم، وجاءت العبارة ب  يقدرون  على معنى الذي. وقد انحمل الكلام قبل على لفظ الذي، وهذا هو مهيع( [(١٠)](#foonote-١٠) ) كلام العرب ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ، وقوله تعالى : والله لا يهدي القوم الكافرين  إما عموم يراد به الخصوص في الموافي على الكفر، وإما أن يراد به أنه لم يهدهم في كفرهم بل هو ضلال محض، وإما أن يريد أنه لا يهديهم في صدقاتهم وأعمالهم وهم على الكفر، وما ذكرته في هذه الآية من تفسير لغة وتقويم معنى فإنه مسند عن المفسرين وإن لم تجىء ألفاظهم ملخصة في تفسيره إبطال المن والأذى للصدقة.

١ - أي خلافا للمعتزلة، وقد تمسكوا بمثل هذه الآية، والجواب عن ذلك أن الآية هي في الصدقة التي يعلم الله أنها غير مقبولة بسبب ما يكون من المن والأذى فيها، لا في الصدقة التي وقعت على وجه صحيح مقبول، فإن المن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها، قال الإمام النووي في شرح "المهذب": **«يحرم المن بالصدقة، فلو منَّ بها بطل ثوابه للآية الكريمة، واستشكل ذلك ابن عطية بأن العقيدة أن السسيئات لا تبطل الحسنات، وقال غيره: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أصلهم، أي أن السيئة تبطل الحسنة، واستنبط العلم العراقي من هذه الآية دليلا لقاعدة أن المانع الطارئ كالمقارن لأنه تعالى جعل طريان المن والأذى بعد الصدقة كمقارنة الرياء لها في الابتداء، قال: ثم إن الله ضرب مثالين أحدهما للمقارن المبطل في الابتداء بقوله: \[فمثله كمثل صفوان\] الآية، فهذا فيه أن الوابل الذي نزل قارنه الصفوان وهو الحجر الصلد وعليه التراب اليسير – فأذهبه الوابل فلم يبق محل يقبل النبات وينتفع بهذا الوابل، فكذلك الرياء وعدم الإيمان إذا قارن إنفاق المال، والثاني الطارئ في الدوام وأنه يفسد الشيء من أصله بقوله: \[أيود أحدكم\] الآية، فمعناها أن هذه الجنة لما تعطل النفع بالاحتراق عند كبر صاحبها وضعفه وضعف ذريته فهو أحوج ما يكون إليها يوم فقره وفاقته، فكذلك طريان المن والأذى يحبطان أجر المتصدق أحوج ما يكون إليه يوم فقره وفاقته»**. انتهى من "الإكليل". للسيوطي، وتأمل..
٢ - أي لا تكتب ولا تثاب..
٣ - أي في شرح قوله تعالى: \[الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى\] حيث قال: المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه. الخ.
 **تنبيهان:**
 التنبيه الأول: قال الفضيل بن عياض: أحسن العمل أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة، وهذا هو قوله تعالى: \[الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا\] \[إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا\]. فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وجاريا على مقتضى أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على صاحبه، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلّ عمل ليس عليه أمرنا فهو رد). فالله إنما يعبد بأمره، ولا يعبد بالجهل، ولا بالآراء والأهواء.
 التنبيه الثاني: قال الله تعالى: \[يمنّون عليك أن أسلموا، قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين\]، فالمنة لله على عباده، وهم إنما يتقبلون في بحر مِنَنه ونعمه، ومحض صدقته عليهم بلا عوض منه البتة، وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده، فهو المنان عليهم بأن وفقهم لتلك الأسباب، وهداهم لها، وأعانهم عليها، وقبلها منهم على ما فيها، فإن العبد ناقص، والناقص لا يستطيع أن يقوم بحق الكامل على وجه التام. وإلى هذه السببية المشروعة أشار سبحانه بقوله: \[ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون\]. ومن هنا كان احتمالك منّة المخلوق نقصا لأنه نظيرك. فإذا منّ عليه استعلى عليه، ورأى الممنون عليه دونه، ومع هذا فليس ذلك في كل مخلوق، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم المنَّة على أمته، وقد كان أصحابه رضوان الله عليهم يقولون: **«الله ورسوله أَمَنُّ»** وكذلك لا نقص في منَّة الوالد على ولده، ولا عار عليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم للولد: (أنت ومالك لأبيك). وقال أيضا وقد سئل صلى الله عليه وسلم: ما حق الوالدين على الولد ؟: (هما جنتك ونارك). وكذلك منَّة السيد على عبده، وإذا كان هذا حال بعض المخلوقين فكيف برب العالمين الذي أسبغ النعم ظاهرة وباطنة: نعمة الإيجاد والإمداد ونعمة الهداية والتوفيق، ونعمة الرعاية والعناية، فأعمالنا ليست سببا لمننه ونعمه، ولا لجزائه وثوابه، بل غايتها إذا بذل العبد فيها نصحه وجهده، وأوقعها على أكمل الوجوه، أن تقع شكرا له على بعض نعمه عليه. فلذلك لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا نفى دخول الجنة بالعمل، حين قال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل). ولا تنافي بين الحديث والآية، إذ توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال، وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها، والمثبت هو أن حكمة الله اقتضت أن يكون العمل سببا للدلالة على مجرد الطاعة والامتثال، وإن كان العمل قليلا وضئيلا بالنسبة للجنة. أفاده ابن القيم رحمه الله..
٤ - يؤيده قوله تعالى: \[والله لا يهدي القوم الكافرين\]، ورجح مكي أن المراد بالمنفق المرائي المنافق، واقتصر عليه الزمخشري، وذلك أن الرياء من فعل المنافق الساتر لكفره، وأما الكافر فهو مباه بعمله ومجاهر بكفره ومناصب للدين، والله أعلم..
٥ - وقال: إنما صفي جمع صَفَا، كقفا وقفي، والحاصل أن الصفا جمع صفاة، والصفي جمع الصَّفا فهو جمع الجمع..
٦ - الصفواء: الصفاة، والصفوانة: الصفاة أيضا جمعا صفْوان بسكون الفاء وفتحها..
٧ - أي كما يزل النازل على الصخرة الملساء، ويقال: كمُتَ الفرس: كان لونه بين الأسود والأحمر: والمتن: الظهر (يذكر ويؤنث)..
٨ - راجع تفسير قوله تعالى: \[إن الصفا والمروة من شعائر الله\]: والمشقر: حصن قديم..
٩ - البيت بتمامه:
 لَمَّـا رأتْنِي خلق المُمَــوَّهِ بَرَّقَ أصْلادِ الجَبِينِ الأجْلَـهِ
 المموَّه: المزيَّن بماء الشباب، والأصلاد: جمع صَلْد والصَّلد: هو الصُّلْب الأمْلس الشديد، والصخرة العريضة الملساء، ويقال: رأس أو جلد صَلْد: لا يُنبت شعرا – ويقال: جَلِهَ جَلَها: ضخمت جبهته، وتأخرت منابت شعر رأسه، وانحسر عن مقدم رأسه فهو أجْله وهي جلهاء..
١٠ - المهيع من الطرق: البيِّن، وجمعه: مهايع..

### الآية 2:265

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:265]

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٢٦٥ )
من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه نقيض ما يتقدم ذكره لتبيين حال التضاد بعرضها على الذهن، فلما ذكر الله صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم وهي على وجهها في الشرع( [(١)](#foonote-١) ) فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام ومثل نفقة الذين ينفقون كمثل غراس جنة، لأن المراد بذكر الجنة غراسها أو تقدر الإضمار في آخر الكلام دون إضمار نفقة في أوله، كأنه قال : كمثل غارس جنة( [(٢)](#foonote-٢) )، و  ابتغاء  معناه طلب، وإعرابه النصب على المصدر في موضع الحال( [(٣)](#foonote-٣) ). وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله. لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو  وتثبيتاً  عليه. ولا يصح في  تثبيتاً  أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. وقال مكي في المشكل( [(٤)](#foonote-٤) ) : كلاهما مفعول من أجله وهو مردود بما بيناه، و  مرضاة  مصدر من رضي يرضى، وقال الشعبي والسدي وقتادة وابن زيد وأبو صالح : وتثبيتاً  معناه وتيقناً، أي إن نفوسهم لها بصائر متأكدة فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتاً( [(٥)](#foonote-٥) )، وقال مجاهد والحسن : معنى قوله : وتثبيتاً  أي إنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم ؟ وقال الحسن كأن الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك، والقول الأول أصوب. لأن هذا المعنى الذي ذهب إليه مجاهد والحسن إنما عبارته وتثبتاً، فإن قال محتج إن هذا من المصادر التي خرجت على غير المصدر كقوله تعالى : وتبتل إليه تبتيلاً ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ المزمل : ٨ \]، وكقوله : أنبتكم من الأرض نباتاً ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ نوح : ١٧ \] فالجواب لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم للمصدر، وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول أحمله على فعل كذا وكذا لفعل لم يتقدم له ذكر، هذا مهيع كلام العرب فيما علمت، وقال قتادة : وتثبيتاً  معناه وإحساناً من أنفسهم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا نحو القول الأول، والجنة البستان وهي قطعة أرض نبتت فيها الأشجار حتى سترت الأرض، فهي من لفظ الجن والجنن والجنة وجن الليل، والربوة ما ارتفع من الأرض ارتفاعاً يسيراً معه في الأغلب كثافة التراب وطيبه وتعمقه، وما كان كذلك فنباته أحسن، ورياض الحزن ليس من هذا كما زعم الطبري( [(٨)](#foonote-٨) )، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسميه أبرد وأرق، ونجد يقال له الحزن، قول ما يصلح هواء تهامه إلا بالليل، وللذلك قالت الأعرابية : زوجي كليل تهامة( [(٩)](#foonote-٩) )، وقال ابن عباس : الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار. 
 قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه  : وهذا إنما أراد به هذه الربوة المذكورة في كتاب الله، لأن قوله تعالى : أصابها وابل  إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد ابن عباس أن جنس الربا لا يجري فيها ماء، لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين، والمعروف في كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر، وقال الحسن : الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء، وهذا أيضاً أراد أنها ليست كالجبل والظرب( [(١٠)](#foonote-١٠) ) ونحوه، قال الخليل أرض مرتفعة طيبة وخص( [(١١)](#foonote-١١) ) الله بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث هي العرف في بلاد العرب فمثل لهم بما يحسونه كثيراً، وقال السدي  بربوة  أي برباوة وهو ما انخفض من الأرض، قال أبو محمد : وهذه عبارة قلقة( [(١٢)](#foonote-١٢) ) ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد، يقال **«رُبوة »** بضم الراء وبها قرأ ابن كثير وحمزة الكسائي ونافع وأبو عمرو. ويقال **«رَبوة »** بفتح الراء وبها قرأ عاصم وابن عامر، وكذلك خلافهم في سورة المؤمنين( [(١٣)](#foonote-١٣) )، ويقال رِبوة بكسر الراء وبها قرأ ابن عباس فيما حكي عنه. ويقال رَباوة بفتح الراء والباء وألف بعدها، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن، ويقال رباوة بكسر الراء وبها قرأ الأشهب العقيلي،  وآتت  معناه أعطت، و **«الأُكْل »** بضم الهمزة وسكون الكاف الثمر الذي يؤكل، والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الدابة وباب الدار، وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة، وقرأ ابن كثير( [(١٤)](#foonote-١٤) ) ونافع وأبو عمرو **«أُكْلُها »** بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى غير مكنى( [(١٥)](#foonote-١٥) ) مثل أكل خمط فثقل أبو عمرو ذلك، وخففاه، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه، بالتثقيل. ويقال أكل وأكل بمعنى، وهو من أكل بمنزلة الطعمة من طعم، أي الشيء الذي يطعم ويؤكل، و  ضعفين  معناه : اثنين مما يظن بها ويحرز من مثلها، ثم أكد تعالى مدح هذه الربوة بأنها  إن لم يصبها وابل  فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل، وذلك لكرم الأرض، والطل المستدق من القطر الخفيف، قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة، وقال قوم الطل الندى، وهذا تجوز وتشبيه( [(١٦)](#foonote-١٦) )، وقد روي ذلك عن ابن عباس. قال المبرد : تقديره  فطلٌّ  يكفيها( [(١٧)](#foonote-١٧) ). وقال غيره التقدير : فالذي أصابهم طل، فشبه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربى الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل حسب الحديث بنمو نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، وذلك كله بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً، وفي قوله تعالى : والله بما تعملون بصير  وعد ووعيد، وقرأ الزهري يعملون بالياء كأنه يريد به الناس أجمع. أو يريد المنفقين فقط فهو وعد محض.

١ - يريد تركوها على وجهها الشرعي من دون إيذاء ولا رياءٍ..
٢ - معناه أن المضاف إليه يقدر ولا بد، إما في المشبه، وإما في المشبه به رعاية للتناسب..
٣ - أي مبتغين رضى الله، ومثبتين على الإنفاق في طاعة الله. .
٤ - هو كتاب لمكي بن أبي طالب القيرواني أصلا، القرطبي النحوي اللغوي المقرئ سماه "مشكل غريب القرآن"، في ثلاثة أجزاء..
٥ - المراد أنه لا محرك له إلا نفسه. وهذا التفسير هو الأحسن..
٦ - من الآية رقم (٨) من سورة المزمل..
٧ - من الآية رقم (١٧) من سورة نوح..
٨ - يعني أن رياض الحزْن (وهي الأرض الغليظة الخشنة) غير رياض الرُّبا ورياض الحَزْن تعني رياض نجد التي تغنَّى بها الشعراء، وهي أجود وأطيب من رياض تهامة..
٩ - وهي المرأة الرابعة في حديث "أم زرع" المشهور..
١٠ - الجبل المنبسط المستوي، والظاهر أن المراد بالربوة أرض طيبة مستوية ومرتفعة قليلا لا مسنمة، بحيث يستقر الماء عليها، وإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وبهذا يجتمع كلامهم، والله أعلم..
١١ - يعني أن الربوة في كلام العرب بعامة – وفي بلاد العرب – خاصة بالتي لا يجري فيها ماء، والقرآن هنا جاء على ما يحسونه في بلادهم..
١٢ - أي غير ثابتة ولا مستقرة في موضعها، واللغات هنا خمس: ربوة مثلثة الراء، وربَاوة بفتحها وكسرها، وكلها من: ربا يربو إذا زاد، والزيادة غير الانخفاض ومن أقوالهم: وما زالت تخفضني أرض وترفعني أرض حتى وصلت إليكم..
١٣ - مراده أن عاصما، وابن عامر قرآ قوله تعالى: \[كمثل جنة بربوة\] وقوله تعالى في سورة المؤمنون \[وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين\] بفتح الراء، والباقون قرؤوا في الموضعين بالضم. والسورة اسمها سورة (المؤمنون)..
١٤ - حاصله أن نافعا وابن كثير يقرآن بإسكان الكاف وتخفيفه في الجميع، وحمزة والكسائي وعاصم يقرؤون بضم الكاف وتثقيله في الجميع، وأما أبو عمرو فإنه يقرأ في غير ما أُضيف إلى ضمير المؤنث بالضم وفي المضاف إلى ضمير المؤنث بالإسكان نحو \[فآتت أكلها ضعفين\] \[أُكُلُهَا دائم وظِلّها\] \[تؤتي أُكُلَها كلَّ حين\]..
١٥ - أي إلى غير ضمير..
١٦ - يريد أن الندى في اللغة هو ما يسقط آخر الليل من البلل ثم شبه به وأُطلق عليه..
١٧ - إنما قدر ذلك ليكون الجواب جملة، وكونه جواب الشرط هو المسوغ للابتداء بالنكرة..

### الآية 2:266

> ﻿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:266]

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( ٢٦٦ )
حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا القول، وحكى عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى  \[ البقرة : ٢٦٤ \]، ثم قال ضرب في ذلك مثلاً فقال : أيود أحدكم  الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أبين من الذي رجح الطبري( [(١)](#foonote-١) )، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام، وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئاً( [(٢)](#foonote-٢) )، وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالوا الله ورسوله أعلم، فقال وهو غاضب قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال له ابن عباس هذا مثل ضربه الله كأنه قال : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير، فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فرضي ذلك عمر( [(٣)](#foonote-٣) )، وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية : أيود أحدكم ، وقال : هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملاً صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه، عمل عمل السوء( [(٤)](#foonote-٤) ). 
قال القاضي أبو محمد : فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها، وقال بنحو هذا مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم( [(٥)](#foonote-٥) )، وخص النخيل والأعناب بالذكر( [(٦)](#foonote-٦) ) لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن **«جنات »** بالجمع، وقوله  من تحتها  هو تحت بالنسبة إلى الشجر( [(٧)](#foonote-٧) )، والواو في قوله  وأصابه  واو الحال( [(٨)](#foonote-٨) )، وكذلك في قوله : وله  و  ضعفاء  جمع ضعيف وكذلك ضعاف، وال  إعصار  الريح الشديدة العاصف التي فيها إحراق لكل ما مرت عليه، يكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم، وإن النار اشتكت إلى ربها »**( [(٩)](#foonote-٩) )، الحديث بكماله، فإما أنه نار على حقيقته وإلا فهو نفسها يوجد عنه كاثرها، قال السدي : الإعصار الريح، والنار السموم( [(١٠)](#foonote-١٠) )، وقال ابن عباس ريح فيها سموم شديدة، وقال ابن مسعود إن السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءاً من النار. 
قال القاضي أبو محمد : يريد من نار الآخرة، وقال الحسن بن أبي الحسن  إعصار فيه نار  ريح فيها صر، برد، وقاله الضحاك، وفي المثل : إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً( [(١١)](#foonote-١١) )، والريح إعصار لأنها تعصر السحاب، والسحاب معصرات إما أنها حوامل فهي كالمعصر من النساء وهي التي هي عرضة للحمل( [(١٢)](#foonote-١٢) ) وإما لأنها تنعصر بالرياح، وبهذا فسر عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي، وحكى ابن سيده أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب، وقال الزجاج : الإعصار الريح الشديدة تصعد من الأرض إلى السماء وهي التي يقال لها الزوبعة، قال المهدوي : قيل لها  إعصار  لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف( [(١٣)](#foonote-١٣) )، والإشارة بذلك إلى هذه الأمثال المبينة،  ولعلكم  ترجّ في حق البشر، أي إذا تأمل من يبين له هذا البيان رجي له التفكر وكان أهلاً له. وقال ابن عباس  تتفكرون  في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.

١ - أي ما قاله ابن زيد من أن الآية الكريمة مثل للمَان أبْيَن من كونها مثلا آخر للمرائي..
٢ - قال الإمام (ق) رحمه الله: روي عن ابن عباس أن الآية مثل لمن عمل لغير الله من منافق وكافر، إلا أن الذي ثبت في البخاري خلاف هذا، انتهى. ويعني بما ثبت في البخاري ما أشار إليه ابن عطية بقوله: وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية إلخ..
٣ - خرجه البخاري في تفسير هذه الآية عن عبيد بن عمير، قال الحافظ بن كثير: وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولا ثم انعكس سيره فبدل بالحسنات السيئات عياذا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه من العمل الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه. ا. هـ..
٤ - هذه الرواية تدل على أن التفسير لعمر، والأولى تدل على أنه لابن عباس، ولا تنافي بين ذلك، فقد يكون فسره عمر، ثم سأل الصحابة ففسره ابن عباس كما فسره عمر، والله أعلم..
٥ - حاصل هذا – أن الآية مثل للمرائي على قول السدي، وللمَانِّ على قول ابن زيد، وقال مجاهد، وقتادة، والربيع: إنها مثل للمفرط في الطاعة، وقال عمر، وابن عباس رضي الله عنهماك إنها مثل لمن عمل أعمال الطاعات كجنة فيها من كل الثمرات فختمها بإساءة كما أصيبت الجنة بإعصار..
٦ - أي من بين سائر الثمرات التي تحتوي عليها الجنة..
٧ - يعني من تحت الأشجار لا من تحت الأرض التي عليها الأشجار، فإن الجنة تطلق على الشجر وعلى الأرض التي عليها الشجر، والمناسب الأول..
٨ - يعني (وقد أصابه الكبر) بتقدير (قد) كما هي العادة عند النحاة في مثل هذا..
٩ - رواه الإمام أحمد والشيخان، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة، ونصه: (عن أبي هريرة: إذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)..
١٠ - السموم ريح حارة شديدة تكون في النهار وقد تكون في الليل على عكس الحرور فإنها في الليل وقد تكون في النهار..
١١ - أي لاقيت ما هو أشد منك، وهو مثل يضرب للمدلِّ بنفسه إذا صَلِيَ بنار مَنْ هو أدهى منه وأشد، والجمع أعاصير، ومنه قولهم: كأنما نفخت فيها الأعاصير..
١٢ - يقال: أعصرت المرأة: بلغت شبابها: راهقت العشرين، وقيل: ولدت..
١٣ - بل هو صحيح، لأنه المشاهد المحسوس، فإنها تصعد عموداً ملتفاً كالثوب المعصور..

### الآية 2:267

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [2:267]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( ٢٦٧ )
هذا الخطاب هو لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغة أمر من الإنفاق، واختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق( [(١)](#foonote-١) )، الزكاة المفروضة أو التطوع، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين : هي في الزكاة المفروضة. نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة( [(٢)](#foonote-٢) )، فالأمر على هذا القول للوجوب، والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، أن الآية في التطوع، وروى البراء بن عازب، وعطاء بن أبي رباح ما معناه أن الأنصار كانوا أيام الجداد( [(٣)](#foonote-٣) ) يعلقون أقناء التمر في حبل بين أسطوانتين في المسجد فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين فعلق رجل حشفاً فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :**«بئسما علق هذا »**، فنزلت الآية. 
قال القاضي أبو محمد : والأمر على هذا القول على الندب، وكذلك ندبوا إلى أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار، والآية تعم الوجهين( [(٤)](#foonote-٤) )، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب، وهؤلاء كلهم وجمهور المتأولين قالوا معنى  من طيبات  من جيد ومختار  ما كسبتم ، وجعلوا  الخبيث  بمعنى الرديء والرذالة، وقال ابن زيد معناه : من حلال ما كسبتم، قال : وقوله : ولا تيمموا الخبيت  أي الحرام. 
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه( [(٥)](#foonote-٥) )، وقوله : من طيبات ما كسبتم  يحتمل أن لا يقصد به لا الجيد ولا الحلال، لكن يكون المعنى كأنه قال : أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط. ثم دخل ذكر الطيب تبييناً لصفة حسنة في المكسوب عاماً وتعديداً للنعمة كما تقول : أطعمت فلاناً من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء( [(٦)](#foonote-٦) )، والطيب على هذا الوجه يعم الجود والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال : ليس في مال المؤمن خبيث( [(٧)](#foonote-٧) )، و  كسبتم  معناه كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة( [(٨)](#foonote-٨) )، والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه( [(٩)](#foonote-٩) )، إذ الضمير في  كسبتم  إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين،  ومما أخرجنا لكم من الأرض ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك، و  تيمموا  معناه تعمدوا وتقصدوا، يقال تيمم الرجل كذا وكذا إذا قصده، ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ التي عِنْدَ ضَارِجٍ. . . يفيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِ( [(١١)](#foonote-١١) )
ومنه قول الأعشى :\[ المتقارب \]
تَيَمَّمْتُ قَيْساً وَكَمْ دُونَهُ. . . مِنَ الأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ( [(١٢)](#foonote-١٢) )
ومنه التيمم الذي هو البدل من الوضوء عند عدم الماء، وهكذا قرأ جمهور الناس وروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعاً أولها هذا الحرف( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وحكى الطبري أن في قراءة عبد الله بن مسعود **«ولا تؤموا الخبيث »** من أممت إذا قصدت، ومنه إمام البناء، والمعنى في القراءتين واحد، وقرأ الزهري ومسلم بن جندب( [(١٤)](#foonote-١٤) ) **«ولا تُيمِّموا »** بضم التاء وكسر الميم، وهذا على لغة من قال : يممت الشيء بمعنى قصدته، وفي اللفظ لغات، منها أممت الشيء خفيفة الميم الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ **«ولا تؤمموا »** بهمزة بعد التاء، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم، وقد مضى القول في معنى  الخبيث  وقال الجرجاني في كتاب نظم القرآن : قال فريق من الناس : إن الكلام تم في قوله : الخبيث  ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيث فقال : منه تنفقون ( [(١٥)](#foonote-١٥) ) وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ساهلتم. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع، والضمير في  منه  عائد على  الخبيث ، قال الجرجاني وقال فريق آخر : بل الكلام متصل إلى قوله  فيه . 
قال القاضي أبو محمد : فالضمير في  منه  عائد على  ما كسبتم ، ويجيء  تنفقون  كأنه في موضع نصب على الحال، وهو كقولك : إنما أخرج أجاهد في سبيل الله، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه  فقال البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وغيرهم. معناه ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تساهلوا في ذلك، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه، أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم، وقال الحسن بن أبي الحسن معنى الآية : لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع، إلا أن يهضم لكم من ثمنه، وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة( [(١٦)](#foonote-١٦) ) وقال البراء بن عازب أيضاً : معناه ولستم بآخذيه لو أهدي إليكم  إلا أن تغمضوا  أي تستحيي من المهدي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يشبه كون الآية في التطوع، وقال ابن زيد معنى الآية : ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه( [(١٧)](#foonote-١٧) )، وقرأ جمهور الناس **«إلا أن تُغْمِضوا »** بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وروي عنه أيضاً **«تُغْمِّضُوا »** بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة، وحكى مكي عن الحسن البصري **«تغمَّضوا »** مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. 
وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففاً قال أبو عمرو معناه : إلا أن يغمض لكم. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هذه اللفظة تنتزع إما من قول العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم :\[ الخفيف \]
لَمْ يَفُتنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وللذُ. . . لِّ أُنَاسٌ يَرْضَونَ بالإغْمَاضِ( [(١٨)](#foonote-١٨) )
وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه ومنه قول الشاعر :
إلى كم وكم أشياء منكمْ تريبني. . . أغمض عنها لست عنها بذي عمى
وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضاً من الأمر كما تقول : أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجداً والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية : وإن دسر أغمض( [(١٩)](#foonote-١٩) ) فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى التغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراماً على قول ابن زيد، وإما لكونه مهدياً أو مأخوذاً في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان. 
قال القاضي أبو محمد : وأما قراءته( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين. وأما قراءة قتادة فقد ذكرت تفسير أبي عمرو لها. وقال ابن جني : معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محموداً إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم نبه تعالى على صفة الغنى أي لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر( [(٢١)](#foonote-٢١) )، و  حميد  معناه محمود في كل حال، وهي صفة ذات.

١ - لما ذكر سبحانه وجوب الإخلاص في الإنفاق ذكر هنا ضرورة الإخلاص في الشيء المُنْفَق أيضا، وبإخلاص الظاهر والباطن تتحقق النتيجة إن شاء الله يضاعف ثوابه..
٢ - يعني أنه في التطوع يجوز للإنسان أن يعطي غير الطيب، لأنه قد يكون أعم نفعاً لكثرته، أو لعظم خطره، وأحسن موقعا من المسكين من الجيد لقلته، أو لصغر خطره، وقلة جدوى نفعه على من أُعطيه، وعليه فقد يكون الدرهم الزائف خيرا من تمرة لقلتها، انظر تفسير الإمام (ط) رحمه الله..
٣ - أي جداد النخل وصرامه وهو بالمهملة والمعجمة، يقال: جذَّ النخل إذا قطعه وصرمه، وحديث البراء بن عازب خرجه الإمام الترمذي وصححه..
٤ - هذا هو الظاهر، وله من الأدلة ما يؤيده، منها أن سبب الآية كان في التطوع، ومنها أن الرديء غير محمود لا في الفرض ولا في النفل، وإنما يحرم في الفرض ويكره في النفل..
٥ - لا مانع من اعتبار الأمرين جميعا، لأن الكسب الجيد والمختار إنما يطلق على الحلال في الحقيقة الشرعية، وإن أطلق أهل اللغة على ما هو جيد في ذاته حلالا أم حراما، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية، ويرجع إلى هذا قول ابن عطية رحمه الله فيما بعد: والطيب على هذا الوجه يعم الجودة والحل إلخ. تأمل..
٦ - روى الطبراني بسنده، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أطعم أخاه حتى يشبعه، وسقاه من الماء حتى يرويه بعده الله من النار سبع خنادق، ما بين كل خندقين مسيرة مائة عام)..
٧ - روى حديث عبد الله بن مغفل ابن حاتم كما في تفسير الحافظ ابن (ك). وفي نسخة عبد الله بن معقل. وعبد الله بن مغفل المزني من مشاهير الصحابة نقل البخاري أنه كان يكنى أبا زياد، وهو أحد البكاتين في غزوة تبوك مات سنة ٦١هـ بالبصرة. وعبد الله بن معقل مات في حدود السبعين، وهو صحابي أنصاري، شهد أحدا مع أبيه، وهو شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية..
٨ - في التجارة تسعة أعشار الرزق، ويقال: علموا أولادكم التجارة، ولا تعلموهم الإجارة، والإجارة هي ما فيها تعب البدن..
٩ - يريد الموروث، وهذا ما فسر به ابن عطية رحمه الله تبعا لغيره، ويعني أنه لا فرق بين أن يكون كسبه بنفسه، أو كسبه بغيره كالوارث، ولك أن تقول: ذكرت الآية المكسوب، لأن بذله يكون أشق على النفس من غير المكسوب كالميراث، وفي ذلك إشارة إلى أن ثواب الصدقة من الحلال المكتسب أعظم من الحلال غير المكتسب..
١٠ - بهذه الآية الكريمة استدل الحنفية على وجوب الزكاة من جميع ما يخرج من الأرض، وللمذاهب الأخرى تفصيل مأخوذ من السنة، والله أعلم..
١١ - قبله:
 ولمَّـا رأتْ أنَّ الشريعة هَمُّهـا وأن البياض من فرائصها دامـي 
 تَيَمَّمَتِ العَيْنَ التي عند ضـارج يفيءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضهَا طَامِي
 والضمير في (رأت) لحمر الوحش، والشريعة مورد الماء المقصود، ويريد أن الحمر لما أرادت شريعة الماء وخافت على نفسها من الرماة، وأن تدمي فرائصها من سهامهم عَدَلتْ إلى ضارج لعدم وجود الرماة على العين التي فيه، وضارج: موضع في بلاد بني عبس، والعرمض: الطحلب، والطامي: المرتفع، وفي رواية (الطلح) بدل (الظل)..
١٢ - أي ذي خشونة، لأن أرضه غير مستوية. وقد روي البيت: **«تُيَمِّمُ قيسا»** يريد الناقة..
١٣ - ذكرها أبو (ح) رحمه الله في كتبه، ونظمها في تفسيره، وقراءة البزي لا تجوز عند البصريين لما فيها من الجمع بن الساكنين، وليس الساكن الأول حرف مدِّ ولين، إلا أن الأمة تلقتها بالقبول، والعلم غير محصور في البصريين، وقد كان الأصل تاءين، تاء الخطاب، وتاء الفعل، فحذفت تاء الخطاب في القراءة العامة لئلا يتكرر مثلان، والبزي رد الحرف المحذوف وأدغمه..
١٤ - مسلم بن جندب تابعي مدني يعد من القراء، ومن النحاة، وهو أحد من أخذ عنه القراءة نافع بن أبي نعيم..
١٥ - تقديم الجار والمجرور يفيد التخصيص، أي لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الإنفاق به، وقاصرين ذلك عليه، وفي ذلك تنبيه على أن المنهي عنه هو القصد للرديء من جملة ما في يده، وأما إنفاق الرديء لمن ليس له غيره، أو لمن لا يقصده فغير منهي عنه..
١٦ - قال ابن العربي: لو كانت الآية في الفرض لما قال: \[ولستم بآخذيه\] لأن الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه، وإنما يؤخذ بإغماض ما سواه..
١٧ - قال أبو (ح) بعد أن أورد هذه الأقوال: **«والظاهر عموم نفي الأخذ بأي طريق، والهاء في (بآخذيه) عائدة على الخبيث، وهي مجرورة بالإضافة، وإن كانت من حيث المعنى مغعولة»**. البحر المحيط ٢-٣١٨.
١٨ - الوتر – بفتح الواو وكسرها: الذَّحْل، والظلم فيه، والذَّحْل: الحقد والعداوة والثأر، والجمع: أذحال وذحول، يقال: طلب بذحله: أي بثأره – وقد روي "والذُّل" بدل "واللضّيْم"، والإغماض هنا كما يرى المؤلف هو التساهل في الحقوق، والرضا ببعضها مع التجاوز عن بعضها الآخر..
١٩ - روى أبو علي القالي في كتاب "الأمالي" قصة هذه الجارية، وهي واحدة من ثلاث بنات سألتهن أمهن العجوز عما يحببن من الأزواج، وقالت كل واحدة ما تحبه، وجاء في كلام الثالثة وهي صغراهن: **«أُريده بازل عام، كالمهند الصمصام، قرانه حبور، وبقاؤه سرور، إن دسر أغمض، وإن أخلَّ أحمض... الخ»** والدسر هنا معناه الجماع..
٢٠ - هذا مقابل قوله: **«وأما قراة الزهري الأولى»**، وقوله: **«فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها»** يعني أن معناها حتى تأخذوا بنقصان..
٢١ - يعني أنه سبحانه وإن أمركم بالنفقة فإن ذلك لمنفعتكم ولمصلحة الفقير والغني منكم، وإلا فهو غني عن صدقاتكم، ولذلك فمن تصدق بصدقة طيبة فليعلم أن الله غني واسع العطاء. وأنه سيجزيه عليها ويضاعفها له أضعافا كثيرة، وأنه المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرائعه لا إله إلا الله ولا رب سواه..

### الآية 2:268

> ﻿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:268]

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( ٢٦٨ )
هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمراً بالصدقة فهي جالبة النفوس إلى الصدقة( [(١)](#foonote-١) )، بين عز وجل فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته، وذكر بثوابه هو لا رب غيره. وذكر بتفضله بالحكمة وأثنى عليها، ونبه أن أهل العقول هم المتذكرون الذين يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة الله عز وجل وغير ذلك، ثم ذكر علمه بكل نفقة ونذر. وفي ذلك وعد ووعيد. ثم بين الحكم في الإعلان والإخفاء وكذلك إلى آخر المعنى. والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير وإذا قيد بالموعد ما هو فقد يقيد بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما قيد الوعد فيها بمكروه وهو  الفقر  و  الفحشاء  كل ما فحش وفحش ذكره( [(٢)](#foonote-٢) )، ومعاصي الله كلها فحشاء، وروى حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ **«الفُقر »** بضم الفاء، وهي لغة، وقال ابن عباس : في الآية اثنتان من الشيطان، واثنتان من الله تعالى، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إن للشيطان لمة من ابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فمن وجد ذلك فليتعوذ، وأما لمة الملك فوعد بالحق وتصديق بالخير فمن وجد ذلك فليحمد الله »**، ثم قرأ عليه السلام  الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم  الآية( [(٣)](#foonote-٣) )، والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة، وبكل قد وعد الله تعالى، وذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى. لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. 
قال القاضي أبو محمد : وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية وروي أن في التوراة **«عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة »**( [(٤)](#foonote-٤) ) وفي القرآن مصداقة : وهو  وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين ( [(٥)](#foonote-٥) ) \[ سبأ : ٣٩ \] و  واسع  لأنه وسع كل شيء رحمة وعلماً.

١ - كأنه يشير إلى اتصال هذه الآية بما قبلها، فبعد أن رغب سبحانه في الإنفاق الطيب حذَّر من وسوسة الشيطان في ذلك، وأخبر بمغفرته وفضله وسعته وعلمه، وإيتائه الحكمة لمن يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم..
٢ - أما ما كان فاحشا كالزنى، والفحش في الفعل وفي القول: فحش فعله وفحش قوله. وقال بعض المفسرين: **«ويحتمل أن تكون الفحشاء الكلمة السيئة»** كما قال الشاعر:
 ولا ينطِقُ الفحشاءَ مَنْ كان مِنْهُــمُ إذا جلسوا منَّا ولا من سوائنا
 وقال بعضهم: الفاحش عند العرب: البخيل – وقال الزمخشري: (ويأمركم بالفحشاء): ويغريكم على البخل ومنع الصدقات. ا هـ. – علق أبو (ح) على ذلك فقال: فتكون الجملة الثانية كالتوكيد للأولى، ثم قال: ونظرنا إلى ما شرحه الشراح في الفاحش في نحو قول الشاعر: 
 حتـى تأوي إلى لا فاحِشٍ بَــرم ولا شحيح إذا أصحابُه غَنِمُــوا
 **وقول الآخر:**
 أرى الموتَ يعْتَام الكِرام ويَصْطَفِي عَقيلةَ مــال الفاحش المُتشــدِّدِ
 فقد قالوا: الفاحش: السيء الخلق، ولو كان هو البخيل لكان قول الشاعر الأول: "ولا شحيح" من باب التوكيد، وقيل في قول امرئ القيس:
 وجيـد كجيد الريم ليس بفاحــش .................................
 إن معناه: "ليس بقيح..." راجع البحر المحيط ٢-٣١٩ – وأحسن ما قيل في تفسير الفحشاء هنا هو قول ابن عطية: **«الفحشاء: كل ما فحش. وفحش ذكره، ومعاصي الله كلها فحشاء»**..
٣ - خرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه وقال: حسن غريب، واللَّمَّة: الشدة، أو المسّ من الشيطان، ويقال: للشيطان لَمَّة، أي هَمَّة وخطرة في القلب ودُنُوٌّ..
٤ - روي ذلك عن ابن عباس..
٥ - من الآية (٣٩) من سورة سبأ..

### الآية 2:269

> ﻿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [2:269]

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ( ٢٦٩ )
ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه  يؤتي الحكمة  أي يعطيها لمن يشاء من عباده، واختلف المتأولون في  الحكمة  في هذا الموضع فقال السدي : الحكمة  النبوءة، وقال ابن عباس : هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وعربيته. وقال قتادة : الحكمة  الفقه في القرآن، وقاله مجاهد : وقال مجاهد أيضاً : الحكمة  الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد وأبوه زيد بن أسلم : الحكمة  العقل في الدين، وقال مالك : الحكمة  المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال : الحكمة  التفكر في أمر الله والاتباع له، وقال أيضاً  الحكمة  طاعة الله والفقه في الدين والعمل به، وقال الربيع : الحكمة  الخشية( [(١)](#foonote-١) )، ومنه قول النبي عليه السلام :**«رأس كل شيء خشية الله تعالى »**( [(٢)](#foonote-٢) )، وقال إبراهيم : الحكمة  الفهم وقاله زيد بن أسلم، وقال الحسن : الحكمة  الورع، وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول. 
وكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة. وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس. وقرأ الجمهور **«من يؤت الحكمة »** على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب **«ومن يؤت »** بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة  فمن  مفعول أول مقدم و  الحكمة  مفعول ثان، وقرأ الأخفش :**«ومن يؤته الحكمة »**، وقرأ الربيع بن خثيم **«تؤتي الحكمة من تشاء »** بالتاء في **«تؤتي »** و **«تشاء »** منقوطة من فوق، **«ومن يؤت الحكمة »** بالياء، وباقي الآية تذكرة بينة وإقامة لهمم الغفلة، والألباب العقول واحدها لب.

١ - روى ابن جرير عن الربيع قال: الحكمة: الخشية لأن رأس كل شيء خشية الله، وقرأ \[إنما يخشى الله من عباده العلماء\] وكل هذه الأقوال ترجع إلى العلم والعمل، وقلَّما يجتمع علم وعمل، وقد قسم الإمام النظار الشاطبي في (الموافقات) تحقيق المناط إلى قسمين: تحقيق المناط العام، وتحقيق المناط الخاص، وقال: يعبر عن هذا الثاني بالحكمة المشار إليها بقوله تعالى: \[يؤتي الحكمة من يشاء\] وتحقيق المناط الخاص هو النظر إلى كل مكلف حسب دلائل التكليف، وصاحب تحقيق المناط الخاص هو من أوتي نوراً يعرف به الأشياء على حقيقتها، ويضع الدلائل في موضعها، وقد قال الله تعالى: \[يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا\] الآية..
٢ - الذي رواه البيهقي في "الدلائل" والعسكري في "الأمثال" والديلمي عن عقبة بن عامر، وعن ابن مسعود مرفوعا: (رأس الحكمة مخافة الله ورأس كل شيء خشية الله)، موقوف على الربيع بن أنس كما في تفسير الإمام (ط) رحمه الله والله أعلم..

### الآية 2:270

> ﻿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [2:270]

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( ٢٧٠ )
كانت النذر من سيرة العرب تكثر منها، فذكر تعالى النوعين ما يفعله المرء متبرعاً وما يفعله بعد إلزامه لنفسه، ويقال : نذر الرجل كذا إذا التزم فعله **«ينذُر »** بضم الذال **«وينذِر »** بكسرها، وقوله تعالى : فإن الله يعلمه  قال مجاهد : معناه يحصيه، وفي الآية وعد ووعيد، أي من كان خالص النية فهو مثاب ومن أنفق رئاء أو لمعنى آخر مما يكشفه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم يذهب فعله باطلاً ولا يجد ناصراً فيه، ووحد الضمير في  يعلمه  وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص( [(١)](#foonote-١) )،

١ - المعروف في علم النحو أن العطف إذا كان بأو يكون الضميرمفرداً، لأن المحكوم عليه أحدهما فلا حاجة إلى التأويل بعد هذا. وعلى هذا جاء قوله تعالى: \[وإذا رأوا تجارة أو لهوا إنفضوا إليها\]..

### الآية 2:271

> ﻿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:271]

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( ٢٧١ )
وقوله تعالى : إن تبدوا الصدقات  الآية، ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية هي في صدقة التطوع، قال ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرا يقال بخمسة وعشرين ضعفاً، قال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويقوي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم **«صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة( [(٢)](#foonote-٢) )، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك، وقال سفيان الثوري هذه الآية في التطوع، وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما أنزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى، وكان( [(٣)](#foonote-٣) ) يأمر بقسم الزكاة في السر، وهذا مردود لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل، قال المهدوي : وقيل المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء فيهما أفضل في مدة النبي عليه السلام، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع، قال أبو محمد : وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء، وقال النقاش : إن هذه الآية نسخها قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ البقرة : ٢٧٤ \]، وقوله : فنعما هي  ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء، واختلف القراء في قوله  فنعما هي ( [(٥)](#foonote-٥) )، فقرأ نافع في غير رواية ورش، وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل »** فنِعمّا **«بكسر النون وسكون »** فنِعِمّا **«بكسر النون والعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي »** فَنعِمّا «بفتح النون وكسر العين وكلهم شدد الميم، قال أبو علي من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله، لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين، وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد، إذ المد يصير عوضاً من الحركة، وهذا نحو دابة وضوال وشبهه، ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها( [(٦)](#foonote-٦) ) كأخذه بالإخفاء في باريكم ويأمركم فظن السامع الإخفاء إسكاناً للطف، ذلك في السمع وخفائه، وأما من قرأ " نِعِمّا " بكسر النون والعين فحجته أن أصل الكلمة " نِعم " بكسر الفاء من أجل حرف الحلق، ولا يجوز أن يكون ممن يقول " نعم " ألا ترى أن من يقول هذا قدم ملك فيدغم، لا يدغم، هؤلاء قوم ملك وجسم ماجد( [(٧)](#foonote-٧) )، قال سيبويه : نِعِما بكسر النون والعين ليس على لغة من قال " نعم " فاسكن العين، ولكن على لغة من قال " نعم " فحرك العين، وحدثنا أبو الخطاب( [(٨)](#foonote-٨) ) أنها لغة هذيل وكسرها كما قال لعب ولو كان الذي قال " نعْما " ممن يقول نعم بسكون العين لم يجز الإدغام. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : يشبه أن هذا يمتنع لأنه يسوق إلى اجتماع ساكنين، قال أبو علي وأما من قرأ **«نَعِمّا »** بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها وهو نعم ومنه قول الشاعر :
ما أقلّت قدماي أنهم. . . نَعِمَ الساعون في الأمر المبر( [(٩)](#foonote-٩) )
ولا يجوز أن يكون ممن يقول قبل الإدغام **«نعْم »** بسكون العين، وقال المهدوي وذلك جائز محتمل وتكسر العين بعد الإدغام لالتقاء الساكنين، قال أبو علي، وما من قوله  نعمّا  في موضع نصب، وقوله  هي  تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر والتقدير، نعم شيئاً إبداؤها. والإبداء هو المخصوص بالمدح. إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويدلك على هذا قوله  فهو خير لكم  أي الإخفاء خير، فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات، فكذلك أولاً الفاعل هو الإبداء، وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مقامه، واختلف القراء في قوله تعالى : ونكفر عنكم  فقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر :**«ونكفرُ »** بالنون ورفع الراء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي :**«ونكفرْ »** بالنون والجزم في الراء، وروي مثل ذلك أيضاً عن عاصم، وقرأ ابن عامر :**«ويكفرُ »** بالياء ورفع الراء، وقرأ ابن عباس  وتكفر  بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء، وقرأ عكرمة : وتكفر  بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء، وقرأ الحسن :**«ويكفرْ »** بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش أنه قرأ : ويكفر  بالياء ونصب الراء، وقال أبو حاتم : قرأ الأعمش :**«يكفر »** بالياء دون واو قبلها وبجزم الراء، وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ :**«وتكفرُ »** بالتاء ورفع الراء، وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآها بتاء ونصب الراء( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلة، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والإعطاء في خفاء هو المكفر، ذكره مكي وأما رفع الراء فهو على وجهين : أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء، وتقدير ونحن نكفر، أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو والله يكفر، والثاني : القطع والاستئناف وأن لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن لعطف جملة على جملة، وأما الجزم في الراء فإنه حمل للكلام على موضع قوله تعالى : فهو خير  إذ هو في موضع جزم جواباً للشرط، كأنه قال : وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، ثم عطفه على هذا الموضع كما جاء قراءة من قرأ :
 من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ الأعراف : ١٨٦ \] بجزم الراء وأمثلة هذا كثيرة، وأما نصب الراء فعلى تقدير **«إن »** وتأمل( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقال المهدوي هو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات. لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء. وأما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى( [(١٣)](#foonote-١٣) )، و  من  في قوله : من سيئاتكم  للتبعيض المحض( [(١٤)](#foonote-١٤) )، والمعنى في ذلك متمكن، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : من  زائدة في هذا الموضع وذلك منهم خطأ، وقوله : والله بما تعملون خبير  وعد ووعيد.

١ - رواه الإمام الطبري، ومثل هذا لا يقال بالرأي، وإنما يقال بالتوقيف، والآية عامة في الفرائض والنوافل، فالإخفاء أفضل فيهما معا، قال ابن عطية رحمه الله: **«ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض فقد كثر المانع. وصار إخراجها عرضة للرياء»**، وما قاله رحمه الله حق وواقع إلا أن الإمام الطبري رحمه الله روى عن ابن عباس رضي الله عنهما ما روى، وحكى الإجماع على أن إظهار الواجب أفضل، وعلى الإنسان أن ينظر إلى الظروف المحيطة به، فإن كان إظهار صدقة الفرض يشجع على إخراجها فالأمر واضح، وإلا فيعمل على إخفائها، فالإخفاء حيث تصان الكرامة وتتحرج النفس من الإعلان، والإبداء حيث تطلب الأسوة وتنفذ الشريعة، ولكل مقامه في الحياة..
٢ - رواه الشيخان، والترمذي بلفظ، (عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة). ورواه أبو داود في سننه بلفظك (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلى المكتوبة). والحديث رواه زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالنافلة في البيت أفضل منها في المسجد ولو كان فاضلا كمسجد النبي صلى الله عليه وسلم..
٣ - أي يزيد بن أبي حبيب..
٤ - من الآية (٢٧٤) من سورة البقرة..
٥ - مثله قوله تعالى: \[إن الله نِعِمَّا يعظكم به\]، والقراءات الثلاث التي ذكرها ابن عطية كلها تشدد الميم، واللغات في هذه المادة أربع: نعم بفتح فكسر، ولك أن تطرح الكسرة فتقول: نَعْم بفتح فسكون، ونِعِم بكسرتين، ولك أن تطرح الكسرة الثانية فتقول: نِعْم بكسر فسكون، وهذه أفصح اللغات، وإن كان أصلها نَعِم بفتح فكسر، وقد قالوا: إن كل ما كان على فَعِل بفتح فكسر وثانيه حرف حلقي ففيه هذه اللغات الأربع..
٦ - أي كسر العين كسرا خفيفا مختلساً، وهذا الجواب من أبي علي الفارسي، ثم إن ما أنكروه قد جاء عن أكثر القراء في عدة مواضع، والحق أن القراءات منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومتواترة، فلا ينبغي أن يتطرق الشك إليها، ومتى تطرق إلى ذلك تطرق إلى غيره.
 الأمر كله راجع إلى التقاء الساكنين وعدمهن فحيث يلتقي الساكنان لا يجوز الادغام مثل: **«قوم ملِك – وجسم ماجد»**. لأن الواو في (قوم) ساكنة، والسين في (جسم) ساكنة، أما في قولهم: "قدم ملك" فيجوز الإدغام لأن الدال متحركة..
٧ - يعني أن قراءة: (فَنِعِما هي) بكسرتين لها تقديران: أحدهما أنها جاءت على لغة من يقول: (نعِم) وهي لغة هذيل. وثانيهما أن تكون جاءت على أن الأصل (نِعْم) بكسر فسكون ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين، وهذا التقدير الثاني هو الذي قال فيه أبو الخطاب: إن كسر النون لعب. تأمل..
٨ - هو العلاء بن عبد الوهاب الأندلسي، كان من أهل العلم والأدب والذكاء والهمة العالية في طلب العلم، رحل إلى المشرق، وحدث ببغداد ودمشق، وتوفي ببلده المرية سنة ٤٥٤هـ. انظر :"نفح الطيب"..
٩ - البيت لطرفة بن العبد وهو من قصيدة طويلة: من جملتها:
 نحن في المَشْتَاةِ نَدْعو الجَفَلَـى لا نرى الآدِبَ فِيناَ يَنْتِقِـرْ
 وفي رواية: "قدمي" بالإفراد.
 والأمر المُبرُّ: الذي يطلب به البِرُّ والتقرب إلى الله. والجفلى: الجماعة من الناس. يقال: دعاهم جميعا إلى الطعام من غير تخصيص. الآدب: هو الذي يقيم مأدبة طعام – وينتقر: يختار فريقا ويخصهم بالدعوة..
١٠ - ذكر عشر قراءات باعتبار قراءتي الأعمش..
١١ - من الآية (١٨٦) من سورة الأعراف..
١٢ - قال الزمخشري في "الكشاف": **«وقرأ الحسن رضي الله عنه بالياء والنصب بإضمار أن، ومعناه إن يخفوها يكن خيرا لكم وأن يكفر عنهم»** ا هـ. الكشاف ١-٣٩٧
 وقال أبو (ح): **«ومن نصب الراء فبإضمار (أن)، وهو عطف على مصدر متوهم، ونظيره قراءة من قرأ: \[يحاسبكم به الله فيغفر\] بنصب الراء، إلا أنه هنا يعسر تقدير المصدر المتوهم من قوله \[فهو خير لكم\] فيحتاج إلى تكلف، بخلاف قوله: \[يحاسبكم\] فإنه يُقدَّر: تقع محاسبة فغفران»**. – ثم نقل كلام الزمخشري، وعقب عليه بما يفيد أن تقدير كلامه: **«يكن خيرا لكم وتكفيرا»** فيكون في موضع نصب، والذي تقرر عند البصريين، بأن مثل هذا المصدر المنسبك من أن المضمرة مع الفعل المنصوب بها هو مرفوع معطوف على مصدر متوهم مرفوع تقديره من المعنى، وضرب لذلك أمثلة فارجع إليه إن شئت. البحر المحيط ٢-٣٢٥و٣٢٦..
١٣ - قد يقال: إن الرفع أبلغ وأعم، لأن التكفير المتعلق بما قبله مترتب معنى على بذل الصدقات أُبديت أو أخُفيت، وإن كان الإخفاء خيرا، وأما على الجزم فإنه يكون خاصا بإخفاء الصدقة، ولا يمكن أن يقال: إن الذي يبدي صدقاته لا يكفر من سيئاته، على أن الرفع هو اختيار الخليل وسيبويه..
١٤ - ويكون ذلك دالا على أن المراد بالسيئات الصغائر. والله أعلم..

### الآية 2:272

> ﻿۞ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [2:272]

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ( ٢٧٢ )
روي عن سعيد بن جبير في سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم »**، فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام( [(١)](#foonote-١) )، وذكر النقاش أن النبي عليه السلام أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«ليس لك في صدقة المسلمين من شيء »**، فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية،  ليس عليك هداهم  فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية  إنما الصدقات ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ التوبة : ٦٠ \] وروي عن ابن عباس أنه كان ناس من الأنصار لهم قرابات في بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وحكى بعض المفسرين أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافراً، فنزلت الآية في ذلك، وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله : ليس عليك هداهم  قال أبو محمد : وهذه الصدقة التي أبيحت عليهم حسبما تضمنته هذه الآثار( [(٣)](#foonote-٣) ) إنما هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزي دفعها لكافر( [(٤)](#foonote-٤) )، وهذا الحكم متصور للمسلمين اليوم مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. قال ابن المنذر أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئاً، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك، ولم يذكر خلافاً، وقال المهدوي رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة بهذه الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود عندي( [(٥)](#foonote-٥) )، والهدى الذي ليس على محمد صلى الله عليه وسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم، وأما الهدى الذي هو الدعاء فهو عليه، وليس بمراد في هذه الآية، ثم أخبر تعالى أنه هو : يهدي من يشاء  أي يرشده( [(٦)](#foonote-٦) )، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة، ثم أخبر أن نفقة المرء تأجراً( [(٧)](#foonote-٧) ) إنما هي لنفسه فلا يراعى حيث وقعت( [(٨)](#foonote-٨) )، ثم بيّن تعالى أن النفقة المعتدّ بها المقبولة إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله، هذا أحد التأويلات في قوله تعالى : وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله  وفيه تأويل آخر وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل، وعلى التأويل الآخر هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة، ونصب قوله  ابتغاء  هو على المفعول من أجله، ثم ذكر تعالى أن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين، والمعنى في الآخرة ولا يبخسون منه شيئاً، فيكون ذلك أبخس ظلماً لهم، وهذا هو بيان قوله : وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ( [(٩)](#foonote-٩) ) والخير في هذه الآية المال لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى : خيراً مستقراً ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) \[ الفرقان : ٢٤ \] وقوله تعالى : مثقال ذرة خيراً يره ( [(١١)](#foonote-١١) ) \[ الزلزلة : ٧ \] إلى غير ذلك، وهذا الذي قلناه تحرز من قول عكرمة : كل خير في كتاب الله فهو المال.

١ - ما ذكره ابن عطية هنا مبني على أن الآية تتصل بما قبلها من الصدقات فتكون ظاهرة في صرف الصدقات إلى الكفار، وهو ما عليه ابن عطية رحمه الله، وقيل: إن هذه الآية ابتداء كلام، والمعنى: ليس عليك أن تهديهم إلى الإتيان بما أُمروا به، والانتهاء عما نهوا عنه: كالمَنّ والأذى، والإنفاق من الخبيث، والبخل، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو ما عليه جماعة من المفسرين، والحديث الذي روي في هذا المجال مطعون فيه فقد قال الإمام ابن العربي رحمه الله: **«هذا حديث باطل»**..
٢ - هي قوله تعالى في سورة التوبة \[إنما الصدقات للفقراء\]... الخ)..
٣ - أي الآثار الأربعة السابقة..
٤ - لقوله صلى الله عليه وسلم: (أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم)، وأما عصاة المسلمين فلا خلاف أن صدقة الفرض تصرف إليهم لدخولهم في اسم المسلمين، إلا أنه إذا كان المسلم يترك أركان الإسلام من صلاة وصيام فلا تصرف إليه الصدقة حتى يتوب، انظر ابن العربي في الأحكام..
٥ - أي بالإجماع الذي ذكره ابن المنذر، وبغيره من الآثار..
٦ - أي يوفقه إلى ذلك، فالهداية المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن كانت مثبتة فمعناها الدعوة، وإن كانت منفية فمعناها خلق الهدى في القلب، وهذ لا يكون إلا لله عز وجل..
٧ - أي طلبا للأجر..
٨ - في يد مسلم أو كافر، برٍّ أو فاجر، مستحق أو غير مستحق، وسند هذا حديث الصحيحين في الذي تصدق ووضع صدقته في يد زانية أولا، وفي يد غني ثانيا، وفي يد سارق ثالثا، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت لأن المرء يثاب على قصده وابتغاء وجه الله..
٩ - يعني أن قوله تعالى: \[وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تُظلمون\] بيان وتفسير لقوله تعالى: \[وما تنفقوا من خير فلأنفسكم\] واعلم أن قوله تعالى: \[وما تنفقوا من خير فلأنفسكم\] \[وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله\] \[وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون\] ليست من باب التكرار والتأكيد، بل لكل واحدة من هذه الآيات وصف يخصه ويميزه..
١٠ - من قوله تعالى في سورة الفرقان – الآية (٢٤): \[أصحاب الجنّة يومئذ خير مستقرا وأحسن مَقيلا\]..
١١ - من قوله تعالى في سورة الزلزلة – الآية (٧): \[فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره\]..

### الآية 2:273

> ﻿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:273]

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( ٢٧٣ )
هذه اللام في قوله  للفقراء  متعلقة بمحذوف( [(١)](#foonote-١) ) مقدر، تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء، وقال مجاهد والسدي وغيرهما : المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين( [(٢)](#foonote-٢) ) من قريش وغيرهم، قال الفقيه أو محمد : ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر( [(٣)](#foonote-٣) )، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم، ثم بيّن الله تعالى من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم، بقوله : الذين أحصروا في سبيل الله  والمعنى حبسوا( [(٤)](#foonote-٤) ) ومنعوا وذهب بعض اللغويين إلى أن أحصر وحصر بمعنى واحد من الحبس والمنع سواء كان ذلك بعدو أو بمرض ونحوه من الأعذار، حكاه ابن سيده وغيره، وفسر السدي هنا الإحصار بأنه بالعدو. وذهب بعضهم إلى أن أحصر إنما يكون بالمرض والأعذار. وحصر بالعدو. وعلى هذا فسر ابن زيد وقتادة ورجحه الطبري. وتأول في هذه الآية أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذراً أحصروا به. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هذا متجه كأن هذه الأعذار أحصرتهم أي جعلتهم ذوي حصر، كما قالوا قبره أدخله في قبره وأقبره جعله ذا قبر، فالعدو وكل محيط يحصر، والأعذار المانعة **«تُحصِر »** بضم التاء وكسر الصاد أي تجعل المرء كالمحاط( [(٥)](#foonote-٥) ) به، وقوله : في سبيل الله  يحتمل الجهاد ويحتمل الدخول في الإسلام، واللفظ يتناولهما( [(٦)](#foonote-٦) )، والضرب في الأرض هو التصرف في التجارة، وضرب الأرض هو المشي إلى حاجة الإنسان في البراز، وكانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفراً مطبقاً، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد. وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة. فبقوا فقراء إلا أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث  يحسبهم الجاهل  بباطن أحوالهم  أغنياء ( [(٧)](#foonote-٧) ) و  التعفف  تفعل، وهو بناء مبالغة من عفَّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره( [(٨)](#foonote-٨) )، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي **«يحسِبهم »** بكسر السين. وكذلك هذا الفعل في كل القرآن، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة **«يحسبهم »** بفتح السين في كل القرآن، وهما لغتان في **«يحسب »** كعهد ويعهد بفتح الهاء وكسرها في حروف كثيرة أتت كذلك، قال أبو علي فتح السين في يحسب أقيس لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة، والقراءة بالكسر حسنة بمجيء السمع به، وإن كان شاذاً عن القياس، و  من  في قوله : من التعفف  لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وإنما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى : لا يسألون الناس إلحافاً  : المعنى لا يسألون البتة. 
وتحتمل الآية معنى آخر من فيه لبيان الجنس، سنذكره بعد( [(٩)](#foonote-٩) ) والسيما مقصورة العلامة. وبعض العرب يقول : السيمياء بزيادة ياء وبالمد، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]. 
لَهُ سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ( [(١٠)](#foonote-١٠) ). . . واختلف المفسرون في تعيين هذه **«السيما »** التي يعرف بها هؤلاء المتعففون، فقال مجاهد : هي التخشع والتواضع، وقال السدي والربيع : هي جهد الحاجة وقضف( [(١١)](#foonote-١١) ) الفقر في وجوههم وقلة النعمة، وقال ابن زيد : هي رثة الحال( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقال قوم، وحكاه مكي : هي أثر السجود. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وهذا حسن لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبداً( [(١٣)](#foonote-١٣) )، و **«الإلحاف »** والإلحاح بمعنى واحد، وقال قوم : هو مأخوذ من ألحف الشيء إذا غطاه وغمه بالتغطية، ومنه اللحاف، ومنه قول ابن الأحمر :\[ الوافر \]
يَظَلُّ يَحُفُّهُنَّ بِقُفْقُفَيْهِ. . . وَيُلْحِفُهنَّ هَفهَافاً ثَخِينَا( [(١٤)](#foonote-١٤) )
يصف ذكر نعام يحضن بيضاً، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك، وذهب الطبري والزجاج وغيرهما إلى أن المعنى لا يسألون البتة. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط( [(١٥)](#foonote-١٥) )، أما الأولى فعلى أن يكون  التعفف  صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون  من  لابتداء الغاية( [(١٦)](#foonote-١٦) ) ويكون قوله : لا يسألون الناس إلحافاً  لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافاً من الناس، كما تقول : هذا رجل خير لا يقتل المسلمين. فقولك :**«خير »** قد تضمن أنه لا يقتل ولا يعصي بأقل من ذلك، ثم نبهت بقولك لا يقتل المسلمين على قبح فعل غيره ممن يقتل، وكثيراً ما يقال مثل هذا إذا كان المنبه عليه موجوداً في القضية مشاراً إليه في نفس المتكلم والسامع. وسؤال الإلحاف لم تخل منه مدة، وهو مما يكره، فلذلك نبه عليه. 
وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون  التعفف  داخلاً في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالاً، بل هو قليل. 
وبإجمال فالجاهل به مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، ف  من  لبيان الجنس( [(١٧)](#foonote-١٧) ) على هذا التأويل، ثم نفى عنهم سؤال الإلحاف وبقي غير الإلحاف مقرراً لهم حسبما يقتضيه دليل الخطاب، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ألفاظ السدي، وقال الزجّاج رحمه الله : المعنى لا يكون منهم سؤال فلا يكون إلحاف( [(١٨)](#foonote-١٨) ). 
وهذا كما قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
عَلَى لاَحِبٍ يُهتَدَى بِمَنَارِهِ. . . ( [(١٩)](#foonote-١٩) )
أي ليس ثم منار فلا يكون اهتداء. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : إن كان الزجاج أراد لا يكون منهم سؤال البتة فذلك لا تعطيه الألفاظ التي بعد لا، وإنما ينتفي السؤال إذا ضبط المعنى من أول الآية على ما قدمناه، وإن كان أراد لا يكون منهم سؤال إلحاف فذلك نص الآية، وأما تشبيهه الآية ببيت امرىء القيس فغير صحيح( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وذلك أن قوله : على لاحب لا يهتدى بمناره وقوله الآخر :\[ البسيط \]. 
قِفْ بِالطُّلُولِ التي لَمْ يَعْفُهَا القدَمُ. . . ( [(٢١)](#foonote-٢١) )
وقوله الشاعر :\[ المتقارب \]
وَمَنْ خفْتُ جَوْرِهِ فِي القَضَا. . . ء فَمَا خِفْتُ جَوْرَك يَا عَافِيهْ( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )
وما جرى مجراه ترتيب يسبق منه أنه لا يهتدى بالمنار، وإن كان المنار موجوداً فلا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط، وكذلك ينتفي العفا وإن وجد القدم، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور، وهذا لا يترتب في الآية، ويجوز أن يريد الشعراء أن الثاني معدوم فلذلك أدخلوا على الأول حرف النفي إذ لا يصح الأول إلا بوجود الثاني، أي ليس ثم منار، فإذاً لا يكون اهتداء بمنار، وليس ثم قدم فإذاً لا يكون عفا، وليس ثم جور فإذاً لا يكون خوف، وقوله تعالى : لا يسألون الناس إلحافاً ، لا يترتب فيه شيء من هذا، لأن حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره، ثم خصص بقوله : إلحافاً  جزءاً من ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال، وبيت الشعر ينتفي فيه الأول بعدم الثاني إذ دخل حرف النفي فيه على شيء متعلق وجوده بوجود الذي يراد أنه معدوم، والسؤال ليس هكذا مع الإلحاف، بل الأمر بالعكس إذ قد يعدم الإلحاف منهم ويبقى لهم سؤال لا إلحاف فيه، ولو كان الكلام لا يلحفون الناس سؤالاً لقرب الشبه بالأبيات المتقدمة، وكذلك لو كان بعد لا يسألون شيء إذا عدم السؤال، كأنك قلت تكسباً أو نحوه لصح الشبه( [(٢٣)](#foonote-٢٣) )، والله المستعان وقوله تعالى : وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم  وعد محض أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ويثيب.

١ - يدل على هذا المحذوف ما سبق من ذكر الصدقة والنفقة..
٢ - وهم أهل الصفة، وكانوا نحوا من أربعمائة شخص، وكان زعيمهم أبو هريرة الصحابي الجليل، وكانوا يسكنون المسجد، ويعيشون على الناس بحكم الضرورة، ولما اتسع المسلمون وفتح الله عليهم خرجوا وملكوا..
٣ - لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على ما عليه أكثر علماء الشريعة..
٤ - أي: حبسوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله كما يأتي عن الإمام (ط) رحمه الله..
٥ - خلاصة هذا أن من أهل اللغة من جعل أُحصر وحُصر بمعنى، ومنهم من فرق بينهما فجعل حُصر في العدو وأُحصر في المرض ونحوه من الأعذار، وقد ارتضى هذا الفرق ابن عطية رحمه الله، ووجهه، ومرجعه إلى أن الاحصار في منع النفس كالمرض والحصر في منع الغير كالعدو والله أعلم وقد تقدم الكلام على هذا لدى قوله تعالى: \[فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي\]..
٦ - هذا أوضح وأقرب، قال الإمام الباجي في شرح "الموطأ": جميع أعمال البر هي سبيل الله إلا أن هذه اللفظة إذا أُطلقت في الشرع اقتضت غزو العدو، ا هـ..
٧ - ليس الجهل هنا ضد العقل بل المراد به ضد الخبرة، أي الذي لا خبرة له بأمرهم..
٨ - قال أهل اللغة: عفَّ واستَعَفَّ وتَعَفَّفَ بمعنى واحد، ولعل ابن عطية رحمه الله راعى المقام فقال بكثرة التعفف، والله أعلم..
٩ - أي في قوله: **«والآية تحتمل المعنيين: نفي السؤال جملة، ونفي الإلحاف فقط الخ»**..
١٠ - الشاعر هو أُسيد بن عنقاء الفزاري، كما في "الأمالي"، وفي معجم الشعراء أنه لقيس ابن عنقا الفزاري، والبيت بتمامه:
 غلام رماه الله بالحُسن يافِعاً له سيمياءُ لا تشُقَّ على البصَر.
١١ - يقال فلان قضيف: أي نحيف وهزيل قليل اللحم والشحم..
١٢ - أي الهيئة، وفي بعض النسخ: "رئة الثياب"، ويقال في اللغة: رثت هيئته، ورثت ثيابه أي ضعفت وهانت، والرثة بكسر الراء..
١٣ - أي بادياً عليهم على الدوام، لتفرغهم، وكثرة قيامهم، وفي كتاب الله العزيز: \[سيماهم في وجوههم من أثر السّجود\]، وهذا في الصحابة كلهم إلا أنه في هؤلاء الفقراء أكثر..
١٤ - البيت لعمر بن أحمر بن العمود الباهلي – وقَفْقَفا الطائر والظليم: جناحاه – ويُلْحِفْهُنَّ: يجعل عليهن لحافاً من الجناحين – والهفَّاف والهَفْهَاف: الرقيق الشفاف من الثياب، والثخين: الكثيف – يريد الشاعر أن هذا الظليم يحضن البيض، ويجعل عليه جناحين كاللحاف الرقيق الشفاف مع كثافته – وإنما كان كثيفا لكثرة الريش مع تراكبه..
١٥ - إذا ورد النفي على موصوف بصفة فإنما يتسلّط على تلك الصفة دون متعلقها نحو: لا رجل قائم – فمعناه، نفي القيام مع وجود الرجل، وهذا هو الأكثر في كلامهم، وقد يتجه النفي إلى الموصوف فينتفي الوصف بانتفائه، فقولهم: لا رجل قائم معناهك لا رجل موجود فلا قيام، وهي طريقة معروفة. قال امرؤ القيس:
 على لاحبٍ لا يُهتدى بِمَنَـارِه إذا ساقه العَوْدُ النِّباطيُّ جَرْجـرا
 أي: لا منار فلا هداية به، وليس المراد أن هناك مناراً لا يهتدى به. وقال الشاعر:
 لا يُفْـزعُ الأرْنَبَ أهْوَالُــهَا ولا تَـرى الضَّب بِها يَنْجَحِــرْ
 أي: لا أرنب فلا يفزعها هول، ولا ضبَّ فلا انجحار.
 ويُخَرَّج على هذه الطريقة قوله تعالى: \[لا يسألون الناس إلحافا\] أي لا سؤال فلا إلحاف، ولقد أشار إلى هذه الطريقة ابن عطية رحمه الله ووضحها بقوله: أريد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافاً من الناس إلخ. والله أعلم..
١٦ - ها هنا أقوال ثلاثة – قيل: (من) لابتداء الغاية، وقيل: لبيان الجنس، وقيل: سببية وهو أظهر، وكونها لبيان الجنس يؤول إلى أنها سببية، إلا أنها على السببية تتعلق بـ \[يَحْسَبَهُمُ\]، وعلى بيان الجنس تتعلق بـ \[أغنياء\]..
١٧ - أي جنس الغنى أهو غني عفة النفس أم غنى وجود المال ؟ والغنى في الحقيقة هو غنى النفس لا غنى المال، وهذا في الجاهل بالتعفف والعالم بالفقر. والمعنى الأول في العالم بالتعفف والجاهل بالفقر، وكيفما كان الأمر فالعفة والقناعة صفة شريفة، فقد قال أهل التحقيق والتوفيق: من لم يرض باليسر فهو أسير..
١٨ - هذا قول الإمام الطبري، والزجاج، وكثير من المفسرين، ووجهه أن التعفف صفة ثابتة لهم لا تفارقهم، ومجرد السؤال ينافيها..
١٩ - تمامه:
 ............................ إذا ساقه العَوْدُ النباطيُّ جَرْجَـراَ
 واللاحب: الطريق الواضح – سافَه الطريق: لازمه – والعَوْدُ: المُسِنُّ من الإبل وفيه بقية – وجَرْجَر البعير: ردد صوته في حنجرته عند الضجر..
٢٠ - وجْهُهُ – كما أشار إليه- أن تركيب الآية الكريمة غير تركيب الشعراء الثلاثة – ففي الآية دخل النفي على الموصوف، وفي الأبيات دخل على الصفة، وكان يجب أن يكون المعنى على تشبيه الزجاج الآية ببيت امرئ القيس - **«لا إلحاف فلا سؤال»**، وهذا غير صحيح، لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العام، وأما في الأبيات فإنه ينتفي الثاني بانتفاء الأول ضرورة انتفاء الخاص بانتفاء العام، والجواب كما قاله بعض المحققين: أن التشبيه في مطلق انتفاء الشيئين بصرف النظر عن خصوصية النفي. أي: لا سؤال، ولا إلحاف، كما أنه لا منار ولا هداية..
٢١ - الشاعر هو زهير بن أبي سلمى، والبيت من جملة قصيدة يمدح بها هَرم بن سنان. وهو بتمامه:
 قِفْ بالدِّيار التي لمْ يُعْفِهَا القِـدَمُ بلى، وغيَّرها الأرْواح والدِّيَمُ
 ولم يعفها: لم يمحها ويذهب بأثرها – والأرواح: جمع ريح، وهو غير قياسي – والدِّيَـمُ: جمع ديمة – والديمة هي المطر بطول زمانه في سكون..
٢٢ - اختصم أبو دلامة مع رجل إلى (عافية) قاضي أبي جعفر المنصور، فادعى الرجل عليه فقال له القاضي ما تقول ؟ فقال: اسمع أولا وأنشأ يقول:
 لقـدْ خَاصَمَتْنِي دُهَاة الرِّجــال وخاصَمتُها سنةً وافِيَــهْ
 فمـــا أدْحَضَ الله لي حُجَّـةً ولا خَيَّبَ الله لي قَافِيَــهْ
 ومنْ خِفْتُ مِنْ جُورِه في القضاء فلستُ أخاَفُـكَ يا عافِيَــهْ
 فغضب وقال: لأشكونك إلى أمير المؤمنين، وقال أبو دلامة: ولم تشكوني ؟ قال: لأنك هجوتني. قال: والله إذن يعزلك، قال: ولم يعزلني ؟ قال: لأنك لا تعرف المديح من الهجاء. انظر الأغاني..
٢٣ - أي: لو كان تركيب الآية: **«لا يلحفون الناس سؤالا»**، أو: **«لا يسألون الناس تكسّبا»** لكان التشبيه قريبا، وقد قدمنا أن مراد الزجاج – رحمه الله – التشبيه المطلق، أي انتفاء الأمرين في الآية، وفي بيت امرئ القيس بصرف النظر عن خصوصية النفي وبذلك تندفع مناقشة ابن عطية له كما نبه على ذلك أبو (ح) وتأمل قول ابن عطية: **«لا يسألون شيء إذا عدم عدم السؤال»** فلعل صواب الكلام: **«لايسألون عن شيء، أو: لا يسألون شيئا»**. والله أعلم. وقوله - **«لصح الشبه»** جواب "لو" في قوله: "لو كان بعد"..

### الآية 2:274

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:274]

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٢٧٤ )
قال عبد الله بن عباس : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانية( [(١)](#foonote-١) )، وقال ابن جريج : نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم علياً ولا غيره، وقال ابن عباس أيضاً نزلت هذه الآية في علف الخيل( [(٢)](#foonote-٢) )، وقاله عبد الله بن بشر الغافقي وأبو ذر وأبو أمامة والأوزاعي وأبو الدرداء قالوا : هي في علف الخيل والمرتبطة في السبيل، وقال قتادة هذه الآية في المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا تقتير. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : والآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنه، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة( [(٣)](#foonote-٣) ) وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولاً محكماً، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية. وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان المؤمنون يعملون بهذه الآية من قوله : إن تبدوا الصدقات  \[ البقرة : ٢٧١ \] إلى قوله : ولا هم يحزنون  \[ البقرة : ٢٧٤ \] فلما نزلت براءة بتفصيل الزكاة قصروا عليها، وقد تقدم القول على نفي الخوف والحزن، والفاء في قوله : فلهم  دخلت لما في  الذين  من الإبهام، فهو يشبه بإبهامه الإبهام الذي في الشرط. فحسنت الفاء في جوابه كما تحسن في الشرط، وإنما يوجد الشبه إذا كان الذي موصولاً بفعل( [(٤)](#foonote-٤) ) وإذا لم يدخل على  الذي  عامل يغير معناه، فإن قلت : الذي أبوه زيد هو عمرو فلا تحسن الفاء في قولك فهو، بل تلبس المعنى، وإذا قلت ليت الذي جاءك جاءني لم يكن للفاء مدخل في المعنى، وهذه الفاء المذكورة إنما تجيء مؤكدة للمعنى، وقد يستغنى عنها إذا لم يقصد التأكيد كقوله بعد : لا يقومون .

١ - رواه ابن أبي حاتم، عن ابن جبير، عن أبيه، وابن مردويه، عن ابن عباس، وابن جرير بسند ضعيف..
٢ - في "طبقات ابن سعد" بسنده إلى عُرَيض بالتصغير المليكي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: \[الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار\] الآية – من هم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (هم أصحاب الخيل)، ثم قال: (إن المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها يوم القيامة كذكي المسك) ا هـ، والمراد بالخيل المربوطة في سبيل الله والتي يقاتل عليها أعداء الله..
٣ - اعتباراً بقاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهي المعتمدة عند المحققين، قالوا: ويدخل في الآية الكريمة النفقة على الأهل، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في الصحيحين: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في في امرأتك)..
٤ - نحو: **«الذي يأتيني فله درهم»**، دخلت الفاء لأنه استحق الدرهم بالإتيان، وكذلك الآية الكريمة دخلت الفاء لأن الأجر حصل بسبب الإنفاق في الليل والنهار والسر والجهار، وموضع الفاء هو التأكيد ولكن لا يلزم وجوده في كل تركيب..

### الآية 2:275

> ﻿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:275]

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٢٧٥ )
وقوله عز وجل : الذين يأكلون الربا  الآية،  الربا  هوالزيادة وهو مأخوذ من ربا يربو إذا نما وزاد على ما كان، وغالبه ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه( [(١)](#foonote-١) )، ومن الربا البين التفاضل في النوع الواحد لأنها زيادة، وكذلك أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه( [(٢)](#foonote-٢) )، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها : آكل ربا فبتجوز وتشبيه، والربا من ذوات الواو، وتثنيته ربوان عند سيبويه، ويكتب الألف. قال الكوفيون : يكتب( [(٣)](#foonote-٣) ) ويثنى بالياء لأجل الكسرة التي في أوله. وكذلك يقولون في الثلاثية من ذوات الواو إذا انكسر الأول أو انضم، نحو ضحى، فإن كان مفتوحاً نحو صفا فكما قال البصري. 
ومعنى هذه الآية : الذين يكسبون الربا ويفعلونه، وقصد إلى لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنها دالة على الجشع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك داخل كله في قوله : الذي يأكلون ( [(٤)](#foonote-٤) )، وقال ابن عباس رضي الله عنه مجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد : معنى قوله : لا يقومون  من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم : يجعل معه شيطان يخنفه، وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتاً عند جمع المحشر، ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن قراءة عبد الله بن مسعود **«لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم »**. 
قال القاضي أبو محمد : وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون، لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه، مخلط في هيئة حركاته، إما من فزع أو غيره، قد جن هذا، وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله :\[ الطويل \]
وَتُصْبِحُ مِنْ غِبّ السُّرى وَكَأَنَّما. . . أَلَم بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَق( [(٥)](#foonote-٥) )
لكن ما جاءت( [(٦)](#foonote-٦) ) به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل  ويتخبطه  **«يتفعله »** من خبط يخبط كما تقول : تملكه وتعبده وتحمله. و  المس  الجنون، وكذلك الأولق والألس والزؤْد( [(٧)](#foonote-٧) )، وقوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا  معناه عند جميع المتأولين في الكفار( [(٨)](#foonote-٨) )، وأنه قول تكذيب للشريعة ورد عليها. 
والآية كلها في الكفار المربين نزلت ولهم قيل  فله ما سلف  ولا يقال ذلك لمؤمن عاص( [(٩)](#foonote-٩) )، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية، ثم جزم تعالى الخبر في قوله : وأحل الله البيع وحرم الربا ( [(١٠)](#foonote-١٠) ) وقال بعض العلماء في قوله : وأحل الله البيع  هذا من عموم القرآن، لأن العرب كانت تقدر على إنفاذه، لأن الأخذ والإعطاء عندها بيع، وكل ما عارض العموم فهو تخصيص منه، وقال بعضهم : هو من مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم، والقول الأول عندي أصح( [(١١)](#foonote-١١) )، قال جعفر بن محمد الصادق : حرم الله الربا ليتقارض الناس. وقال بعض العلماء : حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس. وسقطت علامة التأنيث في قوله : فمن جاءه  لأن تأنيث الموعظة غير حقيقي وهو بمعنى وعظ، وقرأ الحسن **«فمن جاءته »** بإثبات العلامة، وقوله : فله ما سلف  أي من الربا لا تباعة( [(١٢)](#foonote-١٢) ) عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة قاله السدي وغيره، وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هناك، و  سلف  معناه تقدم في الزمن وانقضى. 
وفي قوله تعالى : وأمره إلى الله  أربع تأويلات : أحدها أن الضمير عائد على الربا بمعنى : وأمر الربا إلى الله في إمرار( [(١٣)](#foonote-١٣) ) تحريمه أو غير ذلك. الثاني أن يكون الضمير عائداً على  ما سلف . أي أمره إلى الله في العفو عنه وإسقاط التبعية فيه. والثالث أن يكون الضمير عائداً على ذي الربا بمعنى أمره إلى الله في أن يثيبه على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا. والرابع أن يعود الضمير على المنتهي ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير. كما تقول وأمره إلى طاعة وخير وموضع رجاء. وكما تقول وأمره في نمو أو إقبال إلى الله وإلى طاعته، ويجيء الأمر هاهنا( [(١٤)](#foonote-١٤) ) ليس في الربا خاصة بل وجملة أموره، وقوله تعالى : ومن عاد  يعني إلى فعل الربا والقول  إنما البيع مثل الربا  وإن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي، وإن لحظناها في مسلم عاصٍ فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة. كما تقول العرب : ملك خالد، عبارة عن دوام ما، لا على التأبيد الحقيقي.

١ - أي يزيد المطلوب في المال ويزيد الطالب في الأجل..
٢ - قال الإمام الشاطبي رحمه الله في "الموافقات": **«وإذا كان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض فقد ألحقت به السنة كل ما فيه زيادة بذلك المعنى، فقال عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء، يداً بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد)، ثم زاد على ذلك بيع النِّساء إذا اختلفت الأصناف، وعدَّه من الربا لأن النَّساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة، ويدخل فيه بحكم المعنى: السلف يجر نفعاً، وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه لتقارب المنافع فيما يراد منها، فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء وهو ممنوع، والأجل في أحد العوضين لا يكون عادة إلا عند مقارنة الزيادة به في القيمة، إذ لا يسلم الحاضر في الغائب إلا ابتغاء ما هو أعلى من الحاضر في القيمة وهو الزيادة، ويبقى النظر: لم جاز مثل هذا في غير النقدين والمطعومات ولم يجز فيهما ؟ محل نظر يخفى وجهه على المجتهدين، وهو من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها اليوم، فلذلك بينتها السنة، إذ لو كانت بيِّنة لوكل في الغالب أمرها إلى المجتهدين كما وكل إليهم النظر في كثير من محال الاجتهاد، فمثل هذا جار مجرى الأصل والفرع في القياس»**، فتأمل..
٣ - يعجبني ما قاله الشوكاني في "فتح القدير" في مثل هذه النقوش الكتابية من أنها أمور اصطلاحية لا يعيب أحد على أحد فيها، وأن رسم الكلمة وجعل نقشها الكتابي على ما يقتضيه اللفظ بها هو الأول، فما كان في النطق ألفا كالصلاة والزكاة كان الأولى في رسمه أن يكون كذلك، وكون أصل هذا الألف واواً أو باءً لا يخفى على من له معرفة بعلم الصرف فإن هذه النقوش هي لفهم اللفظ الذي يُدلُّ بها عليه كيف هو في نطق من نطق به، لا لفهم أن أصل الكلمة هو كذا مما لا يجري به النطق..
٤ - يعني أن القصد من الآية الكريمة هو جميع وجوه الانتفاع ولكنه وقع التعبير بالأكل لأنه أقوى وجوه الانتفاع، ولأنه أدل على معنى الحرص والجشع..
٥ - الغبُّ من كل شيء: عاقبته – والسُّرى: سير عامة الليل (يذكر ويؤنث) – ألَمَّ: نزل – والأولق: شبه الجنون، وهو أفعل لأنهم قالوا: ألِق الرجل فهو مَألُوق – على مفعول. قاله في اللسان: وقال أيضا: ومنه قول الشاعر:
 لعَمْرُك بي من حُبِّ أسماء أولَق.
 وفي اللسان أيضا: الأولق كالأفكل: الجنون – وقيل: الخفة من النشاط كالجنون – وأصله من الولق الذي هو السرعة..
٦ - حاصله أن الآية الكريمة تحتمل أن يكون القيام المشبه بقيام المجنون في الدنيا، كما شبه الأعشى نشاط ناقته بالجنون، ويحتمل أن يكون هذا القيام في الآخرة، وهذا الثاني هو المروي عن السلف الصالح، وهو الذي جاءت به قراءة عبد الله بن مسعود، فيكون الاحتمال الأول ضعيفا، وإن كانت ألفاظ الآية تقبله. ويؤخذ من الآية الكريمة أن صرع الجن بالإنس حقيقة واقعة لا يرتاب فيه إلا من تخبطه الشيطان، وقد ورد أن الشيطان يجري مجرى الدم من الإنسان..
٧ - هذه الألفاظ كلها تؤدي معنى الجنون، وهي: (المسُّ): يقال: مسَّه الشيطان، فهو مَمْسوس، وبه مسٌّ – أنشد ابن الأنباري:
 أُعَلِّل نفسي بما لا يكـونُ كذي المَسِّ جُنَّ ولم يخنق
 و(الألس) – يقال: أُلِسَ ألْساً فهو مألوس. أي: جُنَّ – (الأولق) – يقال: أُلِق فلان ألْقاً وأُلاقاً: جُنَّ. و(الأولع)، جاء في اللسان: وقال عرَّام: يقال بفلان من حُبِّ فلانة الأولع والأولق، وهو: شبه الجنون..
٨ - أي في ربا الجاهلية الذين قالوا فيه: \[إنما البيع مثل الربا\] وهو فسخ الدين في الدين، يقول الطالب: إما أن تقضي وإما أن تربي، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: \[وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون\] ودل عليه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله)..
٩ - بل يفسخ عقده، ويرد عمله. وإن كان جاهلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ)..
١٠ - أي أخبر خبراً جازما للرد عليهم، وفي الآية ما يدل على أن القياس مع وجود النص فاسد، إن قلنا: إن في الآية قياس، واعلم أن حكم المستحِلِّ للربا حكم المرتد، وأما إن مارسه دون استحلال فإنه يجوز للإمام محاربته، لأن الله سبحانه قد أذن في ذلك بقوله: \[فأذنوا بحرب من الله ورسوله\]..
١١ - وهو أنه من العامِّ المخصص، لا من المجمل المُبَيَّن، والفرق بينهما أن العموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص بدليل، والمجمل لا يدل على إباحتها بالتفصيل حتى يقترن به بيان، وإن دل على الإباحة في الجملة..
١٢ - تباعة الأمر: عاقبته، وما يترتب عليه من أثر، يقال: لي قِبَلَ فلان تِباعة: ظلامة..
١٣ - أي في استمرار تحريمه على عباده..
١٤ - أي في التأويل الرابع..

### الآية 2:276

> ﻿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [2:276]

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( ٢٧٦ )
 يمحق  معناه : ينقص ويذهب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه،  ويربي الصدقات  معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقول : ربت الصدقة وأرباها الله تعالى ورباها وذلك هو التضعيف لمن يشاء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله، أو فلوه، حتى يجيء يوم القيامة وأن اللقمة لعلى قدر أحد »**( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد : وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة( [(٢)](#foonote-٢) )، وقرأ ابن الزبير :**«يُمحِّق الله »** بضم الياء وكسر الحاء مشددة، **«ويرَبّي »** بفتح الراء وشد الباء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. 
وقوله تعالى : والله لا يحب كل كفار أثيم  يقتضي أن الزجر في هذه الآيات للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع  إنما البيع مثل الربا ( [(٣)](#foonote-٣) ) ووصف الكفار ب  أثيم ، إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض( [(٤)](#foonote-٤) )، قاله ابن فورك( [(٥)](#foonote-٥) ) قال ومعنى قوله : والله لا يحب  أي لا يحب الكفار الأثيم. 
قال القاضي أبو محمد : محسناً صالحاً بل يريده مسيئاً فاجراً، ويحتمل أن يريد والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم. 
وهذه تأويلات مستكرهة، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه، وأما الثاني فغير صحيح المعنى، بل الله تعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ولطف به، وحرص على حفظه، وتظهر دلائل ذلك، والله تعالى يريد وجود الكافر( [(٦)](#foonote-٦) ) على ما هو عليه، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في الشاهد، وتلك المزية موجودة للمؤمن( [(٧)](#foonote-٧) ).

١ - ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب – ولا يقبل الله إلا طيبا – فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل) ا هـ، والحديث روي في الدواوين بروايات.
 والفصيل: ولد الناقة أو البقرة بعد فطامه أو فصله عن أمه – والفِلْوُ والفُلُوُّ: الجحش أو المهر يُفطم، أو يبلغ السنة. جمعه أفْلاءٌ..
٢ - المرابون يظنون أن الصدقة نقصان والربا زيادة، وقد جعل الله ذلك على العكس من ظنهم فالربا نقصان، والصدقة زيادة، والربا يأتي على المال الذي خالطه فيمحق الله الجميع ويذهب ببركته.
 **حقائـق:**
 - الحقيقة الأولى: من الربا ما هو مُجمع على حرمته وهو ربا النَّساء، ومنه ما هو مختَلَف فيه وهو ربا الفضل، والصحيح حرمته وفسخ ما ثبت منه، والآية الكريمة تحتمل الكل بجعل (أل) جنسية، وتحتمل خصوص ربا النَّساء بجعل (أل) عهدية، وأما الطعام بالنقدِ والنقدُ بالطعام نسيئةً فهو جائز.
 - الحقيقة الثانية: علة الربا في الطعام عند الإمام مالك رحمه الله الاقتيات والادخار، وهما أخص صفات الطعام، وعلة الربا في النقدين كونهما ثمنين أي وسيلتين للتبادل في البضائع والطيبات في أنحاء العالم غالبا.
 - الحقيقة الثالثة: بيع المصوغ والمصنوع بجنسه لا يجوز إلا بمقدار زنة حليته، وأُجرة الصياغة أو الصنعة تدفع من وجه آخر، وهناك من يجيز شراءه بما يزيد وزنا ويجعل الزيادة في مقابلة الصنعة والله أعلم.
 - الحقيقة الرابعة: حكم الأوراق البنكية والفلوس النحاسية حكم النقدين، بناء على أنهما سند الذهب والفضة، وعليه فلا يجوز أحد النقدين بواحد منهما لعدم وجود المناجزة، إذ أحد العِوضين حاضر والآخر غائب، ولا عبرة بحضور السند، ومن الناس من يجعلها بمثابة عروض التجارة، وعليه فلا منع، والاحتياط في الدين يقضي بترجيح جانب الحرمة، والتوسعة على الناس في التعامل تقتضي العكس والله أعلم.
 - الحقيقة الخامسة: من مواضع الربا مسائل بيوع العينة وبيوع الآجال إذا كان التعامل في الظاهر مباحا ولكن يمكن أن يقصد به التوصل إلى زيادة الربا، فمذهب مالك – رحمه الله – أنه يمنع ما كثر قصده بناء على سد الذرائع، والذرائع الربوية المبنية على التهمة تتغير بتغير الأجيال والأحوال، ولا يسترسل تحريمها على الدوام عند القائلين بها، والله أعلم. ومن العلماء من يُجيز هذه البيوع اعتباراً بظاهرها وتغاضيا عن باطنها.
 - الحقيقة السادسة: التمول المحمود هو ألا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير، وألا يكون فيه تضييق على الناس، لما في ذلك من طغيان الثروة وفساد الأخلاق والضمائر، ومن ثم حرمت الشرائع السماوية، والحكمة الأخلاقية نظام الربا في المعاملات للمقاربة بين الناس في القوة المالية، وعدم طغيان بعضهم على بعض. وبين الأخلاق والأعمال ارتباط قوي في الإسلام، فالإنسان المسلم حينما يعمل يجب أن يتصف بأخلاق الإسلام، وأن يتصور أنه ممتحن في كل نشاط يقوم به في الدنيا، ومحاسب عليه لا محالة في الأخرى، وأنه مربوط بعهد الله الذي استخلفه في الأرض.
 - الحقيقة السابعة: الإسلام يحارب الربا محاربة لا هوادة فيها، ولا يقيم نظامه الاقتصادي على أساسه، بل يعدّ ذلك محقا للمال، وعيبا من عيوب الاقتصاد، وبلاء عظيما على المجتمعات البشرية، إلا أن خبراء التعامل بالربا الذين تعودوا أكل لحوم الناس وعظامهم أصبحوا يصيحون به وبهذا النظام الملوث، ويبثون في نفوس الناس أنه لا يمكن أن يقوم اقتصاد مزدهر بدونه وأن الحضارة القائمة هي نتيجة هذا النظام، وذلك كله خرافة يشهد العصر الحاضر ببطلانها وما دروا أن قبائح هذه الحضارة أكثر من محاسنها، ولو لم يكن إلا هذه الأجهزة والمؤسسات الربوية التي تسرق أموال الناس وتستغلهم استغلالا شديدا وبعيدا عن الإنسانية بمختلف الوسائل والأساليب لكفى.
 - الحقيقة الثامنة: المسلمون الذين يقرون نظام الربا في بلدانهم هم مخاصمون ومحاربون لله ورسوله، ومن حارب الله هلك وسقط، ولم يكن في اقتصاده زيادة ولا بركة، وإنما هناك فقر وخصاصة، وكيف يحرم الله علينا أمرا لا تتقدم الحياة البشرية بدونه ؟ فهذا شيء يستحيل تصوره واعتقاده، وكل من وقع في هذه الورطة فَلْيَتُبْ إلى الله جل علاه، ومن تاب تاب الله عليه، وتوبة الجماعة كتوبة الأفراد عند الله..
٣ - الآية من عموم السلب لا من سلب العموم، إذ لا فرق بين الكفار والأثيم، والمعنى أن كل كفّار أثيم لا يحبه الله، أي كل مقيم على الكفر مصر على الإثم..
٤ - تعليل بعيد، ووقوع ذلك على الزارع منوط بالسياق وبما يصحبه من القرائن، كقوله تعالى: \[كمثل غيث أعجب الكفّار نباته\]..
٥ - بضم الفاء: أبو بكر الأصبهاني، إمام جليل في الفقه والأصول والنحو والكلام مع الزهد والورع. توفي مسموما سنة ٤٠٦هـ. ، وبلغت تصانيفه مائة مصنف..
٦ - نقل أبو (ح هذه الجملة عن ابن عطية في البحر المحيط ٢-٣٣٦ هكذا: **«والله تعالى يريد وجود ظهور الكافر على ما هو عليه»** بزيادة لفظة (ظهور) – فتأمل..
٧ - الحب بمعنى الميل الطبيعي لا يليق به سبحانه، وابن فورك فسر الحب بالإرادة، وابن عطية جعله بمعنى اللطف وإظهار الدلائل، فيكون على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة فعل. بهذا علق أبو (ح) على كلام ابن عطية ونقده لابن فورك..

### الآية 2:277

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:277]

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٢٧٧ )
ولما انقضى ذكرهم( [(٨)](#foonote-٨) ) عقب بذكر ضدهم ليبين ما بين الحالين فقال  إن الذين آمنوا  الآية، وقد تقدم تفسير مثل ألفاظ هذه الآية، وخص  الصلاة  و  الزكاة  بالذكر وقد تضمنهما عمل  الصالحات  تشريفاً لهما، وتنبيهاً على قدرهما، إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال.

### الآية 2:278

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:278]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( ٢٧٨ )
سبب هذه الآية أنه كان الربا بين الناس كثيراً في ذلك الوقت، وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح :**«ألا كل ربا في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب »**، فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، وهذه من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته، فيستفيض حينئذ في الناس، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل على مكة عتاب بن أسيد( [(١)](#foonote-١) )، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطاً، منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لم يعطه، وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم فهو موضوع، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه ثم ردها الله بهذه الآية، كما رد صلحه لكفار قريش في رد النساء إليهم عام الحديبية. 
وذكر النقاش رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف لكم ما للمسليمن وعليكم ما عليهم، فلما جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني غيرة( [(٢)](#foonote-٢) ) وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف، وكانت لهم على بني المغيرة المخزوميين فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئاً فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت، هذا سبب الآية على اختصار مجموع مما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم. 
فمعنى الآية، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من ربا وصفحكم عنه. وقوله :
 إن كنتم مؤمنين  شرط محض في ثقيف على بابه، لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام وإذا قدرنا الآية فيمن تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة( [(٣)](#foonote-٣) )، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه( [(٤)](#foonote-٤) ) : إن كنت رجلاً فافعل كذا، وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إن  في هذه الآية بمعنى إذ. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا مردود لا يعرف في اللغة، وقال ابن فورك : يحتمل أنه يريد  يا أيها الذين آمنوا  بمن قبل محمد من الأنبياء،  ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين  بمحمد، إذ لا ينفع الأول إلا بهذا وهذا مردود بما روي في سبب الآية( [(٥)](#foonote-٥) )،

١ - هو ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أسلم هو وأخوه خالد بن أسيد يوم فتح مكة، وقد استعمله صلى الله عليه وسلم عليها عند خروجه إلى المدينة، وقبض صلى الله عليه وسلم وعتاب بن أسيد عامله على مكة، انظر طبقات ابن سعد. وعتاب – بالتشديد كما ضبطه في "الإصابة" وأسيد كأمير..
٢ - بنو غِيرَة: حي من العرب، وهي كعنبة بالغين..
٣ - حاصله أنه إن كان شرطا فيمن هو حديث عهد بالإسلام كثقيف فهو شرط حقيقي، وإن كان فيمن طال عهده في الإسلام فهو شرط مجازي على جهة المبالغة، أو بأن يكون المعنى: وإن صح إيمانكم، يعني أن دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أُمرتم به – قال ذلك الزمخشري، عقب عليه أبو (ح) بأن فيه دسيسة اعتزال – راجع البحر المحيط ٢-٣٣٧..
٤ - أي إثارة نفسه وتهيجها..
٥ - أي لأنه ليس فيهم من كان مؤمنا قبل الإسلام بنبي من الأنبياء، وفي الآية إشارة إلى أن الإيمان الكامل لا يجتمع مع ممارسة الربا..

### الآية 2:279

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [2:279]

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ( ٢٧٩ )
ثم توعدهم تعالى إن لم يذروا الربا بحرب من الله ومن رسوله وأمته، والحرب داعية القتل، وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب، وقال ابن عباس أيضاً : من كان مقيماً( [(١)](#foonote-١) ) على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع والإ ضرب عنقه، وقال قتادة : أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجاً( [(٢)](#foonote-٢) ) أينما ثقفوا، ثم ردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم، وقال لهم : لا تَظلمون  في أخذ الربا  ولا تُظلمون  في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم، فتذهب أموالكم. 
ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل، لأن مطل الغني ظلم، كما قال صلى الله عليه وسلم( [(٣)](#foonote-٣) ). 
فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا. وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار على كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر، فقال كعب : نعم يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر : قم فاقضه، فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات، وقرأ الحسن **«ما بقِيْ »** بكسر القاف وإسكان الياء، وهذا كما قال جرير :\[ البسيط \]
هو الخليفةُ فارضوْا ما رَضَي لكُمُ. . . ماضي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ( [(٤)](#foonote-٤) )
ووجهها أنه شبه الياء بالألف، فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لم تصل هنا إلى الياء، وفي هذا نظر، وقرأ أبو السمال من **«الرّبُوْ »** بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو، وقال أبو الفتح : شذ هذا الحرف في أمرين :
أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازماً( [(٥)](#foonote-٥) )، والآخر وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل، نحو يغزو ويدعو وأما ذو الطائية بمعنى الذي فشاذة جداً، ومنهم من يغير واوها إذا فارق الرفع، فيقول رأيت ذا قام، ووجه القراءة أنه فخم الألف انتحاء بها الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم، الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي :**«فأذنَوا »** مقصورة مفتوحة الذال، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر :**«فآذِنوا »** ممدودة مكسورة الذال. 
قال سيبويه : آذنت أعلمت، وأذنت ناديت وصوت بالإعلام قال : وبعض يجري آذنت مجرى أذنت، قال أبو علي : من قال :****«فأذنوا »**** فقصر، معناه فاعلموا الحرب من الله، قال ابن عباس وغيره من المفسرين : معناه فاستيقنوا الحرب من الله تعالى. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه وهي عندي من الإذن، وإذا أذن المرء في شيء فقد قرره وبنى مع نفسه عليه، فكأنه قال لهم فقرروا الحرب بينكم وبين الله ورسوله، ملزمهم من لفظ الآية أنهم مستدعو الحرب والباغون بها، إذ هم الآذنون بها وفيها، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم بأنهم حرب وتيقنهم لذلك، قال أبو علي : ومن قرأ ****«فآذنوا »**** فمد، فتقديره فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول محذوف، وقد ثبت هذا المفعول في قوله تعالى :
 فقل آذنتكم على سواء ( [(٦)](#foonote-٦) ) \[ الأنبياء : ١٠٩ \] وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة، قال : ففي إعلامهم، وليس في علمهم إعلامهم غيرهم، فقراءة المد أرجح، لأنها أبلغ وآكد قال الطبري : قراءة القصر أرجح لأنها تختص بهم، وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والقراءتان عندي سواء لأن المخاطب في الآية محصور بأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا، فإن قيل لهم :****«فأذنوا »**** فقد عمهم الأمر، وإن قيل لهم :****«فآذنوا »**** بالمد فالمعنى أنفسكم وبعضكم بعضاً، وكأن هذه القراءة تقتضي فسحاً لهم في الارتياء والتثبت أي فأعلموا نفوسكم هذا ثم انظروا في الأرجح لكم، ترك الربا أو الحرب( [(٧)](#foonote-٧) )، وقرأ جميع القراء **«لا تَظلمون »** بفتح التاء و **«لا تُظلمون »** بضمها( [(٨)](#foonote-٨) ) وقد مضى تفسيره. 
وروى المفضل عن عاصم : لا **«تُظلمون »** بضم التاء في الأولى وفتحها في الثانية. قال أبو علي : وتترجح قراءة الجماعة فإنها تناسب قوله  فإن تبتم  في إسناد الفعلين إلى الفاعل فيجي **«تظلمون »** بفتح التاء أشكل بما قبله.

١ - أي حريصا عليه، مداوما على استعماله، مستحلا له..
٢ - أي شيئا مباحا غير محترم..
٣ - حديث: (مطل الغني ظلم). متفق عليه عن أبي هريرة، وفي لفظ لبعضهم عنه: (المطل ظلم الغني)..
٤ - الجَنَف: الميل والظلم. والشاهد في قوله: (مارضيْ) –بإسكان الياء، ومثله (ما بقي) في قوله الشاعر:
 لعمرك ما أخشى التَّصَعْلُكَ ما بَقِـيْ على الأرض قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأبَاعِـراَ.
٥ - أي: لا عارضا..
٦ - من الآية (١٠٩) من سورة الأنبياء..
٧ - وضح أبو (ح) في تفسيره: **«البحر المحيط»** ٢-٣٣٨ – الرأي في أصل الكلمة (فأذنوا) – فقال: «فآذنوا أمر من آذن الرباعي، بمعنى أعلم، مثل قوله تعالى: \[فقل آذنتكم على سواء\]، وقرأ باقي السبعة فأذنوا أمر من أذن الثلاثي مثل قوله: \[لا يتكلّمون إلا من أذن له الرحمن\]. ثم نقل كل ما ذكره ابن عطية عن ابن عباس وأبي علي والطبري..
٨ - يحتمل أن تكون الجملة حالا من ضمير (لكم)، أي فلكم رؤوس أموالكم غير ظالمين ولا مظلومين، والعامل في الحال ما في حرف الجر من معنى الفعل – ويحتمل أن تكون استئنافية، وإخبار منه تعالى بأنهم إذا اقتصروا على رؤوس أموالهم كان ذلك هو الإنصاف..

### الآية 2:280

> ﻿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:280]

وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٢٨٠ )
حكم الله تعالى لأرباب الربا برؤوس الأموال عند الواجدين للمال، ثم حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حالة اليسر. قال المهدوي : وقال بعض العلماء هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وحكى مكي : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد : فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ، و **«العسرة »** ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة، والنظرة : التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، وارتفع  ذو عسرة  ب  كان  التامة التي هي بمعنى وجد وحدث. هذا قول سيبويه وأبي علي وغيرهما، ومن هنا يظهر أن الأصل الغنى ووفور الذمة، وأن العدم طارىء حادث يلزم أن يثبت. وقال بعض الكوفيين، حكاه الطبري : بل هي  كان  الناقصة والخبر محذوف، تقديره  وإن كان  من غرمائكم  ذو عسرة  وارتفع قوله : فنظرة  على خبر ابتداء مقدر، تقديره فالواجب نظرة، أو فالحكم نظرة. 
قال الطبري : وفي مصحف أبي بن كعب : وإن كان ذو عسرة  على معنى وإن كان المطلوب، وقرأ الأعمش **«وإن كان معسراً فنظرة »**. 
قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى : وكذلك في مصحف أبي بن كعب، قال مكي والنقاش وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ  وإن كان ذو عسرة  بالواو فهي عامة في جميع من عليه دين. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير لازم( [(٢)](#foonote-٢) )، وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان، **«فإن كان »** بالفاء  ذو عسرة  بالواو، وقراءة الجماعة نظرة بكسر الظاء، وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن :**«فنظْرة »** بسكون الظاء، وكذلك قرأ الضحاك، وهي على تسكين الظاء من نظرة، وهي لغة تميمية، وهم الذين يقولون : كرم زيد بمعنى كرم، ويقولون، كبد من كبد، وكتف في كتف، وقرأ عطاء بن أبي رباح **«فناظرة »** على وزن فاعلة، وقال الزجّاج : هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى : ليس لوقعتها كاذبة  \[ الواقعة : ٢ \] وكقوله تعالى : تظن أن يفعل بها فاقرة  \[ القيامة : ٢٥ \]، وكخائنة الأعين( [(٣)](#foonote-٣) ) وغيره، وقرأ نافع وحده **«ميسُرة »** بضم السين، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس **«ميسَرة »** بفتح السين على وزن مفعلة، وهذه القراءة أكثر في كلام العرب، لأن مفعلة بضم العين قليل. 
قال أبو علي : قد قالوا : مسربة ومشربة( [(٤)](#foonote-٤) )، ولكن مفعلة بفتح العين أكثر في كلامهم، وقرأ عطاء بن أبي رياح أيضاً ومجاهد :**«فناظره إلى ميسُره »** على الأمر في **«ناظره »** وجعلا الهاء ضمير الغريم، وضما السين من **«ميسُره »** وكسر الراء وجعلا الهاء ضمير الغريم، فأما ناظره ففاعله من التأخير، كما تقول : سامحه( [(٥)](#foonote-٥) )، وأما ميسر فشاذ، قال سيبويه : ليس في الكلام مفعل، قال أبو علي يريد في الآحاد، فأما في الجمع فقد جاء قول عدي بن زيد :\[ الرمل \]
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنّي مَأْلُكاً. . . أَنَّه قَدْ طالَ حَبْسي وانتظاري( [(٦)](#foonote-٦) )
وقول جميل :\[ الطويل \]
بثين الزمي - لا - إنَّ - لا - إنْ لزمته. . . على كثرةِ الواشين أيّ معون
فالأول جمع مألكه، والآخر جمع معونة( [(٧)](#foonote-٧) )، وقال ابن جني : إن عدياً أراد مالكة فحذف، وكذلك جميل أراد أي معونة، وكذلك قول الآخر :\[ الراجز \]
**«ليومِ روعٍ أو فِعال مكْرَمِ ( [(٨)](#foonote-٨) ) »**. . . **«أرادَ مَكْرُمَة »**، فحذف قال : ويحتمل أن تكون جموعاً كما قال أبو علي. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فإن كان ميسر جمع ميسرة فيجري مجرى هذه الأمثلة، وإن كان قارئه أراد به الإفراد فذلك شاذ، وقد خطأه بعض الناس، وكلام سيبويه يرده، واختلف أهل العلم : هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة : واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال ؟
فقال ابن عباس وشريح : ذلك في الربا خاصة، وأما الديون وسائر الأمانات فليس فيها نظرة، بل تؤدى إلى أهلها( [(٩)](#foonote-٩) )، وكأن هذا القول( [(١٠)](#foonote-١٠) ) يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة، وقال جمهور العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الديْن ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة، فسره الضحاك( [(١١)](#foonote-١١) ). 
وقوله تعالى : وأن تصدقوا  ابتداء وخبره  خير ، وندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدي وابن زيد والضحاك وجمهور الناس. وقال الطبري وقال آخرون معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة أقوالاً لقتادة وإبراهيم النخعي لا يلزم منها ما تضمنته ترجمته، بل هي كقول جمهور الناس، وليس في الآية مدخل للغني( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وقرأ جمهور القراء :**«تصَّدقوا »** بتشديد الصاد على الإدغام من تتصدقوا. وقرأ عاصم **«وأن تصْدقوا »** بتخفيف الصاد وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«وأن تصدقوا »** بفك الإدغام. 
وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال : كان آخر ما أنزل من القرآن آية الربا، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. وقال ابن عباس : آخر ما نزل آية الربا( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ومعنى هذا عندي أنها من آخر ما نزل( [(١٤)](#foonote-١٤) )، لأن جمهور الناس وابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج وغيرهم، قال : آخر آية قوله تعالى : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  وقال سعيد بن المسيب : بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين، وروي أن قوله عز وجل : واتقوا  نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وروي بثلاث ليال، وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه قال عليه السلام اجعلوها بين آية الربا وآية الدين، وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية، من البقرة.

١ - إشارة إلى حديث رواه الدارقطني والبزار إلا أنه حديث ضعيف. انظر (ق)..
٢ - خلاصة الرأي أن قراءة النصب تختص بديْن الربا، وقراءة الرفع تشمل ديْن الربا وغيره، قال ابن عطية: والعموم غير لازم..
٣ - الآيات بترتيبها: الآية (٢) من سورة الواقعة – والآية (٢٥) من سورة القيامة، ومن الآية (١٩) من سورة غافر..
٤ - المسرُبَة (بفتح الراء وضمها): الشَّعر وسط الصدر إلى البطن، والمشْرُبَة كذلك: المكان يشرب منه: والأرض ليِّنةً دائمة النبات..
٥ - فمعنى ناظِرْهُ: سامحه، أو أخّره إلى وقت اليسر والغنى..
٦ - المألك، الرسالة، جمعه مآلك – والمألَكة والمألُكة – بفتح اللام وضمها: الرسالة أيضا، وجمعها كذلك مآلك..
٧ - تأول أبو الفتح بن جني الأبيات على أنها آحاد محذوفة التاء، وقال أبو علي الفارسي: إنها جموع لا آحاد..
٨ - هو أبو الأخزر الحماني، والبيت بتمامه:
 مَروان مرْوان أخو اليوم اليَمي ليوم رَوْع أو فَعالِ مكـرُم
 واليوم اليمي: اليوم الشديد، واليمي مقلوب اليوم، أخر الواو وقدم الميم، ثم قلبت الواو ياءً حيث صارت طرفاً..
٩ - لقوله تعالى: \[إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها\]..
١٠ - أي قول ابن عباس: إن التأخير خاص بديْن الربا إذا لم يكن المدين في فقر مدقع، وأما إذا كان كذلك فلا فرق بين دين الربا وغيره، ولعل ابن عباس لا يخالف في هذا، والله أعلم..
١١ - روى الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله بسنده إلى الضحاك في تفسير الآية قال: "وكذلك كل دين على مسلم، فلا يحل لمسلم له دين على أخيه يعلم منه عسرة أن يسجنه ولا يطلبه حتى ييسره الله عليه». ا هـ. وذكر أبو (ح) في تفسيره ما يأتي: **«جاء في فضل إنظار المعسر أحاديث كثيرة منها: (من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله)»**..
١٢ - وإنما المهم أمر المعسر، ولذلك سيقت الآية الكريمة، وفي كلام ابن عطية هذا ردّ على القول بشمول الآية للغني والفقير..
١٣ - هذا باعتبار النزول كما هو صريح، وأما باعتبار الحكم فقبل ذلك بكثير – ألا ترى إلى الآية المذكورة في وقعة أُحد: \[يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الرِّبا أضعافا مضاعفة\]، قال المفسرون: لما نزلت سورة النصر عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها عاما كاملا، ثم نزلت: \[لقد جاءكم رسول من أنفسكم\] إلى آخر السورة، وعاش بعدها صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ثم نزل عليه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو واقف بعرفة: \[اليوم أكملت لكم دينكم\] الآية، وعاش بعدها صلى الله عليه وسلم واحداً وثمانين يوما ثم نزلت آية الربا، ثم نزلت بعدها: \[واتّقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون\]، وهي آخر آية نزلت من السماء، وعاش بعدها صلى الله عليه وسلم واحداً وعشرين يوما، وقيل: تسع ليال، وقيل: سبع ليال، ثم مات يوم الاثنين صلى الله عليه وسلم لليلتين خلتا من ربيع الأول، ونسأل الله عز وجل أن نموت على سنته ويوم موتته، وهو سبحانه أعلم وأرحم بعباده..
١٤ - أو آخر ما نزل من آيات البيوع..

### الآية 2:281

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [2:281]

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( ٢٨١ )
وقوله تعالى : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  إلى آخر الآية، وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان( [(١)](#foonote-١) )، و  يوماً  منصوب على المفعول لا على الظرف. وقرأ أبو عمرو بن العلاء **«تَرجِعون »** بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ باقي السبعة **«تُرجعَون »** بضم التاء وفتح الجيم، فمثل قراءة أبي عمرو  إن إلينا إيابهم ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ الغاشية : ٢٥ \] ومثل قراءة الجماعة  ثم ردوا إلى الله ( [(٣)](#foonote-٣) ) \[ الأنعام : ٦٢ \]  ولئن رددت إلى ربي ( [(٤)](#foonote-٤) ) \[ الكهف : ٣٦ \] المخاطبة في القراءتين بالتاء على جهة المبالغة في الوعظ والتحذير، وقرأ الحسن **«يرْجعون »** بالياء على معنى يرجع جميع الناس. 
قال ابن جني كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما تتفطر له القلوب. فقال لهم : واتقوا يوماً ، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقاً بهم( [(٥)](#foonote-٥) )، وقرأ أبي بن كعب **«يوماً تُردون »** بضم التاء، وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية، وقال قوم هو يوم الموت، والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية، وفي قوله : إلى الله  مضاف محذوف تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه، وقوله  وهم  رد على معنى كل نفس لا على اللفظ إلا على قراءة الحسن ****«يرجعون »****، فقوله : وهم  رد على ضمير الجماعة في ****«يرجعون »****، وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان. وهذا رد على الجبرية( [(٦)](#foonote-٦) ).

١ - فإنه عز وجل حذَّر فأعذر، ووعظ فأبلغ، واليوم: يوم القيامة، أي يوم اللقاء والجزاء والوفاء، وقال قوم: هو يوم الموت، والأول أقوى لقوله تعالى بعد ذلك: \[ثم توفّى كل نفس ما كسبت\]..
٢ - الآية (٢٥) من سورة الغاشية..
٣ - من الآية (٦٢) من سورة الأنعام..
٤ - من الآية (٣٦) من سورة الكهف..
٥ - يقول ابن جني هذا الكلام في توجيه قراءه الحسن، وهو توجيه حسن..
٦ - الجبرية طائفة لا تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة، وتُجوِّز أن يعذب الله من أفنى عمره في طاعته، ويُنَعِّم من أفنى عمره في معصيته، وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم عملا منه وأكثر وأفضل درجات، والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة من غير تعليل ولا سببية ولا حكمة تقتضي تخصيص هذا بالثواب وهذا بالعقاب، والصراط المستقيم الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب: أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب، ومقتضيات لهما كاقتضاء الأسباب لمسبباتها، وأن الأعمال الصالحة من توفيق الله وهدايته، وأنها ليست ثمنا لجزائه وثوابه، بل غايتها – إذا أُحكمت – أن تكون شكرا لبعض نعمه، ولهذا نفى صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالعمل فقال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته). وأثبت سبحانه دخول الجنة بالعمل كما في قوله تعالى: \[ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون\]، ولا تنافي بينهما، فالمنفي استحقاقها بمجرد الأعمال، وكونها ثمنا وعوضا للجنة، والمُثْبَت هو دخولها بفضله ورحمته وإن كانت الأعمال سببا يقتضي ذلك، والله أعلم..

### الآية 2:282

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:282]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ  قال ابن عباس رضي الله عنه نزلت هذه الآية في السلم خاصة. 
قال القاضي أبو محمد : معناه أن سلم أهل المدينة كان بسبب هذه الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً( [(١)](#foonote-١) )، وبين تعالى بقوله : بدين  ما في قوله : تداينتم  من الاشتراك، إذ قد يقال في كلام العرب : تداينوا بمعنى جازى بعضهم بعضاً( [(٢)](#foonote-٢) ). ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها، وإذا لم تكن تسمية وحد فليس أجل، وذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها فرض بهذه الآية، وذهب الربيع إلى أن ذلك وجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله : فإن أمن بعضكم بعضاً  \[ البقرة : ٢٨٣ \] وقال الشعبي : كانوا يرون أن قوله : فإن أمن  ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وقال جمهور العلماء : الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب( [(٣)](#foonote-٣) )، وإذا كان الغريم تقياً فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف( [(٤)](#foonote-٤) ) في دينه وحاجة صاحب الحق، وقال بعضهم : إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك  فليؤد  \[ البقرة : ٢٨٣ \] الآية، فهذه وصية للذين عليهم الديون، ولم يجزم تعالى الأمر نصاً بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان، وأما الطبري رحمه الله فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في الاحتجاج، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ذلك. 
واختلف الناس في قوله تعالى : وليكتب بينكم  فقال عطاء وغيره : واجب على الكاتب أن يكتب، وقال الشعبي وعطاء أيضاً : إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب، وقال السدي : هو واجب مع الفراغ، وقوله تعالى : بالعدل  معناه بالحق والمعدلة( [(٥)](#foonote-٥) )، والباء متعلقة بقوله تعالى : وليكتب ، وليست متعلقة ب  كاتب  لأنه كان يلزم أن لا كتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد والمسخوط إذا أقاموا فقهها، أما أن المنتصبين لكتبها لا يتجوز للولاة ما أن يتركوهم إلا عدولاً مرضيين، وقال مالك رحمه الله : لا يكتب الوثائق من الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى  وليكتب بينكم كاتب بالعدل  ثم نهى الله تعالى الكتاب عن الإباية، وأبى يأبى شاذ لم يجىء إلا قلى يقلى( [(٦)](#foonote-٦) ) وأبى يأبى، ولا يجيء فعل يفعل بفتح العين في المضارع إلا إذا رده حرف حلق، قال الزجّاج والقول في أبى أن الألف فيه أشبهت( [(٧)](#foonote-٧) ) الهمزة فلذلك جاء مضارعه يفعل بفتح العين، وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله  ولا يأب  منسوخ بقوله
 لا يضار كاتب ولا شهيد ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ البقرة : ٢٨٢ \] والكاف في قوله  كما علمه الله  متعلقة بقوله : أن يكتب  المعنى كتباً كما علمه الله، هذا قول بعضهم، ويحتمل أن تكون  كما  متعلقة بما في قوله  ولا يأب  من المعنى أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو، وليفضل كما أفضل الله عليه( [(٩)](#foonote-٩) )، ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاماً عند قوله : أن يكتب ، ثم يكون قوله : كما علمه الله  ابتداء كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله  فليكتب ( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
قال القاضي أبو محمد : وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره( [(١١)](#foonote-١١) )، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر( [(١٢)](#foonote-١٢) )، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى : وافعلوا الخير ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) \[ الحج : ٧٧ \] وهو من باب عون الضائع. 
**قوله عز وجل :**
 وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ 
أمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء( [(١٤)](#foonote-١٤) )، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره، وإذا كتبت الوثيقة وأقرّ بها فهو كإملاء له. وأمره الله بالتقوى فيما يملي ونهي عن أن  يبخس  شيئاً من الحق، والبخس النقص بنوع من المخادعة والمدافعة، وهؤلاء الذين أمروا بالإملاء هم المالكون لأنفسهم إذا حضروا، ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمن. 
فقال  فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً  وكون الحق يترتب في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك( [(١٥)](#foonote-١٥) )، والسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، والسفه الخفة، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة :\[ الطويل \]. 
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ. . . أعالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ( [(١٦)](#foonote-١٦) )
وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي، وذلك هو وليه، ثم قال : أو ضعيفاً  والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة، وهذا أيضاً قد يكون وليه أباً أو وصياً، الذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير، و  وليه  وصيه أو أبوه والغائب عن موضع الإشهاد إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، و  وليه  وكيله، وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأوْلى أنه ممن لا يستطيع، فهذه أصناف تتميز، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد، وربما اجتمعت كلها في شخص، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من العلماء الحذاق، وقال بعض الناس : السفيه الصبي الصغير، وهذا خطأ، وقال قوم الضعيف هو الكبير الأحمق، وهذا قول الحسن، وجاء الفعل مضاعفاً في قوله : أن يمل  لأنه لو فك لتوالت حركات كثيرة، والفك في هذا الفعل لغة قريش. 
و  بالعدل  معناه بالحق وقصد الصواب، وذهب الطبري إلى أن الضمير في  وليه  عائد على  الحق ، وأسند في ذلك عن الربيع وعن ابن عباس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد على البينة على شيء وتدخل مالاً في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين ؟ هذا شيء ليس في الشريعة، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع  أن يمل  بمرضه إذا كان عاجزاً عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقر به، هذا معنى لم تعن( [(١٧)](#foonote-١٧) ) الآية إليه، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض. 
 وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى 
الاستشهاد : طلب الشهادة( [(١٨)](#foonote-١٨) ) وعبر ببناء( [(١٩)](#foonote-١٩) ) مبالغة في  شهيدين  دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه، فكأنها إشارة إلى العدالة : وقوله تعالى : من رجالكم  نص في رفض الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. واختلف العلماء فيهم فقال شريح وإسحاق بن راهويه( [(٢٠)](#foonote-٢٠) ) وأحمد بن حنبل : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلاً، وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد، وغلبوا نقص الرق( [(٢١)](#foonote-٢١) )، واسم كان الضمير الذي في قوله  يكونا . 
والمعنى في قول الجمهور، فإن لم يكن المستشهد رجلين أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما، وقال قوم : بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف، ولفظ الآية لا يعطيه بل الظاهر منه قول الجمهور( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وقوله : فرجل وامرأتان  مرتفع بأحد ثلاثة أشياء، إما أن يقدر( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) فليستشهد رجل وامرأتان، وإما فليكن رجل وامرأتان ويصح أن تكون  يكونا  هذه التامة والناقصة، ولكن التامة أشبه، لأنه يقل الإضمار، وإما فرجل وامرأتان يشهدون، وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله : أن تضل إحداهما  وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرؤوا **«وامرأْتان »** بهمز الألف ساكنة. 
قال ابن جني : لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة على غير قياس وإنما خففوا الهمزة( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) فقرب من الساكن، ثم بالغوا في ذلك فصارت الهمزة ألفاً ساكنة كما قال الشاعر :\[ الطويل \]. 
يقولون جهلاً لَيْسَ للشَّيخَ عَيِّلٌ. . . لَعَمْري لَقَدْ أعْيَلْتَ وَأن رَقُوب( [(٢٥)](#foonote-٢٥) )
يريد **«وأنا »**، ثم بعد ذلك يدخلون الهمزة على هذه الألف كما هي. وهي ساكنة وهي هذا نظر، ومنه قراءة ابن كثير **«عن ساقيها »**( [(٢٦)](#foonote-٢٦) ) وقولهم يا ذو خاتم قال أبو الفتح : فإن قيل شبهت الهمزة بالألف في أنها ساوتها في الجهر والزيادة والبدل والحذف وقرب المخرج وفي الخفاء فقول مخشوب( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ) لا صنعة فيه، ولا يكاد يقنع بمثله، وقوله تعالى : ممن ترضون من الشهداء  رفع في موضع الصفة لقوله عز وجل : فرجل وامرأتان ( [(٢٨)](#foonote-٢٨) ). 
قال أبو علي : ولا دخل في هذه الصفة قوله : شهيدين  اختلاف الإعراب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حكم لفظي، وأما المعنى فالرضى شرط في الشهيدين كما هو في الرجل والمرأتين. 
قال ابن بكير وغيره : قوله  ممن ترضون  مخاطبة للحكام. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا( [(٢٩)](#foonote-٢٩) ) كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض، وفي قوله : ممن ترضون  دليل على أن في الشهود من لا يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم. وقرأ حمزة وحده :**«إن تَضِل »** بكسر الألف وفتح التاء وكسر الضاد **«فتذَكَرُ »** بفتح الذال ورفع الراء وهي قراءة الأعمش، وقراها الباقون **«أن تضل »** بفتح الألف **«فتذكرَ »** بنصب الراء. غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الذال والكاف، وشددها الباقون( [(٣٠)](#foonote-٣٠) )، وقد تقدم القول فيما هو العامل في قوله : أن تضل ( [(٣١)](#foonote-٣١) )، و  أن  مفعول من أجله( [(٣٢)](#foonote-٣٢) ) والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما. وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر إحداهما إن ضلت الأخرى. قال سيبويه : وهذا كما تقول : أعددت هذه الخشبة أن يميل هذا الحائط فأدعمه( [(٣٣)](#foonote-٣٣) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ولما كانت النفوس مستشرقة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود أن يخبر به( [(٣٤)](#foonote-٣٤) )، وفي ذلك سبق النفوس إلى الإعلام بمرادها، وهذا من أبرع أنواع الفصاحة، إذ لو قال رجل لك : أعددت هذه الخشبة أن أدعم بها الحائط، لقال السامع : ولم تدعم حائطاً قائماً ؟ فيجب ذكر السبب فيقال : إذا مال. فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة. وقال أبو عبيد : معنى  تضل  تنسى. 
قال القاضي أبو محمد : والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالاً، ومن نسي الشه١ - سواء كانت من قرض أم ثمن بيع كالسَّلم- والسَّلم بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة – بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم..
٢ - ومنه قولهم: كما يدين الفتى يُدان..
٣ - يعني أن الأمر ندب وإرشاد إلى حفظ الأموال وصيانتها، وذهب الإمام الطبري ومن معه إلى أن الأمر للوجوب، وذلك رأيه في الأمر حتى يأتي ما يدل على خلافه، والصحيح أن الأمر للإرشاد كا لابن عطية وابن العربي رحمهما الله، إذ لو كانت الكتابة واجبة ما صح أخذ الأجرة عليها، وجواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة لا خلاف فيه، ولو كانت واجبة ما صح إسقاطها، كما يأتي في قوله تعالى: \[فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمِن أمانته\]..
٤ - والثقاف هو الآلة التي تعض الرماح وتقبضها لتقويمها، والكتاب قابض على الدين وحافظ له كالثقاف للرماح..
٥ - بحيث لا يزيد ولا ينقص، أي لا يبدِّل ولا يغير، بل يكتب ما أُملي عليه من دون تصرف فيه..
٦ - في لسان العرب: "قال يعقوب: "أبى يأبى نادر" – وقال سيبويه: **«شبهوا الألف بالهمزة في قرأ يقرأ»**. وقال أحمد بن يحيى: **«لم يسمع من العرب فعَل يفعَل مما ليس عينه ولامه من حروف الحلق إلا أبى يأبى، وقلاه يقلاه، وغشى يغشى، وشجا يشجى»**..
٧ - قال في المصباح: وبناء أبى شاذ، لأن باب فعل يفعل بفتحتين أن يكون حلقي العين أو اللام، ولم يأت من حلقي الفاء إلا أبا يأبى وعضّ يعضُّ في لغة وأثَّ الشعر يأث إذا كثر والتف، وربما جاء في غير ذلك». انتهى. وحروف الحلق هي: الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين، والذي يوجب فتح العين من المضارع هو أن تكون عينه أو لامه حلقية، وأما إذا كان حرف الحلق في أوله فلا يوجب ذلك، لأنه في المضارع يسكن فيخف النطق به، وحروف الحلق إنما أوجبت الفتح لثقلها، وقال الزجاج: إن الألف في أبى – وهي لام الكلمة – أشبهت الهمزة فلذلك جاء المضارع على يفعل بفتح العين..
٨ - هذا مبني على وجوب الكتابة وحرمة الإباية..
٩ - الكاف على هذا الاحتمال تعليلية، والاحتمال الأول أحسن الاحتمالات..
١٠ - غير ظاهر لوجود الفاء بعده، ولأنه لو كان متعلقا بقوله: \[فليكتب\] لكان النظم: **«فليكتب كما علمه الله»**، ولا يُصار إلى تقديم ما هو متأخر في المعنى..
١١ - يعني أن ما سبق من وجوب الكتابة على الكاتب إذا لم يوجد غيره، وأما إذا وجد الكتبة فلا تجب على معين، وفي بعض النسخ: قال القاضي أبو محمد رحمه الله: أما إذا أمكن الخ..
١٢ - أي يتأكد وجوب الندب عليه..
١٣ - من الآية (٧٧) من سورة الحج..
١٤ - يقال أمللت، وأمليت بمعنى، فهما لغتان موجودتان في القرآن. الأولى جاءت في هذه الآية والأخرى في قوله تعالى: \[وقالوا أساطير الأولين اكْتَتَبَهَا فهي تُملي عليه بكرة وأصيلا\]..
١٥ - عبارة أبي حيان نقلا عن ابن عطية: **«ذكر تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمان، ويترتب الحق لهم في كل جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك»** ا هـ.
 نميل إلى أن يكون الكلام كما نقله أبو (ح) – عن ابن عطية كالآتي: **«ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمن، ويترتب الحق في كل جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك. فقال: \[فإن كان الذي عليه الحق سفيها\] – والسفيه: المهلهل الرأي – الخ»**..
١٦ - جاء في اللسان: السفه: الخفة، وثوب سفيه: لهْلَهٌ سخيف – وتسفهت الرياح: اضطربت: وتسفهت الريح الغصون: حركتها واستخفتها، ثم ذكر هذا البيت شاهداً على ما يقول..
١٧ - أي: لم تتعرض له ولم تقصده..
١٨ - أمر بالإشهاد بعد الأمر بالكتابة لمزيد التوثق والاحتياط في الحقوق، فالكتابة والشهادة وظيفتان قد تجتمعان في شخص، وقد يكتب أحدهما ويشهد الآخر، وفي الآية الكريمة إشارة إلى ذكر الحجة التامة وهي رجلان أو رجل وامرأتان، وأما اليمين مع الشاهد أو مع النكول فليست بتامة، والمراد الحجة في الديون والأموال..
١٩ - يعني أن بناء المبالغة الدال على تكرر الشهادة يشير إلى شرط العدالة إذ لا تتكرر الشهادة عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم، وكأنه قيل: واستشهدوا عدلين من رجالكم..
٢٠ - إسحق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو يعقوب بن راهويه – عالم خراسان، وأحد كبار الحفاظ، أخذ عنه أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي – قيل: إن أباه ولد في طريق مكة فقال أهل مرو: راهويه – أي ولد في الطريق. توفي ٢٣٨هـ. عن "الأعلام"..
٢١ - أي لنقص الرقيق، والنفس من شأنها أن تخضع للكامل دون الناقص..
٢٢ - خلاصة كلامه أن الضمير – على قول الجمهور – اسم كان، ورجلين خبرها، وعلى قول الآخرين كان تامة والضمير فاعل، ورجلين حال، أي فإن لم يكن الشهيدان بهذه الصفة فرجل وامرأتان، والتفسير جار على حسب المعنى لا على حسب حكم اللفظ..
٢٣ - الخلاصة أنه إما أن يكون قوله تعالى: \[فرجل وامرأتان\] نائبا عن الفاعل، أو فاعلا، أو مبتدأ خبره محذوف..
٢٤ - لكثرة توالي الحركات..
٢٥ - يقال: عال عَيْلَةً وعَيْلا: افتقر – و: كثر عياله فهو عائل – وهو عيِّلٌ أيضا – 
 **قال الشاعر:**
 سلامٌ على يحْيَى، ولا يُرْجَ عِنْـدَه ولاءٌ، وإن أزرى بعيِّله الفقـر
 أي: بعياله – والرَّقوب: الذي لا يبقى له ولد – يقال للرجل والمرأة..
٢٦ - في سورة النمل في قصة بلقيس ونص الآية: \[قيل لها ادخلي الصرح فلمّا رأته حسبته لُجّة وكشفت عن ساقيها\] الآية (٤٤) – ومثل قوله \[سأْقَيْهَا\] بهمز الألف ساكنة قولهم: الخأْتم والعأْلم..
٢٧ - أي: غير مرضي ولا مقبول لما فيه من الخلط، قال ابن خالويه: مشبه بالجفنة المخشونة وهي التي لم تحكم صنعتها..
٢٨ - وقيل: هو بدلٌ من قوله تعالى: \[رجالكم\] على تكرير العامل – قال أبو (ح) عن هذين الإعرابين: "وهما ضعيفان"، لأن الوصف يشعر باختصاصه بالموصوف، فيكون قد انتفى هذا الوصف عن \[شهيدين\] – ولأن البدل يؤذن بالاختصاص بالشهيدين الرجلين، فعرى عنه: \[رجل وامرأتان\] – والذي يظهر أنه متعلق بقوله: \[واستشهدوا\]، أي: واستشهدوا ممن ترضون من الشهداء ليكون قيدا في الجميع، ولذلك جاء متأخرا بعد ذكر الجميع». البحر المحيط ٢- ٣٤٧..
٢٩ - أي كون الخطاب عاما ويتلبس به بعض الناس كأحكام المباشرين للقضايا..
٣٠ - يريد بتخفيف الذال أن تكون ساكنة – أما قوله: **«وشدَّدها الباقون»** فالضمير عائد على الكاف وحدها. والله أعلم..
٣١ - في قول ابن عطية: وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله: \[أن تضِلّ أحداهما\] عند إعراب \[فرجل وامرأتان\]، وهذه على قراءة \[أن تضلا إحداهما\] بفتح الهمزة، وهو تعليل لاعتبار العدد في النساء، أي: فليشهد رجل وتشهد امرأتان عوضا عن الرجل الآخر لأجل تذكير إحداهما للأخرى إذا ضلت..
٣٢ - تقديره عند الكوفيين: لئلا تضل إحداهما، الخ. ويرد عليهم \[فتذكر إحداهما\] بالنصب، إذ يصير التقدير: لئلا تضل، ولئلا تذكر. وتقديره عند البصريين: كراهية أو إرادة أن تضل، ويرد عليهم أيضا قوله تعالى: \[فتذكر\] بالنصب، فإن حكمه حكم المعطوف، فيكون التذكير مكررها، وإن قدروا الإرادة كان الضلال مراداً. والجواب عن هذا كله أن الكلام محمول على المعني كما قالوا لأن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت. وعدل النساء كعدل الرجال إلا أن عقلهن ينقص عن عقل الرجال كما قال صلى الله عليه وسلم، وشهادة امرأتين بشهادة رجل دليل على ذلك، لأن استشهاد امرأتين مكان رجل هو من أجل إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيمن يكثر نسيانه ويقل ضبطه..
٣٣ - فالقائل لا يطلب بذلك ميلان الحائط، ولكنه أخبر بعلة الدعم وسببه من قبل، فالكلام محمول على المعنى..
٣٤ - لما بين السبب والمسبب من الاتصال والملابسة – ثم إن الحكمة في تكرير \[إحداهما\] في الآية إفادة تذكرة الذاكرة للغافلة، وتذكرة الغافلة للذاكرة أيضا لو انقلبت الحال فيهما بأن نذكر الغافلة وتغفل الذاكرة – وذلك غاية في البيان، ولو قيل: فتذكرها الأخرى لكان البيان من جهة واحدة لتذكرة الذاكرة الناسية، قاله ابن العربي، وحاصله أن الفاعل وقع مبهما أولا وثانيا وهو \[إحداهما\] لإفادة أن كلا من المرأتين يجوز عليها الضلال والإذكار، فلم يرد بإحداهما معينة، وبذلك دخل الكلام معنى العموم، وكأنه قيل: من ضلت منهما أذكرتها الأخرى، فالإظهار خير من الإضمار ليحتمل القول كليهما، وأما الإضمار فيدل على تعيين واحدة منهما..

### الآية 2:283

> ﻿۞ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [2:283]

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( ٢٨٣ )
لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب وجعل لها الرهن ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو الغالب من الأعذار لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضاً فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. 
وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، فقال : إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم **«كذب إني لأمين في الأرض أمين في السماء، ولو ائتمنني لأديت، اذهبوا إليه بدرعي »**. 
وقد قال جمهور من العلماء : الرهن في السفر ثابت في القرآن، وفي الحضر ثابت في الحديث( [(١)](#foonote-١) ). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن، إلا أنه لم يمعن النظرفي لفظ السفر في الآية، وإذا كان السفر في الآية مثالاً من الأعذار فالرهن في الحضر موجود في الآية بالمعنى( [(٢)](#foonote-٢) )، إذ قد تترتب الأعذار في الحضر، وذهب الضحاك ومجاهد إلى أن الرهن والائتمان إنما هو في السفر، وأما في الحضر فلا ينبغي شيء من ذلك، وضعف الطبري قولهما في الرهن بحسب الحديث الثابت الذي ذكرته، وقوى قولهما في الائتمان، والصحيح ضعف القول في الفصلين بل يقع الائتمان في الحضر كثيراً ويحسن، وقرأ جمهور القراء ****«كاتباً »**** بمعنى رجل يكتب، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس **«كتاباً »** بكسر الكاف وتخفيف التاء وألف بعدها وهو مصدر، قال مكي : وقيل هو جمع كاتب كقائم وقيام. 
قال القاضي أبو محمد : ومثله صاحب وصاحب، وقرأ بذلك مجاهد وأبو العالية وقالا : المعنى وإن عدمت الدواة والقلم أو الصحيفة، ونفي وجود الكتاب يكون بعدم أي آلة اتفق من الآلة، فنفي الكتاب يعمها، ونفي الكاتب أيضاً يقتضي نفي الكتاب فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف( [(٣)](#foonote-٣) )، وروي عن ابن عباس أنه قرأ **«كُتاباً »** بضم الكاف على جمع كاتب، وهذا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب( [(٤)](#foonote-٤) )، فقيل للجماعة ولم تجدوا كتاباً، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ ****«كاتباً »****، وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ ****«كتباً »**** وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ ****«كتباً »****. 
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وجمهور من العلماء **«فرهان »**، وقرأ أبو عمرو وابن كثير **«فرُهُن »** بضم الراء والهاء، وروي عنهما تخفيف الهاء. 
وقد قرأ بكل واحدة جماعة غيرهما. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : رهن الشيء في كلام العرب معناه : دام واستمر، يقال أرهن لهم الشراب وغيره قال ابن سيده : ورهنه أي أدامه( [(٥)](#foonote-٥) )، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر :\[ السريع \]
اللحمُ والخبزُ لَهمْ راهِنٌ. . . وقهوةٌ راووقُها ساكِبُ( [(٦)](#foonote-٦) )
أي دائم قال أبو علي : ولما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى يد الراهن بوجه من الوجوه لأنه فارق ما جعل له( [(٧)](#foonote-٧) )، ويقال أرهن في السلعة إذا غالى فيها، حتى أخذها بكثير الثمن، ومنه قول الشاعر في وصف ناقة :\[ البسيط \]
يطوي ابن سلمى بها من راكب بُعُداً. . . عيديةً أُرْهنَتْ فيها الدَّنَانِيرُ( [(٨)](#foonote-٨) )
العيد بطن من مهرة، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة، ويقال في معنى الرهن الذي هو التوثقة من الحق : أرهنت إرهاناً فيما حكى بعضهم، وقال أبو علي يقال : أرهنت في المغالاة، وأما في القرض والبيع فرهنت( [(٩)](#foonote-٩) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويقال بلا خلاف في البيع والقرض : رهنت رهناً، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع، ونقل إلى التسمية، ولذلك كسر في الجمع كما تكسر الأسماء وكما تكسر المصادر التي يسمى بها وصار فعله ينصبه نصب المفعول به لا نصب المصدر، تقول : رهنت رهناً فذلك كما تقول رهنت ثوباً، لا كما تقول : رهنت الثوب رهناً وضربت ضرباً، قال أبو علي : وقد يقال في هذا المعنى أرهنت، وفعلت فيه أكثر، ومنه قول الشاعر( [(١٠)](#foonote-١٠) ) :\[ الوافر \]
يراهِنُني ويُرْهِنُني بنيه. . . وَأُرْهِنُه بنيَّ بِمَا أَقُولُ
وقال الأعشى :\[ الكامل \]
حتّى يُقِيدَكَ مِنْ بنِيهِ رَهِينَةً. . . نَعْشٌ ويُرْهِنَكَ السِّماكَ الفَرْقَدا( [(١١)](#foonote-١١) )
فهذه رويت من رهن وأما أرهن فمنه قول همام بن مرة :\[ المتقارب \]
ولمّا خَشِيتُ أَظافِرَهُمْ. . . نَجَوْتُ وأَرْهنْتُهُمْ مَالِكا( [(١٢)](#foonote-١٢) )
قال الزجّاج يقال في الرهن رهنت وأرهنت، وقاله ابن الأعرابي، ويقال رهنت لساني بكذا ولا يقال فيه أهنت. 
قال القاضي أبو محمد : فمن قرأ **«فرِهَان »** فهو جمع رَهْن، ك **«كبْش »** و **«كِباش »**، و **«كَعْب »** وكِعاب، ونَعْل ونِعَال، وَبَغْل وبِغَال، ومن قرأ **«فُرُهُنٌ »** بضم الراء والهاء فهو جمع رَهْن، ك «سقف وسقف، وأسد( [(١٣)](#foonote-١٣) ) وأُسْد، إذ فَعْل وفُعُل يتقاربان في أحكامهما، ومن قرأ " فرهْن " بسكون الهاء فهو تخفيف رهن، وهي لغة في هذا الباب كله، كتف وفخذ وعضد وغير ذلك، قال أبو علي : وتكسير رهن على أقل العدد لم أعلمه جاء، ولو جاء لكان قياسه أفعل ككلب وأكلب، وكأنهم استغنوا بالكثير عن القليل في قولهم : ثلاثة شسوع، وكما استغني ببناء القليل عن بناء الكثير في رسن وأرسان، فرهن يجمع على بناءين من أبنية الجموع وهما فعل وفعال، فمما جاء على " فُعْل " قول الأعشى :\[ الكامل \]
آليتُ لا أُعْطيهِ مِنْ أبنائِنا. . . رَهْناً فَيُفْسِدهُمْ كَمَنْ قَدْ أَفْسَدا
قال الطبري : تأول قوم أن **«رُهُناً »** بضم الراء والهاء جمع رهان، فهو جمع جمع، وحكاه الزجّاج عن الفرّاء( [(١٤)](#foonote-١٤) )، ووجه أبو علي قياساً يقتضي أن يكون رهاناً جمع رهن بأن يقال يجمع فعل على فعال( [(١٥)](#foonote-١٥) ) كما جمعوا فعالاً على فعائل في قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
وَقَرَّبْنَ بالزرْقِ الْجَمَائِلَ بَعْدَما. . . تَقَوَّبَ عَنْ غِرْبَانِ أوراكِها الْخَطَر( [(١٦)](#foonote-١٦) )
ثم ضعف أبو علي هذا القياس وقال : إن سيبويه لا يرى جمع الجمع مطرداً فينبغي أن لا يقدم عليه حتى يرد سماعاً. 
وقوله عز وجل : مقبوضة  يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكيله فيما علمت. 
واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء قبض العدل قبض، وقال الحكم بن عتيبة وأبو الخطاب قتادة بن دعامة( [(١٧)](#foonote-١٧) ) وغيرهما : ليس قبض العدل بقبض، وقول الجمهور أصح من جهة المعنى في الرهن( [(١٨)](#foonote-١٨) ). 
وقوله تعالى : فإن أمن  الآية، شرط ربط به وصية الذي عليه الحق بالأداء، وقوله  فليُؤد  أمر بمعنى الوجوب بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون وثبوت حكم الحاكم به وجبره الغرماء عليه، وبقرينة الأحاديث الصحاح في تحريم مال الغير، وقوله  أمانته  مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة( [(١٩)](#foonote-١٩) )، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة، ويحتمل أن يريد بالأمانة نفس المصدر( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، كأنه قال : فليحفظ مروءته، فيجيء التقدير : فليؤد ذا أمانته( [(٢١)](#foonote-٢١) )، وقرأ عاصم فيما روى عنه أبو بكر الذي أؤتمن برفع الألف ويشير بالضم إلى الهمزة، قال أحمد بن موسى وهذه الترجمة غلط( [(٢٢)](#foonote-٢٢) )، وقرأ الباقون بالذال مكسورة وبعدها همزة ساكنة بغير إشمام، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وروى سليم عن حمزة إشمام الهمزة الضم، وهذا خطأ أيضاً لا يجوز، وصوّب أبو علي هذا القول كله الذي لأحمد بن موسى واحتج له، وقرأ ابن محيصن **«الذي ايتمن »** بياء ساكنة مكان الهمزة، وكذلك ما كان مثله. 
وقوله تعالى : ولا تكتموا الشهادة  نهي على الوجوب( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) بعدة قرائن، منها الوعيد وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق، وقال ابن عباس على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ويخبر حيثما استخبر، قال ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبره بها لعله يرجع ويرعوي. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا عندي بحسب قرينة حال الشاهد والمشهود فيه والنازلة، لا سيما مع فساد الزمن وأرذال الناس ونفاق الحيلة وأعراض الدنيا عند الحكام، فرب شهادة إن صرح بها في غير موضع النفوذ كانت سبباً لتخدم باطلاً ينطمس به الحق، و  آثم  معناه قد تعلق به الحكم اللاحق عن المعصية في كتمان الشهادة، وإعرابه أنه خبر **«إن »**( [(٢٤)](#foonote-٢٤) )، و  قلبه  فاعل ب  آثم ، ويجوز أن يكون ابتداء و  قلبه  فاعل يسد مسد الخبر، والجملة خبر إن، ويجوز أن يكون  قلبه  بدلاً( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ) على بدل البعض من الكل. 
وخص الله تعالى ذكر القلب إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كما قال عليه السلام( [(٢٦)](#foonote-٢٦) )، وقرأ ابن أبي عبلة **«فإنه آثم قلبَه »** بنصب الباء، قال مكي هو على التفسير( [(٢٧)](#foonote-٢٧) ) ثم ضعفه من أجل أنه معرفة. 
وفي قوله تعالى : والله بما تعملون عليم  توعد وإن كان لفظها يعم الوعيد والوعد.

١ - رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وكذلك رواه غيرهما..
٢ - أي: **«وإن كنتم على عذر كالسفر»**، فيكون السفر مثالا ذكر للإيضاح، والرهن وثيقة للحق وشاهد عليه في العرف..
٣ - نفي الكاتب يقتضي نفي الكتابة – ونفي الكتابة يقتضي نفي الكاتب – فعلى أي قراءة يكون كل من الكاتب والكتابة غير متوافرين. لكن ابن عطية، بعد أن حكم بالحسن على القراءتين من حيث المعنى – رجح القراءة التي جاء بها خط المصحف العثماني – وهي \[كاتباً\] على قراءة \[كتاباً\]..
٤ - هذه علة قراءة الجمع، سواء كان كُتَّاباً أو كُتُبًا..
٥ - تفسير لما قبله من رهن وأرهن..
٦ - الراووق: المصفاة التي تصفى بها الخمر – والباطية، والكأس – قال الشاعر:
 وقهوة مزَّةٍ راووقها خضل .............................
 والساكب: الذي يسيل منه الشراب..
٧ - من هنا قال مالك رحمه الله: إذا عاد الرهن إلى الراهن بأي وجه من الوجوه فإن المرتهن لا ينتفع بالرهن ولا يختص به إذا قام الغرماء على الراهن، فالقبض عند الإمام مالك رحمه الله شرط في الانتفاع والاختصاص به، وذلك أدخل في اعتبار الأحكام، فلا بد من وجود القبض ودوامه كما هو معنى الرهن في لغة العرب..
٨ - الشاعر هو رذاذ الكلبي كما جاء في اللسان. ويروى صدر البيت فيه هكذا:
 ظَلَّتْ تَجولُ بها البلْدانَ نَاجِيَــةٌ ...............................
 والعيديّة: نوق من كرام النجائب – والأصل في التسمية أو الوصف أنها نسبت إلى أحد الفحول المنجبة وكان يسمى (عيدا)، ويرى ابن عطية أنها منسوبة إلى (العيد) بطن من بطون مَهْرَة، وهي قبيلة كبيرة منسوبة لمهرة بن حيدان، يقال عن نوقها: نجائب تسبق الخيل، وهكذا ورد في اللسان. ويريد برهن الدنانير فيها: المغالاة فيها حتى يحصل عليها بالثمن الكثير..
٩ - حاصله أنه يقال في الرهن المتعارف: رهنت باتفاق، وأرهنت بقلة، كما يفيده قول أبي علي، وقد يقال في هذا المعنى: أرهنت وفعلت فيه أكثر، ويقال: رهنته الشيء، ورهنت عنده الشيء. ويقال: رهنته لساني، أي حبسته عنده بأن عاهدته على أمر أو واعدته به، ولا يقال: أرهنته لساني بالهمزة، ويقال في السلعة إذا غالى فيها – أرهنت فيها، ولا يقال: رهنت فيها، هذا ما وقعت الإشارة إليه. والله أعلم..
١٠ - هو أُحَيْحَه بن الجلاح..
١١ - قبله:
 آلَيْتُ لا أُعْطيه من أبنائِنَــا رُهُنًا فَيُفْسِدُهُمْ كَمَنْ قد أفْسَــدا
 ويأتي عند ابن عطية الاستشهاد به في بناء فُعُل كرُسُل جمعاً لرَهْن. وروي يفيدك – ويقيدك، ويقيدك من أقاد بمعنى أعطى – ونعش: مجموعة نجوم في السماء منها "بنات نعش الكبرى والصغرى"، وكلمة (نعش) فاعل للفعل (يقيد) – والسماك: واحد السماكين – السماك الرامح وهو في الشمال والسماك الأعزل وهو في الجنوب – وهما نجمان نيران – والأصل أن السماك: كل ما سمُك حائطاً كان أو سقفاً – والفرقد: نجم قريب من القطب الشمالي ثابت الموقع ولهذا يهتدى به..
١٢ - في الصحاح: عبد الله بن همام السلولي، فهما روايتان رواهما اللسان، وبعد البيت:
 غريبـــاً مُقيما بدار الهَـوا نِ، أهْون عليَّ بهِ هَالِكَـا
 وأحضرت عُذري عليه الشُّهو د إن عاذراً لي وإن تاركا
 وقد شهِد الناس عند الإمــا م أني عـدوٌّ لأعدائِكــا.
١٣ - لغة في (أسد) بفتح السين..
١٤ - في اللسان: قال الفراء: **«الرهن يجمع رهاناً، مثل نَعْل ونِعال، ثم الرهان يجمع رُهُنًا»**..
١٥ - حاصله أن منهم من جعل رُهُن بضمتين جمع رهان، ومنهم من عكس فجعل رهان جمع رُهُن، وقد ضعفه أبو علي بأن جمع الجمع يقتصر فيه على السماع ولا قياس فيه..
١٦ - الزرق: قال في القاموس: النصال والرمال بالدهناء، والمراد هنا النصال لأنها توصف بالزرقة – والجمائل: جمع جِمَال – وإن كان قال في اللسان في جمع جمل (ومثله في القاموس): والجمع: أجمال وجمال و. و. وجمائل – وتَقَوَّب: زال وانقلع – يقال: تقوب الشيء إذا انقلع من أصلهز والغربان: جمع غراب وهو حد الورك الذي يلي الظهر – والخطْر: مصدر خطر البعير بذنبه رفعه مرة بعد أخرى فضرب به فخذيه..
١٧ - قتادة: اسم أبي الخطاب – وأبو الخطاب تابعي جليل..
١٨ - لأن الرهن معناه: الحبس، فهو محبوس ومقبوض عند العدل نيابة عن المرتهن..
١٩ - يعني أنه يستعمل مجازاً في الأعيان، فيقال: الوديعة أمانة، وما في الذمة أمانة، ويحتمل أن يراد بالأمانة نفس المصدر وهي المروءة، أي فليحفظ مروءته وفتوته بألا يخون ما جعل عليه أمينا..
٢٠ - أي يكون على حذف مضاف حسبما قدره المؤلف..
٢١ - لأنه صار لا يعلم إلا من جهته..
٢٢ - أي الإشارة بالضم إلى الهمزة غلط، كما أن إشمام الهمزة الضم خطأ، وأحمد بن موسى هو المعروف بابن مجاهد، كبير العلماء بالقراءات في عصره، له كتاب "القراءات الكبير" وكتاب "الياءات"، وكتاب "الهاءات" توفي سنة ٣٢٤هـ. وقد صوب أبو علي ما قاله أحمد بن موسى في اعتراضه على القراءتين..
٢٣ - قال ابن عباس رضي الله عنهما: **«شهادة الزور، وكتمان الشهادة كلاهما من أكبر الكبائر، فإقامة الشهادة واجبة، واكتتامها مأثمة، ومثل كتمها تحريفها وإنكارها»** وقد قال الله تعالى: \[وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعلمون خبيرا\].
 سانحة: الأكتم بالمثناة وبالمثلثة هو الشبعان، وعظيم البطن، وواسعه، وبه سمي، ومنه يحيى بن الأكتم الذي تولى قضاء البصرة وهو ابن إحدى وعشرين سنة، فأراد بعض الشيوخ أن يخجله فقال له: كم سن القاضي ؟ فقال: مثل سن عتَّاب بن أسيد لمّا ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها، فأفحمه..
٢٤ - هذا لا يجوز عل مذهب سيبويه وجمهور البصريين لأنه لا بد من اعتماد الوصف على نفي أو استفهام، لكنه يجوز على مذهب أبي الحسن الذي لا يشترط ذلك..
٢٥ - يريد أنه بدل من الضمير المستتر في \[آثم\]. وجوز الزمخشري أن يكون \[آثم\] خبراً مقدما، و\[قبله\] مبتدأ، والجملة خبر \[إنَّ\]..
٢٦ - قال الإمام القرطبي رحمه الله: يقال: إن إثْم القلب مسخه، وإذا مسخ الله قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك..
٢٧ - أي التمييز. وقد ضعّف ذلك مكي لأنه معرفة – لكن الكوفيين يجيزون مجيء التمييز معرفة. وقد خرجه بعضهم (في حالة النصب) على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به نحو قولهم: مررت برجل حسن وجهه..

### الآية 2:284

> ﻿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:284]

لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ٢٨٤ )
المعنى جميع ما في السموات وما في الأرض ملك لله وطاعة( [(١)](#foonote-١) )، لأنه الموجد المخترع لا رب غيره، وعبر ب  ما  وإن كان ثم من يعقل لأن الغالب إنما هو جماد، ويقل من يعقل من حيث قلت أجناسه، إذ هي ثلاثة : ملائكة، وإنس، وجن، وأجناس الغير كثيرة. 
وقوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  معناه أن الأمر سواء، لا تنفع فيه المواراة والكتم، بل يعلمه ويحاسب عليه، وقوله : في أنفسكم  تقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واعتقد واستصحبت الفكرة فيه( [(٢)](#foonote-٢) )، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز. 
واختلف الناس في معنى هذه الآية( [(٣)](#foonote-٣) )، فقال ابن عباس وعكرمة والشعبي هي في معنى الشهادة التي نهي عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي في نفسه محاسب، وقال ابن عباس أيضاً وأبو هريرة والشعبي وجماعة من الصحابة والتابعين إن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا هلكنا يا رسول الله إن حوسبنا بخواطر نفوسنا، وشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكنه قال لهم أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ؟ ! بل قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك  لا يكلف الله نفساً إلا وسعها  \[ البقرة : ٢٨٦ \]، فكشف عنهم الكربة ونسخ الله بهذه الآية تلك، هذا معنى الحديث المروي، لأنه تطرق من جهات، واختلفت عباراته واستثبتت عبارة هؤلاء القائلين بلفظة النسخ في هذه النازلة( [(٤)](#foonote-٤) ). وقال سعيد بن مرجانة( [(٥)](#foonote-٥) ) جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية،  إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  ثم قال : والله لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى حتى سالت دموعه، وسمع نشيجه، قال ابن مرجانة فقمت حتى جئت ابن عباس فأخبرته بما قال ابن عمر وبما فعل، فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر فأنزل الله  لا يكلف الله نفساً إلا وسعها  الآية فنسخت الوسوسة، وثبت القول والفعل، وقال الطبري وقال آخرون هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله تعالى يحاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم فأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ثم أدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا المعنى، وقال مجاهد الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، وقال الحسن الآية محكمة ليست بمنسوخة، قال الطبري وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس، إلا أنهم قالوا إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفس وصحبه الفكر هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها، ثم أسند عن عائشة رضي الله عنها نحو هذا المعنى، ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه  معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبيّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصصها، ونص على حكمه أنه  لايكلف نفساً إلا وسعها  \[ البقرة : ٢٨٦ \]، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هو أمر غالب، وليست مما يكسب ولا يكتسب، وكان في هذا البيان فرحهم وكشف كربهم، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها( [(٦)](#foonote-٦) ). 
ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم :**«قولوا سمعنا وأطعنا »** يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران، فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله عز وجل  إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ( [(٧)](#foonote-٧) ) \[ الأنفال : ٦٥ \] فهذا لفظ الخبر ولكن معناه : التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك. 
وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي **«فيغفرْ »**، و **«ويعذبْ »**، جزماً، وقرأ ابن عامر وعاصم **«فيغفرُ »** و **«ويعذبُ »** رفعاً، فوجه الجزم أنه أتبعه منا قبله ولم يقطعه، وهكذا تحسن المشاكلة في كلامهم( [(٨)](#foonote-٨) )، ووجه الرفع أنه قطعه من الأول، وقطعه على أحد وجهين، إما أن تجعل الفعل خبراً لمبتدأ محذوف فيرتفع الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ، وإما أن تعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو حيوة **«فيغفرَ »** و **«يعذبَ »** بالنصب على إضمار **«أن »**، وهو معطوف على المعنى كما في قوله : فيضاعفه ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ البقرة : ١١ \] وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف( [(١٠)](#foonote-١٠) ) يغفر بغير فاء، وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، قال ابن جني هي على البدل من يحاسبكم فهي تفسير المحاسبة( [(١١)](#foonote-١١) )، وهذا كقول الشاعر :\[ الطويل \]
رويداً بني شيبانَ بعضَ وعيدِكُمْ. . . تُلاقُوا غداً خيلي عَلى سَفَوَانِ
تلاقوا جياداً لا تحيدُ عن الوغَى. . . إذا ما غَدَتْ في المأزقِ المتدانِ( [(١٢)](#foonote-١٢) )
فهذا على البدل، وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول. 
وقوله تعالى : ويعذب من يشاء  يعني من العصاة الذين ينفذ عليهم الوعيد، قال النقاش يغفر لمن يشاء، أي لمن ينزع عنه،  ويعذب من يشاء  أي من أقام عليه، وقال سفيان الثوري يغفر لمن يشاء العظيم ويعذب من يشاء على الصغير. 
قال القاضي أبو محمد : وتعلق بهذه قوم ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق، وقال إن الله قد كلفهم أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا غير بين، وإنما كان أمر الخواطر تأويلاً تأوله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت تكليفاً إلا على الوجه الذي ذكرنا من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على ذلك. 
ومسألة تكليف ما لا يطاق، نتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى( [(١٣)](#foonote-١٣) ). 
ولما ذكر المغفرة والتعذيب بحسب مشيئته تعالى أعقب ذلك بذكر القدرة على جميع الأشياء، إذ ما ذكر جزء منها.

١ - أن يُصَرِّف سبحانه ما فيهما كما يشاء وهما في طاعة وانقياد..
٢ - أي ما ثبت واستقر في النفس، وأما الخواطر التي تمر على النفس وتذهب فلا حساب فيها، وهذا ما اعتمده ابن عطية، وفسَّر به الآية، وقال: إنها محكمة، والمراد بما في النفس ما هو في وسعكم وتحت كسبكم..
٣ - هذه الآية فيها أقوال وآراء. منها: تخصيص الآية بكتم الشهادة، ومنها: تخصيصها بما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، ومنها: أنها محكمة عامة إلا أن المغفرة للمؤمنين والعذاب للكافرين، ومنها: أنها محكمة إلا أن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفس وصحبه الفكر هو بمصائب الدنيا وآلامها ومكارهها، وكل هذا تخصيص بدون مخصص، ومنها (وهو الحق): أنها منسوخة لتصريح الأحاديث بالنسخ، وحيث صرحت بالنسخ فلم يبق مجال لمخالفتها، ومنها ما رجحه الإمام الطبري وابن عطية رحمهما الله تعالى من أنها محكمة غير منسوخة، وسترى ذلك إن شاء الله..
٤ - روي هذا الحديث عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، من عدة طرق. وخرَّجه الإمام أحمد، والإمام مسلم، والإمام البخاري عن رجل من أصحاب رسول الله، قال أحسبه ابن عمر، وابن جرير الطبري، والترمذي والنسائي..
٥ - اسم أبيه (عبد الله العامري) وهو تابعي جليل، توفي سنة ٩٦هـ، وروى حديث سعيد هذا ابن جرير الطبري والبيهقي في الشعب..
٦ - واضح أن رأي ابن عطية هو أن الآية مخصصة بما هو في وسعهم وتحت كسبهم، وذلك بقوله تعالى: \[لا يكلِّف الله نفسا إلا وسعها\]. وما أتى به المؤلف رحمه الله في توجيه هذه القضية واضح تمام الوضوح، ويمكن القول بأن الذين أطلقوا النسخ أرادوا التخصيص بهذا المعنى الذي أشار إليه ابن عطية، فإن المتقدمين كثيرا ما يطلقون النسخ على التخصيص.
 وعليه فالآية محكمة مخصصة بقوله تعالى: \[لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها\]..
٧ - من الآية (٦٥) من سورة الأنفال..
٨ - يعني أن الجزم أحسن ليكون مُشاكِلا لما قبله في اللفظ، ومعطوفا على الجواب وما قبله هو \[يحاسبكم\]..
٩ - حقيقته أنه عطف على المعنى، أي: إن تكن محاسبة فمغفرة وتعذيب كما في قوله تعالى: \[فيضاعفه له أضعافا كثيرة\] والعطف على اللفظ أجود للمشاكلة. وقوله تعالى: \[فيضاعفه\]. الخ من الآية (٢٤٥) من سورة البقرة..
١٠ - الجعفي – عبيد الله بن الحر بن عمر الجعفي – من بني سعد العشيرة – كان من خيار قومه شرفا وصلاحا وفضلا – توفي ٦٨هـ.
 وخلاد بن خالد الشيباني – من كبار القراء. قال ابن الجزري: كان إماما في القراءة، ثقة، عارفا، محققا، مجودا، أستاذاً – توفي بالكوفة ٢٢٠هـ.
 وطلحة بن مُصرِّف بن كعب بن عمرو الكوفي – أقرأ أهل الكوفة في عصره، كان يسمى سيد القراء في عصره، وهو من رجال الحديث الثقات – ومن أهل الورع والنسك – توفي ١١٢هـ..
١١ - فيه تساهل، فإن المغفرة والتعذيب يترتبان على المحاسبة التي هي إحصاء الحسنات والسيئات..
١٢ - الشاعر هو الوداك بن ثميل المازني، وقوله: "بعض وعيدكم"، منصوب بفعل محذوف، أي كفوا عنا بعض وعيدكم وقوله: "تلاقوا جياداً"، يدل من قوله: **«تلاقوا غداً خيلي»**، وسفوان: اسم ماء بين بني مازن وبني شيبان اقتتلت عنده القبيلتان المذكورتان..
١٣ - عند تفسير قوله تعالى: \[لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها\]..

### الآية 2:285

> ﻿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [2:285]

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( ٢٨٥ )
سبب هذه الآية( [(١)](#foonote-١) ) أنه لما نزلت  وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه  الآية التي قبلها. وأشفق منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ثم تقرر الأمر على أن  قالوا سمعنا وأطعنا ، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذ قالوا سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله أعاذنا الله من نقمه، و  آمن  معناه صدق، و  الرسول  محمد صلى الله عليه وسلم، و  بما أنزل إليه من ربه  هو القرآن وسائر ما أوحي إليه( [(٢)](#foonote-٢) )، من جملة ذلك هذه الآية( [(٣)](#foonote-٣) ) التي تأولوها شديدة الحكم، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه قال : ويحق له أن يؤمن( [(٤)](#foonote-٤) )، وقرأ ابن مسعود **«وآمن المؤمنون »**، و  كل  لفظة تصلح للإحاطة، وقد تستعمل غير محيطة على جهة التشبيه بالإحاطة والقرينة تبين ذلك في كل كلام( [(٥)](#foonote-٥) )، ولما وردت هنا بعد قوله  والمؤمنون  دل ذلك على إحاطتها بمن ذكر. 
والإيمان بالله هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه. 
والإيمان بملائكته هو اعتقادهم عباد الله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم. 
والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر ******«وكتبه »****** على الجمع، وقرؤوا في التحريم و **«كتابه »**( [(٦)](#foonote-٦) ) على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم ******«وكتبه »****** على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي ****«وكتابه »**** على التوحيد فيهما، وروى حفص عن عاصم ها هنا وفي التحريم ******«وكتبه »****** مثل أبي عمرو، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله تعالى، هذا قول بعضهم وقد وجهه أبو علي وهو كما قالوا : نسج اليمن( [(٧)](#foonote-٧) )، وقال أبو علي في صدر كلامه : أما الإفراد في قول من قرأ ****«وكتابه »**** فليس كما تفرد المصادر وإن أريد بها الكثير، كقوله تعالى : وادعوا ثبوراً كثيراً  \[ الفرقان : ١٤ \] ونحو ذلك، ولكن كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة، كقولهم : كثر الدينار والدرهم ونحو ذلك( [(٨)](#foonote-٨) )، فإن قلت هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة إنما تجيء مفردة وهذه مضافة، قيل وقد جاء في المضاف ما يعني به الكثرة ففي التنزيل : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ إبراهيم : ٣٤ \] وفي الحديث منعت العراق درهمها وقفيزها( [(١٠)](#foonote-١٠) )، فهذا يراد به الكثير كما يراد بما فيه لام التعريف، ومنه قول ابن الرقاع :
يَدَعُ الْحَيَّ بالعشيِّ رَعَاهَا. . . وَهُم عَنْ رَغِيفِهِمْ أَغْنِيَاءُ( [(١١)](#foonote-١١) )
ومجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة، وقرأت الجماعة **«ورسُله »** بضم السين، وكذلك **«رسُلنا »** و **«رسُلكم »** و **«رسُلك »**( [(١٢)](#foonote-١٢) ) إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف **«رسلنا »** و **«رسلكم »**، وروي عنه في **«رسلك »** التثقيل والتخفيف، قال أبو علي من قرأ **«على رسلك »** بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد مثل عنق وطنب، فإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، وقرأ يحيى بن يعمر **«وكتْبه ورسْله »** بسكون التاء والسين، وقرأ ابن مسعود **«وكتابه ولقائه ورسله »**، وقرأ جمهور الناس **«لا نفرق »** بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق( [(١٣)](#foonote-١٣) )، وقرأ سعيد بن جبير ويحيي بن يعمر وأبو زرعة بن عمر بن جرير ويعقوب **«لا يفرق »** بالياء، وهذا على لفظ  كل ، قال هارون وهي في حرف ابن مسعود **«لا يفرقون »**، ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. 
وقوله تعالى : وقالوا سمعنا وأطعنا  مدح يقتضي الحض على هذه المقالة وأن يكون المؤمن يمتثلها غابر الدهر، والطاعة قبول الأوامر، و  غفرانك  مصدر كالكفران والخسران، ونصبه على جهة نصب المصادر، والعامل فيه فعل مقدر، قال الزجّاج تقديره اغفر غفرانك، وقال غيره نطلب ونسأل غفرانك،  وإليك المصير  إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. 
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال له جبريل : يا محمد إن الله قد أجل( [(١٤)](#foonote-١٤) ) الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل إلى آخر السورة( [(١٥)](#foonote-١٥) ).

١ - انظر صحيح الإمام مسلم، وبهذا السبب ظهرت مناسبة الآية لما قبلها..
٢ - من العقائد والشرائع والأحكام في القرآن وفي غيره..
٣ - وهي قوله تعالى: \[وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء\]..
٤ - رواه ابن جرير عن قتادة، ورواه الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال: إسناده صحيح..
٥ - نحو قوله تعالى: \[تدمر كل شيء بأمر ربّها\]، فإنها إنما دمرتهم ودمرت مساكنهم دون غيرهم..
٦ - في قوله تعالى: \[ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، وصدّقت بكلمات ربّها وكتبه، وكانت من القانتين\]. الآية (١٢)..
٧ - أي منسوجه، فالكتاب بمعنى المكتوب..
٨ - يعني أن معنى الكثرة في المصادر المفردة غير معنى الكثرة في الأسماء المفردة، كما تقول: خرق كثير – أي واسع، وهلاك كثير: أي دائم..
٩ - من الآية (١٨) من سورة النحل. وقوله تعالى: (وادعوا ثبورا) من الآية (١٤) من سورة الفرقان..
١٠ - رواه الإمام أحمد في مسند أبي هريرة بلفظ – (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، يشهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه).
 ورواه الإمام مسلم في الفتن وأشراط الساعة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وعدتم من حيث بدأتم) هو بمعنى: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ..
١١ - أي عدي بن الرقاع. يقال: غرث غرثاً: جاع، فهو غرثان..
١٢ - تكررت (رسلنا) في كثير من الآيات – منها: \[ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات\] (٣٢) من سورة المائدة. وجاءت (رسلكم) في الآية (٥٠) من سورة غافر: \[قالوا: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات\]. وجاءت (رسلك) في الآية (١٩٤) من سورة آل عمران: \[ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك\]..
١٣ - وحذف القول في الكلام الفصيح كثير، من ذلك قوله تعالى: \[والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم\] أي: يقولون: سلام عليكم الخ..
١٤ - في نسخة بالجيم، وفي أخرى بالحاء، ومنه حديث: (اليوم أُحلّ عليكم رضواني)..
١٥ - رواه ابن جرير عن جابر رضي الله عنه. وهي سبعة أسئلة مستجابة، لما ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: قد فعلت – عقب كل دعاء من هذه الأدعية، أي قد استجبت. ومن أدب القرآن حذف النداء في نداء الله تعالى فيقال: ربِّ، ربّنا، ولا يوجد في القرآن بالنداء إلا في موضعين: الأول: في سورة الفرقان: \[وقال الرسول يا رب إن قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجورا\] والثاني: في سورة الزخرف: \[وَقِيلِهِ ياربّ إن هؤلاء قوم لا يؤمنون\]..

### الآية 2:286

> ﻿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:286]

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( ٢٨٦ )
قوله تعالى : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها  خبر جزم نص على أنه لا يكلف العباد من وقت نزوله الآية عبادة من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وتأول من ينكر جواز تكليف ما لا يطاق هذه الآية بمعنى أنه لا يكلف ولا كلف وليس ذلك بنص في الآية ولا أيضاً يدفعه اللفظ، ولذلك ساغ الخلاف( [(١)](#foonote-١) ). 
وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى  يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر  \[ البقرة : ١٨٥ \] وقوله تعالى : ما جعل عليكم في الدين من حرج  \[ الحج : ٧٨ \] وقوله : فاتقوا الله ما استطعتم ( [(٢)](#foonote-٢) ) \[ التغابن : ١٦ \]. 
واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا بعد اتفاقهم. على أنه ليس واقعاً الآن في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه، فقال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً ولا يحرم ذلك شيئاً من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعاً به( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قال القاضي أبو محمد : وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة حسب الحديث( [(٤)](#foonote-٤) ). 
واختلف القائلون بجوازه( [(٥)](#foonote-٥) ) هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ فقالت فرقة وقع في نازلة أبي لهب( [(٦)](#foonote-٦) ) لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، وتكليف الشرع له الإيمان راتب( [(٧)](#foonote-٧) )، فكأنه كلف أن يؤمن وأن يكون في إيمانه أنه لا يؤمن لأنه إذا آمن فلا محالة أنه يؤمن بسورة  تبت يدا أبي لهب ( [(٨)](#foonote-٨) ) \[ المسد : ١ \]، وقالت فرقة لم يقع قط، وقوله تعالى : سيصلى ناراً ( [(٩)](#foonote-٩) ) \[ المسد : ٣ \] إنما معناه إن وافى على كفره. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وما لا يطاق ينقسم أقساماً : فمنه المحال عقلاً كالجمع بين الضدين، ومنه المحال عادة، كرفع الإنسان جبلاً، ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك كالاحتراق بالنار ونحوه، ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره، وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير( [(١٠)](#foonote-١٠) )، و  يكلف  يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف تقديره **«عبادة »** أو شيئاً( [(١١)](#foonote-١١) )، وقرأ ابن أبي عبلة **«إلا وَسِعها »** بفتح الواو وكسر السين، وهذا فيه تجوز لأنه مقلوب، وكان وجه اللفظ إلا وسعته، كما قال  وسع كرسيه السموات والأرض ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) \[ البقرة : ٢٥٥ \] وكما قال  وسع كل شيء علماً ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) \[ طه : ٩٨ \] ولكن يجيء هذا من باب أدخلت القلنسوة في رأسي، وفمي في الحجر. 
وقوله تعالى : لها ما كسبت  يريد من الحسنات،  وعليها ما اكتسبت  يريد من السيئات، قاله السدي وجماعة من المفسرين، لا خلاف في ذلك، والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان. 
وجاءت العبارة في الحسنات ب  لها  من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات ب  عليها ، من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة، وهذا كما تقول لي مال وعلي دين، وكما قال المتصدق باللقطة : اللهم عن فلان فإن أبى فلي وعليَّ، وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسناً لنمط الكلام. كما قال  فمهل الكافرين أمهلهم رويداً  \[ الطلاق : ١٧ \] هذا وجه، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازاً لهذا المعنى، وقال المهدوي وغيره : وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا صحيح في نفسه، لكن من غير هذه الآية. 
وقوله تعالى : ربنا لا تؤاخذنا  معناه قولوا في دعائكم. 
واختلف الناس في معنى قوله  نسينا أو أخطأنا  فذهب الطبري وغيره إلى أنه النسيان بمعنى الترك، أي إن تركنا شيئاً من طاعتك وأنه الخطأ المقصود. قالوا وأما النسيان الذي يغلب المرء والخطأ الذي هو عن اجتهاد فهو موضع عن المرء، فليس بمأمور في الدعاء بأن لا يؤاخذ به، وذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود، وهذا هو الصحيح عندي. قال قتادة في تفسير الآية بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها. وقال السدي نزلت هذه الآية فقالوها ؛ قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : قد فعل الله ذلك يا محمد. 
قال القاضي أبو محمد : فظاهر قوليهما ما صححته، وذلك أن المؤمنين لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى : يحاسبكم به الله  \[ البقرة : ٢٨٤ \] أمروا بالدعاء في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه، وذلك في النسيان والخطأ، **«والإصر »** الثقل وما لا يطاق على أتم أنواعه، وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز تكليف ما لا يطاق، ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في أن لا يقع هذا الجائز الصعب. ومذهب الطبري والزجاج أن تكليف ما لا يطاق غير جائز( [(١٤)](#foonote-١٤) )، فالنسيان عندهم المتروك من الطاعات. والخطأ هو المقصود من العصيان، والإصر هي العبادات الثقيلة كتكاليف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وقرض أبدانهم ومعاقباتهم على معاصيهم في أبدانهم حسبما كان يكتب على أبوابهم وتحميلهم العهود الصعبة. وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز، كما تقول لا طاقة لي على خصومة فلان، ولغير ذلك من الأمر تستصعبه وإن كنت في الحقيقة تطيقه أو يكون ذلك  ما لا طاقة لنا به  من حيث هو مهلك لنا كعذاب جهنم وغيره( [(١٥)](#foonote-١٥) ). 
وأما لفظة **«أخطأ »** فقد تجيء في القصد ومع الاجتهاد، قال قتادة : الإصر العهد والميثاق الغليظ( [(١٦)](#foonote-١٦) ). وقاله مجاهد وابن عباس والسدي وابن جريج والربيع وابن زيد وقال عطاء : الإصر المسخ قردة وخنازير. وقال ابن زيد أيضاً : الإصر الذنب لا كفارة فيه ولا توبة منه. وقال مالك رحمه الله : الإصر : الأمر الغليظ الصعب. 
قال القاضي أبو محمد : والآصرة في اللغة : الأمر الرابط من ذمام أوقرابة أو عهد ونحوه، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه، والإصار الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها، والِقُّد يضم عضدي الرجل( [(١٧)](#foonote-١٧) ) يقال أصر يأصر والإصر بكسر الهمزة من ذلك، وفي هذا نظر( [(١٨)](#foonote-١٨) ). وروي عن عاصم أنه قرأ أُصراً بضم الهمزة، ولا خلاف أن الذين من قبلنا يراد به اليهود. قال الضحاك : والنصارى، وأما عبارات المفسرين في قوله : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به  فقال قتادة لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا. وقال الضحاك : لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق، وقال نحوه ابن زيد، وقال ابن جريج : لا تمسخنا قردة وخنازير( [(١٩)](#foonote-١٩) )، وقال سلام بن سابور : الذي لا طاقة لنا به الُغَلَمة( [(٢٠)](#foonote-٢٠) )، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء وعن مكحول، وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه : وأعوذ بك في غلمة ليس لها عدة، وقال السدي : هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من التحريم، ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله : واعف عنا  أي فيما واقعناه وانكشف  واغفر لنا  أي استر علينا ما علمت منا  وارحمنا  أي تفضل مبتدئاً برحمة منك لنا. 
قال القاضي أبو محمد : فهي مناح للدعاء متباينة وإن كان الغرض المراد بكل واحد منها واحداً وهو دخول الجنة و  أنت مولانا  مدح في ضمنه تقرب إليه وشكر على نعمه، ومولى هو من ولي فهو مفعل أي موضع الولاية، ثم ختمت الدعوة( [(٢١)](#foonote-٢١) ) بطلب النصر على الكافرين الذي هو ملاك قيام الشرع وعلو الكلمة ووجود السبيل إلى أنواع الطاعات. 
وروي أن جبريل عليه السلام أتى محمداً صلى الله عليه وسلم فقال : قل ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، فقالها، فقال جبريل قد فعل، فقال : قل كذا وكذا فيقولها فيقول جبريل : قد فعل إلى آخر السورة، وتظاهرت بهذا المعنى أحاديث، وروي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال آمين( [(٢٢)](#foonote-٢٢) ). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هناك دعاء وهنا دعاء فحسن، وروى أبو مسعود عقبة بن عمرو( [(٢٣)](#foonote-٢٣) ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، »**( [(٢٤)](#foonote-٢٤) ) يعني من قيام الليل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما أظن أحداً عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي »**( [(٢٥)](#foonote-٢٥) ).

١ - في جواز تكليف ما لا يطاق وعدم جوازه، لأن الآية لا تنص على عدم الجواز ولا تدفعه..
٢ - الآيات بترتيبها – من الآية (١٨٥) من سورة البقرة، ومن الآية (٧٨) من سورة الحج، ومن الآية (١٦) من سورة التغابن، وهذه الآيات كلها تدل على رفع الحرج والعسر عن هذه الأمة..
٣ - في "شرح المحلى على جمع الجوامع" أن فائدة التعليق بالمحال اختيار المكلفين، هل يأخذون في المقدمات والأسباب فيترتب عليها الثواب، أولا – فالعقاب، وناقشه الكمال ابن أبي شريف بأن ظهور الحكمة والمصلحة للعقل في أفعال الله تعالى غير لازم..
٤ - في حديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان: (فلْيخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة). وهذا في تهديد المصورين. والذي في البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل). وفي رواية: (كلف أن يعقد شعيرة)، والحديث رواه البخاري، والإمام أحمد، والترمذي في كتاب "الرؤيا" وليس فيه تكليف مالا يطاق، لأن هذا يكون يوم القيامة، وتأمل فإن الكلام فيه تخليط، والله أعلم..
٥ - هذا يتعارض مع قوله سابقا: **«بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا في الشرع»**، تأمل، ولعل هناك فرقة حكت الإجماع على عدم الوقوع، وفرقة حكت الخلاف في الوقوع وعدمه، فأشار إلى فرقة الاتفاق بقوله: **«بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا»**، وأشار إلى فرقة الخلاف بقوله: **«واختلف القائلون بالجواز»**، الخ. والله أعلم..
٦ - يأتي قريبا إن شاء الله حكاية الإجماع على عدم وقوع الممتنع لتعلق علم الله بعدم وقوعه، كما يأتي أن ذلك من باب الممكن الذي عرض له ما يمنعه لا من باب المحال..
٧ - أي قائم وثابت..
٨ - في هذا التصديق تناقض حيث اشتمل على إثبات التصديق في شيء ونفيه في كل شيء فهو من الممتنع لذاته، وأُجيب بأن من أنزل الله فيه أنه لا يؤمن لم يقصد إبلاغه ذلك، أي أنه لا يؤمن حتى يكلف تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيه دفعاً للتناقض، وإنما قصد إبلاغ ذلك إلى غيره، وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم به لليأس من إيمانه، وعليه فتكليفه الإيمان من التكليف بالممتنع لغيره لا لذاته، والله أعلم. فإن قيل: فهل يكون الفعل مقدوراً للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله ؟ قيل: إن أُريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل، وصحة أعضائه، ووجود قواه، وتمكينه من أسباب الفعل، وتهيئة طريق فعله، وفتح الطريق له – فنعم. هو مقدور بهذا الاعتبار. وإن أريد بكونه مقدورا القدرة المقارنة للفعل، وهي الموجبة له، التي إذا وجدت لم يتخلف عنها الفعل فليس مقدورا بهذا الاعتبار، وترجمة هذا الكلام أن القدرة نوعان: قدرة مصححة وهي قدرة الأسباب والشروط، وسلامة الآلة، وهي مناط التكليف – وهذه متقدمة على الفعل غير موجبة له. وقدرة مقارنة للفعل، مستلزمة له، لا يتخلف الفعل عنها. وهذه ليست شرطا في التكليف، ولا يتوقف صحته عليها. فإيمان من لم يشأ الله إيمانه، وطاعة من لم يشأ الله طاعته مقدور بالاعتبار الأول، غير مقدور بالاعتبار الثاني، وبهذا البيان تزول الشبهة إن شاء الله في التكليف بما لا يطاق، والله سبحانه وتعالى أعلم..
٩ - من الآية (٣) من سورة المسد..
١٠ - ما لا يطاق على ضربين – أحدهما: مالا يطاق للعجز عنه، والآخر: لا يطاق للاشتغال عنه بغيره، كما يقال: لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة، وما أشبه ذلك، وهذا سبيل الكافر، فإنه لا يطيق الإيمان له لأنه عاجز عن الإيمان، بل لاشتغاله عنه بضده الذي هو الكفر، فهذا يجوز تكليفه ما لا يطاق، وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان صوابا لأن الله تعالى له أن يفعل في ملكه ما يريد، وقد أثنى سبحانه على من سأله ألا يكلفه مالا طاقة له به، ولعل ما أشار إليه المؤلف رحمه الله يرجع إلى هذين الضربين. وحاصل ما في هذا المقام أنه ثبت في الأصول أن شرط التكليف القدرة على المكلف به فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا وإن جاز عقلا. والطاقة: هي القدرة، وما لا يطاق لا تتعلق به قدرة الإنسان المقارنة للفعل، والتكليف بما لا يطاق هو التكليف بالمحال، وهو ما يرجع المحال فيه إلى المأمور به، ثم إنه لا يلزم من نفي التكليف بما لا يطاق نفي التكليف بالمشاق، ولذلك ثبت في الشرائع السابقة التكليف بالمشاق، ولم يثبت فيها التكليف بما لا يطاق.
 والتكليف بالمحال، أو بما لا يطاق له مقامان – المقام الأول في حكمه، وقد أشار إلى ذلك صاحب "جمع الجوامع" بقوله: **«مسألة: يجوز التكليف بالمحال مطلقا، ومنع أكثر المعتزلة، والشيخ أبو حامد الغزالي، وابن دقيق العيد ما ليس ممتنعا لتعلق العلم بعدم وقوعه»**.
 والمقام الثاني: في وقوعه، وقد أشار إليه بقوله: **«والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات»**. وحاصل هذا الكلام: أن التكليف بالمحال جائز عقلا، سواء كان محالا لذاته، أي ممتنعا عادة وعقلا، كالجمع بين الضدين لأدائه إلى اجتماع النقيضين، أو محالا لغيره، أي ممتنعا عادة لا عقلا كالطيران من الإنسان، أو عقلا لا عادة كإيمان من الله أنه لا يؤمن، ومنع ذلك أكثر المعتزلة وبعض أهل السنة في غير ما تعلق علم الله بعدم وقوعه، ومع آخرون كون المحال مطلوبا لا ورود صيغة افعل، نحو قوله تعالى: \[كونوا قِردة خاسئين\]، فليس معنى هذه الصيغة الطلب، وإنما معناها التذليل والامتهان، وأن الحق هو وقوع المحال لغيره دون المحال لذاته ومفهومه، وقد حكى أبو عبد الله المحلي في شرح "جمع الجوامع" الاتفاق على عدم وقوع الممتنع لتعلق علم الله بعدم وقوعه، كإيمان أبي لهب، والذي عليه المحققون كالغزالي أن إيمان من علم الله أنه لا يؤمن ليس محالا عقلا، بل هو ممكن مقطوع بعدم وقوعه، ولا يخرجه القطع بذلك عن كونه ممكنا بحسب ذاته. قال التفتزاني رحمه الله: **«كل ممكن عادة ممكن عقلا، وليس كل ممكن عقلا ممكن عادة»**، ولا شك أن إيمان أبي لهب ممكن عادة فهو ممكن عقلا. والله سبحانه وتعالى أعلم..
١١ - قال أبو (ح): «إن عني أن أصله كذا فهو صحيح، لأن قوله: \[إلا وُسعها\] استثناء مفرغ من المفعول الثاني، وإن عني أنه محذوف في الصناعة فليس كذلك، بل الثاني هو \[وُسعها\] نحو: ما أعطيت زيدا إلا درهما، لأنه في الصناعة هو المفعول وإن كان أصله: ما أعطيت زيدا شيئا إلا درهما..
١٢ - من الآية (٢٥٥) من سورة البقرة..
١٣ - من الآية (٩٨) من سورة طه..
١٤ - حاصله أن الذين فسروا الإصر بما لا يطاق هم الذين جوَّزوا التكليف بما لا يطاق، وأما الذين لا يجوِّزون ذلك كالإمام الطبري، والزجاج، وغيرهما، فقد فسروا الإصر بالعبادات الثقيلة الشديدة، كالتكاليف التي كانت في بني إسرائيل: من قتل أنفسهم في التوبة، وقرض موضوع النجاسة من أبدانهم. وحملوا قوله تعالى: \[ولا تحمّلنا مالا طاقة لنا به\] على المجاز، أي ما هو صعب وشديد وإن كان يطاق، وقالوا: الخطأ يكون عن قصد وعن غير قصد، والله أعلم..
١٥ - أي لا طاقة لنا به من حيث العقوبات لا من حيث الأعمال..
١٦ - تفسير باللازم لأن الوفاء بالعهد شديد على النفس..
١٧ - الإصر: هو الأمر الثقيل الغليظ، ويجمع على آصار، وقُرئ بذلك، والآصرة: ما عطفك على رجل من رحِم، أو قرابة، أو مصاهرة، ويجمع على أواصر، والإصار – ويقال بالسين - : ما تُعقد به الأشياء، والقِدُّ وهو بكسر القاف: السير يقدُّ من جلد، وجمع إصار: أُصر – مثل كِتاب وكتب..
١٨ - قال في القاموس: الأصر بالفتح: الكسر والعطف والحبس، وفعل ذلك كضرب، والإصر بالكسر: العهد، والذنب، والثِّقَل، ويضم ويفتح في الكل اهـ. وتأمل..
١٩ - قال شهاب الدين القرافي: إذا أُريد بقوله: \[ربّنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به\] أي من البلايا والرزايا والمكروهات جاز الدعاء بذلك، لأنه لم تدل النصوص على نفي ذلك، بخلاف التكاليف الشرعية فإنها مرفوعة بقوله تعالى: \[لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها\] فإن أطلق من غير تخصيص لا بالنية ولا بالعادة عصى لاشتمال العموم على ما لا يجوز فيكون ذلك حراما لأن فيه طلب تحصيل الحاصل. انتهى..
٢٠ - هيجان شهوة النكاح وازدياد حدتها..
٢١ - في بعض النسخ: ثم ختمت السورة..
٢٢ - رواه ابن جرير الطبري، وابن أبي شيبة..
٢٣ - عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، أبو مسعود البدري، مشهور بكنيته – اختلف في شهوده بدرا، قيل: مات بالكوفة، وقيل: مات بالمدينة. الإصابة ٢-٤٨٤..
٢٤ - روى هذا الحديث البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، والآيتان من قوله تعالى: \[آمن الرسول\] إلى آخر السورة، وتنتهي الآية الأولى عند قوله: \[وإليك المصير\] وليست \[ما اكتسبت\] رأس آية باتفاق العادّين، وقوله: (كفتاه) أي عن قيام الليل، أو عن قراءة القرآن، أو كفتاه شر الشيطان فلا يكون عليه له سلطان، أو ما أهمه في الدنيا والآخرة، والأولى أن يراد كل ذلك، لأن حذف المتعلق يؤذن بالعموم والشمول..
٢٥ - رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن مردويه، بألفاظ متقاربة..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/2.md)
- [كل تفاسير سورة البقرة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/2.md)
- [ترجمات سورة البقرة
](https://quranpedia.net/translations/2.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
